Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الشرح 94:1 – العلق 96:19

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الشرح 94:1
  2. الشرح 94:2
  3. الشرح 94:3
  4. الشرح 94:4
  5. الشرح 94:5
  6. الشرح 94:6
  7. الشرح 94:7
  8. الشرح 94:8
  9. التين 95:1
  10. التين 95:2
  11. التين 95:3
  12. التين 95:4
  13. التين 95:5
  14. التين 95:6
  15. التين 95:7
  16. التين 95:8
  17. العلق 96:1
  18. العلق 96:2
  19. العلق 96:3
  20. العلق 96:4
  21. العلق 96:5
  22. العلق 96:6
  23. العلق 96:7
  24. العلق 96:8
  25. العلق 96:9
  26. العلق 96:10
  27. العلق 96:11
  28. العلق 96:12
  29. العلق 96:13
  30. العلق 96:14
  31. العلق 96:15
  32. العلق 96:16
  33. العلق 96:17
  34. العلق 96:18
  35. العلق 96:19

الشرح 94:1

﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى النَّفْيِ. والمَقْصُودُ التَّقْرِيرُ عَلى إثْباتِ المَنفِيِّ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهَذا التَّقْرِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ لِأجْلِ أنْ يُراعِيَ هَذِهِ المِنَّةَ عِنْدَما يُخالِجُهُ ضِيقُ صَدْرٍ مِمّا يَلْقاهُ مِن أذى قَوْمٍ يُرِيدُ صَلاحَهم وإنْقاذَهم مِنَ النّارِ ورَفْعَ شَأْنِهِمْ بَيْنَ الأُمَمِ، لِيَدُومَ عَلى دَعْوَتِهِ العَظِيمَةِ نَشِيطًا غَيْرَ ذِي أسَفٍ ولا كَمَدٍ. والشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ: فَصْلُ أجْزاءِ اللَّحْمِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، ومِنهُ الشَّرِيحَةُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ، والتَّشْرِيحُ في الطِّبِّ، ويُطْلَقُ عَلى انْفِعالِ النَّفْسِ بِالرِّضى بِالحالِ المُتَلَبِّسِ بِها. وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ أنَّ هَذا إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. ولَعَلَّهُ راعى كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: هو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُساوِي الحَقِيقَةَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الشَّرْحَ الحَقِيقِيَّ خاصٌّ بِشَرْحِ اللَّحْمِ، وأنَّ إطْلاقَ الشَّرْحِ عَلى رِضى النَّفْسِ بِالحالِ أصْلُهُ اسْتِعارَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ الضِّيقِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى الإحْساسِ بِالحُزْنِ والكَمَدِ، قالَ تَعالى: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) الآيَةَ. فَجُعِلَ إزالَةُ ما في النَّفْسِ مِن حُزْنٍ مِثْلَ شَرْحِ اللَّحْمِ وهَذا الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) في سُورَةِ طه. فالصَّدْرُ مُرادٌ بِهِ الإحْساسُ الباطِنِيُّ الجامِعُ لِمَعْنى العَقْلِ والإدْراكِ. وشَرْحُ صَدْرِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ مِنَ الكِمالاتِ وإعْلامِهِ بِرِضى اللَّهِ عَنْهُ وبِشارَتِهِ بِما سَيَحْصُلُ لِلدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ. هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما يُفِيدُهُ نَظْمُها واسْتِقْلالُها عَنِ المَرْوِيّاتِ الخارِجِيَّةِ، فَفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّ اللَّهَ شَرَحَ قَلْبَهُ بِالإسْلامِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: شَرْحُ صَدْرِهِ أنْ مُلِئَ عِلْمًا وحُكْمًا، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: شَرَحَ صَدْرَهُ بِنُورِ الرِّسالَةِ. صفحة ٤٠٩ وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الشَّرْحُ شَرْحًا بَدَنِيًّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ بِهِ وهو ظاهِرُ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ، إذْ أخْرَجَ حَدِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ الشَّرِيفِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَرْوِيّاتٍ في شَقِّ صَدْرِهِ ﷺ شَقًّا قُدُسِيًّا، وهو المَرْوِيُّ بَعْضُ خَبَرِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، والمَرْوِيُّ مُطَوَّلًا في السِّيرَةِ والمَسانِيدِ، فَوَقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ كانَ في رُؤْيا النَّوْمِ ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وفي بَعْضِها أنَّهُ كانَ يَقَظَةً، وهو ظاهِرُ ما في البُخارِيِّ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ يَقَظَةٌ وبِمَرْأًى مِن غِلْمانٍ أتْرابِهِ، وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أثَرَ الشَّقِّ في جِلْدِ صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مَعَ اتِّفاقِها عَلى أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ. واخْتِلافُ الرِّواياتِ حَمَلَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ شَقَّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ إلى أرْبَعٍ، مِنها حِينَ كانَ عِنْدَ حَلِيمَةَ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّ الشَّقَّ كانَ وعُمُرُ النَّبِيءِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. والَّذِي في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المِعْراجِ بِهِ إلى السَّماءِ، ولَعَلَّ بَعْضَها كانَ رُؤْيا وبَعْضَها حِسًّا. ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الشَّرْحُ المُرادُ في الآيَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ الشَّقُّ مُعْجِزَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو ما نَحّاهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الصَّدْرُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الباطِنُ الحاوِي لِلْقَلْبِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن فَسَّرَ الصَّدْرَ بِالقَلْبِ، حَكاهُ عِياضٌ في الشِّفا، يُشِيرُ إلى ما جاءَ في خَبَرِ شَقِّ الصَّدْرِ مِن إخْراجِ قَلْبِهِ وإزالَةِ مَقَرِّ الوَسْوَسَةِ مِنهُ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ لِلشَّرْحِ يُفِيدُ أنَّهُ إيقاعُ مَعْنًى عَظِيمٍ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ إمّا مُباشَرَةً وإمّا بِاعْتِبارِ مَغْزاهُ كَما لا يَخْفى. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ التَّعْلِيلِ، وهو يُفِيدُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ. وفِي ذِكْرِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَ ذِكْرِ المَشْرُوحِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ الإبْهامِ لِلتَّشْوِيقِ فَإنَّهُ لَمّا ذُكِرَ فِعْلُ (﴿نَشْرَحْ﴾) عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، فَلَمّا وقَعَ قَوْلُهُ (لَكَ) قَوِيَ الإبْهامُ فَزادَ التَّشْوِيقُ؛ لِأنَّ (لَكَ) يُفِيدُ مَعْنى: شَيْئًا لِأجْلِكَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: صفحة ٤١٠ (صَدْرَكَ) تَعَيَّنَ المَشْرُوحُ المُتَرَقَّبُ فَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ، وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وقَفّى عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ الإطْنابِ. والوِزْرُ: الحَرَجُ، ووَضْعُهُ: حَطُّهُ عَنْ حامِلِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إزالَةِ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ بِحالِ مَن يَحُطُّ ثِقْلًا عَنْ حامِلِهِ لِيُرِيحَهُ مِن عَناءِ الثِّقَلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أزالَ عَنْهُ كُلَّ ما كانَ يَتَحَرَّجُ مِنهُ مِن عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لا تُلائِمُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنَ الزَّكاءِ والسُّمُوِّ، ولا يَجِدُ بُدًّا مِن مُسايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . و(أنْقَضَ): جَعَلَ الشَّيْءَ ذا نَقِيضٍ، والنَّقِيضُ: صَوْتُ صَرِيرِ المَحْمِلِ والرَّحْلِ، وصَوْتُ عِظامِ المَفاصِلِ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وفِعْلُهُ القاصِرُ مِن بابِ نَصَرَ ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ. وإسْنادُ (أنْقَضَ) إلى الوِزْرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وتَعْدِيَتُهُ إلى الظَّهْرِ تَبَعٌ لِتَشْبِيهِ المَشَقَّةِ بِالحَمْلِ، فالتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِمُتَجَشِّمِ المَشاقِّ الشَّدِيدَةِ بِالحَمُولَةِ المُثْقَلَةِ بِالإجْمالِ تَثْقِيلًا شَدِيدًا حَتّى يُسْمَعَ لِعِظامِ ظَهْرِها فَرْقَعَةٌ وصَرِيرٌ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزائِهِ. ووَصْفُ الوِزْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأنَّهُ وِزْرٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾) اتِّصالُ حَرْفَيِ الضّادِ والظّاءِ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، فَرُبَّما يَحْصُلُ مِنَ النُّطْقِ بِهِما شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ عَلى اللِّسانِ ولَكِنَّهُ لا يُنافِي الفَصاحَةَ، إذْ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ ما يُسَمّى بِتَنافُرِ الكَلِماتِ، بَلْ مِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ في كَلامِ الفُصَحاءِ. والعَرَبُ فُصَحاءُ الألْسُنِ فَإذا اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ وُرُودَ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ المُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَعْبَأِ البَلِيغُ بِما يَعْرِضُ عِنْدَ اجْتِماعِهِما مِن بَعْضِ الثِّقَلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (وسَبِّحْهُ) في اجْتِماعِ الحاءِ مَعَ الهاءِ، وذَلِكَ حَيْثُ لا يَصِحُّ الإدْغامُ. وقَدْ أوْصى عُلَماءُ التَّجْوِيدِ بِإظْهارِ الضّادِ مَعَ الظّاءِ إذا تَلاقَيا كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ [الفرقان: ٢٧]) ولَها نَظائِرُ في القُرْآنِ. صفحة ٤١١ وهَذِهِ الآيَةُ هي المُشْتَهَرَةُ ولَمْ يَزَلِ الأيِمَّةُ في المَساجِدِ يَتَوَخَّوْنَ الحَذَرَ مِن إبْدالِ أحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ بِالآخَرِ لِلْخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ الفُقَهاءِ في بُطْلانِ صَلاةِ اللَّحّانِ ومَن لا يُحْسِنُ القِراءَةَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ عامِدًا إذا كانَ فَذًّا، وفي بُطْلانِ صَلاةِ مَن خَلْفَهُ أيْضًا إذا كانَ اللّاحِنُ إمامًا. ورَفْعُ الذِّكْرِ: جَعْلُ ذِكْرِهِ بَيْنَ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ، وذَلِكَ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ثَناءً عَلَيْهِ وكَرامَةً، وبِإلْهامِ النّاسِ التَّحَدُّثَ بِما جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحامِدِ مُنْذُ نَشْأتِهِ. وعَطْفُ (﴿ووَضَعْنا﴾)، (ورَفَعْنا) بِصِيغَةِ المُضِيِّ عَلى فِعْلِ (﴿نَشْرَحْ﴾) بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ (لَمْ) قَلَبَتْ زَمَنَ الحالِ إلى المُضِيِّ فَعُطِفَ عَلَيْهِ الفِعْلانِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ فَلَمّا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِما حَرْفُ (لَمْ) صُيِّرَ بِهِما إلى ما تُفِيدُهُ (لَمْ) مِن مَعْنى المُضِيِّ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى أحْوالٍ كانَ النَّبِيءُ ﷺ في حَرَجٍ مِنها أوْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ في حَرَجٍ، وأنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْهُ ما بِهِ مِن حَرَجٍ مِنها أوْ هَيَّأ نَفْسَهُ لِعَدَمِ النَّوْءِ بِها. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْلَمُها كَما أشْعَرَ بِهِ إجْمالُها في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُقْتَضِي عِلْمَ المُقَرَّرِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ تَفْصِيلَها فِيما سَبَقَ في سُورَةِ الضُّحى فَلَعَلَّها كانَتْ مِن أحْوالِ كَراهِيَتِهِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَبْذِ تَوْحِيدِ اللَّهِ ومِن مَساوِي الأعْمالِ. وكانَ في حَرَجٍ مِن كَوْنِهِ بَيْنَهم ولا يَسْتَطِيعُ صَرْفَهم عَمّا هم فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ يَتَرَقَّبُ طَرِيقًا لِأنْ يَهْدِيَهم أوْ لَمْ يَصِلْ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَطْمَعْ إلّا في خُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، يَوَدُّ أنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ قَبَسَ نُورٍ يُضِيءُ لَهُ سَبِيلَ الحَقِّ مِمّا كانَ باعِثًا لَهُ عَلى التَّفَكُّرِ والخَلْوَةِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ، فَلَمّا انْتَشَلَهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الوَحْلَةِ بِما أكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، كانَ ذَلِكَ شَرْحًا مِمّا كانَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ يَوْمَئِذٍ، فانْجَلى لَهُ النُّورُ وأُمِرَ بِإنْقاذِ قَوْمِهِ، وقَدْ يَظُنُّهم طُلّابَ حَقٍّ وأزْكِياءَ نُفُوسٍ، فَلَمّا قابَلُوا إرْشادَهُ بِالإعْراضِ ومُلاطَفَتَهُ لَهم بِالِامْتِعاضِ، حَدَثَ في صَدْرِهِ ضِيقٌ آخَرُ أشارَ إلى مَثَلِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) وذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في شَأْنِهِ رَبْطُ جَأْشِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]) فَكُلَّما نَزَلَ صفحة ٤١٢ عَلَيْهِ وحْيٌ مِن هَذا أكْسَبَهُ شَرْحًا لِصَدْرِهِ، وكانَ لِحِمايَةِ أبِي طالِبٍ إيّاهُ وصَدِّهِ قُرَيْشًا عَنْ أذاهُ مُنَفَّسٌ عَلَيْهِ، وأقْوى مُؤَيِّدٍ لَهُ لِدَعْوَتِهِ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ. وكُلَّما آمَنَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ تَزَحْزَحَ بَعْضُ الضِّيقِ عَنْ صَدْرِهِ، وكانَتْ شِدَّةُ قُرَيْشٍ عَلى المُؤْمِنِينَ يَضِيقُ لَها صَدْرُهُ، فَكُلَّما خَلَصَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِن أذى قُرَيْشٍ بِنَحْوِ عِتْقِ الصِّدِّيقِ بِلالًا وغَيْرَهُ، وبِما بَشَّرَهُ اللَّهُ مِن عاقِبَةِ النَّصْرِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا نَحْوَ قَوْلِهِ في السُّورَةِ قَبْلَها: (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) فَذَلِكَ مِنَ الشَّرْحِ المُرادِ هُنا. وجُمّاعُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ تَجَلِّياتِ هَذا الشَّرْحِ عَدِيدَةٌ وأنَّها سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأمّا وضْعُ الوِزْرِ عَنْهُ فَحاصِلٌ بِأمْرَيْنِ: بِهِدايَتِهِ إلى الحَقِّ الَّتِي أزالَتْ حَيْرَتَهُ بِالتَّفَكُّرِ في حالِ قَوْمِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])، وبِكِفايَتِهِ مُؤْنَةَ كُلَفِ عَيْشِهِ الَّتِي قَدْ تَشْغَلُهُ عَمّا هو فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِالفِكْرَةِ في صَلاحِ نَفْسِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . ورَفْعُ الذِّكْرِ مَجازٌ في إلْهامِ النّاسِ لِأنْ يَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ، وذَلِكَ بِإيجادِ أسْبابِ تِلْكَ السُّمْعَةِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِها النّاسُ، اسْتُعِيرَ الرَّفْعُ لِحُسْنِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ جَعْلُ الشَّيْءِ عالِيًا لا تَنالُهُ جَمِيعُ الأيْدِي ولا تَدُوسُهُ الأرْجُلُ، فَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى مَكارِمَ يَعِزُّ وُجُودُ نَوْعِها ولَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ شَأْوَ ما بَلَغَهُ مِنها حَتّى لُقِّبَ في قَوْمِهِ بِالأمِينِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]) مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ . ومِن عَظِيمِ رَفْعِ ذِكْرِهِ أنَّ اسْمَهُ مُقْتَرِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى في كَلِمَةِ الإسْلامِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبّانَ وأبِي يَعْلى، قالَ السُّيُوطِيُّ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ، وأخْرَجَهُ عِياضٌ في الشِّفا بِدُونِ سَنَدٍ. والقَوْلُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ (لَكَ) مَعَ (ورَفَعْنا) كالقَوْلِ في ذِكْرِ نَظِيرِها مَعَ قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَعَ (﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾) لِلِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: (عَنْكَ) فَإنَّهُ في إفادَةِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ مُساوٍ لِكَلِمَةِ (لَكَ) صفحة ٤١٣ وهِيَ في إفادَةِ العِنايَةِ بِهِ تُساوِي كَلِمَةَ (لَكَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الوَضْعِ المُعَدّى إلى الوِزْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَضْعَ عَنْهُ فَكانَتْ زِيادَةُ (عَنْكَ) إطْنابًا يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ بِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ (لَكَ) الَّذِي قَبْلَهُ، فَحَصَلَ بِذِكْرِ (عَنْكَ) إيفاءٌ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (وضَعْنا) مَعَ الإيفاءِ بِحَقِّ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ.

الشرح 94:2

﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى النَّفْيِ. والمَقْصُودُ التَّقْرِيرُ عَلى إثْباتِ المَنفِيِّ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهَذا التَّقْرِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ لِأجْلِ أنْ يُراعِيَ هَذِهِ المِنَّةَ عِنْدَما يُخالِجُهُ ضِيقُ صَدْرٍ مِمّا يَلْقاهُ مِن أذى قَوْمٍ يُرِيدُ صَلاحَهم وإنْقاذَهم مِنَ النّارِ ورَفْعَ شَأْنِهِمْ بَيْنَ الأُمَمِ، لِيَدُومَ عَلى دَعْوَتِهِ العَظِيمَةِ نَشِيطًا غَيْرَ ذِي أسَفٍ ولا كَمَدٍ. والشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ: فَصْلُ أجْزاءِ اللَّحْمِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، ومِنهُ الشَّرِيحَةُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ، والتَّشْرِيحُ في الطِّبِّ، ويُطْلَقُ عَلى انْفِعالِ النَّفْسِ بِالرِّضى بِالحالِ المُتَلَبِّسِ بِها. وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ أنَّ هَذا إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. ولَعَلَّهُ راعى كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: هو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُساوِي الحَقِيقَةَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الشَّرْحَ الحَقِيقِيَّ خاصٌّ بِشَرْحِ اللَّحْمِ، وأنَّ إطْلاقَ الشَّرْحِ عَلى رِضى النَّفْسِ بِالحالِ أصْلُهُ اسْتِعارَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ الضِّيقِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى الإحْساسِ بِالحُزْنِ والكَمَدِ، قالَ تَعالى: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) الآيَةَ. فَجُعِلَ إزالَةُ ما في النَّفْسِ مِن حُزْنٍ مِثْلَ شَرْحِ اللَّحْمِ وهَذا الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) في سُورَةِ طه. فالصَّدْرُ مُرادٌ بِهِ الإحْساسُ الباطِنِيُّ الجامِعُ لِمَعْنى العَقْلِ والإدْراكِ. وشَرْحُ صَدْرِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ مِنَ الكِمالاتِ وإعْلامِهِ بِرِضى اللَّهِ عَنْهُ وبِشارَتِهِ بِما سَيَحْصُلُ لِلدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ. هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما يُفِيدُهُ نَظْمُها واسْتِقْلالُها عَنِ المَرْوِيّاتِ الخارِجِيَّةِ، فَفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّ اللَّهَ شَرَحَ قَلْبَهُ بِالإسْلامِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: شَرْحُ صَدْرِهِ أنْ مُلِئَ عِلْمًا وحُكْمًا، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: شَرَحَ صَدْرَهُ بِنُورِ الرِّسالَةِ. صفحة ٤٠٩ وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الشَّرْحُ شَرْحًا بَدَنِيًّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ بِهِ وهو ظاهِرُ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ، إذْ أخْرَجَ حَدِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ الشَّرِيفِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَرْوِيّاتٍ في شَقِّ صَدْرِهِ ﷺ شَقًّا قُدُسِيًّا، وهو المَرْوِيُّ بَعْضُ خَبَرِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، والمَرْوِيُّ مُطَوَّلًا في السِّيرَةِ والمَسانِيدِ، فَوَقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ كانَ في رُؤْيا النَّوْمِ ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وفي بَعْضِها أنَّهُ كانَ يَقَظَةً، وهو ظاهِرُ ما في البُخارِيِّ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ يَقَظَةٌ وبِمَرْأًى مِن غِلْمانٍ أتْرابِهِ، وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أثَرَ الشَّقِّ في جِلْدِ صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مَعَ اتِّفاقِها عَلى أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ. واخْتِلافُ الرِّواياتِ حَمَلَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ شَقَّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ إلى أرْبَعٍ، مِنها حِينَ كانَ عِنْدَ حَلِيمَةَ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّ الشَّقَّ كانَ وعُمُرُ النَّبِيءِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. والَّذِي في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المِعْراجِ بِهِ إلى السَّماءِ، ولَعَلَّ بَعْضَها كانَ رُؤْيا وبَعْضَها حِسًّا. ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الشَّرْحُ المُرادُ في الآيَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ الشَّقُّ مُعْجِزَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو ما نَحّاهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الصَّدْرُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الباطِنُ الحاوِي لِلْقَلْبِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن فَسَّرَ الصَّدْرَ بِالقَلْبِ، حَكاهُ عِياضٌ في الشِّفا، يُشِيرُ إلى ما جاءَ في خَبَرِ شَقِّ الصَّدْرِ مِن إخْراجِ قَلْبِهِ وإزالَةِ مَقَرِّ الوَسْوَسَةِ مِنهُ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ لِلشَّرْحِ يُفِيدُ أنَّهُ إيقاعُ مَعْنًى عَظِيمٍ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ إمّا مُباشَرَةً وإمّا بِاعْتِبارِ مَغْزاهُ كَما لا يَخْفى. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ التَّعْلِيلِ، وهو يُفِيدُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ. وفِي ذِكْرِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَ ذِكْرِ المَشْرُوحِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ الإبْهامِ لِلتَّشْوِيقِ فَإنَّهُ لَمّا ذُكِرَ فِعْلُ (﴿نَشْرَحْ﴾) عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، فَلَمّا وقَعَ قَوْلُهُ (لَكَ) قَوِيَ الإبْهامُ فَزادَ التَّشْوِيقُ؛ لِأنَّ (لَكَ) يُفِيدُ مَعْنى: شَيْئًا لِأجْلِكَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: صفحة ٤١٠ (صَدْرَكَ) تَعَيَّنَ المَشْرُوحُ المُتَرَقَّبُ فَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ، وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وقَفّى عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ الإطْنابِ. والوِزْرُ: الحَرَجُ، ووَضْعُهُ: حَطُّهُ عَنْ حامِلِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إزالَةِ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ بِحالِ مَن يَحُطُّ ثِقْلًا عَنْ حامِلِهِ لِيُرِيحَهُ مِن عَناءِ الثِّقَلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أزالَ عَنْهُ كُلَّ ما كانَ يَتَحَرَّجُ مِنهُ مِن عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لا تُلائِمُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنَ الزَّكاءِ والسُّمُوِّ، ولا يَجِدُ بُدًّا مِن مُسايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . و(أنْقَضَ): جَعَلَ الشَّيْءَ ذا نَقِيضٍ، والنَّقِيضُ: صَوْتُ صَرِيرِ المَحْمِلِ والرَّحْلِ، وصَوْتُ عِظامِ المَفاصِلِ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وفِعْلُهُ القاصِرُ مِن بابِ نَصَرَ ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ. وإسْنادُ (أنْقَضَ) إلى الوِزْرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وتَعْدِيَتُهُ إلى الظَّهْرِ تَبَعٌ لِتَشْبِيهِ المَشَقَّةِ بِالحَمْلِ، فالتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِمُتَجَشِّمِ المَشاقِّ الشَّدِيدَةِ بِالحَمُولَةِ المُثْقَلَةِ بِالإجْمالِ تَثْقِيلًا شَدِيدًا حَتّى يُسْمَعَ لِعِظامِ ظَهْرِها فَرْقَعَةٌ وصَرِيرٌ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزائِهِ. ووَصْفُ الوِزْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأنَّهُ وِزْرٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾) اتِّصالُ حَرْفَيِ الضّادِ والظّاءِ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، فَرُبَّما يَحْصُلُ مِنَ النُّطْقِ بِهِما شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ عَلى اللِّسانِ ولَكِنَّهُ لا يُنافِي الفَصاحَةَ، إذْ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ ما يُسَمّى بِتَنافُرِ الكَلِماتِ، بَلْ مِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ في كَلامِ الفُصَحاءِ. والعَرَبُ فُصَحاءُ الألْسُنِ فَإذا اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ وُرُودَ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ المُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَعْبَأِ البَلِيغُ بِما يَعْرِضُ عِنْدَ اجْتِماعِهِما مِن بَعْضِ الثِّقَلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (وسَبِّحْهُ) في اجْتِماعِ الحاءِ مَعَ الهاءِ، وذَلِكَ حَيْثُ لا يَصِحُّ الإدْغامُ. وقَدْ أوْصى عُلَماءُ التَّجْوِيدِ بِإظْهارِ الضّادِ مَعَ الظّاءِ إذا تَلاقَيا كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ [الفرقان: ٢٧]) ولَها نَظائِرُ في القُرْآنِ. صفحة ٤١١ وهَذِهِ الآيَةُ هي المُشْتَهَرَةُ ولَمْ يَزَلِ الأيِمَّةُ في المَساجِدِ يَتَوَخَّوْنَ الحَذَرَ مِن إبْدالِ أحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ بِالآخَرِ لِلْخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ الفُقَهاءِ في بُطْلانِ صَلاةِ اللَّحّانِ ومَن لا يُحْسِنُ القِراءَةَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ عامِدًا إذا كانَ فَذًّا، وفي بُطْلانِ صَلاةِ مَن خَلْفَهُ أيْضًا إذا كانَ اللّاحِنُ إمامًا. ورَفْعُ الذِّكْرِ: جَعْلُ ذِكْرِهِ بَيْنَ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ، وذَلِكَ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ثَناءً عَلَيْهِ وكَرامَةً، وبِإلْهامِ النّاسِ التَّحَدُّثَ بِما جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحامِدِ مُنْذُ نَشْأتِهِ. وعَطْفُ (﴿ووَضَعْنا﴾)، (ورَفَعْنا) بِصِيغَةِ المُضِيِّ عَلى فِعْلِ (﴿نَشْرَحْ﴾) بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ (لَمْ) قَلَبَتْ زَمَنَ الحالِ إلى المُضِيِّ فَعُطِفَ عَلَيْهِ الفِعْلانِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ فَلَمّا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِما حَرْفُ (لَمْ) صُيِّرَ بِهِما إلى ما تُفِيدُهُ (لَمْ) مِن مَعْنى المُضِيِّ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى أحْوالٍ كانَ النَّبِيءُ ﷺ في حَرَجٍ مِنها أوْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ في حَرَجٍ، وأنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْهُ ما بِهِ مِن حَرَجٍ مِنها أوْ هَيَّأ نَفْسَهُ لِعَدَمِ النَّوْءِ بِها. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْلَمُها كَما أشْعَرَ بِهِ إجْمالُها في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُقْتَضِي عِلْمَ المُقَرَّرِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ تَفْصِيلَها فِيما سَبَقَ في سُورَةِ الضُّحى فَلَعَلَّها كانَتْ مِن أحْوالِ كَراهِيَتِهِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَبْذِ تَوْحِيدِ اللَّهِ ومِن مَساوِي الأعْمالِ. وكانَ في حَرَجٍ مِن كَوْنِهِ بَيْنَهم ولا يَسْتَطِيعُ صَرْفَهم عَمّا هم فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ يَتَرَقَّبُ طَرِيقًا لِأنْ يَهْدِيَهم أوْ لَمْ يَصِلْ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَطْمَعْ إلّا في خُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، يَوَدُّ أنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ قَبَسَ نُورٍ يُضِيءُ لَهُ سَبِيلَ الحَقِّ مِمّا كانَ باعِثًا لَهُ عَلى التَّفَكُّرِ والخَلْوَةِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ، فَلَمّا انْتَشَلَهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الوَحْلَةِ بِما أكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، كانَ ذَلِكَ شَرْحًا مِمّا كانَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ يَوْمَئِذٍ، فانْجَلى لَهُ النُّورُ وأُمِرَ بِإنْقاذِ قَوْمِهِ، وقَدْ يَظُنُّهم طُلّابَ حَقٍّ وأزْكِياءَ نُفُوسٍ، فَلَمّا قابَلُوا إرْشادَهُ بِالإعْراضِ ومُلاطَفَتَهُ لَهم بِالِامْتِعاضِ، حَدَثَ في صَدْرِهِ ضِيقٌ آخَرُ أشارَ إلى مَثَلِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) وذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في شَأْنِهِ رَبْطُ جَأْشِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]) فَكُلَّما نَزَلَ صفحة ٤١٢ عَلَيْهِ وحْيٌ مِن هَذا أكْسَبَهُ شَرْحًا لِصَدْرِهِ، وكانَ لِحِمايَةِ أبِي طالِبٍ إيّاهُ وصَدِّهِ قُرَيْشًا عَنْ أذاهُ مُنَفَّسٌ عَلَيْهِ، وأقْوى مُؤَيِّدٍ لَهُ لِدَعْوَتِهِ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ. وكُلَّما آمَنَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ تَزَحْزَحَ بَعْضُ الضِّيقِ عَنْ صَدْرِهِ، وكانَتْ شِدَّةُ قُرَيْشٍ عَلى المُؤْمِنِينَ يَضِيقُ لَها صَدْرُهُ، فَكُلَّما خَلَصَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِن أذى قُرَيْشٍ بِنَحْوِ عِتْقِ الصِّدِّيقِ بِلالًا وغَيْرَهُ، وبِما بَشَّرَهُ اللَّهُ مِن عاقِبَةِ النَّصْرِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا نَحْوَ قَوْلِهِ في السُّورَةِ قَبْلَها: (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) فَذَلِكَ مِنَ الشَّرْحِ المُرادِ هُنا. وجُمّاعُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ تَجَلِّياتِ هَذا الشَّرْحِ عَدِيدَةٌ وأنَّها سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأمّا وضْعُ الوِزْرِ عَنْهُ فَحاصِلٌ بِأمْرَيْنِ: بِهِدايَتِهِ إلى الحَقِّ الَّتِي أزالَتْ حَيْرَتَهُ بِالتَّفَكُّرِ في حالِ قَوْمِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])، وبِكِفايَتِهِ مُؤْنَةَ كُلَفِ عَيْشِهِ الَّتِي قَدْ تَشْغَلُهُ عَمّا هو فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِالفِكْرَةِ في صَلاحِ نَفْسِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . ورَفْعُ الذِّكْرِ مَجازٌ في إلْهامِ النّاسِ لِأنْ يَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ، وذَلِكَ بِإيجادِ أسْبابِ تِلْكَ السُّمْعَةِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِها النّاسُ، اسْتُعِيرَ الرَّفْعُ لِحُسْنِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ جَعْلُ الشَّيْءِ عالِيًا لا تَنالُهُ جَمِيعُ الأيْدِي ولا تَدُوسُهُ الأرْجُلُ، فَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى مَكارِمَ يَعِزُّ وُجُودُ نَوْعِها ولَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ شَأْوَ ما بَلَغَهُ مِنها حَتّى لُقِّبَ في قَوْمِهِ بِالأمِينِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]) مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ . ومِن عَظِيمِ رَفْعِ ذِكْرِهِ أنَّ اسْمَهُ مُقْتَرِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى في كَلِمَةِ الإسْلامِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبّانَ وأبِي يَعْلى، قالَ السُّيُوطِيُّ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ، وأخْرَجَهُ عِياضٌ في الشِّفا بِدُونِ سَنَدٍ. والقَوْلُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ (لَكَ) مَعَ (ورَفَعْنا) كالقَوْلِ في ذِكْرِ نَظِيرِها مَعَ قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَعَ (﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾) لِلِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: (عَنْكَ) فَإنَّهُ في إفادَةِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ مُساوٍ لِكَلِمَةِ (لَكَ) صفحة ٤١٣ وهِيَ في إفادَةِ العِنايَةِ بِهِ تُساوِي كَلِمَةَ (لَكَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الوَضْعِ المُعَدّى إلى الوِزْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَضْعَ عَنْهُ فَكانَتْ زِيادَةُ (عَنْكَ) إطْنابًا يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ بِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ (لَكَ) الَّذِي قَبْلَهُ، فَحَصَلَ بِذِكْرِ (عَنْكَ) إيفاءٌ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (وضَعْنا) مَعَ الإيفاءِ بِحَقِّ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ.

