Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — القدر 97:1 – العاديات 100:11

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. القدر 97:1
  2. القدر 97:2
  3. القدر 97:3
  4. القدر 97:4
  5. القدر 97:5
  6. البينة 98:1
  7. البينة 98:2
  8. البينة 98:3
  9. البينة 98:4
  10. البينة 98:5
  11. البينة 98:6
  12. البينة 98:7
  13. البينة 98:8
  14. الزلزلة 99:1
  15. الزلزلة 99:2
  16. الزلزلة 99:3
  17. الزلزلة 99:4
  18. الزلزلة 99:5
  19. الزلزلة 99:6
  20. الزلزلة 99:7
  21. الزلزلة 99:8
  22. العاديات 100:1
  23. العاديات 100:2
  24. العاديات 100:3
  25. العاديات 100:4
  26. العاديات 100:5
  27. العاديات 100:6
  28. العاديات 100:7
  29. العاديات 100:8
  30. العاديات 100:9
  31. العاديات 100:10
  32. العاديات 100:11

القدر 97:1

﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَنْوِيهٍ عَظِيمٍ بِالقُرْآنِ فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِالإخْبارِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ وكِلاهُما مِن طُرُقِ التَّأْكِيدِ والتَّقَوِّي. ويُفِيدُ هَذا التَّقْدِيمُ قَصْرًا وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي نَفَوْا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفِي ضَمِيرِ العَظَمَةِ وإسْنادِ الإنْزالِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْقُرْآنِ. وفِي الإتْيانِ بِضَمِيرِ القُرْآنِ دُونَ الِاسْمِ الظّاهِرِ إيماءٌ إلى أنَّهُ حاضِرٌ في أذْهانِ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ إقْبالِهِمْ عَلَيْهِ؛ فَكَوْنُ الضَّمِيرِ دُونَ سَبْقِ مَعادٍ إيماءً إلى شُهْرَتِهِ بَيْنَهم فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ كُلُّهُ فَيَكُونُ فِعْلُ (أنْزَلْنا) مُسْتَعْمَلًا في ابْتِداءِ الإنْزالِ؛ لِأنَّ الَّذِي أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَمْسُ الآياتِ الأُوَلِ مِن سُورَةِ العَلَقِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ ثُمَّ عادَ إنْزالُهُ مُنَجَّمًا ولَمْ يُكْمِلْ إنْزالَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَكِنْ لَمّا كانَ جَمِيعُ القُرْآنِ مُقَرَّرًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِقْدارُهُ وأنَّهُ يُنَزَّلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مُنَجَّمًا حَتّى يَتِمَّ؛ كانَ إنْزالُهُ بِإنْزالِ الآياتِ الأُوَلِ مِنهُ؛ لِأنَّ ما أُلْحِقَ بِالشَّيْءِ يُعَدُّ بِمَنزِلَةِ أوَّلِهِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ» الحَدِيثَ، فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الصُّرَّةَ فِيما أُلْحِقَ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لَها ذَلِكَ الفَضْلُ، وأنَّ الطَّوافَ في زِياداتِ المَسْجِدِ الحَرامِ يَصِحُّ كُلَّما اتَّسَعَ المَسْجِدُ. ومِن تَسْدِيدِ تَرْتِيبِ المُصْحَفِ أنْ وُضِعَتْ سُورَةُ القَدْرِ عَقِبَ سُورَةِ العَلَقِ مَعَ أنَّها أقَلُّ عَدَدَ آياتٍ مِن سُورَةِ البَيِّنَةِ وسُورٍ بَعْدَها؛ كَأنَّهُ إماءٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في أنْزَلْناهُ يَعُودُ إلى القُرْآنِ الَّذِي ابْتُدِئَ نُزُولُهُ بِسُورَةِ العَلَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المِقْدارِ الَّذِي أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وهو صفحة ٤٥٧ الآياتُ الخَمْسُ مِن سُورَةِ العَلَقِ؛ فَإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ القُرْآنِ يُسَمّى قُرْآنًا، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ في فِعْلِ أنْزَلْناهُ لا مَجازَ فِيهِ. وقِيلَ: أُطْلِقَ ضَمِيرُ القُرْآنِ عَلى بَعْضِهِ مَجازًا بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ. والآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الآياتِ الأُوَلَ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَتْ لَيْلًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ بَدْءِ الوَحْيِ في الصَّحِيحَيْنِ لِقَوْلِ عائِشَةَ فِيهِ: ”«فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ اللَّيالِيَ ذَواتِ العِدَدِ» “ فَكانَ تَعَبُّدُهُ لَيْلًا، ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَلَكُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ إثْرَ فَراغِهِ مِن تَعَبُّدِهِ. وأمّا قَوْلُ عائِشَةَ ”«فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ يَرْجُفُ فُؤادُهُ» “؛ فَمَعْناهُ أنَّهُ خَرَجَ مِن غارِ حِراءٍ إثْرَ الفَجْرَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَلْقِينِهِ الآياتِ الخَمْسِ، إذْ يَكُونُ نُزُولُها عَلَيْهِ في آخِرِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وذَلِكَ أفْضَلُ أوْقاتِ اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] . ولَيْلَةُ القَدْرِ: اسْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ. ويَظْهَرُ أنَّ أوَّلَ تَسْمِيَتِها بِهَذا الِاسْمِ كانَ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُسْلِمِينَ وبِذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُها بِهَذا الِاسْمِ تَشْوِيقًا لِمَعْرِفَتِها؛ ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] . والقَدْرُ: الَّذِي عُرِّفَتِ اللَّيْلَةُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ هو بِمَعْنى الشَّرَفِ والفَضْلِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ والشَّرَفِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِمّا أعْطاها مِنَ البَرَكَةِ؛ فَتِلْكَ لَيْلَةٌ جَعَلَ اللَّهُ لَها شَرَفًا فَجَعَلَها مَظْهَرًا لِما سَبَقَ بِهِ عِلْمَهُ فَجَعَلَها مَبْدَأ الوَحْيِ إلى النَّبِيءِ ﷺ . والتَّعْرِيفُ في القَدْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. ولَمْ يَقُلْ: في لَيْلَةِ قَدْرٍ بِالتَّنْكِيرِ لِأنَّهُ قَصَدَ جَعْلَ هَذا المُرَكَّبَ بِمَنزِلَةِ العَلَمِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُضافِ إلَيْهِ بِاللّامِ مَعَ تَعْرِيفِ المُضافِ بِالإضافَةِ أوْغَلُ في جَعْلِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ لَقَبًا لِاجْتِماعِ تَعْرِيفَيْنِ فِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ولا شَكَّ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ إذْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ صفحة ٤٥٨ البَقَرَةِ بِسِنِينَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً أوْ بِمُدَّةٍ أقَلَّ مِن ذَلِكَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً؛ فَلَيْلَةُ القَدْرِ المُرادَةُ هَنا كانَتْ في رَمَضانَ، وتَأيَّدَ ذَلِكَ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ مِن كَوْنِها مِن لَيالِي رَمَضانَ في كُلِّ سَنَةٍ. وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ كانَتْ لَيْلَةَ سَبْعَةَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الآياتِ عَقِبَ هَذا الكَلامِ في هَلْ لَيْلَةٌ ذاتُ عَدَدٍ مُتَماثِلٍ في جَمِيعِ الأعْوامِ أوْ تَخْتَلِفُ في السِّنِينَ ؟ وفي هَلْ تَقَعُ في واحِدَةٍ مِن جَمِيعِ لَيالِي رَمَضانَ أوْ لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ ؟ وهَلْ هي مَخْصُوصَةٌ بِلَيْلَةِ وتْرٍ كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ أوْ لا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ ؟ والمَقْصُودُ مِن تَشْرِيفِ اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ ابْتِداءُ إنْزالِ القُرْآنِ فِيها تَشْرِيفٌ آخَرُ لِلْقُرْآنِ بِتَشْرِيفِ زَمانِ ظُهُورِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى اخْتارَ لِابْتِداءِ إنْزالِهِ وقْتًا شَرِيفًا مُبارَكًا؛ لِأنَّ عِظَمَ قَدْرِ الفِعْلِ يَقْتَضِي أنْ يَخْتارَ لِإيقاعِهِ فَضْلَ الأوْقاتِ والأمْكِنَةِ؛ فاخْتِيارُ فَضْلِ الأوْقاتِ لِابْتِداءِ إنْزالِهِ يُنْبِئُ عَنْ عُلُوِّ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ المُطَهَّرِينَ.

القدر 97:2

﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ تَنْوِيهٌ بِطَرِيقِ الإبْهامِ المُرادِ بِهِ أنَّ إدْراكَ كُنْهِها لَيْسَ بِالسَّهْلِ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ الجَمَّةِ. وكَلِمَةُ (ما أدْراكَ ما كَذا) كَلِمَةٌ تُقالُ في تَفْخِيمِ الشَّيْءِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُعَرِّفُكَ ما هي لَيْلَةُ القَدْرِ، أيْ: يَعْسُرُ عَلى شَيْءٍ أنْ يُعَرِّفَكَ مِقْدارَها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ قَرِيبًا. والواوُ واوُ الحالِ. وأُعِيدَ اسْمُ (﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٣]) الَّذِي سَبَقَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ، فَقَصَدَ الِاهْتِمامَ بِتَعْيِينِها، فَحَصَلَ تَعْظِيمُ لَيْلَةِ القَدْرِ صَرِيحًا، وحَصَلَتْ كِتابَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ ما أُنْزِلَ فِيها وأنَّ اللَّهَ اخْتارَ إنْزالَهُ فِيها لِيَتَطابَقَ الشَّرَفانِ.

القدر 97:3

صفحة ٤٥٩ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ بَيانٌ أوَّلُ لِشَيْءٍ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] مِثْلُ البَيانِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أوْ إطْعامٌ الآيَةَ. فَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أوْ لِأنَّها كَعَطْفِ البَيانِ. وتَفْضِيلُها بِالخَيْرِ عَلى ألْفِ شَهْرٍ، إنَّما هو بِتَضْعِيفِ فَضْلِ ما يَحْصُلُ فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ واسْتِجابَةِ الدُّعاءِ ووَفْرَةِ ثَوابِ الصَّدَقاتِ والبَرَكَةِ لِلْأُمَّةِ فِيها؛ لِأنَّ تَفاضُلَ الأيّامِ لا يَكُونُ بِمَقادِيرِ أزْمِنَتِها ولا بِما يَحْدُثُ فِيها مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، أوْ مَطَرٍ، ولا بِطُولِها أوْ بِقِصَرِها؛ فَإنَّ تِلْكَ الأحْوالَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يَعْبَأُ بِما يَحْصُلُ مِنَ الصَّلاحِ لِلنّاسِ أفْرادًا وجَماعاتٍ وما يُعِينُ عَلى الحَقِّ والخَيْرِ ونَشْرِ الدِّينِ. وقَدْ قالَ في فَضْلِ النّاسِ: إنْ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَكَذَلِكَ فَضْلُ الأزْمانِ إنَّما يُقاسُ بِما يَحْصُلُ فِيها؛ لِأنَّها ظُرُوفٌ لِلْأعْمالِ ولَيْسَتْ لَها صِفاتٌ ذاتِيَّةٌ يُمْكِنُ أنْ تَتَفاضَلَ بِها كَتَفاضُلِ النّاسِ، فَفَضْلُها بِما أعَدَّهُ اللَّهُ لَها مِنَ التَّفْضِيلِ كَتَفْضِيلِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ لِلْقُرُباتِ، وعَدَدُ الألْفِ يَظْهَرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في وفْرَةِ التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ: (واجِدٌ كَألْفٍ) وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وإنَّما جُعِلَ تَمْيِيزُ عَدَدِ الكَثْرَةِ هُنا بِالشَّهْرِ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ الَّتِي هي بِحَرْفِ الرّاءِ. وفي المُوَطَّأِ: ”قالَ مالِكٌ إنَّهُ سَمِعَ مَن يَثِقُ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أعْمارَ النّاسَ قَبْلَهُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَقاصَرَ أعْمارُ أُمَّتِهِ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمْرِ فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ» “ اهـ. وإظْهارُ لَفْظِ (﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾) في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظُ ثَلاثَ مَرّاتٍ والمَرّاتُ الثَّلاثُ يَنْتَهِي عِنْدَها التَّكْرِيرُ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ. وقَوْلُ عَدِيٍّ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا ومِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ ما وقَعَ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدِهِ إلى القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ صفحة ٤٦٠ الحُدّانِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: («قامَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَما بايَعَ مُعاوِيَةَ فَقالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: لا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ؛ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ”﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]“ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي: نَهْرًا مِنَ الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ”﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾“ يَمْلِكُها بَنُو أُمَيَّةَ يا مُحَمَّدُ، قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْناها فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا يَزِيدُ يَوْمًا ولا يَنْقُصُ» ) . قالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وقَدْ قِيلَ عَنِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مازِنٍ نَعْرِفُهُ والقاسِمُ بْنُ الفَضْلِ ثِقَةٌ ويُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ اهـ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ في الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ كَذا قالَ، وعِيسى بْنُ مازِنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وهَذا يَقْتَضِي اضْطِرابًا في هَذا الحَدِيثِ، أيْ: لِاضْطِرابِهِمْ في الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ؛ وعَلى كُلِّ احْتِمالٍ فَهو مَجْهُولٌ. وأقُولُ: وأيْضًا لَيْسَ في سَنَدِهِ ما يُفِيدُ أنَّ يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ إلى آخِرِ الحَدِيثِ. وعِيسى بْنُ مازِنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أصْلًا؛ فَإذا فَرَضْنا تَوْثِيقَ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ فَلَيْسَ في رِوايَتِهِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ سَمِعَهُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ ذِكْرَ قِصَّةٍ تُرْوى عَنِ الحَسَنِ. واتَّفَقَ حُذّاقُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وذَكَرَهُ عَنْ شَيْخِهِ المِزِّيِّ، وأقُولُ: هو مُخْتَلُّ المَعْنى وسِماتُ الوَضْعِ لائِحَةٌ عَلَيْهِ، وهو مِن وضْعِ أهْلِ النِّحَلِ المُخالِفَةِ لِلْجَماعَةِ؛ فالِاحْتِجاجُ بِهِ لا يَلِيقُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ مَعَ فَرْطِ عِلْمِهِ وفِطْنَتِهِ، وأيَّةُ مُلازَمَةٍ بَيْنَ ما زَعَمُوهُ مِن رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ دَفْعِ الحَسَنِ التَّأْنِيبَ عَنْ نَفْسِهِ. ولا شَكَّ أنَّ هَذا الخَبَرَ مِن وضْعِ دُعاةِ العَبّاسِيِّينَ عَلى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ تَسْلِيمِ الحَسَنِ الخِلافَةَ إلى مُعاوِيَةَ وبَيْنَ بَيْعَةِ السَّفّاحِ وهو أوَّلُ خُلَفاءِ العَبّاسِيَّةِ ألْفُ شَهْرٍ واثْنانِ وتِسْعُونَ شَهْرًا أوْ أكْثَرُ بِشَهْرٍ أوْ بِشَهْرَيْنِ، فَما نُسِبَ إلى القاسِمِ الحُدّانِيِّ مِن قَوْلِهِ: فَعَدَدْناها فَوَجَدْناها إلَخْ كَذِبٌ صفحة ٤٦١ لا مَحالَةَ. والحاصِلُ أنَّ هَذا الخَبَرَ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُنْكَرٌ كَما قالَهُ المِزِّيُّ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ المُحَسِّنُ المُسَمّى تَشابُهُ الأطْرافِ وهو إعادَةُ لِفْظِ القافِيَةِ في الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] اهـ. يُرِيدُ بِالقافِيَةِ ما يَشْمَلُ القَرِينَةَ في الأسْجاعِ والفَواصِلَ في الآيِ. ومِثالُهُ في الشِّعْرِ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ: إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً ∗∗∗ تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها إلَخْ

