Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الشعراء 26:79 – الشعراء 26:149
المحتويات
- الشعراء 26:79
- الشعراء 26:80
- الشعراء 26:81
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:83
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:85
- الشعراء 26:86
- الشعراء 26:87
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:117
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:120
- الشعراء 26:121
- الشعراء 26:122
- الشعراء 26:123
- الشعراء 26:124
- الشعراء 26:125
- الشعراء 26:126
- الشعراء 26:127
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:131
- الشعراء 26:132
- الشعراء 26:133
- الشعراء 26:134
- الشعراء 26:135
- الشعراء 26:136
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:138
- الشعراء 26:139
- الشعراء 26:140
- الشعراء 26:141
- الشعراء 26:142
- الشعراء 26:143
- الشعراء 26:144
- الشعراء 26:145
- الشعراء 26:146
- الشعراء 26:147
- الشعراء 26:148
- الشعراء 26:149
الشعراء 26:79
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ المَوْصُولَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِ (رَبَّ العالَمِينَ) وأنَّ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الخالِقُ فَهو الأوْلى بِتَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ دُونَ أنْ يَتَوَلّاها غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً مُسْتَأْنَفًا بِهِ ويَكُونَ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) خَبَرًا عَنْ (الَّذِي) . وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِمُشابَهَةِ المَوْصُولِ لِلشَّرْطِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧])، أيْ: ذَلِكَ هو الَّذِي أُخْلِصُ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَلَقَنِي كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: فَيَهْدِينِ، لِتَخْصِيصِهِ بِأنَّهُ مُتَوَلِّي الهِدايَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ تَصَرُّفَ أصْنامَهم بِالقَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَيْسَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَقَعُ بَعْدَ العاطِفِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿يَهْدِينِ﴾)؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مُتَجَدِّدَةٌ لَهُ. وجُعِلَ فِعْلُ الهِدايَةِ مُفَرَّعًا بِالفاءِ عَلى فِعْلِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ مُعاقِبٌ لَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى مِن مُقْتَضى الخَلْقِ؛ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْ خَلْقِ العَقْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى طُرُقِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَيَكُونُ المَعْنى: الَّذِي خَلَقَنِي جَسَدًا وعَقْلًا. ومِنَ الهِدايَةِ المَذْكُورَةِ دَفْعُ وساوِسِ الباطِلِ عَنِ العَقْلِ حَتّى يَكُونَ إعْمالُ النَّظَرِ مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ.
صفحة ١٤٣
والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾) كالقَوْلِ في سابِقِهِما لِلرَّدِّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُقَدِّرُ لَهم تَيْسِيرَ ما يَأْكُلُونَ وما يَشْرَبُونَ وبِها بُرْؤُهم إذا مَرِضُوا، ولَيْسا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أيْضًا.
وعُطِفَ (إذا مَرِضْتُ) عَلى (﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإنَّ (إذا) تُخَلِّصُ الفِعْلَ بَعْدَها لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ: إذا طَرَأ عَلَيَّ مَرَضٌ.
وفِي إسْنادِهِ فِعْلَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ راعى فِيهِ الإسْنادَ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ في مَقامِ الأدَبِ، فَأسْنَدَ إحْداثَ المَرَضِ إلى ذاتِهِ؛ ولِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: (﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾) فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الأصْنامِ قاصِرٌ عَلى الإعانَةِ أوِ الإعاقَةِ في أعْمالِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. فَأمّا المَوْتُ فَهو مِن فِعْلِ الدَّهْرِ والطَّبِيعَةِ إنْ كانُوا دَهْرِيِّينَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ والإحْياءَ والإماتَةَ لَيْسَتْ مِن شُئُونِ الأصْنامِ وأنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى كَما يَعْتَقِدُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ فَظاهِرٌ.
وتَكْرِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَتانِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى لِلِاهْتِمامِ بِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى فَحَقِيقٌ أنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلالَتِهِ.
وأطْلَقَ عَلى رَجاءِ المَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، ومُباعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هاجِسِ اسْتِحْقاقِهِ المَغْفِرَةَ، وإنَّما طَمَعَ في ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
والخَطِيئَةُ: الذَّنْبُ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ في لِسانِ الشَّرائِعِ: مُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وإذْ قَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها فالخَطِيئَةُ مِنهم هي مُخالَفَةُ مُقْتَضى المَقامِ النَّبَوِيِّ.
والمَغْفِرَةُ: العَفْوُ عَنِ الخَطايا، وإنَّما قَيَّدَهُ بِ (يَوْمَ الدِّينِ)؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ العَفْوِ، فَأمّا صُدُورُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الدُّنْيا، وقَدْ يَغْفِرُ خَطايا بَعْضِ الخاطِئِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ الشَّفاعَةِ.
صفحة ١٤٤
ويَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الجَزاءِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ النُّعُوتِ إلى ما هو مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَنْ أحَدٍ قَصْدًا لِاقْتِصاصِ إيمانِ المُشْرِكِينَ إنْ رامُوا الِاهْتِداءَ.
وفِي تِلْكَ النُّعُوتِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُهَيِّئاتٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ فَقَدْ جَمَعَتْ كَلِماتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في تِلْكَ الأفْعالِ الَّتِي هي أصْلُ أطْوارِ الخَلْقِ الجُسْمانِيِّ دَلالَةً أُخْرى عَلى جَمِيعِ أُصُولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ، فَذَكَرَ خَلْقَ الجَسَدِ وخَلْقَ العَقْلِ وإعْطاءَ ما بِهِ بَقاءُ المَخْلُوقِ وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ اخْتِلالِ المِزاجِ وشِفائِهِ، وذَكَرَ المَوْتَ الَّذِي هو خاتِمَةُ الحَياةِ الأُولى، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ الحَياةِ الثّانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ حالَةٌ لا يَظْهَرُ كَوْنُها نِعْمَةً إلّا بِغَوْصِ فِكْرٍ ولَكِنَّ وراءَهُ حَياةٌ هي نِعْمَةٌ لا مَحالَةَ لِمَن شاءَ أنْ تَكُونَ لَهُ نِعْمَةٌ.
وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ) لِأجْلِ التَّخْفِيفِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّها يُوقَفُ عَلَيْها وفَواصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُها بِالنُّونِ السّاكِنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] في قِصَّةِ مُوسى المُتَقَدِّمَةِ.
الشعراء 26:80
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ المَوْصُولَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِ (رَبَّ العالَمِينَ) وأنَّ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الخالِقُ فَهو الأوْلى بِتَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ دُونَ أنْ يَتَوَلّاها غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً مُسْتَأْنَفًا بِهِ ويَكُونَ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) خَبَرًا عَنْ (الَّذِي) . وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِمُشابَهَةِ المَوْصُولِ لِلشَّرْطِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧])، أيْ: ذَلِكَ هو الَّذِي أُخْلِصُ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَلَقَنِي كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: فَيَهْدِينِ، لِتَخْصِيصِهِ بِأنَّهُ مُتَوَلِّي الهِدايَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ تَصَرُّفَ أصْنامَهم بِالقَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَيْسَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَقَعُ بَعْدَ العاطِفِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿يَهْدِينِ﴾)؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مُتَجَدِّدَةٌ لَهُ. وجُعِلَ فِعْلُ الهِدايَةِ مُفَرَّعًا بِالفاءِ عَلى فِعْلِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ مُعاقِبٌ لَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى مِن مُقْتَضى الخَلْقِ؛ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْ خَلْقِ العَقْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى طُرُقِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَيَكُونُ المَعْنى: الَّذِي خَلَقَنِي جَسَدًا وعَقْلًا. ومِنَ الهِدايَةِ المَذْكُورَةِ دَفْعُ وساوِسِ الباطِلِ عَنِ العَقْلِ حَتّى يَكُونَ إعْمالُ النَّظَرِ مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ.
صفحة ١٤٣
والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾) كالقَوْلِ في سابِقِهِما لِلرَّدِّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُقَدِّرُ لَهم تَيْسِيرَ ما يَأْكُلُونَ وما يَشْرَبُونَ وبِها بُرْؤُهم إذا مَرِضُوا، ولَيْسا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أيْضًا.
وعُطِفَ (إذا مَرِضْتُ) عَلى (﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإنَّ (إذا) تُخَلِّصُ الفِعْلَ بَعْدَها لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ: إذا طَرَأ عَلَيَّ مَرَضٌ.
وفِي إسْنادِهِ فِعْلَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ راعى فِيهِ الإسْنادَ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ في مَقامِ الأدَبِ، فَأسْنَدَ إحْداثَ المَرَضِ إلى ذاتِهِ؛ ولِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: (﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾) فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الأصْنامِ قاصِرٌ عَلى الإعانَةِ أوِ الإعاقَةِ في أعْمالِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. فَأمّا المَوْتُ فَهو مِن فِعْلِ الدَّهْرِ والطَّبِيعَةِ إنْ كانُوا دَهْرِيِّينَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ والإحْياءَ والإماتَةَ لَيْسَتْ مِن شُئُونِ الأصْنامِ وأنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى كَما يَعْتَقِدُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ فَظاهِرٌ.
وتَكْرِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَتانِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى لِلِاهْتِمامِ بِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى فَحَقِيقٌ أنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلالَتِهِ.
وأطْلَقَ عَلى رَجاءِ المَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، ومُباعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هاجِسِ اسْتِحْقاقِهِ المَغْفِرَةَ، وإنَّما طَمَعَ في ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
والخَطِيئَةُ: الذَّنْبُ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ في لِسانِ الشَّرائِعِ: مُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وإذْ قَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها فالخَطِيئَةُ مِنهم هي مُخالَفَةُ مُقْتَضى المَقامِ النَّبَوِيِّ.
والمَغْفِرَةُ: العَفْوُ عَنِ الخَطايا، وإنَّما قَيَّدَهُ بِ (يَوْمَ الدِّينِ)؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ العَفْوِ، فَأمّا صُدُورُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الدُّنْيا، وقَدْ يَغْفِرُ خَطايا بَعْضِ الخاطِئِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ الشَّفاعَةِ.
صفحة ١٤٤
ويَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الجَزاءِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ النُّعُوتِ إلى ما هو مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَنْ أحَدٍ قَصْدًا لِاقْتِصاصِ إيمانِ المُشْرِكِينَ إنْ رامُوا الِاهْتِداءَ.
وفِي تِلْكَ النُّعُوتِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُهَيِّئاتٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ فَقَدْ جَمَعَتْ كَلِماتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في تِلْكَ الأفْعالِ الَّتِي هي أصْلُ أطْوارِ الخَلْقِ الجُسْمانِيِّ دَلالَةً أُخْرى عَلى جَمِيعِ أُصُولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ، فَذَكَرَ خَلْقَ الجَسَدِ وخَلْقَ العَقْلِ وإعْطاءَ ما بِهِ بَقاءُ المَخْلُوقِ وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ اخْتِلالِ المِزاجِ وشِفائِهِ، وذَكَرَ المَوْتَ الَّذِي هو خاتِمَةُ الحَياةِ الأُولى، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ الحَياةِ الثّانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ حالَةٌ لا يَظْهَرُ كَوْنُها نِعْمَةً إلّا بِغَوْصِ فِكْرٍ ولَكِنَّ وراءَهُ حَياةٌ هي نِعْمَةٌ لا مَحالَةَ لِمَن شاءَ أنْ تَكُونَ لَهُ نِعْمَةٌ.
وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ) لِأجْلِ التَّخْفِيفِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّها يُوقَفُ عَلَيْها وفَواصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُها بِالنُّونِ السّاكِنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] في قِصَّةِ مُوسى المُتَقَدِّمَةِ.
الشعراء 26:81
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ المَوْصُولَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِ (رَبَّ العالَمِينَ) وأنَّ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الخالِقُ فَهو الأوْلى بِتَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ دُونَ أنْ يَتَوَلّاها غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً مُسْتَأْنَفًا بِهِ ويَكُونَ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) خَبَرًا عَنْ (الَّذِي) . وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِمُشابَهَةِ المَوْصُولِ لِلشَّرْطِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧])، أيْ: ذَلِكَ هو الَّذِي أُخْلِصُ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَلَقَنِي كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: فَيَهْدِينِ، لِتَخْصِيصِهِ بِأنَّهُ مُتَوَلِّي الهِدايَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ تَصَرُّفَ أصْنامَهم بِالقَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَيْسَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَقَعُ بَعْدَ العاطِفِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿يَهْدِينِ﴾)؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مُتَجَدِّدَةٌ لَهُ. وجُعِلَ فِعْلُ الهِدايَةِ مُفَرَّعًا بِالفاءِ عَلى فِعْلِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ مُعاقِبٌ لَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى مِن مُقْتَضى الخَلْقِ؛ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْ خَلْقِ العَقْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى طُرُقِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَيَكُونُ المَعْنى: الَّذِي خَلَقَنِي جَسَدًا وعَقْلًا. ومِنَ الهِدايَةِ المَذْكُورَةِ دَفْعُ وساوِسِ الباطِلِ عَنِ العَقْلِ حَتّى يَكُونَ إعْمالُ النَّظَرِ مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ.
صفحة ١٤٣
والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾) كالقَوْلِ في سابِقِهِما لِلرَّدِّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُقَدِّرُ لَهم تَيْسِيرَ ما يَأْكُلُونَ وما يَشْرَبُونَ وبِها بُرْؤُهم إذا مَرِضُوا، ولَيْسا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أيْضًا.
وعُطِفَ (إذا مَرِضْتُ) عَلى (﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإنَّ (إذا) تُخَلِّصُ الفِعْلَ بَعْدَها لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ: إذا طَرَأ عَلَيَّ مَرَضٌ.
وفِي إسْنادِهِ فِعْلَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ راعى فِيهِ الإسْنادَ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ في مَقامِ الأدَبِ، فَأسْنَدَ إحْداثَ المَرَضِ إلى ذاتِهِ؛ ولِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: (﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾) فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الأصْنامِ قاصِرٌ عَلى الإعانَةِ أوِ الإعاقَةِ في أعْمالِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. فَأمّا المَوْتُ فَهو مِن فِعْلِ الدَّهْرِ والطَّبِيعَةِ إنْ كانُوا دَهْرِيِّينَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ والإحْياءَ والإماتَةَ لَيْسَتْ مِن شُئُونِ الأصْنامِ وأنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى كَما يَعْتَقِدُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ فَظاهِرٌ.
وتَكْرِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَتانِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى لِلِاهْتِمامِ بِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى فَحَقِيقٌ أنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلالَتِهِ.
وأطْلَقَ عَلى رَجاءِ المَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، ومُباعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هاجِسِ اسْتِحْقاقِهِ المَغْفِرَةَ، وإنَّما طَمَعَ في ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
والخَطِيئَةُ: الذَّنْبُ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ في لِسانِ الشَّرائِعِ: مُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وإذْ قَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها فالخَطِيئَةُ مِنهم هي مُخالَفَةُ مُقْتَضى المَقامِ النَّبَوِيِّ.
والمَغْفِرَةُ: العَفْوُ عَنِ الخَطايا، وإنَّما قَيَّدَهُ بِ (يَوْمَ الدِّينِ)؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ العَفْوِ، فَأمّا صُدُورُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الدُّنْيا، وقَدْ يَغْفِرُ خَطايا بَعْضِ الخاطِئِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ الشَّفاعَةِ.
صفحة ١٤٤
ويَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الجَزاءِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ النُّعُوتِ إلى ما هو مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَنْ أحَدٍ قَصْدًا لِاقْتِصاصِ إيمانِ المُشْرِكِينَ إنْ رامُوا الِاهْتِداءَ.
وفِي تِلْكَ النُّعُوتِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُهَيِّئاتٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ فَقَدْ جَمَعَتْ كَلِماتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في تِلْكَ الأفْعالِ الَّتِي هي أصْلُ أطْوارِ الخَلْقِ الجُسْمانِيِّ دَلالَةً أُخْرى عَلى جَمِيعِ أُصُولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ، فَذَكَرَ خَلْقَ الجَسَدِ وخَلْقَ العَقْلِ وإعْطاءَ ما بِهِ بَقاءُ المَخْلُوقِ وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ اخْتِلالِ المِزاجِ وشِفائِهِ، وذَكَرَ المَوْتَ الَّذِي هو خاتِمَةُ الحَياةِ الأُولى، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ الحَياةِ الثّانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ حالَةٌ لا يَظْهَرُ كَوْنُها نِعْمَةً إلّا بِغَوْصِ فِكْرٍ ولَكِنَّ وراءَهُ حَياةٌ هي نِعْمَةٌ لا مَحالَةَ لِمَن شاءَ أنْ تَكُونَ لَهُ نِعْمَةٌ.
وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ) لِأجْلِ التَّخْفِيفِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّها يُوقَفُ عَلَيْها وفَواصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُها بِالنُّونِ السّاكِنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] في قِصَّةِ مُوسى المُتَقَدِّمَةِ.
الشعراء 26:82
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ المَوْصُولَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِ (رَبَّ العالَمِينَ) وأنَّ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الخالِقُ فَهو الأوْلى بِتَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ دُونَ أنْ يَتَوَلّاها غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً مُسْتَأْنَفًا بِهِ ويَكُونَ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) خَبَرًا عَنْ (الَّذِي) . وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِمُشابَهَةِ المَوْصُولِ لِلشَّرْطِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧])، أيْ: ذَلِكَ هو الَّذِي أُخْلِصُ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَلَقَنِي كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: فَيَهْدِينِ، لِتَخْصِيصِهِ بِأنَّهُ مُتَوَلِّي الهِدايَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ تَصَرُّفَ أصْنامَهم بِالقَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَيْسَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَقَعُ بَعْدَ العاطِفِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿يَهْدِينِ﴾)؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مُتَجَدِّدَةٌ لَهُ. وجُعِلَ فِعْلُ الهِدايَةِ مُفَرَّعًا بِالفاءِ عَلى فِعْلِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ مُعاقِبٌ لَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى مِن مُقْتَضى الخَلْقِ؛ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْ خَلْقِ العَقْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى طُرُقِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَيَكُونُ المَعْنى: الَّذِي خَلَقَنِي جَسَدًا وعَقْلًا. ومِنَ الهِدايَةِ المَذْكُورَةِ دَفْعُ وساوِسِ الباطِلِ عَنِ العَقْلِ حَتّى يَكُونَ إعْمالُ النَّظَرِ مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ.
صفحة ١٤٣
والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾) كالقَوْلِ في سابِقِهِما لِلرَّدِّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُقَدِّرُ لَهم تَيْسِيرَ ما يَأْكُلُونَ وما يَشْرَبُونَ وبِها بُرْؤُهم إذا مَرِضُوا، ولَيْسا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أيْضًا.
وعُطِفَ (إذا مَرِضْتُ) عَلى (﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإنَّ (إذا) تُخَلِّصُ الفِعْلَ بَعْدَها لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ: إذا طَرَأ عَلَيَّ مَرَضٌ.
وفِي إسْنادِهِ فِعْلَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ راعى فِيهِ الإسْنادَ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ في مَقامِ الأدَبِ، فَأسْنَدَ إحْداثَ المَرَضِ إلى ذاتِهِ؛ ولِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: (﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾) فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الأصْنامِ قاصِرٌ عَلى الإعانَةِ أوِ الإعاقَةِ في أعْمالِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. فَأمّا المَوْتُ فَهو مِن فِعْلِ الدَّهْرِ والطَّبِيعَةِ إنْ كانُوا دَهْرِيِّينَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ والإحْياءَ والإماتَةَ لَيْسَتْ مِن شُئُونِ الأصْنامِ وأنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى كَما يَعْتَقِدُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ فَظاهِرٌ.
وتَكْرِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَتانِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى لِلِاهْتِمامِ بِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى فَحَقِيقٌ أنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلالَتِهِ.
وأطْلَقَ عَلى رَجاءِ المَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، ومُباعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هاجِسِ اسْتِحْقاقِهِ المَغْفِرَةَ، وإنَّما طَمَعَ في ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
والخَطِيئَةُ: الذَّنْبُ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ في لِسانِ الشَّرائِعِ: مُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وإذْ قَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها فالخَطِيئَةُ مِنهم هي مُخالَفَةُ مُقْتَضى المَقامِ النَّبَوِيِّ.
والمَغْفِرَةُ: العَفْوُ عَنِ الخَطايا، وإنَّما قَيَّدَهُ بِ (يَوْمَ الدِّينِ)؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ العَفْوِ، فَأمّا صُدُورُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الدُّنْيا، وقَدْ يَغْفِرُ خَطايا بَعْضِ الخاطِئِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ الشَّفاعَةِ.
صفحة ١٤٤
ويَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الجَزاءِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ النُّعُوتِ إلى ما هو مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَنْ أحَدٍ قَصْدًا لِاقْتِصاصِ إيمانِ المُشْرِكِينَ إنْ رامُوا الِاهْتِداءَ.
وفِي تِلْكَ النُّعُوتِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُهَيِّئاتٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ فَقَدْ جَمَعَتْ كَلِماتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في تِلْكَ الأفْعالِ الَّتِي هي أصْلُ أطْوارِ الخَلْقِ الجُسْمانِيِّ دَلالَةً أُخْرى عَلى جَمِيعِ أُصُولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ، فَذَكَرَ خَلْقَ الجَسَدِ وخَلْقَ العَقْلِ وإعْطاءَ ما بِهِ بَقاءُ المَخْلُوقِ وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ اخْتِلالِ المِزاجِ وشِفائِهِ، وذَكَرَ المَوْتَ الَّذِي هو خاتِمَةُ الحَياةِ الأُولى، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ الحَياةِ الثّانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ حالَةٌ لا يَظْهَرُ كَوْنُها نِعْمَةً إلّا بِغَوْصِ فِكْرٍ ولَكِنَّ وراءَهُ حَياةٌ هي نِعْمَةٌ لا مَحالَةَ لِمَن شاءَ أنْ تَكُونَ لَهُ نِعْمَةٌ.
وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ) لِأجْلِ التَّخْفِيفِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّها يُوقَفُ عَلَيْها وفَواصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُها بِالنُّونِ السّاكِنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] في قِصَّةِ مُوسى المُتَقَدِّمَةِ.
الشعراء 26:83
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:84
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:85
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:86
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:87
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:88
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:89
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لِأبِيَ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
لَمّا كانَ آخِرُ مَقالِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتَضَمِّنًا دُعاءً بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ تَخَلَّصَ مِنهُ إلى الدُّعاءِ بِما فِيهِ جَمْعُ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ بِالرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ، فَإنَّ الحُجَّةَ الَّتِي قامَ بِها في قَوْمِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَكانَ حِينَئِذٍ في حالِ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ. وجَهَرَ بِذَلِكَ في ذَلِكَ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَقِبَ الِانْتِهاءِ مِن أقْدَسِ واجِبٍ وهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَهو
صفحة ١٤٥
ابْتِهالٌ أرْجى لِلْقَبُولِ كالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلَواتِ وعِنْدَ إفْطارِ الصّائِمِ ودُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ والدُّعاءِ عِنْدَ الزَّحْفِ، وكُلُّها فَراغٌ مِن عِباداتٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ دُعاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكَعْبَةِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وابْتَدَأ بِنَفْسِهِ في أعْمالِ هَذا الدِّينِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكَما أُمِرَ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ إذْ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] .
ولِلْأوَّلِيّاتِ في الفَضائِلِ مَرْتَبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (أنا أوَّلُ مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ) . وبِضِدِّ ذَلِكَ أوَّلِيّاتُ المَساوِئِ فَفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .
وقَدْ قابَلَ إبْراهِيمُ في دُعائِهِ النِّعَمَ الخَمْسَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: (يَوْمَ الدِّينِ) الرّاجِعَةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ بِسُؤالِ خَمْسِ نِعَمٍ راجِعَةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وأقْحَمَ بَيْنَ طَلَباتِهِ سُؤالَهُ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
فابْتِداءُ دُعائِهِ بِأنْ يُعْطى حُكْمًا. هو الحِكْمَةُ والنُّبُوءَةُ، قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] أيِ: النُّبُوءَةَ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَ دَعا نَبِيئًا فَلِذَلِكَ كانَ السُّؤالُ طَلَبًا لِلِازْدِيادِ؛ لِأنَّ مَراتِبَ الكَمالِ لا حَدَّ لَها بِأنْ يُعْطى الرِّسالَةَ مَعَ النُّبُوءَةِ أوْ يُعْطى شَرِيعَةً مَعَ الرِّسالَةِ، أوْ سَألَ الدَّوامَ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ ارْتَقى فَطَلَبَ إلْحاقَهُ بِالصّالِحِينَ. ولَفْظُ الصّالِحِينَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصّالِحِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَكُونُ قَدْ سَألَ بُلُوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولِي العَزْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ فَجَعَلَ الصّالِحِينَ آخِرًا؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ، فَكانَ تَذْيِيلًا.
ثُمَّ سَألَ بَقاءَ ذِكْرٍ لَهُ حَسَنٍ في الأُمَمِ والأجْيالِ الآتِيَةِ مِن بَعْدِهِ. وهَذا يَتَضَمَّنُ سُؤالَ الدَّوامِ والخِتامِ عَلى الكَمالِ وطَلَبَ نَشْرِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وهَذا ما تَتَغَذّى بِهِ الرُّوحُ
صفحة ١٤٦
مِن بَعْدِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ يَسْتَعْدِي دُعاءَ النّاسِ لَهُ والصَّلاةَ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمَ جَزاءً عَلى ما عَرَفُوهُ مِن زَكاءِ نَفْسِهِ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ورُسُلًا يَذْكُرُونَهُ وتَذْكُرُهُ الأُمَمُ التّابِعَةُ لَهم ويَخْلُدُ ذِكْرُهُ في الكُتُبِ. قالابْنُ العَرَبِيِّ: ( قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا ويُرى في عَمَلِ الصّالِحِينَ إذا قَصَدَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ وهو الثَّناءُ الصّالِحُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وهي رِوايَةُ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللِّسانُ مُرادٌ بِهِ الكَلامُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الآلَةِ عَلى ما يَتَقَوَّمُ بِها. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِي) تَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ الحَسَنَ لِأجْلِهِ فَهو ذِكْرُهُ بِخَيْرٍ. وإضافَةُ (لِسانَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، فَفِيهِ مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: لِسانًا صادِقًا.
والصِّدْقُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِأنَّهُ يُرْغَبُ في تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ في نَفْسِ الأمْرِ. وسَألَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ الجَنَّةَ خالِدًا فاسْتُعِيرَ اسْمُ الوَرَثَةِ إلى أهْلِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الوارِثَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُ الشَّيْءِ المَوْرُوثِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ المالِكِ السّابِقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَنَّةِ مالِكُونَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الوارِثُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن وقْتِ تَبَوُّءِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] .
وسَألَ المَغْفِرَةَ لِأبِيهِ قَبْلَ سُؤالِ أنْ لا يُخْزِيَهَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَلْحَقَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَنْكَسِرُ مِنهُ خاطِرُهُ وقَدِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ المُبَلِّغِ لِذَلِكَ واسْتَعانَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ وما بَقِيَتْ لَهُ حَزازَةُ إلّا حَزازَةَ كُفْرِ أبِيهِ فَسَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا جِيءَ بِأبِيهِ مَعَ الضّالِّينَ لَحِقَهُ انْكِسارٌ ولَوْ كانَ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ بَقِيَّةُ دَعَواتِهِ، فَكانَ هَذا آخَرَ شَيْءٍ تَخَوَّفَ مِنهُ لَحاقَ مَهانَةٍ نَفْسِيَّةٍ مِن جِهَةِ أصْلِهِ لا مِن جِهَةِ ذاتِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ «يُؤْتى بِأبِي إبْراهِيمَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ ذِيحٍ (أيْ: ضَبْعٍ ذَكَرٍ) فَيُلْقى في النّارِ فَلا يَشْعُرُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ» فَذَلِكَ إجابَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: قَطْعًا لِما فِيهِ شائِبَةُ الخِزْيِ.
صفحة ١٤٧
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الخِزْيِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آلِ عِمْرانَ.
وضَمِيرُ (يُبْعَثُونَ) راجِعٌ إلى العِبادِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأبِيهِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سَألَ لَهُ مَغْفِرَةً خاصَّةً وهي مَغْفِرَةُ أكْبَرِ الذُّنُوبِ أعْنِي الإشْراكَ بِاللَّهِ، وهو سُؤالٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ وقَدْ كانَ أبُوهُ حَيًّا حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . ولَعَلَّ إبْراهِيمَ عَلِمَ مِن حالِ أبِيهِ أنَّهُ لا يُرْجى إيمانُهُ بِما جاءَ بِهِ ابْنُهُ؛ أوْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تُرْشِدُ إلَيْهِ آيَةُ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ في شَرْعِ إبْراهِيمَ حِينَئِذٍ حِرْمانُ المُشْرِكِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ الغُفْرانِ لَهُ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ الغُفْرانِ وهو هِدايَتُهُ إلى الإيمانِ.
و(﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) إلَخْ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾) بَدَلًا مِن (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾) قَصَدَ بِهِ إظْهارَ أنَّ الِالتِجاءَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولا عَوْنَ فِيهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
واسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ يُرِيدُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِلْيَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ اهـ. وهو اسْتِظْهارٌ رَشِيقٌ فَيَكُونُ (﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾) اسْتِئْنافًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو يَوْمٌ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. وفَتْحَةُ (يَوْمَ) فَتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّ (يَوْمَ) ظَرْفٌ أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُعَرَّبٍ فَيَجُوزُ إعْرابُهُ ويَجُوزُ بِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . ويَظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ
صفحة ١٤٨
بِمِثْلِ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ: شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] .
وفِيهِ أيْضًا تَذْكِيرُ قَوْمِهِ بِأنَّ أصْنامَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ونَفْيُ نَفْعِ المالِ صادِقٌ بِنَفْيِ وُجُودِ المالِ يَوْمَئِذٍ مِن بابِ (
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
)، أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ إذا قامَتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. ومِن عِباراتِ عِلْمِ المَنطِقِ (السّالِبَةُ تَصْدُقُ بِنَفْيِ المَوْضُوعِ) .
والِاقْتِصارُ عَلى المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النّافِعِينَ جَرى عَلى غالِبِ أحْوالِ القَبائِلِ في دِفاعِ أحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يُدافِعَ إمّا بِفِدْيَةٍ وإمّا بِنَجْدَةٍ (وهي النَّصْرُ)، فالمالُ وسِيلَةُ الفِدْيَةِ، والبَنُونَ أحَقُّ مَن يُنْصَرُونَ أباهم، ويُعْتَبَرُ ذَلِكَ النَّصْرُ عِنْدَهم عَهْدًا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ∗∗∗ وِلايَةَ أشْياخٍ جُعِلَتْ إزاءَها
واقْتَضى ذَلِكَ أنَّ انْتِفاءَ نَفْعِ ما عَدا المالَ والبَنِينَ مِن وسائِلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بِالأوْلى بِحُكْمِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ المُسْتَنِدَةِ إلى العُرْفِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ الِاكْتِفاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ولا شَيْءٌ آخَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ)، أيْ: إلّا مَنفُوعًا أتى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
هَذا مَعْنى الآيَةِ وهو مَفْهُومٌ لِلسّامِعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ أحَدٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ عَدُّ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُتَشابِهِ المَعْنى، وإنَّما أعْضَلَ عَلى خَلَفِهِمْ طَرِيقُ اسْتِخْلاصِ هَذا المَعْنى المُجْمَلِ مِن تَفاصِيلِ أجْزاءِ تَرْكِيبِ الكَلامِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ احْتِمالاتٍ لا يَسْلَمُ شَيْءٌ مِنها مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، فَبِنا أنَّ نُفَصِّلَ وجْهَ اسْتِفادَةِ هَذا المَعْنى مِن نَظْمِ الآيَةِ بِوَجْهٍ يَكُونُ ألْيَقَ بِتَرْكِيبِها دُونَ تَكَلُّفٍ.
