Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأنبياء 21:74 – الحج 22:43

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الأنبياء 21:74
  2. الأنبياء 21:75
  3. الأنبياء 21:76
  4. الأنبياء 21:77
  5. الأنبياء 21:78
  6. الأنبياء 21:79
  7. الأنبياء 21:80
  8. الأنبياء 21:81
  9. الأنبياء 21:82
  10. الأنبياء 21:83
  11. الأنبياء 21:84
  12. الأنبياء 21:85
  13. الأنبياء 21:86
  14. الأنبياء 21:87
  15. الأنبياء 21:88
  16. الأنبياء 21:89
  17. الأنبياء 21:90
  18. الأنبياء 21:91
  19. الأنبياء 21:92
  20. الأنبياء 21:93
  21. الأنبياء 21:94
  22. الأنبياء 21:95
  23. الأنبياء 21:96
  24. الأنبياء 21:97
  25. الأنبياء 21:98
  26. الأنبياء 21:99
  27. الأنبياء 21:100
  28. الأنبياء 21:101
  29. الأنبياء 21:102
  30. الأنبياء 21:103
  31. الأنبياء 21:104
  32. الأنبياء 21:105
  33. الأنبياء 21:106
  34. الأنبياء 21:107
  35. الأنبياء 21:108
  36. الأنبياء 21:109
  37. الأنبياء 21:110
  38. الأنبياء 21:111
  39. الأنبياء 21:112
  40. الحج 22:1
  41. الحج 22:2
  42. الحج 22:3
  43. الحج 22:4
  44. الحج 22:5
  45. الحج 22:6
  46. الحج 22:7
  47. الحج 22:8
  48. الحج 22:9
  49. الحج 22:10
  50. الحج 22:11
  51. الحج 22:12
  52. الحج 22:13
  53. الحج 22:14
  54. الحج 22:15
  55. الحج 22:16
  56. الحج 22:17
  57. الحج 22:18
  58. الحج 22:19
  59. الحج 22:20
  60. الحج 22:21
  61. الحج 22:22
  62. الحج 22:23
  63. الحج 22:24
  64. الحج 22:25
  65. الحج 22:26
  66. الحج 22:27
  67. الحج 22:28
  68. الحج 22:29
  69. الحج 22:30
  70. الحج 22:31
  71. الحج 22:32
  72. الحج 22:33
  73. الحج 22:34
  74. الحج 22:35
  75. الحج 22:36
  76. الحج 22:37
  77. الحج 22:38
  78. الحج 22:39
  79. الحج 22:40
  80. الحج 22:41
  81. الحج 22:42
  82. الحج 22:43

الأنبياء 21:74

﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . وقَدَّمَ مَفْعُولَ (آتَيْناهُ) اهْتِمامًا بِهِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ العِنايَةِ إذْ كانَ قَدْ تَأخَّرَ ذِكْرُ قِصَّتِهِ بَعْدَ أنْ جَرى ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ إبْراهِيمَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وإلى قَوْمٍ غَيْرِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ إبْراهِيمُ، وإلى أنَّهُ كانَ في مُواطِنَ غَيْرِ المَواطِنِ الَّتِي حَلَّ فِيها إبْراهِيمُ، بِخِلافِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ‌‌‌‌‌‌‌‌ صفحة ١١٢ ولِأجْلِ البُعْدِ أُعِيدَ فِعْلُ الإيتاءِ لِيَظْهَرَ عَطْفُهُ عَلى ﴿آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . ولَمْ يُعَدْ في قِصَّةِ نُوحٍ عَقِبَ هَذِهِ. وأُعْقِبَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ بِقِصَّةِ لُوطٍ لِلْمُناسَبَةِ. وخُصَّ لُوطٌ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِأنَّ أحْوالَهُ تابِعَةٌ لِأحْوالِ إبْراهِيمَ في مُقاوَمَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والفَسادِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما هم عَلَيْهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الشِّرْكِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ الفَواحِشِ الفَظِيعَةِ الَّتِي كانَتْ لَهم سُنَّةً فَإنَّها أثَرٌ مِنَ الشِّرْكِ. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، وهو النُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . والعِلْمُ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، والتَّنْوِينُ فِيهِما لِلتَّعْظِيمِ. والقَرْيَةُ سَدُومُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ. والمُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] في سُورَةِ يُوسُفَ. والخَبائِثُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ بِتَأْوِيلِ الفِعْلَةِ، أيِ الشَّنِيعَةِ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ مَصْدَرٌ، أيِ القَبِيحُ المَكْرُوهُ، وأمّا بِضَمِّ السِّينِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِما ذُكِرَ وهو أغَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ لِأنَّ الوَصْفَ بِالِاسْمِ أضْعَفُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ.

الأنبياء 21:75

﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . وقَدَّمَ مَفْعُولَ (آتَيْناهُ) اهْتِمامًا بِهِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ العِنايَةِ إذْ كانَ قَدْ تَأخَّرَ ذِكْرُ قِصَّتِهِ بَعْدَ أنْ جَرى ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ إبْراهِيمَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وإلى قَوْمٍ غَيْرِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ إبْراهِيمُ، وإلى أنَّهُ كانَ في مُواطِنَ غَيْرِ المَواطِنِ الَّتِي حَلَّ فِيها إبْراهِيمُ، بِخِلافِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ‌‌‌‌‌‌‌‌ صفحة ١١٢ ولِأجْلِ البُعْدِ أُعِيدَ فِعْلُ الإيتاءِ لِيَظْهَرَ عَطْفُهُ عَلى ﴿آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] . ولَمْ يُعَدْ في قِصَّةِ نُوحٍ عَقِبَ هَذِهِ. وأُعْقِبَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ بِقِصَّةِ لُوطٍ لِلْمُناسَبَةِ. وخُصَّ لُوطٌ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِأنَّ أحْوالَهُ تابِعَةٌ لِأحْوالِ إبْراهِيمَ في مُقاوَمَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والفَسادِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما هم عَلَيْهِ قَوْمُ لُوطٍ مِنَ الشِّرْكِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ الفَواحِشِ الفَظِيعَةِ الَّتِي كانَتْ لَهم سُنَّةً فَإنَّها أثَرٌ مِنَ الشِّرْكِ. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، وهو النُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . والعِلْمُ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، والتَّنْوِينُ فِيهِما لِلتَّعْظِيمِ. والقَرْيَةُ سَدُومُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ. والمُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] في سُورَةِ يُوسُفَ. والخَبائِثُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ بِتَأْوِيلِ الفِعْلَةِ، أيِ الشَّنِيعَةِ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ مَصْدَرٌ، أيِ القَبِيحُ المَكْرُوهُ، وأمّا بِضَمِّ السِّينِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِما ذُكِرَ وهو أغَمُّ مِنَ المَفْتُوحِ لِأنَّ الوَصْفَ بِالِاسْمِ أضْعَفُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ.

الأنبياء 21:76

﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أشْهَرَ الرُّسُلِ بِمُناسَباتٍ أعْقَبَ بِذِكْرِ أوَّلِ الرُّسُلِ. صفحة ١١٣ وعَطَفَ (ونُوحًا) عَلى (لُوطًا)، أيْ آتَيْنا نُوحًا حُكْمًا وعِلْمًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِـ (آتَيْنا) لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ آتَيْناهُ النُّبُوءَةَ حِينَ نادى، أيْ نادانا. ومَعْنى (نادى) دَعا رَبَّهُ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، وبِناءُ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ يَدُلُّ عَلى مُضافٍ إلَيْهِ مُقَدَّرٍ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، أيْ قَبْلَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبْلِيَّةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نَصْرَ اللَّهِ أوْلِياءَهُ سُنَّتُهُ المُرادَةُ لَهُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ المُعانِدِينَ لِيَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَمْ تَشِذَّ عَنْ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ شاذَّةٌ ولا فاذَّةٌ. وأهْلُ نُوحٍ: أهْلُ بَيْتِهِ عَدا أحَدِ بَنِيهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ. والكَرْبُ العَظِيمُ: هو الطُّوفانُ. والكَرْبُ: شِدَّةُ حُزْنِ النَّفْسِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ حُزْنٍ. ووَجْهُ كَوْنِ الطُّوفانِ كَرْبًا عَظِيمًا أنَّهُ يَهُولُ النّاسَ عِنْدَ ابْتِدائِهِ وعِنْدَ مَدِّهِ ولا يَزالُ لاحِقًا بِمَواقِعِ هُرُوبِهِمْ حَتّى يَعُمَّهم فَيَبْقَوْا زَمَنًا يَذُوقُونَ آلامَ الخَوْفِ فالغَرَقَ وهم يَغْرَقُونَ ويَطْفُونَ حَتّى يَمُوتُوا بِانْحِباسِ التَّنَفُّسِ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ كَرْبٌ مُتَكَرِّرٌ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالعَظِيمِ. وعُدِّيَ (نَصَرْناهُ) بِحَرْفِ (مِن) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَنعِ والحِمايَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥]، وهو أبْلَغُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِـ (عَلى) لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَصْرٍ قَوِيٍّ تَحْصُلُ بِهِ المَنَعَةُ والحِمايَةُ فَلا يَنالُهُ العَدُوُّ بِشَيْءٍ، وأمّا نَصْرُهُ عَلَيْهِ فَلا يَدُلُّ إلّا عَلى المُدافَعَةِ والمَعُونَةِ. ووَصْفُ القَوْمِ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الغَرَقِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ [الأنبياء: ٧٤] عِلَّةٌ لِنَصْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ لِأنَّ نَصْرَهُ يَتَضَمَّنُ إضْرارَ القَوْمِ المَنصُورِ عَلَيْهِمْ. صفحة ١١٤ والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا. وإضافَةُ قَوْمٍ إلى السَّوْءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم عُرِفُوا بِهِ. والمُرادُ بِهِ الكُفْرُ والتَّكَبُّرُ والعِنادُ والِاسْتِسْخارُ بِرَسُولِهِمْ. و(أجْمَعِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أغْرَقْناهم) لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولَوْ كانَ قَرِيبًا مِن نُوحٍ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أغْرَقَ ابْنَ نُوحٍ. وهَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى قَرابَتِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قَرَأ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَزِعَ عُتْبَةُ وقالَ لَهُ: ناشَدْتُكَ الرَّحِمَ» .

الأنبياء 21:77

﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أشْهَرَ الرُّسُلِ بِمُناسَباتٍ أعْقَبَ بِذِكْرِ أوَّلِ الرُّسُلِ. صفحة ١١٣ وعَطَفَ (ونُوحًا) عَلى (لُوطًا)، أيْ آتَيْنا نُوحًا حُكْمًا وعِلْمًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِـ (آتَيْنا) لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ آتَيْناهُ النُّبُوءَةَ حِينَ نادى، أيْ نادانا. ومَعْنى (نادى) دَعا رَبَّهُ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، وبِناءُ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ يَدُلُّ عَلى مُضافٍ إلَيْهِ مُقَدَّرٍ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، أيْ قَبْلَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبْلِيَّةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نَصْرَ اللَّهِ أوْلِياءَهُ سُنَّتُهُ المُرادَةُ لَهُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ المُعانِدِينَ لِيَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَمْ تَشِذَّ عَنْ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ شاذَّةٌ ولا فاذَّةٌ. وأهْلُ نُوحٍ: أهْلُ بَيْتِهِ عَدا أحَدِ بَنِيهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ. والكَرْبُ العَظِيمُ: هو الطُّوفانُ. والكَرْبُ: شِدَّةُ حُزْنِ النَّفْسِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ حُزْنٍ. ووَجْهُ كَوْنِ الطُّوفانِ كَرْبًا عَظِيمًا أنَّهُ يَهُولُ النّاسَ عِنْدَ ابْتِدائِهِ وعِنْدَ مَدِّهِ ولا يَزالُ لاحِقًا بِمَواقِعِ هُرُوبِهِمْ حَتّى يَعُمَّهم فَيَبْقَوْا زَمَنًا يَذُوقُونَ آلامَ الخَوْفِ فالغَرَقَ وهم يَغْرَقُونَ ويَطْفُونَ حَتّى يَمُوتُوا بِانْحِباسِ التَّنَفُّسِ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ كَرْبٌ مُتَكَرِّرٌ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالعَظِيمِ. وعُدِّيَ (نَصَرْناهُ) بِحَرْفِ (مِن) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَنعِ والحِمايَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥]، وهو أبْلَغُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِـ (عَلى) لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَصْرٍ قَوِيٍّ تَحْصُلُ بِهِ المَنَعَةُ والحِمايَةُ فَلا يَنالُهُ العَدُوُّ بِشَيْءٍ، وأمّا نَصْرُهُ عَلَيْهِ فَلا يَدُلُّ إلّا عَلى المُدافَعَةِ والمَعُونَةِ. ووَصْفُ القَوْمِ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الغَرَقِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ [الأنبياء: ٧٤] عِلَّةٌ لِنَصْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ لِأنَّ نَصْرَهُ يَتَضَمَّنُ إضْرارَ القَوْمِ المَنصُورِ عَلَيْهِمْ. صفحة ١١٤ والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا. وإضافَةُ قَوْمٍ إلى السَّوْءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم عُرِفُوا بِهِ. والمُرادُ بِهِ الكُفْرُ والتَّكَبُّرُ والعِنادُ والِاسْتِسْخارُ بِرَسُولِهِمْ. و(أجْمَعِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أغْرَقْناهم) لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولَوْ كانَ قَرِيبًا مِن نُوحٍ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أغْرَقَ ابْنَ نُوحٍ. وهَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى قَرابَتِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قَرَأ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَزِعَ عُتْبَةُ وقالَ لَهُ: ناشَدْتُكَ الرَّحِمَ» .

الأنبياء 21:78

﴿وداوُدُ وسُلَيْمانُ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] شُرُوعٌ في عِدادِ جَمْعٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا رُسُلًا. وقَدْ رُوعِيَ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ما اشْتُهِرَ بِهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم مَنِ المَزِيَّةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ، بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مُوسى وهارُونَ مِن إيتاءِ الكِتابِ الماثِلِ لِلْقُرْآنِ وما عَقِبَ ذَلِكَ. ولَمْ يَكُنْ بَعْدَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ عَصْرٌ لَهُ مَيْزَةٌ خاصَّةٌ مِثْلَ عَصْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ تَطَوَّرَ أمْرُ جامِعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن كَوْنِها مَسُوسَةً بِالأنْبِياءِ مِن عَهْدِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ. ثُمَّ بِما طَرَأ عَلَيْها مِنَ الفَوْضى مِن بَعْدِ مَوْتِ شَمْشُونَ إلى قِيامِ شاوَلَ حَمِيِّ داوُدَ إلّا أنَّهُ كانَ مَلِكًا قاصِرًا عَلى قِيادَةِ الجُنْدِ صفحة ١١٥ ولَمْ يَكُنْ نَبِيئًا، وأمّا تَدْبِيرُ الأُمُورِ فَكانَ لِلْأنْبِياءِ والقُضاةِ مِثْلَ صَمْوِيلَ. فَداوُدُ أوَّلُ مَن جُمِعَتْ لَهُ النُّبُوءَةُ والمُلْكُ في أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. وبَلَغَ مُلْكُ إسْرائِيلَ في مُدَّةِ داوُدَ حَدًّا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ والقُوَّةِ وإخْضاعِ الأعْدادِ. وأُوتِيَ داوُدُ الزَّبُورَ فِيهِ حِكْمَةٌ وعِظَةٌ فَكانَ تَكْمِلَةً لِلتَّوْراةِ الَّتِي كانَتْ تَعْلِيمَ شَرِيعَةٍ، فاسْتَكْمَلَ زَمَنُ داوُدَ الحِكْمَةَ ورَقائِقَ الكَلامِ. وأُوتِيَ سُلَيْمانُ الحِكْمَةَ وسُخِّرَ لَهُ أهْلُ الصَّنائِعِ والإبْداعِ فاسْتَكْمَلَتْ دَوْلَةُ إسْرائِيلَ في زَمانِهِ عَظَمَةَ النِّظامِ والثَّرْوَةِ والحِكْمَةِ والتِّجارَةِ فَكانَ في قِصَّتِهِما مَثَلٌ. وكانَتْ تِلْكَ القِصَّةُ مُنْتَظِمَةً في هَذا السِّلْكِ الشَّرِيفِ؛ سِلْكِ إيتاءِ الفُرْقانِ والهُدى والرُّشْدِ والإرْشادِ إلى الخَيْرِ والحُكْمِ والعِلْمِ. وكانَ في قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ تَنْبِيهٌ عَلى أصْلِ الِاجْتِهادِ وعَلى فِقْهِ القَضاءِ فَلِذَلِكَ خُصَّ داوُدُ وسُلَيْمانُ بِشَيْءٍ مِن تَفْصِيلِ أخْبارِهِما فَيَكُونُ (داوُدُ) عَطْفًا عَلى (نُوحًا) في قَوْلِهِ (ونُوحًا)، أيْ وآتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ حُكْمًا وعِلْمًا إذْ يَحْكُمانِ. . . إلى آخِرِهِ، فَـ (إذْ يَحْكُمانِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آتَيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ كانَ وقْتُ حُكْمِهِما في قَضِيَّةِ الحَرْثِ مَظْهَرًا مِن مَظاهِرِ حُكْمِهِما وعَمَلِهِما. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، وهو النُّبُوءَةُ. والعِلْمُ: أصالَةُ الفَهْمِ. (وإذْ نَفَشَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَحْكُمانِ) . فَهَذِهِ القَضِيَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ العَدْلِ ومَبالِغِ تَدْقِيقِ فِقْهِ القَضاءِ، والجَمْعُ بَيْنَ المَصالِحِ والتَّفاصِيلِ بَيْنَ مَراتِبِ الِاجْتِهادِ، صفحة ١١٦ واخْتِلافُ طُرُقِ القَضاءِ بِالحَقِّ مَعَ كَوْنِ الحَقِّ حاصِلًا لِلْمُحِقِّ. فَمَضْمُونُها أنَّها الفِقْهُ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ مِن قَبْلُ. وخُلاصَتُها أنَّ داوُدَ جَلَسَ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وكانَ ابْنُهُ سُلَيْمانُ حِينَئِذٍ يافِعًا فَكانَ يَجْلِسُ خارِجَ بابِ بَيْتِ القَضاءِ. فاخْتَصَمَ إلى داوُدَ رَجُلانِ أحَدُهُما عامِلٌ في حَرْثٍ لِجَماعَةٍ في زَرْعٍ أوْ كَرْمٍ، والآخَرُ راعِي غَنَمٍ لِجَماعَةٍ، فَدَخَلَتِ الغَنَمُ الحَرْثَ لَيْلًا فَأفْسَدَتْ ما فِيهِ فَقَضى داوُدُ أنْ تُعْطى الغَنَمُ لِأصْحابِ الحَرْثِ إذْ كانَ ثَمَنُ تِلْكَ الغَنَمِ يُساوِي ثَمَنَ ما تَلِفَ مِن ذَلِكَ الحَرْثِ، فَلَمّا حَكَمَ بِذَلِكَ وخَرَجَ الخَصْمانِ فَقُصَّ أمْرُهُما عَلى سُلَيْمانَ، فَقالَ: لَوْ كُنْتُ أنا قاضِيًا لَحَكَمْتُ بِغَيْرِ هَذا. فَبَلَغَ ذَلِكَ داوُدَ فَأحْضَرَهُ وقالَ لَهُ: بِماذا كُنْتَ تَقْضِي ؟ قالَ: إنِّي رَأيْتُ ما هو أرْفَقُ بِالجَمِيعِ. قالَ: وما هو ؟ قالَ: أنْ يَأْخُذَ أصْحابُ الغَنَمِ الحَرْثَ يَقُومُ عَلَيْهِ عامِلُهم ويُصْلِحُهُ عامًا كامِلًا حَتّى يَعُودَ كَما كانَ ويَرُدَّهُ إلى أصْحابِهِ، وأنْ يَأْخُذَ أصْحابُ الحَرْثِ الغَنَمَ تُسَلَّمُ لِراعِيهِمْ فَيَنْتَفِعُوا مِن ألْبانِها وأصْوافِها ونَسْلِها في تِلْكَ المُدَّةِ فَإذا كَمُلَ الحَرْثُ وعادَ إلى حالِهِ الأوَّلِ صَرَفَ إلى كُلِّ فَرِيقٍ ما كانَ لَهُ. فَقالَ داوُدُ: وُفِّقَتْ يا بُنَيَّ. وقَضى بَيْنَهُما بِذَلِكَ. فَمَعْنى ﴿نَفَشَتْ فِيهِ﴾ دَخَلَتْهُ لَيْلًا، قالُوا: والنَّفْشُ الِانْفِلاتُ لِلرَّعْيِ لَيْلًا. وأُضِيفَ الغَنَمُ إلى القَوْمِ لِأنَّها كانَتْ لِجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ كَما يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَنَمُ القَوْمِ﴾ . وكَذَلِكَ كانَ الحَرْثُ شَرِكَةً بَيْنَ أُناسٍ. كَما يُؤْخَذُ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ. وهو ظاهِرُ تَقْرِيرِ الكَشّافِ. وأمّا ما ورَدَ في الرِّواياتِ الأُخْرى مِن ذِكْرِ رَجُلَيْنِ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى أنَّ اللَّذَيْنِ حَضَرا لِلْخُصُومَةِ هُما راعِي الغَنَمِ وعامِلُ الحَرْثِ. صفحة ١١٧ واعْلَمْ أنَّ مُقْتَضى عَطْفِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلى إبْراهِيمَ ومُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أيْ عالِمِينَ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ومُقْتَضى وُقُوعِ الحُكْمَيْنِ في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ وفي وقْتٍ واحِدٍ، إذْ إنَّ الحُكْمَيْنِ لَمْ يَكُونا عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُما إنَّما كانا عَنْ عِلْمٍ أُوتِيَهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، فَذَلِكَ مِنَ القَضاءِ بِالِاجْتِهادِ، وهو جارٍ عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ مِن جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ ولِنَبِيئِنا ﷺ ووُقُوعِهِ في مُخْتَلِفِ المَسائِلِ. وقَدْ كانَ قَضاءُ داوُدَ حَقًّا لِأنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى غُرْمِ الأضْرارِ عَلى المُتَسَبِّبِينَ في إهْمالِ الغَنَمِ، وأصْلُ الغُرْمِ أنْ يَكُونَ تَعْوِيضًا ناجِزًا فَكانَ ذَلِكَ القَضاءُ حَقًّا. وحَسْبُكَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ في إفْسادِ المَواشِي. وكانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ حَقًّا لِأنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى إعْطاءِ الحَقِّ لِذَوِيهِ مَعَ إرْفاقِ المَحْقُوقِينَ بِاسْتِيفاءِ مالِهِمْ إلى حِينٍ، فَهو يُشْبِهُ الصُّلْحَ. ولَعَلَّ أصْحابَ الغَنَمِ لَمْ يَكُنْ لَهم سِواها كَما هو الغالِبُ، وقَدْ رَضِيَ الخَصْمانِ بِحُكْمِ سُلَيْمانَ لِأنَّ الخَصْمَيْنِ كانا مِن أهْلِ الإنْصافِ لا مِن أهْلِ الِاعْتِسافِ، ولَوْ لَمْ يَرْضَيا لَكانَ المَصِيرُ إلى حُكْمِ داوُدَ إذْ لَيْسَ الإرْفاقُ بِواجِبٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَضاءُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ بِأنْ يَمُرَّ الماءُ مِنَ (العُرَيْضِ) عَلى أرْضِهِ إلى أرْضِ الضَّحّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ وقالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: لِمَ تَمْنَعُ أخاكَ ما يَنْفَعُهُ وهو لَكَ نافِعٌ ؟ فَقالَ مُحَمَّدٌ: لا واللَّهِ، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ ولَوْ عَلى بَطْنِكَ، فَفَعَلَ الضَّحّاكُ. وذَلِكَ أنَّ عُمَرَ عَلِمَ أنَّهُما مِن أهْلِ الفَضْلِ وأنَّهُما يَرْضَيانِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِما، فَكانَ قَضاءُ سُلَيْمانَ أرْجَحَ. وتُشْبِهُ هَذِهِ القَضِيَّةُ «قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الزُّبَيْرِ والأنْصارِيِّ في السَّقْيِ مِن ماءِ شِراجِ الحَرَّةِ إذْ قَضى أوَّلَ مَرَّةٍ بِأنْ صفحة ١١٨ يُمْسِكَ الزُّبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلَ الماءَ إلى جارِهِ، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ الأنْصارِيُّ قَضى رَسُولُ اللَّهِ بِأنْ يُمْسِكَ الزُّبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ ثُمَّ يُرْسِلَ، فاسْتَوْفى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ» . وإنَّما ابْتَدَأ النَّبِيءُ ﷺ بِالأرْفَقِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يَرْضَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ قُضِيَ بَيْنَهُما بِالفَصْلِ، فَكانَ قَضاءُ النَّبِيءِ مُبْتَدَأً بِأفْضَلِ الوَجْهَيْنِ عَلى نَحْوِ قَضاءِ سُلَيْمانَ. فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أنَّهُ ألْهَمَهُ وجْهًا آخَرَ في القَضاءِ هو أرْجَحُ لِما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفْهِيمِ مِن شِدَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ أكْثَرَ مِن صِيغَةِ الإفْهامِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فَهْمَ سُلَيْمانَ في القَضِيَّةِ كانَ أعْمَقَ. وذَلِكَ أنَّهُ أرْفَقُ بِهِما فَكانَتِ المَسْألَةُ مِمّا يَتَجاذَبُهُ دَلِيلانِ فَيُصارُ إلى التَّرْجِيحِ، والمُرَجِّحاتُ لا تَنْحَصِرُ، وقَدْ لا تَبْدُو لِلْمُجْتَهِدِ، واللَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُظْهِرَ عِلْمَ سُلَيْمانَ عِنْدَ أبِيهِ لِيَزْدادَ سُرُورُهُ بِهِ، ولِيَتَعَزّى عَلى مَن فَقَدَهُ مِن أبْنائِهِ قَبْلَ مِيلادِ سُلَيْمانَ. وحَسْبُكَ أنَّهُ المُوافِقُ لِقَضاءِ النَّبِيءِ في قَضِيَّةِ الزُّبَيْرِ. ولِلِاجْتِهاداتِ مَجالٌ في تَعارُضِ الأدِلَّةِ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اخْتِلافِ الِاجْتِهادِ، وفي العَمَلِ بِالرّاجِحِ، وفي مَراتِبِ التَّرْجِيحِ، وفي عُذْرِ المُجْتَهِدِ إذا أخْطَأ الِاجْتِهادَ أوْ لَمْ يَهْتَدِ إلى المَعارِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] في مَعْرِضِ الثَّناءِ عَلَيْهِما. وفِي بَقِيَّةِ القِصَّةِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ أصْلًا في رُجُوعِ الحاكِمِ عَنْ حُكْمِهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ العَرَبِيِّ؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ الآيَةُ ولا جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَأْصِيلًا وأنَّ ما حاوَلاهُ مِن ذَلِكَ غَفْلَةٌ. وإضافَةُ (حُكْمٍ) إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ اجْتِماعِ الحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ. وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (فَفَهَّمْناها)، ولَمْ يَتَّقَدَّمْ لَفْظٌ مُعادٌ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، عَلى تَأْوِيلِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى (لِحُكْمِهِمْ) بِمَعْنى الحُكُومَةِ أوِ الخُصُومَةِ. صفحة ١١٩ وجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] تَذْيِيلٌ لِلِاحْتِراسِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ حُكْمَ داوُدَ كانَ خَطَأً أوْ جَوْرًا وإنَّما كانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ أصْوَبَ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأنبياء 21:79

﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ هَذِهِ مَزِيَّةٌ اخْتُصَّ بِها داوُدُ هي تَسْخِيرُ الجِبالِ لَهُ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ (يُسَبِّحْنَ) فَهي إمّا بَيانٌ لِجُمْلَةِ (سَخَّرْنا) أوْ حالٌ مُبَيِّنَةٌ. وذِكْرُها هُنا اسْتِطْرادٌ وإدْماجٌ. (والطَّيْرَ) عَطْفٌ عَلى (الجِبالِ) أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ الطَّيْرِ يَعْنِي طَيْرَ الجِبالِ. و(مَعَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُسَبِّحْنَ)، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِإظْهارِ كَرامَةِ داوُدَ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ داوُدَ كانَ إذا سَبَّحَ بَيْنَ الجِبالِ سَمِعَ الجِبالَ تُسَبِّحُ مِثْلَ تَسْبِيحِهِ. وهَذا مَعْنى التَّأْوِيبِ في قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] إذِ التَّأْوِيبُ التَّرْجِيعُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ. وكَذَلِكَ الطَّيْرُ إذا سَمِعَتْ تَسْبِيحَهُ تُغَرِّدُ تَغْرِيدًا مِثْلَ تَسْبِيحِهِ وتِلْكَ كُلُّها مُعْجِزَةٌ لَهُ. ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّسْخِيرُ حاصِلًا لَهُ بَعْدَ أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ كَما يَقْتَضِيهِ سِياقُ تَعْدادِهِ في صفحة ١٢٠ عِدادِ ما أُوتِيَهُ الأنْبِياءُ مِن دَلائِلِ الكَرامَةِ عَلى اللَّهِ، ولا يُعْرَفُ لِداوُدَ بَعْدَ أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ مُزاوَلَةُ صُعُودِ الجِبالِ ولا الرَّعْيِ فِيها وقَدْ كانَ مِن قَبْلِ النُّبُوءَةِ راعِيًا. فَلَعَلَّ هَذا التَّسْخِيرَ كانَ أيّامَ سِياحَتِهِ في جَبَلِ بَرِّيَّةِ ”زَيْفٍ“ الَّذِي بِهِ كَهْفٌ كانَ يَأْوِي إلَيْهِ داوُدُ مَعَ أصْحابِهِ المُلْتَفِّينَ حَوْلَهُ في تِلْكَ السِّياحَةِ أيّامَ خُرُوجِهِ فارًّا مِنَ المَلِكِ ”شاوَلَ طالُوتَ“ حِينَ تَنَكَّرَ لَهُ شاوَلُ بِوِشايَةِ بَعْضِ حُسّادِ داوُدَ، كَما حُكِيَ في الإصْحاحَيْنِ ٢٣ - ٢٤ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ. وهَذا سِرُّ التَّعْبِيرِ بِـ (مَعَ) مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (سَخَّرْنا) هُنا. وفي آيَةِ سُورَةِ ص إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَسْخِيرُ مُتابَعَةٍ لا تَسْخِيرُ خِدْمَةٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] إذْ عُدِّيَ فِعْلُ التَّسْخِيرِ الَّذِي نابَتْ عَنْهُ واوُ العَطْفِ بِلامِ المِلْكِ. وكَذَلِكَ جاءَ لَفْظُ (مَعَ) في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] . وفي هَذا التَّسْخِيرِ لِلْجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْجِزَةً لَهُ كَرامَةٌ وعِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ إذْ آنَسَهُ بِتِلْكَ الأصْواتِ في وحْدَتِهِ في الجِبالِ وبُعْدِهِ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ. وجُمْلَةُ (﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الإخْبارِ عَمّا أُوتِيَهُ داوُدُ، وفاعِلُ هُنا بِمَعْنى قادِرٍ لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ تَسْبِيحِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَهُ. وفي اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ ثابِتٌ لِلَّهِ مِن قَبْلُ، أيْ وكُنّا قادِرِينَ عَلى ذَلِكَ.

الأنبياء 21:80

﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وامْتَنَّ اللَّهُ بِصَنْعَةٍ عَلَّمَها داوُدَ فانْتَفَعَ بِها النّاسُ وهي صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، أيْ دُرُوعُ السَّرْدِ. قِيلَ كانَتِ الدُّرُوعُ مِن قَبْلِ داوُدَ ذاتَ صفحة ١٢١ حَراشِفَ مِنَ الحَدِيدِ، فَكانَتْ تَثْقُلُ عَلى الكُماةِ إذا لَبِسُوها فَألْهَمَ اللَّهُ داوُدَ صُنْعَ دُرُوعِ الحَلَقِ الدَّقِيقَةِ فَهي أخَفُّ مَحْمَلًا وأحْسَنُ وِقايَةً. وفِي الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ أنَّ جالُوتَ الفِلَسْطِينِيَّ خَرَجَ لِمُبارَزَةِ داوُدَ لابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا، فَكانَتِ الدُّرُوعُ الحَرْشَفِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةً في وقْتِ شَبابِ داوُدَ فاسْتَعْمَلَ العَرَبُ دُرُوعَ السَّرْدِ. واشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ، ولَقَدْ أجادَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وصْفَها بِقَوْلِهِ: شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُـوسُـهُـمُ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ بِيضٌ سَوابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَها حَلَـقٌ ∗∗∗ كَأنَّها حَلَقُ القَفْعَـاءِ مَـجْـدُولُ وكانَتِ الدُّرُوعُ التُّبَّعِيَّةُ مَشْهُورَةً عِنْدَ العَرَبِ فَلَعَلَّ تُبَّعًا اقْتَبَسَها مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ داوُدَ أوْ لَعَلَّ الدُّرُوعَ التُّبَّعِيَّةَ كانَتْ مِن ذاتِ الحَراشِفِ، وقَدْ جَمَعَها النّابِغَةُ بِقَوْلِهِ: وكُلُّ صَمُوتٍ نِثْلَةٌ تُبَّـعِـيَّةٌ ∗∗∗ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلِ أرادَ بِسُلَيْمٍ تَرْخِيمَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَنَسَبَ عَمَلَ أبِيهِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ مُدَّخِرًا لَها. و”اللَّبُوسُ“ بِفَتْحِ اللّامِ أصْلُهُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْبَسُ فَهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى ما يُلْبَسُ مِن لامَةِ الحَرْبِ مِنَ الحَدِيدِ، وهو الدِّرْعُ فَلا يُطْلَقُ عَلى الدِّرْعِ لِباسٌ ويُطْلَقُ عَلَيْها لَبُوسٌ كَما يُطْلَقُ لَبُوسٌ عَلى الثِّيابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللَّبُوسُ في اللُّغَةِ السِّلاحُ فَمِنهُ الرُّمْحُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ. ومَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مُجْفِلِ صفحة ١٢٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيُحْصِنَكم) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى ظاهِرِ إضْمارِ لَفْظِ لَبُوسٍ. وإسْنادُ الإحْصانِ إلى اللَّبُوسِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ مَعْنى (لَبُوسٍ) بِالدِّرْعِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (لِنُحْصِنَكم) بِالنُّونِ. وضَمائِرُ الخِطابِ في (لَكم، لِيُحْصِنَكم، مِن بَأْسِكم، فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ) مُوَجَّهَةٌ إلى المُشْرِكِينَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] لِأنَّهم أهْمَلُوا شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ. والإحْصانُ: الوِقايَةُ والحِمايَةُ. والبَأْسُ: الحَرْبُ. ولِذَلِكَ كانَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلًا في اسْتِبْطاءِ عَدَمِ الشُّكْرِ ومُكَنًّى بِهِ عَنِ الأمْرِ بِالشُّكْرِ. وكانَ العُدُولُ عَنْ إيلاءِ (هَلْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ أنَّ لِـ (هَلْ) مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِالفِعْلِ، فَلَمْ يَقُلْ: فَهَلْ تَشْكُرُونَ، وعَدَلَ إلى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لِيَدُلَّ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الِاسْمِيَّةُ مِن مَعْنى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، أيْ فَهَلْ تَقَرَّرَ شُكْرُكم وثَبَتَ لِأنَّ تَكَرُّرَ الشُّكْرِ هو الشَّأْنُ في مُقابَلَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

الأنبياء 21:81

﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] بِمُناسَبَةِ تَسْخِيرٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيئِينَ عَلَيْهِما السَّلامُ. صفحة ١٢٣ والأرْضُ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها هي أرْضُ الشّامِ. وتَسْخِيرُ الرِّيحِ: تَسْخِيرُها لِما تَصْلُحُ لَهُ، وهو سَيْرُ المَراكِبِ في البَحْرِ، والمُرادُ أنَّها تَجْرِي إلى الشّامِ راجِعَةً عَنِ الأقْطارِ الَّتِي خَرَجَتْ إلَيْها لِمَصالِحِ مُلْكِ سُلَيْمانَ مِن غَزْوٍ أوْ تِجارَةٍ بِقَرِينَةِ أنَّها مُسَخَّرَةٌ لِسُلَيْمانَ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ سائِرَةً لِفائِدَةِ الأُمَّةِ الَّتِي هو مَلِكُها. وعُلِمَ مِن أنَّها تَجْرِي إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها أنَّها تَخْرُجُ مِن تِلْكَ الأرْضِ حامِلَةً الجُنُودَ أوْ مُصَدِّرَةً البَضائِعَ الَّتِي تُصَدِّرُها مَمْلَكَةُ سُلَيْمانَ إلى بِلادِ الأرْضِ وتُقْفِلُ راجِعَةً بِالبَضائِعِ والمِيرَةِ ومَوادِّ الصِّناعَةِ وأسْلِحَةِ الجُنْدِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ، فَوَقَعَ في الكَلامِ اكْتِفاءٌ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ. وقَدْ صَرَّحَ بِما اكْتَفى عَنْهُ هُنا في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢] . ووَصْفُها هُنا بِـ (عاصِفَةً) بِمَعْنى قَوِيَّةٍ. ووَصْفُها في سُورَةِ ص بِأنَّها (رُخاءً) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] . والرُّخاءُ: اللَّيْلَةُ المُناسِبَةُ لِسَيْرِ الفُلْكِ. وذَلِكَ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ فَإذا أرادَ الإسْراعَ في السَّيْرِ سارَتْ عاصِفَةً وإذا أرادَ اللِّينَ سارَتْ رُخاءً، والمُقامُ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُواتاةُ لِإرادَةِ سُلَيْمانَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ في الآيَتَيْنِ المُشْعِرُ بِاخْتِلافِ مَقْصِدِ سُلَيْمانَ مِنها كَما إذا كانَ هو راكِبًا في البَحْرِ فَإنَّهُ يُرِيدُها رُخاءً لِئَلّا تُزْعِجَهُ وإذا أصْدَرَتْ مَمْلَكَتُهُ بِضاعَةً أوِ اجْتَلَبَتْها سارَتْ عاصِفَةً وهَذا بَيِّنٌ بِالتَّأمُّلِ. وعَبَّرَ (بِأمْرِهِ) عَنْ رَغْبَتِهِ وما يُلائِمُ أسْفارَ سَفائِنِهِ وهي رِياحٌ مَوْسِمِيَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ سَخَّرَها اللَّهُ لَهُ. وأمْرُ سُلَيْمانَ دُعاؤُهُ اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ الرِّيحَ كَما يُرِيدُ سُلَيْمانُ: إمّا دَعْوَةٌ عامَّةٌ كَقَوْلِهِ ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فَيَشْمَلُ صفحة ١٢٤ كُلَّ ما بِهِ اسْتِقامَةُ أُمُورِ المُلْكِ وتَصارِيفِهِ، وإمّا دَعْوَةٌ خاصَّةٌ عِنْدَ كُلِّ سَفَرٍ لِمَراكِبِ سُلَيْمانَ فَجَعَلَ اللَّهُ الرِّياحَ المَوْسِمِيَّةَ في بِحارِ فِلَسْطِينَ مُدَّةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ إكْرامًا لَهُ وتَأْيِيدًا إذْ كانَ هَمُّهُ نَشْرَ دِينِ الحَقِّ في الأرْضِ. وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِ سُلَيْمانَ ولَمْ يَجْعَلْها تَجْرِي لِسُفُنِهِ لِأنَّ اللَّهَ سَخَّرَ الرِّيحَ لِكُلِّ السُّفُنِ الَّتِي فِيها مَصْلَحَةُ مُلْكِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِ سُفُنُ تَرْشِيشٍ يَظُنُّ أنَّها طَرْطُوشَةٌ بِالأنْدَلُسِ أوْ قَرْطَجَنَّةَ بِإفْرِيقِيَّةَ وسُفُنُ حِيرامَ مَلِكِ صُورَ حامِلَةً الذَّهَبَ والفِضَّةَ والعاجَ والقِرَدَةَ والطَّواوِيسَ وهَدايا الآنِيَةِ والحُلَلَ والسِّلاحَ والطِّيبَ والخَيْلَ والبِغالَ كَما في الإصْحاحِ ١٠ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. وجُمْلَةُ ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ بِسُلَيْمانَ. والمُناسَبَةُ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ لِمَصالِحِ سُلَيْمانَ أثَرٌ مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ بِمُخْتَلِفِ أحْوالِ الأُمَمِ والأقالِيمِ وما هو مِنها لائِقٌ بِمَصْلَحَةِ سُلَيْمانَ فَيُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ إذْ قالَ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] .

الأنبياء 21:82

﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ هَذا ذِكْرُ مُعْجِزَةٍ وكَرامَةٍ لِسُلَيْمانَ، وهي أنْ سَخَّرَ إلَيْهِ مِنَ القُوى المُجَرَّدَةِ مِن طَوائِفِ الجِنِّ والشَّياطِينِ الَّتِي تَتَأتّى لَها مَعْرِفَةُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ مِن غَوْصِ البِحارِ لِاسْتِخْراجِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ومِن أعْمالٍ أُخْرى أُجْمِلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ . وفُصِّلَ بَعْضُها صفحة ١٢٥ فِي آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجَفانٍ كالجَوابِي وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣]) وهَذِهِ أعْمالٌ مُتَعارَفَةٌ. وإنَّما اخْتُصَّ سُلَيْمانُ بِعَظَمَتِها مِثْلَ بِناءِ هَيْكَلِ بَيْتِ المَقْدِسِ وبِسُرْعَةِ إتْمامِها. ومَعْنى ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنَّ اللَّهَ بِقُدْرَتِهِ سَخَّرَهم لِسُلَيْمانَ ومَنَعَهم عَنْ أنْ يَنْفَلِتُوا عَنْهُ أوْ أنْ يَعْصُوهُ، وجَعَلَهم يَعْمَلُونَ في خَفاءٍ ولا يُؤْذُوا أحَدًا مِنَ النّاسِ؛ فَجَمَعَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ بَيْنَ تَسْخِيرِهِمْ لِسُلَيْمانَ وعِلْمِهِ كَيْفَ يَحْكُمُهم ويَسْتَخْدِمُهم ويُطَوِّعُهم، وجَعَلَهم مُنْقادِينَ لَهُ وقائِمِينَ بِخِدْمَتِهِ دُونَ عَناءٍ لَهُ، وحالَ دُونَهم ودُونَ النّاسِ لِئَلّا يُؤْذُوهم. ولَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ لَمْ يُسَخِّرِ اللَّهُ الجِنَّ لِغَيْرِهِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ إذْ قالَ ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] . ولَمّا «مَكَّنَ اللَّهُ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الجِنِّيِّ الَّذِي كادَ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ وهَمَّ بِأنْ يَرْبُطَهُ، ذَكَرَ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ فَأطْلَقَهُ» فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ التَّمْكِينِ مِنَ الجِنِّ وبَيْنَ تَحْقِيقِ رَغْبَةِ سُلَيْمانَ. وقَوْلُهُ (لَهم) يَتَعَلَّقُ بِـ (حافِظِينَ)، واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ. والتَّقْدِيرُ: حافِظِينَهم، أيْ مانِعِينَهْمُ عَنِ النّاسِ.

الأنبياء 21:83

﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ أيْ وآتَيْنا أيُّوبَ حُكْمًا وعِلْمًا إذْ نادى رَبَّهُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ لِما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ حَتّى كانَ مَثَلًا فِيهِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ أيُّوبَ في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ١٢٦ وأمّا القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها هَذِهِ الآيَةُ فَهي المُفَصَّلَةُ في السِّفْرِ الخاصِّ بِأيُّوبَ مِن أسْفارِ النَّبِيئِينَ الإسْرائِيلِيَّةِ. وحاصِلُها أنَّهُ كانَ نَبِيئًا وذا ثَرْوَةٍ واسِعَةٍ وعائِلَةٍ صالِحَةٍ مُتَواصِلَةٍ، ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصاباتٍ لَحِقَتْ أمْوالَهُ مُتَتابِعَةً فَأتَتْ عَلَيْها، وفَقَدَ أبْناءَهُ السَّبْعَةَ وبَناتِهِ الثَّلاثَ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتَلَقّى ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصابَةِ قُرُوحٍ في جَسَدِهِ وتَلَقّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِصَبْرٍ وحِكْمَةٍ وهو يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ بِالتَّمْجِيدِ والدُّعاءِ بِكَشْفِ الضُّرِّ، وتَلَقّى رِثاءَ أصْحابِهِ لِحالِهِ بِكَلامٍ عَزِيزِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِمَواعِظَ، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ وأخْلَفَهُ مالًا أكْثَرَ مِن مالِهِ ووَلَدَتْ لَهُ زَوْجُهُ أوْلادًا وبَناتٍ بِعَدَدِ مَن هَلَكُوا لَهُ مِن قَبْلُ. وقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ بِأبْسَطَ مِن هُنا في سُورَةِ ص. ولِأهْلِ القَصَصِ فِيها مُبالَغاتٌ لا تَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوءَةِ. و(إذْ) ظَرْفٌ قُيِّدَ بِهِ إيتاءُ أيُّوبَ رِباطَةَ القَلْبِ وحِكْمَةَ الصَّبْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ أجْلى مَظاهِرِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَما أشارَتْ إلَيْهِ القِصَّةُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فَصارَ أيُّوبُ مَضْرِبَ المَثَلِ في الصَّبْرِ. وقَوْلِهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ، أيْ نادى رَبَّهُ بِأنْ مَسَّنِيَ الضُّرُّ. والمَسُّ: الإصابَةُ الخَفِيفَةُ. والتَّعْبِيرُ بِهِ حِكايَةً لِما سَلَكَهُ أيُّوبُ في دُعائِهِ مِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ إذْ جَعَلَ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الضُّرِّ كالمَسِّ الخَفِيفِ. والضُّرُّ: بِضَمِّ الضّادِ ما يَتَضَرَّرُ بِهِ المَرْءُ في جَسَدِهِ مِن مَرَضٍ أوْ هَزَلٍ، أوْ في مالِهِ مِن نَقْصٍ ونَحْوِهِ. صفحة ١٢٧ وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ التَّعْرِيضُ بِطَلَبِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ بِدُونِ سُؤالٍ فَجَعَلَ وصْفَ نَفْسِهِ بِما يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ لَهُ، ووَصْفَ رَبِّهِ بِالأرْحَمِيَّةِ تَعْرِيضًا بِسُؤالِهِ، كَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى أرْحَمَ الرّاحِمِينَ لِأنَّ رَحْمَتَهُ أكْمَلُ الرَّحَماتِ لِأنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَإمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا أوْ لِلثَّوابِ في الآخِرَةِ أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنَّفْسِ مِن مُشاهَدَةِ مَن تَحِقُّ الرَّحْمَةُ لَهُ فَلَمْ يَخْلُ مِن قَصْدِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ، وأمّا رَحْمَتُهُ تَعالى عِبادَهُ فَهي خَلِيَّةٌ عَنِ اسْتِجْلابِ فائِدَةٍ لِذاتِهِ العَلِيَّةِ، ولِكَوْنِ ثَناءِ أيُّوبَ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ . والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الإجابَةِ، أيِ اسْتَجَبْنا دَعْوَتَهُ العُرْضِيَّةَ بِإثْرِ كَلامِهِ وكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ، إشارَةً إلى سُرْعَةِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. وهو ما تَقْتَضِيهِ العادَةُ في البُرْءِ وحُصُولِ الرِّزْقِ ووِلادَةِ الأوْلادِ. والكَشْفُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإزالَةِ السَّرِيعَةِ. شُبِّهَتْ إزالَةُ الأمْراضِ والأضْرارِ المُتَمَكِّنَةِ الَّتِي يُعْتادُ أنَّها لا تَزُولُ إلّا بِطُولٍ بِإزالَةِ الغِطاءِ عَنِ الشَّيْءِ في السُّرْعَةِ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ الإبْهامُ. ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِـ (مِنَ) البَيانِيَّةِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ذَلِكَ الضُّرِّ لِكَثْرَةِ أنْواعِهِ بِحَيْثُ يَطُولُ عَدُّها. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] إشارَةً إلى تَكْثِيرِها. ألا تَرى إلى مُقابَلَتِهِ ضِدَّها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، لِإفادَةِ أنَّهم يُهْرَعُونَ إلى اللَّهِ في أقَلِّ ضُرٍّ ويَنْسَوْنَ شُكْرَهُ عَلى عَظِيمِ النِّعَمِ، أيْ كَشَفْنا ما حَلَّ بِهِ مِن ضُرٍّ في جَسَدِهِ ومالِهِ فَأُعِيدَتْ صِحَّتُهُ وثَرْوَتُهُ. صفحة ١٢٨ والإيتاءُ: عَطاءٌ، أيْ أعْطَيْناهُ أهْلَهُ، وأهْلُ الرَّجُلِ أهْلُ بَيْتِهِ وقَرابَتُهُ. وفُهِمَ مِن تَعْرِيفِ الأهْلِ بِالإضافَةِ أنَّ الإيتاءَ إرْجاعُ ما سُلِبَ مِنهُ مِن أهْلٍ، يَعْنِي بِمَوْتِ أوْلادِهِ وبَناتِهِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَيِّنٍ مِنَ السِّياقِ، أيْ مِثْلَ أهْلِهِ بِأنْ رُزِقَ أوْلادًا بِعَدَدِ ما فَقَدَ، وزادَهُ مِثْلَهم فَيَكُونُ قَدْ رُزِقَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ابْنًا وسِتَّ بَناتٍ مِن زَوْجِهِ الَّتِي كانَتْ بَلَغَتْ سِنَّ العُقْمِ. وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. ووُصِفَتِ الرَّحْمَةُ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها بِذِكْرِ العِنْدِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُرْبِ المُرادِ بِهِ التَّفْضِيلُ. والمُرادُ رَحْمَةً بِأيُّوبَ إذْ قالَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. والذِّكْرى: التَّذْكِيرُ بِما هو مَظِنَّةُ أنْ يُنْسى أوْ يُغْفَلَ عَنْهُ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى رَحْمَةٍ فَهو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ وتَنْبِيهًا لِلْعابِدِينَ بِأنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ عِنايَتَهُ بِهِمْ. وبِما في (العابِدِينَ) مِنَ العُمُومِ صارَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.

الأنبياء 21:84

﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ أيْ وآتَيْنا أيُّوبَ حُكْمًا وعِلْمًا إذْ نادى رَبَّهُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ لِما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ حَتّى كانَ مَثَلًا فِيهِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ أيُّوبَ في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ١٢٦ وأمّا القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها هَذِهِ الآيَةُ فَهي المُفَصَّلَةُ في السِّفْرِ الخاصِّ بِأيُّوبَ مِن أسْفارِ النَّبِيئِينَ الإسْرائِيلِيَّةِ. وحاصِلُها أنَّهُ كانَ نَبِيئًا وذا ثَرْوَةٍ واسِعَةٍ وعائِلَةٍ صالِحَةٍ مُتَواصِلَةٍ، ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصاباتٍ لَحِقَتْ أمْوالَهُ مُتَتابِعَةً فَأتَتْ عَلَيْها، وفَقَدَ أبْناءَهُ السَّبْعَةَ وبَناتِهِ الثَّلاثَ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتَلَقّى ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ. ثُمَّ ابْتُلِيَ بِإصابَةِ قُرُوحٍ في جَسَدِهِ وتَلَقّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِصَبْرٍ وحِكْمَةٍ وهو يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ بِالتَّمْجِيدِ والدُّعاءِ بِكَشْفِ الضُّرِّ، وتَلَقّى رِثاءَ أصْحابِهِ لِحالِهِ بِكَلامٍ عَزِيزِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِمَواعِظَ، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ صِحَّتَهُ وأخْلَفَهُ مالًا أكْثَرَ مِن مالِهِ ووَلَدَتْ لَهُ زَوْجُهُ أوْلادًا وبَناتٍ بِعَدَدِ مَن هَلَكُوا لَهُ مِن قَبْلُ. وقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ بِأبْسَطَ مِن هُنا في سُورَةِ ص. ولِأهْلِ القَصَصِ فِيها مُبالَغاتٌ لا تَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوءَةِ. و(إذْ) ظَرْفٌ قُيِّدَ بِهِ إيتاءُ أيُّوبَ رِباطَةَ القَلْبِ وحِكْمَةَ الصَّبْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ أجْلى مَظاهِرِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَما أشارَتْ إلَيْهِ القِصَّةُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فَصارَ أيُّوبُ مَضْرِبَ المَثَلِ في الصَّبْرِ. وقَوْلِهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ، أيْ نادى رَبَّهُ بِأنْ مَسَّنِيَ الضُّرُّ. والمَسُّ: الإصابَةُ الخَفِيفَةُ. والتَّعْبِيرُ بِهِ حِكايَةً لِما سَلَكَهُ أيُّوبُ في دُعائِهِ مِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ إذْ جَعَلَ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الضُّرِّ كالمَسِّ الخَفِيفِ. والضُّرُّ: بِضَمِّ الضّادِ ما يَتَضَرَّرُ بِهِ المَرْءُ في جَسَدِهِ مِن مَرَضٍ أوْ هَزَلٍ، أوْ في مالِهِ مِن نَقْصٍ ونَحْوِهِ. صفحة ١٢٧ وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ التَّعْرِيضُ بِطَلَبِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ بِدُونِ سُؤالٍ فَجَعَلَ وصْفَ نَفْسِهِ بِما يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ لَهُ، ووَصْفَ رَبِّهِ بِالأرْحَمِيَّةِ تَعْرِيضًا بِسُؤالِهِ، كَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى أرْحَمَ الرّاحِمِينَ لِأنَّ رَحْمَتَهُ أكْمَلُ الرَّحَماتِ لِأنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَإمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا أوْ لِلثَّوابِ في الآخِرَةِ أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنَّفْسِ مِن مُشاهَدَةِ مَن تَحِقُّ الرَّحْمَةُ لَهُ فَلَمْ يَخْلُ مِن قَصْدِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ، وأمّا رَحْمَتُهُ تَعالى عِبادَهُ فَهي خَلِيَّةٌ عَنِ اسْتِجْلابِ فائِدَةٍ لِذاتِهِ العَلِيَّةِ، ولِكَوْنِ ثَناءِ أيُّوبَ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ . والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الإجابَةِ، أيِ اسْتَجَبْنا دَعْوَتَهُ العُرْضِيَّةَ بِإثْرِ كَلامِهِ وكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ، إشارَةً إلى سُرْعَةِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. وهو ما تَقْتَضِيهِ العادَةُ في البُرْءِ وحُصُولِ الرِّزْقِ ووِلادَةِ الأوْلادِ. والكَشْفُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإزالَةِ السَّرِيعَةِ. شُبِّهَتْ إزالَةُ الأمْراضِ والأضْرارِ المُتَمَكِّنَةِ الَّتِي يُعْتادُ أنَّها لا تَزُولُ إلّا بِطُولٍ بِإزالَةِ الغِطاءِ عَنِ الشَّيْءِ في السُّرْعَةِ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ الإبْهامُ. ثُمَّ تَفْسِيرُهُ بِـ (مِنَ) البَيانِيَّةِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ذَلِكَ الضُّرِّ لِكَثْرَةِ أنْواعِهِ بِحَيْثُ يَطُولُ عَدُّها. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] إشارَةً إلى تَكْثِيرِها. ألا تَرى إلى مُقابَلَتِهِ ضِدَّها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، لِإفادَةِ أنَّهم يُهْرَعُونَ إلى اللَّهِ في أقَلِّ ضُرٍّ ويَنْسَوْنَ شُكْرَهُ عَلى عَظِيمِ النِّعَمِ، أيْ كَشَفْنا ما حَلَّ بِهِ مِن ضُرٍّ في جَسَدِهِ ومالِهِ فَأُعِيدَتْ صِحَّتُهُ وثَرْوَتُهُ. صفحة ١٢٨ والإيتاءُ: عَطاءٌ، أيْ أعْطَيْناهُ أهْلَهُ، وأهْلُ الرَّجُلِ أهْلُ بَيْتِهِ وقَرابَتُهُ. وفُهِمَ مِن تَعْرِيفِ الأهْلِ بِالإضافَةِ أنَّ الإيتاءَ إرْجاعُ ما سُلِبَ مِنهُ مِن أهْلٍ، يَعْنِي بِمَوْتِ أوْلادِهِ وبَناتِهِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَيِّنٍ مِنَ السِّياقِ، أيْ مِثْلَ أهْلِهِ بِأنْ رُزِقَ أوْلادًا بِعَدَدِ ما فَقَدَ، وزادَهُ مِثْلَهم فَيَكُونُ قَدْ رُزِقَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ابْنًا وسِتَّ بَناتٍ مِن زَوْجِهِ الَّتِي كانَتْ بَلَغَتْ سِنَّ العُقْمِ. وانْتَصَبَ (رَحْمَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. ووُصِفَتِ الرَّحْمَةُ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها بِذِكْرِ العِنْدِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُرْبِ المُرادِ بِهِ التَّفْضِيلُ. والمُرادُ رَحْمَةً بِأيُّوبَ إذْ قالَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. والذِّكْرى: التَّذْكِيرُ بِما هو مَظِنَّةُ أنْ يُنْسى أوْ يُغْفَلَ عَنْهُ. وهو مَعْطُوفٌ عَلى رَحْمَةٍ فَهو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ وتَنْبِيهًا لِلْعابِدِينَ بِأنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ عِنايَتَهُ بِهِمْ. وبِما في (العابِدِينَ) مِنَ العُمُومِ صارَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.

الأنبياء 21:85

﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (وأيُّوبَ)؛ أيْ وآتَيْنا إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ حُكْمًا وعِلْمًا. وجَمَعَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإشْراكِهِمْ في خَصِيصِيَّةِ الصَّبْرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ . جَرى ذَلِكَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَثَلِ الأشْهَرِ في الصَّبْرِ وهو أيُّوبُ. صفحة ١٢٩ فَأمّا صَبْرُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ تَقَرَّرَ بِصَبْرِهِ عَلى الرِّضى بِالذَّبْحِ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿إنِّيَ أرى في المَنامِ أنِّيَ أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وتَقَرَّرَ بِسُكْناهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ امْتِثالًا لِأمْرِ أبِيهِ المُتَلَقِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إسْماعِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا إدْرِيسُ فَهو اسْمُ ”أُخْنُوخَ“ عَلى أرْجَحِ الأقْوالِ. وقَدْ ذُكِرَ أُخْنُوخُ في التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّكْوِينِ جَدًّا لِنُوحٍ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ووُصِفَ هُنالِكَ بِأنَّهُ صِدِّيقٌ نَبِيءٌ وقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى هُنا لِيُعَدَّ في صَفِّ الصّابِرِينَ. والظّاهِرُ أنَّ صَبْرَهُ كانَ عَلى تَتَبُّعِ الحِكْمَةِ والعُلُومِ وما لَقِيَ في رَحَلاتِهِ مِنَ المَتاعِبِ. وقَدْ عُدَّتْ مِن صَبْرِهِ قِصَصٌ، مِنها أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ الطَّعامَ والنَّوْمَ مُدَّةً طَوِيلَةً لِتَصْفُوَ نَفْسُهُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحِكْمَةِ والعِلْمِ. وأمّا ذُو الكِفْلِ فَهو نَبِيءٌ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ هو ”إلْياسُ“ المُسَمّى في كُتُبِ اليَهُودِ ”إيلِيا“، وقِيلَ: هو خَلِيفَةُ اليَسَعَ في نُبُوَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّهُ ”عُوبَدْيا“ الَّذِي لَهُ كِتابٌ مِن كُتُبِ أنْبِياءِ اليَهُودِ وهو الكِتابُ الرّابِعُ مِنَ الكُتُبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وتُعْرَفُ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ الصِّغارِ. والكِفْلُ: بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ أصْلُهُ النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ، مُشْتَقٌّ مِن كَفَلَ إذا تَعَهَّدَ؛ لُقِّبَ بِهَذا لِأنَّهُ تَعَهَّدَ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْيَسَعَ. وذَلِكَ أنَّ اليَسَعَ لَمّا كَبِرَ أرادَ أنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: مَن يَتَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ أسْتَخْلِفْهُ: أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، ولا يَغْضَبَ. فَلَمْ يَتَكَفَّلْ لَهُ بِذَلِكَ إلّا شابٌّ اسْمُهُ ”عُوبَدْيا“، وأنَّهُ ثَبَتَ عَلى ما تَكَفَّلَ بِهِ فَكانَ لِذَلِكَ مِن أفْضَلِ الصّابِرِينَ. وقَدْ عُدَّ عُوبَدْيا مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى إجْمالٍ في خَبَرِهِ انْظُرْ سِفْرَ المُلُوكِ صفحة ١٣٠ الأوَّلَ الإصْحاحَ ١٨ . ورُؤْيا عُوبَدْيا صَفْحَةَ ٨٩١ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ورَوى العِبْرِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إلْياسَ واليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإدْخالِهِمْ في الرَّحْمَةِ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ جَمِيعِ الصّالِحِينَ.