القدر 97:4

﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . إذا ضَمَّ هَذا البَيانُ الثّانِي لِما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] مِنَ الإبْهامِ التَّفْخِيمِي حَصَلَ مِنها ما يَدُلُّ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الفَضِيلَةِ لِكُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي الأعْوامِ تَقَعُ في مِثْلِ اللَّيْلَةِ مَن شَهْرِ نُزُولِ القُرْآنِ كَرامَةً لِلْقُرْآنِ، ولِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ولِلدِّينِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، ولِلْأُمَّةِ الَّتِي تَتْبَعُهُ؛ ألا تَرى أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ كانَ لِذِكْرِ فَضائِلِ لَيْلَةِ القَدْرِ فَما هو إلّا لِلتَّحْرِيضِ عَلى تَطَلُّبِ العَمَلِ الصّالِحِ فِيها. فَإنَّ كَوْنَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ أوْمَأ إلى ذَلِكَ وبَيَّنَتْهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ. والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ هَذا التَّنَزُّلَ مُتَكَرِّرٌ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. وذِكْرُ نِهايَتِها بِطُلُوعِ الفَجْرِ لا أثَرَ لَهُ في بَيانِ فَضْلِها، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ إدْماجٌ لِلتَّعْرِيفِ بِمُنْتَهاها لِيَحْرِصَ النّاسُ عَلى كَثْرَةِ العَمَلِ فِيها قَبْلَ انْتِهائِها. لا جَرَمَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ قَدِ انْقَضَتْ قَبْلَ أنْ يَشْعُرَ بِها أحَدٌ عَدا مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ كانَ قَدْ تَحَنَّثَ فِيها، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ أوَّلُ القُرْآنِ آخِرَها، وانْقَلَبَ إلى أهْلِهِ في صَبِيحَتِها؛ فَلَوْلا إرادَةُ التَّعْرِيفِ بِفَضْلِ اللَّيالِي المُوافِقَةِ في كُلِّ صفحة ٤٦٢ السَّنَواتِ لاقْتَصَرَ عَلى بَيانِ فَضْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأُولى. ولَما كانَتْ حاجَةٌ إلى تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فِيها، ولا إلى تَعْيِينِ مُنْتَهاها. وهَذا تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُعَظِّمُوا أيّامَ فَضْلِهِمُ الدِّينِيِّ وأيّامَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُماثِلٌ لِما شَرَعَ اللَّهُ لِمُوسى مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ أيّامِ السِّنِينَ الَّتِي تُوافِقُ أيّامًا حَصَلَتْ فِيها نِعَمٌ عُظْمى مِنَ اللَّهِ عَلى مُوسى قالَ تَعالى: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] فَيَنْبَغِي أنْ تُعَدَّ لَيْلَةُ القَدْرِ عِيدَ نُزُولِ القُرْآنِ. وحِكْمَةُ إخْفاءِ تَعْيِينُها إرادَةُ أنْ يُكَرِّرَ المُسْلِمُونَ حَسَناتِهِمْ في لَيالٍ كَثِيرَةٍ تَوَخِّيًا لِمُصادَفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَما أُخْفِيَتْ ساعَةُ الإجابَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ. هَذا مُحَصِّلُ ما أفادَهُ القُرْآنُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ مِن كُلِّ عامٍ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّها أيَّةُ لَيْلَةٍ، ولا مِن أيِّ شَهْرٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَتَبَيَّنَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الأُولى هي مِن لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ لا مَحالَةَ؛ فَلَنا أنْ نَتَطَلَّبَ تَعْيِينَ لَيْلَةِ القَدْرِ الأُولى الَّتِي ابْتُدِئَ إنْزالُ القُرْآنِ فِيها لِنَطْلُبَ تَعْيِينَ ما يُماثِلُها مِن لَيالِي رَمَضانَ في جَمِيعِ السِّنِينِ، وتَعْيِينَ صِفَةِ المُماثَلَةِ. والمُماثَلَةُ تَكُونُ في صِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلا جائِزَ أنْ تُماثِلَها في اسْمِ يَوْمِها نَحْوِ الثُّلاثاءِ أوِ الأرْبِعاءِ، ولا في الفَصْلِ مِن شِتاءٍ أوْ صَيْفٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ مِنَ الأحْوالِ المُعْتَبَرَةِ في الدِّينِ، فَعَلَيْنا أنْ نَتَطَلَّبَ جِهَةً مِن جِهاتِ المُماثَلَةِ لَها في اعْتِبارِ الدِّينِ وما يُرْضِي اللَّهَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُماثَلَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا؛ وأصَحُّ ما يُعْتَمَدُ في ذَلِكَ أنَّها مِن لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ مِن كُلِّ سَنَةٍ، وأنَّها مِن لَيالِي الوِتْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ» . والوِتْرُ: أفْضَلُ الأعْدادِ عِنْدَ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» . وأنَّها لَيْسَتْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً مُطَّرِدَةً في كُلِّ السِّنِينِ، بَلْ هي مُتَنَقِّلَةٌ في الأعْوامِ، وأنَّها في رَمَضانَ. وإلى هَذا ذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ؛ قالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وهو أصَحُّ الأقاوِيلِ وأوْلاها بِالصَّوابِ. وعَلى أنَّها مُتَنَقِّلَةٌ في الأعْوامِ، فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ شَهْرِ رَمَضانَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّها لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ، وقالَ جَماعَةٌ: لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواسِطِ، والعَشْرِ الأواخِرِ. صفحة ٤٦٣ وتَأوَّلُوا ما ورَدَ مِنَ الآثارِ ضَبْطُها عَلى إرادَةِ الغالِبِ أوْ إرادَةِ عامٍ بِعَيْنِهِ. ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِها شَيْءٌ صَرِيحٌ يُرْوى عَنِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونُ أرادَ بِهِ تَعْيِينَها في خُصُوصِ السَّنَةِ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها وذَلِكَ مَبْسُوطٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ فَلا نُطِيلُ بِهِ، وقَدْ أتى ابْنُ كَثِيرٍ مِنهُ بِكَثِيرٍ. وحُفِظَتْ عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ أنَّهُ ضَبَطَ تَعْيِينَها بِاخْتِلافِ السِّنِينَ بِأبْياتٍ ذَكَرَ في البَيْتِ الأخِيرِ مِنها قَوْلَهُ: وضابِطُها بِالقَوْلِ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ تُوافِيكَ بَعْدَ النِّصْفِ في لَيْلَةِ وِتْرِ حَفِظْناها عَنْ بَعْضِ مُعَلِّمِينا ولَمْ أقِفْ عَلَيْها. وجَرَّبْنا عَلامَةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ في صَبِيحَتِها فَلَمْ تَتَخَلَّفْ. وأصْلُ تَنَزَّلُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا. وظاهِرٌ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ. ونُزُولُ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ لِأجْلِ البَرَكاتِ الَّتِي تَحُفُّهم. و(الرُّوحُ): هو جِبْرِيلُ، أيْ: يَنْزِلُ جِبْرِيلُ في المَلائِكَةِ. ومَعْنى بِإذْنِ رَبِّهِمْ أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها المُسْلِمِينَ بِأنْ أنْزَلَ لَهم في تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَماعاتٍ مِن مَلائِكَتِهِ وفِيهِمْ أشْرَفُهم، وكانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَعُودَ عَلَيْها مِنَ الفَضْلِ مِثْلَ الَّذِي حَصَلَ في مُماثَلَتِها الأُولى لَيْلَةَ نُزُولِهِ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءٍ. وفِي هَذا أصْلٌ لِإقامَةِ المَواكِبِ لِإحْياءِ ذِكْرى أيّامِ مَجْدِ الإسْلامِ وفَضْلِهِ، وأنَّ مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ في أصْلِ تِلْكَ الذِّكْرى يَنْبَغِي أنْ لا يَخْلُوَ عَنْهُ مَوْكِبُ البَهْجَةِ بِتِذْكارِها. وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنَزَّلُ إمّا بِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَتَنَزَّلُونَ بِسَبَبِ إذْنِ رَبِّهِمْ لَهم في النُّزُولِ، فالإذْنُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وإمّا بِمَعْنى المُصاحَبَةِ، أيْ: مُصاحِبِينَ لِما أذِنَ بِهِ رَبُّهم، فالإذْنُ بِمَعْنى المَأْذُونِ بِهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ نَحْوِ هَذا خَلْقُ اللَّهِ. صفحة ٤٦٤ و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً تُبَيِّنُ الإذْنَ مِن قَوْلِهِ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ: بِإذْنِ رَبِّهِمُ الَّذِي هو في كُلِّ أمْرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الباءِ، أيْ: تَتَنَزَّلُ بِكُلِّ أمْرٍ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ؛ وهَذا إذا جُعِلَتْ باءُ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) سَبَبِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ أرادَ اللَّهُ قَضاءَهُ بِتَسْخِيرِهِمْ. و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ لِلْأهَمِّيَّةِ، أيْ: في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] . وقَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلَّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي ∗∗∗ إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ. وتَنْوِينُ (أمْرٍ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: بِأنْواعِ الثَّوابِ عَلى الأعْمالِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وهَذا الأمْرُ غَيْرُ الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ ”أمْرًا مِن عِنْدِنا“ في سُورَةِ الدُّخانِ مُتَّحِدَةٌ مَعَ اخْتِلافِ شُئُونِها؛ فَإنَّ لَها شُئُونًا عَدِيدَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الأمْرَ المَذْكُورَ هُنا فَيَكُونُ هُنا مُطْلَقًا وفي آيَةِ الدُّخانِ مُقَيَّدًا. واعْلَمْ أنَّ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾، مِن جُمْلَةِ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَلِمُراعاةِ هَذا المَوْقِعِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها ولَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها مَعَ أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما تُفِيدُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَأُوثِرَتْ مُراعاةُ مَوْقِعِها الِاسْتِئْنافِيِّ أوِ البَدَلِيِّ عَلى مُراعاةِ اشْتِراكِهِما في كَوْنِها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَفُوتُ السّامِعَ عِنْدَ إيرادِها في صُورَةِ البَيانِ أوِ البَدَلِ بِخِلافِ ما لَوْ عُطِفَتْ عَلى الَّتِي قَبْلَها بِالواوِ لِفَواتِ الإشارَةِ إلى أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ فِيها مِن أحْوالِ خَيْرِيَّتِها. وجُمْلَةُ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ ”مِن كُلِّ أمْرٍ“ وهو صفحة ٤٦٥ كالِاحْتِراسِ؛ لِأنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ يَكُونُ لِلْخَيْرِ ويَكُونُ لِلشَّرِّ لِعِقابِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذَنْ مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] . وجَمَعَ بَيْنَ إنْزالِهِمْ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ، فَأخْبَرَ هُنا أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ لَيْلَةَ القَدْرِ لِتَنْفِيذِ أمْرِ الخَيْرِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ صامُوا رَمَضانَ وقامُوا لَيْلَةَ القَدْرِ، فَهَذِهِ بِشارَةٌ. والسَّلامُ: مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ مَعْناهُ السَّلامَةُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ويُطْلَقُ السَّلامُ عَلى التَّحِيَّةِ والمِدْحَةِ، وفُسِّرَ السَّلامُ بِالخَيْرِ؛ والمَعْنَيانِ حاصِلانِ في هَذِهِ الآيَةِ، فالسَّلامَةُ تَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ لِأنَّ الخَيْرَ سَلامَةٌ مِنَ الشَّرِّ ومِنَ الأذى، فَيَشْمَلُ السَّلامُ الغُفْرانَ وإجْزالَ الثَّوابِ واسْتِجابَةَ الدُّعاءِ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ والقَوْلِ الحَسَنِ مُرادٌ بِهِ ثَناءُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَدَأْبِهِمْ مَعَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وتَنْكِيرُ (سَلامٌ) لِلتَّعْظِيمِ. وأخْبَرَ عَنِ اللَّيْلَةِ بِأنَّها سَلامٌ لِلْمُبالِغَةِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ وهو سَلامٌ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ: ما هي إلّا سَلامٌ. والقَصْرُ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يَحْصُلُ فِيها لِغَيْرِ الصّائِمِينَ القائِمِينَ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”سَلامٌ هي“ مُرادًا بِهِ الإخْبارُ فَقَطْ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ الأمْرُ والتَّقْدِيرُ: سَلِمُوا سَلامًا، فالمَصْدَرُ بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ وعَدَلَ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِيُفِيدَ التَّمَكُّنَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] . والمَعْنى: اجْعَلُوها سَلامًا بَيْنَكم، أيْ: لا نِزاعَ ولا خِصامَ. ويُشِيرُ إلَيْهِ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكم بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحى رَجُلانِ فَرُفِعَتْ، وعَسى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكم فالتَمِسُوها في التّاسِعَةِ والسّابِعَةِ والخامِسَةِ» . و(﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾) غايَةٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ إلى ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ . صفحة ٤٦٦ والمَقْصُودُ مِنَ الغايَةِ إفادَةُ أنَّ جَمِيعَ أحْيانِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعْمُورَةٌ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ والسَّلامَةِ، فالغايَةُ هُنا مُؤَكِّدَةٌ لِمَدْلُولِ لَيْلَةٍ؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلى بَعْضِ أجْزائِها كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»، أيْ: مَن قامَ بَعْضَها، فَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: مَن شَهِدَ العِشاءَ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِنها. يُرِيدُ شَهِدَها في جَماعَةٍ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ شَهِدَ، فَإنَّ شُهُودَ الجَماعَةِ مِن أفْضَلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. وجِيءَ بِحَرْفِ (حَتّى) لِإدْخالِ الغايَةِ لِبَيانِ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَمْتَدُّ بَعْدَ مَطْلَعِ الفَجْرِ بِحَيْثُ إنَّ صَلاةَ الفَجْرِ تُعْتَبَرُ واقِعَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ نِهايَتَها كَنِهايَةِ الفِطْرِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ وهَذا تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ في امْتِدادِ اللَّيْلَةِ إلى ما بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. ويُسْتَفادُ مِن غايَةِ تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فِيها، أنَّ تِلْكَ غايَةُ اللَّيْلَةِ وغايَةٌ لِما فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ التّابِعَةِ لِكَوْنِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وغايَةُ السَّلامِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: طُلُوعُ الفَجْرِ، أيْ: ظُهُورُهُ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى زَمانِ طُلُوعِ الفَجْرِ. * * * صفحة ٤٦٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البَيِّنَةِ ورَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) . رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» فَقَوْلُهُ: أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) واضِحٌ أنَّهُ أرادَ السُّورَةَ كُلَّها فَسَمّاها بِأوَّلِ جُمْلَةٍ فِيها، وسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ سُورَةَ (لَمْ يَكُنْ) بِالِاقْتِصارِ عَلى أوَّلِ كَلِمَةٍ مِنها، وهَذا الِاسْمُ هو المَشْهُورُ في تُونُسَ بَيْنَ أبْناءِ الكَتاتِيبِ. وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ (سُورَةَ القَيِّمَةِ) وكَذَلِكَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ. وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ البَيِّنَةِ) . وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّها سُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ (سُورَةَ أهْلِ الكِتابِ)، أيْ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البينة: ١]، وسُمِّيَتْ سُورَةَ (البَرِيَّةِ) وسُمِّيَتْ (سُورَةَ الِانْفِكاكِ) . فَهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ. واخْتُلِفَ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأشْهَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ هي مَدَنِيَّةٌ. وعَكَسَ القُرْطُبِيُّ فَنَسَبَ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ إلى الجُمْهُورِ وابْنِ عَبّاسٍ والقَوْلُ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلى يَحْيى بْنِ سَلّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِسَنَدِهِ إلى أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: («لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البينة: ١] إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا» ) الحَدِيثَ، أيْ: وأُبَيُّ مِن أهْلِ المَدِينَةِ. وجَزَمَ البَغَوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِن تَخْطِئَةِ صفحة ٤٦٨ أهْلِ الكِتابِ ولِحَدِيثِ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ، وقَدْ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ في عِدادِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ إنَّما دُفِعَ إلى مُناقَضَةِ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَدْ عُدَّتِ المِائَةَ وإحْدى في تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الطَّلاقِ وقَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، فَتَكُونُ نَزَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِبَنِي النَّضِيرِ، وكانَتْ غَزْوَةُ النَّضِيرِ سَنَةَ أرْبَعٍ في رَبِيعِ الأوَّلِ؛ فَنُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ آخِرَ سَنَةِ ثَلاثٍ أوْ أوَّلَ سَنَةِ أرْبَعٍ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ تِسْعَ آياتٍ. * * * تَوْبِيخُ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ . والتَّعْجِيبُ مِن تَناقُضِ حالِهِمْ، إذْ هم يَنْتَظِرُونَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ فَلَمّا أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ كَفَرُوا بِها. وتَكْذِيبُهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّمَسُّكَ بِالأدْيانِ الَّتِي هم عَلَيْها. ووَعِيدُهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. والتَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ. والثَّناءُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ووَعْدُهم بِالنَعِيمِ الأبَدِيِّ ورِضى اللَّهِ عَنْهم وإعْطائِهِ إيّاهم ما يُرْضِيهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالقُرْآنِ وفَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ بِاشْتِمالِهِ عَلى ما في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ ﷺ مِن قَبْلُ وما فِيهِ مِن فَضْلٍ وزِيادَةٍ.

القدر 97:5

﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . إذا ضَمَّ هَذا البَيانُ الثّانِي لِما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] مِنَ الإبْهامِ التَّفْخِيمِي حَصَلَ مِنها ما يَدُلُّ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الفَضِيلَةِ لِكُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي الأعْوامِ تَقَعُ في مِثْلِ اللَّيْلَةِ مَن شَهْرِ نُزُولِ القُرْآنِ كَرامَةً لِلْقُرْآنِ، ولِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ولِلدِّينِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، ولِلْأُمَّةِ الَّتِي تَتْبَعُهُ؛ ألا تَرى أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ كانَ لِذِكْرِ فَضائِلِ لَيْلَةِ القَدْرِ فَما هو إلّا لِلتَّحْرِيضِ عَلى تَطَلُّبِ العَمَلِ الصّالِحِ فِيها. فَإنَّ كَوْنَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ أوْمَأ إلى ذَلِكَ وبَيَّنَتْهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ. والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ هَذا التَّنَزُّلَ مُتَكَرِّرٌ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. وذِكْرُ نِهايَتِها بِطُلُوعِ الفَجْرِ لا أثَرَ لَهُ في بَيانِ فَضْلِها، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ إدْماجٌ لِلتَّعْرِيفِ بِمُنْتَهاها لِيَحْرِصَ النّاسُ عَلى كَثْرَةِ العَمَلِ فِيها قَبْلَ انْتِهائِها. لا جَرَمَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ قَدِ انْقَضَتْ قَبْلَ أنْ يَشْعُرَ بِها أحَدٌ عَدا مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ كانَ قَدْ تَحَنَّثَ فِيها، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ أوَّلُ القُرْآنِ آخِرَها، وانْقَلَبَ إلى أهْلِهِ في صَبِيحَتِها؛ فَلَوْلا إرادَةُ التَّعْرِيفِ بِفَضْلِ اللَّيالِي المُوافِقَةِ في كُلِّ صفحة ٤٦٢ السَّنَواتِ لاقْتَصَرَ عَلى بَيانِ فَضْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأُولى. ولَما كانَتْ حاجَةٌ إلى تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فِيها، ولا إلى تَعْيِينِ مُنْتَهاها. وهَذا تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُعَظِّمُوا أيّامَ فَضْلِهِمُ الدِّينِيِّ وأيّامَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُماثِلٌ لِما شَرَعَ اللَّهُ لِمُوسى مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ أيّامِ السِّنِينَ الَّتِي تُوافِقُ أيّامًا حَصَلَتْ فِيها نِعَمٌ عُظْمى مِنَ اللَّهِ عَلى مُوسى قالَ تَعالى: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] فَيَنْبَغِي أنْ تُعَدَّ لَيْلَةُ القَدْرِ عِيدَ نُزُولِ القُرْآنِ. وحِكْمَةُ إخْفاءِ تَعْيِينُها إرادَةُ أنْ يُكَرِّرَ المُسْلِمُونَ حَسَناتِهِمْ في لَيالٍ كَثِيرَةٍ تَوَخِّيًا لِمُصادَفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَما أُخْفِيَتْ ساعَةُ الإجابَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ. هَذا مُحَصِّلُ ما أفادَهُ القُرْآنُ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ مِن كُلِّ عامٍ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّها أيَّةُ لَيْلَةٍ، ولا مِن أيِّ شَهْرٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَتَبَيَّنَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الأُولى هي مِن لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ لا مَحالَةَ؛ فَلَنا أنْ نَتَطَلَّبَ تَعْيِينَ لَيْلَةِ القَدْرِ الأُولى الَّتِي ابْتُدِئَ إنْزالُ القُرْآنِ فِيها لِنَطْلُبَ تَعْيِينَ ما يُماثِلُها مِن لَيالِي رَمَضانَ في جَمِيعِ السِّنِينِ، وتَعْيِينَ صِفَةِ المُماثَلَةِ. والمُماثَلَةُ تَكُونُ في صِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلا جائِزَ أنْ تُماثِلَها في اسْمِ يَوْمِها نَحْوِ الثُّلاثاءِ أوِ الأرْبِعاءِ، ولا في الفَصْلِ مِن شِتاءٍ أوْ صَيْفٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ مِنَ الأحْوالِ المُعْتَبَرَةِ في الدِّينِ، فَعَلَيْنا أنْ نَتَطَلَّبَ جِهَةً مِن جِهاتِ المُماثَلَةِ لَها في اعْتِبارِ الدِّينِ وما يُرْضِي اللَّهَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُماثَلَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا؛ وأصَحُّ ما يُعْتَمَدُ في ذَلِكَ أنَّها مِن لَيالِي شَهْرِ رَمَضانَ مِن كُلِّ سَنَةٍ، وأنَّها مِن لَيالِي الوِتْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ» . والوِتْرُ: أفْضَلُ الأعْدادِ عِنْدَ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» . وأنَّها لَيْسَتْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً مُطَّرِدَةً في كُلِّ السِّنِينِ، بَلْ هي مُتَنَقِّلَةٌ في الأعْوامِ، وأنَّها في رَمَضانَ. وإلى هَذا ذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ؛ قالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وهو أصَحُّ الأقاوِيلِ وأوْلاها بِالصَّوابِ. وعَلى أنَّها مُتَنَقِّلَةٌ في الأعْوامِ، فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ شَهْرِ رَمَضانَ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّها لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ، وقالَ جَماعَةٌ: لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواسِطِ، والعَشْرِ الأواخِرِ. صفحة ٤٦٣ وتَأوَّلُوا ما ورَدَ مِنَ الآثارِ ضَبْطُها عَلى إرادَةِ الغالِبِ أوْ إرادَةِ عامٍ بِعَيْنِهِ. ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِها شَيْءٌ صَرِيحٌ يُرْوى عَنِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونُ أرادَ بِهِ تَعْيِينَها في خُصُوصِ السَّنَةِ الَّتِي أخْبَرَ عَنْها وذَلِكَ مَبْسُوطٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ فَلا نُطِيلُ بِهِ، وقَدْ أتى ابْنُ كَثِيرٍ مِنهُ بِكَثِيرٍ. وحُفِظَتْ عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ أنَّهُ ضَبَطَ تَعْيِينَها بِاخْتِلافِ السِّنِينَ بِأبْياتٍ ذَكَرَ في البَيْتِ الأخِيرِ مِنها قَوْلَهُ: وضابِطُها بِالقَوْلِ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ تُوافِيكَ بَعْدَ النِّصْفِ في لَيْلَةِ وِتْرِ حَفِظْناها عَنْ بَعْضِ مُعَلِّمِينا ولَمْ أقِفْ عَلَيْها. وجَرَّبْنا عَلامَةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ في صَبِيحَتِها فَلَمْ تَتَخَلَّفْ. وأصْلُ تَنَزَّلُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا. وظاهِرٌ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ. ونُزُولُ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ لِأجْلِ البَرَكاتِ الَّتِي تَحُفُّهم. و(الرُّوحُ): هو جِبْرِيلُ، أيْ: يَنْزِلُ جِبْرِيلُ في المَلائِكَةِ. ومَعْنى بِإذْنِ رَبِّهِمْ أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها المُسْلِمِينَ بِأنْ أنْزَلَ لَهم في تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَماعاتٍ مِن مَلائِكَتِهِ وفِيهِمْ أشْرَفُهم، وكانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَعُودَ عَلَيْها مِنَ الفَضْلِ مِثْلَ الَّذِي حَصَلَ في مُماثَلَتِها الأُولى لَيْلَةَ نُزُولِهِ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءٍ. وفِي هَذا أصْلٌ لِإقامَةِ المَواكِبِ لِإحْياءِ ذِكْرى أيّامِ مَجْدِ الإسْلامِ وفَضْلِهِ، وأنَّ مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ في أصْلِ تِلْكَ الذِّكْرى يَنْبَغِي أنْ لا يَخْلُوَ عَنْهُ مَوْكِبُ البَهْجَةِ بِتِذْكارِها. وقَوْلُهُ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنَزَّلُ إمّا بِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَتَنَزَّلُونَ بِسَبَبِ إذْنِ رَبِّهِمْ لَهم في النُّزُولِ، فالإذْنُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وإمّا بِمَعْنى المُصاحَبَةِ، أيْ: مُصاحِبِينَ لِما أذِنَ بِهِ رَبُّهم، فالإذْنُ بِمَعْنى المَأْذُونِ بِهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ نَحْوِ هَذا خَلْقُ اللَّهِ. صفحة ٤٦٤ و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً تُبَيِّنُ الإذْنَ مِن قَوْلِهِ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ: بِإذْنِ رَبِّهِمُ الَّذِي هو في كُلِّ أمْرٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الباءِ، أيْ: تَتَنَزَّلُ بِكُلِّ أمْرٍ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ؛ وهَذا إذا جُعِلَتْ باءُ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) سَبَبِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ أرادَ اللَّهُ قَضاءَهُ بِتَسْخِيرِهِمْ. و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ لِلْأهَمِّيَّةِ، أيْ: في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] . وقَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلَّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي ∗∗∗ إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ. وتَنْوِينُ (أمْرٍ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: بِأنْواعِ الثَّوابِ عَلى الأعْمالِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وهَذا الأمْرُ غَيْرُ الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ ”أمْرًا مِن عِنْدِنا“ في سُورَةِ الدُّخانِ مُتَّحِدَةٌ مَعَ اخْتِلافِ شُئُونِها؛ فَإنَّ لَها شُئُونًا عَدِيدَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الأمْرَ المَذْكُورَ هُنا فَيَكُونُ هُنا مُطْلَقًا وفي آيَةِ الدُّخانِ مُقَيَّدًا. واعْلَمْ أنَّ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾، مِن جُمْلَةِ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، فَلِمُراعاةِ هَذا المَوْقِعِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها ولَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها مَعَ أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما تُفِيدُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَأُوثِرَتْ مُراعاةُ مَوْقِعِها الِاسْتِئْنافِيِّ أوِ البَدَلِيِّ عَلى مُراعاةِ اشْتِراكِهِما في كَوْنِها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَفُوتُ السّامِعَ عِنْدَ إيرادِها في صُورَةِ البَيانِ أوِ البَدَلِ بِخِلافِ ما لَوْ عُطِفَتْ عَلى الَّتِي قَبْلَها بِالواوِ لِفَواتِ الإشارَةِ إلى أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ فِيها مِن أحْوالِ خَيْرِيَّتِها. وجُمْلَةُ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ ”مِن كُلِّ أمْرٍ“ وهو صفحة ٤٦٥ كالِاحْتِراسِ؛ لِأنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ يَكُونُ لِلْخَيْرِ ويَكُونُ لِلشَّرِّ لِعِقابِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذَنْ مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] . وجَمَعَ بَيْنَ إنْزالِهِمْ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ، فَأخْبَرَ هُنا أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ لَيْلَةَ القَدْرِ لِتَنْفِيذِ أمْرِ الخَيْرِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ صامُوا رَمَضانَ وقامُوا لَيْلَةَ القَدْرِ، فَهَذِهِ بِشارَةٌ. والسَّلامُ: مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ مَعْناهُ السَّلامَةُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ويُطْلَقُ السَّلامُ عَلى التَّحِيَّةِ والمِدْحَةِ، وفُسِّرَ السَّلامُ بِالخَيْرِ؛ والمَعْنَيانِ حاصِلانِ في هَذِهِ الآيَةِ، فالسَّلامَةُ تَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ لِأنَّ الخَيْرَ سَلامَةٌ مِنَ الشَّرِّ ومِنَ الأذى، فَيَشْمَلُ السَّلامُ الغُفْرانَ وإجْزالَ الثَّوابِ واسْتِجابَةَ الدُّعاءِ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. والسَّلامُ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ والقَوْلِ الحَسَنِ مُرادٌ بِهِ ثَناءُ المَلائِكَةِ عَلى أهْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ كَدَأْبِهِمْ مَعَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وتَنْكِيرُ (سَلامٌ) لِلتَّعْظِيمِ. وأخْبَرَ عَنِ اللَّيْلَةِ بِأنَّها سَلامٌ لِلْمُبالِغَةِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ وهو سَلامٌ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ: ما هي إلّا سَلامٌ. والقَصْرُ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يَحْصُلُ فِيها لِغَيْرِ الصّائِمِينَ القائِمِينَ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”سَلامٌ هي“ مُرادًا بِهِ الإخْبارُ فَقَطْ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ الأمْرُ والتَّقْدِيرُ: سَلِمُوا سَلامًا، فالمَصْدَرُ بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ وعَدَلَ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِيُفِيدَ التَّمَكُّنَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] . والمَعْنى: اجْعَلُوها سَلامًا بَيْنَكم، أيْ: لا نِزاعَ ولا خِصامَ. ويُشِيرُ إلَيْهِ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكم بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحى رَجُلانِ فَرُفِعَتْ، وعَسى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكم فالتَمِسُوها في التّاسِعَةِ والسّابِعَةِ والخامِسَةِ» . و(﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾) غايَةٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ إلى ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ . صفحة ٤٦٦ والمَقْصُودُ مِنَ الغايَةِ إفادَةُ أنَّ جَمِيعَ أحْيانِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعْمُورَةٌ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ والسَّلامَةِ، فالغايَةُ هُنا مُؤَكِّدَةٌ لِمَدْلُولِ لَيْلَةٍ؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلى بَعْضِ أجْزائِها كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»، أيْ: مَن قامَ بَعْضَها، فَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: مَن شَهِدَ العِشاءَ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِنها. يُرِيدُ شَهِدَها في جَماعَةٍ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ شَهِدَ، فَإنَّ شُهُودَ الجَماعَةِ مِن أفْضَلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. وجِيءَ بِحَرْفِ (حَتّى) لِإدْخالِ الغايَةِ لِبَيانِ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَمْتَدُّ بَعْدَ مَطْلَعِ الفَجْرِ بِحَيْثُ إنَّ صَلاةَ الفَجْرِ تُعْتَبَرُ واقِعَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ نِهايَتَها كَنِهايَةِ الفِطْرِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ وهَذا تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ في امْتِدادِ اللَّيْلَةِ إلى ما بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ. ويُسْتَفادُ مِن غايَةِ تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ فِيها، أنَّ تِلْكَ غايَةُ اللَّيْلَةِ وغايَةٌ لِما فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ التّابِعَةِ لِكَوْنِها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وغايَةُ السَّلامِ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَطْلَعِ) بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: طُلُوعُ الفَجْرِ، أيْ: ظُهُورُهُ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى زَمانِ طُلُوعِ الفَجْرِ. * * * صفحة ٤٦٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البَيِّنَةِ ورَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) . رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) قالَ: وسَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَبَكى» فَقَوْلُهُ: أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ (﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]) واضِحٌ أنَّهُ أرادَ السُّورَةَ كُلَّها فَسَمّاها بِأوَّلِ جُمْلَةٍ فِيها، وسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ سُورَةَ (لَمْ يَكُنْ) بِالِاقْتِصارِ عَلى أوَّلِ كَلِمَةٍ مِنها، وهَذا الِاسْمُ هو المَشْهُورُ في تُونُسَ بَيْنَ أبْناءِ الكَتاتِيبِ. وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ (سُورَةَ القَيِّمَةِ) وكَذَلِكَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ. وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ البَيِّنَةِ) . وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّها سُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ (سُورَةَ أهْلِ الكِتابِ)، أيْ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البينة: ١]، وسُمِّيَتْ سُورَةَ (البَرِيَّةِ) وسُمِّيَتْ (سُورَةَ الِانْفِكاكِ) . فَهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ. واخْتُلِفَ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأشْهَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ هي مَدَنِيَّةٌ. وعَكَسَ القُرْطُبِيُّ فَنَسَبَ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ إلى الجُمْهُورِ وابْنِ عَبّاسٍ والقَوْلُ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلى يَحْيى بْنِ سَلّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِسَنَدِهِ إلى أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: («لَمّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البينة: ١] إلى آخِرِها قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا» ) الحَدِيثَ، أيْ: وأُبَيُّ مِن أهْلِ المَدِينَةِ. وجَزَمَ البَغَوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو الأظْهَرُ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِن تَخْطِئَةِ صفحة ٤٦٨ أهْلِ الكِتابِ ولِحَدِيثِ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ، وقَدْ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ في عِدادِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ إنَّما دُفِعَ إلى مُناقَضَةِ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ. وقَدْ عُدَّتِ المِائَةَ وإحْدى في تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الطَّلاقِ وقَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، فَتَكُونُ نَزَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِبَنِي النَّضِيرِ، وكانَتْ غَزْوَةُ النَّضِيرِ سَنَةَ أرْبَعٍ في رَبِيعِ الأوَّلِ؛ فَنُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ آخِرَ سَنَةِ ثَلاثٍ أوْ أوَّلَ سَنَةِ أرْبَعٍ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ تِسْعَ آياتٍ. * * * تَوْبِيخُ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ . والتَّعْجِيبُ مِن تَناقُضِ حالِهِمْ، إذْ هم يَنْتَظِرُونَ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ فَلَمّا أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ كَفَرُوا بِها. وتَكْذِيبُهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّمَسُّكَ بِالأدْيانِ الَّتِي هم عَلَيْها. ووَعِيدُهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. والتَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ. والثَّناءُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ووَعْدُهم بِالنَعِيمِ الأبَدِيِّ ورِضى اللَّهِ عَنْهم وإعْطائِهِ إيّاهم ما يُرْضِيهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالقُرْآنِ وفَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ بِاشْتِمالِهِ عَلى ما في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ ﷺ مِن قَبْلُ وما فِيهِ مِن فَضْلٍ وزِيادَةٍ.