الشرح 94:3

﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى النَّفْيِ. والمَقْصُودُ التَّقْرِيرُ عَلى إثْباتِ المَنفِيِّ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهَذا التَّقْرِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ لِأجْلِ أنْ يُراعِيَ هَذِهِ المِنَّةَ عِنْدَما يُخالِجُهُ ضِيقُ صَدْرٍ مِمّا يَلْقاهُ مِن أذى قَوْمٍ يُرِيدُ صَلاحَهم وإنْقاذَهم مِنَ النّارِ ورَفْعَ شَأْنِهِمْ بَيْنَ الأُمَمِ، لِيَدُومَ عَلى دَعْوَتِهِ العَظِيمَةِ نَشِيطًا غَيْرَ ذِي أسَفٍ ولا كَمَدٍ. والشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ: فَصْلُ أجْزاءِ اللَّحْمِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، ومِنهُ الشَّرِيحَةُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ، والتَّشْرِيحُ في الطِّبِّ، ويُطْلَقُ عَلى انْفِعالِ النَّفْسِ بِالرِّضى بِالحالِ المُتَلَبِّسِ بِها. وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ أنَّ هَذا إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. ولَعَلَّهُ راعى كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: هو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُساوِي الحَقِيقَةَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الشَّرْحَ الحَقِيقِيَّ خاصٌّ بِشَرْحِ اللَّحْمِ، وأنَّ إطْلاقَ الشَّرْحِ عَلى رِضى النَّفْسِ بِالحالِ أصْلُهُ اسْتِعارَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ الضِّيقِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى الإحْساسِ بِالحُزْنِ والكَمَدِ، قالَ تَعالى: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) الآيَةَ. فَجُعِلَ إزالَةُ ما في النَّفْسِ مِن حُزْنٍ مِثْلَ شَرْحِ اللَّحْمِ وهَذا الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) في سُورَةِ طه. فالصَّدْرُ مُرادٌ بِهِ الإحْساسُ الباطِنِيُّ الجامِعُ لِمَعْنى العَقْلِ والإدْراكِ. وشَرْحُ صَدْرِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ مِنَ الكِمالاتِ وإعْلامِهِ بِرِضى اللَّهِ عَنْهُ وبِشارَتِهِ بِما سَيَحْصُلُ لِلدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ. هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما يُفِيدُهُ نَظْمُها واسْتِقْلالُها عَنِ المَرْوِيّاتِ الخارِجِيَّةِ، فَفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّ اللَّهَ شَرَحَ قَلْبَهُ بِالإسْلامِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: شَرْحُ صَدْرِهِ أنْ مُلِئَ عِلْمًا وحُكْمًا، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: شَرَحَ صَدْرَهُ بِنُورِ الرِّسالَةِ. صفحة ٤٠٩ وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الشَّرْحُ شَرْحًا بَدَنِيًّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ بِهِ وهو ظاهِرُ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ، إذْ أخْرَجَ حَدِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ الشَّرِيفِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَرْوِيّاتٍ في شَقِّ صَدْرِهِ ﷺ شَقًّا قُدُسِيًّا، وهو المَرْوِيُّ بَعْضُ خَبَرِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، والمَرْوِيُّ مُطَوَّلًا في السِّيرَةِ والمَسانِيدِ، فَوَقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ كانَ في رُؤْيا النَّوْمِ ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وفي بَعْضِها أنَّهُ كانَ يَقَظَةً، وهو ظاهِرُ ما في البُخارِيِّ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ يَقَظَةٌ وبِمَرْأًى مِن غِلْمانٍ أتْرابِهِ، وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أثَرَ الشَّقِّ في جِلْدِ صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مَعَ اتِّفاقِها عَلى أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ. واخْتِلافُ الرِّواياتِ حَمَلَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ شَقَّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ إلى أرْبَعٍ، مِنها حِينَ كانَ عِنْدَ حَلِيمَةَ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّ الشَّقَّ كانَ وعُمُرُ النَّبِيءِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. والَّذِي في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المِعْراجِ بِهِ إلى السَّماءِ، ولَعَلَّ بَعْضَها كانَ رُؤْيا وبَعْضَها حِسًّا. ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الشَّرْحُ المُرادُ في الآيَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ الشَّقُّ مُعْجِزَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو ما نَحّاهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الصَّدْرُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الباطِنُ الحاوِي لِلْقَلْبِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن فَسَّرَ الصَّدْرَ بِالقَلْبِ، حَكاهُ عِياضٌ في الشِّفا، يُشِيرُ إلى ما جاءَ في خَبَرِ شَقِّ الصَّدْرِ مِن إخْراجِ قَلْبِهِ وإزالَةِ مَقَرِّ الوَسْوَسَةِ مِنهُ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ لِلشَّرْحِ يُفِيدُ أنَّهُ إيقاعُ مَعْنًى عَظِيمٍ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ إمّا مُباشَرَةً وإمّا بِاعْتِبارِ مَغْزاهُ كَما لا يَخْفى. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ التَّعْلِيلِ، وهو يُفِيدُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ. وفِي ذِكْرِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَ ذِكْرِ المَشْرُوحِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ الإبْهامِ لِلتَّشْوِيقِ فَإنَّهُ لَمّا ذُكِرَ فِعْلُ (﴿نَشْرَحْ﴾) عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، فَلَمّا وقَعَ قَوْلُهُ (لَكَ) قَوِيَ الإبْهامُ فَزادَ التَّشْوِيقُ؛ لِأنَّ (لَكَ) يُفِيدُ مَعْنى: شَيْئًا لِأجْلِكَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: صفحة ٤١٠ (صَدْرَكَ) تَعَيَّنَ المَشْرُوحُ المُتَرَقَّبُ فَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ، وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وقَفّى عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ الإطْنابِ. والوِزْرُ: الحَرَجُ، ووَضْعُهُ: حَطُّهُ عَنْ حامِلِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إزالَةِ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ بِحالِ مَن يَحُطُّ ثِقْلًا عَنْ حامِلِهِ لِيُرِيحَهُ مِن عَناءِ الثِّقَلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أزالَ عَنْهُ كُلَّ ما كانَ يَتَحَرَّجُ مِنهُ مِن عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لا تُلائِمُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنَ الزَّكاءِ والسُّمُوِّ، ولا يَجِدُ بُدًّا مِن مُسايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . و(أنْقَضَ): جَعَلَ الشَّيْءَ ذا نَقِيضٍ، والنَّقِيضُ: صَوْتُ صَرِيرِ المَحْمِلِ والرَّحْلِ، وصَوْتُ عِظامِ المَفاصِلِ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وفِعْلُهُ القاصِرُ مِن بابِ نَصَرَ ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ. وإسْنادُ (أنْقَضَ) إلى الوِزْرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وتَعْدِيَتُهُ إلى الظَّهْرِ تَبَعٌ لِتَشْبِيهِ المَشَقَّةِ بِالحَمْلِ، فالتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِمُتَجَشِّمِ المَشاقِّ الشَّدِيدَةِ بِالحَمُولَةِ المُثْقَلَةِ بِالإجْمالِ تَثْقِيلًا شَدِيدًا حَتّى يُسْمَعَ لِعِظامِ ظَهْرِها فَرْقَعَةٌ وصَرِيرٌ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزائِهِ. ووَصْفُ الوِزْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأنَّهُ وِزْرٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾) اتِّصالُ حَرْفَيِ الضّادِ والظّاءِ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، فَرُبَّما يَحْصُلُ مِنَ النُّطْقِ بِهِما شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ عَلى اللِّسانِ ولَكِنَّهُ لا يُنافِي الفَصاحَةَ، إذْ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ ما يُسَمّى بِتَنافُرِ الكَلِماتِ، بَلْ مِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ في كَلامِ الفُصَحاءِ. والعَرَبُ فُصَحاءُ الألْسُنِ فَإذا اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ وُرُودَ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ المُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَعْبَأِ البَلِيغُ بِما يَعْرِضُ عِنْدَ اجْتِماعِهِما مِن بَعْضِ الثِّقَلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (وسَبِّحْهُ) في اجْتِماعِ الحاءِ مَعَ الهاءِ، وذَلِكَ حَيْثُ لا يَصِحُّ الإدْغامُ. وقَدْ أوْصى عُلَماءُ التَّجْوِيدِ بِإظْهارِ الضّادِ مَعَ الظّاءِ إذا تَلاقَيا كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ [الفرقان: ٢٧]) ولَها نَظائِرُ في القُرْآنِ. صفحة ٤١١ وهَذِهِ الآيَةُ هي المُشْتَهَرَةُ ولَمْ يَزَلِ الأيِمَّةُ في المَساجِدِ يَتَوَخَّوْنَ الحَذَرَ مِن إبْدالِ أحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ بِالآخَرِ لِلْخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ الفُقَهاءِ في بُطْلانِ صَلاةِ اللَّحّانِ ومَن لا يُحْسِنُ القِراءَةَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ عامِدًا إذا كانَ فَذًّا، وفي بُطْلانِ صَلاةِ مَن خَلْفَهُ أيْضًا إذا كانَ اللّاحِنُ إمامًا. ورَفْعُ الذِّكْرِ: جَعْلُ ذِكْرِهِ بَيْنَ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ، وذَلِكَ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ثَناءً عَلَيْهِ وكَرامَةً، وبِإلْهامِ النّاسِ التَّحَدُّثَ بِما جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحامِدِ مُنْذُ نَشْأتِهِ. وعَطْفُ (﴿ووَضَعْنا﴾)، (ورَفَعْنا) بِصِيغَةِ المُضِيِّ عَلى فِعْلِ (﴿نَشْرَحْ﴾) بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ (لَمْ) قَلَبَتْ زَمَنَ الحالِ إلى المُضِيِّ فَعُطِفَ عَلَيْهِ الفِعْلانِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ فَلَمّا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِما حَرْفُ (لَمْ) صُيِّرَ بِهِما إلى ما تُفِيدُهُ (لَمْ) مِن مَعْنى المُضِيِّ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى أحْوالٍ كانَ النَّبِيءُ ﷺ في حَرَجٍ مِنها أوْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ في حَرَجٍ، وأنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْهُ ما بِهِ مِن حَرَجٍ مِنها أوْ هَيَّأ نَفْسَهُ لِعَدَمِ النَّوْءِ بِها. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْلَمُها كَما أشْعَرَ بِهِ إجْمالُها في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُقْتَضِي عِلْمَ المُقَرَّرِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ تَفْصِيلَها فِيما سَبَقَ في سُورَةِ الضُّحى فَلَعَلَّها كانَتْ مِن أحْوالِ كَراهِيَتِهِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَبْذِ تَوْحِيدِ اللَّهِ ومِن مَساوِي الأعْمالِ. وكانَ في حَرَجٍ مِن كَوْنِهِ بَيْنَهم ولا يَسْتَطِيعُ صَرْفَهم عَمّا هم فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ يَتَرَقَّبُ طَرِيقًا لِأنْ يَهْدِيَهم أوْ لَمْ يَصِلْ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَطْمَعْ إلّا في خُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، يَوَدُّ أنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ قَبَسَ نُورٍ يُضِيءُ لَهُ سَبِيلَ الحَقِّ مِمّا كانَ باعِثًا لَهُ عَلى التَّفَكُّرِ والخَلْوَةِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ، فَلَمّا انْتَشَلَهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الوَحْلَةِ بِما أكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، كانَ ذَلِكَ شَرْحًا مِمّا كانَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ يَوْمَئِذٍ، فانْجَلى لَهُ النُّورُ وأُمِرَ بِإنْقاذِ قَوْمِهِ، وقَدْ يَظُنُّهم طُلّابَ حَقٍّ وأزْكِياءَ نُفُوسٍ، فَلَمّا قابَلُوا إرْشادَهُ بِالإعْراضِ ومُلاطَفَتَهُ لَهم بِالِامْتِعاضِ، حَدَثَ في صَدْرِهِ ضِيقٌ آخَرُ أشارَ إلى مَثَلِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) وذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في شَأْنِهِ رَبْطُ جَأْشِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]) فَكُلَّما نَزَلَ صفحة ٤١٢ عَلَيْهِ وحْيٌ مِن هَذا أكْسَبَهُ شَرْحًا لِصَدْرِهِ، وكانَ لِحِمايَةِ أبِي طالِبٍ إيّاهُ وصَدِّهِ قُرَيْشًا عَنْ أذاهُ مُنَفَّسٌ عَلَيْهِ، وأقْوى مُؤَيِّدٍ لَهُ لِدَعْوَتِهِ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ. وكُلَّما آمَنَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ تَزَحْزَحَ بَعْضُ الضِّيقِ عَنْ صَدْرِهِ، وكانَتْ شِدَّةُ قُرَيْشٍ عَلى المُؤْمِنِينَ يَضِيقُ لَها صَدْرُهُ، فَكُلَّما خَلَصَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِن أذى قُرَيْشٍ بِنَحْوِ عِتْقِ الصِّدِّيقِ بِلالًا وغَيْرَهُ، وبِما بَشَّرَهُ اللَّهُ مِن عاقِبَةِ النَّصْرِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا نَحْوَ قَوْلِهِ في السُّورَةِ قَبْلَها: (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) فَذَلِكَ مِنَ الشَّرْحِ المُرادِ هُنا. وجُمّاعُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ تَجَلِّياتِ هَذا الشَّرْحِ عَدِيدَةٌ وأنَّها سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأمّا وضْعُ الوِزْرِ عَنْهُ فَحاصِلٌ بِأمْرَيْنِ: بِهِدايَتِهِ إلى الحَقِّ الَّتِي أزالَتْ حَيْرَتَهُ بِالتَّفَكُّرِ في حالِ قَوْمِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])، وبِكِفايَتِهِ مُؤْنَةَ كُلَفِ عَيْشِهِ الَّتِي قَدْ تَشْغَلُهُ عَمّا هو فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِالفِكْرَةِ في صَلاحِ نَفْسِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . ورَفْعُ الذِّكْرِ مَجازٌ في إلْهامِ النّاسِ لِأنْ يَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ، وذَلِكَ بِإيجادِ أسْبابِ تِلْكَ السُّمْعَةِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِها النّاسُ، اسْتُعِيرَ الرَّفْعُ لِحُسْنِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ جَعْلُ الشَّيْءِ عالِيًا لا تَنالُهُ جَمِيعُ الأيْدِي ولا تَدُوسُهُ الأرْجُلُ، فَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى مَكارِمَ يَعِزُّ وُجُودُ نَوْعِها ولَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ شَأْوَ ما بَلَغَهُ مِنها حَتّى لُقِّبَ في قَوْمِهِ بِالأمِينِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]) مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ . ومِن عَظِيمِ رَفْعِ ذِكْرِهِ أنَّ اسْمَهُ مُقْتَرِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى في كَلِمَةِ الإسْلامِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبّانَ وأبِي يَعْلى، قالَ السُّيُوطِيُّ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ، وأخْرَجَهُ عِياضٌ في الشِّفا بِدُونِ سَنَدٍ. والقَوْلُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ (لَكَ) مَعَ (ورَفَعْنا) كالقَوْلِ في ذِكْرِ نَظِيرِها مَعَ قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَعَ (﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾) لِلِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: (عَنْكَ) فَإنَّهُ في إفادَةِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ مُساوٍ لِكَلِمَةِ (لَكَ) صفحة ٤١٣ وهِيَ في إفادَةِ العِنايَةِ بِهِ تُساوِي كَلِمَةَ (لَكَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الوَضْعِ المُعَدّى إلى الوِزْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَضْعَ عَنْهُ فَكانَتْ زِيادَةُ (عَنْكَ) إطْنابًا يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ بِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ (لَكَ) الَّذِي قَبْلَهُ، فَحَصَلَ بِذِكْرِ (عَنْكَ) إيفاءٌ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (وضَعْنا) مَعَ الإيفاءِ بِحَقِّ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ.

الشرح 94:4

﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى النَّفْيِ. والمَقْصُودُ التَّقْرِيرُ عَلى إثْباتِ المَنفِيِّ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهَذا التَّقْرِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ لِأجْلِ أنْ يُراعِيَ هَذِهِ المِنَّةَ عِنْدَما يُخالِجُهُ ضِيقُ صَدْرٍ مِمّا يَلْقاهُ مِن أذى قَوْمٍ يُرِيدُ صَلاحَهم وإنْقاذَهم مِنَ النّارِ ورَفْعَ شَأْنِهِمْ بَيْنَ الأُمَمِ، لِيَدُومَ عَلى دَعْوَتِهِ العَظِيمَةِ نَشِيطًا غَيْرَ ذِي أسَفٍ ولا كَمَدٍ. والشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ: فَصْلُ أجْزاءِ اللَّحْمِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، ومِنهُ الشَّرِيحَةُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ، والتَّشْرِيحُ في الطِّبِّ، ويُطْلَقُ عَلى انْفِعالِ النَّفْسِ بِالرِّضى بِالحالِ المُتَلَبِّسِ بِها. وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ أنَّ هَذا إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. ولَعَلَّهُ راعى كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ، أيْ: هو مِنَ المَجازِ الَّذِي يُساوِي الحَقِيقَةَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الشَّرْحَ الحَقِيقِيَّ خاصٌّ بِشَرْحِ اللَّحْمِ، وأنَّ إطْلاقَ الشَّرْحِ عَلى رِضى النَّفْسِ بِالحالِ أصْلُهُ اسْتِعارَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ الضِّيقِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى الإحْساسِ بِالحُزْنِ والكَمَدِ، قالَ تَعالى: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) الآيَةَ. فَجُعِلَ إزالَةُ ما في النَّفْسِ مِن حُزْنٍ مِثْلَ شَرْحِ اللَّحْمِ وهَذا الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) في سُورَةِ طه. فالصَّدْرُ مُرادٌ بِهِ الإحْساسُ الباطِنِيُّ الجامِعُ لِمَعْنى العَقْلِ والإدْراكِ. وشَرْحُ صَدْرِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ مِنَ الكِمالاتِ وإعْلامِهِ بِرِضى اللَّهِ عَنْهُ وبِشارَتِهِ بِما سَيَحْصُلُ لِلدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ. هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما يُفِيدُهُ نَظْمُها واسْتِقْلالُها عَنِ المَرْوِيّاتِ الخارِجِيَّةِ، فَفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّ اللَّهَ شَرَحَ قَلْبَهُ بِالإسْلامِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: شَرْحُ صَدْرِهِ أنْ مُلِئَ عِلْمًا وحُكْمًا، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: شَرَحَ صَدْرَهُ بِنُورِ الرِّسالَةِ. صفحة ٤٠٩ وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الجُمْهُورِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الشَّرْحُ شَرْحًا بَدَنِيًّا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ بِهِ وهو ظاهِرُ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ، إذْ أخْرَجَ حَدِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ الشَّرِيفِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَرْوِيّاتٍ في شَقِّ صَدْرِهِ ﷺ شَقًّا قُدُسِيًّا، وهو المَرْوِيُّ بَعْضُ خَبَرِهِ في الصَّحِيحَيْنِ، والمَرْوِيُّ مُطَوَّلًا في السِّيرَةِ والمَسانِيدِ، فَوَقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ كانَ في رُؤْيا النَّوْمِ ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وفي بَعْضِها أنَّهُ كانَ يَقَظَةً، وهو ظاهِرُ ما في البُخارِيِّ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ يَقَظَةٌ وبِمَرْأًى مِن غِلْمانٍ أتْرابِهِ، وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أثَرَ الشَّقِّ في جِلْدِ صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ في زَمانِهِ ومَكانِهِ مَعَ اتِّفاقِها عَلى أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ. واخْتِلافُ الرِّواياتِ حَمَلَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ شَقَّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ إلى أرْبَعٍ، مِنها حِينَ كانَ عِنْدَ حَلِيمَةَ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّ الشَّقَّ كانَ وعُمُرُ النَّبِيءِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. والَّذِي في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المِعْراجِ بِهِ إلى السَّماءِ، ولَعَلَّ بَعْضَها كانَ رُؤْيا وبَعْضَها حِسًّا. ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الشَّرْحُ المُرادُ في الآيَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ الشَّقُّ مُعْجِزَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو ما نَحّاهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الصَّدْرُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الباطِنُ الحاوِي لِلْقَلْبِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن فَسَّرَ الصَّدْرَ بِالقَلْبِ، حَكاهُ عِياضٌ في الشِّفا، يُشِيرُ إلى ما جاءَ في خَبَرِ شَقِّ الصَّدْرِ مِن إخْراجِ قَلْبِهِ وإزالَةِ مَقَرِّ الوَسْوَسَةِ مِنهُ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ لِلشَّرْحِ يُفِيدُ أنَّهُ إيقاعُ مَعْنًى عَظِيمٍ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ إمّا مُباشَرَةً وإمّا بِاعْتِبارِ مَغْزاهُ كَما لا يَخْفى. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ التَّعْلِيلِ، وهو يُفِيدُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِ. وفِي ذِكْرِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَ ذِكْرِ المَشْرُوحِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ الإبْهامِ لِلتَّشْوِيقِ فَإنَّهُ لَمّا ذُكِرَ فِعْلُ (﴿نَشْرَحْ﴾) عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، فَلَمّا وقَعَ قَوْلُهُ (لَكَ) قَوِيَ الإبْهامُ فَزادَ التَّشْوِيقُ؛ لِأنَّ (لَكَ) يُفِيدُ مَعْنى: شَيْئًا لِأجْلِكَ، فَلَمّا وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: صفحة ٤١٠ (صَدْرَكَ) تَعَيَّنَ المَشْرُوحُ المُتَرَقَّبُ فَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ، وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وقَفّى عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ الإطْنابِ. والوِزْرُ: الحَرَجُ، ووَضْعُهُ: حَطُّهُ عَنْ حامِلِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إزالَةِ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ بِحالِ مَن يَحُطُّ ثِقْلًا عَنْ حامِلِهِ لِيُرِيحَهُ مِن عَناءِ الثِّقَلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أزالَ عَنْهُ كُلَّ ما كانَ يَتَحَرَّجُ مِنهُ مِن عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لا تُلائِمُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنَ الزَّكاءِ والسُّمُوِّ، ولا يَجِدُ بُدًّا مِن مُسايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . و(أنْقَضَ): جَعَلَ الشَّيْءَ ذا نَقِيضٍ، والنَّقِيضُ: صَوْتُ صَرِيرِ المَحْمِلِ والرَّحْلِ، وصَوْتُ عِظامِ المَفاصِلِ، وفَرْقَعَةُ الأصابِعِ، وفِعْلُهُ القاصِرُ مِن بابِ نَصَرَ ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ. وإسْنادُ (أنْقَضَ) إلى الوِزْرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وتَعْدِيَتُهُ إلى الظَّهْرِ تَبَعٌ لِتَشْبِيهِ المَشَقَّةِ بِالحَمْلِ، فالتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِمُتَجَشِّمِ المَشاقِّ الشَّدِيدَةِ بِالحَمُولَةِ المُثْقَلَةِ بِالإجْمالِ تَثْقِيلًا شَدِيدًا حَتّى يُسْمَعَ لِعِظامِ ظَهْرِها فَرْقَعَةٌ وصَرِيرٌ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزائِهِ. ووَصْفُ الوِزْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأنَّهُ وِزْرٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: (﴿أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾) اتِّصالُ حَرْفَيِ الضّادِ والظّاءِ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، فَرُبَّما يَحْصُلُ مِنَ النُّطْقِ بِهِما شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ عَلى اللِّسانِ ولَكِنَّهُ لا يُنافِي الفَصاحَةَ، إذْ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ ما يُسَمّى بِتَنافُرِ الكَلِماتِ، بَلْ مِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ في كَلامِ الفُصَحاءِ. والعَرَبُ فُصَحاءُ الألْسُنِ فَإذا اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ وُرُودَ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ المُتَقارِبَيْنِ لَمْ يَعْبَأِ البَلِيغُ بِما يَعْرِضُ عِنْدَ اجْتِماعِهِما مِن بَعْضِ الثِّقَلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (وسَبِّحْهُ) في اجْتِماعِ الحاءِ مَعَ الهاءِ، وذَلِكَ حَيْثُ لا يَصِحُّ الإدْغامُ. وقَدْ أوْصى عُلَماءُ التَّجْوِيدِ بِإظْهارِ الضّادِ مَعَ الظّاءِ إذا تَلاقَيا كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ [الفرقان: ٢٧]) ولَها نَظائِرُ في القُرْآنِ. صفحة ٤١١ وهَذِهِ الآيَةُ هي المُشْتَهَرَةُ ولَمْ يَزَلِ الأيِمَّةُ في المَساجِدِ يَتَوَخَّوْنَ الحَذَرَ مِن إبْدالِ أحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ بِالآخَرِ لِلْخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ الفُقَهاءِ في بُطْلانِ صَلاةِ اللَّحّانِ ومَن لا يُحْسِنُ القِراءَةَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ عامِدًا إذا كانَ فَذًّا، وفي بُطْلانِ صَلاةِ مَن خَلْفَهُ أيْضًا إذا كانَ اللّاحِنُ إمامًا. ورَفْعُ الذِّكْرِ: جَعْلُ ذِكْرِهِ بَيْنَ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ، وذَلِكَ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ثَناءً عَلَيْهِ وكَرامَةً، وبِإلْهامِ النّاسِ التَّحَدُّثَ بِما جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحامِدِ مُنْذُ نَشْأتِهِ. وعَطْفُ (﴿ووَضَعْنا﴾)، (ورَفَعْنا) بِصِيغَةِ المُضِيِّ عَلى فِعْلِ (﴿نَشْرَحْ﴾) بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ (لَمْ) قَلَبَتْ زَمَنَ الحالِ إلى المُضِيِّ فَعُطِفَ عَلَيْهِ الفِعْلانِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُما داخِلانِ في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ فَلَمّا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِما حَرْفُ (لَمْ) صُيِّرَ بِهِما إلى ما تُفِيدُهُ (لَمْ) مِن مَعْنى المُضِيِّ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى أحْوالٍ كانَ النَّبِيءُ ﷺ في حَرَجٍ مِنها أوْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ في حَرَجٍ، وأنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْهُ ما بِهِ مِن حَرَجٍ مِنها أوْ هَيَّأ نَفْسَهُ لِعَدَمِ النَّوْءِ بِها. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْلَمُها كَما أشْعَرَ بِهِ إجْمالُها في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُقْتَضِي عِلْمَ المُقَرَّرِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ تَفْصِيلَها فِيما سَبَقَ في سُورَةِ الضُّحى فَلَعَلَّها كانَتْ مِن أحْوالِ كَراهِيَتِهِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَبْذِ تَوْحِيدِ اللَّهِ ومِن مَساوِي الأعْمالِ. وكانَ في حَرَجٍ مِن كَوْنِهِ بَيْنَهم ولا يَسْتَطِيعُ صَرْفَهم عَمّا هم فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ يَتَرَقَّبُ طَرِيقًا لِأنْ يَهْدِيَهم أوْ لَمْ يَصِلْ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَطْمَعْ إلّا في خُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ، يَوَدُّ أنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ قَبَسَ نُورٍ يُضِيءُ لَهُ سَبِيلَ الحَقِّ مِمّا كانَ باعِثًا لَهُ عَلى التَّفَكُّرِ والخَلْوَةِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ، فَلَمّا انْتَشَلَهُ اللَّهُ مِن تِلْكَ الوَحْلَةِ بِما أكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، كانَ ذَلِكَ شَرْحًا مِمّا كانَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ يَوْمَئِذٍ، فانْجَلى لَهُ النُّورُ وأُمِرَ بِإنْقاذِ قَوْمِهِ، وقَدْ يَظُنُّهم طُلّابَ حَقٍّ وأزْكِياءَ نُفُوسٍ، فَلَمّا قابَلُوا إرْشادَهُ بِالإعْراضِ ومُلاطَفَتَهُ لَهم بِالِامْتِعاضِ، حَدَثَ في صَدْرِهِ ضِيقٌ آخَرُ أشارَ إلى مَثَلِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) وذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في شَأْنِهِ رَبْطُ جَأْشِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]) فَكُلَّما نَزَلَ صفحة ٤١٢ عَلَيْهِ وحْيٌ مِن هَذا أكْسَبَهُ شَرْحًا لِصَدْرِهِ، وكانَ لِحِمايَةِ أبِي طالِبٍ إيّاهُ وصَدِّهِ قُرَيْشًا عَنْ أذاهُ مُنَفَّسٌ عَلَيْهِ، وأقْوى مُؤَيِّدٍ لَهُ لِدَعْوَتِهِ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ. وكُلَّما آمَنَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ تَزَحْزَحَ بَعْضُ الضِّيقِ عَنْ صَدْرِهِ، وكانَتْ شِدَّةُ قُرَيْشٍ عَلى المُؤْمِنِينَ يَضِيقُ لَها صَدْرُهُ، فَكُلَّما خَلَصَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِن أذى قُرَيْشٍ بِنَحْوِ عِتْقِ الصِّدِّيقِ بِلالًا وغَيْرَهُ، وبِما بَشَّرَهُ اللَّهُ مِن عاقِبَةِ النَّصْرِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا نَحْوَ قَوْلِهِ في السُّورَةِ قَبْلَها: (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) فَذَلِكَ مِنَ الشَّرْحِ المُرادِ هُنا. وجُمّاعُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ تَجَلِّياتِ هَذا الشَّرْحِ عَدِيدَةٌ وأنَّها سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وأمّا وضْعُ الوِزْرِ عَنْهُ فَحاصِلٌ بِأمْرَيْنِ: بِهِدايَتِهِ إلى الحَقِّ الَّتِي أزالَتْ حَيْرَتَهُ بِالتَّفَكُّرِ في حالِ قَوْمِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])، وبِكِفايَتِهِ مُؤْنَةَ كُلَفِ عَيْشِهِ الَّتِي قَدْ تَشْغَلُهُ عَمّا هو فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِالفِكْرَةِ في صَلاحِ نَفْسِهِ، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . ورَفْعُ الذِّكْرِ مَجازٌ في إلْهامِ النّاسِ لِأنْ يَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ، وذَلِكَ بِإيجادِ أسْبابِ تِلْكَ السُّمْعَةِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِها النّاسُ، اسْتُعِيرَ الرَّفْعُ لِحُسْنِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ جَعْلُ الشَّيْءِ عالِيًا لا تَنالُهُ جَمِيعُ الأيْدِي ولا تَدُوسُهُ الأرْجُلُ، فَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى مَكارِمَ يَعِزُّ وُجُودُ نَوْعِها ولَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ شَأْوَ ما بَلَغَهُ مِنها حَتّى لُقِّبَ في قَوْمِهِ بِالأمِينِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]) مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ . ومِن عَظِيمِ رَفْعِ ذِكْرِهِ أنَّ اسْمَهُ مُقْتَرِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى في كَلِمَةِ الإسْلامِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبّانَ وأبِي يَعْلى، قالَ السُّيُوطِيُّ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ، وأخْرَجَهُ عِياضٌ في الشِّفا بِدُونِ سَنَدٍ. والقَوْلُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ (لَكَ) مَعَ (ورَفَعْنا) كالقَوْلِ في ذِكْرِ نَظِيرِها مَعَ قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَعَ (﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾) لِلِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: (عَنْكَ) فَإنَّهُ في إفادَةِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ مُساوٍ لِكَلِمَةِ (لَكَ) صفحة ٤١٣ وهِيَ في إفادَةِ العِنايَةِ بِهِ تُساوِي كَلِمَةَ (لَكَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الوَضْعِ المُعَدّى إلى الوِزْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَضْعَ عَنْهُ فَكانَتْ زِيادَةُ (عَنْكَ) إطْنابًا يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ عِنايَةٌ بِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ (لَكَ) الَّذِي قَبْلَهُ، فَحَصَلَ بِذِكْرِ (عَنْكَ) إيفاءٌ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (وضَعْنا) مَعَ الإيفاءِ بِحَقِّ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ.

الشرح 94:5

﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ . الفاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ هُنا، أيْ: إذا عَلِمْتَ هَذا وتَقَرَّرَ، تَعْلَمُ أنْ اليُسْرَ مُصاحِبٌ لِلْعُسْرِ، وإذْ كانَ اليُسْرُ نَقِيضَ العُسْرِ كانَتْ مُصاحَبَةُ اليُسْرِ لِلْعُسْرِ مُقْتَضِيَةً نَقْضَ تَأْثِيرِ العُسْرِ ومُبْطِلَةً لِعَمَلِهِ، فَهو كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ إدْراكِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ فِيما سَبَقَ، وتَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ في كُلِّ أحْوالِهِ. وسِياقُ الكَلامِ وعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لَهُ المَصاعِبَ كُلَّما عَرَضَتْ لَهُ، فاليُسْرُ لا يَتَخَلَّفُ عَنِ اللَّحاقِ بِتِلْكَ المَصاعِبِ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ كَلِمَةِ (مَعَ) الدّالَّةِ عَلى المُصاحَبَةِ. وكَلِمَةُ (مَعَ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في غَيْرِ حَقِيقَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ العُسْرَ واليُسْرَ نَقِيضانِ فَمُقارَنَتُهُما مَعًا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعِيَّةَ مُسْتَعارَةٌ لِقُرْبِ حُصُولِ اليُسْرِ عَقِبَ حُلُولِ العُسْرِ أوْ ظُهُورِ بَوادِرِهِ، بِقَرِينَةِ اسْتِحالَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِلْمَعِيَّةِ. وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]) في سُورَةِ الطَّلاقِ. فَهَذِهِ الآيَةُ في عُسْرٍ خاصٍّ يَعْرِضُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وآيَةُ سُورَةِ الطَّلاقِ عامَّةٌ، ولِلْبَعْدِيَّةِ فِيها مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ. فالتَّعْرِيفُ في ”العُسْرِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ: العُسْرُ الَّذِي عَهِدْتَهُ وعَلِمْتَهُ، وهو مِن قَبِيلِ ما يُسَمِّيهِ نُحاةُ الكُوفَةِ بِأنَّ (ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]) أيْ: فَإنَّ مَعَ عُسْرِكَ يُسْرًا، فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّها مَقْصُورَةً عَلى بَيانِ كَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ تَعالى. صفحة ٤١٤ وعَدَ اللَّهُ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأُمُورَ العَسِرَةَ عَلَيْهِ يَسِرَةً لَهُ وهو ما سَبَقَ وعْدَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . وحَرْفُ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وإنَّما لَمْ يُسْتَغْنَ بِها عَنِ الفاءِ كَما يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ: (إنَّ) تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ؛ لِأنَّ الفاءَ هُنا أُرِيدَ بِها الفَصِيحَةُ مَعَ التَّسَبُّبِ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى حَرْفِ (إنَّ) لَفاتَ مَعْنى الفَصِيحَةِ. وتَنْكِيرُ (يُسْرًا) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: مَعَ العُسْرِ العارِضِ لَكَ تَيْسِيرًا عَظِيمًا يَغْلِبُ العُسْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِأُمَّتِهِ؛ لِأنَّ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن عُسْرٍ إنَّما يَعْرِضُ لَهُ في شُئُونِ دَعْوَتِهِ لِلدِّينِ ولِصالِحِ المُسْلِمِينَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ومَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيءِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”«أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ فاقْتَضى أنَّ الآيَةَ غَيْرُ خاصَّةٍ بِالنَّبِيءِ ﷺ بَلْ تَعُمُّهُ وأُمَّتَهُ. وفي المُوَطَّأِ ”أنَّ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وما يَتَخَوَّفُ مِنهم، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ مَهْما يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِن مَنزِلِ شِدَّةٍ يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجًا، وإنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ“ . ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: ”«كانَ النَّبِيءُ ﷺ جالِسًا وحِيالَهُ حَجَرٌ، فَقالَ: لَوْ جاءَ العُسْرُ فَدَخَلَ هَذا الحَجَرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»﴾ ) قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذَ بْنَ شُرَيْحٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ قالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: في حَدِيثِ عائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ ضَعْفٌ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]) وجُمْلَةِ (﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ لِطَيْفٌ بِعِبادِهِ، فَقَدَّرَ أنْ لا يَخْلُوَ عُسْرٌ مِن مُخالَطَةِ يُسْرٍ وأنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَ النّاسُ، قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]) . صفحة ٤١٥ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى:“ خَلَقْتُ عُسْرًا واحِدًا وخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ”اهـ. والعُسْرُ: المَشَقَّةُ في تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ والعَمَلِ المَقْصُودِ. واليُسْرُ ضِدُّهُ وهو: سُهُولَةُ تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ وعَدَمُ التَّعَبِ فِيهِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) وفائِدَةُ هَذا التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ اطِّرادِ هَذا الوَعْدِ وتَعْمِيمُهُ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ اليُسْرَ في الجُمْلَةِ الأُولى يُسْرَ الدُّنْيا، وفي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ يُسْرَ الآخِرَةِ، وأُسْلُوبُ الكَلامِ العَرَبِيِّ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَمَحِّضٌ لِكَوْنِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا. هَذا وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ:“ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» ”قَدِ ارْتَبَطَ لَفْظُهُ ومَعْناهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وصُرِّحَ في بَعْضِ رِواياتِهِ بِأنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ حِينَئِذٍ، وتَضافَرَ المُفَسِّرُونَ عَلى انْتِزاعِ ذَلِكَ مِنها فَوَجَبَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ، وشاعَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن تَعْرِيفِ كَلِمَةِ العُسْرِ وإعادَتِها مُعَرَّفَةً ومِن تَنْكِيرِ كَلِمَةِ يُسْرٍ وإعادَتِها مُنَكَّرَةً، وقالُوا: إنَّ اللَّفْظَ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَ نَكِرَةً فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، وإذا أُعِيدَ اللَّفْظُ مَعْرِفَةً فالثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]) . وبِناءُ كَلامِهِمْ عَلى قاعِدَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً خَطَأٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ القاعِدَةَ في إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً لا في إعادَةِ المَعْرِفَةِ مَعْرِفَةً، وهي خاصَّةٌ بِالتَّعْرِيفِ بِلامِ العَهْدِ دُونَ لامِ الجِنْسِ، وهي أيْضًا في إعادَةِ اللَّفْظِ في جُمْلَةٍ أُخْرى، والَّذِي في الآيَةِ لَيْسَ بِإعادَةِ لَفْظٍ في كَلامٍ ثانٍ، بَلْ هي تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى هَذا المَأْخَذِ، وقَدْ أبْطَلَهُ مِن قَبْلُ أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ النَّظْمِ كَما في صفحة ٤١٦ مَعالِمِ التَّنْزِيلِ. وأبْطَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أيْضًا، وجَعَلَ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ تِلْكَ القاعِدَةَ خَطَأً. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ“ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ”أنَّ جُمْلَةَ (﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) . ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ في مِثْلِهِ هو تَأْكِيدُ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ. ولا شَكَّ أنَّ الحُكْمَ المُسْتَفادَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو ثُبُوتُ التِحاقِ اليُسْرِ بِالعُسْرِ عِنْدَ حُصُولِهِ، فَكانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا تَرْجِيحَ أثَرِ اليُسْرِ عَلى أثَرِ العُسْرِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ عُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ“ يُسْرَيْنِ " فالتَّثْنِيَةُ هُنا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنِ التَّغَلُّبِ والرُّجْحانِ، فَإنَّ التَّثْنِيَةَ قَدْ يُكَنّى بِها عَنِ التَّكْرِيرِ المُرادِ مِنهُ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]) أيِ: ارْجِعِ البَصَرَ كَثِيرًا؛ لِأنَّ البَصَرَ لا يَنْقَلِبُ حَسِيرًا مِن رَجْعَتَيْنِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، ودَوالَيْكَ. والتَّكْرِيرُ يَسْتَلْزِمُ قُوَّةَ الشَّيْءِ المُكَرَّرِ، فَكانَتِ القُوَّةُ لازِمَ لازِمِ التَّثْنِيَةِ، وإذا تَعَدَّدَتِ اللَّوازِمُ كانَتِ الكِنايَةُ رَمْزِيَّةً. ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَفادًا مِن تَعْرِيفِ العُسْرِ بِاللّامِ ولا مِن تَنْكِيرِ اليُسْرِ وإعادَتِهِ مُنَكَّرًا.

