Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الشعراء 26:150 – الشعراء 26:227

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الشعراء 26:150
  2. الشعراء 26:151
  3. الشعراء 26:152
  4. الشعراء 26:153
  5. الشعراء 26:154
  6. الشعراء 26:155
  7. الشعراء 26:156
  8. الشعراء 26:157
  9. الشعراء 26:158
  10. الشعراء 26:159
  11. الشعراء 26:160
  12. الشعراء 26:161
  13. الشعراء 26:162
  14. الشعراء 26:163
  15. الشعراء 26:164
  16. الشعراء 26:165
  17. الشعراء 26:166
  18. الشعراء 26:167
  19. الشعراء 26:168
  20. الشعراء 26:169
  21. الشعراء 26:170
  22. الشعراء 26:171
  23. الشعراء 26:172
  24. الشعراء 26:173
  25. الشعراء 26:174
  26. الشعراء 26:175
  27. الشعراء 26:176
  28. الشعراء 26:177
  29. الشعراء 26:178
  30. الشعراء 26:179
  31. الشعراء 26:180
  32. الشعراء 26:181
  33. الشعراء 26:182
  34. الشعراء 26:183
  35. الشعراء 26:184
  36. الشعراء 26:185
  37. الشعراء 26:186
  38. الشعراء 26:187
  39. الشعراء 26:188
  40. الشعراء 26:189
  41. الشعراء 26:190
  42. الشعراء 26:191
  43. الشعراء 26:192
  44. الشعراء 26:193
  45. الشعراء 26:194
  46. الشعراء 26:195
  47. الشعراء 26:196
  48. الشعراء 26:197
  49. الشعراء 26:198
  50. الشعراء 26:199
  51. الشعراء 26:200
  52. الشعراء 26:201
  53. الشعراء 26:202
  54. الشعراء 26:203
  55. الشعراء 26:204
  56. الشعراء 26:205
  57. الشعراء 26:206
  58. الشعراء 26:207
  59. الشعراء 26:208
  60. الشعراء 26:209
  61. الشعراء 26:210
  62. الشعراء 26:211
  63. الشعراء 26:212
  64. الشعراء 26:213
  65. الشعراء 26:214
  66. الشعراء 26:215
  67. الشعراء 26:216
  68. الشعراء 26:217
  69. الشعراء 26:218
  70. الشعراء 26:219
  71. الشعراء 26:220
  72. الشعراء 26:221
  73. الشعراء 26:222
  74. الشعراء 26:223
  75. الشعراء 26:224
  76. الشعراء 26:225
  77. الشعراء 26:226
  78. الشعراء 26:227

الشعراء 26:150

﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ . كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى صفحة ١٧٥ ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ. وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها. وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ. والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا. والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ. وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ. صفحة ١٧٦ (وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ. والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ. وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ: النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ: تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.

الشعراء 26:151

﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ . كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى صفحة ١٧٥ ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ. وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها. وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ. والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا. والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ. وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ. صفحة ١٧٦ (وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ. والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ. وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ: النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ: تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.

الشعراء 26:152

﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ . كانُوا قَدْ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْكَرُوا البَعْثَ وغَرَّهم أيِمَّةُ كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَجاءَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا يُذَكِّرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَ لَهم مِن خَيْراتٍ، وما سَخَّرَ لَهم مِن أعْمالٍ عَظِيمَةٍ، ونُزِّلَ حالُهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ ودَوامَ النِّعْمَةِ فَخاطَبَهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ وهو في المَعْنى إنْكارٌ عَلى صفحة ١٧٥ ظَنِّهِمْ ذَلِكَ. وسَلَّطَ الإنْكارَ عَلى فِعْلِ التَّرْكِ؛ لِأنَّ تَرْكَهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ لا يَكُونُ. فَكانَ إنْكارُ حُصُولِهِ مُسْتَلْزِمًا إنْكارَ اعْتِقادِهِ. وهَذا الكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (ألا تَتَّقُونَ)؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ دَوامَ حالِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم مُفارِقُونَ هَذِهِ الحَياةَ وصائِرُونَ إلى اللَّهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ لِاسْتِبْقاءِ تِلْكَ النِّعَمِ بِأنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْها كَما قالَ صاحِبُ الحِكَمِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. و(هاهُنا) إشارَةٌ إلى بِلادِهِمْ، أيْ: في جَمِيعِ ما تُشاهِدُونَهُ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. و(آمِنِينَ) حالٌ مَبْنِيَّةٌ لِبَعْضِ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (فِيما هاهُنا) . وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ لا يَدُلُّ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّها لا يُشارُ إلَيْها وهي نِعْمَةُ الأمْنِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ ولا يُتَذَوَّقُ طَعْمُ النِّعَمِ الأُخْرى إلّا بِها. وقَوْلُهُ: في جَنّاتٍ يَنْبَغِي أنْ يُعَلَّقَ بِ (آمِنِينَ) لِيَكُونَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ اسْمِ الإشارَةِ، أيِ: اجْتَمَعَ لَهُمُ الأمْنُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. والجَنّاتُ: الحَوائِطُ الَّتِي تُشَجَّرُ بِالنَّخِيلِ والأعْنابِ. والطَّلْعُ: وِعاءٌ يَطْلُعُ مِنَ النَّخْلِ فِيهِ ثَمَرُ النَّخْلَةِ في أوَّلِ أطْوارِهِ يَخْرُجُ كَنَصْلِ السَّيْفِ في باطِنِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، ويُسَمّى هَذا الطَّلْعُ الكِمُّ بِكَسْرِ الكافِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ بِأيّامٍ يَنْفَلِقُ ذَلِكَ الوِعاءُ عَنِ الشَّمارِيخِ وهي الأغْصانُ الَّتِي فِيها الثَّمَرُ كَحَبٍّ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَغْلُظُ ويَصِيرُ بُسْرًا ثُمَّ تَمْرًا. والهَضِيمُ بِمَعْنى المَهْضُومِ، وأصْلُ الهَضْمِ شَدْخُ الشَّيْءِ حَتّى يَلِينَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلدَّقِيقِ الضّامِرِ، كَما يُقالُ: امْرَأةٌ هَضِيمُ الكَشْحِ. وتِلْكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ تَمْرًا جَيِّدًا. والنَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ تَمْرًا جَيِّدًا يُقالُ لَهُ: النَّخْلُ الإناثُ وضِدَّهُ فَحاحِيلُ، وهي جُمَعُ فُحّالٍ بِضَمِّ الفاءِ وتَشْدِيدِ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ: ذَكَرٌ، وطَلْعُهُ غَلِيظٌ وتَمْرُهُ كَذَلِكَ. وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَشْمَلُهُ الجَنّاتُ لِقَصْدِ بَيانِ جَوْدَتِهِ بِأنَّ طَلْعَهُ هَضِيمٌ. صفحة ١٧٦ (وتَنْحِتُونَ) عَطْفٌ عَلى (آمِنِينَ)، أيْ: وناحِتِينَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ في نَحْتِهِمْ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. و(فَرِهِينَ) صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَراهَةِ وهي الحَذَقُ والكَياسَةُ، أيْ: عارِفِينَ حَذِقِينَ بِنَحْتِ البُيُوتِ مِنَ الجِبالِ بِحَيْثُ تَصِيرُ بِالنَّحْتِ كَأنَّها مَبْنِيَّةٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (فارِهِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] مُفَرَّعٌ مِثْلُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ. والمُرادُ بِ (المُسْرِفِينَ) أيِمَّةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ يُغْرُونَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويُبْقُونَهم في الضَّلالَةِ اسْتِغْلالًا لِجَهْلِهِمْ ولِيُسَخِّرُوهم لِفائِدَتِهِمْ. والإسْرافُ: الإفْراطُ في شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْرافُ المَذْمُومُ كُلُّهُ في المالِ وفي الكُفْرِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾)، فالإسْرافُ مَنُوطٌ بِالفَسادِ. وعَطْفُ (﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾) تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهْنَيِّ: النَّسَبُ المَعْرُوفُ غَيْرُ المُنْكَرِ يُفِيدُ أنَّ فَسادَهم لا يَشُوبُهُ صَلاحٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ إنَّما هم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَعُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِئَلّا يُحْتَمَلَ أنَّهُ قَصْرُ مُبالِغَةٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الإصْلاحِ عَنْهم يُؤَكِّدُ إثْباتَ الإفْسادِ لَهم، فَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ في الذِّهْنِ، ويَتَأكَّدُ مَعْنى إفْسادِهِمْ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ: تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ والتَّعْرِيفُ في (الأرْضِ) تَعْرِيفُ العَهْدِ.

الشعراء 26:153

صفحة ١٧٧ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . أجابُوا مَوْعِظَتَهُ بِالبُهْتانِ فَزَعَمُوهُ فَقَدَ رُشْدَهُ وتَغَيَّرَ حالُهُ، واخْتَلَقُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ سِحْرٍ شَدِيدٍ. فالمُسَحَّرُ: اسْمُ مَفْعُولٍ سَحَّرَهُ إذا سَحَرَهُ سِحْرًا مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و(مِنَ المُسَحَّرِينَ) أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالتَّسْحِيرِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّما أنْتَ مُسَحَّرٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . ولَمّا تَضَمَّنُ قَوْلُهم: (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) تَكْذِيبَهم إيّاهُ أيَّدُوا تَكْذِيبَهُ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم. وذَلِكَ في زَعْمِهِمْ يُنافِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ في زَعْمِهِمْ لا يَكُونُ إلّا مَخْلُوقًا خارِقًا لِلْعادَةِ كَأنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا. فَجُمْلَةُ (﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) في حُكْمِ التَّأْكِيدِ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) بِاعْتِبارِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ. وفَرَّعُوا عَلى تَكْذِيبِهِ المُطالَبَةَ بِأنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ عَلى صِدْقِهِ، أيْ: أنْ يَأْتِيَ بِخارِقِ عادَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ صَدَّقَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ عَنْهُ. وفَرَضُوا صِدْقَهُ بِحَرْفِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ الغالِبِ اسْتِعْمالُها في الشَّكِّ. ومَعْنى (مِنَ الصّادِقِينَ) مِنَ الفِئَةِ المَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ الصّادِقِينَ لِدَلالَتِهِ عَلى تَمَكُّنِ الصِّدْقِ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) .

الشعراء 26:154

صفحة ١٧٧ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . أجابُوا مَوْعِظَتَهُ بِالبُهْتانِ فَزَعَمُوهُ فَقَدَ رُشْدَهُ وتَغَيَّرَ حالُهُ، واخْتَلَقُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ سِحْرٍ شَدِيدٍ. فالمُسَحَّرُ: اسْمُ مَفْعُولٍ سَحَّرَهُ إذا سَحَرَهُ سِحْرًا مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و(مِنَ المُسَحَّرِينَ) أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالتَّسْحِيرِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّما أنْتَ مُسَحَّرٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . ولَمّا تَضَمَّنُ قَوْلُهم: (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) تَكْذِيبَهم إيّاهُ أيَّدُوا تَكْذِيبَهُ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم. وذَلِكَ في زَعْمِهِمْ يُنافِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ في زَعْمِهِمْ لا يَكُونُ إلّا مَخْلُوقًا خارِقًا لِلْعادَةِ كَأنْ يَكُونَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا. فَجُمْلَةُ (﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) في حُكْمِ التَّأْكِيدِ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾) بِاعْتِبارِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ. وفَرَّعُوا عَلى تَكْذِيبِهِ المُطالَبَةَ بِأنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ عَلى صِدْقِهِ، أيْ: أنْ يَأْتِيَ بِخارِقِ عادَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ صَدَّقَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ عَنْهُ. وفَرَضُوا صِدْقَهُ بِحَرْفِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ الغالِبِ اسْتِعْمالُها في الشَّكِّ. ومَعْنى (مِنَ الصّادِقِينَ) مِنَ الفِئَةِ المَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ الصّادِقِينَ لِدَلالَتِهِ عَلى تَمَكُّنِ الصِّدْقِ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) .

الشعراء 26:155

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ. صفحة ١٧٨ وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

الشعراء 26:156

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ. صفحة ١٧٨ وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

الشعراء 26:157

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ. صفحة ١٧٨ وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

الشعراء 26:158

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ. صفحة ١٧٨ وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

الشعراء 26:159

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ إلى ناقَةٍ جَعَلَها لَهم آيَةً. وتَقَدَّمَ خَبَرُ هَذِهِ النّاقَةِ في سُورَةِ هُودٍ وذَكَرَ أنَّ صالِحًا جَعَلَ لَها شِرْبًا، وهو بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ: النَّوْبَةُ في الماءِ لِلنّاقَةِ يَوْمًا تَشْرَبُ فِيهِ لا يُزاحِمُونَها فِيهِ بِأنْعامِهِمْ. والكَلامُ عَلى (عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نَظِيرُ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في قِصَّةِ عادٍ ورَسُولِهِمْ. صفحة ١٧٨ وأصْبَحُوا نادِمِينَ لَمّا رَأوْا أشْراطَ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ صالِحٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّدَمُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ سَرِيعًا فَلِذَلِكَ عَطَفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ عَلى (نادِمِينَ فَأخَذَهُمُ العَذابُ) . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) الآيَةَ.

الشعراء 26:160

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها. وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ: أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ: أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

الشعراء 26:161

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها. وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ: أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ: أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

الشعراء 26:162

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها. وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ: أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ: أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

الشعراء 26:163

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها. وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ: أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ: أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

الشعراء 26:164

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . القَوْلُ في مَوْقِعِها كالقَوْلِ في سابِقَتِها، والقَوْلُ في تَفْسِيرِها كالقَوْلِ في نَظِيرَتِها. وجَعَلَ لُوطًا أخًا لِقَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن نَسَبِهِمْ، وإنَّما كانَ نَزِيلًا فِيهِمْ إذْ كانَ قَوْمُ لُوطٍ مَن أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ لُوطٌ عِبْرانِيًّا وهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ لَمّا اسْتَوْطَنَ بِلادَهم وعاشَرَ فِيهِمْ وحالَفَهم وظاهَرَهم جُعِلَ أخًا لَهم كَقَوْلِ سُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ: أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرًا يَعْنِي نَفْسَهُ يُخاطِبُ مَوالِيَهُ بَنِي الحَسْحاسِ. وقالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣] . وهَذا مِن إطْلاقِ الأُخُوَّةِ عَلى مُلازَمَةِ الشَّيْءِ ومُمارَسَتِهِ كَما قالَ: أخُو الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ إذا عَدِمُوا زادًا فَإنَّكَ عَـاقِـرُ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

الشعراء 26:165

﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ . هُوَ في الِاسْتِئْنافِ كَقَوْلِهِ: (أتُتْرَكُونَ) في قِصَّةِ ثَمُودَ. والإتْيانُ: كِنايَةٌ. والذُّكْرانَ: جَمْعُ ذَكَرٍ وهو ضِدُّ الأُنْثى. وقَوْلُهُ: (مِنَ العالَمِينَ) الأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ في صفحة ١٧٩ مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في (أتَأْتُونَ) . و(مِن) فَصْلِيَّةٌ، أيْ: تُفِيدُ مَعْنى الفَصْلِ بَيْنَ مُتَخالِفَيْنِ بِحَيْثُ لا يُماثِلُ أحَدُهُما الآخَرُ. فالمَعْنى: مَفْصُولَيْنِ مِنَ العالَمِينَ لا يُماثِلُكم في ذَلِكَ صِنْفٌ مِنَ العالَمِينَ. وهَذا المَعْنى جَوَّزَهُ في الكَشّافِ ثانِيًا وهو أوْفَقُ بِمَعْنى (العالَمِينَ) الَّذِي المُخْتارُ فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ (عالَمٍ) بِمَعْنى النَّوْعِ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وإثْباتُ مَعْنى الفَصْلِ لِحَرْفِ (مِن) قالَهُ ابْنُ مالِكٍ، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] . ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ وهو مَعْنًى رَشِيقٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَعْنى الِابْتِداءِ ومَعْنى البَدَلِيَّةِ ولَيْسَ أحَدُهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مُخالِفِينَ جَمِيعَ العالَمِينَ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي فِيها ذُكُورٌ وإناثٌ فَإنَّها لا يُوجَدُ فِيها ما يَأْتِي الذُّكُورَ. فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ الفَظِيعَ مُخالِفٌ لِلْفِطْرَةِ لا يَقَعُ مِنَ الحَيَوانِ العَجَمِ، فَهو عَمَلٌ ابْتَدَعُوهُ ما فَعَلَهُ غَيْرُهم، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] . والمُرادُ بِالأزْواجِ: الإناثُ مِن نَوْعٍ، وإطْلاقُ اسْمِ الأزْواجِ عَلَيْهِنَّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، فَفي هَذا المَجازِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرْجُو ارْعِواءَهم. وفِي قَوْلِهِ: (﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾) إيماءٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالصَّلاحِيَةِ الفِطْرِيَّةِ لِعَمَلٍ عَلى بُطْلانِ عَمَلٍ يُضادُّهُ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ. فَهو مِن تَغْيِيرِ الشَّيْطانِ وإفْسادِهِ لِسُنَّةِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . و(بَلْ) لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ المَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ إلى مَقامِ الذَّمِّ تَغْلِيظًا لِلْإنْكارِ بَعْدَ لِينِهِ؛ لِأنَّ شَرَفَ الرِّسالَةِ يَقْتَضِي الإعْلانَ بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأخْذِ بِأصْرَحِ مَراتِبِ الإعْلانِ فَإنَّهُ إنِ اسْتَطاعَ بِلِسانِهِ غَلِيظَ الإنْكارِ لا يَنْزِلُ مِنهُ إلى لِينِهِ وأنَّهُ يَبْتَدِئُ بِاللِّينِ فَإنْ لَمْ يَنْفَعِ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أشَدُّ ولِذَلِكَ انْتَقَلَ لُوطٌ مِن قَوْلِهِ: صفحة ١٨٠ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ . وفِي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: (﴿أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: بَلْ كُنْتُمْ عادِينَ، مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ نِسْبَةِ العُدْوانِ إلَيْهِمْ. وفي جَعْلِ الخَبَرِ (قَوْمٌ عادُونَ) دُونَ اقْتِصارٍ عَلى (عادُونَ) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العُدْوانَ سَجِيَّةٌ فِيهِمْ حَتّى كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي: هو الَّذِي تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقالُ: عَدا عَلَيْهِ، أيْ: ظَلَمَهُ، وعُدْوانُهم خُرُوجُهم عَنِ الحَدِّ المَوْضُوعِ بِوَضْعِ الفِطْرَةِ إلى ما هو مُنافٍ لَها مَحْفُوفٌ بِمَفاسِدِ التَّغْيِيرِ لِلطَّبْعِ.

الشعراء 26:166

﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ . هُوَ في الِاسْتِئْنافِ كَقَوْلِهِ: (أتُتْرَكُونَ) في قِصَّةِ ثَمُودَ. والإتْيانُ: كِنايَةٌ. والذُّكْرانَ: جَمْعُ ذَكَرٍ وهو ضِدُّ الأُنْثى. وقَوْلُهُ: (مِنَ العالَمِينَ) الأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ في صفحة ١٧٩ مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في (أتَأْتُونَ) . و(مِن) فَصْلِيَّةٌ، أيْ: تُفِيدُ مَعْنى الفَصْلِ بَيْنَ مُتَخالِفَيْنِ بِحَيْثُ لا يُماثِلُ أحَدُهُما الآخَرُ. فالمَعْنى: مَفْصُولَيْنِ مِنَ العالَمِينَ لا يُماثِلُكم في ذَلِكَ صِنْفٌ مِنَ العالَمِينَ. وهَذا المَعْنى جَوَّزَهُ في الكَشّافِ ثانِيًا وهو أوْفَقُ بِمَعْنى (العالَمِينَ) الَّذِي المُخْتارُ فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ (عالَمٍ) بِمَعْنى النَّوْعِ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وإثْباتُ مَعْنى الفَصْلِ لِحَرْفِ (مِن) قالَهُ ابْنُ مالِكٍ، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] . ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ وهو مَعْنًى رَشِيقٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَعْنى الِابْتِداءِ ومَعْنى البَدَلِيَّةِ ولَيْسَ أحَدُهُما. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مُخالِفِينَ جَمِيعَ العالَمِينَ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي فِيها ذُكُورٌ وإناثٌ فَإنَّها لا يُوجَدُ فِيها ما يَأْتِي الذُّكُورَ. فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ الفَظِيعَ مُخالِفٌ لِلْفِطْرَةِ لا يَقَعُ مِنَ الحَيَوانِ العَجَمِ، فَهو عَمَلٌ ابْتَدَعُوهُ ما فَعَلَهُ غَيْرُهم، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] . والمُرادُ بِالأزْواجِ: الإناثُ مِن نَوْعٍ، وإطْلاقُ اسْمِ الأزْواجِ عَلَيْهِنَّ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، فَفي هَذا المَجازِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرْجُو ارْعِواءَهم. وفِي قَوْلِهِ: (﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾) إيماءٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالصَّلاحِيَةِ الفِطْرِيَّةِ لِعَمَلٍ عَلى بُطْلانِ عَمَلٍ يُضادُّهُ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ. فَهو مِن تَغْيِيرِ الشَّيْطانِ وإفْسادِهِ لِسُنَّةِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . و(بَلْ) لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ المَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ إلى مَقامِ الذَّمِّ تَغْلِيظًا لِلْإنْكارِ بَعْدَ لِينِهِ؛ لِأنَّ شَرَفَ الرِّسالَةِ يَقْتَضِي الإعْلانَ بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأخْذِ بِأصْرَحِ مَراتِبِ الإعْلانِ فَإنَّهُ إنِ اسْتَطاعَ بِلِسانِهِ غَلِيظَ الإنْكارِ لا يَنْزِلُ مِنهُ إلى لِينِهِ وأنَّهُ يَبْتَدِئُ بِاللِّينِ فَإنْ لَمْ يَنْفَعِ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أشَدُّ ولِذَلِكَ انْتَقَلَ لُوطٌ مِن قَوْلِهِ: صفحة ١٨٠ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ . وفِي الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: (﴿أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: بَلْ كُنْتُمْ عادِينَ، مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ نِسْبَةِ العُدْوانِ إلَيْهِمْ. وفي جَعْلِ الخَبَرِ (قَوْمٌ عادُونَ) دُونَ اقْتِصارٍ عَلى (عادُونَ) تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العُدْوانَ سَجِيَّةٌ فِيهِمْ حَتّى كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي: هو الَّذِي تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقالُ: عَدا عَلَيْهِ، أيْ: ظَلَمَهُ، وعُدْوانُهم خُرُوجُهم عَنِ الحَدِّ المَوْضُوعِ بِوَضْعِ الفِطْرَةِ إلى ما هو مُنافٍ لَها مَحْفُوفٌ بِمَفاسِدِ التَّغْيِيرِ لِلطَّبْعِ.

الشعراء 26:167

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:168

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:169

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:170

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:171

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:172

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:173

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . قَوْلُهم كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا: (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾) فَهَدَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن مَدِينَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ المَدِينَةِ بَلْ كانَ مُهاجِرًا بَيْنَهم ولَهُ صِهْرٌ فِيهِمْ. وصِيغَةُ (مِنَ المُخْرِجِينَ) أبْلَغُ مِن: لَنُخْرِجِنَّكَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] . وكانَ جَوابُ لُوطٍ عَلى وعِيدِهِمْ جَوابُ مُسْتَخِفٍّ بِوَعِيدِهِمْ إذْ أعادَ الإنْكارَ ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ. وقَوْلُهُ: (مِنَ القالِينَ) أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يَقُولَ: إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ أكْمَلُ في الجِناسِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ جِناسًا تامًّا فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ (قالٍ) وبَيْنَ (القالِينَ) جِناسٌ مُذَيَّلٌ ويُسَمّى مُطَرَّفًا. صفحة ١٨١ وأقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ أنْ يُنْجِيَهُ وأهْلَهُ مِمّا يَعْمَلُ قَوْمُهُ، أيْ: مِن عَذابِ ما يَعْمَلُونَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَجَّيْناهُ) . ولا يَحْسُنُ جَعْلُ المَعْنى: نَجِّنِي مِن أنْ أعْمَلَ عَمَلَهم؛ لِأنَّهُ يَفُوتُ مَعَهُ التَّعْرِيضُ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في الأعْرافِ وفي هُودٍ والحَجَرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَنَجَّيْناهُ) لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَتْ نَجاتُهُ عَقِبَ دُعائِهِ حَسْبَما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِن أسْرَعِ مُدَّةٍ بَيْنَ الدُّعاءِ وأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ بِأهْلِهِ إلى قَرْيَةِ صُوغَرَ. والعَجُوزُ: المَرْأةُ المُسِنَّةُ وهي زَوْجُ لُوطٍ، وقَوْلُهُ: (في الغابِرِينَ) صِفَةُ (عَجُوزًا) . والغابِرُ: المُتَّصِفُ بِالغُبُورِ وهو البَقاءُ بَعْدَ ذَهابِ الأصْحابِ أوْ أهْلِ الخَيْلِ، أيْ: باقِيَةٌ في العَذابِ بَعْدَ نَجاةِ زَوْجِها وأهْلِهِ وهي مُسْتَثْناةٌ مِن (﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾) . وذَلِكَ أنَّها لَحِقَها العَذابُ مِن دُونِ أهْلِها فَكانَ صِفَةً لَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِمْ في سُورَةِ هُودٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ أجْدَرُ بِأنْ يُذْكَرَ في مَقامِ المَوْعِظَةِ مِن ذِكْرِ إنْجاءِ لُوطٍ والمُؤْمِنِينَ. والتَّدْمِيرُ: الإصابَةُ بِالدَّمارِ وهو الهَلاكُ وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالخَسْفِ وإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ. والمَطَرُ: الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّحابِ عَلى الأرْضِ. والإمْطارُ: إنْزالُ المَطَرِ، يُقالُ: أمْطَرَتِ السَّماءُ. وسُمِّيَ ما أصابَهم مِنَ الحِجارَةِ مَطَرًا؛ لِأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ. وقِيلَ: هو مِن مَقْذُوفاتِ بَراكِينٍ في بِلادِهِمْ أثارَتْها زَلازِلُ الخَسْفِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. و(ساءَ) فِعْلُ ذَمٍّ بِمَعْنى بِئْسَ. وفي قَوْلِهِ: (المُنْذَرِينَ) تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُنْذِرُوا فَلَمْ يَنْتَذِرُوا.