البينة 98:1

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . اسْتَصْعَبَ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ تَحْصِيلُ المَعْنى المُسْتَفادِ مِن هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعِ صفحة ٤٦٩ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْصِيلًا يُنْتَزَعُ مَن لَفْظِها ونَظْمِها، فَذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ الواحِدِيُّ في التَّفْسِيرِ البَسِيطِ لَهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ. قالَ الفَخْرُ: (ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها، وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ والشِّرْكُ اللَّذَيْنِ كانُوا عَلَيْهِما؛ فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ ( حَتّى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ فَحِينَئِذٍ حَصَلَ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ ) اهـ كَلامُ الفَخْرِ. يُرِيدُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ البَيِّنَةِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَ مُنْفَكِّينَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ صِلَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ، وإنَّ حَرْفُ الغايَةِ يَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ المُفَسَّرَةِ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نِهايَةُ انْعِدامِ انْفِكاكِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ؛ أيْ: فَعِنْدَ إتْيانِ البَيِّنَةِ يَكُونُونَ مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فَإنَّ تَفَرُّقَهم راجِعٌ إلى تَفَرُّقِهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو ازْدِيادٌ في الكُفْرِ إذْ بِهِ تَكْثُرُ شُبَهُ الضَّلالِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى التَّفَرُّقِ في دِينِهِمْ مَعَ اتِّفاقِهِمْ في أصْلِ الكُفْرِ، وهَذا الأخِيرُ بِناءً عَلى اعْتِبارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلَخْ كَلامًا مُتَّصِلًا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ؛ وذَلِكَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. ولَنا في ذَلِكَ كَلامٌ سَيَأْتِي. ومِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ الفَخْرُ مِن وجْهِ الإشْكالِ: أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الكُفْرِ في زَمَنٍ ما، وأنَّ نَصْبَ المُضارِعِ بَعْدَ حَتّى يُنادِي عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ بَعْدَ (حَتّى) فَيَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ مُسْتَقْبَلٌ؛ وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّ البَيِّنَةَ فُسِّرَتْ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وإتْيانُ الرَّسُولِ وقَعَ قَبْلَ صفحة ٤٧٠ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِسِنِينَ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ: هَؤُلاءِ عَلى كُفْرِهِمْ، وهَؤُلاءِ عَلى شِرْكِهِمْ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ وجْهُ الإشْكالِ وكانَ مَظْنُونًا أنَّهُ مَلْحُوظٌ لِلْمُفَسِّرِينَ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ وارِدًا عَلى ما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِهِ في مُفْرَداتِهِ أوْ تَرْكِيبِهِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ، إمّا بِصَرْفِ تَرْكِيبِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِ الإخْبارِ وهو إفادَةُ المُخاطَبِ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَها التَّرْكِيبُ، بِأنْ يُصْرَفَ الخَبَرُ إلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنًى مَجازِيٍّ لِلتَّرْكِيبِ، وإمّا بِصَرْفِ بَعْضِ مُفْرَداتِهِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها التَّرْكِيبُ عَنْ ظاهِرِ مَعْناها إلى مَعْنى مَجازٍ أوْ كِنايَةٍ. فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن سَلَكَ طَرِيقَةَ صَرْفِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِهِ، ومِنهم مَن أبْقَوُا الخَبَرَ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِهِ وسَلَكُوا طَرِيقَةَ صَرْفِ بَعْضِ كَلِماتِهِ عَنْ ظاهِرِ مَعانِيها وهَؤُلاءِ مِنهم مَن تَأوَّلَ لَفَظَ (مُنْفَكِّينَ) ومِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى (حَتّى) ومِنهم مَن تَأوَّلَ (رَسُولٌ)، وبَعْضُهم جَوَّزَ في البَيِّنَةِ وجْهَيْنِ. وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فَبَلَغَتْ بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ذَكَرَ الألُوسِيُّ أكْثَرَها وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ مُعْظَمَها غَيْرَ مَعْزُوٍّ، وتَداخَلَ بَعْضُ ما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ، وزادَ أحَدُهُما ما لَمْ يَذْكُرْهُ الآخَرُ. ومَراجِعُ تَأْوِيلِ الآيَةِ تَئُولُ إلى خَمْسَةٍ. الأوَّلُ: تَأْوِيلُ الجُمْلَةِ بِأسْرِها بِأنْ يَئُولَ الخَبَرُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ ونِفْطَوَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ. الثّانِي: تَأْوِيلُ مَعْنى مُنْفَكِّينَ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم ومَصِيرِهِمْ إلى مُؤاخَذَتِهِمْ؛ وهو لِابْنِ عَطِيَّةَ. الثّالِثُ: تَأْوِيلُ مُتَعَلِّقُ ”مُنْفَكِّينَ“ بِأنَّهُ عَنِ الكُفْرِ وهو لِعَبْدِ الجَبّارِ، أوْ عَنِ الِاتِّفاقِ عَلى الكُفْرِ وهو لِلْفَخْرِ وأبِي حَيّانَ. أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالصِّدْقِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وهو لِابْنِ كَيْسانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُلَقَّبِ بِالأصَمِّ، أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الحَياةِ، أيْ: هالِكِينَ، وعُزِيَ إلى بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. صفحة ٤٧١ الرّابِعُ: تَأْوِيلُ (حَتّى) أنَّها بِمَعْنى (إنَّ) الِاتِّصالِيَّةَ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. الخامِسُ: تَأْوِيلُ (رَسُولٌ) بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] وعَزاهُ الفَخْرُ إلى أبِي مُسْلِمٍ وهو يَقْتَضِي صَرْفَ الخَبَرِ إلى التَّهَكُّمِ. هَذا والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أنَّهم كَفَرُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] . وأنْتَ لا يَعُوزُكَ إرْجاعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إلى هَذِهِ المَعاقِدِ، فَلا نَحْتاجُ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَدُونَكَ فَراجِعْها إنْ شِئْتَ؛ فَبِنا أنْ نَهْتَمَّ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ البَيِّنِ. إنَّ هَذِهِ الآياتِ ورَدَتْ مَوْرِدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وعَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم مُتَنَصِّلُونَ مِنَ الحَقِّ مُتَعَلِّلُونَ لِلْإصْرارِ عَلى الكُفْرِ عِنادًا، فَلْنَسْلُكْ بِالخَبَرِ مَسْلَكَ مَوْرِدِ الحُجَّةِ لا مَسْلَكَ إفادَةِ النِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْنا أنْ نَصْرِفَ التَّرْكِيبَ عَنِ اسْتِعْمالِ ظاهِرِهِ إلى اسْتِعْمالٍ مَجازِيٍّ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في الإنْشاءِ والِاسْتِفْهامِ في التَّوْبِيخِ ونَحْوِ ذَلِكَ الَّذِي قالَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ في المُطَوَّلِ: إنَّ بَيانَ أنَّهُ مِن أيِّ أنْواعِ المَجازِ هو مِمّا لَمْ يَحُمْ أحَدٌ حَوْلَهُ، والَّذِي تَصَدّى السَّيِّدُ الشَّرِيفُ لِبَيانِهِ بِما لا يُبْقِي فِيهِ شُبْهَةً. فَهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ نَقْلِ الأقْوالِ المُسْتَغْرَبَةِ المُضْطَرِبَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ ثَباتِ آراءِ أصْحابِها، فَهو مِنَ الحِكايَةِ لِما كانُوا يَعِدُونَ بِهِ، فَهو حِكايَةٌ بِالمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ بِأُسْلُوبِ الإخْبارِ المُسْتَعْمَلِ في إنْشاءِ التَّعْجِيبِ أوِ الشِّكايَةِ مِن صَلَفِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وهو اسْتِعْمالٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] إذْ عَبَّرَ بِصِيغَةِ يَحْذَرُ وهم إنَّما تَظاهَرُوا بِالحَذَرِ ولَمْ يَكُونُوا حاذِرِينَ حَقًّا ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤] . صفحة ٤٧٢ فالخَبَرُ مُوَجَّهٌ لِكُلِّ سامِعٍ، ومَضْمُونُهُ قَوْلُ ”كانَ صَدْرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ واشْتُهِرَ عَنْهم وعُرِفُوا بِهِ وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ المُشْرِكِينَ بِهِ لِأهْلِ الكِتابِ حِينَ يَدْعُونَهم إلى اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ فَيَقُولُوا: لَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ كَما أتاكم قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ . وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ حِينَ يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ ﷺ لِلْإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] الآيَةَ. وشُيُوعُهُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِن سِياقِهِ دَمْغُهم بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُصادِفًا المَحَزَّ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ . وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الكِتابِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وحاصِلُ المَعْنى: أنَّكم كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، أيِ العَلامَةُ الَّتِي وُعِدْنا بِها. وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ إلَخْ. وإذِ اتَّضَحَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ وانْقَشَعَ إشْكالُها فَلْنَنْتَقِلْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ. فالِانْفِكاكُ: الإقْلاعُ، وهو مُطاوِعُ فَكَّهُ إذا فَصَلَهُ وفَرَّقَهُ ويُسْتَعارُ لِمَعْنى أقْلَعَ عَنْهُ، ومُتَعَلِّقُ مُنْفَكِّينَ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ المُتَحَدِّثِ عَنْهم بِصِلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا والتَّقْدِيرُ: مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وتارِكِينَ لَهُ، سَواءٌ كانَ كُفْرُهم إشْراكًا بِاللَّهِ مِثْلَ كُفْرِ المُشْرِكِينَ أوْ كانَ كُفْرًا بِالرَّسُولِ ﷺ فَهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ في المَدِينَةِ والقُرى الَّتِي حَوْلَها ويَتَلَقَّفُهُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنِ الِاتِّصالِ بِأهْلِ الكِتابِ مُنْذُ ظَهَرَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ يَسْتَفْتُونَهم في ابْتِكارٍ مُخَلِّصٍ يَتَسَلَّلُونَ بِهِ صفحة ٤٧٣ عَنْ مَلامِ مَن يَلُومُهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ مِثْلَ جُهَيْنَةَ وغَطَفانَ، ومِن أفْرادِ المُنْتَصِرِينَ بِمَكَّةَ أوِ المَدِينَةِ. وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقالَ عَنْهم: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وحَكى عَنِ النَّصارى بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . وقالَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وحَكى عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلُهم ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ الكِتابَيْنِ في أنَّهم أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِانْتِظارِ نَبِيءٍ يَنْصُرُ الدِّينَ الحَقَّ؛ وجُعِلَتْ عَلاماتُهُ دَلائِلَ تَظْهَرُ مِن دَعْوَتِهِ كَقَوْلِ التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: (أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . ثُمَّ قَوْلُها فِيهِ: (وأمّا النَّبِيءُ الَّذِي يَطْغى فَيَتَكَلَّمُ كَلامًا لَمْ أُوصِهِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَيَمُوتُ ذَلِكَ النَّبِيُّ، وإنْ قُلْتَ في قَلْبِكَ كَيْفَ نَعْرِفُ الكَلامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ فَما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيءُ بِاسْمِ الرَّبِّ ولَمْ يَحْدُثْ ولَمْ يَصِرْ فَهو الكَلامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ) (الإصْحاحُ الثّامِنَ عَشَرَ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ) أيْ شَرِيعَتُهُ؛ لِأنَّ ذاتَ النَّبِيءِ لا تَمْكُثُ إلى الأبَدِ (رُوحُ الحَقُّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ) يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ الفِقْرَةُ ٦ (وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم بِكُلِّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) (يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ فِقْرَةُ ٢٦) . وقَوْلُهُ: ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ - أيْ بَعْدَ عِيسى - ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ، ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى - أيْ يَبْقى إلى انْقِراضِ الدُّنْيا وهو مَئُولٌ بِبَقاءِ دِينِهِ إذْ لا يَبْقى أحَدٌ حَيًّا إلى انْقِراضِ الدُّنْيا - فَهَذا يُخَلِّصُ ويَكْرُزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ صفحة ٤٧٤ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى - أيْ نِهايَةُ الدُّنْيا - ) (مَتّى الإصْحاحُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ)، أيْ: فَهو خاتَمُ الرُّسُلِ كَما هو بَيِّنٌ. وكانَ أحْبارُهم قَدْ أساءُوا التَّأْوِيلَ لِلْبِشاراتِ الوارِدَةِ في كُتُبِهِمْ بِالرَّسُولِ المُقَفِّي، وأدْخَلُوا عَلاماتٍ يَعْرِفُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ المَوْعُودَ بِهِ هي مِنَ المُخْتَرَعاتِ المَوْهُومَةِ، فَبَقِيَ مَن خَلْفَهم يَنْتَظِرُونَ تِلْكَ المُخْتَرَعاتِ فَإذا لَمْ يَجِدُوها كَذَّبُوا المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ. والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ والعَلامَةُ عَلى الصِّدْقِ، وهو اسْمٌ مَنقُولٌ مِنَ الوَصْفِ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ مَئُولٌ بِالشَّهادَةِ أوِ الآيَةِ. ولَعَلَّ إيثارَ التَّعْبِيرِ بِها هُنا لِأنَّها أحْسَنُ ما تُتَرْجَمُ بِهِ العِبارَةُ الواقِعَةُ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَحُومُ حَوْلَ مَعْنى الشَّهادَةِ الواضِحَةِ لِكُلِّ مُتَبَصِّرٍ كَما وقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى لَفْظَ (شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ)، (ولَعَلَّ التِزامَ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مَرَّتَيْنِ كانَ لِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ) . وقَدْ ذُكِرَتْ مَعَ ذِكْرِ الصُّحُفِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . والظّاهِرُ أنَّ التَّعْرِيفَ في البَيِّنَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وهو أنْ يُرادَ مَعْهُودٌ بِنَوْعِهِ لا بِشَخْصِهِ كَقَوْلِهِمُ: ادْخُلِ السُّوقَ، لا يُرِيدُونَ سُوقًا مُعَيَّنَةً بَلْ ما يُوجَدُ فِيهِ ماهِيَّةُ سُوقٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ولِذَلِكَ قالَ عُلَماءُ البَلاغَةِ: إنَّ المُعَرَّفَ بِهَذِهِ اللّامِ هو في المَعْنى نَكِرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَتّى تَأْتِيَهم بَيِّنَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِمَعْهُودٍ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهم؛ أيِ: البَيِّنَةُ الَّتِي هي وصايا أنْبِيائِهِمْ فَهي مَعْهُودَةٌ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم وإنِ اخْتَلَفُوا في تَخَيُّلِها وابْتَعَدُوا في تَوَهُّمِها بِما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ تَخَيُّلاتُهم واخْتِلاقُهم. وأُوثِرَتْ كَلِمَةُ البَيِّنَةِ لِأنَّها تُعَبِّرُ عَنِ المَعْنى الوارِدِ في كَلامِهِمْ، ولِذَلِكَ نَرى مادَّتَها مُتَكَرِّرَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ في هَذا الغَرَضِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] صفحة ٤٧٥ وقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ عَنِ القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . و(مِن) في قَوْلِهِ: مِن أهْلِ الكِتابِ بَيانِيَّةٌ بَيانٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا. وإنَّما قَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ هُنا مَعَ أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أشَدُّ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ لِأهْلِ الكِتابِ السَّبْقُ في هَذا المَقامِ فَهُمُ الَّذِينَ بَثُّوا بَيْنَ المُشْرِكِينَ شُبْهَةَ انْطِباقِ البَيِّنَةِ المَوْصُوفَةِ بَيْنَهم، فَأيَّدُوا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِما هو أتْقَنُ مِن تُرَّهاتِ المُشْرِكِينَ، إذْ كانَ المُشْرِكُونَ أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ؛ فَلَمّا صَدَمَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَزِعُوا إلى اليَهُودِ لِيَتَلَقَّوْا مِنهم ما يَرُدُّونَ بِهِ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وخاصَّةً بَعْدَما هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ. فالمَقْصُودُ بِالإبْطالِ ابْتِداءً هو دَعْوى أهْلِ الكِتابِ وأمّا المُشْرِكُونَ فَتَبَعٌ لَهم. واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، فَيَكُونُ الوَقْفُ هُناكَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، أيْ: هي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: لِأنَّ ما في البَيِّنَةِ مِنَ الإبْهامِ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ صِفَةِ هَذِهِ البَيِّنَةِ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ إلى آخِرِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ بَدَلًا مِنَ البَيِّنَةِ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ لَفْظِ (بَيِّنَةٍ) فَيَكُونُ مِن حِكايَةِ ما زَعَمُوهُ. أُرِيدَ إبْطالُ مَعاذِيرِهِمْ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ البَيِّنَةَ الَّتِي يَنْتَظِرُونَها قَدْ حَلَّتْ ولَكِنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ أوْ لا يُنْصِفُونَ أوْ لا يَفْقَهُونَ؛ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وتَنْكِيرُ (رَسُولٌ) لِلنَّوْعِيَّةِ المُرادِ مِنها تَيْسِيرُ ما يَسْتَصْعِبُ كَتَنْكِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقَوْلِ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١] . وفِي هَذا التَّبْيِينِ إبْطالٌ لِمَعاذِيرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ جاءَتْكُمُ البَيِّنَةُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وهو يُفِيدُ صفحة ٤٧٦ أنَّ البَيِّنَةَ هي الرَّسُولُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١٠] . فَأُسْلُوبُ هَذا الرَّدِّ مِثْلَ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] . وفِي هَذا تَذْكِيرٌ بِغَلَطِهِمْ فَإنَّ كُتُبَهم ما وعَدَتْ إلّا بِمَجِيءِ رَسُولٍ مَعَهُ شَرِيعَةٌ وكِتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا يَنْدَرِجُ في قَوْلَةِ التَّوْراةِ (وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٤٨] لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَصِفا النَّبِيءَ المَوْعُودَ بِهِ إلّا بِأنَّهُ مِثْلُ مُوسى أوْ مِثْلُ عِيسى، أيْ في أنَّهُ رَسُولٌ يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ بِشَرِيعَةٍ، وأنَّهُ يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ ويَنْطِقُ بِوَحْيِهِ، وأنَّ عَلامَتَهُ هو الصِّدْقُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ في كِتابِ المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ: ”إنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ كانَ بالِغًا في نَبِيِّنا إلى حَدِّ الإعْجازِ، وإنَّ مُعْجِزاتِهِ كانَتْ غايَةً في الظُّهُورِ والكَثْرَةِ“ . ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (رَسُولٌ) ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الإضافَةِ لِيَتَأتّى تَنْوِينُ (رَسُولٌ) فَيُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا الرَّسُولِ. وجُمْلَةُ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ إلَخْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ، وهي إدْماجٌ بِالثَّناءِ عَلى القُرْآنِ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ في كُتُبِهِمْ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. والتِّلاوَةُ: إعادَةُ الكَلامِ دُونَ زِيادَةٍ عَلَيْهِ ولا نَقْصٍ مِنهُ سَواءٌ كانَ كَلامًا مَكْتُوبًا أوْ مَحْفُوظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، فَفِعْلُ يَتْلُو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كَلامًا لا تُبَدَّلُ ألْفاظُهُ وهو الوَحْيُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ. صفحة ٤٧٧ والصُّحُفُ: الأوْراقُ والقَراطِيسُ الَّتِي تُجْعَلُ لِأنْ يُكْتَبَ فِيها، وتَكُونُ مِن رَقٍّ أوْ جِلْدٍ، أوْ مِن خِرَقٍ. وتَسْمِيَةُ ما يَتْلُوهُ الرَّسُولُ صُحُفًا مَجازٌ بِعَلاقَةِ الأيْلُولَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِكِتابَتِهِ فَهو عِنْدُ تِلاوَتِهِ سَيَكُونُ صُحُفًا؛ فَهَذا المَجازُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِكِتابَةِ القُرْآنِ في الصُّحُفِ وما يُشْبِهُ الصُّحُفَ مِن أكْتافِ الشّاءِ والخِرَقِ والحِجارَةِ، وأنَّ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ سُمِّيَ كِتابًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] لِأجْلِ هَذا المَعْنى. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَتْلُو“ إلى ”صُحُفًا“ مَجازٌ مُرْسَلٌ مَشْهُورٌ ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهو بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَتْلُوِّ مَكْتُوبًا، وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ولا يَقْرَؤُهُ مِن صُحُفٍ فَمَعْنى ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ يَتْلُو ما هو مَكْتُوبٌ في صُحُفٍ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وهي اشْتِهارُ كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ بِـ (مُطَهَّرَةً) وهو وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّهارَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: كَوْنُ مَعانِيهِ لا لَبْسَ فِيها ولا تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ تَضْلِيلٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِبَعْضِ ما في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ التَّحْرِيفِ والأوْهامِ. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ الَّتِي يَتْلُوها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ فِيها كُتُبًا، والكُتُبَ: جَمْعُ كِتابٍ، وهو فِعالٌ اسْمٌ بِمَعْنى المَكْتُوبِ؛ فَمَعْنى كَوْنِ الكُتُبِ كائِنَةً في الصُّحُفِ أنَّ الصُّحُفَ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها القُرْآنُ تَشْتَمِلُ عَلى القُرْآنِ وهو يَشْتَمِلُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ مِمّا هو خالِصٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والباطِلِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى:﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] فالقُرْآنُ زُبْدَةُ ما في الكُتُبِ الأُولى ومَجْمَعُ ثَمَرَتِها، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَرَةِ الكُتُبِ اسْمُ كُتُبٍ عَلى وجْهِ مَجازِ الجُزْئِيَّةِ. والمُرادُ بِالكُتُبِ أجْزاءُ القُرْآنِ أوْ سُوَرُهُ فَهي بِمَثابَةِ الكُتُبِ. والقَيِّمَةُ: المُسْتَقِيمَةُ، أيْ: شَدِيدَةُ القِيامِ الَّذِي هو هُنا مَجازٌ في الكَمالِ والصَّوابِ؛ وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ تَشْبِيهًا بِالقائِمِ لِاسْتِعْدادِهِ لِلْعَمَلِ النّافِعِ، وضِدَّهُ العِوَجُ قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] صفحة ٤٧٨ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ نَقْصَ الباطِلِ والخَطَأِ، فالقَيِّمَةُ مُبالَغَةٌ في القائِمِ مِثْلَ السَّيِّدِ لِلسّائِدِ والمَيِّتِ. وتَأْنِيثُ الوَصْفِ لِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِجَمْعٍ.