الشرح 94:6

﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ . الفاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ هُنا، أيْ: إذا عَلِمْتَ هَذا وتَقَرَّرَ، تَعْلَمُ أنْ اليُسْرَ مُصاحِبٌ لِلْعُسْرِ، وإذْ كانَ اليُسْرُ نَقِيضَ العُسْرِ كانَتْ مُصاحَبَةُ اليُسْرِ لِلْعُسْرِ مُقْتَضِيَةً نَقْضَ تَأْثِيرِ العُسْرِ ومُبْطِلَةً لِعَمَلِهِ، فَهو كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ إدْراكِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ فِيما سَبَقَ، وتَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ في كُلِّ أحْوالِهِ. وسِياقُ الكَلامِ وعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لَهُ المَصاعِبَ كُلَّما عَرَضَتْ لَهُ، فاليُسْرُ لا يَتَخَلَّفُ عَنِ اللَّحاقِ بِتِلْكَ المَصاعِبِ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ كَلِمَةِ (مَعَ) الدّالَّةِ عَلى المُصاحَبَةِ. وكَلِمَةُ (مَعَ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في غَيْرِ حَقِيقَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ العُسْرَ واليُسْرَ نَقِيضانِ فَمُقارَنَتُهُما مَعًا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعِيَّةَ مُسْتَعارَةٌ لِقُرْبِ حُصُولِ اليُسْرِ عَقِبَ حُلُولِ العُسْرِ أوْ ظُهُورِ بَوادِرِهِ، بِقَرِينَةِ اسْتِحالَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِلْمَعِيَّةِ. وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]) في سُورَةِ الطَّلاقِ. فَهَذِهِ الآيَةُ في عُسْرٍ خاصٍّ يَعْرِضُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وآيَةُ سُورَةِ الطَّلاقِ عامَّةٌ، ولِلْبَعْدِيَّةِ فِيها مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ. فالتَّعْرِيفُ في ”العُسْرِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ: العُسْرُ الَّذِي عَهِدْتَهُ وعَلِمْتَهُ، وهو مِن قَبِيلِ ما يُسَمِّيهِ نُحاةُ الكُوفَةِ بِأنَّ (ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]) أيْ: فَإنَّ مَعَ عُسْرِكَ يُسْرًا، فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّها مَقْصُورَةً عَلى بَيانِ كَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ تَعالى. صفحة ٤١٤ وعَدَ اللَّهُ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأُمُورَ العَسِرَةَ عَلَيْهِ يَسِرَةً لَهُ وهو ما سَبَقَ وعْدَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) . وحَرْفُ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وإنَّما لَمْ يُسْتَغْنَ بِها عَنِ الفاءِ كَما يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ: (إنَّ) تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ؛ لِأنَّ الفاءَ هُنا أُرِيدَ بِها الفَصِيحَةُ مَعَ التَّسَبُّبِ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى حَرْفِ (إنَّ) لَفاتَ مَعْنى الفَصِيحَةِ. وتَنْكِيرُ (يُسْرًا) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: مَعَ العُسْرِ العارِضِ لَكَ تَيْسِيرًا عَظِيمًا يَغْلِبُ العُسْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِأُمَّتِهِ؛ لِأنَّ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن عُسْرٍ إنَّما يَعْرِضُ لَهُ في شُئُونِ دَعْوَتِهِ لِلدِّينِ ولِصالِحِ المُسْلِمِينَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ومَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيءِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”«أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» “ فاقْتَضى أنَّ الآيَةَ غَيْرُ خاصَّةٍ بِالنَّبِيءِ ﷺ بَلْ تَعُمُّهُ وأُمَّتَهُ. وفي المُوَطَّأِ ”أنَّ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وما يَتَخَوَّفُ مِنهم، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ مَهْما يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِن مَنزِلِ شِدَّةٍ يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجًا، وإنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ“ . ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: ”«كانَ النَّبِيءُ ﷺ جالِسًا وحِيالَهُ حَجَرٌ، فَقالَ: لَوْ جاءَ العُسْرُ فَدَخَلَ هَذا الحَجَرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»﴾ ) قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ رَواهُ عَنْ أنَسٍ إلّا عائِذَ بْنَ شُرَيْحٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ قالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: في حَدِيثِ عائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ ضَعْفٌ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]) وجُمْلَةِ (﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ لِطَيْفٌ بِعِبادِهِ، فَقَدَّرَ أنْ لا يَخْلُوَ عُسْرٌ مِن مُخالَطَةِ يُسْرٍ وأنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَ النّاسُ، قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]) . صفحة ٤١٥ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى:“ خَلَقْتُ عُسْرًا واحِدًا وخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ”اهـ. والعُسْرُ: المَشَقَّةُ في تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ والعَمَلِ المَقْصُودِ. واليُسْرُ ضِدُّهُ وهو: سُهُولَةُ تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ وعَدَمُ التَّعَبِ فِيهِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) وفائِدَةُ هَذا التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ اطِّرادِ هَذا الوَعْدِ وتَعْمِيمُهُ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ اليُسْرَ في الجُمْلَةِ الأُولى يُسْرَ الدُّنْيا، وفي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ يُسْرَ الآخِرَةِ، وأُسْلُوبُ الكَلامِ العَرَبِيِّ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَمَحِّضٌ لِكَوْنِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا. هَذا وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ:“ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» ”قَدِ ارْتَبَطَ لَفْظُهُ ومَعْناهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وصُرِّحَ في بَعْضِ رِواياتِهِ بِأنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ حِينَئِذٍ، وتَضافَرَ المُفَسِّرُونَ عَلى انْتِزاعِ ذَلِكَ مِنها فَوَجَبَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ، وشاعَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن تَعْرِيفِ كَلِمَةِ العُسْرِ وإعادَتِها مُعَرَّفَةً ومِن تَنْكِيرِ كَلِمَةِ يُسْرٍ وإعادَتِها مُنَكَّرَةً، وقالُوا: إنَّ اللَّفْظَ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَ نَكِرَةً فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، وإذا أُعِيدَ اللَّفْظُ مَعْرِفَةً فالثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]) . وبِناءُ كَلامِهِمْ عَلى قاعِدَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً خَطَأٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ القاعِدَةَ في إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً لا في إعادَةِ المَعْرِفَةِ مَعْرِفَةً، وهي خاصَّةٌ بِالتَّعْرِيفِ بِلامِ العَهْدِ دُونَ لامِ الجِنْسِ، وهي أيْضًا في إعادَةِ اللَّفْظِ في جُمْلَةٍ أُخْرى، والَّذِي في الآيَةِ لَيْسَ بِإعادَةِ لَفْظٍ في كَلامٍ ثانٍ، بَلْ هي تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى هَذا المَأْخَذِ، وقَدْ أبْطَلَهُ مِن قَبْلُ أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ النَّظْمِ كَما في صفحة ٤١٦ مَعالِمِ التَّنْزِيلِ. وأبْطَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أيْضًا، وجَعَلَ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ تِلْكَ القاعِدَةَ خَطَأً. والَّذِي يَظْهَرُ في تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ“ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ”أنَّ جُمْلَةَ (﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾) . ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ في مِثْلِهِ هو تَأْكِيدُ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ. ولا شَكَّ أنَّ الحُكْمَ المُسْتَفادَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو ثُبُوتُ التِحاقِ اليُسْرِ بِالعُسْرِ عِنْدَ حُصُولِهِ، فَكانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا تَرْجِيحَ أثَرِ اليُسْرِ عَلى أثَرِ العُسْرِ، وذَلِكَ التَّرْجِيحُ عُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ“ يُسْرَيْنِ " فالتَّثْنِيَةُ هُنا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنِ التَّغَلُّبِ والرُّجْحانِ، فَإنَّ التَّثْنِيَةَ قَدْ يُكَنّى بِها عَنِ التَّكْرِيرِ المُرادِ مِنهُ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]) أيِ: ارْجِعِ البَصَرَ كَثِيرًا؛ لِأنَّ البَصَرَ لا يَنْقَلِبُ حَسِيرًا مِن رَجْعَتَيْنِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، ودَوالَيْكَ. والتَّكْرِيرُ يَسْتَلْزِمُ قُوَّةَ الشَّيْءِ المُكَرَّرِ، فَكانَتِ القُوَّةُ لازِمَ لازِمِ التَّثْنِيَةِ، وإذا تَعَدَّدَتِ اللَّوازِمُ كانَتِ الكِنايَةُ رَمْزِيَّةً. ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَفادًا مِن تَعْرِيفِ العُسْرِ بِاللّامِ ولا مِن تَنْكِيرِ اليُسْرِ وإعادَتِهِ مُنَكَّرًا.

الشرح 94:7

( ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِاللُّطْفِ والعِنايَةِ ووَعْدِهِ بِتَيْسِيرِ ما هو عَسِيرٌ عَلَيْهِ في طاعَتِهِ الَّتِي أعْظَمُها تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ دُونَ مَلَلٍ ولا ضَجَرٍ. والفَراغُ: خُلُوُّ باطِنِ الظَّرْفِ أوِ الإناءِ؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يُظْرَفَ فِيهِ. وفِعْلُ (فَرَغَ) يُفِيدُ أنَّ فاعِلَهُ كانَ مَمْلُوءًا بِشَيْءٍ، وفَراغُ الإنْسانِ مَجازٌ في إتْمامِهِ ما شَأْنُهُ أنْ يَعْمَلَهُ. ولَمْ يُذْكَرْ هُنا مُتَعَلَّقُ (﴿فَرَغْتَ﴾)، وسِياقُ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّهُ لازِمُ أعْمالٍ يَعْمَلُها الرَّسُولُ ﷺ كَما أنَّ مَساقَ السُّورَةِ في تَيْسِيرِ مَصاعِبِ الدَّعْوَةِ وما يَحُفُّ بِها، فالمَعْنى: إذا أتْمَمْتَ عَمَلًا مِن مَهامِّ الأعْمالِ فَأقْبِلْ عَلى عَمَلٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَعْمُرُ أوْقاتَهُ صفحة ٤١٧ كُلَّها بِالأعْمالِ العَظِيمَةِ. ومِن هُنا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ قُفُولِهِ مِن إحْدى غَزَواتِهِ: ”«رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» “، فالمَقْصُودُ بِالأمْرِ هو ”فانْصَبْ“ . وأمّا قَوْلُهُ: (﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾) فَتَمْهِيدٌ وإفادَةٌ لِإيلاءِ العَمَلِ بِعَمَلٍ آخَرَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ ونَفْعِ الأُمَّةِ. وهَذا مِن صِيَغِ الدَّلالَةِ عَلى تَعاقُبِ الأعْمالِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ القائِلِ: ما تَأْتِينِي مِن فُلانٍ صِلَةٌ إلّا أعْقَبَتْها أُخْرى. واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ في تَعْيِينِ المَفْرُوغِ مِنهُ، وإنَّما هو اخْتِلافٌ في الأمْثِلَةِ، فَحَذْفُ المُتَعَلَّقِ هُنا لِقَصْدِ العُمُومِ، وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ لِنَوْعٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ لِيَشْمَلَ كُلُّ مُتَعَلَّقٍ عَمَلَهُ مِمّا هو مُهِمٌّ كَما عَلِمْتَ، وهو أعْلَمُ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى بَعْضٍ إذا لَمْ يُمْكِنِ اجْتِماعُ كَثِيرٍ مِنها بِقَدْرِ الإمْكانِ كَما أقَرَّ اللَّهُ بِأداءِ الصَّلاةِ مَعَ الشُّغْلِ بِالجِهادِ بِقَوْلِهِ: (﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]) إلى قَوْلِهِ: (﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]) في سُورَةِ النِّساءِ. وهَذا الحُكْمُ يَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ عَمَلٍ مُمْكِنٍ مِن أعْمالِهِ الخاصَّةِ بِهِ، مِثْلَ: قِيامِ اللَّيْلِ، والجِهادِ عِنْدَ تَقَوِّي المُسْلِمِينَ، وتَدْبِيرِ أُمُورِ الأُمَّةِ. وتَقْدِيمُ (﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾) عَلى (﴿فانْصَبْ﴾) لِلِاهْتِمامِ بِتَعْلِيقِ العَمَلِ بِوَقْتِ الفَراغِ مِن غَيْرِهِ لِتَتَعاقَبَ الأعْمالُ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ القُرْآنِيَّةِ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن كَثْرَةِ المَعانِي.

الشرح 94:8

﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ . عُطِفَ عَلى تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالشُّكْرِ عَلى النِّعَمِ أمْرٌ بِطَلَبِ اسْتِمْرارِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) . والرَّغْبَةُ: طَلَبُ حُصُولِ ما هو مَحْبُوبٌ، وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى إلى المَطْلُوبِ مِنهُ بِنَفْسِهِ ويُعَدّى إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِـ (في) . ويُقالُ: رَغِبَ عَنْ كَذا، بِمَعْنى صَرَفَ رَغْبَتَهُ عَنْهُ بِأنْ رَغِبَ في غَيْرِهِ، وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ صفحة ٤١٨ الجَرِّ المَحْذُوفِ قَبْلَ حَرْفِ (أنْ) هو حَرْفُ (عَنْ) . وذَلِكَ تَأْوِيلُ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ (فارْغَبْ) هُنا بِحَرْفِ (إلى) فَلِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ والتَّوَجُّهِ تَشْبِيهًا بِسَيْرِ السّائِرِ إلى مَن عِنْدَهُ حاجَتُهُ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: (﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]) . وتَقْدِيمُ (إلى رَبِّكَ) عَلى (﴿فارْغَبْ﴾) لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ: إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ تَكُونُ رَغْبَتُكُ، فَإنَّ صِفَةَ الرِّسالَةِ أعْظَمُ صِفاتِ الخَلْقِ، فَلا يَلِيقُ بِصاحِبِها أنْ يَرْغَبَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ارْغَبْ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَرْغَبُهُ النَّبِيءُ ﷺ وهَلْ يَرْغَبُ النَّبِيءُ إلّا في الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وانْتِشارِ الدِّينِ ونَصْرِ المُسْلِمِينَ. واعْلَمْ أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: (﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) وقَوْلِهِ: (﴿فارْغَبْ﴾) رابِطَةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاشْتِراطِ والتَّقْيِيدِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ لَمّا أفادَ الِاخْتِصاصَ نَشَأ مِنهُ مَعْنى الِاشْتِراطِ، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ، قالَ تَعالى: (﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦]) وقالَ: (﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]) وفي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]) «وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَن سَألَ مِنهُ أنْ يَخْرُجَ لِلْجِهادِ: ”ألَكَ أبَوانِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ“» . بَلْ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في الإعْرابِ كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ ”«كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» “ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]) في سُورَةِ يُونُسَ. وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنْ أمالِي السَّيِّدِ - يَعْنِي ابْنَ الشَّجَرِيِّ - أنَّ اجْتِماعَ الفاءِ والواوِ هُنا مِن أعْجَبِ كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ الفاءَ تَعْطِفُ أوْ تَدْخُلُ في الجَوابِ وما أشْبَهَ الجَوابَ بِالِاسْمِ النّاقِصِ، أوْ في صِلَةِ المَوْصُولِ الفِعْلِيَّةِ لِشَبَهِها بِالجَوابِ، وهي هُنا خارِجَةٌ عَمّا وُضِعَتْ لَهُ اهـ. ولا يَبْقى تَعَجُّبٌ بَعْدَ ما قَرَّرْناهُ. * * * صفحة ٤١٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التِّينِ سُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ومُعْظَمِ المَصاحِفِ (سُورَةَ والتِّينِ) بِإثْباتِ الواوِ تَسْمِيَةً بِأوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها. وسَمّاها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (سُورَةَ التِّينِ) بِدُونِ الواوِ؛ لِأنَّ فِيها لَفْظَ (التِّينِ) كَما قالُوا (سُورَةُ البَقَرَةِ) وبِذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ وبَعْضُ المَصاحِفِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ونُسِبَ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ، والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ. وعُدَّتِ الثّامِنَةَ والعِشْرِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البُرُوجِ وقَبْلَ سُورَةِ الإيلافِ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ. * * * احْتَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى التَّنْبِيهِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى الفِطْرَةِ المُسْتَقِيمَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّ الإسْلامَ هو الفِطْرَةُ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]) وأنَّ ما يُخالِفُ أُصُولَهُ بِالأصالَةِ أوْ بِالتَّحْرِيفِ فَسادٌ وضَلالٌ، ومُتَّبِعِي ما يُخالِفُ الإسْلامَ أهْلُ ضَلالَةٍ. والتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالإسْلامِ. صفحة ٤٢٠ والإشارَةِ بِالأُمُورِ المُقْسَمِ بِها إلى أطْوارِ الشَّرائِعِ الأرْبَعَةِ إيماءً إلى أنَّ الإسْلامَ جاءَ مُصَدِّقًا لَها وأنَّها مُشارِكَةٌ أُصُولُها لِأُصُولِ دِينِ الإسْلامِ. والتَّنْوِيهِ بِحُسْنِ جَزاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الإسْلامَ في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ. وشَمِلَتِ الِامْتِنانَ عَلى الإنْسانِ بِخَلْقِهِ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ في جُثْمانِهِ ونَفْسِهِ.

التين 95:1

﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ . ابْتِداءُ الكَلامِ بِالقَسَمِ المُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وإطالَةُ القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ. والتِّينُ ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ بِهَذا الِاسْمِ، وهي ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الكُمِّثْرى، ذاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أزْرَقُ إلى السَّوادِ، تَتَفاوَتُ أصْنافُهُ في قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلى مِثْلِ وِعاءٍ أبْيَضَ في وسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وهي مِن أحْسَنِ الثِّمارِ صُورَةً وطَعْمًا وسُهُولَةَ مَضْغٍ، فَحالَتُها دالَّةٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ ومُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ دَلالَتِها عَلى صِفاتٍ إلَهِيَّةٍ كَما يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، مَعَ الإيذانِ بِالمِنَّةِ عَلى النّاسِ، إذْ خَلَقَ لَهم هَذِهِ الفاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ البِلادِ والَّتِي هي سَهْلَةُ النَّباتِ لا تَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ عَمَلٍ وعِلاجٍ. والزَّيْتُونُ أيْضًا ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ ذاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنها فَيَطْعَمُهُ النّاسُ ويَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. والقَسَمُ بِها كالقَسَمِ بِالتِّينِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلى صِفاتِ اللَّهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النّافِعَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النّاسَ حَوائِجَ طَعامِهِمْ وإضاءَتِهِمْ. وعَلى ظاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ حَمَلَهُما جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وذَلِكَ لِما في هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ المُقْتَضِيَةِ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَها اللَّهُ لَهم، صفحة ٤٢١ ولَكِنَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ (﴿طُورِ سِينِينَ﴾) ومَعَ (﴿البَلَدِ الأمِينِ﴾) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُما مَحْمَلٌ أوْفَقُ بِالمُناسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفانِ. ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذا الجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ تُسَمّى الأرْضُ بِاسْمِ ما يَكْثُرُ فِيها مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: أمَرْخٌ دِيارُهُمُ أمْ عُشَرْ وسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جاءَ في شِعْرِ النّابِغَةِ يَصِفُ سَحاباتٍ بِقَوْلِهِ: صُهْبُ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا ماؤُهُ شَبِما والزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ الأقْصى لِأنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِـ (التِّينِ والزَّيْتُونِ) مَعْنِيًّا بِهِما شَجَرُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أيِ: اكْتَسَبَ نَوْعاهُما شَرَفًا مِن بَيْنِ الأشْجارِ بِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنهُ نابِتًا في هَذَيْنِ المَكانَيْنِ المُقَدَّسَيْنِ كَما قالَ جَرِيرٌ: أتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عارِضَيْها ∗∗∗ بِفَرْعِ بَشامَةٍ سُقِيَ البَشَـامُ فَدَعا لِنَوْعِ البَشامِ بِالسَّقْيِ لِأجْلِ عُودِ بَشامَةَ الحَبِيبَةِ. وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فَهو الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِـ ”طُورِ سِينا“ . والطُّورُ: الجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وعُرِفَ هَذا الجَبَلُ بِـ (طُورِ سِينِينَ) لِوُقُوعِهِ في صَحْراءِ (سِينِينَ)، و(سِينِينَ) لُغَةٌ في سِينٍ وهي صَحْراءُ بَيْنَ مِصْرَ وبِلادِ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الأشْجارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أوْ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَدْ جاءَ تَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، فَجازَ في إعْرابِهِ أنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إعْرابِ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِالواوِ نِيابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أوِ الياءِ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ أوِ الكَسْرَةِ، وأنْ يُحْكى عَلى الياءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ مِثْلِ: صِفِّينَ ويَبْرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]) . صفحة ٤٢٢ والبَلَدُ الأمِينُ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الأمِينَ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالأمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مِثْلَ الدّاعِي السَّمِيعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيِ: المَأْمُونُ ساكِنُوهُ، قالَ تَعالى: (﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]) . والإشارَةُ إلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ؛ ولِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ فَهو حاضِرٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) . وعَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَحْمِلَيْنِ الثّانِيَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ الإيمانِ وتَكُونُ إشارَةً إلى مَوارِدِ أعْظَمِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فالتِّينُ إيماءٌ إلى رِسالَةِ نُوحٍ وهي أوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، والزَّيْتُونُ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ بَنى المَسْجِدَ الأقْصى كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الإسْراءِ، و(طُورِ سِينِينَ) إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، و(البَلَدِ الأمِينِ) إيماءٌ إلى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقَعْ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ عِيسى لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ. وقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وبِأنَّهُ المَسْجِدُ الأقْصى إيماءً إلى مَكانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الأقْصى بَناهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسى ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾) إيماءً إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ عَلى أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ إيماءُ هَذِهِ الآيَةِ ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣])، وبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الإيماءِ إلى شَرائِعِ نُوحٍ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ ظُهُورِها، فَتَوْجِيهُ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ أنَّهُ لِمُراعاةِ اقْتِرانِ الِاسْمَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، ومُقارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى نَوْعَيْنِ مِن أماكِنِ الأرْضِ، لِيَتَأتّى مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ ومُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، ولِيُناسِبَ (سِينِينَ) فَواصِلَ السُّورَةِ. وفِي ابْتِداءِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِما يَشْمَلُ إرادَةَ مَهابِطِ أشْهَرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أيْ: خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأدِلَّةِ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما خالَفَ صفحة ٤٢٣ ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ والمِلَلِ قَدْ حادَ عَنْ أُصُولِ شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِها في الفُرُوعِ، ويَكْفِي في تَقَوُّمِ مَعْنى بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ما يَلُوحُ في المَعْنى مِنِ احْتِمالٍ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ هو جَوابُ القَسَمِ. والقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وأنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإدْراكِهِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ: (﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفاتِ مُعْظَمِ النّاسِ في عَقائِدِهِمْ جارِيَةٌ عَلى حالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم خُلِقُوا عَلى الفِطْرَةِ. والخَلْقُ: تَكْوِينٌ وإيجادٌ لِشَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ هو أنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الإيجادِ وأوْجَدَ الأُصُولَ الأُولى في بَدْءِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) وخَلَقَ أسْبابَ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ فَتَناسَلَتْ مِنها ذُرِّيّاتُهم كَما قالَ: (﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]) . وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، وهو التَّعْرِيفُ المَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الماهِيَّةِ مَعَ وُجُودِها في الخارِجِ في ضِمْنِ بَعْضِ أفْرادِها أوْ جَمِيعِ أفْرادِها. ويُحْمَلُ عَلى مَعْنى: خَلَقْنا جَمِيعَ النّاسِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ (الإنْسانَ) تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلا يُلاحَظُ فِيهِ أفْرادُ الجِنْسِ، بَلِ المَلْحُوظُ حالَةُ الماهِيَّةِ في أصْلِها دُونَ ما يَعْرِضُ لِأفْرادِها مِمّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصائِصِها. ومِنهُ التَّعْرِيفُ الواقِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المَعارِجِ. والتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في قَوامٍ بِفَتْحِ القافِ، أيْ: عَدْلٍ وتَسْوِيَةٍ، وحُسْنُ صفحة ٤٢٤ التَّقْوِيمِ أكْمَلُهُ وألْيَقُهُ بِنَوْعِ الإنْسانِ، أيْ: أحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَقْوِيمٌ خاصٌّ بِالإنْسانِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَعْدِيلِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِحَيْثُ لا تَكُونُ إحْدى قُواهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيما يُفْسِدُهُ، ولا يَعُوقُ بَعْضُ قُواهُ البَعْضَ الآخَرَ عَنْ أداءِ وظِيفَتِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ مَن جِنْسِهِ كانَ دُونَهُ في التَّقْوِيمِ. وحَرْفُ (في) يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ المَجازِيَّةَ المُسْتَعارَةَ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ والمِلْكِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى باءِ المُلابَسَةِ أوْ لامِ المِلْكِ، وإنَّما عُدِلَ عَنْ أحَدِ الحَرْفَيْنِ الحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذا المَعْنى إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ قُوَّةِ المُلابَسَةِ أوْ قُوَّةِ المِلْكِ مَعَ الإيجازِ، ولَوْلا الإيجازُ لَكانَتْ مُساواةُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ. فَأفادَتِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الإنْسانَ تَكْوِينًا ذاتِيًّا مُتَناسِبًا مَعَ ما خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الإعْدادِ لِنِظامِهِ وحَضارَتِهِ، ولَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ هو المُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا جَدِيرًا بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، إذْ لا أثَرَ لَهُ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ الغَيْرِ، والإصْلاحِ في الأرْضِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادِ لَذَهَبَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي في القَسَمِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ والبَلَدِ الأمِينِ، وإنَّما هو مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم» “ فَإنَّ العَقْلَ أشْرَفُ ما خُصَّ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ مِن بَيْنِ الأنْواعِ. فالمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْوِيمُ إدْراكِ الإنْسانِ ونَظَرِهِ العَقْلِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أعْمالُ الجَسَدِ إذِ الجِسْمُ آلَةٌ خادِمَةٌ لِلْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ هو المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . وأمّا خَلْقُ جَسَدِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ، ويَظْهَرُ هَذا كَمالَ الظُّهُورِ في قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) فَإنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى مَصِيرِ الإنْسانِ في أرْذَلِ العُمُرِ إلى نَقائِصِ قُوَّتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أشَدَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ صفحة ٤٢٥ السّامِعِينَ حَتّى يُحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، ويَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لِأنَّ الإيمانَ أثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الإنْسانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ في أعْمالِهِ عَلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، ومُعامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السّالِمِينَ مِن عَدائِهِ مُعامَلَةَ الخَيْرِ مَعَهم عَلى حَسَبِ تَوافُقِهِمْ مَعَهُ في الحَقِّ فَذَلِكَ هو الأصْلُ في تَكْوِينِ الإنْسانِ، إذا سَلِمَ مِن عَوارِضَ عائِقَةٍ مِن بَعْضِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ وهو جَنِينٌ؛ إمّا مِن عاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أحَدِ الأبَوَيْنِ، أوْ لِفَسادِ هَيْكَلِهِ مِن سَقْطَةٍ أوْ صَدْمَةٍ في حَمْلِهِ، وما يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن داءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلالَ مِزاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِن فِطْرَتِهِ كَحَماقَةِ السَّوْداوِيِّينَ والسُّكَّرِيِّينَ أوْ خَبالِ المُخْتَبَلِينَ، ومِمّا يُدْخِلُهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَساوِي العاداتِ كَشُرْبِ المُسْكِراتِ وتَناوُلِ المُخَدِّراتِ مِمّا يُورِثُهُ عَلى طُولٍ انْثِلامَ تَعَقُّلِهِ أوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ. والَّذِي نَأْخُذُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ عَلى حالَةِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثارِها، وهي الفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ الكامِلَةُ في إدْراكِهِ إدْراكًا مُسْتَقِيمًا مِمّا يَتَأدّى مِنَ المَحْسُوساتِ الصّادِقَةِ، أيِ: المُوافِقَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ الثّابِتَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، بِسَبَبِ سَلامَةِ ما تُؤَدِّيهِ الحَواسُّ السَّلِيمَةُ، وما يَتَلَقّاهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن ذَلِكَ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّرْكِيبِ المُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جانَبَتْهُ التَّلْقِيناتُ الضّالَّةُ والعَوائِدُ الذَّمِيمَةُ والطَّبائِعُ المُنْحَرِفَةُ والتَّفْكِيرُ الضّارُّ، أوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا ما فاسْتَطاعَ دِفاعَها عَنْهُ بِدَلائِلِ الحَقِّ والصَّوابِ، لَجَرى في جَمِيعِ شُئُونِهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ولَما صَدَرَتْ مِنهُ إلّا الأفْعالُ الصّالِحَةُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ في ذُيُولِ اغْتِرارِهِ ويُرْخِي العِنانَ لِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ في الضَّلالاتِ، أوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعاةُ الضَّلالِ بِعامِلِ التَّخْوِيفِ أوِ الإطْماعِ فَيُتابِعُهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ ما تَقَلَّدَهُ فَيَعْتادُهُ ويَنْسى الصَّوابَ والرُّشْدَ. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ الحَدِيثَ، ذَلِكَ أنَّ أبَوَيْهِ هُما أوَّلُ مَن يَتَوَلّى تَأْدِيبَهُ وتَثْقِيفَهُ وهُما أكْثَرُ النّاسِ مُلازَمَةً لَهُ في صِباهُ، فَهُما اللَّذانِ يُلْقِيانِ في نَفْسِهِ الأفْكارَ الأوْلى، فَإذا سَلِمَ مِن تَضْلِيلِ أبَوَيْهِ فَقَدْ سارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ المُؤَثِّراتِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، صفحة ٤٢٦ واقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْوى أسْبابِ الزَّجِّ في ضَلالَتِهِما، وأشَدُّ إلْحاحًا عَلى ولَدِهِما. ولَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذا المَعْنى العَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلى حُسْنِ الصُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ. أوْ عَلى اسْتِقامَةِ القامَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَلى الشَّبابِ والجَلادَةِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. ولا يُلائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الإنْسانِ عَكَسَ الإنْسانُ شُكْرَها، فَكَفَرَ بِالمُنْعِمِ فَرُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، سِوى ما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ قالَ: تَقْوِيمُ الإنْسانِ عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَّذانِ زَيَّناهُ بِالتَّمْيِيزِ، ولَفْظَهُ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِن هَذا مَعَ زِيادَةِ: يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وما حَكاهُ الفَخْرُ عَنِ الأصَمِّ أنَّ (﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) أكْمَلُ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ. وتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الإنْسانَ مَفْطُورٌ عَلى الخَيْرِ وأنَّ في جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ والصَّلاحِ لِنَفْسِهِ وكَراهَةَ ما يَظُنُّهُ باطِلًا أوْ هَلاكًا، ومَحَبَّةَ الخَيْرِ والحَسَنِ مِنَ الأفْعالِ لِذَلِكَ تَراهُ يُسَرُّ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ويَنْصَحُ بِما يَراهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ ويُعامِلُ بِالحُسْنى، ويَغارُ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، ويَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ ما دامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ، أوْ إرْضاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها أوْ إشْفاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ العَوارِضُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فِطْرَتِهِ زَمَنًا، ويَهَشُّ إلى كَلامِ الوُعّاظِ والحُكَماءِ والصّالِحِينَ ويُكْرِمُهم ويُعَظِّمُهم ويَوَدُّ طُولَ بَقائِهِمْ. فَإذا ساوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكابَ المَفاسِدِ ولَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّها عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إلى سُوءِ الأعْمالِ، وثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النّاصِحِينَ ووَعْظُ الواعِظِينَ عَلى مَراتِبَ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ تَحَكُّمِ الهَوى في عَقْلِهِ. صفحة ٤٢٧ ولِهَذا كانَ الأصْلُ في النّاسِ الخَيْرَ والعَدالَةَ والرُّشْدَ وحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) فَهي في حَيِّزِ القَسَمِ. وضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ: (﴿رَدَدْناهُ﴾) عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَيَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ التَّعْرِيفِ. و(ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِما فِيهِ مِنِ انْقِلابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ الحالَةِ المَوْجُودَةِ أعْجَبُ مِن إيجادِ حالَةٍ لَمْ تَكُنْ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لِتَحْقِيقِ أنَّ الَّذِينَ حادُوا عَنِ الفِطْرَةِ صارُوا أسْفَلَ سافِلِينَ. والمَعْنى: ولَقَدْ صَيَّرْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ أوْ جَعَلْناهُ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ: إرْجاعُ ما أُخِذَ مِن شَخْصٍ أوْ نُقِلَ مِن مَوْضِعٍ إلى ما كانَ عِنْدَهُ، ويُطْلَقُ الرَّدُّ مَجازًا عَلى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَما هُنا. و(أسْفَلَ): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أشَدَّ سَفالَةً، وأُضِيفَ إلى (﴿سافِلِينَ﴾) أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالسَّفالَةِ. فالمُرادُ: أسْفَلَ سافِلِينَ في الِاعْتِقادِ بِخالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا) . وحَقِيقَةُ السَّفالَةِ: انْخِفاضُ المَكانِ، وتُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى الخِسَّةِ والحَقارَةِ في النَّفْسِ، فالأسْفَلُ الأشَدُّ سَفالَةً مِن غَيْرِهِ في نَوْعِهِ. والسّافِلُونَ: هم سَفِلَةُ الِاعْتِقادِ، والإشْراكُ أسْفَلُ الِاعْتِقادِ فَيَكُونُ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (﴿رَدَدْناهُ﴾) لِأنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى أخَواتِ صارَ. والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يُغَيِّرُ ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وهو الإيمانُ بِإلَهٍ واحِدٍ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَقْواهُ ومُراقَبَتِهِ فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ، وهَلْ أسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ الحِجارَةِ والحَيَوانِ الأبْكَمِ مِن بَقَرٍ أوْ تَماسِيحَ أوْ ثَعابِينَ، أوْ مِن شَجَرِ السَّمُرِ، صفحة ٤٢٨ أوْ مَن يَحْسِبُ الزَّمانَ إلَهًا ويُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أوْ مَن يَجْحَدُ وُجُودَ الصّانِعِ وهو يُشاهِدُ مَصْنُوعاتِهِ ويُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . فَإنْ مِلْتَ إلى جانِبِ الأخْلاقِ رَأيْتَ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطاطُهُ إلى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِن مَلَقٍ إذا طَمِعَ، ومِن شُحٍّ إذا شَبِعَ، ومِن جَزَعٍ إذا خافَ، ومِن هَلَعٍ، فَكَمْ مِن نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرابِينَ لِلْآلِهَةِ ومِن أطْفالٍ مَوْءُودَةٍ، ومِن أزْواجٍ مَقْذُوفَةٍ في النّارِ مَعَ الأمْواتِ مِن أزْواجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذا مِن تَسَفُّلٍ في الأخْلاقِ وأفْنِ الرَّأْيِ. وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُكَوِّنُ الأسْبابَ العالِيَةَ ونِظامَ تَفاعُلِها وتَقابُلِها في الأسْبابِ الفَرْعِيَّةِ، حَتّى تَصِلَ إلى الأسْبابِ المُباشِرَةِ عَلى نَحْوِ إسْنادِ مَدِّ وقَبْضِ الظِّلِّ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]) وعَلى نَحْوِ الإسْنادِ في قَوْلِ النّاسِ: بَنى الأمِيرُ مَدِينَةَ كَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) ظَرْفًا، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ ما يَسْكُنُهُ السّافِلُونَ، فَإضافَةُ (أسْفَلَ) إلى (سافِلِينَ) مِن إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الحالِّ فِيهِ، ويَنْتَصِبُ (أسْفَلَ) بِـ (رَدَدْناهُ) انْتِصابَ الظَّرْفِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وذَلِكَ هو دارُ العَذابِ كَقَوْلِهِ: (﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]) فالرَّدُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الجَعْلِ في مَكانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقِيٌّ. وأحْسِبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) انْتَزَعَ مِنهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما ذَكَرَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ قالَ: قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: قالَ مالِكٌ: أقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يا مالِكُ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قالَ لِي: فَمَن سَفِلَةُ السَّفِلَةِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقالَ: (زِهْ) وصَدَرَنِي (أيْ: صفحة ٤٢٩ ضَرَبَ عَلى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسانًا) . وأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ لِأنَّهم ظَلَّلَهم كُبَراؤُهم وأيِمَّتُهم فَسَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ لِيَنالُوا قِيادَتَهم.