الأنبياء 21:86

﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (وأيُّوبَ)؛ أيْ وآتَيْنا إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ حُكْمًا وعِلْمًا. وجَمَعَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإشْراكِهِمْ في خَصِيصِيَّةِ الصَّبْرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ . جَرى ذَلِكَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المَثَلِ الأشْهَرِ في الصَّبْرِ وهو أيُّوبُ. صفحة ١٢٩ فَأمّا صَبْرُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ تَقَرَّرَ بِصَبْرِهِ عَلى الرِّضى بِالذَّبْحِ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿إنِّيَ أرى في المَنامِ أنِّيَ أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَقالَ ﴿سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وتَقَرَّرَ بِسُكْناهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ امْتِثالًا لِأمْرِ أبِيهِ المُتَلَقِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إسْماعِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا إدْرِيسُ فَهو اسْمُ ”أُخْنُوخَ“ عَلى أرْجَحِ الأقْوالِ. وقَدْ ذُكِرَ أُخْنُوخُ في التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّكْوِينِ جَدًّا لِنُوحٍ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ووُصِفَ هُنالِكَ بِأنَّهُ صِدِّيقٌ نَبِيءٌ وقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى هُنا لِيُعَدَّ في صَفِّ الصّابِرِينَ. والظّاهِرُ أنَّ صَبْرَهُ كانَ عَلى تَتَبُّعِ الحِكْمَةِ والعُلُومِ وما لَقِيَ في رَحَلاتِهِ مِنَ المَتاعِبِ. وقَدْ عُدَّتْ مِن صَبْرِهِ قِصَصٌ، مِنها أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ الطَّعامَ والنَّوْمَ مُدَّةً طَوِيلَةً لِتَصْفُوَ نَفْسُهُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحِكْمَةِ والعِلْمِ. وأمّا ذُو الكِفْلِ فَهو نَبِيءٌ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ هو ”إلْياسُ“ المُسَمّى في كُتُبِ اليَهُودِ ”إيلِيا“، وقِيلَ: هو خَلِيفَةُ اليَسَعَ في نُبُوَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّهُ ”عُوبَدْيا“ الَّذِي لَهُ كِتابٌ مِن كُتُبِ أنْبِياءِ اليَهُودِ وهو الكِتابُ الرّابِعُ مِنَ الكُتُبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وتُعْرَفُ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ الصِّغارِ. والكِفْلُ: بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ أصْلُهُ النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ، مُشْتَقٌّ مِن كَفَلَ إذا تَعَهَّدَ؛ لُقِّبَ بِهَذا لِأنَّهُ تَعَهَّدَ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْيَسَعَ. وذَلِكَ أنَّ اليَسَعَ لَمّا كَبِرَ أرادَ أنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: مَن يَتَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ أسْتَخْلِفْهُ: أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، ولا يَغْضَبَ. فَلَمْ يَتَكَفَّلْ لَهُ بِذَلِكَ إلّا شابٌّ اسْمُهُ ”عُوبَدْيا“، وأنَّهُ ثَبَتَ عَلى ما تَكَفَّلَ بِهِ فَكانَ لِذَلِكَ مِن أفْضَلِ الصّابِرِينَ. وقَدْ عُدَّ عُوبَدْيا مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى إجْمالٍ في خَبَرِهِ انْظُرْ سِفْرَ المُلُوكِ صفحة ١٣٠ الأوَّلَ الإصْحاحَ ١٨ . ورُؤْيا عُوبَدْيا صَفْحَةَ ٨٩١ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ورَوى العِبْرِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ إلْياسَ واليَسَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإدْخالِهِمْ في الرَّحْمَةِ، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ جَمِيعِ الصّالِحِينَ.

الأنبياء 21:87

﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى وذا الكِفْلِ. وذِكْرُ ذِي النُّونِ في جُمْلَةِ مَن خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنَ الأنْبِياءِ لِأجْلِ ما قَصَّتْهُ مِنَ الآياتِ في الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والنَّدَمِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الجَزَعِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ. و(ذُو النُّونِ) وصْفٌ، أيْ صاحِبُ الحُوتِ. لُقِّبَ بِهِ يُونُسُ بْنُ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ قَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. وذَهابُهُ مُغاضِبًا: قِيلَ خُرُوجُهُ غَضْبانَ مِن قَوْمِهِ أهْلِ ”نِينَوى“ إذْ أبَوْا أنْ يُؤْمِنُوا بِما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِهِ وهم غاضِبُونَ مِن دَعْوَتِهِ، فالمُغاضَبَةُ مُفاعَلَةٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَمّا أشْرَفَتِ المُدَّةُ عَلى الِانْقِضاءِ آمَنُوا فَخَرَجَ غَضْبانَ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ما أنْذَرَهم بِهِ، فالمُغاضَبَةُ حِينَئِذٍ صفحة ١٣١ لِلْمُبالَغَةِ في الغَضَبِ لِأنَّهُ غَضَبٌ غَرِيبٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ ”مُغاضِبًا“ حالًا مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ، أيْ خَرَجَ كالمُغاضِبِ. وسَيَأْتِي هَذا المَعْنى في سُورَةِ الصّافّاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ خَرَجَ خُرُوجًا غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ. ظَنَّ أنَّهُ إذا ابْتَعَدَ عَنِ المَدِينَةِ المُرْسَلِ إلَيْها يُرْسِلُ اللَّهُ غَيْرَهُ إلَيْهِمْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ حَزْقِيالَ مَلِكَ إسْرائِيلَ كانَ في زَمَنِهِ خَمْسَةُ أنْبِياءَ مِنهم يُونُسُ، فاخْتارَهُ المَلِكُ لِيَذْهَبَ إلى أهْلِ ”نِينَوى“ لِدَعْوَتِهِمْ فَأبى وقالَ: هاهُنا أنْبِياءُ غَيْرِي وخَرَجَ مُغاضِبًا المَلِكَ. وهَذا بَعِيدٌ مِنَ القُرْآنِ في آياتٍ أُخْرى ومِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعْيِينِ القِصَّةِ. ومَعْنى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ: نَقْدِرُ مُضارِعُ قَدَرَ عَلَيْهِ أمْرًا بِمَعْنى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ تَحْتِيمَ الإقامَةِ مَعَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوْ تَحْتِيمَ قِيامِهِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن ذَلِكَ المَكانِ سَقَطَ تَعَلُّقُ تَكْلِيفِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ اجْتِهادًا مِنهُ، فَعُوتِبَ بِما حَلَّ بِهِ إذْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَمّا يُرِيدُ فِعْلَهُ. وفِي الكَشّافِ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ دَخَلَ عَلى مُعاوِيَةَ فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةُ فَغَرِقْتُ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ. فَقالَ: وما هي ؟ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: أوَ يَظُنُّ نَبِيءُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ؛ يَعْنِي التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ. صفحة ١٣٢ وقِيلَ (نَقْدِرَ) هُنا بِمَعْنى نَحُكْمَ؛ مَأْخُوذٌ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُؤاخِذَهُ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ دُونَ إذْنٍ. ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ يُونُسُ اجْتَهَدَ وأخْطَأ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ خُطُورِ هَذا الظَّنِّ في نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ كانَ الخُرُوجُ مِنهُ بادِرَةً بِدافِعِ الغَضَبِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في لَوازِمِهِ وعَواقِبِهِ، قالُوا: وكانَ في طَبْعِهِ ضِيقُ الصَّدْرِ. وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ؟ ونُسِبَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ أوْ أبِي المُعْتَمِرِ. قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ قُرِئَ بِهِ. وعِنْدِي فِيهِ تَأْوِيلانِ آخَرانِ وهُما أنَّهُ ظَنَّ وهو في جَوْفِ الحُوتِ أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُخَلِّصِهِ في بَطْنِ الحُوتِ لِأنَّهُ رَأى ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا عادَةً، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ بِحَسَبِ الواقِعَةِ، أيْ ظَنَّ بَعْدَ أنِ ابْتَلَعَهُ الحُوتُ. وأمّا نِداؤُهُ رَبَّهُ فَذَلِكَ تَوْبَةٌ صَدَرَتْ مِنهُ عَنْ تَقْصِيرِهِ أوْ عَجَلَتِهِ أوْ خَطَأِ اجْتِهادِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مُبالَغَةً في اعْتِرافِهِ بِظُلْمِ نَفْسِهِ، فَأسْنَدَ إلَيْهِ فِعْلَ الكَوْنِ الدّالَّ عَلى رُسُوخِ الوَصْفِ، وجَعَلَ الخَبَرَ أنَّهُ واحِدٌ مِن فَرِيقِ الظّالِمِينَ وهو أدَلُّ عَلى أرْسَخِيَّةِ الوَصْفِ، أوْ أنَّهُ ظَنَّ بِحَسَبِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن دارِ قَوْمِهِ، ولَمْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ. و(إنِّي) مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ (نادى) . وتَقْدِيمُهُ الِاعْتِرافَ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ التَّسْبِيحِ كَنّى بِهِ عَنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّدْبِيرِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. صفحة ١٣٣ والظُّلُماتُ: جَمْعُ ظُلْمَةٍ. والمُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ قَعْرِ البَحْرِ. وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ مُبالَغَةٌ في شِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَدْ تَقَدَّمَ أنّا نَظُنُّ أنَّ الظَّلَمَةَ لَمْ تَرِدْ مُفْرَدَةً في القُرْآنِ. والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ. وهي إجابَةُ تَوْبَتِهِ مِمّا فَرَّطَ مِنهُ. والإنْجاءُ وقَعَ حِينَ الِاسْتِجابَةِ إذِ الصَّحِيحُ أنَّهُ ما بَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلّا ساعَةً قَلِيلَةً. وعَطَفَ بِالواوِ هُنا بِخِلافِ عَطْفِ (فَكَشَفْنا) عَلى (فاسْتَجَبْنا) . وإنْجاؤُهُ هو بِتَقْدِيرٍ وتَكْوِينٍ في مِزاجِ الحُوتِ حَتّى خَرَجَ الحُوتُ إلى قُرْبِ الشّاطِئِ فَتَقَيَّأهُ فَخَرَجَ يَسْبَحُ إلى الشّاطِئِ. وهَذا الحُوتُ هو مِن صِنْفِ الحُوتِ العَظِيمِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الأشْياءَ الضَّخْمَةَ ولا يَقْضِمُها بِأسْنانِهِ. وشاعَ بَيْنَ النّاسِ تَسْمِيَةُ صِنْفٍ مِنَ الحُوتِ بِحُوتِ يُونُسَ رَجْمًا بِالغَيْبِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإنْجاءِ الَّذِي أنْجى بِهِ يُونُسَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِن غُمُومٍ يَحْسَبُ مَن يَقَعُ فِيها أنَّ نَجاتَهُ عَسِيرَةٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِنَ الغَمِّ والنَّكَدِ الَّذِي يُلاقُونَهُ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم في بِلادِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (نُنْجِي) كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ كَما كُتِبَتْ بِنُونٍ واحِدَةٍ في قَوْلِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَنُنْجِي مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الرَّسْمَ بِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ لَمّا كانَتْ ساكِنَةً وكانَ وُقُوعُ الجِيمِ بَعْدَها يَقْتَضِي إخْفاءَها لِأنَّ النُّونَ السّاكِنَةَ تُخْفى مَعَ الأحْرُفِ الشَّجَرِيَّةِ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ فَلَمّا أُخْفِيَتْ حُذِفَتْ في النُّطْقِ فَشابَهَ إخْفاؤُها حالَةَ الإدْغامِ فَحَذَفَها كاتِبُ المُصْحَفِ في الخَطِّ لِخَفاءِ صفحة ١٣٤ النُّطْقِ بِها في اللَّفْظِ، أيْ كَما حَذَفُوا نُونَ (إنْ) مَعَ (لا) في نَحْوِ (إلّا تَفْعَلُوهُ) مِن حَيْثُ إنَّها تُدْغَمُ في اللّامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِإثْباتِ النُّونَيْنِ في النُّطْقِ فَيَكُونُ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ في الخَطِّ مُجَرَّدَ تَنْبِيهٍ عَلى اعْتِبارٍ مِنِ اعْتِباراتِ الأداءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ وبِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى اعْتِبارِ إدْغامِ النُّونِ في الجِيمِ كَما تُدْغَمُ في اللّامِ والرّاءِ. وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْها أبُو حاتِمٍ والزَّجّاجُ وقالا: هو لَحْنٌ. ووَجَّهَ أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ قِراءَتَها بِأنَّ (نُجِي) سُكِّنَتْ ياؤُهُ ولَمْ تُحَرَّكْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ بَقِي ورَضِي فَيُسَكِّنُ الياءَ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ (وذَرُوا ما بَقِي مِنَ الرِّبا) بِتَسْكِينِ ياءِ (بَقِي) . وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ والقُتَبِيِّ أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أُدْغِمَتْ في الجِيمِ. ووَجَّهَ ابْنُ جِنِّي مُتابِعًا لِلْأخْفَشِ الصَّغِيرِ بِأنَّ أصْلَ هَذِهِ القِراءَةِ: نُنَجِّي بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ فَصارَ نُجِّيَ. وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ تَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ نُجِّيَ فِعْلُ مُضِيٍّ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ وأنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى النِّجاءِ المَأْخُوذِ مِنَ الفِعْلِ، أوِ المَأْخُوذِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (وكَذَلِكَ) . وانْتَصَبَ (المُؤْمِنِينَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إنابَةَ المَصْدَرِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ. كَما في قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ (لِيُجْزى - بِفَتْحِ الزّايِ - قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)؛ بِتَقْدِيرِ لِيُجْزى الجَزاءَ قَوْمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ بارِدُ التَّعَسُّفِ.

الأنبياء 21:88

﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى وذا الكِفْلِ. وذِكْرُ ذِي النُّونِ في جُمْلَةِ مَن خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنَ الأنْبِياءِ لِأجْلِ ما قَصَّتْهُ مِنَ الآياتِ في الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والنَّدَمِ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الجَزَعِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ. و(ذُو النُّونِ) وصْفٌ، أيْ صاحِبُ الحُوتِ. لُقِّبَ بِهِ يُونُسُ بْنُ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ قَوْمِهِ في سُورَةِ يُونُسَ. وذَهابُهُ مُغاضِبًا: قِيلَ خُرُوجُهُ غَضْبانَ مِن قَوْمِهِ أهْلِ ”نِينَوى“ إذْ أبَوْا أنْ يُؤْمِنُوا بِما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِهِ وهم غاضِبُونَ مِن دَعْوَتِهِ، فالمُغاضَبَةُ مُفاعَلَةٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَمّا أشْرَفَتِ المُدَّةُ عَلى الِانْقِضاءِ آمَنُوا فَخَرَجَ غَضْبانَ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ما أنْذَرَهم بِهِ، فالمُغاضَبَةُ حِينَئِذٍ صفحة ١٣١ لِلْمُبالَغَةِ في الغَضَبِ لِأنَّهُ غَضَبٌ غَرِيبٌ. وهَذا مُقْتَضى المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ ”مُغاضِبًا“ حالًا مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ، أيْ خَرَجَ كالمُغاضِبِ. وسَيَأْتِي هَذا المَعْنى في سُورَةِ الصّافّاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ خَرَجَ خُرُوجًا غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ. ظَنَّ أنَّهُ إذا ابْتَعَدَ عَنِ المَدِينَةِ المُرْسَلِ إلَيْها يُرْسِلُ اللَّهُ غَيْرَهُ إلَيْهِمْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ حَزْقِيالَ مَلِكَ إسْرائِيلَ كانَ في زَمَنِهِ خَمْسَةُ أنْبِياءَ مِنهم يُونُسُ، فاخْتارَهُ المَلِكُ لِيَذْهَبَ إلى أهْلِ ”نِينَوى“ لِدَعْوَتِهِمْ فَأبى وقالَ: هاهُنا أنْبِياءُ غَيْرِي وخَرَجَ مُغاضِبًا المَلِكَ. وهَذا بَعِيدٌ مِنَ القُرْآنِ في آياتٍ أُخْرى ومِن كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ الآيَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعْيِينِ القِصَّةِ. ومَعْنى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ: نَقْدِرُ مُضارِعُ قَدَرَ عَلَيْهِ أمْرًا بِمَعْنى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ تَحْتِيمَ الإقامَةِ مَعَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوْ تَحْتِيمَ قِيامِهِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن ذَلِكَ المَكانِ سَقَطَ تَعَلُّقُ تَكْلِيفِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ اجْتِهادًا مِنهُ، فَعُوتِبَ بِما حَلَّ بِهِ إذْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَمّا يُرِيدُ فِعْلَهُ. وفِي الكَشّافِ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ دَخَلَ عَلى مُعاوِيَةَ فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةُ فَغَرِقْتُ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ. فَقالَ: وما هي ؟ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: أوَ يَظُنُّ نَبِيءُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ؛ يَعْنِي التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ. صفحة ١٣٢ وقِيلَ (نَقْدِرَ) هُنا بِمَعْنى نَحُكْمَ؛ مَأْخُوذٌ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ نُؤاخِذَهُ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ دُونَ إذْنٍ. ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ يُونُسُ اجْتَهَدَ وأخْطَأ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ خُطُورِ هَذا الظَّنِّ في نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ كانَ الخُرُوجُ مِنهُ بادِرَةً بِدافِعِ الغَضَبِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في لَوازِمِهِ وعَواقِبِهِ، قالُوا: وكانَ في طَبْعِهِ ضِيقُ الصَّدْرِ. وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى الِاسْتِفْهامِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ؟ ونُسِبَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ أوْ أبِي المُعْتَمِرِ. قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ في تَفْسِيرِهِ: وقَدْ قُرِئَ بِهِ. وعِنْدِي فِيهِ تَأْوِيلانِ آخَرانِ وهُما أنَّهُ ظَنَّ وهو في جَوْفِ الحُوتِ أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُخَلِّصِهِ في بَطْنِ الحُوتِ لِأنَّهُ رَأى ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا عادَةً، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ بِحَسَبِ الواقِعَةِ، أيْ ظَنَّ بَعْدَ أنِ ابْتَلَعَهُ الحُوتُ. وأمّا نِداؤُهُ رَبَّهُ فَذَلِكَ تَوْبَةٌ صَدَرَتْ مِنهُ عَنْ تَقْصِيرِهِ أوْ عَجَلَتِهِ أوْ خَطَأِ اجْتِهادِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مُبالَغَةً في اعْتِرافِهِ بِظُلْمِ نَفْسِهِ، فَأسْنَدَ إلَيْهِ فِعْلَ الكَوْنِ الدّالَّ عَلى رُسُوخِ الوَصْفِ، وجَعَلَ الخَبَرَ أنَّهُ واحِدٌ مِن فَرِيقِ الظّالِمِينَ وهو أدَلُّ عَلى أرْسَخِيَّةِ الوَصْفِ، أوْ أنَّهُ ظَنَّ بِحَسَبِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن دارِ قَوْمِهِ، ولَمْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ. و(إنِّي) مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ (نادى) . وتَقْدِيمُهُ الِاعْتِرافَ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ التَّسْبِيحِ كَنّى بِهِ عَنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّدْبِيرِ وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. صفحة ١٣٣ والظُّلُماتُ: جَمْعُ ظُلْمَةٍ. والمُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ قَعْرِ البَحْرِ. وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ مُبالَغَةٌ في شِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَدْ تَقَدَّمَ أنّا نَظُنُّ أنَّ الظَّلَمَةَ لَمْ تَرِدْ مُفْرَدَةً في القُرْآنِ. والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ. وهي إجابَةُ تَوْبَتِهِ مِمّا فَرَّطَ مِنهُ. والإنْجاءُ وقَعَ حِينَ الِاسْتِجابَةِ إذِ الصَّحِيحُ أنَّهُ ما بَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلّا ساعَةً قَلِيلَةً. وعَطَفَ بِالواوِ هُنا بِخِلافِ عَطْفِ (فَكَشَفْنا) عَلى (فاسْتَجَبْنا) . وإنْجاؤُهُ هو بِتَقْدِيرٍ وتَكْوِينٍ في مِزاجِ الحُوتِ حَتّى خَرَجَ الحُوتُ إلى قُرْبِ الشّاطِئِ فَتَقَيَّأهُ فَخَرَجَ يَسْبَحُ إلى الشّاطِئِ. وهَذا الحُوتُ هو مِن صِنْفِ الحُوتِ العَظِيمِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الأشْياءَ الضَّخْمَةَ ولا يَقْضِمُها بِأسْنانِهِ. وشاعَ بَيْنَ النّاسِ تَسْمِيَةُ صِنْفٍ مِنَ الحُوتِ بِحُوتِ يُونُسَ رَجْمًا بِالغَيْبِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإنْجاءِ الَّذِي أنْجى بِهِ يُونُسَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِن غُمُومٍ يَحْسَبُ مَن يَقَعُ فِيها أنَّ نَجاتَهُ عَسِيرَةٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِنَ الغَمِّ والنَّكَدِ الَّذِي يُلاقُونَهُ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم في بِلادِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (نُنْجِي) كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ كَما كُتِبَتْ بِنُونٍ واحِدَةٍ في قَوْلِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَنُنْجِي مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الرَّسْمَ بِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ لَمّا كانَتْ ساكِنَةً وكانَ وُقُوعُ الجِيمِ بَعْدَها يَقْتَضِي إخْفاءَها لِأنَّ النُّونَ السّاكِنَةَ تُخْفى مَعَ الأحْرُفِ الشَّجَرِيَّةِ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ فَلَمّا أُخْفِيَتْ حُذِفَتْ في النُّطْقِ فَشابَهَ إخْفاؤُها حالَةَ الإدْغامِ فَحَذَفَها كاتِبُ المُصْحَفِ في الخَطِّ لِخَفاءِ صفحة ١٣٤ النُّطْقِ بِها في اللَّفْظِ، أيْ كَما حَذَفُوا نُونَ (إنْ) مَعَ (لا) في نَحْوِ (إلّا تَفْعَلُوهُ) مِن حَيْثُ إنَّها تُدْغَمُ في اللّامِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِإثْباتِ النُّونَيْنِ في النُّطْقِ فَيَكُونُ حَذْفُ إحْدى النُّونَيْنِ في الخَطِّ مُجَرَّدَ تَنْبِيهٍ عَلى اعْتِبارٍ مِنِ اعْتِباراتِ الأداءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ وبِتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى اعْتِبارِ إدْغامِ النُّونِ في الجِيمِ كَما تُدْغَمُ في اللّامِ والرّاءِ. وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْها أبُو حاتِمٍ والزَّجّاجُ وقالا: هو لَحْنٌ. ووَجَّهَ أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ قِراءَتَها بِأنَّ (نُجِي) سُكِّنَتْ ياؤُهُ ولَمْ تُحَرَّكْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ بَقِي ورَضِي فَيُسَكِّنُ الياءَ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ (وذَرُوا ما بَقِي مِنَ الرِّبا) بِتَسْكِينِ ياءِ (بَقِي) . وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ والقُتَبِيِّ أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أُدْغِمَتْ في الجِيمِ. ووَجَّهَ ابْنُ جِنِّي مُتابِعًا لِلْأخْفَشِ الصَّغِيرِ بِأنَّ أصْلَ هَذِهِ القِراءَةِ: نُنَجِّي بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ فَصارَ نُجِّيَ. وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ تَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ نُجِّيَ فِعْلُ مُضِيٍّ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ وأنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى النِّجاءِ المَأْخُوذِ مِنَ الفِعْلِ، أوِ المَأْخُوذِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (وكَذَلِكَ) . وانْتَصَبَ (المُؤْمِنِينَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إنابَةَ المَصْدَرِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ. كَما في قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ (لِيُجْزى - بِفَتْحِ الزّايِ - قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)؛ بِتَقْدِيرِ لِيُجْزى الجَزاءَ قَوْمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ بارِدُ التَّعَسُّفِ.

الأنبياء 21:89

صفحة ١٣٥ ﴿وزَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] كانَ أمْرُ زَكَرِيّاءَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣] آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ في عِنايَتِهِ بِأوْلِيائِهِ المُنْقَطِعِينَ لِعِبادَتِهِ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ. والقَوْلُ في عَطْفِ (وزَكَرِيّاءَ) كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ السّابِقَةِ. وجُمْلَةُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ نادى رَبَّهُ. وأُطْلِقَ الفَرْدُ عَلى مَن لا ولَدَ لَهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمُنْفَرِدِ الَّذِي لا قَرِينَ لَهُ. قالَ تَعالى ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، ويُقالُ مِثْلَهُ: الواحِدُ لِلَّذِي لا رَفِيقَ لَهُ، قالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: وعَلِمْتُ أنِّي إنْ أُقاتِـلْ واحِـدًا أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي فَشُبِّهَ مَن لا ولَدَ بِالمُفْرَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يُصَيِّرُ أباهُ كالشَّفْعِ لِأنَّهُ كَجُزْءٍ مِنهُ. ولا يُقالُ لِذِي الوَلَدِ زَوْجٌ ولا شَفْعٌ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ثَناءٌ لِتَمْهِيدِ الإجابَةِ، أيْ أنْتَ الوارِثُ الحَقُّ فاقْضِ عَلَيَّ مِن صِفَتِكَ العَلِيَّةِ شَيْئًا. وقَدْ شاعَ في الكِتابِ والسُنَّةِ ذِكْرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ عِنْدَ سُؤالِهِ إعْطاءَ ما هو مِن جِنْسِها، كَما قالَ أيُّوبُ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، ودَلَّ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ لِأجْلِ أنْ يَرِثَهُ كَما في آيَةِ سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] حُذِفَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِدَلالَةِ المَحْكِيِّ هُنا عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ: يَرِثُنِي الإرْثَ الَّذِي لا يُدانِي إرْثَكَ عِبادَكَ، أيْ بَقاءَ ما تَرَكُوهُ في الدُّنْيا لِتَصَرُّفِ قُدْرَتِكَ، أوْ يَرِثُنِي مالِي وعِلْمِي وأنْتَ تَرِثُ نَفْسِي صفحة ١٣٦ كُلَّها بِالمَصِيرِ إلَيْكَ مَصِيرًا أبَدِيًّا فَإرْثُكَ خَيْرُ إرْثٍ لِأنَّهُ أشْمَلُ وأبْقى وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ في تَحَقُّقِ هَذا الوَصْفِ. وإصْلاحُ زَوْجِهِ: جَعَلَها صالِحَةً لِلْحَمْلِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عاقِرًا وتَقَدَّمَ ذِكْرُ زَكَرِيّاءَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذِكْرُ زَوْجِهِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

الأنبياء 21:90

﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ في الثَّناءِ عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وما أُوتُوهُ مِنَ النَّصْرِ، واسْتِجابَةِ الدَّعَواتِ، والإنْجاءِ مِن كَيْدِ الأعْداءِ، وما تَبِعَ ذَلِكَ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] . فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى المَذْكُورِينَ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مُفِيدٌ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ، أيْ ما اسْتَحَقُّوا ما أُوتُوهُ إلّا لِمُبادَرَتِهِمْ إلى مَسالِكِ الخَيْرِ وجِدِّهِمْ في تَحْصِيلِها. وأفادَ فِعْلُ الكَوْنِ أنَّ ذَلِكَ كانَ دَأْبَهم وهَجِيراهم. والمُسارَعَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلْحِرْصِ وصَرْفِ الهِمَّةِ والجِدِّ لِلْخَيْراتِ، أيْ لِفِعْلِها، تَشْبِيهًا لِلْمُداوَمَةِ والِاهْتِمامِ بِمُسارَعَةِ السّائِرِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ الجادِّ في مَسالِكِهِ. والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الياءِ وهو جَمْعٌ بِالألِفِ والتّاءِ عَلى خِلافِ القِياسِ فَهو مِثْلُ سُرادِقاتٍ وحَمّاماتٍ واصْطَبْلاتٍ. والخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ، فَهو ما فِيهِ نَفْعٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] صفحة ١٣٧ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ مِثْلُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَمْعُ خَيْرَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الَّذِي هو مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ المُشَدِّدِ الياءِ، وهي المَرْأةُ ذاتُ الأخْلاقِ الخَيْرِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (الخَيْراتِ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم يَدْعُونَ اللَّهَ رَغْبَةً في ثَوابِهِ ورَهْبَةً مِن غَضَبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] . والرَّغَبُ والرَّهَبُ بِفَتْحِ ثانِيهِما مَصْدَرانِ مِن رَغِبَ ورَهِبَ. وهُما وصْفٌ لِمَصْدَرِ يَدْعُونَنا لِبَيانِ نَوْعِ الدُّعاءِ بِما هو أعَمُّ في جِنْسِهِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ ذَوِي رَغَبٍ ورَهَبٍ، فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأخَذَ إعْرابَهُ. وذُكِرَ فِعْلُ الكَوْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ مِثْلَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانُوا يُسارِعُونَ﴾ . والخُشُوعُ: خَوْفُ القَلْبِ بِالتَّفَكُّرِ دُونَ اضْطِرابِ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ.

الأنبياء 21:91

﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لَمّا انْتَهى التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ رِجالٍ مِنَ الأنْبِياءِ أعْقَبَ بِالثَّناءِ عَلى امْرَأةٍ نَبِيئَةٍ إشارَةً إلى أنَّ أسْبابَ الفَضْلِ غَيْرُ مَحْجُورَةٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيَةَ. هَذِهِ هي مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ. وعَبَّرَ عَنْها بِالمَوْصُولِ دَلالَةً عَلى أنَّها قَدِ اشْتُهِرَتْ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ كَما هو شَأْنُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّهِ غالِبًا، وأيْضًا لِما في الصِّلَةِ مِن مَعْنى تَسْفِيهِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَوَّلُوا عَنْها إفْكًا وزُورًا، ولِيُبْنى عَلى تِلْكَ الصِّلَةِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ الَّذِي هو في حُكْمِ صفحة ١٣٨ الصِّلَةِ أيْضًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّتِي نَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا،؛ لِأنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مُوجِبُ ثَناءٍ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إكْرامَها بِأنْ تَكُونَ مَظْهَرَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ في مُخالَفَةِ السُّنَّةِ البَشَرِيَّةِ لِحُصُولِ حَمْلِ أُنْثى دُونَ قُرْبانِ ذَكَرٍ، لِيَرى النّاسُ مِثالًا مِنَ التَّكْوِينِ الأوَّلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] . والنَّفْخُ، حَقِيقَتُهُ: إخْراجُ هَواءِ الفَمِ بِتَضْيِيقِ الشَّفَتَيْنِ. وأُطْلِقَ هُنا تَمْثِيلًا لِإلْقاءِ رُوحِ التَّكْوِينِ لِلنَّسْلِ في رَحِمِ المَرْأةِ دَفْعَةً واحِدَةً بِدُونِ الوَسائِلِ المُعْتادَةِ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ التَّكْوِينِ السَّرِيعِ بِهَيْئَةِ النَّفْخِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَلَكَ نَفَخَ مِمّا هو لَهُ كالفَمِ. والظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ بِـ (في) كَوْنُ مَرْيَمَ ظَرْفًا لِحُلُولِ الرُّوحِ المَنفُوخِ فِيها إذْ كانَتْ وِعاءَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ (فِيها) ولِمَ قِيلَ (فِيهِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَمْلَ الَّذِي كُوِّنَ في رَحِمِها حَمْلٌ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَنَفَخْنا في بَطْنِها. وذَلِكَ أعْرَقُ في مُخالَفَةِ العادَةِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ تَقْوى دَلالَتُهُ بِمِقْدارِ ما يَضْمَحِلُّ فِيهِ مِنَ الوَسائِلِ المُعْتادَةِ. والرُّوحُ: هو القُوَّةُ الَّتِي بِها الحَياةُ؛ قالَ تَعالى ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، أيْ جَعَلْتُ آدَمَ رُوحًا فَصارَ حَيًّا. وحَرْفُ (مِن) تَبْعِيضِيٌّ، والمَنفُوخُ رُوحٌ لِأنَّهُ جُعِلَ بَعْضَ رُوحِ اللَّهِ، أيْ بَعْضَ جِنْسِ الرُّوحِ الَّذِي بِهِ يَجْعَلُ اللَّهُ الأجْسامَ ذاتَ حَياةٍ. وإضافَةُ الرُّوحِ إلى اللَّهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِأنَّهُ رُوحٌ مَبْعُوثٌ مِن لَدُنِ صفحة ١٣٩ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ وساطَةِ التَّطَوُّراتِ الحَيَوانِيَّةِ لِلتَّكْوِينِ النَّسْلِيِّ. وجَعْلُها وابْنِها آيَةً هو مِن أسْبابِ تَشْرِيفِهِما والتَّنْوِيهِ بِهِما إذْ جَعَلَهُما اللَّهُ وسِيلَةً لِلْيَقِينِ بِقُدْرَتِهِ ومُعْجِزاتِ أنْبِيائِهِ كَما قالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] . وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَصَلَ تَشْرِيفُ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِها نَحْوَ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿والشَّمْسِ وضُحاها والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ١] . وإفْرادُ الآيَةِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الجِنْسُ. وحَيْثُ كانَ المَذْكُورُ ذاتَيْنِ فَأخْبَرَ عَنْهُما بِأنَّهُما آيَةٌ عُلِمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ آيَةٌ خاصَّةٌ. ومِن لَطائِفِ هَذا الإفْرادِ أنَّ بَيْنَ مَرْيَمَ وابْنِها حالَةً مُشْتَرَكَةً هي آيَةٌ واحِدَةٌ. ثُمَّ في كُلٍّ مِنهُما آيَةٌ أُخْرى مُسْتَقِلَّةٌ بِاخْتِلافِ حالِ النّاظِرِ المُتَأمِّلِ.

الأنبياء 21:92

﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ (إنَّ) مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ. فَهي ابْتِداءُ كَلامٍ. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى رَفْعِ (أُمَّتُكم) . والأظْهَرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ شائِعٌ في القُرْآنِ. والخِطابُ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في الآياتِ السّابِقَةِ. والوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ مَصُوغًا في صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ لَهم إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم إلى آخِرِهِ. والمَقُولُ مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى، أيْ قائِلِينَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن رُسُلِنا وأنْبِيائِنا المَذْكُورِينَ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ . فَصِيغَةُ الجَمْعِ مُرادٌ بِها. وهي طَرِيقَةٌ شائِعَةٌ في الإخْبارِ عَنِ الجَماعاتِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً عَلى أُسْلُوبِ نَظِيرِها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وفِيهِ ما يَزِيدُ هَذِهِ تَوْضِيحًا فَإنَّهُ ورَدَ هُنالِكَ ذِكْرُ عَدَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، كَما ذُكِرُوا في هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ صفحة ١٤٠ وبِكَسْرِها ﴿هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]، فَظاهِرُ العَطْفِ يَقْتَضِي دُخُولَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] في الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ الرُّسُلُ، والتَّأْكِيدُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِيَتَلَقّاهُ الأنْبِياءُ بِقُوَّةِ عَزْمٍ، أوْ رُوعِيَ فِيهِ حالُ الأُمَمِ الَّذِينَ يُبَلِّغُهم ذَلِكَ لِأنَّ الإخْبارَ بِاتِّحادِ الحالِ المُخْتَلِفَةِ غَرِيبٌ قَدْ يُثِيرُ تَرَدُّدًا في المُرادِ مِنهُ فَقَدْ يُحْمَلُ عَلى المَجازِ فَأُكِّدَ بِرَفْعِ ذَلِكَ. وهو وإنْ كانَ خِطابًا لِلرُّسُلِ فَإنَّ مِمّا يُقْصَدُ مِنهُ تَبْلِيغُ ذَلِكَ لِأتْباعِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ دِينَ اللَّهِ واحِدٌ، وذَلِكَ عَوْنٌ عَلى قَبُولِ كُلِّ أُمَّةٍ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُها لِأنَّهُ مَعْضُودٌ بِشَهادَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا والخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ أنَّ هَذِهِ المِلَّةَ، وهي الإسْلامُ، هي مِلَّةٌ واحِدَةٌ لِسائِرِ الرُّسُلِ. أيْ أُصُولُها واحِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. والتَّأْكِيدُ عَلى هَذا لِرَدِّ إنْكارِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ مِثْلَ المُشْرِكِينَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (هَذِهِ) إلى ما يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى (أُمَّتُكم) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] . فالإشارَةُ إلى الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها يَعْنِي في أُمُورِ الدِّينِ كَما هو شَأْنُ حالِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. فَما أفادَتْهُ الإشارَةُ مِنَ التَّمْيِيزِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ جَمِيعُ ما عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وهو التَّوْحِيدُ والعَمَلُ الصّالِحُ. والأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى المِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] وقالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِـكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ وأصْلُ الأُمَّةِ: الجَماعَةُ الَّتِي حالُها واحِدٌ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِنَ الدِّينِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأُمَمَ لَيْسَتْ واحِدَةً. صفحة ١٤١ و(أُمَّةً واحِدَةً) حالٌ مِن (أُمَّتُكم) مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الإشارَةُ الَّتِي هي العامِلُ في صاحِبِ الحالِ. وأفادَتِ التَّمْيِيزَ والتَّشْخِيصَ لِحالِ الشَّرائِعِ الَّتِي عَلَيْها الرُّسُلُ أوِ الَّتِي دَعا إلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ . ومَعْنى كَوْنِها واحِدَةً أنَّها تُوَحِّدُ اللَّهَ تَعالى فَلَيْسَ دُونَهُ إلَهٌ. وهَذا حالُ شَرائِعِ التَّوْحِيدِ وبِخِلافِها أدْيانُ الشِّرْكِ فَإنَّها لِتَعَدُّدِ آلِهَتِها تَتَشَعَّبُ إلى عِدَّةِ أدْيانٍ لِأنَّ لِكُلِّ صَنَمٍ عِبادَةً وأتْباعًا وإنْ كانَ يَجْمَعُها وصْفُ الشِّرْكِ فَذَلِكَ جِنْسٌ عامٌّ وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾، أيْ لا غَيْرِي. وسَيَأْتِي بَسْطُ القَوْلِ في عَرَبِيَّةِ هَذا التَّرْكِيبِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وأفادَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ الحَصْرَ، أيْ أنا لا غَيْرِي بِقَرِينَةِ السِّياقِ والعَطْفِ عَلى أُمَّةً واحِدَةً، إذِ المَعْنى: وأنا رَبُّكم رَبًّا واحِدًا، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ، أيْ فاعْبُدُونِ دُونَ غَيْرِي. وهَذا الأمْرُ مُراعًى فِيهِ ابْتِداءُ حالِ السّامِعِينَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ، فالمُرادُ مِنَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ بِالعِبادَةِ والمُحافَظَةُ عَلَيْها.

الأنبياء 21:93

﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] أيْ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِنا و(تَقَطَّعُوا) وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى مَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ الَّذِينَ مِنَ الشَّأْنِ التَّحَدُّثُ عَنْهم في القُرْآنِ المَكِّيِّ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذامِّ، وهُمُ المُشْرِكُونَ. ومِثْلُ هَذِهِ الضَّمائِرِ المُرادُ مِنها المُشْرِكُونَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ عائِدَةً إلى أُمَمِ الرُّسُلِ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ضَمائِرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] يَكُونُ الكَلامُ انْتِقالًا مِنَ الحِكايَةِ عَنِ الرُّسُلِ صفحة ١٤٢ إلى الحِكايَةِ عَنْ حالِ أُمَمِهِمْ في حَياتِهِمْ أوِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهم مِثْلَ اليَهُودِ والنَّصارى إذْ نَقَضُوا وصايا أنْبِيائِهِمْ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِمُناسَبَةٍ واضِحَةٍ كَما عُطِفَ نَظِيرُها بِالفاءِ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ كَوْنُها لِلْحالِ، أيْ أمَرْنا الرُّسُلَ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، وهي المِلَّةُ الواحِدَةُ، فَكانَ مِن ضَلالِ المُشْرِكِينَ أنْ تَقَطَّعُوا أمْرَهم وخالَفُوا الرُّسُلَ وعَدَلُوا عَنْ دِينِ التَّوْحِيدِ وهو شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ أصْلِهِمْ. ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ جاءَ فِيهِ العَطْفُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ. والتَّقَطُّعُ: مُطاوِعُ قَطَعَ، أيْ تَفَرَّقُوا. وأسْنَدَ التَّقَطُّعَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوا أنْفُسَهم فِرَقًا فَعَبَدُوا آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً واتَّخَذَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِنَفْسِها إلَهًا مِنَ الأصْنامِ مَعَ اللَّهِ، فَشَبَّهَ فِعْلَهم ذَلِكَ بِالتَّقَطُّعِ. وفِي جَمْهَرَةِ الأنْسابِ لِابْنِ حَزْمٍ: كانَ الحُصَيْنُ بْنُ عُبَيْدٍ الخُزاعِيُّ، وهو والِدُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يا حُصَيْنُ ما تَعْبُدُ ؟ قالَ: عَشَرَةَ آلِهَةٍ، قالَ: ما هم وأيْنَ هم ؟ قالَ: تِسْعَةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِحاجَتِكَ ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِطِلْبَتِكَ ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِكَذا ؟ فَمَن لِكَذا ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَألْغِ التِّسْعَةَ» . وفي كِتابِ الدَّعَواتِ مِن سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قالَ: سَبْعَةً: سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ. والأمْرُ: الحالُ. والمُرادُ بِهِ الدِّينُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. ولَمّا ضَمِنَ (تَقَطَّعُوا) مَعْنى تَوَزَّعُوا عُدِّيَ إلى (دِينِهِمْ) فَنَصَبَهُ. والأصْلُ: تَقَطَّعُوا في دِينِهِمْ وتَوَزَّعُوهُ. صفحة ١٤٣ وزِيادَةُ (بَيْنَهم) لِإفادَةِ أنَّهم تَعاوَنُوا وتَظاهَرُوا عَلى تَقَطُّعِ أمْرِهِمْ. فَرُبَّ قَبِيلَةٍ اتَّخَذَتْ صَنَمًا لَمْ تَكُنْ تَعْبُدُهُ قَبِيلَةٌ أُخْرى ثُمَّ سَوَّلُوا لِجِيرَتِهِمْ وأحْلافِهِمْ أنْ يَعْبُدُوهُ فَألْحَقُوهُ بِآلِهَتِهِمْ. وهَكَذا حَتّى كانَ في الكَعْبَةِ عِدَّةُ أصْنامٍ وتَماثِيلَ لِأنَّ الكَعْبَةَ مَقْصُودَةٌ لِجَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ المُلَقَّبَ بِخُزاعَةَ هو الَّذِي نَقَلَ الأصْنامَ إلى العَرَبِ. وجُمْلَةُ ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِ سامِعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ وهو مَعْرِفَةُ عاقِبَةِ هَذا التَّقَطُّعِ. وتَنْوِينُ (كُلٌّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّهم، أيْ أصْحابُ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. والكَلامُ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] إلى آخِرِهِ.

الأنبياء 21:94

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ فُرِّعَ عَلى الوَعِيدِ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] تَفْرِيعٌ بَدِيعٌ مِن بَيانِ صِفَةِ ما تُوُعِّدُوا بِهِ، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] الآياتِ. وقَدَّمَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِجَزاءِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ اهْتِمامًا بِهِ، ولِوُقُوعِهِ عَقِبَ الوَعِيدِ تَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا قَوارِعَ تَفْصِيلِ الوَعِيدِ، فَلَيْسَ هو مَقْصُودًا مِنَ التَّفْرِيعِ، ولَكِنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِطْرادَ تَنْوِيهًا بِالمُؤْمِنِينَ صفحة ١٤٤ كَما سَيُعْتَنى بِهِمْ عَقِبَ تَفْصِيلِ وعِيدِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] إلى آخِرِ السُّورَةِ. والكُفْرانُ مَصْدَرٌ أصْلُهُ: عَدَمُ الِاعْتِرافِ بِالإحْسانِ، ضِدُّ الشُّكْرانِ واسْتُعْمِلَ هُنا في حِرْمانِ الجَزاءِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِالخَيْرِ يَسْتَلْزِمُ الجَزاءَ عَلَيْهِ عُرْفًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] . فالمَعْنى: أنَّهم يُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ مُؤَكِّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. والكِتابَةُ كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِهِ وعَدَمِ إضاعَتِهِ لِأنَّ الِاعْتِناءَ بِإيقاعِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الحِفْظَ عَنْ إهْمالِهِ وعَنْ إنْكارِهِ، ومِن وسائِلِ ذَلِكَ كِتابَتُهُ لِيُذْكَرَ ولَوْ طالَتِ المُدَّةُ. وهَذا لُزُومٌ عُرْفِيٌّ قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ وذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الكِتابَةِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْناها الأصْلِيِّ كَما جاءَتْ بِذَلِكَ الظَّواهِرُ مِنَ الكِتابِ والسُنَّةِ.

الأنبياء 21:95

﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها. وهَذا يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] . والحَرامُ: الشَّيْءُ المَمْنُوعُ، قالَ عَنْتَرَةُ: حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ أيْ مُنِعَتْ؛ أيْ مَنَعَها أهْلُها. صفحة ١٤٥ أيْ مَمْنُوعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا إهْلاكَها أنْ لا يَرْجِعُوا، فَـ (حَرامٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في قُوَّةِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ. والخَبَرُ عَنْ (أنْ) وصِلَتِها لا يَكُونُ إلّا مُقَدَّمًا، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ. وفِعْلُ (أهْلَكْناها) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ، أيْ أرَدْنا إهْلاكَها. والرُّجُوعُ: العَوْدُ إلى ما كانَ فِيهِ المَرْءُ؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ رُجُوعُهم عَنِ الكُفْرِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ (لا) في قَوْلِهِ تَعالى (لا يَرْجِعُونَ) زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، لِأنَّ (حَرامٌ) في مَعْنى النَّفْيِ و(لا) نافِيَةٌ ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَيَصِيرُ المَعْنى مَنعَ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الإيمانِ، فَيُؤَوَّلُ إلى أنَّهم راجِعُونَ إلى الإيمانِ، ولَيْسَ هَذا بِمُرادٍ. فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى: مُنِعَ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ تَقْدِيرُ هَلاكِها. وهَذا إعْلامٌ بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في تَصَرُّفِهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِتَأْيِيسِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ المَصِيرِ إلى الإيمانِ، وتَهْدِيدُهم بِالهَلاكِ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ هَلاكَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِسُيُوفِ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى الآخِرَةِ بِالبَعْثِ، وهو المُناسِبُ لِتَفْرِيعِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] فَتَكُونَ (لا) نافِيَةً. والمَعْنى: مَمْنُوعٌ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلى الآخِرَةِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، أيْ دَعْواهم باطِلَةٌ، أيْ فَهم راجِعُونَ إلَيْنا فَمُجازَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ إثْباتًا لِلْبَعْثِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الإثْباتِ لِأنَّهُ إثْباتٌ بِطَرِيقِ المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ إثْباتُ الشَّيْءِ بِحُجَّةٍ. ويُفِيدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] . وجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) إدْماجٌ لِلْوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ. وفِعْلُ (أهْلَكْناها) مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ، أيْ وقَعَ إهْلاكُنا إيّاها. والمَعْنى: ما مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فانْقَرَضَتْ مِنَ الدُّنْيا إلّا وهم راجِعُونَ صفحة ١٤٦ إلَيْنا بِالبَعْثِ. وقِيلَ (حَرامٌ) اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَمْنُوعِ والواجِبِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الخَنْساءِ: وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِـيًا ∗∗∗ عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرِ وفِي كِتابِ لِسانِ العَرَبِ في حَدِيثِ عُمَرَ: في الحَرامِ كَفّارَةُ يَمِينٍ: هو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: حَرامُ اللَّهِ لا أفْعَلُ، كَما يَقُولُ: يَمِينُ اللَّهِ لا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ العُقَيْلِيِّينَ اهـ. ورَأيْتُ في مَجْمُوعَةٍ أدَبِيَّةٍ عَتِيقَةٍ مِن كُتُبِ جامِعِ الزَّيْتُونَةِ عَدَدُها ٤٥٦١: أنَّ بَنِي عُقَيْلٍ يَقُولُونَ حَرامُ اللَّهِ لَآتِيَنَّكَ؛ كَما يُقالُ يَمِينُ اللَّهِ لَآتِيَنَّكَ اهـ. وهو يَشْرَحُ كَلامَ لِسانِ العَرَبِ بِأنَّ هَذا اليَمِينَ لا يَخْتَصُّ بِالحَلِفِ عَلى النَّفْيِ كَما في مِثالِ لِسانِ العَرَبِ. فَيَتَأتّى عَلى هَذا وجْهٌ ثالِثٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ ويَمِينٌ مِنّا عَلى قَرْيَةٍ، فَحَرْفُ (عَلى) داخِلٌ عَلى المُسَلَّطَةِ عَلَيْهِ اليَمِينُ، كَما تَقُولُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ، وكَما يُقالُ: حَلَفْتُ عَلى فُلانٍ أنْ لا يَنْطِقَ. كَقَوْلِ الرّاعِي: إنِّي حَلَفْتُ عَلى يَمِينٍ بَرَّةٍ ∗∗∗ لا أكْتُمُ اليَوْمَ الخَلِيفَةَ قِيلا وفَتْحُ هَمْزَةِ (أنَّ) في اليَمِينِ أحَدُ وجْهَيْنِ فِيها في سِياقِ القَسَمِ. ومَعْنى (لا يَرْجِعُونَ) عَلى هَذا الوَجْهِ: لا يَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم فَقَدَّرَ إهْلاكَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وحَرامٌ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وحِرْمٌ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى حَرامٍ. والكَلِمَةُ مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ ومَرْوِيَّةٌ في رِواياتِ القُرّاءِ بِوَجْهَيْنِ، وحَذْفُ الألِفِ المُشْبَعَةِ مِنَ الفُتْحَةِ كَثِيرٌ في المَصاحِفِ.

الأنبياء 21:96

صفحة ١٤٧ ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ ياجُوجُ وماجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. والجُمْلَةُ بَعْدَها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ولَكِنْ (حَتّى) تُكْسِبُهُ ارْتِباطًا بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنَّ مَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُ (مَتى) حِينَ تَكُونُ لِلِابْتِداءِ، ولِذَلِكَ عُنِيَ هو ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِتَطَلُّبِ الغايَةِ بِها هاهُنا فَجَعَلَها في الكَشّافِ غايَةً لِقَوْلِهِ (وحَرامٌ) فَقالَ: (حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (حَرامٌ) وهي غايَةٌ لَهُ لِأنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ حَتّى تَقُومَ القِيامَةُ اهـ. أيْ فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلى أمْرٍ لا يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . ويَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ تَقَدَّما في مَعْنى الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (أنَّهم لا يَرْجِعُونَ)، أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى يَنْقَضِيَ العالَمُ، أوِ انْتِفاءُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في اعْتِقادِهِمْ يَزُولُ عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. فَيَكُونُ المَقْصُودُ الإخْبارَ عَنْ دَوامِ كُفْرِهِمْ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَفَتْحُ ياجُوجَ وماجُوجَ هو فَتْحُ السَّدِّ الَّذِي هو حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الِانْتِشارِ في أنْحاءِ الأرْضِ بِالفَسادِ، وهو المَذْكُورُ في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَوْقِيتُ وعْدِ السّاعَةِ بِخُرُوجِ ياجُوجِ وماجُوجِ أنَّ خُرُوجَهم أوَّلُ عَلاماتِ اقْتِرابِ القِيامَةِ. وقَدْ عَدَّهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأشْراطِ الصُّغْرى لِقِيامِ السّاعَةِ. صفحة ١٤٨ وفُسِّرَ اقْتِرابُ الوَعْدِ بِاقْتِرابِ القِيامَةِ. وسُمِّيَتْ وعْدًا؛ لِأنَّ البَعْثَ سَمّاهُ اللَّهُ وعْدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . وعَلى هَذا أيْضًا جَعَلُوا ضَمِيرَ ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدًا إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ (ياجُوجُ وماجُوجُ) . وبِناءً عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وصَفَتِ انْتِشارَ ياجُوجَ وماجُوجَ وصْفًا بَدِيعًا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ بِخَمْسَةِ قُرُونٍ فَعَدَدْنا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ والغَيْبِيَّةِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذا الحادِثِ بِالتَّوْقِيتِ دُونَ غَيْرِهِ مِن عَلاماتِ قُرْبِ السّاعَةِ قُصِدَ مِنهُ مَعَ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الإنْذارِ لِلْعَرَبِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ تَحْذِيرًا لِذُرِّيّاتِهِمْ مِن كَوارِثِ ظُهُورِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ كانَ زَوالُ مُلْكِ العَرَبِ العَتِيدِ وتَدَهْوُرُ حَضارَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى أيْدِي ياجُوجَ وماجُوجَ وهُمُ المَغُولُ والتَّتارُ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارُ النَّبَوِيُّ في ساعَةٍ مِن ساعاتِ الوَحْيِ. «فَقَدْ رَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا وحَلَّقَ بِإصْبَعِهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . والِاقْتِرابُ عَلى هَذا اقْتِرابٌ نِسْبِيٌّ عَلى نِسْبَةِ ما بَقِيَ مِن أجْلِ الدُّنْيا بِما مَضى مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِفَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ تَمْثِيلَ إخْراجِ الأمْواتِ إلى الحَشْرِ، فالفَتْحُ مَعْنى الشَّقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ويَكُونُ اسْمُ ياجُوجَ وماجُوجَ تَشْبِيهًا بَلِيغًا. وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ كَثْرَةِ عَدَدِهِما عِنْدَ العَرَبِ مِن خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ. ويَدُلُّ لِهَذا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: صفحة ١٤٩ يا رَبِّ، وما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: وأيُّنا ذَلِكَ الواحِدُ ؟ قالَ: أبْشِرُوا، فَإنَّ مِنكم رَجُلًا ومِن يَأْجُوجَ وماجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ» . أوْ يَكُونُ اسْمُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ اسْتُعْمِلَ مَثَلًا لِلْكَثْرَةِ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: لَوْ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مَعًا وعادَ عادٌ واسْتَجاشُوا تُبَّعًا أيْ حَتّى إذا أُخْرِجَتِ الأمْواتُ كَيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَعْقُولِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، (جَدَثٍ) بِجِيمٍ ومُثَلَّثَةٍ، أيْ مِن كُلِّ قَبْرٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] فَيَكُونُ ضَمِيرا ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدِينَ إلى مَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (لا يَرْجِعُونَ) أيْ أهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها. والِاقْتِرابُ، عَلى هَذا الوَجْهِ: القُرْبُ الشَّدِيدُ وهو المُشارَفَةُ، أيِ اقْتَرَبَ الوَعْدُ الَّذِي وُعِدَهُ المُشْرِكُونَ، وهو العَذابُ بِأنْ رَأوُا النّارَ والحِسابَ. وعَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فِعْلِ (فُتِحَتْ) لِتَأْوِيلِ ياجُوجَ وماجُوجَ بِالأُمَّةِ. ثُمَّ يُقَدَّرُ المُضافُ وهو سَدٌّ فَيُكْتَسَبُ التَّأْنِيثُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ هم قَبِيلَتانِ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ طسم وجَدِيسَ. وإسْنادُ فِعْلِ (فُتِحَتْ) إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ فُتِحَ رَدْمُهُما أوْ سَدُّهُما. وفِعْلُ الفَتْحِ قَرِينَةٌ عَلى المَفْعُولِ. صفحة ١٥٠ وقَرَأ الجُمْهُورُ (فُتِحَتْ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِهِما. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ياجُوجَ وماجُوجَ في سُورَةِ الكَهْفِ. والحَدَبُ: النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنها. و(يَنْسِلُونَ) يَمْشُونَ النَّسَلانَ بِفَتْحَتَيْنِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، وأصْلُهُ: مَشْيُ الذِّئْبِ. والمُرادُ: المَشْيُ السَّرِيعُ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا مِن نُكَتِ القُرْآنِ الغَيْبِيَّةِ، لِأنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ لَمّا انْتَشَرُوا في الأرْضِ انْتَشَرُوا كالذِّئابِ جِياعًا مُفْسِدِينَ. هَذا حاصِلُ ما تَفَرَّقَ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وما فَرَضُوهُ مِنَ الوُجُوهِ، وهي تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ التِزامِ أنَّ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ ما بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَقْدِيرِ مَفْعُولِ (فُتِحَتْ) بِأنَّهُ سَدُّ ياجُوجَ وماجُوجَ. ومَعَ حَمْلِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَلى حَقِيقَةِ مَدْلُولِ الِاسْمِ، وذَلِكَ ما زَجَّ بِهِمْ في مَضِيقٍ تَعاصى عَلَيْهِمْ فِيهِ تَبْيِينُ انْتِظامِ الكَلامِ فَألْجَئُوا إلى تَعْيِينِ المُغَيّا وإلى تَعْيِينِ غايَةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ ولِهاتِهِ المَحامِلِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ. ولا أرى مُتابَعَتَهم في الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. فَأمّا دَلالَةُ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عَلى مَعْنى الغايَةِ، أيْ كَوْنُ ما بَعْدَها غايَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، فَلا أراهُ لازِمًا. ولِأمْرٍ ما فَرَّقَ العَرَبُ بَيْنَ اسْتِعْمالِها جارَّةً وعاطِفَةً وبَيْنَ اسْتِعْمالِها ابْتِدائِيَّةً، ألَيْسَ قَدْ صَرَّحَ النُّحاةُ بِأنَّ الِابْتِدائِيَّةَ يَكُونُ الكَلامُ بَعْدَها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً تَصْرِيحًا جَرى مَجْرى الصَّوابِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فَما رَعَوْهُ حَقَّ رِعايَتِهِ فَإنَّ مَعْنى الغايَةِ في (حَتّى) الجارَّةِ وهي الأصْلُ في اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها بِمَعْنى (إلى) . وفي (حَتّى) العاطِفَةِ لِأنَّها تُفِيدُ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ بِها نِهايَةً لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المَعْنى المُرادِ. صفحة ١٥١ فَأمّا (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ فَإنَّ وُجُودَ مَعْنى الغايَةِ مَعَها في مَواقِعِها غَيْرُ مُنْضَبِطٍ ولا مُطَّرِدٍ، ولَمّا كانَ ما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَقِلًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ وُجُودُها بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَقَدْ نُقِلَتْ مِن مَعْنى تَنْهِيَةِ مَدْلُولِ ما قَبْلَها بِما بَعْدَها إلى الدَّلالَةِ عَلى تَنْهِيَةِ المُتَكَلِّمِ غَرَضَ كَلامِهِ بِما يُورِدُهُ بَعْدَ (حَتّى) ولا يَقْصِدُ تَنْهِيَةَ مَدْلُولِ ما قَبْلَ (حَتّى) بِما عِنْدَ حُصُولِ ما بَعْدَها (الَّذِي هو المَعْنى الأصْلُ لِلْغايَةِ) . وانْظُرْ إلى اسْتِعْمالِ (حَتّى) في مَواقِعَ مِن مُعَلَّقَةِ لَبِيدٍ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَيْسَ غايَةً لِلزَّلْزَلَةِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْها. وقَدْ مُثِّلَتْ حالَةُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ الحِينِ بِأبْلَغِ تَمْثِيلٍ وأشَدِّهِ وقْعًا في نَفْسِ السّامِعِ، إذْ جُعِلَتْ مُفَرَّعَةً عَلى فَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ واقْتِرابِ الوَعْدِ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ لَهم ثُمَّ بِتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ والمُجازاةِ الَّذِي يُفِيدُ الحُصُولَ دَفْعَةً بِلا تَدَرُّجٍ ولا مُهْلَةٍ، ثُمَّ بِالإتْيانِ بِضَمِيرِ القِصَّةِ لِيَحْصُلَ لِلسّامِعِ عِلْمٌ مُجْمَلٌ يُفَصِّلُهُ ما يُفَسِّرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ فَقالَ تَعالى ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِهِ. والشُّخُوصُ: إحْدادُ البَصَرِ دُونَ تَحَرُّكٍ كَما يَقَعُ لِلْمَبْهُوتِ. وجُمْلَةُ (يا ويْلَنا) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما هو ظاهِرٌ، أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: يا ويْلَنا. ودَلَّتْ (في) عَلى تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهم حَتّى كَأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، أيْ كانَتْ لَنا غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي غَفْلَةُ الإعْراضِ عَنْ أدِلَّةِ الجَزاءِ والبَعْثِ. صفحة ١٥٢ و(يا ويْلَنا) دُعاءٌ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن شِدَّةِ ما لَحِقَهم. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ، أيْ ما كُنّا في غَفْلَةٍ لِأنَّنا قَدْ دُعِينا وأُنْذِرْنا وإنَّما كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِمُكابَرَتِنا وإعْراضِنا. والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (هَذا) هو مَجْمُوعُ تِلْكَ الأحْوالِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ.