البينة 98:2

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . اسْتَصْعَبَ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ تَحْصِيلُ المَعْنى المُسْتَفادِ مِن هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعِ صفحة ٤٦٩ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْصِيلًا يُنْتَزَعُ مَن لَفْظِها ونَظْمِها، فَذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ الواحِدِيُّ في التَّفْسِيرِ البَسِيطِ لَهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ. قالَ الفَخْرُ: (ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها، وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ والشِّرْكُ اللَّذَيْنِ كانُوا عَلَيْهِما؛ فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ ( حَتّى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ فَحِينَئِذٍ حَصَلَ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ ) اهـ كَلامُ الفَخْرِ. يُرِيدُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ البَيِّنَةِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَ مُنْفَكِّينَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ صِلَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ، وإنَّ حَرْفُ الغايَةِ يَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ المُفَسَّرَةِ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نِهايَةُ انْعِدامِ انْفِكاكِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ؛ أيْ: فَعِنْدَ إتْيانِ البَيِّنَةِ يَكُونُونَ مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فَإنَّ تَفَرُّقَهم راجِعٌ إلى تَفَرُّقِهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو ازْدِيادٌ في الكُفْرِ إذْ بِهِ تَكْثُرُ شُبَهُ الضَّلالِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى التَّفَرُّقِ في دِينِهِمْ مَعَ اتِّفاقِهِمْ في أصْلِ الكُفْرِ، وهَذا الأخِيرُ بِناءً عَلى اعْتِبارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلَخْ كَلامًا مُتَّصِلًا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ؛ وذَلِكَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. ولَنا في ذَلِكَ كَلامٌ سَيَأْتِي. ومِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ الفَخْرُ مِن وجْهِ الإشْكالِ: أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الكُفْرِ في زَمَنٍ ما، وأنَّ نَصْبَ المُضارِعِ بَعْدَ حَتّى يُنادِي عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ بَعْدَ (حَتّى) فَيَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ مُسْتَقْبَلٌ؛ وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّ البَيِّنَةَ فُسِّرَتْ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وإتْيانُ الرَّسُولِ وقَعَ قَبْلَ صفحة ٤٧٠ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِسِنِينَ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ: هَؤُلاءِ عَلى كُفْرِهِمْ، وهَؤُلاءِ عَلى شِرْكِهِمْ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ وجْهُ الإشْكالِ وكانَ مَظْنُونًا أنَّهُ مَلْحُوظٌ لِلْمُفَسِّرِينَ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ وارِدًا عَلى ما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِهِ في مُفْرَداتِهِ أوْ تَرْكِيبِهِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ، إمّا بِصَرْفِ تَرْكِيبِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِ الإخْبارِ وهو إفادَةُ المُخاطَبِ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَها التَّرْكِيبُ، بِأنْ يُصْرَفَ الخَبَرُ إلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنًى مَجازِيٍّ لِلتَّرْكِيبِ، وإمّا بِصَرْفِ بَعْضِ مُفْرَداتِهِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها التَّرْكِيبُ عَنْ ظاهِرِ مَعْناها إلى مَعْنى مَجازٍ أوْ كِنايَةٍ. فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن سَلَكَ طَرِيقَةَ صَرْفِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِهِ، ومِنهم مَن أبْقَوُا الخَبَرَ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِهِ وسَلَكُوا طَرِيقَةَ صَرْفِ بَعْضِ كَلِماتِهِ عَنْ ظاهِرِ مَعانِيها وهَؤُلاءِ مِنهم مَن تَأوَّلَ لَفَظَ (مُنْفَكِّينَ) ومِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى (حَتّى) ومِنهم مَن تَأوَّلَ (رَسُولٌ)، وبَعْضُهم جَوَّزَ في البَيِّنَةِ وجْهَيْنِ. وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فَبَلَغَتْ بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ذَكَرَ الألُوسِيُّ أكْثَرَها وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ مُعْظَمَها غَيْرَ مَعْزُوٍّ، وتَداخَلَ بَعْضُ ما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ، وزادَ أحَدُهُما ما لَمْ يَذْكُرْهُ الآخَرُ. ومَراجِعُ تَأْوِيلِ الآيَةِ تَئُولُ إلى خَمْسَةٍ. الأوَّلُ: تَأْوِيلُ الجُمْلَةِ بِأسْرِها بِأنْ يَئُولَ الخَبَرُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ ونِفْطَوَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ. الثّانِي: تَأْوِيلُ مَعْنى مُنْفَكِّينَ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم ومَصِيرِهِمْ إلى مُؤاخَذَتِهِمْ؛ وهو لِابْنِ عَطِيَّةَ. الثّالِثُ: تَأْوِيلُ مُتَعَلِّقُ ”مُنْفَكِّينَ“ بِأنَّهُ عَنِ الكُفْرِ وهو لِعَبْدِ الجَبّارِ، أوْ عَنِ الِاتِّفاقِ عَلى الكُفْرِ وهو لِلْفَخْرِ وأبِي حَيّانَ. أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالصِّدْقِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وهو لِابْنِ كَيْسانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُلَقَّبِ بِالأصَمِّ، أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الحَياةِ، أيْ: هالِكِينَ، وعُزِيَ إلى بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. صفحة ٤٧١ الرّابِعُ: تَأْوِيلُ (حَتّى) أنَّها بِمَعْنى (إنَّ) الِاتِّصالِيَّةَ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. الخامِسُ: تَأْوِيلُ (رَسُولٌ) بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] وعَزاهُ الفَخْرُ إلى أبِي مُسْلِمٍ وهو يَقْتَضِي صَرْفَ الخَبَرِ إلى التَّهَكُّمِ. هَذا والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أنَّهم كَفَرُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] . وأنْتَ لا يَعُوزُكَ إرْجاعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إلى هَذِهِ المَعاقِدِ، فَلا نَحْتاجُ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَدُونَكَ فَراجِعْها إنْ شِئْتَ؛ فَبِنا أنْ نَهْتَمَّ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ البَيِّنِ. إنَّ هَذِهِ الآياتِ ورَدَتْ مَوْرِدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وعَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم مُتَنَصِّلُونَ مِنَ الحَقِّ مُتَعَلِّلُونَ لِلْإصْرارِ عَلى الكُفْرِ عِنادًا، فَلْنَسْلُكْ بِالخَبَرِ مَسْلَكَ مَوْرِدِ الحُجَّةِ لا مَسْلَكَ إفادَةِ النِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْنا أنْ نَصْرِفَ التَّرْكِيبَ عَنِ اسْتِعْمالِ ظاهِرِهِ إلى اسْتِعْمالٍ مَجازِيٍّ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في الإنْشاءِ والِاسْتِفْهامِ في التَّوْبِيخِ ونَحْوِ ذَلِكَ الَّذِي قالَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ في المُطَوَّلِ: إنَّ بَيانَ أنَّهُ مِن أيِّ أنْواعِ المَجازِ هو مِمّا لَمْ يَحُمْ أحَدٌ حَوْلَهُ، والَّذِي تَصَدّى السَّيِّدُ الشَّرِيفُ لِبَيانِهِ بِما لا يُبْقِي فِيهِ شُبْهَةً. فَهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ نَقْلِ الأقْوالِ المُسْتَغْرَبَةِ المُضْطَرِبَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ ثَباتِ آراءِ أصْحابِها، فَهو مِنَ الحِكايَةِ لِما كانُوا يَعِدُونَ بِهِ، فَهو حِكايَةٌ بِالمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ بِأُسْلُوبِ الإخْبارِ المُسْتَعْمَلِ في إنْشاءِ التَّعْجِيبِ أوِ الشِّكايَةِ مِن صَلَفِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وهو اسْتِعْمالٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] إذْ عَبَّرَ بِصِيغَةِ يَحْذَرُ وهم إنَّما تَظاهَرُوا بِالحَذَرِ ولَمْ يَكُونُوا حاذِرِينَ حَقًّا ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤] . صفحة ٤٧٢ فالخَبَرُ مُوَجَّهٌ لِكُلِّ سامِعٍ، ومَضْمُونُهُ قَوْلُ ”كانَ صَدْرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ واشْتُهِرَ عَنْهم وعُرِفُوا بِهِ وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ المُشْرِكِينَ بِهِ لِأهْلِ الكِتابِ حِينَ يَدْعُونَهم إلى اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ فَيَقُولُوا: لَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ كَما أتاكم قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ . وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ حِينَ يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ ﷺ لِلْإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] الآيَةَ. وشُيُوعُهُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِن سِياقِهِ دَمْغُهم بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُصادِفًا المَحَزَّ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ . وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الكِتابِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وحاصِلُ المَعْنى: أنَّكم كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، أيِ العَلامَةُ الَّتِي وُعِدْنا بِها. وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ إلَخْ. وإذِ اتَّضَحَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ وانْقَشَعَ إشْكالُها فَلْنَنْتَقِلْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ. فالِانْفِكاكُ: الإقْلاعُ، وهو مُطاوِعُ فَكَّهُ إذا فَصَلَهُ وفَرَّقَهُ ويُسْتَعارُ لِمَعْنى أقْلَعَ عَنْهُ، ومُتَعَلِّقُ مُنْفَكِّينَ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ المُتَحَدِّثِ عَنْهم بِصِلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا والتَّقْدِيرُ: مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وتارِكِينَ لَهُ، سَواءٌ كانَ كُفْرُهم إشْراكًا بِاللَّهِ مِثْلَ كُفْرِ المُشْرِكِينَ أوْ كانَ كُفْرًا بِالرَّسُولِ ﷺ فَهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ في المَدِينَةِ والقُرى الَّتِي حَوْلَها ويَتَلَقَّفُهُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنِ الِاتِّصالِ بِأهْلِ الكِتابِ مُنْذُ ظَهَرَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ يَسْتَفْتُونَهم في ابْتِكارٍ مُخَلِّصٍ يَتَسَلَّلُونَ بِهِ صفحة ٤٧٣ عَنْ مَلامِ مَن يَلُومُهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ مِثْلَ جُهَيْنَةَ وغَطَفانَ، ومِن أفْرادِ المُنْتَصِرِينَ بِمَكَّةَ أوِ المَدِينَةِ. وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقالَ عَنْهم: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وحَكى عَنِ النَّصارى بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . وقالَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وحَكى عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلُهم ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ الكِتابَيْنِ في أنَّهم أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِانْتِظارِ نَبِيءٍ يَنْصُرُ الدِّينَ الحَقَّ؛ وجُعِلَتْ عَلاماتُهُ دَلائِلَ تَظْهَرُ مِن دَعْوَتِهِ كَقَوْلِ التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: (أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . ثُمَّ قَوْلُها فِيهِ: (وأمّا النَّبِيءُ الَّذِي يَطْغى فَيَتَكَلَّمُ كَلامًا لَمْ أُوصِهِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَيَمُوتُ ذَلِكَ النَّبِيُّ، وإنْ قُلْتَ في قَلْبِكَ كَيْفَ نَعْرِفُ الكَلامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ فَما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيءُ بِاسْمِ الرَّبِّ ولَمْ يَحْدُثْ ولَمْ يَصِرْ فَهو الكَلامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ) (الإصْحاحُ الثّامِنَ عَشَرَ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ) أيْ شَرِيعَتُهُ؛ لِأنَّ ذاتَ النَّبِيءِ لا تَمْكُثُ إلى الأبَدِ (رُوحُ الحَقُّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ) يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ الفِقْرَةُ ٦ (وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم بِكُلِّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) (يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ فِقْرَةُ ٢٦) . وقَوْلُهُ: ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ - أيْ بَعْدَ عِيسى - ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ، ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى - أيْ يَبْقى إلى انْقِراضِ الدُّنْيا وهو مَئُولٌ بِبَقاءِ دِينِهِ إذْ لا يَبْقى أحَدٌ حَيًّا إلى انْقِراضِ الدُّنْيا - فَهَذا يُخَلِّصُ ويَكْرُزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ صفحة ٤٧٤ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى - أيْ نِهايَةُ الدُّنْيا - ) (مَتّى الإصْحاحُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ)، أيْ: فَهو خاتَمُ الرُّسُلِ كَما هو بَيِّنٌ. وكانَ أحْبارُهم قَدْ أساءُوا التَّأْوِيلَ لِلْبِشاراتِ الوارِدَةِ في كُتُبِهِمْ بِالرَّسُولِ المُقَفِّي، وأدْخَلُوا عَلاماتٍ يَعْرِفُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ المَوْعُودَ بِهِ هي مِنَ المُخْتَرَعاتِ المَوْهُومَةِ، فَبَقِيَ مَن خَلْفَهم يَنْتَظِرُونَ تِلْكَ المُخْتَرَعاتِ فَإذا لَمْ يَجِدُوها كَذَّبُوا المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ. والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ والعَلامَةُ عَلى الصِّدْقِ، وهو اسْمٌ مَنقُولٌ مِنَ الوَصْفِ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ مَئُولٌ بِالشَّهادَةِ أوِ الآيَةِ. ولَعَلَّ إيثارَ التَّعْبِيرِ بِها هُنا لِأنَّها أحْسَنُ ما تُتَرْجَمُ بِهِ العِبارَةُ الواقِعَةُ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَحُومُ حَوْلَ مَعْنى الشَّهادَةِ الواضِحَةِ لِكُلِّ مُتَبَصِّرٍ كَما وقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى لَفْظَ (شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ)، (ولَعَلَّ التِزامَ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مَرَّتَيْنِ كانَ لِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ) . وقَدْ ذُكِرَتْ مَعَ ذِكْرِ الصُّحُفِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . والظّاهِرُ أنَّ التَّعْرِيفَ في البَيِّنَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وهو أنْ يُرادَ مَعْهُودٌ بِنَوْعِهِ لا بِشَخْصِهِ كَقَوْلِهِمُ: ادْخُلِ السُّوقَ، لا يُرِيدُونَ سُوقًا مُعَيَّنَةً بَلْ ما يُوجَدُ فِيهِ ماهِيَّةُ سُوقٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ولِذَلِكَ قالَ عُلَماءُ البَلاغَةِ: إنَّ المُعَرَّفَ بِهَذِهِ اللّامِ هو في المَعْنى نَكِرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَتّى تَأْتِيَهم بَيِّنَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِمَعْهُودٍ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهم؛ أيِ: البَيِّنَةُ الَّتِي هي وصايا أنْبِيائِهِمْ فَهي مَعْهُودَةٌ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم وإنِ اخْتَلَفُوا في تَخَيُّلِها وابْتَعَدُوا في تَوَهُّمِها بِما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ تَخَيُّلاتُهم واخْتِلاقُهم. وأُوثِرَتْ كَلِمَةُ البَيِّنَةِ لِأنَّها تُعَبِّرُ عَنِ المَعْنى الوارِدِ في كَلامِهِمْ، ولِذَلِكَ نَرى مادَّتَها مُتَكَرِّرَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ في هَذا الغَرَضِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] صفحة ٤٧٥ وقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ عَنِ القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . و(مِن) في قَوْلِهِ: مِن أهْلِ الكِتابِ بَيانِيَّةٌ بَيانٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا. وإنَّما قَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ هُنا مَعَ أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أشَدُّ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ لِأهْلِ الكِتابِ السَّبْقُ في هَذا المَقامِ فَهُمُ الَّذِينَ بَثُّوا بَيْنَ المُشْرِكِينَ شُبْهَةَ انْطِباقِ البَيِّنَةِ المَوْصُوفَةِ بَيْنَهم، فَأيَّدُوا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِما هو أتْقَنُ مِن تُرَّهاتِ المُشْرِكِينَ، إذْ كانَ المُشْرِكُونَ أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ؛ فَلَمّا صَدَمَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَزِعُوا إلى اليَهُودِ لِيَتَلَقَّوْا مِنهم ما يَرُدُّونَ بِهِ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وخاصَّةً بَعْدَما هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ. فالمَقْصُودُ بِالإبْطالِ ابْتِداءً هو دَعْوى أهْلِ الكِتابِ وأمّا المُشْرِكُونَ فَتَبَعٌ لَهم. واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، فَيَكُونُ الوَقْفُ هُناكَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، أيْ: هي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: لِأنَّ ما في البَيِّنَةِ مِنَ الإبْهامِ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ صِفَةِ هَذِهِ البَيِّنَةِ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ إلى آخِرِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ بَدَلًا مِنَ البَيِّنَةِ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ لَفْظِ (بَيِّنَةٍ) فَيَكُونُ مِن حِكايَةِ ما زَعَمُوهُ. أُرِيدَ إبْطالُ مَعاذِيرِهِمْ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ البَيِّنَةَ الَّتِي يَنْتَظِرُونَها قَدْ حَلَّتْ ولَكِنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ أوْ لا يُنْصِفُونَ أوْ لا يَفْقَهُونَ؛ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وتَنْكِيرُ (رَسُولٌ) لِلنَّوْعِيَّةِ المُرادِ مِنها تَيْسِيرُ ما يَسْتَصْعِبُ كَتَنْكِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقَوْلِ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١] . وفِي هَذا التَّبْيِينِ إبْطالٌ لِمَعاذِيرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ جاءَتْكُمُ البَيِّنَةُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وهو يُفِيدُ صفحة ٤٧٦ أنَّ البَيِّنَةَ هي الرَّسُولُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١٠] . فَأُسْلُوبُ هَذا الرَّدِّ مِثْلَ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] . وفِي هَذا تَذْكِيرٌ بِغَلَطِهِمْ فَإنَّ كُتُبَهم ما وعَدَتْ إلّا بِمَجِيءِ رَسُولٍ مَعَهُ شَرِيعَةٌ وكِتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا يَنْدَرِجُ في قَوْلَةِ التَّوْراةِ (وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٤٨] لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَصِفا النَّبِيءَ المَوْعُودَ بِهِ إلّا بِأنَّهُ مِثْلُ مُوسى أوْ مِثْلُ عِيسى، أيْ في أنَّهُ رَسُولٌ يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ بِشَرِيعَةٍ، وأنَّهُ يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ ويَنْطِقُ بِوَحْيِهِ، وأنَّ عَلامَتَهُ هو الصِّدْقُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ في كِتابِ المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ: ”إنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ كانَ بالِغًا في نَبِيِّنا إلى حَدِّ الإعْجازِ، وإنَّ مُعْجِزاتِهِ كانَتْ غايَةً في الظُّهُورِ والكَثْرَةِ“ . ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (رَسُولٌ) ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الإضافَةِ لِيَتَأتّى تَنْوِينُ (رَسُولٌ) فَيُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا الرَّسُولِ. وجُمْلَةُ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ إلَخْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ، وهي إدْماجٌ بِالثَّناءِ عَلى القُرْآنِ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ في كُتُبِهِمْ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. والتِّلاوَةُ: إعادَةُ الكَلامِ دُونَ زِيادَةٍ عَلَيْهِ ولا نَقْصٍ مِنهُ سَواءٌ كانَ كَلامًا مَكْتُوبًا أوْ مَحْفُوظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، فَفِعْلُ يَتْلُو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كَلامًا لا تُبَدَّلُ ألْفاظُهُ وهو الوَحْيُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ. صفحة ٤٧٧ والصُّحُفُ: الأوْراقُ والقَراطِيسُ الَّتِي تُجْعَلُ لِأنْ يُكْتَبَ فِيها، وتَكُونُ مِن رَقٍّ أوْ جِلْدٍ، أوْ مِن خِرَقٍ. وتَسْمِيَةُ ما يَتْلُوهُ الرَّسُولُ صُحُفًا مَجازٌ بِعَلاقَةِ الأيْلُولَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِكِتابَتِهِ فَهو عِنْدُ تِلاوَتِهِ سَيَكُونُ صُحُفًا؛ فَهَذا المَجازُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِكِتابَةِ القُرْآنِ في الصُّحُفِ وما يُشْبِهُ الصُّحُفَ مِن أكْتافِ الشّاءِ والخِرَقِ والحِجارَةِ، وأنَّ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ سُمِّيَ كِتابًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] لِأجْلِ هَذا المَعْنى. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَتْلُو“ إلى ”صُحُفًا“ مَجازٌ مُرْسَلٌ مَشْهُورٌ ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهو بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَتْلُوِّ مَكْتُوبًا، وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ولا يَقْرَؤُهُ مِن صُحُفٍ فَمَعْنى ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ يَتْلُو ما هو مَكْتُوبٌ في صُحُفٍ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وهي اشْتِهارُ كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ بِـ (مُطَهَّرَةً) وهو وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّهارَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: كَوْنُ مَعانِيهِ لا لَبْسَ فِيها ولا تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ تَضْلِيلٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِبَعْضِ ما في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ التَّحْرِيفِ والأوْهامِ. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ الَّتِي يَتْلُوها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ فِيها كُتُبًا، والكُتُبَ: جَمْعُ كِتابٍ، وهو فِعالٌ اسْمٌ بِمَعْنى المَكْتُوبِ؛ فَمَعْنى كَوْنِ الكُتُبِ كائِنَةً في الصُّحُفِ أنَّ الصُّحُفَ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها القُرْآنُ تَشْتَمِلُ عَلى القُرْآنِ وهو يَشْتَمِلُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ مِمّا هو خالِصٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والباطِلِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى:﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] فالقُرْآنُ زُبْدَةُ ما في الكُتُبِ الأُولى ومَجْمَعُ ثَمَرَتِها، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَرَةِ الكُتُبِ اسْمُ كُتُبٍ عَلى وجْهِ مَجازِ الجُزْئِيَّةِ. والمُرادُ بِالكُتُبِ أجْزاءُ القُرْآنِ أوْ سُوَرُهُ فَهي بِمَثابَةِ الكُتُبِ. والقَيِّمَةُ: المُسْتَقِيمَةُ، أيْ: شَدِيدَةُ القِيامِ الَّذِي هو هُنا مَجازٌ في الكَمالِ والصَّوابِ؛ وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ تَشْبِيهًا بِالقائِمِ لِاسْتِعْدادِهِ لِلْعَمَلِ النّافِعِ، وضِدَّهُ العِوَجُ قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] صفحة ٤٧٨ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ نَقْصَ الباطِلِ والخَطَأِ، فالقَيِّمَةُ مُبالَغَةٌ في القائِمِ مِثْلَ السَّيِّدِ لِلسّائِدِ والمَيِّتِ. وتَأْنِيثُ الوَصْفِ لِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِجَمْعٍ.