التين 95:2

﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ . ابْتِداءُ الكَلامِ بِالقَسَمِ المُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وإطالَةُ القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ. والتِّينُ ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ بِهَذا الِاسْمِ، وهي ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الكُمِّثْرى، ذاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أزْرَقُ إلى السَّوادِ، تَتَفاوَتُ أصْنافُهُ في قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلى مِثْلِ وِعاءٍ أبْيَضَ في وسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وهي مِن أحْسَنِ الثِّمارِ صُورَةً وطَعْمًا وسُهُولَةَ مَضْغٍ، فَحالَتُها دالَّةٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ ومُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ دَلالَتِها عَلى صِفاتٍ إلَهِيَّةٍ كَما يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، مَعَ الإيذانِ بِالمِنَّةِ عَلى النّاسِ، إذْ خَلَقَ لَهم هَذِهِ الفاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ البِلادِ والَّتِي هي سَهْلَةُ النَّباتِ لا تَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ عَمَلٍ وعِلاجٍ. والزَّيْتُونُ أيْضًا ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ ذاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنها فَيَطْعَمُهُ النّاسُ ويَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. والقَسَمُ بِها كالقَسَمِ بِالتِّينِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلى صِفاتِ اللَّهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النّافِعَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النّاسَ حَوائِجَ طَعامِهِمْ وإضاءَتِهِمْ. وعَلى ظاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ حَمَلَهُما جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وذَلِكَ لِما في هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ المُقْتَضِيَةِ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَها اللَّهُ لَهم، صفحة ٤٢١ ولَكِنَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ (﴿طُورِ سِينِينَ﴾) ومَعَ (﴿البَلَدِ الأمِينِ﴾) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُما مَحْمَلٌ أوْفَقُ بِالمُناسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفانِ. ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذا الجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ تُسَمّى الأرْضُ بِاسْمِ ما يَكْثُرُ فِيها مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: أمَرْخٌ دِيارُهُمُ أمْ عُشَرْ وسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جاءَ في شِعْرِ النّابِغَةِ يَصِفُ سَحاباتٍ بِقَوْلِهِ: صُهْبُ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا ماؤُهُ شَبِما والزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ الأقْصى لِأنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِـ (التِّينِ والزَّيْتُونِ) مَعْنِيًّا بِهِما شَجَرُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أيِ: اكْتَسَبَ نَوْعاهُما شَرَفًا مِن بَيْنِ الأشْجارِ بِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنهُ نابِتًا في هَذَيْنِ المَكانَيْنِ المُقَدَّسَيْنِ كَما قالَ جَرِيرٌ: أتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عارِضَيْها ∗∗∗ بِفَرْعِ بَشامَةٍ سُقِيَ البَشَـامُ فَدَعا لِنَوْعِ البَشامِ بِالسَّقْيِ لِأجْلِ عُودِ بَشامَةَ الحَبِيبَةِ. وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فَهو الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِـ ”طُورِ سِينا“ . والطُّورُ: الجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وعُرِفَ هَذا الجَبَلُ بِـ (طُورِ سِينِينَ) لِوُقُوعِهِ في صَحْراءِ (سِينِينَ)، و(سِينِينَ) لُغَةٌ في سِينٍ وهي صَحْراءُ بَيْنَ مِصْرَ وبِلادِ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الأشْجارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أوْ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَدْ جاءَ تَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، فَجازَ في إعْرابِهِ أنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إعْرابِ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِالواوِ نِيابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أوِ الياءِ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ أوِ الكَسْرَةِ، وأنْ يُحْكى عَلى الياءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ مِثْلِ: صِفِّينَ ويَبْرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]) . صفحة ٤٢٢ والبَلَدُ الأمِينُ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الأمِينَ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالأمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مِثْلَ الدّاعِي السَّمِيعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيِ: المَأْمُونُ ساكِنُوهُ، قالَ تَعالى: (﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]) . والإشارَةُ إلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ؛ ولِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ فَهو حاضِرٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) . وعَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَحْمِلَيْنِ الثّانِيَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ الإيمانِ وتَكُونُ إشارَةً إلى مَوارِدِ أعْظَمِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فالتِّينُ إيماءٌ إلى رِسالَةِ نُوحٍ وهي أوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، والزَّيْتُونُ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ بَنى المَسْجِدَ الأقْصى كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الإسْراءِ، و(طُورِ سِينِينَ) إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، و(البَلَدِ الأمِينِ) إيماءٌ إلى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقَعْ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ عِيسى لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ. وقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وبِأنَّهُ المَسْجِدُ الأقْصى إيماءً إلى مَكانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الأقْصى بَناهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسى ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾) إيماءً إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ عَلى أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ إيماءُ هَذِهِ الآيَةِ ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣])، وبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الإيماءِ إلى شَرائِعِ نُوحٍ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ ظُهُورِها، فَتَوْجِيهُ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ أنَّهُ لِمُراعاةِ اقْتِرانِ الِاسْمَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، ومُقارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى نَوْعَيْنِ مِن أماكِنِ الأرْضِ، لِيَتَأتّى مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ ومُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، ولِيُناسِبَ (سِينِينَ) فَواصِلَ السُّورَةِ. وفِي ابْتِداءِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِما يَشْمَلُ إرادَةَ مَهابِطِ أشْهَرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أيْ: خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأدِلَّةِ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما خالَفَ صفحة ٤٢٣ ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ والمِلَلِ قَدْ حادَ عَنْ أُصُولِ شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِها في الفُرُوعِ، ويَكْفِي في تَقَوُّمِ مَعْنى بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ما يَلُوحُ في المَعْنى مِنِ احْتِمالٍ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ هو جَوابُ القَسَمِ. والقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وأنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإدْراكِهِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ: (﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفاتِ مُعْظَمِ النّاسِ في عَقائِدِهِمْ جارِيَةٌ عَلى حالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم خُلِقُوا عَلى الفِطْرَةِ. والخَلْقُ: تَكْوِينٌ وإيجادٌ لِشَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ هو أنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الإيجادِ وأوْجَدَ الأُصُولَ الأُولى في بَدْءِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) وخَلَقَ أسْبابَ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ فَتَناسَلَتْ مِنها ذُرِّيّاتُهم كَما قالَ: (﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]) . وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، وهو التَّعْرِيفُ المَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الماهِيَّةِ مَعَ وُجُودِها في الخارِجِ في ضِمْنِ بَعْضِ أفْرادِها أوْ جَمِيعِ أفْرادِها. ويُحْمَلُ عَلى مَعْنى: خَلَقْنا جَمِيعَ النّاسِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ (الإنْسانَ) تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلا يُلاحَظُ فِيهِ أفْرادُ الجِنْسِ، بَلِ المَلْحُوظُ حالَةُ الماهِيَّةِ في أصْلِها دُونَ ما يَعْرِضُ لِأفْرادِها مِمّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصائِصِها. ومِنهُ التَّعْرِيفُ الواقِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المَعارِجِ. والتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في قَوامٍ بِفَتْحِ القافِ، أيْ: عَدْلٍ وتَسْوِيَةٍ، وحُسْنُ صفحة ٤٢٤ التَّقْوِيمِ أكْمَلُهُ وألْيَقُهُ بِنَوْعِ الإنْسانِ، أيْ: أحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَقْوِيمٌ خاصٌّ بِالإنْسانِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَعْدِيلِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِحَيْثُ لا تَكُونُ إحْدى قُواهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيما يُفْسِدُهُ، ولا يَعُوقُ بَعْضُ قُواهُ البَعْضَ الآخَرَ عَنْ أداءِ وظِيفَتِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ مَن جِنْسِهِ كانَ دُونَهُ في التَّقْوِيمِ. وحَرْفُ (في) يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ المَجازِيَّةَ المُسْتَعارَةَ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ والمِلْكِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى باءِ المُلابَسَةِ أوْ لامِ المِلْكِ، وإنَّما عُدِلَ عَنْ أحَدِ الحَرْفَيْنِ الحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذا المَعْنى إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ قُوَّةِ المُلابَسَةِ أوْ قُوَّةِ المِلْكِ مَعَ الإيجازِ، ولَوْلا الإيجازُ لَكانَتْ مُساواةُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ. فَأفادَتِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الإنْسانَ تَكْوِينًا ذاتِيًّا مُتَناسِبًا مَعَ ما خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الإعْدادِ لِنِظامِهِ وحَضارَتِهِ، ولَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ هو المُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا جَدِيرًا بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، إذْ لا أثَرَ لَهُ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ الغَيْرِ، والإصْلاحِ في الأرْضِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادِ لَذَهَبَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي في القَسَمِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ والبَلَدِ الأمِينِ، وإنَّما هو مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم» “ فَإنَّ العَقْلَ أشْرَفُ ما خُصَّ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ مِن بَيْنِ الأنْواعِ. فالمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْوِيمُ إدْراكِ الإنْسانِ ونَظَرِهِ العَقْلِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أعْمالُ الجَسَدِ إذِ الجِسْمُ آلَةٌ خادِمَةٌ لِلْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ هو المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . وأمّا خَلْقُ جَسَدِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ، ويَظْهَرُ هَذا كَمالَ الظُّهُورِ في قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) فَإنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى مَصِيرِ الإنْسانِ في أرْذَلِ العُمُرِ إلى نَقائِصِ قُوَّتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أشَدَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ صفحة ٤٢٥ السّامِعِينَ حَتّى يُحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، ويَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لِأنَّ الإيمانَ أثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الإنْسانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ في أعْمالِهِ عَلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، ومُعامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السّالِمِينَ مِن عَدائِهِ مُعامَلَةَ الخَيْرِ مَعَهم عَلى حَسَبِ تَوافُقِهِمْ مَعَهُ في الحَقِّ فَذَلِكَ هو الأصْلُ في تَكْوِينِ الإنْسانِ، إذا سَلِمَ مِن عَوارِضَ عائِقَةٍ مِن بَعْضِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ وهو جَنِينٌ؛ إمّا مِن عاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أحَدِ الأبَوَيْنِ، أوْ لِفَسادِ هَيْكَلِهِ مِن سَقْطَةٍ أوْ صَدْمَةٍ في حَمْلِهِ، وما يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن داءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلالَ مِزاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِن فِطْرَتِهِ كَحَماقَةِ السَّوْداوِيِّينَ والسُّكَّرِيِّينَ أوْ خَبالِ المُخْتَبَلِينَ، ومِمّا يُدْخِلُهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَساوِي العاداتِ كَشُرْبِ المُسْكِراتِ وتَناوُلِ المُخَدِّراتِ مِمّا يُورِثُهُ عَلى طُولٍ انْثِلامَ تَعَقُّلِهِ أوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ. والَّذِي نَأْخُذُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ عَلى حالَةِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثارِها، وهي الفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ الكامِلَةُ في إدْراكِهِ إدْراكًا مُسْتَقِيمًا مِمّا يَتَأدّى مِنَ المَحْسُوساتِ الصّادِقَةِ، أيِ: المُوافِقَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ الثّابِتَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، بِسَبَبِ سَلامَةِ ما تُؤَدِّيهِ الحَواسُّ السَّلِيمَةُ، وما يَتَلَقّاهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن ذَلِكَ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّرْكِيبِ المُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جانَبَتْهُ التَّلْقِيناتُ الضّالَّةُ والعَوائِدُ الذَّمِيمَةُ والطَّبائِعُ المُنْحَرِفَةُ والتَّفْكِيرُ الضّارُّ، أوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا ما فاسْتَطاعَ دِفاعَها عَنْهُ بِدَلائِلِ الحَقِّ والصَّوابِ، لَجَرى في جَمِيعِ شُئُونِهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ولَما صَدَرَتْ مِنهُ إلّا الأفْعالُ الصّالِحَةُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ في ذُيُولِ اغْتِرارِهِ ويُرْخِي العِنانَ لِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ في الضَّلالاتِ، أوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعاةُ الضَّلالِ بِعامِلِ التَّخْوِيفِ أوِ الإطْماعِ فَيُتابِعُهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ ما تَقَلَّدَهُ فَيَعْتادُهُ ويَنْسى الصَّوابَ والرُّشْدَ. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ الحَدِيثَ، ذَلِكَ أنَّ أبَوَيْهِ هُما أوَّلُ مَن يَتَوَلّى تَأْدِيبَهُ وتَثْقِيفَهُ وهُما أكْثَرُ النّاسِ مُلازَمَةً لَهُ في صِباهُ، فَهُما اللَّذانِ يُلْقِيانِ في نَفْسِهِ الأفْكارَ الأوْلى، فَإذا سَلِمَ مِن تَضْلِيلِ أبَوَيْهِ فَقَدْ سارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ المُؤَثِّراتِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، صفحة ٤٢٦ واقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْوى أسْبابِ الزَّجِّ في ضَلالَتِهِما، وأشَدُّ إلْحاحًا عَلى ولَدِهِما. ولَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذا المَعْنى العَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلى حُسْنِ الصُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ. أوْ عَلى اسْتِقامَةِ القامَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَلى الشَّبابِ والجَلادَةِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. ولا يُلائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الإنْسانِ عَكَسَ الإنْسانُ شُكْرَها، فَكَفَرَ بِالمُنْعِمِ فَرُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، سِوى ما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ قالَ: تَقْوِيمُ الإنْسانِ عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَّذانِ زَيَّناهُ بِالتَّمْيِيزِ، ولَفْظَهُ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِن هَذا مَعَ زِيادَةِ: يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وما حَكاهُ الفَخْرُ عَنِ الأصَمِّ أنَّ (﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) أكْمَلُ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ. وتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الإنْسانَ مَفْطُورٌ عَلى الخَيْرِ وأنَّ في جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ والصَّلاحِ لِنَفْسِهِ وكَراهَةَ ما يَظُنُّهُ باطِلًا أوْ هَلاكًا، ومَحَبَّةَ الخَيْرِ والحَسَنِ مِنَ الأفْعالِ لِذَلِكَ تَراهُ يُسَرُّ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ويَنْصَحُ بِما يَراهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ ويُعامِلُ بِالحُسْنى، ويَغارُ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، ويَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ ما دامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ، أوْ إرْضاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها أوْ إشْفاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ العَوارِضُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فِطْرَتِهِ زَمَنًا، ويَهَشُّ إلى كَلامِ الوُعّاظِ والحُكَماءِ والصّالِحِينَ ويُكْرِمُهم ويُعَظِّمُهم ويَوَدُّ طُولَ بَقائِهِمْ. فَإذا ساوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكابَ المَفاسِدِ ولَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّها عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إلى سُوءِ الأعْمالِ، وثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النّاصِحِينَ ووَعْظُ الواعِظِينَ عَلى مَراتِبَ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ تَحَكُّمِ الهَوى في عَقْلِهِ. صفحة ٤٢٧ ولِهَذا كانَ الأصْلُ في النّاسِ الخَيْرَ والعَدالَةَ والرُّشْدَ وحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) فَهي في حَيِّزِ القَسَمِ. وضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ: (﴿رَدَدْناهُ﴾) عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَيَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ التَّعْرِيفِ. و(ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِما فِيهِ مِنِ انْقِلابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ الحالَةِ المَوْجُودَةِ أعْجَبُ مِن إيجادِ حالَةٍ لَمْ تَكُنْ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لِتَحْقِيقِ أنَّ الَّذِينَ حادُوا عَنِ الفِطْرَةِ صارُوا أسْفَلَ سافِلِينَ. والمَعْنى: ولَقَدْ صَيَّرْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ أوْ جَعَلْناهُ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ: إرْجاعُ ما أُخِذَ مِن شَخْصٍ أوْ نُقِلَ مِن مَوْضِعٍ إلى ما كانَ عِنْدَهُ، ويُطْلَقُ الرَّدُّ مَجازًا عَلى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَما هُنا. و(أسْفَلَ): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أشَدَّ سَفالَةً، وأُضِيفَ إلى (﴿سافِلِينَ﴾) أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالسَّفالَةِ. فالمُرادُ: أسْفَلَ سافِلِينَ في الِاعْتِقادِ بِخالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا) . وحَقِيقَةُ السَّفالَةِ: انْخِفاضُ المَكانِ، وتُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى الخِسَّةِ والحَقارَةِ في النَّفْسِ، فالأسْفَلُ الأشَدُّ سَفالَةً مِن غَيْرِهِ في نَوْعِهِ. والسّافِلُونَ: هم سَفِلَةُ الِاعْتِقادِ، والإشْراكُ أسْفَلُ الِاعْتِقادِ فَيَكُونُ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (﴿رَدَدْناهُ﴾) لِأنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى أخَواتِ صارَ. والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يُغَيِّرُ ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وهو الإيمانُ بِإلَهٍ واحِدٍ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَقْواهُ ومُراقَبَتِهِ فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ، وهَلْ أسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ الحِجارَةِ والحَيَوانِ الأبْكَمِ مِن بَقَرٍ أوْ تَماسِيحَ أوْ ثَعابِينَ، أوْ مِن شَجَرِ السَّمُرِ، صفحة ٤٢٨ أوْ مَن يَحْسِبُ الزَّمانَ إلَهًا ويُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أوْ مَن يَجْحَدُ وُجُودَ الصّانِعِ وهو يُشاهِدُ مَصْنُوعاتِهِ ويُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . فَإنْ مِلْتَ إلى جانِبِ الأخْلاقِ رَأيْتَ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطاطُهُ إلى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِن مَلَقٍ إذا طَمِعَ، ومِن شُحٍّ إذا شَبِعَ، ومِن جَزَعٍ إذا خافَ، ومِن هَلَعٍ، فَكَمْ مِن نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرابِينَ لِلْآلِهَةِ ومِن أطْفالٍ مَوْءُودَةٍ، ومِن أزْواجٍ مَقْذُوفَةٍ في النّارِ مَعَ الأمْواتِ مِن أزْواجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذا مِن تَسَفُّلٍ في الأخْلاقِ وأفْنِ الرَّأْيِ. وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُكَوِّنُ الأسْبابَ العالِيَةَ ونِظامَ تَفاعُلِها وتَقابُلِها في الأسْبابِ الفَرْعِيَّةِ، حَتّى تَصِلَ إلى الأسْبابِ المُباشِرَةِ عَلى نَحْوِ إسْنادِ مَدِّ وقَبْضِ الظِّلِّ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]) وعَلى نَحْوِ الإسْنادِ في قَوْلِ النّاسِ: بَنى الأمِيرُ مَدِينَةَ كَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) ظَرْفًا، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ ما يَسْكُنُهُ السّافِلُونَ، فَإضافَةُ (أسْفَلَ) إلى (سافِلِينَ) مِن إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الحالِّ فِيهِ، ويَنْتَصِبُ (أسْفَلَ) بِـ (رَدَدْناهُ) انْتِصابَ الظَّرْفِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وذَلِكَ هو دارُ العَذابِ كَقَوْلِهِ: (﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]) فالرَّدُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الجَعْلِ في مَكانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقِيٌّ. وأحْسِبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) انْتَزَعَ مِنهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما ذَكَرَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ قالَ: قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: قالَ مالِكٌ: أقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يا مالِكُ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قالَ لِي: فَمَن سَفِلَةُ السَّفِلَةِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقالَ: (زِهْ) وصَدَرَنِي (أيْ: صفحة ٤٢٩ ضَرَبَ عَلى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسانًا) . وأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ لِأنَّهم ظَلَّلَهم كُبَراؤُهم وأيِمَّتُهم فَسَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ لِيَنالُوا قِيادَتَهم.

التين 95:3

﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ . ابْتِداءُ الكَلامِ بِالقَسَمِ المُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وإطالَةُ القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ. والتِّينُ ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ بِهَذا الِاسْمِ، وهي ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الكُمِّثْرى، ذاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أزْرَقُ إلى السَّوادِ، تَتَفاوَتُ أصْنافُهُ في قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلى مِثْلِ وِعاءٍ أبْيَضَ في وسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وهي مِن أحْسَنِ الثِّمارِ صُورَةً وطَعْمًا وسُهُولَةَ مَضْغٍ، فَحالَتُها دالَّةٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ ومُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ دَلالَتِها عَلى صِفاتٍ إلَهِيَّةٍ كَما يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، مَعَ الإيذانِ بِالمِنَّةِ عَلى النّاسِ، إذْ خَلَقَ لَهم هَذِهِ الفاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ البِلادِ والَّتِي هي سَهْلَةُ النَّباتِ لا تَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ عَمَلٍ وعِلاجٍ. والزَّيْتُونُ أيْضًا ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ ذاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنها فَيَطْعَمُهُ النّاسُ ويَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. والقَسَمُ بِها كالقَسَمِ بِالتِّينِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلى صِفاتِ اللَّهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النّافِعَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النّاسَ حَوائِجَ طَعامِهِمْ وإضاءَتِهِمْ. وعَلى ظاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ حَمَلَهُما جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وذَلِكَ لِما في هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ المُقْتَضِيَةِ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَها اللَّهُ لَهم، صفحة ٤٢١ ولَكِنَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ (﴿طُورِ سِينِينَ﴾) ومَعَ (﴿البَلَدِ الأمِينِ﴾) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُما مَحْمَلٌ أوْفَقُ بِالمُناسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفانِ. ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذا الجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ تُسَمّى الأرْضُ بِاسْمِ ما يَكْثُرُ فِيها مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: أمَرْخٌ دِيارُهُمُ أمْ عُشَرْ وسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جاءَ في شِعْرِ النّابِغَةِ يَصِفُ سَحاباتٍ بِقَوْلِهِ: صُهْبُ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا ماؤُهُ شَبِما والزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ الأقْصى لِأنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِـ (التِّينِ والزَّيْتُونِ) مَعْنِيًّا بِهِما شَجَرُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أيِ: اكْتَسَبَ نَوْعاهُما شَرَفًا مِن بَيْنِ الأشْجارِ بِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنهُ نابِتًا في هَذَيْنِ المَكانَيْنِ المُقَدَّسَيْنِ كَما قالَ جَرِيرٌ: أتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عارِضَيْها ∗∗∗ بِفَرْعِ بَشامَةٍ سُقِيَ البَشَـامُ فَدَعا لِنَوْعِ البَشامِ بِالسَّقْيِ لِأجْلِ عُودِ بَشامَةَ الحَبِيبَةِ. وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فَهو الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِـ ”طُورِ سِينا“ . والطُّورُ: الجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وعُرِفَ هَذا الجَبَلُ بِـ (طُورِ سِينِينَ) لِوُقُوعِهِ في صَحْراءِ (سِينِينَ)، و(سِينِينَ) لُغَةٌ في سِينٍ وهي صَحْراءُ بَيْنَ مِصْرَ وبِلادِ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الأشْجارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أوْ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَدْ جاءَ تَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، فَجازَ في إعْرابِهِ أنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إعْرابِ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِالواوِ نِيابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أوِ الياءِ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ أوِ الكَسْرَةِ، وأنْ يُحْكى عَلى الياءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ مِثْلِ: صِفِّينَ ويَبْرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]) . صفحة ٤٢٢ والبَلَدُ الأمِينُ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الأمِينَ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالأمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مِثْلَ الدّاعِي السَّمِيعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيِ: المَأْمُونُ ساكِنُوهُ، قالَ تَعالى: (﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]) . والإشارَةُ إلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ؛ ولِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ فَهو حاضِرٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) . وعَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَحْمِلَيْنِ الثّانِيَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ الإيمانِ وتَكُونُ إشارَةً إلى مَوارِدِ أعْظَمِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فالتِّينُ إيماءٌ إلى رِسالَةِ نُوحٍ وهي أوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، والزَّيْتُونُ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ بَنى المَسْجِدَ الأقْصى كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الإسْراءِ، و(طُورِ سِينِينَ) إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، و(البَلَدِ الأمِينِ) إيماءٌ إلى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقَعْ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ عِيسى لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ. وقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وبِأنَّهُ المَسْجِدُ الأقْصى إيماءً إلى مَكانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الأقْصى بَناهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسى ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾) إيماءً إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ عَلى أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ إيماءُ هَذِهِ الآيَةِ ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣])، وبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الإيماءِ إلى شَرائِعِ نُوحٍ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ ظُهُورِها، فَتَوْجِيهُ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ أنَّهُ لِمُراعاةِ اقْتِرانِ الِاسْمَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، ومُقارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى نَوْعَيْنِ مِن أماكِنِ الأرْضِ، لِيَتَأتّى مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ ومُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، ولِيُناسِبَ (سِينِينَ) فَواصِلَ السُّورَةِ. وفِي ابْتِداءِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِما يَشْمَلُ إرادَةَ مَهابِطِ أشْهَرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أيْ: خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأدِلَّةِ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما خالَفَ صفحة ٤٢٣ ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ والمِلَلِ قَدْ حادَ عَنْ أُصُولِ شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِها في الفُرُوعِ، ويَكْفِي في تَقَوُّمِ مَعْنى بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ما يَلُوحُ في المَعْنى مِنِ احْتِمالٍ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ هو جَوابُ القَسَمِ. والقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وأنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإدْراكِهِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ: (﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفاتِ مُعْظَمِ النّاسِ في عَقائِدِهِمْ جارِيَةٌ عَلى حالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم خُلِقُوا عَلى الفِطْرَةِ. والخَلْقُ: تَكْوِينٌ وإيجادٌ لِشَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ هو أنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الإيجادِ وأوْجَدَ الأُصُولَ الأُولى في بَدْءِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) وخَلَقَ أسْبابَ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ فَتَناسَلَتْ مِنها ذُرِّيّاتُهم كَما قالَ: (﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]) . وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، وهو التَّعْرِيفُ المَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الماهِيَّةِ مَعَ وُجُودِها في الخارِجِ في ضِمْنِ بَعْضِ أفْرادِها أوْ جَمِيعِ أفْرادِها. ويُحْمَلُ عَلى مَعْنى: خَلَقْنا جَمِيعَ النّاسِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ (الإنْسانَ) تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلا يُلاحَظُ فِيهِ أفْرادُ الجِنْسِ، بَلِ المَلْحُوظُ حالَةُ الماهِيَّةِ في أصْلِها دُونَ ما يَعْرِضُ لِأفْرادِها مِمّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصائِصِها. ومِنهُ التَّعْرِيفُ الواقِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المَعارِجِ. والتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في قَوامٍ بِفَتْحِ القافِ، أيْ: عَدْلٍ وتَسْوِيَةٍ، وحُسْنُ صفحة ٤٢٤ التَّقْوِيمِ أكْمَلُهُ وألْيَقُهُ بِنَوْعِ الإنْسانِ، أيْ: أحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَقْوِيمٌ خاصٌّ بِالإنْسانِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَعْدِيلِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِحَيْثُ لا تَكُونُ إحْدى قُواهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيما يُفْسِدُهُ، ولا يَعُوقُ بَعْضُ قُواهُ البَعْضَ الآخَرَ عَنْ أداءِ وظِيفَتِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ مَن جِنْسِهِ كانَ دُونَهُ في التَّقْوِيمِ. وحَرْفُ (في) يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ المَجازِيَّةَ المُسْتَعارَةَ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ والمِلْكِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى باءِ المُلابَسَةِ أوْ لامِ المِلْكِ، وإنَّما عُدِلَ عَنْ أحَدِ الحَرْفَيْنِ الحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذا المَعْنى إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ قُوَّةِ المُلابَسَةِ أوْ قُوَّةِ المِلْكِ مَعَ الإيجازِ، ولَوْلا الإيجازُ لَكانَتْ مُساواةُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ. فَأفادَتِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الإنْسانَ تَكْوِينًا ذاتِيًّا مُتَناسِبًا مَعَ ما خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الإعْدادِ لِنِظامِهِ وحَضارَتِهِ، ولَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ هو المُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا جَدِيرًا بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، إذْ لا أثَرَ لَهُ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ الغَيْرِ، والإصْلاحِ في الأرْضِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادِ لَذَهَبَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي في القَسَمِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ والبَلَدِ الأمِينِ، وإنَّما هو مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم» “ فَإنَّ العَقْلَ أشْرَفُ ما خُصَّ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ مِن بَيْنِ الأنْواعِ. فالمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْوِيمُ إدْراكِ الإنْسانِ ونَظَرِهِ العَقْلِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أعْمالُ الجَسَدِ إذِ الجِسْمُ آلَةٌ خادِمَةٌ لِلْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ هو المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . وأمّا خَلْقُ جَسَدِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ، ويَظْهَرُ هَذا كَمالَ الظُّهُورِ في قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) فَإنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى مَصِيرِ الإنْسانِ في أرْذَلِ العُمُرِ إلى نَقائِصِ قُوَّتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أشَدَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ صفحة ٤٢٥ السّامِعِينَ حَتّى يُحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، ويَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لِأنَّ الإيمانَ أثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الإنْسانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ في أعْمالِهِ عَلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، ومُعامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السّالِمِينَ مِن عَدائِهِ مُعامَلَةَ الخَيْرِ مَعَهم عَلى حَسَبِ تَوافُقِهِمْ مَعَهُ في الحَقِّ فَذَلِكَ هو الأصْلُ في تَكْوِينِ الإنْسانِ، إذا سَلِمَ مِن عَوارِضَ عائِقَةٍ مِن بَعْضِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ وهو جَنِينٌ؛ إمّا مِن عاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أحَدِ الأبَوَيْنِ، أوْ لِفَسادِ هَيْكَلِهِ مِن سَقْطَةٍ أوْ صَدْمَةٍ في حَمْلِهِ، وما يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن داءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلالَ مِزاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِن فِطْرَتِهِ كَحَماقَةِ السَّوْداوِيِّينَ والسُّكَّرِيِّينَ أوْ خَبالِ المُخْتَبَلِينَ، ومِمّا يُدْخِلُهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَساوِي العاداتِ كَشُرْبِ المُسْكِراتِ وتَناوُلِ المُخَدِّراتِ مِمّا يُورِثُهُ عَلى طُولٍ انْثِلامَ تَعَقُّلِهِ أوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ. والَّذِي نَأْخُذُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ عَلى حالَةِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثارِها، وهي الفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ الكامِلَةُ في إدْراكِهِ إدْراكًا مُسْتَقِيمًا مِمّا يَتَأدّى مِنَ المَحْسُوساتِ الصّادِقَةِ، أيِ: المُوافِقَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ الثّابِتَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، بِسَبَبِ سَلامَةِ ما تُؤَدِّيهِ الحَواسُّ السَّلِيمَةُ، وما يَتَلَقّاهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن ذَلِكَ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّرْكِيبِ المُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جانَبَتْهُ التَّلْقِيناتُ الضّالَّةُ والعَوائِدُ الذَّمِيمَةُ والطَّبائِعُ المُنْحَرِفَةُ والتَّفْكِيرُ الضّارُّ، أوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا ما فاسْتَطاعَ دِفاعَها عَنْهُ بِدَلائِلِ الحَقِّ والصَّوابِ، لَجَرى في جَمِيعِ شُئُونِهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ولَما صَدَرَتْ مِنهُ إلّا الأفْعالُ الصّالِحَةُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ في ذُيُولِ اغْتِرارِهِ ويُرْخِي العِنانَ لِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ في الضَّلالاتِ، أوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعاةُ الضَّلالِ بِعامِلِ التَّخْوِيفِ أوِ الإطْماعِ فَيُتابِعُهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ ما تَقَلَّدَهُ فَيَعْتادُهُ ويَنْسى الصَّوابَ والرُّشْدَ. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ الحَدِيثَ، ذَلِكَ أنَّ أبَوَيْهِ هُما أوَّلُ مَن يَتَوَلّى تَأْدِيبَهُ وتَثْقِيفَهُ وهُما أكْثَرُ النّاسِ مُلازَمَةً لَهُ في صِباهُ، فَهُما اللَّذانِ يُلْقِيانِ في نَفْسِهِ الأفْكارَ الأوْلى، فَإذا سَلِمَ مِن تَضْلِيلِ أبَوَيْهِ فَقَدْ سارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ المُؤَثِّراتِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، صفحة ٤٢٦ واقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْوى أسْبابِ الزَّجِّ في ضَلالَتِهِما، وأشَدُّ إلْحاحًا عَلى ولَدِهِما. ولَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذا المَعْنى العَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلى حُسْنِ الصُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ. أوْ عَلى اسْتِقامَةِ القامَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَلى الشَّبابِ والجَلادَةِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. ولا يُلائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الإنْسانِ عَكَسَ الإنْسانُ شُكْرَها، فَكَفَرَ بِالمُنْعِمِ فَرُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، سِوى ما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ قالَ: تَقْوِيمُ الإنْسانِ عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَّذانِ زَيَّناهُ بِالتَّمْيِيزِ، ولَفْظَهُ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِن هَذا مَعَ زِيادَةِ: يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وما حَكاهُ الفَخْرُ عَنِ الأصَمِّ أنَّ (﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) أكْمَلُ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ. وتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الإنْسانَ مَفْطُورٌ عَلى الخَيْرِ وأنَّ في جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ والصَّلاحِ لِنَفْسِهِ وكَراهَةَ ما يَظُنُّهُ باطِلًا أوْ هَلاكًا، ومَحَبَّةَ الخَيْرِ والحَسَنِ مِنَ الأفْعالِ لِذَلِكَ تَراهُ يُسَرُّ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ويَنْصَحُ بِما يَراهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ ويُعامِلُ بِالحُسْنى، ويَغارُ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، ويَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ ما دامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ، أوْ إرْضاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها أوْ إشْفاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ العَوارِضُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فِطْرَتِهِ زَمَنًا، ويَهَشُّ إلى كَلامِ الوُعّاظِ والحُكَماءِ والصّالِحِينَ ويُكْرِمُهم ويُعَظِّمُهم ويَوَدُّ طُولَ بَقائِهِمْ. فَإذا ساوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكابَ المَفاسِدِ ولَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّها عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إلى سُوءِ الأعْمالِ، وثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النّاصِحِينَ ووَعْظُ الواعِظِينَ عَلى مَراتِبَ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ تَحَكُّمِ الهَوى في عَقْلِهِ. صفحة ٤٢٧ ولِهَذا كانَ الأصْلُ في النّاسِ الخَيْرَ والعَدالَةَ والرُّشْدَ وحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) فَهي في حَيِّزِ القَسَمِ. وضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ: (﴿رَدَدْناهُ﴾) عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَيَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ التَّعْرِيفِ. و(ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِما فِيهِ مِنِ انْقِلابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ الحالَةِ المَوْجُودَةِ أعْجَبُ مِن إيجادِ حالَةٍ لَمْ تَكُنْ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لِتَحْقِيقِ أنَّ الَّذِينَ حادُوا عَنِ الفِطْرَةِ صارُوا أسْفَلَ سافِلِينَ. والمَعْنى: ولَقَدْ صَيَّرْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ أوْ جَعَلْناهُ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ: إرْجاعُ ما أُخِذَ مِن شَخْصٍ أوْ نُقِلَ مِن مَوْضِعٍ إلى ما كانَ عِنْدَهُ، ويُطْلَقُ الرَّدُّ مَجازًا عَلى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَما هُنا. و(أسْفَلَ): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أشَدَّ سَفالَةً، وأُضِيفَ إلى (﴿سافِلِينَ﴾) أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالسَّفالَةِ. فالمُرادُ: أسْفَلَ سافِلِينَ في الِاعْتِقادِ بِخالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا) . وحَقِيقَةُ السَّفالَةِ: انْخِفاضُ المَكانِ، وتُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى الخِسَّةِ والحَقارَةِ في النَّفْسِ، فالأسْفَلُ الأشَدُّ سَفالَةً مِن غَيْرِهِ في نَوْعِهِ. والسّافِلُونَ: هم سَفِلَةُ الِاعْتِقادِ، والإشْراكُ أسْفَلُ الِاعْتِقادِ فَيَكُونُ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (﴿رَدَدْناهُ﴾) لِأنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى أخَواتِ صارَ. والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يُغَيِّرُ ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وهو الإيمانُ بِإلَهٍ واحِدٍ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَقْواهُ ومُراقَبَتِهِ فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ، وهَلْ أسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ الحِجارَةِ والحَيَوانِ الأبْكَمِ مِن بَقَرٍ أوْ تَماسِيحَ أوْ ثَعابِينَ، أوْ مِن شَجَرِ السَّمُرِ، صفحة ٤٢٨ أوْ مَن يَحْسِبُ الزَّمانَ إلَهًا ويُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أوْ مَن يَجْحَدُ وُجُودَ الصّانِعِ وهو يُشاهِدُ مَصْنُوعاتِهِ ويُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . فَإنْ مِلْتَ إلى جانِبِ الأخْلاقِ رَأيْتَ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطاطُهُ إلى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِن مَلَقٍ إذا طَمِعَ، ومِن شُحٍّ إذا شَبِعَ، ومِن جَزَعٍ إذا خافَ، ومِن هَلَعٍ، فَكَمْ مِن نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرابِينَ لِلْآلِهَةِ ومِن أطْفالٍ مَوْءُودَةٍ، ومِن أزْواجٍ مَقْذُوفَةٍ في النّارِ مَعَ الأمْواتِ مِن أزْواجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذا مِن تَسَفُّلٍ في الأخْلاقِ وأفْنِ الرَّأْيِ. وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُكَوِّنُ الأسْبابَ العالِيَةَ ونِظامَ تَفاعُلِها وتَقابُلِها في الأسْبابِ الفَرْعِيَّةِ، حَتّى تَصِلَ إلى الأسْبابِ المُباشِرَةِ عَلى نَحْوِ إسْنادِ مَدِّ وقَبْضِ الظِّلِّ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]) وعَلى نَحْوِ الإسْنادِ في قَوْلِ النّاسِ: بَنى الأمِيرُ مَدِينَةَ كَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) ظَرْفًا، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ ما يَسْكُنُهُ السّافِلُونَ، فَإضافَةُ (أسْفَلَ) إلى (سافِلِينَ) مِن إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الحالِّ فِيهِ، ويَنْتَصِبُ (أسْفَلَ) بِـ (رَدَدْناهُ) انْتِصابَ الظَّرْفِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وذَلِكَ هو دارُ العَذابِ كَقَوْلِهِ: (﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]) فالرَّدُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الجَعْلِ في مَكانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقِيٌّ. وأحْسِبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) انْتَزَعَ مِنهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما ذَكَرَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ قالَ: قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: قالَ مالِكٌ: أقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يا مالِكُ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قالَ لِي: فَمَن سَفِلَةُ السَّفِلَةِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقالَ: (زِهْ) وصَدَرَنِي (أيْ: صفحة ٤٢٩ ضَرَبَ عَلى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسانًا) . وأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ لِأنَّهم ظَلَّلَهم كُبَراؤُهم وأيِمَّتُهم فَسَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ لِيَنالُوا قِيادَتَهم.