الأنبياء 21:97

صفحة ١٤٧ ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ ياجُوجُ وماجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. والجُمْلَةُ بَعْدَها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ولَكِنْ (حَتّى) تُكْسِبُهُ ارْتِباطًا بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنَّ مَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُ (مَتى) حِينَ تَكُونُ لِلِابْتِداءِ، ولِذَلِكَ عُنِيَ هو ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِتَطَلُّبِ الغايَةِ بِها هاهُنا فَجَعَلَها في الكَشّافِ غايَةً لِقَوْلِهِ (وحَرامٌ) فَقالَ: (حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (حَرامٌ) وهي غايَةٌ لَهُ لِأنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ حَتّى تَقُومَ القِيامَةُ اهـ. أيْ فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلى أمْرٍ لا يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . ويَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ تَقَدَّما في مَعْنى الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (أنَّهم لا يَرْجِعُونَ)، أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى يَنْقَضِيَ العالَمُ، أوِ انْتِفاءُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في اعْتِقادِهِمْ يَزُولُ عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. فَيَكُونُ المَقْصُودُ الإخْبارَ عَنْ دَوامِ كُفْرِهِمْ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَفَتْحُ ياجُوجَ وماجُوجَ هو فَتْحُ السَّدِّ الَّذِي هو حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الِانْتِشارِ في أنْحاءِ الأرْضِ بِالفَسادِ، وهو المَذْكُورُ في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَوْقِيتُ وعْدِ السّاعَةِ بِخُرُوجِ ياجُوجِ وماجُوجِ أنَّ خُرُوجَهم أوَّلُ عَلاماتِ اقْتِرابِ القِيامَةِ. وقَدْ عَدَّهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأشْراطِ الصُّغْرى لِقِيامِ السّاعَةِ. صفحة ١٤٨ وفُسِّرَ اقْتِرابُ الوَعْدِ بِاقْتِرابِ القِيامَةِ. وسُمِّيَتْ وعْدًا؛ لِأنَّ البَعْثَ سَمّاهُ اللَّهُ وعْدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . وعَلى هَذا أيْضًا جَعَلُوا ضَمِيرَ ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدًا إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ (ياجُوجُ وماجُوجُ) . وبِناءً عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وصَفَتِ انْتِشارَ ياجُوجَ وماجُوجَ وصْفًا بَدِيعًا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ بِخَمْسَةِ قُرُونٍ فَعَدَدْنا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ والغَيْبِيَّةِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذا الحادِثِ بِالتَّوْقِيتِ دُونَ غَيْرِهِ مِن عَلاماتِ قُرْبِ السّاعَةِ قُصِدَ مِنهُ مَعَ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الإنْذارِ لِلْعَرَبِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ تَحْذِيرًا لِذُرِّيّاتِهِمْ مِن كَوارِثِ ظُهُورِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ كانَ زَوالُ مُلْكِ العَرَبِ العَتِيدِ وتَدَهْوُرُ حَضارَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى أيْدِي ياجُوجَ وماجُوجَ وهُمُ المَغُولُ والتَّتارُ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارُ النَّبَوِيُّ في ساعَةٍ مِن ساعاتِ الوَحْيِ. «فَقَدْ رَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا وحَلَّقَ بِإصْبَعِهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . والِاقْتِرابُ عَلى هَذا اقْتِرابٌ نِسْبِيٌّ عَلى نِسْبَةِ ما بَقِيَ مِن أجْلِ الدُّنْيا بِما مَضى مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِفَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ تَمْثِيلَ إخْراجِ الأمْواتِ إلى الحَشْرِ، فالفَتْحُ مَعْنى الشَّقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ويَكُونُ اسْمُ ياجُوجَ وماجُوجَ تَشْبِيهًا بَلِيغًا. وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ كَثْرَةِ عَدَدِهِما عِنْدَ العَرَبِ مِن خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ. ويَدُلُّ لِهَذا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: صفحة ١٤٩ يا رَبِّ، وما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: وأيُّنا ذَلِكَ الواحِدُ ؟ قالَ: أبْشِرُوا، فَإنَّ مِنكم رَجُلًا ومِن يَأْجُوجَ وماجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ» . أوْ يَكُونُ اسْمُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ اسْتُعْمِلَ مَثَلًا لِلْكَثْرَةِ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: لَوْ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مَعًا وعادَ عادٌ واسْتَجاشُوا تُبَّعًا أيْ حَتّى إذا أُخْرِجَتِ الأمْواتُ كَيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَعْقُولِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، (جَدَثٍ) بِجِيمٍ ومُثَلَّثَةٍ، أيْ مِن كُلِّ قَبْرٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] فَيَكُونُ ضَمِيرا ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدِينَ إلى مَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (لا يَرْجِعُونَ) أيْ أهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها. والِاقْتِرابُ، عَلى هَذا الوَجْهِ: القُرْبُ الشَّدِيدُ وهو المُشارَفَةُ، أيِ اقْتَرَبَ الوَعْدُ الَّذِي وُعِدَهُ المُشْرِكُونَ، وهو العَذابُ بِأنْ رَأوُا النّارَ والحِسابَ. وعَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فِعْلِ (فُتِحَتْ) لِتَأْوِيلِ ياجُوجَ وماجُوجَ بِالأُمَّةِ. ثُمَّ يُقَدَّرُ المُضافُ وهو سَدٌّ فَيُكْتَسَبُ التَّأْنِيثُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ هم قَبِيلَتانِ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ طسم وجَدِيسَ. وإسْنادُ فِعْلِ (فُتِحَتْ) إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ فُتِحَ رَدْمُهُما أوْ سَدُّهُما. وفِعْلُ الفَتْحِ قَرِينَةٌ عَلى المَفْعُولِ. صفحة ١٥٠ وقَرَأ الجُمْهُورُ (فُتِحَتْ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِهِما. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ياجُوجَ وماجُوجَ في سُورَةِ الكَهْفِ. والحَدَبُ: النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنها. و(يَنْسِلُونَ) يَمْشُونَ النَّسَلانَ بِفَتْحَتَيْنِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، وأصْلُهُ: مَشْيُ الذِّئْبِ. والمُرادُ: المَشْيُ السَّرِيعُ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا مِن نُكَتِ القُرْآنِ الغَيْبِيَّةِ، لِأنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ لَمّا انْتَشَرُوا في الأرْضِ انْتَشَرُوا كالذِّئابِ جِياعًا مُفْسِدِينَ. هَذا حاصِلُ ما تَفَرَّقَ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وما فَرَضُوهُ مِنَ الوُجُوهِ، وهي تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ التِزامِ أنَّ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ ما بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَقْدِيرِ مَفْعُولِ (فُتِحَتْ) بِأنَّهُ سَدُّ ياجُوجَ وماجُوجَ. ومَعَ حَمْلِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَلى حَقِيقَةِ مَدْلُولِ الِاسْمِ، وذَلِكَ ما زَجَّ بِهِمْ في مَضِيقٍ تَعاصى عَلَيْهِمْ فِيهِ تَبْيِينُ انْتِظامِ الكَلامِ فَألْجَئُوا إلى تَعْيِينِ المُغَيّا وإلى تَعْيِينِ غايَةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ ولِهاتِهِ المَحامِلِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ. ولا أرى مُتابَعَتَهم في الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. فَأمّا دَلالَةُ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عَلى مَعْنى الغايَةِ، أيْ كَوْنُ ما بَعْدَها غايَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، فَلا أراهُ لازِمًا. ولِأمْرٍ ما فَرَّقَ العَرَبُ بَيْنَ اسْتِعْمالِها جارَّةً وعاطِفَةً وبَيْنَ اسْتِعْمالِها ابْتِدائِيَّةً، ألَيْسَ قَدْ صَرَّحَ النُّحاةُ بِأنَّ الِابْتِدائِيَّةَ يَكُونُ الكَلامُ بَعْدَها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً تَصْرِيحًا جَرى مَجْرى الصَّوابِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فَما رَعَوْهُ حَقَّ رِعايَتِهِ فَإنَّ مَعْنى الغايَةِ في (حَتّى) الجارَّةِ وهي الأصْلُ في اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها بِمَعْنى (إلى) . وفي (حَتّى) العاطِفَةِ لِأنَّها تُفِيدُ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ بِها نِهايَةً لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المَعْنى المُرادِ. صفحة ١٥١ فَأمّا (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ فَإنَّ وُجُودَ مَعْنى الغايَةِ مَعَها في مَواقِعِها غَيْرُ مُنْضَبِطٍ ولا مُطَّرِدٍ، ولَمّا كانَ ما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَقِلًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ وُجُودُها بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَقَدْ نُقِلَتْ مِن مَعْنى تَنْهِيَةِ مَدْلُولِ ما قَبْلَها بِما بَعْدَها إلى الدَّلالَةِ عَلى تَنْهِيَةِ المُتَكَلِّمِ غَرَضَ كَلامِهِ بِما يُورِدُهُ بَعْدَ (حَتّى) ولا يَقْصِدُ تَنْهِيَةَ مَدْلُولِ ما قَبْلَ (حَتّى) بِما عِنْدَ حُصُولِ ما بَعْدَها (الَّذِي هو المَعْنى الأصْلُ لِلْغايَةِ) . وانْظُرْ إلى اسْتِعْمالِ (حَتّى) في مَواقِعَ مِن مُعَلَّقَةِ لَبِيدٍ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَيْسَ غايَةً لِلزَّلْزَلَةِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْها. وقَدْ مُثِّلَتْ حالَةُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ الحِينِ بِأبْلَغِ تَمْثِيلٍ وأشَدِّهِ وقْعًا في نَفْسِ السّامِعِ، إذْ جُعِلَتْ مُفَرَّعَةً عَلى فَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ واقْتِرابِ الوَعْدِ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ لَهم ثُمَّ بِتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ والمُجازاةِ الَّذِي يُفِيدُ الحُصُولَ دَفْعَةً بِلا تَدَرُّجٍ ولا مُهْلَةٍ، ثُمَّ بِالإتْيانِ بِضَمِيرِ القِصَّةِ لِيَحْصُلَ لِلسّامِعِ عِلْمٌ مُجْمَلٌ يُفَصِّلُهُ ما يُفَسِّرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ فَقالَ تَعالى ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِهِ. والشُّخُوصُ: إحْدادُ البَصَرِ دُونَ تَحَرُّكٍ كَما يَقَعُ لِلْمَبْهُوتِ. وجُمْلَةُ (يا ويْلَنا) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما هو ظاهِرٌ، أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: يا ويْلَنا. ودَلَّتْ (في) عَلى تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهم حَتّى كَأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، أيْ كانَتْ لَنا غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي غَفْلَةُ الإعْراضِ عَنْ أدِلَّةِ الجَزاءِ والبَعْثِ. صفحة ١٥٢ و(يا ويْلَنا) دُعاءٌ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن شِدَّةِ ما لَحِقَهم. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ، أيْ ما كُنّا في غَفْلَةٍ لِأنَّنا قَدْ دُعِينا وأُنْذِرْنا وإنَّما كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِمُكابَرَتِنا وإعْراضِنا. والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (هَذا) هو مَجْمُوعُ تِلْكَ الأحْوالِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ.

الأنبياء 21:98

﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إلى آخِرِهِ. فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. فالتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. وهو ارْتِقاءٌ في ثُبُورِهِمْ فَهم قالُوا ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَأخْبَرُوا بِأنَّ آلِهَتَهم وهم أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأبْعَدُ في أنْظارِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم سُوءٌ صائِرُونَ إلى مَصِيرِهِمْ مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا بِحَيْثُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. و(ما) مَوْصُولَةٌ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما يَكُونُ فِيهِ صاحِبُ الصِّلَةِ غَيْرَ عاقِلٍ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والجِنِّ والشَّياطِينِ تَغْلِيبًا، عَلى أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ فِيما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ وغَيْرِهِ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ. صفحة ١٥٣ وكانَتْ أصْنامُهم ومَعْبُوداتُهم حاضِرَةً في ذَلِكَ المَشْهَدِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . والحَصَبُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَحْصُوبِ بِهِ. أيِ المَرْمِيِّ بِهِ. ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَصْباءَ لِأنَّها حِجارَةٌ يُرْمى بِها، أيْ يُرْمَوْنَ في جَهَنَّمَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] . أيِ الكُفّارُ وأصْنامُهم. وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . والمَقْصُودُ مِنهُ: تَقْرِيبُ الحَصَبِ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وارِدُونَ) مِنَ الِاتِّصافِ بِوُرُودِ النّارِ في الحالِ كَما هو شَأْنُ الخَبَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ مَجازٌ في الِاسْتِقْبالِ. وقَدْ زِيدَ في نِكايَتِهِمْ بِإظْهارِ خَطَئِهِمْ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ بِأنْ أُشْهِدُوا إيرادَها النّارَ وقِيلَ لَهم: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . وذُيِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ هم وأصْنامُهم. والزَّفِيرُ: النَّفَسُ يَخْرُجُ مِن أقْصى الرِّئَتَيْنِ لِضَغْطِ الهَواءِ مِنَ التَّأثُّرِ بِالغَمِّ. وهو هُنا مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ دُونَ الأصْنامِ. وقَرِينَةُ مُعادِ الضَّمائِرِ واضِحَةٌ. وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ لِأنَّ شَأْنَ الزَّفِيرِ أنْ يُسْمَعَ فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَذابِ يَفْقِدُونَ السَّمْعَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ. فالآيَةُ واضِحَةُ السِّياقِ في المَقْصُودِ مِنها غَنِيَّةٌ عَنِ التَّلْفِيقِ. وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَجاءَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَجَلَسَ مَعَهم في مَجْلِسٍ مِن رِجالِ قُرَيْشٍ، فَتَلا رَسُولُ صفحة ١٥٤ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى السَّهْمِيُّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَحَدَّثَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِما جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: أما واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فاسْألُوا مُحَمَّدًا أكُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مَعَ مَن عَبَدُوهم ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ، واليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، والنَّصارى تَعْبُدُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَحُكِيَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ كُلَّ مَن أحَبَّ أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو مَعَ مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّيْطانَ الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء»: ١٠١] اهـ. وقَرِيبٌ مِن هَذا في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وفي الكَشّافِ مَعَ زِياداتٍ «أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ هَذا وزادَ فَقالَ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، وهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، وهَذِهِ اليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ» أيْ فَرَحًا وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خُصِمَ. ورُوِيَتِ القِصَّةُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ «وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِابْنِ الزِّبَعْرى: ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إنِّي قُلْتُ (وما تَعْبُدُونَ)، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ ولَمْ أقُلْ (ومَن تَعْبُدُونَ» ) . وإنَّ الآيَةَ حَكَتْ ما يَجْرِي يَوْمَ الحَشْرِ ولَيْسَ سِياقُها إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَخْصِيصًا لَها، أوْ تَكُونَ القِصَّةُ سَبَبًا لِنُزُولِهِ.

الأنبياء 21:99

﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إلى آخِرِهِ. فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. فالتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. وهو ارْتِقاءٌ في ثُبُورِهِمْ فَهم قالُوا ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَأخْبَرُوا بِأنَّ آلِهَتَهم وهم أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأبْعَدُ في أنْظارِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم سُوءٌ صائِرُونَ إلى مَصِيرِهِمْ مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا بِحَيْثُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. و(ما) مَوْصُولَةٌ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما يَكُونُ فِيهِ صاحِبُ الصِّلَةِ غَيْرَ عاقِلٍ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والجِنِّ والشَّياطِينِ تَغْلِيبًا، عَلى أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ فِيما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ وغَيْرِهِ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ. صفحة ١٥٣ وكانَتْ أصْنامُهم ومَعْبُوداتُهم حاضِرَةً في ذَلِكَ المَشْهَدِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . والحَصَبُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَحْصُوبِ بِهِ. أيِ المَرْمِيِّ بِهِ. ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَصْباءَ لِأنَّها حِجارَةٌ يُرْمى بِها، أيْ يُرْمَوْنَ في جَهَنَّمَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] . أيِ الكُفّارُ وأصْنامُهم. وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . والمَقْصُودُ مِنهُ: تَقْرِيبُ الحَصَبِ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وارِدُونَ) مِنَ الِاتِّصافِ بِوُرُودِ النّارِ في الحالِ كَما هو شَأْنُ الخَبَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ مَجازٌ في الِاسْتِقْبالِ. وقَدْ زِيدَ في نِكايَتِهِمْ بِإظْهارِ خَطَئِهِمْ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ بِأنْ أُشْهِدُوا إيرادَها النّارَ وقِيلَ لَهم: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . وذُيِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ هم وأصْنامُهم. والزَّفِيرُ: النَّفَسُ يَخْرُجُ مِن أقْصى الرِّئَتَيْنِ لِضَغْطِ الهَواءِ مِنَ التَّأثُّرِ بِالغَمِّ. وهو هُنا مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ دُونَ الأصْنامِ. وقَرِينَةُ مُعادِ الضَّمائِرِ واضِحَةٌ. وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ لِأنَّ شَأْنَ الزَّفِيرِ أنْ يُسْمَعَ فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَذابِ يَفْقِدُونَ السَّمْعَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ. فالآيَةُ واضِحَةُ السِّياقِ في المَقْصُودِ مِنها غَنِيَّةٌ عَنِ التَّلْفِيقِ. وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَجاءَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَجَلَسَ مَعَهم في مَجْلِسٍ مِن رِجالِ قُرَيْشٍ، فَتَلا رَسُولُ صفحة ١٥٤ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى السَّهْمِيُّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَحَدَّثَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِما جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: أما واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فاسْألُوا مُحَمَّدًا أكُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مَعَ مَن عَبَدُوهم ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ، واليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، والنَّصارى تَعْبُدُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَحُكِيَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ كُلَّ مَن أحَبَّ أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو مَعَ مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّيْطانَ الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء»: ١٠١] اهـ. وقَرِيبٌ مِن هَذا في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وفي الكَشّافِ مَعَ زِياداتٍ «أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ هَذا وزادَ فَقالَ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، وهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، وهَذِهِ اليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ» أيْ فَرَحًا وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خُصِمَ. ورُوِيَتِ القِصَّةُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ «وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِابْنِ الزِّبَعْرى: ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إنِّي قُلْتُ (وما تَعْبُدُونَ)، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ ولَمْ أقُلْ (ومَن تَعْبُدُونَ» ) . وإنَّ الآيَةَ حَكَتْ ما يَجْرِي يَوْمَ الحَشْرِ ولَيْسَ سِياقُها إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَخْصِيصًا لَها، أوْ تَكُونَ القِصَّةُ سَبَبًا لِنُزُولِهِ.

الأنبياء 21:100

﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إلى آخِرِهِ. فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. فالتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. وهو ارْتِقاءٌ في ثُبُورِهِمْ فَهم قالُوا ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فَأخْبَرُوا بِأنَّ آلِهَتَهم وهم أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأبْعَدُ في أنْظارِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم سُوءٌ صائِرُونَ إلى مَصِيرِهِمْ مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا بِحَيْثُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. و(ما) مَوْصُولَةٌ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما يَكُونُ فِيهِ صاحِبُ الصِّلَةِ غَيْرَ عاقِلٍ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والجِنِّ والشَّياطِينِ تَغْلِيبًا، عَلى أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ فِيما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ وغَيْرِهِ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا في كَلامِ العَرَبِ. صفحة ١٥٣ وكانَتْ أصْنامُهم ومَعْبُوداتُهم حاضِرَةً في ذَلِكَ المَشْهَدِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . والحَصَبُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَحْصُوبِ بِهِ. أيِ المَرْمِيِّ بِهِ. ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَصْباءَ لِأنَّها حِجارَةٌ يُرْمى بِها، أيْ يُرْمَوْنَ في جَهَنَّمَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] . أيِ الكُفّارُ وأصْنامُهم. وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . والمَقْصُودُ مِنهُ: تَقْرِيبُ الحَصَبِ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وارِدُونَ) مِنَ الِاتِّصافِ بِوُرُودِ النّارِ في الحالِ كَما هو شَأْنُ الخَبَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ مَجازٌ في الِاسْتِقْبالِ. وقَدْ زِيدَ في نِكايَتِهِمْ بِإظْهارِ خَطَئِهِمْ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ بِأنْ أُشْهِدُوا إيرادَها النّارَ وقِيلَ لَهم: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . وذُيِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ هم وأصْنامُهم. والزَّفِيرُ: النَّفَسُ يَخْرُجُ مِن أقْصى الرِّئَتَيْنِ لِضَغْطِ الهَواءِ مِنَ التَّأثُّرِ بِالغَمِّ. وهو هُنا مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ دُونَ الأصْنامِ. وقَرِينَةُ مُعادِ الضَّمائِرِ واضِحَةٌ. وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ لِأنَّ شَأْنَ الزَّفِيرِ أنْ يُسْمَعَ فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَذابِ يَفْقِدُونَ السَّمْعَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ. فالآيَةُ واضِحَةُ السِّياقِ في المَقْصُودِ مِنها غَنِيَّةٌ عَنِ التَّلْفِيقِ. وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَجاءَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَجَلَسَ مَعَهم في مَجْلِسٍ مِن رِجالِ قُرَيْشٍ، فَتَلا رَسُولُ صفحة ١٥٤ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى السَّهْمِيُّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَحَدَّثَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِما جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى: أما واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فاسْألُوا مُحَمَّدًا أكُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مَعَ مَن عَبَدُوهم ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ، واليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، والنَّصارى تَعْبُدُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَحُكِيَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ كُلَّ مَن أحَبَّ أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو مَعَ مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّيْطانَ الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء»: ١٠١] اهـ. وقَرِيبٌ مِن هَذا في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وفي الكَشّافِ مَعَ زِياداتٍ «أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ هَذا وزادَ فَقالَ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ، وهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، وهَذِهِ اليَهُودَ يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ» أيْ فَرَحًا وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خُصِمَ. ورُوِيَتِ القِصَّةُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ «وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِابْنِ الزِّبَعْرى: ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إنِّي قُلْتُ (وما تَعْبُدُونَ)، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ ولَمْ أقُلْ (ومَن تَعْبُدُونَ» ) . وإنَّ الآيَةَ حَكَتْ ما يَجْرِي يَوْمَ الحَشْرِ ولَيْسَ سِياقُها إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَخْصِيصًا لَها، أوْ تَكُونَ القِصَّةُ سَبَبًا لِنُزُولِهِ.

الأنبياء 21:101

صفحة ١٥٥ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعا إلَيْهِ مُقابَلَةُ حِكايَةِ حالِ الكافِرِينَ وما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحِكايَةِ ما يَلْقاهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ وما يُقالُ لَهم. فالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِفَرِيقِ القَرْيَةِ الَّتِي سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ إهْلاكُها، ولَمّا كانَ فَرِيقُ القَرْيَةِ هُمُ المُشْرِكِينَ فالفَرِيقُ المُقابِلُ لَهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ولا هي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ عامٌّ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ ماتَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: تَجاوُزُ الغَيْرِ في السَّيْرِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ. ومِنهُ سِباقُ الخَيْلِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في ثُبُوتِ الأمْنِ في الماضِي، يُقالُ كانَ هَذا في العُصُورِ السّابِقَةِ، أيِ الَّتِي مَضَتْ أزْمانُها لِما بَيْنَ السَّبْقِ وبَيْنَ التَقَدُّمِ في المُلازَمَةِ، أيِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ الحُسْنى في الدُّنْيا، أيْ حَصَلَ لَهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ اللَّهِ، أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما حَصَلَ الإهْلاكُ لِأضْدادِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الخِذْلانِ. والحُسْنى: الحالَةُ الحَسَنَةُ في الدِّينِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أوِ المَوْعِدَةُ الحُسْنى، أيْ تَقَرَّرَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِالمُعامَلَةِ الحُسْنى. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ. صفحة ١٥٦ وذُكِرَ المَوْصُولُ في تَعْرِيفِهِمْ لِأنَّ المَوْصُولَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ فَوْزِهِمْ هو سَبْقُ تَقْدِيرِ الهِدايَةِ لَهم. وذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلى اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ، وهو سَبْقُ الحُسْنى مِنَ اللَّهِ. واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلْإيماءِ إلى رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، والرِّفْعَةُ تُشَبَّهُ بِالبُعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ بَيانٌ لِمَعْنى مُبْعَدُونَ، أيْ مُبْعَدُونَ عَنْها بُعْدًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا يَلْفَحُهم حَرُّها ولا يَرُوعُهم مَنظَرُها ولا يَسْمَعُونَ صَوْتَها، والصَّوْتُ يَبْلُغُ إلى السَّمْعِ مِن أبْعَدِ ما يَبْلُغُ مِنهُ المَرْئِيُّ. والحَسِيسُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَبْلُغُ الحِسَّ، أيِ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ، أيْ لا يَقْرُبُونَ مِنَ النّارِ ولا تَبْلُغُ أسْماعَهم أصْواتُها، فَهم سالِمُونَ مِنَ الفَزَعِ مِن أصْواتِها فَلا يَقْرَعُ أسْماعَهم ما يُؤْلِمُها. وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما هو أخَصُّ مِنَ السَّلامَةِ وهو النَّعِيمُ المُلائِمُ. وجِيءَ فِيهِ بِما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وهو ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ وما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ وهو (خالِدُونَ) . والشَّهْوَةُ: تَشَوُّقُ النَّفْسِ إلى ما يَلَذُّ لَها. وجُمْلَةُ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المَوْصُولِ. والفَزَعُ: نَفْرَةُ النَّفْسِ وانْقِباضُها مِمّا تَتَوَقَّعُ أنْ يَحْصُلَ لَها مِنَ الألَمِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَزَعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا فَزَعُ الحَشْرِ حِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، فَيَكُونُونَ في أمْنٍ مِن ذَلِكَ بِطَمْأنَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم. صفحة ١٥٧ وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] . والتَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ عِنْدَ حُلُولِهِ تَعَرُّضَ كَرامَةٍ. والصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِتَكَلُّفِ لِقائِهِ وهو تَكَلُّفُ تَهَيُّؤٍ واسْتِعْدادٍ. وجُمْلَةُ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يَقُولُونَ لَهم: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، تَذْكِيرًا لَهم بِما وُعِدُوا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ، لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَوْعُودَ بِهِ يَقَعُ في يَوْمٍ آخَرَ. أيْ هَذا يَوْمُ تَعْجِيلِ وعْدِكم. والإشارَةُ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ لِتَعْيِينِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ بِأنَّهُ اليَوْمُ الحاضِرُ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِ فائِدَتِهِمْ حاصِلَةً فِيهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ هَذا زَمانُكَ إنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي أيْ هَذا الزَّمَنُ المُخْتَصُّ بِكَ، أيْ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ.

الأنبياء 21:102

صفحة ١٥٥ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعا إلَيْهِ مُقابَلَةُ حِكايَةِ حالِ الكافِرِينَ وما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحِكايَةِ ما يَلْقاهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ وما يُقالُ لَهم. فالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِفَرِيقِ القَرْيَةِ الَّتِي سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ إهْلاكُها، ولَمّا كانَ فَرِيقُ القَرْيَةِ هُمُ المُشْرِكِينَ فالفَرِيقُ المُقابِلُ لَهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ولا هي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ عامٌّ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ ماتَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: تَجاوُزُ الغَيْرِ في السَّيْرِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ. ومِنهُ سِباقُ الخَيْلِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في ثُبُوتِ الأمْنِ في الماضِي، يُقالُ كانَ هَذا في العُصُورِ السّابِقَةِ، أيِ الَّتِي مَضَتْ أزْمانُها لِما بَيْنَ السَّبْقِ وبَيْنَ التَقَدُّمِ في المُلازَمَةِ، أيِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ الحُسْنى في الدُّنْيا، أيْ حَصَلَ لَهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ اللَّهِ، أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما حَصَلَ الإهْلاكُ لِأضْدادِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الخِذْلانِ. والحُسْنى: الحالَةُ الحَسَنَةُ في الدِّينِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أوِ المَوْعِدَةُ الحُسْنى، أيْ تَقَرَّرَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِالمُعامَلَةِ الحُسْنى. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ. صفحة ١٥٦ وذُكِرَ المَوْصُولُ في تَعْرِيفِهِمْ لِأنَّ المَوْصُولَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ فَوْزِهِمْ هو سَبْقُ تَقْدِيرِ الهِدايَةِ لَهم. وذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلى اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ، وهو سَبْقُ الحُسْنى مِنَ اللَّهِ. واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلْإيماءِ إلى رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، والرِّفْعَةُ تُشَبَّهُ بِالبُعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ بَيانٌ لِمَعْنى مُبْعَدُونَ، أيْ مُبْعَدُونَ عَنْها بُعْدًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا يَلْفَحُهم حَرُّها ولا يَرُوعُهم مَنظَرُها ولا يَسْمَعُونَ صَوْتَها، والصَّوْتُ يَبْلُغُ إلى السَّمْعِ مِن أبْعَدِ ما يَبْلُغُ مِنهُ المَرْئِيُّ. والحَسِيسُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَبْلُغُ الحِسَّ، أيِ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ، أيْ لا يَقْرُبُونَ مِنَ النّارِ ولا تَبْلُغُ أسْماعَهم أصْواتُها، فَهم سالِمُونَ مِنَ الفَزَعِ مِن أصْواتِها فَلا يَقْرَعُ أسْماعَهم ما يُؤْلِمُها. وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما هو أخَصُّ مِنَ السَّلامَةِ وهو النَّعِيمُ المُلائِمُ. وجِيءَ فِيهِ بِما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وهو ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ وما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ وهو (خالِدُونَ) . والشَّهْوَةُ: تَشَوُّقُ النَّفْسِ إلى ما يَلَذُّ لَها. وجُمْلَةُ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المَوْصُولِ. والفَزَعُ: نَفْرَةُ النَّفْسِ وانْقِباضُها مِمّا تَتَوَقَّعُ أنْ يَحْصُلَ لَها مِنَ الألَمِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَزَعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا فَزَعُ الحَشْرِ حِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، فَيَكُونُونَ في أمْنٍ مِن ذَلِكَ بِطَمْأنَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم. صفحة ١٥٧ وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] . والتَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ عِنْدَ حُلُولِهِ تَعَرُّضَ كَرامَةٍ. والصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِتَكَلُّفِ لِقائِهِ وهو تَكَلُّفُ تَهَيُّؤٍ واسْتِعْدادٍ. وجُمْلَةُ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يَقُولُونَ لَهم: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، تَذْكِيرًا لَهم بِما وُعِدُوا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ، لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَوْعُودَ بِهِ يَقَعُ في يَوْمٍ آخَرَ. أيْ هَذا يَوْمُ تَعْجِيلِ وعْدِكم. والإشارَةُ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ لِتَعْيِينِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ بِأنَّهُ اليَوْمُ الحاضِرُ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِ فائِدَتِهِمْ حاصِلَةً فِيهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ هَذا زَمانُكَ إنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي أيْ هَذا الزَّمَنُ المُخْتَصُّ بِكَ، أيْ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ.

الأنبياء 21:103

صفحة ١٥٥ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعا إلَيْهِ مُقابَلَةُ حِكايَةِ حالِ الكافِرِينَ وما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحِكايَةِ ما يَلْقاهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ وما يُقالُ لَهم. فالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِفَرِيقِ القَرْيَةِ الَّتِي سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ إهْلاكُها، ولَمّا كانَ فَرِيقُ القَرْيَةِ هُمُ المُشْرِكِينَ فالفَرِيقُ المُقابِلُ لَهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ولا هي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ عامٌّ يَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ ماتَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: تَجاوُزُ الغَيْرِ في السَّيْرِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ. ومِنهُ سِباقُ الخَيْلِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في ثُبُوتِ الأمْنِ في الماضِي، يُقالُ كانَ هَذا في العُصُورِ السّابِقَةِ، أيِ الَّتِي مَضَتْ أزْمانُها لِما بَيْنَ السَّبْقِ وبَيْنَ التَقَدُّمِ في المُلازَمَةِ، أيِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ الحُسْنى في الدُّنْيا، أيْ حَصَلَ لَهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ اللَّهِ، أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما حَصَلَ الإهْلاكُ لِأضْدادِهِمْ بِما قُدِّرَ لَهم مِنَ الخِذْلانِ. والحُسْنى: الحالَةُ الحَسَنَةُ في الدِّينِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أوِ المَوْعِدَةُ الحُسْنى، أيْ تَقَرَّرَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِالمُعامَلَةِ الحُسْنى. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ. صفحة ١٥٦ وذُكِرَ المَوْصُولُ في تَعْرِيفِهِمْ لِأنَّ المَوْصُولَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ فَوْزِهِمْ هو سَبْقُ تَقْدِيرِ الهِدايَةِ لَهم. وذُكِرَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلى اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ، وهو سَبْقُ الحُسْنى مِنَ اللَّهِ. واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلْإيماءِ إلى رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، والرِّفْعَةُ تُشَبَّهُ بِالبُعْدِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ بَيانٌ لِمَعْنى مُبْعَدُونَ، أيْ مُبْعَدُونَ عَنْها بُعْدًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا يَلْفَحُهم حَرُّها ولا يَرُوعُهم مَنظَرُها ولا يَسْمَعُونَ صَوْتَها، والصَّوْتُ يَبْلُغُ إلى السَّمْعِ مِن أبْعَدِ ما يَبْلُغُ مِنهُ المَرْئِيُّ. والحَسِيسُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَبْلُغُ الحِسَّ، أيِ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِن بَعِيدٍ، أيْ لا يَقْرُبُونَ مِنَ النّارِ ولا تَبْلُغُ أسْماعَهم أصْواتُها، فَهم سالِمُونَ مِنَ الفَزَعِ مِن أصْواتِها فَلا يَقْرَعُ أسْماعَهم ما يُؤْلِمُها. وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما هو أخَصُّ مِنَ السَّلامَةِ وهو النَّعِيمُ المُلائِمُ. وجِيءَ فِيهِ بِما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وهو ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ وما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ وهو (خالِدُونَ) . والشَّهْوَةُ: تَشَوُّقُ النَّفْسِ إلى ما يَلَذُّ لَها. وجُمْلَةُ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المَوْصُولِ. والفَزَعُ: نَفْرَةُ النَّفْسِ وانْقِباضُها مِمّا تَتَوَقَّعُ أنْ يَحْصُلَ لَها مِنَ الألَمِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَزَعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا فَزَعُ الحَشْرِ حِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، فَيَكُونُونَ في أمْنٍ مِن ذَلِكَ بِطَمْأنَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم. صفحة ١٥٧ وذَلِكَ مُفادُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى هُمُ المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] . والتَّلَقِّي: التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ عِنْدَ حُلُولِهِ تَعَرُّضَ كَرامَةٍ. والصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِتَكَلُّفِ لِقائِهِ وهو تَكَلُّفُ تَهَيُّؤٍ واسْتِعْدادٍ. وجُمْلَةُ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يَقُولُونَ لَهم: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، تَذْكِيرًا لَهم بِما وُعِدُوا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ، لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَوْعُودَ بِهِ يَقَعُ في يَوْمٍ آخَرَ. أيْ هَذا يَوْمُ تَعْجِيلِ وعْدِكم. والإشارَةُ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ لِتَعْيِينِ اليَوْمِ وتَمْيِيزِهِ بِأنَّهُ اليَوْمُ الحاضِرُ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِ فائِدَتِهِمْ حاصِلَةً فِيهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ هَذا زَمانُكَ إنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي أيْ هَذا الزَّمَنُ المُخْتَصُّ بِكَ، أيْ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ.

الأنبياء 21:104

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ قُصِدَ مِنها إعادَةُ ذِكْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالُ عَلى وُقُوعِهِ وإمْكانِهِ إبْطالًا لِإحالَةِ المُشْرِكِينَ وُقُوعَهُ بِعِلَّةِ أنَّ الأجْسادَ الَّتِي يُدَّعى بَعْثُها قَدِ انْتابَها الفَناءُ العَظِيمُ (﴿قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) . صفحة ١٥٨ والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ هو ما جَرى مِن ذِكْرِ الحَشْرِ والعِقابِ والثَّوابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ. وقَدْ رُتِّبَ نَظْمُ الجُمْلَةِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِأغْراضٍ بَلِيغَةٍ. وأصْلُ الجُمْلَةِ: نُعِيدُ الخَلْقَ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ وعْدًا عَلَيْنا. فَحُوِّلَ النَّظْمُ فَقُدِّمَ الظَّرْفُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ لِلتَّشْوِيقِ إلى مُتَعَلِّقِهِ، ولِما في الجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ مِنَ الغَرابَةِ والطِّباقِ إذْ جُعِلَ ابْتِداءُ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البَعْثُ مُؤَقَّتًا بِوَقْتِ نَقْضِ خَلْقٍ قَدِيمٍ وهو طَيُّ السَّماءِ. وقُدِّمَ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ﴾ وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نُعِيدُهُ) لِلتَّعْجِيلِ بِإيرادِ الدَّلِيلِ قَبْلَ الدَّعْوى لِتَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. وكُلُّ ذَلِكَ وُجُوهٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] . وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُفِيدُ تَحْقِيقَ حُصُولِ البَعْثِ مِن كَوْنِهِ وعْدًا عَلى اللَّهِ بِتَضْمِينِ الوَعْدِ مَعْنى الإيجابِ، فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى وعْدًا عَلَيْنا؛ أيْ حَقًّا واجِبًا. وجُمْلَةُ إنّا كُنّا فاعِلِينَ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوُا البَعْثَ بِعِلَّةِ تَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ فَنائِها فَقَدْ لَزِمَهم إحالَتُهم ذَلِكَ في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ (فاعِلِينَ) أنَّهُ الفاعِلُ لِما وعَدَ بِهِ، أيِ القادِرُ. والمَعْنى: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ذَلِكَ. وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ إفادَةُ أنَّ قُدْرَتَهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلُ قَوْلِهِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . صفحة ١٥٩ والطَّيُّ: رَدُّ بَعْضِ أجْزاءِ الجِسْمِ اللَّيِّنِ المَطْلُوقِ عَلى بَعْضِهِ الآخَرِ، وضِدُّهُ النَّشْرُ. والسِّجِلُّ: بِكَسْرِ السِّينِ وكَسْرِ الجِيمِ هُنا، وفِيهِ لُغاتٌ. يُطْلَقُ عَلى الوَرَقَةِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها، ويُطْلَقُ عَلى كاتِبِ الصَّحِيفَةِ، ولَعَلَّهُ تَسْمِيَةٌ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: صاحِبُ السِّجِلِّ، وقِيلَ: سِجِلٌّ: اسْمُ مَلَكٍ في السَّماءِ تُرْفَعُ إلَيْهِ صَحائِفُ أعْمالِ العِبادِ فَيَحْفَظُها. ولا يَحْسُنُ حَمْلُهُ هُنا عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُلائِمُ إضافَةَ الطَّيِّ إلَيْهِ ولا يُرادِفُهُ لِقَوْلِهِ (لِلْكِتابِ) أوْ (لِلْكُتُبِ)، ولا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى المَلَكِ المُوَكَّلِ بِصَحائِفِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِفِعْلِهِ. فالوَجْهُ: أنْ يُرادَ بِالسِّجِلِّ الكاتِبُ الَّذِي يَكْتُبُ الصَّحِيفَةَ ثُمَّ يَطْوِيها عِنْدَ انْتِهاءِ كِتابَتِها، وذَلِكَ عَمَلٌ مَعْرُوفٌ. فالتَّشْبِيهُ بِعَمَلِهِ رَشِيقٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِلْكِتابِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (لِلْكُتُبِ) بِضَمِّ الكافِ وضَمِّ التّاءِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. ولَمّا كانَ تَعْرِيفُ السِّجِلِّ وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفَ جِنْسٍ اسْتَوى في المُعَرَّفِ الإفْرادُ والجَمْعُ. فَأمّا قِراءَتُهُما بِصِيغَةِ الإفْرادِ فَفِيها مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ في الصِّيغَةِ، وأمّا قِراءَةُ الكُتُبِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ كَوْنِ السِّجِلِّ مُفْرَدًا فَفِيها حُسْنُ التَّفَنُّنِ بِالتَّضادِّ. ورَسْمُها في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ يَحْتَمِلُ القِراءَتَيْنِ لِأنَّ الألِفَ قَدْ يُحْذَفُ في مِثْلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلْكِتابِ) لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَهي داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولِ (طَيِّ) . ومَعْنى طَيِّ السَّماءِ تَغْيِيرُ أجْرامِها مِن مَوْقِعٍ إلى مَوْقِعٍ أوِ اقْتِرابُ بَعْضِها مِن بَعْضٍ كَما تَتَغَيَّرُ أطْرافُ الوَرَقَةِ المَنشُورَةِ حِينَ تُطْوى لِيَكْتُبَ صفحة ١٦٠ الكاتِبُ في إحْدى صَفْحَتَيْها. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ انْقِراضِ النِّظامِ الحالِيِّ، وهو انْقِراضٌ لَهُ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ وُصِفَ بَعْضُها في سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ. ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى اضْمِحْلالِ السَّماواتِ بَلْ عَلى اخْتِلالِ نِظامِها، وفي سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . ومَسْألَةُ دُثُورِ السَّماواتِ (أيِ اضْمِحْلالُها) فَرَضَها الحُكَماءُ المُتَقَدِّمُونَ ومالَ إلى القَوْلِ بِاضْمِحْلالِها في آخِرِ الأمْرِ أنِكْسِمائِسُ المَلْطِيُّ وفِيثاغُورْسُ وأفْلاطُونُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَطْوِي) بِنُونِ العَظَمَةِ وكَسْرِ الواوِ ونَصْبِ (السَّماءَ) . وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ تاءِ مُضارَعَةِ المُؤَنَّثِ وفَتْحِ الواوِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ وبِرَفْعِ (السَّماءُ) . والبَدْءُ: الفِعْلُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ مُماثِلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى فاعِلٍ أوْ إلى زَمانٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وبَدْءُ الخَلْقِ كَوْنُهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، أيْ كَما جَعَلْنا خَلْقًا مَبْدُوءًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ في نَوْعِهِ. وخَلْقٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ومَعْنى إعادَةِ الخَلْقِ إعادَةُ مُماثِلِهِ في صُورَتِهِ فَإنَّ الخَلْقَ أيِ المَخْلُوقَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ فَرْدٌ مِن جِنْسٍ إذا اضْمَحَلَّ فَقِيلَ فَإنَّما يُعادُ مِثْلُهُ لِأنَّ الأجْناسَ لا تَحَقُّقَ لَها في الخارِجِ إلّا في ضِمْنِ أفْرادِها كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١] أيْ مِثْلَ سِيرَتِها في جِنْسِها، أيْ في أنَّها عَصًا مِنَ العِصِيِّ. وظاهِرُ ما أفادَهُ الكافُ مِنَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أنَّ إعادَةَ خَلْقِ الأجْسامِ شُبِّهَتْ بِابْتِداءِ خَلْقِها. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو إمْكانُ كِلَيْهِما والقُدْرَةُ عَلَيْهِما وهو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ، صفحة ١٦١ عَلى أنَّ التَّشْبِيهَ صالِحٌ لِلْمُاثَلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ. رَوى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ بِمَوْعِظَةٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ» الحَدِيثَ. فَهَذا تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ ما أفادَهُ التَّشْبِيهُ وهو مِن طَرِيقِ الوَحْيِ واللَّفْظُ لا يَأْباهُ فَيَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ مَعْنًى لِلْكافِ مَعَ المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ بِظاهِرِ السِّياقِ. وهَذا مِن تَفارِيعِ المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ تَفْسِيرِنا هَذا. وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (نُعِيدُهُ) لِأنَّ الإخْبارَ بِالإعادَةِ في مَعْنى الوَعْدِ بِذَلِكَ فانْتَصَبَ عَلى بَيانِ النَّوْعِ لِلْإعادَةِ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ .

الأنبياء 21:105

﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ إنْ كانَ المُرادُ بِالأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها ظاهِرَةٌ. ولَها ارْتِباطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] . وإنْ كانَ المُرادُ أرْضًا مِنَ الدُّنْيا، أيْ مَصِيرَها بِيَدِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَسُوقَةً لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِمِيراثِ الأرْضِ الَّتِي لَقُوا فِيها الأذى، وهي أرْضُ مَكَّةَ وما حَوْلَها، فَتَكُونُ بِشارَةً بِصَلاحِ حالِهِمْ في الدُّنْيا بَعْدَ بِشارَتِهِمْ بِحُسْنِ مَآلِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٦٢ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . عَلى أنَّ في إطْلاقِ اسْمِ الأرْضِ ما يَصْلُحُ لِإرادَةِ أنَّ سُلْطانَ العالَمِ سَيَكُونُ بِيَدِ المُسْلِمِينَ ما اسْتَقامُوا عَلى الإيمانِ والصَّلاحِ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في الحالَيْنِ وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وفي حَدِيثِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها» . وقَرَأ الجُمْهُورُ (في الزَّبُورِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ وهو اسْمُ المَزْبُورِ، أيِ المَكْتُوبِ، فَعُولٌ مَعْنى مَفْعُولٍ، مِثْلَ: ناقَةٌ حَلُوبٌ ورَكُوبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ زَبُورٌ بِوَزْنِ فَعُولٍ؛ جَمْعُ زِبْرٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أيْ مَزْبُورٌ، فَوَزْنُهُ مِثْلَ قِشْرٍ وقُشُورٍ، أيْ في الكُتُبِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو غالِبٌ في الإطْلاقِ عَلى كِتابِ داوُدَ قالَ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] في سُورَةِ النِّساءِ وفي سُورَةِ الإسْراءِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ هَذا الوَعْدِ بِكِتابِ داوُدَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وعْدٌ عامٌّ لِلصّالِحِينَ بِهَذا الإرْثِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ قَبْلَهُ. وما ورَدَ في التَّوْراةِ فِيما حَكاهُ القُرْآنُ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - (﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]) فَذَلِكَ خاصٌّ بِأرْضِ المَقْدِسِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ. والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ وهو مَبْثُوثٌ في الكِتابِ المُسَمّى بِالمَزامِيرِ مِن كُتُبِ اليَهُودِ. ولَمْ أذْكُرِ الآنَ الجُمْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذا الوَعْدَ في المَزامِيرِ. ووَجَدُتْ في مُحاضَرَةٍ لِلْإيطالِيِّ المُسْتَعْرِبِ ”فُوِيدُو“ أنَّ نَصَّ هَذا الوَعْدِ مِنَ الزَّبُورِ بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ هَكَذا (صَدِّيقِينَ يَرْشُونَ أرِصْ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ في يَرْشُونَ وبِصادٍ مُهْمَلَةٍ في أرِصْ، أيِ الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأرْضَ. والمَقْصُودُ: الشَّهادَةُ عَلى هَذا الوَعْدِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ صفحة ١٦٣ يَجِيءَ مِثْلُ هَذا الوَعْدِ في القُرْآنِ في سُورَةِ النُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] . وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ أنَّ هَذا الوَعْدَ تَكَرَّرَ لِفِرَقٍ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ ورَدَ في الزَّبُورِ عَقِبَ تَذْكِيرٍ ووَعْظٍ لِلْأُمَّةِ. فَبَعْدَ أنْ أُلْقِيَتْ إلَيْهِمُ الأوامِرُ وُعِدُوا بِمِيراثِ الأرْضِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ (الذِّكْرِ) كِتابُ الشَّرِيعَةِ وهو التَّوْراةُ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَيَكُونُ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الزَّبُورِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ الإيماءُ إلى أنَّ الوَعْدَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُنا هو غَيْرُ ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى مِن إعْطائِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ. وهو الوَعْدُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وأنَّهُ غَيْرُ الإرْثِ الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ لِأنَّ ذَلِكَ وعْدٌ كانَ قَبْلَ داوُدَ، فَإنَّ مُلْكَ داوُدَ أحَدُ مَظاهِرِهِ. بَلِ المُرادُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وعْدٌ وعَدَهُ اللَّهُ قَوْمًا صالِحِينَ بَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسُوا إلّا المُسْلِمِينَ الَّذِينَ صَدَقَهُمُ اللَّهُ وعْدَهُ فَمَلَكُوا الأرْضَ بِبَرَكَةِ رَسُولِهِمْ ﷺ وأصْحابِهِ واتَّسَعَ مُلْكُهم وعَظُمَ سُلْطانُهم حَسْبَ ما أنْبَأ بِهِ نَبِيئُهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وإعْلانٌ بِأنْ قَدْ آنَ أوانُهُ وجاءَ إبّانُهُ. فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ داوُدَ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ ورِثُوا الأرْضَ، فَما جاءَ الإسْلامُ وآمَنَ النّاسُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ بَلَّغَ البَلاغَ إلَيْهِمْ. صفحة ١٦٤ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (إنَّ في هَذا) إلى الوَعْدِ المَوْعُودِ في الزَّبُورِ والمُبَلَّغِ في القُرْآنِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ العابِدِينَ مَن شَأْنُهُمُ العِبادَةُ لا يَنْحَرِفُونَ عَنْها قَيْدَ أُنْمُلَةٍ كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ جَرَيانُ وصْفِ العابِدِينَ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) المُشْعِرِ بِأنَّ العِبادَةَ هي قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَقَدْ أبْلَغْتُكُمُ الوَعْدَ فاجْتَهِدُوا في نَوالِهِ. والقَوْمُ العابِدُونَ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والمَوْجُودُونَ يَوْمَئِذٍ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ. والعِبادَةُ: الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ. قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقَدْ ورِثُوا هَذا المِيراثَ العَظِيمَ وتَرَكُوهُ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهم، فَهم فِيهِ أطْوارٌ كَشَأْنِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ الرُّشْدِ والسَّفَهِ في التَّصَرُّفِ في مَوارِيثِ الأسْلافِ. وما أشْبَهَ هَذا الوَعْدَ المَذْكُورَ هُنا ونَوْطَهُ بِالعِبادَةِ بِالوَعْدِ الَّذِي وُعِدَتْهُ هَذِهِ الأُمَّةُ في القُرْآنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .

الأنبياء 21:106

﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ إنْ كانَ المُرادُ بِالأرْضِ أرْضَ الجَنَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي تَقَدَّمَتْها ظاهِرَةٌ. ولَها ارْتِباطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] . وإنْ كانَ المُرادُ أرْضًا مِنَ الدُّنْيا، أيْ مَصِيرَها بِيَدِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَسُوقَةً لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِمِيراثِ الأرْضِ الَّتِي لَقُوا فِيها الأذى، وهي أرْضُ مَكَّةَ وما حَوْلَها، فَتَكُونُ بِشارَةً بِصَلاحِ حالِهِمْ في الدُّنْيا بَعْدَ بِشارَتِهِمْ بِحُسْنِ مَآلِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٦٢ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . عَلى أنَّ في إطْلاقِ اسْمِ الأرْضِ ما يَصْلُحُ لِإرادَةِ أنَّ سُلْطانَ العالَمِ سَيَكُونُ بِيَدِ المُسْلِمِينَ ما اسْتَقامُوا عَلى الإيمانِ والصَّلاحِ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في الحالَيْنِ وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وفي حَدِيثِ أبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها» . وقَرَأ الجُمْهُورُ (في الزَّبُورِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ وهو اسْمُ المَزْبُورِ، أيِ المَكْتُوبِ، فَعُولٌ مَعْنى مَفْعُولٍ، مِثْلَ: ناقَةٌ حَلُوبٌ ورَكُوبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ زَبُورٌ بِوَزْنِ فَعُولٍ؛ جَمْعُ زِبْرٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أيْ مَزْبُورٌ، فَوَزْنُهُ مِثْلَ قِشْرٍ وقُشُورٍ، أيْ في الكُتُبِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو غالِبٌ في الإطْلاقِ عَلى كِتابِ داوُدَ قالَ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] في سُورَةِ النِّساءِ وفي سُورَةِ الإسْراءِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُ هَذا الوَعْدِ بِكِتابِ داوُدَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وعْدٌ عامٌّ لِلصّالِحِينَ بِهَذا الإرْثِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ قَبْلَهُ. وما ورَدَ في التَّوْراةِ فِيما حَكاهُ القُرْآنُ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - (﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]) فَذَلِكَ خاصٌّ بِأرْضِ المَقْدِسِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ. والزَّبُورُ: كِتابُ داوُدَ وهو مَبْثُوثٌ في الكِتابِ المُسَمّى بِالمَزامِيرِ مِن كُتُبِ اليَهُودِ. ولَمْ أذْكُرِ الآنَ الجُمْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذا الوَعْدَ في المَزامِيرِ. ووَجَدُتْ في مُحاضَرَةٍ لِلْإيطالِيِّ المُسْتَعْرِبِ ”فُوِيدُو“ أنَّ نَصَّ هَذا الوَعْدِ مِنَ الزَّبُورِ بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ هَكَذا (صَدِّيقِينَ يَرْشُونَ أرِصْ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ في يَرْشُونَ وبِصادٍ مُهْمَلَةٍ في أرِصْ، أيِ الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأرْضَ. والمَقْصُودُ: الشَّهادَةُ عَلى هَذا الوَعْدِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ صفحة ١٦٣ يَجِيءَ مِثْلُ هَذا الوَعْدِ في القُرْآنِ في سُورَةِ النُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] . وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ أنَّ هَذا الوَعْدَ تَكَرَّرَ لِفِرَقٍ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ ورَدَ في الزَّبُورِ عَقِبَ تَذْكِيرٍ ووَعْظٍ لِلْأُمَّةِ. فَبَعْدَ أنْ أُلْقِيَتْ إلَيْهِمُ الأوامِرُ وُعِدُوا بِمِيراثِ الأرْضِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ (الذِّكْرِ) كِتابُ الشَّرِيعَةِ وهو التَّوْراةُ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَيَكُونُ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (مِن بَعْدِ الذِّكْرِ) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الزَّبُورِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ الإيماءُ إلى أنَّ الوَعْدَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُنا هو غَيْرُ ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى مِن إعْطائِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ. وهو الوَعْدُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وأنَّهُ غَيْرُ الإرْثِ الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ لِأنَّ ذَلِكَ وعْدٌ كانَ قَبْلَ داوُدَ، فَإنَّ مُلْكَ داوُدَ أحَدُ مَظاهِرِهِ. بَلِ المُرادُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وعْدٌ وعَدَهُ اللَّهُ قَوْمًا صالِحِينَ بَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسُوا إلّا المُسْلِمِينَ الَّذِينَ صَدَقَهُمُ اللَّهُ وعْدَهُ فَمَلَكُوا الأرْضَ بِبَرَكَةِ رَسُولِهِمْ ﷺ وأصْحابِهِ واتَّسَعَ مُلْكُهم وعَظُمَ سُلْطانُهم حَسْبَ ما أنْبَأ بِهِ نَبِيئُهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وإعْلانٌ بِأنْ قَدْ آنَ أوانُهُ وجاءَ إبّانُهُ. فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ داوُدَ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ ورِثُوا الأرْضَ، فَما جاءَ الإسْلامُ وآمَنَ النّاسُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ بَلَّغَ البَلاغَ إلَيْهِمْ. صفحة ١٦٤ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (إنَّ في هَذا) إلى الوَعْدِ المَوْعُودِ في الزَّبُورِ والمُبَلَّغِ في القُرْآنِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ العابِدِينَ مَن شَأْنُهُمُ العِبادَةُ لا يَنْحَرِفُونَ عَنْها قَيْدَ أُنْمُلَةٍ كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ جَرَيانُ وصْفِ العابِدِينَ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) المُشْعِرِ بِأنَّ العِبادَةَ هي قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَقَدْ أبْلَغْتُكُمُ الوَعْدَ فاجْتَهِدُوا في نَوالِهِ. والقَوْمُ العابِدُونَ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والمَوْجُودُونَ يَوْمَئِذٍ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ. والعِبادَةُ: الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ. قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقَدْ ورِثُوا هَذا المِيراثَ العَظِيمَ وتَرَكُوهُ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهم، فَهم فِيهِ أطْوارٌ كَشَأْنِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ الرُّشْدِ والسَّفَهِ في التَّصَرُّفِ في مَوارِيثِ الأسْلافِ. وما أشْبَهَ هَذا الوَعْدَ المَذْكُورَ هُنا ونَوْطَهُ بِالعِبادَةِ بِالوَعْدِ الَّذِي وُعِدَتْهُ هَذِهِ الأُمَّةُ في القُرْآنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .

الأنبياء 21:107

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أُقِيمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى عِمادِ إثْباتِ الرِّسالَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِ دَعْوَتِهِ. فافْتُتِحَتْ بِإنْذارِ المُعانِدِينَ بِاقْتِرابِ صفحة ١٦٥ حِسابِهِمْ ووَشْكِ حُلُولِ وعْدِ اللَّهِ فِيهِمْ وإثْباتِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وذُكِرُوا إجْمالًا، ثُمَّ ذُكِرَتْ طائِفَةٌ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ بِمَواعِظَ ودَلائِلَ. وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أُوتُوا حُكْمًا وعِلْمًا وذِكْرِ ما أُوتُوهُ مِنَ الكَراماتِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى وصْفٍ جامِعٍ لِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ومَزِيَّتُها عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ مَزِيَّةٌ تُناسِبُ عُمُومَها ودَوامَها؛ وذَلِكَ كَوْنُها رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] خِتامًا لِمَناقِبِ الأنْبِياءِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ. ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالٌ بِآيَةِ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] . ووِزانُها في وصْفِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وِزانُ آيَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وآيَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] والآياتِ الَّتِي بَعْدَها في وصْفِ ما أُوتِيَهُ الرُّسُلُ السّابِقُونَ. وصِيغَتْ بِأبْلَغِ نَظْمٍ إذِ اشْتَمَلَتْ هاتِهِ الآيَةُ بِوَجازَةِ ألْفاظِها عَلى مَدْحِ الرَّسُولِ ﷺ ومَدْحِ مُرْسِلِهِ تَعالى، ومَدْحِ رِسالَتِهِ بِأنْ كانَتْ مَظْهَرَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ كافَّةً وبِأنَّها رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِهِ. فَهي تَشْتَمِلُ عَلى أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ حَرْفًا بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي عُطِفَتْ بِهِ. وذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ، ومُرْسِلُهُ، والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ، والرِّسالَةُ، وأوْصافُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ، مَعَ إفادَةِ عُمُومِ الأحْوالِ، واسْتِغْراقِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وخُصُوصِيَّةِ الحَصْرِ، وتَنْكِيرُ (رَحْمَةً) لِلتَّعْظِيمِ؛ إذْ لا مُقْتَضى صفحة ١٦٦ لِإيثارِ التَّنْكِيرِ في هَذا المَقامِ غَيْرُ إرادَةِ التَّعْظِيمِ وإلّا لَقِيلَ: إلّا لِنَرْحَمَ العالَمِينَ، أوْ إلّا أنَّكَ الرَّحْمَةُ لِلْعالَمِينَ. ولَيْسَ التَّنْكِيرُ لِلْإفْرادِ قَطْعًا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ جِنْسُ الرَّحْمَةِ وتَنْكِيرُ الجِنْسِ هو الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ قَصْدُ إرادَةِ التَّعْظِيمِ. فَهَذِهِ اثْنا عَشَرَ مَعْنًى خُصُوصِيًّا، فَقَدْ فاقَتْ أجَمْعَ كَلِمَةٍ لِبُلَغاءِ العَرَبِ، وهي: قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ إذْ تِلْكَ الكَلِمَةُ قُصاراها كَما قالُوا: أنَّهُ وقَفَ واسْتَوْقَفَ وبَكى واسْتَبْكى وذَكَرَ الحَبِيبَ والمَنزِلَ دُونَ خُصُوصِيَّةٍ أزْيَدَ مِن ذَلِكَ فَجَمَعَ سِتَّةَ مَعانٍ لا غَيْرَ وهي غَيْرُ خُصُوصِيَّةٍ؛ إنَّما هي وفْرَةُ مَعانٍ. ولَيْسَ تَنْكِيرُ حَبِيبٍ ومَنزِلٍ إلّا لِلْوَحْدَةِ لِأنَّهُ أرادَ فَرْدًا مُعَيَّنًا مِن جِنْسِ الأحْبابِ وفَرْدًا مُعَيَّنًا مِن جِنْسِ المَنازِلِ، وهُما حَبِيبُهُ صاحِبُ ذَلِكَ المَنزِلِ، ومَنزِلُهُ. واعْلَمْ أنَّ انْتِصابَ (رَحْمَةً) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ يَجْعَلُهُ وصْفًا مِن أوْصافِهِ فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ انْحِصارُ المَوْصُوفِ في هَذِهِ الصِّفَةِ صارَ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ. فَفِيهِ إيماءٌ لَطِيفٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ اتَّحَدَ بِالرَّحْمَةِ وانْحَصَرَ فِيها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عُنْوانَ الرَّسُولِيَّةِ مُلازِمٌ لَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ، فَصارَ وُجُودُهُ رَحْمَةً وسائِرُ أكْوانِهِ رَحْمَةً. ووُقُوعُ الوَصْفِ مَصْدَرًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في هَذا الِاتِّحادِ بِحَيْثُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ صِفَةً مُتَمَكِّنَةً مِن إرْسالِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى ما أشارَ إلى شَرْحِهِ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» . وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَظْهَرُ في مَظْهَرَيْنِ: الأوَّلُ تَخَلُّقُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ بِخُلُقِ الرَّحْمَةِ، والثّانِي إحاطَةُ الرَّحْمَةِ بِتَصارِيفِ شَرِيعَتِهِ. فَأمّا المَظْهَرُ الأوَّلُ فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ القَيْسِيُّ الإشْبِيلِيُّ أحَدُ تَلامِذَةِ أبِي عَلِيٍّ الغَسّانِيِّ ومِمَّنْ أجازَ لَهم أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِن رِجالِ القَرْنِ الخامِسِ: زَيَّنَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ صفحة ١٦٧ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً وجَمِيعُ شَمائِلِهِ رَحْمَةً وصِفاتُهُ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ اهـ. ذَكَرَهُ عَنْهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ. قُلْتُ: يَعْنِي أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فُطِرَ عَلى خُلُقِ الرَّحْمَةِ في جَمِيعِ أحْوالِ مُعامَلَتِهِ الأُمَّةَ لِتَتَكَوَّنَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ وبَيْنَ ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي رَحْمَةٌ حَتّى يَكُونَ تَلَقِّيهِ الشَّرِيعَةَ عَنِ انْشِراحِ نَفْسٍ أنْ يَجِدَ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ مُلائِمًا رَغْبَتَهُ وخُلُقَهُ. قالَتْ عائِشَةُ ”«كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» “ . ولِهَذا خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يَصِفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وكَذَلِكَ في القُرْآنِ كُلِّهِ؛ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقالَ تَعالى ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أيْ بِرَحْمَةٍ جَبَلَكَ عَلَيْها وفَطَرَكَ بِها فَكُنْتَ لَهم لَيِّنًا. وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأمّا المَظْهَرُ الثّانِي مِن مَظاهِرِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فَهو مَظْهَرُ تَصارِيفِ شَرِيعَتِهِ. أيْ ما فِيها مِن مُقَوِّماتِ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى (لِلْعالَمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (رَحْمَةً) . والتَّعْرِيفُ في (العالَمِينِ) لِاسْتِغْراقِ كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العالَمِ. والعالَمُ: الصِّنْفُ مِن أصْنافِ ذَوِي العِلْمِ، أيِ الإنْسانُ، أوِ النَّوْعُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ذاتِ الحَياةِ كَما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . فَإنْ أُرِيدَ أصْنافُ ذَوِي العِلْمِ فَمَعْنى كَوْنِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُنْحَصِرَةً في الرَّحْمَةِ - أنَّها أوْسَعُ الشَّرائِعِ رَحْمَةً بِالنّاسِ فَإنَّ الشَّرائِعَ السّالِفَةَ وإنْ كانَتْ مَمْلُوءَةً بِرَحْمَةٍ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ فِيها غَيْرُ عامَّةٍ إمّا لِأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ، فالحَنِيفِيَّةُ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ رَحْمَةً خاصَّةً بِحالَةِ الشَّخْصِ صفحة ١٦٨ فِي نَفْسِهِ ولَيْسَ فِيها تَشْرِيعٌ عامٌّ، وشَرِيعَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِنها في ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّها قَدْ تَشْتَمِلُ في غَيْرِ القَلِيلِ مِن أحْكامِها عَلى شِدَّةٍ اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في سِياسَةِ الأُمَمِ المَشْرُوعَةِ هي لَها مِثْلَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَإنَّها أوْسَعُ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ لِتَعَلُّقِها بِأكْثَرِ أحْوالِ الأفْرادِ والجَماعاتِ، وهي رَحْمَةٌ كَما وصَفَها اللَّهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] فَإنَّ كَثِيرًا مِن عُقُوباتِ أُمَّتِها جُعِلَتْ في فَرْضِ أعْمالٍ شاقَّةٍ عَلى الأُمَّةِ بِفُرُوضٍ شاقَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ؛ قالَ تَعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وقالَ ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إلى آياتٍ كَثِيرَةٍ. لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ الكامِلَةِ. وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما حَكاهُ خِطابًا مِنهُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - (﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦]) الآيَةَ. فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ رَحْمَةٌ هي عامَّةٌ فامْتازَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُلازِمَةٌ لِلنّاسِ بِها في سائِرِ أحْوالِهِمْ وأنَّها حاصِلَةٌ بِها لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِأُمَّةٍ خاصَّةٍ. وحِكْمَةُ تَمْيِيزِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِهَذِهِ المَزِيَّةِ أنَّ أحْوالَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مَضَتْ عَلَيْها عُصُورٌ وأطْوارٌ تَهَيَّأتْ بِتَطَوُّراتِها لِأنْ تُساسَ بِالرَّحْمَةِ وأنْ تُدْفَعَ عَنْها المَشَقَّةُ إلّا بِمَقادِيرَ ضَرُورِيَّةٍ لا تُقامُ المَصالِحُ بِدُونِها، فَما في الشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِنِ اخْتِلاطِ الرَّحْمَةِ بِالشِّدَّةِ وما في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن تَمَحُّضِ الرَّحْمَةِ لَمْ يَجُرْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أسْعَدَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ والَّذِي جاءَ بِها والأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لَها بِمُصادَفَتِها لِلزَّمَنِ والطَّوْرِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ في سِياسَةِ البَشَرِ أنْ يَكُونَ التَّشْرِيعُ لَهم تَشْرِيعَ رَحْمَةٍ إلى انْقِضاءِ العالَمِ. صفحة ١٦٩ فَأُقِيمَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ عَلى دَعائِمِ الرَّحْمَةِ والرِّفْقِ واليُسْرِ. قالَ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقالَ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» . وما يُتَخَيَّلُ مِن شِدَّةٍ في نَحْوِ القِصاصِ والحُدُودِ فَإنَّما هو لِمُراعاةِ تَعارُضِ الرَّحْمَةِ والمَشَقَّةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . فالقِصاصُ والحُدُودُ شِدَّةٌ عَلى الجُناةِ ورَحْمَةٌ بِبَقِيَّةِ النّاسِ. وأمّا رَحْمَةُ الإسْلامِ بِالأُمَمِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ فَإنَّما نَعْنِي بِهِ رَحْمَتَهُ بِالأُمَمِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ سُلْطانِهِ وهم أهْلُ الذِّمَّةِ. ورَحْمَتُهُ بِهِمْ عَدَمُ إكْراهِهِمْ عَلى مُفارَقَةِ أدْيانِهِمْ. وإجْراءُ العَدْلِ بَيْنَهم في الأحْكامِ بِحَيْثُ لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْهِمْ في الحُقُوقِ العامَّةِ. هَذا وإنْ أُرِيدَ بِـ (العالَمِينَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ النَّوْعُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ذاتِ الحَياةِ فَإنَّ الشَّرِيعَةَ تَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الحَيَوانِ في مُعامَلَةِ الإنْسانِ إيّاهُ وانْتِفاعِهِ بِهِ. إذْ هو مَخْلُوقٌ لِأجْلِ الإنْسانِ قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقالَ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] . وقَدْ أذِنَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ لِلنّاسِ في الِانْتِفاعِ بِما يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الحَيَوانِ ولَمْ تَأْذَنْ في غَيْرِ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ كُرِهَ صَيْدُ اللَّهْوِ وحُرِّمَ تَعْذِيبُ الحَيَوانِ لِغَيْرِ أكْلِهِ، وعَدَّ فُقَهاؤُنا سِباقَ الخَيْلِ رُخْصَةً لِلْحاجَةِ في الغَزْوِ ونَحْوِهِ. ورَغَّبَتِ الشَّرِيعَةُ في رَحْمَةِ الحَيَوانِ فَفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِرَجُلٍ وجَدَ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ صفحة ١٧٠ فِي بِئْرٍ فَمَلَأ خُفَّهُ ماءً وأمْسَكَهُ بِفَمِهِ حَتّى رَقِيَ فَسَقى الكَلْبَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» . أمّا المُؤْذِي والمُضِرُّ مِنَ الحَيَوانِ فَقَدْ أُذِنَ في قَتْلِهِ وطَرْدِهِ لِتَرْجِيحِ رَحْمَةِ النّاسِ عَلى رَحْمَةِ البَهائِمِ. وفي تَفاصِيلِ الأحْكامِ مِن هَذا القَبِيلِ كَثْرَةٌ لا يُعْوِزُ الفَقِيهَ تَتَبُّعُها.