البينة 98:3

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . اسْتَصْعَبَ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ تَحْصِيلُ المَعْنى المُسْتَفادِ مِن هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعِ صفحة ٤٦٩ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْصِيلًا يُنْتَزَعُ مَن لَفْظِها ونَظْمِها، فَذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ الواحِدِيُّ في التَّفْسِيرِ البَسِيطِ لَهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ نَظْمًا وتَفْسِيرًا وقَدْ تَخَبَّطَ فِيها الكِبارُ مِنَ العُلَماءِ. قالَ الفَخْرُ: (ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُلَخِّصْ كَيْفِيَّةَ الإشْكالِ فِيها، وأنا أقُولُ: وجْهُ الإشْكالِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهم مُنْفَكُّونَ عَنْ ماذا، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ إذِ المُرادُ هو الكُفْرُ والشِّرْكُ اللَّذَيْنِ كانُوا عَلَيْهِما؛ فَصارَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي هي الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ إنَّ كَلِمَةَ ( حَتّى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهم صارُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُفْرَهم قَدِ ازْدادَ عِنْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ فَحِينَئِذٍ حَصَلَ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى والآيَةِ الثّانِيَةِ مُناقَضَةٌ في الظّاهِرِ ) اهـ كَلامُ الفَخْرِ. يُرِيدُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ البَيِّنَةِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَ مُنْفَكِّينَ حُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ صِلَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ، وإنَّ حَرْفُ الغايَةِ يَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ المُفَسَّرَةِ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نِهايَةُ انْعِدامِ انْفِكاكِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ؛ أيْ: فَعِنْدَ إتْيانِ البَيِّنَةِ يَكُونُونَ مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فَإنَّ تَفَرُّقَهم راجِعٌ إلى تَفَرُّقِهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو ازْدِيادٌ في الكُفْرِ إذْ بِهِ تَكْثُرُ شُبَهُ الضَّلالِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى التَّفَرُّقِ في دِينِهِمْ مَعَ اتِّفاقِهِمْ في أصْلِ الكُفْرِ، وهَذا الأخِيرُ بِناءً عَلى اعْتِبارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلَخْ كَلامًا مُتَّصِلًا بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ؛ وذَلِكَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. ولَنا في ذَلِكَ كَلامٌ سَيَأْتِي. ومِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ الفَخْرُ مِن وجْهِ الإشْكالِ: أنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الكُفْرِ في زَمَنٍ ما، وأنَّ نَصْبَ المُضارِعِ بَعْدَ حَتّى يُنادِي عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ بَعْدَ (حَتّى) فَيَقْتَضِي أنَّ إتْيانَ البَيِّنَةِ مُسْتَقْبَلٌ؛ وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّ البَيِّنَةَ فُسِّرَتْ بِـ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وإتْيانُ الرَّسُولِ وقَعَ قَبْلَ صفحة ٤٧٠ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِسِنِينَ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ: هَؤُلاءِ عَلى كُفْرِهِمْ، وهَؤُلاءِ عَلى شِرْكِهِمْ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ وجْهُ الإشْكالِ وكانَ مَظْنُونًا أنَّهُ مَلْحُوظٌ لِلْمُفَسِّرِينَ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ وارِدًا عَلى ما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِهِ في مُفْرَداتِهِ أوْ تَرْكِيبِهِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ، إمّا بِصَرْفِ تَرْكِيبِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِ الإخْبارِ وهو إفادَةُ المُخاطَبِ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَها التَّرْكِيبُ، بِأنْ يُصْرَفَ الخَبَرُ إلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنًى مَجازِيٍّ لِلتَّرْكِيبِ، وإمّا بِصَرْفِ بَعْضِ مُفْرَداتِهِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها التَّرْكِيبُ عَنْ ظاهِرِ مَعْناها إلى مَعْنى مَجازٍ أوْ كِنايَةٍ. فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن سَلَكَ طَرِيقَةَ صَرْفِ الخَبَرِ عَنْ ظاهِرِهِ، ومِنهم مَن أبْقَوُا الخَبَرَ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِهِ وسَلَكُوا طَرِيقَةَ صَرْفِ بَعْضِ كَلِماتِهِ عَنْ ظاهِرِ مَعانِيها وهَؤُلاءِ مِنهم مَن تَأوَّلَ لَفَظَ (مُنْفَكِّينَ) ومِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى (حَتّى) ومِنهم مَن تَأوَّلَ (رَسُولٌ)، وبَعْضُهم جَوَّزَ في البَيِّنَةِ وجْهَيْنِ. وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فَبَلَغَتْ بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ذَكَرَ الألُوسِيُّ أكْثَرَها وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ مُعْظَمَها غَيْرَ مَعْزُوٍّ، وتَداخَلَ بَعْضُ ما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ، وزادَ أحَدُهُما ما لَمْ يَذْكُرْهُ الآخَرُ. ومَراجِعُ تَأْوِيلِ الآيَةِ تَئُولُ إلى خَمْسَةٍ. الأوَّلُ: تَأْوِيلُ الجُمْلَةِ بِأسْرِها بِأنْ يَئُولَ الخَبَرُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ ونِفْطَوَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ. الثّانِي: تَأْوِيلُ مَعْنى مُنْفَكِّينَ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم ومَصِيرِهِمْ إلى مُؤاخَذَتِهِمْ؛ وهو لِابْنِ عَطِيَّةَ. الثّالِثُ: تَأْوِيلُ مُتَعَلِّقُ ”مُنْفَكِّينَ“ بِأنَّهُ عَنِ الكُفْرِ وهو لِعَبْدِ الجَبّارِ، أوْ عَنِ الِاتِّفاقِ عَلى الكُفْرِ وهو لِلْفَخْرِ وأبِي حَيّانَ. أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالصِّدْقِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وهو لِابْنِ كَيْسانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُلَقَّبِ بِالأصَمِّ، أوْ مُنْفَكِّينَ عَنِ الحَياةِ، أيْ: هالِكِينَ، وعُزِيَ إلى بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. صفحة ٤٧١ الرّابِعُ: تَأْوِيلُ (حَتّى) أنَّها بِمَعْنى (إنَّ) الِاتِّصالِيَّةَ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ. الخامِسُ: تَأْوِيلُ (رَسُولٌ) بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ صُحُفًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] وعَزاهُ الفَخْرُ إلى أبِي مُسْلِمٍ وهو يَقْتَضِي صَرْفَ الخَبَرِ إلى التَّهَكُّمِ. هَذا والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أنَّهم كَفَرُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] . وأنْتَ لا يَعُوزُكَ إرْجاعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ إلى هَذِهِ المَعاقِدِ، فَلا نَحْتاجُ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَدُونَكَ فَراجِعْها إنْ شِئْتَ؛ فَبِنا أنْ نَهْتَمَّ بِتَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ البَيِّنِ. إنَّ هَذِهِ الآياتِ ورَدَتْ مَوْرِدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وعَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم مُتَنَصِّلُونَ مِنَ الحَقِّ مُتَعَلِّلُونَ لِلْإصْرارِ عَلى الكُفْرِ عِنادًا، فَلْنَسْلُكْ بِالخَبَرِ مَسْلَكَ مَوْرِدِ الحُجَّةِ لا مَسْلَكَ إفادَةِ النِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْنا أنْ نَصْرِفَ التَّرْكِيبَ عَنِ اسْتِعْمالِ ظاهِرِهِ إلى اسْتِعْمالٍ مَجازِيٍّ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في الإنْشاءِ والِاسْتِفْهامِ في التَّوْبِيخِ ونَحْوِ ذَلِكَ الَّذِي قالَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ في المُطَوَّلِ: إنَّ بَيانَ أنَّهُ مِن أيِّ أنْواعِ المَجازِ هو مِمّا لَمْ يَحُمْ أحَدٌ حَوْلَهُ، والَّذِي تَصَدّى السَّيِّدُ الشَّرِيفُ لِبَيانِهِ بِما لا يُبْقِي فِيهِ شُبْهَةً. فَهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ نَقْلِ الأقْوالِ المُسْتَغْرَبَةِ المُضْطَرِبَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ ثَباتِ آراءِ أصْحابِها، فَهو مِنَ الحِكايَةِ لِما كانُوا يَعِدُونَ بِهِ، فَهو حِكايَةٌ بِالمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ بِأُسْلُوبِ الإخْبارِ المُسْتَعْمَلِ في إنْشاءِ التَّعْجِيبِ أوِ الشِّكايَةِ مِن صَلَفِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وهو اسْتِعْمالٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] إذْ عَبَّرَ بِصِيغَةِ يَحْذَرُ وهم إنَّما تَظاهَرُوا بِالحَذَرِ ولَمْ يَكُونُوا حاذِرِينَ حَقًّا ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤] . صفحة ٤٧٢ فالخَبَرُ مُوَجَّهٌ لِكُلِّ سامِعٍ، ومَضْمُونُهُ قَوْلُ ”كانَ صَدْرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ واشْتُهِرَ عَنْهم وعُرِفُوا بِهِ وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ المُشْرِكِينَ بِهِ لِأهْلِ الكِتابِ حِينَ يَدْعُونَهم إلى اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ فَيَقُولُوا: لَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ كَما أتاكم قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ . وتَقَرَّرَ تَعَلُّلُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ حِينَ يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ ﷺ لِلْإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] الآيَةَ. وشُيُوعُهُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِن سِياقِهِ دَمْغُهم بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ مُصادِفًا المَحَزَّ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ . وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الكِتابِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وحاصِلُ المَعْنى: أنَّكم كُنْتُمْ تَقُولُونَ لا نَتْرُكُ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَتّى تَأْتِيَنا البَيِّنَةُ، أيِ العَلامَةُ الَّتِي وُعِدْنا بِها. وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ إلَخْ. وإذِ اتَّضَحَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ وانْقَشَعَ إشْكالُها فَلْنَنْتَقِلْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ. فالِانْفِكاكُ: الإقْلاعُ، وهو مُطاوِعُ فَكَّهُ إذا فَصَلَهُ وفَرَّقَهُ ويُسْتَعارُ لِمَعْنى أقْلَعَ عَنْهُ، ومُتَعَلِّقُ مُنْفَكِّينَ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ المُتَحَدِّثِ عَنْهم بِصِلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا والتَّقْدِيرُ: مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وتارِكِينَ لَهُ، سَواءٌ كانَ كُفْرُهم إشْراكًا بِاللَّهِ مِثْلَ كُفْرِ المُشْرِكِينَ أوْ كانَ كُفْرًا بِالرَّسُولِ ﷺ فَهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ في المَدِينَةِ والقُرى الَّتِي حَوْلَها ويَتَلَقَّفُهُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنِ الِاتِّصالِ بِأهْلِ الكِتابِ مُنْذُ ظَهَرَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ يَسْتَفْتُونَهم في ابْتِكارٍ مُخَلِّصٍ يَتَسَلَّلُونَ بِهِ صفحة ٤٧٣ عَنْ مَلامِ مَن يَلُومُهم عَلى الإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ مِثْلَ جُهَيْنَةَ وغَطَفانَ، ومِن أفْرادِ المُنْتَصِرِينَ بِمَكَّةَ أوِ المَدِينَةِ. وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقالَ عَنْهم: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وحَكى عَنِ النَّصارى بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . وقالَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وحَكى عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلُهم ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ الكِتابَيْنِ في أنَّهم أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِانْتِظارِ نَبِيءٍ يَنْصُرُ الدِّينَ الحَقَّ؛ وجُعِلَتْ عَلاماتُهُ دَلائِلَ تَظْهَرُ مِن دَعْوَتِهِ كَقَوْلِ التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: (أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . ثُمَّ قَوْلُها فِيهِ: (وأمّا النَّبِيءُ الَّذِي يَطْغى فَيَتَكَلَّمُ كَلامًا لَمْ أُوصِهِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَيَمُوتُ ذَلِكَ النَّبِيُّ، وإنْ قُلْتَ في قَلْبِكَ كَيْفَ نَعْرِفُ الكَلامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ فَما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيءُ بِاسْمِ الرَّبِّ ولَمْ يَحْدُثْ ولَمْ يَصِرْ فَهو الكَلامُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ) (الإصْحاحُ الثّامِنَ عَشَرَ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ) أيْ شَرِيعَتُهُ؛ لِأنَّ ذاتَ النَّبِيءِ لا تَمْكُثُ إلى الأبَدِ (رُوحُ الحَقُّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ) يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ الفِقْرَةُ ٦ (وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم بِكُلِّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) (يُوحَنّا الإصْحاحُ الرّابِعَ عَشَرَ فِقْرَةُ ٢٦) . وقَوْلُهُ: ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ - أيْ بَعْدَ عِيسى - ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ، ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى - أيْ يَبْقى إلى انْقِراضِ الدُّنْيا وهو مَئُولٌ بِبَقاءِ دِينِهِ إذْ لا يَبْقى أحَدٌ حَيًّا إلى انْقِراضِ الدُّنْيا - فَهَذا يُخَلِّصُ ويَكْرُزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ صفحة ٤٧٤ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى - أيْ نِهايَةُ الدُّنْيا - ) (مَتّى الإصْحاحُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ)، أيْ: فَهو خاتَمُ الرُّسُلِ كَما هو بَيِّنٌ. وكانَ أحْبارُهم قَدْ أساءُوا التَّأْوِيلَ لِلْبِشاراتِ الوارِدَةِ في كُتُبِهِمْ بِالرَّسُولِ المُقَفِّي، وأدْخَلُوا عَلاماتٍ يَعْرِفُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ المَوْعُودَ بِهِ هي مِنَ المُخْتَرَعاتِ المَوْهُومَةِ، فَبَقِيَ مَن خَلْفَهم يَنْتَظِرُونَ تِلْكَ المُخْتَرَعاتِ فَإذا لَمْ يَجِدُوها كَذَّبُوا المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ. والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ والعَلامَةُ عَلى الصِّدْقِ، وهو اسْمٌ مَنقُولٌ مِنَ الوَصْفِ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ مَئُولٌ بِالشَّهادَةِ أوِ الآيَةِ. ولَعَلَّ إيثارَ التَّعْبِيرِ بِها هُنا لِأنَّها أحْسَنُ ما تُتَرْجَمُ بِهِ العِبارَةُ الواقِعَةُ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يَحُومُ حَوْلَ مَعْنى الشَّهادَةِ الواضِحَةِ لِكُلِّ مُتَبَصِّرٍ كَما وقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى لَفْظَ (شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ)، (ولَعَلَّ التِزامَ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مَرَّتَيْنِ كانَ لِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ) . وقَدْ ذُكِرَتْ مَعَ ذِكْرِ الصُّحُفِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . والظّاهِرُ أنَّ التَّعْرِيفَ في البَيِّنَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وهو أنْ يُرادَ مَعْهُودٌ بِنَوْعِهِ لا بِشَخْصِهِ كَقَوْلِهِمُ: ادْخُلِ السُّوقَ، لا يُرِيدُونَ سُوقًا مُعَيَّنَةً بَلْ ما يُوجَدُ فِيهِ ماهِيَّةُ سُوقٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ولِذَلِكَ قالَ عُلَماءُ البَلاغَةِ: إنَّ المُعَرَّفَ بِهَذِهِ اللّامِ هو في المَعْنى نَكِرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَتّى تَأْتِيَهم بَيِّنَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِمَعْهُودٍ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهم؛ أيِ: البَيِّنَةُ الَّتِي هي وصايا أنْبِيائِهِمْ فَهي مَعْهُودَةٌ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم وإنِ اخْتَلَفُوا في تَخَيُّلِها وابْتَعَدُوا في تَوَهُّمِها بِما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ تَخَيُّلاتُهم واخْتِلاقُهم. وأُوثِرَتْ كَلِمَةُ البَيِّنَةِ لِأنَّها تُعَبِّرُ عَنِ المَعْنى الوارِدِ في كَلامِهِمْ، ولِذَلِكَ نَرى مادَّتَها مُتَكَرِّرَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ في هَذا الغَرَضِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] . وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] صفحة ٤٧٥ وقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ عَنِ القُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . و(مِن) في قَوْلِهِ: مِن أهْلِ الكِتابِ بَيانِيَّةٌ بَيانٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا. وإنَّما قَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ هُنا مَعَ أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أشَدُّ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ لِأهْلِ الكِتابِ السَّبْقُ في هَذا المَقامِ فَهُمُ الَّذِينَ بَثُّوا بَيْنَ المُشْرِكِينَ شُبْهَةَ انْطِباقِ البَيِّنَةِ المَوْصُوفَةِ بَيْنَهم، فَأيَّدُوا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِما هو أتْقَنُ مِن تُرَّهاتِ المُشْرِكِينَ، إذْ كانَ المُشْرِكُونَ أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الرُّسُلِ والشَّرائِعِ؛ فَلَمّا صَدَمَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَزِعُوا إلى اليَهُودِ لِيَتَلَقَّوْا مِنهم ما يَرُدُّونَ بِهِ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وخاصَّةً بَعْدَما هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ. فالمَقْصُودُ بِالإبْطالِ ابْتِداءً هو دَعْوى أهْلِ الكِتابِ وأمّا المُشْرِكُونَ فَتَبَعٌ لَهم. واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، فَيَكُونُ الوَقْفُ هُناكَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، أيْ: هي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: لِأنَّ ما في البَيِّنَةِ مِنَ الإبْهامِ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ صِفَةِ هَذِهِ البَيِّنَةِ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ إلى آخِرِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ بَدَلًا مِنَ البَيِّنَةِ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ لَفْظِ (بَيِّنَةٍ) فَيَكُونُ مِن حِكايَةِ ما زَعَمُوهُ. أُرِيدَ إبْطالُ مَعاذِيرِهِمْ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ البَيِّنَةَ الَّتِي يَنْتَظِرُونَها قَدْ حَلَّتْ ولَكِنَّهم لا يَتَدَبَّرُونَ أوْ لا يُنْصِفُونَ أوْ لا يَفْقَهُونَ؛ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] . وتَنْكِيرُ (رَسُولٌ) لِلنَّوْعِيَّةِ المُرادِ مِنها تَيْسِيرُ ما يَسْتَصْعِبُ كَتَنْكِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقَوْلِ ﴿المص كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١] . وفِي هَذا التَّبْيِينِ إبْطالٌ لِمَعاذِيرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ جاءَتْكُمُ البَيِّنَةُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وهو يُفِيدُ صفحة ٤٧٦ أنَّ البَيِّنَةَ هي الرَّسُولُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١٠] . فَأُسْلُوبُ هَذا الرَّدِّ مِثْلَ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] . وفِي هَذا تَذْكِيرٌ بِغَلَطِهِمْ فَإنَّ كُتُبَهم ما وعَدَتْ إلّا بِمَجِيءِ رَسُولٍ مَعَهُ شَرِيعَةٌ وكِتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا يَنْدَرِجُ في قَوْلَةِ التَّوْراةِ (وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ) . وقَوْلُ الإنْجِيلِ (ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٤٨] لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَصِفا النَّبِيءَ المَوْعُودَ بِهِ إلّا بِأنَّهُ مِثْلُ مُوسى أوْ مِثْلُ عِيسى، أيْ في أنَّهُ رَسُولٌ يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ بِشَرِيعَةٍ، وأنَّهُ يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ ويَنْطِقُ بِوَحْيِهِ، وأنَّ عَلامَتَهُ هو الصِّدْقُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ في كِتابِ المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ: ”إنَّ مَجْمُوعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ كانَ بالِغًا في نَبِيِّنا إلى حَدِّ الإعْجازِ، وإنَّ مُعْجِزاتِهِ كانَتْ غايَةً في الظُّهُورِ والكَثْرَةِ“ . ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (رَسُولٌ) ولَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الإضافَةِ لِيَتَأتّى تَنْوِينُ (رَسُولٌ) فَيُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا الرَّسُولِ. وجُمْلَةُ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ إلَخْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ، وهي إدْماجٌ بِالثَّناءِ عَلى القُرْآنِ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ في كُتُبِهِمْ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. والتِّلاوَةُ: إعادَةُ الكَلامِ دُونَ زِيادَةٍ عَلَيْهِ ولا نَقْصٍ مِنهُ سَواءٌ كانَ كَلامًا مَكْتُوبًا أوْ مَحْفُوظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، فَفِعْلُ يَتْلُو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كَلامًا لا تُبَدَّلُ ألْفاظُهُ وهو الوَحْيُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ. صفحة ٤٧٧ والصُّحُفُ: الأوْراقُ والقَراطِيسُ الَّتِي تُجْعَلُ لِأنْ يُكْتَبَ فِيها، وتَكُونُ مِن رَقٍّ أوْ جِلْدٍ، أوْ مِن خِرَقٍ. وتَسْمِيَةُ ما يَتْلُوهُ الرَّسُولُ صُحُفًا مَجازٌ بِعَلاقَةِ الأيْلُولَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِكِتابَتِهِ فَهو عِنْدُ تِلاوَتِهِ سَيَكُونُ صُحُفًا؛ فَهَذا المَجازُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِكِتابَةِ القُرْآنِ في الصُّحُفِ وما يُشْبِهُ الصُّحُفَ مِن أكْتافِ الشّاءِ والخِرَقِ والحِجارَةِ، وأنَّ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ سُمِّيَ كِتابًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] لِأجْلِ هَذا المَعْنى. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَتْلُو“ إلى ”صُحُفًا“ مَجازٌ مُرْسَلٌ مَشْهُورٌ ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهو بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَتْلُوِّ مَكْتُوبًا، وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ولا يَقْرَؤُهُ مِن صُحُفٍ فَمَعْنى ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ يَتْلُو ما هو مَكْتُوبٌ في صُحُفٍ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وهي اشْتِهارُ كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ بِـ (مُطَهَّرَةً) وهو وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّهارَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: كَوْنُ مَعانِيهِ لا لَبْسَ فِيها ولا تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ تَضْلِيلٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِبَعْضِ ما في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ التَّحْرِيفِ والأوْهامِ. ووُصِفَتِ الصُّحُفُ الَّتِي يَتْلُوها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ فِيها كُتُبًا، والكُتُبَ: جَمْعُ كِتابٍ، وهو فِعالٌ اسْمٌ بِمَعْنى المَكْتُوبِ؛ فَمَعْنى كَوْنِ الكُتُبِ كائِنَةً في الصُّحُفِ أنَّ الصُّحُفَ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها القُرْآنُ تَشْتَمِلُ عَلى القُرْآنِ وهو يَشْتَمِلُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ مِمّا هو خالِصٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والباطِلِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى:﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] فالقُرْآنُ زُبْدَةُ ما في الكُتُبِ الأُولى ومَجْمَعُ ثَمَرَتِها، فَأُطْلِقَ عَلى ثَمَرَةِ الكُتُبِ اسْمُ كُتُبٍ عَلى وجْهِ مَجازِ الجُزْئِيَّةِ. والمُرادُ بِالكُتُبِ أجْزاءُ القُرْآنِ أوْ سُوَرُهُ فَهي بِمَثابَةِ الكُتُبِ. والقَيِّمَةُ: المُسْتَقِيمَةُ، أيْ: شَدِيدَةُ القِيامِ الَّذِي هو هُنا مَجازٌ في الكَمالِ والصَّوابِ؛ وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ تَشْبِيهًا بِالقائِمِ لِاسْتِعْدادِهِ لِلْعَمَلِ النّافِعِ، وضِدَّهُ العِوَجُ قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] صفحة ٤٧٨ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ نَقْصَ الباطِلِ والخَطَأِ، فالقَيِّمَةُ مُبالَغَةٌ في القائِمِ مِثْلَ السَّيِّدِ لِلسّائِدِ والمَيِّتِ. وتَأْنِيثُ الوَصْفِ لِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِجَمْعٍ.