التين 95:4

﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ . ابْتِداءُ الكَلامِ بِالقَسَمِ المُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وإطالَةُ القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ. والتِّينُ ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ بِهَذا الِاسْمِ، وهي ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الكُمِّثْرى، ذاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أزْرَقُ إلى السَّوادِ، تَتَفاوَتُ أصْنافُهُ في قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلى مِثْلِ وِعاءٍ أبْيَضَ في وسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وهي مِن أحْسَنِ الثِّمارِ صُورَةً وطَعْمًا وسُهُولَةَ مَضْغٍ، فَحالَتُها دالَّةٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ ومُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ دَلالَتِها عَلى صِفاتٍ إلَهِيَّةٍ كَما يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، مَعَ الإيذانِ بِالمِنَّةِ عَلى النّاسِ، إذْ خَلَقَ لَهم هَذِهِ الفاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ البِلادِ والَّتِي هي سَهْلَةُ النَّباتِ لا تَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ عَمَلٍ وعِلاجٍ. والزَّيْتُونُ أيْضًا ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ ذاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنها فَيَطْعَمُهُ النّاسُ ويَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. والقَسَمُ بِها كالقَسَمِ بِالتِّينِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلى صِفاتِ اللَّهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النّافِعَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النّاسَ حَوائِجَ طَعامِهِمْ وإضاءَتِهِمْ. وعَلى ظاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ حَمَلَهُما جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وذَلِكَ لِما في هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ المُقْتَضِيَةِ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَها اللَّهُ لَهم، صفحة ٤٢١ ولَكِنَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ (﴿طُورِ سِينِينَ﴾) ومَعَ (﴿البَلَدِ الأمِينِ﴾) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُما مَحْمَلٌ أوْفَقُ بِالمُناسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفانِ. ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذا الجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ تُسَمّى الأرْضُ بِاسْمِ ما يَكْثُرُ فِيها مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: أمَرْخٌ دِيارُهُمُ أمْ عُشَرْ وسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جاءَ في شِعْرِ النّابِغَةِ يَصِفُ سَحاباتٍ بِقَوْلِهِ: صُهْبُ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا ماؤُهُ شَبِما والزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ الأقْصى لِأنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِـ (التِّينِ والزَّيْتُونِ) مَعْنِيًّا بِهِما شَجَرُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أيِ: اكْتَسَبَ نَوْعاهُما شَرَفًا مِن بَيْنِ الأشْجارِ بِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنهُ نابِتًا في هَذَيْنِ المَكانَيْنِ المُقَدَّسَيْنِ كَما قالَ جَرِيرٌ: أتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عارِضَيْها ∗∗∗ بِفَرْعِ بَشامَةٍ سُقِيَ البَشَـامُ فَدَعا لِنَوْعِ البَشامِ بِالسَّقْيِ لِأجْلِ عُودِ بَشامَةَ الحَبِيبَةِ. وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فَهو الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِـ ”طُورِ سِينا“ . والطُّورُ: الجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وعُرِفَ هَذا الجَبَلُ بِـ (طُورِ سِينِينَ) لِوُقُوعِهِ في صَحْراءِ (سِينِينَ)، و(سِينِينَ) لُغَةٌ في سِينٍ وهي صَحْراءُ بَيْنَ مِصْرَ وبِلادِ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الأشْجارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أوْ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَدْ جاءَ تَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، فَجازَ في إعْرابِهِ أنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إعْرابِ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِالواوِ نِيابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أوِ الياءِ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ أوِ الكَسْرَةِ، وأنْ يُحْكى عَلى الياءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ مِثْلِ: صِفِّينَ ويَبْرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]) . صفحة ٤٢٢ والبَلَدُ الأمِينُ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الأمِينَ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالأمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مِثْلَ الدّاعِي السَّمِيعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيِ: المَأْمُونُ ساكِنُوهُ، قالَ تَعالى: (﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]) . والإشارَةُ إلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ؛ ولِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ فَهو حاضِرٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) . وعَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَحْمِلَيْنِ الثّانِيَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ الإيمانِ وتَكُونُ إشارَةً إلى مَوارِدِ أعْظَمِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فالتِّينُ إيماءٌ إلى رِسالَةِ نُوحٍ وهي أوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، والزَّيْتُونُ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ بَنى المَسْجِدَ الأقْصى كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الإسْراءِ، و(طُورِ سِينِينَ) إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، و(البَلَدِ الأمِينِ) إيماءٌ إلى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقَعْ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ عِيسى لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ. وقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وبِأنَّهُ المَسْجِدُ الأقْصى إيماءً إلى مَكانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الأقْصى بَناهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسى ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾) إيماءً إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ عَلى أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ إيماءُ هَذِهِ الآيَةِ ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣])، وبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الإيماءِ إلى شَرائِعِ نُوحٍ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ ظُهُورِها، فَتَوْجِيهُ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ أنَّهُ لِمُراعاةِ اقْتِرانِ الِاسْمَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، ومُقارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى نَوْعَيْنِ مِن أماكِنِ الأرْضِ، لِيَتَأتّى مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ ومُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، ولِيُناسِبَ (سِينِينَ) فَواصِلَ السُّورَةِ. وفِي ابْتِداءِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِما يَشْمَلُ إرادَةَ مَهابِطِ أشْهَرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أيْ: خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأدِلَّةِ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما خالَفَ صفحة ٤٢٣ ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ والمِلَلِ قَدْ حادَ عَنْ أُصُولِ شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِها في الفُرُوعِ، ويَكْفِي في تَقَوُّمِ مَعْنى بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ما يَلُوحُ في المَعْنى مِنِ احْتِمالٍ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ هو جَوابُ القَسَمِ. والقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وأنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإدْراكِهِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ: (﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفاتِ مُعْظَمِ النّاسِ في عَقائِدِهِمْ جارِيَةٌ عَلى حالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم خُلِقُوا عَلى الفِطْرَةِ. والخَلْقُ: تَكْوِينٌ وإيجادٌ لِشَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ هو أنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الإيجادِ وأوْجَدَ الأُصُولَ الأُولى في بَدْءِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) وخَلَقَ أسْبابَ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ فَتَناسَلَتْ مِنها ذُرِّيّاتُهم كَما قالَ: (﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]) . وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، وهو التَّعْرِيفُ المَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الماهِيَّةِ مَعَ وُجُودِها في الخارِجِ في ضِمْنِ بَعْضِ أفْرادِها أوْ جَمِيعِ أفْرادِها. ويُحْمَلُ عَلى مَعْنى: خَلَقْنا جَمِيعَ النّاسِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ (الإنْسانَ) تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلا يُلاحَظُ فِيهِ أفْرادُ الجِنْسِ، بَلِ المَلْحُوظُ حالَةُ الماهِيَّةِ في أصْلِها دُونَ ما يَعْرِضُ لِأفْرادِها مِمّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصائِصِها. ومِنهُ التَّعْرِيفُ الواقِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المَعارِجِ. والتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في قَوامٍ بِفَتْحِ القافِ، أيْ: عَدْلٍ وتَسْوِيَةٍ، وحُسْنُ صفحة ٤٢٤ التَّقْوِيمِ أكْمَلُهُ وألْيَقُهُ بِنَوْعِ الإنْسانِ، أيْ: أحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَقْوِيمٌ خاصٌّ بِالإنْسانِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَعْدِيلِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِحَيْثُ لا تَكُونُ إحْدى قُواهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيما يُفْسِدُهُ، ولا يَعُوقُ بَعْضُ قُواهُ البَعْضَ الآخَرَ عَنْ أداءِ وظِيفَتِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ مَن جِنْسِهِ كانَ دُونَهُ في التَّقْوِيمِ. وحَرْفُ (في) يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ المَجازِيَّةَ المُسْتَعارَةَ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ والمِلْكِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى باءِ المُلابَسَةِ أوْ لامِ المِلْكِ، وإنَّما عُدِلَ عَنْ أحَدِ الحَرْفَيْنِ الحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذا المَعْنى إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ قُوَّةِ المُلابَسَةِ أوْ قُوَّةِ المِلْكِ مَعَ الإيجازِ، ولَوْلا الإيجازُ لَكانَتْ مُساواةُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ. فَأفادَتِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الإنْسانَ تَكْوِينًا ذاتِيًّا مُتَناسِبًا مَعَ ما خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الإعْدادِ لِنِظامِهِ وحَضارَتِهِ، ولَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ هو المُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا جَدِيرًا بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، إذْ لا أثَرَ لَهُ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ الغَيْرِ، والإصْلاحِ في الأرْضِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادِ لَذَهَبَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي في القَسَمِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ والبَلَدِ الأمِينِ، وإنَّما هو مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم» “ فَإنَّ العَقْلَ أشْرَفُ ما خُصَّ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ مِن بَيْنِ الأنْواعِ. فالمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْوِيمُ إدْراكِ الإنْسانِ ونَظَرِهِ العَقْلِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أعْمالُ الجَسَدِ إذِ الجِسْمُ آلَةٌ خادِمَةٌ لِلْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ هو المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . وأمّا خَلْقُ جَسَدِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ، ويَظْهَرُ هَذا كَمالَ الظُّهُورِ في قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) فَإنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى مَصِيرِ الإنْسانِ في أرْذَلِ العُمُرِ إلى نَقائِصِ قُوَّتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أشَدَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ صفحة ٤٢٥ السّامِعِينَ حَتّى يُحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، ويَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لِأنَّ الإيمانَ أثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الإنْسانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ في أعْمالِهِ عَلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، ومُعامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السّالِمِينَ مِن عَدائِهِ مُعامَلَةَ الخَيْرِ مَعَهم عَلى حَسَبِ تَوافُقِهِمْ مَعَهُ في الحَقِّ فَذَلِكَ هو الأصْلُ في تَكْوِينِ الإنْسانِ، إذا سَلِمَ مِن عَوارِضَ عائِقَةٍ مِن بَعْضِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ وهو جَنِينٌ؛ إمّا مِن عاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أحَدِ الأبَوَيْنِ، أوْ لِفَسادِ هَيْكَلِهِ مِن سَقْطَةٍ أوْ صَدْمَةٍ في حَمْلِهِ، وما يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن داءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلالَ مِزاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِن فِطْرَتِهِ كَحَماقَةِ السَّوْداوِيِّينَ والسُّكَّرِيِّينَ أوْ خَبالِ المُخْتَبَلِينَ، ومِمّا يُدْخِلُهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَساوِي العاداتِ كَشُرْبِ المُسْكِراتِ وتَناوُلِ المُخَدِّراتِ مِمّا يُورِثُهُ عَلى طُولٍ انْثِلامَ تَعَقُّلِهِ أوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ. والَّذِي نَأْخُذُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ عَلى حالَةِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثارِها، وهي الفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ الكامِلَةُ في إدْراكِهِ إدْراكًا مُسْتَقِيمًا مِمّا يَتَأدّى مِنَ المَحْسُوساتِ الصّادِقَةِ، أيِ: المُوافِقَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ الثّابِتَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، بِسَبَبِ سَلامَةِ ما تُؤَدِّيهِ الحَواسُّ السَّلِيمَةُ، وما يَتَلَقّاهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن ذَلِكَ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّرْكِيبِ المُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جانَبَتْهُ التَّلْقِيناتُ الضّالَّةُ والعَوائِدُ الذَّمِيمَةُ والطَّبائِعُ المُنْحَرِفَةُ والتَّفْكِيرُ الضّارُّ، أوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا ما فاسْتَطاعَ دِفاعَها عَنْهُ بِدَلائِلِ الحَقِّ والصَّوابِ، لَجَرى في جَمِيعِ شُئُونِهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ولَما صَدَرَتْ مِنهُ إلّا الأفْعالُ الصّالِحَةُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ في ذُيُولِ اغْتِرارِهِ ويُرْخِي العِنانَ لِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ في الضَّلالاتِ، أوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعاةُ الضَّلالِ بِعامِلِ التَّخْوِيفِ أوِ الإطْماعِ فَيُتابِعُهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ ما تَقَلَّدَهُ فَيَعْتادُهُ ويَنْسى الصَّوابَ والرُّشْدَ. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ الحَدِيثَ، ذَلِكَ أنَّ أبَوَيْهِ هُما أوَّلُ مَن يَتَوَلّى تَأْدِيبَهُ وتَثْقِيفَهُ وهُما أكْثَرُ النّاسِ مُلازَمَةً لَهُ في صِباهُ، فَهُما اللَّذانِ يُلْقِيانِ في نَفْسِهِ الأفْكارَ الأوْلى، فَإذا سَلِمَ مِن تَضْلِيلِ أبَوَيْهِ فَقَدْ سارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ المُؤَثِّراتِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، صفحة ٤٢٦ واقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْوى أسْبابِ الزَّجِّ في ضَلالَتِهِما، وأشَدُّ إلْحاحًا عَلى ولَدِهِما. ولَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذا المَعْنى العَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلى حُسْنِ الصُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ. أوْ عَلى اسْتِقامَةِ القامَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَلى الشَّبابِ والجَلادَةِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. ولا يُلائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الإنْسانِ عَكَسَ الإنْسانُ شُكْرَها، فَكَفَرَ بِالمُنْعِمِ فَرُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، سِوى ما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ قالَ: تَقْوِيمُ الإنْسانِ عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَّذانِ زَيَّناهُ بِالتَّمْيِيزِ، ولَفْظَهُ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِن هَذا مَعَ زِيادَةِ: يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وما حَكاهُ الفَخْرُ عَنِ الأصَمِّ أنَّ (﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) أكْمَلُ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ. وتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الإنْسانَ مَفْطُورٌ عَلى الخَيْرِ وأنَّ في جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ والصَّلاحِ لِنَفْسِهِ وكَراهَةَ ما يَظُنُّهُ باطِلًا أوْ هَلاكًا، ومَحَبَّةَ الخَيْرِ والحَسَنِ مِنَ الأفْعالِ لِذَلِكَ تَراهُ يُسَرُّ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ويَنْصَحُ بِما يَراهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ ويُعامِلُ بِالحُسْنى، ويَغارُ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، ويَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ ما دامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ، أوْ إرْضاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها أوْ إشْفاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ العَوارِضُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فِطْرَتِهِ زَمَنًا، ويَهَشُّ إلى كَلامِ الوُعّاظِ والحُكَماءِ والصّالِحِينَ ويُكْرِمُهم ويُعَظِّمُهم ويَوَدُّ طُولَ بَقائِهِمْ. فَإذا ساوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكابَ المَفاسِدِ ولَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّها عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إلى سُوءِ الأعْمالِ، وثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النّاصِحِينَ ووَعْظُ الواعِظِينَ عَلى مَراتِبَ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ تَحَكُّمِ الهَوى في عَقْلِهِ. صفحة ٤٢٧ ولِهَذا كانَ الأصْلُ في النّاسِ الخَيْرَ والعَدالَةَ والرُّشْدَ وحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) فَهي في حَيِّزِ القَسَمِ. وضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ: (﴿رَدَدْناهُ﴾) عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَيَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ التَّعْرِيفِ. و(ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِما فِيهِ مِنِ انْقِلابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ الحالَةِ المَوْجُودَةِ أعْجَبُ مِن إيجادِ حالَةٍ لَمْ تَكُنْ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لِتَحْقِيقِ أنَّ الَّذِينَ حادُوا عَنِ الفِطْرَةِ صارُوا أسْفَلَ سافِلِينَ. والمَعْنى: ولَقَدْ صَيَّرْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ أوْ جَعَلْناهُ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ: إرْجاعُ ما أُخِذَ مِن شَخْصٍ أوْ نُقِلَ مِن مَوْضِعٍ إلى ما كانَ عِنْدَهُ، ويُطْلَقُ الرَّدُّ مَجازًا عَلى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَما هُنا. و(أسْفَلَ): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أشَدَّ سَفالَةً، وأُضِيفَ إلى (﴿سافِلِينَ﴾) أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالسَّفالَةِ. فالمُرادُ: أسْفَلَ سافِلِينَ في الِاعْتِقادِ بِخالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا) . وحَقِيقَةُ السَّفالَةِ: انْخِفاضُ المَكانِ، وتُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى الخِسَّةِ والحَقارَةِ في النَّفْسِ، فالأسْفَلُ الأشَدُّ سَفالَةً مِن غَيْرِهِ في نَوْعِهِ. والسّافِلُونَ: هم سَفِلَةُ الِاعْتِقادِ، والإشْراكُ أسْفَلُ الِاعْتِقادِ فَيَكُونُ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (﴿رَدَدْناهُ﴾) لِأنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى أخَواتِ صارَ. والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يُغَيِّرُ ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وهو الإيمانُ بِإلَهٍ واحِدٍ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَقْواهُ ومُراقَبَتِهِ فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ، وهَلْ أسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ الحِجارَةِ والحَيَوانِ الأبْكَمِ مِن بَقَرٍ أوْ تَماسِيحَ أوْ ثَعابِينَ، أوْ مِن شَجَرِ السَّمُرِ، صفحة ٤٢٨ أوْ مَن يَحْسِبُ الزَّمانَ إلَهًا ويُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أوْ مَن يَجْحَدُ وُجُودَ الصّانِعِ وهو يُشاهِدُ مَصْنُوعاتِهِ ويُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . فَإنْ مِلْتَ إلى جانِبِ الأخْلاقِ رَأيْتَ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطاطُهُ إلى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِن مَلَقٍ إذا طَمِعَ، ومِن شُحٍّ إذا شَبِعَ، ومِن جَزَعٍ إذا خافَ، ومِن هَلَعٍ، فَكَمْ مِن نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرابِينَ لِلْآلِهَةِ ومِن أطْفالٍ مَوْءُودَةٍ، ومِن أزْواجٍ مَقْذُوفَةٍ في النّارِ مَعَ الأمْواتِ مِن أزْواجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذا مِن تَسَفُّلٍ في الأخْلاقِ وأفْنِ الرَّأْيِ. وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُكَوِّنُ الأسْبابَ العالِيَةَ ونِظامَ تَفاعُلِها وتَقابُلِها في الأسْبابِ الفَرْعِيَّةِ، حَتّى تَصِلَ إلى الأسْبابِ المُباشِرَةِ عَلى نَحْوِ إسْنادِ مَدِّ وقَبْضِ الظِّلِّ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]) وعَلى نَحْوِ الإسْنادِ في قَوْلِ النّاسِ: بَنى الأمِيرُ مَدِينَةَ كَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) ظَرْفًا، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ ما يَسْكُنُهُ السّافِلُونَ، فَإضافَةُ (أسْفَلَ) إلى (سافِلِينَ) مِن إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الحالِّ فِيهِ، ويَنْتَصِبُ (أسْفَلَ) بِـ (رَدَدْناهُ) انْتِصابَ الظَّرْفِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وذَلِكَ هو دارُ العَذابِ كَقَوْلِهِ: (﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]) فالرَّدُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الجَعْلِ في مَكانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقِيٌّ. وأحْسِبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) انْتَزَعَ مِنهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما ذَكَرَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ قالَ: قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: قالَ مالِكٌ: أقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يا مالِكُ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قالَ لِي: فَمَن سَفِلَةُ السَّفِلَةِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقالَ: (زِهْ) وصَدَرَنِي (أيْ: صفحة ٤٢٩ ضَرَبَ عَلى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسانًا) . وأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ لِأنَّهم ظَلَّلَهم كُبَراؤُهم وأيِمَّتُهم فَسَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ لِيَنالُوا قِيادَتَهم.

التين 95:5

﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ . ابْتِداءُ الكَلامِ بِالقَسَمِ المُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وإطالَةُ القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ. والتِّينُ ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ بِهَذا الِاسْمِ، وهي ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الكُمِّثْرى، ذاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أزْرَقُ إلى السَّوادِ، تَتَفاوَتُ أصْنافُهُ في قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلى مِثْلِ وِعاءٍ أبْيَضَ في وسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وهي مِن أحْسَنِ الثِّمارِ صُورَةً وطَعْمًا وسُهُولَةَ مَضْغٍ، فَحالَتُها دالَّةٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ ومُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ دَلالَتِها عَلى صِفاتٍ إلَهِيَّةٍ كَما يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، مَعَ الإيذانِ بِالمِنَّةِ عَلى النّاسِ، إذْ خَلَقَ لَهم هَذِهِ الفاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ البِلادِ والَّتِي هي سَهْلَةُ النَّباتِ لا تَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ عَمَلٍ وعِلاجٍ. والزَّيْتُونُ أيْضًا ظاهِرُهُ: الثَّمَرَةُ المَشْهُورَةُ ذاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنها فَيَطْعَمُهُ النّاسُ ويَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. والقَسَمُ بِها كالقَسَمِ بِالتِّينِ مِن حَيْثُ إنَّها دالَّةٌ عَلى صِفاتِ اللَّهِ، مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النّافِعَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النّاسَ حَوائِجَ طَعامِهِمْ وإضاءَتِهِمْ. وعَلى ظاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ حَمَلَهُما جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وذَلِكَ لِما في هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ المُقْتَضِيَةِ الِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ بِأنْ خَلَقَها اللَّهُ لَهم، صفحة ٤٢١ ولَكِنَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ (﴿طُورِ سِينِينَ﴾) ومَعَ (﴿البَلَدِ الأمِينِ﴾) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُما مَحْمَلٌ أوْفَقُ بِالمُناسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلى الجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفانِ. ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذا الجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ تُسَمّى الأرْضُ بِاسْمِ ما يَكْثُرُ فِيها مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: أمَرْخٌ دِيارُهُمُ أمْ عُشَرْ وسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جاءَ في شِعْرِ النّابِغَةِ يَصِفُ سَحاباتٍ بِقَوْلِهِ: صُهْبُ الظِّلالِ أتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا ماؤُهُ شَبِما والزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ الأقْصى لِأنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِـ (التِّينِ والزَّيْتُونِ) مَعْنِيًّا بِهِما شَجَرُ هاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أيِ: اكْتَسَبَ نَوْعاهُما شَرَفًا مِن بَيْنِ الأشْجارِ بِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنهُ نابِتًا في هَذَيْنِ المَكانَيْنِ المُقَدَّسَيْنِ كَما قالَ جَرِيرٌ: أتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عارِضَيْها ∗∗∗ بِفَرْعِ بَشامَةٍ سُقِيَ البَشَـامُ فَدَعا لِنَوْعِ البَشامِ بِالسَّقْيِ لِأجْلِ عُودِ بَشامَةَ الحَبِيبَةِ. وأمّا (طُورِ سِينِينَ) فَهو الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِـ ”طُورِ سِينا“ . والطُّورُ: الجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ، وعُرِفَ هَذا الجَبَلُ بِـ (طُورِ سِينِينَ) لِوُقُوعِهِ في صَحْراءِ (سِينِينَ)، و(سِينِينَ) لُغَةٌ في سِينٍ وهي صَحْراءُ بَيْنَ مِصْرَ وبِلادِ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الأشْجارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أوْ بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الحُسْنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَدْ جاءَ تَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، فَجازَ في إعْرابِهِ أنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إعْرابِ جَمْعِ المُذَكَّرِ بِالواوِ نِيابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أوِ الياءِ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ أوِ الكَسْرَةِ، وأنْ يُحْكى عَلى الياءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ مِثْلِ: صِفِّينَ ويَبْرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]) . صفحة ٤٢٢ والبَلَدُ الأمِينُ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الأمِينَ؛ لِأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالأمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ مِثْلَ الدّاعِي السَّمِيعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، أيِ: المَأْمُونُ ساكِنُوهُ، قالَ تَعالى: (﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]) . والإشارَةُ إلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ؛ ولِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ فَهو حاضِرٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) . وعَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَحْمِلَيْنِ الثّانِيَيْنِ لِلتِّينِ والزَّيْتُونِ تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ الإيمانِ وتَكُونُ إشارَةً إلى مَوارِدِ أعْظَمِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فالتِّينُ إيماءٌ إلى رِسالَةِ نُوحٍ وهي أوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، والزَّيْتُونُ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ بَنى المَسْجِدَ الأقْصى كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الإسْراءِ، و(طُورِ سِينِينَ) إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، و(البَلَدِ الأمِينِ) إيماءٌ إلى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، ولَمْ يَقَعْ إيماءٌ إلى شَرِيعَةِ عِيسى لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ. وقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وبِأنَّهُ المَسْجِدُ الأقْصى إيماءً إلى مَكانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الأقْصى بَناهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسى ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾) إيماءً إلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ عَلى أُصُولِ الحَنِيفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ إيماءُ هَذِهِ الآيَةِ ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣])، وبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الإيماءِ إلى شَرائِعِ نُوحٍ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرَ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ ظُهُورِها، فَتَوْجِيهُ مُخالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ أنَّهُ لِمُراعاةِ اقْتِرانِ الِاسْمَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، ومُقارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى نَوْعَيْنِ مِن أماكِنِ الأرْضِ، لِيَتَأتّى مُحَسِّنُ مُراعاةِ النَّظِيرِ ومُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، ولِيُناسِبَ (سِينِينَ) فَواصِلَ السُّورَةِ. وفِي ابْتِداءِ السُّورَةِ بِالقَسَمِ بِما يَشْمَلُ إرادَةَ مَهابِطِ أشْهَرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أيْ: خَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأدِلَّةِ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما خالَفَ صفحة ٤٢٣ ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ والمِلَلِ قَدْ حادَ عَنْ أُصُولِ شَرائِعِ اللَّهِ كُلِّها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِها في الفُرُوعِ، ويَكْفِي في تَقَوُّمِ مَعْنى بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ما يَلُوحُ في المَعْنى مِنِ احْتِمالٍ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ هو جَوابُ القَسَمِ. والقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وأنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإدْراكِهِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في قَوْلِهِ: (﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفاتِ مُعْظَمِ النّاسِ في عَقائِدِهِمْ جارِيَةٌ عَلى حالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم خُلِقُوا عَلى الفِطْرَةِ. والخَلْقُ: تَكْوِينٌ وإيجادٌ لِشَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ هو أنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الإيجادِ وأوْجَدَ الأُصُولَ الأُولى في بَدْءِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) وخَلَقَ أسْبابَ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ فَتَناسَلَتْ مِنها ذُرِّيّاتُهم كَما قالَ: (﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]) . وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، وهو التَّعْرِيفُ المَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الماهِيَّةِ مَعَ وُجُودِها في الخارِجِ في ضِمْنِ بَعْضِ أفْرادِها أوْ جَمِيعِ أفْرادِها. ويُحْمَلُ عَلى مَعْنى: خَلَقْنا جَمِيعَ النّاسِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ (الإنْسانَ) تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأةِ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلا يُلاحَظُ فِيهِ أفْرادُ الجِنْسِ، بَلِ المَلْحُوظُ حالَةُ الماهِيَّةِ في أصْلِها دُونَ ما يَعْرِضُ لِأفْرادِها مِمّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصائِصِها. ومِنهُ التَّعْرِيفُ الواقِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المَعارِجِ. والتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في قَوامٍ بِفَتْحِ القافِ، أيْ: عَدْلٍ وتَسْوِيَةٍ، وحُسْنُ صفحة ٤٢٤ التَّقْوِيمِ أكْمَلُهُ وألْيَقُهُ بِنَوْعِ الإنْسانِ، أيْ: أحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَقْوِيمٌ خاصٌّ بِالإنْسانِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ويَتَّضِحُ ذَلِكَ في تَعْدِيلِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِحَيْثُ لا تَكُونُ إحْدى قُواهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيما يُفْسِدُهُ، ولا يَعُوقُ بَعْضُ قُواهُ البَعْضَ الآخَرَ عَنْ أداءِ وظِيفَتِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ مَن جِنْسِهِ كانَ دُونَهُ في التَّقْوِيمِ. وحَرْفُ (في) يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ المَجازِيَّةَ المُسْتَعارَةَ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ والمِلْكِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى باءِ المُلابَسَةِ أوْ لامِ المِلْكِ، وإنَّما عُدِلَ عَنْ أحَدِ الحَرْفَيْنِ الحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذا المَعْنى إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ قُوَّةِ المُلابَسَةِ أوْ قُوَّةِ المِلْكِ مَعَ الإيجازِ، ولَوْلا الإيجازُ لَكانَتْ مُساواةُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هو أحْسَنُ تَقْوِيمٍ. فَأفادَتِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الإنْسانَ تَكْوِينًا ذاتِيًّا مُتَناسِبًا مَعَ ما خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الإعْدادِ لِنِظامِهِ وحَضارَتِهِ، ولَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ هو المُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا جَدِيرًا بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، إذْ لا أثَرَ لَهُ في إصْلاحِ النَّفْسِ، وإصْلاحِ الغَيْرِ، والإصْلاحِ في الأرْضِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُرادِ لَذَهَبَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي في القَسَمِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ والبَلَدِ الأمِينِ، وإنَّما هو مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أجْسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم» “ فَإنَّ العَقْلَ أشْرَفُ ما خُصَّ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ مِن بَيْنِ الأنْواعِ. فالمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْوِيمُ إدْراكِ الإنْسانِ ونَظَرِهِ العَقْلِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أعْمالُ الجَسَدِ إذِ الجِسْمُ آلَةٌ خادِمَةٌ لِلْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ كانَ هو المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) . وأمّا خَلْقُ جَسَدِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ، ويَظْهَرُ هَذا كَمالَ الظُّهُورِ في قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) فَإنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ عَلى مَصِيرِ الإنْسانِ في أرْذَلِ العُمُرِ إلى نَقائِصِ قُوَّتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أشَدَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ صفحة ٤٢٥ السّامِعِينَ حَتّى يُحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ، ويَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لِأنَّ الإيمانَ أثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الإنْسانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ في أعْمالِهِ عَلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، ومُعامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السّالِمِينَ مِن عَدائِهِ مُعامَلَةَ الخَيْرِ مَعَهم عَلى حَسَبِ تَوافُقِهِمْ مَعَهُ في الحَقِّ فَذَلِكَ هو الأصْلُ في تَكْوِينِ الإنْسانِ، إذا سَلِمَ مِن عَوارِضَ عائِقَةٍ مِن بَعْضِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِضُ لَهُ وهو جَنِينٌ؛ إمّا مِن عاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أحَدِ الأبَوَيْنِ، أوْ لِفَسادِ هَيْكَلِهِ مِن سَقْطَةٍ أوْ صَدْمَةٍ في حَمْلِهِ، وما يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن داءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلالَ مِزاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِن فِطْرَتِهِ كَحَماقَةِ السَّوْداوِيِّينَ والسُّكَّرِيِّينَ أوْ خَبالِ المُخْتَبَلِينَ، ومِمّا يُدْخِلُهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَساوِي العاداتِ كَشُرْبِ المُسْكِراتِ وتَناوُلِ المُخَدِّراتِ مِمّا يُورِثُهُ عَلى طُولٍ انْثِلامَ تَعَقُّلِهِ أوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ. والَّذِي نَأْخُذُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ عَلى حالَةِ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثارِها، وهي الفِطْرَةُ الإنْسانِيَّةُ الكامِلَةُ في إدْراكِهِ إدْراكًا مُسْتَقِيمًا مِمّا يَتَأدّى مِنَ المَحْسُوساتِ الصّادِقَةِ، أيِ: المُوافِقَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ الثّابِتَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، بِسَبَبِ سَلامَةِ ما تُؤَدِّيهِ الحَواسُّ السَّلِيمَةُ، وما يَتَلَقّاهُ العَقْلُ السَّلِيمُ مِن ذَلِكَ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّرْكِيبِ المُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جانَبَتْهُ التَّلْقِيناتُ الضّالَّةُ والعَوائِدُ الذَّمِيمَةُ والطَّبائِعُ المُنْحَرِفَةُ والتَّفْكِيرُ الضّارُّ، أوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا ما فاسْتَطاعَ دِفاعَها عَنْهُ بِدَلائِلِ الحَقِّ والصَّوابِ، لَجَرى في جَمِيعِ شُئُونِهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ولَما صَدَرَتْ مِنهُ إلّا الأفْعالُ الصّالِحَةُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ في ذُيُولِ اغْتِرارِهِ ويُرْخِي العِنانَ لِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ في الضَّلالاتِ، أوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعاةُ الضَّلالِ بِعامِلِ التَّخْوِيفِ أوِ الإطْماعِ فَيُتابِعُهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ ما تَقَلَّدَهُ فَيَعْتادُهُ ويَنْسى الصَّوابَ والرُّشْدَ. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: ”«ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ثُمَّ يَكُونُ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ الحَدِيثَ، ذَلِكَ أنَّ أبَوَيْهِ هُما أوَّلُ مَن يَتَوَلّى تَأْدِيبَهُ وتَثْقِيفَهُ وهُما أكْثَرُ النّاسِ مُلازَمَةً لَهُ في صِباهُ، فَهُما اللَّذانِ يُلْقِيانِ في نَفْسِهِ الأفْكارَ الأوْلى، فَإذا سَلِمَ مِن تَضْلِيلِ أبَوَيْهِ فَقَدْ سارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ المُؤَثِّراتِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، صفحة ٤٢٦ واقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى الأبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْوى أسْبابِ الزَّجِّ في ضَلالَتِهِما، وأشَدُّ إلْحاحًا عَلى ولَدِهِما. ولَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذا المَعْنى العَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلى حُسْنِ الصُّورَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ. أوْ عَلى اسْتِقامَةِ القامَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَلى الشَّبابِ والجَلادَةِ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ. ولا يُلائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الإنْسانِ عَكَسَ الإنْسانُ شُكْرَها، فَكَفَرَ بِالمُنْعِمِ فَرُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، سِوى ما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّهُ قالَ: تَقْوِيمُ الإنْسانِ عَقْلُهُ وإدْراكُهُ اللَّذانِ زَيَّناهُ بِالتَّمْيِيزِ، ولَفْظَهُ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِن هَذا مَعَ زِيادَةِ: يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وما حَكاهُ الفَخْرُ عَنِ الأصَمِّ أنَّ (﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) أكْمَلُ عَقْلٍ وفَهْمٍ وأدَبٍ وعِلْمٍ وبَيانٍ. وتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الإنْسانَ مَفْطُورٌ عَلى الخَيْرِ وأنَّ في جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ والصَّلاحِ لِنَفْسِهِ وكَراهَةَ ما يَظُنُّهُ باطِلًا أوْ هَلاكًا، ومَحَبَّةَ الخَيْرِ والحَسَنِ مِنَ الأفْعالِ لِذَلِكَ تَراهُ يُسَرُّ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ويَنْصَحُ بِما يَراهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ ويُعامِلُ بِالحُسْنى، ويَغارُ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، ويَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ ما دامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ، أوْ إرْضاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها أوْ إشْفاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ العَوارِضُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فِطْرَتِهِ زَمَنًا، ويَهَشُّ إلى كَلامِ الوُعّاظِ والحُكَماءِ والصّالِحِينَ ويُكْرِمُهم ويُعَظِّمُهم ويَوَدُّ طُولَ بَقائِهِمْ. فَإذا ساوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكابَ المَفاسِدِ ولَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّها عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إلى سُوءِ الأعْمالِ، وثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النّاصِحِينَ ووَعْظُ الواعِظِينَ عَلى مَراتِبَ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ تَحَكُّمِ الهَوى في عَقْلِهِ. صفحة ٤٢٧ ولِهَذا كانَ الأصْلُ في النّاسِ الخَيْرَ والعَدالَةَ والرُّشْدَ وحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾) فَهي في حَيِّزِ القَسَمِ. وضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ: (﴿رَدَدْناهُ﴾) عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَيَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ التَّعْرِيفِ. و(ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِما فِيهِ مِنِ انْقِلابِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ الحالَةِ المَوْجُودَةِ أعْجَبُ مِن إيجادِ حالَةٍ لَمْ تَكُنْ، ولِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لِتَحْقِيقِ أنَّ الَّذِينَ حادُوا عَنِ الفِطْرَةِ صارُوا أسْفَلَ سافِلِينَ. والمَعْنى: ولَقَدْ صَيَّرْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ أوْ جَعَلْناهُ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ: إرْجاعُ ما أُخِذَ مِن شَخْصٍ أوْ نُقِلَ مِن مَوْضِعٍ إلى ما كانَ عِنْدَهُ، ويُطْلَقُ الرَّدُّ مَجازًا عَلى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَما هُنا. و(أسْفَلَ): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أشَدَّ سَفالَةً، وأُضِيفَ إلى (﴿سافِلِينَ﴾) أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالسَّفالَةِ. فالمُرادُ: أسْفَلَ سافِلِينَ في الِاعْتِقادِ بِخالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلّا الَّذِينَ آمَنُوا) . وحَقِيقَةُ السَّفالَةِ: انْخِفاضُ المَكانِ، وتُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى الخِسَّةِ والحَقارَةِ في النَّفْسِ، فالأسْفَلُ الأشَدُّ سَفالَةً مِن غَيْرِهِ في نَوْعِهِ. والسّافِلُونَ: هم سَفِلَةُ الِاعْتِقادِ، والإشْراكُ أسْفَلُ الِاعْتِقادِ فَيَكُونُ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (﴿رَدَدْناهُ﴾) لِأنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرى أخَواتِ صارَ. والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يُغَيِّرُ ما فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وهو الإيمانُ بِإلَهٍ واحِدٍ وما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِن تَقْواهُ ومُراقَبَتِهِ فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ، وهَلْ أسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إلَهِيَّةَ الحِجارَةِ والحَيَوانِ الأبْكَمِ مِن بَقَرٍ أوْ تَماسِيحَ أوْ ثَعابِينَ، أوْ مِن شَجَرِ السَّمُرِ، صفحة ٤٢٨ أوْ مَن يَحْسِبُ الزَّمانَ إلَهًا ويُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أوْ مَن يَجْحَدُ وُجُودَ الصّانِعِ وهو يُشاهِدُ مَصْنُوعاتِهِ ويُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . فَإنْ مِلْتَ إلى جانِبِ الأخْلاقِ رَأيْتَ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطاطُهُ إلى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِن مَلَقٍ إذا طَمِعَ، ومِن شُحٍّ إذا شَبِعَ، ومِن جَزَعٍ إذا خافَ، ومِن هَلَعٍ، فَكَمْ مِن نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرابِينَ لِلْآلِهَةِ ومِن أطْفالٍ مَوْءُودَةٍ، ومِن أزْواجٍ مَقْذُوفَةٍ في النّارِ مَعَ الأمْواتِ مِن أزْواجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذا مِن تَسَفُّلٍ في الأخْلاقِ وأفْنِ الرَّأْيِ. وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُكَوِّنُ الأسْبابَ العالِيَةَ ونِظامَ تَفاعُلِها وتَقابُلِها في الأسْبابِ الفَرْعِيَّةِ، حَتّى تَصِلَ إلى الأسْبابِ المُباشِرَةِ عَلى نَحْوِ إسْنادِ مَدِّ وقَبْضِ الظِّلِّ إلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦]) وعَلى نَحْوِ الإسْنادِ في قَوْلِ النّاسِ: بَنى الأمِيرُ مَدِينَةَ كَذا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) ظَرْفًا، أيْ: مَكانًا أسْفَلَ ما يَسْكُنُهُ السّافِلُونَ، فَإضافَةُ (أسْفَلَ) إلى (سافِلِينَ) مِن إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الحالِّ فِيهِ، ويَنْتَصِبُ (أسْفَلَ) بِـ (رَدَدْناهُ) انْتِصابَ الظَّرْفِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وذَلِكَ هو دارُ العَذابِ كَقَوْلِهِ: (﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]) فالرَّدُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الجَعْلِ في مَكانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وإسْنادُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقِيٌّ. وأحْسِبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾) انْتَزَعَ مِنهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما ذَكَرَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ قالَ: قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: قالَ مالِكٌ: أقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يا مالِكُ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قالَ لِي: فَمَن سَفِلَةُ السَّفِلَةِ ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقالَ: (زِهْ) وصَدَرَنِي (أيْ: صفحة ٤٢٩ ضَرَبَ عَلى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسانًا) . وأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أسْفَلَ سافِلِينَ لِأنَّهم ظَلَّلَهم كُبَراؤُهم وأيِمَّتُهم فَسَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ لِيَنالُوا قِيادَتَهم.