الأنبياء 21:108

﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ عَقَّبَ الوَصْفَ الجامِعَ لِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن حَيْثُ ما لَها مِنَ الأثَرِ في أحْوالِ البَشَرِ بِوَصْفٍ جامِعٍ لِأصْلِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ في ذاتِها الواجِبِ عَلى كُلِّ مُتَّبِعٍ لَها وهو الإيمانُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وإبْطالِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ، لِنَبْذِ الشِّرْكِ المَبْثُوثِ بَيْنَ الأُمَمِ يَوْمَئِذٍ. ولِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ صُدِّرَتْ جُمْلَتُهُ بِالأمْرِ بِأنْ يَقُولَ لَهم لِاسْتِصْغاءِ أسْماعِهِمْ. وصِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ حَصْرِ الوَحْيِ إلَيْهِ في مَضْمُونِها لِأنَّ مَضْمُونَها هو أصْلُ الشَّرِيعَةِ الأعْظَمُ، وكُلُّ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، فالدَّعْوَةُ إلَيْهِ هي مَقادَةُ الِاجْتِلابِ إلى الشَّرِيعَةِ كُلِّها، إذْ كانَ أصْلُ الخِلافِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُعانِدِيهِ هو قَضِيَّةَ الوَحْدانِيَّةِ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] . وما كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوهُ في دِينِ شِرْكِهِمْ إذْ كانَ الَّذِينَ وضَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ لا يُحَدِّثُونَهم إلّا عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا فَما كانَ تَصَلُّبُهم في إنْكارِ البَعْثِ إلّا شُعْبَةً مِن شُعَبِ الشِّرْكِ. فَلا جَرَمَ كانَ الِاهْتِمامُ بِتَقْرِيرِ الوَحْدانِيَّةِ تَضْيِيقًا لِشُقَّةِ الخِلافِ بَيْنَ النَّبِيءِ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المُعْرِضِينَ الَّذِينَ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِوَصْفِ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٧١ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] . وأفادَتْ (إنَّما) المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ وإتْلاؤُها بِفِعْلِ (يُوحى) قَصْرَ الوَحْيِ إلى الرَّسُولِ عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . وهو قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ. و(أنَّما) المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ هي أُخْتُ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في إفادَةِ القَصْرِ لِأنَّ (أنَّما) المَفْتُوحَةَ مُرَكَّبَةٌ مِن ”أنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ و”ما“ الكافَّةِ. كَما رُكِّبَتْ (إنَّما) المَكْسُورَةُ مِن ”إنَّ“ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ و”ما“ الكافَّةِ. وإذْ كانَتْ ”أنَّ“ المَفْتُوحَةَ أُخْتُ ”إنَّ“ المَكْسُورَةِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ فَكَذَلِكَ كانَتْ عِنْدَ اتِّصالِها بِـ ”ما“ الكافَّةِ أُخْتًا لَها في إفادَةِ القَصْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] في سُورَةِ العُقُودِ. وإذْ قَدْ أتُلِيَتْ (أنَّما) المَفْتُوحَةُ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِحَقِيقَةِ الإلَهِ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ فَقَدْ أفادَتْ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ مُسْتَأْثِرٌ بِالوَحْدانِيَّةِ فَلا يَكُونُ في هَذِهِ الحَقِيقَةِ تَعَدُّدُ أفْرادٍ فَأفادَتْ قَصْرًا ثانِيًا، وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ. والقَصْرُ الأوَّلُ إضافِيٌّ؛ أيْ ما يُوحى إلَيَّ في شَأْنِ الإلَهِ إلّا أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ. والقَصْرُ الثّانِي أيْضًا إضافِيٌّ. أيْ في شَأْنِ الإلَهِ مِن حَيْثُ الوَحْدانِيَّةُ. ولَمّا كانَ القَصْرُ الإضافِيُّ مِن شَأْنِهِ رَدُّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ بِجُمْلَةِ القَصْرِ لَزِمَ اعْتِبارُ رَدِّ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ بِالقَصْرَيْنِ. فالقَصْرُ الأوَّلُ لِإبْطالِ ما يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلى النّاسِ مِن أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ والرَّحْمَنَ. ويُلِّبِسُونَ تارَةً بِأنَّهُ ساحِرٌ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى ما لا يُعْقَلُ. قالَ تَعالى ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] صفحة ١٧٢ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . ثُمَّ إنَّ كِلا القَصْرَيْنِ كانَ كَلِمَةً جامِعَةً لِدَعْوَةِ الإسْلامِ تَقْرِيبًا لِشُقَّةِ الخِلافِ والتَّشْعِيبِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَفَرَّعَ عَلَيْها جُمْلَةُ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ؛ أيْ فَهَلْ تُسْلِمُونَ بَعْدَ هَذا البَيانِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا في مَعْنًى كِنائِيٍّ وهو التَّحْرِيضُ عَلى نَبْذِ الإشْراكِ وعَلى الدُّخُولِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ. واسْمُ الفاعِلِ مُسْتَعْمَلٌ في الحالِ عَلى أصْلِهِ؛ أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ الآنَ اسْتِبْطاءً لِتَأخُّرِ إسْلامِهِمْ. وصِيغَ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ دُونَ أنْ يُقالَ: فَهَلْ تُسْلِمُونَ، لِإفادَةِ أنَّ المَطْلُوبَ مِنهم إسْلامٌ ثابِتٌ. وكَأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم في رَيْبٍ يَتَرَدَّدُونَ.

الأنبياء 21:109

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذا التَّبْيِينِ المُفَصَّلِ والجامِعِ فَأبْلِغْهُمُ الإنْذارَ بِحُلُولِ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ. والإيذانُ: الإعْلامُ، وهو بِوَزْنِ أفْعَلَ مِن أذِنَ لِكَذا بِمَعْنى سَمِعَ. واشْتِقاقُهُ مِنِ اسْمِ الأُذُنِ، وهي جارِحَةُ السَّمْعِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى العِلْمِ بِالسَّمْعِ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في العِلْمِ مُطْلَقًا. وأمّا (آذَنَ) فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الصِّيغَتَيْنِ في مَعْنى الإنْذارِ وهو الإعْلامُ المَشُوبُ بِتَحْذِيرٍ. فَمِنِ اسْتِعْمالِ أذِنَ قَوْلُهُ صفحة ١٧٣ تَعالى ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . ومِنِ اسْتِعْمالِ (آذَنَ) قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ وحُذِفَ مَفْعُولُ (آذَنْتُكم) الثّانِي لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى (ما تُوعَدُونَ) عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ: آذَنْتُكم ما يُوحى إلَيَّ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ. والأظْهَرُ تَقْدِيرُ ما يَشْمَلُ المَعْنَيَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧] . وقَوْلُهُ تَعالى (عَلى سَواءٍ) (عَلى) فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو قُوَّةُ المُلابَسَةِ وتَمَكُّنُ الوَصْفِ مِن مَوْصُوفِهِ. و(سَواءٍ) اسْمٌ مَعْناهُ مُسْتَوٍ. والِاسْتِواءُ: المُماثَلَةُ في شَيْءٍ ويُجْمَعُ عَلى أسَواءٍ. وأصْلُهُ مَصْدَرٌ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ فَجَمَعُوهُ لِذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ لا يُجْمَعَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَلى سَواءٍ) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا هو حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى (آذَنْتُكم) أيْ أنْذَرْتُكم مُسْتَوِينَ في إعْلامِكم بِهِ لا يَدَّعِي أحَدٌ مِنكم أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الإنْذارُ. وهَذا إعْذارٌ لَهم وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ في خُطْبَتِهِ (ألا هَلْ بَلَّغْتُ) . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ المَجْرُورُ بِفِعْلِ (آذَنْتُكم) قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الإيذانُ عَلى السَّواءِ: الدُّعاءُ إلى الحَرْبِ مُجاهَرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] اهـ. يُرِيدُ أنَّ هَذا مَثَلٌ بِحالِ النَّذِيرِ بِالحَرْبِ إذْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ دُعاءٌ إلى حَرْبٍ حَقِيقِيَّةٍ. وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَلى سَواءٍ) حالًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (آذَنْتُكم) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ عَلَيْهِ، ولِأنَّ السِّياقَ يُؤْذِنُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ ياجُوجُ وماجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) الآيَةَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُوعَدُونَهُ مِن عِقابٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ عاشُوا أوْ ماتُوا. و(إنْ) نافِيَةٌ وعُلِّقَ فِعْلُ (أدْرِي) عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَ العائِدُ. وتَقْدِيرُهُ: ما تُوعَدُونَ بِهِ.

الأنبياء 21:110

﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ المَقامِ. والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ الإنْذارِ بِتَحْقِيقِ حُلُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ وتَعْلِيلُ عَدَمِ العِلْمِ بِقُرْبِهِ أوْ بُعْدِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ جَهْرَهم وسِرَّهم وهو الَّذِي يُؤاخِذُهم عَلَيْهِ وهو الَّذِي يَعْلَمُ مَتى يَحِلُّ بِهِمْ عَذابُهُ. وعائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى (ما تَكْتُمُونَ) ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ.

الأنبياء 21:111

﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] . والضَّمِيرُ الَّذِي هو اسْمُ (لَعَلَّ) عائِدٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] مِن أنَّهُ أمْرٌ مُنْتَظَرُ الوُقُوعِ وأنَّهُ تَأخَّرَ عَنْ وُجُودِ مُوجِبِهِ، والتَّقْدِيرُ: لَعَلَّ تَأْخِيرَهُ فِتْنَةٌ لَكم، أوْ لَعَلَّ تَأْخِيرَ ما تُوعَدُونَ فِتْنَةٌ لَكم، أيْ ما أدْرِي حِكْمَةَ هَذا التَّأْخِيرِ فَلَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم أرادَها اللَّهُ لِيُمْلِيَ لَكم، إذْ بِتَأْخِيرِ الوَعْدِ يَزْدادُونَ في التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي وذَلِكَ فِتْنَةٌ. والفِتْنَةُ: اخْتِلالُ الأحْوالِ المُفْضِي إلى ما فِيهِ مَضَرَّةٌ. صفحة ١٧٥ والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ مُدَّةً قَلِيلَةً. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والحِينُ: الزَّمانُ.

الأنبياء 21:112

﴿قُلْ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بَعْدَما مَضى مِن وصْفِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإجْمالِ أصْلِها وأمْرِهِ بِإنْذارِهِمْ وتَسْجِيلِ التَّبْلِيغِ. قَصَدَ مِن هَذا الِاسْتِئْنافِ التَّلْوِيحَ إلى عاقِبَةِ أمْرِ هَذا الدِّينِ المَرْجُوَّةِ المُسْتَقْبَلَةِ لِتَكُونَ قِصَّةُ هَذا الدِّينِ وصاحِبِهِ مستوفاةَ المَبْدَأِ والعاقِبَةِ عَلى وِزانِ ما ذُكِرَ قَبْلَها مِن قَصَصِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] إلى هُنا. وفِي أمْرِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ بَعْدَ ما قالَ لَهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] رَمْزٌ إلى أنَّهم مُتَوَلُّونَ لا مَحالَةَ وأنَّ اللَّهَ سَيَحُكْمُ فِيهِمْ بِجَزاءِ جُرْمِهِمْ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالحَقِّ لا يُغادِرُهم، وإنَّ اللَّهَ في إعانَتِهِ لِأنَّ اللَّهَ إذْ لَقَّنَ عِبادَهُ دُعاءً فَقَدْ ضَمِنَ لَهم إجابَتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ واسْتَجابَ لِعَبْدِهِ فَحَكَمَ في هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ بِالحَقِّ يَوْمَ بَدْرٍ. والمَعْنى: قُلْ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنهم إظْهارًا لِتَحَدِّيهِ إيّاهم بِأنَّهُ فَوَّضَ أمْرَهُ إلى رَبِّهِ لِيَحُكْمَ فِيهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي هو خَضْدُ شَوْكَتِهِمْ وإبْطالُ دِينِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ. صفحة ١٧٦ والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ. وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ الثّانِي لِفِعْلِ (احْكم) لِتَنْبِيهِهِمْ إلى أنَّ النَّبِيءَ عَلى الحَقِّ فَإنَّهُ ما سَألَ الحُكْمَ بِالحَقِّ إلّا لِأنَّهُ يُرِيدُهُ، أيِ احْكم لَنا أوْ فِيهِمْ أوْ بَيْنَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقَرَأ حَفْصٌ (قالَ) بِصِيغَةِ الماضِي مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ولَمْ يُكْتَبْ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ بِإثْباتِ الألِفِ. عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ . و(رَبِّ) مُنادًى مُضافٌ حُذِفَتْ مِنهُ ياءُ المُتَكَلِّمِ المُضافِ هو إلَيْها وبَقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلى الياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الباءِ مِن (رَبِّ) . وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الباءِ وهو وجْهٌ عَرَبِيٌّ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ كَأنَّهم جَعَلُوهُ بِمَنزِلَةِ التَّرْخِيمِ وهو جائِزٌ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ تَعالى (ورَبُّنا) لِتَضَمُّنِها تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُسْلِمِينَ بِالِاعْتِزازِ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهم. وضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ لِلنَّبِيءِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن مَرْبُوبِيَّةِ اللَّهِ في شَيْءٍ حَسَبَ إعْراضِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] . والرَّحْمَنُ عَطْفُ بَيانٍ مِن (رَبُّنا) لِأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا الِاسْمُ لا الوَصْفُ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم أنْكَرُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] . وتَعْرِيفُ (المُسْتَعانُ) لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا أسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ عَلى ما تَصِفُونَ، إذْ لا يَنْصُرُنا غَيْرُ رَبِّنا وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. صفحة ١٧٧ وفِي قَوْلِهِ تَعالى عَلى ما تَصِفُونَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ هو مَجْرُورُ (عَلى)، أيْ عَلى إبْطالِ ما تَصِفُونَ بِإظْهارِ بُطْلانِكم لِلنّاسِ حَتّى يُؤْمِنُوا ولا يَتَّبِعُوكم. أوْ عَلى إبْطالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن أذاهم لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ وتَأْلِيبِ العَرَبِ عَلَيْهِ. ومَعْنى (ما تَصِفُونَ) ما تَصَدَّرُ بِهِ أقْوالُكم مِنَ الأذى لَنا. فالوَصْفُ هُنا هو الأقْوالُ الدّالَّةُ عَنِ الأوْصافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وهم وصَفُوا النَّبِيءَ ﷺ بِصِفاتِ ذَمٍّ كَقَوْلِهِمْ: مَجْنُونٌ وساحِرٌ، ووَصَفُوا القُرْآنَ بِأنَّهُ شِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وشَهَرُوا ذَلِكَ في دَهْمائِهِمْ لِتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ. * * * صفحة ١٧٨ صفحة ١٧٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الحَجَّ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ . أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقْرَأهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً في القُرْآنِ مِنها ثَلاثٌ في المُفَصَّلِ، وفي سُورَةِ الحَجِّ سَجْدَتانِ» . ولَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ اسْمٌ غَيْرَ هَذا. ووَجْهُ تَسْمِيَتِها سُورَةَ الحَجِّ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِيها كَيْفَ أمَرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ إلى حَجِّ البَيْتِ الحَرامِ، وذَكَرَ ما شَرَعَ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ مِنَ النُّسُكِ تَنْوِيهًا بِالحَجِّ وما فِيهِ مِن فَضائِلَ ومَنافِعَ، وتَقْرِيعًا لِلَّذِينِ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ كانَ نُزُولُها قَبْلَ أنْ فُرِضَ الحَجُّ عَلى المُسْلِمِينَ بِالِاتِّفاقِ، وإنَّما فُرِضَ الحَجُّ بِالآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. صفحة ١٨٠ واخْتُلِفَ في هَذِهِ السُّورَةِ هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ. أوْ كَثِيرٌ مِنها مَكِّيٌّ وكَثِيرٌ مِنها مَدَنِيٌّ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] إلى ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَدَّ النَّقّاشُ ما نَزَلَ مِنها بِالمَدِينَةِ عَشْرَ آياتٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والحَسَنِ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا آياتِ (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]) إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] فَهُنَّ مَكِّيّاتٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ. ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الجُمْهُورُ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَّنِيٌّ وهي مُخْتَلِطَةٌ، أيْ لا يُعْرَفُ المَكِّيُّ بِعَيْنِهِ، والمَدَنِيُّ بِعَيْنِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الأصَحُّ. وأقُولُ: لَيْسَ هَذا القَوْلُ مِثْلَ ما يَكْثُرُ أنْ يَقُولُوهُ في بِضْعِ آياتٍ مِن عِدَّةِ سُوَرٍ: أنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِ البَلَدِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ أكْثَرُ السُّورَةِ المُسْتَثْنى مِنها، بَلْ أرادُوا أنَّ كَثِيرًا مِنها مَكِّيٌّ وأنَّ مِثْلَهُ أوْ يُقارِبُهُ مَدَنِيٌّ، وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ما هو مَكِّيٌّ مِنها وما هو مَدَنِيٌّ ولِذَلِكَ عَبَّرُوا بِقَوْلِهِمْ: هي مُخْتَلِطَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ أوَّلُ السُّورَةِ في السَّفَرِ فَنادى رَسُولُ اللَّهِ بِها فاجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ وساقَ الحَدِيثَ الَّذِي سَيَأْتِي. يُرِيدُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ نُزُولَها في السَّفَرِ يَقْتَضِي أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أوَّلُها نَزَلَ بِمَكَّةَ فَإنَّ افْتِتاحَها بِـ (يا أيُّها النّاسُ) جارٍ عَلى سُنَنِ فَواتِحِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ. وفي أسالِيبِ نَظْمِ كَثِيرٍ صفحة ١٨١ مِن آياتِها ما يُلائِمُ أُسْلُوبَ القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ. ومَعَ هَذا فَلَيْسَ الِافْتِتاحُ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) بِمُعَيِّنٍ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، وإنَّما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ (يا أيُّها النّاسُ) يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ. ولِذا فَيَجُوزُ أنْ يُوَجَّهَ الخِطابُ بِهِ إلى المُشْرِكِينَ في المَدِينَةِ في أوَّلِ مُدَّةِ حُلُولِ النَّبِيءِ ﷺ بِها، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] يُناسِبُ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ حَيْثُ صَدَّ المُشْرِكُونَ النَّبِيءَ والمُؤْمِنِينَ عَنِ البَقاءِ مَعَهم بِمَكَّةَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٣٩] فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ نَزَلَ في شَأْنِ الهِجْرَةِ. رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيءُ مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيئَهم لِيَهْلِكُنَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] فَفِيهِ ذِكْرُ الهِجْرَةِ وذِكْرُ مَن يُقْتَلُ مِنَ المُهاجِرِينَ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِجِهادٍ مُتَوَقَّعٍ كَما سَيَجِيءُ هُنالِكَ. وأحْسَبُ أنَّهُ لَمْ تَتَعَيَّنْ طائِفَةٌ مِنها مُتَوالِيَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ونَزَلَ ما بَعْدَها بِالمَدِينَةِ بَلْ نَزَلَتْ آياتُها مُتَفَرِّقَةً. ولَعَلَّ تَرْتِيبَها كانَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] أنَّهُ نَزَلَ في وقْعَةِ بَدْرٍ، لِما في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي ذَرٍّ: أنَّها نَزَلَتْ في مُبارَزَةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ مَعَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانَ أبُو ذَرٍّ يُقْسِمُ عَلى ذَلِكَ. صفحة ١٨٢ ولِذَلِكَ فَأنا أحْسُبُ هَذِهِ السُّورَةَ نازِلًا بَعْضُها آخِرَ مُدَّةِ مُقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِمَكَّةَ كَما يَقْتَضِيهِ افْتِتاحُها بِـ (﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [الحج: ١]) فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ ذَلِكَ الغالِبَ في أسالِيبِ القُرْآنِ المَكِّيِّ، وأنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَتْ في مُدَّةِ مُقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِالمَدِينَةِ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ أبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ جُدْعانَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ ؟ فَقالَ: ”أتَدْرُونَ» ؟ “ وساقَ حَدِيثًا طَوِيلًا. فاقْتَضى قَوْلُهُ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وهو في سَفَرٍ، أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَإنَّ أسْفارَهُ كانَتْ في الغَزَواتِ ونَحْوِها بَعْدَ الهِجْرَةِ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ السَّفَرَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ وتِلْكَ الغَزْوَةُ في سَنَةِ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ، فالظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ ”أُنْزِلَتْ وهو في سَفَرٍ“ أنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ لَمْ يَسْمَعِ الآيَةَ إلّا يَوْمَئِذٍ فَظَنَّها أُنْزِلَتْ يَوْمَئِذٍ فَإنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ ما أسْلَمَ إلّا عامَ خَيْبَرَ وهو عامُ سَبْعَةٍ، أوْ أنَّ أحَدَ رُواةِ الحَدِيثِ أدْرَجَ كَلِمَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وهو في سَفَرٍ في كَلامِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ولَمْ يَقُلْهُ عِمْرانُ. ولِذَلِكَ لا يُوجَدُ هَذا اللَّفْظُ فِيما رَوى التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وصَحَّحَهُ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ بَشّارٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ هِشامِ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيءِ في سَفَرٍ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] صفحة ١٨٣ إلى آخِرِهِ» . فَرِوايَةُ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أثْبَتُ مِن رِوايَةِ ابْنِ جُدْعانَ عَنِ الحَسَنِ، لِأنَّ ابْنَ جُدْعانَ واسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ قالَ فِيهِ أحْمَدُ وأبُو زُرْعَةَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وقالَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ: سَيِّءُ الحِفْظِ، وقَدْ كانَ اخْتَلَطَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ اعْتِمادِ ما انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ. ورَوى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في سَفَرٍ. ولَمْ يُسْنِدْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الغَزْنَوِيِّ أنَّهُ قالَ: سُورَةُ الحَجِّ مِن أعاجِيبِ السُّوَرِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةَ الخامِسَةَ والمِائَةَ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ في رِوايَةِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ وقَبْلَ سُورَةِ المُنافِقِينَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّها عِنْدَهُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها لِأنَّ سُورَةَ النُّورِ وسُورَةَ المُنافِقِينَ مَدَنِيَّتانِ فَيَنْبَغِي أنْ يُتَوَقَّفَ في اعْتِمادِ هَذا فِيها. وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: سَبْعًا وسَبْعِينَ. وعَدَّها أهْلُ الشّامِ: أرْبَعًا وسَبْعِينَ. وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ: خَمْسًا وسَبْعِينَ: وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ: ثَمانًا وسَبْعِينَ. * * * ومِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ: خِطابُ النّاسِ بِأمْرِهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ويَخْشَوْا يَوْمَ الجَزاءِ وأهْوالَهُ. والِاسْتِدْلالُ عَلى نَفْيِ الشِّرْكِ وخِطابِ المُشْرِكِينَ بِأنْ يُقْلِعُوا عَنِ المُكابَرَةِ في الِاعْتِرافِ بِانْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وعَنِ المُجادَلَةِ في ذَلِكَ اتِّباعًا لِوَساوِسِ الشَّياطِينِ، وأنَّ الشَّياطِينَ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا ولا يَنْصُرُونَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. صفحة ١٨٤ وتَفْظِيعُ جِدالِ المُشْرِكِينَ في الوَحْدانِيَّةِ بِأنَّهم لا يَسْتَنِدُونَ إلى عِلْمٍ وأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الحُجَّةِ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأنَّهم يَرْتابُونَ في البَعْثِ وهو ثابِتٌ لا رِيبَةَ فِيهِ وكَيْفَ يَرْتابُونَ فِيهِ بِعِلَّةِ اسْتِحالَةِ الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ ولا يَنْظُرُونَ أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الإنْسانَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ طَوَّرَهُ أطْوارًا. وأنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الماءَ عَلى الأرْضِ الهامِدَةِ فَتَحْيا وتُخْرِجُ مِن أصْنافِ النَّباتِ، فاللَّهُ هو القادِرُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ. فَهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأنَّ مُجادَلَتَهم بِإنْكارِ البَعْثِ صادِرَةٌ عَنْ جَهالَةٍ وتَكَبُّرٍ عَنِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ . ووَصْفُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم في تَرَدُّدٍ مِن أمْرِهِمْ في اتِّباعِ دِينِ الإسْلامِ. والتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ بِتَكَبُّرِهِمْ عَنْ سُنَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي يَنْتَمُونَ إلَيْهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم حُماةُ دِينِهِ وأُمَناءُ بَيْتِهِ وهم يُخالِفُونَهُ في أصْلِ الدِّينِ. وتَذْكِيرٌ لَهم بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في مَشْرُوعِيَّةِ الحَجِّ مِنَ المَنافِعِ فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ. وتَنْظِيرُهم في تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ بِالأُمَمِ البائِدَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الرُّسُلِ بِالإعْراضِ والكُفْرِ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ. وأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَحِلَّ بِهَؤُلاءِ مِثْلُهُ فَلا يَغُرُّهم تَأْخِيرُ العَذابِ فَإنَّهُ إمْلاءٌ مِنَ اللَّهِ لَهم كَما أمْلى لِلْأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ. وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا، وبِشارَةٌ لَهم بِعاقِبَةِ النَّصْرِ عَلى الَّذِينَ فَتَنُوهم وأخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ. صفحة ١٨٥ وأنَّ اخْتِلافَ الأُمَمِ بَيْنَ أهْلِ هُدًى وأهْلِ ضَلالٍ أمْرٌ بِهِ افْتَرَقَ النّاسُ إلى مِلَلٍ كَثِيرَةٍ. وأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَهم لِمُشاهَدَةِ جَزاءِ أهْلِ الهُدى وجَزاءِ أهْلِ الضَّلالِ. وأنَّ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في أمْرِ اللَّهِ فَكانَ لِكُلِّ فَرِيقٍ جَزاؤُهُ. وسَلّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ يُفْسِدُ في قُلُوبِ أهْلِ الضَّلالَةِ آثارَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ ولَكِنَّ اللَّهَ يُحْكِمُ دِينَهُ ويُبْطِلُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فَلِذَلِكَ تَرى الكافِرِينَ يُعْرِضُونَ ويُنْكِرُونَ آياتِ القُرْآنِ. وفِيها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والمُتَلَقِّينَ لَهُ بِخَشْيَةٍ وصَبْرٍ. ووَصْفُ الكُفّارِ بِكَراهِيَتِهِمُ القُرْآنَ وبُغْضِ المُرْسَلِ بِهِ. والثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ وأنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهُمُ اتِّباعَ الحَنِيفِيَّةِ وسَمّاهُمُ المُسْلِمِينَ. والإذْنُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالقِتالِ وضَمانِ النَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ لَهم. وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِتَذْكِيرِ النّاسِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وأنَّ اللَّهَ اصْطَفى خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ ومِنَ النّاسِ فَأقْبَلَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالإرْشادِ إلى ما يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى وأنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهم وناصِرُهم.

الحج 22:1

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ نِداءٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَوُجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِها ومَن يَأْتُونَ بَعْدَهم صفحة ١٨٦ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَتَلَقَّوُا الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ وخَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَةِ مُخالَفَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، فَتَقْوى كُلِّ فَرِيقٍ بِحَسَبِ حالِهِمْ مِنَ التَّلَبُّسِ بِما نَهى اللَّهُ عَنْهُ والتَّفْرِيطِ فِيما أمَرَ بِهِ، لِيَسْتَبْدِلُوا ذَلِكَ بِضِدِّهِ. وأوَّلُ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ دُخُولًا في خِطابِ (يا أيُّها النّاسُ) هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ حَتّى قِيلَ إنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ خاصٌّ بِهِمْ. وهَذا يَشْمَلُ مُشْرِكِي أهْلِ المَدِينَةِ قَبْلَ صَفائِها مِنهم. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ بِصِفَةِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إيماءً إلى اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُتَّقى لِعَظَمَتِهِ بِالخالِقِيَّةِ، وإلى جَدارَةِ النّاسِ بِأنْ يَتَّقُوهُ لِأنَّهُ بِصِفَةِ تَدْبِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَأْمُرُ ولا يَنْهى إلّا لِيَرْعى مَصالِحَ النّاسِ ودَرْءَ المَفاسِدِ عَنْهم. وكِلا الأمْرَيْنِ لا يُفِيدُهُ غَيْرُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ نَحْوِ الخالِقِ والسَّيِّدِ. وتَعْلِيقُ التَّقْوى بِذاتِ الرَّبِّ يَقْتَضِي بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ مَعْنى اتِّقاءِ مُخالَفَتِهِ أوْ عِقابِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى لا تَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ بَلْ بِشَأْنٍ لَها مُناسِبٍ لِلْمَقامِ. وأوَّلُ تَقْواهُ هو تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقائِصِ، وفي مُقَدِّمَةِ ذَلِكَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الشُّرَكاءِ بِاعْتِقادِ وحْدانِيَّتِهِ في الإلَهِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى كَما يُفِيدُ حَرْفُ التَّوْكِيدِ الواقِعُ في مَقامِ خِطابٍ لا تَرَدُّدَ لِلسّامِعِ فِيهِ. والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ لِزَلْزَلَةِ السّاعَةِ أثَرًا في الأمْرِ بِالتَّقْوى وهو أنَّهُ وقْتٌ لِحُصُولِ الجَزاءِ عَلى التَّقْوى وعَلى العِصْيانِ وذَلِكَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ المُفَصَّلِ بِما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . صفحة ١٨٧ والزَّلْزَلَةُ، حَقِيقَتُها: تَحَرُّكٌ عَنِيفٌ في جِهَةٍ مِن سَطْحِ الأرْضِ مِن أثَرِ ضَغْطِ مَجارِي الهَواءِ الكائِنِ في طَبَقاتِ الأرْضِ القَرِيبَةِ مِن ظاهِرِ الأرْضِ وهي مِنَ الظَّواهِرِ الأرْضِيَّةِ المُرْعِبَةِ يَنْشَأُ عَنْها تَساقُطُ البِناءِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْها خَسْفُ الأشْياءِ في باطِنِ الأرْضِ. والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى وقْتِ فَناءِ الدُّنْيا والخُلُوصِ إلى عالَمِ الحَشْرِ الأُخْرَوِيِّ، قالَ تَعالى ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] . وإضافَةُ (زَلْزَلَةَ) إلى (السّاعَةِ) عَلى مَعْنى في، أيِ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي تَحْدُثُ وقْتَ حُلُولِ السّاعَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزَّلْزَلَةُ في الدُّنْيا أوْ في وقْتِ الحَشْرِ. والظّاهِرُ حَمْلُ الزَّلْزَلَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وهي حاصِلَةٌ عِنْدَ إشْرافِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى الفَناءِ وفَسادِ نِظامِهِ، فَإضافَتُها إلى السّاعَةِ إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزَّلْزَلَةُ مَجازًا عَنِ الأهْوالِ والمُفْزِعاتِ الَّتِي تَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ ذَلِكَ تُسْتَعارُ لَهُ الزَّلْزَلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] أيْ أُصِيبُوا بِالكَوارِثِ والأضْرارِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . وفي «دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الأحْزابِ: اللَّهُمَّ اهْزِمْهم وزَلْزِلْهم» . والإتْيانُ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) لِلتَّهْوِيلِ بِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، أيْ زَلْزَلَةُ السّاعَةِ لا يُعْرَفُ كُنْهُها بِأنَّها شَيْءٌ عَظِيمٌ، وهَذا مِنَ المَواقِعِ الَّتِي يَحْسُنُ فِيها مَوْقِعُ كَلِمَةٍ (شَيْءٍ) وهي الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْها الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ صفحة ١٨٨ فِي دَلائِلِ الإعْجازِ في فَصْلٍ في تَحْقِيقِ القَوْلِ عَلى البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعَظِيمُ: الضَّخْمُ، وهو هُنا اسْتِعارِيٌّ لِلْقَوِيِّ الشَّدِيدِ. والمَقامُ يُفِيدُ أنَّهُ شَدِيدُ الشَّرِّ.

الحج 22:2

﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] لِأنَّ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ يُبَيِّنُ مَعْنى كَوْنِها شَيْئًا عَظِيمًا وهو أنَّهُ عَظِيمٌ في الشَّرِّ والرُّعْبِ. ويَتَعَلَّقُ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ بِفِعْلِ (تَذْهَلُ) . وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّوْقِيتِ بِذَلِكَ اليَوْمِ وتَوَقُّعِ رُؤْيَتِهِ لِكُلِّ مُخاطَبٍ مِنَ النّاسِ. وأصْلُ نَظْمِ الجُمْلَةِ: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضَعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ يَوْمَ تَرَوْنَ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ. فالخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ رُؤْيَةُ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ بِالإمْكانِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في (تَرَوْنَها) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى (زَلْزَلَةَ) وأُطْلِقَتِ الرُّؤْيَةُ عَلى إدْراكِها الواضِحِ الَّذِي هو كَرُؤْيَةِ المَرْئِيّاتِ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ تُسْمَعُ ولا تُرى. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى السّاعَةِ. ورُؤْيَتُها: رُؤْيَةُ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ المَرْئِيّاتِ مِن حُضُورِ النّاسِ لِلْحَشْرِ وما يَتْبَعُهُ ومُشاهَدَةِ أهْوالِ العَذابِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ إلَخْ. صفحة ١٨٩ والذُّهُولُ: نِسْيانُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ لا يُنْسى لِوُجُودِ مُقْتَضى تَذَكُّرِهِ؛ إمّا لِأنَّهُ حاضِرٌ أوْ لِأنَّ عِلْمَهُ جَدِيدٌ وإنَّما يُنْسى لِشاغِلٍ عَظِيمٍ عَنْهُ. فَذُكِرَ لَفْظُ الذُّهُولِ هُنا دُونَ النِّسْيانِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شِدَّةِ التَّشاغُلِ. قالَهُ شَيْخُنا الجِدُّ الوَزِيرُ قالَ: وشَفَقَةُ الأُمِّ عَلى الِابْنِ أشَدُّ مِن شَفَقَةِ الأبِ فَشَفَقَتُها عَلى الرَّضِيعِ أشَدُّ مِن شَفَقَتِها عَلى غَيْرِهِ. وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الأوْلى عَلى ذُهُولِ غَيْرِها مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ. وقَدْ حَصَلَ مِن هَذِهِ الكِنايَةِ دَلالَةٌ عَلى جَمِيعِ لَوازِمِ شِدَّةِ الهَوْلِ ولَيْسَ يَلْزَمُ في الكِنايَةِ أنْ يُصَرَّحَ بِجَمِيعِ اللَّوازِمِ لِأنَّ دَلالَةَ الكِنايَةِ عَقْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ لَفْظِيَّةً. والتَحَقَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ بِوَصْفِ (مُرْضِعَةٍ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ الوَصْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، فَإنَّ الفِعْلَ الَّذِي لا يُوصَفُ بِحَدَثِهِ غَيْرُ المَرْأةِ تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِيُفادَ بِهَذا التَّقْرِيبِ أنَّها في حالَةِ التَّلَبُّسِ بِالإرْضاعِ، كَما يُقالُ: هي تُرْضِعُ. ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: كُلُّ مُرْضِعٍ، لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مِن خَصائِصِ الأُنْثى فَلا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى الهاءِ الَّتِي أصْلُ وضْعِها لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُؤَنَّثِ والمُذَكِّرِ خِيفَةَ اللَّبْسِ. وهَذا مِن دَقائِقِ مَسائِلِ نُحاةِ الكُوفَةِ وقَدْ تَلَقّاها الجَمِيعُ بِالقَبُولِ ونَظَّمَها ابْنُ مالِكٍ في أُرْجُوزَتِهِ الكافِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وما مِنَ الصِّفاتِ بِالأُنْثى يُخَـصْ عَنْ تاءٍ اسْتَغْنى لِأنَّ اللَّفْظَ نَصْ وحَيْثُ مَعْنى الفِعْلِ تَنْوِي التّاءَ زِدْ ∗∗∗ كَذِي غَدَتْ مُرْضِعَةً طِفْلًا وُلِـدْ والمُرادُ: أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُرْضَعَةٍ مَوُجُودَةٍ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا. فالمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُرادٌ، فَلَمْ يَقْتَضِ أنْ يَكُونَ الإرْضاعُ واقِعًا. فَأُطْلِقَ ذُهُولُ المُرْضِعِ وذاتِ الحَمْلِ وأُرِيدَ ذُهُولُ كُلِّ ذِي عَلَقٍ نَفِيسٍ عَنْ عَلَقِهِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ. وزِيادَةُ كَلِمَةِ (كُلُّ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الذُّهُولَ يَعْتَرِي كُلَّ مُرْضِعٍ ولَيْسَ هو لِبَعْضِ المَراضِعِ بِاحْتِمالِ ضَعْفٍ في ذاكِرَتِها. ثُمَّ صفحة ١٩٠ تَقْتَضِي هَذِهِ الكِنايَةُ كِنايَةً عَنْ تَعْمِيمِ هَذا الهَوْلِ لِكُلِّ النّاسِ لِأنَّ خُصُوصِيَّةَ هَذا المَعْنى بِهَذا المَقامِ أنَّهُ أظْهَرُ في تَصْوِيرِ حالَةِ الفَزَعِ والهَلَعِ بِحَيْثُ يَذْهَلُ فِيهِ مَن هو في حالِ شِدَّةِ التَّيَقُّظِ لِوَفْرَةِ دَواعِي اليَقَظَةِ. وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ لِشِدَّةِ شَفَقَتِها كَثِيرَةُ الِاسْتِحْضارِ لِما تُشْفِقُ عَلَيْهِ، وأنَّ المُرْضِعَ أشَدُّ النِّساءِ شَفَقَةً عَلى رَضِيعِها، وأنَّها في حالِ مُلابَسَةِ الإرْضاعِ أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الذُّهُولِ فَإذا ذُهِلَتْ عَنْ رَضِيعِها في هَذِهِ الأحْوالِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الهَوْلَ العارِضَ لَها هَوْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وهَذا مِن بَدِيعِ الكِنايَةِ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الهَوْلِ؛ لِأنَّ اسْتِلْزامَ ذُهُولِ المُرْضِعِ عَنْ رَضِيعِها لِشِدَّةِ الهَوْلِ يَسْتَلْزِمُ شِدَّةَ الهَوْلِ لِغَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلى، فَهو لُزُومٌ بِدَرَجَةٍ ثانِيَةٍ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكِنايَةِ يُسَمّى الإيماءَ. و(ما) في ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ مَوْصُولَةٌ ماصَدَقُها الطِّفْلُ الرَّضِيعُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ. والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ في تَعْرِيفِ المَذْهُولِ عَنْهُ دُونَ أنْ يَقُولَ عَنِ ابْنِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها تَذْهَلُ عَنْ شَيْءٍ هو نُصْبَ عَيْنِها وهي في عَمَلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ وهو الإرْضاعُ زِيادَةً في التَّكَنِّي عَنْ شِدَّةِ الهَوْلِ. وقَوْلُهُ ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ هو كِنايَةٌ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ . ووَضْعُ الحَمْلِ لا يَكُونُ إلّا لِشِدَّةِ اضْطِرابِ نَفْسِ الحامِلِ مِن فَرْطِ الفَزَعِ والخَوْفِ لِأنَّ الحَمْلَ في قَرارٍ مَكِينٍ. والحَمْلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (تَضَعُ) أيْ تَضَعُ جَنِينَها. والتَّعْبِيرُ بِـ (ذاتِ حَمْلٍ) دُونَ التَّعْبِيرِ: بِحامِلٍ، لِأنَّهُ الجارِي في الِاسْتِعْمالِ في الأكْثَرِ. فَلا يُقالُ: امْرَأةٌ حامِلٌ، بَلْ يُقالُ: ذاتُ صفحة ١٩١ حَمْلٍ؛ قالَ تَعالى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، مَعَ ما في هَذِهِ الإضافَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِ الحَمْلِ بِالحامِلِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ وضْعَها إيّاهُ لِسَبَبٍ مُفْظِعٍ. والقَوْلُ في حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْ عَلى مَعْنى الكِنايَةِ كالقَوْلِ في ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ . والخِطابُ في (تَرى النّاسَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهو كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ النّاسِ، فَهو مُساوٍ في المَعْنى لِلْخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾) . وإنَّما أُوثِرَ الإفْرادُ هُنا لِلتَّفَنُّنِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الجَمْعِ. وعُدِلَ عَنْ فِعْلِ المُضِيِّ إلى المُضارِعِ في قَوْلِهِ (وتَرى) لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ والتَّعْجِيبِ مِنها كَقَوْلِهِ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] وقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُكارى) بِضَمِّ السِّينِ المُهْمَلَةِ وبِألِفٍ بَعْدَ الكافِ. ووَصْفُ النّاسِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ قَرِينَةٌ عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (سَكْرى) بِوَزْنِ عَطْشى في المَوْضِعَيْنِ. وسُكارى وسَكْرى جَمْعُ سَكْرانَ. وهو الَّذِي اخْتَلَّ شُعُورُ عَقْلِهِ مِن أثَرِ شُرْبٍ الخَمْرِ، وقِياسُ جَمْعِهِ سُكارى. وأمّا سَكْرى فَهو مَحْمُولٌ عَلى نَوْكى لِما في السُّكْرِ مِنِ اضْطِرابِ العَقْلِ. ولَهُ نَظِيرٌ وهو جَمْعُ كَسْلانَ عَلى كُسالى وكَسْلى. وجُمْلَةُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ. و(عَذابَ اللَّهِ) صادِقٌ بِعَذابِهِ في الدُّنْيا وهو عَذابُ الفَزَعِ والوَجَعِ، وعَذابُ الرُّعْبِ في الآخِرَةِ بِالإحْساسِ بِلَفْحِ النّارِ وزَبْنِ مَلائِكَةِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (النّاسَ) .

الحج 22:3

صفحة ١٩٢ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١]، أيِ النّاسُ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَمْتَثِلُ الأمْرَ فَيَتَّقِي اللَّهَ ويَخْشى عَذابَهُ، وفَرِيقٌ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ ويُعارِضُهُ بِالجَدَلِ الباطِلِ في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى مِن وحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ ورِسالَتِهِ. وهَذا الفَرِيقُ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الكُفْرِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَصَدَّوْنَ لِلْمُجادَلَةِ بِما لَهم مِن أغالِيطَ وسَفْسَطَةٍ وما لَهم مِن فَصاحَةٍ وتَمْوِيهٍ. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم لَوْلا تَضْلِيلُهم قَوْمَهم وصَدُّهم إيّاهم عَنْ مُتابَعَةِ الَّدِّينِ لاتَّبَعَ عامَّةُ المُشْرِكِينَ الإسْلامَ لِظُهُورِ حُجَّتِهِ وقَبُولِها في الفِطْرَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أوْ غَيْرُهُ كَما سَيَأْتِي، فَتَكُونُ (مِنَ) المَوْصُولَةُ صادِقَةً عَلى مُتَعَدِّدٍ عامَّةً لِكُلِّ مَن تَصْدُقُ عَلَيْهِ الصِّلَةُ. والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ والمُحاجَّةُ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، أيْ يُجادِلُ جَدَلًا واقِعًا في شَأْنِ اللَّهِ. ووُصِفَ الجَدَلُ بِأنَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ جَدَلًا مُلْتَبِسًا بِمُغايَرَةِ العِلْمِ، وغَيْرُ العِلْمِ هو الجَهْلُ، أيْ جَدَلًا ناشِئًا عَنْ سُوءِ نَظَرٍ وسُوءِ تَفْكِيرٍ فَلا يُعْلَمُ ما تَقْتَضِيهِ الأُلُوهِيَّةُ مِنَ الصِّفاتِ كالوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ وفِعْلِ ما يَشاءُ. واتِّباعُ الشَّيْطانِ: الِانْقِيادُ إلى وسْوَسَتِهِ الَّتِي يَجِدُها في نَفْسِهِ والَّتِي تَلَقّاها بِمُعْتادِهِ والعَمَلُ بِذَلِكَ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا عَرْضٍ عَلى نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ. وكَلِمَةُ (كُلَّ) في قَوْلِهِ (كُلَّ شَيْطانٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ. كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٩٣ وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَرِيدُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - عَلى عَمَلٍ. إذا عَتا فِيهِ وبَلَغَ الغايَةَ الَّتِي تَتَجاوَزُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ أصْحابُ ذَلِكَ العَمَلِ. وكَأنَّهُ مُحَوَّلٌ مِن مَرَدَ - بِفَتْحِ الرّاءِ - بِمَعْنى مَرَنَ إلى ضَمِّ الرّاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَصْفَ صارَ لَهُ سَجِيَّةً، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. أيِ العاتِي في الشَّيْطَنَةِ.

الحج 22:4

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ جُمْلَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ إلى آخِرِها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ﴿شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) . وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ في ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ﴾ . وأمّا الضَّمِيرانِ البارِزانِ في قَوْلِهِ ﴿يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فَعائِدانِ إلى (مَن) المَوْصُولَةِ. أيْ يُضِلُّ الشَّيْطانُ مُتَوَلِّيَهُ عَنِ الحَقِّ ويَهْدِي مُتَوَلِّيَهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَةِ (كُتِبَ) بِضَمِّ الكافِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ. واتَّفَقَتْ أيْضًا عَلى فَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ . والكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلثُّبُوتِ واللُّزُومِ، أيْ لَزِمَهُ إضْلالُ مُتَوَلِّيهِ ودَلالَتُهُ عَلى عَذابِ السَّعِيرِ، فَأُطْلِقَ عَلى لُزُومِ ذَلِكَ فِعْلُ (كُتِبَ عَلَيْهِ) أيْ وجَبَ عَلَيْهِ، فَقَدْ شاعَ أنَّ العَقْدَ إذا أُرِيدَ تَحْقِيقُ العَمَلِ بِهِ وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ كُتِبَ في صَحِيفَةٍ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ صفحة ١٩٤ والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) ولَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ لِأنَّ جَعْلَهُ ضَمِيرَ شَأْنٍ لا يُناسِبُ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ نائِبِ فاعِلِ (كُتِبَ) . إذْ هي حِينَئِذٍ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وضَمِيرُ الشَّأْنِ يَتَطَلَّبُ بَعْدَهُ جُمْلَةً، والمَصْدَرانِ المُنْسَبِكانِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ نائِبُ فِعْلِ (كُتِبَ) ومُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِفاءِ الجَزاءِ. أيْ كُتِبَ عَلَيْهِ إضْلالُ مَن تَوَلّاهُ. والتَّوَلِّي: اتِّخاذُ ولِيٍّ، أيْ نَصِيرٍ، أيْ مَنِ اسْتَنْصَرَ بِهِ. و(مَن) مَوْصُولَةٌ ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإخْبارِ الثّابِتِ لا عَلى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ. وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ (تَوَلّاهُ) عائِدٌ إلى (مَن) المَوْصُولَةِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ البارِزُ عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) . أيْ أنَّ الَّذِي يَتَّخِذُ الشَّيْطانَ ولِيًّا فَذَلِكَ الشَّيْطانُ يُضِلُّهُ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ مَنِ المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا لِجُمْلَةِ الخَبَرِ عَنِ المَوْصُولِ بِجُمْلَةِ الجَزاءِ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ قَصْدًا لِتَقْوِيَةِ الإخْبارِ. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ في تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هو صَدْرٌ لِلْجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ. والتَّقْدِيرُ: فَإضْلالُهُ إيّاهُ ودَلالَتُهُ إيّاهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. وخَبَرُ هَذا المُبْتَدَأِ مُقَدَّرٌ لِأنَّهُ حاصِلٌ مِن مَعْنى إسْنادِ فِعْلَيِ الإضْلالِ والهِدايَةِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: ثابِتانِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ فاءَ تَفْرِيعٍ ويُجْعَلَ ما بَعْدَها مَعْطُوفًا عَلى ﴿مَن تَوَلّاهُ﴾ ويَكُونَ المَعْطُوفُ هو المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ كَما هو مُقْتَضى التَّفْرِيعِ. والتَّقْدِيرُ: كُتِبَ عَلَيْهِ تَرَتُّبُ الإضْلالِ مِنهُ لِمُتَوَلِّيهِ وتَرَتُّبُ إيصالِهِ مُتَوَلِّيَهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. هَذانِ هُما الوَجْهانِ في نَظْمِ الآيَةِ وما عَداهُما تَكَلُّفاتٌ. واعْلَمْ أنَّ ما نُظِمَتْ بِهِ الآيَةُ هُنا لا يَجْرِي عَلى نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ [التوبة: ٦٣] صفحة ١٩٥ لِأنَّ مُقْتَضى فِعْلِ العِلْمِ غَيْرُ مُقْتَضى فِعْلِ (كُتِبَ) . فَلِذَلِكَ كانَتْ (مَن) في قَوْلِهِ ﴿مَن يُحادِدِ﴾ [التوبة: ٦٣] شَرْطِيَّةً لا مَحالَةَ وكانَ الكَلامُ جارِيًا عَلى اعْتِبارِ الشَّرْطِيَّةِ وكانَ الضَّمِيرُ هُنالِكَ في قَوْلِهِ (أنَّهُ) ضَمِيرَ شَأْنٍ. ولَمّا كانَ الضَّلالُ مُشْتَهِرًا في مَعْنى البُعْدِ عَنِ الخَيْرِ والصَّلاحِ لَمْ يُحْتَجْ في هَذِهِ الآيَةِ إلى ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ (يُضِلُّهُ) لِظُهُورِ المَعْنى. وذُكِرَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (يَهْدِيهِ) وهو (إلى عَذابِ السَّعِيرِ) لِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَرِيبٌ إذِ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ الهُدى إلى ما يَنْفَعُ لا إلى ما يَضُرُّ ويُعَذِّبُ. وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ بِالمُضادَّةِ. وقَدْ عُدَّ مِن هَذا الفَرِيقِ الشّامِلِ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ. وقِيلَ نَزَلَتْ فِيهِ. كانَ كَثِيرَ الجَدَلِ؛ يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، واللَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْياءِ أجْسادٍ بَلِيَتْ وصارَتْ تُرابًا. وعُدَّ مِنهم أيْضًا أبُو جَهْلٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. ومَن قالَ: إنَّ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ (مَن يُجادِلُ) مُعَيَّنًا خَصَّ الآيَةَ بِهِ. ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وما هو إلّا تَخْصِيصٌ بِالسَّبَبِ.