البينة 98:4

﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ . ارْتِقاءً في الإبْطالِ وهو إبْطالٌ ثانٍ لِدَعْواهم بِطَرِيقِ النَّقْضِ الجَدَلِيِّ المُسَمّى بِالمُعارَضَةِ وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ والِاسْتِدْلالِ لِما يُنافِي ثُبُوتَ المَدْلُولِ؛ وهَذا إبْطالٌ خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ فاعِلَ تَفَرَّقَ ولَمْ يَقُلْ: وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إذْ لَوْ أضْمَرَ لَتُوُهِّمَتْ إرادَةُ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ مَعادِ الضَّمِيرِ، بَعْدَ أنْ أبْطَلَ زَعْمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ارْتَقى إلى إبْطالِ مَزاعِمِهِمْ إبْطالًا مَشُوبًا بِالتَّكْذِيبِ وبِشَهادَةِ ما حَصَلَ في الأزْمانِ الماضِيَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عاطِفَةً إبْطالًا عَلى إبْطالٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ. والمَعْنى: كَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَمَسُّكَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ مُغَيًّى بِوَقْتِ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ؛ والحالُ أنَّهم جاءَتْهم بَيِّنَةٌ مِن قَبْلِ ظُهُورِ الإسْلامِ وهي بَيِّنَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَفَرَّقُوا في الإيمانِ بِهِ، فَنَشَأ مِن تَفَرُّقِهِمْ حُدُوثُ مِلَّتَيْنِ: اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. والمُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ الثّانِيَةِ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ كَما وعَدَهم أنْبِياؤُهم أمْثالَ إلْياسَ واليَسَعَ وأشْعِياءَ. وقَدْ أجْمَعَ اليَهُودُ عَلى النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَجْدِيدُ الدِّينِ الحَقِّ وكانُوا مُنْتَظِرِينَ المُخَلِّصَ، فَلَمّا جاءَهم عِيسى كَذَّبُوهُ؛ أيْ: فَلا يَطْمَعُ في صِدْقِهِمْ فِيما زَعَمُوا مِنِ انْتِظارِ البَيِّنَةِ بَعْدَ عِيسى وهم قَدْ كَذَّبُوا بِبَيِّنَةِ عِيسى؛ فَتَبَيَّنَ أنَّ الجُحُودَ والعِنادَ شَنْشَنَةٌ فِيهِمْ مَعْرُوفَةٌ. والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ: تَفَرُّقٌ بَيْنَ إسْرائِيلَ بَيْنَ مُكَذِّبٍ لِعِيسى ومُؤْمِنٍ بِهِ، وما آمَنَ بِهِ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ اليَهُودِ. صفحة ٤٧٩ وجُعِلَ التَّفَرُّقُ كِنايَةً عَنْ إنْكارِ البَيِّنَةِ؛ لِأنَّ تَفَرُّقَهم كانَ اخْتِلافًا في تَصْدِيقِ بَيِّنَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فاسْتُعْمِلَ التَّفَرُّقُ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ لِقَصْدِ إدْماجِ مَذَمَّتِهِمْ بِالِاخْتِلافِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] . فالتَّعْرِيفُ في البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ ثانِيًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أوْ لِلْمَعْهُودِ بَيْنَ المُتَحَدِّثِ عَنْهم، وهي بَيِّنَةٌ أُخْرى غَيْرُ الأُولى، وإعادَتُها مِن إعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً مِثْلَها؛ إذِ المَعْرُوفُ بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، أوْ مِن إعادَةِ المَعْرِفَةِ المَعْهُودَةِ مَعْرِفَةً مِثْلَها، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ لا تَكُونُ المُعادَةُ عَيْنَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ أطْبَقَتْ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أنَّهم ما تَفَرَّقُوا عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، أيْ: تَباعَدُوا عَنْهُ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ . وهَذا تَأْوِيلٌ لِلَفْظِ التَّفَرُّقِ وهو صَرْفٌ عَنْ ظاهِرِهِ بَعِيدٌ، فَأشْكَلَ عَلَيْهِمْ وجْهُ تَخْصِيصِ أهْلِ الكِتابِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ التَّباعُدَ عَنِ الإسْلامِ حاصِلٌ مِنهم ومِنَ المُشْرِكِينَ، وجَعَلُوا المُرادَ بِـ ”البَيِّنَةُ“ الثّانِيَةِ عَيْنَ المُرادِ بِالأُولى وهي بَيِّنَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ سِوى أنَّ الفَخْرَ ذَكَرَ كَلِماتٍ تُنْبِئُ عَنْ مُخالَفَةِ المُفَسِّرِينَ في مَحْمَلِ تَفَرُّقِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ المَعْنى بِما يُوافِقُ كَلامَ بَقِيَّةِ المُفَسِّرِينَ أتى بِما يَقْتَضِي حَمْلَ التَّفَرُّقِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحَمْلَ البَيِّنَةِ الثّانِيَةِ عَلى مَعْنًى مُغايِرٍ لِمَحْمَلِ البَيِّنَةِ الأُولى؛ إذْ قالَ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ، بَلْ لِعِنادِهِمْ؛ فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبَبِ وعِبادَةِ العِجْلِ إلّا بَعْدَ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ؛ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم، وهو مُعارِضٌ لِأوَّلِ كَلامِهِ، ولَعَلَّهُ بَدا لَهُ هَذا الوَجْهُ وشَغَلَهُ عَنْ تَحْرِيرِهِ شاغِلٌ وهَذا مِمّا تَرَكَهُ الفَخْرُ في المُسَوَّدَةِ.

البينة 98:5

﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ هَذا إبْطالٌ ثالِثٌ لِتَنَصُّلِهِمْ مِن مُتابَعَةِ الإسْلامِ بِعِلَّةِ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما هم عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وزَعْمِهِمْ أنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَأْتِهِمْ. صفحة ٤٨٠ وهُوَ إبْطالٌ بِطْرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في الجَدَلِ، أيْ: إذا سَلَّمْنا أنَّكم مُوصُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ حَتّى تَأْتِيَكُمُ البَيِّنَةُ؛ فَلَيْسَ في الإسْلامِ ما يُنافِي ما جاءَ بِهِ كِتابُكم يَأْمُرُ بِما أمَرَ بِهِ القُرْآنُ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكٍ، وذَلِكَ هو الحَنِيفِيَّةُ وهي دِينُ إبْراهِيمَ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِهِ؛ فَذَلِكَ دِينُ الإسْلامِ وذَلِكَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في دِينِكم. فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] . والمَعْنى: والحالُ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ أتَتْهم إذْ جاءَ الإسْلامُ بِما صَدَّقَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ، وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ“، وقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم“ . والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ لِلْمَجْهُولِ مُفِيدٌ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: ما أُمِرُوا في كِتابِهِمْ إلّا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ؛ فالمَعْنى: وما أُمِرُوا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ التَّوْراةَ أكَّدَتْ عَلى اليَهُودِ تَجَنُّبَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وأمَرَتْ بِالصَّلاةِ، وأمَرَتْ بِالزَّكاةِ أمْرًا مُؤَكَّدًا مُكَرَّرًا. وتِلْكَ هي أُصُولُ دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ صَوْمُ رَمَضانَ والحَجُّ. والإنْجِيلُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ أوِ المَعْنى وما أُمِرُوا في الإسْلامِ إلّا بِمَثَلِ ما أمَرَهم بِهِ كِتابُهم، فَلا مَعْذِرَةَ لَهم في الإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ. ونائِبُ فاعِلِ أُمِرُوا مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ، أيْ: ما أُمِرُوا بِشَيْءٍ إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هي اللّامُ الَّتِي تَكْثُرُ زِيادَتُها بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ وفِعْلِ الأمْرِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ. وقَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] في سُورَةِ الأنْعامِ، وسَمّاها بَعْضُ النُّحاةِ لامَ (أنْ) . والإخْلاصُ: التَّصْفِيَةُ والإنْقاءُ، أيْ: غَيْرَ مُشارِكِينَ في عِبادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ. صفحة ٤٨١ والدِّينُ: الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] . وحُنَفاءُ: جَمْعُ حَنِيفٍ، وهو لَقَبٌ لِلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] . وهَذا الوَصْفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مَعَ التَّذْكِيرِ بِأنَّ ذَلِكَ هو دِينُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي مُلِئَتِ التَّوْراةُ بِتَمْجِيدِهِ واتِّباعِ هَدْيِهِ. وإقامَةُ الصَّلاةِ مِن أُصُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ. وإيتاءُ الزَّكاةِ: مَفْرُوضٌ في التَّوْراةِ فَرْضًا مُؤَكَّدًا. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ مُتَوَجِّهٌ إلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِاللّامِ المُسَمّاةِ (لامَ) (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ، فَهو في تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، أيْ: إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، أيْ: والمَذْكُورُ دِينُ القَيِّمَةِ. ودِينُ القَيِّمَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً عَلى بابِها، فَتَكُونَ (القَيِّمَةُ) مُرادًا بِهِ غَيْرَ المُرادِ بِـ (دِينُ) مِمّا هو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ مِمّا يُضافُ إلَيْهِ (دِينُ)، أيْ: دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ أوْ دِينُ الكُتُبِ القَيِّمَةِ. ويُرَجِّحُ هَذا التَّقْدِيرَ أنَّ دَلِيلَ المُقَدَّرِ مَوْجُودٌ في اللَّفْظِ قَبْلَهُ. وهَذا إلْزامٌ لَهم بِأحَقِّيَّةِ الإسْلامِ، وأنَّهُ الدِّينُ القَيِّمُ. قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم: ٣١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ صُورِيَّةً مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، وهي كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمالِ، وأصْلُهُ الدِّينُ القَيِّمُ، فَأنَّثَ الوَصْفَ عَلى تَأْوِيلِ دِينٍ بِمِلَّةٍ أوْ شَرِيعَةٍ، أوْ عَلى أنَّ التّاءَ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلَ تاءِ عَلّامَةِ، والمَآلُ واحِدٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فالمُرادُ بِدِينِ القَيِّمَةِ دِينُ الإسْلامِ. والقَيِّمَةُ: الشَّدِيدَةُ الِاسْتِقامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. فالمَعْنى: وذَلِكَ المَذْكُورُ هو دِينُ أهْلِ الحَقِّ مِنَ الأنْبِياءِ وصالِحِيِ الأُمَمِ، وهو عَيْنُ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ، قالَ تَعالى في إبْراهِيمَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقالَ صفحة ٤٨٢ عَنْهُ وعَنْ إسْماعِيلَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] . وحَكى عَنْهُ وعَنْ يَعْقُوبَ قَوْلَهُما: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقالَ سُلَيْمانُ: ﴿وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] . وقَدْ مَضى القَوْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الَّذِي أُمِرُوا بِهِ أيْ: مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ هو دِينُ الإسْلامِ، أيْ: هو الَّذِي دَعاهم إلَيْهِ الإسْلامُ، فَحَسِبُوهُ نَقْضًا لِدِينِهِمْ، فَيَكُونُ مَهْيَعُ الآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] . والمَقْصُودُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ وعَلى المُشْرِكِينَ تَبَعًا لَهم بِأنَّهم أعْرَضُوا عَمّا هم يَتَطَلَّبُونَهُ، فَإنَّهم جَمِيعًا مُقِرُّونَ بِأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي الحَقُّ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ المُوسَوِيَّةُ والعِيسَوِيَّةُ، والمُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَطْلُبُونَ الحَنِيفِيَّةَ، ويَأْخُذُونَ بِما أدْرَكُوهُ مِن بَقاياها ويَزْعُمُونَ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ تَحْرِيفٌ لِلْحَنِيفِيَّةِ، فَلِذَلِكَ كانَ عامَّةُ العَرَبِ غَيْرَ مُتَهَوِّدِينَ ولا مُتَنَصِّرِينَ، ويَتَمَسَّكُونَ بِما وجَدُوا آباءَهم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ، وقَلَّ مِنهم مَن تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا، وذَهَبَ نَفَرٌ مِنهم يَتَطَلَّبُونَ آثارَ الحَنِيفِيَّةِ مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وخَصَّ الضَّمِيرَ بِـ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ قَبْلَ الإسْلامِ. قالَ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] .