الشعراء 26:174

صفحة ١٨٢ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أيْ في قِصَّتِهِمُ المَعْلُومَةِ لِلْمُشْرِكِينَ آيَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

الشعراء 26:175

صفحة ١٨٢ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أيْ في قِصَّتِهِمُ المَعْلُومَةِ لِلْمُشْرِكِينَ آيَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

الشعراء 26:176

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ. ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ صفحة ١٨٣ بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ. صفحة ١٨٤ والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ. وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

الشعراء 26:177

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ. ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ صفحة ١٨٣ بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ. صفحة ١٨٤ والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ. وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

الشعراء 26:178

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ. ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ صفحة ١٨٣ بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ. صفحة ١٨٤ والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ. وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

الشعراء 26:179

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ. ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ صفحة ١٨٣ بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ. صفحة ١٨٤ والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ. وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

الشعراء 26:180

﴿كَذَّبَ أصْحابُ لَيْكَةَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اسْتِئْنافُ تَعْدادٍ وتَكْرارٍ كَما تَقَدَّمَ في جُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]) . ولَمْ يَقْرِنْ فِعْلَ (كَذَّبَ) هَذا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ (أصْحابَ) جَمْعُ صاحِبٍ وهو مُذَكَّرٌ مَعْنًى ولَفْظًا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] فَإنَّ (قَوْمَ) في مَعْنى الجَماعَةِ والأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]) . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (لَيْكَةَ) بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (الأيْكَةِ) بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وبِجَرِّ آخِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفُ عَهْدٍ لِأيْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ. والأيْكَةُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ وهي الغَيْضَةُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجْرِ وق (الأيْكَةِ) وفي الشُّعَراءِ وص (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلُّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. وأصْحابُ لَيْكَةَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ أوْ قَبِيلَةٌ مِنهم. قالُوا: وكانَتْ غِيضَتُهم مِن شَجَرِ المُقْلِ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ القافِ وهو النَّبْقُ ويُقالُ لَهُ الدَّوْمُ بِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ. ولِإفْرادِها بِتاءِ الوَحْدَةِ عَلى إرادَةِ البُقْعَةِ واسْمُ الجَمْعِ: أيْكٌ، واشْتَهَرَتْ بِالأيْكَةِ فَصارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ مِثْلُ العَقَبَةِ. ثُمَّ وقَعَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِيَكُونَ عَلَمًا شَخْصِيًّا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ التَّعْرِيفِ وتُنُوسِيَ مَعْنى التَّعْرِيفِ صفحة ١٨٣ بِاللّامِ. وعَنِ الزَّجّاجِ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها شُعَيْبٌ كانَ لَيْكَةَ. وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ لَيْكَةَ اسْمُ القَرْيَةِ والأيْكَةُ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ. وهَذا مِنَ التَّغْيِيرِ لِأجْلِ التَّسْمِيَةِ، كَما سَمَّوْا شُمْسًا بِضَمِّ الشِّينِ لِيَكُونَ عَلَمًا، وأصْلُهُ الشَّمْسُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. والتَّغْيِيرُ لِأجْلِ النَّقْلِ إلى العِلْمِيَّةِ وارِدٌ بِكَثْرَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِـهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ وذَكَرَهُ في الكَشّافِ في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَلَمّا صارَ اسْمُ لَيْكَةَ عَلَمًا عَلى البِلادِ جازَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِذَلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ كَما تَوَهَّمَهُ النَّحّاسُ ولا لِأنَّ القِراءَةَ اغْتِرارٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ كَما تَعَسَّفَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عَلى عادَتِهِ في الِاسْتِخْفافِ بِتَوْهِيمِ القُرّاءِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الِاعْتِمادَ في القِراءاتِ عَلى الرِّوايَةِ قَبْلَ نَسْخِ المَصاحِفِ كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ فَلا تَتَّبِعُوا الأوْهامَ المُخْطِئَةَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ أصْحابَ لَيْكَةَ هم مَدْيَنُ أوْ هم قَوْمٌ آخَرُونَ ساكِنُونَ في لَيْكَةَ جِوارِ مَدْيَنَ أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلَيْهِمْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ. وإلى هَذا مالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ وهْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ إلى قَوْمِهِ مِن أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ. وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ أهْلِ مَدْيَنَ وإلى أهْلِ البادِيَةِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما شُعَيْبًا النَّبِيءَ»، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا غَرِيبٌ، وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والأشْبَهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ. ورَوى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم أهْلُ مَدْيَنَ. والأظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأيْكَةِ قَبِيلَةٌ غَيْرُ مَدْيَنَ، فَإنَّ مَدْيَنَ هم أهْلُ نَسَبِ شُعَيْبٍ وهم ذَرِّيَّةُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ مِن زَوْجِهِ قَطُورَةَ سَكَنَ مَدْيَنُ في شَرْقِ بَلَدِ الخَلِيلِ كَما في التَّوْراةِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَهُ بَلَدًا مَأْهُولًا بِقَوْمٍ فَهم إذَنْ أصْحابُ الأيْكَةِ فَبَنى مَدْيَنُ وبَنُوهُ المَدِينَةَ وتَرَكُوا البادِيَةَ لِأهْلِها وهم سُكّانُ الغَيْضَةِ. صفحة ١٨٤ والَّذِي يَشْهَدُ لِذَلِكَ ويُرَجِّحُهُ أنَّ القُرْآنَ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأهْلِ مَدْيَنَ وصَفَ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم، ولَمّا ذَكَرَها لِأصْحابِ لَيْكَةَ لَمْ يَصِفْ شُعَيْبًا بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ نَسِيبًا ولا صِهْرًا لِأصْحابِ لَيْكَةَ، وهَذا إيماءٌ دَقِيقٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ. ومِمّا يُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لِظالِمِينَ﴾ [الحجر: ٧٨] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، فَجَعَلَ ضَمِيرَهم مُثَنًّى بِاعْتِبارِ أنَّهم مَجْمُوعُ قَبِيلَتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ لَيْكَةَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنَّما تُرْسَلُ الرُّسُلُ مَن أهْلِ المَدائِنِ قالَ تَعالى (﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]) وتَكُونُ الرِّسالَةُ شامِلَةً لِمَن حَوْلَ القَرْيَةِ. وافْتَتَحَ شُعَيْبٌ دَعَوْتَهُ بِمِثْلِ دَعَواتِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. وشَمَلَ قَوْلُهُ (ألا تَتَّقُونَ) النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ فَقَدْ كانُوا مُشْرِكِينَ كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ.

الشعراء 26:181

﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقُسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ مِن كَلامِهِ انْتَقَلَ بِهِ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ الأصْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) إلى آخِرِهِ إلى الدَّعْوَةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِوَضْعِ قَوانِينِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم، فَقَدْ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ يُطَفِّفُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ أشْياءَ النّاسِ إذا ابْتاعُوها مِنهم، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. فَأمّا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والمِيزانِ فَظُلْمٌ وأكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، ولَمّا كانَ تُجّارُهم قَدْ تَمالَئُوا عَلَيْهِ اضْطُرَّ النّاسُ إلى التَّبايُعِ بِالتَّطْفِيفِ. و(أوْفُوا) أمْرٌ بِالإيفاءِ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ تامًّا، أيِ: اجْعَلُوا الكَيْلَ غَيْرَ ناقِصٍ. والمُخْسِرُ: فاعِلُ الخَسارَةِ لِغَيْرِهِ، أيِ: المُنْقِصُ، فَمَعْنى (﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾) لا تَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ. وصَوْغُ (مِنَ المُخْسِرِينَ) أبْلَغُ مِن: لا تَكُونُوا مُخْسِرِينَ. لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أهْلِ هَذا الصَّنِيعِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في عِدَّةِ آياتٍ مِنها قَوْلُهُ (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) في قِصَّةِ نُوحٍ. صفحة ١٨٥ والقِسْطاسُ: بِضَمِّ القافِ وبِكَسْرِها مِن أسْماءِ العَدْلِ، ومِن أسْماءِ المِيزانِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، حُمِلَ عَلى المَعْنَيَيْنِ هُنا كَما هُنالِكَ وإنْ كانَ الوَصْفُ بِ (المُسْتَقِيمِ) يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ بِهِ المِيزانُ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ هَذا التَّشْرِيعُ في قِصَّتِهِ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِالقُسْطاسِ) بِضَمِّ القافِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِكَسْرِ القافِ. وبَخْسُ أشْياءِ النّاسِ: غَبْنُ مَنافِعِها وذَمُّها بِغَيْرِ ما فِيها لِيَضْطَرُّوهم إلى بَيْعِها بِغَبْنٍ، وأمّا الفَسادُ فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِ المُعامَلاتِ الضّارَّةِ. والبَخْسُ: النَّقْصُ والذَّمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ. ومِن بَخْسِ الأشْياءِ أنْ يَقُولُوا لِلَّذِي يَعْرِضُ سِلْعَةً سَلِيمَةً لِلْبَيْعِ: إنَّ سِلْعَتَكَ رَدِيئَةٌ لِيَصْرِفَ عَنْها الرّاغِبِينَ فَيَشْتَرِيَها بِرُخْصٍ.

الشعراء 26:182

﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقُسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ مِن كَلامِهِ انْتَقَلَ بِهِ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ الأصْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) إلى آخِرِهِ إلى الدَّعْوَةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِوَضْعِ قَوانِينِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم، فَقَدْ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ يُطَفِّفُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ أشْياءَ النّاسِ إذا ابْتاعُوها مِنهم، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. فَأمّا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والمِيزانِ فَظُلْمٌ وأكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، ولَمّا كانَ تُجّارُهم قَدْ تَمالَئُوا عَلَيْهِ اضْطُرَّ النّاسُ إلى التَّبايُعِ بِالتَّطْفِيفِ. و(أوْفُوا) أمْرٌ بِالإيفاءِ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ تامًّا، أيِ: اجْعَلُوا الكَيْلَ غَيْرَ ناقِصٍ. والمُخْسِرُ: فاعِلُ الخَسارَةِ لِغَيْرِهِ، أيِ: المُنْقِصُ، فَمَعْنى (﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾) لا تَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ. وصَوْغُ (مِنَ المُخْسِرِينَ) أبْلَغُ مِن: لا تَكُونُوا مُخْسِرِينَ. لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أهْلِ هَذا الصَّنِيعِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في عِدَّةِ آياتٍ مِنها قَوْلُهُ (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) في قِصَّةِ نُوحٍ. صفحة ١٨٥ والقِسْطاسُ: بِضَمِّ القافِ وبِكَسْرِها مِن أسْماءِ العَدْلِ، ومِن أسْماءِ المِيزانِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، حُمِلَ عَلى المَعْنَيَيْنِ هُنا كَما هُنالِكَ وإنْ كانَ الوَصْفُ بِ (المُسْتَقِيمِ) يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ بِهِ المِيزانُ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ هَذا التَّشْرِيعُ في قِصَّتِهِ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِالقُسْطاسِ) بِضَمِّ القافِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِكَسْرِ القافِ. وبَخْسُ أشْياءِ النّاسِ: غَبْنُ مَنافِعِها وذَمُّها بِغَيْرِ ما فِيها لِيَضْطَرُّوهم إلى بَيْعِها بِغَبْنٍ، وأمّا الفَسادُ فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِ المُعامَلاتِ الضّارَّةِ. والبَخْسُ: النَّقْصُ والذَّمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ. ومِن بَخْسِ الأشْياءِ أنْ يَقُولُوا لِلَّذِي يَعْرِضُ سِلْعَةً سَلِيمَةً لِلْبَيْعِ: إنَّ سِلْعَتَكَ رَدِيئَةٌ لِيَصْرِفَ عَنْها الرّاغِبِينَ فَيَشْتَرِيَها بِرُخْصٍ.

الشعراء 26:183

﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقُسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ مِن كَلامِهِ انْتَقَلَ بِهِ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ الأصْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ (ألا تَتَّقُونَ) إلى آخِرِهِ إلى الدَّعْوَةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِوَضْعِ قَوانِينِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم، فَقَدْ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ يُطَفِّفُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ أشْياءَ النّاسِ إذا ابْتاعُوها مِنهم، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. فَأمّا تَطْفِيفُ الكَيْلِ والمِيزانِ فَظُلْمٌ وأكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، ولَمّا كانَ تُجّارُهم قَدْ تَمالَئُوا عَلَيْهِ اضْطُرَّ النّاسُ إلى التَّبايُعِ بِالتَّطْفِيفِ. و(أوْفُوا) أمْرٌ بِالإيفاءِ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ تامًّا، أيِ: اجْعَلُوا الكَيْلَ غَيْرَ ناقِصٍ. والمُخْسِرُ: فاعِلُ الخَسارَةِ لِغَيْرِهِ، أيِ: المُنْقِصُ، فَمَعْنى (﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾) لا تَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ. وصَوْغُ (مِنَ المُخْسِرِينَ) أبْلَغُ مِن: لا تَكُونُوا مُخْسِرِينَ. لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أهْلِ هَذا الصَّنِيعِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في عِدَّةِ آياتٍ مِنها قَوْلُهُ (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]) في قِصَّةِ نُوحٍ. صفحة ١٨٥ والقِسْطاسُ: بِضَمِّ القافِ وبِكَسْرِها مِن أسْماءِ العَدْلِ، ومِن أسْماءِ المِيزانِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، حُمِلَ عَلى المَعْنَيَيْنِ هُنا كَما هُنالِكَ وإنْ كانَ الوَصْفُ بِ (المُسْتَقِيمِ) يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ بِهِ المِيزانُ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ هَذا التَّشْرِيعُ في قِصَّتِهِ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِالقُسْطاسِ) بِضَمِّ القافِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِكَسْرِ القافِ. وبَخْسُ أشْياءِ النّاسِ: غَبْنُ مَنافِعِها وذَمُّها بِغَيْرِ ما فِيها لِيَضْطَرُّوهم إلى بَيْعِها بِغَبْنٍ، وأمّا الفَسادُ فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِ المُعامَلاتِ الضّارَّةِ. والبَخْسُ: النَّقْصُ والذَّمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ. ومِن بَخْسِ الأشْياءِ أنْ يَقُولُوا لِلَّذِي يَعْرِضُ سِلْعَةً سَلِيمَةً لِلْبَيْعِ: إنَّ سِلْعَتَكَ رَدِيئَةٌ لِيَصْرِفَ عَنْها الرّاغِبِينَ فَيَشْتَرِيَها بِرُخْصٍ.

الشعراء 26:184

﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ . أكَّدَ قَوْلَهُ في صَدْرِ خِطابِهِ (فاتَّقُوا اللَّهَ) بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وزادَ فِيهِ دَلِيلَ اسْتِحْقاقِهِ التَّقْوى بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم وخَلَقَ الأُمَمَ مِن قَبْلِهِمْ، وبِاعْتِبارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ أدْخَلَ حَرْفَ العَطْفِ عَلى فِعْلِ (اتَّقُوا) ولَوْ كانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَمْ يَصِحَّ عَطْفُهُ. وفي قَوْلِهِ (الَّذِي خَلَقَكم) إيماءٌ إلى نَبْذِ اتِّقاءِ غَيْرِهِ مِن شُرَكائِهِمْ. والجِبِلَّةُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ: الخِلْقَةُ، وأُرِيدَ بِهِ المَخْلُوقاتُ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ اسْمٌ كالمَصْدَرِ ولِهَذا وُصِفَ بِ (الأوَّلِينَ) . وقِيلَ: أطْلَقَ الجِبِلَّةَ عَلى أهْلِها، أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ. والمَعْنى: الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ الأُمَمَ قَبْلَكم.

الشعراء 26:185

صفحة ١٨٦ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّيَ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . نَفَوْا رِسالَتَهُ عَنِ اللَّهِ كِنايَةً وتَصْرِيحًا فَزَعَمُوهُ مَسْحُورًا، أيْ: مُخْتَلُّ الإدْراكِ والتَّصَوُّراتِ مِن جَرّاءِ سِحْرٍ سُلِّطَ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ رِسالَةً عَنِ اللَّهِ. وفي صِيغَةِ (مِنَ المُسَحَّرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، مِنَ ﴿المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، ﴿مِنَ المُخْرِجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]) . والإتْيانُ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) يَجْعَلُ كَوْنَهُ بَشَرًا إبْطالًا ثانِيًا لِرِسالَتِهِ. وتَرْكُ العَطْفِ في قِصَّةِ ثَمُودَ يَجْعَلُ كَوْنُهُ بَشَرًا حُجَّةً عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ لَيْسَ وحْيًا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مِن تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَسْحُورًا. فَمَآلُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ولَكِنَّ طَرِيقَ إفادَتِهِ مُخْتَلِفٌ وذَلِكَ عَلى حَسَبِ أُسْلُوبِ الحِكايَتَيْنِ. وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى اليَقِينِ في (﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾) وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَرِينَتُهُ هُنا دُخُولُ اللّامِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ (ظَنَّ)؛ لِأنَّ أصْلَها لامُ قَسَمٍ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ الكاذِبِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ، وحَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما أصْلُهُ الخَبَرُ فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: وإنْ أنْتَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، لَكِنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا في المُخَفَّفَةِ فَكَثِيرًا ما يُدْخِلُونَها عَلى الفِعْلِ النّاسِخِ لِشِدَّةِ اخْتِصاصِهِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَيَجْتَمِعُ في الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ ناسِخانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في مَثَلِهِ: ونَظُنُّ أنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَوَقَعَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لِأجْلِ تَصْدِيرِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّ) وأخَواتِها لَها صَدْرُ الكَلامِ ما عَدا (أنِ) المَفْتُوحَةَ. وأحْسَبُ أنَّهم ما يُخَفِّفُونَ (إنَّ) إلّا عِنْدَ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلٍ مِنَ النَّواسِخِ عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، فالَّذِي يَقُولُ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، أرادَ أنْ يَقُولَ: أظُنُّ أنَّكَ لَخائِفٌ، فَقَدَّمَ (إنَّ) وخَفَّفَها وصَيَّرَ خَبَرَها مَفْعُولًا لِفِعْلِ الظَّنِّ، فَصارَ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ حَرْفَ نَفْيٍ ويَجْعَلُونَ اللّامَ بِمَعْنى (إلّا) . صفحة ١٨٧ والأمْرُ في (فَأسْقِطْ) أمْرُ تَعْجِيزٍ. والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ مَن عَدا حَفْصًا: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ في الكَشّافِ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ قِطْعٍ وسِدْرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] . وقَرَأ حَفْصٌ (كِسَفًا) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (كَسْفٍ) كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَوْلُهم: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ كَقَوْلِ ثَمُودَ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] إلّا أنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا الآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أنَّ تَعْيِينَها اقْتِراحٌ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ شُعَيْبًا أنْذَرَهم بِكِسَفٍ يَأْتِي فِيهِ عَذابٌ. وذَلِكَ هو يَوْمُ الظُّلَّةِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ جَوابُ شُعَيْبٍ بِإسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ فَهو العالِمُ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ ومِقْدارِهِ. و(أعْلَمُ) هُنا مُبالَغَةٌ في العالِمِ ولَيْسَ هو بِتَفْضِيلٍ.

الشعراء 26:186

صفحة ١٨٦ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّيَ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . نَفَوْا رِسالَتَهُ عَنِ اللَّهِ كِنايَةً وتَصْرِيحًا فَزَعَمُوهُ مَسْحُورًا، أيْ: مُخْتَلُّ الإدْراكِ والتَّصَوُّراتِ مِن جَرّاءِ سِحْرٍ سُلِّطَ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ رِسالَةً عَنِ اللَّهِ. وفي صِيغَةِ (مِنَ المُسَحَّرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، مِنَ ﴿المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، ﴿مِنَ المُخْرِجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]) . والإتْيانُ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) يَجْعَلُ كَوْنَهُ بَشَرًا إبْطالًا ثانِيًا لِرِسالَتِهِ. وتَرْكُ العَطْفِ في قِصَّةِ ثَمُودَ يَجْعَلُ كَوْنُهُ بَشَرًا حُجَّةً عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ لَيْسَ وحْيًا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مِن تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَسْحُورًا. فَمَآلُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ولَكِنَّ طَرِيقَ إفادَتِهِ مُخْتَلِفٌ وذَلِكَ عَلى حَسَبِ أُسْلُوبِ الحِكايَتَيْنِ. وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى اليَقِينِ في (﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾) وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَرِينَتُهُ هُنا دُخُولُ اللّامِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ (ظَنَّ)؛ لِأنَّ أصْلَها لامُ قَسَمٍ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ الكاذِبِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ، وحَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما أصْلُهُ الخَبَرُ فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: وإنْ أنْتَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، لَكِنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا في المُخَفَّفَةِ فَكَثِيرًا ما يُدْخِلُونَها عَلى الفِعْلِ النّاسِخِ لِشِدَّةِ اخْتِصاصِهِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَيَجْتَمِعُ في الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ ناسِخانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في مَثَلِهِ: ونَظُنُّ أنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَوَقَعَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لِأجْلِ تَصْدِيرِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّ) وأخَواتِها لَها صَدْرُ الكَلامِ ما عَدا (أنِ) المَفْتُوحَةَ. وأحْسَبُ أنَّهم ما يُخَفِّفُونَ (إنَّ) إلّا عِنْدَ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلٍ مِنَ النَّواسِخِ عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، فالَّذِي يَقُولُ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، أرادَ أنْ يَقُولَ: أظُنُّ أنَّكَ لَخائِفٌ، فَقَدَّمَ (إنَّ) وخَفَّفَها وصَيَّرَ خَبَرَها مَفْعُولًا لِفِعْلِ الظَّنِّ، فَصارَ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ حَرْفَ نَفْيٍ ويَجْعَلُونَ اللّامَ بِمَعْنى (إلّا) . صفحة ١٨٧ والأمْرُ في (فَأسْقِطْ) أمْرُ تَعْجِيزٍ. والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ مَن عَدا حَفْصًا: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ في الكَشّافِ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ قِطْعٍ وسِدْرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] . وقَرَأ حَفْصٌ (كِسَفًا) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (كَسْفٍ) كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَوْلُهم: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ كَقَوْلِ ثَمُودَ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] إلّا أنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا الآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أنَّ تَعْيِينَها اقْتِراحٌ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ شُعَيْبًا أنْذَرَهم بِكِسَفٍ يَأْتِي فِيهِ عَذابٌ. وذَلِكَ هو يَوْمُ الظُّلَّةِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ جَوابُ شُعَيْبٍ بِإسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ فَهو العالِمُ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ ومِقْدارِهِ. و(أعْلَمُ) هُنا مُبالَغَةٌ في العالِمِ ولَيْسَ هو بِتَفْضِيلٍ.

الشعراء 26:187

صفحة ١٨٦ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّيَ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . نَفَوْا رِسالَتَهُ عَنِ اللَّهِ كِنايَةً وتَصْرِيحًا فَزَعَمُوهُ مَسْحُورًا، أيْ: مُخْتَلُّ الإدْراكِ والتَّصَوُّراتِ مِن جَرّاءِ سِحْرٍ سُلِّطَ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ رِسالَةً عَنِ اللَّهِ. وفي صِيغَةِ (مِنَ المُسَحَّرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، مِنَ ﴿المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، ﴿مِنَ المُخْرِجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]) . والإتْيانُ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) يَجْعَلُ كَوْنَهُ بَشَرًا إبْطالًا ثانِيًا لِرِسالَتِهِ. وتَرْكُ العَطْفِ في قِصَّةِ ثَمُودَ يَجْعَلُ كَوْنُهُ بَشَرًا حُجَّةً عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ لَيْسَ وحْيًا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مِن تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَسْحُورًا. فَمَآلُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ولَكِنَّ طَرِيقَ إفادَتِهِ مُخْتَلِفٌ وذَلِكَ عَلى حَسَبِ أُسْلُوبِ الحِكايَتَيْنِ. وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى اليَقِينِ في (﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾) وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَرِينَتُهُ هُنا دُخُولُ اللّامِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ (ظَنَّ)؛ لِأنَّ أصْلَها لامُ قَسَمٍ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ الكاذِبِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ، وحَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما أصْلُهُ الخَبَرُ فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: وإنْ أنْتَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، لَكِنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا في المُخَفَّفَةِ فَكَثِيرًا ما يُدْخِلُونَها عَلى الفِعْلِ النّاسِخِ لِشِدَّةِ اخْتِصاصِهِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَيَجْتَمِعُ في الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ ناسِخانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في مَثَلِهِ: ونَظُنُّ أنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَوَقَعَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لِأجْلِ تَصْدِيرِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّ) وأخَواتِها لَها صَدْرُ الكَلامِ ما عَدا (أنِ) المَفْتُوحَةَ. وأحْسَبُ أنَّهم ما يُخَفِّفُونَ (إنَّ) إلّا عِنْدَ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلٍ مِنَ النَّواسِخِ عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، فالَّذِي يَقُولُ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، أرادَ أنْ يَقُولَ: أظُنُّ أنَّكَ لَخائِفٌ، فَقَدَّمَ (إنَّ) وخَفَّفَها وصَيَّرَ خَبَرَها مَفْعُولًا لِفِعْلِ الظَّنِّ، فَصارَ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ حَرْفَ نَفْيٍ ويَجْعَلُونَ اللّامَ بِمَعْنى (إلّا) . صفحة ١٨٧ والأمْرُ في (فَأسْقِطْ) أمْرُ تَعْجِيزٍ. والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ مَن عَدا حَفْصًا: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ في الكَشّافِ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ قِطْعٍ وسِدْرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] . وقَرَأ حَفْصٌ (كِسَفًا) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (كَسْفٍ) كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَوْلُهم: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ كَقَوْلِ ثَمُودَ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] إلّا أنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا الآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أنَّ تَعْيِينَها اقْتِراحٌ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ شُعَيْبًا أنْذَرَهم بِكِسَفٍ يَأْتِي فِيهِ عَذابٌ. وذَلِكَ هو يَوْمُ الظُّلَّةِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ جَوابُ شُعَيْبٍ بِإسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ فَهو العالِمُ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ ومِقْدارِهِ. و(أعْلَمُ) هُنا مُبالَغَةٌ في العالِمِ ولَيْسَ هو بِتَفْضِيلٍ.

الشعراء 26:188

صفحة ١٨٦ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّيَ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . نَفَوْا رِسالَتَهُ عَنِ اللَّهِ كِنايَةً وتَصْرِيحًا فَزَعَمُوهُ مَسْحُورًا، أيْ: مُخْتَلُّ الإدْراكِ والتَّصَوُّراتِ مِن جَرّاءِ سِحْرٍ سُلِّطَ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ رِسالَةً عَنِ اللَّهِ. وفي صِيغَةِ (مِنَ المُسَحَّرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، مِنَ ﴿المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، ﴿مِنَ المُخْرِجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]) . والإتْيانُ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾) يَجْعَلُ كَوْنَهُ بَشَرًا إبْطالًا ثانِيًا لِرِسالَتِهِ. وتَرْكُ العَطْفِ في قِصَّةِ ثَمُودَ يَجْعَلُ كَوْنُهُ بَشَرًا حُجَّةً عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ لَيْسَ وحْيًا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مِن تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَسْحُورًا. فَمَآلُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ولَكِنَّ طَرِيقَ إفادَتِهِ مُخْتَلِفٌ وذَلِكَ عَلى حَسَبِ أُسْلُوبِ الحِكايَتَيْنِ. وأُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى اليَقِينِ في (﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾) وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَرِينَتُهُ هُنا دُخُولُ اللّامِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ (ظَنَّ)؛ لِأنَّ أصْلَها لامُ قَسَمٍ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمِنَ الكاذِبِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ، وحَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما أصْلُهُ الخَبَرُ فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: وإنْ أنْتَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، لَكِنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا في المُخَفَّفَةِ فَكَثِيرًا ما يُدْخِلُونَها عَلى الفِعْلِ النّاسِخِ لِشِدَّةِ اخْتِصاصِهِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَيَجْتَمِعُ في الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ ناسِخانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] وكانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في مَثَلِهِ: ونَظُنُّ أنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ، فَوَقَعَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لِأجْلِ تَصْدِيرِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّ) وأخَواتِها لَها صَدْرُ الكَلامِ ما عَدا (أنِ) المَفْتُوحَةَ. وأحْسَبُ أنَّهم ما يُخَفِّفُونَ (إنَّ) إلّا عِنْدَ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلٍ مِنَ النَّواسِخِ عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، فالَّذِي يَقُولُ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، أرادَ أنْ يَقُولَ: أظُنُّ أنَّكَ لَخائِفٌ، فَقَدَّمَ (إنَّ) وخَفَّفَها وصَيَّرَ خَبَرَها مَفْعُولًا لِفِعْلِ الظَّنِّ، فَصارَ: إنْ أظُنُّكَ لَخائِفًا، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ حَرْفَ نَفْيٍ ويَجْعَلُونَ اللّامَ بِمَعْنى (إلّا) . صفحة ١٨٧ والأمْرُ في (فَأسْقِطْ) أمْرُ تَعْجِيزٍ. والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ مَن عَدا حَفْصًا: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وقالَ في الكَشّافِ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ قِطْعٍ وسِدْرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] . وقَرَأ حَفْصٌ (كِسَفًا) بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (كَسْفٍ) كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَوْلُهم: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ كَقَوْلِ ثَمُودَ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] إلّا أنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا الآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أنَّ تَعْيِينَها اقْتِراحٌ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ شُعَيْبًا أنْذَرَهم بِكِسَفٍ يَأْتِي فِيهِ عَذابٌ. وذَلِكَ هو يَوْمُ الظُّلَّةِ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ جَوابُ شُعَيْبٍ بِإسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ فَهو العالِمُ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ ومِقْدارِهِ. و(أعْلَمُ) هُنا مُبالَغَةٌ في العالِمِ ولَيْسَ هو بِتَفْضِيلٍ.