الحج 22:5

﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ صفحة ١٩٦ أعادَ خِطابَ النّاسِ بَعْدَ أنْ أنْذَرَهم بِزَلْزَلَةِ السّاعَةِ، وذَكَرَ أنَّ مِنهم مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأعادَ خِطابَهم بِالِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وتَنْظِيرِهِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ. وهو الخَلْقُ الأوَّلُ. قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . فالَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَدَمٍ وأخْرَجَهُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ كَوَّنَهُ مِن ماءٍ. ثُمَّ خَلَقَهُ أطْوارًا عَجِيبَةً، إلى أنْ يَتَوَفّاهُ في أحْوالِ جِسْمِهِ وفي أحْوالِ عَقْلِهِ وإدْراكِهِ - قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ بَعْدَ فَنائِهِ. ودُخُولُ المُشْرِكِينَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ في هَذا الخِطابِ أظْهَرُ مِن دُخُولِهِمْ في الخِطابِ السّابِقِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّ الخِطابَ هُنا خاصٌّ بِهِمْ. وجُعِلَ رَيْبُهم في البَعْثِ مَفْرُوضًا بِـ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ مَعَ أنَّ رَيْبَهم مُحَقَّقٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقامَ لَمّا حَفَّ بِهِ مِنَ الأدِلَّةِ المُبْطِلَةِ لِرَيْبِهِمْ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ مَقامِ مَن لا يَتَحَقَّقُ رَيْبُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]) . والظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ بِـ (في) مَجازِيَّةٌ. شُبِّهَتْ مُلابَسَةُ الرَّيْبِ إيّاهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ولَكِنَّها لا يَصْلُحُ لَفْظُها لِأنْ يَكُونَ جَوابًا لِهَذا الشَّرْطِ بَلْ هي دَلِيلُ الجَوابِ. والتَّقْدِيرُ: فاعْلَمُوا أوْ فَنُعْلِمُكم بِأنَّهُ مُمْكِنٌ كَما خَلَقْناكم مِن تُرابٍ مِثْلِ الرُّفاتِ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ الأجْسادُ بَعْدَ المَوْتِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فانْظُرُوا في بَدْءِ خَلْقِكم فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ. صفحة ١٩٧ والَّذِي خُلِقَ مِن تُرابٍ هو أصْلُ النَّوْعِ. وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحَوّاءُ، ثُمَّ كُوِّنَتْ في آدَمَ وزَوْجِهِ قُوَّةُ التَّناسُلِ. فَصارَ الخَلْقُ مِنَ النُّطْفَةِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ بِـ (ثُمَّ) . والنُّطْفَةُ: اسْمٌ لِمَنِيِّ الرَّجُلِ، وهو بِوَزْنِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَنطُوفٍ. والنَّطْفُ: القَطْرُ والصَّبُّ. والعَلَقَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ اللِّينِ. والمُضْغَةُ: القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ مِثْلُهُ. وهي فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ بِتَأْوِيلِ: مِقْدارٍ مَمْضُوغَةٍ. و(ثُمَّ) الَّتِي عُطِفَ بِها ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ عاطِفَةُ مُفْرَداتٍ فَهي لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ. و(مِن) المُكَرَّرَةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ هُنا ابْتِدائِيَّةٌ وتَكْرِيرُها تَوْكِيدٌ. وكَوْنُ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِنَ النُّطْفَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الطِّبِّ أنَّ في رَحِمِ المَرْأةِ مُدَّةَ الحَيْضِ جُزْءًا هو مَقَرُّ الأجْرامِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِأنْ يَتَكَوَّنَ مِنها الجَنِينُ، وهَذا الجُزْءُ مِنَ الرَّحِمِ يُسَمّى في الِاصْطِلاحِ الطِّبِّيِّ ”المَبِيضَ“ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ عَلى وزْنِ اسْمِ المَكانِ لِأنَّهُ مَقَرُّ بَيْضاتٍ دَقِيقَةٍ هي حُبَيْباتٌ دَقِيقَةٌ جِدًّا وهي مِنَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ البَيْضَةِ مِنَ الدَّجاجَةِ أوْ بِمَنزِلَةِ حُبُوبِ بَيْضِ الحُوتِ، مُودَعَةٌ في كُرَةٍ دَقِيقَةٍ كالغِلافِ لَها يُقالُ لَها الحُوَيْصِلَةُ بِضَمِّ الحاءِ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ حَوْصَلَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى سائِلٍ تَسْبَحُ فِيهِ البَيْضَةُ فَإذا حاضَتِ المَرْأةُ ازْدادَتْ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ السّائِلِ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ البَيْضَةُ فَأوْجَبَ ذَلِكَ انْفِجارَ غِلافِ الحُوَيْصَلَةِ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ السّائِلُ في الِانْحِدارِ يَحْمِلُ البَيْضَةَ السّابِحَةَ فِيهِ إلى قَناةٍ دَقِيقَةٍ تُسَمّى بُوقَ فُلُوبْيُوسَ لِشِبْهِهِ بِالبُوقِ، وأُضِيفَ إلى ”فُلُوبْيُوسَ“ اسْمِ مُكْتَشِفِهِ. وهو البَرْزَخُ بَيْنَ المَبِيضِ والرَّحِمِ، صفحة ١٩٨ فَإذا نَزَلَ فِيهِ ماءُ الرَّجُلِ وهو النُّطْفَةُ بَعْدَ انْتِهاءِ سِيلانِ دَمِ الحَيْضِ لُقِّحَتْ فِيهِ البَيْضَةُ واخْتَلَطَتْ أجْزاؤُها بِأجْزاءِ النُّطْفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جُرْثُوماتٍ ذاتِ حَياةٍ وتَمْكُثُ مَعَ البَيْضَةِ مُتَحَرِّكَةً مِقْدارَ سَبْعَةِ أيّامٍ تَكُونُ البَيْضَةُ في أثْنائِها تَتَطَوَّرُ بِالتَّشَكُّلِ بِشِبْهِ تَقْسِيمٍ مِن أثَرِ ضَغْطٍ طَبِيعِيٍّ، وفي نِهايَةِ تِلْكَ المُدَّةِ تَصِلُ البَيْضَةُ إلى الرَّحِمِ وهُنالِكَ تَأْخُذُ في التَّشَكُّلِ. وبَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا تَصِيرُ البَيْضَةُ عَلَقَةً في حَجْمِ نَمْلَةٍ كَبِيرَةٍ طُولُها مِن ١٢ إلى ١٤ مِيلِّيمِتْرَ. ثُمَّ يَزْدادُ تَشَكُّلُها فَتَصِيرُ قِطْعَةً صَغِيرَةً مِن لَحْمٍ هي المُسَمّاةُ مُضْغَةً طُولُها ثَلاثَةُ سَنْتِيمِتْرَ تَلُوحُ فِيها تَشْكِيلاتُ الوَجْهِ والأنْفِ خَفِيَّةً جِدًّا كالخُطُوطِ. ثُمَّ يَزْدادُ التَّشَكُّلُ يَوْمًا فَيَوْمًا إلى أنْ يَسْتَكْمِلَ الجَنِينُ مُدَّتَهُ فَيَنْدَفِعَ لِلْخُرُوجِ وهو الوِلادَةُ. فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ صِفَةُ (مُضْغَةٍ) . وذَلِكَ تَطَوُّرٌ مِن تَطَوُّراتِ المُضْغَةِ. إشارَةً إلى أطْوارِ تَشَكُّلِ تِلْكَ المُضْغَةِ فَإنَّها في أوَّلِ أمْرِها تَكُونُ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ، أيْ غَيْرُ ظاهِرٍ فِيها شَكْلُ الخِلْقَةِ. ثُمَّ تَكُونُ مُخَلَّقَةً، والمُرادُ تَشْكِيلُ الوَجْهِ ثُمَّ الأطْرافِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ، إذْ لَيْسَ لَهُما مِثْلُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِخِلافِ المُضْغَةِ. وإذْ قَدْ جُعِلَتِ المُضْغَةُ مِن مَبادِئِ الخَلْقِ تَعَيَّنَ أنَّ كِلا الوَصْفَيْنِ لازِمانِ لِلْمُضْغَةِ. فَلا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ غَيْرَ المُخَلَّقَةِ بِأنَّها الَّتِي لَمْ يُكْمِلْ خَلْقُها فَسَقَطَتْ. والتَّخْلِيقُ: صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ، أيْ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ، أيْ شَكْلًا بَعْدَ شَكْلٍ. وقَدَّمَ ذِكْرَ المُخَلَّقَةِ عَلى ذِكْرِ غَيْرِ المُخَلَّقَةِ خِلافَ التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ لِأنَّ المُخَلَّقَةَ أدْخَلُ في الِاسْتِدْلالِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ غَيْرَ المُخَلَّقَةِ صفحة ١٩٩ لِأنَّهُ إكْمالٌ لِلدَّلِيلِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَخْلِيقَها نَشَأ عَنْ عَدَمٍ. فَكِلا الحالَيْنِ دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإنْشاءِ وهو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ لِنُظْهِرَ لَكم إذا تَأمَّلْتُمْ دَلِيلًا واضِحًا عَلى إمْكانِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما في تَضْمِينِهِ جَوابُ الشَّرْطِ مِن فِعْلٍ ونَحْوِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ إلَخْ، وهو فِعْلُ: فاعْلَمُوا، أوْ فَنُعْلِمُكم، أوْ فانْظُرُوا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (لِنُبَيِّنَ) لِتَذْهَبَ النَّفْسُ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِمّا يَرْجِعُ إلى بَيانِ ما في هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ مِنَ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، أيْ لِنُبَيِّنَ لَكم قُدْرَتَنا وحِكْمَتَنا. وجُمْلَةُ (ونُقِرُّ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ . وعَدَلَ عَنْ فِعْلِ المُضِيِّ إلى المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ لِما فِيها مِن مُشابَهَةِ اسْتِقْرارِ الأجْسادِ في الأجْداثِ ثُمَّ إخْراجِها مِنها بِالبَعْثِ كَما يَخْرُجُ الطِّفْلُ مِن قَرارَةِ الرَّحِمِ، مَعَ تَفاوُتِ القَرارِ. فَمِنَ الأجِنَّةِ ما يَبْقى سِتَّةَ أشْهُرٍ، ومِنها ما يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، وهو الَّذِي أفادَهُ إجْمالُ قَوْلِهِ تَعالى (إلى أجَلٍ مُسَمًّى) والِاسْتِدْلالُ في هَذا كُلِّهِ بِأنَّهُ إيجادٌ بَعْدَ العَدَمِ وإعْدامٌ بَعْدَ الوُجُودِ لِتَبْيِينِ إمْكانِ البَعْثِ بِالنَّظِيرِ وبِالضِّدِّ. والأجَلُ: الأمَدُ المَجْعُولُ لِإتْمامِ عَمَلٍ ما، والمُرادُ هُنا مُدَّةُ الحَمْلِ. والمُسَمّى: اسْمُ مَفْعُولِ سَمّاهُ إذا جَعَلَ لَهُ اسْمًا، ويُسْتَعارُ المُسَمّى لِلْمُعَيَّنِ المَضْبُوطِ لِضَبْطِ الأُمُورِ غَيْرِ المُشَخَّصَةِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ أوْ وقْتٍ مَحْسُوبٍ، بِتَسْمِيَةِ الشَّخْصِ بِوَجْهِ شَبَهٍ يُمَيِّزُهُ عَمّا شابَهَهُ، صفحة ٢٠٠ ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ: المَهْرُ المُسَمّى، أيِ المُعَيَّنُ مِن نَقْدٍ مَعْدُودٍ أوْ عَرَضٍ مَوْصُوفٍ، وقَوْلُ المُوَثِّقِينَ: وسَمّى لَها مِنَ الصَّداقِ كَذا وكَذا. ولِكُلِّ مَوْلُودٍ مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لِبَقائِهِ في رَحِمِ أُمِّهِ قَبْلَ وضْعِهِ. والأكْثَرُ اسْتِكْمالُ تِسْعَةِ أشْهُرٍ وتِسْعَةِ أيّامٍ، وقَدْ يَكُونُ الوَضْعُ أسْرَعَ مِن تِلْكَ المُدَّةِ لِعارِضٍ، وكُلٌّ مُعَيَّنٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ بِحَرْفِ (ثُمَّ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ فَإنَّ إخْراجَ الجَنِينِ هو المَقْصُودُ، وقَوْلُهُ (طِفْلًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (نُخْرِجُكم)، أيْ حالَ كَوْنِكم أطْفالًا. وإنَّما أفْرَدَ (طِفْلًا) لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ الجِنْسُ فَهو بِمَنزِلَةِ الجَمْعِ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ ارْتِباطَ العِلَّةِ بِالمَعْلُولِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ فِعْلُ ﴿نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ . وإذا قَدْ كانَتْ بَيْنَ الطِّفْلِ وحالِ بُلُوغِ الأشُدِّ أطْوارٌ كَثِيرَةٌ عُلِمَ أنَّ بُلُوغَ الأشُدِّ هو العِلَّةُ الكامِلَةُ لِحِكْمَةِ إخْراجِ الطِّفْلِ. وقَدْ أُشِيرَ إلى ما قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ وما بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ مِن قَبْلُ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ . وحَرْفُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ هَذا ما ظَهَرَ لِي في اتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها ولِلْمُفَسِّرِينَ تَوْجِيهاتٌ غَيْرُ سالِمَةٍ مِنَ التَّعَقُّبِ ذَكَرَها الأُلُوسِيُّ. وإنَّما جُعِلَ بُلُوغُ الأشُدِّ عِلَّةً لِأنَّهُ أقْوى أطْوارِ الإنْسانِ وأجْلى مَظاهِرِ مَواهِبِهِ في الجِسْمِ والعَقْلِ وهو الجانِبُ الأهَمُّ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ فَجَعَلَ (الأشُدَّ) كَأنَّهُ الغايَةُ المَقْصُودَةُ مِن تَطْوِيرِهِ. صفحة ٢٠١ والأشُدُّ: سِنُّ الفُتُوَّةِ واسْتِجْماعِ القُوى. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] . ووَقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] . فَعَطَفَ طَوْرَ الشَّيْخُوخَةِ عَلى طَوْرِ الأشُدِّ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّيْخُوخَةَ مَقْصِدٌ لِلْأحْياءِ لِحُبِّهِمُ التَّعْمِيرَ. وتِلْكَ الآيَةُ ورَدَتْ مَوْرِدَ الِامْتِنانِ فَذُكِرَ فِيها الطَّوْرُ الَّذِي يَتَمَلّى المَرْءُ فِيهِ بِالحَياةِ. ولَمْ يُذْكَرْ في آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ لِأنَّها ورَدَتْ مَوْرِدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ العَدَمِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها مِنَ الِاضْمِحْلالِ، ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِها فَرِيقٌ مُعَيَّنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا في طَوْرِ الأشُدِّ، وقَدْ نُبِّهُوا عَقِبَ ذَلِكَ إلى أنَّ مِنهم نَفَرًا يُرَدُّونَ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو طَوْرُ الشَّيْخُوخَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ . وجِيءَ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ اسْتِقْراءً لِأحْوالِ الأطْوارِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى تَخَلُّلِ الوُجُودِ والعَدَمِ أطْوارَ الإنْسانِ بَدْءًا ونِهايَةً كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ. والمَعْنى: ومِنكم مَن يُتَوَفّى قَبْلَ بُلُوغِ بَعْضِ الأطْوارِ. وأمّا أصْلُ الوَفاةِ فَهي لاحِقَةٌ لِكُلِّ إنْسانٍ لا لِبَعْضِهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ [غافر: ٦٧] . وقَوْلُهُ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ هو عَدِيلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ . وسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ المَوْتِ بَعْدَ أرْذَلِ العُمُرِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ بِطَرِيقَةِ لَحْنِ الخِطابِ. صفحة ٢٠٢ وجَعَلَ انْتِفاءَ عِلْمِ الإنْسانِ عِنْدَ أرْذَلِ العُمُرِ عِلَّةً إلى أرْذَلِ العُمُرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِذَلِكَ لِأنَّهُ مِمّا اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللَّهِ في نِظامِ الخَلْقِ فَكانَ حُصُولُهُ مَقْصُودًا عِنْدَ رَدِّ الإنْسانِ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، فَإنَّ ضَعْفَ القُوى الجِسْمِيَّةِ يَسْتَتْبِعُ ضَعْفَ القُوى العَقْلِيَّةِ؛ قالَ تَعالى ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] فالخَلْقُ يَشْمَلُ كُلَّ ما هو مِنَ الخِلْقَةِ ولا يَخْتَصُّ بِالجِسْمِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾ أيْ بَعْدَ ما كانَ عَلِمَهُ فِيما قَبْلَ أرْذَلِ العُمُرِ. و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (بَعْدَ) هُنا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ وابْنِ مالِكٍ مِن عَدَمِ انْحِصارِ زِيادَةِ (مِن) في خُصُوصِ جَرِّ النَّكِرَةِ بَعْدَ نَفْيٍ وشِبْهِهِ، أوْ هي لِلِابْتِداءِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وهو ابْتِداءٌ صُورِيٌّ يُساوِي مَعْنى التَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ. والآيَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ فَذِكْرُ (مِن) هُنا تَفَنُّنٌ في سِياقِ العِبْرَتَيْنِ. و(شَيْئًا) واقِعٌ في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ كُلَّ مَعْلُومٍ، أيْ لا يَسْتَفِيدُ مَعْلُومًا جَدِيدًا. ولِذَلِكَ مَراتِبُ في ضَعْفِ العَقْلِ بِحَسَبِ تَوَغُّلِهِ في أرْذَلِ العُمُرِ تَبْلُغُ إلى مَرْتَبَةِ انْعِدامِ قَبُولِهِ لِعِلْمٍ جَدِيدٍ، وقَبْلَها مَراتِبُ مِنَ الضَّعْفِ مُتَفاوِتَةٌ كَمَرْتَبَةِ نِسْيانِ الأشْياءِ ومَرْتَبَةِ الِاخْتِلاطِ بَيْنَ المَعْلُوماتِ وغَيْرِ ذَلِكَ. * * * ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾، والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ. صفحة ٢٠٣ وهَذا ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِحالَةٍ مُشاهَدَةٍ فَلِذَلِكَ افْتُتِحَ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. بِخِلافِ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ مَبْدَأهُ غَيْرُ مُشاهَدٍ فَقِيلَ في شَأْنِهِ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ. ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ﴾ . فَهو مُناسِبٌ قَوْلَهُ في الِاسْتِدْلالِ الأوَّلِ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾، فَهُمُودُ الأرْضِ بِمَنزِلَةِ مَوْتِ الإنْسانِ واهْتِزازُها وإنْباتُها بَعْدَ ذَلِكَ يُماثِلُ الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ. والهُمُودُ: قَرِيبٌ مِنَ الخُمُودِ. فَهُمُودُ الأرْضِ جَفافُها وزَوالُ نَبْتِها، وهُمُودُ النّارِ خُمُودُها. والِاهْتِزازُ: التَّحَرُّكُ إلى أعْلى، فاهْتِزازُ الأرْضِ تَمْثِيلٌ لِحالِ ارْتِفاعِ تُرابِها بِالماءِ وحالِ ارْتِفاعِ وجَهِها بِما عَلَيْهِ مِنَ العُشْبِ بِحالِ الَّذِي يَهْتَزُّ ويَتَحَرَّكُ إلى أعْلى. ورَبَتْ: حَصَلَ لَها رُبُوٌّ بِضَمِّ الرّاءِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ وهو ازْدِيادُ الشَّيْءِ؛ يُقالُ: رَبا يَرْبُو رُبُوًّا، وفُسِّرَ هُنا بِانْتِفاخِ الأرْضِ مِن تَفَتُّقِ النَّبْتِ والشَّجَرِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ورَبَأتْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ، أيِ ارْتَفَعَتْ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَأ بِنَفْسِهِ عَنْ كَذا، أيِ ارْتَفَعَ مَجازًا، وهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الرَّبِيئَةِ وهو الَّذِي يَعْلُو رَبْوَةً مِنَ الأرْضِ لِيَنْظُرَ هَلْ مِن عَدُوٍّ يَسِيرُ إلَيْهِمْ. والزَّوْجُ: الصِّنْفُ مِنَ الأشْياءِ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الزَّوْجِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالزَّوْجِ مِنَ الحَيَوانِ وهو صِنْفُ الذَّكَرِ وصِنْفُ الأُنْثى. لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أحَدِ الصِّنْفَيْنِ يَقْتَرِنُ بِالفَرْدِ مِنَ الصِّنْفِ الآخَرِ فَيَصِيرُ زَوْجًا فَيُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجًا بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى أحَدِ الصِّنْفَيْنِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ نَوْعٍ وصِنْفٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا ولا أُنْثى. فَأُطْلِقَ هُنا عَلى أنْواعِ النَّباتِ. صفحة ٢٠٤ والبَهِيجُ: الحَسَنُ المَنظَرِ السّارُّ لِلنّاظِرِ. وقَدْ سِيقَ هَذا الوَصْفُ إدْماجًا لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ امْتِنانًا بِجَمالِ صُورَةِ الأرْضِ المُنْبِتَةِ، لِأنَّ كَوْنَهُ بَهِيجًا لا دَخْلَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ، فَهو امْتِنانٌ مَحْضٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .

الحج 22:6

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَذْلَكَةُ ما تَقَدَّمَ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِن أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ وفَنائِهِ، ومِن إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وانْبِثاقِ النَّبْتِ مِنها. وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ المُقْتَرِنِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإرادَةِ مُخاطَبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥] عَلى أنَّ اتِّصالَ اسْمِ الإشارَةِ بِكافِ خِطابِ الواحِدِ هو الأصْلُ. والمَجْرُورُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ذَلِكَ حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَخْ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فالمَعْنى: تَكَوَّنَ ذَلِكَ الخَلْقُ مِن تُرابٍ وتَطَوَّرَ، وتَكَوَّنَ إنْزالُ الماءِ عَلى الأرْضِ الهامِدَةِ والنَّباتِ البَهِيجِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ كانَ ذَلِكَ الخَلْقُ وذَلِكَ الإنْباتُ البَهِيجُ مُلابِسًا لِحَقِّيَّةِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ وهَذِهِ المُلابَسَةُ مُلابَسَةُ الدَّلِيلِ لِمَدْلُولِهِ. وهَذا أرْشَقُ مِن حَمْلِ الباءِ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ وهو أجْمَعُ؛ لِوُجُودِ الِاسْتِدْلالِ. صفحة ٢٠٥ والحَقُّ: الثّابِتُ الَّذِي لا مِراءَ فِيهِ، أيْ هو المَوُجُودُ. والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ غَيْرِهِ مِن مَعْبُوداتِكم فَإنَّها لا وُجُودَ لَها قالَ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] . وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو أصْلُ بَقِيَّةِ الأدِلَّةِ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِلشِّرْكِ الَّذِي هو الأصْلُ لِجَمِيعِ ضَلالاتِ أهْلِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] . وأمّا بَقِيَّةُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾، فَهي لِبَيانِ إمْكانِ البَعْثِ. ووَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ المَعْدُودَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُلابِسَةً لِأحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ وأحْوالِ إحْياءِ الأرْضِ - أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ دالَّةٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ: إمّا بِدَلالَةِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ إلى وُجُودِ اللَّهِ وإلى ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وإمّا بِدَلالَةِ التَّمْثِيلِ عَلى المُمَثَّلِ والواقِعِ عَلى إمْكانِ نَظِيرِهِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ بِالنِّسْبَةِ إلى إحْياءِ اللَّهِ المَوْتى، ومَجِيءِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، وإذا تَبَيَّنَ إمْكانُ ذَلِكَ حَقَّ التَّصْدِيقُ بِوُقُوعِهِ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّصْدِيقِ بِهِ حائِلٌ إلّا ظَنُّهُمُ اسْتِحالَتَهُ، فالَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَنْ عَدَمٍ سابِقٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِهِ الطّارِئِ عَلى وُجُودِهِ الأحْرى بِطَرِيقَةٍ. والَّذِي خَلَقَ الأحْياءَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فِيها حَياةٌ يُمْكِنُهُ فِعْلُ الحَياةِ فِيها أوْ في بَقِيَّةِ آثارِها أوْ خَلْقُ أجْسامٍ مُماثِلَةٍ لَها وإيداعُ أرْواحِها فِيها بِالأوْلى. وإذا كانَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّ ساعَةَ فَناءِ هَذا العالَمِ واقِعَةٌ قِياسًا عَلى انْعِدامِ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ تَكْوِينِها، وعُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُعِيدُها قِياسًا عَلى إيجادِ النَّسْلِ وانْعِدامِ أصْلِهِ صفحة ٢٠٦ الحاصِلِ لِلْمُشْرِكِينَ في وُقُوعِ السّاعَةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِانْتِفاءِ اسْتِنادِهِ إلى دَلِيلٍ. وصِيغَةُ نَفْيِ الجِنْسِ عَلى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ صِيغَةُ تَأْكِيدٍ. لِأنَّ لا النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ في مَقامِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ (إنَّ) في مَقامِ الإثْباتِ ولِذَلِكَ حُمِلَتْ عَلَيْها في العَمَلِ.

الحج 22:7

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَذْلَكَةُ ما تَقَدَّمَ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِن أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ وفَنائِهِ، ومِن إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وانْبِثاقِ النَّبْتِ مِنها. وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ المُقْتَرِنِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإرادَةِ مُخاطَبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عَلى نَسَقِ قَوْلِهِ ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥] عَلى أنَّ اتِّصالَ اسْمِ الإشارَةِ بِكافِ خِطابِ الواحِدِ هو الأصْلُ. والمَجْرُورُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ذَلِكَ حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَخْ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فالمَعْنى: تَكَوَّنَ ذَلِكَ الخَلْقُ مِن تُرابٍ وتَطَوَّرَ، وتَكَوَّنَ إنْزالُ الماءِ عَلى الأرْضِ الهامِدَةِ والنَّباتِ البَهِيجِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ كانَ ذَلِكَ الخَلْقُ وذَلِكَ الإنْباتُ البَهِيجُ مُلابِسًا لِحَقِّيَّةِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ وهَذِهِ المُلابَسَةُ مُلابَسَةُ الدَّلِيلِ لِمَدْلُولِهِ. وهَذا أرْشَقُ مِن حَمْلِ الباءِ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ وهو أجْمَعُ؛ لِوُجُودِ الِاسْتِدْلالِ. صفحة ٢٠٥ والحَقُّ: الثّابِتُ الَّذِي لا مِراءَ فِيهِ، أيْ هو المَوُجُودُ. والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ غَيْرِهِ مِن مَعْبُوداتِكم فَإنَّها لا وُجُودَ لَها قالَ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] . وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو أصْلُ بَقِيَّةِ الأدِلَّةِ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِلشِّرْكِ الَّذِي هو الأصْلُ لِجَمِيعِ ضَلالاتِ أهْلِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] . وأمّا بَقِيَّةُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾، فَهي لِبَيانِ إمْكانِ البَعْثِ. ووَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ المَعْدُودَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُلابِسَةً لِأحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ وأحْوالِ إحْياءِ الأرْضِ - أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ دالَّةٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ: إمّا بِدَلالَةِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ إلى وُجُودِ اللَّهِ وإلى ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وإمّا بِدَلالَةِ التَّمْثِيلِ عَلى المُمَثَّلِ والواقِعِ عَلى إمْكانِ نَظِيرِهِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ بِالنِّسْبَةِ إلى إحْياءِ اللَّهِ المَوْتى، ومَجِيءِ السّاعَةِ، والبَعْثِ، وإذا تَبَيَّنَ إمْكانُ ذَلِكَ حَقَّ التَّصْدِيقُ بِوُقُوعِهِ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّصْدِيقِ بِهِ حائِلٌ إلّا ظَنُّهُمُ اسْتِحالَتَهُ، فالَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَنْ عَدَمٍ سابِقٍ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِهِ الطّارِئِ عَلى وُجُودِهِ الأحْرى بِطَرِيقَةٍ. والَّذِي خَلَقَ الأحْياءَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ فِيها حَياةٌ يُمْكِنُهُ فِعْلُ الحَياةِ فِيها أوْ في بَقِيَّةِ آثارِها أوْ خَلْقُ أجْسامٍ مُماثِلَةٍ لَها وإيداعُ أرْواحِها فِيها بِالأوْلى. وإذا كانَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّ ساعَةَ فَناءِ هَذا العالَمِ واقِعَةٌ قِياسًا عَلى انْعِدامِ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ تَكْوِينِها، وعُلِمَ أنَّ اللَّهَ يُعِيدُها قِياسًا عَلى إيجادِ النَّسْلِ وانْعِدامِ أصْلِهِ صفحة ٢٠٦ الحاصِلِ لِلْمُشْرِكِينَ في وُقُوعِ السّاعَةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِانْتِفاءِ اسْتِنادِهِ إلى دَلِيلٍ. وصِيغَةُ نَفْيِ الجِنْسِ عَلى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ صِيغَةُ تَأْكِيدٍ. لِأنَّ لا النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ في مَقامِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ (إنَّ) في مَقامِ الإثْباتِ ولِذَلِكَ حُمِلَتْ عَلَيْها في العَمَلِ.

الحج 22:8

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥] كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن وُقُوعِ البَعْثِ فَإنّا نُزِيلُ رَيْبَكم بِهَذِهِ الأدِلَّةِ السّاطِعَةِ، فالنّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يُوقِنُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ فَلا يَبْقى في رَيْبٍ، وفَرِيقٌ مِنَ النّاسِ يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهَؤُلاءِ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الباطِلِ. وجُمْلَةُ (لا رَيْبَ فِيها) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ لَيْسَ الشَّأْنُ أنْ يَرْتابَ فِيها، فَلِذَلِكَ نَفى جِنْسَ الرَّيْبِ فِيها، أيْ فالرَّيْبُ صفحة ٢٠٧ والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فَيَكُونُ المُرادُ فَرِيقَ المُعانِدِينَ المُكابِرِينَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُمُ الإنْذارُ مِن زَلْزَلَةِ السّاعَةِ. فَهم كَذَلِكَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ وُضِّحَتْ لَهُمُ الأدِلَّةُ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ بِالسّاعَةِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ واتِّباعُهم وسْواسَ الشَّياطِينِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ. وانْتِفاءُ الهُدى. وانْتِفاءُ تَلَقِّي شَرِيعَتِهِ مِن قَبْلُ. والتَّكَبُّرُ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحُجَّةِ. ومَحَبَّةُ إضْلالِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةٌ وأصْحابَها فَرِيقٌ واحِدٌ هو فَرِيقُ أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ. ومِن أساطِينِ هَذا الفَرِيقِ مَن عُدُّوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِثْلُ: النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأبِي جَهْلٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ. وقِيلَ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ تَبْيِينًا لِحالَتَيْ جِدالِهِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن يُجادِلُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، كَما قِيلَ: إنَّ المُرادَ في الآيَةِ الماضِيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَجُعِلَتِ الآيَةُ خاصَّةً بِسَبَبِ نُزُولِها في نَظَرِ هَذا القائِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] المُقَلِّدُونَ - بِكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ سادَةُ الكُفْرِ. والمُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى﴾ المُقَلَّدُونَ - بِفَتْحِ اللّامِ - أئِمَّةُ الكُفْرِ. صفحة ٢٠٨ والهُدى مَصْدَرٌ في مَعْنى المُضافِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ ولا هُدًى هو مَهْدِيٌّ بِهِ، وتِلْكَ مُجادَلَةُ المُقَلِّدِ إذا كانَ مُقَلِّدًا هادِيًا لِلْحَقِّ مِثْلَ أتْباعِ الرُّسُلِ، فَهَذا دُونَ مَرْتَبَةِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِعِلْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يُسْتَغْنَ بِذِكْرِ السّابِقِ عَنْ ذِكْرِ هَذا. والكِتابُ المُنِيرُ: كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا كَما يُجادِلُ أهْلُ الكِتابِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ فَهو جِدالٌ بِكِتابٍ مُنِيرٍ. والمُنِيرُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ، شُبِّهَ بِالمِصْباحِ المُضِيءِ في اللَّيْلِ. ويَجِيءُ في وصْفِ (كِتابٍ) بِصِفَةِ (مُنِيرٍ) تَعْرِيضٌ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إذْ كانَ يُجادِلُ في شَأْنِ الإسْلامِ بِالمُوازَنَةِ بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ المُنِيرِ وكِتابِ أخْبارِ رُسْتَمَ، وكِتابِ أخْبارِ أسْفِنْدِيارَ المُظْلِمَةِ الباطِلَةِ. والثَّنْيُ: لَيُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: ثَنى عِنانَ فَرَسِهِ، إذا لَواهُ لِيُدِيرَ رَأْسَ فَرَسِهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يُوَجِّهَهُ إلَيْها. ويُطْلَقُ أيْضًا الثَّنْيُ عَلى الإمالَةِ. والعِطْفُ: المَنكِبُ والجانِبُ و﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ. ويُقالُ: لَوى جِيدَهُ، إذا أعْرَضَ تَكَبُّرًا. وهَذِهِ الصِّفَةُ تَنْطَبِقُ عَلى حالِ أبِي جَهْلٍ فَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ المُرادُ هُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِيُضِلَّ) لِتَعْلِيلِ المُجادَلَةِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُجادِلُ) أيْ غَرَضُهُ مِنَ المُجادَلَةِ الإضْلالُ. وسَبِيلُ اللَّهِ: الدِّينُ الحَقُّ. صفحة ٢٠٩ وقَوْلُهُ (لِيُضِلَّ) بِضَمِّ الياءِ أيْ لِيُضَلِّلَ النّاسَ بِجِدالِهِ. فَهَذا المُجادِلُ يُرِيدُ بِجَدَلِهِ أنْ يُوهِمَ العامَّةَ بُطْلانَ الإسْلامِ كَيْلا يَتَّبِعُوهُ. وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (عِطْفِهِ) وما ذُكِرَ بَعْدَهُ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) وإنْ كانَ مَعْنى تِلْكَ الضَّمائِرِ الجَمْعَ. وخِزْيُ الدُّنْيا: الإهانَةُ، وهو ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ ومِنَ القَتْلِ والأسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ عَلى ما حَصَلَ لِأبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِهِ بِيَدِ غُلامَيْنِ مِن شَبابِ الأنْصارِ وهُما أبْناءُ عَفْراءَ. وبِاعْتِلاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى صَدْرِهِ وذَبْحِهِ وكانَ في عَظَمَتِهِ لا يَخْطُرُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِخاطِرِهِ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ أيْضًا عَلى ما حَلَّ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقَتْلِهِ صَبْرًا في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ قُرْبَ المَدِينَةِ عَقِبَ واقِعَةِ بَدْرٍ كَما وصَفَتْهُ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ في رِثائِهِ مِن قَصِيدَةِ: صَبْرًا يُقادُ إلى المَنِيَّةِ مُتْعَبَـا صَبْرَ المُقَيَّدِ وهو عانٍ مُوثَقُ وإذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ ونَظِيرَتُها الَّتِي سَبَقَتْ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. وإذاقَةُ العَذابِ تَخَيُّلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى (ونُذِيقُهُ) . صفحة ٢١٠ و(قَدَّمَتْ) بِمَعْنى: أسْلَفَتْ. جَعَلَ كُفْرَهُ كالشَّيْءِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إلى دارِ الجَزاءِ بَلْ أنْ يَصِلَ هو إلَيْها فَوَجَدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حاضِرًا يَنْتَظِرُهُ قالَ تَعالى ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] والإشارَةُ إلى العَذابِ. والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ. وعُطِفَ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِهِ، أيْ وبِانْتِفاءِ ظُلْمِ اللَّهِ العَبِيدَ، أيْ ذَلِكَ العَذابُ مُسَبَّبٌ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَصاحِبُهُ حَقِيقٌ بِهِ لِأنَّهُ أثَرُ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ فِيما أذاقَهُ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ تَقْتَضِي بِظاهِرِها نَفْيَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ. والمَقْصُودُ أنَّ الظُّلْمَ مِن حَيْثُ هو ظُلْمٌ أمْرٌ شَدِيدٌ فَصِيغَتْ لَهُ زِنَةُ المُبالَغَةِ، وكَذَلِكَ التُزِمَتْ في ذِكْرِهِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. وقَدِ اعْتادَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَجْعَلُوا المُبالَغَةَ راجِعَةً لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ؛ وهو بَعِيدٌ.

الحج 22:9

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥] كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن وُقُوعِ البَعْثِ فَإنّا نُزِيلُ رَيْبَكم بِهَذِهِ الأدِلَّةِ السّاطِعَةِ، فالنّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يُوقِنُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ فَلا يَبْقى في رَيْبٍ، وفَرِيقٌ مِنَ النّاسِ يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهَؤُلاءِ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الباطِلِ. وجُمْلَةُ (لا رَيْبَ فِيها) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ لَيْسَ الشَّأْنُ أنْ يَرْتابَ فِيها، فَلِذَلِكَ نَفى جِنْسَ الرَّيْبِ فِيها، أيْ فالرَّيْبُ صفحة ٢٠٧ والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فَيَكُونُ المُرادُ فَرِيقَ المُعانِدِينَ المُكابِرِينَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُمُ الإنْذارُ مِن زَلْزَلَةِ السّاعَةِ. فَهم كَذَلِكَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ وُضِّحَتْ لَهُمُ الأدِلَّةُ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ بِالسّاعَةِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ واتِّباعُهم وسْواسَ الشَّياطِينِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ. وانْتِفاءُ الهُدى. وانْتِفاءُ تَلَقِّي شَرِيعَتِهِ مِن قَبْلُ. والتَّكَبُّرُ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحُجَّةِ. ومَحَبَّةُ إضْلالِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةٌ وأصْحابَها فَرِيقٌ واحِدٌ هو فَرِيقُ أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ. ومِن أساطِينِ هَذا الفَرِيقِ مَن عُدُّوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِثْلُ: النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأبِي جَهْلٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ. وقِيلَ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ تَبْيِينًا لِحالَتَيْ جِدالِهِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن يُجادِلُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، كَما قِيلَ: إنَّ المُرادَ في الآيَةِ الماضِيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَجُعِلَتِ الآيَةُ خاصَّةً بِسَبَبِ نُزُولِها في نَظَرِ هَذا القائِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] المُقَلِّدُونَ - بِكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ سادَةُ الكُفْرِ. والمُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى﴾ المُقَلَّدُونَ - بِفَتْحِ اللّامِ - أئِمَّةُ الكُفْرِ. صفحة ٢٠٨ والهُدى مَصْدَرٌ في مَعْنى المُضافِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ ولا هُدًى هو مَهْدِيٌّ بِهِ، وتِلْكَ مُجادَلَةُ المُقَلِّدِ إذا كانَ مُقَلِّدًا هادِيًا لِلْحَقِّ مِثْلَ أتْباعِ الرُّسُلِ، فَهَذا دُونَ مَرْتَبَةِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِعِلْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يُسْتَغْنَ بِذِكْرِ السّابِقِ عَنْ ذِكْرِ هَذا. والكِتابُ المُنِيرُ: كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا كَما يُجادِلُ أهْلُ الكِتابِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ فَهو جِدالٌ بِكِتابٍ مُنِيرٍ. والمُنِيرُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ، شُبِّهَ بِالمِصْباحِ المُضِيءِ في اللَّيْلِ. ويَجِيءُ في وصْفِ (كِتابٍ) بِصِفَةِ (مُنِيرٍ) تَعْرِيضٌ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إذْ كانَ يُجادِلُ في شَأْنِ الإسْلامِ بِالمُوازَنَةِ بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ المُنِيرِ وكِتابِ أخْبارِ رُسْتَمَ، وكِتابِ أخْبارِ أسْفِنْدِيارَ المُظْلِمَةِ الباطِلَةِ. والثَّنْيُ: لَيُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: ثَنى عِنانَ فَرَسِهِ، إذا لَواهُ لِيُدِيرَ رَأْسَ فَرَسِهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يُوَجِّهَهُ إلَيْها. ويُطْلَقُ أيْضًا الثَّنْيُ عَلى الإمالَةِ. والعِطْفُ: المَنكِبُ والجانِبُ و﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ. ويُقالُ: لَوى جِيدَهُ، إذا أعْرَضَ تَكَبُّرًا. وهَذِهِ الصِّفَةُ تَنْطَبِقُ عَلى حالِ أبِي جَهْلٍ فَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ المُرادُ هُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِيُضِلَّ) لِتَعْلِيلِ المُجادَلَةِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُجادِلُ) أيْ غَرَضُهُ مِنَ المُجادَلَةِ الإضْلالُ. وسَبِيلُ اللَّهِ: الدِّينُ الحَقُّ. صفحة ٢٠٩ وقَوْلُهُ (لِيُضِلَّ) بِضَمِّ الياءِ أيْ لِيُضَلِّلَ النّاسَ بِجِدالِهِ. فَهَذا المُجادِلُ يُرِيدُ بِجَدَلِهِ أنْ يُوهِمَ العامَّةَ بُطْلانَ الإسْلامِ كَيْلا يَتَّبِعُوهُ. وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (عِطْفِهِ) وما ذُكِرَ بَعْدَهُ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) وإنْ كانَ مَعْنى تِلْكَ الضَّمائِرِ الجَمْعَ. وخِزْيُ الدُّنْيا: الإهانَةُ، وهو ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ ومِنَ القَتْلِ والأسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ عَلى ما حَصَلَ لِأبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِهِ بِيَدِ غُلامَيْنِ مِن شَبابِ الأنْصارِ وهُما أبْناءُ عَفْراءَ. وبِاعْتِلاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى صَدْرِهِ وذَبْحِهِ وكانَ في عَظَمَتِهِ لا يَخْطُرُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِخاطِرِهِ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ أيْضًا عَلى ما حَلَّ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقَتْلِهِ صَبْرًا في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ قُرْبَ المَدِينَةِ عَقِبَ واقِعَةِ بَدْرٍ كَما وصَفَتْهُ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ في رِثائِهِ مِن قَصِيدَةِ: صَبْرًا يُقادُ إلى المَنِيَّةِ مُتْعَبَـا صَبْرَ المُقَيَّدِ وهو عانٍ مُوثَقُ وإذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ ونَظِيرَتُها الَّتِي سَبَقَتْ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. وإذاقَةُ العَذابِ تَخَيُّلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى (ونُذِيقُهُ) . صفحة ٢١٠ و(قَدَّمَتْ) بِمَعْنى: أسْلَفَتْ. جَعَلَ كُفْرَهُ كالشَّيْءِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إلى دارِ الجَزاءِ بَلْ أنْ يَصِلَ هو إلَيْها فَوَجَدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حاضِرًا يَنْتَظِرُهُ قالَ تَعالى ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] والإشارَةُ إلى العَذابِ. والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ. وعُطِفَ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِهِ، أيْ وبِانْتِفاءِ ظُلْمِ اللَّهِ العَبِيدَ، أيْ ذَلِكَ العَذابُ مُسَبَّبٌ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَصاحِبُهُ حَقِيقٌ بِهِ لِأنَّهُ أثَرُ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ فِيما أذاقَهُ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ تَقْتَضِي بِظاهِرِها نَفْيَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ. والمَقْصُودُ أنَّ الظُّلْمَ مِن حَيْثُ هو ظُلْمٌ أمْرٌ شَدِيدٌ فَصِيغَتْ لَهُ زِنَةُ المُبالَغَةِ، وكَذَلِكَ التُزِمَتْ في ذِكْرِهِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. وقَدِ اعْتادَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَجْعَلُوا المُبالَغَةَ راجِعَةً لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ؛ وهو بَعِيدٌ.

الحج 22:10

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥] كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن وُقُوعِ البَعْثِ فَإنّا نُزِيلُ رَيْبَكم بِهَذِهِ الأدِلَّةِ السّاطِعَةِ، فالنّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يُوقِنُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ فَلا يَبْقى في رَيْبٍ، وفَرِيقٌ مِنَ النّاسِ يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهَؤُلاءِ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الباطِلِ. وجُمْلَةُ (لا رَيْبَ فِيها) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ لَيْسَ الشَّأْنُ أنْ يَرْتابَ فِيها، فَلِذَلِكَ نَفى جِنْسَ الرَّيْبِ فِيها، أيْ فالرَّيْبُ صفحة ٢٠٧ والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فَيَكُونُ المُرادُ فَرِيقَ المُعانِدِينَ المُكابِرِينَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُمُ الإنْذارُ مِن زَلْزَلَةِ السّاعَةِ. فَهم كَذَلِكَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ وُضِّحَتْ لَهُمُ الأدِلَّةُ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ بِالسّاعَةِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ واتِّباعُهم وسْواسَ الشَّياطِينِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ. وانْتِفاءُ الهُدى. وانْتِفاءُ تَلَقِّي شَرِيعَتِهِ مِن قَبْلُ. والتَّكَبُّرُ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحُجَّةِ. ومَحَبَّةُ إضْلالِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةٌ وأصْحابَها فَرِيقٌ واحِدٌ هو فَرِيقُ أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ. ومِن أساطِينِ هَذا الفَرِيقِ مَن عُدُّوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِثْلُ: النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأبِي جَهْلٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ. وقِيلَ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ تَبْيِينًا لِحالَتَيْ جِدالِهِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن يُجادِلُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، كَما قِيلَ: إنَّ المُرادَ في الآيَةِ الماضِيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَجُعِلَتِ الآيَةُ خاصَّةً بِسَبَبِ نُزُولِها في نَظَرِ هَذا القائِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] المُقَلِّدُونَ - بِكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ سادَةُ الكُفْرِ. والمُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى﴾ المُقَلَّدُونَ - بِفَتْحِ اللّامِ - أئِمَّةُ الكُفْرِ. صفحة ٢٠٨ والهُدى مَصْدَرٌ في مَعْنى المُضافِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ ولا هُدًى هو مَهْدِيٌّ بِهِ، وتِلْكَ مُجادَلَةُ المُقَلِّدِ إذا كانَ مُقَلِّدًا هادِيًا لِلْحَقِّ مِثْلَ أتْباعِ الرُّسُلِ، فَهَذا دُونَ مَرْتَبَةِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِعِلْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يُسْتَغْنَ بِذِكْرِ السّابِقِ عَنْ ذِكْرِ هَذا. والكِتابُ المُنِيرُ: كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا كَما يُجادِلُ أهْلُ الكِتابِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ فَهو جِدالٌ بِكِتابٍ مُنِيرٍ. والمُنِيرُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ، شُبِّهَ بِالمِصْباحِ المُضِيءِ في اللَّيْلِ. ويَجِيءُ في وصْفِ (كِتابٍ) بِصِفَةِ (مُنِيرٍ) تَعْرِيضٌ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إذْ كانَ يُجادِلُ في شَأْنِ الإسْلامِ بِالمُوازَنَةِ بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ المُنِيرِ وكِتابِ أخْبارِ رُسْتَمَ، وكِتابِ أخْبارِ أسْفِنْدِيارَ المُظْلِمَةِ الباطِلَةِ. والثَّنْيُ: لَيُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: ثَنى عِنانَ فَرَسِهِ، إذا لَواهُ لِيُدِيرَ رَأْسَ فَرَسِهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يُوَجِّهَهُ إلَيْها. ويُطْلَقُ أيْضًا الثَّنْيُ عَلى الإمالَةِ. والعِطْفُ: المَنكِبُ والجانِبُ و﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ. ويُقالُ: لَوى جِيدَهُ، إذا أعْرَضَ تَكَبُّرًا. وهَذِهِ الصِّفَةُ تَنْطَبِقُ عَلى حالِ أبِي جَهْلٍ فَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ المُرادُ هُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِيُضِلَّ) لِتَعْلِيلِ المُجادَلَةِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُجادِلُ) أيْ غَرَضُهُ مِنَ المُجادَلَةِ الإضْلالُ. وسَبِيلُ اللَّهِ: الدِّينُ الحَقُّ. صفحة ٢٠٩ وقَوْلُهُ (لِيُضِلَّ) بِضَمِّ الياءِ أيْ لِيُضَلِّلَ النّاسَ بِجِدالِهِ. فَهَذا المُجادِلُ يُرِيدُ بِجَدَلِهِ أنْ يُوهِمَ العامَّةَ بُطْلانَ الإسْلامِ كَيْلا يَتَّبِعُوهُ. وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (عِطْفِهِ) وما ذُكِرَ بَعْدَهُ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) وإنْ كانَ مَعْنى تِلْكَ الضَّمائِرِ الجَمْعَ. وخِزْيُ الدُّنْيا: الإهانَةُ، وهو ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ ومِنَ القَتْلِ والأسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ عَلى ما حَصَلَ لِأبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِهِ بِيَدِ غُلامَيْنِ مِن شَبابِ الأنْصارِ وهُما أبْناءُ عَفْراءَ. وبِاعْتِلاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى صَدْرِهِ وذَبْحِهِ وكانَ في عَظَمَتِهِ لا يَخْطُرُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِخاطِرِهِ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ أيْضًا عَلى ما حَلَّ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقَتْلِهِ صَبْرًا في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ قُرْبَ المَدِينَةِ عَقِبَ واقِعَةِ بَدْرٍ كَما وصَفَتْهُ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ في رِثائِهِ مِن قَصِيدَةِ: صَبْرًا يُقادُ إلى المَنِيَّةِ مُتْعَبَـا صَبْرَ المُقَيَّدِ وهو عانٍ مُوثَقُ وإذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ ونَظِيرَتُها الَّتِي سَبَقَتْ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. وإذاقَةُ العَذابِ تَخَيُّلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى (ونُذِيقُهُ) . صفحة ٢١٠ و(قَدَّمَتْ) بِمَعْنى: أسْلَفَتْ. جَعَلَ كُفْرَهُ كالشَّيْءِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إلى دارِ الجَزاءِ بَلْ أنْ يَصِلَ هو إلَيْها فَوَجَدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حاضِرًا يَنْتَظِرُهُ قالَ تَعالى ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] والإشارَةُ إلى العَذابِ. والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ. وعُطِفَ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِهِ، أيْ وبِانْتِفاءِ ظُلْمِ اللَّهِ العَبِيدَ، أيْ ذَلِكَ العَذابُ مُسَبَّبٌ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَصاحِبُهُ حَقِيقٌ بِهِ لِأنَّهُ أثَرُ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ فِيما أذاقَهُ. وصِيغَةُ المُبالَغَةِ تَقْتَضِي بِظاهِرِها نَفْيَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ. والمَقْصُودُ أنَّ الظُّلْمَ مِن حَيْثُ هو ظُلْمٌ أمْرٌ شَدِيدٌ فَصِيغَتْ لَهُ زِنَةُ المُبالَغَةِ، وكَذَلِكَ التُزِمَتْ في ذِكْرِهِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. وقَدِ اعْتادَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَجْعَلُوا المُبالَغَةَ راجِعَةً لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ؛ وهو بَعِيدٌ.

الحج 22:11

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ هَذا وصْفُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الَّذِينَ يُقابِلُونَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والإنْذارَ بِالسّاعَةِ مُقابَلَةَ غَيْرِ المُطْمَئِنِّ بِصِدْقِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ولا المُعْرِضِ عَنْها إعْراضًا تامًّا ولَكِنَّهم يَضَعُونَ أنْفُسَهم في مَعْرِضِ المُوازَنَةِ بَيْنَ دِينِهِمُ القَدِيمِ ودِينِ الإسْلامِ. فَهم يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ الإسْلامِ ويَدْخُلُونَ في عِدادِ صفحة ٢١١ مُتَّبِعِيهِ ويَرْقُبُونَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَإنْ أصابَهُمُ الخَيْرُ عَقِبَ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ دِينَهُمُ القَدِيمَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ آلِهَتَهم لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّها لَوْ قَدَرَتْ لانْتَقَمَتْ مِنهم عَلى نَبْذِ عِبادَتِها وظَنُّوا أنَّ الإسْلامَ حَقٌّ، وإنْ أصابَهم شَرٌّ مِن شُرُورِ الدُّنْيا العارِضَةِ في الحَياةِ المُسَبَّبَةِ عَنْ أسْبابٍ عادِيَّةٍ سَخِطُوا عَلى الإسْلامِ وانْخَلَعُوا عَنْهُ. وتَوَهَّمُوا أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهم بِسُوءٍ غَضَبًا مِن مُفارَقَتِهِمْ عِبادَتَها كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عادٍ إذْ قالُوا لِرَسُولِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . فالعِبادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ مُرادٌ بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ يَعْنِي المُنافِقِينَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُبْطِنِينَ الكُفْرَ فَلا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ . ومِمَّنْ يَصْلُحُ مِثالًا لِهَذا الفَرِيقِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ. فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَلْحَقُوا بِراعِي إبِلِ الصَّدَقَةِ خارِجَ المَدِينَةِ فَيَشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها حَتّى يَصِحُّوا فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا الذَّوْدَ وفَرُّوا. فَألْحَقَ بِهِمُ النَّبِيءُ ﷺ الطَّلَبَ في أثَرِهِمْ حَتّى لَحِقُوا بِهِمْ فَأمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا. صفحة ٢١٢ وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «أنَّ أعْرابِيًّا أسْلَمَ وبايَعَ النَّبِيءَ ﷺ فَأصابَهُ وعْكٌ بِالمَدِينَةِ، فَجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتِقِيلُهُ بَيْعَتَهُ فَأبى أنْ يُقِيلَهُ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» فَجَعَلَهُ خَبَثًا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ثابِتًا. وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ نَفَرًا مِن أسَدٍ وغَطَفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ لا يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَيَنْقَطِعَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ فَلا يُمِيرُونَنا فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ١٥] الآياتِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، مِنهم: عُيَيْنَةُ ابْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ قالُوا: نَدْخُلُ في دِينِ مُحَمَّدٍ فَإنْ أصَبْنا خَيْرًا عَرَفْنا أنَّهُ حَقٌّ. وإنْ أصَبْنا غَيْرَ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّهُ باطِلٌ. وهَذا كُلُّهُ ناشِئٌ عَنِ الجَهْلِ وتَخْلِيطِ الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالأسْبابِ الأُخْرَوِيَّةِ، وجَعْلِ المُقارَناتِ الِاتِّفاقِيَّةِ كالمَعْلُوماتِ اللُّزُومِيَّةِ. وهَذا أصْلٌ كَبِيرٌ مِن أُصُولِ الضَّلالَةِ في أُمُورِ الدِّينِ وأُمُورِ الدُّنْيا. ولَنِعْمَ المُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ إذْ لا يَهْتَدِي إلى تَطَلُّبِ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها. وحَرْفُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وجانِبُهُ سَواءٌ كانَ مُرْتَفِعًا كَحَرْفِ الجَبَلِ والوادِي أمْ كانَ مُسْتَوِيًا كَحَرْفِ الطَّرِيقِ. ويُطْلَقُ الحَرْفُ عَلى طَرَفِ الجَيْشِ. ويُجْمَعُ عَلى طِرَفٍ بِوَزْنِ عِنَبٍ، قالَ في القامُوسِ: ولا نَظِيرَ لَهُ سِوى طَلٍّ وطِلَلٍ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَرَدِّدِ في عَمَلِهِ، يُرِيدُ تَجْرِبَةَ عاقِبَتِهِ بِحالِ مَن يَمْشِي عَلى حَرْفِ جَبَلٍ أوْ حَرْفِ وادٍ فَهو مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَزِلَّ عَنْهُ إلى أسْفَلِهِ فَيَنْقَلِبَ، أيْ يَنْكَبَّ. صفحة ٢١٣ ومَعْنى اطْمَأنَّ: اسْتَقَرَّ وسَكَنَ في مَكانِهِ. ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: اسْتَمَرَّ عَلى التَّوْحِيدِ فَرِحًا بِالخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ. واسْتِقْرارُ مِثْلِ هَذا عَلى الإيمانِ يُصَيِّرُهُ مُؤْمِنًا إذا زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ، وحالُ هَؤُلاءِ قَرِيبٌ مِن حالِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم. والِانْقِلابُ: مُطاوِعٌ قَلَبَهُ إذا كَبَّهُ، أيْ ألْقاهُ عَلى عَكْسِ ما كانَ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلَ ما كانَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ كَما يُقْلَبُ القالَبُ بِفَتْحِ اللّامِ. فالِانْقِلابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ. وتَفْسِيرُنا الِانْقِلابَ هُنا بِهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ سَقَطَ وانْكَبَّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ إلّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ» . وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ ظاهِرٌ وهو أيْضًا المُلائِمُ لِتَمْثِيلِ أوَّلِ حالِهِ بِحالِ مَن هو عَلى حَرْفٍ. ويُطْلَقُ الِانْقِلابُ كَثِيرًا عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أتاها إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وهو مَجازٌ شائِعٌ وبِهِ فَسَّرَ المُفَسِّرُونَ. ولا يُناسِبُ اعْتِبارُهُ هُنا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يُقالُ فِيهِ: انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ لا عَلى وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] إذِ الرُّجُوعُ إنَّما يَكُونُ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الوَجْهِ. والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الحالِ وقَلَقُ البالِ مِن حُدُوثِ شَرٍّ لا مَدْفَعَ لَهُ. وهي مُقابِلُ الخَيْرِ. صفحة ٢١٤ وجُمْلَةُ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ١٢] الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (انْقَلَبَ) أيْ أُسْقِطَ في الشِّرْكِ. والخُسْرانُ: تَلَفُ جُزْءٍ مِن أصْلِ مالِ التِّجارَةِ، فَشَبَّهَ نَفْعَ الدُّنْيا ونَفْعَ الآخِرَةِ بِمالِ التّاجِرِ السّاعِي في تَوْفِيرِهِ لِأنَّ النّاسَ يَرْغَبُونَ تَحْصِيلَهُ. وثَنّى عَلى ذَلِكَ إثْباتَ الخُسْرانِ لِصاحِبِهِ الَّذِي هو مِن مُرادِفاتِ مالِ التِّجارَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، فَشَبَّهَ فَواتَ النَّفْعِ المَطْلُوبِ بِخَسارَةِ المالِ. وتَعَلُّقَ الخُسْرانِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَّقْدِيرُ خَسِرَ خَيْرَ الدُّنْيا وخَيْرَ الآخِرَةِ. فَخَسارَةُ الدُّنْيا بِسَبَبِ ما أصابَهُ فِيها مِنَ الفِتْنَةِ، وخَسارَةُ الآخِرَةِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِثَوابِها المَرْجُوِّ لَهُ. والمُبِينُ: الَّذِي فِيهِ ما يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّهُ خُسْرانٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ. والمُرادُ أنَّهُ خُسْرانٌ شَدِيدٌ لا يَخْفى. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ المُسْنَدِ إلَيْهِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ لِتَقْرِيرِ مَدْلُولِهِ في الأذْهانِ. وضَمِيرُ (هو) ضَمِيرُ فَصْلٍ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ. ادُّعِيَ أنَّ ماهِيَّةَ الخُسْرانِ المُبِينِ انْحَصَرَتْ في خُسْرانِهِمْ. والمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ الِادِّعائِيِّ تَحْقِيقُ الخَبَرِ ونَفْيُ الشَّكِّ في وُقُوعِهِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ أكَّدَ مَعْنى القَصْرِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ المَقْصُورِ.

الحج 22:12

صفحة ٢١٥ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ جُمْلَةُ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (انْقَلَبَ) . وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ في قَوْلِهِ (﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾) إيماءً إلى أنَّهُ تَمَلَّصَ مِنَ الإسْلامِ تَجَنُّبًا لِلضُّرِّ لِتَوَهُّمِهِ أنَّ ما لَحِقَهُ مِنَ الضُّرِّ بِسَبَبِ الإسْلامِ وبِسَبَبِ غَضَبِ الأصْنامِ عَلَيْهِ، فَعادَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ حاسِبًا أنَّها لا تَضُرُّهُ. وفي هَذا الإيماءِ تَهَكُّمٌ بِهِ يَظْهَرُ بِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما لا يَنْفَعُهُ﴾) أيْ فَهو مُخْطِئٌ في دُعائِهِ الأصْنامَ لِتُزِيلَ عَنْهُ الضُّرَّ فَيَنْتَفِعَ بِفِعْلِها. والمَعْنى: أنَّها لا تَفْعَلُ ما يَدْفَعُ ضُرًّا ولا ما يَجْلِبُ نَفْعًا. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ﴾ إلى الدُّعاءِ المُسْتَفادِ مِن (يَدْعُو) . والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ وضَمِيرِ الفَصْلِ والقَصْرِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] . والبَعِيدُ: المُتَجاوِزُ الحَدَّ المَعْرُوفَ في مَدى الضَّلالِ، أيْ هو الضَّلالُ الَّذِي لا يُماثِلُهُ ضَلالٌ لِأنَّهُ يَعْبُدُ ما لا غَناءَ لَهُ.

الحج 22:13

﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ حالٍ ثانِيَةٍ. ومَضْمُونُها ارْتِقاءٌ في تَضْلِيلِ عابِدِي الأصْنامِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهم يَعْبُدُونَ ما لا غَناءَ لَهم فِيهِ زادَ صفحة ٢١٦ فَبَيَّنَ أنَّهم يَعْبُدُونَ ما فِيهِ ضَرٌّ. فَمَوْضِعُ الِارْتِقاءِ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] كَأنَّهُ قِيلَ: ما لا يَضُرُّهُ بَلْ ما يَنْجَرُّ لَهُ مِنهُ ضَرٌّ. وذَلِكَ أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تَضُرُّهُ في الدُّنْيا بِالتَّوَجُّهِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ إلَيْها فَيَضِيعُ زَمَنُهُ في تَطَلُّبِ ما لا يَحْصُلُ وتَضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِالإلْقاءِ في النّارِ. ولَمّا كانَ الضُّرُّ الحاصِلُ مِنَ الأصْنامِ لَيْسَ ضُرًّا ناشِئًا عَنْ فِعْلِها بَلْ هو ضُرٌّ مَلابِسٌ لَها أثْبَتَ الضَّرَّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ لِلضَّمِيرِ دُونَ طَرِيقِ الإسْنادِ إذْ قالَ تَعالى ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمَن يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، لِأنَّ الإضافَةَ أوْسَعُ مِنَ الإسْنادِ فَلَمْ يَحْصُلْ تَنافٍ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] وقَوْلِهِ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ . وكَوْنُهُ أقْرَبَ مِنَ النَّفْعِ كِنايَةٌ عَنْ تَمَحُّضِهِ لِلضَّرِّ وانْتِفاءِ النَّفْعِ مِنهُ لِأنَّ الشَّيْءَ الأقْرَبَ حاصِلٌ قَبْلَ البَعِيدِ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلَ مَعَهُ إلّا الضُّرُّ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَمَن) لامُ الِابْتِداءِ، وهي تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها، فَلامُ الِابْتِداءِ تُفِيدُ مُفادَ (إنَّ) مِنَ التَّأْكِيدِ. وقُدِّمَتْ مِن تَأْخِيرٍ؛ إذْ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى صِلَةٍ مِنَ المَوْصُولَةِ. والأصْلُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ. ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ اللّامُ داخِلَةً عَلى مَنِ المَوْصُولَةِ ويَكُونَ فِعْلُ (يَدْعُو) مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ لِدُخُولِ لامِ الِابْتِداءِ بِناءً عَلى الحَقِّ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِ التَّعْلِيقِ بِأفْعالِ القُلُوبِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ إنْشاءُ ذَمٍّ لِلْأصْنامِ الَّتِي يَدْعُونَها بِأنَّها شَرُّ المَوالِي وشَرُّ العُشَراءِ لِأنَّ شَأْنَ المَوْلى جَلْبُ النَّفْعِ لِمَوْلاهُ، وشَأْنَ العَشِيرِ جَلْبُ الخَيْرِ لِعَشِيرِهِ، فَإذا تَخَلَّفَ ذَلِكَ مِنهُما نادِرًا كانَ مَذَمَّةً وغَضاضَةً، فَأمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ مُطَّرِدًا فَذَلِكَ شَرُّ المَوالِي.

الحج 22:14

صفحة ٢١٧ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] وقَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] . فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ. وقَدِ اقْتُصَرَ عَلى ذِكْرِ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ دُونَ ذِكْرِ حالِهِمْ في الدُّنْيا لِعَدَمِ أهَمِّيَّةِ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ ولا في نَظَرِ الدِّينِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] إلى هُنا، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُلْتَئِمِ مِنها الغَرَضُ. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ الإجْمالِيِّ لِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وفِعْلُ اللَّهِ ما يُرِيدُ هو إيجادُ أسْبابِ أفْعالِ العِبادِ في سُنَّةِ نِظامِ هَذا العالَمِ. وتَبْيِينِهِ الخَيْرَ والشَّرَّ. وتَرْتِيبِهِ الثَّوابَ والعِقابَ. وذَلِكَ لا يُحِيطُ بِتَفاصِيلِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

الحج 22:15

﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ غامِضٌ، ومُفادُها كَذَلِكَ. ولْنَبْدَأْ بِبَيانِ مَوْقِعِها ثُمَّ نُتْبِعُهُ بِبَيانِ مَعْناها فَإنَّ بَيْنَ مَوْقِعِها ومَعْناها اتِّصالًا. صفحة ٢١٨ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُ فَرِيقٍ ثالِثٍ غَيْرِ الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] . وهَذا الفَرِيقُ الثّالِثُ جَماعَةٌ أسْلَمُوا واسَتَبْطَأُوا نَصْرَ المُسْلِمِينَ فَأيِسُوا مِنهُ وغاظَهم تَعَجُّلُهم لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وأنْ لَمْ يَتَرَيَّثُوا في ذَلِكَ وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعُها تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الآيَةَ بَعْدَ أنِ اعْتُرِضَ بَيْنَ تِلْكَ الجُمْلَةِ وبَيْنَ هاتِهِ بِجُمَلٍ أُخْرى فَيَكُونُ المُرادُ: أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ والمُخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] هم قَوْمٌ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ إنْ بَقُوا عَلى الإسْلامِ. فَأمّا ظَنُّهُمُ انْتِفاءَ النَّصْرِ في الدُّنْيا فَلِأنَّهم قَدْ أيِسُوا مِنَ النَّصْرِ اسْتِبْطاءً. وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ ومِن أجْلِ هَذا عُلِّقَ فِعْلُ (لَنْ يَنْصُرَهُ) بِالمَجْرُورِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ إيماءً إلى كَوْنِهِ مُتَعَلِّقَ الخُسْرانِ في قَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] . فَإنَّ عَدَمَ النَّصْرِ خُسْرانٌ في الدُّنْيا بِحُصُولِ ضِدِّهِ، وفي الآخِرَةِ بِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ الجَزاءِ في الآخِرَةِ حَسَبَ اعْتِقادِ كُفْرِهِمْ. وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ مُتَرَدِّدُونَ. ويَتَرَجَّحُ هَذا الِاحْتِمالُ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الكَلامِ، فَلَمْ يُعْطَفْ بِالواوِ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ [الحج: ١١] ولَمْ تُورَدْ فِيهِ جُمْلَةُ (ومِنَ النّاسِ) كَما أُورِدَتْ في ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ السّابِقَيْنِ ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةَ تَهْدِيدُ هَذا الفَرِيقِ. فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا الفَرِيقِ بِقَوْلِهِ (مَن كانَ يَظُنُّ) إلَخْ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، فَإنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ ذَلِكَ الفَرِيقِ فَيُقالُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤] صفحة ٢١٩ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ إلَخْ عائِدًا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ (فَلْيَمْدُدْ) عَلى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] . والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: بَعْدَ مُعادِ الضَّمِيرِ. وثانِيهِما التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عِبادَتَهُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ناشِئَةٌ عَنْ ظَنِّهِ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ صَمَّمَ عَلى الِاسْتِمْرارِ في اتِّباعِ الإسْلامِ لِأنَّهُ غَيْرُ واثِقٍ بِوَعْدِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في (يَنْصُرَهُ) عائِدٌ إلى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ. واسْمُ (السَّماءِ) مُرادٌ بِهِ المَعْنى المَشْهُورُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ أيْضًا أخْذًا بِما رَواهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ (يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ) أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ قالَ: هي السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، يَعْنِي المُظِلَّةَ. فالمَعْنى: فَلْيَنُطْ حَبْلًا بِالسَّماءِ مَرْبُوطًا بِهِ ثُمَّ يَقْطَعْهُ فَيَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ فَيَتَمَزَّقُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَلا يُغْنِي عَنْهُ فِعْلُهُ شَيْئًا مِن إزالَةِ غَيْظِهِ. ومَفْعُولُ (يَقْطَعْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ لْيَقْطَعْهُ، أيْ لِيَقْطَعِ السَّبَبَ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ لِلتَّعْجِيزِ، فَيُعْلَمُ أنَّ تَعْلِيقَ الجَوابِ عَلى حُصُولِ شَرْطٍ لا يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وأمّا اسْتِخْراجُ مَعْنى الآيَةِ مِن نَظْمِها فَإنَّها نُسِجَتْ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ. شَبَّهَتْ حالَةَ اسْتِبْطانِ هَذا الفَرِيقِ الكُفْرَ وإظْهارِهِمُ الإسْلامَ عَلى حَنَقٍ، أوْ حالَةَ تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ البَقاءِ في المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الكُفّارِ بِحالَةِ المُغْتاظِ مِمّا صَنَعَ فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا صفحة ٢٢٠ ما يَفْعَلُهُ أمْثالُكم مِمَّنْ مَلَأهُمُ الغَيْظُ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ سُبُلُ الِانْفِراجِ، فامْدُدُوا حَبْلًا بِأقْصى ما يُمَدُّ إلَيْهِ حَبْلٌ، وتَعَلَّقُوا بِهِ في أعْلى مَكانٍ ثُمَّ اقْطَعُوهُ تَخِرُّوا إلى الأرْضِ. وذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ في أنَّهم لا يَجِدُونَ غِنًى في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِمْ، وإنْذارٌ بِاسْتِمْرارِ فِتْنَتِهِمْ في الدُّنْيا مَعَ الخُسْرانِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى فَرِيقٍ آخَرَ أسْلَمُوا في مُدَّةِ ضَعْفِ الإسْلامِ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ فَضاقَتْ صُدُورُهم فَخَطَرَتْ لَهم خَواطِرُ شَيْطانِيَّةٌ أنْ يَتْرُكُوا الإسْلامَ ويَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ فَزَجَرَهُمُ اللَّهُ وهَدَّدَهم بِأنَّهم إنْ كانُوا آيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ في الدُّنْيا ومُرْتابِينَ في نَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ فَإنَّ ارْتِدادَهم عَنِ الإسْلامِ لا يَضُرُّ اللَّهَ ولا رَسُولَهُ ولا يَكِيدُ الدِّينَ وإنْ شاءُوا فَلْيَخْتَنِقُوا فَيَنْظُرُوا هَلْ يُزِيلُ الِاخْتِناقُ غَيْظَهم. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ مِنَ المُنافِقِينَ. فَمَوْقِعُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ لِذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ يُشْبِهُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. ويَجِيءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ عائِدًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ في كُلِّ الوُجُوهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّنْبِيهِ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَيْأسُوا مِن نَصْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في الآخِرَةِ فَقَطْ. قالَ تَعالى ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٢٤] الآيَةَ. صفحة ٢٢١ والسَّبَبُ: الحَبْلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والقَطْعُ: قِيلَ يُطْلَقُ عَلى الِاخْتِناقِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ الأنْفاسَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ غَيْظَهُ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) إنْكارِيٌّ. وهو مُعَلِّقٌ فِعْلَ (فَلْيَنْظُرْ) عَنِ العَمَلِ. والنَّظَرُ قَلْبِيٌّ. وسُمِّيَ الفِعْلُ كَيْدًا لِأنَّهُ يُشْبِهُ الكَيْدَ في أنَّهُ فَعَلَهُ لِأنْ يَكِيدَ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ فَإنَّهُ لا يَكِيدُ بِهِ المُسْلِمِينَ بَلْ يَضُرُّ بِهِ نَفْسَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثُمَّ لْيَقْطَعْ“ بِسُكُونِ لامِ ”لِيَقْطَعْ“ وهو لامُ الأمْرِ. فَإذا كانَ في أوَّلِ الكَلِمَةِ كانَ مَكْسُورًا، وإذا وقَعَ بَعْدَ عاطِفٍ غَيْرِ (ثُمَّ) كانَ ساكِنًا مِثْلَ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . فَإذا وقَعَ بَعْدَ (ثُمَّ) جازَ فِيهِ الوَجْهانِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ اللّامِ.