التين 95:6

﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ . اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن عُمُومِ الإنْسانِ فَلَمّا أخْبَرَ عَنِ الإنْسانِ بِأنَّهُ رُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن عُمُومِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ. والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أنْ رُدُّوا أسْفَلَ سافِلِينَ أيّامَ الإشْراكِ صارُوا بِالإيمانِ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الإنْسانَ عَلَيْها فَراجَعُوا أصْلَهم إلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وعُطِفَ (وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحاتِ مِن أحْسَنِ التَّقْوِيمِ بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّها تَزِيدُ الفِطْرَةَ رُسُوخًا ويَنْسَحِبُ الإيمانُ عَلى الأخْلاقِ فَيَرُدُّها إلى فَضْلِها ثُمَّ يَهْدِيها إلى زِيادَةِ الفَضائِلِ مِن أحاسِنِها، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» “ . فَكانَ عَطْفُ (وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) لِلثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّ إيمانَهم باعِثٌ لَهم عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وذَلِكَ حالُ المُؤْمِنِينَ حِينَ نُزُولِ السُّورَةِ فَهَذا العَطْفُ عَطْفُ صِفَةٍ كاشِفَةٍ. ولَيْسَ لِانْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ هُنا احْتِمالٌ؛ لِأنَّ وُجُودَ الفاءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾) يَأْباهُ كُلَّ الإبايَةِ. وفُرِّعَ عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ وهو أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُرَدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ الإخْبارُ بِأنَّ لَهم أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ أفادَ بِأنَّهم لَيْسُوا أسْفَلَ سافِلِينَ فَأُرِيدَ زِيادَةُ البَيانِ لِفَضْلِهِمْ وما أُعِدَّ لَهم. وتَنْوِينُ (أجْرٍ) لِلتَّعْظِيمِ. والمَمْنُونُ: الَّذِي يُمَنُّ عَلى المَأْجُورِ بِهِ، أيْ: لَهم أجْرٌ لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ، ولا كَدَرَ أنْ يُمَنَّ عَلى الَّذِي يُعْطاهُ بِقَوْلِ: هَذا أجْرُكَ، أوْ هَذا عَطاؤُكَ، فالمَمْنُونُ مَفْعُولٌ صفحة ٤٣٠ مَنَّ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ فَهو مَنِينٌ، أيْ: مَقْطُوعٌ أوْ مُوشِكٌ عَلى التَّقَطُّعِ.

التين 95:7

﴿فَما يُكَذِّبُكُ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَقْوِيمِ خَلْقِ الإنْسانِ ثُمَّ رَدِّهُ أسْفَلَ سافِلِينَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ مِن كَلامٍ مُسَبَّبٌ عَنِ البَيانِ الَّذِي قَبْلَ الفاءِ، أيْ: فَقَدْ بانَ لَكَ أنَّ غَيْرَ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ رُدُّوا إلى أسْفَلِ سافِلِينَ فَمَن يُكَذِّبُ مِنهم بِالدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ، والخِطابُ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]) فَإنَّهُ بَعْدَ أنِ اسْتُثْنِيَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ الإنْسانُ المُكَذِّبُ. وضَمِيرُ الخِطابِ التِفاتٌ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَما يُكَذِّبُهُ، ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ هُنا أنَّهُ أصْرَحُ في مُواجَهَةِ الإنْسانِ المُكَذِّبِ بِالتَّوْبِيخِ. ومَعْنى (يُكَذِّبُكَ): يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا، أيْ: لا عُذْرَ لَكَ في تَكْذِيبِكَ بِالدِّينِ. ومُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ: إمّا مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ: يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالرَّسُولِ ﷺ وإمّا المَجْرُورُ بِالباءِ، أيْ: يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِدِينِ الإسْلامِ، أوْ مُكَذِّبًا بِالجَزاءِ إنْ حُمِلَ الدِّينُ عَلى مَعْنى الجَزاءِ، وجُمْلَةُ (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. والدِّينُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِلَّةِ أوِ الشَّرِيعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]) وقَوْلِهِ: (﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]) . وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ بَعْدَ هَذا بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ فاللَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ. ومَعْنى (يُكَذِّبُكَ): يَنْسُبُكُ لِلْكَذِبِ بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ، أوْ ما أنْذَرْتَ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وأُسْلُوبُ هَذا التَّرْكِيبِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَنْسُبُونَ النَّبِيءَ ﷺ إلى الكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَجِيئَهم بِهَذا الدِّينِ. صفحة ٤٣١ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: (﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]) وقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] وتَكُونُ الباءُ صِلَةَ (يُكَذِّبُ) كَقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]) وقَوْلِهِ: (﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وكَذَّبْتُم بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً وماصَدَقُها المُكَذِّبُ، فَهو بِمَعْنى (مَن)، وهي في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يُكَذِّبُكَ) عائِدٌ إلى (ما) وهو الرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَنْسُبُكَ لِلْكَذِبِ بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الإسْلامِ أوْ مِن إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ. وحُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (بَعْدُ) فَبُنِيَتْ بَعْدُ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ أوْ بَعْدَ تَبَيُّنِ ما ارْتَضاهُ لِنَفْسِهِ مِن أسْفَلِ سافِلِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنْ (ما) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ دَلِيلًا عَلى الخَبَرِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْ (ما) المَوْصُولَةِ وحُذِفَ إيجازًا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما هو كالعِلَّةِ لَهُ، فالتَّقْدِيرُ: فالَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالدِّينِ يَتَوَلّى اللَّهُ الِانْتِصافَ مِنهُ، ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. و(أحْكَمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الحُكْمِ، أيْ: أقْضى القُضاةِ. ومَعْنى التَّفْضِيلِ أنَّ حُكْمَهُ أسَدُّ وأنْفَذُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الحِكْمَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ أقْوى الحاكِمِينَ حِكْمَةً في قَضائِهِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُ حُكْمَهُ تَفْرِيطٌ في شَيْءٍ مِنَ المَصْلَحَةِ، ونَوْطُ الخَبَرِ بِذِي وصْفٍ يُؤْذِنُ بِمُراعاةِ خَصائِصِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ الوَصْفُ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ أفْضَلُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ، عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يَفُوقُ قَضاؤُهُ كُلَّ قَضاءٍ في خَصائِصِ القَضاءِ وكَمالاتِهِ، وهي: إصابَةُ الحَقِّ، وقَطْعُ دابِرِ الباطِلِ، وإلْزامُ كُلِّ مَن يَقْضِي عَلَيْهِ بِالِامْتِثالِ لِقَضائِهِ والدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ. صفحة ٤٣٢ رَوى التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قَرَأ مِنكم (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» “ . * * * صفحة ٤٣٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العَلَقِ اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ بِاسْمِ (سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، رُوِيَ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ عائِشَةَ ”أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ“ فَأخْبَرَتْ عَنِ السُّورَةِ بِـ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ. وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ العَلَقِ) لِوُقُوعِ لَفْظِ (العَلَقِ) في أوائِلِها، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) . وتُسَمّى (سُورَةَ اقْرَأْ)، وسَمّاها الكَواشِيُّ في التَّخْلِيصِ (سُورَةَ اقْرَأْ والعَلَقِ) . وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ (سُورَةَ القَلَمِ) وهَذا اسْمٌ سُمِّيَتْ بِهِ (سُورَةُ ن والقَلَمِ)، ولَكِنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا اسْمَ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ القَلَمِ) يُسَمُّونَ الأُخْرى (سُورَةَ ن) . ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذاتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ. وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الواضِحَةِ، ونَزَلَ أوَّلُها بِغارِ حِراءٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو مُجاوِرٌ فِيهِ في رَمَضانَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ مِن سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ الفِيلِ إلى قَوْلِهِ: (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]) . ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عائِشَةَ. وفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو الَّذِي قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. صفحة ٤٣٤ وعَنْ جابِرٍ: أوَّلُ سُورَةٍ المُدَّثِّرُ، وتُؤُوِّلَ بِأنَّ كَلامَهُ نَصَّ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ كَما في الإتْقانِ كَما أنَّ سُورَةَ الضُّحى نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ الثّانِيَةِ. وعَدَدُ آيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ عِشْرُونَ، وفي عَدِّ أهْلِ الشّامِ ثَمانِ عَشْرَةَ، وفي عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ والبَصْرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ. * * * تَلْقِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ الكَلامَ القُرْآنِيَّ وتِلاوَتَهُ، إذْ كانَ لا يَعْرِفُ التِّلاوَةَ مِن قَبْلُ. والإيماءُ إلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُيَسَّرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ الَّذِي ألْهَمَ البَشَرَ العِلْمَ بِالكِتابَةِ قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ مَن يَشاءُ ابْتِداءً. وإيماءٌ إلى أنَّ أُمَّتَهُ سَتَصِيرُ إلى مَعْرِفَةِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ. وتَوْجِيهُهُ إلى النَّظَرِ في خَلْقِ اللَّهِ المَوْجُوداتِ، وخاصَّةً خَلْقَهُ الإنْسانَ خَلْقًا عَجِيبًا مُسْتَخْرَجًا مِن عَلَقَةٍ، فَذَلِكَ مَبْدَأُ النَّظَرِ. وتَهْدِيدُ مَن كَذَّبَ النَّبِيءَ ﷺ وتَعَرَّضَ لِيَصُدَّهُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ إلى الهُدى والتَّقْوى. وإعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأمْرِ مَن يُناوُونَهُ، وأنَّهُ قامِعُهم وناصِرُ رَسُولِهِ. وتَثْبِيتُ الرَّسُولِ عَلى ما جاءَهُ مِنَ الحَقِّ والصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. وأنْ لا يَعْبَأ بِقُوَّةِ أعْدائِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ اللَّهِ تَقْهَرُهم.

التين 95:8

﴿فَما يُكَذِّبُكُ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَقْوِيمِ خَلْقِ الإنْسانِ ثُمَّ رَدِّهُ أسْفَلَ سافِلِينَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ مِن كَلامٍ مُسَبَّبٌ عَنِ البَيانِ الَّذِي قَبْلَ الفاءِ، أيْ: فَقَدْ بانَ لَكَ أنَّ غَيْرَ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ رُدُّوا إلى أسْفَلِ سافِلِينَ فَمَن يُكَذِّبُ مِنهم بِالدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ، والخِطابُ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]) فَإنَّهُ بَعْدَ أنِ اسْتُثْنِيَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ الإنْسانُ المُكَذِّبُ. وضَمِيرُ الخِطابِ التِفاتٌ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَما يُكَذِّبُهُ، ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ هُنا أنَّهُ أصْرَحُ في مُواجَهَةِ الإنْسانِ المُكَذِّبِ بِالتَّوْبِيخِ. ومَعْنى (يُكَذِّبُكَ): يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا، أيْ: لا عُذْرَ لَكَ في تَكْذِيبِكَ بِالدِّينِ. ومُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ: إمّا مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ: يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالرَّسُولِ ﷺ وإمّا المَجْرُورُ بِالباءِ، أيْ: يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِدِينِ الإسْلامِ، أوْ مُكَذِّبًا بِالجَزاءِ إنْ حُمِلَ الدِّينُ عَلى مَعْنى الجَزاءِ، وجُمْلَةُ (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. والدِّينُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِلَّةِ أوِ الشَّرِيعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]) وقَوْلِهِ: (﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]) . وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ بَعْدَ هَذا بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ فاللَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ. ومَعْنى (يُكَذِّبُكَ): يَنْسُبُكُ لِلْكَذِبِ بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ، أوْ ما أنْذَرْتَ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وأُسْلُوبُ هَذا التَّرْكِيبِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَنْسُبُونَ النَّبِيءَ ﷺ إلى الكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَجِيئَهم بِهَذا الدِّينِ. صفحة ٤٣١ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ في الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: (﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]) وقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] وتَكُونُ الباءُ صِلَةَ (يُكَذِّبُ) كَقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]) وقَوْلِهِ: (﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وكَذَّبْتُم بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً وماصَدَقُها المُكَذِّبُ، فَهو بِمَعْنى (مَن)، وهي في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يُكَذِّبُكَ) عائِدٌ إلى (ما) وهو الرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَنْسُبُكَ لِلْكَذِبِ بِسَبَبِ ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الإسْلامِ أوْ مِن إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ. وحُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (بَعْدُ) فَبُنِيَتْ بَعْدُ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ أوْ بَعْدَ تَبَيُّنِ ما ارْتَضاهُ لِنَفْسِهِ مِن أسْفَلِ سافِلِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنْ (ما) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ دَلِيلًا عَلى الخَبَرِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْ (ما) المَوْصُولَةِ وحُذِفَ إيجازًا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما هو كالعِلَّةِ لَهُ، فالتَّقْدِيرُ: فالَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالدِّينِ يَتَوَلّى اللَّهُ الِانْتِصافَ مِنهُ، ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. و(أحْكَمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الحُكْمِ، أيْ: أقْضى القُضاةِ. ومَعْنى التَّفْضِيلِ أنَّ حُكْمَهُ أسَدُّ وأنْفَذُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الحِكْمَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ أقْوى الحاكِمِينَ حِكْمَةً في قَضائِهِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُ حُكْمَهُ تَفْرِيطٌ في شَيْءٍ مِنَ المَصْلَحَةِ، ونَوْطُ الخَبَرِ بِذِي وصْفٍ يُؤْذِنُ بِمُراعاةِ خَصائِصِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ الوَصْفُ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ أفْضَلُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ، عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يَفُوقُ قَضاؤُهُ كُلَّ قَضاءٍ في خَصائِصِ القَضاءِ وكَمالاتِهِ، وهي: إصابَةُ الحَقِّ، وقَطْعُ دابِرِ الباطِلِ، وإلْزامُ كُلِّ مَن يَقْضِي عَلَيْهِ بِالِامْتِثالِ لِقَضائِهِ والدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ. صفحة ٤٣٢ رَوى التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قَرَأ مِنكم (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) فانْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾) فَلْيَقُلْ: بَلى وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ» “ . * * * صفحة ٤٣٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العَلَقِ اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ بِاسْمِ (سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، رُوِيَ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ عائِشَةَ ”أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ“ فَأخْبَرَتْ عَنِ السُّورَةِ بِـ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ. وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ العَلَقِ) لِوُقُوعِ لَفْظِ (العَلَقِ) في أوائِلِها، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) . وتُسَمّى (سُورَةَ اقْرَأْ)، وسَمّاها الكَواشِيُّ في التَّخْلِيصِ (سُورَةَ اقْرَأْ والعَلَقِ) . وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ (سُورَةَ القَلَمِ) وهَذا اسْمٌ سُمِّيَتْ بِهِ (سُورَةُ ن والقَلَمِ)، ولَكِنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا اسْمَ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ القَلَمِ) يُسَمُّونَ الأُخْرى (سُورَةَ ن) . ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذاتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ. وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الواضِحَةِ، ونَزَلَ أوَّلُها بِغارِ حِراءٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو مُجاوِرٌ فِيهِ في رَمَضانَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ مِن سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ الفِيلِ إلى قَوْلِهِ: (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]) . ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عائِشَةَ. وفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو الَّذِي قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. صفحة ٤٣٤ وعَنْ جابِرٍ: أوَّلُ سُورَةٍ المُدَّثِّرُ، وتُؤُوِّلَ بِأنَّ كَلامَهُ نَصَّ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ كَما في الإتْقانِ كَما أنَّ سُورَةَ الضُّحى نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ الثّانِيَةِ. وعَدَدُ آيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ عِشْرُونَ، وفي عَدِّ أهْلِ الشّامِ ثَمانِ عَشْرَةَ، وفي عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ والبَصْرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ. * * * تَلْقِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ الكَلامَ القُرْآنِيَّ وتِلاوَتَهُ، إذْ كانَ لا يَعْرِفُ التِّلاوَةَ مِن قَبْلُ. والإيماءُ إلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُيَسَّرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ الَّذِي ألْهَمَ البَشَرَ العِلْمَ بِالكِتابَةِ قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ مَن يَشاءُ ابْتِداءً. وإيماءٌ إلى أنَّ أُمَّتَهُ سَتَصِيرُ إلى مَعْرِفَةِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ. وتَوْجِيهُهُ إلى النَّظَرِ في خَلْقِ اللَّهِ المَوْجُوداتِ، وخاصَّةً خَلْقَهُ الإنْسانَ خَلْقًا عَجِيبًا مُسْتَخْرَجًا مِن عَلَقَةٍ، فَذَلِكَ مَبْدَأُ النَّظَرِ. وتَهْدِيدُ مَن كَذَّبَ النَّبِيءَ ﷺ وتَعَرَّضَ لِيَصُدَّهُ عَنِ الصَّلاةِ والدَّعْوَةِ إلى الهُدى والتَّقْوى. وإعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأمْرِ مَن يُناوُونَهُ، وأنَّهُ قامِعُهم وناصِرُ رَسُولِهِ. وتَثْبِيتُ الرَّسُولِ عَلى ما جاءَهُ مِنَ الحَقِّ والصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. وأنْ لا يَعْبَأ بِقُوَّةِ أعْدائِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ اللَّهِ تَقْهَرُهم.

العلق 96:1

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] . هَذا أوَّلُ ما أُوحِيَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ثَبَتَ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا. صفحة ٤٣٥ وافْتِتاحُ السُّورَةِ بِكَلِمَةِ (اقْرَأْ) إيذانٌ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَكُونُ قارِئًا، أيْ: تالِيًا كِتابًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَلا كِتابًا، قالَ تَعالى: (﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨]) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِجِبْرِيلَ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ: ما أنا بِقارِئٍ. وفِي هَذا الِافْتِتاحِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ) أمْرٌ بِالقِراءَةِ، والقِراءَةُ نُطْقٌ بِكَلامٍ مُعَيَّنٍ مَكْتُوبٍ أوْ مَحْفُوظٍ عَلى ظَهْرِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]) في سُورَةِ النَّحْلِ. والأمْرُ بِالقِراءَةِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ مِنَ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ فِعْلٍ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ، فالمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ) أنْ يَفْعَلَ القِراءَةَ في الحالِ أوِ المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ مِنَ الحالِ، أيْ أنْ يَقُولَ ما سَيُمْلى عَلَيْهِ، والقَرِينَةُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِقِراءَةٍ في المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إمْلاءُ كَلامٍ عَلَيْهِ مَحْفُوظٍ فَتُطْلَبَ مِنهُ قِراءَتُهُ، ولا سُلِّمَتْ إلَيْهِ صَحِيفَةٌ فَتُطْلَبَ مِنهُ قِراءَتُها، فَهو كَما يَقُولُ المُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ: اكْتُبْ، فَيَتَأهَّبُ لِكِتابَةِ ما سَيُمْلِيهِ عَلَيْهِ. وفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قَوْلُها فِيهِ: ”«حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ. قالَ فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) إلى (﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق»: ٥] ) . فَهَذا الحَدِيثُ رَوَتْهُ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِقَوْلِها: قالَ:“ «فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ» . وجَمِيعُ ما ذَكَرَتْهُ فِيهِ مِمّا رَوَتْهُ عَنْهُ لا مَحالَةَ وقَدْ قالَتْ فِيهِ: ”فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ“ أيْ: فَرَجَعَ بِالآياتِ الَّتِي أُمْلِيَتْ عَلَيْهِ، أيْ: رَجَعَ مُتَلَبِّسًا بِها، أيْ: بِوَعْيِها. صفحة ٤٣٦ وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَقّى ما أُوحِيَ إلَيْهِ وقَرَأهُ حِينَئِذٍ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُها في الحَدِيثِ: ”«فانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إلى ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ» . أيِ: اسْمَعِ القَوْلَ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ. وهَذا يُنْبِئُ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَما قِيلَ لَهُ بَعْدَ الغَطَّةِ الثّالِثَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) الآياتِ الخَمْسَ قَدْ قَرَأها ساعَتَئِذٍ كَما أمَرَهُ اللَّهُ ورَجَعَ مِن غارِ حِراءٍ إلى بَيْتِهِ يَقْرَؤُها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُ المَلَكِ لَهُ في المَرّاتِ الثَّلاثِ (اقْرَأْ) إعادَةً لِلَّفْظِ المُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ إعادَةَ تَكْرِيرٍ لِلِاسْتِئْناسِ بِالقِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّمْها مِن قَبْلُ. ولَمْ يُذْكَرْ لِفِعْلِ (اقْرَأْ) مَفْعُولٌ، إمّا لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ وأنَّ المَقْصُودَ أوْجَدِ القِراءَةَ، وإمّا لِظُهُورِ المَقْرُوءِ مِنَ المَقامِ، وتَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ ما سَنُلْقِيهِ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: (﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) فِيهِ وُجُوهٌ. أوَّلُها: أنْ يَكُونَ افْتِتاحَ كَلامٍ بَعْدَ جُمْلَةِ (اقْرَأْ) وهو أوَّلُ المَقْرُوءِ، أيْ: قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، فَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتَدِئْ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (اقْرَأْ) الثّانِي فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلى مَعْمُولِهِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ اسْمِ اللَّهِ. ومَعْنى الِاسْتِعانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ هَذِهِ القِراءَةِ، وإقْحامُ كَلِمَةِ (اسْمِ)؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى لا بِذاتِهِ كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ، وهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ بِاسْمِ اللَّهِ " حِينَ تَلَقّى هَذِهِ الجُمْلَةَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ ويَكُونَ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (اقْرَأْ) الثّانِي مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ لِلِاخْتِصاصِ، أيِ: اقْرَأْ ما سَيُوحى إلَيْكَ مُصاحِبًا قِراءَتَكَ اسْمَ رَبِّكَ. فالمُصاحِبَةُ مُصاحَبَةُ الفَهْمِ والمُلاحَظَةِ لِجَلالِهِ، ويَكُونُ هَذا إثْباتًا لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالًا لِلنِّداءِ بِاسْمِ الأصْنامِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: بِاسْمِ اللّاتِ، بِاسْمِ العُزّى، كَما تَقَدَّمَ في البَسْمَلَةِ. فَهَذا أوَّلُ ما جاءَ مِن قَواعِدِ الإسْلامِ قَدِ افْتُتِحَ بِهِ أوَّلُ الوَحْيِ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَلى) كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥])، أيْ: عَلى قِنْطارٍ. والمَعْنى: اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، أيْ: عَلى إذْنِهِ، أيْ أنَّ المَلَكَ جاءَكَ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، أيْ: مُرْسَلًا مِن رَبِّكَ، فَذِكْرُ (اسْمِ) عَلى هَذا مُتَعَيِّنٌ. صفحة ٤٣٧ وعُدِلَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ إلى صِفَةِ (رَبِّكَ)؛ لِما يُؤْذِنُ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ الرَّأْفَةِ بِالمَرْبُوبِ والعِنايَةِ بِهِ، مَعَ ما يَتَأتّى بِذِكْرِهِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إضافَةً مُؤْذِنَةً بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِرُبُوبِيَّتِهِ عِنْدَهُ رَدًّا عَلى الَّذِينَ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ أرْبابًا مَن دُونِ اللَّهِ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا لِلتَّوْحِيدِ في الإسْلامِ. وجِيءَ في وصْفِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) ولِأنَّ في ذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ سَيُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ لِما تُفِيدُهُ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، وإذا كانَتْ عِلَّةُ الإقْبالِ عَلى ذِكْرِ اسْمِ الرَّبِّ هي أنَّهُ خالِقٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ الإقْبالِ عَلى ذِكْرِ غَيْرِهِ الَّذِي لَيْسَ بِخالِقٍ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا يُقْبِلُونَ عَلى اسْمِ اللّاتِ واسْمِ العُزّى، وكَوْنُ اللَّهِ هو الخالِقَ يَعْتَرِفُونَ بِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]) فَلَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ ابْتِداءِ الإسْلامِ دِينِ التَّوْحِيدِ كانَ مُقْتَضِيًا لِذِكْرِ أدَلِّ الأوْصافِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وجُمْلَةُ (﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ، أوْ بَدَلَ بَعْضٍ إنْ قُدِّرَ لَهُ مَفْعُولٌ عامٌّ، وسُلِكَ طَرِيقُ الإبْدالِ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ ابْتِداءً لِإقامَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى افْتِقارِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الشُّرُوعِ في تَأْسِيسِ مِلَّةِ الإسْلامِ. فَفي الإجْمالِ إحْضارٌ لِلدَّلِيلِ مَعَ الِاخْتِصارِ مَعَ ما فِيهِ مِن إفادَةِ التَّعْمِيمِ ثُمَّ يَكُونُ التَّفْصِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا مِنَ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) إذا قُدِّرَ لِفِعْلِ (خَلَقَ) الأوَّلِ مَفْعُولٌ دَلَّ عَلَيْهِ بَيانُهُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ. وعَدَمُ ذِكْرِ مَفْعُولٍ لِفِعْلِ (خَلَقَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيِ: الَّذِي هو الخالِقُ، وأنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ لِإرادَةِ العُمُومِ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ، اعْتِمادًا عَلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾) فَهَذِهِ مَعانٍ في الآيَةِ. صفحة ٤٣٨ وخُصَّ خَلْقُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ إذْ لا يَغْفُلُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَنْ نَفْسِهِ ولا يَخْلُو مِن أنْ يَخْطُرَ لَهُ خاطِرُ البَحْثِ عَنِ الَّذِي خَلَقَهُ وأوْجَدَهُ؛ لِذَلِكَ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ قائِمٌ في أنْفُسِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿مِن عَلَقٍ﴾) إشارَةٌ إلى ما يَنْطَوِي في أصْلِ خَلْقِ الإنْسانِ مِن بَدِيعِ الأطْوارِ والصِّفاتِ الَّتِي جَعَلَتْهُ سُلْطانَ هَذا العالَمِ الأرْضِيِّ. والعَلَقُ: اسْمُ جَمْعِ عَلَقَةٍ وهي قِطْعَةٌ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ مِنَ الدَّمِ الغَلِيظِ الجامِدِ الباقِي رَطْبًا لَمْ يَجِفَّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَها بِدُودَةٍ صَغِيرَةٍ تُسَمّى عَلَقَةً، وهي حَمْراءُ داكِنَةٌ تَكُونُ في المِياهِ الحُلْوَةِ، تَمْتَصُّ الدَّمَ مِنَ الحَيَوانِ إذا عَلِقَ خُرْطُومُها بِجِلْدِهِ، وقَدْ تَدْخَلُ إلى فَمِ الدّابَّةِ وخاصَّةً الخَيْلَ والبِغالَ فَتَعْلَقُ بِلَهاتِهِ ولا يَتَفَطَّنُ لَها. ومَعْنى (﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾) أنَّ نُطْفَةَ الذَّكَرِ ونُطْفَةَ المَرْأةِ بَعْدَ الِاخْتِلاطِ ومُضِيِّ مُدَّةٍ كافِيَةٍ تَصِيرانِ عَلَقَةً، فَإذا صارَتْ عَلَقَةً فَقَدْ أخَذَتْ في أطْوارِ التَّكَوُّنِ، فَجُعِلَتِ العَلَقَةُ مَبْدَأ الخَلْقِ ولَمْ تُجْعَلِ النُّطْفَةُ مَبْدَأ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ اشْتُهِرَتْ في ماءِ الرَّجُلِ، فَلَوْ لَمْ تُخالِطْهُ نُطْفَةُ المَرْأةِ لَمْ تَصِرِ العَلَقَةُ فَلا يَتَخَلَّقُ الجَنِينُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مَن عَلَقٍ ثُمَّ مَصِيرَهُ إلى كَمالِ أشُدِّهِ هو خَلْقٌ يَنْطَوِي عَلى قُوًى كامِنَةٍ وقابِلِيّاتٍ عَظِيمَةٍ أقْصاها قابِلِيَّةُ العِلْمِ والكِتابَةِ. ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ ذِكْرُ العَلَقَةِ؛ لِأنَّ الثّابِتَ في العِلْمِ الآنَ أنَّ الإنْسانَ يَتَخَلَّقُ مِن بُوَيْضَةٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا لا تُرى إلّا بِالمِرْآةِ المُكَبِّرَةِ أضْعافًا تَكُونُ في مَبْدَأِ ظُهُورِها كُرَوِيَّةَ الشَّكْلِ سابِحَةً في دَمِ حَيْضِ المَرْأةِ فَلا تَقْبَلُ التَّخَلُّقَ حَتّى تُخالِطَها نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَتَمْتَزِجَ مَعَها فَتَأْخُذَ في التَّخَلُّقِ إذا لَمْ يَعُقْها عائِقٌ كَما قالَ تَعالى: (﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]) فَإذا أخَذَتْ في التَّخَلُّقِ والنُّمُوِّ امْتَدَّ تَكَوُّرُها قَلِيلًا فَشابَهَتِ العَلَقَةَ الَّتِي في الماءِ مُشابَهَةً تامَّةً في دِقَّةِ الجِسْمِ وتَلَوُّنِها بِلَوْنِ الدَّمِ الَّذِي هي سابِحَةٌ فِيهِ وفي كَوْنِها سابِحَةً في سائِلٍ كَما تَسْبَحُ العَلَقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وأشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ. صفحة ٤٣٩ ومَعْنى حَرْفِ (مِن) الِابْتِداءُ. وفِعْلُ (اقْرَأْ) الثّانِي تَأْكِيدٌ لِـ (اقْرَأْ) الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ.