الشعراء 26:189

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . الظُّلَّةُ: السَّحابَةُ، كانَتْ فِيها صَواعِقُ مُتَتابِعَةٌ أصابَتْهم فَأهْلَكَتْهم كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ كانَ العَذابُ مِن جِنْسِ ما سَألُوهُ، ومِن إسْقاطِ شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ. وقَوْلُهُ (فَكَذَّبُوهُ) الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَتَبَيَّنَ مِن قَوْلِهِمْ: (﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥]) أنَّهم كَذَّبُوهُ، أيْ: تَبَيَّنَ التَّكْذِيبُ والثَّباتُ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَصَدُوهُ مِن تَعْجِيزِهِ؛ إذْ قالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] . وفي إعادَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ إيقاظٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم كَحالِ أصْحابِ شُعَيْبٍ فَيُوشِكُ أنْ يَكُونَ عِقابُهم كَذَلِكَ.

الشعراء 26:190

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أيْ في ذَلِكَ آيَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانَ حالُهم كَحالِ أصْحابِ لَيْكَةَ فَقَدْ كانُوا صفحة ١٨٨ مِنَ المُطَفِّفِينَ مَعَ الإشْراكِ قالَ تَعالى (﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ آيَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٠٣]) إلَخْ.

الشعراء 26:191

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . أيْ في ذَلِكَ آيَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانَ حالُهم كَحالِ أصْحابِ لَيْكَةَ فَقَدْ كانُوا صفحة ١٨٨ مِنَ المُطَفِّفِينَ مَعَ الإشْراكِ قالَ تَعالى (﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ آيَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٠٣]) إلَخْ.

الشعراء 26:192

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . عَوْدٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وكَوْنِهِ الآيَةَ العُظْمى بِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢] كَما تَقَدَّمَ لِتُخْتَتَمَ السُّورَةُ بِإطْنابِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما ابْتُدِئَتْ بِإجْمالِ التَّنْوِيهِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ اخْتارَها اللَّهُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةَ أفْضَلِ المُرْسَلِينَ. فَضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ. فَبِواوِ العَطْفِ اتَّصَلَتِ الجُمْلَةُ بِالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وبِضَمِيرِ القُرْآنِ اتَّصَلَ غَرَضُها بِغَرَضِ صَدْرِ السُّورَةِ. فَجُمْلَةُ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَحْكِيَّةِ فِيها أخْبارُ الرُّسُلِ المُماثِلَةِ أحْوالُ أقْوامِهِمْ لِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ لِيُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ هو آيَةُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَطْفُها عَلى الجُمَلِ الَّتِي مَثْلُها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) بِحَيْثُ لَوْلا ما فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مِن طُولِ الكَلامِ لَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها. ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ الكافِرِينَ عَنْ قَبُولِهِ وطاعَتِهِمْ فِيهِ. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِرَدِّ إنْكارِ المُنْكِرِينَ. والتَّنْزِيلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ حَتّى كَأنَّ المُنَزَّلَ نَفْسُ التَّنْزِيلِ. وجُمْلَةُ (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) بَيانٌ لِ (﴿تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾)، أيْ: كانَ تَنْزِيلُهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ زايِ (نَزَلَ) ورَفْعِ (الرُّوحُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ (نَزَّلَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ (الرُّوحَ الأمِينَ)، أيْ: نَزَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. صفحة ١٨٩ و(﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾): جِبْرِيلُ وهو لَقَبُهُ في القُرْآنِ، سُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وهي المُجَرَّداتُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ (رُوحُ القُدُسِ) في البَقَرَةِ. ونُزُولُ جِبْرِيلَ إذْنُ اللَّهِ تَعالى، فَنُزُولُهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ. و(الأمِينُ) صِفَةُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمِنَهُ عَلى وحْيِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ (نَزَلَ بِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ. والقَلْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ قَبُولُ المَعْلُوماتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ: إدْراكٌ وعَقْلٌ. وقَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (نَزَلَ)، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ النُّزُولَ وُصُولٌ مِن مَكانٍ عالٍ فَهو مُقْتَضٍ اسْتِقْرارَ النّازِلِ عَلى مَكانٍ. ومَعْنى نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلى قَلْبِ النَّبِيءِ عَلَيْهِما السَّلامُ: اتِّصالُهُ بِقُوَّةِ إدْراكِ النَّبِيءِ لِإلْقاءِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ في قُوَّتِهِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْكَلامِ المُوحى بِألِفاظِهِ؛ فَفِعْلُ (نَزَلَ) حَقِيقَةٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِمّا سُمِّيَ بِقَلْبِ النَّبِيءِ مِثْلُ اسْتِعارَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِيَ ما يَقُولُ» . وهَذانَ الوَصْفانِ خاصّانِ بِوَحْيِ نُزُولِ القُرْآنِ. وثَمَّةَ وحْيٌ مِن قَبِيلِ إبْلاغِ المَعْنى وسَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثٍ آخَرَ نَفْثًا. فَقالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» . فَهَذا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَهو وحْيٌ بِالمَعْنى (والرُّوعُ: العَقْلُ) . وقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ في رُؤْيا النَّوْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ لا يَنامُ صفحة ١٩٠ قَلْبُهُ، ويَكُونُ أيْضًا بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ بَيَّنّا في شَرْحِ الحَدِيثِ النُّكْتَةَ في اخْتِصاصِ إحْدى الحالَتَيْنِ بِبَعْضِ الأوْقاتِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) أنَّ القُرْآنَ أُلْقِيَ في قَلْبِهِ بِألِفاظِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ومَعْنى (﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾) لِتَكُونَ مِنَ الرُّسُلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِهِ النِّذارَةَ؛ لِأنَّها أخَصُّ بِغَرَضِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ وبِإنْذارِهِمْ. وفِي (مِنَ المُنْذِرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ وصْفِ الرِّسالَةِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في هَذِهِ القِصَصِ وغَيْرِها. و(بِلِسانٍ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) . والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ: نَزَلَ بِالقُرْآنِ مُلابِسًا لِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَيِّنَةٍ أيْ: كائِنًا القُرْآنَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ. والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الدَّلالَةَ عَلى المَعانِي الَّتِي يَعْنِيها المُتَكَلِّمُ فَإنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها لِاحْتِمالِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، فَإنَّ ما في أسالِيبِ نَظْمِ كَلامِ العَرَبِ مِن عَلاماتِ الإعْرابِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والحَقِيقَةِ والمَجازِ والكِنايَةِ، وما في سِعَةِ اللُّغَةِ مِنَ التَّرادُفِ، وأسْماءِ المَعانِي المُقَيَّدَةِ، وما فِيها مِنَ المُحَسِّناتِ، ما يَلِجُ بِالمَعانِي إلى العُقُولِ سَهْلَةً مُتَمَكِّنَةً، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ اللُّغَةَ أنْ تَكُونَ هي لُغَةُ كِتابِهِ الَّذِي خاطَبَ بِهِ كافَّةَ النّاسِ فَأُنْزِلَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ ومَقاوِيلِ البَيانِ ثُمَّ جَعَلَ مِنهم حَمَلَتَهُ إلى الأُمَمِ تُتَرْجِمُ مَعانِيهِ فَصاحَتَهم وبَيانَهم، ويَتَلَقّى أسالِيبَهُ الشّادُونَ مِنهم ووِلْدانُهم، حِينَ أصْبَحُوا أُمَّةً واحِدَةً يَقُومُ بِاتِّحادِ الدِّينِ واللُّغَةِ كَيانُهم.

الشعراء 26:193

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . عَوْدٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وكَوْنِهِ الآيَةَ العُظْمى بِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢] كَما تَقَدَّمَ لِتُخْتَتَمَ السُّورَةُ بِإطْنابِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما ابْتُدِئَتْ بِإجْمالِ التَّنْوِيهِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ اخْتارَها اللَّهُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةَ أفْضَلِ المُرْسَلِينَ. فَضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ. فَبِواوِ العَطْفِ اتَّصَلَتِ الجُمْلَةُ بِالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وبِضَمِيرِ القُرْآنِ اتَّصَلَ غَرَضُها بِغَرَضِ صَدْرِ السُّورَةِ. فَجُمْلَةُ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَحْكِيَّةِ فِيها أخْبارُ الرُّسُلِ المُماثِلَةِ أحْوالُ أقْوامِهِمْ لِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ لِيُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ هو آيَةُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَطْفُها عَلى الجُمَلِ الَّتِي مَثْلُها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) بِحَيْثُ لَوْلا ما فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مِن طُولِ الكَلامِ لَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها. ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ الكافِرِينَ عَنْ قَبُولِهِ وطاعَتِهِمْ فِيهِ. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِرَدِّ إنْكارِ المُنْكِرِينَ. والتَّنْزِيلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ حَتّى كَأنَّ المُنَزَّلَ نَفْسُ التَّنْزِيلِ. وجُمْلَةُ (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) بَيانٌ لِ (﴿تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾)، أيْ: كانَ تَنْزِيلُهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ زايِ (نَزَلَ) ورَفْعِ (الرُّوحُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ (نَزَّلَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ (الرُّوحَ الأمِينَ)، أيْ: نَزَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. صفحة ١٨٩ و(﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾): جِبْرِيلُ وهو لَقَبُهُ في القُرْآنِ، سُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وهي المُجَرَّداتُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ (رُوحُ القُدُسِ) في البَقَرَةِ. ونُزُولُ جِبْرِيلَ إذْنُ اللَّهِ تَعالى، فَنُزُولُهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ. و(الأمِينُ) صِفَةُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمِنَهُ عَلى وحْيِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ (نَزَلَ بِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ. والقَلْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ قَبُولُ المَعْلُوماتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ: إدْراكٌ وعَقْلٌ. وقَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (نَزَلَ)، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ النُّزُولَ وُصُولٌ مِن مَكانٍ عالٍ فَهو مُقْتَضٍ اسْتِقْرارَ النّازِلِ عَلى مَكانٍ. ومَعْنى نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلى قَلْبِ النَّبِيءِ عَلَيْهِما السَّلامُ: اتِّصالُهُ بِقُوَّةِ إدْراكِ النَّبِيءِ لِإلْقاءِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ في قُوَّتِهِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْكَلامِ المُوحى بِألِفاظِهِ؛ فَفِعْلُ (نَزَلَ) حَقِيقَةٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِمّا سُمِّيَ بِقَلْبِ النَّبِيءِ مِثْلُ اسْتِعارَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِيَ ما يَقُولُ» . وهَذانَ الوَصْفانِ خاصّانِ بِوَحْيِ نُزُولِ القُرْآنِ. وثَمَّةَ وحْيٌ مِن قَبِيلِ إبْلاغِ المَعْنى وسَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثٍ آخَرَ نَفْثًا. فَقالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» . فَهَذا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَهو وحْيٌ بِالمَعْنى (والرُّوعُ: العَقْلُ) . وقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ في رُؤْيا النَّوْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ لا يَنامُ صفحة ١٩٠ قَلْبُهُ، ويَكُونُ أيْضًا بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ بَيَّنّا في شَرْحِ الحَدِيثِ النُّكْتَةَ في اخْتِصاصِ إحْدى الحالَتَيْنِ بِبَعْضِ الأوْقاتِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) أنَّ القُرْآنَ أُلْقِيَ في قَلْبِهِ بِألِفاظِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ومَعْنى (﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾) لِتَكُونَ مِنَ الرُّسُلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِهِ النِّذارَةَ؛ لِأنَّها أخَصُّ بِغَرَضِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ وبِإنْذارِهِمْ. وفِي (مِنَ المُنْذِرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ وصْفِ الرِّسالَةِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في هَذِهِ القِصَصِ وغَيْرِها. و(بِلِسانٍ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) . والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ: نَزَلَ بِالقُرْآنِ مُلابِسًا لِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَيِّنَةٍ أيْ: كائِنًا القُرْآنَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ. والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الدَّلالَةَ عَلى المَعانِي الَّتِي يَعْنِيها المُتَكَلِّمُ فَإنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها لِاحْتِمالِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، فَإنَّ ما في أسالِيبِ نَظْمِ كَلامِ العَرَبِ مِن عَلاماتِ الإعْرابِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والحَقِيقَةِ والمَجازِ والكِنايَةِ، وما في سِعَةِ اللُّغَةِ مِنَ التَّرادُفِ، وأسْماءِ المَعانِي المُقَيَّدَةِ، وما فِيها مِنَ المُحَسِّناتِ، ما يَلِجُ بِالمَعانِي إلى العُقُولِ سَهْلَةً مُتَمَكِّنَةً، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ اللُّغَةَ أنْ تَكُونَ هي لُغَةُ كِتابِهِ الَّذِي خاطَبَ بِهِ كافَّةَ النّاسِ فَأُنْزِلَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ ومَقاوِيلِ البَيانِ ثُمَّ جَعَلَ مِنهم حَمَلَتَهُ إلى الأُمَمِ تُتَرْجِمُ مَعانِيهِ فَصاحَتَهم وبَيانَهم، ويَتَلَقّى أسالِيبَهُ الشّادُونَ مِنهم ووِلْدانُهم، حِينَ أصْبَحُوا أُمَّةً واحِدَةً يَقُومُ بِاتِّحادِ الدِّينِ واللُّغَةِ كَيانُهم.

الشعراء 26:194

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . عَوْدٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وكَوْنِهِ الآيَةَ العُظْمى بِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢] كَما تَقَدَّمَ لِتُخْتَتَمَ السُّورَةُ بِإطْنابِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما ابْتُدِئَتْ بِإجْمالِ التَّنْوِيهِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ اخْتارَها اللَّهُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةَ أفْضَلِ المُرْسَلِينَ. فَضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ. فَبِواوِ العَطْفِ اتَّصَلَتِ الجُمْلَةُ بِالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وبِضَمِيرِ القُرْآنِ اتَّصَلَ غَرَضُها بِغَرَضِ صَدْرِ السُّورَةِ. فَجُمْلَةُ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَحْكِيَّةِ فِيها أخْبارُ الرُّسُلِ المُماثِلَةِ أحْوالُ أقْوامِهِمْ لِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ لِيُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ هو آيَةُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَطْفُها عَلى الجُمَلِ الَّتِي مَثْلُها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) بِحَيْثُ لَوْلا ما فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مِن طُولِ الكَلامِ لَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها. ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ الكافِرِينَ عَنْ قَبُولِهِ وطاعَتِهِمْ فِيهِ. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِرَدِّ إنْكارِ المُنْكِرِينَ. والتَّنْزِيلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ حَتّى كَأنَّ المُنَزَّلَ نَفْسُ التَّنْزِيلِ. وجُمْلَةُ (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) بَيانٌ لِ (﴿تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾)، أيْ: كانَ تَنْزِيلُهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ زايِ (نَزَلَ) ورَفْعِ (الرُّوحُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ (نَزَّلَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ (الرُّوحَ الأمِينَ)، أيْ: نَزَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. صفحة ١٨٩ و(﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾): جِبْرِيلُ وهو لَقَبُهُ في القُرْآنِ، سُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وهي المُجَرَّداتُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ (رُوحُ القُدُسِ) في البَقَرَةِ. ونُزُولُ جِبْرِيلَ إذْنُ اللَّهِ تَعالى، فَنُزُولُهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ. و(الأمِينُ) صِفَةُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمِنَهُ عَلى وحْيِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ (نَزَلَ بِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ. والقَلْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ قَبُولُ المَعْلُوماتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ: إدْراكٌ وعَقْلٌ. وقَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (نَزَلَ)، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ النُّزُولَ وُصُولٌ مِن مَكانٍ عالٍ فَهو مُقْتَضٍ اسْتِقْرارَ النّازِلِ عَلى مَكانٍ. ومَعْنى نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلى قَلْبِ النَّبِيءِ عَلَيْهِما السَّلامُ: اتِّصالُهُ بِقُوَّةِ إدْراكِ النَّبِيءِ لِإلْقاءِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ في قُوَّتِهِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْكَلامِ المُوحى بِألِفاظِهِ؛ فَفِعْلُ (نَزَلَ) حَقِيقَةٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِمّا سُمِّيَ بِقَلْبِ النَّبِيءِ مِثْلُ اسْتِعارَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِيَ ما يَقُولُ» . وهَذانَ الوَصْفانِ خاصّانِ بِوَحْيِ نُزُولِ القُرْآنِ. وثَمَّةَ وحْيٌ مِن قَبِيلِ إبْلاغِ المَعْنى وسَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثٍ آخَرَ نَفْثًا. فَقالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» . فَهَذا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَهو وحْيٌ بِالمَعْنى (والرُّوعُ: العَقْلُ) . وقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ في رُؤْيا النَّوْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ لا يَنامُ صفحة ١٩٠ قَلْبُهُ، ويَكُونُ أيْضًا بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ بَيَّنّا في شَرْحِ الحَدِيثِ النُّكْتَةَ في اخْتِصاصِ إحْدى الحالَتَيْنِ بِبَعْضِ الأوْقاتِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) أنَّ القُرْآنَ أُلْقِيَ في قَلْبِهِ بِألِفاظِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ومَعْنى (﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾) لِتَكُونَ مِنَ الرُّسُلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِهِ النِّذارَةَ؛ لِأنَّها أخَصُّ بِغَرَضِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ وبِإنْذارِهِمْ. وفِي (مِنَ المُنْذِرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ وصْفِ الرِّسالَةِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في هَذِهِ القِصَصِ وغَيْرِها. و(بِلِسانٍ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) . والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ: نَزَلَ بِالقُرْآنِ مُلابِسًا لِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَيِّنَةٍ أيْ: كائِنًا القُرْآنَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ. والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الدَّلالَةَ عَلى المَعانِي الَّتِي يَعْنِيها المُتَكَلِّمُ فَإنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها لِاحْتِمالِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، فَإنَّ ما في أسالِيبِ نَظْمِ كَلامِ العَرَبِ مِن عَلاماتِ الإعْرابِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والحَقِيقَةِ والمَجازِ والكِنايَةِ، وما في سِعَةِ اللُّغَةِ مِنَ التَّرادُفِ، وأسْماءِ المَعانِي المُقَيَّدَةِ، وما فِيها مِنَ المُحَسِّناتِ، ما يَلِجُ بِالمَعانِي إلى العُقُولِ سَهْلَةً مُتَمَكِّنَةً، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ اللُّغَةَ أنْ تَكُونَ هي لُغَةُ كِتابِهِ الَّذِي خاطَبَ بِهِ كافَّةَ النّاسِ فَأُنْزِلَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ ومَقاوِيلِ البَيانِ ثُمَّ جَعَلَ مِنهم حَمَلَتَهُ إلى الأُمَمِ تُتَرْجِمُ مَعانِيهِ فَصاحَتَهم وبَيانَهم، ويَتَلَقّى أسالِيبَهُ الشّادُونَ مِنهم ووِلْدانُهم، حِينَ أصْبَحُوا أُمَّةً واحِدَةً يَقُومُ بِاتِّحادِ الدِّينِ واللُّغَةِ كَيانُهم.

الشعراء 26:195

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . عَوْدٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وكَوْنِهِ الآيَةَ العُظْمى بِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢] كَما تَقَدَّمَ لِتُخْتَتَمَ السُّورَةُ بِإطْنابِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما ابْتُدِئَتْ بِإجْمالِ التَّنْوِيهِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ آيَةٍ اخْتارَها اللَّهُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةَ أفْضَلِ المُرْسَلِينَ. فَضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ. فَبِواوِ العَطْفِ اتَّصَلَتِ الجُمْلَةُ بِالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وبِضَمِيرِ القُرْآنِ اتَّصَلَ غَرَضُها بِغَرَضِ صَدْرِ السُّورَةِ. فَجُمْلَةُ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَحْكِيَّةِ فِيها أخْبارُ الرُّسُلِ المُماثِلَةِ أحْوالُ أقْوامِهِمْ لِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ لِيُعْلَمَ أنَّ القُرْآنَ هو آيَةُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَعَطْفُها عَلى الجُمَلِ الَّتِي مَثْلُها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. ولَكِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) بِحَيْثُ لَوْلا ما فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى مِن طُولِ الكَلامِ لَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها. ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ الكافِرِينَ عَنْ قَبُولِهِ وطاعَتِهِمْ فِيهِ. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِرَدِّ إنْكارِ المُنْكِرِينَ. والتَّنْزِيلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ حَتّى كَأنَّ المُنَزَّلَ نَفْسُ التَّنْزِيلِ. وجُمْلَةُ (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) بَيانٌ لِ (﴿تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾)، أيْ: كانَ تَنْزِيلُهُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ زايِ (نَزَلَ) ورَفْعِ (الرُّوحُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ (نَزَّلَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ (الرُّوحَ الأمِينَ)، أيْ: نَزَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. صفحة ١٨٩ و(﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾): جِبْرِيلُ وهو لَقَبُهُ في القُرْآنِ، سُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وهي المُجَرَّداتُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ (رُوحُ القُدُسِ) في البَقَرَةِ. ونُزُولُ جِبْرِيلَ إذْنُ اللَّهِ تَعالى، فَنُزُولُهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ. و(الأمِينُ) صِفَةُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمِنَهُ عَلى وحْيِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ (نَزَلَ بِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ. والقَلْبُ: يُطْلَقُ عَلى ما بِهِ قَبُولُ المَعْلُوماتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ: إدْراكٌ وعَقْلٌ. وقَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (نَزَلَ)، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ النُّزُولَ وُصُولٌ مِن مَكانٍ عالٍ فَهو مُقْتَضٍ اسْتِقْرارَ النّازِلِ عَلى مَكانٍ. ومَعْنى نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلى قَلْبِ النَّبِيءِ عَلَيْهِما السَّلامُ: اتِّصالُهُ بِقُوَّةِ إدْراكِ النَّبِيءِ لِإلْقاءِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ في قُوَّتِهِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْكَلامِ المُوحى بِألِفاظِهِ؛ فَفِعْلُ (نَزَلَ) حَقِيقَةٌ. وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِمّا سُمِّيَ بِقَلْبِ النَّبِيءِ مِثْلُ اسْتِعارَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِيَ ما يَقُولُ» . وهَذانَ الوَصْفانِ خاصّانِ بِوَحْيِ نُزُولِ القُرْآنِ. وثَمَّةَ وحْيٌ مِن قَبِيلِ إبْلاغِ المَعْنى وسَمّاهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثٍ آخَرَ نَفْثًا. فَقالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجَلَها» . فَهَذا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَهو وحْيٌ بِالمَعْنى (والرُّوعُ: العَقْلُ) . وقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ في رُؤْيا النَّوْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ لا يَنامُ صفحة ١٩٠ قَلْبُهُ، ويَكُونُ أيْضًا بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ بَيَّنّا في شَرْحِ الحَدِيثِ النُّكْتَةَ في اخْتِصاصِ إحْدى الحالَتَيْنِ بِبَعْضِ الأوْقاتِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ (عَلى قَلْبِكَ) أنَّ القُرْآنَ أُلْقِيَ في قَلْبِهِ بِألِفاظِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ومَعْنى (﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾) لِتَكُونَ مِنَ الرُّسُلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِهِ النِّذارَةَ؛ لِأنَّها أخَصُّ بِغَرَضِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ وبِإنْذارِهِمْ. وفِي (مِنَ المُنْذِرِينَ) مِنَ المُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ وصْفِ الرِّسالَةِ مِنهُ ما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ في هَذِهِ القِصَصِ وغَيْرِها. و(بِلِسانٍ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾) . والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ: نَزَلَ بِالقُرْآنِ مُلابِسًا لِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُبَيِّنَةٍ أيْ: كائِنًا القُرْآنَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ. والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الدَّلالَةَ عَلى المَعانِي الَّتِي يَعْنِيها المُتَكَلِّمُ فَإنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها لِاحْتِمالِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ، فَإنَّ ما في أسالِيبِ نَظْمِ كَلامِ العَرَبِ مِن عَلاماتِ الإعْرابِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والحَقِيقَةِ والمَجازِ والكِنايَةِ، وما في سِعَةِ اللُّغَةِ مِنَ التَّرادُفِ، وأسْماءِ المَعانِي المُقَيَّدَةِ، وما فِيها مِنَ المُحَسِّناتِ، ما يَلِجُ بِالمَعانِي إلى العُقُولِ سَهْلَةً مُتَمَكِّنَةً، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ اللُّغَةَ أنْ تَكُونَ هي لُغَةُ كِتابِهِ الَّذِي خاطَبَ بِهِ كافَّةَ النّاسِ فَأُنْزِلَ بادِئَ ذِي بَدْءٍ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ ومَقاوِيلِ البَيانِ ثُمَّ جَعَلَ مِنهم حَمَلَتَهُ إلى الأُمَمِ تُتَرْجِمُ مَعانِيهِ فَصاحَتَهم وبَيانَهم، ويَتَلَقّى أسالِيبَهُ الشّادُونَ مِنهم ووِلْدانُهم، حِينَ أصْبَحُوا أُمَّةً واحِدَةً يَقُومُ بِاتِّحادِ الدِّينِ واللُّغَةِ كَيانُهم.

الشعراء 26:196

﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . عَطْفٌ عَلى (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَضَمِيرِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . وهَذا تَنْوِيهٌ آخَرُ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ تُصَدِّقُهُ كُتُبُ الأنْبِياءِ الأوَّلِينَ صفحة ١٩١ بِمُوافَقَتِها لِما فِيهِ وخاصَّةً في أخْبارِهِ عَنِ الأُمَمِ وأنْبِيائِها. وقَوْلُهُ: ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كُتُبِ الرُّسُلِ السّالِفِينِ، أيْ: أنَّ القُرْآنَ كائِنٌ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ مِثْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وكُتُبِ الأنْبِياءِ الَّتِي نَعْلَمُها إجْمالًا. ومَعْلُومٌ أنَّ ضَمِيرَ القُرْآنِ لا يُرادُ بِهِ ذاتُ القُرْآنِ، أيْ: ألِفاظُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ لَيْسَتْ سُوَرُ القُرْآنِ وآياتُهُ مَسْطُورَةً في زُبُرِ الأوَّلِينَ بِلَفْظِها كُلِّهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ اسْمِهِ ووَصْفِهِ الخاصِّ أوْ بِاعْتِبارِ مَعانِيهِ. فَأمّا الِاعْتِبارُ الأوَّلُ فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِالعَوْدِ إلى اسْمِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، أيْ: يَجِدُونَ اسْمَهُ ووَصْفَهُ الَّذِي يُعَيِّنُهُ. فالمَعْنى أنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ وارِدٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، أيْ: جاءَتْ بِشاراتٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ رَسُولٌ يَجِيءُ بِكِتابٍ. فَفي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِن كُتُبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ قَوْلُ مُوسى: (قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ) إذْ لا شَكَّ أنَّ إخْوَةَ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ العَرَبُ كَما ورَدَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ في الإصْحاحِ السّادِسِ عَشَرَ عِنْدَ ذِكْرِ الحَمْلِ بِإسْماعِيلَ وأمامَ جَمِيعِ إخْوَتِهِ يَسْكُنُ أيْ: لا يَسْكُنُ مَعَهم ولَكِنْ قُبالَتُهم. ولَمْ يَأْتِ نَبِيءٌ بِوَحْيٍ مِثْلِ مُوسى، بِشَرْعٍ كَشَرْعِ مُوسى غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَلامُ اللَّهِ المَجْعُولُ في فَمِهِ هو القُرْآنُ المُوحى بِهِ إلَيْهِ وهو يَتْلُوهُ. وفِي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرًا. . . ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى (أيْ: يَدُومُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ أيْ: دِينُهُ إذْ لا خُلُودَ لِلْأشْخاصِ) فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرَزُ (أيْ: يَدْعُو) بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ (أيِ: الأرْضِ المَأْهُولَةِ) شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ رِسالَةً عامَّةً ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى (أيْ: نِهايَةُ العالَمِ)“ . فالبِشارَةُ هي الوَحْيُ وهو القُرْآنُ وهو الكِتابُ الَّذِي دَعا جَمِيعَ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] وقالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] . وفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ: ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ صفحة ١٩٢ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا (أيْ: رَسُولًا) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ (هَذا هو دَوامُ الشَّرِيعَةِ) رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ (إشارَةً إلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ) لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ. ثُمَّ قالَ: وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي أيْ: وصْفُ الرِّسالَةِ فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم (وهَذا التَّعْلِيمُ لِكُلِّ شَيْءٍ هو القُرْآنُ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ)“ . وأمّا الِاعْتِبارُ الثّانِي فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِمَعْنى مُسَمّاهُ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ مُسَمّى دِرْهَمٍ فَكَما يُطْلَقُ اسْمُ الشَّيْءِ عَلى مَعْناهُ نَحْوَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] أيْ: أحْوالُهُ، كَذَلِكَ يُطْلَقُ ضَمِيرُ الِاسْمِ عَلى مَعْناهُ، فالمَعْنى: أنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ. وهَذا كَقَوْلِ الإنْجِيلِ آنِفًا (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم)، ولا تَجِدُ شَيْئًا مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَسْطُورِ في الأناجِيلِ غَيْرِ المُحَرَّفِ عَنْهُ إلّا وهو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ عَلى صِدْقِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ تَنْوِيهٌ ثالِثٌ بِالقُرْآنِ وحَجَّةٌ عَلى التَّنْوِيهِ الثّانِي بِهِ الَّذِي هو شَهادَةُ كُتُبِ الأنْبِياءِ لَهُ بِالصِّدْقِ، بِأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ما في القُرْآنِ مِمّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِمْ فَبِاعْتِبارِ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَنْوِيهًا آخَرَ بِالقُرْآنِ عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى كَوْنِها حُجَّةً عَلى صِدْقِ القُرْآنِ أنْ لا تُعْطَفَ. وفِعْلُ (يَعْلَمُهُ) شامِلٌ لِلْعِلْمِ بِصِفَةِ القُرْآنِ، أيْ: تَحَقُّقُ صِدْقِ الصِّفاتِ المَوْصُوفِ بِها مَن جاءَ بَعْدَهُ، وشامِلٌ لِلْعِلْمِ بِما يَتَضَمَّنُهُ ما في كُتُبِهِمْ. وضَمِيرُ (أنْ يَعْلَمَهُ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَعْلَمَ ذِكْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الحُكْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ .

الشعراء 26:197

﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . عَطْفٌ عَلى (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَضَمِيرِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) . وهَذا تَنْوِيهٌ آخَرُ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ تُصَدِّقُهُ كُتُبُ الأنْبِياءِ الأوَّلِينَ صفحة ١٩١ بِمُوافَقَتِها لِما فِيهِ وخاصَّةً في أخْبارِهِ عَنِ الأُمَمِ وأنْبِيائِها. وقَوْلُهُ: ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كُتُبِ الرُّسُلِ السّالِفِينِ، أيْ: أنَّ القُرْآنَ كائِنٌ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ مِثْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وكُتُبِ الأنْبِياءِ الَّتِي نَعْلَمُها إجْمالًا. ومَعْلُومٌ أنَّ ضَمِيرَ القُرْآنِ لا يُرادُ بِهِ ذاتُ القُرْآنِ، أيْ: ألِفاظُهُ المُنَزَّلَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ لَيْسَتْ سُوَرُ القُرْآنِ وآياتُهُ مَسْطُورَةً في زُبُرِ الأوَّلِينَ بِلَفْظِها كُلِّهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ اسْمِهِ ووَصْفِهِ الخاصِّ أوْ بِاعْتِبارِ مَعانِيهِ. فَأمّا الِاعْتِبارُ الأوَّلُ فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِالعَوْدِ إلى اسْمِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، أيْ: يَجِدُونَ اسْمَهُ ووَصْفَهُ الَّذِي يُعَيِّنُهُ. فالمَعْنى أنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ وارِدٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، أيْ: جاءَتْ بِشاراتٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّهُ رَسُولٌ يَجِيءُ بِكِتابٍ. فَفي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِن كُتُبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ قَوْلُ مُوسى: (قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ) إذْ لا شَكَّ أنَّ إخْوَةَ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ العَرَبُ كَما ورَدَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ في الإصْحاحِ السّادِسِ عَشَرَ عِنْدَ ذِكْرِ الحَمْلِ بِإسْماعِيلَ وأمامَ جَمِيعِ إخْوَتِهِ يَسْكُنُ أيْ: لا يَسْكُنُ مَعَهم ولَكِنْ قُبالَتُهم. ولَمْ يَأْتِ نَبِيءٌ بِوَحْيٍ مِثْلِ مُوسى، بِشَرْعٍ كَشَرْعِ مُوسى غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَلامُ اللَّهِ المَجْعُولُ في فَمِهِ هو القُرْآنُ المُوحى بِهِ إلَيْهِ وهو يَتْلُوهُ. وفِي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرًا. . . ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى (أيْ: يَدُومُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ أيْ: دِينُهُ إذْ لا خُلُودَ لِلْأشْخاصِ) فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرَزُ (أيْ: يَدْعُو) بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ (أيِ: الأرْضِ المَأْهُولَةِ) شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ رِسالَةً عامَّةً ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى (أيْ: نِهايَةُ العالَمِ)“ . فالبِشارَةُ هي الوَحْيُ وهو القُرْآنُ وهو الكِتابُ الَّذِي دَعا جَمِيعَ الأُمَمِ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] وقالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] . وفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ: ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ صفحة ١٩٢ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا (أيْ: رَسُولًا) آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ (هَذا هو دَوامُ الشَّرِيعَةِ) رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ (إشارَةً إلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ) لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ. ثُمَّ قالَ: وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي أيْ: وصْفُ الرِّسالَةِ فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم (وهَذا التَّعْلِيمُ لِكُلِّ شَيْءٍ هو القُرْآنُ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ)“ . وأمّا الِاعْتِبارُ الثّانِي فالضَّمِيرُ مُئَوَّلٌ بِمَعْنى مُسَمّاهُ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ مُسَمّى دِرْهَمٍ فَكَما يُطْلَقُ اسْمُ الشَّيْءِ عَلى مَعْناهُ نَحْوَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] أيْ: أحْوالُهُ، كَذَلِكَ يُطْلَقُ ضَمِيرُ الِاسْمِ عَلى مَعْناهُ، فالمَعْنى: أنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ الأوَّلِينَ. وهَذا كَقَوْلِ الإنْجِيلِ آنِفًا (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قَلْتُهُ لَكم)، ولا تَجِدُ شَيْئًا مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَسْطُورِ في الأناجِيلِ غَيْرِ المُحَرَّفِ عَنْهُ إلّا وهو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ ذَلِكَ آيَةٌ عَلى صِدْقِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ تَنْوِيهٌ ثالِثٌ بِالقُرْآنِ وحَجَّةٌ عَلى التَّنْوِيهِ الثّانِي بِهِ الَّذِي هو شَهادَةُ كُتُبِ الأنْبِياءِ لَهُ بِالصِّدْقِ، بِأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ما في القُرْآنِ مِمّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِمْ فَبِاعْتِبارِ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَنْوِيهًا آخَرَ بِالقُرْآنِ عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى كَوْنِها حُجَّةً عَلى صِدْقِ القُرْآنِ أنْ لا تُعْطَفَ. وفِعْلُ (يَعْلَمُهُ) شامِلٌ لِلْعِلْمِ بِصِفَةِ القُرْآنِ، أيْ: تَحَقُّقُ صِدْقِ الصِّفاتِ المَوْصُوفِ بِها مَن جاءَ بَعْدَهُ، وشامِلٌ لِلْعِلْمِ بِما يَتَضَمَّنُهُ ما في كُتُبِهِمْ. وضَمِيرُ (أنْ يَعْلَمَهُ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَعْلَمَ ذِكْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الحُكْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ .

الشعراء 26:198

صفحة ١٩٣ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . كانَ مِن جُمْلَةِ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقالُوا: (﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]) فَدَمَغَهُمُ اللَّهُ بِأنْ تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ بُهْتانَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ حَيْثُ جاءَهم بِالقُرْآنِ رَسُولٌ عَرَبِيٌّ وأنَّهُ لَوْ جاءَهم بِهَذا القُرْآنِ رَسُولٌ أعْجَمِيٌّ لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ بِأنْ أوْحى اللَّهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ إلى رَسُولٍ لا يَفْهَمُها ولا يُحْسِنُ تَأْلِيفَها فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، وفي قِراءَتِهِ وهو لا يُحْسِنُ اللُّغَةَ أيْضًا خارِقُ عادَةٍ؛ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَما آمَنُوا بِأنَّهُ رَسُولٌ مَعَ أنَّ ذَلِكَ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَزِيادَةُ قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) زِيادَةُ بَيانٍ في خَرْقِ العادَةِ. يَعْنِي أنَّ المُشْرِكِينَ لا يُرِيدُونَ مِمّا يُلْقُونَهُ مِنَ المَطاعِنِ البَحْثَ عَنِ الحَقِّ ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ وطَفِقُوا يَتَحَمَّلُونَ أعْذارًا لِتَكْذِيبِهِمْ جُحُودًا لِلْحَقِّ وتَسَتُّرًا مِنَ اللّائِمِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (عَلى قَلْبِكَ) أفادَ أنَّهُ أُوتِيَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ لا كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ: تَقَوَّلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَعْجِيزِهِمْ فَضَحَ نِيّاتَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ في كُلِّ حالٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] . و(الأعْجَمِينَ) جَمْعُ أعْجَمٍ. والأعْجَمُ: الشَّدِيدُ العُجْمَةِ، أيْ: لا يُحْسِنُ كَلِمَةً بِالعَرَبِيَّةِ، وهو هُنا مُرادِفُ أعْجَمِيٍّ بِياءِ النَّسَبِ فَيَصِحُّ في جَمْعِهِ عَلى أعْجَمِينَ اعْتِبارُ أنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ بِاعْتِبارِ جَمْعِ أعْجَمٍ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ حَمامَةً: ولَمْ أرَ مِثْلِي شاقَهُ لَفْظُ مِثْلِـها ولا عَرَبِيًّا شاقَهُ لَفْظُ أعْجَما صفحة ١٩٤ ويَصِحُّ اعْتِبارُ حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ لِلتَّخْفِيفِ. وأصْلُهُ: الأعْجَمِيِّينَ كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى أبِي طالِبٍ: وحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ رِحالَهم ∗∗∗ بِمَلْقى السُّيُولِ بَيْنَ سافٍ ونائِلِ أيِ الأشْعَرِيُّونَ، وعَلى هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُ النّابِغَةِ: قُعُودًا لَهُ غَسّانُ يَرْجُونَ أوْبَـهُ ∗∗∗ وتُرْكٌ ورَهْطُ الأعْجَمِينَ وكابُلُ

الشعراء 26:199

صفحة ١٩٣ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . كانَ مِن جُمْلَةِ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقالُوا: (﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]) فَدَمَغَهُمُ اللَّهُ بِأنْ تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ بُهْتانَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ حَيْثُ جاءَهم بِالقُرْآنِ رَسُولٌ عَرَبِيٌّ وأنَّهُ لَوْ جاءَهم بِهَذا القُرْآنِ رَسُولٌ أعْجَمِيٌّ لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ بِأنْ أوْحى اللَّهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ إلى رَسُولٍ لا يَفْهَمُها ولا يُحْسِنُ تَأْلِيفَها فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، وفي قِراءَتِهِ وهو لا يُحْسِنُ اللُّغَةَ أيْضًا خارِقُ عادَةٍ؛ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَما آمَنُوا بِأنَّهُ رَسُولٌ مَعَ أنَّ ذَلِكَ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَزِيادَةُ قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) زِيادَةُ بَيانٍ في خَرْقِ العادَةِ. يَعْنِي أنَّ المُشْرِكِينَ لا يُرِيدُونَ مِمّا يُلْقُونَهُ مِنَ المَطاعِنِ البَحْثَ عَنِ الحَقِّ ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ وطَفِقُوا يَتَحَمَّلُونَ أعْذارًا لِتَكْذِيبِهِمْ جُحُودًا لِلْحَقِّ وتَسَتُّرًا مِنَ اللّائِمِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (عَلى قَلْبِكَ) أفادَ أنَّهُ أُوتِيَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ لا كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ: تَقَوَّلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَعْجِيزِهِمْ فَضَحَ نِيّاتَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ في كُلِّ حالٍ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] . و(الأعْجَمِينَ) جَمْعُ أعْجَمٍ. والأعْجَمُ: الشَّدِيدُ العُجْمَةِ، أيْ: لا يُحْسِنُ كَلِمَةً بِالعَرَبِيَّةِ، وهو هُنا مُرادِفُ أعْجَمِيٍّ بِياءِ النَّسَبِ فَيَصِحُّ في جَمْعِهِ عَلى أعْجَمِينَ اعْتِبارُ أنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ بِاعْتِبارِ جَمْعِ أعْجَمٍ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ حَمامَةً: ولَمْ أرَ مِثْلِي شاقَهُ لَفْظُ مِثْلِـها ولا عَرَبِيًّا شاقَهُ لَفْظُ أعْجَما صفحة ١٩٤ ويَصِحُّ اعْتِبارُ حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ لِلتَّخْفِيفِ. وأصْلُهُ: الأعْجَمِيِّينَ كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى أبِي طالِبٍ: وحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ رِحالَهم ∗∗∗ بِمَلْقى السُّيُولِ بَيْنَ سافٍ ونائِلِ أيِ الأشْعَرِيُّونَ، وعَلى هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُ النّابِغَةِ: قُعُودًا لَهُ غَسّانُ يَرْجُونَ أوْبَـهُ ∗∗∗ وتُرْكٌ ورَهْطُ الأعْجَمِينَ وكابُلُ

الشعراء 26:200

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ، إلّا أنَّ آيَةَ الحِجْرِ قِيلَ فِيها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: (سَلَكْناهُ)، والمَعْنى في الآيَتَيْنِ واحِدٌ والمَقْصُودُ مِنهُما واحِدٌ، فَوَجْهُ اخْتِيارِ المُضارِعِ في آيَةِ الحِجْرِ أنَّهُ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ إبْلاغٌ مَضى وهو الَّذِي أُبْلِغَ لِشِيَعِ الأوَّلِينَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فَيُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ مَعَ أنَّ المُرادَ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ذِكْرٌ لِغَيْرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَناسَبَها حِكايَةُ وُقُوعِ هَذا الإبْلاغِ مُنْذُ زَمَنٍ مَضى. وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ. وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ سَلَكْناهُ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ: إنْ سَألْتَ عَنِ اسْتِمْرارِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ في حِينِ أنَّهُ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا تَعْجَبْ فَكَذَلِكَ السُّلُوكُ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَهو تَشْبِيهٌ لِلسُّلُوكِ المَأْخُوذِ (مِن سَلَكْناهُ) بِنَفْسِهِ لِغَرابَتِهِ. وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: هو سُلُوكٌ لا يُشْبِهُهُ سُلُوكٌ وهو أنَّهُ دَخَلَ قُلُوبَهم بِإبانَتِهِ وعَرَفُوا دَلائِلَ صِدْقِهِ مِن أخْبارِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ومَعْنى (سَلَكْناهُ) أدْخَلْناهُ، قالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ صفحة ١٩٥ وعَبَّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (المُجْرِمِينَ)؛ لِأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْرامٌ. وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (المُجْرِمِينَ) . والغايَةُ في (حَتّى يَرَوُا العَذابَ) تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ. والعَذابُ صادِقٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ لِمَن هَلَكُوا قَبْلَ حُلُولِ عَذابِ الدُّنْيا، وصادِقٌ بِعَذابِ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) . وقَوْلُهُ: (﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾) صالِحٌ لِلْعَذابَيْنِ: عَذابُ الآخِرَةِ يَأْتِي عَقِبَ المَوْتِ والمَوْتُ يَحْصُلُ بَغْتَةً، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ بَغْتَةً حِينَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَأْتِيَهم) عاطِفَةٌ لِفِعْلِ (يَأْتِيَهم) عَلى فِعْلِ (يَرَوْا) كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَصْبُ (يَأْتِيَهم) وذَلِكَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى العَطْفِ مِن إفادَةِ التَّعْقِيبِ فَيُثِيرُ إشْكالًا بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا يَكُونُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ بَلْ هُما حاصِلانِ مُقْتَرِنَيْنِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والكاتِبُونَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَها بِما لا تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ. ولا وجْهَ عِنْدِي في تَأْوِيلِها أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ) وأُدْخِلَتِ الفاءُ فِيها لِبَيانِ صُورَةِ الِاشْتِمالِ، أيْ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُصُولِهِ بَغْتَةً، أيْ: يَرَوْنَهُ دَفْعَةً دُونَ سَبْقِ أشْراطٍ لَهُ. أمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَقُولُوا) فَهي لِإفادَةِ التَّعْقِيبِ في الوُجُودِ وهو صادِقٌ بِأسْرَعِ تَعْذِيبٍ فَتَكُونُ خَطِرَةً في نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلَكُوا في الدُّنْيا، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ويُرَدِّدُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ وحِينَ يُلْقَوْنَ فِيهِ. و(هَلْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في اسْتِفْهامٍ مُرادٍ بِهِ التَّمَنِّي مَجازًا، وجِيءَ بَعْدَها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: تَمَنَّوْا إنْظارًا طَوِيلًا يَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الشعراء 26:201

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ، إلّا أنَّ آيَةَ الحِجْرِ قِيلَ فِيها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: (سَلَكْناهُ)، والمَعْنى في الآيَتَيْنِ واحِدٌ والمَقْصُودُ مِنهُما واحِدٌ، فَوَجْهُ اخْتِيارِ المُضارِعِ في آيَةِ الحِجْرِ أنَّهُ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ إبْلاغٌ مَضى وهو الَّذِي أُبْلِغَ لِشِيَعِ الأوَّلِينَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فَيُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ مَعَ أنَّ المُرادَ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ذِكْرٌ لِغَيْرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَناسَبَها حِكايَةُ وُقُوعِ هَذا الإبْلاغِ مُنْذُ زَمَنٍ مَضى. وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ. وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ سَلَكْناهُ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ: إنْ سَألْتَ عَنِ اسْتِمْرارِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ في حِينِ أنَّهُ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا تَعْجَبْ فَكَذَلِكَ السُّلُوكُ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَهو تَشْبِيهٌ لِلسُّلُوكِ المَأْخُوذِ (مِن سَلَكْناهُ) بِنَفْسِهِ لِغَرابَتِهِ. وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: هو سُلُوكٌ لا يُشْبِهُهُ سُلُوكٌ وهو أنَّهُ دَخَلَ قُلُوبَهم بِإبانَتِهِ وعَرَفُوا دَلائِلَ صِدْقِهِ مِن أخْبارِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ومَعْنى (سَلَكْناهُ) أدْخَلْناهُ، قالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ صفحة ١٩٥ وعَبَّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (المُجْرِمِينَ)؛ لِأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْرامٌ. وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (المُجْرِمِينَ) . والغايَةُ في (حَتّى يَرَوُا العَذابَ) تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ. والعَذابُ صادِقٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ لِمَن هَلَكُوا قَبْلَ حُلُولِ عَذابِ الدُّنْيا، وصادِقٌ بِعَذابِ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) . وقَوْلُهُ: (﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾) صالِحٌ لِلْعَذابَيْنِ: عَذابُ الآخِرَةِ يَأْتِي عَقِبَ المَوْتِ والمَوْتُ يَحْصُلُ بَغْتَةً، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ بَغْتَةً حِينَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَأْتِيَهم) عاطِفَةٌ لِفِعْلِ (يَأْتِيَهم) عَلى فِعْلِ (يَرَوْا) كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَصْبُ (يَأْتِيَهم) وذَلِكَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى العَطْفِ مِن إفادَةِ التَّعْقِيبِ فَيُثِيرُ إشْكالًا بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا يَكُونُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ بَلْ هُما حاصِلانِ مُقْتَرِنَيْنِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والكاتِبُونَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَها بِما لا تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ. ولا وجْهَ عِنْدِي في تَأْوِيلِها أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ) وأُدْخِلَتِ الفاءُ فِيها لِبَيانِ صُورَةِ الِاشْتِمالِ، أيْ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُصُولِهِ بَغْتَةً، أيْ: يَرَوْنَهُ دَفْعَةً دُونَ سَبْقِ أشْراطٍ لَهُ. أمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَقُولُوا) فَهي لِإفادَةِ التَّعْقِيبِ في الوُجُودِ وهو صادِقٌ بِأسْرَعِ تَعْذِيبٍ فَتَكُونُ خَطِرَةً في نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلَكُوا في الدُّنْيا، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ويُرَدِّدُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ وحِينَ يُلْقَوْنَ فِيهِ. و(هَلْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في اسْتِفْهامٍ مُرادٍ بِهِ التَّمَنِّي مَجازًا، وجِيءَ بَعْدَها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: تَمَنَّوْا إنْظارًا طَوِيلًا يَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الشعراء 26:202

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ، إلّا أنَّ آيَةَ الحِجْرِ قِيلَ فِيها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: (سَلَكْناهُ)، والمَعْنى في الآيَتَيْنِ واحِدٌ والمَقْصُودُ مِنهُما واحِدٌ، فَوَجْهُ اخْتِيارِ المُضارِعِ في آيَةِ الحِجْرِ أنَّهُ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ إبْلاغٌ مَضى وهو الَّذِي أُبْلِغَ لِشِيَعِ الأوَّلِينَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فَيُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ مَعَ أنَّ المُرادَ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ذِكْرٌ لِغَيْرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَناسَبَها حِكايَةُ وُقُوعِ هَذا الإبْلاغِ مُنْذُ زَمَنٍ مَضى. وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ. وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ سَلَكْناهُ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ: إنْ سَألْتَ عَنِ اسْتِمْرارِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ في حِينِ أنَّهُ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا تَعْجَبْ فَكَذَلِكَ السُّلُوكُ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَهو تَشْبِيهٌ لِلسُّلُوكِ المَأْخُوذِ (مِن سَلَكْناهُ) بِنَفْسِهِ لِغَرابَتِهِ. وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: هو سُلُوكٌ لا يُشْبِهُهُ سُلُوكٌ وهو أنَّهُ دَخَلَ قُلُوبَهم بِإبانَتِهِ وعَرَفُوا دَلائِلَ صِدْقِهِ مِن أخْبارِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ومَعْنى (سَلَكْناهُ) أدْخَلْناهُ، قالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ صفحة ١٩٥ وعَبَّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (المُجْرِمِينَ)؛ لِأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْرامٌ. وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (المُجْرِمِينَ) . والغايَةُ في (حَتّى يَرَوُا العَذابَ) تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ. والعَذابُ صادِقٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ لِمَن هَلَكُوا قَبْلَ حُلُولِ عَذابِ الدُّنْيا، وصادِقٌ بِعَذابِ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) . وقَوْلُهُ: (﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾) صالِحٌ لِلْعَذابَيْنِ: عَذابُ الآخِرَةِ يَأْتِي عَقِبَ المَوْتِ والمَوْتُ يَحْصُلُ بَغْتَةً، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ بَغْتَةً حِينَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَأْتِيَهم) عاطِفَةٌ لِفِعْلِ (يَأْتِيَهم) عَلى فِعْلِ (يَرَوْا) كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَصْبُ (يَأْتِيَهم) وذَلِكَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى العَطْفِ مِن إفادَةِ التَّعْقِيبِ فَيُثِيرُ إشْكالًا بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا يَكُونُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ بَلْ هُما حاصِلانِ مُقْتَرِنَيْنِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والكاتِبُونَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَها بِما لا تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ. ولا وجْهَ عِنْدِي في تَأْوِيلِها أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ) وأُدْخِلَتِ الفاءُ فِيها لِبَيانِ صُورَةِ الِاشْتِمالِ، أيْ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُصُولِهِ بَغْتَةً، أيْ: يَرَوْنَهُ دَفْعَةً دُونَ سَبْقِ أشْراطٍ لَهُ. أمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَقُولُوا) فَهي لِإفادَةِ التَّعْقِيبِ في الوُجُودِ وهو صادِقٌ بِأسْرَعِ تَعْذِيبٍ فَتَكُونُ خَطِرَةً في نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلَكُوا في الدُّنْيا، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ويُرَدِّدُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ وحِينَ يُلْقَوْنَ فِيهِ. و(هَلْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في اسْتِفْهامٍ مُرادٍ بِهِ التَّمَنِّي مَجازًا، وجِيءَ بَعْدَها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: تَمَنَّوْا إنْظارًا طَوِيلًا يَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الشعراء 26:203

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ، إلّا أنَّ آيَةَ الحِجْرِ قِيلَ فِيها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: (سَلَكْناهُ)، والمَعْنى في الآيَتَيْنِ واحِدٌ والمَقْصُودُ مِنهُما واحِدٌ، فَوَجْهُ اخْتِيارِ المُضارِعِ في آيَةِ الحِجْرِ أنَّهُ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ إبْلاغٌ مَضى وهو الَّذِي أُبْلِغَ لِشِيَعِ الأوَّلِينَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ فَيُتَوَهَّمُ أنَّهُمُ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ مَعَ أنَّ المُرادَ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيها ذِكْرٌ لِغَيْرِ كَفّارِ قُرَيْشٍ فَناسَبَها حِكايَةُ وُقُوعِ هَذا الإبْلاغِ مُنْذُ زَمَنٍ مَضى. وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ. وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ سَلَكْناهُ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ: إنْ سَألْتَ عَنِ اسْتِمْرارِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ في حِينِ أنَّهُ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا تَعْجَبْ فَكَذَلِكَ السُّلُوكُ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَهو تَشْبِيهٌ لِلسُّلُوكِ المَأْخُوذِ (مِن سَلَكْناهُ) بِنَفْسِهِ لِغَرابَتِهِ. وهَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: هو سُلُوكٌ لا يُشْبِهُهُ سُلُوكٌ وهو أنَّهُ دَخَلَ قُلُوبَهم بِإبانَتِهِ وعَرَفُوا دَلائِلَ صِدْقِهِ مِن أخْبارِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ومَعْنى (سَلَكْناهُ) أدْخَلْناهُ، قالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ صفحة ١٩٥ وعَبَّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِ (المُجْرِمِينَ)؛ لِأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْرامٌ. وجُمْلَةُ (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (المُجْرِمِينَ) . والغايَةُ في (حَتّى يَرَوُا العَذابَ) تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ. والعَذابُ صادِقٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ لِمَن هَلَكُوا قَبْلَ حُلُولِ عَذابِ الدُّنْيا، وصادِقٌ بِعَذابِ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]) . وقَوْلُهُ: (﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾) صالِحٌ لِلْعَذابَيْنِ: عَذابُ الآخِرَةِ يَأْتِي عَقِبَ المَوْتِ والمَوْتُ يَحْصُلُ بَغْتَةً، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ بَغْتَةً حِينَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَأْتِيَهم) عاطِفَةٌ لِفِعْلِ (يَأْتِيَهم) عَلى فِعْلِ (يَرَوْا) كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَصْبُ (يَأْتِيَهم) وذَلِكَ ما يَسْتَلْزِمُهُ مَعْنى العَطْفِ مِن إفادَةِ التَّعْقِيبِ فَيُثِيرُ إشْكالًا بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا يَكُونُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ بَلْ هُما حاصِلانِ مُقْتَرِنَيْنِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَعْنى الآيَةِ. وقَدْ حاوَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والكاتِبُونَ عَلَيْهِ تَأْوِيلَها بِما لا تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ. ولا وجْهَ عِنْدِي في تَأْوِيلِها أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ) وأُدْخِلَتِ الفاءُ فِيها لِبَيانِ صُورَةِ الِاشْتِمالِ، أيْ: إنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُصُولِهِ بَغْتَةً، أيْ: يَرَوْنَهُ دَفْعَةً دُونَ سَبْقِ أشْراطٍ لَهُ. أمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (فَيَقُولُوا) فَهي لِإفادَةِ التَّعْقِيبِ في الوُجُودِ وهو صادِقٌ بِأسْرَعِ تَعْذِيبٍ فَتَكُونُ خَطِرَةً في نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلَكُوا في الدُّنْيا، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ويُرَدِّدُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ وحِينَ يُلْقَوْنَ فِيهِ. و(هَلْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في اسْتِفْهامٍ مُرادٍ بِهِ التَّمَنِّي مَجازًا، وجِيءَ بَعْدَها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: تَمَنَّوْا إنْظارًا طَوِيلًا يَتَمَكَّنُونَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الشعراء 26:204

صفحة ١٩٦ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَراْيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ . نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] تَقْدِيرُ جَوابٍ عَنْ تَكَرُّرِ سُؤالِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، حَيْثُ جَعَلُوا تَأخُّرَ حُصُولِ العَذابِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تُفِيدُ تَعْقِيبَ الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]) ونَحْوِهِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ. والمَعْنى: أيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا فَما تَأْخِيرُهُ إلّا تَمْتِيعٌ لَهم. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، ويَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] . قالَ مُقاتِلٌ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إلى مَتى تَعِدُنا بِالعَذابِ ولا تَأْتِي بِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . وتَقْدِيمُ (بِعَذابِنا) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِهِ في مَقامِ الإنْذارِ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يُسْتَعْجَلَ لِفَظاعَتِهِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مُقْتَضِيًا أنَّهم في مُهْلَةٍ مِنهُ ومُتْعَةٍ بِالسَّلامَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَغُرُّهم بِأنَّهم في مَنجاةٍ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ جابَهَهم بِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ . والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾) لِلتَّقْرِيرِ. و(ما) في قَوْلِهِ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. والرُّؤْيَةُ في (أفَرَأيْتَ) قَلْبِيَّةٌ، أيْ: أفَعَلِمْتَ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ حَتّى المُجْرِمِينَ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) . و(ثُمَّ جاءَهم) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشُّرَطِ المُعْتَرِضَةِ، و(ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، أيْ: جاءَهم بَعْدَ سِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صفحة ١٩٧ العَذابَ جائِيهِمْ وحالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ. و(﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ. وجُمْلَةُ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. و(﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ. والمَعْنى: أعَلِمْتَ أنَّ تَمْتِيعَهم بِالسَّلامَةِ وتَأْخِيرَ العَذابِ إنْ فُرِضَ امْتِدادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم شَيْئًا إنْ جاءَهُمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الأُمُورَ بِالخَواتِيمِ. في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: رَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ إذا أصْبَحَ أمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثُمَّ يَبْكِي ويَقُولُ: نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْـلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والـرَّدى لَـكَ لازِمٌ فَلا أنْتَ في الإيقاظِ يَقْظانُ حازِمٌ ∗∗∗ ولا أنْتَ في النُّوّامِ ناجٍ فَسالِـمُ تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُـنَـى ∗∗∗ كَما سُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ وتَسْعى إلى ما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَـهَـائِمُ ولَمْ أقِفْ عَلى صاحِبِ هَذِهِ الأبْياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَنِ المَنصُورِ.