فاعْلَمْ أنَّ فِعْلَ (يَنْفَعُ) رافِعٌ لِفاعِلٍ ومُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ، فَهو بِحَقِّ تَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولِ يَقْتَضِي مَفْعُولًا، كَما يَصْلُحُ لِأنْ تُعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلَّقاتٌ بِحُرُوفِ تَعْدِيَةٍ، أيْ: حُرُوفِ جَرٍّ، وإنَّ أوَّلَ مُتَعَلَّقاتِهِ خُطُورًا بِالذِّهْنِ مُتَعَلَّقُ سَبَبِ الفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يُشِيرُ إلى فاعِلِ
صفحة ١٤٩
(يَنْفَعُ) ومَفْعُولِهِ وسَبَبِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هو المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ (أتى اللَّهُ)؛ لِأنَّ فاعِلَ الإتْيانِ إلى اللَّهِ هو المَنفُوعُ فَهو في المَعْنى مَفْعُولُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) والمُتَعَلِّقُ بِأحَدِ فِعْلَيْهِ وهو فِعْلُ (أتى) الَّذِي هو فاعِلُهُ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِفِعْلِهِ الآخَرِ وهو (يَنْفَعُ) الَّذِي (مَن أتى اللَّهَ) مَفْعُولُهُ. فَعُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ النّافِعِ، حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ (﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾) مِن عُمُومِ الأشْياءِ كَما قَرَّرْنا. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْفَعُ) لِقَصْدِ العُمُومِ كَحَذْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أيْ: يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ، فَتَحَصَّلَ أنَّ التَّقْدِيرَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ أحَدًا شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
والمُسْتَثْنى وهو (﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) ولَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يَنْفَعُ)؛ لِأنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَوْمَئِذٍ هو مَنفُوعٌ لا نافِعٌ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى مِن صَرِيحِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ السّابِقَيْنِ قَبْلَهُ، ولا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الإيمانُ مِنَ المَعْنى الأعَمِّ الَّذِي قَدَّرْناهُ بِمَعْنى (ولا غَيْرُهُما)، فَتَمَحَّضَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسْتَثْنى مُخْرَجًا مِن عُمُومِ مَفْعُولِ (يَنْفَعُ) . وتَقْدِيرُهُ: إلّا أحَدٌ أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، أيْ: فَهو مَنفُوعٌ، واسْتِثْناؤُهُ مِن مَفْعُولِ فِعْلِ (يَنْفَعُ) يَضْطَرُّنا إلى وُجُوبِ تَقْدِيرِ نافِعِهِ فاعِلَ فِعْلِ (يَنْفَعُ)، أيْ: فَإنْ نَفَعَهُ شَيْءٌ نافِعٌ. ويُبَيِّنُ إجْمالَهُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ (يَنْفَعُ) وهو (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ) إذْ كانَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبَ النَّفْعِ فَهو أحَدُ أفْرادِ الفاعِلِ العامِّ المُقَدَّرِ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالخُلاصَةُ أنَّ الَّذِي يَأْتِي اللَّهَ يَوْمَئِذٍ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هو مَنفُوعٌ بِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ وهو نافِعٌ (أيْ: نافِعٌ نَفْسَهُ) بِدَلالَةِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (أتى)، فَإنَّ القَلْبَ السَّلِيمَ قَلْبُ ذَلِكَ الشَّخْصِ المَنفُوعِ فَصارَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نافِعًا ومَنفُوعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ. وقَرِيبٌ مِن وُقُوعِ الفاعِلِ مَفْعُولًا في بابِ ظَنَّ في قَوْلِهِمْ: خِلْتُنِي ورَأيْتُنِي، فَجُعِلَ القَلْبُ السَّلِيمُ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ عَنِ المَفْعُولِ. وقَدْ حَصَلَ مِن نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ إيجازٌ مُغْنٍ أضْعافًا مِنَ الجُمَلِ الطَّوِيلَةِ. وجَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا لا يَدْفَعُ الإشْكالَ.
صفحة ١٥٠
والقَلْبُ: الإدْراكُ الباطِنِيُّ.
والسَّلِيمُ: المَوْصُوفُ بِقُوَّةِ السَّلامَةِ، والمُرادُ بِها هُنا السَّلامَةُ المَعْنَوِيَّةُ المَجازِيَّةُ، أيِ: الخُلُوصُ مِن عَقائِدِ الشِّرْكِ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الزُّكاءِ النَّفْسِيِّ. وضِدُّهُ المَرِيضُ مَرَضًا مَجازِيًّا قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] . والِاقْتِصارُ عَلى السَّلِيمِ هُنا؛ لِأنَّ السَّلامَةَ باعِثُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والظّاهِرِيَّةِ، وإنَّما تَثْبُتُ لِلْقُلُوبِ هَذِهِ السَّلامَةُ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ الخاتِمَةِ فَيَأْتُونَ بِها سالِمَةً يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
الشعراء 26:90
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:91
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:92
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:93
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:94
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:95
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: (﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) واوُ الحالِ، والعامِلُ فِيها (لا يَنْفَعُ مالٌ)، أيْ: يَوْمَ عَدَمِ نَفْعِ مَن عَدا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وقَدْ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. والخُرُوجُ إلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأحْوالِ شَيْءٌ اقْتَضاهُ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِإلْقاءِ السُّؤالِ عَلى قَوْمِهِ فِيما يَعْبُدُونَ إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ. والِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ اسْتِئْهالِها الإلَهِيَّةَ بِدَلِيلِ التَّأمُّلِ، وهو أنَّها فاقِدَةٌ السَّمْعَ والبَصَرَ وعاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ثُمَّ طالَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الَّذِي نَحا إلَيْهِ قَوْمُهُ لَمّا عَجَزُوا عَنْ تَأْيِيدِ دِينِهِمْ بِالنَّظَرِ.
فَلَمّا نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمُ انْتَصَبَ لِبَيانِ الإلَهِ الحَقِّ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي لَهُ صِفاتُ التَّصَرُّفِ في الأجْسامِ والأرْواحِ، تَصَرُّفَ المُنْعِمِ المُتَوَحِّدِ بِشَتّى التَّصَرُّفِ إلى أنْ يَأْتِيَ تَصَرُّفُهُ بِالإحْياءِ المُؤَبَّدِ وأنَّهُ الَّذِي نَطْمَعُ في تَجاوُزِهِ عَنْهُ يَوْمَ البَعْثِ فَلْيَعْلَمُوا أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِن كُفْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ يَوْمَ البَعْثِ، ثُمَّ صَوَّرَ لَهم عاقِبَةَ حالَيِ التَّقْوى والغَوايَةِ بِذِكْرِ دارِ إجْزاءِ الخَيْرِ ودارِ إجْزاءِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ قَوْمُهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مُؤْمِنًا غَيْرُهُ وغَيْرُ زَوْجِهِ
صفحة ١٥١
وغَيْرُ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ كانَ المَقامُ بِذِكْرِ التَّرْهِيبِ أجْدَرَ، فَلِذَلِكَ أطْنَبَ في وصْفِ حالِ الضّالِّينَ يَوْمَ البَعْثِ وسُوءِ مَصِيرِهِمْ حَيْثُ يَنْدَمُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في الدُّنْيا مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يَعُودُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا الإيمانَ ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ المُتَّقِينَ يَجِدُونَ الجَنَّةَ حاضِرَةً فَلا يَتَجَشَّمُونَ مَشَقَّةَ السَّوْقِ إلَيْها.
واللّامُ في (لِلْمُتَّقِينَ) لامُ التَّعْدِيَةِ.
(وبُرِّزَتْ) مُبالَغَةٌ في أُبْرِزَتْ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، ونَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] في سُورَةِ النّازِعاتِ. والمُرادُ بِ (الغاوِينَ) المَوْصُوفُونَ بِالغِوايَةِ، أيْ: ضَلالُ الرَّأْيِ.
وذِكْرُ ما يُقالُ لِلْغاوِينَ لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ وإظْهارِ حَقارَةِ أصْنامِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذا دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُخاطَبُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُناسَبَةٌ لِمَقامِ طَلَبِ الإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَعْلُومٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ القَوْلِ لا بِمَعْرِفَةِ القائِلِ، فالقائِلُ المَلائِكَةُ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أحْقَرُ مِن أنْ يُوَجِّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ خِطابَهُ مُباشَرَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ مَكانِ الأصْنامِ إنْ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً، أوْ عَنْ عَمَلِها إنْ كانَتْ حاضِرَةً في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ تَنْزِيلًا لِعَدَمِ جَدْواها فِيما كانُوا يَأْمُلُونَهُ مِنها مَنزِلَةَ العَدَمِ تَهَكُّمًا وتَوْبِيخًا وتَوْقِيفًا عَلى الخَطَأِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾) كَذَلِكَ مَعَ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نُصَراءَ. والِانْتِصارُ طَلَبُ النَّصِيرِ.
وكُتِبَ (أيْنَما) في المَصاحِفِ مَوْصُولَةً نُونَ (أيْنَ) بِمِيمِ (ما) والمُتَعارَفُ في الرَّسْمِ القِياسِيِّ أنَّ مِثْلَهُ يُكْتَبُ مَفْصُولًا؛ لِأنَّ (ما) هُنا اسْمٌ مَوْصُولٌ ولَيْسَتِ المَزِيدَةَ
صفحة ١٥٢
بَعْدَ (أيْنَ) الَّتِي تَصِيرُ (أيْنَ) بِزِيادَتِها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ، أيْ: هَلْ أخْطَأْتُمْ في رَجاءِ نَصْرِها إيّاكم، أوْ في الأقَلِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها وذَلِكَ حِينَ يُلْقى بِالأصْنامِ في النّارِ بِمَرْأًى مِن عَبَدَتِها ولِذَلِكَ قالَ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾)، أيْ: كُبْكِبَتِ الأصْنامُ في جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (كُبْكِبُوا) كُبُّوا فِيها كَبًّا بَعْدَ كَبٍّ فَإنَّ (كُبْكِبُوا) مُضاعَفُ كُبُّوا بِالتَّكْرِيرِ وتَكْرِيرُ اللَّفْظِ مُفِيدٌ تَكْرِيرَ المَعْنى مِثْلُ: كَفْكَفَ الدَّمْعَ، ونَظِيرُهُ في الأسْماءِ: جَيْشٌ لَمْلَمٌ، أيْ: كَثِيرٌ، مُبالَغَةٌ في اللَّمِّ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ لَهُ فِعْلًا مُرادِفًا لَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُرُوفِهِ ولا تَضْعِيفَ فِيهِ مَكانَ التَّضْعِيفِ في مُرادِفِهِ لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ في مَعْنى الفِعْلِ.
وضَمائِرُ (يَنْصُرُكم ويَنْتَصِرُونَ وكُبْكِبُوا) عائِدٌ إلى (ما تَعْبُدُونَ) بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. وجُنُودُ إبْلِيسَ: وهم أوْلِياؤُهُ وأصْنافُ أهْلِ الضَّلالاتِ الَّتِي هي مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْلِيسَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشعراء 26:96
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:97
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:98
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:99
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:100
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:101
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:102
﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْنَبَ بِهِ المَوْعِظَةَ لِتَصْوِيرِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أوْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]) أوْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى ما اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ هَذا الكَلامُ مَوْعِظَةً مِنَ اللَّهِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّةِ والَّتِي بَعْدَها وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ
صفحة ١٥٣
عَنْ قَوْلِهِ: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤])؛ لِأنَّ السّامِعَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ فائِدَةِ إيقاعِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ أنَّها لا تَفْقَهُ ولا تُحْسِنُ فَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، فَحِكايَةُ مُخاصَمَةِ عَبَدَتِها بَيْنَهم؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهم أصْنامَهم هو مَثارُ الخُصُومَةِ بَيْنَهم إذْ رَأى الأتْباعُ كَذِبَ مُضَلِّلِيهِمْ مُعايَنَةً، ولا يَجِدُ المُضَلَّلُونَ تَنَصُّلًا ولا تَفَصِّيًا فَإنَّ مَذَلَّةَ الأصْنامِ وحُضُورِها مَعَهم وهم في ذَلِكَ العَذابِ أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا لَهم ولا لِأنْفُسِها.
وأمّا جُمْلَةُ (﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾) فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، وجُمْلَةُ (تاللَّهِ) مَقُولُ القَوْلِ، وجُمْلَةُ (﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) الثَّقِيلَةِ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ مُجَوِّزٌ لِلْإهْمالِ. والجُمْلَةُ بَعْدَها سادَّةٌ مَسَدَّ اسْمِها وخَبَرِها واقْتِرانُ خَبَرِ كانَ بِاللّامِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِلْفَرْقِ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ المُؤَكِّدَةِ و(إنِ) النّافِيَةِ، والغالِبُ أنْ لا تَخْلُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ عَنْ فِعْلٍ مِن بابِ (كانَ) .
وجِيءَ في القَسَمِ بِالتّاءِ دُونَ الواوِ؛ لِأنَّ التّاءَ تَخْتَصُّ بِالقَسَمِ في شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَهم يَعْجَبُونَ مِن ضَلالِهِمْ إذْ ناطُوا آمالَهُمُ المَعُونَةَ والنَّصْرَ بِحِجارَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا. ولِذَلِكَ أفادُوا تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهم بِاجْتِلابِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِمَعْنى المُلابَسَةِ؛ لِأنَّ المَظْرُوفَ شَدِيدُ المُلابَسَةِ لِظَرْفِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الضَّلالَ بِالمُبِينِ، أيِ: الواضِحُ البَيِّنُ. وفي هَذا تَسْفِيهٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ إذْ تَمَشّى عَلَيْها هَذا الضَّلالُ الَّذِي ما كانَ لَهُ أنْ يَرُوجَ عَلى ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ.
و(﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ﴾) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كُنّا) أيْ: كُنّا في ضَلالٍ في وقْتِ إنّا نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ. ولَيْسَتْ (إذْ) بِمَوْضُوعَةٍ لِلتَّعْلِيلِ كَما تَوَهَّمَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ بْنُ عَلْوانَ التُّونُسِيُّ الشَّهِيرُ بِالمِصْرِيِّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ المُقْرِيُّ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي جَعْفَرٍ اللَّبْلِيِّ في البابِ الخامِسِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنَّما غُشِيَ عَلَيْهِ حاصِلُ المَعْنى المَجازِيِّ فَتَوَهَّمَهُ مَعْنًى مِن مَعانِي (إذْ) . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَعَدِّ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ
صفحة ١٥٤
أيْ: حِينَ لا ارْتِجاعَ لَهُ.
والتَّسْوِيَةُ: المُعادَلَةُ والمُماثَلَةُ، أيْ: إذْ نَجْعَلُكم مِثْلَ رَبِّ العالَمِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهم جَعَلُوهم مِثْلَهُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِيَّةِ وهو ظاهِرُ حالِ إشْراكِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوهُ مِثْلَهُ فِيما تَبَيَّنَ لَهم مِن إلَهِيَّتِهِ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أصْلًا في الدُّنْيا فَهي تَسْوِيَةٌ بِالمَآلِ وقَدْ آبُوا إلى الِاعْتِرافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ إبْراهِيمَ لَهم في الدُّنْيا إذْ قالَ لَهم: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] .
وضَمِيرُ الخِطابِ في (نُسَوِّيكم) مُوَجَّهٌ إلى الأصْنامِ، وهو مِن تَوْجِيهِ المُتَنَدِّمِ الخِطابَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْقِلُ وكانَ سَبَبًا في الأمْرِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ النَّدامَةَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ ويَسْمَعُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في تَوْبِيخِ نَفْسِهِ. ومِنهُ ما رَوى الغَزالِيُّ في الإحْياءِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا بِلِسانِهِ بِأُصْبُعَيْهِ وهو يَقُولُ: أنْتَ أوْرَدَتْنِي المَوارِدَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ وقَفَ عَلى الصَّفا يُلَبِّي ويَقُولُ: يا لِسانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ واسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في الكَلامِ نَثْرًا ونَظْمًا قالَ أبُو تَمّامٍ:
فَيا دَمْعُ أنْجِدْنِي ∗∗∗ عَلى ساكِنِي نَجْدٍ
وصِيغَ (نُسَوِّيكم) في صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى الأصْنامِ بِالدُّعاءِ والنُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهم: ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ خِطابُ بَعْضِ العامَّةِ لِبَعْضٍ. وعَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ أيِمَّةَ الكُفْرِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ واخْتَلَقُوا لَهم دِينًا.
والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في (المُجْرِمُونَ) مُسْتَعْمَلًا في كَمالِ الإجْرامِ فَإنَّ مِن مَعانِي اللّامِ أنْ تَدُلَّ عَلى مَعْنى الكَمالِ.
ورَتَّبُوا بِالفاءِ انْتِفاءَ الشّافِعِينَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ حَيْثُ أطْمَعُوهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِثْلُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَتَبَيَّنَ لَهم أنْ لا شَفاعَةَ لَها، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ.
صفحة ١٥٥
والشّافِعُ: الَّذِي يَكُونُ واسِطَةَ جَلْبِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّفاعَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]) في البَقَرَةِ، والشَّفِيعُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾) فَهو تَتْمِيمٌ أثارَهُ ما يَلْقَوْنَهُ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن كُلِّ مَن يَمُرُّونَ بِهِ أوْ يَتَّصِلُونَ، ومِنَ الحِرْمانِ الَّذِي يُعامِلُهم كُلُّ مَن يَسْألُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فَإنَّ الصَّدِيقَ هو الَّذِي يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ ويَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصَّدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: أوْ صَدِيقِكم في سُورَةِ النُّورِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ، فَعِيلٌ مِن حَمَّ بِفَتْحِ الحاءِ إذا دَنا وقَرُبَ فَهو أخَصُّ مِنَ الصَّدِيقِ.
والمُرادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفِيعِ وجِنْسِ الصَّدِيقِ لِوُقُوعِ الِاسْمَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِ (مِن) الزّائِدَةِ، وفي ذَلِكَ السِّياقِ يَسْتَوِي المُفْرَدُ والجَمْعُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ. وإنَّما خُولِفَ بَيْنَ اسْمَيْ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ إذْ جِيءَ بِ (شافِعِينَ) جَمْعًا، وبِ (صَدِيقٍ) مُفْرَدًا؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالشّافِعِينَ الآلِهَةَ الباطِلَةَ وكانُوا يَعْهَدُونَهم عَدِيدِينَ فَجَرى عَلى كَلامِهِمْ ما هو مُرْتَسِمٌ في تَصَوُّرِهِمْ. وأمّا الصَّدِيقُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ جِنْسُهُ دُونَ عَدَدِ أفْرادِهِ إذْ لَمْ يَعْنُوا عَدَدًا مُعَيَّنًا فَبَقِيَ عَلى أصْلِ نَفْيِ الجِنْسِ، وعَلى الأصْلِ في الألْفاظِ إذْ لَمْ يَكُنْ داعٍ لِغَيْرِ الإفْرادِ. والَّذِي يَبْدُو لِي أنَّهُ أُوثِرُ جَمْعُ (شافِعِينَ)؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِصُورَةِ ما في أذْهانِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وأمّا إفْرادُ (صَدِيقٍ) فَلِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ وصْفُ (حَمِيمٍ) فَلَوْ جِيءَ بِالمَوْصُوفِ جَمْعًا لاقْتَضى جَمْعُ وصْفِهِ، وجَمْعُ (حَمِيمٍ) فِيهِ ثِقَلٌ لا يُناسِبُ مُنْتَهى الفَصاحَةِ ولا يَلِيقُ بِصُورَةِ الفاصِلَةِ مَعَ ما حَصَلَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلى هَذا التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ تَمَنِّي أنْ يُعادُوا إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وأصْلُها (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّها تُنُوسِيَ مِنها مَعْنى الشَّرْطِ.
صفحة ١٥٦
وأصْلُها: لَوْ أُرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لَآمَنّا، لَكِنَّهُ إذا لَمْ يَقْصِدُ تَعْلِيقَ الِامْتِناعِ عَلى امْتِناعٍ تَمَحَّضَتْ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي لِما بَيْنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ وبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَنًّى مِنَ المُناسَبَةِ. والكَرَّةُ: مَرَّةٌ مِنَ الكَرِّ وهو الرُّجُوعُ.
وانْتَصَبَ (فَتَكُونَ) في جَوابِ التَّمَنِّي.
الشعراء 26:103
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
تَكْرِيرٌ ثالِثٌ لَهاتِهِ الجُمْلَةِ تَعْدادًا عَلى المُشْرِكِينَ وتَسْجِيلًا لِتَصْمِيمِهِمْ. واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ فِيهِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وبُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَكَما لَمْ يَهْتَدِ بِها قَوْمُ إبْراهِيمَ فَما كانَ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِمُؤْمِنِينَ بِها بَعْدَ سَماعِها، ولَكِنَّ التَّبْلِيغَ حَقٌّ عَلى الرَّسُولِ ﷺ . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
الشعراء 26:104
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
تَكْرِيرٌ ثالِثٌ لَهاتِهِ الجُمْلَةِ تَعْدادًا عَلى المُشْرِكِينَ وتَسْجِيلًا لِتَصْمِيمِهِمْ. واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ فِيهِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وبُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَكَما لَمْ يَهْتَدِ بِها قَوْمُ إبْراهِيمَ فَما كانَ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِمُؤْمِنِينَ بِها بَعْدَ سَماعِها، ولَكِنَّ التَّبْلِيغَ حَقٌّ عَلى الرَّسُولِ ﷺ . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
الشعراء 26:105
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:106
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:107
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:108
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:109
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:110
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]) أيْ: لا تَأْسَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أنَّهم كَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ؛ وقَدْ عَلِمَ العَرَبُ رِسالَةَ نُوحٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضّالَّةِ أنَّهم يَعْرِفُونَ الأحْوالَ ويَنْسَوْنَ أسْبابَها.
وأُنِّثَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى قَوْمِ نُوحٍ لِتَأْوِيلِ (قَوْمٍ) بِمَعْنى الأُمَّةِ أوِ الجَماعَةِ كَما
صفحة ١٥٧
يُقالُ: قالَتْ قُرَيْشٌ، وقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وذَلِكَ قِياسٌ في كُلِّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ إذا كانَ لِلْآدَمِيِّ مِثْلُ نَفَرٍ ورَهْطٍ، فَأمّا إذا كانَ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوُ إبِلٍ فَمُؤَنَّثٌ لا غَيْرُ. قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وتَبِعَهُ صاحِبُ اللِّسانِ والمِصْباحِ.
ووَقَعَ في الكَشّافِ هَذِهِ العِبارَةُ: القَوْمُ مُؤَنَّثَةٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةُ فَظاهِرُ عِبارَتِهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ مُؤَنَّثُ المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ لا غَيْرُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وسَكَتَ شُرّاحُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَرِّجِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ في الأساسِ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ العِبارَةِ فَهو مُخالِفٌ لِكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنُ سِيدَهْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جَوازَ تَأْنِيثِ (قَوْمٍ) وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُصَغَّرَ عَلى قُوَيْمَةَ فَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الجَوْهَرِيِّ وابْنِ سِيدَهْ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ كَلامِهِ المُوَكَّدِ بِقَوْلِهِ: وتَصْغِيرُهُ قُوَيْمَةُ، لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ الأسْماءَ إلى أُصُولِها. وأيًّا ما كانَ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ تَأْنِيثَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى الأُمَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْوِيلَ اعْتِبارٌ لِلْمُتَكَلِّمِ فَلا يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في إجْراءِ الصِّيَغِ مِثْلَ التَّصْغِيرِ فَإنَّ الصِّيَغَ مِن آثارِ الوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمالِ ألا تَرى أنَّهُ لا تُجْعَلُ لِلْمَعانِي المَجازِيَّةِ صِيَغٌ خاصَّةٌ بِالمَجازِ.
وجُمِعَ (المُرْسَلِينَ) وإنَّما كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا أوَّلَ الرُّسُلِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وهم أوَّلُ المُكَذِّبِينَ فَإنَّما جُمِعَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ ذاتِهِ ولَكِنَّهُ كانَ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا وأنْ تَكُونَ عِبادَةُ أصْنامِهِمْ ضَلالًا فَكانَ تَكْذِيبُهم إيّاهُ مُقْتَضِيًا تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ؛ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَقُولُ مِثْلَ ما قالَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وما بَعْدَهُ. وقَدْ حُكِيَ تَكْذِيبُهم أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في الأعْرافِ.
وسَيَأْتِي حِكايَةُ تَكْذِيبِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ لَيْكَةِ عَلى هَذا النَّمَطِ فِيما تَكَرَّرَ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبَتْ) وقَوْلِهِ (المُرْسَلِينَ) .
صفحة ١٥٨
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: كَذَّبُوهُ حِينَ قالَ لَهم: (ألا تَتَّقُونَ) فَقالُوا: (﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١]) . ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ألا تَتَّقُونَ) صَدَرَ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِن قَبْلُ وكَرَّرَ دَعْوَتَهم إذْ رَآهم مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم في مُجاوَبَتِهِ (﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]) .
وخَصَّ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ هَذا المَوْقِفَ مِن مَواقِفِهِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِغَرَضِ السُّورَةِ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ مُماثِلِ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ. والأخُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَرِيبِ مِنَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (ألا) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى (لا) النّافِيَةُ، فَهو اسْتِئْنافٌ عَنِ انْتِفاءِ تَقْواهم مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ وهو يَقْتَضِي امْتِناعَهم مِنَ الِامْتِثالِ لِدَعْوَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) حَرْفًا واحِدًا هو حَرْفُ التَّحْضِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]) وهو يَقْتَضِي تَباطُؤَهم عَنْ تَصْدِيقِهِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: خَشْيَةُ اللَّهِ مِن عِقابِهِ إيّاهم عَلى أنْ جَعَلُوا مَعَهُ شُرَكاءَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ أوْ لِلتَّحْضِيضِ، أيْ: كَيْفَ تَسْتَمِرُّونَ عَلى الشِّرْكِ وقَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ وأنا رَسُولٌ لَكم أمِينٌ عَنْكم.
وكانَ نُوحٌ مَوْسُومًا بِالأمانَةِ لا يُتَّهَمُ في قَوْمِهِ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُلَقَّبُ الأمِينُ في قُرَيْشٍ. قالَ النّابِغَةُ:
كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ إنْكارِهِمْ أمانَتَهُ؛ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ حُدُوثَ الإنْكارِ فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِتَجْرِبَةِ أمانَتِهِ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ فِيما بَلَّغَهم مِن رِسالَةِ اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ؛ هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ كَذِبًا فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لا ونَحْنُ مِنهُ في مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما فَعَلَ فِيها. فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ ما كانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. فَفي حِكايَةِ اسْتِدْلالِ نُوحٍ بِأمانَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ في هَذِهِ
صفحة ١٥٩
القِصَّةِ المَسُوقَةِ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْعُونَهُ الأمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أمِينٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها. والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِتَوَقُّعِ الإنْكارِ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ أنِّي أمِينٌ لَكم وتَعْلَمُونَ أنِّي لا أطْلُبُ مِن دَعْوَتِكم إلى الإيمانِ نَفْعًا لِنَفْسِي. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ. وكَرَّرَ جُمْلَةَ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ قَدِ افْتَتَحَ دَعْوَتَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ التَّقْوى ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ ثُمَّ أعادَ ما تَقْتَضِيهِ جُمْلَةُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، ثُمَّ أعادَ جُمْلَةَ الدَّعْوَةِ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] مَرَّةً ثانِيَةً بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلدَّعْوَةِ ولِتَعْلِيلِها.
وحُذِفَتِ الياءُ مِن (أطِيعُونِ) في المَوْضِعَيْنِ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) في أوائِلِ السُّورَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ الجَزاءِ وكانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ.
الشعراء 26:111
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
الشعراء 26:112
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
الشعراء 26:113
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
الشعراء 26:114
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
الشعراء 26:115
﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
جُمْلَةُ (قالُوا) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ قَوْلُهُ (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) مِنَ اسْتِشْرافِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ مِن حِوارٍ ولِذَلِكَ حُكَيَتْ مُجادَلَتُهم. بِطَرِيقَةِ: قالُوا، وقالَ. والقائِلُونَ: هم كُبَراءُ القَوْمِ الَّذِي تَصَدَّوْا لِمُحاوَرَةِ نُوحٍ.
صفحة ١٦٠
والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا نُؤْمِنُ لَكَ وقَدِ اتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ فَجُمْلَةُ (واتَّبَعَكَ) حالِيَّةٌ.
والأرْذَلُونَ: سَقَطُ القَوْمِ مَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ وهي الخِسَّةُ والحَقارَةُ، أرادُوا بِهِمْ ضُعَفاءَ القَوْمِ وفُقَراءَهم فَتَكَبَّرُوا وتَعاظَمُوا أنْ يَكُونُوا والضُّعَفاءُ سَواءً في اتِّباعِ نُوحٍ. وهَذا كَما قالَ عُظَماءُ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّارٌ وبِلالٌ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (واتَّبَعَكَ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مِن صِيغَةِ الِافْتِعالِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مِن أتْباعِهِ أوْ كانُوا أكْثَرَ أتْباعِهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (وأتْباعُكَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ الفَوْقِيَّةِ وألِفٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تابِعٍ. والمَعْنى: أنَّهم أتْباعُهُ لا غَيْرُهم فالصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ.
وجَوابُ نُوحٍ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ يَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ. فَأمّا لَفْظُهُ فاقْتِرانُ أوَّلِهِ بِالواوِ يَجْعَلُهُ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلى كَلامِ قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِهِ بِكَلامِهِمْ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُبادَرَتِهِ بِالجَوابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويُسَمّى عَطْفُ تَلْقِينٍ مُراعاةً لِوُقُوعِهِ في تِلْكَ الآيَةِ والأوْلى أنْ يُسَمّى عَطْفَ تَكْمِيلٍ.
وأمّا مَعْناهُ فَهو اسْتِفْهامٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَوْمَهُ فَصَّلُوا إجْمالَ وصْفِهِمْ أتْباعَهُ بِالأرْذَلِينَ بِأنْ بَيَّنُوا أوْصافًا مِن أحْوالِ أهْلِ الحاجَةِ الَّذِينَ لا يَعْبَأُ النّاسُ بِهِمْ فَأتى بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عِلْمِهِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ جَدْواهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِالجَهْلِ بِهِ، والجَهْلُ تُلازِمُهُ قِلَّةُ العِنايَةِ بِالمَجْهُولِ وضَعْفُ شَأْنِهِ، كَما يُقالُ لَكَ: يُهَدِّدُكَ فُلانٌ، فَتَقُولُ: وما فُلانُ، أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ. وفي خَبَرِ وهْبِ بْنِ كِيسانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَقالَ وهْبٌ: قُلْتُ وما تُغْنِي عَنْكم تَمْرَةٌ.
صفحة ١٦١
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ حَتّى أشْتَغِلَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُ مَراتِبَهم فَأنا لا أهْتَمُّ بِما قَبْلَ إيمانِهِمْ.
وضُمِّنَ (عِلْمِي) مَعْنى اشْتِغالِي واهْتِمامِي فَعُدِّيَ بِالباءِ.
و(ما كانُوا يَعْمَلُونَ) مَوْصُولُ ماصَدَقَهُ الحالَةُ؛ لِأنَّ الحالَةَ لا تَخْلُو مِن عَمَلٍ. فالمَعْنى: وما عِلْمِي بِأعْمالِهِمْ. وهَذا كَما يُقالُ في السُّؤالِ عَنْ أحَدٍ: ماذا فَعَلَ فُلانٌ ؟ أيْ ما خَبَرُهُ وما حالُهُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلصَّبِيِّ الأنْصارِيِّ: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» لِطائِرٍ يُسَمّى النُّغَرَ بِوَزْنِ صُرَدٍ، وهو مِن نَوْعِ البُلْبُلِ كانَ عِنْدَ الصَّبِيِّ يَلْعَبُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ لِمَن سَألَهُ عَنِ الَّذِينَ ماتُوا مِن صِبْيانِ المُشْرِكِينَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» أيْ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، فَهو إمْساكٌ عَنِ الجَوابِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ما بالُهُ، أيْ: ما حالُهُ ؟
وفِعْلُ (كانُوا) مَزِيدٌ بَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ وصِلَتِها لِإفادَةِ التَّأْكِيدِ، أيْ: تَأْكِيدِ مَدْلُولِ (ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) . والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ عِلْمِي بِما يَعْمَلُونَ. ولَيْسَ المُرادُ بِما كانُوا عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ. والواوُ في قَوْلِهِ (بِما كانُوا) فاعِلٌ ولَيْسَتِ اسْمًا لِ (كانَ)؛ لِأنَّ (كانَ) الزّائِدَةَ لا تَنْصُبُ الخَبَرَ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ: (﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) جَمِيعَ أحْوالِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ والظّاهِرِ والباطِنِ.