العلق 96:2

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] . هَذا أوَّلُ ما أُوحِيَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ثَبَتَ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا. صفحة ٤٣٥ وافْتِتاحُ السُّورَةِ بِكَلِمَةِ (اقْرَأْ) إيذانٌ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَكُونُ قارِئًا، أيْ: تالِيًا كِتابًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَلا كِتابًا، قالَ تَعالى: (﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨]) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِجِبْرِيلَ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ: ما أنا بِقارِئٍ. وفِي هَذا الِافْتِتاحِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (اقْرَأْ) أمْرٌ بِالقِراءَةِ، والقِراءَةُ نُطْقٌ بِكَلامٍ مُعَيَّنٍ مَكْتُوبٍ أوْ مَحْفُوظٍ عَلى ظَهْرِ قَلْبٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]) في سُورَةِ النَّحْلِ. والأمْرُ بِالقِراءَةِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ مِنَ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ فِعْلٍ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ، فالمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ) أنْ يَفْعَلَ القِراءَةَ في الحالِ أوِ المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ مِنَ الحالِ، أيْ أنْ يَقُولَ ما سَيُمْلى عَلَيْهِ، والقَرِينَةُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِقِراءَةٍ في المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إمْلاءُ كَلامٍ عَلَيْهِ مَحْفُوظٍ فَتُطْلَبَ مِنهُ قِراءَتُهُ، ولا سُلِّمَتْ إلَيْهِ صَحِيفَةٌ فَتُطْلَبَ مِنهُ قِراءَتُها، فَهو كَما يَقُولُ المُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ: اكْتُبْ، فَيَتَأهَّبُ لِكِتابَةِ ما سَيُمْلِيهِ عَلَيْهِ. وفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قَوْلُها فِيهِ: ”«حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ. قالَ فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) إلى (﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق»: ٥] ) . فَهَذا الحَدِيثُ رَوَتْهُ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِقَوْلِها: قالَ:“ «فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ» . وجَمِيعُ ما ذَكَرَتْهُ فِيهِ مِمّا رَوَتْهُ عَنْهُ لا مَحالَةَ وقَدْ قالَتْ فِيهِ: ”فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ“ أيْ: فَرَجَعَ بِالآياتِ الَّتِي أُمْلِيَتْ عَلَيْهِ، أيْ: رَجَعَ مُتَلَبِّسًا بِها، أيْ: بِوَعْيِها. صفحة ٤٣٦ وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَقّى ما أُوحِيَ إلَيْهِ وقَرَأهُ حِينَئِذٍ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُها في الحَدِيثِ: ”«فانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إلى ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ» . أيِ: اسْمَعِ القَوْلَ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ. وهَذا يُنْبِئُ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَما قِيلَ لَهُ بَعْدَ الغَطَّةِ الثّالِثَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) الآياتِ الخَمْسَ قَدْ قَرَأها ساعَتَئِذٍ كَما أمَرَهُ اللَّهُ ورَجَعَ مِن غارِ حِراءٍ إلى بَيْتِهِ يَقْرَؤُها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُ المَلَكِ لَهُ في المَرّاتِ الثَّلاثِ (اقْرَأْ) إعادَةً لِلَّفْظِ المُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ إعادَةَ تَكْرِيرٍ لِلِاسْتِئْناسِ بِالقِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّمْها مِن قَبْلُ. ولَمْ يُذْكَرْ لِفِعْلِ (اقْرَأْ) مَفْعُولٌ، إمّا لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ وأنَّ المَقْصُودَ أوْجَدِ القِراءَةَ، وإمّا لِظُهُورِ المَقْرُوءِ مِنَ المَقامِ، وتَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ ما سَنُلْقِيهِ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: (﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) فِيهِ وُجُوهٌ. أوَّلُها: أنْ يَكُونَ افْتِتاحَ كَلامٍ بَعْدَ جُمْلَةِ (اقْرَأْ) وهو أوَّلُ المَقْرُوءِ، أيْ: قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، فَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتَدِئْ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (اقْرَأْ) الثّانِي فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلى مَعْمُولِهِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ اسْمِ اللَّهِ. ومَعْنى الِاسْتِعانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ هَذِهِ القِراءَةِ، وإقْحامُ كَلِمَةِ (اسْمِ)؛ لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى لا بِذاتِهِ كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ، وهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ بِاسْمِ اللَّهِ " حِينَ تَلَقّى هَذِهِ الجُمْلَةَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ ويَكُونَ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (اقْرَأْ) الثّانِي مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ لِلِاخْتِصاصِ، أيِ: اقْرَأْ ما سَيُوحى إلَيْكَ مُصاحِبًا قِراءَتَكَ اسْمَ رَبِّكَ. فالمُصاحِبَةُ مُصاحَبَةُ الفَهْمِ والمُلاحَظَةِ لِجَلالِهِ، ويَكُونُ هَذا إثْباتًا لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالًا لِلنِّداءِ بِاسْمِ الأصْنامِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: بِاسْمِ اللّاتِ، بِاسْمِ العُزّى، كَما تَقَدَّمَ في البَسْمَلَةِ. فَهَذا أوَّلُ ما جاءَ مِن قَواعِدِ الإسْلامِ قَدِ افْتُتِحَ بِهِ أوَّلُ الوَحْيِ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَلى) كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥])، أيْ: عَلى قِنْطارٍ. والمَعْنى: اقْرَأْ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، أيْ: عَلى إذْنِهِ، أيْ أنَّ المَلَكَ جاءَكَ عَلى اسْمِ رَبِّكَ، أيْ: مُرْسَلًا مِن رَبِّكَ، فَذِكْرُ (اسْمِ) عَلى هَذا مُتَعَيِّنٌ. صفحة ٤٣٧ وعُدِلَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ إلى صِفَةِ (رَبِّكَ)؛ لِما يُؤْذِنُ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ الرَّأْفَةِ بِالمَرْبُوبِ والعِنايَةِ بِهِ، مَعَ ما يَتَأتّى بِذِكْرِهِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إضافَةً مُؤْذِنَةً بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِرُبُوبِيَّتِهِ عِنْدَهُ رَدًّا عَلى الَّذِينَ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ أرْبابًا مَن دُونِ اللَّهِ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا لِلتَّوْحِيدِ في الإسْلامِ. وجِيءَ في وصْفِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) ولِأنَّ في ذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ سَيُتْلى عَلى المُشْرِكِينَ لِما تُفِيدُهُ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، وإذا كانَتْ عِلَّةُ الإقْبالِ عَلى ذِكْرِ اسْمِ الرَّبِّ هي أنَّهُ خالِقٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ الإقْبالِ عَلى ذِكْرِ غَيْرِهِ الَّذِي لَيْسَ بِخالِقٍ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا يُقْبِلُونَ عَلى اسْمِ اللّاتِ واسْمِ العُزّى، وكَوْنُ اللَّهِ هو الخالِقَ يَعْتَرِفُونَ بِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]) فَلَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ ابْتِداءِ الإسْلامِ دِينِ التَّوْحِيدِ كانَ مُقْتَضِيًا لِذِكْرِ أدَلِّ الأوْصافِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وجُمْلَةُ (﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ، أوْ بَدَلَ بَعْضٍ إنْ قُدِّرَ لَهُ مَفْعُولٌ عامٌّ، وسُلِكَ طَرِيقُ الإبْدالِ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ ابْتِداءً لِإقامَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى افْتِقارِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الشُّرُوعِ في تَأْسِيسِ مِلَّةِ الإسْلامِ. فَفي الإجْمالِ إحْضارٌ لِلدَّلِيلِ مَعَ الِاخْتِصارِ مَعَ ما فِيهِ مِن إفادَةِ التَّعْمِيمِ ثُمَّ يَكُونُ التَّفْصِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا مِنَ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) إذا قُدِّرَ لِفِعْلِ (خَلَقَ) الأوَّلِ مَفْعُولٌ دَلَّ عَلَيْهِ بَيانُهُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ. وعَدَمُ ذِكْرِ مَفْعُولٍ لِفِعْلِ (خَلَقَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيِ: الَّذِي هو الخالِقُ، وأنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ لِإرادَةِ العُمُومِ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ المَخْلُوقاتِ، وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ، اعْتِمادًا عَلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾) فَهَذِهِ مَعانٍ في الآيَةِ. صفحة ٤٣٨ وخُصَّ خَلْقُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ إذْ لا يَغْفُلُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ عَنْ نَفْسِهِ ولا يَخْلُو مِن أنْ يَخْطُرَ لَهُ خاطِرُ البَحْثِ عَنِ الَّذِي خَلَقَهُ وأوْجَدَهُ؛ لِذَلِكَ قالَ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ قائِمٌ في أنْفُسِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿مِن عَلَقٍ﴾) إشارَةٌ إلى ما يَنْطَوِي في أصْلِ خَلْقِ الإنْسانِ مِن بَدِيعِ الأطْوارِ والصِّفاتِ الَّتِي جَعَلَتْهُ سُلْطانَ هَذا العالَمِ الأرْضِيِّ. والعَلَقُ: اسْمُ جَمْعِ عَلَقَةٍ وهي قِطْعَةٌ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ مِنَ الدَّمِ الغَلِيظِ الجامِدِ الباقِي رَطْبًا لَمْ يَجِفَّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَها بِدُودَةٍ صَغِيرَةٍ تُسَمّى عَلَقَةً، وهي حَمْراءُ داكِنَةٌ تَكُونُ في المِياهِ الحُلْوَةِ، تَمْتَصُّ الدَّمَ مِنَ الحَيَوانِ إذا عَلِقَ خُرْطُومُها بِجِلْدِهِ، وقَدْ تَدْخَلُ إلى فَمِ الدّابَّةِ وخاصَّةً الخَيْلَ والبِغالَ فَتَعْلَقُ بِلَهاتِهِ ولا يَتَفَطَّنُ لَها. ومَعْنى (﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾) أنَّ نُطْفَةَ الذَّكَرِ ونُطْفَةَ المَرْأةِ بَعْدَ الِاخْتِلاطِ ومُضِيِّ مُدَّةٍ كافِيَةٍ تَصِيرانِ عَلَقَةً، فَإذا صارَتْ عَلَقَةً فَقَدْ أخَذَتْ في أطْوارِ التَّكَوُّنِ، فَجُعِلَتِ العَلَقَةُ مَبْدَأ الخَلْقِ ولَمْ تُجْعَلِ النُّطْفَةُ مَبْدَأ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ اشْتُهِرَتْ في ماءِ الرَّجُلِ، فَلَوْ لَمْ تُخالِطْهُ نُطْفَةُ المَرْأةِ لَمْ تَصِرِ العَلَقَةُ فَلا يَتَخَلَّقُ الجَنِينُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مَن عَلَقٍ ثُمَّ مَصِيرَهُ إلى كَمالِ أشُدِّهِ هو خَلْقٌ يَنْطَوِي عَلى قُوًى كامِنَةٍ وقابِلِيّاتٍ عَظِيمَةٍ أقْصاها قابِلِيَّةُ العِلْمِ والكِتابَةِ. ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ ذِكْرُ العَلَقَةِ؛ لِأنَّ الثّابِتَ في العِلْمِ الآنَ أنَّ الإنْسانَ يَتَخَلَّقُ مِن بُوَيْضَةٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا لا تُرى إلّا بِالمِرْآةِ المُكَبِّرَةِ أضْعافًا تَكُونُ في مَبْدَأِ ظُهُورِها كُرَوِيَّةَ الشَّكْلِ سابِحَةً في دَمِ حَيْضِ المَرْأةِ فَلا تَقْبَلُ التَّخَلُّقَ حَتّى تُخالِطَها نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَتَمْتَزِجَ مَعَها فَتَأْخُذَ في التَّخَلُّقِ إذا لَمْ يَعُقْها عائِقٌ كَما قالَ تَعالى: (﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]) فَإذا أخَذَتْ في التَّخَلُّقِ والنُّمُوِّ امْتَدَّ تَكَوُّرُها قَلِيلًا فَشابَهَتِ العَلَقَةَ الَّتِي في الماءِ مُشابَهَةً تامَّةً في دِقَّةِ الجِسْمِ وتَلَوُّنِها بِلَوْنِ الدَّمِ الَّذِي هي سابِحَةٌ فِيهِ وفي كَوْنِها سابِحَةً في سائِلٍ كَما تَسْبَحُ العَلَقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ غافِرٍ وأشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ. صفحة ٤٣٩ ومَعْنى حَرْفِ (مِن) الِابْتِداءُ. وفِعْلُ (اقْرَأْ) الثّانِي تَأْكِيدٌ لِـ (اقْرَأْ) الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ.

العلق 96:3

﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) فَلَها حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ، و(رَبُّكَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ إمّا (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) وإمّا جُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) وهَذا الِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ. فَإذا نَظَرْتَ إلى الآيَةِ مُسْتَقِلَّةً عَمّا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عائِشَةَ في وصْفِ سَبَبِ نُزُولِها كانَ الِاسْتِئْنافُ ناشِئًا عَنْ سُؤالٍ يَجِيشُ في خاطِرِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ أقْرَأُ وأنا لا أُحْسِنُ القِراءَةَ والكِتابَةَ، فَأُجِيبُ بِأنَّ الَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ بِواسِطَةِ القَلَمِ، أيْ: بِواسِطَةِ الكِتابَةِ يُعَلِّمُكَ ما لَمْ تَعْلَمْ. وإذا قَرَنْتَ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ كانَ الِاسْتِئْنافُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ لِجِبْرِيلَ: ”ما أنا بِقارِئٍ“ فالمَعْنى: لا عَجَبَ في أنْ تَقْرَأ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ عالِمًا بِالقِراءَةِ، إذِ العِلْمُ بِالقِراءَةِ يَحْصُلُ بِوَسائِلَ أُخْرى مِثْلَ الإمْلاءِ والتَّلْقِينِ والإلْهامِ وقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الأسْماءَ ولَمْ يَكُنْ آدَمُ قارِئًا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ: وعَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ لِتَأْكِيدِ ما يُشْعِرُ بِهِ (رَبُّكَ) مِنَ العِنايَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) وأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شَأْنٌ مَن شُئُونِ الرَّبِّ اخْتَصَّ بِها عَبْدَهُ إتْمامًا لِنِعْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ. ولِيَجْرِيَ عَلى لَفْظِ الرَّبِّ وصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) . ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) مَصُوغٌ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الِاتِّصافِ بِالكَرَمِ ولَيْسَ مَصُوغًا لِلْمُفاضَلَةِ، فَهو مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ. صفحة ٤٤٠ والكَرَمُ: التَّفَضُّلُ بِعَطاءِ ما يَنْفَعُ المُعْطى، ونِعَمُ اللَّهِ عَظِيمَةٌ لا تُحْصى، ابْتِداءً مِن نِعْمَةِ الإيجادِ وكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ والإمْدادِ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ الخَمْسُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أُصُولَ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، فَوَصْفُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ الوُجُودَ والوَحْدانِيَّةَ، ووَصْفُ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) ووَصْفُ (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) يَقْتَضِيانِ صِفاتِ الأفْعالِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ القَرِيبِ عَلى ثُبُوتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ بِما تَقْتَضِيهِ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الَّذِي يُذْكَرُ مَعَها. ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) يَتَضَمَّنُ صِفاتِ الكَمالِ والتَّنْزِيهَ عَنِ النَّقائِصِ. ومَفْعُولا (﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (﴿بِالقَلَمِ﴾) وتَقْدِيرُهُ: عَلَّمَ الكاتِبِينَ أوْ عَلَّمَ ناسًا الكِتابَةَ، وكانَ العَرَبُ يُعَظِّمُونَ عِلْمَ الكِتابَةِ ويَعُدُّونَها مِن خَصائِصِ أهْلِ الكِتابِ كَما قالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ ويَتَفاخَرُ مَن يَعْرِفُ الكِتابَةَ بِعِلْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: تَعَلَّمْتُ باجادَ وآلَ مُرامِرٍ ∗∗∗ وسَوَّدْتُ أثْوابِي ولَسْتُ بِكاتِبِ وذُكِرُ أنَّ ظُهُورَ الخَطِّ في العَرَبِ أوَّلَ ما كانَ عِنْدَ أهْلِ الأنْبارِ. وأدْخَلَ الكِتابَةَ إلى الحِجازِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ تَعَلَّمَهُ مِن أسْلَمَ بْنِ سِدْرَةَ وتَعَلَّمَهُ أسْلَمُ مِن مُرامِرِ بْنِ مُرَّةَ وكانَ الخَطُّ سابِقًا عِنْدَ حِمْيَرَ بِاليَمَنِ ويُسَمّى المُسْنَدَ. وتَخْصِيصُ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالذِّكْرِ وجَعْلِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلْإيماءِ إلى إزالَةِ ما خَطَرَ بِبالِ النَّبِيءِ ﷺ مِن تَعَذُّرِ القِراءَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ الكِتابَةَ فَكَيْفَ القِراءَةُ إذْ قالَ لِلْمَلَكِ ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ ثَلاثَ مَرّاتٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ اعْتِذارٌ عَنْ تَعَذُّرِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ) فالمَعْنى أنَّ الَّذِي عَلَّمَ النّاسَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ والقِراءَةَ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وأنْتَ لا تَعْلَمُ الكِتابَةَ. والقَلَمُ: شَظِيَّةٌ مِن قَصَبٍ تُرَقَّقُ وتُثَقَّفُ وتُبْرى بِالسِّكِّينِ لِتَكُونَ مَلْساءَ بَيْنَ الأصابِعِ ويُجْعَلُ طَرَفُها مَشْقُوقًا شَقًّا في طُولِ نِصْفِ الأُنْمُلَةِ، فَإذا بُلَّ ذَلِكَ الطَّرَفُ صفحة ٤٤١ بِسائِلِ المِدادِ يُخَطُّ بِهِ عَلى الوَرَقِ وشِبْهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، فَيَكُونُ ارْتِقاءً في الإعْلامِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَعْلِيمِ الإنْسانِ بِتَعْمِيمِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ. وقَدْ حَصَلَتْ مِن ذِكْرِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ والتَّعْلِيمِ الأعَمِّ إشارَةٌ إلى ما يَتَلَقّاهُ الإنْسانُ مِنَ التَّعالِيمِ، سَواءٌ كانَ بِالدَّرْسِ أمْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ، وأنَّ تَحْصِيلَ العُلُومِ يَعْتَمِدُ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: الأخْذُ عَنِ الغَيْرِ بِالمُراجَعَةِ والمُطالَعَةِ، وطَرِيقُهُما الكِتابَةُ وقِراءَةُ الكُتُبِ، فَإنَّ بِالكِتابَةِ أمْكَنَ لِلْأُمَمِ تَدْوِينُ آراءِ عُلَماءِ البَشَرِ ونَقْلُها إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ وفي الأجْيالِ الجائِيَةِ. والثّانِي: التَّلَقِّي مِنَ الأفْواهِ بِالدَّرْسِ والإمْلاءِ. والثّالِثُ: ما تَنْقَدِحُ بِهِ العُقُولُ مِنَ المُسْتَنْبَطاتِ والمُخْتَرَعاتِ. وهَذانِ داخِلانِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) . وفِي ذَلِكَ اطْمِئْنانٌ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ الكِتابَةَ لا يَحُولُ دُونَ قِراءَتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، فالَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ لِأصْحابِ المَعْرِفَةِ بِالكِتابَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ دُونَ سَبْقِ مَعْرِفَةٍ بِالكِتابَةِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ: (﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) أنَّ العِلْمَ مَسْبُوقٌ بِالجَهْلِ، فَكُلُّ عِلْمٍ يَحْصُلُ فَهو عِلْمُ ما لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ مِن قَبْلُ، أيْ: فَلا يُؤْيِسَنَّكَ مِن أنْ تَصِيرَ عالِمًا بِالقُرْآنِ والشَّرِيعَةِ أنَّكَ لا تَعْرِفُ قِراءَةَ ما يُكْتَبُ بِالقَلَمِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ وبِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَ النَّبِيءُ ﷺ كُتّابًا لِلْوَحْيِ مِن مَبْدَأِ بَعْثِهِ. وفِي الِاقْتِصارِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِراءَةِ ثُمَّ إخْبارِهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ صفحة ٤٤٢ بِالقَلَمِ إيماءٌ إلى اسْتِمْرارِ صِفَةِ الأُمِّيَّةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّها وصْفٌ مُكَمِّلٌ لِإعْجازِ القُرْآنِ قالَ تَعالى: (﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]) . وهَذِهِ آخِرُ الخَمْسِ الآياتِ الَّتِي هي أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في غارِ حِراءٍ.

العلق 96:4

﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) فَلَها حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ، و(رَبُّكَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ إمّا (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) وإمّا جُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) وهَذا الِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ. فَإذا نَظَرْتَ إلى الآيَةِ مُسْتَقِلَّةً عَمّا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عائِشَةَ في وصْفِ سَبَبِ نُزُولِها كانَ الِاسْتِئْنافُ ناشِئًا عَنْ سُؤالٍ يَجِيشُ في خاطِرِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ أقْرَأُ وأنا لا أُحْسِنُ القِراءَةَ والكِتابَةَ، فَأُجِيبُ بِأنَّ الَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ بِواسِطَةِ القَلَمِ، أيْ: بِواسِطَةِ الكِتابَةِ يُعَلِّمُكَ ما لَمْ تَعْلَمْ. وإذا قَرَنْتَ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ كانَ الِاسْتِئْنافُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ لِجِبْرِيلَ: ”ما أنا بِقارِئٍ“ فالمَعْنى: لا عَجَبَ في أنْ تَقْرَأ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ عالِمًا بِالقِراءَةِ، إذِ العِلْمُ بِالقِراءَةِ يَحْصُلُ بِوَسائِلَ أُخْرى مِثْلَ الإمْلاءِ والتَّلْقِينِ والإلْهامِ وقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الأسْماءَ ولَمْ يَكُنْ آدَمُ قارِئًا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ: وعَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ لِتَأْكِيدِ ما يُشْعِرُ بِهِ (رَبُّكَ) مِنَ العِنايَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) وأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شَأْنٌ مَن شُئُونِ الرَّبِّ اخْتَصَّ بِها عَبْدَهُ إتْمامًا لِنِعْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ. ولِيَجْرِيَ عَلى لَفْظِ الرَّبِّ وصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) . ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) مَصُوغٌ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الِاتِّصافِ بِالكَرَمِ ولَيْسَ مَصُوغًا لِلْمُفاضَلَةِ، فَهو مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ. صفحة ٤٤٠ والكَرَمُ: التَّفَضُّلُ بِعَطاءِ ما يَنْفَعُ المُعْطى، ونِعَمُ اللَّهِ عَظِيمَةٌ لا تُحْصى، ابْتِداءً مِن نِعْمَةِ الإيجادِ وكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ والإمْدادِ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ الخَمْسُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أُصُولَ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، فَوَصْفُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ الوُجُودَ والوَحْدانِيَّةَ، ووَصْفُ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) ووَصْفُ (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) يَقْتَضِيانِ صِفاتِ الأفْعالِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ القَرِيبِ عَلى ثُبُوتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ بِما تَقْتَضِيهِ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الَّذِي يُذْكَرُ مَعَها. ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) يَتَضَمَّنُ صِفاتِ الكَمالِ والتَّنْزِيهَ عَنِ النَّقائِصِ. ومَفْعُولا (﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (﴿بِالقَلَمِ﴾) وتَقْدِيرُهُ: عَلَّمَ الكاتِبِينَ أوْ عَلَّمَ ناسًا الكِتابَةَ، وكانَ العَرَبُ يُعَظِّمُونَ عِلْمَ الكِتابَةِ ويَعُدُّونَها مِن خَصائِصِ أهْلِ الكِتابِ كَما قالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ ويَتَفاخَرُ مَن يَعْرِفُ الكِتابَةَ بِعِلْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: تَعَلَّمْتُ باجادَ وآلَ مُرامِرٍ ∗∗∗ وسَوَّدْتُ أثْوابِي ولَسْتُ بِكاتِبِ وذُكِرُ أنَّ ظُهُورَ الخَطِّ في العَرَبِ أوَّلَ ما كانَ عِنْدَ أهْلِ الأنْبارِ. وأدْخَلَ الكِتابَةَ إلى الحِجازِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ تَعَلَّمَهُ مِن أسْلَمَ بْنِ سِدْرَةَ وتَعَلَّمَهُ أسْلَمُ مِن مُرامِرِ بْنِ مُرَّةَ وكانَ الخَطُّ سابِقًا عِنْدَ حِمْيَرَ بِاليَمَنِ ويُسَمّى المُسْنَدَ. وتَخْصِيصُ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالذِّكْرِ وجَعْلِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلْإيماءِ إلى إزالَةِ ما خَطَرَ بِبالِ النَّبِيءِ ﷺ مِن تَعَذُّرِ القِراءَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ الكِتابَةَ فَكَيْفَ القِراءَةُ إذْ قالَ لِلْمَلَكِ ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ ثَلاثَ مَرّاتٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ اعْتِذارٌ عَنْ تَعَذُّرِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ) فالمَعْنى أنَّ الَّذِي عَلَّمَ النّاسَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ والقِراءَةَ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وأنْتَ لا تَعْلَمُ الكِتابَةَ. والقَلَمُ: شَظِيَّةٌ مِن قَصَبٍ تُرَقَّقُ وتُثَقَّفُ وتُبْرى بِالسِّكِّينِ لِتَكُونَ مَلْساءَ بَيْنَ الأصابِعِ ويُجْعَلُ طَرَفُها مَشْقُوقًا شَقًّا في طُولِ نِصْفِ الأُنْمُلَةِ، فَإذا بُلَّ ذَلِكَ الطَّرَفُ صفحة ٤٤١ بِسائِلِ المِدادِ يُخَطُّ بِهِ عَلى الوَرَقِ وشِبْهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، فَيَكُونُ ارْتِقاءً في الإعْلامِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَعْلِيمِ الإنْسانِ بِتَعْمِيمِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ. وقَدْ حَصَلَتْ مِن ذِكْرِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ والتَّعْلِيمِ الأعَمِّ إشارَةٌ إلى ما يَتَلَقّاهُ الإنْسانُ مِنَ التَّعالِيمِ، سَواءٌ كانَ بِالدَّرْسِ أمْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ، وأنَّ تَحْصِيلَ العُلُومِ يَعْتَمِدُ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: الأخْذُ عَنِ الغَيْرِ بِالمُراجَعَةِ والمُطالَعَةِ، وطَرِيقُهُما الكِتابَةُ وقِراءَةُ الكُتُبِ، فَإنَّ بِالكِتابَةِ أمْكَنَ لِلْأُمَمِ تَدْوِينُ آراءِ عُلَماءِ البَشَرِ ونَقْلُها إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ وفي الأجْيالِ الجائِيَةِ. والثّانِي: التَّلَقِّي مِنَ الأفْواهِ بِالدَّرْسِ والإمْلاءِ. والثّالِثُ: ما تَنْقَدِحُ بِهِ العُقُولُ مِنَ المُسْتَنْبَطاتِ والمُخْتَرَعاتِ. وهَذانِ داخِلانِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) . وفِي ذَلِكَ اطْمِئْنانٌ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ الكِتابَةَ لا يَحُولُ دُونَ قِراءَتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، فالَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ لِأصْحابِ المَعْرِفَةِ بِالكِتابَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ دُونَ سَبْقِ مَعْرِفَةٍ بِالكِتابَةِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ: (﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) أنَّ العِلْمَ مَسْبُوقٌ بِالجَهْلِ، فَكُلُّ عِلْمٍ يَحْصُلُ فَهو عِلْمُ ما لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ مِن قَبْلُ، أيْ: فَلا يُؤْيِسَنَّكَ مِن أنْ تَصِيرَ عالِمًا بِالقُرْآنِ والشَّرِيعَةِ أنَّكَ لا تَعْرِفُ قِراءَةَ ما يُكْتَبُ بِالقَلَمِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ وبِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَ النَّبِيءُ ﷺ كُتّابًا لِلْوَحْيِ مِن مَبْدَأِ بَعْثِهِ. وفِي الِاقْتِصارِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِراءَةِ ثُمَّ إخْبارِهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ صفحة ٤٤٢ بِالقَلَمِ إيماءٌ إلى اسْتِمْرارِ صِفَةِ الأُمِّيَّةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّها وصْفٌ مُكَمِّلٌ لِإعْجازِ القُرْآنِ قالَ تَعالى: (﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]) . وهَذِهِ آخِرُ الخَمْسِ الآياتِ الَّتِي هي أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في غارِ حِراءٍ.