البينة 98:6

( ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيئَةِ﴾ بَعْدَ أنْ أنَحى عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مَعًا، ثُمَّ خَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِالطَّعْنِ في تَعَلُّلاتِهِمْ، والإبْطالِ لِشُبُهاتِهِمُ الَّتِي يُتابِعُهُمُ المُشْرِكُونَ عَلَيْها، أعْقَبَهُ بِوَعِيدِ الفَرِيقَيْنِ صفحة ٤٨٣ جَمْعًا بَيْنَهُما كَما ابْتَدَأ الجَمْعُ بَيْنَهُما في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَ مِنَ المَوْعِظَةِ والدَّلالَةِ كافٍ في تَدْلِيلِ أنْفُسِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وقَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ في الوَعِيدِ؛ اسْتِتْباعًا لِتَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في سَبَبِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأنَّ مُعْظَمَ الرَّدِّ كانَ مُوَجَّهًا إلى أحْوالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلى قَوْلِهِ: دِينُ القَيِّمَةِ، ولِأنَّهُ لَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَقامَتِ الحُجَّةُ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَإنَّ الظَّرْفِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْها (في) تُفِيدُ أنَّهم غَيْرُ خارِجِينَ مِنها، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيها، وأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ أنْكَرُوا الجَزاءَ رَأْسًا. والإخْبارُ عَنْهم بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ إخْبارٌ بِما يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الوَعِيدَ كالوَعْدِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَ شَأْنُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ غَيْرِ المُقَيَّدَةِ بِما يُعَيِّنُ زَمانَ وُقُوعِها أنْ تُفِيدَ حُصُولَ مَضْمُونِها في الحالِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ في نِعْمَةٍ. وجُمْلَةُ (﴿أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيئَةِ﴾)، كالنَّتِيجَةِ لِكَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. وهو إخْبارٌ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ في الآخِرَةِ وأُرِيدَ بِالبَرِيئَةِ هُنا البَرِيئَةُ المَشْهُورَةُ في الِاسْتِعْمالِ وهُمُ البَشَرُ، فَلا اعْتِبارَ لِلشَّياطِينِ في هَذا الِاسْمِ، وهَذا يُشْبِهُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ. والبَرِيئَةُ: فَعِيلَةُ مِن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ: صَوَّرَهم. ومَعْنى كَوْنِهِمْ (﴿شَرُّ البَرِيئَةِ﴾) أنَّهم أشَدُّ النّاسِ شَرًّا، فَـ (شَرُّ) هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أشَرُّ، مِثْلَ خَيْرٍ الَّذِي هو بِمَعْنى أخْيَرَ، فَإضافَةُ (شَرٍّ) إلى (البَرِيئَةِ) عَلى نِيَّةِ (مِنَ) التَّفْضِيلِيَّةِ. وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم ضَلُّوا بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِأسْبابِ الهُدى، فَأمّا أهْلُ الكِتابِ فَلِأنَّ لَدَيْهِمْ كِتابًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ فَعَدَلُوا عَنْهُ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَلِأنَّهم كانُوا صفحة ٤٨٤ عَلى الحَنِيفِيَّةِ فَأدْخَلُوا فِيها عِبادَةَ الأصْنامِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى دِينِهِمْ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الإعْجازِ والإنْباءِ بِما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ يُشارِكْهم فِيهِ غَيْرُهم فَقَدِ اجْتَنَوْا لِأنْفُسِهِمُ الشَّرَّ مِن حَيْثُ كانُوا أهْلًا لِنَوالِ الخَيْرِ، فَحَسْرَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أشَدُّ مِن حَسْرَةِ مَن عَداهم، فَكانَ الفَرِيقانِ شَرًّا مِنَ الوَثَنِيِّينَ والزَّنادِقَةِ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ، لا فِيما يُرْجى مِنهم مِنَ الِاقْتِرابِ. وأُقْحِمَ اسْمُ الإشارَةِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيئَةِ لا يُشارِكُهم في ذَلِكَ غَيْرُهم مِن فِرَقِ أهْلِ الكُفْرِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا. ولا يَرِدُ أنَّ الشَّياطِينَ أشَدُّ شَرًّا مِنهم لِما عَلِمْتَ أنَّ اسْمَ البَرِيئَةِ اعْتُبِرَ إطْلاقُهُ عَلى البَشَرِ. و(البَرِيئَةِ) قَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِهَمْزٍ بَعْدَ الياءِ. فَعِيلَةٌ مِن بَرَأ اللَّهُ، إذا خَلَقَ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ دُونَ هَمْزٍ عَلى تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ ياءً، وإدْغامِ الياءِ الأُولى في الياءِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا. وإثْباتُ الهَمْزَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّخْفِيفُ لُغَةُ بَقِيَّةِ العَرَبِ، كَما تَرَكُوا الهَمْزَ في الدَّرِيَّةِ والنَّبِيِّ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ إلّا ويَقُولُ: تَنَبَّأ مُسَيْلِمَةُ بِالهَمْزِ. غَيْرَ أنَّهم تَرَكُوا الهَمْزَ في النَّبِيءِ، كَما تَرَكُوهُ في: الدَّرِيَّةِ والبَرِيَّةِ إلّا أهْلَ مَكَّةَ، فَإنَّهم يَهْمِزُونَها ويُخالِفُونَ العَرَبَ في ذَلِكَ.

البينة 98:7

صفحة ٤٨٥ ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾ ﴿جَزَآؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] . قُوبِلَ حالُ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وحالُ المُشْرِكِينَ بِحالِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، اسْتِيعابًا لِأحْوالِ الفِرَقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ نِذارَةِ المُنْذَرِينَ بِبِشارَةِ المُطْمَئِنِّينَ، وما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وقَدَّمَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ عَلى بِشارَتِهِمْ عَلى عَكْسِ نَظْمِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ضِدِّهِمْ؛ لِيَكُونَ ذِكْرُ وعْدِهِمْ كالشُّكْرِ لَهم عَلى إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ شَكُورٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَكَرُّرِ ذِكْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نُفُوسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ تَساؤُلًا عَنْ حالِهِمْ، لَعَلَّ تَأخُّرَ إيمانِهِمْ إلى ما بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ في التَّنْدِيدِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم في انْحِطاطِ دَرَجَةٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّ مَن آمَنَ مِنهم هو مَعْدُودٌ في خَيْرِ البَرِيئَةِ. والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ والقَصْرِ وهَمْزَةِ البَرِيئَةِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ. واسْمُ الإشارَةِ والجُمْلَةُ المُخْبَرُ بِها عَنْهُ جَمِيعُها خَبَرٌ عَنِ اسْمِ (إنَّ) . وجُمْلَةُ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: ٨] إلى آخِرِها، مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾) . وعِنْدَ رَبِّهِمْ ظَرْفٌ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ (جَزاؤُهم)، وبَيْنَ جَنّاتِ عَدْنٍ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِعِظَمِ الجَزاءِ بِأنَّهُ مُدَّخَرٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ تَكْرُمَةً لَهم لِما في (عِنْدَ) مِنَ الإيماءِ إلى الحُظْوَةِ والعِنايَةِ، وما في لَفْظِ رَبِّهِمْ مِن الإيماءِ إلى إجْزالِ الجَزاءِ بِما يُناسِبُ عِظَمَ المُضافِ إلَيْهِ (عِنْدَ)، وما يُناسِبُ شَأْنَ مَن يَرُبُّ أنْ يَبْلُغَ بِمَرْبُوبِهِ عَظِيمَ الإحْسانِ. وإضافَةُ: (جَنّاتُ) إلى (عَدْنٍ) لِإفادَةِ أنَّها مَسْكَنُهم؛ لِأنَّ العَدْنَ الإقامَةُ، أيْ: لَيْسَ جَزاؤُهم تَنَزُّهًا في الجَنّاتِ، بَلْ أقْوى مِن ذَلِكَ بِالإقامَةِ فِيها. صفحة ٤٨٦ وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [البينة: ٨] بِشارَةٌ بِأنَّها مَسْكَنُهم الخالِدُ. ووَصْفُ الجَنّاتِ بِـ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البينة: ٨]؛ لِبَيانِ مُنْتَهى حُسْنِها. وجَرْيُ النَّهْرِ مُسْتَعارٌ لِانْتِقالِ السَّيْلِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ انْتِقالِ الماءِ بِسُرْعَةِ المَشْيِ. والنَّهْرُ: أُخْدُودٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ يَسِيلُ فِيهِ الماءُ فَلا يُطْلَقُ إلّا عَلى مَجْمُوعِ الأُخْدُودِ ومائِهِ. وإسْنادُ الجَرْيِ إلى الأنْهارِ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْرِي هو ماؤُها وهو المُعْتَبَرُ في ماهِيَّةِ النَّهْرِ. وجُعِلَ جَزاءُ الجَماعَةِ جَمْعَ الجَنّاتِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّوْزِيعِ، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] وقَوْلِكَ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ جَنّاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ والفَضْلُ لا يَنْحَسِرُ. قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وجُمْلَةُ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨] حالٌ مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ)، أيْ: خالِدِينَ خُلُودًا مُقارِنًا لِرِضى اللَّهِ عَنْهم، فَهم في مُدَّةِ خُلُودِهِمْ فِيها مَحْفُوفُونَ بِآثارِ رِضى اللَّهِ عَنْهم، وذَلِكَ أعْظَمُ مَراتِبِ الكَرامَةِ. قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ورِضى اللَّهِ تَعَلُّقُ إحْسانِهِ وإكْرامِهِ لِعَبْدِهِ. وأمّا الرِّضى في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ نالَهم مِن إحْسانِ اللَّهِ ما لا مَطْلَبَ لَهم فَوْقَهُ، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ في حَدِيثِ الغارِ: ”«فَشَرِبَ حَتّى رَضِيتُ» “ . وقَوْلُ مَخْرَمَةَ حِينَ أعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَباءً ”«رَضِيَ مَخْرَمَةُ» “ . وزادَهُ حُسْنَ وقْعٍ هُنا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ.

البينة 98:8

﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ تَذْيِيلٌ آتٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ لِلَّذِينِ آمَنُوا والوَعِيدِ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بَيَّنَ بِهِ سَبَبَ العَطاءِ وسَبَبَ الحِرْمانِ، وهو خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَنطُوقِ الصِّلَةِ ومَفْهُومِها. والإشارَةُ إلى الجَزاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أنالَهم ذَلِكَ الجَزاءَ هو خَشْيَتُهُمُ اللَّهَ، فَإنَّهم لَمّا خَشُوا اللَّهَ تَوَقَّعُوا غَضَبَهُ إذا لَمْ صفحة ٤٨٧ يُصْغُوا إلى مَن يَقُولُ لَهم: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، فَأقْبَلُوا عَلى النَّظَرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ فاهْتَدَوْا وآمَنُوا، وأمّا الَّذِينَ آثَرُوا حُظُوظَ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَوَقَّعُوا غَضَبَ مُرْسِلِهِ فَبَقُوا في ضَلالِهِمْ. فَما صَدَقَ ﴿مَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ: ذَلِكَ الجَزاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَشُوا رَبَّهم، فَإذا كانَ ذَلِكَ مِلْكًا لَهم لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِمْ، فَأفادَ حِرْمانَ الكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وتَمَّ التَّذْيِيلُ. وفِي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ اللَّهَ - تَعْرِيضٌ بِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرْعَوْا حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ إذا لَمْ يَخْشَوْا رَبَّهم فَهم عَبِيدُ سُوءٍ. * * * صفحة ٤٨٨ صفحة ٤٨٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ الصَّحابَةِ سُورَةَ (﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَزَلَتْ إذا زُلْزِلَتْ وأبُو بَكْرٍ قاعِدٌ فَبَكى الحَدِيثَ (١) . وفي حَدِيثِ أنَسٍ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «(﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ» . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ. وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِن المَصاحِفِ، ومِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الزِّلْزالِ) . وسُمِّيَتْ في مُصْحَفٍ بِخَطٍّ كُوفِيٍّ قَدِيمٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ (زُلْزِلَتْ)، وكَذَلِكَ سَمّاها في الإتْقانِ في السُّوَرِ المُخْتَلِفِ في مَكانِ نُزُولِها، وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُها في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَ هَذِهِ ألْقابًا لَها، بَلْ جَعَلَها حِكايَةَ بَعْضِ ألْفاظِها، ولَكِنَّ تَسْمِيَتَها سُورَةَ الزَّلْزَلَةِ تَسْمِيَةٌ بِالمَعْنى لا بِحِكايَةِ بَعْضِ كَلِماتِها. واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحاكُ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ البَغَوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّيْسابُورِيُّ في تَفاسِيرِهِمْ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ جابِرٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي: جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحابِيَّ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَإنَّها مَعْدُودَةٌ في نَوْلِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آخِرُها وهو ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] الآيَةَ. نَزَلَ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ اهـ. وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ. صفحة ٤٩٠ وقَدْ عُدَّتِ الرّابِعَةَ والتِّسْعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ونَظَمَهُ الجَعْبَرِيُّ وهو بِناءٌ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ جَعَلَها بَعْدَ سُورَةِ النِّساءِ وقَبْلَ سُورَةِ الحَدِيدِ. وعَدَدُ آيِها تِسْعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العَدَدِ، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانِيَ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] آيَتانِ أوْ آيَةٌ واحِدَةٌ. * * * إثْباتُ البَعْثِ وذِكْرُ أشْراطِهِ وما يَعْتَرِيِ النّاسَ عِنْدَ حُدُوثِها مِنَ الفَزَعِ. وحُضُورُ النّاسِ لِلْحَشْرِ وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ واجْتِنابِ الشَّرِّ.

الزلزلة 99:1

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:2

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:3

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:4

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:5

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:6

﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [ ٢ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ [ ٣ ] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [ ٤ ] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [ ٥ ] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [ ٦ ] . افْتِتاحُ الكَلامِ بِظَرْفِ الزَّمانِ مَعَ إطالَةِ الجُمَلِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ، إذِ المَقْصُودُ لَيْسَ تَوْقِيتَ صُدُورِ النّاسِ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهم، بَلِ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ وهو البَعْثُ، ثُمَّ الجَزاءُ، وفي ذَلِكَ تَنْزِيلُ وُقُوعِ البَعْثِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُحَقَّقِ المَفْرُوغِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يُهِمُّ النّاسَ إلّا مَعْرِفَةُ وقْتِهِ وأشْراطِهِ، فَيَكُونُ التَّوْقِيتُ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ المُوَقَّتِ. ومَعْنى زُلْزِلَتْ: حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتّى يُخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها خَرَجَتْ مِن حَيِّزِها؛ لِأنَّ فِعْلَ زُلْزِلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّلَلِ، وهو زَلَقُ الرِّجْلَيْنِ، فَلَمّا عَنَوْا شِدَّةَ الزَّلَلِ ضاعَفُوا الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ بِالتَّضْعِيفِ عَلى شِدَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: كَبْكَبَهُ، أيْ: كَبَّهُ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ مِنَ اللَّمِّ. والزِّلْزالُ: بِكَسْرِ الزّايِ الأوْلى مَصْدَرُ زَلْزَلَ، وأمّا الزَّلْزالُ بِفَتْحِ الزّايِ فَهو اسْمُ صفحة ٤٩١ مَصْدَرٍ كالوَسْواسِ والقَلْقالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الزِّلْزالِ في سُورَةِ الحَجِّ. وإنَّما بُنِيَ فِعْلُ (زُلْزِلَتْ) بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ فاعِلُهُ وهو اللَّهُ تَعالى. وانْتَصَبَ زِلْزالَها عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِفِعْلِهِ إشارَةً إلى هَوْلِ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، فالمَعْنى: إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالًا. وأُضِيفَ (زِلْزالَها) إلى ضَمِيرِ الأرْضِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِهِ مِنها وتَكَرُّرِهِ حَتّى كَأنَّهُ عُرِفَ بِنِسْبَتِهِ إلَيْها لِكَثْرَةِ اتِّصالِهِ بِها، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أسائِلَتِي سَفاهَتَها وجَهْلًا عَلى الهِجْرانِ أُخْتُ بَنِي شِهابِ أيْ: سَفاهَةً لَها، أيْ: هي مَعْرُوفَةٌ بِها، وقَوْلِ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا يُرِيدُ إيثارًا عُرِفْتَ بِهِ واخْتَصَصْتَ بِهِ. وفي كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ مِن كَلامِ خَطْرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ يَذْكُرُ شَيْطانَهُ حِينَ رُجِمَ (بَلْبَلَهُ بَلْبالُهُ) أيْ: بِلْبالٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ. وإعادَةُ لَفْظِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ بِكَسْرِ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ القافِ وهو المَتاعُ الثَّقِيلُ، ويُطْلَقُ عَلى المَتاعِ النَّفِيسِ. وإخْراجُ الأرْضِ أثْقالَها ناشِئٌ عَنِ انْشِقاقِ سَطْحِها، فَتَقْذِفُ ما فِيها مِن مَعادِنَ ومِياهٍ وصَخْرٍ. وذَلِكَ مِن تَكَرُّرِ الِانْفِجاراتِ النّاشِئَةِ عَنِ اضْطِرابٍ داخِلِ طَبَقاتِها وانْقِلابِ أعالِيها أسافِلَ والعَكْسِ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: وقالَ النّاسُ ما لَها، أيْ: النّاسُ الَّذِينَ هم أحْياءٌ فَفَزِعُوا، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ حَتّى اسْتَوى في ذَلِكَ الجَبانُ والشُّجاعُ، والطّائِشُ والحَكِيمُ، لِأنَّهُ زِلْزالٌ تَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَصْبِرُ عَلى مِثْلِهِ الصَّبُورُ. صفحة ٤٩٢ وقَوْلُ (ما لَها) اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْأرْضِ ولَزِمَها؛ لِأنَّ اللّامَ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ: ما لِلْأرْضِ في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها زُلْزِلَتْ هَذا الزِّلْزالَ، أيْ: ماذا سَتَكُونُ عاقِبَتُهُ. نَزَلَتِ الأرْضُ مَنزِلَةَ قاصِدٍ مُرِيدٍ يَتَساءَلُ النّاسُ عَنْ قَصْدِهِ مِن فِعْلِهِ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ غَرَضُهُ مِنهُ، وإنَّما يَقَعُ مِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ غالِبًا مُرْدَفًا بِما يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ما لَهُ يَفْعَلُ كَذا، أوْ ما لَهُ في فِعْلِ كَذا، أوْ ما لَهُ وفُلانًا، أيْ: مَعَهُ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُنا مُقَدَّرٌ، أيْ: ما لَها زُلْزِلَتْ، أوْ ما لَها في هَذا الزِّلْزالِ، أوْ ما لَها وإخْراجَ أثْقالِها. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ إلَخْ جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما أُبْدِلَ مِنها مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ﴾ فَيَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ . واليَوْمُ يُطْلَقُ عَلى النَّهارِ مَعَ لَيْلِهِ، فَيَكُونُ الزِّلْزالُ نَهارًا وتَتْبَعَهُ حَوادِثُ في اللَّيْلِ مَعَ انْكِدارِ النُّجُومِ وانْتِشارِها، وقَدْ يُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ. و﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ هو العامِلُ في (يَوْمَئِذٍ) وفي البَدَلِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرْضُ وتُخْرِجُ أثْقالَها، ويَقُولُ النّاسُ: ما لَها تُحَدِّثُ أخْبارَها إلَخْ. و(أخْبارَها) مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُحَدِّثُ)؛ لِأنَّهُ مِمّا أُلْحِقَ بِظَنٍّ لِإفادَةِ الخَبَرِ عِلْمًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِظُهُورِهِ، أيْ: تُحَدِّثُ الإنْسانَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الكَلامِ هو إخْبارُها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. وضَمِيرُ (تُحَدِّثُ) عائِدٌ إلى (الأرْضِ) . والتَّحْدِيثُ حَقِيقَتُهُ: أنْ يَصْدُرَ كَلامٌ بِخَبَرٍ عَنْ حَدَثٍ. ووَرَدَ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما أخْبارُها ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ! قالَ: فَإنَّ أخْبارَها أنَّ تَشَهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَهَذِهِ أخْبارُها» اهـ. وجُمِعَ (أخْبارُها) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ دَلالَتِها عَلى عَدَدِ القائِلِينَ، (ما لَها) وإنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ وهو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ . صفحة ٤٩٣ وانْتَصَبَ (أخْبارَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) . وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (تُحَدِّثُ) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أمَرَها أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أخْبارِها) وأُظْهِرَتِ الباءُ في البَدَلِ لِتَوْكِيدِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (تُحَدِّثُ) إلَيْهِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ أُجْمِلَتْ أخْبارُها وبَيَّنَها الحَدِيثُ السّابِقُ. وأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: أوْجَدَ فِيها أسْبابَ إخْراجِ أثْقالِها فَكَأنَّهُ أسَرَّ إلَيْها بِكَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] الآياتِ. وعُدِّيَ فِعْلُ (أوْحى) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ (أوْحى) مَعْنى قالَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]، وإلّا فَإنَّ حَقَّ (أوْحى) أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) . والقَوْلُ المُضَمَّنُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وإنَّما عُدِلَ عَنْ فِعْلِ: قالَ لَها إلى فِعْلِ أوْحى لَها؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ لا عَنْ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، والجَوابُ هو فِعْلُ و﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾، وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. وهَذا الجَوابُ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الحَشْرِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والتَّحْذِيرِ مِن أهْوالِهِ، فَإنَّهُ عِنْدَ حُصُولِهِ يَعْلَمُ النّاسُ أنَّ الزِّلْزالَ كانَ إنْذارًا بِهَذا الحَشْرِ. وحَقِيقَةُ ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ الخُرُوجُ مِن مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ، يُقالُ: صَدَرَ عَنِ المَكانِ، إذا تَرَكَهُ وخَرَجَ مِنهُ صُدُورًا وصَدَرًا بِالتَّحْرِيكِ. ومِنهُ الصَّدْرُ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ، فَأُطْلِقَ هُنا فِعْلُ (يَصْدُرُ) عَلى خُرُوجِ النّاسِ إلى الحَشْرِ جَماعاتٍ، أوِ انْصِرافِهِمْ مِنَ المَحْشَرِ إلى مَأْواهم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، تَشْبِيهًا بِانْصِرافِ النّاسِ عَنِ الماءِ بَعْدَ الوِرْدِ. صفحة ٤٩٤ وأشْتاتٌ: جَمْعُ شَتٍّ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الفَوْقِيَّةِ وهو المُتَفَرِّقُ، والمُرادُ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ جَماعاتٍ كُلٌّ إلى جِهَةٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ وما عُيِّنَ لَهم مِن مَنازِلِهِمْ. وأُشِيرَ إلى أنَّ تَفَرُّقَهم عَلى حَسَبِ تَناسُبِ كُلِّ جَماعَةٍ في أعْمالِها مِن مَراتِبِ الخَيْرِ ومَنازِلِ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ لِأجْلِ تَلَقِّي جَزاءِ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها في الحَياةِ الدُّنْيا، فَيُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ: انْظُرُوا أعْمالَكم، أوِ انْظُرُوا مَآلَكم. وبُنِيَ فِعْلُ (لِيُرَوْا) إلى النّائِبِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ رُؤْيَتُهم أعْمالَهَمْ لا تَعْيِينُ مَن يُرِيهِمْ إيّاها. وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التَّحْتِيَّةِ. فالرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في رُؤْيَةِ البَصَرِ والمَرْئِيُّ هو مَنازِلُ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةً في العِلْمِ بِجَزاءِ الأعْمالِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تُرى، ولَكِنْ يَظْهَرُ لِأهْلِها جَزاؤُها.