الحج 22:16

﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ لَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ تَبْيِينَ أحْوالِ النّاسِ تُجاهَ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِما لا يَبْقى بَعْدَهُ التِباسٌ عُقِّبَتْ بِالتَّنْوِيهِ بِتَبْيِينِها؛ بِأنْ شُبِّهَ ذَلِكَ التَّبْيِينُ بِنَفْسِهِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ الغايَةَ في جِنْسِهِ بِحَيْثُ لا يُلْحَقُ بِأوْضَحَ مِنهُ، أيْ مِثْلَ هَذا الإنْزالِ أنْزَلْنا القُرْآنَ آياتٍ بَيِّناتٍ. فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ، فَهي اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وعُطِفَ عَلى التَّنْوِيهِ صفحة ٢٢٢ تَعْلِيلُ إنْزالِهِ كَذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ هَدْيَهُ أيْ بِالقُرْآنِ. فَلامُ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٌ. وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنْ) مُطَّرِدٌ.

الحج 22:17

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ عَلى بَيانِ أحْوالِ المُتَرَدِّدِينَ في قَبُولِ الإسْلامِ كانَ ذَلِكَ مَثارًا لِأنْ يُتَساءَلَ عَنْ أحْوالِ الفِرَقِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مُخْتَلَفِ الأدْيانِ. وأنْ يُسْألَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَدَّعِي أنَّها عَلى الحَقِّ وغَيْرَها عَلى الباطِلِ وتُجادِلُ في ذَلِكَ. فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما اخْتَصَمُوا فِيهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. إذْ لَمْ تَقُدْهُمُ الحُجَجُ في الدُّنْيا. وهَذا الكَلامُ بِما فِيهِ مِن إجْمالٍ هو جارٍ مَجْرى التَّفْوِيضِ. ومِثْلُهُ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ تَصْوِيبِ المُتَكَلِّمِ طَرِيقَتَهُ وتَخْطِئَتِهِ طَرِيقَةَ خَصْمِهِ؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْوِيضِ لِلَّهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الواثِقِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ. وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ وآيَةِ العُقُودِ. صفحة ٢٢٣ وزادَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرَ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كانَتا في مَساقِ بَيانِ فَضْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ في كُلِّ زَمانٍ وفي كُلِّ أُمَّةٍ. وزِيدَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ المِلَلِ، فالمَجُوسُ والمُشْرِكُونَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. فَأمّا المَجُوسُ فَهم أهْلُ دِينٍ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ: إلَهًا لِلْخَيْرِ، وإلَهًا لِلشَّرِّ، وهم أهْلُ فارِسَ. ثُمَّ هي تَتَشَعَّبُ شُعَبًا تَأْوِي إلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ. وأقْدَمُ النِّحَلِ المَجُوسِيَّةِ أسَّسَها ”كِيُومَرْث“ الَّذِي هو أوَّلُ مَلِكٍ بِفارِسَ في أزْمِنَةٍ قَدِيمَةٍ يُظَنُّ أنَّها قَبْلَ زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِذَلِكَ يُلَقَّبُ أيْضًا بِلَقَبِ ”جَل شاهْ“ تَفْسِيرُهُ: مَلِكُ الأرْضِ. غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِوَجْهٍ عِلْمِيٍّ وكانَ عَصْرُ ”كِيُومَرْث“ يُلَقَّبُ ”زُرْوان“ أيِ الأزَلَ، فَكانَ أصْلُ المَجُوسِيَّةِ هم أهْلُ الدِّيانَةِ المُسَمّاةِ: الزُّرْوانِيَّةُ، وهي تُثْبِتُ إلَهَيْنِ هُما ”يَزْدان“ و”أهْرُمُن“ . قالُوا: كانَ يَزْدانُ مُنْفَرِدًا بِالوُجُودِ الأزَلِيِّ، وأنَّهُ كانَ نُورانِيًّا، وأنَّهُ بَقِيَ كَذَلِكَ تِسْعَةَ آلافٍ وتِسْعِينَ سَنَةً ثُمَّ حَدَثَ لَهُ خاطِرٌ في نَفْسِهِ: أنَّهُ لَوْ حَدَثَ لَهُ مُنازِعٌ كَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ فَنَشَأ مِن هَذا الخاطِرِ مَوْجُودٌ جَدِيدٌ ظُلْمانِيٌّ سُمِّيَ ”أهْرُمُن“ وهو إلَهُ الظُّلْمَةِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ والضُّرِّ. وإلى هَذا أشارَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ في لُزُومِيّاتِهِ: قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ فَكَّرَ يَزْدانُ عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ فَحَدَثَ بَيْنَ ”أهْرُمُن“ وبَيْنَ ”يَزْدان“ خِلافٌ ومُحارَبَةٌ إلى الأبَدِ. ثُمَّ نَشَأتْ عَلى هَذا الدِّينِ نِحَلٌ خُصَّتْ بِألْقابٍ وهي مُتَقارِبَةُ التَّعالِيمِ صفحة ٢٢٤ أشْهَرُها نِحْلَةُ ”زَرادَشْت“ الَّذِي ظَهَرَ في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، وبِهِ اشْتُهِرَتِ المَجُوسِيَّةُ. وقَدْ سَمّى إلَهَ الخَيْرِ ”أهُورا مُزْدا“ أوْ ”أرْمُزْد“ أوْ ”هُرْمُزَ“، وسَمّى إلَهَ الشَّرِّ ”أهْرُمُن“، وجَعَلَ إلَهَ الخَيْرِ نُورًا، وإلَهَ الشَّرِّ ظُلْمَةً. ثُمَّ دَعا النّاسَ إلى عِبادَةِ النّارِ عَلى أنَّها مَظْهَرُ إلَهِ الخَيْرِ وهو النُّورُ، ووَسَّعَ شَرِيعَةَ المَجُوسِيَّةِ، ووَضَعَ لَها كِتابًا سَمّاهُ ”زَنْدافِسْتا“ . ومِن أُصُولِ شَرِيعَتِهِ تَجَنُّبُ عِبادَةِ التَّماثِيلِ. ثُمَّ ظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المانَوِيَّةِ“ . وهي المَنسُوبَةُ إلى ”مانِي“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”سابُور بْنِ أرْدِشِير“ مَلِكِ الفُرْسِ بَيْنَ سَنَةِ ٢٣٨ وسَنَةِ ٢٧١ م. وظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المَزْدَكِيَّةِ“، وهي مَنسُوبَةٌ إلى ”مَزْدَك“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”قُباذ“ بَيْنَ سَنَةِ ٤٨٧ وسَنَةِ ٥٢٣ م. وهي نِحْلَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ ”المانَوِيَّةِ“، وهي آخِرُ نِحْلَةٍ ظَهَرَتْ في تَطَوُّرِ المَجُوسِيَّةِ قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ لِبِلادِ الفُرْسِ. ولِلْمَجُوسِيَّةِ شِبْهٌ في الأصْلِ بِالإشْراكِ إلّا أنَّها تُخالِفُهُ بِمَنعِ عِبادَةِ الأحْجارِ، وبَأنَّ لَها كِتابًا، فَأشْبَهُوا بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ فِيهِمْ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» أيْ في الِاكْتِفاءِ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ الإكْراهِ عَلى الإسْلامِ كَما يُكْرَهُ المُشْرِكُونَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] في سُورَةِ النَّحْلِ. وأُعِيدَتْ (إنَّ) في صَدْرَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ (إنَّ) الأُولى تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلْخَبَرِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها. وكَوْنِ صفحة ٢٢٥ خَبَرِها جُمْلَةً وهو تَوْكِيدٌ حَسَنٌ بِسَبَبِ طُولِ الفَصْلِ. وتَقَدَّمَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. وإذا لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ فالتَّوْكِيدُ بِإعادَةِ (إنَّ) أقَلُّ حُسْنًا كَقَوْلِ جَرِيرٍ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلَكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ ولا يَحْسُنُ إذا كانَ مُبْتَدَأُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا ضَمِيرَ اسْمِ (إنَّ) الأُولى كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ. بَلْ لابُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ لِيَكُونَ المُؤَكَّدُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ فَتُقْبَلُ إعادَةُ المُؤَكَّدِ وإنْ كانَ المُؤَكَّدُ الأوَّلُ كافِيًا. والفَصْلُ: الحُكْمُ، أيْ يَحْكُمُ بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن تَصْحِيحِ الدِّيانَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْإعْلامِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ والصَّحِيحُ مِن أقْوالِهِمْ.

الحج 22:18

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ اسْتِدْلالٍ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وهي مُرْتَبِطَةٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] ارْتِباطَ الدَّلِيلِ بِالمَطْلُوبِ؛ فَإنَّ صفحة ٢٢٦ دَلائِلَ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها عاقِلِها وجَمادِها شاهِدَةٌ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وفي تِلْكَ الدَّلالَةِ شَهادَةٌ عَلى بُطْلانِ دَعْوَةِ مَن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ. وما وقَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِطْرادٌ واعْتِراضٌ. والرُّؤْيَةُ: عِلْمِيَّةٌ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. أنْكَرَ عَلى المُخاطَبِينَ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِدَلالَةِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، لِأنَّ حُصُولَ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مُتَقَرِّرٌ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ وسُورَةِ النَّحْلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا السُّجُودِ في السُّورَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ السُّجُودُ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وهو حَسَنٌ وإنْ أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ حَقَّقْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، لِأنَّ السُّجُودَ المُثْبَتَ لِكَثِيرٍ مِنِ النّاسِ هو السُّجُودُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَما احْتَرَسَ بِإثْباتِهِ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لا لِجَمِيعِهِمْ. ووَجْهُ هَذا التَّفْكِيكِ أنَّ سُجُودَ المَوْجُوداتِ غَيْرِ الإنْسانِيَّةِ لَيْسَ إلّا دَلالَةَ تِلْكَ المَوْجُوداتِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ، فاسْتُعِيرَ السُّجُودُ لِحالَةِ التَّسْخِيرِ والِانْطِباعِ. وأمّا دَلالَةُ حالِ الإنْسانِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا خالَطَها إعْراضُ كَثِيرٍ مِنِ النّاسِ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وتَلَبُّسُهم بِالسُّجُودِ لِلْأصْنامِ كَما هو حالُ المُشْرِكِينَ غَطّى سُجُودُهُمُ الحَقِيقِيُّ عَلى السُّجُودِ المَجازِيِّ الدّالِّ عَلى عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ، فَلَمْ يُثْبِتْ لَهُمُ السُّجُودَ الَّذِي أُثْبِتَ لِبَقِيَّةِ المَوْجُوداتِ وإنْ كانَ حاصِلًا في حالِهِمْ كَحالِ المَخْلُوقاتِ الأُخْرى. صفحة ٢٢٧ وجُمْلَةُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالواوِ. وجُمْلَةُ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ مُكْنًى بِها عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ لِلَّهِ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِأنَّهم لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ، وقَدْ قَضى اللَّهُ في حُكْمِهِ اسْتِحْقاقَ المُشْرِكِ لِعَذابِ النّارِ. فالَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وأعْرَضُوا عَنْ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِما قَضى اللَّهُ بِهِ وأنْذَرَهم بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ اعْتِراضٌ ثانٍ بِالواوِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أهانَهم بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ فَلا يَجِدُونَ مَن يُكْرِمُهم بِالنَّصْرِ أوْ بِالشَّفاعَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ في مَحَلِّ العِلَّةِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُعْتَرِضَتَيْنِ لِأنَّ وُجُودَ حَرْفِ التَّوْكِيدِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ مَعَ عَدَمِ المُنْكِرِ يُمَحِّضُ حَرْفَ التَّوْكِيدِ إلى إفادَةِ الِاهْتِمامِ فَنَشَأ مِن ذَلِكَ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ والتَّعْلِيلِ، فَتُغْنِي (إنَّ) غَناءَ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أوِ السَّبَبِيَّةِ. وهَذا مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ.

الحج 22:19

﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مُقْتَضى سِياقِ السُّورَةِ واتِّصالِ آيِ السُّورَةِ وتَتابُعِها في النُّزُولِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ مَوْقِعُ صفحة ٢٢٨ جُمْلَةِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ بَعْضِ تَفْصِيلِ صِفَةِ العَذابِ الَّذِي حَقَّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ. فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فاسْمُ الإشارَةِ المُثَنّى مُشِيرٌ إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِنِ انْقِسامِ المَذْكُورِينَ إلى فَرِيقَيْنِ أهْلِ تَوْحِيدٍ وأهْلِ شِرْكٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِن كَوْنِ أُولَئِكَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى، وفَرِيقٍ يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. فالإشارَةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ ما يُشاهِدُهُ بِالعَيْنِ، ومِثْلُها كَثِيرٌ في الكَلامِ. والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ الخُصُومَةِ. وهي الجَدَلُ والِاخْتِلافُ بِالقَوْلِ يُقالُ: خاصَمَهُ واخْتَصَما، وهو مِنَ الأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ جانِبَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ إلّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الغَلَبِ في الخُصُومَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ فاعِلُهُ واحِدًا. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِصامُ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ قَدْ مَلَأ الفَضاءَ جَلَبَتُهُ، فالإخْبارُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُما خَصْمانِ مَسُوقٌ لِغَيْرِ إفادَةِ الخَبَرِ بَلْ تَمْهِيدًا لِلتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةَ ما يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ مُخالِفِيهِمْ في الدِّينِ. ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنِ الحارِثِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. صفحة ٢٢٩ وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنّا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. ولَيْسَ في كَلامِ عَلِيٍّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ ولَكِنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِن كَلامِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَتَكُونُ (هَذانِ) إشارَةً إلى فَرِيقَيْنِ حاضِرَيْنِ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ فَنُزِّلَ حُضُورُ قِصَّتِهِما العَجِيبَةِ في الأذْهانِ مَنزِلَةَ المُشاهَدَةِ حَتّى أُعِيدَ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُشاهَدِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ البُلَغاءِ. ومِنهُ قَوْلُ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: خَرَجْتُ لِأنَصُرَ هَذا الرَّجُلَ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في قِصَّةِ صِفِّينَ. والأظْهَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ عُنِيَ بِنُزُولِ الآيَةِ في هَؤُلاءِ أنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ السِّتَّةَ هم أبْرَزُ مِثالٍ وأشْهَرُ فَرْدٍ في هَذا العُمُومِ. فَعَبَّرَ بِالنُّزُولِ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِمَّنْ يُقْصَدُ مِن مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ. والِاخْتِصامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أُطْلِقَ الِاخْتِصامُ عَلى المُبارَزَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاخْتِصامَ في الدِّينِ هو سَبَبُ تِلْكَ المُبارَزَةِ. واسْمُ الخَصْمِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ إذا اتَّحَدَتْ خُصُومَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] فَلِمُراعاةِ تَثْنِيَةِ اللَّفْظِ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُثَنّى ولِمُراعاةِ العَدَدِ أُتِيَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . ومَعْنى (في رَبِّهِمْ) في شَأْنِهِ وصِفاتِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ظاهِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ. صفحة ٢٣٠ والتَّقْطِيعُ: مُبالَغَةُ القَطْعِ، وهو فَصْلُ بَعْضِ أجْزاءِ شَيْءٍ عَنْ بَقِيَّتِهِ. والمُرادُ: قَطْعُ شُقَّةِ الثَّوْبِ. وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُرِيدُ اتِّخاذَ قَمِيصٍ أوْ نَحْوِهِ يَقْطَعُ مِن شُقَّةِ الثَّوْبِ ما يَكْفِي كَما يُرِيدُهُ. فَصِيغَتْ صِيغَةَ الشَّدَّةِ في القَطْعِ لِلْإشارَةِ إلى السُّرْعَةِ في إعْدادِ ذَلِكَ لَهم فَيُجْعَلُ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ. والثِّيابُ مِنَ النّارِ ثِيابٌ مُحَرِّقَةٌ لِلْجُلُودِ وذَلِكَ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ. والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. والإصْهارُ: الإذابَةُ بِالنّارِ أوْ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ، يُقالُ: أصْهَرَهُ وصَهَرَهُ. وما في بُطُونِهِمْ: أمْعاؤُهم، أيْ هو شَدِيدٌ في النَّفاذِ إلى باطِنِهِمْ. والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ اسْمِ آلَةِ القَمْعِ. والقَمْعُ: الكَفُّ عَنْ شَيْءٍ بِعُنْفٍ. والمِقْمَعَةُ: السَّوْطُ، أيْ يُضْرَبُونَ بِسِياطٍ مِن حَدِيدٍ. ومَعْنى ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أنَّهم لِشِدَّةِ ما يَغُمُّهم، أيْ يَمْنَعُهم مِنَ التَّنَفُّسِ، يُحاوِلُونَ الخُرُوجَ فَيُعادُونَ فِيها فَيَحْصُلُ لَهم ألَمُ الخَيْبَةِ، ويُقالُ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ. والحَرِيقُ: النّارُ الضَّخْمَةُ المُنْتَشِرَةُ. وهَذا القَوْلُ إهانَةٌ لَهم فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَذُوقُونَهُ.

الحج 22:20

﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مُقْتَضى سِياقِ السُّورَةِ واتِّصالِ آيِ السُّورَةِ وتَتابُعِها في النُّزُولِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ مَوْقِعُ صفحة ٢٢٨ جُمْلَةِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ بَعْضِ تَفْصِيلِ صِفَةِ العَذابِ الَّذِي حَقَّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ. فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فاسْمُ الإشارَةِ المُثَنّى مُشِيرٌ إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِنِ انْقِسامِ المَذْكُورِينَ إلى فَرِيقَيْنِ أهْلِ تَوْحِيدٍ وأهْلِ شِرْكٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِن كَوْنِ أُولَئِكَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى، وفَرِيقٍ يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. فالإشارَةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ ما يُشاهِدُهُ بِالعَيْنِ، ومِثْلُها كَثِيرٌ في الكَلامِ. والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ الخُصُومَةِ. وهي الجَدَلُ والِاخْتِلافُ بِالقَوْلِ يُقالُ: خاصَمَهُ واخْتَصَما، وهو مِنَ الأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ جانِبَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ إلّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الغَلَبِ في الخُصُومَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ فاعِلُهُ واحِدًا. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِصامُ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ قَدْ مَلَأ الفَضاءَ جَلَبَتُهُ، فالإخْبارُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُما خَصْمانِ مَسُوقٌ لِغَيْرِ إفادَةِ الخَبَرِ بَلْ تَمْهِيدًا لِلتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةَ ما يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ مُخالِفِيهِمْ في الدِّينِ. ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنِ الحارِثِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. صفحة ٢٢٩ وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنّا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. ولَيْسَ في كَلامِ عَلِيٍّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ ولَكِنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِن كَلامِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَتَكُونُ (هَذانِ) إشارَةً إلى فَرِيقَيْنِ حاضِرَيْنِ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ فَنُزِّلَ حُضُورُ قِصَّتِهِما العَجِيبَةِ في الأذْهانِ مَنزِلَةَ المُشاهَدَةِ حَتّى أُعِيدَ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُشاهَدِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ البُلَغاءِ. ومِنهُ قَوْلُ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: خَرَجْتُ لِأنَصُرَ هَذا الرَّجُلَ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في قِصَّةِ صِفِّينَ. والأظْهَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ عُنِيَ بِنُزُولِ الآيَةِ في هَؤُلاءِ أنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ السِّتَّةَ هم أبْرَزُ مِثالٍ وأشْهَرُ فَرْدٍ في هَذا العُمُومِ. فَعَبَّرَ بِالنُّزُولِ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِمَّنْ يُقْصَدُ مِن مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ. والِاخْتِصامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أُطْلِقَ الِاخْتِصامُ عَلى المُبارَزَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاخْتِصامَ في الدِّينِ هو سَبَبُ تِلْكَ المُبارَزَةِ. واسْمُ الخَصْمِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ إذا اتَّحَدَتْ خُصُومَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] فَلِمُراعاةِ تَثْنِيَةِ اللَّفْظِ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُثَنّى ولِمُراعاةِ العَدَدِ أُتِيَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . ومَعْنى (في رَبِّهِمْ) في شَأْنِهِ وصِفاتِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ظاهِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ. صفحة ٢٣٠ والتَّقْطِيعُ: مُبالَغَةُ القَطْعِ، وهو فَصْلُ بَعْضِ أجْزاءِ شَيْءٍ عَنْ بَقِيَّتِهِ. والمُرادُ: قَطْعُ شُقَّةِ الثَّوْبِ. وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُرِيدُ اتِّخاذَ قَمِيصٍ أوْ نَحْوِهِ يَقْطَعُ مِن شُقَّةِ الثَّوْبِ ما يَكْفِي كَما يُرِيدُهُ. فَصِيغَتْ صِيغَةَ الشَّدَّةِ في القَطْعِ لِلْإشارَةِ إلى السُّرْعَةِ في إعْدادِ ذَلِكَ لَهم فَيُجْعَلُ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ. والثِّيابُ مِنَ النّارِ ثِيابٌ مُحَرِّقَةٌ لِلْجُلُودِ وذَلِكَ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ. والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. والإصْهارُ: الإذابَةُ بِالنّارِ أوْ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ، يُقالُ: أصْهَرَهُ وصَهَرَهُ. وما في بُطُونِهِمْ: أمْعاؤُهم، أيْ هو شَدِيدٌ في النَّفاذِ إلى باطِنِهِمْ. والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ اسْمِ آلَةِ القَمْعِ. والقَمْعُ: الكَفُّ عَنْ شَيْءٍ بِعُنْفٍ. والمِقْمَعَةُ: السَّوْطُ، أيْ يُضْرَبُونَ بِسِياطٍ مِن حَدِيدٍ. ومَعْنى ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أنَّهم لِشِدَّةِ ما يَغُمُّهم، أيْ يَمْنَعُهم مِنَ التَّنَفُّسِ، يُحاوِلُونَ الخُرُوجَ فَيُعادُونَ فِيها فَيَحْصُلُ لَهم ألَمُ الخَيْبَةِ، ويُقالُ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ. والحَرِيقُ: النّارُ الضَّخْمَةُ المُنْتَشِرَةُ. وهَذا القَوْلُ إهانَةٌ لَهم فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَذُوقُونَهُ.

الحج 22:21

﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مُقْتَضى سِياقِ السُّورَةِ واتِّصالِ آيِ السُّورَةِ وتَتابُعِها في النُّزُولِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ مَوْقِعُ صفحة ٢٢٨ جُمْلَةِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ بَعْضِ تَفْصِيلِ صِفَةِ العَذابِ الَّذِي حَقَّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ. فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فاسْمُ الإشارَةِ المُثَنّى مُشِيرٌ إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِنِ انْقِسامِ المَذْكُورِينَ إلى فَرِيقَيْنِ أهْلِ تَوْحِيدٍ وأهْلِ شِرْكٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِن كَوْنِ أُولَئِكَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى، وفَرِيقٍ يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. فالإشارَةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ ما يُشاهِدُهُ بِالعَيْنِ، ومِثْلُها كَثِيرٌ في الكَلامِ. والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ الخُصُومَةِ. وهي الجَدَلُ والِاخْتِلافُ بِالقَوْلِ يُقالُ: خاصَمَهُ واخْتَصَما، وهو مِنَ الأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ جانِبَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ إلّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الغَلَبِ في الخُصُومَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ فاعِلُهُ واحِدًا. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِصامُ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ قَدْ مَلَأ الفَضاءَ جَلَبَتُهُ، فالإخْبارُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُما خَصْمانِ مَسُوقٌ لِغَيْرِ إفادَةِ الخَبَرِ بَلْ تَمْهِيدًا لِلتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةَ ما يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ مُخالِفِيهِمْ في الدِّينِ. ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنِ الحارِثِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. صفحة ٢٢٩ وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنّا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. ولَيْسَ في كَلامِ عَلِيٍّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ ولَكِنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِن كَلامِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَتَكُونُ (هَذانِ) إشارَةً إلى فَرِيقَيْنِ حاضِرَيْنِ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ فَنُزِّلَ حُضُورُ قِصَّتِهِما العَجِيبَةِ في الأذْهانِ مَنزِلَةَ المُشاهَدَةِ حَتّى أُعِيدَ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُشاهَدِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ البُلَغاءِ. ومِنهُ قَوْلُ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: خَرَجْتُ لِأنَصُرَ هَذا الرَّجُلَ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في قِصَّةِ صِفِّينَ. والأظْهَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ عُنِيَ بِنُزُولِ الآيَةِ في هَؤُلاءِ أنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ السِّتَّةَ هم أبْرَزُ مِثالٍ وأشْهَرُ فَرْدٍ في هَذا العُمُومِ. فَعَبَّرَ بِالنُّزُولِ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِمَّنْ يُقْصَدُ مِن مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ. والِاخْتِصامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أُطْلِقَ الِاخْتِصامُ عَلى المُبارَزَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاخْتِصامَ في الدِّينِ هو سَبَبُ تِلْكَ المُبارَزَةِ. واسْمُ الخَصْمِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ إذا اتَّحَدَتْ خُصُومَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] فَلِمُراعاةِ تَثْنِيَةِ اللَّفْظِ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُثَنّى ولِمُراعاةِ العَدَدِ أُتِيَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . ومَعْنى (في رَبِّهِمْ) في شَأْنِهِ وصِفاتِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ظاهِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ. صفحة ٢٣٠ والتَّقْطِيعُ: مُبالَغَةُ القَطْعِ، وهو فَصْلُ بَعْضِ أجْزاءِ شَيْءٍ عَنْ بَقِيَّتِهِ. والمُرادُ: قَطْعُ شُقَّةِ الثَّوْبِ. وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُرِيدُ اتِّخاذَ قَمِيصٍ أوْ نَحْوِهِ يَقْطَعُ مِن شُقَّةِ الثَّوْبِ ما يَكْفِي كَما يُرِيدُهُ. فَصِيغَتْ صِيغَةَ الشَّدَّةِ في القَطْعِ لِلْإشارَةِ إلى السُّرْعَةِ في إعْدادِ ذَلِكَ لَهم فَيُجْعَلُ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ. والثِّيابُ مِنَ النّارِ ثِيابٌ مُحَرِّقَةٌ لِلْجُلُودِ وذَلِكَ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ. والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. والإصْهارُ: الإذابَةُ بِالنّارِ أوْ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ، يُقالُ: أصْهَرَهُ وصَهَرَهُ. وما في بُطُونِهِمْ: أمْعاؤُهم، أيْ هو شَدِيدٌ في النَّفاذِ إلى باطِنِهِمْ. والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ اسْمِ آلَةِ القَمْعِ. والقَمْعُ: الكَفُّ عَنْ شَيْءٍ بِعُنْفٍ. والمِقْمَعَةُ: السَّوْطُ، أيْ يُضْرَبُونَ بِسِياطٍ مِن حَدِيدٍ. ومَعْنى ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أنَّهم لِشِدَّةِ ما يَغُمُّهم، أيْ يَمْنَعُهم مِنَ التَّنَفُّسِ، يُحاوِلُونَ الخُرُوجَ فَيُعادُونَ فِيها فَيَحْصُلُ لَهم ألَمُ الخَيْبَةِ، ويُقالُ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ. والحَرِيقُ: النّارُ الضَّخْمَةُ المُنْتَشِرَةُ. وهَذا القَوْلُ إهانَةٌ لَهم فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَذُوقُونَهُ.

الحج 22:22

﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مُقْتَضى سِياقِ السُّورَةِ واتِّصالِ آيِ السُّورَةِ وتَتابُعِها في النُّزُولِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ مَوْقِعُ صفحة ٢٢٨ جُمْلَةِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ بَعْضِ تَفْصِيلِ صِفَةِ العَذابِ الَّذِي حَقَّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ. فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فاسْمُ الإشارَةِ المُثَنّى مُشِيرٌ إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِنِ انْقِسامِ المَذْكُورِينَ إلى فَرِيقَيْنِ أهْلِ تَوْحِيدٍ وأهْلِ شِرْكٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِن كَوْنِ أُولَئِكَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى، وفَرِيقٍ يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. فالإشارَةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ ما يُشاهِدُهُ بِالعَيْنِ، ومِثْلُها كَثِيرٌ في الكَلامِ. والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ الخُصُومَةِ. وهي الجَدَلُ والِاخْتِلافُ بِالقَوْلِ يُقالُ: خاصَمَهُ واخْتَصَما، وهو مِنَ الأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ جانِبَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ إلّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الغَلَبِ في الخُصُومَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ فاعِلُهُ واحِدًا. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِصامُ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ قَدْ مَلَأ الفَضاءَ جَلَبَتُهُ، فالإخْبارُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُما خَصْمانِ مَسُوقٌ لِغَيْرِ إفادَةِ الخَبَرِ بَلْ تَمْهِيدًا لِلتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةَ ما يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ مُخالِفِيهِمْ في الدِّينِ. ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنِ الحارِثِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. صفحة ٢٢٩ وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنّا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. ولَيْسَ في كَلامِ عَلِيٍّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ ولَكِنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِن كَلامِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَتَكُونُ (هَذانِ) إشارَةً إلى فَرِيقَيْنِ حاضِرَيْنِ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ فَنُزِّلَ حُضُورُ قِصَّتِهِما العَجِيبَةِ في الأذْهانِ مَنزِلَةَ المُشاهَدَةِ حَتّى أُعِيدَ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُشاهَدِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ البُلَغاءِ. ومِنهُ قَوْلُ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: خَرَجْتُ لِأنَصُرَ هَذا الرَّجُلَ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في قِصَّةِ صِفِّينَ. والأظْهَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ عُنِيَ بِنُزُولِ الآيَةِ في هَؤُلاءِ أنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ السِّتَّةَ هم أبْرَزُ مِثالٍ وأشْهَرُ فَرْدٍ في هَذا العُمُومِ. فَعَبَّرَ بِالنُّزُولِ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِمَّنْ يُقْصَدُ مِن مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ. والِاخْتِصامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أُطْلِقَ الِاخْتِصامُ عَلى المُبارَزَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاخْتِصامَ في الدِّينِ هو سَبَبُ تِلْكَ المُبارَزَةِ. واسْمُ الخَصْمِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ إذا اتَّحَدَتْ خُصُومَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] فَلِمُراعاةِ تَثْنِيَةِ اللَّفْظِ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُثَنّى ولِمُراعاةِ العَدَدِ أُتِيَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . ومَعْنى (في رَبِّهِمْ) في شَأْنِهِ وصِفاتِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ظاهِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ. صفحة ٢٣٠ والتَّقْطِيعُ: مُبالَغَةُ القَطْعِ، وهو فَصْلُ بَعْضِ أجْزاءِ شَيْءٍ عَنْ بَقِيَّتِهِ. والمُرادُ: قَطْعُ شُقَّةِ الثَّوْبِ. وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُرِيدُ اتِّخاذَ قَمِيصٍ أوْ نَحْوِهِ يَقْطَعُ مِن شُقَّةِ الثَّوْبِ ما يَكْفِي كَما يُرِيدُهُ. فَصِيغَتْ صِيغَةَ الشَّدَّةِ في القَطْعِ لِلْإشارَةِ إلى السُّرْعَةِ في إعْدادِ ذَلِكَ لَهم فَيُجْعَلُ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ. والثِّيابُ مِنَ النّارِ ثِيابٌ مُحَرِّقَةٌ لِلْجُلُودِ وذَلِكَ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ. والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. والإصْهارُ: الإذابَةُ بِالنّارِ أوْ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ، يُقالُ: أصْهَرَهُ وصَهَرَهُ. وما في بُطُونِهِمْ: أمْعاؤُهم، أيْ هو شَدِيدٌ في النَّفاذِ إلى باطِنِهِمْ. والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ اسْمِ آلَةِ القَمْعِ. والقَمْعُ: الكَفُّ عَنْ شَيْءٍ بِعُنْفٍ. والمِقْمَعَةُ: السَّوْطُ، أيْ يُضْرَبُونَ بِسِياطٍ مِن حَدِيدٍ. ومَعْنى ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أنَّهم لِشِدَّةِ ما يَغُمُّهم، أيْ يَمْنَعُهم مِنَ التَّنَفُّسِ، يُحاوِلُونَ الخُرُوجَ فَيُعادُونَ فِيها فَيَحْصُلُ لَهم ألَمُ الخَيْبَةِ، ويُقالُ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ. والحَرِيقُ: النّارُ الضَّخْمَةُ المُنْتَشِرَةُ. وهَذا القَوْلُ إهانَةٌ لَهم فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَذُوقُونَهُ.

الحج 22:23

صفحة ٢٣١ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَعْطُوفًا بِالواوِ عَلى جُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، لِأنَّهُ قَسِيمُ تِلْكَ الجُمْلَةِ في تَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ الأُسْلُوبِ إلى هَذا النَّظْمِ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلى هَذا الكَلامِ إذْ جاءَ مُبْتَدَأً بِهِ مُسْتَقِلًّا مُفْتَتَحًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ومُتَوَّجًا بِاسْمِ الجَلالَةِ، والبَلِيغُ لا تَفُوتُهُ مَعْرِفَةُ أنَّ هَذا الكَلامَ قَسِيمٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ في تَفْصِيلِ إجْمالِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] لِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ المُقابِلِ لِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا في المَكانِ واللِّباسِ وخِطابِ الكَرامَةِ. فَقَوْلُهُ (يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] . وقَوْلُهُ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ يُقابِلُ قَوْلَهُ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] فَإنَّهُ مِنَ القَوْلِ النَّكِدِ. والتَّحْلِيَةُ: وضْعُ الحَلْيِ عَلى أعْضاءِ الجِسْمِ. حَلّاهُ: ألْبَسَهُ الحَلْيَ مِثْلُ جَلْبَبَ. والأساوِرُ: جَمْعُ أسْوِرَةٍ الَّذِي هو جَمْعُ سِوارٍ. أُشِيرَ بِجَمْعِ الجَمْعِ إلى التَّكْثِيرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ. صفحة ٢٣٢ و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أساوِرَ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا لَمْ يُعْهَدْ تَحْلِيَةُ الرِّجالِ بِالأساوِرِ كانَ الخَبَرُ عَنْهم بِأنَّهم يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مُعَرِّضًا لِلتَّرَدُّدِ في إرادَةِ الحَقِيقَةِ فَجِيءَ بِالمُؤَكِّدِ لِإفادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ. ولِذَلِكَ فَـ (أساوِرَ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (يُحَلَّوْنَ) . (ولُؤْلُؤًا) قَرَأهُ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وعاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (أساوِرَ) أيْ يُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا أيْ عُقُودًا ونَحْوَها. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ. والمَعْنى: أساوِرَ مِن ذَهَبٍ وأساوِرَ مِن لُؤْلُؤٍ، وهي مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ بَعْدِ الواوِ الثّانِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ جَرِّ (لُؤْلُؤًا) مُخالِفَةً لِمَكْتُوبِ المُصْحَفِ. والقِراءَةُ نَقْلٌ ورِوايَةٌ، فَلَيْسَ اتِّباعُ الخَطِّ واجِبًا عَلى مَن يَرْوِي بِما يُخالِفُهُ. وكُتِبَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ بِدُونِ ألِفٍ. والَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالنَّصْبِ خالَفُوا أيْضًا خَطَّ المُصْحَفِ واعْتَمَدُوا رِوايَتَهم. وسَرَيانُ مَعْنى التَّأْكِيدِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ التَّأْكِيدَ تَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ كُلِّها لا بِخُصُوصِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى إعادَةِ المُؤَكِّدِ مَعَ المَعْطُوفِ. واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ. ويُقالُ لَهُ الجُمانُ والجَوْهَرُ. وهو حُبُوبٌ بَيْضاءُ وصَفْراءُ ذاتُ بَرِيقٍ رَقْراقٍ تُسْتَخْرَجُ مِن أجْوافِ حَيَوانٍ مائِيٍّ حَلَزُونِيٍّ مُسْتَقِرٍّ في غِلافٍ ذِي دَفَّتَيْنِ مُغْلَقَتَيْنِ عَلَيْهِ يَفْتَحُهُما بِحَرَكَةٍ حَيَوِيَّةٍ مِنهُ لِامْتِصاصِ الماءِ الَّذِي يَسْبَحُ فِيهِ ويُسَمّى غِلافُهُ صَدَفًا، فَتُوجَدُ في جَوْفِ الحَيَوانِ حَبَّةٌ ذاتُ بَرِيقٍ وهي تَتَفاوَتُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ وبِصَفاءِ اللَّوْنِ وبَياضِهِ. وهَذا الحَيَوانُ يُوجَدُ في عِدَّةِ بِحارٍ: كَبَحْرِ العَجَمِ وهو المُسَمّى بِالبَحْرَيْنِ، وبَحْرِ الجابُونِ، وشَطِّ جَزِيرَةِ جَرْبَةَ مِنَ البِلادِ التُّونِسِيَّةِ، وأجْوَدُهُ وأحْسَنُهُ الَّذِي يُوجَدُ مِنهُ في البَحْرَيْنِ حَيْثُ مَصَبُّ نَهْرَيِ الدِّجْلَةِ والفُراتِ، ويَسْتَخْرِجُهُ غَوّاصُونَ مُدَرَّبُونَ عَلى التِقاطِهِ صفحة ٢٣٣ مِن قَعْرِ البَحْرِ بِالغَوْصِ، يَغُوصُ الغائِصُ مَشْدُودًا بِحَبْلٍ بِيَدِ مَن يُمْسِكُهُ عَلى السَّفِينَةِ ويَنْتَشِلُهُ بَعْدَ لَحْظَةٍ تَكْفِيهِ لِلِالتِقاطِ. وقَدْ جاءَ وصْفُ ذَلِكَ في قَوْلِ المُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ أوِ الأعْشى: لَجُمانَةُ البَحْرِيِّ جاءَ بِها غَوّاصُها مِن لُجَّةِ البَحْرِ نَصَفَ النَّهارَ الماءُ غامِرُهُ ∗∗∗ ورَفِيقُهُ بِالغَيْبِ لا يَدْرِي وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ يَصِفُ لُؤْلُؤَةً: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤] . ولَمّا كانَتِ التَّحْلِيَةُ غَيْرَ اللِّباسِ جِيءَ بِاسْمِ اللِّباسِ بَعْدَ (يُحَلَّوْنَ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ دُونَ (يَلْبَسُونَ) لِتَحْصُلَ الدَّلالَةُ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ كَما دَلَّتْ صِيغَةُ (يُحَلَّوْنَ) عَلى أنَّ التَّحْلِيَةَ مُتَجَدِّدَةٌ بِأصْنافٍ وألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِن عُمُومِ الصِّيغَتَيْنِ يُفْهَمُ تَحَقُّقُ مِثْلِها في الجانِبِ الآخَرِ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُحَلَّوْنَ بِها وحِلْيَتُهم مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ يَلْبَسُونَهُ. والحَرِيرُ: يُطْلَقُ عَلى ما نُسِجَ مِن خُيُوطِ الحَرِيرِ كَما هُنا. وأصْلُ اسْمِ الحَرِيرِ اسْمُ الخُيُوطِ تُفْرِزُها مِن لُعابِها دُودَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَلُفُّها لَفًّا بَعْضَها إلى بَعْضٍ مِثْلَ كُبَّةٍ تَلْتَئِمُ مَشْدُودَةً كَصُورَةِ الفُولِ السُّودانِيِّ تُحِيطُ بِالدُّودَةِ كَمِثْلِ الجَوْزَةِ وتَمْكُثُ فِيهِ الدُّودَةُ مُدَّةً إلى أنْ تَتَحَوَّلَ الدُّودَةُ إلى فَراشَةٍ ذاتِ جَناحَيْنِ فَتَثْقُبُ ذَلِكَ البَيْتَ وتَخْرُجُ مِنهُ. وإنَّما تَحْصُلُ الخُيُوطُ مِن ذَلِكَ البَيْتِ بِوَضْعِها في ماءٍ حارٍّ في دَرَجَةِ الغَلَيانِ حَتّى يَزُولَ تَماسُكُها بِسَبَبِ انْحِلالِ المادَّةِ الصَّمْغِيَّةِ اللُّعابِيَّةِ الَّتِي تَشُدُّها فَيُطْلِقُونَها خَيْطًا واحِدًا طَوِيلًا. ومِن تِلْكَ الخُيُوطِ تُنْسَجُ ثِيابٌ صفحة ٢٣٤ تَكُونُ بالِغَةً في اللِّينِ واللَّمَعانِ. وثِيابُ الحَرِيرِ أجْوَدُ الثِّيابِ في الدُّنْيا قَدِيمًا وحَدِيثًا. وأقْدَمُ ظُهُورِها في بِلادِ الصِّينِ مُنْذُ خَمْسَةِ آلافِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا حَيْثُ يَكْثُرُ شَجَرُ التُّوتِ. لِأنَّ دُودَ الحَرِيرِ لا يُفْرِزُ الحَرِيرَ إلّا إذا كانَ عَلَفُهُ ورَقَ التُّوتِ، والأكْثَرُ أنَّهُ يَبْنِي بُيُوتَهُ في أغْصانِ التُّوتِ. وكانَ غَيْرُ أهْلِ الصِّينِ لا يَعْرِفُونَ تَرْبِيَةَ دُودِ الحَرِيرِ فَلا يُحَصِّلُونَ الحَرِيرَ إلّا مِن طَرِيقِ بِلادِ الفُرْسِ يَجْلِبُهُ التُّجّارُ فَلِذَلِكَ يُباعُ بِأثْمانٍ غالِيَةٍ. وكانَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ تُباعُ بِوَزْنِها مِنَ الذَّهَبِ. ثُمَّ نُقِلَ بِزْرُ دُودِ الحَرِيرِ الَّذِي يُوَلَّدُ مِنهُ الدُّودُ إلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ في زَمَنِ الإمْبِراطُورِ ”بُوسْتِنْيانُوسَ“ بَيْنَ سَنَةِ ٥٢٧ وسَنَةِ ٥٦٥ م. ومِن أصْنافِ ثِيابِ الحَرِيرِ السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ وقَدْ تَقَدَّما في سُورَةِ الكَهْفِ. وعُرِفَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ في الرُّومانِ في حُدُودِ أوائِلِ القَرْنِ الثّالِثِ المَسِيحِيِّ. ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أنَّ اللَّهَ يُرْشِدُهم إلى أقْوالٍ، أيْ يُلْهِمُهم أقْوالًا حَسَنَةً يَقُولُونَها بَيْنَهم. وقَدْ ذُكِرَ بَعْضُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم يُرْشَدُونَ إلى أماكِنَ يَسْمَعُونَ فِيها أقْوالًا طَيِّبَةً. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وهَذا أشَدُّ مُناسَبَةً بِمُقابَلَةِ ما يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلِهِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] . وجُمْلَةُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ لِلِاعْتِراضِ، هي كالتَّكْمِلَةِ لِوَصْفِ حُسْنِ حالِهِمْ لِمُناسَبَةِ صفحة ٢٣٥ ذِكْرِ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾، ولَمْ يَسْبِقْ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ. وسَيَجِيءُ ذِكْرُ مُقابِلِها في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وذَلِكَ مِن أفانِينِ المُقابَلَةِ. والمَعْنى: وقَدْ هُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ في الدُّنْيا، وهو دِينُ الإسْلامِ، شُبِّهَ بِالصِّراطِ لِأنَّهُ مُوَصِّلٌ إلى رِضى اللَّهِ. والحَمِيدُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، أيِ المَحْمُودُ كَثِيرًا فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإضافَةُ (صِراطٍ) إلى اسْمِ (اللَّهِ) لِتَعْرِيفِ أيِّ صِراطٍ هو. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الحَمِيدِ) صِفَةً لِـ (صِراطٍ)، أيِ المَحْمُودُ لِسالِكِهِ. فَإضافَةُ ”صِراطٍ“ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. والصِّراطُ المَحْمُودُ هو صِراطُ دِينِ اللَّهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيماءٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ تِلْكَ النِّعَمِ أنَّهُ الهِدايَةُ السّابِقَةُ إلى دِينِ اللَّهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.

الحج 22:24

صفحة ٢٣١ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَعْطُوفًا بِالواوِ عَلى جُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، لِأنَّهُ قَسِيمُ تِلْكَ الجُمْلَةِ في تَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ الأُسْلُوبِ إلى هَذا النَّظْمِ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلى هَذا الكَلامِ إذْ جاءَ مُبْتَدَأً بِهِ مُسْتَقِلًّا مُفْتَتَحًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ومُتَوَّجًا بِاسْمِ الجَلالَةِ، والبَلِيغُ لا تَفُوتُهُ مَعْرِفَةُ أنَّ هَذا الكَلامَ قَسِيمٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ في تَفْصِيلِ إجْمالِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] لِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ المُقابِلِ لِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا في المَكانِ واللِّباسِ وخِطابِ الكَرامَةِ. فَقَوْلُهُ (يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] . وقَوْلُهُ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ يُقابِلُ قَوْلَهُ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] فَإنَّهُ مِنَ القَوْلِ النَّكِدِ. والتَّحْلِيَةُ: وضْعُ الحَلْيِ عَلى أعْضاءِ الجِسْمِ. حَلّاهُ: ألْبَسَهُ الحَلْيَ مِثْلُ جَلْبَبَ. والأساوِرُ: جَمْعُ أسْوِرَةٍ الَّذِي هو جَمْعُ سِوارٍ. أُشِيرَ بِجَمْعِ الجَمْعِ إلى التَّكْثِيرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ. صفحة ٢٣٢ و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أساوِرَ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا لَمْ يُعْهَدْ تَحْلِيَةُ الرِّجالِ بِالأساوِرِ كانَ الخَبَرُ عَنْهم بِأنَّهم يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مُعَرِّضًا لِلتَّرَدُّدِ في إرادَةِ الحَقِيقَةِ فَجِيءَ بِالمُؤَكِّدِ لِإفادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ. ولِذَلِكَ فَـ (أساوِرَ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (يُحَلَّوْنَ) . (ولُؤْلُؤًا) قَرَأهُ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وعاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (أساوِرَ) أيْ يُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا أيْ عُقُودًا ونَحْوَها. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ. والمَعْنى: أساوِرَ مِن ذَهَبٍ وأساوِرَ مِن لُؤْلُؤٍ، وهي مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ بَعْدِ الواوِ الثّانِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ جَرِّ (لُؤْلُؤًا) مُخالِفَةً لِمَكْتُوبِ المُصْحَفِ. والقِراءَةُ نَقْلٌ ورِوايَةٌ، فَلَيْسَ اتِّباعُ الخَطِّ واجِبًا عَلى مَن يَرْوِي بِما يُخالِفُهُ. وكُتِبَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ بِدُونِ ألِفٍ. والَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالنَّصْبِ خالَفُوا أيْضًا خَطَّ المُصْحَفِ واعْتَمَدُوا رِوايَتَهم. وسَرَيانُ مَعْنى التَّأْكِيدِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ التَّأْكِيدَ تَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ كُلِّها لا بِخُصُوصِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى إعادَةِ المُؤَكِّدِ مَعَ المَعْطُوفِ. واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ. ويُقالُ لَهُ الجُمانُ والجَوْهَرُ. وهو حُبُوبٌ بَيْضاءُ وصَفْراءُ ذاتُ بَرِيقٍ رَقْراقٍ تُسْتَخْرَجُ مِن أجْوافِ حَيَوانٍ مائِيٍّ حَلَزُونِيٍّ مُسْتَقِرٍّ في غِلافٍ ذِي دَفَّتَيْنِ مُغْلَقَتَيْنِ عَلَيْهِ يَفْتَحُهُما بِحَرَكَةٍ حَيَوِيَّةٍ مِنهُ لِامْتِصاصِ الماءِ الَّذِي يَسْبَحُ فِيهِ ويُسَمّى غِلافُهُ صَدَفًا، فَتُوجَدُ في جَوْفِ الحَيَوانِ حَبَّةٌ ذاتُ بَرِيقٍ وهي تَتَفاوَتُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ وبِصَفاءِ اللَّوْنِ وبَياضِهِ. وهَذا الحَيَوانُ يُوجَدُ في عِدَّةِ بِحارٍ: كَبَحْرِ العَجَمِ وهو المُسَمّى بِالبَحْرَيْنِ، وبَحْرِ الجابُونِ، وشَطِّ جَزِيرَةِ جَرْبَةَ مِنَ البِلادِ التُّونِسِيَّةِ، وأجْوَدُهُ وأحْسَنُهُ الَّذِي يُوجَدُ مِنهُ في البَحْرَيْنِ حَيْثُ مَصَبُّ نَهْرَيِ الدِّجْلَةِ والفُراتِ، ويَسْتَخْرِجُهُ غَوّاصُونَ مُدَرَّبُونَ عَلى التِقاطِهِ صفحة ٢٣٣ مِن قَعْرِ البَحْرِ بِالغَوْصِ، يَغُوصُ الغائِصُ مَشْدُودًا بِحَبْلٍ بِيَدِ مَن يُمْسِكُهُ عَلى السَّفِينَةِ ويَنْتَشِلُهُ بَعْدَ لَحْظَةٍ تَكْفِيهِ لِلِالتِقاطِ. وقَدْ جاءَ وصْفُ ذَلِكَ في قَوْلِ المُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ أوِ الأعْشى: لَجُمانَةُ البَحْرِيِّ جاءَ بِها غَوّاصُها مِن لُجَّةِ البَحْرِ نَصَفَ النَّهارَ الماءُ غامِرُهُ ∗∗∗ ورَفِيقُهُ بِالغَيْبِ لا يَدْرِي وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ يَصِفُ لُؤْلُؤَةً: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤] . ولَمّا كانَتِ التَّحْلِيَةُ غَيْرَ اللِّباسِ جِيءَ بِاسْمِ اللِّباسِ بَعْدَ (يُحَلَّوْنَ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ دُونَ (يَلْبَسُونَ) لِتَحْصُلَ الدَّلالَةُ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ كَما دَلَّتْ صِيغَةُ (يُحَلَّوْنَ) عَلى أنَّ التَّحْلِيَةَ مُتَجَدِّدَةٌ بِأصْنافٍ وألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِن عُمُومِ الصِّيغَتَيْنِ يُفْهَمُ تَحَقُّقُ مِثْلِها في الجانِبِ الآخَرِ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُحَلَّوْنَ بِها وحِلْيَتُهم مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ يَلْبَسُونَهُ. والحَرِيرُ: يُطْلَقُ عَلى ما نُسِجَ مِن خُيُوطِ الحَرِيرِ كَما هُنا. وأصْلُ اسْمِ الحَرِيرِ اسْمُ الخُيُوطِ تُفْرِزُها مِن لُعابِها دُودَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَلُفُّها لَفًّا بَعْضَها إلى بَعْضٍ مِثْلَ كُبَّةٍ تَلْتَئِمُ مَشْدُودَةً كَصُورَةِ الفُولِ السُّودانِيِّ تُحِيطُ بِالدُّودَةِ كَمِثْلِ الجَوْزَةِ وتَمْكُثُ فِيهِ الدُّودَةُ مُدَّةً إلى أنْ تَتَحَوَّلَ الدُّودَةُ إلى فَراشَةٍ ذاتِ جَناحَيْنِ فَتَثْقُبُ ذَلِكَ البَيْتَ وتَخْرُجُ مِنهُ. وإنَّما تَحْصُلُ الخُيُوطُ مِن ذَلِكَ البَيْتِ بِوَضْعِها في ماءٍ حارٍّ في دَرَجَةِ الغَلَيانِ حَتّى يَزُولَ تَماسُكُها بِسَبَبِ انْحِلالِ المادَّةِ الصَّمْغِيَّةِ اللُّعابِيَّةِ الَّتِي تَشُدُّها فَيُطْلِقُونَها خَيْطًا واحِدًا طَوِيلًا. ومِن تِلْكَ الخُيُوطِ تُنْسَجُ ثِيابٌ صفحة ٢٣٤ تَكُونُ بالِغَةً في اللِّينِ واللَّمَعانِ. وثِيابُ الحَرِيرِ أجْوَدُ الثِّيابِ في الدُّنْيا قَدِيمًا وحَدِيثًا. وأقْدَمُ ظُهُورِها في بِلادِ الصِّينِ مُنْذُ خَمْسَةِ آلافِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا حَيْثُ يَكْثُرُ شَجَرُ التُّوتِ. لِأنَّ دُودَ الحَرِيرِ لا يُفْرِزُ الحَرِيرَ إلّا إذا كانَ عَلَفُهُ ورَقَ التُّوتِ، والأكْثَرُ أنَّهُ يَبْنِي بُيُوتَهُ في أغْصانِ التُّوتِ. وكانَ غَيْرُ أهْلِ الصِّينِ لا يَعْرِفُونَ تَرْبِيَةَ دُودِ الحَرِيرِ فَلا يُحَصِّلُونَ الحَرِيرَ إلّا مِن طَرِيقِ بِلادِ الفُرْسِ يَجْلِبُهُ التُّجّارُ فَلِذَلِكَ يُباعُ بِأثْمانٍ غالِيَةٍ. وكانَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ تُباعُ بِوَزْنِها مِنَ الذَّهَبِ. ثُمَّ نُقِلَ بِزْرُ دُودِ الحَرِيرِ الَّذِي يُوَلَّدُ مِنهُ الدُّودُ إلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ في زَمَنِ الإمْبِراطُورِ ”بُوسْتِنْيانُوسَ“ بَيْنَ سَنَةِ ٥٢٧ وسَنَةِ ٥٦٥ م. ومِن أصْنافِ ثِيابِ الحَرِيرِ السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ وقَدْ تَقَدَّما في سُورَةِ الكَهْفِ. وعُرِفَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ في الرُّومانِ في حُدُودِ أوائِلِ القَرْنِ الثّالِثِ المَسِيحِيِّ. ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أنَّ اللَّهَ يُرْشِدُهم إلى أقْوالٍ، أيْ يُلْهِمُهم أقْوالًا حَسَنَةً يَقُولُونَها بَيْنَهم. وقَدْ ذُكِرَ بَعْضُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم يُرْشَدُونَ إلى أماكِنَ يَسْمَعُونَ فِيها أقْوالًا طَيِّبَةً. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وهَذا أشَدُّ مُناسَبَةً بِمُقابَلَةِ ما يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلِهِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] . وجُمْلَةُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ لِلِاعْتِراضِ، هي كالتَّكْمِلَةِ لِوَصْفِ حُسْنِ حالِهِمْ لِمُناسَبَةِ صفحة ٢٣٥ ذِكْرِ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾، ولَمْ يَسْبِقْ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ. وسَيَجِيءُ ذِكْرُ مُقابِلِها في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وذَلِكَ مِن أفانِينِ المُقابَلَةِ. والمَعْنى: وقَدْ هُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ في الدُّنْيا، وهو دِينُ الإسْلامِ، شُبِّهَ بِالصِّراطِ لِأنَّهُ مُوَصِّلٌ إلى رِضى اللَّهِ. والحَمِيدُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، أيِ المَحْمُودُ كَثِيرًا فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإضافَةُ (صِراطٍ) إلى اسْمِ (اللَّهِ) لِتَعْرِيفِ أيِّ صِراطٍ هو. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الحَمِيدِ) صِفَةً لِـ (صِراطٍ)، أيِ المَحْمُودُ لِسالِكِهِ. فَإضافَةُ ”صِراطٍ“ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. والصِّراطُ المَحْمُودُ هو صِراطُ دِينِ اللَّهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيماءٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ تِلْكَ النِّعَمِ أنَّهُ الهِدايَةُ السّابِقَةُ إلى دِينِ اللَّهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.