والحِسابُ حَقِيقَتُهُ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم بِما أسْلَفُوا وما يَعْمَلُونَ وبِحَقائِقِ أعْمالِهِمْ. وهَذا المَقالُ اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: (﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مِن شُمُولِهِ جَمِيعَ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِنها ما يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ وهو الأهَمُّ عِنْدَ الرَّسُولِ المُشَرِّعِ فَلِذَلِكَ لَمّا قالَ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ عَلى عادَةِ أهْلِ الإرْشادِ في عَدَمِ إهْمالِ فُرْصَتِهِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَإذا قالُوها أيْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» أيْ: تَحْقِيقُ مُطابَقَةِ باطِنِهِمْ لِظاهِرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
صفحة ١٦٢
وزادَ نُوحٌ قَوْلَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١] في سُورَةِ هُودٍ.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ، والمَوْصُوفُ هو حِسابُهم والصِّفَةُ هي عَلى رَبِّي؛ لِأنَّ المَجْرُورَ الخَبَرَ في قُوَّةِ الوَصْفِ، فَإنَّ المَجْرُوراتِ والظُّرُوفَ الواقِعَةَ أخْبارًا تَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ المُبْتَدَأُ وهو الحُصُولُ والثُّبُوتُ المُقَدَّرُ في الكَلامِ بِكائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ كَما بَيَّنَهُ عُلَماءُ النَّحْوِ. والتَّقْدِيرُ: حِسابُهم مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِمَدْلُولِ (عَلى رَبِّي) . وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ، أيْ: لا يَتَجاوَزُ الكَوْنُ عَلى رَبِّي إلى الِاتِّصافِ بِكَوْنِهِ عَلَيَّ. وهو رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُ قَوْمِهِ مِن مُطالَبَتِهِ بِإبْعادِ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا مُساوِينَ لَهم في الإيمانِ الَّذِي طَلَبَهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾) تَجْهِيلٌ لَهم ورَغْمٌ لِغُرُورِهِمْ وإعْجابِهِمُ الباطِلِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَشْعُرُونَ لَشَعَرْتُمْ بِأنَّ حِسابَهم عَلى اللَّهِ لا عَلَيَّ فَلِما سَألْتُمُونِيهِ. ودَلَّ عَلى أنَّهُ جَهَّلَهم قَوْلُهُ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] . هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي يُطابِقُ نَظْمَ الآيَةِ ومَعْناها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِياداتٍ وفُرُوضٍ.
والمُفَسِّرُونَ نَحَوْا مَنحى تَأْوِيلِ (الأرْذَلُونَ) أنَّهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالرَّذالَةِ الدَّنِيَّةِ، أيِ: الطَّعْنُ في صِدْقِ إيمانِ مَن آمَنَ بِهِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَشْفِ عَلى ضَمائِرِهِمْ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ. ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ هو لَفْظُ الحِسابِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ فَحَمَلُوهُ عَلى الحِسابِ الَّذِي يَقَعُ يَوْمَ الجَزاءِ وذَلِكَ لا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ مُقْتَضى طَرْدِهِمْ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ:؛ لِأنَّ وصْفِي يَصْرِفُنِي عَنْ مُوافَقَتِكم.
صفحة ١٦٣
والمُبِينُ: مِن أبانَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى بَيَّنَ ووَضَّحَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ حِكايَةُ مَوْقِفٍ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ شَبِيهٍ بِما حُكِيَ هُنا وبَيْنَ الحِكايَتَيْنِ اخْتِلافٌ ما، فَلَعَلَّهُما مَوْقِفانِ أوْ هُما كَلامانِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ حُكِيَ أحَدُهُما هُنالِكَ والآخَرُ هُنا عَلى عادَةِ قَصَصِ القُرْآنِ، فَما في إحْدى الآيَتَيْنِ مِن زِيادَةٍ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ مُكَمِّلٌ لِما في الأُخْرى.
الشعراء 26:116
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
الشعراء 26:117
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
الشعراء 26:118
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
الشعراء 26:119
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
الشعراء 26:120
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ .
لَمّا أعْياهُمُ الِاسْتِدْلالُ صارُوا إلى سِلاحِ المُبْطِلِينَ وهو المُناضَلَةُ بِالأذى.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في القَتْلِ بِهِ، و(﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾) يُفِيدُ مِن بَيْنِ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ بِالرَّجْمِ، أيْ: مِن فِئَةِ الدُّعّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الرَّجْمَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾) تَمْهِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحَسُّرِ واليَأْسِ مِن إقْلاعِهِمْ عَنِ التَّكْذِيبِ.
والفَتْحُ: الحُكْمُ، وتَأْكِيدُهُ بِ (فَتْحًا) لِإرادَةِ حُكْمٍ شَدِيدٍ، وهو الِاسْتِئْصالُ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ في الإخْبارِ؛ لِأنَّ إغْراقَ أُمَّةٍ كامِلَةٍ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن إنْجاءِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ.
وحَذْفُ الياءِ مِن قَوْلِهِ (كَذَّبُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَأخافَ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) .
الشعراء 26:121
صفحة ١٦٤
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
الآيَةُ في قِصَّةِ نُوحٍ دَلالَتُها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ فَفي هَذِهِ القِصِّةِ آيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وهم يَعْلَمُونَ قِصَّةَ نُوحٍ والطُّوفانِ.
الشعراء 26:122
صفحة ١٦٤
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
الآيَةُ في قِصَّةِ نُوحٍ دَلالَتُها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ فَفي هَذِهِ القِصِّةِ آيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وهم يَعْلَمُونَ قِصَّةَ نُوحٍ والطُّوفانِ.
الشعراء 26:123
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشعراء 26:124
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشعراء 26:125
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشعراء 26:126
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشعراء 26:127
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَعْدادٍ لِأخْبارِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ وتَكْرِيرِ المَوْعِظَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] .
والقَوْلُ في هَذِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها في أوَّلِ قِصَّةِ نُوحٍ سَواءٌ، سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا وكَذَّبُوا رِسالَةَ نُوحٍ؛ لِأنَّ هُودًا وعَظَهم بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واقْتَرَنَ فِعْلُ (كَذَّبَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ اسْمَ عادٍ عَلَمٌ عَلى أُمَّةٍ فَهو مُئَوَّلٌ بِمَعْنى الأُمَّةِ.
والقَوْلُ في (ألا تَتَّقُونَ) مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو كَقَوْلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ لا يُبْعَثُ إلّا وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ قَبْلَ الرِّسالَةِ. ويَدُلُّ لِكَوْنِ هُودٍ قَدْ كانَ كَذَلِكَ في قَوْمِهِ قَوْلُ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] في سُورَةِ هُودٍ الدّالُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ تَغَيُّرَ حالِهِ عَمّا كانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِن قَبْلُ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِقادِهِ في آلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٦٥
وتَفْرِيعُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ. وحَذْفُ ياءِ (وأطِيعُونِ) لِلْفاصِلَةِ كَحَذْفِها في قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ آنِفًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشعراء 26:128
﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ .
رَأى مِن قَوْمِهِ تَمَحُّضًا لِلشُّغْلِ بِأُمُورِ دُنْياهم، وإعْراضًا عَنِ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ والعَمَلِ لَها والنَّظَرِ في العاقِبَةِ، وإشْراكًا مَعَ اللَّهِ في إلَهِيَّتِهِ، وانْصِرافًا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي خَلَقَهم وأعْمَرَهم في الأرْضِ وزادَهم قُوَّةً عَلى الأُمَمِ، فانْصَرَفَتْ هِمّاتُهم إلى التَّعاظُمِ والتَّفاخُرِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ.
وكانَتْ عادٌ قَدْ بَلَغُوا مَبْلَغًا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ وعِظَمِ السُّلْطانِ والتَّغَلُّبِ عَلى البِلادِ مِمّا أثارَ قَوْلَهم: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَقَدْ كانَتْ قَبائِلُ العَرَبِ تَصِفُ الشَّيْءَ العَظِيمَ في نَوْعِهِ بِأنَّهُ (عادِيٌّ) وكانُوا أهْلَ رَأْيٍ سَدِيدٍ ورَجاحَةَ أحْلامٍ قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:
وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ
وقالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ غَسّانَ:
أحْلامُ عادٍ وأجْسادٌ مُطَهَّرَةٌ ∗∗∗ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والأثَمِ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وتَفَنَّنُوا في إرْضاءِ الهَوى، وأقْبَلُوا عَلى المَلَذّاتِ واشْتَدَّ الغُرُورُ بِأنْفُسِهِمْ فَأضاعُوا الجانِبَ الأهَمَّ لِلْإنْسانِ وهو جانِبُ الدِّينِ وزَكاءُ النَّفْسِ وأهْمَلُوا أنْ يَقْصِدُوا مِن أعْمالِهِمُ المَقاصِدَ النّافِعَةَ ونِيَّةَ إرْضاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِهِمْ لِحُبِّ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، واسْتَخَفُّوا بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَحْمَقُوا النّاصِحِينَ، وأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هُودًا فَفاتَحَهم بِالتَّوْبِيخِ عَلى ما فُتِنُوا بِالإعْجابِ بِهِ وبِذَمِّهِ إذْ ألْهاهُمُ التَّنافُسُ فِيهِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَنَبَذُوا اتِّباعَ الشَّرائِعِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ. فَمِن سابِقِ أعْمالِ عادٍ أنَّهم كانُوا بَنَوْا في طُرُقِ أسْفارِهِمْ أعْلامًا ومَناراتٍ تَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ كَيْلا يَضِلَّ
صفحة ١٦٦
السّائِرُونَ في تِلْكَ الرِّمالِ المُتَنَقِّلَةِ الَّتِي لا تَبْقى فِيها آثارُ السّائِرِينَ واحْتَفَرُوا وشَيَّدُوا مَصانِعَ لِلْمِياهِ وهي الصَّهارِيجُ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ في الشِّتاءِ لِيَشْرَبَ مِنها المُسافِرُونَ ويَنْتَفِعَ بِها الحاضِرُونَ في زَمَنِ قِلَّةِ الأمْطارِ، وبَنَوْا حُصُونًا وقُصُورًا عَلى أشْرافٍ مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في ذاتِها؛ لِأنَّ فِيها حِفْظَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الفَيافِي بِضَلالِ الطُّرُقِ، ومِنَ الهَلَكَةِ عَطَشًا إذا فَقَدُوا الماءَ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَمَتى أُرِيدَ بِها رِضى اللَّهِ تَعالى بِنَفْعِ عَبِيدِهِ كانَتْ جَدِيرَةً بِالثَّناءِ عاجِلًا والثَّوابِ آجِلًا.
فَأمّا إذا أُهْمِلَ إرْضاءُ اللَّهِ تَعالى بِها واتُّخِذَتْ لِلرِّياءِ والغُرُورِ بِالعَظَمَةِ وكانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ وعَنْ عِبادَةِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ عَظَمَةً دُنْيَوِيَّةً مَحْضَةً لا يُنْظَرُ فِيها إلى جانِبِ النَّفْعِ ولا تَحُثُّ النّاسَ عَلى الِاقْتِداءِ في تَأْسِيسِ أمْثالِها وقُصاراها التَّمَدُّحُ بِما وجَدُوهُ مِنها. فَصارَ وُجُودُها شَبِيهًا بِالعَبَثِ؛ لِأنَّها خَلَتْ عَنْ رُوحِ المَقاصِدِ الحَسَنَةِ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِيَكُونَ مَظْهَرَ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ. وكانُوا أيْضًا في الإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ والِاقْتِصارِ عَلى التَّزَوُّدِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم خالِدِينَ في الدُّنْيا.
والأعْمالُ إذا خَلَتْ عَنْ مُراعاةِ المَقاصِدِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى اخْتَلَفَتْ مَشارِبُ عامِلِيها طَرائِقَ قِدَدًا عَلى اخْتِلافِ الهِمَمِ واجْتِلابِ المَصالِحِ الخاصَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أنْكَرَها عَلَيْهِمْ رَسُولُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى سُنَّةِ المَواعِظِ فَإنَّها تُبْنى عَلى مُراعاةِ ما في الأعْمالِ مِنَ الضُّرِّ الرّاجِحِ عَلى النَّفْعِ فَلا يَلْفِتُ الواعِظُ إلى ما عَسى أنْ يَكُونَ في الأعْمالِ مِن مَرْجُوحٍ إذا كانَ ذَلِكَ النَّفْعُ مَرْغُوبًا لِلنّاسِ، فَإنَّ باعِثَ الرَّغْبَةِ المُنْبَثَّ في النّاسِ مُغْنٍ عَنْ تَرْغِيبِهِمْ فِيهِ، وتَصَدِّي الواعِظِ لِذَلِكَ فُضُولٌ وخُرُوجٌ عَنِ المَقْصِدِ بِتَحْذِيرِهِمْ أوْ تَحْرِيضِهِمْ فِيما عَدا ذَلِكَ، وإذا كانَ الباعِثُ عَلى الخَيْرِ مَفْقُودًا أوْ ضَئِيلًا. وقَدْ كانَ هَذا المَقامُ مَقامَ مَوْعِظَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] . ومَقامُ المَوْعِظَةِ أوْسَعُ مِن مَقامِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ فَمَوْعِظَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأدْواءِ الرُّوحِيَّةِ ولَيْسَ في مَوْعِظَتِهِ أمْرٌ بِتَغْيِيرِ ما بَنَوْهُ مِنَ العَلاماتِ ولا ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَصانِعِ.
ولَمّا صارَ أثَرُ البِناءِ شاغِلًا عَنِ المَقْصِدِ النّافِعِ لِلْحَياةِ في الآخِرَةِ نُزِّلَ فِعْلُهم
صفحة ١٦٧
المُفْضِي إلى العَبَثِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُ العَبَثُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ البِناءَ بِإدْخالِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى فِعْلِ (تَبْنُونَ)، وقُيِّدَ بِجُمْلَةِ (تَعْبَثُونَ) الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَبْنُونَ)، مَعَ أنَّهم لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ ما أرادُوا بِفِعْلِهِمْ عَبَثًا، فَمَناطُ الإنْكارِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ هو البِناءُ المُقَيَّدُ بِالعَبَثِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذا دَخَلَ عَلى مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ.
وكَذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو جُمْلَةُ (﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾) هو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ ومُقَيَّدٌ بِها المَعْطُوفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ المُتَوَسِّطَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَرْجِعُ إلى كِلْتَيْهِما عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ لا سِيَّما إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ البِناءِ والآياتِ والمَصانِعِ كَما سَيَأْتِي. وفي بَعْضِ ما قالُوهُ ما هو مُتَحَمِّضٌ لِلَّهْوِ والعَبَثِ والفَسادِ، وفي بَعْضِهِ ما الأصْلُ فِيهِ الإباحَةُ، وفي بَعْضِهِ ما هو صَلاحٌ ونَفْعٌ كَما سَيَأْتِي.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (أتَبْنُونَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ (ألا تَتَّقُونَ) فَإنَّ مَضْمُونَها مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّقْوى الَّذِي تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الإنْكارُ وهو في مَعْنى النَّفْيِ.
والرِّيعُ بِكَسْرِ الرّاءِ: الشَّرَفُ، أيِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّرِيقُ والفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ الآيَةُ عَلى المَصْنُوعِ المُعْجِبِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى إتْقانِ صانِعِهِ أوْ عَظَمَةِ صاحِبِهِ.
و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: في الأرْياعِ المُشْرِفَةِ عَلى الطُّرُقِ المَسْلُوكَةِ، والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ نَفْعٍ فِيهِ.
والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعٍ وأصْلُهُ مَفْعَلٌ مُشْتَقٌّ مِن صَنَعَ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فَقِيلَ: هو الجابِيَةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: مَبْنِيَّةٌ بِالجِيرِ يُخَزَّنُ بِها الماءُ ويُسَمّى صِهْرِيجًا وماجِلًا، وقِيلَ: قُصُورٌ وهو عَنْ مُجاهِدٍ.