الشعراء 26:205

صفحة ١٩٦ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَراْيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ . نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] تَقْدِيرُ جَوابٍ عَنْ تَكَرُّرِ سُؤالِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، حَيْثُ جَعَلُوا تَأخُّرَ حُصُولِ العَذابِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تُفِيدُ تَعْقِيبَ الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]) ونَحْوِهِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ. والمَعْنى: أيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا فَما تَأْخِيرُهُ إلّا تَمْتِيعٌ لَهم. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، ويَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] . قالَ مُقاتِلٌ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إلى مَتى تَعِدُنا بِالعَذابِ ولا تَأْتِي بِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . وتَقْدِيمُ (بِعَذابِنا) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِهِ في مَقامِ الإنْذارِ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يُسْتَعْجَلَ لِفَظاعَتِهِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مُقْتَضِيًا أنَّهم في مُهْلَةٍ مِنهُ ومُتْعَةٍ بِالسَّلامَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَغُرُّهم بِأنَّهم في مَنجاةٍ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ جابَهَهم بِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ . والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾) لِلتَّقْرِيرِ. و(ما) في قَوْلِهِ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. والرُّؤْيَةُ في (أفَرَأيْتَ) قَلْبِيَّةٌ، أيْ: أفَعَلِمْتَ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ حَتّى المُجْرِمِينَ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) . و(ثُمَّ جاءَهم) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشُّرَطِ المُعْتَرِضَةِ، و(ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، أيْ: جاءَهم بَعْدَ سِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صفحة ١٩٧ العَذابَ جائِيهِمْ وحالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ. و(﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ. وجُمْلَةُ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. و(﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ. والمَعْنى: أعَلِمْتَ أنَّ تَمْتِيعَهم بِالسَّلامَةِ وتَأْخِيرَ العَذابِ إنْ فُرِضَ امْتِدادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم شَيْئًا إنْ جاءَهُمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الأُمُورَ بِالخَواتِيمِ. في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: رَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ إذا أصْبَحَ أمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثُمَّ يَبْكِي ويَقُولُ: نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْـلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والـرَّدى لَـكَ لازِمٌ فَلا أنْتَ في الإيقاظِ يَقْظانُ حازِمٌ ∗∗∗ ولا أنْتَ في النُّوّامِ ناجٍ فَسالِـمُ تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُـنَـى ∗∗∗ كَما سُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ وتَسْعى إلى ما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَـهَـائِمُ ولَمْ أقِفْ عَلى صاحِبِ هَذِهِ الأبْياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَنِ المَنصُورِ.

الشعراء 26:206

صفحة ١٩٦ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَراْيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ . نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] تَقْدِيرُ جَوابٍ عَنْ تَكَرُّرِ سُؤالِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، حَيْثُ جَعَلُوا تَأخُّرَ حُصُولِ العَذابِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تُفِيدُ تَعْقِيبَ الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]) ونَحْوِهِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ. والمَعْنى: أيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا فَما تَأْخِيرُهُ إلّا تَمْتِيعٌ لَهم. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، ويَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] . قالَ مُقاتِلٌ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إلى مَتى تَعِدُنا بِالعَذابِ ولا تَأْتِي بِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . وتَقْدِيمُ (بِعَذابِنا) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِهِ في مَقامِ الإنْذارِ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يُسْتَعْجَلَ لِفَظاعَتِهِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مُقْتَضِيًا أنَّهم في مُهْلَةٍ مِنهُ ومُتْعَةٍ بِالسَّلامَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَغُرُّهم بِأنَّهم في مَنجاةٍ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ جابَهَهم بِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ . والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾) لِلتَّقْرِيرِ. و(ما) في قَوْلِهِ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. والرُّؤْيَةُ في (أفَرَأيْتَ) قَلْبِيَّةٌ، أيْ: أفَعَلِمْتَ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ حَتّى المُجْرِمِينَ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) . و(ثُمَّ جاءَهم) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشُّرَطِ المُعْتَرِضَةِ، و(ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، أيْ: جاءَهم بَعْدَ سِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صفحة ١٩٧ العَذابَ جائِيهِمْ وحالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ. و(﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ. وجُمْلَةُ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. و(﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ. والمَعْنى: أعَلِمْتَ أنَّ تَمْتِيعَهم بِالسَّلامَةِ وتَأْخِيرَ العَذابِ إنْ فُرِضَ امْتِدادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم شَيْئًا إنْ جاءَهُمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الأُمُورَ بِالخَواتِيمِ. في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: رَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ إذا أصْبَحَ أمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثُمَّ يَبْكِي ويَقُولُ: نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْـلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والـرَّدى لَـكَ لازِمٌ فَلا أنْتَ في الإيقاظِ يَقْظانُ حازِمٌ ∗∗∗ ولا أنْتَ في النُّوّامِ ناجٍ فَسالِـمُ تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُـنَـى ∗∗∗ كَما سُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ وتَسْعى إلى ما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَـهَـائِمُ ولَمْ أقِفْ عَلى صاحِبِ هَذِهِ الأبْياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَنِ المَنصُورِ.

الشعراء 26:207

صفحة ١٩٦ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَراْيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ . نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] تَقْدِيرُ جَوابٍ عَنْ تَكَرُّرِ سُؤالِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، حَيْثُ جَعَلُوا تَأخُّرَ حُصُولِ العَذابِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تُفِيدُ تَعْقِيبَ الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ: (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]) ونَحْوِهِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ. والمَعْنى: أيَسْتَعْجِلُونَ بِعَذابِنا فَما تَأْخِيرُهُ إلّا تَمْتِيعٌ لَهم. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، ويَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] . قالَ مُقاتِلٌ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إلى مَتى تَعِدُنا بِالعَذابِ ولا تَأْتِي بِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . وتَقْدِيمُ (بِعَذابِنا) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِهِ في مَقامِ الإنْذارِ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُ مِثْلِهِ أنْ يُسْتَعْجَلَ لِفَظاعَتِهِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مُقْتَضِيًا أنَّهم في مُهْلَةٍ مِنهُ ومُتْعَةٍ بِالسَّلامَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَغُرُّهم بِأنَّهم في مَنجاةٍ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ جابَهَهم بِجُمْلَةِ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ . والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾) لِلتَّقْرِيرِ. و(ما) في قَوْلِهِ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. والرُّؤْيَةُ في (أفَرَأيْتَ) قَلْبِيَّةٌ، أيْ: أفَعَلِمْتَ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَعُمُّ كُلَّ مُخاطَبٍ حَتّى المُجْرِمِينَ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) . و(ثُمَّ جاءَهم) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشُّرَطِ المُعْتَرِضَةِ، و(ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، أيْ: جاءَهم بَعْدَ سِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صفحة ١٩٧ العَذابَ جائِيهِمْ وحالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ. و(﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوعَدُونَهُ. وجُمْلَةُ (﴿ما أغْنى عَنْهُمْ﴾) سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (رَأيْتَ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. و(﴿ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾) مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُمَتَّعُونَهُ. والمَعْنى: أعَلِمْتَ أنَّ تَمْتِيعَهم بِالسَّلامَةِ وتَأْخِيرَ العَذابِ إنْ فُرِضَ امْتِدادُهُ سِنِينَ عَدِيدَةً غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهم شَيْئًا إنْ جاءَهُمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الأُمُورَ بِالخَواتِيمِ. في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: رَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَ إذا أصْبَحَ أمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَرَأ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثُمَّ يَبْكِي ويَقُولُ: نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْـلَةٌ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والـرَّدى لَـكَ لازِمٌ فَلا أنْتَ في الإيقاظِ يَقْظانُ حازِمٌ ∗∗∗ ولا أنْتَ في النُّوّامِ ناجٍ فَسالِـمُ تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُـنَـى ∗∗∗ كَما سُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ وتَسْعى إلى ما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَـهَـائِمُ ولَمْ أقِفْ عَلى صاحِبِ هَذِهِ الأبْياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رُوِيَ مَثِيلُهُ عَنِ المَنصُورِ.

الشعراء 26:208

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ . تَذْكِيرٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّ القُرى الَّتِي أهْلَكَها اللَّهُ والَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ كانَ لَها رُسُلٌ يُنْذِرُونَها عَذابَ اللَّهِ لِيَقِيسُوا حالَتَهم عَلى أحْوالِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهم. والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالٍ لَها مُنْذِرُونَ. وعُرِّيَتْ جُمْلَةُ الحالِ عَنِ الواوِ اسْتِغْناءً عَنِ الواوِ صفحة ١٩٨ بِحَرْفِ الِاسْتِثْناءِ ولَوْ ذُكِرَتِ الواوُ لَجازَ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] . وعَبَّرَ عَنِ الرُّسُلِ بِصِفَةِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّهْدِيدِ بِالإهْلاكِ.

الشعراء 26:209

﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . أيْ هَذِهِ ذِكْرى، فَذِكْرى في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ السِّياقِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ (بَلاغٌ) أيْ: هَذا بَلاغٌ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ (﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢])، وفي سُورَةِ ص (هَذا ذِكْرٌ) . والمَعْنى: هَذِهِ ذِكْرى لَكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. وهَذا المَعْنى هو أحْسَنُ الوُجُوهِ في مَوْقِعِ قَوْلِهِ (ذِكْرى) وهو قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ وإنِ اخْتَلَفا في تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في الشُّعَراءِ وقْفٌ تامٌّ إلّا قَوْلَهُ (﴿إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]) . وقَدْ تَرَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْقِعِ قَوْلِهِ (ذِكْرى) بِوُجُوهٍ جَعَلَها جَمِيعًا عَلى اعْتِبارِ قَوْلِهِ: (ذِكْرى) تَكْمِلَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ وهي غَيْرُ خَلِيَّةٍ عَنْ تَكَلُّفٍ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَّرَ. وجُمْلَةُ (﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (ذِكْرى) لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ يَقْتَضِي مُسْنَدًا إلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُفادُ (وما كُنّا ظالِمِينَ) الإعْذارُ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ والإنْذارُ بِأنَّهم سَيَحِلُّ بِهِمْ هَلاكٌ. وحَذْفُ مَفْعُولِ (ظالِمِينَ) لِقَصْدِ تَعْمِيمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .

الشعراء 26:210

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ اسْتَدْعاهُ تَناسُبُ المَعانِي وأخْذُ بَعْضِها بِحُجَزِ بَعْضٍ تَفَنُّنًا في الغَرَضِ. وهَذا رَدٌّ عَلى صفحة ١٩٩ قَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ هو كاهِنٌ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، وزَعْمِهِمْ أنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ شَيْطانٌ؛ فَقَدْ قالَتِ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ لَمّا تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ لَيْلَتَيْنِ لِمَرَضٍ: أرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. ولِذَلِكَ كانَ مِن جُمْلَةِ ما راجَعَهم بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ حِينَ شاوَرَهُ المُشْرِكُونَ فِيما يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: نَقُولُ: كَلامُهُ كَلامُ كاهِنٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِزَمْزَمَتِهِ. وكَلامُ الكُهّانِ في مَزاعِمِهِمْ مِن إلْقاءِ الجِنِّ إلَيْهِمْ، وإنَّما هو خَواطِرُ نُفُوسِهِمْ يَنْسُبُونَها إلى شَياطِينِهِمُ المَزْعُومَةِ. نُفِيَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيِ: الكُهّانُ لا يَجِيشُ في نُفُوسِهِمْ كَلامٌ مِثْلُ القُرْآنِ فَما كانَ لِشَياطِينِ الكُهّانِ أنْ يُفِيضُوا عَلى نُفُوسِ أوْلِيائِهِمْ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ. فالكَهانَةُ مِن كَذِبِ الكُهّانِ وتَمْوِيهِهِمْ، وأخْبارُ الكُهّانِ كُلُّها أقاصِيصُ وسَّعَها النّاقِلُونَ. فالتَّعْرِيفُ في (السَّمْعِ) لِلْعَهْدِ وهو ما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ مِن أنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، أيْ: تَتَحَيَّلُ عَلى الِاتِّصالِ بِعِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى. ذَلِكَ أنَّ الكُهّانَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَأْتِيهِمْ بِأخْبارِ ما يُقَدَّرُ في المَلَأِ الأعْلى مِمّا سَيَظْهَرُ حُدُوثُهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَلِذَلِكَ نُفِيَ هُنا تَنَزُّلُ الشَّياطِينِ بِكَلامِ القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّياطِينَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِأخْبارِ ما سَيَكُونُ. وبَيانُ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ ويَأْتِي في سُورَةِ الصّافّاتِ. ومَعْنى (﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾) ما يَسْتَقِيمُ وما يَصِحُّ، أيْ: لا يَسْتَقِيمُ لَهم تَلَقِّي كَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي الشَّأْنُ أنْ يَتَلَقّاهُ الرُّوحُ الأمِينُ، وما يَسْتَطِيعُونَ تَلَقِّيهِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ الشَّيْطانِيَّةَ ظَلْمانِيَّةٌ خَبِيثَةٌ بِالذّاتِ فَلا تَقْبَلُ الِانْتِقاشَ بِصُوَرِ ما يَجْرِي في عالَمِ الغَيْبِ فَإنَّ قَبُولَ فَيَضانِ الحَقِّ مَشْرُوطٌ بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ المَبْدَأِ والقابِلِ. فَضَمِيرُ (يَنْبَغِي) عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (بِهِ)، أيْ: ما يَنْبَغِي القُرْآنُ لَهم، أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يَنْزِلُوا بِهِ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ. ومَفْعُولُ (يَسْتَطِيعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُونَهُ. وأُعِيدَتِ الضَّمائِرُ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أضْمَرَ لَهم بِضَمِيرِ غَيْرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (وما تَنَزَّلَتْ) اعْتِبارًا بِمُلابَسَةِ ذَلِكَ لِلْكُهّانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ صِنْفًا مِنَ الشَّياطِينِ يَتَهَيَّأُ لِلتَّلَقِّي بِما يُسَمّى اسْتِراقُ السَّمْعِ وأنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهُ بِالشُّهُبِ. واسْتُؤْنِفَ بِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فَكانَ صفحة ٢٠٠ ذَلِكَ كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَهُ وهو بِعُمُومِهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ. والمَعْزُولُ: المُبْعَدُ عَنْ أمْرٍ فَهو في عُزْلَةٍ عَنْهُ. وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَهانَةِ مَن أصْلِها وهي وإنْ كانَتْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الِاتِّصالِ بِالقُوى الرُّوحِيَّةِ في سالِفِ الزَّمانِ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ مُنْذُ ظُهُورِ الإسْلامِ.

الشعراء 26:211

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ اسْتَدْعاهُ تَناسُبُ المَعانِي وأخْذُ بَعْضِها بِحُجَزِ بَعْضٍ تَفَنُّنًا في الغَرَضِ. وهَذا رَدٌّ عَلى صفحة ١٩٩ قَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ هو كاهِنٌ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، وزَعْمِهِمْ أنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ شَيْطانٌ؛ فَقَدْ قالَتِ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ لَمّا تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ لَيْلَتَيْنِ لِمَرَضٍ: أرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. ولِذَلِكَ كانَ مِن جُمْلَةِ ما راجَعَهم بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ حِينَ شاوَرَهُ المُشْرِكُونَ فِيما يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: نَقُولُ: كَلامُهُ كَلامُ كاهِنٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِزَمْزَمَتِهِ. وكَلامُ الكُهّانِ في مَزاعِمِهِمْ مِن إلْقاءِ الجِنِّ إلَيْهِمْ، وإنَّما هو خَواطِرُ نُفُوسِهِمْ يَنْسُبُونَها إلى شَياطِينِهِمُ المَزْعُومَةِ. نُفِيَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيِ: الكُهّانُ لا يَجِيشُ في نُفُوسِهِمْ كَلامٌ مِثْلُ القُرْآنِ فَما كانَ لِشَياطِينِ الكُهّانِ أنْ يُفِيضُوا عَلى نُفُوسِ أوْلِيائِهِمْ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ. فالكَهانَةُ مِن كَذِبِ الكُهّانِ وتَمْوِيهِهِمْ، وأخْبارُ الكُهّانِ كُلُّها أقاصِيصُ وسَّعَها النّاقِلُونَ. فالتَّعْرِيفُ في (السَّمْعِ) لِلْعَهْدِ وهو ما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ مِن أنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، أيْ: تَتَحَيَّلُ عَلى الِاتِّصالِ بِعِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى. ذَلِكَ أنَّ الكُهّانَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَأْتِيهِمْ بِأخْبارِ ما يُقَدَّرُ في المَلَأِ الأعْلى مِمّا سَيَظْهَرُ حُدُوثُهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَلِذَلِكَ نُفِيَ هُنا تَنَزُّلُ الشَّياطِينِ بِكَلامِ القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّياطِينَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِأخْبارِ ما سَيَكُونُ. وبَيانُ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ ويَأْتِي في سُورَةِ الصّافّاتِ. ومَعْنى (﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾) ما يَسْتَقِيمُ وما يَصِحُّ، أيْ: لا يَسْتَقِيمُ لَهم تَلَقِّي كَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي الشَّأْنُ أنْ يَتَلَقّاهُ الرُّوحُ الأمِينُ، وما يَسْتَطِيعُونَ تَلَقِّيهِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ الشَّيْطانِيَّةَ ظَلْمانِيَّةٌ خَبِيثَةٌ بِالذّاتِ فَلا تَقْبَلُ الِانْتِقاشَ بِصُوَرِ ما يَجْرِي في عالَمِ الغَيْبِ فَإنَّ قَبُولَ فَيَضانِ الحَقِّ مَشْرُوطٌ بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ المَبْدَأِ والقابِلِ. فَضَمِيرُ (يَنْبَغِي) عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (بِهِ)، أيْ: ما يَنْبَغِي القُرْآنُ لَهم، أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يَنْزِلُوا بِهِ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ. ومَفْعُولُ (يَسْتَطِيعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُونَهُ. وأُعِيدَتِ الضَّمائِرُ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أضْمَرَ لَهم بِضَمِيرِ غَيْرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (وما تَنَزَّلَتْ) اعْتِبارًا بِمُلابَسَةِ ذَلِكَ لِلْكُهّانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ صِنْفًا مِنَ الشَّياطِينِ يَتَهَيَّأُ لِلتَّلَقِّي بِما يُسَمّى اسْتِراقُ السَّمْعِ وأنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهُ بِالشُّهُبِ. واسْتُؤْنِفَ بِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فَكانَ صفحة ٢٠٠ ذَلِكَ كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَهُ وهو بِعُمُومِهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ. والمَعْزُولُ: المُبْعَدُ عَنْ أمْرٍ فَهو في عُزْلَةٍ عَنْهُ. وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَهانَةِ مَن أصْلِها وهي وإنْ كانَتْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الِاتِّصالِ بِالقُوى الرُّوحِيَّةِ في سالِفِ الزَّمانِ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ مُنْذُ ظُهُورِ الإسْلامِ.

الشعراء 26:212

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ اسْتَدْعاهُ تَناسُبُ المَعانِي وأخْذُ بَعْضِها بِحُجَزِ بَعْضٍ تَفَنُّنًا في الغَرَضِ. وهَذا رَدٌّ عَلى صفحة ١٩٩ قَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ هو كاهِنٌ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، وزَعْمِهِمْ أنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ شَيْطانٌ؛ فَقَدْ قالَتِ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ لَمّا تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ لَيْلَتَيْنِ لِمَرَضٍ: أرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. ولِذَلِكَ كانَ مِن جُمْلَةِ ما راجَعَهم بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ حِينَ شاوَرَهُ المُشْرِكُونَ فِيما يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: نَقُولُ: كَلامُهُ كَلامُ كاهِنٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِزَمْزَمَتِهِ. وكَلامُ الكُهّانِ في مَزاعِمِهِمْ مِن إلْقاءِ الجِنِّ إلَيْهِمْ، وإنَّما هو خَواطِرُ نُفُوسِهِمْ يَنْسُبُونَها إلى شَياطِينِهِمُ المَزْعُومَةِ. نُفِيَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، أيِ: الكُهّانُ لا يَجِيشُ في نُفُوسِهِمْ كَلامٌ مِثْلُ القُرْآنِ فَما كانَ لِشَياطِينِ الكُهّانِ أنْ يُفِيضُوا عَلى نُفُوسِ أوْلِيائِهِمْ مِثْلَ هَذا القُرْآنِ. فالكَهانَةُ مِن كَذِبِ الكُهّانِ وتَمْوِيهِهِمْ، وأخْبارُ الكُهّانِ كُلُّها أقاصِيصُ وسَّعَها النّاقِلُونَ. فالتَّعْرِيفُ في (السَّمْعِ) لِلْعَهْدِ وهو ما يَعْتَقِدُهُ العَرَبُ مِن أنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، أيْ: تَتَحَيَّلُ عَلى الِاتِّصالِ بِعِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى. ذَلِكَ أنَّ الكُهّانَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَأْتِيهِمْ بِأخْبارِ ما يُقَدَّرُ في المَلَأِ الأعْلى مِمّا سَيَظْهَرُ حُدُوثُهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَلِذَلِكَ نُفِيَ هُنا تَنَزُّلُ الشَّياطِينِ بِكَلامِ القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّياطِينَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِأخْبارِ ما سَيَكُونُ. وبَيانُ ذَلِكَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ ويَأْتِي في سُورَةِ الصّافّاتِ. ومَعْنى (﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾) ما يَسْتَقِيمُ وما يَصِحُّ، أيْ: لا يَسْتَقِيمُ لَهم تَلَقِّي كَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي الشَّأْنُ أنْ يَتَلَقّاهُ الرُّوحُ الأمِينُ، وما يَسْتَطِيعُونَ تَلَقِّيهِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ الشَّيْطانِيَّةَ ظَلْمانِيَّةٌ خَبِيثَةٌ بِالذّاتِ فَلا تَقْبَلُ الِانْتِقاشَ بِصُوَرِ ما يَجْرِي في عالَمِ الغَيْبِ فَإنَّ قَبُولَ فَيَضانِ الحَقِّ مَشْرُوطٌ بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ المَبْدَأِ والقابِلِ. فَضَمِيرُ (يَنْبَغِي) عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (بِهِ)، أيْ: ما يَنْبَغِي القُرْآنُ لَهم، أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ يَنْزِلُوا بِهِ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ. ومَفْعُولُ (يَسْتَطِيعُونَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَسْتَطِيعُونَهُ. وأُعِيدَتِ الضَّمائِرُ بِصِيغَةِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أضْمَرَ لَهم بِضَمِيرِ غَيْرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (وما تَنَزَّلَتْ) اعْتِبارًا بِمُلابَسَةِ ذَلِكَ لِلْكُهّانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ صِنْفًا مِنَ الشَّياطِينِ يَتَهَيَّأُ لِلتَّلَقِّي بِما يُسَمّى اسْتِراقُ السَّمْعِ وأنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهُ بِالشُّهُبِ. واسْتُؤْنِفَ بِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فَكانَ صفحة ٢٠٠ ذَلِكَ كالفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَهُ وهو بِعُمُومِهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ. والمَعْزُولُ: المُبْعَدُ عَنْ أمْرٍ فَهو في عُزْلَةٍ عَنْهُ. وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَهانَةِ مَن أصْلِها وهي وإنْ كانَتْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الِاتِّصالِ بِالقُوى الرُّوحِيَّةِ في سالِفِ الزَّمانِ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ مُنْذُ ظُهُورِ الإسْلامِ.

الشعراء 26:213

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ . لَمّا وجَّهَ الخِطابَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] إلى هُنا، في آياتٍ أشادَتْ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وحَقَّقَتْ صِدْقَهُ بِأنَّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ وشَهِدَ بِهِ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْحى عَلى المُشْرِكِينَ بِإبْطالِ ما ألْصَقُوهُ بِالقُرْآنِ مِن بُهْتانِهِمْ، لا جَرَمَ اقْتَضى ذَلِكَ ثُبُوتَ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ. وأصْلُ ذَلِكَ هو إبْطالُ دِينِ الشِّرْكِ الَّذِي تَقَلَّدَتْهُ قُرَيْشٌ وغَيْرُها وناضَلَتْ عَلَيْهِ بِالأكاذِيبِ؛ فَناسَبَ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلِلِاهْتِمامِ بِهَذا النَّهْيِ وقَعَ تَوْجِيهُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ مُنْتَهٍ عَنْ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلَّذِينِ هم مُتَلَبِّسُونَ بِالإشْراكِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] . والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الخِطابِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَبْلُغُهُ الخِطابُ. فالمَعْنى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونُوا مِنَ المُعَذَّبِينَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ أنَّهم سَيُعَذَّبُونَ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ وأصْحابَهُ غَيْرُ مُشْرِكِينَ.