الحج 22:25

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ المُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَسْبِقْ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ مُقابِلٌ في الأحْوالِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩] كَما تَقَدَّمَ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ. والمَعْنى: كَما كانَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ النَّعِيمَ اتِّباعَهم صِراطَ اللَّهِ كَذَلِكَ كانَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ العَذابَ كُفْرَهم وصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. صفحة ٢٣٦ وفِيهِ مَعَ هَذِهِ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَهُ تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ إلى ما بَعْدَهُ مِن بَيانِ حَقِّ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وتَهْوِيلُ أمْرِ الإلْحادِ فِيهِ، والتَّنْوِيهُ بِهِ وتَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مَأْوًى لِلشِّرْكِ ورِجْسِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وجاءَ (يَصُدُّونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَأْبُهم سَواءٌ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم؛ لِأنَّ البَقِيَّةَ ظاهَرُوهم عَلى ذَلِكَ الصَّدِّ ووافَقُوهم. أمّا صِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَلِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ صارَ كاللَّقَبِ لَهم مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ١٤] . وسَبِيلُ اللَّهِ: الإسْلامُ، فَصَدُّهم عَنْهُ هو الَّذِي حَقَّقَ لَهم عَذابَ النّارِ، كَما حَقَّقَ اهْتِداءُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ لَهم نَعِيمَ الجَنَّةِ. والصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِمّا شَمِلَهُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى التَّنْوِيهِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وذِكْرِ بِنائِهِ، وشَرْعِ الحَجِّ لَهُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ. والمُرادُ بِصَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ صَدٌّ عَرَفَهُ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ. ولَعَلَّهُ صَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ والطَّوافِ بِالبَيْتِ. والمَعْرُوفُ مِن ذَلِكَ أنَّهم مَنَعُوا المُسْلِمِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن زِيارَةِ البَيْتِ فَقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ لِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ لَمّا جاءَ إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا وقالَ لِصاحِبِهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: انْتَظِرْ لِي ساعَةً مِنَ النَّهارِ لَعَلِّي أطُوفُ بِالبَيْتِ، فَبَيْنَما سَعْدٌ يَطُوفُ إذْ أتاهُ أبُو جَهْلٍ وعَرَفَهُ. فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: أتَطَّوَّفُ بِالكَعْبَةِ ؟ آمَنّا وقَدْ أُوتِيتُمُ الصُّباةَ ”يَعْنِي المُسْلِمِينَ“ . ومِن ذَلِكَ ما صَنَعُوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأحْسَبُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ سَواءٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ أمْ بِالمَدِينَةِ. صفحة ٢٣٧ ووَصْفُ المَسْجِدِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ مُؤاخَذَةِ المُشْرِكِينَ بِصَدِّهِمْ عَنْهُ لِأجْلِ أنَّهم خالَفُوا ما أرادَ اللَّهُ مِنهُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ يَسْتَوِي في أحَقِّيَّةِ التَّعَبُّدِ بِهِ العاكِفُ فِيهِ، أيِ المُسْتَقِرُّ في المَسْجِدِ، والبادِي، أيِ البَعِيدُ عَنْهُ إذا دَخَلَهُ. والمُرادُ بِالعاكِفِ: المُلازِمُ لَهُ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ السّاكِنِ بِمَكَّةَ لِأنَّ السّاكِنَ بِمَكَّةَ يَعْكُفُ كَثِيرًا في المَسْجِدِ الحَرامِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِالبادِي، فَأُطْلِقَ العُكُوفُ في المَسْجِدِ عَلى سُكْنى مَكَّةَ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ. وفي ذِكْرِ العُكُوفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ بِسُكْنى مَكَّةَ مَزِيَّةً عَلى غَيْرِهِمْ، وبِأنَّهم حِينَ يَمْنَعُونَ الخارِجِينَ عَنْ مَكَّةَ مِنَ الدُّخُولِ لِلْكَعْبَةِ قَدْ ظَلَمُوهم بِاسْتِئْثارِهِمْ بِمَكَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَواءٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ (والعاكِفُ فِيهِ) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلْناهُ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) . والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ. والبادِي: ساكِنُ البادِيَةِ. وقَوْلُهُ (سَواءٌ) لَمْ يُبَيِّنِ الِاسْتِواءَ في ماذا؛ وهَذا لِظُهُورِ أنَّ الِاسْتِواءَ فِيهِ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مَسْجِدًا إنَّما هو في العِبادَةِ المَقْصُودَةِ مِنهُ ومِن مُلْحَقاتِهِ وهي: الطَّوافُ، والسَّعْيُ، ووُقُوفُ عَرَفَةَ. وكُتِبَ (والبادِ) في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (والبادِي) بِإثْباتِ الياءِ عَلى القِياسِ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ، والقِياسُ إثْباتُ ياءِ الِاسْمِ المَنقُوصِ إذا كانَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ، ومَحْمِلُ كِتابَتِهِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الياءَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الحَرَكاتِ وألِفاتِ أواسِطِ الأسْماءِ فَلَمْ يَكْتُبُوها. وقَرَأهُ نافِعٌ بِغَيْرِ صفحة ٢٣٨ ياءٍ في الوَقْفِ وأثْبَتَها في الوَصْلِ. ومَحْمِلُ كِتابَتِهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِدُونِ ياءٍ أنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ التَّخْفِيفُ في حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّسْمِ أنْ يُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ياءٍ في الحالَيْنِ الوَصْلِ والوَقْفِ. والوَجْهُ فِيهِ قَصْدُ التَّخْفِيفِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِحُكْمِ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ إثْباتًا ولا نَفْيًا لِأنَّ سِياقَها خاصٌّ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ دُونَ غَيْرِهِ، ويُلْحَقُ بِهِ ما هو مِن تَمامِ مَناسِكِهِ: كالمَسْعى، والمَوْقِفِ، والمَشْعَرِ الحَرامِ، والجِمارِ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الفُقَهاءِ أنْ يَذْكُرُوا مَسْألَةَ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ. ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ النّاسَ سَواءٌ في أداءِ المَناسِكِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ وما يَتْبَعُهُ إلّا ما مَنَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ كَطَوافِ الحائِضِ بِالكَعْبَةِ. وأمّا مَسْألَةُ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ فَلِلْفُقَهاءِ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: فَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما يَقُولُونَ: إنَّ القادِمَ إلى مَكَّةَ لِلْحَجِّ لَهُ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شاءَ مِن دِيارِها وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ. وكانَتْ دُورُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: دُورُ مَكَّةَ مِلْكٌ لِأهْلِها، ولَهُمُ الِامْتِناعُ مِن إسْكانِ غَيْرِهِمْ، ولَهم إكْراؤُها لِلنّاسِ، وإنَّما تَجِبُ المُواساةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ عُمَرُ فَهو مِنَ المُواساةِ. وقَدِ اشْتَرى عُمَرُ دارَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وجَعَلَها سَكَنًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: دُورُ مَكَّةَ لا تُمْلَكُ ولَيْسَ لِأهْلِها أنْ يُكْرُوها. وقَدْ ظُنَّ أنَّ الخِلافَ في ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا. والحَقُّ أنَّهُ لا صفحة ٢٣٩ بِناءَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ القائِلِينَ بِأنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً قائِلِينَ بِتَمَلُّكِ دُورِ مَكَّةَ فَهَذا مالِكُ بْنُ أنَسٍ يَراها فُتِحَتْ عَنْوَةً ويَرى صِحَّةَ تَمَلُّكِ دُورِها. ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أقَرَّ أهْلَها في مَنازِلِهِمْ فَيَكُونُ قَدْ أقْطَعَهم إيّاها كَما مَنَّ عَلى أهْلِها بِالإطْلاقِ مِنَ الأسْرِ ومِنَ السَّبْيِ. ولَمْ يَزَلْ أهْلُ مَكَّةَ يَتَبايَعُونَ دُورَهم ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وخَبَرُ (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجُمْلَةِ الآتِيَةِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وإذْ كانَ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ إلْحادًا بِظُلْمٍ فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِما في (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ مِنَ العُمُومِ. والإلْحادُ: الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ وسَواءِ الأُمُورِ. والظُّلْمُ يُطْلَقُ عَلى الإشْراكِ وعَلى المَعاصِي لِأنَّها ظُلْمُ النَّفْسِ. والباءُ في (بِإلْحادٍ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مِثْلُها في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . أيْ مَن يُرِدْ إلْحادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ وذَلِكَ صَدُّهم عَنْ زِيارَتِهِ. والباءُ في (بِظُلْمٍ) لِلْمُلابَسَةِ. فالظُّلْمُ: الإشْراكُ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمَلَهُمُ الإشْراكُ عَلى مُناوَأةِ المُسْلِمِينَ ومَنعِهِمْ مِن زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن عَذابٍ ألِيمٍ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ عَلى رَأْيِ مَن لا يَشْتَرِطُونَ لِزِيادَةِ (مِن) وُقُوعَها بَعْدَ نَفْيٍ أوْ نَهْيٍ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها لِلتَّبْعِيضِ، أيْ نُذِقْهُ عَذابًا مِن عَذابٍ ألِيمٍ.

الحج 22:26

صفحة ٢٤٠ ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ويُعْلَمُ مِنها تَعْلِيلُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها بِأنَّ المُلْحِدَ في المَسْجِدِ الحَرامِ قَدْ خالَفَ بِإلْحادِهِ فِيهِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن تَطْهِيرِهِ حِينَ أمَرَ بِبِنائِهِ. والتَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ إلى إثْباتِ ظُلْمِ المُشْرِكِينَ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ في إقامَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ وتَشْرِيعِ الحَجِّ. و(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما هو مُتَعارَفٌ في أمْثالِهِ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ بَوَّأْنا، أيِ اذْكُرْ زَمانَ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ العَظِيمَ. وعُرِفَ مَعْنى تَعْظِيمِهِ مِن إضافَةِ اسْمِ الزَّمانِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ دُونَ المَصْدَرِ فَصارَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ التَّجَدُّدِ كَأنَّهُ زَمَنٌ حاضِرٌ. والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ [يوسف: ٥٦] . والمَكانُ: السّاحَةُ مِنَ الأرْضِ ومَوْضِعٌ لِلْكَوْنِ فِيهِ، فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الكَوْنِ، فَتَبْوِئَتُهُ المَكانَ: إذْنُهُ بِأنْ يَتَّخِذَهُ مَباءَةً، أيْ مَقَرًّا يَبْنِي فِيهِ بَيْتًا، فَوَقَعَ بِذِكْرِ (مَكانَ) إيجازٌ في الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أعْطَيْناهُ مَكانًا لِيَتَّخِذَ فِيهِ بَيْتًا، فَقالَ: مَكانَ البَيْتِ، لِأنَّ هَذا حِكايَةٌ عَنْ قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ لَهم. وسَبَقَ ذِكْرُها فِيما نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ. واللّامُ في (لِإبْراهِيمَ) لامُ العِلَّةِ لِأنَّ (إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (بَوَّأْنا) الَّذِي هو مِن بابِ أعْطى، فاللّامُ مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ صفحة ٢٤١ لَكَ، أيْ شَكَرَتْكَ لِأجْلِكَ. وفي ذِكْرِ اللّامِ في مِثْلِهِ ضَرْبٌ مِنَ العِنايَةِ والتَّكْرِمَةِ. و(البَيْتِ) مَعْرُوفٌ مَعْهُودٌ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ فَلِذَلِكَ عُرِّفَ بِلامِ العَهْدِ ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ ذِكْرُ (مَكانَ) حَشْوًا. والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَأْوًى لِلدِّينِ، أيْ مَعْهَدًا لِإقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ. فَكانَ يَتَضَمَّنُ بِوَجْهِ الإجْمالِ أنَّهُ يَتَرَقَّبُ تَعَلُّمًا بِالدِّينِ فَلِذَلِكَ أُعْقِبَ بِحِرَفِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وكانَ أصْلُ الدِّينِ هو نَفْيَ الإشْراكِ بِاللَّهِ فَعُلِمَ أنَّ البَيْتَ جُعِلَ مَعْلَمًا لِلتَّوْحِيدِ بِحَيْثُ يُشْتَرَطُ عَلى الدّاخِلِ إلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ مُشْرِكًا، فَكانَتِ الكَعْبَةُ لِذَلِكَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، لِإعْلانِ التَّوْحِيدِ كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ . والمَعْنى: وأمَرْناهُ بِبِناءِ البَيْتِ في ذَلِكَ المَكانِ، وبَعْدَ أنْ بَناهُ قُلْنا لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ. وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَشْرِيفٌ لِلْبَيْتِ. والتَّطْهِيرُ: تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ خَبِيثٍ: مَعْنًى كالشِّرْكِ والفَواحِشِ وظُلْمِ النّاسِ وبَثِّ الخِصالِ الذَّمِيمَةِ، وحِسًّا مِنَ الأقْذارِ ونَحْوِها، أيْ أعْدِدْهُ طاهِرًا لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ فِيهِ. والطَّوافُ: المَشْيُ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وهو عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ قَرَّرَها الإسْلامُ وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ حَوْلَ أصْنامِهِمْ كَما يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ. صفحة ٢٤٢ والمُرادُ بِالقائِمِينَ الدّاعُونَ تُجاهَ الكَعْبَةِ، ومِنهُ سُمِّيَ مَقامُ إبْراهِيمَ، وهو مَكانُ قِيامِهِ لِلدُّعاءِ فَكانَ المُلْتَزَمَ مَوْضِعًا لِلدُّعاءِ. قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمْ والرُّكَّعُ: جَمْعُ راكِعٍ، ووَزْنُ فُعَّلٍ يَكْثُرُ جَمْعًا لِفاعِلٍ وصْفًا إذا كانَ صَحِيحَ اللّامِ نَحْوَ: عُذَّلٍ وسُجَّدٍ. والسُّجُودُ: جَمْعُ ساجِدٍ مِثْلُ: الرُّقُودِ، والقُعُودِ، وهو مِن جُمُوعِ أصْحابِ الأوْصافِ المُشابِهَةِ مَصادِرَ أفْعالِها.

الحج 22:27

﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ (وأذِّنْ) عَطْفٌ عَلى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن إكْرامِ الزّائِرِ تَنْظِيفَ المَنزِلِ وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ الزّائِرِ بِالمَكانِ. والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالإعْلامِ بِشَيْءٍ. وأصْلُهُ مُضاعَفُ أذِنَ إذا سَمِعَ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى بَلَغَهُ الخَبَرُ فَجاءَ مِنهُ آذَنَ بِمَعْنى أخْبَرَ. وأذِّنْ بِما فِيهِ مِن مُضاعَفَةِ الحُرُوفِ مُشْعِرٌ بِتَكْرِيرِ الفِعْلِ، أيْ أكْثِرِ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ، والكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِالتَّكْرارِ وبِرَفْعِ الصَّوْتِ القائِمِ مَقامَ التَّكْرارِ. ولِكَوْنِهِ بِمَعْنى الإخْبارِ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ. والنّاسُ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ، أيْ كُلَّ ما أمْكَنَهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِ ذَلِكَ. صفحة ٢٤٣ والمُرادُ بِالحَجِّ: القَصْدُ إلى بَيْتِ اللَّهِ. وصارَ لَفْظُ الحَجِّ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الحُضُورِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ لِأداءِ المَناسِكِ. ومِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَلَقِّي عَقِيدَةِ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِطَرِيقِ المُشاهِدَةِ لِلْهَيْكَلِ الَّذِي أُقِيمَ لِذَلِكَ حَتّى يَرْسَخَ مَعْنى التَّوْحِيدِ في النُّفُوسِ لِأنَّ لِلنُّفُوسِ مَيْلًا إلى المَحْسُوساتِ لِيَتَقَوّى الإدْراكُ العَقْلِيُّ بِمُشاهَدَةِ المَحْسُوسِ. فَهَذِهِ أصْلٌ في سُنَّةِ المُؤَثِّراتِ لِأهْلِ المَقْصِدِ النّافِعِ. وفي تَعْلِيقِ فِعْلِ (يَأْتُوكَ) بِضَمِيرِ خِطابِ إبْراهِيمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَحْضُرُ مَوْسِمَ الحَجِّ كُلَّ عامٍ يُبْلِغُ لِلنّاسَ التَّوْحِيدَ وقَواعِدَ الحَنِيفِيَّةِ. رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ اعْتَلى جَبَلَ أبِي قَيْسٍ وجَعَلَ إصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ونادى: ”إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“ . وذَلِكَ أقْصى اسْتِطاعَتِهِ في امْتِثالِ الأمْرِ بِالتَّأْذِينِ. وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ رَحّالَةً فَلَعَلَّهُ كانَ يُنادِي في النّاسِ في كُلِّ مَكانٍ يَحِلُّ فِيهِ. وجُمْلَةُ (يَأْتُوكَ) جَوابٌ لِلْأمْرِ، جَعَلَ التَّأْذِينَ سَبَبًا لِلْإتْيانِ تَحْقِيقًا لِتَيْسِيرِ الحَجِّ عَلى النّاسِ. فَدَلَّ جَوابُ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ اسْتِجابَةَ نِدائِهِ. وقَوْلُهُ (رِجالًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) . وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ بِواوِ التَّقْسِيمِ الَّتِي بِمَعْنى (أوْ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] إذْ مَعْنى العَطْفِ هُنا عَلى اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، إذِ الرّاكِبُ لا يَكُونُ راجِلًا ولا العَكْسَ. والمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِيعابُ أحْوالِ الآتِينَ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ بِتَيْسِيرِ الإتْيانِ المُشارِ إلَيْهِ بِجَعْلِ إتْيانِهِمْ جَوابًا لِلْأمْرِ، أيْ يَأْتِيكَ مَن لَهم رَواحِلُ ومَن يَمْشُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ. صفحة ٢٤٤ ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالِ أغْرَبَ قُدِّمَ قَوْلُهُ (رِجالًا) ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ تَكْمِلَةً لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ إذْ إتْيانُ النّاسِ لا يَعْدُو أحَدَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. و(رِجالًا): جَمْعُ راجِلٍ وهو ضِدُّ الرّاكِبِ. والضّامِرُ: قَلِيلُ لَحْمِ البَطْنِ. يُقالُ: ضَمُرَ ضُمُورًا فَهو ضامِرٌ، وناقَةٌ ضامِرٌ أيْضًا. والضُّمُورُ مِن مَحاسِنِ الرَّواحِلِ والخَيْلِ لِأنَّهُ يُعِينُها عَلى السَّيْرِ والحَرَكَةِ. فالضّامِرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَلى كُلِّ راحِلَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) مِن قَوْلِهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ، أيْ وعَلى رَواحِلَ كَثِيرَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) أصْلُها الدَّلالَةُ عَلى اسْتِغْراقِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ ويَكْثُرُ اسْتِعْمالُها في مَعْنًى كَثِيرٍ مِمّا تُضافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ مِن أكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي يُؤْتاها أهْلُ المُلْكِ، وقَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أيْ بِها وحْشٌ كَثِيرٌ في رِمالٍ كَثِيرَةٍ. وتَكَرَّرَ هَذا الإطْلاقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي عَلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةَ البَقَرَةِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةَ النَّمْلِ. صفحة ٢٤٥ و(يَأْتِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ﴿كُلِّ ضامِرٍ﴾ لِأنَّ لَفْظَ ”كُلِّ“ صَيَّرَهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وإذْ هو جَمْعٌ لِما لا يَعْقِلُ فَحَقُّهُ التَّأْنِيثُ، وإنَّما أُسْنِدَ الإتْيانُ إلى الرَّواحِلِ دُونَ النّاسِ فَلَمْ يَقُلْ: يَأْتُونَ، لِأنَّ الرَّواحِلَ هي سَبَبُ إتْيانِ النّاسِ مِن بُعْدٍ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ عَلى رِجْلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ (يَأْتِينَ) حالًا ثانِيَةً مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (يَأْتُوكَ) لِأنَّ الحالَ الأُولى تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّنْوِيعِ والتَّصْنِيفِ، فَصارَ المَعْنى: يَأْتُوكَ جَماعاتٍ، فَلَمّا تَأوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنى الجَماعاتِ جَرى عَلَيْهِمُ الفِعْلُ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيادَةَ التَّعْجِيبِ مِن تَيْسِيرِ الحَجِّ حَتّى عَلى المُشاةِ، وقَدْ تُشاهِدُ في طَرِيقِ الحَجِّ جَماعاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ يَمْشُونَ رِجالًا بِأوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ وكَذَلِكَ يَقْطَعُونَ المَسافاتِ بَيْنَ مَكَّةَ وبِلادِهِمْ. والفَجُّ: الشِّقُّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ تَسِيرُ فِيهِ الرِّكابُ، فَغَلَبَ الفَجُّ عَلى الطَّرِيقِ لِأنَّ أكْثَرَ الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَكَّةَ تُسْلَكُ بَيْنَ الجِبالِ. والعَمِيقُ: البَعِيدُ إلى أسْفَلَ لِأنَّ العُمْقَ البُعْدُ في القَعْرِ، فَأُطْلِقَ عَلى البَعِيدِ مُطْلَقًا بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ مَكَّةَ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ والنّاسُ مُصَعِّدُونَ إلَيْهِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى السَّفَرِ مِن مَوْطِنِ المُسافِرِ إلى مَكانٍ آخَرَ إصْعادٌ كَما يُطْلَقُ عَلى الرُّجُوعِ انْحِدارٌ وهُبُوطٌ، فَإسْنادُ الإتْيانِ إلى الرَّواحِلِ تَشْرِيفٌ لَها بِأنْ جَعَلَها مُشارَكَةً لِلْحَجِيجِ في الإتْيانِ إلى البَيْتِ. وقَوْلُهُ (لِيَشْهَدُوا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) فَهو عِلَّةٌ لِإتْيانِهِمُ الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَلى التَّأْذِينِ بِالحَجِّ فَآلَ إلى كَوْنِهِ عِلَّةً في التَّأْذِينِ بِالحَجِّ. ومَعْنى (لِيَشْهَدُوا) لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم، أيْ لِيَحْضُرُوا فَيُحَصِّلُوا مَنافِعَ لَهم إذْ يُحَصِّلُ كُلُّ واحِدٍ ما فِيهِ نَفْعُهُ. وأهَمُّ المَنافِعِ صفحة ٢٤٦ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الثَّوابِ. فَكَنى بِشُهُودِ المَنافِعِ عَنْ نَيْلِها. ولا يُعْرَفُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْيِينِ. وأعْظَمُ ذَلِكَ اجْتِماعُ أهْلِ التَّوْحِيدِ في صَعِيدٍ واحِدٍ لِيَتَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما بِهِ كَمالُ إيمانِهِ. وتَنْكِيرُ (مَنافِعَ) لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ مِنهُ الكَثْرَةُ وهي المَصالِحُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ لِأنَّ في مَجْمَعِ الحَجِّ فَوائِدَ جَمَّةً لِلنّاسِ؛ لِأفْرادِهِمْ مِنَ الثَّوابِ والمَغْفِرَةِ لِكُلِّ حاجٍّ، ولِمُجْتَمَعِهِمْ لِأنَّ في الِاجْتِماعِ صَلاحًا في الدُّنْيا بِالتَّعارُفِ والتَّعامُلِ. وخَصَّ مِنَ المَنافِعِ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وذَلِكَ هو النَّحْرُ والذَّبْحُ لِلْهَدايا. وهو مُجْمَلٌ في الواجِبَةِ والمُتَطَوَّعِ بِها. وقَدْ بَيَّنَتْهُ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ مِن قَبْلُ بِما لَمْ يَبْلُغْ إلَيْنا. وبَيَّنَهُ الإسْلامُ بِما فِيهِ شِفاءٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَذْكُرُوا) . وهو لِلِاسْتِعْلاءِ المُجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى المُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ، أيْ عَلى الأنْعامِ. وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عِنْدِ نَحْرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ أوْ ذَبْحِها. و(ما) مَوْصُولَةٌ، ومِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ بَيانٌ لِمَدْلُولِ (ما) . والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وأُدْمِجَ في هَذا الحُكْمِ الِامْتِنانُ بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم تِلْكَ الأنْعامَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ الشُّكْرِ عَلى هَذا الرِّزْقِ بِالإخْلاصِ لِلَّهِ في العِبادَةِ وإطْعامِ المَحاوِيجِ مِن عِبادِ اللَّهِ مِن لُحُومِها، وفي ذَلِكَ سَدٌّ لِحاجَةِ الفُقَراءِ بِتَزْوِيدِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ لِعامِهِمْ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ . صفحة ٢٤٧ فالأمْرُ بِالأكْلِ مِنها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ وُجُوبٍ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ (فَكُلُوا) لِإبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ. وقَدْ عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ الواقِعَةِ في ضَمائِرِ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، إلى الخِطابِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ إلَخْ. عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي حِكايَةِ هَذا تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا يَمْنَعُونَ الأكْلَ مِنَ الهَدايا. ثُمَّ عادَ الأُسْلُوبُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ فَكُلُوا مِنها إلَخْ مُعْتَرِضَةً مُفَرَّعَةً عَلى خِطابِ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ تَفْرِيعَ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُمْنَعَ الأكْلُ مِن بَعْضِها. والأيّامُ المَعْلُوماتُ أُجْمِلَتْ هُنا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِها إذْ غَرَضُ الكَلامِ ذِكْرُ حَجِّ البَيْتِ وقَدْ بَيَّنْتُ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِأعْمالِ الحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . والبائِسُ: الَّذِي أصابَهُ البُؤْسُ، وهو ضِيقُ المالِ، وهو الفَقِيرُ. هَذا قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي المُوَطَّأِ: في بابِ ما يُكْرَهُ مِن أكْلِ الدَّوابِّ. قالَ مالِكٌ: سَمِعْتُ أنَّ البائِسَ هو الفَقِيرُ اهـ. وقُلْتُ: مِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ كالبَيانِ لَهُ وإنَّما ذُكِرَ البائِسُ مَعَ أنَّ الفَقِيرَ مُغْنٍ عَنْهُ لِتَرْقِيقِ أفْئِدَةِ النّاسِ عَلى الفَقِيرِ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ في بُؤْسٍ لِأنَّ وصْفَ فَقِيرٍ لِشُيُوعِ تَداوُلِهِ عَلى الألْسُنِ صارَ كاللَّقَبِ صفحة ٢٤٨ غَيْرَ مُشْعِرٍ بِمَعْنى الحاجَةِ وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ التَّأْكِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البائِسُ الَّذِي ظَهَرَ بُؤْسُهُ في ثِيابِهِ وفي وجْهِهِ، والفَقِيرُ الَّذِي تَكُونُ ثِيابُهُ نَقِيَّةً ووَجْهُهُ وجْهَ غَنِيٍّ. فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ البائِسُ هو المِسْكِينُ ويَكُونُ ذِكْرُ الوَصْفَيْنِ لِقَصْدِ اسْتِيعابِ أحْوالِ المُحْتاجِينَ والتَّنْبِيهِ إلى البَحْثِ عَنْ مَوْقِعِ الِامْتِناعِ.

الحج 22:28

﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ (وأذِّنْ) عَطْفٌ عَلى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن إكْرامِ الزّائِرِ تَنْظِيفَ المَنزِلِ وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ الزّائِرِ بِالمَكانِ. والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالإعْلامِ بِشَيْءٍ. وأصْلُهُ مُضاعَفُ أذِنَ إذا سَمِعَ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى بَلَغَهُ الخَبَرُ فَجاءَ مِنهُ آذَنَ بِمَعْنى أخْبَرَ. وأذِّنْ بِما فِيهِ مِن مُضاعَفَةِ الحُرُوفِ مُشْعِرٌ بِتَكْرِيرِ الفِعْلِ، أيْ أكْثِرِ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ، والكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِالتَّكْرارِ وبِرَفْعِ الصَّوْتِ القائِمِ مَقامَ التَّكْرارِ. ولِكَوْنِهِ بِمَعْنى الإخْبارِ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ. والنّاسُ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ، أيْ كُلَّ ما أمْكَنَهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِ ذَلِكَ. صفحة ٢٤٣ والمُرادُ بِالحَجِّ: القَصْدُ إلى بَيْتِ اللَّهِ. وصارَ لَفْظُ الحَجِّ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الحُضُورِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ لِأداءِ المَناسِكِ. ومِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَلَقِّي عَقِيدَةِ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِطَرِيقِ المُشاهِدَةِ لِلْهَيْكَلِ الَّذِي أُقِيمَ لِذَلِكَ حَتّى يَرْسَخَ مَعْنى التَّوْحِيدِ في النُّفُوسِ لِأنَّ لِلنُّفُوسِ مَيْلًا إلى المَحْسُوساتِ لِيَتَقَوّى الإدْراكُ العَقْلِيُّ بِمُشاهَدَةِ المَحْسُوسِ. فَهَذِهِ أصْلٌ في سُنَّةِ المُؤَثِّراتِ لِأهْلِ المَقْصِدِ النّافِعِ. وفي تَعْلِيقِ فِعْلِ (يَأْتُوكَ) بِضَمِيرِ خِطابِ إبْراهِيمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَحْضُرُ مَوْسِمَ الحَجِّ كُلَّ عامٍ يُبْلِغُ لِلنّاسَ التَّوْحِيدَ وقَواعِدَ الحَنِيفِيَّةِ. رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ اعْتَلى جَبَلَ أبِي قَيْسٍ وجَعَلَ إصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ونادى: ”إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“ . وذَلِكَ أقْصى اسْتِطاعَتِهِ في امْتِثالِ الأمْرِ بِالتَّأْذِينِ. وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ رَحّالَةً فَلَعَلَّهُ كانَ يُنادِي في النّاسِ في كُلِّ مَكانٍ يَحِلُّ فِيهِ. وجُمْلَةُ (يَأْتُوكَ) جَوابٌ لِلْأمْرِ، جَعَلَ التَّأْذِينَ سَبَبًا لِلْإتْيانِ تَحْقِيقًا لِتَيْسِيرِ الحَجِّ عَلى النّاسِ. فَدَلَّ جَوابُ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ اسْتِجابَةَ نِدائِهِ. وقَوْلُهُ (رِجالًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) . وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ بِواوِ التَّقْسِيمِ الَّتِي بِمَعْنى (أوْ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] إذْ مَعْنى العَطْفِ هُنا عَلى اعْتِبارِ التَّوْزِيعِ بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، إذِ الرّاكِبُ لا يَكُونُ راجِلًا ولا العَكْسَ. والمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِيعابُ أحْوالِ الآتِينَ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ بِتَيْسِيرِ الإتْيانِ المُشارِ إلَيْهِ بِجَعْلِ إتْيانِهِمْ جَوابًا لِلْأمْرِ، أيْ يَأْتِيكَ مَن لَهم رَواحِلُ ومَن يَمْشُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ. صفحة ٢٤٤ ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالِ أغْرَبَ قُدِّمَ قَوْلُهُ (رِجالًا) ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ تَكْمِلَةً لِتَعْمِيمِ الأحْوالِ إذْ إتْيانُ النّاسِ لا يَعْدُو أحَدَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. و(رِجالًا): جَمْعُ راجِلٍ وهو ضِدُّ الرّاكِبِ. والضّامِرُ: قَلِيلُ لَحْمِ البَطْنِ. يُقالُ: ضَمُرَ ضُمُورًا فَهو ضامِرٌ، وناقَةٌ ضامِرٌ أيْضًا. والضُّمُورُ مِن مَحاسِنِ الرَّواحِلِ والخَيْلِ لِأنَّهُ يُعِينُها عَلى السَّيْرِ والحَرَكَةِ. فالضّامِرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَلى كُلِّ راحِلَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) مِن قَوْلِهِ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ، أيْ وعَلى رَواحِلَ كَثِيرَةٍ. وكَلِمَةُ (كُلِّ) أصْلُها الدَّلالَةُ عَلى اسْتِغْراقِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ ويَكْثُرُ اسْتِعْمالُها في مَعْنًى كَثِيرٍ مِمّا تُضافُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ مِن أكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي يُؤْتاها أهْلُ المُلْكِ، وقَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أيْ بِها وحْشٌ كَثِيرٌ في رِمالٍ كَثِيرَةٍ. وتَكَرَّرَ هَذا الإطْلاقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي عَلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةَ البَقَرَةِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةَ النَّمْلِ. صفحة ٢٤٥ و(يَأْتِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ﴿كُلِّ ضامِرٍ﴾ لِأنَّ لَفْظَ ”كُلِّ“ صَيَّرَهُ في مَعْنى الجَمْعِ. وإذْ هو جَمْعٌ لِما لا يَعْقِلُ فَحَقُّهُ التَّأْنِيثُ، وإنَّما أُسْنِدَ الإتْيانُ إلى الرَّواحِلِ دُونَ النّاسِ فَلَمْ يَقُلْ: يَأْتُونَ، لِأنَّ الرَّواحِلَ هي سَبَبُ إتْيانِ النّاسِ مِن بُعْدٍ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ السَّفَرَ عَلى رِجْلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ (يَأْتِينَ) حالًا ثانِيَةً مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (يَأْتُوكَ) لِأنَّ الحالَ الأُولى تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّنْوِيعِ والتَّصْنِيفِ، فَصارَ المَعْنى: يَأْتُوكَ جَماعاتٍ، فَلَمّا تَأوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنى الجَماعاتِ جَرى عَلَيْهِمُ الفِعْلُ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيادَةَ التَّعْجِيبِ مِن تَيْسِيرِ الحَجِّ حَتّى عَلى المُشاةِ، وقَدْ تُشاهِدُ في طَرِيقِ الحَجِّ جَماعاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ يَمْشُونَ رِجالًا بِأوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ وكَذَلِكَ يَقْطَعُونَ المَسافاتِ بَيْنَ مَكَّةَ وبِلادِهِمْ. والفَجُّ: الشِّقُّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ تَسِيرُ فِيهِ الرِّكابُ، فَغَلَبَ الفَجُّ عَلى الطَّرِيقِ لِأنَّ أكْثَرَ الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَكَّةَ تُسْلَكُ بَيْنَ الجِبالِ. والعَمِيقُ: البَعِيدُ إلى أسْفَلَ لِأنَّ العُمْقَ البُعْدُ في القَعْرِ، فَأُطْلِقَ عَلى البَعِيدِ مُطْلَقًا بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ مَكَّةَ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ والنّاسُ مُصَعِّدُونَ إلَيْهِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى السَّفَرِ مِن مَوْطِنِ المُسافِرِ إلى مَكانٍ آخَرَ إصْعادٌ كَما يُطْلَقُ عَلى الرُّجُوعِ انْحِدارٌ وهُبُوطٌ، فَإسْنادُ الإتْيانِ إلى الرَّواحِلِ تَشْرِيفٌ لَها بِأنْ جَعَلَها مُشارَكَةً لِلْحَجِيجِ في الإتْيانِ إلى البَيْتِ. وقَوْلُهُ (لِيَشْهَدُوا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (يَأْتُوكَ) فَهو عِلَّةٌ لِإتْيانِهِمُ الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَلى التَّأْذِينِ بِالحَجِّ فَآلَ إلى كَوْنِهِ عِلَّةً في التَّأْذِينِ بِالحَجِّ. ومَعْنى (لِيَشْهَدُوا) لِيَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم، أيْ لِيَحْضُرُوا فَيُحَصِّلُوا مَنافِعَ لَهم إذْ يُحَصِّلُ كُلُّ واحِدٍ ما فِيهِ نَفْعُهُ. وأهَمُّ المَنافِعِ صفحة ٢٤٦ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الثَّوابِ. فَكَنى بِشُهُودِ المَنافِعِ عَنْ نَيْلِها. ولا يُعْرَفُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْيِينِ. وأعْظَمُ ذَلِكَ اجْتِماعُ أهْلِ التَّوْحِيدِ في صَعِيدٍ واحِدٍ لِيَتَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما بِهِ كَمالُ إيمانِهِ. وتَنْكِيرُ (مَنافِعَ) لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ مِنهُ الكَثْرَةُ وهي المَصالِحُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ لِأنَّ في مَجْمَعِ الحَجِّ فَوائِدَ جَمَّةً لِلنّاسِ؛ لِأفْرادِهِمْ مِنَ الثَّوابِ والمَغْفِرَةِ لِكُلِّ حاجٍّ، ولِمُجْتَمَعِهِمْ لِأنَّ في الِاجْتِماعِ صَلاحًا في الدُّنْيا بِالتَّعارُفِ والتَّعامُلِ. وخَصَّ مِنَ المَنافِعِ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وذَلِكَ هو النَّحْرُ والذَّبْحُ لِلْهَدايا. وهو مُجْمَلٌ في الواجِبَةِ والمُتَطَوَّعِ بِها. وقَدْ بَيَّنَتْهُ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ مِن قَبْلُ بِما لَمْ يَبْلُغْ إلَيْنا. وبَيَّنَهُ الإسْلامُ بِما فِيهِ شِفاءٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَذْكُرُوا) . وهو لِلِاسْتِعْلاءِ المُجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى المُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ، أيْ عَلى الأنْعامِ. وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عِنْدِ نَحْرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ أوْ ذَبْحِها. و(ما) مَوْصُولَةٌ، ومِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ بَيانٌ لِمَدْلُولِ (ما) . والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وأُدْمِجَ في هَذا الحُكْمِ الِامْتِنانُ بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم تِلْكَ الأنْعامَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ الشُّكْرِ عَلى هَذا الرِّزْقِ بِالإخْلاصِ لِلَّهِ في العِبادَةِ وإطْعامِ المَحاوِيجِ مِن عِبادِ اللَّهِ مِن لُحُومِها، وفي ذَلِكَ سَدٌّ لِحاجَةِ الفُقَراءِ بِتَزْوِيدِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ لِعامِهِمْ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ . صفحة ٢٤٧ فالأمْرُ بِالأكْلِ مِنها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ وُجُوبٍ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ (فَكُلُوا) لِإبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ. وقَدْ عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ الواقِعَةِ في ضَمائِرِ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، إلى الخِطابِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ إلَخْ. عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي حِكايَةِ هَذا تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا يَمْنَعُونَ الأكْلَ مِنَ الهَدايا. ثُمَّ عادَ الأُسْلُوبُ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ فَكُلُوا مِنها إلَخْ مُعْتَرِضَةً مُفَرَّعَةً عَلى خِطابِ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ تَفْرِيعَ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُمْنَعَ الأكْلُ مِن بَعْضِها. والأيّامُ المَعْلُوماتُ أُجْمِلَتْ هُنا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِها إذْ غَرَضُ الكَلامِ ذِكْرُ حَجِّ البَيْتِ وقَدْ بَيَّنْتُ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِأعْمالِ الحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . والبائِسُ: الَّذِي أصابَهُ البُؤْسُ، وهو ضِيقُ المالِ، وهو الفَقِيرُ. هَذا قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي المُوَطَّأِ: في بابِ ما يُكْرَهُ مِن أكْلِ الدَّوابِّ. قالَ مالِكٌ: سَمِعْتُ أنَّ البائِسَ هو الفَقِيرُ اهـ. وقُلْتُ: مِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ كالبَيانِ لَهُ وإنَّما ذُكِرَ البائِسُ مَعَ أنَّ الفَقِيرَ مُغْنٍ عَنْهُ لِتَرْقِيقِ أفْئِدَةِ النّاسِ عَلى الفَقِيرِ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ في بُؤْسٍ لِأنَّ وصْفَ فَقِيرٍ لِشُيُوعِ تَداوُلِهِ عَلى الألْسُنِ صارَ كاللَّقَبِ صفحة ٢٤٨ غَيْرَ مُشْعِرٍ بِمَعْنى الحاجَةِ وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ التَّأْكِيدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البائِسُ الَّذِي ظَهَرَ بُؤْسُهُ في ثِيابِهِ وفي وجْهِهِ، والفَقِيرُ الَّذِي تَكُونُ ثِيابُهُ نَقِيَّةً ووَجْهُهُ وجْهَ غَنِيٍّ. فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ البائِسُ هو المِسْكِينُ ويَكُونُ ذِكْرُ الوَصْفَيْنِ لِقَصْدِ اسْتِيعابِ أحْوالِ المُحْتاجِينَ والتَّنْبِيهِ إلى البَحْثِ عَنْ مَوْقِعِ الِامْتِناعِ.

الحج 22:29

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ لامِ (لِيَقْضُوا) . وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ. وهُما لُغَتانِ في لامِ الأمْرِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ثُمَّ)، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) . و(ثُمَّ) هُنا عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ فَهي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا الزَّمَنِيِّ فَتُفِيدُ أنَّ المَعْطُوفَ بِها أهَمُّ في الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ الكَلامُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وذَلِكَ في الوَفاءِ بِالنَّذْرِ والطَّوافِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ ظاهِرٌ إذْ هُما نُسُكانِ أهَمُّ مِن نَحْرِ الهَدايا، وقَضاءُ التَّفَثِ مَحْمُولٌ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ كَما سَنُبَيِّنُهُ. والتَّفَثُ: كَلِمَةٌ وقَعَتْ في القُرْآنِ وتَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنها. واضْطَرَبَ عُلَماءُ اللُّغَةِ في مَعْناها لَعَلَّهم لَمْ يَعْثُرُوا عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ المُحْتَجِّ بِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْلَمُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، أيْ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ: صفحة ٢٤٩ التَّفَثُ: مَناسِكُ الحَجِّ وأفْعالُهُ كُلُّها. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ لَوْ صَحَّ عَنْهُما لَكانَ حُجَّةَ الإحاطَةِ بِاللُّغَةِ. قُلْتُ: رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُما بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ. ونَسَبَهُ الجَصّاصُ إلى سَعِيدٍ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ وقُطْرُبٌ: التَّفَثُ: هو الوَسَخُ والدَّرَنُ. ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: حَفُّوا رُءُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ولَمْ يَسُلُّوا لَهم قَمْلًا وصِئْبانا ويَحْتَمِلُ أنَّ البَيْتَ مَصْنُوعٌ لِأنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا لَمْ يَجِئْ في مَعْنى التَّفَثِ شِعْرٌ يُحْتَجُّ بِهِ. قالَ نِفْطَوَيْهِ: سَألْتُ أعْرابِيًّا: ما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فَقالَ: ما أُفَسِّرُ القُرْآنَ ولَكِنْ نَقُولُ لِلرَّجُلِ ما أتْفَثَكَ، أيْ ما أدْرَنَكَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: التَّفَثُ: قَصُّ الأظْفارِ والأخْذُ مِنَ الشّارِبِ وكُلُّ ما يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ ورُبَّما زادَ مُجاهِدٌ مَعَ ذَلِكَ رَمْيَ الجِمارِ. وعَنْ صاحِبِ العَيْنِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ: التَّفَثُ الرَّمْيُ، والذَّبْحُ، والحَلْقُ وقَصُّ الأظْفارِ والشّارِبِ وشَعْرِ الإبِطِ. وهو قَوْلُ الحَسَنِ ونُسِبَ إلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ أيْضًا. وعِنْدِي: أنَّ فِعْلَ (لْيَقْضُوا) يُنادِي عَلى أنَّ التَّفَثَ عَمَلٌ مِن أعْمالِ الحَجِّ ولَيْسَ وسَخًا ولا ظُفْرًا ولا شَعْرًا. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ آنِفًا، وأنَّ مَوْقِعَ (ثُمَّ) في عَطْفِ جُمْلَةِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها يُنادِي عَلى مَعْنى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَيَقْتَضِي أنَّ المَعْطُوفَ بِـ (ثُمَّ) أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ قَبْلَها فَإنَّ أعْمالَ الحَجِّ هي المُهِمُّ في الإتْيانِ إلى مَكَّةَ، فَلا جَرَمَ أنَّ التَّفَثَ هو مَناسِكُ الحَجِّ وهَذا الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في قَوْلِهِ في المَقامَةِ المَكِّيَّةِ ”فَلَمّا قَضَيْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ التَّفَثَ. واسْتَبَحْتُ الطِّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ مَوْسِمُ الخَيْفِ. مَعْمَعانَ الصَّيْفِ“ . صفحة ٢٥٠ وقَوْلُهُ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ إنْ كانُوا نَذَرُوا أعْمالًا زائِدَةً عَلى ما تَقْتَضِيهِ فَرِيضَةُ الحَجِّ مِثْلَ نَذْرِ طَوافٍ زائِدٍ أوِ اعْتِكافٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ نُسُكًا أوْ إطْعامَ فَقِيرٍ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. والنَّذْرُ: التِزامُ قُرْبَةٍ لِلَّهِ تَعالى لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى مُلْتَزِمِها بِتَعْلِيقٍ عَلى حُصُولِ مَرْغُوبٍ أوْ بِدُونِ تَعْلِيقٍ، وبِالنَّذْرِ تَصِيرُ القُرْبَةُ المُلْتَزَمَةُ واجِبَةً عَلى النّاذِرِ. وأشْهَرُ صِيغَةٍ: لِلَّهِ عَلَيَّ. . .، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّذْرَ كانَ مَشْرُوعًا في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ. «وقَدْ نَذَرَ عُمَرُ في الجاهِلِيَّةِ اعْتِكافَ لَيْلَةٍ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ ووَفّى بِهِ في إسْلامِهِ» كَما في الحَدِيثِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولْيُوفُوا) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها مُضارِعِ أوْفى. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ولْيُوَفُّوا) بِتَشْدِيدِ الفاءِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ كِلْتا الصِّيغَتَيْنِ مِن فِعْلِ ”وفى“ المَزِيدِ فِيهِ بِالهَمْزَةِ وبِالتَّضْعِيفِ. وخُتِمَ خِطابُ إبْراهِيمَ بِالأمْرِ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ إيذانًا بِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ آخِرَ أعْمالِ الحَجِّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ وهو المُسَمّى في الإسْلامِ طَوافَ الإفاضَةِ. والعَتِيقُ: المُحَرَّرُ غَيْرُ المَمْلُوكِ لِلنّاسِ. شُبِّهَ بِالعَبْدِ العَتِيقِ في أنَّهُ لا مِلْكَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَمْنَعُونَ مِنهُ مَن يَشاءُونَ حَتّى جَعَلُوا بابَهُ مُرْتَفِعًا بِدُونِ دَرَجٍ لِئَلّا يَدْخُلَهُ إلّا مَن شاءُوا كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ أيّامَ الفَتْحِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنَّما سَمّى اللَّهُ البَيْتَ العَتِيقَ لِأنَّهُ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ» . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ حِكايَةٌ عَمّا كانَ في عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلا تُؤْخَذُ مِنها أحْكامُ الحَجِّ والهَدايا في الإسْلامِ. صفحة ٢٥١ وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمَّ لْيَقْضُوا - ولْيُوفُوا - ولْيَطَّوَّفُوا) بِإسْكانِ لامِ الأمْرِ في جَمِيعِها. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (ولِيُوفُوا - ولِيَطَّوَّفُوا) بِكَسْرِ اللّامِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (ثُمَّ لِيَقْضُوا) بِكَسْرِ اللّامِ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الوَجْهَيْنِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) . وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ولْيُوَفُّوا) بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ مِن وفّى المُضاعَفِ.

الحج 22:30

﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهْوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ وجْهَيْنِ مِن كَلامٍ واحِدٍ. والقَصْدُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ. فالإشارَةُ مُرادٌ بِها التَّنْبِيهُ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ ما بَعْدَهُ غَيْرَ صالِحٍ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ خَبَرٍ عَنْهُ في مَعْنى: ذَلِكَ بَيانٌ، أوْ ذِكْرٌ، وهو مِن أسالِيبِ الِاقْتِضابِ في الِانْتِقالِ. والمَشْهُورُ في هَذا الِاسْتِعْمالِ لَفْظُ هَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَئابٍ﴾ [ص: ٥٥] وقَوْلِ زُهَيْرٍ: هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطْبَتِهِ وسْطَ النَّدِيِّ إذا ما قائِلٌ نَطَقا وأُوثِرَ في الآيَةِ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ المَنزِلَةِ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ. فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ، أيْ ذَلِكَ بَيانٌ ونَحْوُهُ. وهو كَما يُقَدِّمُ الكاتِبُ جُمْلَةً مِن كِتابِهِ في بَعْضِ الأغْراضِ فَإذا أرادَ الخَوْضَ في غَرَضٍ آخَرَ، قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَذا وكَذا. صفحة ٢٥٢ وجُمْلَةُ ومَن يُعَظِّمْ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. وهو انْتِقالٌ إلى بَيانِ ما يَجِبُ الحِفاظُ عَلَيْهِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ والتَّنْبِيهِ إلى أنَّ الإسْلامَ بُنِيَ عَلى أساسِها. وضَمِيرُ (فَهو) عائِدٌ إلى التَّعْظِيمِ المَأْخُوذِ مَن فِعْلِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ . والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ تِلْكَ الحُرُماتِ لَمْ يُعَطِّلِ الإسْلامُ حُرْمَتَها، فَيَكُونُ الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ ومِن مُخاطَبٍ إلى مُخاطَبٍ آخَرَ. فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَعْتَمِرُونَ ويَحُجُّونَ قَبْلَ إيجابِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ. أيْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. والحُرُماتُ: جَمْعُ حُرُمَةٍ بِضَمَّتَيْنِ: وهي ما يَجِبُ احْتِرامُهُ. والِاحْتِرامُ: اعْتِبارُ الشَّيْءِ ذا حَرَمٍ، كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ فِيهِ، أيْ عَدَمِ انْتِهاكِهِ بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ في شَأْنِهِ، والحُرُماتُ يَشْمَلُ كُلَّ ما أوْصى اللَّهُ بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ فَتَشْمَلُ مَناسِكَ الحَجِّ كُلَّها. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: الحُرُماتُ خَمْسٌ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والبَيْتُ الحَرامُ، والبَلَدُ الحَرامُ، والشَّهْرُ الحَرامُ، والمُحْرِمُ ما دامَ مُحْرِمًا. فَقَصْرُهُ عَلى الذَّواتِ دُونَ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الحُرُماتِ يَشْمَلُ الهَدايا والقَلائِدَ والمَشْعَرَ الحَرامَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ الحَجِّ. كالغُسْلِ في مَواقِعِهِ، والحَلْقِ ومَواقِيتِهِ ومَناسِكِهِ. * * * ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] لَمّا ذَكَرَ آنِفًا بَهِيمَةَ الأنْعامِ وتَعْظِيمَ حُرُماتِ اللَّهِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ ما حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ مِثْلِ: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، صفحة ٢٥٣ والوَصِيلَةِ، والحامِي وبَعْضِ ما في بُطُونِها. وقَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ. واسْتَثْنى مِنهُ ما يُتْلى تَحْرِيمُهُ في القُرْآنِ وهو ما جاءَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآياتِ وما ذُكِرَ في سُورَةِ النَّحْلِ وكِلْتاهُما مَكِّيَّتانِ سابِقَتانِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم لِيَشْمَلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ في ذَلِكَ مِمّا سَبَقَ نُزُولَ سُورَةِ الحَجِّ بِأنَّهُ تُلِيَ فِيما مَضى ولَمْ يَزَلْ يُتْلى، ويَشْمَلُ ما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِن بَعْدُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآيَةَ في سُورَةِ العُقُودِ. والأمْرُ بِاجْتِنابِ الأوْثانِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ بِاجْتِنابِ ما لَيْسَ مِن حُرُماتِ اللَّهِ، وهو الأوْثانُ. واجْتِنابُ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ لِبَعْضِ المُحَرَّماتِ هَذا حَلالٌ مِثْلِ الدَّمِ وما أُهِّلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وقَوْلِهِمْ لِبَعْضٍ هَذا حَرامٌ مِثْلِ: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] . والرِّجْسُ: حَقِيقَتُهُ الخُبْثُ والقَذارَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإنَّهُ رِجْسٌ في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَصْفُ الأوْثانِ بِالرِّجْسِ أنَّها رِجْسٌ مَعْنَوِيٌّ لِكَوْنِ اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها في النُّفُوسِ بِمَنزِلَةِ تَعَلُّقِ الخُبْثِ بِالأجْسادِ فَإطْلاقُ الرِّجْسِ عَلَيْها تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(مِنَ) في قَوْلِهِ (مِنَ الأوْثانِ) بَيانٌ لِمُجْمَلِ الرِّجْسِ، فَهي تَدْخُلُ عَلى بَعْضِ أسْماءِ التَّمْيِيزِ بَيانًا لِلْمُرادِ مِنَ الرِّجْسِ هُنا لا أنَّ مَعْنى صفحة ٢٥٤ ذَلِكَ أنَّ الرِّجْسَ هو عَيْنُ الأوْثانِ بَلِ الرِّجْسُ أعَمُّ أُرِيدَ بِهِ هُنا بَعْضُ أنْواعِهِ فَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى (مِن) البَيانِيَّةِ. و(حُنَفاءَ لِلَّهِ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (اجْتَنِبُوا) أيْ تَكُونُوا إنِ اجْتَنَبْتُمْ ذَلِكَ حُنَفاءَ لِلَّهِ، جَمْعُ حَنِيفٍ وهو المُخْلِصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، أيْ تَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَقًّا. ولِذَلِكَ زادَ مَعْنى (حُنَفاءَ) بَيانًا بِقَوْلِهِ (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] . والباءُ في قَوْلِهِ مُشْرِكِينَ بِهِ لِلْمُصاحَبَةِ والمَعِيَّةِ، أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ.

الحج 22:31

﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أُعْقِبَ نَهْيُهم عَنِ الأوْثانِ بِتَمْثِيلِ فَظاعَةِ حالِ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ في مَصِيرِهِ بِالشِّرْكِ إلى حالِ انْحِطاطِ وتَلَقُّفِ الضَّلالاتِ إيّاهُ ويَأْسِهِ مِنَ النَّجاةِ ما دامَ مُشْرِكًا تَمْثِيلًا بَدِيعًا إذْ كانَ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ القابِلِ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ إلى تَشْبِيهاتٍ. قالَ في الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْبِيهُ مِنَ المُرَكَّبِ والمُفَرَّقِ بِأنْ صَوَّرَ حالَ المُشْرِكِ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَتَفَرَّقَ مَزْعًا في حَواصِلِها، أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطاوِحِ البَعِيدَةِ، وإنْ كانَ مُفَرَّقًا، فَقَدْ شُبِّهَ الإيمانُ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ بِالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ، والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارَهُ بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ. والشَّيْطانَ الَّذِي يُطَوِّحُ صفحة ٢٥٥ بِهِ في وادِي الضَّلالَةِ بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُتْلِفَةِ اهـ. يَعْنِي أنَّ المُشْرِكَ لَمّا عَدَلَ عَنِ الإيمانِ الفِطْرِيِّ وكانَ في مِكْنَتِهِ فَكَأنَّهُ كانَ في السَّماءِ فَسَقَطَ مِنها، فَتَوَزَّعَتْهُ أنْواعُ المَهالِكِ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ في مَطاوِي هَذا التَّمْثِيلِ تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةً لا يَعُوزُكَ اسْتِخْراجُها. والسَّحِيقُ: البَعِيدُ فَلا نَجاةَ لِمَن حَلَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ تَخْيِيرٌ في نَتِيجَةِ التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] . أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الكافِرِينَ قِسْمانِ: قِسْمٌ شِرْكُهُ ذَبْذَبَةٌ وشَكٌّ، فَهَذا مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى مِزْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ، فَكَذَلِكَ المُذَبْذَبُ مَتى لاحَ لَهُ خَيالٌ اتَّبَعَهُ وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ. وقِسْمٌ مُصَمِّمٌ عَلى الكُفْرِ مُسْتَقِرٌّ فِيهِ، فَهو مُشَبَّهٌ بِمَن ألْقَتْهُ الرِّيحُ في وادٍ سَحِيقٍ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن شِرْكُهُ لا يُرْجى مِنهُ خَلاصٌ كالَّذِي تَخَطَّفَتْهُ الطَّيْرُ. ومِنهم مَن شِرْكُهُ قَدْ يَخْلُصُ مِنهُ بِالتَّوْبَةِ إلّا أنَّ تَوْبَتَهُ أمْرٌ بَعِيدٌ عَسِيرُ الحُصُولِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. و(تَخَطَّفُهُ) مُضاعَفُ خَطِفَ لِلْمُبالِغَةِ. الخَطْفُ والخَطَفُ: أخْذُ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ سَواءً كانَ في الأرْضِ أمْ كانَ في الجَوِّ ومِنهُ تَخَطُّفُ الكُرَةِ. والهُوِيُّ: نُزُولُ شَيْءٍ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ. والباءُ في (تَهْوِي بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مِثْلُها في: ذَهَبَ بِهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ (فَتَخَطَّفُهُ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ مَفْتُوحَةً مُضارِعِ خَطَّفَ المُضاعَفِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً مُضارِعِ خَطِفَ المُجَرَّدِ.

الحج 22:32

صفحة ٢٥٦ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ (ذَلِكَ) تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ. الشَّعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ: المَعْلَمُ الواضِحُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّعُورِ. وشَعائِرُ اللَّهِ: لَقَبٌ لِمَناسِكِ الحَجِّ. جَمْعُ شَعِيرَةٍ بِمَعْنى: مُشْعِرَةٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ. مُعْلِمَةٍ بِما عَيَّنَهُ اللَّهُ. فَمَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلَخْ أخَصُّ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وذِكْرُ الأخَصِّ بَعْدَ الأعَمِّ لِلِاهْتِمامِ، أوْ بِمَعْنًى مُشْعَرٍ بِها، فَتَكُونُ شَعِيرَةٌ فَعِيلَةً بِمَعْنى مُفْعُولَةٍ لِأنَّها تُجْعَلُ لِيَشْعُرَ بِها الرّائِي. وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَكُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ بِزِيارَتِهِ أوْ بِفِعْلٍ يُوقَعُ فِيهِ فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ، أيْ مِمّا أشْعَرَ اللَّهُ لِلنّاسِ وقَرَّرَهُ وشَهَرَهُ؛ وهي مَعالِمُ الحَجِّ: الكَعْبَةُ، والصَّفا والمَرْوَةُ، وعَرَفَةُ، والمَشْعَرُ الحَرامُ، ونَحْوُها مِن مَعالِمِ الحَجِّ. وتُطْلَقُ الشَّعِيرَةُ أيْضًا عَلى بَدَنَةِ الهَدْيِ قالَ تَعالى ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] لِأنَّهم يَجْعَلُونَ فِيها شِعارًا، والشِّعارُ العَلّامَةُ بِأنْ يَطْعَنُوا في جِلْدِ جانِبِها الأيْمَنِ طَعْنًا حَتّى يَسِيلَ مِنهُ الدَّمُ فَتَكُونَ عَلامَةً عَلى أنَّها نُذِرَتْ لِلْهَدْيِ. فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ مَصُوغَةٌ مِن أشْعَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. فَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] إلَخْ. وشَعائِرُ اللَّهِ أخَصُّ مِن حُرُماتِ اللَّهِ فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلْعِنايَةِ بِالشَّعائِرِ. صفحة ٢٥٧ وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلشَّعائِرِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] تَخْصِيصًا لَها بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ حُرُماتِ اللَّهِ. وضَمِيرُ (فَإنَّها) عائِدٌ إلى شَعائِرِ اللَّهِ المُعَظَّمَةِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ والرّابِطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ هو العُمُومُ في قَوْلِهِ (القُلُوبِ) فَإنَّ مِن جُمْلَةِ القُلُوبِ قُلُوبَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ شَعائِرَ اللَّهِ. فالتَّقْدِيرُ: فَقَدْ حَلَّتِ التَّقْوى قَلْبَهُ بِتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ لِأنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ. أيْ لِأنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ. وإضافَةُ (تَقْوى) إلى (القُلُوبِ) لِأنَّ تَعْظِيمَ الشَّعائِرِ اعْتِقادٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ عَنْهُ العَمَلُ.

الحج 22:33

﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ جُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ حالٌ مِنَ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ [الحج: ٣٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ أوْ حالٌ مِن شَعائِرِ اللَّهِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلشَّعائِرِ. والمَقْصُودُ بِالخَبَرِ هُنا: هو صِنْفٌ مِنَ الأنْعامِ، وهو صِنْفُ الهَدايا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ . وضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمَنافِعُ: جَمْعُ مَنفَعَةٍ، وهي اسْمُ النَّفْعِ، وهو حُصُولُ ما يُلائِمُ ويَحُفُّ. وجَعْلُ المَنافِعِ فِيها يَقْتَضِي أنَّها انْتِفاعٌ بِخَصائِصِها مِمّا يُرادُ مِن نَوْعِها قَبْلَ أنْ تَكُونَ هَدْيًا. صفحة ٢٥٨ وفِي هَذا تَشْرِيعٌ لِإباحَةِ الِانْتِفاعِ بِالهَدايا انْتِفاعًا لا يُتْلِفُها، وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قَلَّدُوا الهَدْيَ وأشْعَرُوهُ حَظَرُوا الِانْتِفاعَ بِهِ: مِن رُكُوبِهِ وحَمْلٍ عَلَيْهِ وشُرْبِ لَبَنِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وفِي المُوَطَّأِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقالَ: ارْكَبْها ؟ فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، ويْلَكَ في الثّانِيَةِ أوَ الثّالِثَةِ» . والأجَلُ المُسَمّى هو وقْتُ نَحْرِها، وهو يَوْمٌ مِن أيّامِ مِنًى. وهي الأيّامُ المَعْدُوداتُ. والمَحِلُّ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الحاءِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حَلَّ يَحِلُّ إذا بَلَغَ المَكانَ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وهو كِنايَةٌ عَنْ نِهايَةِ أمْرِها، كَما يُقالُ: بَلَغَ الغايَةَ. ونِهايَةُ أمْرِها النَّحْرُ أوِ الذَّبْحُ. و(إلى) حَرْفُ انْتِهاءٍ مَجازِيٍّ لِأنَّها لا تُنْحَرُ في الكَعْبَةِ، ولَكِنَّ التَّقَرُّبَ بِها بِواسِطَةِ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ لِأنَّ الهَدايا إنَّما شُرِعَتْ تَكْمِلَةً لِشَرْعِ الحَجِّ، والحَجُّ قَصْدُ البَيْتِ. قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالهَدايا تابِعَةٌ لِلْكَعْبَةِ قالَ تَعالى ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وإنْ كانَتِ الكَعْبَةُ لا يُنْحَرُ فِيها، وإنَّما المَناحِرُ: مِنًى، والمَرْوَةُ، وفِجاجُ مَكَّةَ أيْ، طُرُقُها بِحَسَبِ أنْواعِ الهَدايا. وتَبْيِينُهُ في السُّنَّةِ. وقَدْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ هَذِهِ الآياتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] .

الحج 22:34

صفحة ٢٥٩ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] . والأُمَّةُ: أهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ اشْتَرَكُوا في اتِّباعِهِ. والمُرادُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَهم مَنسَكٌ واحِدٌ وهو البَيْتُ العَتِيقُ كَما تَقَدَّمَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا لِأصْنامِهِمْ مَناسِكَ تُشابِهُ مَناسِكَ الحَجِّ وجَعَلُوا لَها مَواقِيتَ ومَذابِحَ مِثْلَ الغَبْغَبِ مَنحَرِ العُزّى. فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ما جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ إلّا مَنسَكًا واحِدًا لِلْقُرْبانِ إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي رَزَقَ النّاسَ الأنْعامَ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ مِنها فَلا يَحِقُّ أنْ يُجْعَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَنسَكٌ لِأنَّ ما لا يَخْلُقُ الأنْعامَ المُقَرَّبَ بِها ولا يَرْزُقُها النّاسَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُجْعَلَ لَهُ مَنسَكٌ لِقُرْبانِها فَلا تَتَعَدَّدُ المَناسِكَ. فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ وأدَلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . والكَلامُ يُفِيدُ الِاقْتِداءَ بِبَقِيَّةِ الأُمَمِ أهْلِ الأدْيانِ الحَقِّ. و(عَلى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ مُتَعَلِّقَةً بِـ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ بَعْدَ (عَلى) تَقْدِيرُهُ ”إهْداءِ ما رَزَقَهم“ أيْ عِنْدَ إهْداءِ ما رَزَقَهم، يَعْنِي ونَحْرَها أوْ ذَبْحَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَلى) بِمَعْنى: لامِ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ لِأجْلِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. صفحة ٢٦٠ وقَدْ فُرِّعَ عَلى هَذا الِانْفِرادُ بِالإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ إذْ كانَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَنسَكًا واحِدًا فَقَدْ نَبَّهَكم بِذَلِكَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، ولَوْ كانَتْ آلِهَةٌ كَثِيرَةٌ لَكانَتْ شَرائِعُها مُخْتَلِفَةً. وهَذا التَّفْرِيعُ الأوَّلُ تَمْهِيدٌ لِلتَّفْرِيعِ الَّذِي عَقِبَهُ وهو المَقْصُودُ، فَوَقَعَ في النَّظْمِ تَغْيِيرٌ بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ. وأصْلُ النَّظْمِ: فَلِلَّهِ أسْلِمُوا؛ لِأنَّ إلَهَكم إلَهٌ واحِدٌ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ لِلْحَصْرِ، أيْ أسْلِمُوا لَهُ لا لِغَيْرِهِ. والإسْلامُ: الِانْقِيادُ التّامُّ، وهو الإخْلاصُ في الطّاعَةِ، أيْ لا تُخْلِصُوا إلّا لِلَّهِ، أيْ فاتْرُكُوا جَمِيعَ المَناسِكِ الَّتِي أُقِيمَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَنْسُكُوا إلّا في المَنسَكِ الَّذِي جَعَلَهُ لَكم، تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَنسَكًا) بِفَتْحِ السِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ السِّينِ. وهو عَلى القِراءَتَيْنِ اسْمُ مَكانٍ لِلنُّسُكِ، وهو الذَّبْحُ. إلّا أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ جارٍ عَلى القِياسِ لِأنَّ قِياسَهُ الفَتْحُ في اسْمِ المَكانِ إذْ هو مِن نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَهو سَماعِيٌّ مِثْلُ مَسْجِدٍ مِن سَجَدَ يَسْجُدُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.