العلق 96:5

﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) فَلَها حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ، و(رَبُّكَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ إمّا (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) وإمّا جُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) وهَذا الِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ. فَإذا نَظَرْتَ إلى الآيَةِ مُسْتَقِلَّةً عَمّا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عائِشَةَ في وصْفِ سَبَبِ نُزُولِها كانَ الِاسْتِئْنافُ ناشِئًا عَنْ سُؤالٍ يَجِيشُ في خاطِرِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ أقْرَأُ وأنا لا أُحْسِنُ القِراءَةَ والكِتابَةَ، فَأُجِيبُ بِأنَّ الَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ بِواسِطَةِ القَلَمِ، أيْ: بِواسِطَةِ الكِتابَةِ يُعَلِّمُكَ ما لَمْ تَعْلَمْ. وإذا قَرَنْتَ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ كانَ الِاسْتِئْنافُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ لِجِبْرِيلَ: ”ما أنا بِقارِئٍ“ فالمَعْنى: لا عَجَبَ في أنْ تَقْرَأ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ عالِمًا بِالقِراءَةِ، إذِ العِلْمُ بِالقِراءَةِ يَحْصُلُ بِوَسائِلَ أُخْرى مِثْلَ الإمْلاءِ والتَّلْقِينِ والإلْهامِ وقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الأسْماءَ ولَمْ يَكُنْ آدَمُ قارِئًا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ: وعَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ لِتَأْكِيدِ ما يُشْعِرُ بِهِ (رَبُّكَ) مِنَ العِنايَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) وأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شَأْنٌ مَن شُئُونِ الرَّبِّ اخْتَصَّ بِها عَبْدَهُ إتْمامًا لِنِعْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ. ولِيَجْرِيَ عَلى لَفْظِ الرَّبِّ وصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) . ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) مَصُوغٌ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الِاتِّصافِ بِالكَرَمِ ولَيْسَ مَصُوغًا لِلْمُفاضَلَةِ، فَهو مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ. صفحة ٤٤٠ والكَرَمُ: التَّفَضُّلُ بِعَطاءِ ما يَنْفَعُ المُعْطى، ونِعَمُ اللَّهِ عَظِيمَةٌ لا تُحْصى، ابْتِداءً مِن نِعْمَةِ الإيجادِ وكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ والإمْدادِ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ الخَمْسُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أُصُولَ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، فَوَصْفُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ الوُجُودَ والوَحْدانِيَّةَ، ووَصْفُ (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) ووَصْفُ (﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) يَقْتَضِيانِ صِفاتِ الأفْعالِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ القَرِيبِ عَلى ثُبُوتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ بِما تَقْتَضِيهِ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الَّذِي يُذْكَرُ مَعَها. ووَصْفُ (﴿الأكْرَمُ﴾) يَتَضَمَّنُ صِفاتِ الكَمالِ والتَّنْزِيهَ عَنِ النَّقائِصِ. ومَفْعُولا (﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾) مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (﴿بِالقَلَمِ﴾) وتَقْدِيرُهُ: عَلَّمَ الكاتِبِينَ أوْ عَلَّمَ ناسًا الكِتابَةَ، وكانَ العَرَبُ يُعَظِّمُونَ عِلْمَ الكِتابَةِ ويَعُدُّونَها مِن خَصائِصِ أهْلِ الكِتابِ كَما قالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ ويَتَفاخَرُ مَن يَعْرِفُ الكِتابَةَ بِعِلْمِهِ، وقالَ الشّاعِرُ: تَعَلَّمْتُ باجادَ وآلَ مُرامِرٍ ∗∗∗ وسَوَّدْتُ أثْوابِي ولَسْتُ بِكاتِبِ وذُكِرُ أنَّ ظُهُورَ الخَطِّ في العَرَبِ أوَّلَ ما كانَ عِنْدَ أهْلِ الأنْبارِ. وأدْخَلَ الكِتابَةَ إلى الحِجازِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ تَعَلَّمَهُ مِن أسْلَمَ بْنِ سِدْرَةَ وتَعَلَّمَهُ أسْلَمُ مِن مُرامِرِ بْنِ مُرَّةَ وكانَ الخَطُّ سابِقًا عِنْدَ حِمْيَرَ بِاليَمَنِ ويُسَمّى المُسْنَدَ. وتَخْصِيصُ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالذِّكْرِ وجَعْلِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلْإيماءِ إلى إزالَةِ ما خَطَرَ بِبالِ النَّبِيءِ ﷺ مِن تَعَذُّرِ القِراءَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ الكِتابَةَ فَكَيْفَ القِراءَةُ إذْ قالَ لِلْمَلَكِ ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ ثَلاثَ مَرّاتٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما أنا بِقارِئٍ» “ اعْتِذارٌ عَنْ تَعَذُّرِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: (اقْرَأْ) فالمَعْنى أنَّ الَّذِي عَلَّمَ النّاسَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ والقِراءَةَ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وأنْتَ لا تَعْلَمُ الكِتابَةَ. والقَلَمُ: شَظِيَّةٌ مِن قَصَبٍ تُرَقَّقُ وتُثَقَّفُ وتُبْرى بِالسِّكِّينِ لِتَكُونَ مَلْساءَ بَيْنَ الأصابِعِ ويُجْعَلُ طَرَفُها مَشْقُوقًا شَقًّا في طُولِ نِصْفِ الأُنْمُلَةِ، فَإذا بُلَّ ذَلِكَ الطَّرَفُ صفحة ٤٤١ بِسائِلِ المِدادِ يُخَطُّ بِهِ عَلى الوَرَقِ وشِبْهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وتَعْرِيفُ (الإنْسانَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، فَيَكُونُ ارْتِقاءً في الإعْلامِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَعْلِيمِ الإنْسانِ بِتَعْمِيمِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ. وقَدْ حَصَلَتْ مِن ذِكْرِ التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ والتَّعْلِيمِ الأعَمِّ إشارَةٌ إلى ما يَتَلَقّاهُ الإنْسانُ مِنَ التَّعالِيمِ، سَواءٌ كانَ بِالدَّرْسِ أمْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ، وأنَّ تَحْصِيلَ العُلُومِ يَعْتَمِدُ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: الأخْذُ عَنِ الغَيْرِ بِالمُراجَعَةِ والمُطالَعَةِ، وطَرِيقُهُما الكِتابَةُ وقِراءَةُ الكُتُبِ، فَإنَّ بِالكِتابَةِ أمْكَنَ لِلْأُمَمِ تَدْوِينُ آراءِ عُلَماءِ البَشَرِ ونَقْلُها إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ وفي الأجْيالِ الجائِيَةِ. والثّانِي: التَّلَقِّي مِنَ الأفْواهِ بِالدَّرْسِ والإمْلاءِ. والثّالِثُ: ما تَنْقَدِحُ بِهِ العُقُولُ مِنَ المُسْتَنْبَطاتِ والمُخْتَرَعاتِ. وهَذانِ داخِلانِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) . وفِي ذَلِكَ اطْمِئْنانٌ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ الكِتابَةَ لا يَحُولُ دُونَ قِراءَتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، فالَّذِي عَلَّمَ القِراءَةَ لِأصْحابِ المَعْرِفَةِ بِالكِتابَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ دُونَ سَبْقِ مَعْرِفَةٍ بِالكِتابَةِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ: (﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾) أنَّ العِلْمَ مَسْبُوقٌ بِالجَهْلِ، فَكُلُّ عِلْمٍ يَحْصُلُ فَهو عِلْمُ ما لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ مِن قَبْلُ، أيْ: فَلا يُؤْيِسَنَّكَ مِن أنْ تَصِيرَ عالِمًا بِالقُرْآنِ والشَّرِيعَةِ أنَّكَ لا تَعْرِفُ قِراءَةَ ما يُكْتَبُ بِالقَلَمِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ وبِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَ النَّبِيءُ ﷺ كُتّابًا لِلْوَحْيِ مِن مَبْدَأِ بَعْثِهِ. وفِي الِاقْتِصارِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِراءَةِ ثُمَّ إخْبارِهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الإنْسانَ صفحة ٤٤٢ بِالقَلَمِ إيماءٌ إلى اسْتِمْرارِ صِفَةِ الأُمِّيَّةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّها وصْفٌ مُكَمِّلٌ لِإعْجازِ القُرْآنِ قالَ تَعالى: (﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]) . وهَذِهِ آخِرُ الخَمْسِ الآياتِ الَّتِي هي أوَّلُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في غارِ حِراءٍ.

العلق 96:6

﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ. وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» . صفحة ٤٤٣ وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) . واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ. وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] صفحة ٤٤٤ يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ. والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ. والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ. وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا. وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، صفحة ٤٤٥ وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ. ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ. وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي. صفحة ٤٤٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها. والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى. وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ . و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً. و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] . صفحة ٤٤٧ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] . والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ. والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ. والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى. والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.

العلق 96:7

﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ. وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» . صفحة ٤٤٣ وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) . واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ. وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] صفحة ٤٤٤ يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ. والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ. والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ. وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا. وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، صفحة ٤٤٥ وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ. ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ. وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي. صفحة ٤٤٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها. والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى. وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ . و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً. و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] . صفحة ٤٤٧ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] . والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ. والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ. والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى. والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.

العلق 96:8

﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ. وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» . صفحة ٤٤٣ وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) . واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ. وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] صفحة ٤٤٤ يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ. والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ. والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ. وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا. وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، صفحة ٤٤٥ وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ. ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ. وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي. صفحة ٤٤٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها. والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى. وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ . و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً. و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] . صفحة ٤٤٧ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] . والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ. والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ. والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى. والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.

العلق 96:9

﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ. وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» . صفحة ٤٤٣ وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) . واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ. وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] صفحة ٤٤٤ يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ. والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ. والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ. وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا. وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، صفحة ٤٤٥ وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ. ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ. وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي. صفحة ٤٤٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها. والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى. وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ . و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً. و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] . صفحة ٤٤٧ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] . والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ. والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ. والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى. والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.

العلق 96:10

﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ. وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» . صفحة ٤٤٣ وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) . ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) . واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ. وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] صفحة ٤٤٤ يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ. والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ. والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ. وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا. وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، صفحة ٤٤٥ وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ. فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ. ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ. وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي. صفحة ٤٤٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها. والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى. وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ . و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً. و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] . صفحة ٤٤٧ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] . والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ. والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ. والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى. والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.

العلق 96:11

﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ . تَعْجِيبٌ آخَرُ مِن حالِ المَفْرُوضِ وُقُوعُهُ، أيْ: أتَظُنُّهُ يَنْهى أيْضًا عَبْدًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الهُدى فَتَعْجَبُ مِن نَهْيِهِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كانَ العَبْدُ عَلى الهُدى أيَنْهاهُ عَنِ الهُدى، أوْ إنْ كانَ العَبْدُ آمِرًا بِالتَّقْوى أيَنْهاهُ عَنْ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ هو الظَّنُّ بِهِ فَيَعْجَبُ المُخاطَبُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ وهي قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ فَقَدْ نَهى عَنِ الهُدى، ويُوشِكُ أنْ يَنْهى عَنْ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا بِالتَّقْوى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وأتى بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي الغالِبُ فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُجاراةً لِحالِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا. صفحة ٤٤٨ والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ، وحُذِفَ مَفْعُولا فِعْلِ الرُّؤْيَةِ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ودَلالَةِ يَنْهى عَلى المَفْعُولِ الثّانِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى بِحَيْثُ يُشْبِهُ تَمَكُّنُ المُسْتَعْلِي عَلى المَكانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . فالضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ في فِعْلَيْ ﴿كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ عائِدانِ إلى ”عَبْدًا“ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ الحافَّةُ بِهِ عائِدَةٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] . فَإنَّ السِّياقَ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا والمَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أوْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَنْهى المُتَقَدِّمَ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ. وجَوابُ ﴿إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَنْهاهُ أيْضًا. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ فِيها تَكْرِيرَ التَّعْجِيبِ مِن أحْوالٍ عَدِيدَةٍ لِشَخْصٍ واحِدٍ.

العلق 96:12

﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ . تَعْجِيبٌ آخَرُ مِن حالِ المَفْرُوضِ وُقُوعُهُ، أيْ: أتَظُنُّهُ يَنْهى أيْضًا عَبْدًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الهُدى فَتَعْجَبُ مِن نَهْيِهِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كانَ العَبْدُ عَلى الهُدى أيَنْهاهُ عَنِ الهُدى، أوْ إنْ كانَ العَبْدُ آمِرًا بِالتَّقْوى أيَنْهاهُ عَنْ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ هو الظَّنُّ بِهِ فَيَعْجَبُ المُخاطَبُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ وهي قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ فَقَدْ نَهى عَنِ الهُدى، ويُوشِكُ أنْ يَنْهى عَنْ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا بِالتَّقْوى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وأتى بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي الغالِبُ فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُجاراةً لِحالِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا. صفحة ٤٤٨ والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ، وحُذِفَ مَفْعُولا فِعْلِ الرُّؤْيَةِ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ودَلالَةِ يَنْهى عَلى المَفْعُولِ الثّانِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى بِحَيْثُ يُشْبِهُ تَمَكُّنُ المُسْتَعْلِي عَلى المَكانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . فالضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ في فِعْلَيْ ﴿كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ عائِدانِ إلى ”عَبْدًا“ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ الحافَّةُ بِهِ عائِدَةٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] . فَإنَّ السِّياقَ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا والمَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أوْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَنْهى المُتَقَدِّمَ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ. وجَوابُ ﴿إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَنْهاهُ أيْضًا. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ فِيها تَكْرِيرَ التَّعْجِيبِ مِن أحْوالٍ عَدِيدَةٍ لِشَخْصٍ واحِدٍ.

العلق 96:13

﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي؛ أيْ: إذا كَذَّبَ بِما يُدْعى إلَيْهِ وتَوَلّى أتَظُنُّهُ غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ. فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كَذَّبَ. . . إلى آخِرِهِ. وجَوابُ ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ هو ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ كَذا قَدَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُوبَ اقْتِرانِ جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ بِالفاءِ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِفْهامِيَّةً. وصَرَّحَ الرَّضِيُّ بِاخْتِيارِ عَدَمِ اشْتِراطِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ ونَظَرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] فَأمّا قَوْلُ جُمْهُورِ النُّحاةِ والزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ فَهو وُجُوبُ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ، وعَلى قَوْلِهِمْ صفحة ٤٤٩ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾، والتَّقْدِيرُ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى فاللَّهُ عالِمٌ بِهِ، كِنايَةٌ عَنْ تَوَعُّدِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْكارِ جَهْلِ المُكَذِّبِ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعاقِبُهُ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ سادّانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي. وكُنِّيَ بِأنَّ اللَّهَ يَرى عَنِ الوَعِيدِ بِالعِقابِ. وضُمِّنَ فِعْلُ (يَعْلَمْ) مَعْنى يُوقِنُ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ. وعُلِّقَ فِعْلُ أرَأيْتَ هُنا عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ . والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ: كانَ حَقُّهُ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ ويَقِيَ نَفْسَهُ العِقابَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ إيذانٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ أبا جَهْلٍ سَيُكَذِّبُهُ حِينَ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ وسَيَتَوَلّى، ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَصِفُ لَهُ مِنهُ. وضَمِيرُ ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] وقَرِينَةُ المَقامِ تُرْجِعُ الضَّمائِرَ إلى مَراجِعِها المُخْتَلِفَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ كَذَّبَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كَذَّبَهُ، أيِ: العَبْدُ الَّذِي صَلّى، وبِذَلِكَ انْتَظَمَتِ الجُمَلُ الثَّلاثُ في نِسْبَةِ مَعانِيها إلى الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وإلى العَبْدِ الَّذِي صَلّى، وانْدَفَعَتْ عَنْكَ تَرَدُّداتٌ عَرَضَتْ في التَّفاسِيرِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَرى لِيَعُمَّ كُلَّ مَوْجُودٍ؛ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ المُسْنَدَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَحْسُوساتِ. كَلّا. أكَّدَ الرَّدْعَ الأوَّلَ بِحَرْفِ الرَّدْعِ الثّانِي وفي آخِرِ الجُمْلَةِ وهو المَوْقِعُ الحَقِيقُ لِحَرْفِ الرَّدْعِ، إذْ كانَ تَقْدِيمُ نَظِيرِهِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ، لِما دَعا إلَيْهِ لِمَقامٍ مِنَ التَّشْوِيقِ.

العلق 96:14

﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي؛ أيْ: إذا كَذَّبَ بِما يُدْعى إلَيْهِ وتَوَلّى أتَظُنُّهُ غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ. فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كَذَّبَ. . . إلى آخِرِهِ. وجَوابُ ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ هو ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ كَذا قَدَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُوبَ اقْتِرانِ جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ بِالفاءِ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِفْهامِيَّةً. وصَرَّحَ الرَّضِيُّ بِاخْتِيارِ عَدَمِ اشْتِراطِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ ونَظَرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] فَأمّا قَوْلُ جُمْهُورِ النُّحاةِ والزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ فَهو وُجُوبُ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ، وعَلى قَوْلِهِمْ صفحة ٤٤٩ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾، والتَّقْدِيرُ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى فاللَّهُ عالِمٌ بِهِ، كِنايَةٌ عَنْ تَوَعُّدِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْكارِ جَهْلِ المُكَذِّبِ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعاقِبُهُ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ سادّانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي. وكُنِّيَ بِأنَّ اللَّهَ يَرى عَنِ الوَعِيدِ بِالعِقابِ. وضُمِّنَ فِعْلُ (يَعْلَمْ) مَعْنى يُوقِنُ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ. وعُلِّقَ فِعْلُ أرَأيْتَ هُنا عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ . والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ: كانَ حَقُّهُ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ ويَقِيَ نَفْسَهُ العِقابَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ إيذانٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ أبا جَهْلٍ سَيُكَذِّبُهُ حِينَ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ وسَيَتَوَلّى، ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَصِفُ لَهُ مِنهُ. وضَمِيرُ ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] وقَرِينَةُ المَقامِ تُرْجِعُ الضَّمائِرَ إلى مَراجِعِها المُخْتَلِفَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ كَذَّبَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كَذَّبَهُ، أيِ: العَبْدُ الَّذِي صَلّى، وبِذَلِكَ انْتَظَمَتِ الجُمَلُ الثَّلاثُ في نِسْبَةِ مَعانِيها إلى الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وإلى العَبْدِ الَّذِي صَلّى، وانْدَفَعَتْ عَنْكَ تَرَدُّداتٌ عَرَضَتْ في التَّفاسِيرِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَرى لِيَعُمَّ كُلَّ مَوْجُودٍ؛ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ المُسْنَدَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَحْسُوساتِ. كَلّا. أكَّدَ الرَّدْعَ الأوَّلَ بِحَرْفِ الرَّدْعِ الثّانِي وفي آخِرِ الجُمْلَةِ وهو المَوْقِعُ الحَقِيقُ لِحَرْفِ الرَّدْعِ، إذْ كانَ تَقْدِيمُ نَظِيرِهِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ، لِما دَعا إلَيْهِ لِمَقامٍ مِنَ التَّشْوِيقِ.

العلق 96:15

صفحة ٤٥٠ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ أعْقَبَ الرَّدْعَ بِالوَعِيدِ عَلى فِعْلِهِ إذا لَمْ يَرْتَدِعْ ويَنْتَهِ عَنْهُ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ؛ وجُمْلَةُ لَنَسْفَعَنْ جَوابُ القَسَمِ وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ الشَّدِيدُ بِجَذْبٍ. والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ شَعَرِ الرَّأْسِ، والأخْذُ مِنَ النّاصِيَةِ أخْذُ مَن لا يَتْرُكُ لَهُ تَمَكُّنٌ مِنَ الِانْفِلاتِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ أخْذِهِ إلى العَذابِ وفِيهِ إذْلالٌ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَقْبِضُونَ عَلى شَعَرِ رَأْسِ أحَدٍ إلّا لِضَرْبِهِ أوْ لِجَرِّهِ. وأكَّدَ ذَلِكَ السَّفْعَ بِالباءِ المَزِيدَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ. والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ الَّتِي يَكْثُرُ دُخُولُها في القَسَمِ المُثْبَتِ، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا رَعْيًا لِلنُّطْقِ لَها في الوَقْفِ؛ لِأنَّ أواخِرَ الكَلِمِ أكْثَرُ ما تُرْسَمُ عَلى مُراعاةِ النُّطْقِ في الوَقْفِ. والتَّعْرِيفُ في النّاصِيَةِ لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ، أيْ: بِناصِيَتِهِ، أيْ ناصِيَةِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي يُسَمِّيها نُحاةُ الكُوفَةِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهي تَسْمِيَةٌ حَسَنَةٌ وإنْ أباها البَصْرِيُّونَ فَقَدَّرُوا في مَثَلِهِ مُتَعَلِّقًا لِمَدْخُولِ اللّامِ. و(ناصِيَةٍ) بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وتَنْكِيرُها لِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أيْ: هي مِن جِنْسِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ. و(خاطِئَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ مِن بابِ عَلِمَ، إذا فَعَلَ خَطِيئَةً، أيْ: ذَنْبًا. ووَصْفُ النّاصِيَةِ بِالكاذِبَةِ والخاطِئَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمُرادُ: كاذِبٌ صاحِبُها خاطِئٌ صاحِبُها، أيْ: آثِمٌ. ومُحَسِّنُ هَذا المَجازِ أنَّ فِيهِ تَخْيِيلًا بِأنَّ الكَذِبَ والخَطَأ بادِيانِ مِن ناصِيَتِهِ فَكانَتِ النّاصِيَةُ جَدِيرَةً بِالسَّفْعِ.

العلق 96:16

صفحة ٤٥٠ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ أعْقَبَ الرَّدْعَ بِالوَعِيدِ عَلى فِعْلِهِ إذا لَمْ يَرْتَدِعْ ويَنْتَهِ عَنْهُ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ؛ وجُمْلَةُ لَنَسْفَعَنْ جَوابُ القَسَمِ وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ الشَّدِيدُ بِجَذْبٍ. والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ شَعَرِ الرَّأْسِ، والأخْذُ مِنَ النّاصِيَةِ أخْذُ مَن لا يَتْرُكُ لَهُ تَمَكُّنٌ مِنَ الِانْفِلاتِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ أخْذِهِ إلى العَذابِ وفِيهِ إذْلالٌ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَقْبِضُونَ عَلى شَعَرِ رَأْسِ أحَدٍ إلّا لِضَرْبِهِ أوْ لِجَرِّهِ. وأكَّدَ ذَلِكَ السَّفْعَ بِالباءِ المَزِيدَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ. والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ الَّتِي يَكْثُرُ دُخُولُها في القَسَمِ المُثْبَتِ، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا رَعْيًا لِلنُّطْقِ لَها في الوَقْفِ؛ لِأنَّ أواخِرَ الكَلِمِ أكْثَرُ ما تُرْسَمُ عَلى مُراعاةِ النُّطْقِ في الوَقْفِ. والتَّعْرِيفُ في النّاصِيَةِ لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ، أيْ: بِناصِيَتِهِ، أيْ ناصِيَةِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي يُسَمِّيها نُحاةُ الكُوفَةِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهي تَسْمِيَةٌ حَسَنَةٌ وإنْ أباها البَصْرِيُّونَ فَقَدَّرُوا في مَثَلِهِ مُتَعَلِّقًا لِمَدْخُولِ اللّامِ. و(ناصِيَةٍ) بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وتَنْكِيرُها لِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أيْ: هي مِن جِنْسِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ. و(خاطِئَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ مِن بابِ عَلِمَ، إذا فَعَلَ خَطِيئَةً، أيْ: ذَنْبًا. ووَصْفُ النّاصِيَةِ بِالكاذِبَةِ والخاطِئَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمُرادُ: كاذِبٌ صاحِبُها خاطِئٌ صاحِبُها، أيْ: آثِمٌ. ومُحَسِّنُ هَذا المَجازِ أنَّ فِيهِ تَخْيِيلًا بِأنَّ الكَذِبَ والخَطَأ بادِيانِ مِن ناصِيَتِهِ فَكانَتِ النّاصِيَةُ جَدِيرَةً بِالسَّفْعِ.

العلق 96:17

صفحة ٤٥١ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ ﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] . تَفْرِيعٌ عَلى الوَعْدِ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ فَمَرَّ بِهِ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ وتَوَعَّدَهُ، فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مُحَمَّدُ، بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ أما واللَّهِ إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»﴾ يَعْنِي أنَّ أبا جَهْلٍ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَهْدِيدَ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ يُغْرِي عَلَيْهِ أهْلَ نادِيهِ. والنّادِي: اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ القَوْمُ، يُقالُ: نَدا القَوْمُ نَدْوًا، إذا اجْتَمَعُوا. والنَّدْوَةُ بِفَتْحِ النُّونِ الجَماعَةُ، ويُقالُ: نادٍ ونَدِيٌّ، ولا يُطْلِقُ هَذا الِاسْمُ عَلى المَكانِ إلّا إذا كانَ القَوْمُ مُجْتَمِعِينَ فِيهِ فَإذا تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَلَيْسَ بِنادٍ، ويُقالُ النّادِي لِمَجْلِسِ القَوْمِ نَهارًا؛ فَأمّا مَجْلِسُهم في اللَّيْلِ فَيُسَمّى المُسامَرَ قالَ تَعالى: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . واتَّخَذَ قُصَيٌّ لِنَدْوَةِ قُرَيْشٍ دارًا تُسَمّى دارَ النَّدْوَةِ حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وجَعَلَها لِتَشاوُرِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ وفِيها يُعْقَدُ عَلى الأزْواجِ، وفِيها تَتَدَرَّعُ الجَوارِي، أيْ: يُلْبِسُوهُنَّ الدُّرُوعَ، أيِ: الأقْمِصَةَ إعْلانًا بِأنَّهُنَّ قارَبْنَ سِنَّ البُلُوغِ، وهَذِهِ الدّارُ كانَتِ اشْتَرَتْها الخَيْزُرانُ زَوْجَةُ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ وأدْخَلَتْها في ساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأُدْخِلَ بَعْضُها في المَسْجِدِ الحَرامِ في زِيادَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وبَعْضُها في زِيادَةِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، وبَقِيَتْ بَقِيَّتُها بَيْتًا مُسْتَقِلًّا ونَزَلَ بِهِ المَهْدِيُّ سَنَةَ ١٦٠ في مُدَّةِ خِلافَةِ المُعْتَضِدِ بِاللَّهِ العَبّاسِيِّ لَمّا زادَ في المَسْجِدِ الحَرامِ جُعِلَ مَكانَ دارِ النَّدْوَةِ مَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِالمَسْجِدِ الحَرامِ فاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ هُدِمَ وأُدْخِلَتْ مِساحَتُهُ في مِساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ في الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها المَلِكُ سُعُودُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مَلِكُ الحِجازِ ونَجْدٍ سَنَةَ ١٣٧٩ . ويُطْلَقُ النّادِي عَلى الَّذِينَ يَنْتَدُونَ فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، أيْ: ناسًا يَجْلِسُونَ إلَيَّ يُرِيدُ أنَّهُ رَئِيسٌ يُصْمَدُ إلَيْهِ، وهو المَعْنِيُّ هُنا. صفحة ٤٥٢ وإطْلاقُ النّادِي عَلى أهْلِهِ نَظِيرُ إطْلاقِ القَرْيَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونَظِيرُ إطْلاقِ المَجْلِسِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذِلَّةٌ سَوّاسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها وإطْلاقُ المُقامَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِ زُهَيْرٍ: وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ أيْ: أصْحابُ مَقاماتٍ حِسانٌ وُجُوهُهم. وإطْلاقُ المَجْمَعِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: إنّا إذا التَقَتِ المَجامِعُ لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ مِنّا لِزازٌ عَظِيمَةٌ جِسامُها الأبْياتِ الأرْبَعَةِ. ولامُ الأمْرِ في ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ لِلتَّعْجِيزِ؛ لِأنَّ أبا جَهْلٍ هَدَّدَ النَّبِيءَ ﷺ بِكَثْرَةِ أنْصارِهِ وهم أهْلُ نادِيهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنَّ أمْرَهُ بِدَعْوَةِ نادِيهِ؛ فَإنَّهُ إنْ دَعاهم لِيَسْطُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ دَعا اللَّهُ مَلائِكَةً فَأهْلَكُوهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّهُ تَحَدّى أبا جَهْلٍ بِهَذا، وقَدْ سَمِعَ أبُو جَهْلٍ القُرْآنَ وسَمِعَهُ أنْصارُهُ فَلَمْ يُقْدِمْ أحَدٌ مِنهم عَلى السَّطْوِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّ الكَلامَ يُلْهِبُ حَمِيَّتَهُ. وإضافَةُ النّادِي إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ويَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ قالَتْ إعْرابِيَّةٌ ”سَيِّدُ نادِيهْ، وثِمالُ عافِيهْ“ . وقَوْلُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ جَوابُ الأمْرِ التَّعْجِيزِيِّ، أيْ: فَإنْ دَعا نادِيَهُ دَعَوْنا لَهُمُ الزَّبانِيَةَ؛ فَفِعْلُ سَنَدْعُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِدُونِ واوِ وحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ. والزَّبانِيَةُ: بِفَتْحِ الزّايِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ زَبّانِي بِفَتْحِ الزّايِ وبِتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيَةٍ بِكَسْرِ الزّايِ فَمُوَحِّدَةٍ ساكِنَةٍ فَنُونٌ مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيٍّ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، مِثْلَ أبابِيلَ وعَبادِيدَ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ إذا كانَتْ تَرْكُلُ مَن يَحْلِبُها، وحَرْبٌ زَبُونٌ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا بِتَكَرُّرِ القِتالِ. صفحة ٤٥٣ فالزَّبانِيَةُ الَّذِينَ يَزْبِنُونَ النّاسَ، أيْ: يَدْفَعُونَهم بِشِدَّةٍ. والمُرادُ بِهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ويُطْلَقُ الزَّبانِيَةُ عَلى أعْوانِ الشُّرْطَةِ. و﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾، أيْ: ولَيْسَ بِفاعِلٍ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِلتَّحَدِّي والتَّعْجِيزِ. وكُتِبَ (سَنَدْعُ) في المُصْحَفِ بِدُونِ واوٍ بَعْدَ العَيْنِ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مَحَلَّ وقْفٍ ولا فاصِلَةٍ.

العلق 96:18

صفحة ٤٥١ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ ﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] . تَفْرِيعٌ عَلى الوَعْدِ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ فَمَرَّ بِهِ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ وتَوَعَّدَهُ، فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مُحَمَّدُ، بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ أما واللَّهِ إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»﴾ يَعْنِي أنَّ أبا جَهْلٍ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَهْدِيدَ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ يُغْرِي عَلَيْهِ أهْلَ نادِيهِ. والنّادِي: اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ القَوْمُ، يُقالُ: نَدا القَوْمُ نَدْوًا، إذا اجْتَمَعُوا. والنَّدْوَةُ بِفَتْحِ النُّونِ الجَماعَةُ، ويُقالُ: نادٍ ونَدِيٌّ، ولا يُطْلِقُ هَذا الِاسْمُ عَلى المَكانِ إلّا إذا كانَ القَوْمُ مُجْتَمِعِينَ فِيهِ فَإذا تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَلَيْسَ بِنادٍ، ويُقالُ النّادِي لِمَجْلِسِ القَوْمِ نَهارًا؛ فَأمّا مَجْلِسُهم في اللَّيْلِ فَيُسَمّى المُسامَرَ قالَ تَعالى: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . واتَّخَذَ قُصَيٌّ لِنَدْوَةِ قُرَيْشٍ دارًا تُسَمّى دارَ النَّدْوَةِ حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وجَعَلَها لِتَشاوُرِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ وفِيها يُعْقَدُ عَلى الأزْواجِ، وفِيها تَتَدَرَّعُ الجَوارِي، أيْ: يُلْبِسُوهُنَّ الدُّرُوعَ، أيِ: الأقْمِصَةَ إعْلانًا بِأنَّهُنَّ قارَبْنَ سِنَّ البُلُوغِ، وهَذِهِ الدّارُ كانَتِ اشْتَرَتْها الخَيْزُرانُ زَوْجَةُ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ وأدْخَلَتْها في ساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأُدْخِلَ بَعْضُها في المَسْجِدِ الحَرامِ في زِيادَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وبَعْضُها في زِيادَةِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، وبَقِيَتْ بَقِيَّتُها بَيْتًا مُسْتَقِلًّا ونَزَلَ بِهِ المَهْدِيُّ سَنَةَ ١٦٠ في مُدَّةِ خِلافَةِ المُعْتَضِدِ بِاللَّهِ العَبّاسِيِّ لَمّا زادَ في المَسْجِدِ الحَرامِ جُعِلَ مَكانَ دارِ النَّدْوَةِ مَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِالمَسْجِدِ الحَرامِ فاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ هُدِمَ وأُدْخِلَتْ مِساحَتُهُ في مِساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ في الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها المَلِكُ سُعُودُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مَلِكُ الحِجازِ ونَجْدٍ سَنَةَ ١٣٧٩ . ويُطْلَقُ النّادِي عَلى الَّذِينَ يَنْتَدُونَ فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، أيْ: ناسًا يَجْلِسُونَ إلَيَّ يُرِيدُ أنَّهُ رَئِيسٌ يُصْمَدُ إلَيْهِ، وهو المَعْنِيُّ هُنا. صفحة ٤٥٢ وإطْلاقُ النّادِي عَلى أهْلِهِ نَظِيرُ إطْلاقِ القَرْيَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونَظِيرُ إطْلاقِ المَجْلِسِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذِلَّةٌ سَوّاسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها وإطْلاقُ المُقامَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِ زُهَيْرٍ: وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ أيْ: أصْحابُ مَقاماتٍ حِسانٌ وُجُوهُهم. وإطْلاقُ المَجْمَعِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: إنّا إذا التَقَتِ المَجامِعُ لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ مِنّا لِزازٌ عَظِيمَةٌ جِسامُها الأبْياتِ الأرْبَعَةِ. ولامُ الأمْرِ في ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ لِلتَّعْجِيزِ؛ لِأنَّ أبا جَهْلٍ هَدَّدَ النَّبِيءَ ﷺ بِكَثْرَةِ أنْصارِهِ وهم أهْلُ نادِيهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنَّ أمْرَهُ بِدَعْوَةِ نادِيهِ؛ فَإنَّهُ إنْ دَعاهم لِيَسْطُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ دَعا اللَّهُ مَلائِكَةً فَأهْلَكُوهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّهُ تَحَدّى أبا جَهْلٍ بِهَذا، وقَدْ سَمِعَ أبُو جَهْلٍ القُرْآنَ وسَمِعَهُ أنْصارُهُ فَلَمْ يُقْدِمْ أحَدٌ مِنهم عَلى السَّطْوِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّ الكَلامَ يُلْهِبُ حَمِيَّتَهُ. وإضافَةُ النّادِي إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ويَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ قالَتْ إعْرابِيَّةٌ ”سَيِّدُ نادِيهْ، وثِمالُ عافِيهْ“ . وقَوْلُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ جَوابُ الأمْرِ التَّعْجِيزِيِّ، أيْ: فَإنْ دَعا نادِيَهُ دَعَوْنا لَهُمُ الزَّبانِيَةَ؛ فَفِعْلُ سَنَدْعُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِدُونِ واوِ وحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ. والزَّبانِيَةُ: بِفَتْحِ الزّايِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ زَبّانِي بِفَتْحِ الزّايِ وبِتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيَةٍ بِكَسْرِ الزّايِ فَمُوَحِّدَةٍ ساكِنَةٍ فَنُونٌ مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيٍّ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، مِثْلَ أبابِيلَ وعَبادِيدَ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ إذا كانَتْ تَرْكُلُ مَن يَحْلِبُها، وحَرْبٌ زَبُونٌ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا بِتَكَرُّرِ القِتالِ. صفحة ٤٥٣ فالزَّبانِيَةُ الَّذِينَ يَزْبِنُونَ النّاسَ، أيْ: يَدْفَعُونَهم بِشِدَّةٍ. والمُرادُ بِهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ويُطْلَقُ الزَّبانِيَةُ عَلى أعْوانِ الشُّرْطَةِ. و﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾، أيْ: ولَيْسَ بِفاعِلٍ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِلتَّحَدِّي والتَّعْجِيزِ. وكُتِبَ (سَنَدْعُ) في المُصْحَفِ بِدُونِ واوٍ بَعْدَ العَيْنِ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مَحَلَّ وقْفٍ ولا فاصِلَةٍ.

العلق 96:19

﴿لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ هَذا فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، أيْ: لا تَتْرُكْ صَلاتَكَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولا تَخْشَ مِنهُ. وأُطْلِقَتِ الطّاعَةُ عَلى الحَذَرِ الباعِثِ عَلى الطّاعَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ والمَعْنى: لا تَخَفْهُ ولا تَحْذَرْهُ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ. وأكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ بِجُمْلَةِ (واسْجُدْ) اهْتِمامًا بِالصَّلاةِ. وعَطَفَ عَلَيْهِ ”واقْتَرِبْ“ لِلتَّنْوِيهِ بِما في الصَّلاةِ مِن مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ جَعَلَ المُصَلِّيَ مُقْتَرِبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. والِاقْتِرابُ: افْتِعالٌ مِنَ القُرْبِ، عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ لِما فِيها مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والتَّطَلُّبِ، أيِ: اجْتَهَدَ في القُرْبِ إلى اللَّهِ بِالصَّلاةِ. * * * صفحة ٤٥٤ صفحة ٤٥٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَدْرِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ (سُورَةَ القَدْرِ) وسَمّاها ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ وأبُو بَكْرٍ الجَصّاصُ في أحْكامِ القُرْآنِ (سُورَةَ لَيْلَةِ القَدْرِ) . وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ونَسَبَهُ القُرْطُبِيُّ إلى الأكْثَرِ. وقالَ الواقِدِيُّ: هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ويُرَجِّحُهُ أنَّ المُتَبادِرَ أنَّها تَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ في إحْياءِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَرْضِ رَمَضانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقَدْ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ الخامِسَةَ والعِشْرِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ عَبَسَ وقَبْلَ سُورَةِ الشَّمْسِ، فَأمّا قَوْلُ مَن قالُوا إنَّها مَدَنِيَّةٌ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَعْدَ المُطَفِّفِينَ وقَبْلَ البَقَرَةِ. وآياتُها خَمْسٌ في العَدَدِ المَدَنِيِّ والبَصْرِيِّ والكُوفِيِّ وسِتٌّ في العَدِّ المَكِّيِّ والشّامِيِّ. * * * التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ القُرْآنِ وعَظَمَتِهِ بِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. . . والرَّدُّ عَلى الَّذِينَ جَحَدُوا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ورَفْعُ شَأْنِ الوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ونُزُولُ المَلائِكَةِ في لَيْلَةِ إنْزالِهِ. صفحة ٤٥٦ وتَفْضِيلُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تُوافِقُ لَيْلَةَ إنْزالِهِ مِن كُلِّ عامٍ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَحْرِيرُ المُسْلِمِينَ عَلى تَحَيُّنِ لَيْلَةِ القَدْرِ بِالقِيامِ والتَّصَدُّقِ.