الشعراء 26:214

﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، فَهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخاصِّ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِقَبُولِ صفحة ٢٠١ نُصْحِهِ وتَعْزِيزِ جانِبِهِ ولِئَلّا يَسْبِقَ إلى أذْهانِهِمْ أنَّ ما يُلْقِيهِ الرَّسُولُ مِنَ الغِلْظَةِ في الإنْذارِ وأهْوالِ الوَعِيدِ لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَرابَةُ هَذا المُنْذِرِ وخاصَّتُهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﷺ في نِدائِهِ لَهم («لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» )، وأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِقِلَّةِ رَعْيِ كَثِيرٍ مِنهم حَقَّ القَرابَةِ إذْ آذاهُ كَثِيرٌ مِنهم وعَصَوْهُ مِثْلُ أبِي لَهَبٍ فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم ناجُونَ في الحالَتَيْنِ وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهم لا يُكْتَفى مِن مُؤْمِنِهِمْ بِإيمانِهِ حَتّى يَضُمَّ إلَيْهِ العَمَلَ الصّالِحَ؛ فَهَذا مِمّا يَدْخُلُ في النَّذارَةِ، ولِذَلِكَ دَعا النَّبِيءُ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَرابَتَهُ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ. فَفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ يَجْمَعُها قَوْلُهم «لَمّا نَزَلَتْ (﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾) قامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هو، فَقالَ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَعَمَّ وخَصَّ، يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي هاشِمٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، اشْتَرُوا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي مِن مالِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» ) وكانَتْ صَفِيَّةُ وفاطِمَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وكانَ إنْذارُهُما إعْمالًا لِفِعْلِ الأمْرِ في مَعانِيهِ كُلِّها مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ وإلى صالِحِ الأعْمالِ؛ فَجَمَعَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ الإنْذارِ مِنَ الشِّرْكِ والإنْذارِ مِنَ المَعاصِي لِأنَّهُ أنْذَرَ صَفِيَّةَ وفاطِمَةَ وكانَتا مُسْلِمَتَيْنِ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعَدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ. لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هو، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: أرَأيْتَكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي صفحة ٢٠٢ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قالُوا: نَعَمْ ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد»: ٢] . وهَذا الحَدِيثُ يَقْتَضِي أنَّ سُورَةَ الشُّعَراءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ مَعَ أنَّ سُورَةَ أبِي لَهَبٍ عُدَّتِ السّادِسَةَ في عِدادِ السُّورِ وسُورَةَ الشُّعَراءِ عُدَّتِ السّابِعَةَ والأرْبَعِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ نَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الشُّعَراءِ مُفْرَدًا، فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لَمّا نَزَلَتْ (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) وأنَّ ذَلِكَ نُسِخَ. فَلَعَلَّ الآيَةَ نَزَلَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ نُسِخَتْ تِلاوَتُها ثُمَّ أُعِيدَ نُزُولُ بَعْضِها في جُمْلَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ. والعَشِيرَةُ: الأدْنُونَ مِنَ القَبِيلَةِ، فَوَصْفُ (الأقْرَبِينَ) تَأْكِيدٌ لِمَعْنى العَشِيرَةِ واجْتِلابٌ لِقُلُوبِهِمْ إلى إجابَةِ ما دَعاهم إلَيْهِ وتَعْرِيضٌ بِأهْلِ الإدانَةِ مِنهم. وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ . وإلى هَذا يُشِيرُ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ الدَّعْوَةِ المُتَقَدِّمَةِ «غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» أيْ: ذَلِكَ مُنْتَهى ما أمْلِكُ لَكم حِينَ لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَيَحِقُّ عَلَيْكم أنْ تَبُلُّوا لِي رَحِمِي مِمّا تَمْلِكُونَ فَإنَّكم تَمْلِكُونَ أنْ تَسْتَجِيبُوا لِي. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ العَشِيرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] في سُورَةِ بَراءَةَ.

الشعراء 26:215

﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ابْتِدارًا لِكَرامَةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ الأمْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، وبَعْدَ الأمْرِ بِالإنْذارِ الَّذِي لا يَخْلُو مِن وقْعٍ ألِيمٍ في النُّفُوسِ. وخَفْضُ الجَناحِ: مَثَلٌ لِلْمُعامَلَةِ بِاللِّينِ والتَّواضُعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] صفحة ٢٠٣ فِي سُورَةِ الإسْراءِ. والجَناحُ لِلطّائِرِ بِمَنزِلَةِ اليَدَيْنِ لِلدَّوابِّ، وبِالجَناحَيْنِ يَكُونُ الطَّيَرانُ. و(﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾) بَيانٌ لِ (﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾) فَإنَّ المُرادَ المُتابَعَةُ في الدِّينِ وهي الإيمانُ. والغَرَضُ مِن هَذا البَيانِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الإيمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْفِضْ جَناحَكَ لَهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وجَبْرٍ لِخاطِرِ المُؤْمِنِينَ مِن قَرابَتِهِ. ولِذَلِكَ لَمّا نادى في دُعائِهِ صَفِيَّةَ قالَ: عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ. ولَمّا نادى فاطِمَةَ قالَ: بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ. تَأْنِيسًا لَهُما، فَهَذا مِن خَفْضِ الجَناحِ ولَمْ يُقَلْ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْعَبّاسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا.

الشعراء 26:216

﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] أيْ: عَصَوْا أمْرَكَ المُسْتَفادَ مِنَ الأمْرِ بِالإنْذارِ، أيْ: فَإنْ عَصاكَ عَشِيرَتُكَ فَما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَتَبَرَّأ مِن عَمَلِهِمْ، وهَذا هو مَثارُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم في دَعْوَتِهِ: «غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» فالتَّبَرُّؤُ إنَّما هو مِن كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن صِلَتِهِمْ لِأجْلِ الرَّحِمِ وإعادَةِ النُّصْحِ لَهم كَما قالَ: «قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى» . وإنَّما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ لِإظْهارِ أنَّهم أهْلٌ لِلتَّبَرُّؤِ مِن أعْمالِهِمْ فَلا يَقْتَصِرُ عَلى إضْمارِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ.

الشعراء 26:217

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . وعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالعَوْذِ مِن شَرِّ أُولَئِكَ الأعْداءِ وتَنْصِيصًا عَلى اتِّصالِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِ: (إنِّي بَرِيءٌ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (وتَوَكَّلْ) بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتَوَكَّلْ، وعَطْفُهُ عَلى الجَوابِ يَقْتَضِي تَسَبُّبَهُ عَلى الشَّرْطِ كَتَسَبُّبِ الجَوابِ وهو يَسْتَلْزِمُ البِدارَ بِهِ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ طَرِيقُ انْتِزاعِهِ. صفحة ٢٠٤ والمَعْنى: فَإنْ عَصاكَ أهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم. ولَمّا كانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجافاةٍ وعَداوَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأنْ لا يَعْبَأ بِهِمْ وأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فَهو كافِيهِ كَما قالَ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما تَبِعَهُما مِنَ الوَصْفِ المَوْصُولِ وما ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ يُلاحِظُ قَوْلَهُ ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يَأْتِي بِما أوْمَأتْ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفاتُ ومُسْتَتْبَعاتُها بِوَصْفِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بِعِزَّتِهِ قادِرٌ عَلى تَغَلُّبِهِ عَلى عَدُوِّهِ الَّذِي هو أقْوى مِنهُ، وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنهم. وقَدْ لُوحِظَ هَذانِ الِاسْمانِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذا الِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ المَرْءِ أمْرَهُ إلى مَن يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ووَصْفُهُ تَعالى بِ (﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾) مَقْصُودٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إلى اللَّهِ ويَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ (يَراكَ) رُؤْيَةً خاصَّةً وهي رُؤْيَةُ الإقْبالِ والتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) . والقِيامُ: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلَيْهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والتَّقَلُّبُ في السّاجِدِينَ هو صَلاتُهُ في جَماعاتِ المُسْلِمِينَ في مَسْجِدِهِ. وهَذا يَجْمَعُ مَعْنى العِنايَةِ بِالمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذا مِن بَرَكَتِهِ ﷺ وقَدْ جَمَعَها هَذا التَّرْكِيبُ العَجِيبُ الإيجازِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ مُقاتِلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْضُرُنِي، فَتَلا مُقاتِلٌ هَذِهِ الآيَةَ. ومَوْقِعُ (﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِ (﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦])، ولِلْأمْرِ بِ (تَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فَصِفَةُ (السَّمِيعِ) مُناسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وصِفَةُ (العَلِيمِ) مُناسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أيْ: إنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ ويَعْلَمُ عَزْمَكَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو السَّمِيعُ العَلِيمُ) لِلتَّقْوِيَةِ.

الشعراء 26:218

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . وعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالعَوْذِ مِن شَرِّ أُولَئِكَ الأعْداءِ وتَنْصِيصًا عَلى اتِّصالِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِ: (إنِّي بَرِيءٌ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (وتَوَكَّلْ) بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتَوَكَّلْ، وعَطْفُهُ عَلى الجَوابِ يَقْتَضِي تَسَبُّبَهُ عَلى الشَّرْطِ كَتَسَبُّبِ الجَوابِ وهو يَسْتَلْزِمُ البِدارَ بِهِ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ طَرِيقُ انْتِزاعِهِ. صفحة ٢٠٤ والمَعْنى: فَإنْ عَصاكَ أهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم. ولَمّا كانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجافاةٍ وعَداوَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأنْ لا يَعْبَأ بِهِمْ وأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فَهو كافِيهِ كَما قالَ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما تَبِعَهُما مِنَ الوَصْفِ المَوْصُولِ وما ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ يُلاحِظُ قَوْلَهُ ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يَأْتِي بِما أوْمَأتْ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفاتُ ومُسْتَتْبَعاتُها بِوَصْفِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بِعِزَّتِهِ قادِرٌ عَلى تَغَلُّبِهِ عَلى عَدُوِّهِ الَّذِي هو أقْوى مِنهُ، وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنهم. وقَدْ لُوحِظَ هَذانِ الِاسْمانِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذا الِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ المَرْءِ أمْرَهُ إلى مَن يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ووَصْفُهُ تَعالى بِ (﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾) مَقْصُودٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إلى اللَّهِ ويَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ (يَراكَ) رُؤْيَةً خاصَّةً وهي رُؤْيَةُ الإقْبالِ والتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) . والقِيامُ: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلَيْهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والتَّقَلُّبُ في السّاجِدِينَ هو صَلاتُهُ في جَماعاتِ المُسْلِمِينَ في مَسْجِدِهِ. وهَذا يَجْمَعُ مَعْنى العِنايَةِ بِالمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذا مِن بَرَكَتِهِ ﷺ وقَدْ جَمَعَها هَذا التَّرْكِيبُ العَجِيبُ الإيجازِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ مُقاتِلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْضُرُنِي، فَتَلا مُقاتِلٌ هَذِهِ الآيَةَ. ومَوْقِعُ (﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِ (﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦])، ولِلْأمْرِ بِ (تَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فَصِفَةُ (السَّمِيعِ) مُناسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وصِفَةُ (العَلِيمِ) مُناسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أيْ: إنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ ويَعْلَمُ عَزْمَكَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو السَّمِيعُ العَلِيمُ) لِلتَّقْوِيَةِ.

الشعراء 26:219

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . وعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالعَوْذِ مِن شَرِّ أُولَئِكَ الأعْداءِ وتَنْصِيصًا عَلى اتِّصالِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِ: (إنِّي بَرِيءٌ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (وتَوَكَّلْ) بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتَوَكَّلْ، وعَطْفُهُ عَلى الجَوابِ يَقْتَضِي تَسَبُّبَهُ عَلى الشَّرْطِ كَتَسَبُّبِ الجَوابِ وهو يَسْتَلْزِمُ البِدارَ بِهِ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ طَرِيقُ انْتِزاعِهِ. صفحة ٢٠٤ والمَعْنى: فَإنْ عَصاكَ أهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم. ولَمّا كانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجافاةٍ وعَداوَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأنْ لا يَعْبَأ بِهِمْ وأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فَهو كافِيهِ كَما قالَ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما تَبِعَهُما مِنَ الوَصْفِ المَوْصُولِ وما ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ يُلاحِظُ قَوْلَهُ ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يَأْتِي بِما أوْمَأتْ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفاتُ ومُسْتَتْبَعاتُها بِوَصْفِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بِعِزَّتِهِ قادِرٌ عَلى تَغَلُّبِهِ عَلى عَدُوِّهِ الَّذِي هو أقْوى مِنهُ، وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنهم. وقَدْ لُوحِظَ هَذانِ الِاسْمانِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذا الِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ المَرْءِ أمْرَهُ إلى مَن يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ووَصْفُهُ تَعالى بِ (﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾) مَقْصُودٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إلى اللَّهِ ويَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ (يَراكَ) رُؤْيَةً خاصَّةً وهي رُؤْيَةُ الإقْبالِ والتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) . والقِيامُ: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلَيْهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والتَّقَلُّبُ في السّاجِدِينَ هو صَلاتُهُ في جَماعاتِ المُسْلِمِينَ في مَسْجِدِهِ. وهَذا يَجْمَعُ مَعْنى العِنايَةِ بِالمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذا مِن بَرَكَتِهِ ﷺ وقَدْ جَمَعَها هَذا التَّرْكِيبُ العَجِيبُ الإيجازِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ مُقاتِلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْضُرُنِي، فَتَلا مُقاتِلٌ هَذِهِ الآيَةَ. ومَوْقِعُ (﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِ (﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦])، ولِلْأمْرِ بِ (تَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فَصِفَةُ (السَّمِيعِ) مُناسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وصِفَةُ (العَلِيمِ) مُناسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أيْ: إنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ ويَعْلَمُ عَزْمَكَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو السَّمِيعُ العَلِيمُ) لِلتَّقْوِيَةِ.

الشعراء 26:220

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . وعَطَفَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالعَوْذِ مِن شَرِّ أُولَئِكَ الأعْداءِ وتَنْصِيصًا عَلى اتِّصالِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِ: (إنِّي بَرِيءٌ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (وتَوَكَّلْ) بِالواوِ وهو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتَوَكَّلْ، وعَطْفُهُ عَلى الجَوابِ يَقْتَضِي تَسَبُّبَهُ عَلى الشَّرْطِ كَتَسَبُّبِ الجَوابِ وهو يَسْتَلْزِمُ البِدارَ بِهِ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ طَرِيقُ انْتِزاعِهِ. صفحة ٢٠٤ والمَعْنى: فَإنْ عَصاكَ أهْلُ عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم. ولَمّا كانَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِحُدُوثِ مُجافاةٍ وعَداوَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ثَبَّتَ اللَّهُ جَأْشَ رَسُولِهِ بِأنْ لا يَعْبَأ بِهِمْ وأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فَهو كافِيهِ كَما قالَ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالِاسْمَيْنِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما تَبِعَهُما مِنَ الوَصْفِ المَوْصُولِ وما ذَيَّلَ بِهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ يُلاحِظُ قَوْلَهُ ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يَأْتِي بِما أوْمَأتْ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفاتُ ومُسْتَتْبَعاتُها بِوَصْفِ (العَزِيزِ الرَّحِيمِ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بِعِزَّتِهِ قادِرٌ عَلى تَغَلُّبِهِ عَلى عَدُوِّهِ الَّذِي هو أقْوى مِنهُ، وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَعْصِمُهُ مِنهم. وقَدْ لُوحِظَ هَذانِ الِاسْمانِ غَيْرَ مَرَّةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ لِهَذا الِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ المَرْءِ أمْرَهُ إلى مَن يَكْفِيهِ مُهِمَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ووَصْفُهُ تَعالى بِ (﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾) مَقْصُودٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَوَجُّهَهُ إلى اللَّهِ ويَقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ (يَراكَ) رُؤْيَةً خاصَّةً وهي رُؤْيَةُ الإقْبالِ والتَّقَبُّلِ كَقَوْلِهِ (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) . والقِيامُ: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، غَلَبَ هَذا الِاسْمُ عَلَيْهِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، والتَّقَلُّبُ في السّاجِدِينَ هو صَلاتُهُ في جَماعاتِ المُسْلِمِينَ في مَسْجِدِهِ. وهَذا يَجْمَعُ مَعْنى العِنايَةِ بِالمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْعِنايَةِ بِرَسُولِهِمْ، فَهَذا مِن بَرَكَتِهِ ﷺ وقَدْ جَمَعَها هَذا التَّرْكِيبُ العَجِيبُ الإيجازِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ مُقاتِلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْضُرُنِي، فَتَلا مُقاتِلٌ هَذِهِ الآيَةَ. ومَوْقِعُ (﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِ (﴿فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦])، ولِلْأمْرِ بِ (تَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فَصِفَةُ (السَّمِيعِ) مُناسِبَةٌ لِلْقَوْلِ، وصِفَةُ (العَلِيمِ) مُناسِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ، أيْ: إنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَكَ ويَعْلَمُ عَزْمَكَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (هو السَّمِيعُ العَلِيمُ) لِلتَّقْوِيَةِ.

الشعراء 26:221

صفحة ٢٠٥ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ . لَمّا سَفَّهَ قَوْلَهم في القُرْآنِ: إنَّهُ قَوْلُ كاهِنٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلشَّياطِينِ ولا يَسْتَطِيعُونَ مِثْلَهُ، وأنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ أخْبارِ أوْلِيائِهِمْ، عادَ الكَلامُ إلى وصْفِ حالِ كُهّانِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَلَبَّسَ بِحالِ أوْلِيائِهِمْ. فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وأُلْقِيَ الكَلامُ إلَيْهِمْ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ عَنْ أنْ يُعَرِّفَهم بِمَن تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، اسْتِفْهامًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ مِمّا يَسُوءُهم لِذَلِكَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِمْ بِكَشْفِهِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الخَبَرِ مِمّا يُسْتَأْذَنُ في الإخْبارِ بِهِ. واخْتِيرَ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ الدّالُّ عَلى التَّحْقِيقِ وهو (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ في الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى (قَدْ) والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ فِيها بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أُنَبِّئُكم إنْباءً ثابِتًا مُحَقَّقًا وهو اسْتِفْهامٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ جَوابُ المُسْتَفْهَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَلِذَلِكَ يَعْقُبُهُ الإفْضاءُ بِما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ قَبْلَ الإذْنِ مِنَ السّامِعِ. ونَظِيرُهُ في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وإنْ كانَ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ فَرْقٌ. وفِعْلُ (أُنَبِّئُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وهو أيْضًا اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ مَعْناهُ الخَبَرُ كِنايَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ إنَّهُ مِمّا يَسْتَفْهِمُ عَنْهُ المُتَحَسِّسُونَ ويَتَطَلَّبُونَهُ، فالِاسْتِفْهامُ مِن لَوازِمِ الِاهْتِمامِ. والمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُتَنَزَّلِ عَلَيْهِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: مَن تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ فَلَمّا قَدَّمَ المَجْرُورَ دَخَلَ حَرْفُ (عَلى) عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو (مَن)؛ لِأنَّ ماصَدَقَها هو المُتَنَزَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الِاسْتِفْهامِ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ وهو أصْلُها، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ كَما تَضَمَّنَتْهُ (هَلْ)، فَإذا لَزِمَ مَجِيءُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ صفحة ٢٠٦ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ تَرَجَّحَ فِيها جانِبُ الِاسْمِيَّةِ فَدَخَلَ الحَرْفُ عَلَيْها ولَمْ تُقَدَّمْ هي عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ: أعَلى زَيْدٍ مَرَرْتَ ؟ ولا تَقُولُ: مَن عَلى مَرَرْتَ ؟ وإنَّما تَقُولُ: عَلى مَن مَرَرْتَ ؟ وكَذا في بَقِيَّةِ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨]، وقَوْلُهم: عَلامَ، وإلامَ، وحَتّامَ، و﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] . وأُجِيبَ الِاسْتِفْهامُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ . و(كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ: عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأفّاكِينَ وهُمُ الكُهّانُ، قالَ النّابِغَةُ: وكُلِّ صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّـعِـيَّةٍ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلُ والأفّاكُ كَثِيرُ الإفْكِ، أيِ: الكَذِبُ، والأثِيمُ كَثِيرُ الإثْمِ. وإنَّما كانَ الكاهِنُ أثِيمًا؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ إلى كَذِبِهِ تَضْلِيلَ النّاسِ بِتَمْوِيهِ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا صِدْقًا، وأنَّهُ يَتَلَقّى الخَبَرَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي تَأْتِيهِ بِخَبَرِ السَّماءِ. وجُعِلَ لِلشَّياطِينِ (تَنَزُّلٌ)؛ لِأنَّ اتِّصالَها بِنُفُوسِ الكُهّانِ يَكُونُ بِتَسَلْسُلِ تَمَوُّجاتٍ في الأجْواءِ العُلْيا كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ. و(﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾) صِفَةٌ لِ (﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾)، أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يُلْقُونَ أسْماعَهم عِنْدَ مُشاهَدَةِ كَواكِبَ لِتَتَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ شَياطِينُهم بِالخَبَرِ وذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ وإثْمِهِمْ. وإلْقاءُ السَّمْعِ: هو شِدَّةُ الإصْغاءِ حَتّى كَأنَّهُ إلْقاءٌ لِلسَّمْعِ مِن مَوْضِعِهِ، شَبَّهَ تَوْجِيهَ حاسَّةِ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ الخَفِيِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ أوْ في الهَواءِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: أبْلَغُ في الإصْغاءِ لِيَعِيَ ما يُقالُ لَهُ. وهَذا كَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ إصْغاءٌ، أيْ: إمالَةُ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ. وقَوْلُهُ: (﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾) أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ فِيما يَزْعُمُونَ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِنَ الشَّياطِينِ وهم لَمْ يَتَلَقَّوْا مِنها شَيْئًا، أيْ: وبَعْضُهم يَتَلَقّى شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الشَّياطِينِ فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ. صفحة ٢٠٧ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. فَقالَ: تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ عَلَيْها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ» . فَهم أفّاكُونَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الكَذِبِ، فَمِنهم أفّاكُونَ فِيما يَزِيدُونَهُ عَلى خَبَرِ الجِنِّ، ومِنهم أفّاكُونَ في أصْلِ تَلَقِّي شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ولَمّا كانَ حالُ الكُهّانِ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ بِبَعْضِ أحْوالِ النُّبُوءَةِ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ، وأسْجاعُهم قَدْ تَلْتَبِسُ بِآياتِ القُرْآنِ في بادِئِ النَّظَرِ. أطْنَبَتِ الآيَةُ في بَيانِ ماهِيَّةِ الكَهانَةِ وبَيَّنَتْ أنَّ قُصاراها الإخْبارُ عَنْ أشْياءَ قَلِيلَةٍ قَدْ تَصْدُقُ، فَأيْنَ هَذا مِن هَدْيِ النَّبِيءِ والقُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ الآدابِ والإرْشادِ والتَّعْلِيمِ والبَلاغَةِ والفَصاحَةِ والصَّراحَةِ والإعْجازِ ولا تَصَدِّي مِنهُ لِلْإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ. كَما قالَ: (ولا أعْلَمُ الغَيْبَ) في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا المَعْنى.

الشعراء 26:222

صفحة ٢٠٥ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ . لَمّا سَفَّهَ قَوْلَهم في القُرْآنِ: إنَّهُ قَوْلُ كاهِنٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلشَّياطِينِ ولا يَسْتَطِيعُونَ مِثْلَهُ، وأنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ أخْبارِ أوْلِيائِهِمْ، عادَ الكَلامُ إلى وصْفِ حالِ كُهّانِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَلَبَّسَ بِحالِ أوْلِيائِهِمْ. فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وأُلْقِيَ الكَلامُ إلَيْهِمْ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ عَنْ أنْ يُعَرِّفَهم بِمَن تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، اسْتِفْهامًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ مِمّا يَسُوءُهم لِذَلِكَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِمْ بِكَشْفِهِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الخَبَرِ مِمّا يُسْتَأْذَنُ في الإخْبارِ بِهِ. واخْتِيرَ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ الدّالُّ عَلى التَّحْقِيقِ وهو (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ في الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى (قَدْ) والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ فِيها بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أُنَبِّئُكم إنْباءً ثابِتًا مُحَقَّقًا وهو اسْتِفْهامٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ جَوابُ المُسْتَفْهَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَلِذَلِكَ يَعْقُبُهُ الإفْضاءُ بِما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ قَبْلَ الإذْنِ مِنَ السّامِعِ. ونَظِيرُهُ في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وإنْ كانَ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ فَرْقٌ. وفِعْلُ (أُنَبِّئُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وهو أيْضًا اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ مَعْناهُ الخَبَرُ كِنايَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ إنَّهُ مِمّا يَسْتَفْهِمُ عَنْهُ المُتَحَسِّسُونَ ويَتَطَلَّبُونَهُ، فالِاسْتِفْهامُ مِن لَوازِمِ الِاهْتِمامِ. والمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُتَنَزَّلِ عَلَيْهِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: مَن تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ فَلَمّا قَدَّمَ المَجْرُورَ دَخَلَ حَرْفُ (عَلى) عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو (مَن)؛ لِأنَّ ماصَدَقَها هو المُتَنَزَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الِاسْتِفْهامِ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ وهو أصْلُها، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ كَما تَضَمَّنَتْهُ (هَلْ)، فَإذا لَزِمَ مَجِيءُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ صفحة ٢٠٦ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ تَرَجَّحَ فِيها جانِبُ الِاسْمِيَّةِ فَدَخَلَ الحَرْفُ عَلَيْها ولَمْ تُقَدَّمْ هي عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ: أعَلى زَيْدٍ مَرَرْتَ ؟ ولا تَقُولُ: مَن عَلى مَرَرْتَ ؟ وإنَّما تَقُولُ: عَلى مَن مَرَرْتَ ؟ وكَذا في بَقِيَّةِ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨]، وقَوْلُهم: عَلامَ، وإلامَ، وحَتّامَ، و﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] . وأُجِيبَ الِاسْتِفْهامُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ . و(كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ: عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأفّاكِينَ وهُمُ الكُهّانُ، قالَ النّابِغَةُ: وكُلِّ صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّـعِـيَّةٍ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلُ والأفّاكُ كَثِيرُ الإفْكِ، أيِ: الكَذِبُ، والأثِيمُ كَثِيرُ الإثْمِ. وإنَّما كانَ الكاهِنُ أثِيمًا؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ إلى كَذِبِهِ تَضْلِيلَ النّاسِ بِتَمْوِيهِ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا صِدْقًا، وأنَّهُ يَتَلَقّى الخَبَرَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي تَأْتِيهِ بِخَبَرِ السَّماءِ. وجُعِلَ لِلشَّياطِينِ (تَنَزُّلٌ)؛ لِأنَّ اتِّصالَها بِنُفُوسِ الكُهّانِ يَكُونُ بِتَسَلْسُلِ تَمَوُّجاتٍ في الأجْواءِ العُلْيا كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ. و(﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾) صِفَةٌ لِ (﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾)، أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يُلْقُونَ أسْماعَهم عِنْدَ مُشاهَدَةِ كَواكِبَ لِتَتَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ شَياطِينُهم بِالخَبَرِ وذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ وإثْمِهِمْ. وإلْقاءُ السَّمْعِ: هو شِدَّةُ الإصْغاءِ حَتّى كَأنَّهُ إلْقاءٌ لِلسَّمْعِ مِن مَوْضِعِهِ، شَبَّهَ تَوْجِيهَ حاسَّةِ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ الخَفِيِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ أوْ في الهَواءِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: أبْلَغُ في الإصْغاءِ لِيَعِيَ ما يُقالُ لَهُ. وهَذا كَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ إصْغاءٌ، أيْ: إمالَةُ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ. وقَوْلُهُ: (﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾) أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ فِيما يَزْعُمُونَ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِنَ الشَّياطِينِ وهم لَمْ يَتَلَقَّوْا مِنها شَيْئًا، أيْ: وبَعْضُهم يَتَلَقّى شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الشَّياطِينِ فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ. صفحة ٢٠٧ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. فَقالَ: تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ عَلَيْها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ» . فَهم أفّاكُونَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الكَذِبِ، فَمِنهم أفّاكُونَ فِيما يَزِيدُونَهُ عَلى خَبَرِ الجِنِّ، ومِنهم أفّاكُونَ في أصْلِ تَلَقِّي شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ولَمّا كانَ حالُ الكُهّانِ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ بِبَعْضِ أحْوالِ النُّبُوءَةِ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ، وأسْجاعُهم قَدْ تَلْتَبِسُ بِآياتِ القُرْآنِ في بادِئِ النَّظَرِ. أطْنَبَتِ الآيَةُ في بَيانِ ماهِيَّةِ الكَهانَةِ وبَيَّنَتْ أنَّ قُصاراها الإخْبارُ عَنْ أشْياءَ قَلِيلَةٍ قَدْ تَصْدُقُ، فَأيْنَ هَذا مِن هَدْيِ النَّبِيءِ والقُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ الآدابِ والإرْشادِ والتَّعْلِيمِ والبَلاغَةِ والفَصاحَةِ والصَّراحَةِ والإعْجازِ ولا تَصَدِّي مِنهُ لِلْإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ. كَما قالَ: (ولا أعْلَمُ الغَيْبَ) في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا المَعْنى.