وكانَتْ بِلادُ عادٍ ما بَيْنَ عَمّانَ وحَضْرَمَوْتَ شَرْقًا وغَرْبًا ومُتَغَلْغِلَةً في الشَّمالِ إلى الرِّمالِ وهي الأحْقاقُ.
صفحة ١٦٨
وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ. و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهو طَلَبُ المُتَكَلِّمِ شَيْئًا مُسْتَقْرَبَ الحُصُولِ، والكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: أرْجُو لَكُمُ الخُلُودَ بِسَبَبِ تِلْكَ المَصانِعِ. وقِيلَ: جَعَلَتْ عادٌ بِناياتٍ عَلى المُرْتَفَعاتِ عَلى الطُّرُقِ يَعْبَثُونَ فِيها ويَسْخَرُونَ بِالمارَّةِ. وقَدْ يُفَسَّرُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الأُمَّةَ في حالِ انْحِطاطِها حَوَّلَتْ ما كانَ مَوْضُوعًا لِلْمَصالِحِ إلى مَفاسِدَ فَعَمَدُوا إلى ما كانَ مَبْنِيًّا لِقَصْدِ تَيْسِيرِ السَّيْرِ والأمْنِ عَلى السّابِلَةِ مِنَ الضَّلالِ في الفَيافِي المُهْلِكَةِ فَجَعَلُوهُ مَكامِنَ لَهْوٍ وسُخْرِيَةٍ كَما اتُّخِذَتْ بَعْضُ أدْيِرَةِ النَّصارى في بِلادِ العَرَبِ مَجالِسَ خَمْرٍ، وكَما أدْرَكْنا الصَّهارِيجَ الَّتِي في قَرْطاجَنَّةَ كانَتْ خَزّانًا لِمِياهِ زَغْوانَ المُنْسابَةِ إلَيْها عَلى الحَنايا فَرَأيْناها مَكامِنَ لِلِّصُوصِ ومَخازِنَ لِلدَّوابِّ إلى أوَّلِ هَذا القَرْنِ سَنَةَ ١٣٠٣ هـ.
وقِيلَ: إنَّ المَصانِعَ قُصُورٌ عَظِيمَةٌ اتَّخَذُوها فَيَكُونُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مُتَوَجِّهًا إلى الإسْرافِ في الإنْفاقِ عَلى أبْنِيَةٍ راسِخَةٍ مَكِينَةٍ كَأنَّها تَمْنَعُهم مِنَ المَوْتِ فَيَكُونُ الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ المَوْعِظَةِ مِنَ التَّوَغُّلِ في التَّرَفِ والتَّعاظُمِ. هَذا ما اسْتَخْلَصْناهُ مِن كَلِماتٍ انْتَثَرَتْ في أقْوالٍ عَنِ المُفَسِّرِينَ وهي تَدُلُّ عَلى حِيرَةٍ مِن خِلالِ كَلامِهِمْ في تَوْجِيهِ إنْكارِ هُودٍ عَلى قَوْمِهِ عَمَلَيْنِ كانا مَعْدُودَيْنِ في النّافِعِ مِن أعْمالِ الأُمَمِ وأحْسَبُ أنْ قَدْ أزَلْنا تِلْكَ الحَيْرَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أعْقَبَ بِهِ مَوْعِظَتَهم عَلى اللَّهْوِ واللَّعِبِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا بِأنَّ وعْظَهم عَلى الشِّدَّةِ عَلى الخَلْقِ في العُقُوبَةِ وهَذا مِن عَدَمِ التَّوازُنِ في العُقُولِ فَهم يَبْنُونَ العَلاماتِ لِإرْشادِ السّابِلَةِ ويَصْطَنِعُونَ المَصانِعَ لِإغاثَةِ العِطاشِ، فَكَيْفَ يُلاقِي هَذا التَّفْكِيرُ تَفْكِيرًا بِالإفْراطِ في الشِّدَّةِ عَلى النّاسِ في البَطْشِ بِهِمْ، أيْ: عُقُوبَتِهِمْ.
والبَطْشُ: الضَّرْبُ عِنْدَ الغَضَبِ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في آخِرِ الأعْرافِ.
و(جَبّارِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بَطَشْتُمْ) وهو جَمْعُ جَبّارٍ، والجَبّارُ: الشَّدِيدُ في غَيْرِ الحَقِّ. فالمَعْنى: إذا بَطَشْتُمْ كانَ بَطْشُكم في حالَةِ التَّجَبُّرِ، أيِ: الإفْراطُ في الأذى وهو ظُلْمٌ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . وشَأْنُ العِقابِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُناسِبٌ لِلذَّنْبِ
صفحة ١٦٩
المُعاقَبِ عَلَيْهِ بِلا إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ في البَطْشِ فالإفْراطُ اسْتِخْفافٌ بِحُقُوقِ الخَلْقِ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفانِ مِن أهْلِ النّارِ لَمْ أرَهُما: قَوْمٌ مَعَهم سِياطٌ كَأذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِها النّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ» . . الحَدِيثَ. ووَقَعَ فِعْلُ (بَطَشْتُمْ) الثّانِي جَوابًا لِ (إذا) وهو مُرادِفٌ لِفِعْلِ شَرْطِها لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ وفِعْلِ الجَوابِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ وإنَّما يُقْصَدُ مِثْلُ هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ مَدْلُولِهِ.
الشعراء 26:129
﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ .
رَأى مِن قَوْمِهِ تَمَحُّضًا لِلشُّغْلِ بِأُمُورِ دُنْياهم، وإعْراضًا عَنِ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ والعَمَلِ لَها والنَّظَرِ في العاقِبَةِ، وإشْراكًا مَعَ اللَّهِ في إلَهِيَّتِهِ، وانْصِرافًا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي خَلَقَهم وأعْمَرَهم في الأرْضِ وزادَهم قُوَّةً عَلى الأُمَمِ، فانْصَرَفَتْ هِمّاتُهم إلى التَّعاظُمِ والتَّفاخُرِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ.
وكانَتْ عادٌ قَدْ بَلَغُوا مَبْلَغًا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ وعِظَمِ السُّلْطانِ والتَّغَلُّبِ عَلى البِلادِ مِمّا أثارَ قَوْلَهم: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَقَدْ كانَتْ قَبائِلُ العَرَبِ تَصِفُ الشَّيْءَ العَظِيمَ في نَوْعِهِ بِأنَّهُ (عادِيٌّ) وكانُوا أهْلَ رَأْيٍ سَدِيدٍ ورَجاحَةَ أحْلامٍ قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:
وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ
وقالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ غَسّانَ:
أحْلامُ عادٍ وأجْسادٌ مُطَهَّرَةٌ ∗∗∗ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والأثَمِ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وتَفَنَّنُوا في إرْضاءِ الهَوى، وأقْبَلُوا عَلى المَلَذّاتِ واشْتَدَّ الغُرُورُ بِأنْفُسِهِمْ فَأضاعُوا الجانِبَ الأهَمَّ لِلْإنْسانِ وهو جانِبُ الدِّينِ وزَكاءُ النَّفْسِ وأهْمَلُوا أنْ يَقْصِدُوا مِن أعْمالِهِمُ المَقاصِدَ النّافِعَةَ ونِيَّةَ إرْضاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِهِمْ لِحُبِّ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، واسْتَخَفُّوا بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَحْمَقُوا النّاصِحِينَ، وأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هُودًا فَفاتَحَهم بِالتَّوْبِيخِ عَلى ما فُتِنُوا بِالإعْجابِ بِهِ وبِذَمِّهِ إذْ ألْهاهُمُ التَّنافُسُ فِيهِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَنَبَذُوا اتِّباعَ الشَّرائِعِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ. فَمِن سابِقِ أعْمالِ عادٍ أنَّهم كانُوا بَنَوْا في طُرُقِ أسْفارِهِمْ أعْلامًا ومَناراتٍ تَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ كَيْلا يَضِلَّ
صفحة ١٦٦
السّائِرُونَ في تِلْكَ الرِّمالِ المُتَنَقِّلَةِ الَّتِي لا تَبْقى فِيها آثارُ السّائِرِينَ واحْتَفَرُوا وشَيَّدُوا مَصانِعَ لِلْمِياهِ وهي الصَّهارِيجُ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ في الشِّتاءِ لِيَشْرَبَ مِنها المُسافِرُونَ ويَنْتَفِعَ بِها الحاضِرُونَ في زَمَنِ قِلَّةِ الأمْطارِ، وبَنَوْا حُصُونًا وقُصُورًا عَلى أشْرافٍ مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في ذاتِها؛ لِأنَّ فِيها حِفْظَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الفَيافِي بِضَلالِ الطُّرُقِ، ومِنَ الهَلَكَةِ عَطَشًا إذا فَقَدُوا الماءَ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَمَتى أُرِيدَ بِها رِضى اللَّهِ تَعالى بِنَفْعِ عَبِيدِهِ كانَتْ جَدِيرَةً بِالثَّناءِ عاجِلًا والثَّوابِ آجِلًا.
فَأمّا إذا أُهْمِلَ إرْضاءُ اللَّهِ تَعالى بِها واتُّخِذَتْ لِلرِّياءِ والغُرُورِ بِالعَظَمَةِ وكانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ وعَنْ عِبادَةِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ عَظَمَةً دُنْيَوِيَّةً مَحْضَةً لا يُنْظَرُ فِيها إلى جانِبِ النَّفْعِ ولا تَحُثُّ النّاسَ عَلى الِاقْتِداءِ في تَأْسِيسِ أمْثالِها وقُصاراها التَّمَدُّحُ بِما وجَدُوهُ مِنها. فَصارَ وُجُودُها شَبِيهًا بِالعَبَثِ؛ لِأنَّها خَلَتْ عَنْ رُوحِ المَقاصِدِ الحَسَنَةِ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِيَكُونَ مَظْهَرَ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ. وكانُوا أيْضًا في الإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ والِاقْتِصارِ عَلى التَّزَوُّدِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم خالِدِينَ في الدُّنْيا.
والأعْمالُ إذا خَلَتْ عَنْ مُراعاةِ المَقاصِدِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى اخْتَلَفَتْ مَشارِبُ عامِلِيها طَرائِقَ قِدَدًا عَلى اخْتِلافِ الهِمَمِ واجْتِلابِ المَصالِحِ الخاصَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أنْكَرَها عَلَيْهِمْ رَسُولُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى سُنَّةِ المَواعِظِ فَإنَّها تُبْنى عَلى مُراعاةِ ما في الأعْمالِ مِنَ الضُّرِّ الرّاجِحِ عَلى النَّفْعِ فَلا يَلْفِتُ الواعِظُ إلى ما عَسى أنْ يَكُونَ في الأعْمالِ مِن مَرْجُوحٍ إذا كانَ ذَلِكَ النَّفْعُ مَرْغُوبًا لِلنّاسِ، فَإنَّ باعِثَ الرَّغْبَةِ المُنْبَثَّ في النّاسِ مُغْنٍ عَنْ تَرْغِيبِهِمْ فِيهِ، وتَصَدِّي الواعِظِ لِذَلِكَ فُضُولٌ وخُرُوجٌ عَنِ المَقْصِدِ بِتَحْذِيرِهِمْ أوْ تَحْرِيضِهِمْ فِيما عَدا ذَلِكَ، وإذا كانَ الباعِثُ عَلى الخَيْرِ مَفْقُودًا أوْ ضَئِيلًا. وقَدْ كانَ هَذا المَقامُ مَقامَ مَوْعِظَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] . ومَقامُ المَوْعِظَةِ أوْسَعُ مِن مَقامِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ فَمَوْعِظَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأدْواءِ الرُّوحِيَّةِ ولَيْسَ في مَوْعِظَتِهِ أمْرٌ بِتَغْيِيرِ ما بَنَوْهُ مِنَ العَلاماتِ ولا ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَصانِعِ.
ولَمّا صارَ أثَرُ البِناءِ شاغِلًا عَنِ المَقْصِدِ النّافِعِ لِلْحَياةِ في الآخِرَةِ نُزِّلَ فِعْلُهم
صفحة ١٦٧
المُفْضِي إلى العَبَثِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُ العَبَثُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ البِناءَ بِإدْخالِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى فِعْلِ (تَبْنُونَ)، وقُيِّدَ بِجُمْلَةِ (تَعْبَثُونَ) الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَبْنُونَ)، مَعَ أنَّهم لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ ما أرادُوا بِفِعْلِهِمْ عَبَثًا، فَمَناطُ الإنْكارِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ هو البِناءُ المُقَيَّدُ بِالعَبَثِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذا دَخَلَ عَلى مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ.
وكَذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو جُمْلَةُ (﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾) هو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ ومُقَيَّدٌ بِها المَعْطُوفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ المُتَوَسِّطَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَرْجِعُ إلى كِلْتَيْهِما عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ لا سِيَّما إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ البِناءِ والآياتِ والمَصانِعِ كَما سَيَأْتِي. وفي بَعْضِ ما قالُوهُ ما هو مُتَحَمِّضٌ لِلَّهْوِ والعَبَثِ والفَسادِ، وفي بَعْضِهِ ما الأصْلُ فِيهِ الإباحَةُ، وفي بَعْضِهِ ما هو صَلاحٌ ونَفْعٌ كَما سَيَأْتِي.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (أتَبْنُونَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ (ألا تَتَّقُونَ) فَإنَّ مَضْمُونَها مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّقْوى الَّذِي تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الإنْكارُ وهو في مَعْنى النَّفْيِ.
والرِّيعُ بِكَسْرِ الرّاءِ: الشَّرَفُ، أيِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّرِيقُ والفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ الآيَةُ عَلى المَصْنُوعِ المُعْجِبِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى إتْقانِ صانِعِهِ أوْ عَظَمَةِ صاحِبِهِ.
و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: في الأرْياعِ المُشْرِفَةِ عَلى الطُّرُقِ المَسْلُوكَةِ، والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ نَفْعٍ فِيهِ.
والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعٍ وأصْلُهُ مَفْعَلٌ مُشْتَقٌّ مِن صَنَعَ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فَقِيلَ: هو الجابِيَةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: مَبْنِيَّةٌ بِالجِيرِ يُخَزَّنُ بِها الماءُ ويُسَمّى صِهْرِيجًا وماجِلًا، وقِيلَ: قُصُورٌ وهو عَنْ مُجاهِدٍ.
وكانَتْ بِلادُ عادٍ ما بَيْنَ عَمّانَ وحَضْرَمَوْتَ شَرْقًا وغَرْبًا ومُتَغَلْغِلَةً في الشَّمالِ إلى الرِّمالِ وهي الأحْقاقُ.
صفحة ١٦٨
وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ. و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهو طَلَبُ المُتَكَلِّمِ شَيْئًا مُسْتَقْرَبَ الحُصُولِ، والكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: أرْجُو لَكُمُ الخُلُودَ بِسَبَبِ تِلْكَ المَصانِعِ. وقِيلَ: جَعَلَتْ عادٌ بِناياتٍ عَلى المُرْتَفَعاتِ عَلى الطُّرُقِ يَعْبَثُونَ فِيها ويَسْخَرُونَ بِالمارَّةِ. وقَدْ يُفَسَّرُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الأُمَّةَ في حالِ انْحِطاطِها حَوَّلَتْ ما كانَ مَوْضُوعًا لِلْمَصالِحِ إلى مَفاسِدَ فَعَمَدُوا إلى ما كانَ مَبْنِيًّا لِقَصْدِ تَيْسِيرِ السَّيْرِ والأمْنِ عَلى السّابِلَةِ مِنَ الضَّلالِ في الفَيافِي المُهْلِكَةِ فَجَعَلُوهُ مَكامِنَ لَهْوٍ وسُخْرِيَةٍ كَما اتُّخِذَتْ بَعْضُ أدْيِرَةِ النَّصارى في بِلادِ العَرَبِ مَجالِسَ خَمْرٍ، وكَما أدْرَكْنا الصَّهارِيجَ الَّتِي في قَرْطاجَنَّةَ كانَتْ خَزّانًا لِمِياهِ زَغْوانَ المُنْسابَةِ إلَيْها عَلى الحَنايا فَرَأيْناها مَكامِنَ لِلِّصُوصِ ومَخازِنَ لِلدَّوابِّ إلى أوَّلِ هَذا القَرْنِ سَنَةَ ١٣٠٣ هـ.