الحج 22:35

﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ سَوْقِ المِنَنِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وأصْحابُ هَذِهِ الصِّفاتِ هُمُ المُسْلِمُونَ. والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي لا تَكَبُّرَ عِنْدَهُ. وأصْلُ المُخْبِتِ مَن سَلَكَ الخَبْتَ. وهو المَكانُ المُنْخَفِضُ ضِدُّ المُصْعِدِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْمُتَواضِعِ صفحة ٢٦١ كَأنَّهُ سَلَكَ نَفْسَهُ في الِانْخِفاضِ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ التَّواضُعَ مِن شِيَمِهِمْ كَما كانَ التَّكَبُّرُ مِن سِماتِ المُشْرِكِينَ قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] . والوَجَلُ: الخَوْفُ الشَّدِيدُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أتْبَعَ صِفَةَ (المُخْبِتِينَ) بِأرْبَعِ صِفاتٍ وهي: وجَلُ القُلُوبِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، والصَّبْرُ عَلى الأذى في سَبِيلِهِ، وإقامَةُ الصَّلاةِ، والإنْفاقُ. وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ مَظاهِرُ لِلتَّواضُعِ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مَن جَمَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ مِنهُ وإنَّما المَقْصُودُ مَن لَمْ يُخِلَّ بِواحِدَةٍ مِنها عِنْدَ إمْكانِها. والمُرادُ مِنَ الإنْفاقِ الإنْفاقُ عَلى المُحْتاجِينَ الضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ ذَلِكَ هو دَأْبُ المُخْبِتِينَ. وأمّا الإنْفاقُ عَلى الضَّعِيفِ والأصْحابِ فَذَلِكَ مِمّا يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ مِنَ العَرَبِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وهو نَظِيرُ الإنْفاقِ عَلى النُّدَماءِ في مَجالِسِ الشَّرابِ. ونَظِيرُ إتْمامِ الإيسارِ في مَواقِعِ المَيْسِرِ، كَما قالَهُ النّابِغَةُ: إنِّي أُتَمِّمُ أيْسارِي وأمْنَحُهم مُثْنِي الأيادِي وأكْسُو الجَفْنَةَ الأُدُما والمُرادُ بِالصَّبْرِ: الصَّبْرُ عَلى ما يُصِيبُهم مِنَ الأذى في سَبِيلِ الإسْلامِ. وأمّا الصَّبْرُ في الحُرُوبِ وعَلى فَقْدِ الأحِبَّةِ فَمِمّا تَشْتَرِكُ فِيهِ النُّفُوسُ الجَلْدَةُ مِنَ المُتَكَبِّرِينَ والمُخْبِتِينَ. وفي كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ الصَّبْرِ فَضِيلَةٌ إسْلامِيَّةٌ إذا كانَ تَخَلُّقًا بِأدَبِ الإسْلامِ قالَ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآيَةَ.

الحج 22:36

صفحة ٢٦٢ ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] أيْ جَعَلْنا مَنسَكًا لِلْقُرْبانِ والهَدايا، وجَعَلْنا البُدْنَ الَّتِي تُهْدى ويُتَقَرَّبُ بِها شَعائِرَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِقُرْبانِ البُدْنِ في الحَجِّ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَعَلَها جَزاءً عَمّا يُتَرَخَّصُ فِيهِ مِن أعْمالِ الحَجِّ. وأمَرَ بِالتَّطَوُّعِ بِها فَوَعَدَ عَلَيْها بِالثَّوابَ الجَزِيلِ فَنالَتْ بِذَلِكَ الجَعْلَ الإلَهِيِّ يُمْنًا وبَرَكَةً وحُرْمَةً ألْحَقَتْها بِشَعائِرِ اللَّهِ، وامْتَنَّ بِذَلِكَ عَلى النّاسِ بِما اقْتَضَتْهُ كَلِمَةُ (لَكم) . والبُدْنُ: جَمْعُ بَدَنَةٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهي البَعِيرُ العَظِيمُ البَدَنِ. وهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ البَدانَةِ. وهي عِظَمُ الجُثَّةِ والسِّمَنُ. وفِعْلُهُ كَكَرُمَ ونَصَرَ، ولَيْسَتْ زِنَةُ بَدَنَةٍ وصْفًا ولَكِنَّها اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن مادَّةِ الوَصْفِ. وجَمْعُهُ بُدْنٌ، وقِياسُ هَذا الجَمْعِ أنْ يَكُونَ مَضْمُومَ الدّالِ مِثْلَ خُشُبٍ جَمْعِ خَشَبَةٍ، وثُمُرٍ جَمْعِ ثَمَرَةٍ، فَتَسْكِينُ الدّالِ تَخْفِيفٌ شائِعٌ. وغَلَبَ اسْمُ البَدَنَةِ عَلى البَعِيرِ المُعَيَّنِ لِلْهَدْيِ. وفِي المُوَطَّأِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَقالَ: ارْكَبْها ويْلَكَ في الثّانِيَةِ أوَ الثّالِثَةِ» فَقَوْلُ الرَّجُلِ: إنَّها بَدَنَةٌ، مُتَعَيَّنٌ لِإرادَةِ هَدْيِهِ لِلْحَجِّ، صفحة ٢٦٣ وتَقْدِيمُ (البُدْنِ) عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِها تَنْوِيهًا بِشَأْنِها. والِاقْتِصارُ عَلى البُدْنِ الخاصِّ بِالإبِلِ لِأنَّها أفْضَلُ في الهَدْيِ لِكَثْرَةِ لَحْمِها. وقَدْ أُلْحِقَتْ بِها البَقَرُ والغَنَمُ بِدَلِيلِ السُّنَّةِ. واسْمُ ذَلِكَ هَدْيٌ. ومَعْنى كَوْنِها مِن شَعائِرِ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَها مَعالِمَ تُؤْذِنُ بِالحَجِّ وجَعَلَ لَها حُرْمَةً. وهَذا وجْهُ تَسْمِيَتِهِمْ وضْعَ العَلامَةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِها بَعِيرُ الهَدْيِ في جِلْدِهِ إشْعارًا. قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذا أهْدى هَدْيًا مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أنْ يُشْعِرَهُ. . . يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ ويُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الأيْسَرِ. . بِطَعْنٍ في سَنامِهِ فالإشْعارُ إعْدادٌ لِلنَّحْرِ. وقَدْ عَدَّها في جُمْلَةِ الحُرُماتِ في قَوْلِهِ ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ﴾ [المائدة: ٢] في سُورَةِ العُقُودِ، وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى المُبْتَدَأِ لِيَتَأتّى كَوْنُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً لِيُفِيدَ تَنْوِينُهُ التَّعْظِيمَ، وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (خَيْرٌ) لِلِاهْتِمامِ بِما تَجْمَعُهُ وتَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ. والخَيْرُ: النَّفْعُ، وهو ما يَحْصُلُ لِلنّاسِ مِنَ النَّفْعِ في الدُّنْيا مِنِ انْتِفاعِ الفُقَراءِ بِلُحُومِها وجُلُودِها وجِلالِها ونِعالِها وقَلائِدِها. وما يَحْصُلُ لِلْمُهْدِينَ وأهْلِهِمْ مِنَ الشِّبَعِ مِن لَحْمِها يَوْمَ النَّحْرِ، وخَيْرُ الآخِرَةِ مِن ثَوابِ المُهْدِينَ، وثَوابِ الشُّكْرِ مِنَ المُعْطِينَ لُحُومَها لِرَبِّهِمُ الَّذِي أغْناهم بِها. وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أُمِرَ النّاسُ بِأنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها حِينَ نَحْرِها. صفحة ٢٦٤ وصَوافَّ: جَمْعُ صافَّةٍ. يُقالُ: صُفَّ إذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ صَفًّا بِأنِ اتَّصَلَ بِهِ. ولَعَلَّهم كانُوا يَصُفُّونَها في المَنحَرِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، لِأنَّهُ كانَ بِمِنًى مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلنَّحْرِ وهو المَنحَرُ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في حَجَّةِ الوَداعِ قالَ فِيهِ: «ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ إلى المَنحَرِ فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً جَعَلَ يَطْعَنُها بِحَرْبَةٍ في يَدِهِ ثُمَّ أعْطى الحَرْبَةَ عَلِيًّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ»، أيْ ما بَقِيَ وكانَتْ مِائَةَ بَدَنَةٍ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ مُجْتَمِعَةً مُتَقارِبَةً. وانْتَصَبَ (صَوافَّ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (عَلَيْها) . وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ ذِكْرُ مَحاسِنَ مِن مَشاهِدِ البُدْنِ فَإنَّ إيقافَ النّاسِ بُدْنَهم لِلنَّحْرِ مُجْتَمِعَةً ومُنْتَظِمَةً غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ مِمّا يَزِيدُ هَيْئَتَها جَلالًا. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . ومَعْنى: (وجَبَتْ) سَقَطَتْ، أيْ إلى الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ زَوالِ الرُّوحِ الَّتِي بِها الِاسْتِقْلالُ. والقَصْدُ مِن هَذا التَّوْقِيتِ المُبادَرَةُ بِالِانْتِفاعِ بِها إسْراعًا إلى الخَيْرِ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا بِإطْعامِ الفُقَراءِ وأكْلِ أصْحابِها مِنها فَإنَّهُ يُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ فُطُورُ الحاجِّ يَوْمَ النَّحْرِ مِن هَدْيِهِ، وكَذَلِكَ الخَيْرُ الحاصِلُ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ فَكُلُوا مِنها مُجْمَلٌ، يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ ويَحْتَمِلُ الإباحَةَ ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ. وقَرِينَةُ عَدَمِ الوُجُوبِ ظاهِرَةٌ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يُفْرَضُ عَلَيْهِ ما الدّاعِي إلى فِعْلِهِ مِن طَبْعِهِ. وإنَّما أرادَ اللَّهُ إبْطالَ ما كانَ عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مِن تَحْرِيمِ أكْلِ المُهْدِي مِن لُحُومِ هَدْيِهِ فَبَقِيَ النَّظَرُ في أنَّهُ مُباحٌ بَحْتٌ أوْ هو مَندُوبٌ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الأكْلِ مِن لُحُومِ الهَدايا الواجِبَةِ. صفحة ٢٦٥ فَقالَ مالِكٌ: يُباحُ الأكْلُ مِن لُحُومِ الهَدايا الواجِبَةِ. وهو عِنْدُهُ مُسْتَحَبٌّ ولا يُؤْكَلُ مِن فِدْيَةِ الأذى وجَزاءِ الصَّيْدِ ونَذْرِ المَساكِينِ. والحُجَّةُ لِمالِكٍ صَرِيحُ الآيَةِ. فَإنَّها عامَّةٌ إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ عَلى مَنعِهِ وهي الثَّلاثَةُ الأشْياءِ المُسْتَثْناةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَأْكُلُ مِن هَدْيِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ. ولا يَأْكُلُ مِنَ الواجِبِ الَّذِي عَيَّنَهُ الحاجُّ عِنْدَ إحْرامِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَأْكُلُ مِن لُحُومِ الهَدايا بِحالٍ مُسْتَنِدًا إلى القِياسِ. وهو أنَّ المُهْدِيَ أوْجَبَ إخْراجَ الهَدْيِ مِن مالِهِ فَكَيْفَ يَأْكُلُ مِنهُ. كَذا قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ. وإذا كانَ هَذا قُصارى كَلامِ الشّافِعِيِّ فَهو اسْتِدْلالٌ غَيْرُ وجِيهٍ ولَفْظُ القُرْآنِ يُنافِيهِ لاسِيَّما وقَدْ ثَبَتَ أكْلُ النَّبِيءِ ﷺ وأصْحابِهِ مِن لُحُومِ الهَدايا بِأحادِيثَ صَحِيحَةٍ. وقالَ أحْمَدُ: يُؤْكَلُ مِنَ الهَدايا الواجِبَةِ إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والنَّذْرِ. وأمّا الأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ فَقالَ الشّافِعِيُّ: لِلْوُجُوبِ. وهو الأصَحُّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ وهو صَرِيحُ قَوْلِ مالِكٍ. وقُلْتُ: المَعْرُوفُ مِن قَوْلِ مالِكٍ أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ المُهْدِي عَلى نَحْوِ هَدْيِهِ ولَمْ يَتَصَدَّقْ مِنهُ ما كانَ آثِمًا. والقانِعُ: المُتَّصِفُ بِالقُنُوعِ. وهو التَّذَلُّلُ. يُقالُ: قَنَعَ مِن بابِ سَألَ، قُنُوعًا بِضَمِّ القافِ إذا سَألَ بِتَذَلُّلٍ. وأمّا القَناعَةُ فَفِعْلُها مِن بابِ تَعِبَ ويَسْتَوِي الفِعْلُ المُضارِعُ مَعَ اخْتِلافِ المُوجَبِ. ومِن أحْسَنِ ما جُمِعَ مِنَ النَّظائِرِ ما أنْشَدَهُ الخَفاجِيُّ: العَبْدُ حُرٌّ إنْ قَنَعْ والحُرُّ عَبْدٌ إنْ قَنِعْ فاقْنَعْ ولا تَقْنَعْ فَما ∗∗∗ شَيْءٌ يَشِينُ سِوى الطَّمَعِ صفحة ٢٦٦ ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في مَقاماتِهِ: يا أبا القاسِمِ اقْنَعْ مِنَ القَناعَةِ لا مِنَ القُنُوعِ، تَسْتَغْنِ عَنْ كُلِّ مِعْطاءٍ ومَنُوعٍ. وفي المُوَطَّأِ في كِتابِ الصَّيْدِ: قالَ مالِكٌ: والقانِعُ هو الفَقِيرُ. والمُعْتَرُّ: اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اعْتَرَّ، إذا تَعَرَّضَ لِلْعَطاءِ، أيْ دُونَ سُؤالٍ بَلْ بِالتَّعْرِيضِ وهو أنْ يَحْضُرَ مَوْضِعَ العَطاءِ، يُقالُ: اعْتَرَّ، إذا تَعَرَّضَ، وفي المُوَطَّأِ في كِتابِ الصَّيْدِ: قالَ مالِكٌ: وسَمِعْتُ أنَّ المُعْتَرَّ هو الزّائِرُ، أيْ فَتَكُونُ مِن عَرَّ إذا زارَ. والمُرادُ زِيارَةُ التَّعَرُّضِ لِلْعَطاءِ. وهَذا التَّفْسِيرُ أحْسَنُ. ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ عَطَفَ المُعْتَرَّ عَلى القانِعِ، فَدَلَّ العَطْفُ عَلى المُغايَرَةِ، ولَوْ كانا في مَعْنًى واحِدٍ لَما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما لَمْ يُعْطَفْ في قَوْلِهِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلِامْتِنانِ بِما خَلَقَ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِنَفْعِ النّاسِ. والأمارَةُ الدّالَّةُ عَلى إرادَتِهِ ذَلِكَ أنَّهُ سَخَّرَها لِلنّاسِ مَعَ ضَعْفِ الإنْسانِ وقُوَّةِ تِلْكَ الأنْعامِ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الواحِدُ العَدَدَ مِنها ويَسُوقُها مُنْقادَةً ويُؤْلِمُونَها بِالإشْعارِ ثُمَّ بِالطَّعْنِ. ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في طِباعِها هَذا الِانْقِيادَ لَما كانَتْ أعْجَزَ مِن بَعْضِ الوُحُوشِ الَّتِي هي أضْعَفُ مِنها فَتَنْفِرُ مِنَ الإنْسانِ ولا تُسَخَّرُ لَهُ. وقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ العَجِيبِ الَّذِي تَرَوْنَهُ كانَ تَسْخِيرُها لَكم. ومَعْنى (لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ) خَلَقْناها مُسَخَّرَةً لَكُمُ اسْتِجْلابًا لِأنْ تَشْكُرُوا اللَّهَ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ وضَعُوا الشِّرْكَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ.

الحج 22:37

صفحة ٢٦٧ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] . أيْ دَلَّ عَلى أنّا سَخَّرْناها لَكم لِتَشْكُرُونِي أنَّهُ لا انْتِفاعَ لِلَّهِ بِشَيْءٍ مِن لُحُومِها ولا دِمائِها حِينَ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها فَلا يُرِيدُ اللَّهُ مِنكم عَلى ذَلِكَ إلّا أنْ تَتَّقُوهُ. والنَّيْلُ: الإصابَةُ. يُقالُ نالَهُ. أيْ أصابَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ. ويُقالُ أيْضًا بِمَعْنى أحْرَزَ، فَإنَّ فِيهِ مَعْنى الإصابَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقَوْلِهِ ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] . والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ودِماؤُها إبْطالُ ما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ مَن نَضْحِ الدِّماءِ في المَذابِحِ وحَوْلَ الكَعْبَةِ وكانُوا يَذْبَحُونَ بِالمَرْوَةِ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُلَطَّخُونَ بِدِماءِ القَرابِينِ وكانُوا يُشَرِّحُونَ لُحُومَ الهَدايا ويَنْصِبُونَها حَوْلَ الكَعْبَةِ قُرْبانًا لِلَّهِ تَعالى. يَعْنِي زِيادَةً عَلى ما يُعْطُونَهُ لِلْمَحاوِيجِ. وفي قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ إراقَةَ الدِّماءِ وتَقْطِيعَ اللُّحُومِ لَيْسا مَقْصُودَيْنِ بِالتَّعَبُّدِ ولَكِنَّهُما وسِيلَةٌ لِنَفْعِ النّاسِ بِالهَدايا إذْ لا يُنْفَعُ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجْزائِها إلّا بِالنَّحْرِ أوِ الذَّبْحِ وأنَّ المَقْصِدَ مِن شَرْعِها انْتِفاعُ النّاسِ المُهْدِينَ وغَيْرُهم. فَأمّا المُهْدُونَ فانْتِفاعُهم بِالأكْلِ مِنها في يَوْمِ عِيدِهِمْ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ في تَحْرِيمِ صِيامِ يَوْمِ النَّحْرِ صفحة ٢٦٨ «يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكم» فَذَلِكَ نَفْعٌ لِأنْفُسِهِمْ ولِأهالِيهِمْ ولَوْ بِالِادِّخارِ مِنهُ إلى رُجُوعِهِمْ إلى آفاقِهِمْ. وأمّا غَيْرُهم فانْتِفاعُ مَن لَيْسَ لَهُ هَدْيٌ مِنَ الحَجِيجِ بِالأكْلِ مِمّا يُهْدِيهِ إلَيْهِمْ أقارِبُهم وأصْحابُهم، وانْتِفاعُ المَحاوِيجِ مِن أهْلِ الحَرَمِ بِالشِّبَعِ والتَّزَوُّدِ مِنها والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وجَلالِها وقَلائِدِها. كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] . وقَدْ عَرَضَ غَيْرَ مَرَّةٍ سُؤالٌ عَمّا إذا كانَتِ الهَدايا أوْفَرَ مِن حاجَةِ أهْلِ المَوْسِمِ قَطْعًا أوْ ظَنًّا قَرِيبًا مِنَ القَطْعِ كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في مَواسِمِ الحَجِّ، فَما يَبْقى مِنها حَيًّا يُباعُ ويُنْفَقُ ثَمَنُهُ في سَدِّ خَلَّةِ المَحاوِيجِ أجْدى مِن نَحْرِهِ أوْ ذَبْحِهِ حِينَ لا يَرْغَبُ فِيهِ أحَدٌ. ولَوْ كانَتِ اللُّحُومُ الَّتِي فاتَ أنْ قُطِعَتْ وكانَتْ فاضِلَةً عَنْ حاجَةِ المَحاوِيجِ يُعْمَلُ تَصْبِيرُها بِما يَمْنَعُ عَنْها التَّعَفُّنَ فَيُنْفَعُ بِها في خِلالِ العامِ أجْدى لِلْمَحاوِيجِ. وقَدْ تَرَدَّدَتْ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ أنْظارُ المُتَصَدِّينَ لِلْإفْتاءِ مِن فُقَهاءِ هَذا العَصْرِ، وكادُوا أنْ تَتَّفِقَ كَلِماتُ مَن صَدَرَتْ مِنهم فَتاوى عَلى أنَّ تَصْبِيرَها مُنافٍ لِلتَّعَبُّدِ بِهَدْيِها. أمّا أنا فالَّذِي أراهُ أنَّ المَصِيرَ إلى كِلا الحالَيْنِ مِنَ البَيْعِ والتَّصْبِيرِ لِما فَضَلَ عَنْ حاجَةِ النّاسِ في أيّامِ الحَجِّ. لِيَنْتَفِعَ بِها المُحْتاجُونَ في عامِهِمْ، أوْفَقُ بِمَقْصِدِ الشّارِعِ تَجَنُّبًا لِإضاعَةِ ما فَضَلَ مِنها رَعْيًا لِمَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ مِن نَفْعِ المُحْتاجِ وحِفْظِ الأمْوالِ مَعَ عَدَمِ تَعْطِيلِ النَّحْرِ والذَّبْحِ لِلْقَدْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ مِنها المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾، جَمْعًا بَيْنَ المَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ. صفحة ٢٦٩ وتَعْرِضُ صُورَةٌ أُخْرى وهي تَوْزِيعُ المَقادِيرِ الكافِيَةِ لِلِانْتِفاعِ بِها عَلى أيّامِ النَّحْرِ الثَّلاثَةِ بِحَيْثُ لا يُتَعَجَّلُ بِنَحْرِ جَمِيعِ الهَدايا في اليَوْمِ الأوَّلِ طَلَبًا لِفَضِيلَةِ المُبادَرَةِ. فَإنَّ التَّقْوى الَّتِي تَصِلُ إلى اللَّهِ مِن تِلْكَ الهَدايا هي تَسْلِيمُها لِلنَّفْعِ بِها. وهَذا قِياسٌ عَلى أصْلِ حِفْظِ الأمْوالِ كَما فَرَضُوهُ في بَيْعِ الفَرَسِ الحُبُسِ إذا أصابَهُ ما يُفْضِي بِهِ إلى الهَلاكِ أوْ عَدَمِ النَّفْعِ، وفي المُعاوَضَةِ لِرِيعِ الحُبُسِ إذا خَرِبَ. وحُكْمُ الهَدايا مُرَكَّبٌ مِن تَعَبُّدٍ وتَعْلِيلٍ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ فِيهِ أقْوى. وعِلَّتُهُ انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ، ومَسْلَكُ العِلَّةِ الإيماءُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] . واعْلَمْ أنَّ تَوَهُّمَ التَّقَرُّبِ بِتَلْطِيخِ دِماءِ القَرابِينِ وانْتِفاعِ المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ بِتِلْكَ الدِّماءِ عَقِيدَةٌ وثَنِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فَرُبَّما كانُوا يَطْرَحُونَ ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ مِن لَحْمٍ وطَعامٍ فَلا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْكُلُهُ. وكانَ اليُونانُ يَشْوُونَ لُحُومَ القَرابِينِ عَلى النّارِ حَتّى تَصِيرَ رَمادًا ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ رائِحَةَ الشِّواءِ تَسُرُّ الآلِهَةَ المُتَقَرَّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ. وكانَ المِصْرِيُّونَ يُلْقُونَ الطَّعامَ لِلتَّماسِيحِ الَّتِي في النِّيلِ لِأنَّها مُقَدَّسَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَنالَ)، و(يَنالُهُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِما. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى مُراعاةِ ما يَجُوزُ في ضَمِيرِ جَمْعِ غَيْرِ العاقِلِ، ورُبَّما كانُوا يَقْذِفُونَ بِمُزَعٍ مِنَ اللَّحْمِ عَلى أنَّها لِلَّهِ فَرُبَّما أصابَها مُحْتاجٌ ورُبَّما لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها فَتَأْكُلُها السِّباعُ أوْ تَفْسُدُ. ويَشْمَلُ التَّقْوى ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها والتَّصَدُّقَ بِبَعْضِها عَلى المُحْتاجِينَ. و(يَنالُهُ) مُشاكِلَةٌ لِـ (يَنالَ) الأوَّلِ، اسْتُعِيرَ النَّيْلُ لِتَعَلُّقَ العِلْمِ. شُبِّهَ عِلْمُ اللَّهِ تَقْواهم بِوُصُولِ الشَّيْءِ المَبْعُوثِ إلى اللَّهِ تَشْبِيهًا وجْهُهُ الحُصُولُ في كُلٍّ وحَسَّنَتْهُ المُشاكَلَةُ. صفحة ٢٧٠ و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنكم) ابْتِدائِيَّةٌ. وهي تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِلَفْظِ ﴿التَّقْوى مِنكُمْ﴾ دُونَ: تَقْواكم أوِ التَّقْوى مُجَرَّدًا مَعَ كَوْنِ المَعْدُولِ عَنْهُ أوْجَزَ لِأنَّ في هَذا الإطْنابِ زِيادَةَ مَعْنًى مِنَ البَلاغَةِ. * * * ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦] . ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ مُسَخِّرِها هو رَأْسُ الشُّكْرِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فَصارَ مَدْلُولُ الجُمْلَتَيْنِ مُتَرادِفًا، فَوَقَعَ التَّأْكِيدُ. فالقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ كالقَوْلِ في أشْباهِها. وقَوْلُهُ عَلى ما هَداكم (عَلى) فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ. أيْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عِنْدَ تَمَكُّنِكم مِن نَحْرِها. و(ما) مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ مَعَ جارِهِ. والتَّقْدِيرُ: عَلى ما هَداكم إلَيْهِ مِنَ الأنْعامِ. والهِدايَةُ إلَيْها: هي تَشْرِيعٌ في تِلْكَ المَواقِيتِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ ويَرْتَزِقَ سُكّانُ الحَرَمِ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِيَكُونُوا دُعاةَ التَّوْحِيدِ لا يُفارِقُونَ ذَلِكَ المَكانَ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ تَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَدِ اهْتَدَوْا وعَمِلُوا بِالِاهْتِداءِ فَأحْسَنُوا.

الحج 22:38

صفحة ٢٧١ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ يَخْطِرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ يَنْشَأُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةَ، فَإنَّهُ تَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ عَلى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ بِالعَذابِ الألِيمِ. وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ المُخْبِتِينَ والمُحْسِنِينَ بِما يَتَبادَرُ مِنهُ ضِدُّ وعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ ثَوابُ الآخِرَةِ. وطالَ الكَلامُ في ذَلِكَ بِما تَبِعَهُ لا جَرَمَ تَشَوَّفَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ إلى مَعْرِفَةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا. وهَلْ يُنْتَصَرُ لَهم مِن أعْدائِهِمْ أوْ يُدَّخَرُ لَهُمُ الخَيْرُ كُلُّهُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ. فَكانَ المَقامُ خَلِيقًا بِأنْ يُطَمْئِنَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِأنَّهُ كَما أعَدَّ لَهم نَعِيمَ الآخِرَةِ هو أيْضًا مُدافِعٌ عَنْهم في الدُّنْيا وناصِرُهم. وحَذْفُ مَفْعُولِ (يُدافِعُ) لِدَلالَةِ المَقامِ. فالكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ فافْتِتاحُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ إمّا لِمُجَرَّدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَنْزِيلِ غَيْرِ المُتَرَدَّدِ لِشِدَّةِ انْتِظارِهِمُ النَّصْرَ واسْتِبْطائِهِمْ إيّاهُ. والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيمانِ أيْ وجْهُ بِناءِ الخَبَرِ وأنَّ دِفاعَ اللَّهِ عَنْهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لَفْظَ (يُدافِعُ) بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِ فَيُفِيدُ قُوَّةَ الدَّفْعِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ (يَدْفَعُ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الدّالِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ تَعْلِيلُ الدِّفاعِ بِكَوْنِهِ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ الخائِنِينَ، صفحة ٢٧٢ فَلِذَلِكَ يَدْفَعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ لِرَدِّ أذى الكافِرِينَ: فَفي هَذا إيذانٌ بِمَفْعُولِ (يُدافِعُ) المَحْذُوفِ، أيْ يُدافِعُ الكافِرِينَ الخائِنِينَ. والخَوّانُ: الشَّدِيدُ الخَوْنِ، والخَوْنُ كالخِيانَةِ: الغَدْرُ بِالأمانَةِ. والمُرادُ بِالخَوّانِ الكافِرُ، لِأنَّ الكُفْرَ خِيانَةٌ لِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المَخْلُوقاتِ بِأنْ يُوَحِّدُوهُ فَجَعَلَهُ في الفِطْرَةِ وأبْلَغَهُ النّاسَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ ما أوْدَعَهُ في فِطْرَتِهِمْ. والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ. وأفادَتْ (كُلَّ) في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ نَفْيِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الكافِرِينَ إذْ لا يَحْتَمِلُ المَقامُ غَيْرَ ذَلِكَ. ولا يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ (﴿لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾) أنَّهُ يُحِبُّ بَعْضَ الخَوّانِينَ لِأنَّ كَلِمَةَ (كُلَّ) اسْمٌ جامِدٌ لا يُشْعِرُ بِصِفَةٍ فَلا يُتَوَهَّمُ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى مَعْنى الكُلِّيَّةِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ (كُلَّ) ولَيْسَ هو مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] المُوهِمِ أنَّ نَفْيَ قُوَّةِ الظُّلْمِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ قَلِيلِ الظُّلْمِ.

الحج 22:39

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لِقَدِيرٌ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ [الحج: ٣٨]) لِأنَّ دِفاعَ اللَّهِ عَنِ النّاسِ يَكُونُ تارَةً بِالإذْنِ لَهم بِمُقاتَلَةِ مَن أرادَ اللَّهُ مُدافَعَتَهم عَنْهم فَإنَّهُ إذا أُذِنَ لَهم بِمُقاتِلَتِهِمْ كانَ مُتَكَفِّلًا لَهم بِالنَّصْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ (أُذِنَ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ. وقُراهُ الباقُونَ بِالبِناءِ إلى الفاعِلِ. صفحة ٢٧٣ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ (يُقاتَلُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا إلى المَجْهُولِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والَّذِينَ يُقاتَلُونَ مُرادٌ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ لِأنَّهم إذا قُوتِلُوا فَقَدْ قاتَلُوا. والقِتالُ مُسْتَعْمَلٌ في المَعْنى المَجازِيِّ إمّا بِمادَّتِهِ. وإمّا بِصِيغَةِ المُضِيِّ. فَعَلى قِراءَةِ فَتْحِ التّاءِ فالمُرادُ بِالقِتالِ فِيهِ القَتْلُ المُجازِيُّ. وهو الأذى. وأمّا عَلى قِراءَةِ (يُقاتِلُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ فَصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ. أيْ أُذِنَ لِلَّذِينَ تَهَيَّئُوا لِلْقِتالِ وانْتَظَرُوا إذْنَ اللَّهِ. وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ أذًى شَدِيدًا فَكانَ المُسْلِمُونَ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ. فَيَقُولُ لَهُمُ: اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ. فَلَمّا هاجَرَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ إذْنًا لَهم بِالتَّهَيُّؤِ لِلدِّفاعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] . والباءُ في (﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾) أراها مُتَعَلِّقَةً بِـ (أُذِنَ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإخْبارِ. أيْ أخْبَرْناهم بِأنَّهم مَظْلُومُونَ. وهَذا الإخْبارُ كِنايَةٌ عَنِ الإذْنِ لِلدِّفاعِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لِأحَدٍ: إنَّكَ مَظْلُومٌ، فَكَأنَّكَ اسْتَعْدَيْتَهُ عَلى ظالِمِهِ وذَكَّرْتَهُ بِوُجُوبِ الدِّفاعِ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾) نائِبَ فاعِلِ (أُذِنَ) عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الهَمْزَةِ أوْ مَفْعُولًا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الهَمْزَةِ. وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ وأنَّ المَأْذُونَ بِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (يُقاتَلُونَ)، أيْ أُذِنَ لَهم في القِتالِ، صفحة ٢٧٤ وهَذا يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ في قَوْلِهِ (يُقاتَلُونَ)، والتَّفْسِيرِ الَّذِي رَأيْتُهُ أنْسَبَ وأرْشَقَ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾، أيْ أُذِنَ لَهم بِذَلِكَ وذُكِّرُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى أنْ يَنْصُرَهم. وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ وارِدٌ عَلى سُنَنِ كَلامِ العَظِيمِ المُقْتَدِرِ بِإيرادِ الوَعْدِ في صُورَةِ الإخْبارِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَحَلِّ العِلْمِ مِنهُ ونَحْوِهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَسى أنْ يَكُونَ كَذا، أوْ أنَّ عِنْدَنا خَيْرًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لِلْمُتَرَقِّبِ شَكٌّ في الفَوْزِ بِمَطْلُوبِهِ. وتَوْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِهِ، أوْ تَعْرِيضٌ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ.

الحج 22:40

﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، وفي إجْراءِ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلَيْهِمْ إيماءٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالمُقاتَلَةِ الأذى، وأعْظَمُهُ إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] . و(﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُخْرِجُوا)، أيْ أُخْرِجُوا مُتَلَبِّسِينَ بِعَدَمِ الحَقِّ عَلَيْهِمُ المُوجِبِ إخْراجَهم. فَإنَّ لِلْمَرْءِ حَقًّا في وطَنِهِ ومُعاشَرَةِ قَوْمِهِ، وهَذا الحَقُّ ثابِتٌ بِالفِطْرَةِ لِأنَّ مِنَ الفِطْرَةِ أنَّ النّاشِئَ في أرْضٍ والمُتَوَلِّدَ بَيْنَ قَوْمٍ هو مُساوٍ لِجَمِيعِ أهْلِ ذَلِكَ المَوْطِنِ في حَقِّ القَرارِ في وطَنِهِمْ وبَيْنَ قَوْمِهِمْ بِالوَجْهِ الَّذِي ثَبَتَ لِجُمْهُورِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ مِن نَشْأةٍ مُتَقادِمَةٍ أوْ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ لِسُكّانِهِ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: صفحة ٢٧٥ إنَّها لَبِلادُهم قاتَلُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمُوا عَلَيْها في الإسْلامِ. ولا يَزُولُ ذَلِكَ الحَقُّ إلّا بِمُوجِبٍ قَرَّرَهُ الشَّرْعُ أوِ العَوائِدُ قَبْلَ الشَّرْعِ. كَما قالَ زُهَيْرٌ: فَإنَّ الحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاثٌ يَمِينٌ أوْ نِفارٌ أوْ جَلاءُ فَمِن ذَلِكَ في الشَّرائِعِ التَّغْرِيبُ والنَّفْيُ، ومِن ذَلِكَ في قَوانِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الجَلاءُ والخَلْعُ. وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِاعْتِداءٍ يَعْتَدِيهِ المَرْءُ عَلى قَوْمِهِ لا يَجِدُونَ لَهُ مَسْلَكًا مِنَ الرَّدْعِ غَيْرَ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ فَإنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ لا يَنْجَرُّ مِنهُ اعْتِداءٌ عَلى غَيْرِهِمْ إذْ هو شَيْءٌ قاصِرٌ عَلى نُفُوسِهِمْ والإعْلانُ بِهِ بِالقَوْلِ لا يَضُرُّ بِغَيْرِهِمْ. فالِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِالإخْراجِ مِن دِيارِهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ ظُلْمٌ بَواحٌ واسْتِخْدامٌ لِلْقُوَّةِ في تَنْفِيذِ الظُّلْمِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الحَقِّ حَقًّا يُوجِبُ الإخْراجَ؛ أيِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُسْتَعْمَلًا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ. أيْ إنْ كانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ فَهو أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ تَأْكِيدُ عَدَمِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ اسْتِقْراءِ ما قَدْ يُتَخَيَّلُ أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ. وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُوهِمُ نَقْضَهُ. ويُسَمّى عِنْدَ أهْلِ البَدِيعِ تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وشاهِدُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وهَذِهِ الآيَةُ لا مَحالَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. * * * صفحة ٢٧٦ ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ إلَخْ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] إلَخْ. فَلَمّا تَضَمَّنَتْ جُمْلَةُ (﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩]) إلَخْ. . . الإذْنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِدِفاعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم أُتْبِعَ ذَلِكَ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في هَذا الإذْنِ بِالدِّفاعِ، مَعَ التَّنْوِيهِ بِهَذا الدِّفاعِ، والمُتَوَلِّينَ لَهُ بِأنَّهُ دِفاعٌ عَنِ الحَقِّ والدِّينِ يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ أهْلِ أدْيانِ التَّوْحِيدِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ، ولَيْسَ هو دِفاعًا لِنَفْعِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ إلى آخِرِهِ. اعْتِراضِيَّةٌ وتُسَمّى واوَ الِاسْتِئْنافِ. ومُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ إلَخْ. و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِهِ، أيِ انْتِفائِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ عِنْدَ تَحْقِيقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ شَرْطِهِ فَهو حَرْفٌ يَقْتَضِي جُمْلَتَيْنِ. والمَعْنى: لَوْلا دِفاعُ النّاسِ عَنْ مَواضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ لانْتَصَرَ المُشْرِكُونَ ولَتَجاوَزُوا فِيهِ المُسْلِمِينَ إلى الِاعْتِداءِ عَلى ما يُجاوِرُ بِلادَهم مِن أهْلِ المِلَلِ الأُخْرى المُناوِئَةِ لِمِلَّةِ الشِّرْكِ ولَهَدَمُوا مَعابِدَهم مِن صَوامِعَ، وبِيَعٍ، وصَلَواتٍ، ومَساجِدَ، لِلْأدْيانِ المُخالِفَةِ لِلشِّرْكِ. فَذِكْرُ الصَّوامِعِ، والبِيَعِ، إدْماجٌ لِيَنْتَبِهُوا إلى تَأْيِيدِ المُسْلِمِينَ فالتَّعْرِيفُ في (النّاسِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ النّاسِ الَّذِينَ يَتَقاتَلُونَ وهُمُ المُسْلِمُونَ ومُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ. صفحة ٢٧٧ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْلا ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ مِن إذْنِ اللَّهِ لِأُمَمِ التَّوْحِيدِ بِقِتالِ أهْلِ الشِّرْكِ كَما قاتَلَ داوُدُ جالُوتَ. وكَما تَغَلَّبَ سُلَيْمانُ عَلى مَلِكَةِ سَبَأٍ لَمَحَقَ المُشْرِكُونَ مَعالِمَ التَّوْحِيدِ كَما مَحَقَ ”بُخْتَنَصَّرُ“ هَيْكَلَ سُلَيْمانَ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، أيْ أُذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالقِتالِ كَما أُذِنَ لِأُمَمٍ قَبْلَهم لِكَيْلا يَطْغى عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ كَما طَغَوْا عَلى مَن قَبْلَهم حِينَ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَهم بِالقِتالِ، فالتَّعْرِيفُ في (النّاسِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وإضافَةُ الدِّفاعِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ مُجازِيٌّ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ إذْنٌ لِلنّاسِ أنْ يَدْفَعُوا عَنْ مَعابِدِهِمْ فَكانَ إذْنُ اللَّهِ سَبَبَ الدَّفْعِ. وهَذا يُهِيبُ بِأهْلِ الأدْيانِ إلى التَّألُّبِ عَلى مُقاوَمَةِ أهْلِ الشِّرْكِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (دِفاعُ) . وقَرَأ الباقُونَ (دَفْعُ) بِفَتْحِ الدّالِ وبِدُونِ ألِفٍ. و(بَعْضَهم) بَدَلٌ مِنَ (النّاسِ) بَدَلُ بَعْضٍ. و(بِبَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (دِفاعُ) والباءُ لِلْآلَةِ. والهَدْمُ: تَقْوِيضُ البِناءِ وتَسْقِيطُهُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (﴿لَهُدِمَتْ﴾) بِتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ لِلْمُبالَغَةِ في الهَدْمِ، أيْ (لَهُدِّمَتْ) هَدْمًا ناشِئًا عَنْ غَيْظٍ بِحَيْثُ لا يُبْقُونَ لَها أثَرًا. والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ بِوَزْنِ فَوْعَلَةٍ، وهي بِناءٌ مُسْتَطِيلٌ مُرْتَفِعٌ يُصْعَدُ إلَيْهِ بِدَرَجٍ وبِأعْلاهُ بَيْتٌ، كانَ الرُّهْبانُ يَتَّخِذُونَهُ لِلْعِبادَةِ لِيَكُونُوا بُعَداءَ عَنْ مُشاغَلَةِ النّاسِ إيّاهم، وكانُوا يُوقِدُونَ بِهِ مَصابِيحَ لِلْإعانَةِ عَلى السَّهَرِ لِلْعِبادَةِ ولِإضاءَةِ الطَّرِيقِ لِلْمارِّينَ. مِن أجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَتِ الصَّوْمَعَةُ المَنارَةَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشِيِّ كَأنَّها مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ صفحة ٢٧٨ والبِيَعُ جَمْعُ: بِيعَةٍ - بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - مَكانُ عِبادَةِ النَّصارى ولا يُعْرَفُ أصْلُ اشْتِقاقِها. ولَعَلَّها مُعَرَّبَةٌ عَنْ لُغَةٍ أُخْرى. والصَّلَواتُ جَمْعُ: صَلاةٍ وهي هُنا مُرادٌ بِها كَنائِسُ اليَهُودِ مُعَرَّبَةٌ عَنْ كَلِمَةِ (صَلُوثا) بِالمُثَلَّثَةِ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ. فَلَمّا عُرِّبَتْ جَعَلُوا مَكانَ المُثَلَّثَةِ مُثَنّاةً فَوْقِيَّةً وجَمَعُوها كَذَلِكَ. وعَنْ مُجاهِدٍ. والجَحْدَرِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وأبِي رَجاءٍ أنَّهم قَرَءُوها هُنا (وصَلَواثٍ) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ. ومُجاهِدٌ (صِلْوِيثا) بِكَسْرِ الصّادِ وسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ الواوِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدَ الثّاءِ أيِ المُثَلَّثَةِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ وهَذِهَ المادَّةُ قَدْ فاتَتْ أهْلَ اللُّغَةِ وهي غَفْلَةٌ عَجِيبَةٌ. والمَساجِدُ: اسْمٌ لِمَحَلِّ السُّجُودِ مِن كُلِّ مَوْضِعِ عِبادَةٍ لَيْسَ مِنَ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ نَزَلَتْ في ابْتِداءِ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إلى المَدِينَةِ حِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ قُباءٍ ومَسْجِدَ المَدِينَةِ. وجُمْلَةُ (﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾) صِفَةٌ والغالِبُ في الصِّفَةِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ فِيها أنْ تَرْجِعَ إلى ما في تِلْكَ الجُمَلِ مِنَ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ. فَلِذَلِكَ قِيلَ بِرُجُوعِ صِفَةِ (﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ﴾) إلى صَوامِعَ، وبِيَعٍ، وصَلَواتٍ، ومَساجِدَ لِلْأرْبَعَةِ المَذْكُوراتِ قَبْلَها وهي مَعادُ ضَمِيرِ (فِيها) . وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ الإيماءُ إلى أنَّ سَبَبَ هَدْمِها أنَّها يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، أيْ ولا تُذْكَرُ أسْماءُ أصْنامِ أهْلِ الشِّرْكِ فَإنَّهم لَمّا أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ بِلا سَبَبٍ إلّا أنَّهم يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ فَيَقُولُونَ رَبُّنا اللَّهُ. لِمَحْوِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مِن بَلَدِهِمْ لا جَرَمَ أنَّهم يَهْدِمُونَ المَواضِعَ المَجْعُولَةَ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ كَثِيرًا. أيْ دُونَ ذِكْرِ الأصْنامِ. فالكَثْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدَّوامِ صفحة ٢٧٩ لِاسْتِغْراقِ الأزْمِنَةِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ في هَذِهِ المَواضِعِ فائِدَةً دِينِيَّةً وهي ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِن أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ مِن أهْلِ أواخِرِ القَرْنِ الرّابِعِ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَنعَ مِن هَدْمِ كَنائِسِ أهْلِ الذِّمَّةِ وبِيَعِهِمْ وبُيُوتِ نارِهِمْ اهـ. قُلْتُ: أمّا بُيُوتُ النّارِ فَلا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ مَنعَ هَدْمِها فَإنَّها لا يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ وإنَّما مَنعُ هَدْمِها عَقْدُ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بَيْنَ أهْلِها وبَيْنَ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ الصِّفَةُ راجِعَةٌ إلى مَساجِدَ خاصَّةٍ. وتَقْدِيمُ الصَّوامِعِ في الذِّكْرِ عَلى ما بَعْدَهُ لِأنَّ صَوامِعَ الرُّهْبانِ كانَتْ أكْثَرَ في بِلادِ العَرَبِ مِن غَيْرِها، وكانَتْ أشْهَرَ عِنْدَهم، لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِأضْوائِها في أسْفارِهِمْ ويَأْوُونَ إلَيْها. وتَعْقِيبُها بِذِكْرِ البِيَعِ لِلْمُناسَبَةِ إذْ هي مَعابِدُ النَّصارى مِثْلُ الصَّوامِعِ. وأمّا ذِكْرُ الصَّلَواتِ بَعْدَهُما فَلِأنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ المَقامُ لِذِكْرِها، وتَأْخِيرُ المَساجِدِ لِأنَّها أعَمُّ، وشَأْنُ العُمُومِ أنْ يُعَقَّبَ بِهِ الخُصُوصُ إكْمالًا لِلْفائِدَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾)، أيْ أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِالدِّفاعِ عَنْ دِينِهِمْ. وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ في ذَلِكَ الدِّفاعِ لِأنَّهم بِدِفاعِهِمْ يَنْصُرُونَ دِينَ اللَّهِ، فَكَأنَّهم نَصَرُوا اللَّهَ. ولِذَلِكَ أكَّدَ الجُمْلَةَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤] تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾، أيْ كانَ نَصْرُهم مَضْمُونًا لِأنَّ ناصِرَهم قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ بِالقُوَّةِ والعِزَّةِ. والقُوَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في القُدْرَةِ. والعِزَّةُ هُنا حَقِيقَةٌ لِأنَّ العِزَّةَ هي المَنَعَةُ، أيْ عَدَمُ تَسَلُّطِ غَيْرِ صاحِبِها عَلى صاحِبِها. صفحة ٢٨٠ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. فالمُرادُ مِنَ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] المُهاجِرُونَ فَهو ثَناءٌ عَلى المُهاجِرِينَ وشَهادَةٌ لَهم بِكَمالِ دِينِهِمْ. وعَنْ عُثْمانَ: هَذا واللَّهِ ثَناءٌ قَبْلَ بَلاءٍ. أيْ قَبْلَ اخْتِبارٍ. أيْ فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ مِن حالِهِمْ. ومَعْنى ﴿إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ [الحج: ٤١] أيْ بِالنَّصْرِ الَّذِي وعَدْناهم في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .

الحج 22:41

﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مَن) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ (﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]) فَيَكُونُ المُرادُ: كُلَّ مَن نَصْرَ الدِّينَ مِن أجْيالِ المُسْلِمِينَ. أيْ مَكَّنّاهم بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ إنْ نَصَرُوا دِينَ اللَّهِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فالكَلامُ مَسُوقٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ بِأنْ يَأْتُوا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن أُصُولِ الإسْلامِ فَإنَّ بِذَلِكَ دَوامَ نَصْرِهِمْ، وانْتِظامَ عَقْدِ جَماعَتِهِمْ، والسَّلامَةَ مِنِ اخْتِلالِ أمْرِهِمْ، فَإنْ حادُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّطُوا في ضَمانِ نَصْرِهِمْ وأمْرُهم إلى اللَّهِ. فَأمّا إقامَةُ الصَّلاةِ فَلِدَلالَتِها عَلى القِيامِ بِالدِّينِ وتَجْدِيدٍ لِمَفْعُولِهِ في النُّفُوسِ، وأمّا إيتاءُ الزَّكاةِ فَهو لِيَكُونَ أفْرادُ الأُمَّةِ مُتَقارِبِينَ في نِظامِ مَعاشِهِمْ، وأمّا الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَلِتَنْفِيذِ قَوانِينِ الإسْلامِ بَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. والتَّمْكِينُ: التَّوْثِيقُ. وأصْلُهُ إقْرارُ الشَّيْءِ في مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في التَّسْلِيطِ والتَّمْلِيكِ، والأرْضُ لِلْجِنْسِ، أيْ تَسْلِيطُهم عَلى شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شَأْنَهم فِيما هو مِلْكُهم وما بُسِطَتْ فِيهِ أيْدِيهم. صفحة ٢٨١ وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ [الأعراف: ١٠] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] في سُورَةِ يُوسُفَ: والمُرادُ بِالمَعْرُوفِ ما هو مُقَرَّرٌ مِن شُئُونِ الدِّينِ: وإمّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِلْأُمَّةِ كُلِّها: وهو ما يُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَسْتَوِي في العِلْمِ بِكَوْنِهِ مِنَ الدِّينِ سائِرُ الأُمَّةِ. وإمّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِطائِفَةٍ مِنهم وهو دَقائِقُ الأحْكامِ فَيَأْمُرُ بِهِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوهُ وهُمُ العُلَماءُ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِ العِلْمِ ومَراتِبِ عُلَمائِهِ. والمُنْكَرُ: ما شَأْنَهُ أنْ يُنْكَرَ في الدِّينِ، أيْ أنْ لا يُرْضى بِأنَّهُ مِنَ الدِّينِ. وذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَدْخُلُ في أُمُورِ الأُمَّةِ والشَّرِيعَةِ وهو مُخالِفٌ لَها فَعُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالمُنْكَرِ الأعْمالُ الَّتِي يُرادُ إدْخالُها في شَرِيعَةِ المُسْلِمِينَ وهي مُخالِفَةٌ لَها، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ النّاسُ في شُئُونِ عاداتِهِمْ مِمّا هو في مِنطَقَةِ المُباحِ، ولا ما يَفْعَلُونَ في شُئُونِ دِينِهِمْ مِمّا هو مِن نَوْعِ الدِّياناتِ كالأعْمالِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ كُلِّيّاتٍ دِينِيَّةٍ، والأعْمالِ المَشْرُوعَةِ بِطَرِيقِ القِياسِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ مِن مَجالاتِ الِاجْتِهادِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ. والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ آيِلٌ إلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وكَذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ آيِلٌ إلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وإنَّما جَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَها بِاعْتِبارِ أوَّلِ ما تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ عَنْ مُشاهَدَةِ الأعْمالِ، ولِتَكُونَ مَعْرُوفَةً دَلِيلًا عَلى إنْكارِ المُنْكَرِ وبِالعَكْسِ إذْ بِضِدِّها تَتَمايَزُ الأشْياءُ، ولَمْ يَزَلْ مِن طُرُقِ النَّظَرِ والحِجاجِ الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقائِضِ والعُكُوسِ. * * * صفحة ٢٨٢ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، والمَآلُ واحِدٌ، وهو تَحْقِيقُ وُقُوعِ النَّصْرِ، لِأنَّ الَّذِي وعَدَ بِهِ لا يَمْنَعُهُ مِن تَحْقِيقِ وعْدِهِ مانِعٌ، وفِيهِ تَأْنِيسٌ لِلْمُهاجِرِينَ لِئَلّا يَسْتَبْطِئُوا النَّصْرَ. والعاقِبَةُ: آخِرُ الشَّيْءِ وما يَعْقُبُ الحاضِرَ. وتَأْنِيثُها لِمُلاحَظَةِ مَعْنى الحالَةِ وصارَتْ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ اسْمًا. وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ هُنا لِلِاهْتِمامِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما هو لِلَّهِ فَهو يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ.

الحج 22:42

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ لَمّا نَعى عَلى المُشْرِكِينَ مَساوِيَهم في شُئُونِ الدِّينِ بِإشْراكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما ناسَبَ ذَلِكَ في غَرَضِهِ مِن إخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ، عَطَفَ هُنا إلى ضَلالِهِمْ بِتَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ”عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وتَمْثِيلَهم بِأمْثالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ، وتَهْدِيدَهم صفحة ٢٨٣ بِالمَصِيرِ إلى مَصِيرِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾) إلَخْ إذِ التَّقْدِيرُ: فَلا عَجَبَ في تَكْذِيبِهِمْ، أوْ فَلا غَضاضَةَ عَلَيْكَ في تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ فَإنَّ تِلْكَ عادَةُ أمْثالِهِمْ. وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانُ. وأصْحابُ مَدْيَنَ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وإنَّما لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهم بِقَوْمِ شُعَيْبٍ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظُ قَوْمٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقالَ وكُذِّبَ مُوسى لِأنَّ مُكَذِّبِيهِ هُمُ القِبْطُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ مَعْناهُ فَأمْلَيْتُ لَهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإمْلاءِ لَهم ثُمَّ أخْذِهِمْ هو الكُفْرُ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا بِالنِّذارَةِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والأخْذُ، حَقِيقَتُهُ: التَّناوُلُ لِما لَمْ يَكُنْ في اليَدِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْلِيطِ الإهْلاكِ بَعْدَ إمْهالِهِمْ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الإمْلاءَ لَهم يُشْبِهُ بُعْدَ الشَّيْءِ عَنْ مُتَناوِلِهِ فَشُبِّهَ انْتِهاءَ ذَلِكَ الإمْلاءِ بِالتَّناوُلِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم عِنْدَهُ، لِظُهُورِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وعِيدِهِمْ، وهَذا الأخْذُ مَعْلُومٌ في آياتٍ أُخْرى عَدا أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يَتَقَدَّمْ في القُرْآنِ ذِكْرٌ لِعَذابِهِمْ أوْ أخْذِهِمْ سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] مُشِيرٌ إلى سُوءِ عاقِبَتِهِمْ مِمّا أرادُوا بِهِ مِنَ الكَيْدِ. وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ كَما أشَرْنا هُنالِكَ. ومُناسَبَةُ عَدِّ قَوْمِ إبْراهِيمَ هُنا في عِدادِ الأقْوامِ الَّذِينَ أخَذَهُمُ اللَّهُ دُونَ الآياتِ الأُخْرى الَّتِي ذُكِرَ فِيها مَن أُخِذُوا مِنَ الأقْوامِ، أنَّ صفحة ٢٨٤ قَوْمَ إبْراهِيمَ أتَمُّ شَبَهًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم وآذَوْهُ، وألْجَأُوهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، فَكانَ ذِكْرُ إلْجاءِ قُرَيْشٍ المُؤْمِنِينَ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] مُناسَبَةً لِذِكْرِ قَوْمِ إبْراهِيمَ. والإمْلاءُ: تَرْكُ المُتَلَبِّسِ بِالعِصْيانِ دُونَ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِ وتَأْخِيرِها إلى وقْتٍ مُتَأخِّرٍ، حَتّى يَحْسَبَ أنَّهُ قَدْ نَجا ثُمَّ يُؤْخَذَ بِالعُقُوبَةِ. والفاءُ في (﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾) لِلتَّعْقِيبِ دَلالَةً عَلى أنَّ تَقْدِيرَ هَلاكِهِمْ حاصِلٌ في وقْتِ تَكْذِيبِهِمْ وإنَّما أُخِّرَ لَهم، وهو تَعْقِيبٌ مُوَزَّعٌ، فَلِكُلِّ قَوْمٍ مِن هَؤُلاءِ تَعْقِيبُ إمْلائِهِ. والأخْذُ حاصِلٌ بَعْدَ الإمْلاءِ بِمُهْلَةٍ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ فِعْلُهُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ بِالفاءِ لِأنَّ حَقَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الأخْذِ، وهو اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ، أيْ فاعْجَبْ مِن نَكِيرِي كَيْفَ حَصَلَ. ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِنهُ أنَّهم أُبْدِلُوا بِالنِّعْمَةِ مِحْنَةً، وبِالحَياةِ هَلاكًا، وبِالعِمارَةِ خَرابًا فَهو عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ. والنَّكِيرُ: الإنْكارُ الزَّجْرِيُّ لِتَغْيِيرِ الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الَّذِي يُنْكَرُ عَلَيْهِ. و(نَكِيرِ) بِكَسْرَةٍ في آخِرِهِ دالَّةٍ عَلى بِناءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا. وكانَ مُناسَبَةُ اخْتِيارِ النَّكِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ العَذابِ ونَحْوِهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ النُّكْرِ لِيُنَبِّهَ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَبْذُلُوا في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مُنْتَهى اسْتِطاعَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عاقَبَ عَلى المُنْكَرِ بِأشَدِّ العِقابِ، فَعَلى المُؤْمِنِينَ الِائْتِساءُ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: إنَّ صفحة ٢٨٥ الحِكْمَةَ هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ الإنْسانِيَّةُ، وفي هَذا المَجالِ تَتَسابَقُ جِيادُ الهِمَمِ.

الحج 22:43

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ لَمّا نَعى عَلى المُشْرِكِينَ مَساوِيَهم في شُئُونِ الدِّينِ بِإشْراكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما ناسَبَ ذَلِكَ في غَرَضِهِ مِن إخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ، عَطَفَ هُنا إلى ضَلالِهِمْ بِتَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ”عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وتَمْثِيلَهم بِأمْثالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ، وتَهْدِيدَهم صفحة ٢٨٣ بِالمَصِيرِ إلى مَصِيرِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾) إلَخْ إذِ التَّقْدِيرُ: فَلا عَجَبَ في تَكْذِيبِهِمْ، أوْ فَلا غَضاضَةَ عَلَيْكَ في تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ فَإنَّ تِلْكَ عادَةُ أمْثالِهِمْ. وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانُ. وأصْحابُ مَدْيَنَ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وإنَّما لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهم بِقَوْمِ شُعَيْبٍ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظُ قَوْمٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقالَ وكُذِّبَ مُوسى لِأنَّ مُكَذِّبِيهِ هُمُ القِبْطُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ مَعْناهُ فَأمْلَيْتُ لَهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإمْلاءِ لَهم ثُمَّ أخْذِهِمْ هو الكُفْرُ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا بِالنِّذارَةِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والأخْذُ، حَقِيقَتُهُ: التَّناوُلُ لِما لَمْ يَكُنْ في اليَدِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْلِيطِ الإهْلاكِ بَعْدَ إمْهالِهِمْ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الإمْلاءَ لَهم يُشْبِهُ بُعْدَ الشَّيْءِ عَنْ مُتَناوِلِهِ فَشُبِّهَ انْتِهاءَ ذَلِكَ الإمْلاءِ بِالتَّناوُلِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم عِنْدَهُ، لِظُهُورِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وعِيدِهِمْ، وهَذا الأخْذُ مَعْلُومٌ في آياتٍ أُخْرى عَدا أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يَتَقَدَّمْ في القُرْآنِ ذِكْرٌ لِعَذابِهِمْ أوْ أخْذِهِمْ سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] مُشِيرٌ إلى سُوءِ عاقِبَتِهِمْ مِمّا أرادُوا بِهِ مِنَ الكَيْدِ. وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ كَما أشَرْنا هُنالِكَ. ومُناسَبَةُ عَدِّ قَوْمِ إبْراهِيمَ هُنا في عِدادِ الأقْوامِ الَّذِينَ أخَذَهُمُ اللَّهُ دُونَ الآياتِ الأُخْرى الَّتِي ذُكِرَ فِيها مَن أُخِذُوا مِنَ الأقْوامِ، أنَّ صفحة ٢٨٤ قَوْمَ إبْراهِيمَ أتَمُّ شَبَهًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم وآذَوْهُ، وألْجَأُوهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، فَكانَ ذِكْرُ إلْجاءِ قُرَيْشٍ المُؤْمِنِينَ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] مُناسَبَةً لِذِكْرِ قَوْمِ إبْراهِيمَ. والإمْلاءُ: تَرْكُ المُتَلَبِّسِ بِالعِصْيانِ دُونَ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِ وتَأْخِيرِها إلى وقْتٍ مُتَأخِّرٍ، حَتّى يَحْسَبَ أنَّهُ قَدْ نَجا ثُمَّ يُؤْخَذَ بِالعُقُوبَةِ. والفاءُ في (﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾) لِلتَّعْقِيبِ دَلالَةً عَلى أنَّ تَقْدِيرَ هَلاكِهِمْ حاصِلٌ في وقْتِ تَكْذِيبِهِمْ وإنَّما أُخِّرَ لَهم، وهو تَعْقِيبٌ مُوَزَّعٌ، فَلِكُلِّ قَوْمٍ مِن هَؤُلاءِ تَعْقِيبُ إمْلائِهِ. والأخْذُ حاصِلٌ بَعْدَ الإمْلاءِ بِمُهْلَةٍ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ فِعْلُهُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ بِالفاءِ لِأنَّ حَقَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الأخْذِ، وهو اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ، أيْ فاعْجَبْ مِن نَكِيرِي كَيْفَ حَصَلَ. ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِنهُ أنَّهم أُبْدِلُوا بِالنِّعْمَةِ مِحْنَةً، وبِالحَياةِ هَلاكًا، وبِالعِمارَةِ خَرابًا فَهو عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ. والنَّكِيرُ: الإنْكارُ الزَّجْرِيُّ لِتَغْيِيرِ الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الَّذِي يُنْكَرُ عَلَيْهِ. و(نَكِيرِ) بِكَسْرَةٍ في آخِرِهِ دالَّةٍ عَلى بِناءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا. وكانَ مُناسَبَةُ اخْتِيارِ النَّكِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ العَذابِ ونَحْوِهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ النُّكْرِ لِيُنَبِّهَ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَبْذُلُوا في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مُنْتَهى اسْتِطاعَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عاقَبَ عَلى المُنْكَرِ بِأشَدِّ العِقابِ، فَعَلى المُؤْمِنِينَ الِائْتِساءُ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: إنَّ صفحة ٢٨٥ الحِكْمَةَ هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ الإنْسانِيَّةُ، وفي هَذا المَجالِ تَتَسابَقُ جِيادُ الهِمَمِ.