الشعراء 26:223

صفحة ٢٠٥ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ . لَمّا سَفَّهَ قَوْلَهم في القُرْآنِ: إنَّهُ قَوْلُ كاهِنٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلشَّياطِينِ ولا يَسْتَطِيعُونَ مِثْلَهُ، وأنَّهم حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ أخْبارِ أوْلِيائِهِمْ، عادَ الكَلامُ إلى وصْفِ حالِ كُهّانِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَلَبَّسَ بِحالِ أوْلِيائِهِمْ. فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وأُلْقِيَ الكَلامُ إلَيْهِمْ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ عَنْ أنْ يُعَرِّفَهم بِمَن تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ، اسْتِفْهامًا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ مِمّا يَسُوءُهم لِذَلِكَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِمْ بِكَشْفِهِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الخَبَرِ مِمّا يُسْتَأْذَنُ في الإخْبارِ بِهِ. واخْتِيرَ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ الدّالُّ عَلى التَّحْقِيقِ وهو (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ في الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى (قَدْ) والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ فِيها بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أُنَبِّئُكم إنْباءً ثابِتًا مُحَقَّقًا وهو اسْتِفْهامٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ جَوابُ المُسْتَفْهَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَلِذَلِكَ يَعْقُبُهُ الإفْضاءُ بِما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ قَبْلَ الإذْنِ مِنَ السّامِعِ. ونَظِيرُهُ في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وإنْ كانَ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ فَرْقٌ. وفِعْلُ (أُنَبِّئُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ . وهو أيْضًا اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ مَعْناهُ الخَبَرُ كِنايَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ إنَّهُ مِمّا يَسْتَفْهِمُ عَنْهُ المُتَحَسِّسُونَ ويَتَطَلَّبُونَهُ، فالِاسْتِفْهامُ مِن لَوازِمِ الِاهْتِمامِ. والمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُتَنَزَّلِ عَلَيْهِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: مَن تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّياطِينُ فَلَمّا قَدَّمَ المَجْرُورَ دَخَلَ حَرْفُ (عَلى) عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو (مَن)؛ لِأنَّ ماصَدَقَها هو المُتَنَزَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الِاسْتِفْهامِ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ وهو أصْلُها، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ كَما تَضَمَّنَتْهُ (هَلْ)، فَإذا لَزِمَ مَجِيءُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ صفحة ٢٠٦ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ تَرَجَّحَ فِيها جانِبُ الِاسْمِيَّةِ فَدَخَلَ الحَرْفُ عَلَيْها ولَمْ تُقَدَّمْ هي عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ: أعَلى زَيْدٍ مَرَرْتَ ؟ ولا تَقُولُ: مَن عَلى مَرَرْتَ ؟ وإنَّما تَقُولُ: عَلى مَن مَرَرْتَ ؟ وكَذا في بَقِيَّةِ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨]، وقَوْلُهم: عَلامَ، وإلامَ، وحَتّامَ، و﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] . وأُجِيبَ الِاسْتِفْهامُ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ . و(كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ: عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأفّاكِينَ وهُمُ الكُهّانُ، قالَ النّابِغَةُ: وكُلِّ صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّـعِـيَّةٍ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلُ والأفّاكُ كَثِيرُ الإفْكِ، أيِ: الكَذِبُ، والأثِيمُ كَثِيرُ الإثْمِ. وإنَّما كانَ الكاهِنُ أثِيمًا؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ إلى كَذِبِهِ تَضْلِيلَ النّاسِ بِتَمْوِيهِ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا صِدْقًا، وأنَّهُ يَتَلَقّى الخَبَرَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّتِي تَأْتِيهِ بِخَبَرِ السَّماءِ. وجُعِلَ لِلشَّياطِينِ (تَنَزُّلٌ)؛ لِأنَّ اتِّصالَها بِنُفُوسِ الكُهّانِ يَكُونُ بِتَسَلْسُلِ تَمَوُّجاتٍ في الأجْواءِ العُلْيا كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ. و(﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾) صِفَةٌ لِ (﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾)، أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يُلْقُونَ أسْماعَهم عِنْدَ مُشاهَدَةِ كَواكِبَ لِتَتَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ شَياطِينُهم بِالخَبَرِ وذَلِكَ مِن إفْكِهِمْ وإثْمِهِمْ. وإلْقاءُ السَّمْعِ: هو شِدَّةُ الإصْغاءِ حَتّى كَأنَّهُ إلْقاءٌ لِلسَّمْعِ مِن مَوْضِعِهِ، شَبَّهَ تَوْجِيهَ حاسَّةِ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ الخَفِيِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ أوْ في الهَواءِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: أبْلَغُ في الإصْغاءِ لِيَعِيَ ما يُقالُ لَهُ. وهَذا كَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ إصْغاءٌ، أيْ: إمالَةُ السَّمْعِ إلى المَسْمُوعِ. وقَوْلُهُ: (﴿وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾) أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ فِيما يَزْعُمُونَ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِنَ الشَّياطِينِ وهم لَمْ يَتَلَقَّوْا مِنها شَيْئًا، أيْ: وبَعْضُهم يَتَلَقّى شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الشَّياطِينِ فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ. صفحة ٢٠٧ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنَّهم يُحَدِّثُونَ أحْيانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا. فَقالَ: تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ عَلَيْها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ» . فَهم أفّاكُونَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الكَذِبِ، فَمِنهم أفّاكُونَ فِيما يَزِيدُونَهُ عَلى خَبَرِ الجِنِّ، ومِنهم أفّاكُونَ في أصْلِ تَلَقِّي شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ولَمّا كانَ حالُ الكُهّانِ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ بِبَعْضِ أحْوالِ النُّبُوءَةِ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ، وأسْجاعُهم قَدْ تَلْتَبِسُ بِآياتِ القُرْآنِ في بادِئِ النَّظَرِ. أطْنَبَتِ الآيَةُ في بَيانِ ماهِيَّةِ الكَهانَةِ وبَيَّنَتْ أنَّ قُصاراها الإخْبارُ عَنْ أشْياءَ قَلِيلَةٍ قَدْ تَصْدُقُ، فَأيْنَ هَذا مِن هَدْيِ النَّبِيءِ والقُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ الآدابِ والإرْشادِ والتَّعْلِيمِ والبَلاغَةِ والفَصاحَةِ والصَّراحَةِ والإعْجازِ ولا تَصَدِّي مِنهُ لِلْإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ. كَما قالَ: (ولا أعْلَمُ الغَيْبَ) في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا المَعْنى.

الشعراء 26:224

﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . كانَ مِمّا حَوَتْهُ كِنانَةُ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ أنْ قالُوا في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، فَلَمّا نَثَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ سِهامَ كِنانَتِهِمْ وكَسَرَتْها وكانَ مِنها قَوْلُهم: هو كاهِنٌ، لَمْ يَبْقَ إلّا إبْطالُ قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، وكانَ بَيْنَ الكَهانَةِ والشِّعْرِ جامِعٌ في خَيالِ المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لِلشّاعِرِ شَيْطانًا يُمْلِي عَلَيْهِ الشِّعْرَ ورُبَّما سَمَّوْهُ الرَّئِيَّ، فَناسَبَ أنْ يُقارَنَ بَيْنَ تَزْيِيفِ قَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: هو شِعْرٌ، وقَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، وبَيْنَ قَوْلِهِمْ: هو قَوْلُ كاهِنٍ، كَما قَرَنَ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]؛ فَعَطَفَ هُنا قَوْلَهُ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] . ولَمّا كانَ حالُ الشُّعَراءِ في نَفْسِ الأمْرِ مُخالِفًا لِحالِ الكُهّانِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكَةِ الشِّعْرِ اتِّصالٌ ما بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ادِّعاءُ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلاقِ بَعْضِ الشُّعَراءِ أشاعُوهُ بَيْنَ عامَّةِ العَرَبِ، اقْتَصَرَتِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صفحة ٢٠٨ شاعِرًا، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ شِعْرًا. دُونَ تَعَرُّضٍ إلى أنَّهُ تَنْزِيلُ الشَّياطِينِ كَما جاءَ في ذِكْرِ الكَهانَةِ. وقَدْ كانَ نَفَرٌ مِنَ الشُّعَراءِ بِمَكَّةَ يَهْجُونَ النَّبِيءَ ﷺ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْنَوْنَ بِمَجالِسِهِمْ وسَماعِ أقْوالِهِمْ ويَجْتَمِعُ إلَيْهِمُ الأعْرابُ خارِجَ مَكَّةَ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم وأهاجِيَهم، أدْمَجَتِ الآيَةُ حالَ مَن يَتَّبِعُ الشُّعَراءَ بِحالِهِمْ تَشْوِيهًا لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْفِيرًا مِنهُما. ومِن هَؤُلاءِ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ومُسافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، وابْنُ الزِّبَعْرى، وأُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وأُمُّ جَمِيلٍ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ الَّتِي لَقَّبَها القُرْآنُ: (﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) وكانَتْ شاعِرَةً وهي الَّتِي قالَتْ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا وأمْرَهُ أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَفْيًا لِلشِّعْرِ أنْ يَكُونَ مِن خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ وذَمّا لِلشُّعَراءِ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِهِجائِهِ. فَقَوْلُهُ: (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) ذَمٌّ لِأتْباعِهِمْ وهو يَقْتَضِي ذَمَّ المَتْبُوعِينَ بِالأحْرى. والغاوِي: المُتَّصِفُ بِالغَيِّ، والغَوايَةُ وهي الضَّلالَةُ الشَّدِيدَةُ، أيْ: يَتَّبِعُهم أهْلُ الضَّلالَةِ والبِطالَةِ الرّاغِبُونَ في الفِسْقِ والأذى. فَقَوْلُهُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) خَبَرٌ، وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَكُونَ مِنهم فَإنَّ أتْباعَهُ خِيرَةُ قَوْمِهِمْ ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنَ الغاوِينَ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ وتَنْزِيهِ أصْحابِهِ وعَلى ذَمِّ الشُّعَراءِ وذَمِّ أتْباعِهِمْ وتَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ هُنا يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي والِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ لِلَفْتِ السَّمْعِ إلَيْهِ، والمَقامُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الحَصْرِ لِأنَّهُ إذا كانُوا يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ فَقَدِ انْتَفى أتْباعُهم عَنِ الصّالِحِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المَجالِسِ أنْ يَتَّحِدَ أصْحابُها في النَّزْعَةِ كَما قِيلَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ وجَعَلَهُ في الكَشّافِ لِلْحَصْرِ، أيْ: لا يَتَّبِعُهم إلّا الغاوُونَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ في نَفْيِ اتِّباعِ الشُّعَراءِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ طَرِيقَتُهُ بِاطِّرادٍ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ صفحة ٢٠٩ الفِعْلِيِّ أنَّهُ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ بِالخَبَرِ، أيْ: قَصْرُ مَضْمُونِ الخَبَرِ عَلَيْهِ، أيْ: فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ في (ألَمْ تَرَ) قَلْبِيَّةٌ؛ لِأنَّ الهُيامَ والوادِي مُسْتَعارانِ لِمَعانِي اضْطِرابِ القَوْلِ في أغْراضِ الشِّعْرِ وذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ لا مِمّا يُرى. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وأُجْرِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لِإظْهارِ أنَّ الإقْرارَ لا مَحِيدَ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]، والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وضَمائِرُ (أنَّهم ويَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ) عائِدَةٌ إلى الشُّعَراءِ. فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُؤَكِّدَةٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) مِن ذَمِّ الشُّعَراءِ بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ. ومُثِّلَتْ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الهائِمِينَ في أوْدِيَةٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ يَقُولُونَ في فُنُونٍ مِنَ الشِّعْرِ مِن هِجاءٍ واعْتِداءٍ عَلى أعْراضِ النّاسِ، ومِن نَسِيبٍ وتَشْبِيبٍ بِالنِّساءِ، ومَدْحِ مَن يَمْدَحُونَهُ رَغْبَةً في عَطائِهِ وإنْ كانَ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وذَمِّ مَن يَمْنَعُهم وإنْ كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ، ورُبَّما ذَمُّوا مَن كانُوا يَمْدَحُونَهُ، ومَدَحُوا مَن سَبَقَ لَهم ذَمَّهُ. والهُيامُ: هو الحَيْرَةُ والتَّرَدُّدُ في المَرْعى. والوادِ: المُنْخَفِضُ بَيْنَ عُدْوَتَيْنِ. وإنَّما تَرْعى الإبِلُ الأوْدِيَةَ إذا أقْحَلَتِ الرُّبى، والرُّبى أجْوَدُ كَلَأً، فَمُثِّلَ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الإبِلِ الرّاعِيَةِ في الأوْدِيَةِ مُتَحَيِّرَةً؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ في حِرْصٍ عَلى القَوْلِ لِاخْتِلابِ النُّفُوسِ. و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ. رُوِيَ أنَّهُ انْدَسَّ بَعْضُ المَزّاحِينَ في زُمْرَةِ الشُّعَراءِ عِنْدَ بَعْضِ الخُلَفاءِ فَعَرَفَ الحاجِبُ الشُّعَراءَ وأنْكَرَ هَذا الَّذِي انْدَسَّ فِيهِمْ فَقالَ لَهُ: هَؤُلاءِ الشُّعَراءُ وأنْتَ مِنَ الشُّعَراءِ ؟ قالَ: بَلْ أنا مِنَ الغاوِينَ. فاسْتَطْرَفَها. وشَفَّعَ مَذَمَّتَهم هَذِهِ بِمَذَمَّةِ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾، والعَرَبُ يَتَمادَحُونَ بِالصِّدْقِ ويُعَيِّرُونَ بِالكَذِبِ، والشّاعِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ وما يُخالِفُ الواقِعَ حَتّى قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكْذَبُهُ، والكَذِبُ مَذْمُومٌ في الدِّينِ الإسْلامِيِّ فَإنْ صفحة ٢١٠ كانَ الشِّعْرُ كَذِبًا لا قَرِينَةَ عَلى مُرادِ صاحِبِهِ فَهو قَبِيحٌ وإنْ كانَ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كانَ كَذِبًا مُعْتَذَرًا عَنْهُ فَكانَ غَيْرَ مَحْمُودٍ. وفِي هَذا إبْداءٌ لِلْبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الشُّعَراءِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي كانَ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا ولا يُصانِعُ ولا يَأْتِي بِما يُضَلِّلُ الأفْهامَ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ الفَرَزْدَقَ أنْشَدَ عِنْدَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ قَوْلَهُ: فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ فَقالَ سُلَيْمانُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ . ورُوِيَ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ كانَ عامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ شِعْرًا: مَن مُبْلِغُ الحَسْناءِ أنَّ حَلِيلَـهَـا ∗∗∗ بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ إلى أنْ قالَ: لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَـدِّمِ فَبَلَّغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِالقُدُومِ عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: أيْ: واللَّهِ إنِّي لَيَسُوءُنِي ذَلِكَ وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئًا مِمّا قُلْتُ وإنَّما كانَ فَضْلَةً مِنَ القَوْلِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أمّا عُذْرُكَ فَقَدْ دَرَأ عَنْكَ الحَدَّ ولَكِنْ لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ. وقَدْ كُنِّيَ بِاتِّباعِ الغاوِينَ إيّاهم عَنْ كَوْنِهِمْ غاوِينَ، وأُفِيدَ بِتَفْظِيعِ تَمْثِيلِهِمْ بِالإبِلِ الهائِمَةِ تَشْوِيهُ حالَتِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ الشِّعْرِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ إناطَةُ الخَبَرِ بِالمُشْتَقِّ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الشِّعْرَ مَنظُورٌ إلَيْهِ في الدِّينِ بِعَيْنِ الغَضِّ مِنهُ، واسْتِثْناءُ (﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) إلَخْ. . . مِن عُمُومِ الشُّعَراءِ، أيْ: مِن حُكْمِ ذَمِّهِمْ. وبِهَذا الِاسْتِثْناءِ تَعَيَّنَ أنَّ المَذْمُومِينَ هم شُعَراءُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَغَلَهُمُ الشِّعْرُ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ. صفحة ٢١١ ومَعْنى ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أيْ: كانَ إقْبالُهم عَلى القُرْآنِ والعِبادِ أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى الشِّعْرِ. ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وهم مَن أسْلَمُوا مِنَ الشُّعَراءِ وقالُوا الشِّعْرَ في هِجاءِ المُشْرِكِينَ والِانْتِصارِ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ قالُوا شِعْرًا كَثِيرًا في ذَمِّ المُشْرِكِينَ. وكَذَلِكَ مَن أسْلَمُوا مِنَ الأنْصارِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَعْدُ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ لَبِيَدٍ، وكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وسُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ، ولَيْسَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّعَراءِ بِمُقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِ السُّورَةِ مَدَنِيًّا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلشِّعْرِ حالَتَيْنِ: حالَةٌ مَذْمُومَةٌ، وحالَةٌ مَأْذُونَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذَمَّهُ لَيْسَ لِكَوْنِهِ شِعْرًا ولَكِنْ لِما حَفَّ بِهِ مِن مَعانٍ وأحْوالٍ اقْتَضَتِ المَذَمَّةَ، فانْفَتَحَ بِالآيَةِ لِلشِّعْرِ بابُ قَبُولٍ ومَدْحٍ فَحَقٌّ عَلى أهْلِ النَّظَرِ ضَبْطُ الأحْوالِ الَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ قَبُولِهِ أوْ إلى جانِبِ مَدْحِهِ، والَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ رَفْضِهِ. وقَدْ أوْمَأ إلى الحالَةِ المَمْدُوحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، وإلى الحالَةِ المَأْذُونَةِ قَوْلُهُ: (﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) . وكَيْفَ وقَدْ أثْنى النَّبِيءُ ﷺ عَلى بَعْضِ الشِّعْرِ مِمّا فِيهِ مَحامِدُ الخِصالِ واسْتَنْصَتَ أصْحابَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ مِمّا فِيهِ دِقَّةُ صِفاتِ الرَّواحِلِ الفارِهَةِ، عَلى أنَّهُ أذِنَ لِحَسّانَ في مُهاجاةِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «كَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . . وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وسَيَأْتِي شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] في سُورَةِ يس. وأجازَ عَلَيْهِ كَما أجازَ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ فَخَلَعَ عَلَيْهِ بُرْدَتَهُ فَتِلْكَ حالَةٌ مَقْبُولَةٌ؛ لِأنَّهُ جاءَ مُؤْمِنًا. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ، أوْ أشْعَرُ كَلِمَةٍ قالَتْها العَرَبُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ» . وكانَ يَسْتَنْشِدُ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ لِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ وقالَ: «كادَ أُمَيَّةُ أنْ يُسْلِمَ»، وأمَرَ حَسّانَ بِهِجاءِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وقالَ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ: «لَكَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . صفحة ٢١٢ رَوى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ بِسَنَدِهِ إلى خُرَيْمِ بْنِ أوْسِ بْنِ حارِثَةَ أنَّهُ قالَ: «هاجَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ مُنْصَرَفَهُ مِن تَبُوكَ فَسَمِعْتُ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ. فَقالَ: قُلْ لا يُفَضِّضُ اللَّهُ فاكَ. فَقالَ العَبّاسُ: مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي ∗∗∗ مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يَخْصِفُ الوَرَقُ الأبْياتِ السَّبْعَةَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: لا يُفْضِضِ اللَّهُ فاكَ» . ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضاءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ∗∗∗ اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ∗∗∗ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِـهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا ابْنَ رَواحَةَ في حَرَمِ اللَّهِ وبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: خَلِّ عَنْهُ يا عُمَرُ فَإنَّهُ أسْرَعُ فِيهِمْ مِن نَضْحِ النَّبْلِ» . وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ «قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في الشِّعْرِ ؟ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنَّما تَنْضَحُونَهم بِالنَّبْلِ» . ولِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ شِعْرٌ كَثِيرٌ، وكَثِيرٌ مِنهُ غَيْرُ صَحِيحِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ. وقَدْ بَيَّنَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ القَوْلَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حالَيِ الشِّعْرِ وكَذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في أوَّلِ كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ. ووَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ في مَعانِي الشِّعْرِ وحالِ الشّاعِرِ ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يُعْنَوْنَ بِشِعْرِ العَرَبِ ومَن بَعْدَهم، وفي ذَلِكَ الشِّعْرِ تَحْبِيبٌ لِفَصاحَةِ العَرَبِيَّةِ وبَلاغَتِها وهو آيِلٌ إلى غَرَضٍ شَرْعِيٍّ مِن إدْراكِ بَلاغَةِ القُرْآنِ. ومَعْنى (﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالشَّتْمِ والهِجاءِ.

الشعراء 26:225

﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . كانَ مِمّا حَوَتْهُ كِنانَةُ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ أنْ قالُوا في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، فَلَمّا نَثَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ سِهامَ كِنانَتِهِمْ وكَسَرَتْها وكانَ مِنها قَوْلُهم: هو كاهِنٌ، لَمْ يَبْقَ إلّا إبْطالُ قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، وكانَ بَيْنَ الكَهانَةِ والشِّعْرِ جامِعٌ في خَيالِ المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لِلشّاعِرِ شَيْطانًا يُمْلِي عَلَيْهِ الشِّعْرَ ورُبَّما سَمَّوْهُ الرَّئِيَّ، فَناسَبَ أنْ يُقارَنَ بَيْنَ تَزْيِيفِ قَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: هو شِعْرٌ، وقَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، وبَيْنَ قَوْلِهِمْ: هو قَوْلُ كاهِنٍ، كَما قَرَنَ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]؛ فَعَطَفَ هُنا قَوْلَهُ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] . ولَمّا كانَ حالُ الشُّعَراءِ في نَفْسِ الأمْرِ مُخالِفًا لِحالِ الكُهّانِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكَةِ الشِّعْرِ اتِّصالٌ ما بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ادِّعاءُ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلاقِ بَعْضِ الشُّعَراءِ أشاعُوهُ بَيْنَ عامَّةِ العَرَبِ، اقْتَصَرَتِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صفحة ٢٠٨ شاعِرًا، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ شِعْرًا. دُونَ تَعَرُّضٍ إلى أنَّهُ تَنْزِيلُ الشَّياطِينِ كَما جاءَ في ذِكْرِ الكَهانَةِ. وقَدْ كانَ نَفَرٌ مِنَ الشُّعَراءِ بِمَكَّةَ يَهْجُونَ النَّبِيءَ ﷺ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْنَوْنَ بِمَجالِسِهِمْ وسَماعِ أقْوالِهِمْ ويَجْتَمِعُ إلَيْهِمُ الأعْرابُ خارِجَ مَكَّةَ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم وأهاجِيَهم، أدْمَجَتِ الآيَةُ حالَ مَن يَتَّبِعُ الشُّعَراءَ بِحالِهِمْ تَشْوِيهًا لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْفِيرًا مِنهُما. ومِن هَؤُلاءِ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ومُسافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، وابْنُ الزِّبَعْرى، وأُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وأُمُّ جَمِيلٍ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ الَّتِي لَقَّبَها القُرْآنُ: (﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) وكانَتْ شاعِرَةً وهي الَّتِي قالَتْ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا وأمْرَهُ أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَفْيًا لِلشِّعْرِ أنْ يَكُونَ مِن خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ وذَمّا لِلشُّعَراءِ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِهِجائِهِ. فَقَوْلُهُ: (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) ذَمٌّ لِأتْباعِهِمْ وهو يَقْتَضِي ذَمَّ المَتْبُوعِينَ بِالأحْرى. والغاوِي: المُتَّصِفُ بِالغَيِّ، والغَوايَةُ وهي الضَّلالَةُ الشَّدِيدَةُ، أيْ: يَتَّبِعُهم أهْلُ الضَّلالَةِ والبِطالَةِ الرّاغِبُونَ في الفِسْقِ والأذى. فَقَوْلُهُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) خَبَرٌ، وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَكُونَ مِنهم فَإنَّ أتْباعَهُ خِيرَةُ قَوْمِهِمْ ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنَ الغاوِينَ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ وتَنْزِيهِ أصْحابِهِ وعَلى ذَمِّ الشُّعَراءِ وذَمِّ أتْباعِهِمْ وتَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ هُنا يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي والِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ لِلَفْتِ السَّمْعِ إلَيْهِ، والمَقامُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الحَصْرِ لِأنَّهُ إذا كانُوا يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ فَقَدِ انْتَفى أتْباعُهم عَنِ الصّالِحِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المَجالِسِ أنْ يَتَّحِدَ أصْحابُها في النَّزْعَةِ كَما قِيلَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ وجَعَلَهُ في الكَشّافِ لِلْحَصْرِ، أيْ: لا يَتَّبِعُهم إلّا الغاوُونَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ في نَفْيِ اتِّباعِ الشُّعَراءِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ طَرِيقَتُهُ بِاطِّرادٍ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ صفحة ٢٠٩ الفِعْلِيِّ أنَّهُ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ بِالخَبَرِ، أيْ: قَصْرُ مَضْمُونِ الخَبَرِ عَلَيْهِ، أيْ: فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ في (ألَمْ تَرَ) قَلْبِيَّةٌ؛ لِأنَّ الهُيامَ والوادِي مُسْتَعارانِ لِمَعانِي اضْطِرابِ القَوْلِ في أغْراضِ الشِّعْرِ وذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ لا مِمّا يُرى. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وأُجْرِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لِإظْهارِ أنَّ الإقْرارَ لا مَحِيدَ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]، والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وضَمائِرُ (أنَّهم ويَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ) عائِدَةٌ إلى الشُّعَراءِ. فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُؤَكِّدَةٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) مِن ذَمِّ الشُّعَراءِ بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ. ومُثِّلَتْ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الهائِمِينَ في أوْدِيَةٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ يَقُولُونَ في فُنُونٍ مِنَ الشِّعْرِ مِن هِجاءٍ واعْتِداءٍ عَلى أعْراضِ النّاسِ، ومِن نَسِيبٍ وتَشْبِيبٍ بِالنِّساءِ، ومَدْحِ مَن يَمْدَحُونَهُ رَغْبَةً في عَطائِهِ وإنْ كانَ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وذَمِّ مَن يَمْنَعُهم وإنْ كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ، ورُبَّما ذَمُّوا مَن كانُوا يَمْدَحُونَهُ، ومَدَحُوا مَن سَبَقَ لَهم ذَمَّهُ. والهُيامُ: هو الحَيْرَةُ والتَّرَدُّدُ في المَرْعى. والوادِ: المُنْخَفِضُ بَيْنَ عُدْوَتَيْنِ. وإنَّما تَرْعى الإبِلُ الأوْدِيَةَ إذا أقْحَلَتِ الرُّبى، والرُّبى أجْوَدُ كَلَأً، فَمُثِّلَ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الإبِلِ الرّاعِيَةِ في الأوْدِيَةِ مُتَحَيِّرَةً؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ في حِرْصٍ عَلى القَوْلِ لِاخْتِلابِ النُّفُوسِ. و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ. رُوِيَ أنَّهُ انْدَسَّ بَعْضُ المَزّاحِينَ في زُمْرَةِ الشُّعَراءِ عِنْدَ بَعْضِ الخُلَفاءِ فَعَرَفَ الحاجِبُ الشُّعَراءَ وأنْكَرَ هَذا الَّذِي انْدَسَّ فِيهِمْ فَقالَ لَهُ: هَؤُلاءِ الشُّعَراءُ وأنْتَ مِنَ الشُّعَراءِ ؟ قالَ: بَلْ أنا مِنَ الغاوِينَ. فاسْتَطْرَفَها. وشَفَّعَ مَذَمَّتَهم هَذِهِ بِمَذَمَّةِ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾، والعَرَبُ يَتَمادَحُونَ بِالصِّدْقِ ويُعَيِّرُونَ بِالكَذِبِ، والشّاعِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ وما يُخالِفُ الواقِعَ حَتّى قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكْذَبُهُ، والكَذِبُ مَذْمُومٌ في الدِّينِ الإسْلامِيِّ فَإنْ صفحة ٢١٠ كانَ الشِّعْرُ كَذِبًا لا قَرِينَةَ عَلى مُرادِ صاحِبِهِ فَهو قَبِيحٌ وإنْ كانَ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كانَ كَذِبًا مُعْتَذَرًا عَنْهُ فَكانَ غَيْرَ مَحْمُودٍ. وفِي هَذا إبْداءٌ لِلْبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الشُّعَراءِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي كانَ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا ولا يُصانِعُ ولا يَأْتِي بِما يُضَلِّلُ الأفْهامَ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ الفَرَزْدَقَ أنْشَدَ عِنْدَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ قَوْلَهُ: فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ فَقالَ سُلَيْمانُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ . ورُوِيَ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ كانَ عامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ شِعْرًا: مَن مُبْلِغُ الحَسْناءِ أنَّ حَلِيلَـهَـا ∗∗∗ بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ إلى أنْ قالَ: لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَـدِّمِ فَبَلَّغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِالقُدُومِ عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: أيْ: واللَّهِ إنِّي لَيَسُوءُنِي ذَلِكَ وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئًا مِمّا قُلْتُ وإنَّما كانَ فَضْلَةً مِنَ القَوْلِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أمّا عُذْرُكَ فَقَدْ دَرَأ عَنْكَ الحَدَّ ولَكِنْ لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ. وقَدْ كُنِّيَ بِاتِّباعِ الغاوِينَ إيّاهم عَنْ كَوْنِهِمْ غاوِينَ، وأُفِيدَ بِتَفْظِيعِ تَمْثِيلِهِمْ بِالإبِلِ الهائِمَةِ تَشْوِيهُ حالَتِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ الشِّعْرِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ إناطَةُ الخَبَرِ بِالمُشْتَقِّ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الشِّعْرَ مَنظُورٌ إلَيْهِ في الدِّينِ بِعَيْنِ الغَضِّ مِنهُ، واسْتِثْناءُ (﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) إلَخْ. . . مِن عُمُومِ الشُّعَراءِ، أيْ: مِن حُكْمِ ذَمِّهِمْ. وبِهَذا الِاسْتِثْناءِ تَعَيَّنَ أنَّ المَذْمُومِينَ هم شُعَراءُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَغَلَهُمُ الشِّعْرُ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ. صفحة ٢١١ ومَعْنى ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أيْ: كانَ إقْبالُهم عَلى القُرْآنِ والعِبادِ أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى الشِّعْرِ. ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وهم مَن أسْلَمُوا مِنَ الشُّعَراءِ وقالُوا الشِّعْرَ في هِجاءِ المُشْرِكِينَ والِانْتِصارِ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ قالُوا شِعْرًا كَثِيرًا في ذَمِّ المُشْرِكِينَ. وكَذَلِكَ مَن أسْلَمُوا مِنَ الأنْصارِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَعْدُ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ لَبِيَدٍ، وكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وسُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ، ولَيْسَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّعَراءِ بِمُقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِ السُّورَةِ مَدَنِيًّا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلشِّعْرِ حالَتَيْنِ: حالَةٌ مَذْمُومَةٌ، وحالَةٌ مَأْذُونَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذَمَّهُ لَيْسَ لِكَوْنِهِ شِعْرًا ولَكِنْ لِما حَفَّ بِهِ مِن مَعانٍ وأحْوالٍ اقْتَضَتِ المَذَمَّةَ، فانْفَتَحَ بِالآيَةِ لِلشِّعْرِ بابُ قَبُولٍ ومَدْحٍ فَحَقٌّ عَلى أهْلِ النَّظَرِ ضَبْطُ الأحْوالِ الَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ قَبُولِهِ أوْ إلى جانِبِ مَدْحِهِ، والَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ رَفْضِهِ. وقَدْ أوْمَأ إلى الحالَةِ المَمْدُوحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، وإلى الحالَةِ المَأْذُونَةِ قَوْلُهُ: (﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) . وكَيْفَ وقَدْ أثْنى النَّبِيءُ ﷺ عَلى بَعْضِ الشِّعْرِ مِمّا فِيهِ مَحامِدُ الخِصالِ واسْتَنْصَتَ أصْحابَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ مِمّا فِيهِ دِقَّةُ صِفاتِ الرَّواحِلِ الفارِهَةِ، عَلى أنَّهُ أذِنَ لِحَسّانَ في مُهاجاةِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «كَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . . وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وسَيَأْتِي شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] في سُورَةِ يس. وأجازَ عَلَيْهِ كَما أجازَ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ فَخَلَعَ عَلَيْهِ بُرْدَتَهُ فَتِلْكَ حالَةٌ مَقْبُولَةٌ؛ لِأنَّهُ جاءَ مُؤْمِنًا. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ، أوْ أشْعَرُ كَلِمَةٍ قالَتْها العَرَبُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ» . وكانَ يَسْتَنْشِدُ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ لِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ وقالَ: «كادَ أُمَيَّةُ أنْ يُسْلِمَ»، وأمَرَ حَسّانَ بِهِجاءِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وقالَ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ: «لَكَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . صفحة ٢١٢ رَوى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ بِسَنَدِهِ إلى خُرَيْمِ بْنِ أوْسِ بْنِ حارِثَةَ أنَّهُ قالَ: «هاجَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ مُنْصَرَفَهُ مِن تَبُوكَ فَسَمِعْتُ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ. فَقالَ: قُلْ لا يُفَضِّضُ اللَّهُ فاكَ. فَقالَ العَبّاسُ: مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي ∗∗∗ مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يَخْصِفُ الوَرَقُ الأبْياتِ السَّبْعَةَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: لا يُفْضِضِ اللَّهُ فاكَ» . ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضاءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ∗∗∗ اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ∗∗∗ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِـهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا ابْنَ رَواحَةَ في حَرَمِ اللَّهِ وبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: خَلِّ عَنْهُ يا عُمَرُ فَإنَّهُ أسْرَعُ فِيهِمْ مِن نَضْحِ النَّبْلِ» . وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ «قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في الشِّعْرِ ؟ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنَّما تَنْضَحُونَهم بِالنَّبْلِ» . ولِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ شِعْرٌ كَثِيرٌ، وكَثِيرٌ مِنهُ غَيْرُ صَحِيحِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ. وقَدْ بَيَّنَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ القَوْلَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حالَيِ الشِّعْرِ وكَذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في أوَّلِ كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ. ووَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ في مَعانِي الشِّعْرِ وحالِ الشّاعِرِ ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يُعْنَوْنَ بِشِعْرِ العَرَبِ ومَن بَعْدَهم، وفي ذَلِكَ الشِّعْرِ تَحْبِيبٌ لِفَصاحَةِ العَرَبِيَّةِ وبَلاغَتِها وهو آيِلٌ إلى غَرَضٍ شَرْعِيٍّ مِن إدْراكِ بَلاغَةِ القُرْآنِ. ومَعْنى (﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالشَّتْمِ والهِجاءِ.