وقِيلَ: إنَّ المَصانِعَ قُصُورٌ عَظِيمَةٌ اتَّخَذُوها فَيَكُونُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مُتَوَجِّهًا إلى الإسْرافِ في الإنْفاقِ عَلى أبْنِيَةٍ راسِخَةٍ مَكِينَةٍ كَأنَّها تَمْنَعُهم مِنَ المَوْتِ فَيَكُونُ الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ المَوْعِظَةِ مِنَ التَّوَغُّلِ في التَّرَفِ والتَّعاظُمِ. هَذا ما اسْتَخْلَصْناهُ مِن كَلِماتٍ انْتَثَرَتْ في أقْوالٍ عَنِ المُفَسِّرِينَ وهي تَدُلُّ عَلى حِيرَةٍ مِن خِلالِ كَلامِهِمْ في تَوْجِيهِ إنْكارِ هُودٍ عَلى قَوْمِهِ عَمَلَيْنِ كانا مَعْدُودَيْنِ في النّافِعِ مِن أعْمالِ الأُمَمِ وأحْسَبُ أنْ قَدْ أزَلْنا تِلْكَ الحَيْرَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أعْقَبَ بِهِ مَوْعِظَتَهم عَلى اللَّهْوِ واللَّعِبِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا بِأنَّ وعْظَهم عَلى الشِّدَّةِ عَلى الخَلْقِ في العُقُوبَةِ وهَذا مِن عَدَمِ التَّوازُنِ في العُقُولِ فَهم يَبْنُونَ العَلاماتِ لِإرْشادِ السّابِلَةِ ويَصْطَنِعُونَ المَصانِعَ لِإغاثَةِ العِطاشِ، فَكَيْفَ يُلاقِي هَذا التَّفْكِيرُ تَفْكِيرًا بِالإفْراطِ في الشِّدَّةِ عَلى النّاسِ في البَطْشِ بِهِمْ، أيْ: عُقُوبَتِهِمْ.
والبَطْشُ: الضَّرْبُ عِنْدَ الغَضَبِ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في آخِرِ الأعْرافِ.
و(جَبّارِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بَطَشْتُمْ) وهو جَمْعُ جَبّارٍ، والجَبّارُ: الشَّدِيدُ في غَيْرِ الحَقِّ. فالمَعْنى: إذا بَطَشْتُمْ كانَ بَطْشُكم في حالَةِ التَّجَبُّرِ، أيِ: الإفْراطُ في الأذى وهو ظُلْمٌ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . وشَأْنُ العِقابِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُناسِبٌ لِلذَّنْبِ
صفحة ١٦٩
المُعاقَبِ عَلَيْهِ بِلا إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ في البَطْشِ فالإفْراطُ اسْتِخْفافٌ بِحُقُوقِ الخَلْقِ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفانِ مِن أهْلِ النّارِ لَمْ أرَهُما: قَوْمٌ مَعَهم سِياطٌ كَأذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِها النّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ» . . الحَدِيثَ. ووَقَعَ فِعْلُ (بَطَشْتُمْ) الثّانِي جَوابًا لِ (إذا) وهو مُرادِفٌ لِفِعْلِ شَرْطِها لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ وفِعْلِ الجَوابِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ وإنَّما يُقْصَدُ مِثْلُ هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ مَدْلُولِهِ.
الشعراء 26:130
﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ .
رَأى مِن قَوْمِهِ تَمَحُّضًا لِلشُّغْلِ بِأُمُورِ دُنْياهم، وإعْراضًا عَنِ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ والعَمَلِ لَها والنَّظَرِ في العاقِبَةِ، وإشْراكًا مَعَ اللَّهِ في إلَهِيَّتِهِ، وانْصِرافًا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي خَلَقَهم وأعْمَرَهم في الأرْضِ وزادَهم قُوَّةً عَلى الأُمَمِ، فانْصَرَفَتْ هِمّاتُهم إلى التَّعاظُمِ والتَّفاخُرِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ.
وكانَتْ عادٌ قَدْ بَلَغُوا مَبْلَغًا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ وعِظَمِ السُّلْطانِ والتَّغَلُّبِ عَلى البِلادِ مِمّا أثارَ قَوْلَهم: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَقَدْ كانَتْ قَبائِلُ العَرَبِ تَصِفُ الشَّيْءَ العَظِيمَ في نَوْعِهِ بِأنَّهُ (عادِيٌّ) وكانُوا أهْلَ رَأْيٍ سَدِيدٍ ورَجاحَةَ أحْلامٍ قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ:
وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ
وقالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ غَسّانَ:
أحْلامُ عادٍ وأجْسادٌ مُطَهَّرَةٌ ∗∗∗ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والأثَمِ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ، وتَفَنَّنُوا في إرْضاءِ الهَوى، وأقْبَلُوا عَلى المَلَذّاتِ واشْتَدَّ الغُرُورُ بِأنْفُسِهِمْ فَأضاعُوا الجانِبَ الأهَمَّ لِلْإنْسانِ وهو جانِبُ الدِّينِ وزَكاءُ النَّفْسِ وأهْمَلُوا أنْ يَقْصِدُوا مِن أعْمالِهِمُ المَقاصِدَ النّافِعَةَ ونِيَّةَ إرْضاءِ اللَّهِ عَلى أعْمالِهِمْ لِحُبِّ الرِّئاسَةِ والسُّمْعَةِ، فَعَبَدُوا الأصْنامَ، واسْتَخَفُّوا بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَحْمَقُوا النّاصِحِينَ، وأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هُودًا فَفاتَحَهم بِالتَّوْبِيخِ عَلى ما فُتِنُوا بِالإعْجابِ بِهِ وبِذَمِّهِ إذْ ألْهاهُمُ التَّنافُسُ فِيهِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَنَبَذُوا اتِّباعَ الشَّرائِعِ وكَذَّبُوا الرَّسُولَ. فَمِن سابِقِ أعْمالِ عادٍ أنَّهم كانُوا بَنَوْا في طُرُقِ أسْفارِهِمْ أعْلامًا ومَناراتٍ تَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ كَيْلا يَضِلَّ
صفحة ١٦٦
السّائِرُونَ في تِلْكَ الرِّمالِ المُتَنَقِّلَةِ الَّتِي لا تَبْقى فِيها آثارُ السّائِرِينَ واحْتَفَرُوا وشَيَّدُوا مَصانِعَ لِلْمِياهِ وهي الصَّهارِيجُ تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ في الشِّتاءِ لِيَشْرَبَ مِنها المُسافِرُونَ ويَنْتَفِعَ بِها الحاضِرُونَ في زَمَنِ قِلَّةِ الأمْطارِ، وبَنَوْا حُصُونًا وقُصُورًا عَلى أشْرافٍ مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في ذاتِها؛ لِأنَّ فِيها حِفْظَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الفَيافِي بِضَلالِ الطُّرُقِ، ومِنَ الهَلَكَةِ عَطَشًا إذا فَقَدُوا الماءَ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَمَتى أُرِيدَ بِها رِضى اللَّهِ تَعالى بِنَفْعِ عَبِيدِهِ كانَتْ جَدِيرَةً بِالثَّناءِ عاجِلًا والثَّوابِ آجِلًا.
فَأمّا إذا أُهْمِلَ إرْضاءُ اللَّهِ تَعالى بِها واتُّخِذَتْ لِلرِّياءِ والغُرُورِ بِالعَظَمَةِ وكانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ وعَنْ عِبادَةِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ عَظَمَةً دُنْيَوِيَّةً مَحْضَةً لا يُنْظَرُ فِيها إلى جانِبِ النَّفْعِ ولا تَحُثُّ النّاسَ عَلى الِاقْتِداءِ في تَأْسِيسِ أمْثالِها وقُصاراها التَّمَدُّحُ بِما وجَدُوهُ مِنها. فَصارَ وُجُودُها شَبِيهًا بِالعَبَثِ؛ لِأنَّها خَلَتْ عَنْ رُوحِ المَقاصِدِ الحَسَنَةِ فَلا عِبْرَةَ عِنْدَ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِيَكُونَ مَظْهَرَ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ. وكانُوا أيْضًا في الإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ والِاقْتِصارِ عَلى التَّزَوُّدِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم خالِدِينَ في الدُّنْيا.
والأعْمالُ إذا خَلَتْ عَنْ مُراعاةِ المَقاصِدِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى اخْتَلَفَتْ مَشارِبُ عامِلِيها طَرائِقَ قِدَدًا عَلى اخْتِلافِ الهِمَمِ واجْتِلابِ المَصالِحِ الخاصَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أنْكَرَها عَلَيْهِمْ رَسُولُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى سُنَّةِ المَواعِظِ فَإنَّها تُبْنى عَلى مُراعاةِ ما في الأعْمالِ مِنَ الضُّرِّ الرّاجِحِ عَلى النَّفْعِ فَلا يَلْفِتُ الواعِظُ إلى ما عَسى أنْ يَكُونَ في الأعْمالِ مِن مَرْجُوحٍ إذا كانَ ذَلِكَ النَّفْعُ مَرْغُوبًا لِلنّاسِ، فَإنَّ باعِثَ الرَّغْبَةِ المُنْبَثَّ في النّاسِ مُغْنٍ عَنْ تَرْغِيبِهِمْ فِيهِ، وتَصَدِّي الواعِظِ لِذَلِكَ فُضُولٌ وخُرُوجٌ عَنِ المَقْصِدِ بِتَحْذِيرِهِمْ أوْ تَحْرِيضِهِمْ فِيما عَدا ذَلِكَ، وإذا كانَ الباعِثُ عَلى الخَيْرِ مَفْقُودًا أوْ ضَئِيلًا. وقَدْ كانَ هَذا المَقامُ مَقامَ مَوْعِظَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] . ومَقامُ المَوْعِظَةِ أوْسَعُ مِن مَقامِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ فَمَوْعِظَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأدْواءِ الرُّوحِيَّةِ ولَيْسَ في مَوْعِظَتِهِ أمْرٌ بِتَغْيِيرِ ما بَنَوْهُ مِنَ العَلاماتِ ولا ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَصانِعِ.
ولَمّا صارَ أثَرُ البِناءِ شاغِلًا عَنِ المَقْصِدِ النّافِعِ لِلْحَياةِ في الآخِرَةِ نُزِّلَ فِعْلُهم
صفحة ١٦٧
المُفْضِي إلى العَبَثِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُ العَبَثُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ البِناءَ بِإدْخالِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى فِعْلِ (تَبْنُونَ)، وقُيِّدَ بِجُمْلَةِ (تَعْبَثُونَ) الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَبْنُونَ)، مَعَ أنَّهم لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ ما أرادُوا بِفِعْلِهِمْ عَبَثًا، فَمَناطُ الإنْكارِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ هو البِناءُ المُقَيَّدُ بِالعَبَثِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذا دَخَلَ عَلى مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ.
وكَذَلِكَ المَعْطُوفُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو جُمْلَةُ (﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾) هو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ ومُقَيَّدٌ بِها المَعْطُوفَ عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ المُتَوَسِّطَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَرْجِعُ إلى كِلْتَيْهِما عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ لا سِيَّما إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ البِناءِ والآياتِ والمَصانِعِ كَما سَيَأْتِي. وفي بَعْضِ ما قالُوهُ ما هو مُتَحَمِّضٌ لِلَّهْوِ والعَبَثِ والفَسادِ، وفي بَعْضِهِ ما الأصْلُ فِيهِ الإباحَةُ، وفي بَعْضِهِ ما هو صَلاحٌ ونَفْعٌ كَما سَيَأْتِي.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (أتَبْنُونَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ (ألا تَتَّقُونَ) فَإنَّ مَضْمُونَها مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّقْوى الَّذِي تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الإنْكارُ وهو في مَعْنى النَّفْيِ.
والرِّيعُ بِكَسْرِ الرّاءِ: الشَّرَفُ، أيِ: المَكانُ المُرْتَفِعُ، كَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّرِيقُ والفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، كَذا قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ الآيَةُ عَلى المَصْنُوعِ المُعْجِبِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى إتْقانِ صانِعِهِ أوْ عَظَمَةِ صاحِبِهِ.
و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: في الأرْياعِ المُشْرِفَةِ عَلى الطُّرُقِ المَسْلُوكَةِ، والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ نَفْعٍ فِيهِ.
والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعٍ وأصْلُهُ مَفْعَلٌ مُشْتَقٌّ مِن صَنَعَ فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فَقِيلَ: هو الجابِيَةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: مَبْنِيَّةٌ بِالجِيرِ يُخَزَّنُ بِها الماءُ ويُسَمّى صِهْرِيجًا وماجِلًا، وقِيلَ: قُصُورٌ وهو عَنْ مُجاهِدٍ.
وكانَتْ بِلادُ عادٍ ما بَيْنَ عَمّانَ وحَضْرَمَوْتَ شَرْقًا وغَرْبًا ومُتَغَلْغِلَةً في الشَّمالِ إلى الرِّمالِ وهي الأحْقاقُ.
صفحة ١٦٨
وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ. و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهو طَلَبُ المُتَكَلِّمِ شَيْئًا مُسْتَقْرَبَ الحُصُولِ، والكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أيْ: أرْجُو لَكُمُ الخُلُودَ بِسَبَبِ تِلْكَ المَصانِعِ. وقِيلَ: جَعَلَتْ عادٌ بِناياتٍ عَلى المُرْتَفَعاتِ عَلى الطُّرُقِ يَعْبَثُونَ فِيها ويَسْخَرُونَ بِالمارَّةِ. وقَدْ يُفَسَّرُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الأُمَّةَ في حالِ انْحِطاطِها حَوَّلَتْ ما كانَ مَوْضُوعًا لِلْمَصالِحِ إلى مَفاسِدَ فَعَمَدُوا إلى ما كانَ مَبْنِيًّا لِقَصْدِ تَيْسِيرِ السَّيْرِ والأمْنِ عَلى السّابِلَةِ مِنَ الضَّلالِ في الفَيافِي المُهْلِكَةِ فَجَعَلُوهُ مَكامِنَ لَهْوٍ وسُخْرِيَةٍ كَما اتُّخِذَتْ بَعْضُ أدْيِرَةِ النَّصارى في بِلادِ العَرَبِ مَجالِسَ خَمْرٍ، وكَما أدْرَكْنا الصَّهارِيجَ الَّتِي في قَرْطاجَنَّةَ كانَتْ خَزّانًا لِمِياهِ زَغْوانَ المُنْسابَةِ إلَيْها عَلى الحَنايا فَرَأيْناها مَكامِنَ لِلِّصُوصِ ومَخازِنَ لِلدَّوابِّ إلى أوَّلِ هَذا القَرْنِ سَنَةَ ١٣٠٣ هـ.
وقِيلَ: إنَّ المَصانِعَ قُصُورٌ عَظِيمَةٌ اتَّخَذُوها فَيَكُونُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مُتَوَجِّهًا إلى الإسْرافِ في الإنْفاقِ عَلى أبْنِيَةٍ راسِخَةٍ مَكِينَةٍ كَأنَّها تَمْنَعُهم مِنَ المَوْتِ فَيَكُونُ الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ المَوْعِظَةِ مِنَ التَّوَغُّلِ في التَّرَفِ والتَّعاظُمِ. هَذا ما اسْتَخْلَصْناهُ مِن كَلِماتٍ انْتَثَرَتْ في أقْوالٍ عَنِ المُفَسِّرِينَ وهي تَدُلُّ عَلى حِيرَةٍ مِن خِلالِ كَلامِهِمْ في تَوْجِيهِ إنْكارِ هُودٍ عَلى قَوْمِهِ عَمَلَيْنِ كانا مَعْدُودَيْنِ في النّافِعِ مِن أعْمالِ الأُمَمِ وأحْسَبُ أنْ قَدْ أزَلْنا تِلْكَ الحَيْرَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أعْقَبَ بِهِ مَوْعِظَتَهم عَلى اللَّهْوِ واللَّعِبِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا بِأنَّ وعْظَهم عَلى الشِّدَّةِ عَلى الخَلْقِ في العُقُوبَةِ وهَذا مِن عَدَمِ التَّوازُنِ في العُقُولِ فَهم يَبْنُونَ العَلاماتِ لِإرْشادِ السّابِلَةِ ويَصْطَنِعُونَ المَصانِعَ لِإغاثَةِ العِطاشِ، فَكَيْفَ يُلاقِي هَذا التَّفْكِيرُ تَفْكِيرًا بِالإفْراطِ في الشِّدَّةِ عَلى النّاسِ في البَطْشِ بِهِمْ، أيْ: عُقُوبَتِهِمْ.