الشعراء 26:226

﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . كانَ مِمّا حَوَتْهُ كِنانَةُ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ أنْ قالُوا في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، فَلَمّا نَثَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ سِهامَ كِنانَتِهِمْ وكَسَرَتْها وكانَ مِنها قَوْلُهم: هو كاهِنٌ، لَمْ يَبْقَ إلّا إبْطالُ قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، وكانَ بَيْنَ الكَهانَةِ والشِّعْرِ جامِعٌ في خَيالِ المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لِلشّاعِرِ شَيْطانًا يُمْلِي عَلَيْهِ الشِّعْرَ ورُبَّما سَمَّوْهُ الرَّئِيَّ، فَناسَبَ أنْ يُقارَنَ بَيْنَ تَزْيِيفِ قَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: هو شِعْرٌ، وقَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ: هو شاعِرٌ، وبَيْنَ قَوْلِهِمْ: هو قَوْلُ كاهِنٍ، كَما قَرَنَ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]؛ فَعَطَفَ هُنا قَوْلَهُ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] . ولَمّا كانَ حالُ الشُّعَراءِ في نَفْسِ الأمْرِ مُخالِفًا لِحالِ الكُهّانِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكَةِ الشِّعْرِ اتِّصالٌ ما بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ، وإنَّما كانَ ادِّعاءُ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلاقِ بَعْضِ الشُّعَراءِ أشاعُوهُ بَيْنَ عامَّةِ العَرَبِ، اقْتَصَرَتِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صفحة ٢٠٨ شاعِرًا، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ شِعْرًا. دُونَ تَعَرُّضٍ إلى أنَّهُ تَنْزِيلُ الشَّياطِينِ كَما جاءَ في ذِكْرِ الكَهانَةِ. وقَدْ كانَ نَفَرٌ مِنَ الشُّعَراءِ بِمَكَّةَ يَهْجُونَ النَّبِيءَ ﷺ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْنَوْنَ بِمَجالِسِهِمْ وسَماعِ أقْوالِهِمْ ويَجْتَمِعُ إلَيْهِمُ الأعْرابُ خارِجَ مَكَّةَ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهم وأهاجِيَهم، أدْمَجَتِ الآيَةُ حالَ مَن يَتَّبِعُ الشُّعَراءَ بِحالِهِمْ تَشْوِيهًا لِلْفَرِيقَيْنِ وتَنْفِيرًا مِنهُما. ومِن هَؤُلاءِ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ومُسافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، وابْنُ الزِّبَعْرى، وأُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وأُمُّ جَمِيلٍ العَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ الَّتِي لَقَّبَها القُرْآنُ: (﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) وكانَتْ شاعِرَةً وهي الَّتِي قالَتْ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا وأمْرَهُ أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَفْيًا لِلشِّعْرِ أنْ يَكُونَ مِن خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ وذَمّا لِلشُّعَراءِ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِهِجائِهِ. فَقَوْلُهُ: (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) ذَمٌّ لِأتْباعِهِمْ وهو يَقْتَضِي ذَمَّ المَتْبُوعِينَ بِالأحْرى. والغاوِي: المُتَّصِفُ بِالغَيِّ، والغَوايَةُ وهي الضَّلالَةُ الشَّدِيدَةُ، أيْ: يَتَّبِعُهم أهْلُ الضَّلالَةِ والبِطالَةِ الرّاغِبُونَ في الفِسْقِ والأذى. فَقَوْلُهُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) خَبَرٌ، وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَكُونَ مِنهم فَإنَّ أتْباعَهُ خِيرَةُ قَوْمِهِمْ ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنَ الغاوِينَ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ وتَنْزِيهِ أصْحابِهِ وعَلى ذَمِّ الشُّعَراءِ وذَمِّ أتْباعِهِمْ وتَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ هُنا يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي والِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ لِلَفْتِ السَّمْعِ إلَيْهِ، والمَقامُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الحَصْرِ لِأنَّهُ إذا كانُوا يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ فَقَدِ انْتَفى أتْباعُهم عَنِ الصّالِحِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المَجالِسِ أنْ يَتَّحِدَ أصْحابُها في النَّزْعَةِ كَما قِيلَ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ وجَعَلَهُ في الكَشّافِ لِلْحَصْرِ، أيْ: لا يَتَّبِعُهم إلّا الغاوُونَ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ في نَفْيِ اتِّباعِ الشُّعَراءِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ طَرِيقَتُهُ بِاطِّرادٍ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ صفحة ٢٠٩ الفِعْلِيِّ أنَّهُ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ بِالخَبَرِ، أيْ: قَصْرُ مَضْمُونِ الخَبَرِ عَلَيْهِ، أيْ: فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ في (ألَمْ تَرَ) قَلْبِيَّةٌ؛ لِأنَّ الهُيامَ والوادِي مُسْتَعارانِ لِمَعانِي اضْطِرابِ القَوْلِ في أغْراضِ الشِّعْرِ وذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ لا مِمّا يُرى. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وأُجْرِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لِإظْهارِ أنَّ الإقْرارَ لا مَحِيدَ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]، والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وضَمائِرُ (أنَّهم ويَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ) عائِدَةٌ إلى الشُّعَراءِ. فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُؤَكِّدَةٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾) مِن ذَمِّ الشُّعَراءِ بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ. ومُثِّلَتْ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الهائِمِينَ في أوْدِيَةٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ يَقُولُونَ في فُنُونٍ مِنَ الشِّعْرِ مِن هِجاءٍ واعْتِداءٍ عَلى أعْراضِ النّاسِ، ومِن نَسِيبٍ وتَشْبِيبٍ بِالنِّساءِ، ومَدْحِ مَن يَمْدَحُونَهُ رَغْبَةً في عَطائِهِ وإنْ كانَ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ، وذَمِّ مَن يَمْنَعُهم وإنْ كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ، ورُبَّما ذَمُّوا مَن كانُوا يَمْدَحُونَهُ، ومَدَحُوا مَن سَبَقَ لَهم ذَمَّهُ. والهُيامُ: هو الحَيْرَةُ والتَّرَدُّدُ في المَرْعى. والوادِ: المُنْخَفِضُ بَيْنَ عُدْوَتَيْنِ. وإنَّما تَرْعى الإبِلُ الأوْدِيَةَ إذا أقْحَلَتِ الرُّبى، والرُّبى أجْوَدُ كَلَأً، فَمُثِّلَ حالُ الشُّعَراءِ بِحالِ الإبِلِ الرّاعِيَةِ في الأوْدِيَةِ مُتَحَيِّرَةً؛ لِأنَّ الشُّعَراءَ في حِرْصٍ عَلى القَوْلِ لِاخْتِلابِ النُّفُوسِ. و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ. رُوِيَ أنَّهُ انْدَسَّ بَعْضُ المَزّاحِينَ في زُمْرَةِ الشُّعَراءِ عِنْدَ بَعْضِ الخُلَفاءِ فَعَرَفَ الحاجِبُ الشُّعَراءَ وأنْكَرَ هَذا الَّذِي انْدَسَّ فِيهِمْ فَقالَ لَهُ: هَؤُلاءِ الشُّعَراءُ وأنْتَ مِنَ الشُّعَراءِ ؟ قالَ: بَلْ أنا مِنَ الغاوِينَ. فاسْتَطْرَفَها. وشَفَّعَ مَذَمَّتَهم هَذِهِ بِمَذَمَّةِ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾، والعَرَبُ يَتَمادَحُونَ بِالصِّدْقِ ويُعَيِّرُونَ بِالكَذِبِ، والشّاعِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ وما يُخالِفُ الواقِعَ حَتّى قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكْذَبُهُ، والكَذِبُ مَذْمُومٌ في الدِّينِ الإسْلامِيِّ فَإنْ صفحة ٢١٠ كانَ الشِّعْرُ كَذِبًا لا قَرِينَةَ عَلى مُرادِ صاحِبِهِ فَهو قَبِيحٌ وإنْ كانَ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كانَ كَذِبًا مُعْتَذَرًا عَنْهُ فَكانَ غَيْرَ مَحْمُودٍ. وفِي هَذا إبْداءٌ لِلْبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الشُّعَراءِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي كانَ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا ولا يُصانِعُ ولا يَأْتِي بِما يُضَلِّلُ الأفْهامَ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ الفَرَزْدَقَ أنْشَدَ عِنْدَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ قَوْلَهُ: فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ ∗∗∗ وبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخِتامِ فَقالَ سُلَيْمانُ: قَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ دَرَأ اللَّهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ . ورُوِيَ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ كانَ عامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ شِعْرًا: مَن مُبْلِغُ الحَسْناءِ أنَّ حَلِيلَـهَـا ∗∗∗ بِمَيْسانَ يُسْقى في زُجاجٍ وحَنْتَمِ إلى أنْ قالَ: لَعَلَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ∗∗∗ تَنادُمُنا بِالجَوْسَقِ المُتَهَـدِّمِ فَبَلَّغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِالقُدُومِ عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: أيْ: واللَّهِ إنِّي لَيَسُوءُنِي ذَلِكَ وقَدْ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ. فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئًا مِمّا قُلْتُ وإنَّما كانَ فَضْلَةً مِنَ القَوْلِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أمّا عُذْرُكَ فَقَدْ دَرَأ عَنْكَ الحَدَّ ولَكِنْ لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ. وقَدْ كُنِّيَ بِاتِّباعِ الغاوِينَ إيّاهم عَنْ كَوْنِهِمْ غاوِينَ، وأُفِيدَ بِتَفْظِيعِ تَمْثِيلِهِمْ بِالإبِلِ الهائِمَةِ تَشْوِيهُ حالَتِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ الشِّعْرِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ إناطَةُ الخَبَرِ بِالمُشْتَقِّ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الشِّعْرَ مَنظُورٌ إلَيْهِ في الدِّينِ بِعَيْنِ الغَضِّ مِنهُ، واسْتِثْناءُ (﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) إلَخْ. . . مِن عُمُومِ الشُّعَراءِ، أيْ: مِن حُكْمِ ذَمِّهِمْ. وبِهَذا الِاسْتِثْناءِ تَعَيَّنَ أنَّ المَذْمُومِينَ هم شُعَراءُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَغَلَهُمُ الشِّعْرُ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ والدُّخُولِ في الإسْلامِ. صفحة ٢١١ ومَعْنى ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أيْ: كانَ إقْبالُهم عَلى القُرْآنِ والعِبادِ أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى الشِّعْرِ. ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وهم مَن أسْلَمُوا مِنَ الشُّعَراءِ وقالُوا الشِّعْرَ في هِجاءِ المُشْرِكِينَ والِانْتِصارِ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ قالُوا شِعْرًا كَثِيرًا في ذَمِّ المُشْرِكِينَ. وكَذَلِكَ مَن أسْلَمُوا مِنَ الأنْصارِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَعْدُ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ لَبِيَدٍ، وكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وسُحَيْمٍ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ، ولَيْسَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّعَراءِ بِمُقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِ السُّورَةِ مَدَنِيًّا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلشِّعْرِ حالَتَيْنِ: حالَةٌ مَذْمُومَةٌ، وحالَةٌ مَأْذُونَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذَمَّهُ لَيْسَ لِكَوْنِهِ شِعْرًا ولَكِنْ لِما حَفَّ بِهِ مِن مَعانٍ وأحْوالٍ اقْتَضَتِ المَذَمَّةَ، فانْفَتَحَ بِالآيَةِ لِلشِّعْرِ بابُ قَبُولٍ ومَدْحٍ فَحَقٌّ عَلى أهْلِ النَّظَرِ ضَبْطُ الأحْوالِ الَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ قَبُولِهِ أوْ إلى جانِبِ مَدْحِهِ، والَّتِي تَأْوِي إلى جانِبِ رَفْضِهِ. وقَدْ أوْمَأ إلى الحالَةِ المَمْدُوحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، وإلى الحالَةِ المَأْذُونَةِ قَوْلُهُ: (﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) . وكَيْفَ وقَدْ أثْنى النَّبِيءُ ﷺ عَلى بَعْضِ الشِّعْرِ مِمّا فِيهِ مَحامِدُ الخِصالِ واسْتَنْصَتَ أصْحابَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ مِمّا فِيهِ دِقَّةُ صِفاتِ الرَّواحِلِ الفارِهَةِ، عَلى أنَّهُ أذِنَ لِحَسّانَ في مُهاجاةِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «كَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . . وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وسَيَأْتِي شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] في سُورَةِ يس. وأجازَ عَلَيْهِ كَما أجازَ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ فَخَلَعَ عَلَيْهِ بُرْدَتَهُ فَتِلْكَ حالَةٌ مَقْبُولَةٌ؛ لِأنَّهُ جاءَ مُؤْمِنًا. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ، أوْ أشْعَرُ كَلِمَةٍ قالَتْها العَرَبُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ» . وكانَ يَسْتَنْشِدُ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ لِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ وقالَ: «كادَ أُمَيَّةُ أنْ يُسْلِمَ»، وأمَرَ حَسّانَ بِهِجاءِ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: «قُلْ ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وقالَ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ: «لَكَلامُكَ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ» . صفحة ٢١٢ رَوى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ بِسَنَدِهِ إلى خُرَيْمِ بْنِ أوْسِ بْنِ حارِثَةَ أنَّهُ قالَ: «هاجَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ مُنْصَرَفَهُ مِن تَبُوكَ فَسَمِعْتُ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ. فَقالَ: قُلْ لا يُفَضِّضُ اللَّهُ فاكَ. فَقالَ العَبّاسُ: مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي ∗∗∗ مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يَخْصِفُ الوَرَقُ الأبْياتِ السَّبْعَةَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: لا يُفْضِضِ اللَّهُ فاكَ» . ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضاءِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ∗∗∗ اليَوْمَ نَضْرِبُكم عَلى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ∗∗∗ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِـهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا ابْنَ رَواحَةَ في حَرَمِ اللَّهِ وبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: خَلِّ عَنْهُ يا عُمَرُ فَإنَّهُ أسْرَعُ فِيهِمْ مِن نَضْحِ النَّبْلِ» . وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ «قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في الشِّعْرِ ؟ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأنَّما تَنْضَحُونَهم بِالنَّبْلِ» . ولِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ شِعْرٌ كَثِيرٌ، وكَثِيرٌ مِنهُ غَيْرُ صَحِيحِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ. وقَدْ بَيَّنَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ النُّورِ القَوْلَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حالَيِ الشِّعْرِ وكَذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في أوَّلِ كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ. ووَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ في مَعانِي الشِّعْرِ وحالِ الشّاعِرِ ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يُعْنَوْنَ بِشِعْرِ العَرَبِ ومَن بَعْدَهم، وفي ذَلِكَ الشِّعْرِ تَحْبِيبٌ لِفَصاحَةِ العَرَبِيَّةِ وبَلاغَتِها وهو آيِلٌ إلى غَرَضٍ شَرْعِيٍّ مِن إدْراكِ بَلاغَةِ القُرْآنِ. ومَعْنى (﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالشَّتْمِ والهِجاءِ.

الشعراء 26:227

صفحة ٢١٣ ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . ناسَبَ ذِكْرُ الظُّلْمِ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى وعِيدِ الظّالِمِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ظَلَمُوا المُسْلِمِينَ بِالأذى والشَّتْمِ بِأقْوالِهِمْ وأشْعارِهِمْ. وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَوْقِعِ التَّذْيِيلِ فاقْتَضَتِ العُمُومَ في مُسَمّى الظُّلْمِ الشّامِلِ لِلْكُفْرِ وهو ظُلْمُ المَرْءِ نَفْسَهُ ولِلْمَعاصِي القاصِرَةِ عَلى النَّفْسِ كَذَلِكَ، ولِلِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ النّاسِ. وقَدْ تَلاها أبُو بَكْرٍ في عَهْدِهِ إلى عُمَرَ بِالخِلافَةِ بَعْدَهُ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِلِاسْتِئْنافِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ مِن غَمْصِ الحُقُوقِ وحَثٌّ عَنِ اسْتِقْصاءِ الجُهْدِ في النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ وهي ناطِقَةٌ بِأهْيَبِ مَوْعِظَةٍ وأهْوَلِ وعِيدٍ لِمَن تَدَبَّرَها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن حَرْفِ التَّنْفِيسِ المُؤْذِنِ بِالِاقْتِرابِ، ومِنَ اسْمِ المَوْصُولِ المُؤْذِنِ بِأنَّ سُوءَ المُنْقَلَبِ يَتَرَقَّبُ الظّالِمِينَ لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ، ومِنَ الإبْهامِ في قَوْلِهِ: (﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾) إذْ تَرَكَ تَبْيِينَهُ بِعِقابٍ مُعَيَّنٍ لِتَذْهَلَ نُفُوسُ المُوعَدِينَ في كُلِّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِن هَوْلِ المُنْقَلَبِ وهو عَلى الإجْمالِ مُنْقَلَبُ سُوءٍ. والمُنْقَلَبُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ الِانْقِلابِ وهو المَصِيرُ والمَآلُ؛ لِأنَّ الِانْقِلابَ هو الرُّجُوعُ. وفِعْلُ العِلْمِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُجُودِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ. واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الَّذِي أُضِيفَ هو إلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وكانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَتَواعَظُونَ بِها ويَتَناذَرُونَ شِدَّتَها. * * * صفحة ٢١٤ صفحة ٢١٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّمْلِ أشْهَرُ أسْمائِها سُورَةُ النَّمْلِ. وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ. وتُسَمّى أيْضًا سُورَةُ سُلَيْمانَ، وهَذانِ الِاسْمانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِما في الإتْقانِ وغَيْرِهِ. وذَكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الهُدْهُدِ. ووَجْهُ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ أنَّ لَفْظَ النَّمْلِ ولَفْظَ الهُدْهُدِ لَمْ يُذْكَرا في سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرِها، وأمّا تَسْمِيَتُها سُورَةَ سُلَيْمانَ فَلِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ مُفَصَّلًا لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في غَيْرِها. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ والسُّيُوطِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ. وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى مَكِّيَّةِ بَعْضِ آياتِها (كَذا ولَعَلَّهُ سَهْوٌ صَوابُهُ مَدَنِيَّةُ بَعْضِ آياتِها) ولَمْ أقِفْ عَلى هَذا لِغَيْرِ الخَفاجِيِّ. وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والأرْبَعُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ الشُّعَراءِ وقَبْلَ القَصَصِ. كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقَدْ عُدَّتْ آياتُها في عَدَدِ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ خَمْسًا وتِسْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ أرْبَعًا وتِسْعِينَ. * * * مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ افْتِتاحُها بِما يُشِيرُ إلى إعْجازِ القُرْآنِ بِبَلاغَةِ نَظْمِهِ وعُلُوِّ مَعانِيهِ، بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الحَرْفانِ المُقَطَّعانِ في أوَّلِها. صفحة ٢١٦ والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ هَدًى لِمَن يُيَسِّرُ اللَّهُ الِاهْتِداءَ بِهِ دُونَ مَن جَحَدُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والتَّحَدِّي بِعِلْمِ ما فِيهِ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ. والِاعْتِبارُ بِمُلْكِ أعْظَمِ مُلْكٍ أُوتِيَهُ نَبِيءٌ. وهو مُلْكُ داوُدَ ومُلْكُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وما بَلَغَهُ مِنَ العِلْمِ بِأحْوالِ الطَّيْرِ، وما بَلَغَ إلَيْهِ مُلْكُهُ مِن عَظَمَةِ الحَضارَةِ. وأشْهَرُ أُمَّةٍ في العَرَبِ أُوتِيَتْ قُوَّةً وهي أُمَّةُ ثَمُودَ. والإشارَةُ إلى مُلْكٍ عَظِيمٍ مِنَ العَرَبِ وهو مُلْكُ سَبَأٍ. وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ رِسالَةٌ تُقارِنُها سِياسَةُ الأُمَّةِ ثُمَّ يَعْقُبُها مُلْكٌ، وهو خِلافَةُ النَّبِيءِ ﷺ . وأنَّ الشَّرِيعَةَ المُحَمَّدِيَّةَ سَيُقامُ بِها مُلْكٌ لِلْأُمَّةِ عَتِيدٌ كَما أُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُ سُلَيْمانَ. ومُحاجَّةُ المُشْرِكِينَ في بُطْلانِ دِينِهِمْ وتَزْيِيفِ آلِهَتِهِمْ وإبْطالِ أخْبارِ كُهّانِهِمْ وعَرّافِيهِمْ، وسَدَنَةِ آلِهَتِهِمْ. وإثْباتُ البَعْثِ وما يَتَقَدَّمُهُ مِن أهْوالِ القِيامَةِ وأشْراطِها. وأنَّ القُرْآنَ مُهَيْمِنٌ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ. ثُمَّ مُوادَعَةُ المُشْرِكِينَ وإنْباؤُهم بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ الِاسْتِمْرارُ عَلى إبْلاغِ القُرْآنِ وإنْذارُهم بِأنَّ آياتِ الصِّدْقِ سَيُشاهِدُونَها، واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِمْ. قالَ ابْنُ الفَرَسِ: لَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ إحْكامٌ ولا نَسْخٌ. ونَفْيُهُ أنْ يَكُونَ فِيها إحْكامٌ ولا نَسْخٌ مَعْناهُ أنَّها لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى تَشْرِيعٍ قارٍّ ولا عَلى تَشْرِيعٍ مَنسُوخٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ آيَةِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] الآيَةَ، نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ اهـ، يَعْنِي الآيَةَ النّازِلَةَ بِالقِتالِ في سُورَةِ البَراءَةِ. وتُسَمّى آيَةَ السَّيْفِ، والقُرْطُبِيُّ مُعاصِرٌ لِابْنِ الفَرَسِ إلّا أنَّهُ كانَ بِمِصْرَ وابْنُ الفَرَسِ بِالأنْدَلُسِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] ويُؤْخَذُ مِنهُما حُكْمانِ كَما سَيَأْتِي.