والبَطْشُ: الضَّرْبُ عِنْدَ الغَضَبِ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] في آخِرِ الأعْرافِ.
و(جَبّارِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بَطَشْتُمْ) وهو جَمْعُ جَبّارٍ، والجَبّارُ: الشَّدِيدُ في غَيْرِ الحَقِّ. فالمَعْنى: إذا بَطَشْتُمْ كانَ بَطْشُكم في حالَةِ التَّجَبُّرِ، أيِ: الإفْراطُ في الأذى وهو ظُلْمٌ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩] . وشَأْنُ العِقابِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُناسِبٌ لِلذَّنْبِ
صفحة ١٦٩
المُعاقَبِ عَلَيْهِ بِلا إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ في البَطْشِ فالإفْراطُ اسْتِخْفافٌ بِحُقُوقِ الخَلْقِ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِنْفانِ مِن أهْلِ النّارِ لَمْ أرَهُما: قَوْمٌ مَعَهم سِياطٌ كَأذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِها النّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ» . . الحَدِيثَ. ووَقَعَ فِعْلُ (بَطَشْتُمْ) الثّانِي جَوابًا لِ (إذا) وهو مُرادِفٌ لِفِعْلِ شَرْطِها لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ وفِعْلِ الجَوابِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ وإنَّما يُقْصَدُ مِثْلُ هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ؛ إذْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ مَدْلُولِهِ.
الشعراء 26:131
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .
وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.
صفحة ١٧٠
وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.
وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.
الشعراء 26:132
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .
وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.
صفحة ١٧٠
وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.
وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.
الشعراء 26:133
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .
وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.
صفحة ١٧٠
وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.
وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.
الشعراء 26:134
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .
وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.
صفحة ١٧٠
وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.
وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.
الشعراء 26:135
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمّا أفادَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] مَعْنى الإنْكارِ عَلى ما قارَنَ بِناءَهُمُ الآياتِ واتِّخاذَهُمُ المَصانِعَ وعَلى شِدَّتِهِمْ عَلى النّاسِ عِنْدَ الغَضَبِ فُرِّعَ عَلَيْهِ أمْرُهم بِاتِّقاءِ اللَّهِ، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ تَكْرِيرُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) كَحَذْفِها في نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (واتُّقُوا) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى المَوْصُولِ وصْفًا لِاسْمِ الجَلالَةِ؛ لَأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وبَنَيَ الكَلامَ عَلى عَطْفِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لَهُ واهْتِمامًا بِالأمْرِ بِالتَّقْوى مَعَ أنَّ ما عُرِضَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةِ (وأطِيعُونِ) قَضى بِأنْ يُعادَ اتِّصالُ النَّظْمِ بِإعادَةِ فِعْلِ (اتَّقُوا) .
وإنَّما أُتِيَ بِفِعْلِ (اتَّقُوا) مَعْطُوفًا ولَمْ يُؤْتَ بِهِ مَفْصُولًا لِما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ التَّذْكِيرِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الأُولى اسْمَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِذاتِهِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِفِعْلِ التَّقْوى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ اسْمَ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى لِاسْتِحْقاقِهِ الشُّكْرَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ.
صفحة ١٧٠
وقَدْ جاءَ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالإجْمالِ الَّذِي يُهَيِّئُ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وأُعِيدَ فِعْلُ (أمَدَّكم) في جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الإمْدادِ فَهو لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن جُمْلَةِ (أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ) فَإنَّ فِعْلَ (أمَدَّكم) الثّانِي وإنْ كانَ مُساوِيًا لِ (أمَدَّكم) الأوَّلِ، فَإنَّما صارَ بَدَلًا مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: (﴿بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾) إلَخْ. الَّذِي هو بَعْضٌ مِمّا تَعْلَمُونَ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ التَّوْكِيدُ والبَدَلُ يَقْتَضِي الفَصْلَ، فَلِأجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ.
وابْتَدَأ في تِعْدادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها أجَلُّ نِعْمَةٍ عَلى أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ؛ لِأنَّ مِنها أقْواتَهم ولِباسَهم وعَلَيْها أسْفارُهم وكانُوا أهْلَ نُجْعَةٍ فَهي سَبَبُ بَقائِهِمْ، وعَطَفَ عَلَيْها البَنِينَ لِأنَّهم نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأنَّها أُنْسُهم وعَوْنُهم عَلى أسْبابِ الحَياةِ وبَقاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهم وكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وعَطَفَ الجَنّاتِ والعُيُونَ؛ لِأنَّها بِها رَفاهِيَةُ حالِهِمْ واتِّساعُ رِزْقِهِمْ وعَيْشُ أنْعامِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَقْواهم ولِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أيْ: أخافُ عَلَيْكم عَذابًا إنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
والعَذابُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابًا في الدُّنْيا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَصَفَ (يَوْمٍ) بِ (عَظِيمٍ) عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: عَظِيمٌ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ.
الشعراء 26:136
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.
صفحة ١٧١
والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .
وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.
فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.
صفحة ١٧٢
والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.
فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:
عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ
فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى
صفحة ١٧٣
﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.
وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.
وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.
والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.
ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.
والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.
الشعراء 26:137
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.
صفحة ١٧١
والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .
وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.
فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.
صفحة ١٧٢
والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.
فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:
عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ
فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى
صفحة ١٧٣
﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.
وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.
وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.
والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.
ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.
والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.
الشعراء 26:138
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.
صفحة ١٧١
والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .
وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.
فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.
صفحة ١٧٢
والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.
فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:
عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ
فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى
صفحة ١٧٣
﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.
وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.
وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.
والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.
ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.
والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.
الشعراء 26:139
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.
صفحة ١٧١
والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .
وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.
فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.
صفحة ١٧٢
والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.
فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:
عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ
فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى
صفحة ١٧٣
﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.
وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.
وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.
والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.
ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.
والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.
الشعراء 26:140
﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
أجابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِن أنْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُ فَجَعَلُوا وعْظَهُ وعَدَمَهُ سَواءً، أيْ: هُما سَواءٌ في انْتِفاءِ ما قَصَدَهُ مِن وعْظِهِ وهو امْتِثالُهم.
صفحة ١٧١
والهَمْزَةُ لِلتَّسْوِيَةِ. وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَعْظُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ مِن شَيْءٍ فِيهِ ضُرٌّ، والِاسْمُ المَوْعِظَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَعْنى (﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾) أمْ لَمْ تَكُنْ في عِدادِ المَوْصُوفِينَ بِالواعِظِينَ، أيْ: لَمْ تَكُنْ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ في شَيْءٍ، وهو أشَدُّ في نَفْيِ الصِّفَةِ عَنْهُ مِن أنْ لَوْ قِيلَ: أمْ لَمْ تَعِظْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] .
وجُمْلَةُ (﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾، أيْ: كانَ سَواءٌ عَلَيْنا فَلا نَتَّبِعُ وعْظَكَ؛ لِأنَّ هَذا خُلُقُ الأوَّلِينَ. والإشارَةُ بِ (هَذا) إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْفَرِيقَيْنِ حاصِلٌ في مَقامِ دَعْوَةِ هُودٍ إيّاهم وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: (خُلُقُ الأوَّلِينَ) قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ وخَلَفٌ بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ.
فَعَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ (خُلُقُ) بِضَمَّتَيْنِ فَهو السَّجِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ في النَّفْسِ باعِثَةٌ عَلى عَمَلٍ يُناسِبُها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وقَدْ فُسِّرَ بِالقُوى النَّفْسِيَّةِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ فَيَشْمَلُ طَبائِعَ الخَيْرِ وطَبائِعَ الشَّرِّ ولِذَلِكَ لا يُعْرَفُ أحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنَ اللَّفْظِ إلّا بِقَيْدٍ يُضَمُّ إلَيْهِ فَيُقالُ: خُلُقٌ حَسَنٌ، ويُقالُ في ضِدِّهِ: سُوءُ خُلُقٍ، أوْ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وفي الحَدِيثِ «وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .
فَإذا أُطْلِقَ عَنِ التَّقْيِيدِ انْصَرَفَ إلى الخُلُقِ الحَسَنِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ: وخُلُقِي نِعْمَ العَوْنُ، وبَيْنِي وبَيْنَ جاراتِي بَوْنُ، أيْ: في حُسْنِ الخُلُقِ.
صفحة ١٧٢
والخُلُقُ في اصْطِلاحِ الحُكَماءِ: مَلَكَةٌ أيْ: كَيْفِيَّةٌ راسِخَةٌ في النَّفْسِ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنَ الفِكْرِ تَصْدُرُ بِها عَنِ النَّفْسِ أفْعالُ صاحِبِها بِدُونِ تَأمُّلٍ.
فَخُلُقُ المَرْءِ مَجْمُوعُ غَرائِزَ أيْ: طَبائِعُ نَفْسِيَّةٌ مُؤْتَلِفَةٌ مِنَ انْطِباعٍ فِكْرِيٍّ: إمّا جِبِلِّيٌّ في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وإمّا كَسْبِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَمَرُّنِ الفِكْرِ عَلَيْهِ وتَقَلُّدِهِ إيّاهُ لِاسْتِحْسانِهِ إيّاهُ عَنْ تَجْرِبَةِ نَفْعِهِ أوْ عَنْ تَقْلِيدِ ما يُشاهِدُهُ مِن بَواعِثِ مَحَبَّةِ ما شاهَدَ. ويَنْبَغِي أنْ يُسَمّى اخْتِيارًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لِذاتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن سِيرَةِ مَن يُحِبُّهُ ويَقْتَدِي بِهِ ويُسَمّى تَقْلِيدًا، ومُحاوَلَتُهُ تُسَمّى تَخَلُّقًا. قالَ سالِمُ بْنُ وابِصَةَ:
عَلَيْكَ بِالقَصِيدِ فِيما أنْتَ فاعِلُهُ إنِ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ
فَإذا اسْتَقَرَّ وتَمَكَّنَ مِنَ النَّفْسِ صارَ سَجِيَّةً لَهُ يَجْرِي أعْمالُهُ عَلى ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ وتَأْمُرُهُ بِهِ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ العَمَلِ بِمُقْتَضاها، ولَوْ رامَ حَمْلَ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ سَجِيَّتُهُ لاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ وإرادَتَهُ وحَقَّرَ رَأْيَهُ. وقَدْ يَتَغَيَّرُ الخُلُقُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا بِسَبَبِ تَجْرِبَةِ انْجِرارِ مَضَرَّةٍ مِن داعِيهِ، أوْ بِسَبَبِ خَوْفِ عاقِبَةٍ سَيِّئَةٍ مِن جَرّائِهِ بِتَحْذِيرِ مَن هو قُدْوَةٌ عِنْدَهُ لِاعْتِقادِ نُصْحِهِ أوْ لِخَوْفِ عِقابِهِ. وأوَّلُ ذَلِكَ هو المَواعِظُ الدِّينِيَّةُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ عَنْهم أرادُوا مَدْحًا لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أصَرُّوا عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِها فَيَكُونَ أرادُوا أنَّها خُلُقُ أسْلافِهِمْ وأُسْوَتِهِمْ فَلا يَقْبَلُوا فِيهِ عَذْلًا ولا مَلامًا كَما قالَ تَعالى عَنْ أمْثالِهِمْ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] . فالإشارَةُ تَنْصَرِفُ إلى ما هم عَلَيْهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ رَسُولُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا ما يَدْعُو إلَيْهِ رَسُولُهم: أيْ ما هو إلّا مِن خُلُقِ أُناسٍ قَبْلَهُ، أيْ: مِن عَقائِدِهِمْ وما راضَوْا عَلَيْهِ أنْفُسَهم وأنَّهُ عَبَرَ عَلَيْها وانْتَحَلَها، أيْ: ما هو بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . والإشارَةُ إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَرِيقِ الثّانِي فالخَلْقُ بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ مَصْدَرٌ هو الإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، والخَلْقُ أيْضًا مَصْدَرُ خَلَقَ، إذا كَذَبَ في خَبَرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى
صفحة ١٧٣
﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . وتَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بِأحادِيثِ الخَلْقِ وهي الخُرافاتُ المُفْتَعَلَةُ، ويُقالُ لَهُ: اخْتِلاقٌ بِصِيغَةٍ الِافْتِعالِ الدّالَّةِ عَلى التَّكَلُّفِ والِاخْتِراعِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وذَلِكَ أنَّ الكاذِبَ يَخْلُقُ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ما تَزْعُمُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ وما تُخْبِرُنا مِنَ البَعْثِ اخْتِلاقٌ، فالإشارَةُ إلى ما جاءَ بِهِ صالِحٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ حَياتَنا كَحَياةِ الأوَّلِينَ نَحْيا ثُمَّ نَمُوتُ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ الَّذِي حَذَّرَهم جَزاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] يَقُولُونَ: كَما ماتَ الأوَّلُونَ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم قَطُّ فَكَذَلِكَ نَحْيا نَحْنُ ثُمَّ نَمُوتُ ولا نُبْعَثُ. وهَذا كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ إلى الخُلُقِ الَّذِي هم عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المُسْتَثْنى. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَعانٍ واحِدٌ مِنها مَدْحٌ، واثْنانِ ذَمٌّ، وواحِدٌ دُعاءٌ.
وجُمْلَةُ (﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾) عَلى المَعانِي الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ عَطْفٌ مُغايِرٌ.
وعَلى المَعْنى الرّابِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَصْرِيحًا بَعْدَ الكِنايَةِ.
والقَصْرُ قَصْرٌ إضافِيٌّ عَلى المَعانِي كُلِّها.
ولا شَكَّ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ نَطَقُوا بِلُغَتِهِمْ جُمَلًا كَثِيرَةً تَنْحَلُّ إلى هَذِهِ المَعانِي فَجَمَعَها القُرْآنُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ بِاحْتِمالِ اسْمِ الإشارَةِ واخْتِلافِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ خُلُقٍ فَلِلَّهِ إيجازُهُ وإعْجازُهُ.
والفاءُ في (فَكَذَّبُوهُ) فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ أنَّهم بِقَوْلِهِمْ: سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ أوَعَظْتَ إلَخْ قَدْ كَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٩٠] إلى آخِرِهِ هو مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ.
الشعراء 26:141
صفحة ١٧٤
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.
الشعراء 26:142
صفحة ١٧٤
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.
الشعراء 26:143
صفحة ١٧٤
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.
الشعراء 26:144
صفحة ١٧٤
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.
الشعراء 26:145
صفحة ١٧٤
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
مَوْقِعُ هَذا الجُمْلَةِ اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] . والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ، وثَمُودَ قَدْ كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا وكَذَّبُوا هُودًا؛ لِأنَّ صالِحًا وعَظَهم بِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا كَذَّبُوا بِنُوحٍ أيْضًا؛ لِأنَّ هُودًا ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِمَصِيرِ قَوْمِ نُوحٍ في آيَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ صالِحٌ مَعْرُوفًا بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ رَسُولٌ إلّا وهو مَعْرُوفٌ بِالفَضائِلِ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] المُقْتَضِي تَغْيِيرَ حالِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] في سُورَةِ هُودٍ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن (أطِيعُونِ) هو مِثْلُ نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا.
الشعراء 26:146
﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ .
كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى
صفحة ١٧٥
ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ.
وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ.
وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.
و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها.
وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ.
والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا.
والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ.
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ.
صفحة ١٧٦
(وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ.
والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ.
وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ:
النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ
يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.
الشعراء 26:147
﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ .
كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى
صفحة ١٧٥
ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ.
وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ.
وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.
و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها.
وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ.
والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا.
والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ.
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ.
صفحة ١٧٦
(وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ.
والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ.
وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ:
النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ
يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.
الشعراء 26:148
﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ .
كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى
صفحة ١٧٥
ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ.
وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ.
وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.
و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها.
وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ.
والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا.
والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ.
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ.
صفحة ١٧٦
(وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ.
والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ.
وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ:
النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ
يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.
الشعراء 26:149
﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ .
كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى
صفحة ١٧٥
ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ.
وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ.
وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.
و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها.
وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ.
والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا.
والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ.
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ.
صفحة ١٧٦
(وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ.
والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ.
وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ:
النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ
يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.