الزلزلة 99:7

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] تَفْرِيعَ الفَذْلَكَةِ، انْتِقالًا لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ الفَراغِ مِن إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ، والتَّفْرِيعُ قاضٍ بِأنَّ هَذا يَكُونُ عَقِبَ ما يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. والمِثْقالُ: ما يُعْرَفُ بِهِ ثِقْلُ الشَّيْءِ، وهو ما يُقَدَّرُ بِهِ الوَزْنُ وهو كَمِيزانٍ زِنَةً ومَعْنًى. والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ في ابْتِداءِ حَياتِها. و﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مَثَلٌ في أقَلِّ القِلَّةِ، وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهَرٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِينَ فالمَقْصُودُ ما عَمِلُوا مِن شَرٍّ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ فَهي كالعَدَمِ، فَلا تُوصَفُ بِخَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الخَيْرِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] . صفحة ٤٩٥ وإنَّما أُعِيدَ قَوْلُهُ: ومَن يَعْمَلْ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِحَرْفِ العَطْفِ لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ لِتَخْتَصَّ كُلُّ جُمْلَةٍ بِغَرَضِها مِنَ التَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، فَأهَمِّيَّةُ ذَلِكَ تَقْتَضِي التَّصْرِيحَ والإطْنابَ. وهَذِهِ الآيَةُ مَعْدُودَةٌ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ، وقَدْ وصَفَها النَّبِيءُ ﷺ بِالجامِعَةِ الفاذَّةِ، فَفي المُوَطَّأِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ» الحَدِيثَ «. فَسُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقالَ: لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيها إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»﴾ . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ، وقالَ الحَسَنُ: قَدِمَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ جَدُّ الفَرَزْدَقِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيءَ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ صَعْصَعَةُ: حَسْبِي فَقَدِ انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَها. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ آيَتَيْنِ أحْصَتا ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ مَعًا أُوثِرَ جانِبُ التَّرْغِيبِ بِالتَّقْدِيمِ في التَّقْسِيمِ تَنْوِيهًا بِأهْلِ الخَيْرِ. وفِي الكَشّافِ: يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا أخَّرَ خَيْرًا يَرَهُ فَقِيلَ قَدَّمْتَ وأخَّرْتَ فَقالَ: خُذا بَطْنَ هَرْشى أوْ قَفاها فَإنَّهُ كِلا جانِبَيْ هَرْشى لَهُنَّ طَرِيقُ اهـ وقَدْ غَفَلَ هَذا الأعْرابِيُّ عَنْ بَلاغَةِ الآيَةِ المُقْتَضِيَةِ التَّنْوِيهَ بِأهْلِ الخَيْرِ. رَوى الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ أحَدُهُما لا يُبالِي مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغائِرِ ويَرْكَبُها، والآخَرُ يُحِبُّ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحْيِي مِن أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما. ومِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ قالَ جَمْعٌ: إنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، ولَوْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ لَما كانَ مُقْتَضِيًا أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا تَلَوْا آيَةً مِنَ القُرْآنِ شاهِدًا يَظُنُّها بَعْضُ السّامِعِينَ نَزَلَتْ في تِلْكَ القِصَّةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ. * * * صفحة ٤٩٦ صفحة ٤٩٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العادِياتِ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ القَيْرَوانِيَّةِ العَتِيقَةِ والتُّونِسِيَّةِ والمَشْرِقِيَّةِ (سُورَةَ العادِياتِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ، فَهي تَسْمِيَةٌ لِما ذُكِرَ فِيها دُونَ حِكايَةِ لَفْظِهِ. وسَمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ والعادِياتِ) بِإثْباتِ الواوِ. واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وعُدَّتِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العَصْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكَوْثَرِ. وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. ذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ مُقاتِلٍ وعَنْ غَيْرِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا سَرِيَّةً إلى بَنِي كِنانَةَ، وأمَّرَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأسْهَبَتْ، (أيْ: أمْعَنَتْ في سَهْبٍ وهي الأرْضُ الواسِعَةُ) شَهْرًا وتَأخَّرَ خَيْرُهم، فَأرْجَفَ المُنافِقُونَ وقالُوا: قُتِلُوا جَمِيعًا، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] الآياتِ، إعْلامًا بِأنَّ خَيْلَهم قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في تِلْكَ الآياتِ» . وهَذا الحَدِيثُ قالَ في الإتْقانِ رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى أبُو بَكْرٍ البَزّازُ هُنا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا وساقَ الحَدِيثَ قَرِيبًا مِمّا لِلْواحِدِيِّ. وأقُولُ غَرابَةُ الحَدِيثِ لا تُناكِدُ قَبُولَهُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ ثِقاتٍ إلّا أنَّ في سَنَدِهِ حَفْصَ بْنَ جُمَيْعٍ وهو ضَعِيفٌ. فالرّاجِحُ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ. * * * صفحة ٤٩٨ أغْراضُها ذَمُّ خِصالٍ تُفْضِي بِأصْحابِها إلى الخُسْرانِ في الآخِرَةِ، وهي خِصالٌ غالِبَةٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، ويُرادُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنها. ووَعْظُ النّاسِ بِأنَّ وراءَهم حِسابًا عَلى أعْمالِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ لِيَتَذَكَّرَهُ المُؤْمِنُ ويُهَدَّدَ بِهِ الجاحِدُ. وأُكِّدَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِأنِ افْتُتِحَ بِالقَسَمِ، وأُدْمِجَ في القَسَمِ التَّنْوِيهُ بِخَيْلِ الغُزاةِ أوْ رَواحِلِ الحَجِيجِ.

الزلزلة 99:8

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] تَفْرِيعَ الفَذْلَكَةِ، انْتِقالًا لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ الفَراغِ مِن إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ، والتَّفْرِيعُ قاضٍ بِأنَّ هَذا يَكُونُ عَقِبَ ما يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا. والمِثْقالُ: ما يُعْرَفُ بِهِ ثِقْلُ الشَّيْءِ، وهو ما يُقَدَّرُ بِهِ الوَزْنُ وهو كَمِيزانٍ زِنَةً ومَعْنًى. والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ في ابْتِداءِ حَياتِها. و﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مَثَلٌ في أقَلِّ القِلَّةِ، وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهَرٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِينَ فالمَقْصُودُ ما عَمِلُوا مِن شَرٍّ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ فَهي كالعَدَمِ، فَلا تُوصَفُ بِخَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَمَلَ الخَيْرِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] . صفحة ٤٩٥ وإنَّما أُعِيدَ قَوْلُهُ: ومَن يَعْمَلْ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِحَرْفِ العَطْفِ لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ لِتَخْتَصَّ كُلُّ جُمْلَةٍ بِغَرَضِها مِنَ التَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، فَأهَمِّيَّةُ ذَلِكَ تَقْتَضِي التَّصْرِيحَ والإطْنابَ. وهَذِهِ الآيَةُ مَعْدُودَةٌ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ، وقَدْ وصَفَها النَّبِيءُ ﷺ بِالجامِعَةِ الفاذَّةِ، فَفي المُوَطَّأِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ» الحَدِيثَ «. فَسُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، فَقالَ: لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيها إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»﴾ . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ، وقالَ الحَسَنُ: قَدِمَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ جَدُّ الفَرَزْدَقِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيءَ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ صَعْصَعَةُ: حَسْبِي فَقَدِ انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَها. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ آيَتَيْنِ أحْصَتا ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ مَعًا أُوثِرَ جانِبُ التَّرْغِيبِ بِالتَّقْدِيمِ في التَّقْسِيمِ تَنْوِيهًا بِأهْلِ الخَيْرِ. وفِي الكَشّافِ: يُحْكى أنَّ أعْرابِيًّا أخَّرَ خَيْرًا يَرَهُ فَقِيلَ قَدَّمْتَ وأخَّرْتَ فَقالَ: خُذا بَطْنَ هَرْشى أوْ قَفاها فَإنَّهُ كِلا جانِبَيْ هَرْشى لَهُنَّ طَرِيقُ اهـ وقَدْ غَفَلَ هَذا الأعْرابِيُّ عَنْ بَلاغَةِ الآيَةِ المُقْتَضِيَةِ التَّنْوِيهَ بِأهْلِ الخَيْرِ. رَوى الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ أحَدُهُما لا يُبالِي مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغائِرِ ويَرْكَبُها، والآخَرُ يُحِبُّ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحْيِي مِن أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما. ومِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ قالَ جَمْعٌ: إنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، ولَوْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ لَما كانَ مُقْتَضِيًا أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا تَلَوْا آيَةً مِنَ القُرْآنِ شاهِدًا يَظُنُّها بَعْضُ السّامِعِينَ نَزَلَتْ في تِلْكَ القِصَّةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ. * * * صفحة ٤٩٦ صفحة ٤٩٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العادِياتِ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ القَيْرَوانِيَّةِ العَتِيقَةِ والتُّونِسِيَّةِ والمَشْرِقِيَّةِ (سُورَةَ العادِياتِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ، فَهي تَسْمِيَةٌ لِما ذُكِرَ فِيها دُونَ حِكايَةِ لَفْظِهِ. وسَمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ والعادِياتِ) بِإثْباتِ الواوِ. واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ. وعُدَّتِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العَصْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكَوْثَرِ. وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. ذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ مُقاتِلٍ وعَنْ غَيْرِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَيْلًا سَرِيَّةً إلى بَنِي كِنانَةَ، وأمَّرَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأسْهَبَتْ، (أيْ: أمْعَنَتْ في سَهْبٍ وهي الأرْضُ الواسِعَةُ) شَهْرًا وتَأخَّرَ خَيْرُهم، فَأرْجَفَ المُنافِقُونَ وقالُوا: قُتِلُوا جَمِيعًا، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] الآياتِ، إعْلامًا بِأنَّ خَيْلَهم قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في تِلْكَ الآياتِ» . وهَذا الحَدِيثُ قالَ في الإتْقانِ رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى أبُو بَكْرٍ البَزّازُ هُنا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا وساقَ الحَدِيثَ قَرِيبًا مِمّا لِلْواحِدِيِّ. وأقُولُ غَرابَةُ الحَدِيثِ لا تُناكِدُ قَبُولَهُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ ثِقاتٍ إلّا أنَّ في سَنَدِهِ حَفْصَ بْنَ جُمَيْعٍ وهو ضَعِيفٌ. فالرّاجِحُ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ. * * * صفحة ٤٩٨ أغْراضُها ذَمُّ خِصالٍ تُفْضِي بِأصْحابِها إلى الخُسْرانِ في الآخِرَةِ، وهي خِصالٌ غالِبَةٌ عَلى المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، ويُرادُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنها. ووَعْظُ النّاسِ بِأنَّ وراءَهم حِسابًا عَلى أعْمالِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ لِيَتَذَكَّرَهُ المُؤْمِنُ ويُهَدَّدَ بِهِ الجاحِدُ. وأُكِّدَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِأنِ افْتُتِحَ بِالقَسَمِ، وأُدْمِجَ في القَسَمِ التَّنْوِيهُ بِخَيْلِ الغُزاةِ أوْ رَواحِلِ الحَجِيجِ.

العاديات 100:1

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:2

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:3

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:4

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:5

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:6

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:7

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:8

﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾ ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أقْسَمَ اللَّهُ بِـ (العادِياتِ) جَمْعِ العادِيَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنَ العَدْوِ، وهو السَّيْرُ السَّرِيعُ يُطْلَقُ عَلى سَيْرِ الخَيْلِ والإبِلِ خاصَّةً. وقَدْ يُوصَفُ بِهِ سَيْرُ الإنْسانِ وأحْسَبُ أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالخَيْلِ ومِنهُ عَدّاءُو العَرَبِ وهم أرْبَعَةٌ: السُّلَيْكُ بْنُ السُّلَكَةِ، والشَّنْفَرى، وتَأبَّطَ شَرًّا وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في العَدْوِ. وتَأْنِيثُ هَذا الوَصْفِ هُنا لِأنَّهُ مِن صِفاتِ ما لا يَعْقِلُ. والضَّبْحُ: اضْطِرابُ النَّفَسِ المُتَرَدِّدِ في الحَنْجَرَةِ دُونَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الفَمِ، وهو مِن أصْواتِ الخَيْلِ والسِّباعِ. وعَنْ عَطاءٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَصِفُ الضَّبْحَ أحْ أحْ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في القامُوسِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالَسٌ في الحِجْرِ جاءَنِي رَجُلٌ فَسَألَنِي عَنِ ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾ فَقُلْتُ لَهُ: الخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى اللَّيْلِ فَيَصْنَعُونَ طَعامَهم ويُورُونَ نارَهم، فانْفَتَلَ عَنِّي فَذَهَبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وهو تَحْتَ صفحة ٤٩٩ سِقايَةِ زَمْزَمَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ: سَألْتَ عَنْها أحَدًا قَبْلِي ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: الخَيْلُ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ فادْعُهُ لِي، فَلَمّا وقَفْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قالَ: تُفْتِي النّاسَ بِما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، واللَّهِ لَكانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ في الإسْلامِ لَبَدْرٌ، وما كانَ مَعَنا إلّا فَرَسانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، وفَرَسٌ لِلْمِقْدادِ، فَكَيْفَ تَكُونُ العادِياتِ ضَبْحًا، إنَّما العادِياتُ ضَبْحًا الإبِلُ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى. يَعْنِي: بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ قَبْلَ ابْتِداءِ الغَزْوِ الَّذِي أوَّلُهُ غَزْوَةُ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي ورَجَعْتُ إلى الَّذِي قالَ عَلِيٌّ. ولَيْسَ في قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصْرِيحٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ ولا مَدَنِيَّةٌ وبِمِثْلِ ما قالَ عَلِيٌّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والضَّبْحُ لا يُطْلَقُ عَلى صَوْتِ الإبِلِ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَإذا حَمَلَ (العادِياتِ) عَلى أنَّها الإبِلُ، فَقالَ المُبَرِّدُ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن جَعَلَها لِلْإبِلِ جَعَلَ (ضَبْحًا) بِمَعْنى ضَبْعًا، يُقالُ: ضَبَحَتِ النّاقَةُ في سَيْرِها وضَبَعَتْ، إذا مَدَّتْ ضَبْعَيْها في السَّيْرِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الخَيْلُ وضَبَعَتْ، إذا عَدَتْ، وهو أنْ يَمُدَّ الفَرَسُ ضَبْعَيْهِ إذا عَدا، أيْ: فالضَّبْحُ لُغَةٌ في الضَّبْعِ، وهو مِن قَلْبِ العَيْنِ حاءً. قالَ في الكَشّافِ ”ولَيْسَ بِثَبْتٍ“ . ولَكِنْ صاحِبُ القامُوسِ اعْتَمَدَهُ وعَلى تَفْسِيرِ (العادِياتِ) بِأنَّها الإبِلُ يَكُونُ الضَّبْحُ اسْتُعِيرَ لِصَوْتِ الإبِلِ، أيْ: مِن شِدَّةِ العَدْوِ قَوِيَتِ الأصْواتُ المُتَرَدِّدَةُ في حَناجِرِها حَتّى أشْبَهَتْ ضَبْحَ الخَيْلِ، أوْ أُرِيدَ بِالضَّبْحِ الضَّبْعُ عَلى لُغَةِ الإبْدالِ. وانْتَصَبَ (ضَبْحًا) فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ (العادِياتِ) إذا أُرِيدَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ في جَوْفِها حِينَ العَدْوِ، أوْ يُجْعَلُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ العَدْوِ إذا كانَ أصْلُهُ: ضَبْحًا. وعَلى وجْهِ أنَّ المُقْسَمَ بِهِ رَواحِلُ الحَجِّ، فالقَسَمُ بِها لِتَعْظِيمِها بِما تُعِينُ بِهِ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ، واخْتِيرَ القَسَمُ بِها؛ لِأنَّ السّامِعِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما يُقْسَمُ عَلَيْهِ بِها مُحَقَّقٌ، فَهي مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ. والمُورِياتُ: الَّتِي تُورِي، أيْ: تُوقِدُ. صفحة ٥٠٠ والقَدْحُ: حَكُّ جِسْمٍ عَلى آخَرَ لِيَقْدَحَ نارًا، يُقالُ: قَدَحَ فَأوْرى. وانْتَصَبَ (قَدْحًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. وكُلٌّ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ ومَناسِمِ الإبِلِ تَقْدَحُ إذا صَكَّتِ الحَجَرَ الصَّوّانَ نارًا تُسَمّى نارَ الحُباحِبِ، قالَ الشَّنْفَرى يُشَبِّهُ نَفْسَهُ في العَدْوِ بِبَعِيرٍ: إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقى مَناسِمِي تَطايَرَ مِنهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الإمْعانِ في العَدْوِ وشِدَّةِ السُّرْعَةِ في السَّيْرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ قَدْحُ النِّيرانِ بِاللَّيْلِ حِينَ نُزُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿المُورِياتِ قَدْحًا﴾ مُسْتَعارًا لِإثارَةِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ الحَرْبَ تُشَبَّهُ بِالنّارِ. قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، فَيَكُونَ (قَدْحًا) تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ (المُورِياتِ) ومَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لـِ (المُورِياتِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (قَدْحًا) بِمَعْنى اسْتِخْراجِ المَرَقِ مِنَ القِدْرِ في القِداحِ لِإطْعامِ الجَيْشِ أوِ الرَّكْبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ القَدَحِ، وهو الصَّحْفَةُ فَيَكُونَ (قَدْحًا) مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمُغِيراتِ: اسْمُ فاعِلٍ مِن: أغارَ، والإغارَةُ تُطْلَقُ عَلى غَزْوِ الجَيْشِ دارًا، وهو أشْهَرُ إطْلاقِها فَإسْنادُ الإغارَةِ إلى ضَمِيرِ (العادِياتِ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ المُغِيرِينَ راكِبُوها، ولَكِنَّ الخَيْلَ أوْ إبِلَ الغَزْوِ أسْبابٌ لِلْإغارَةِ ووَسائِلُ. وتُطْلَقُ الإغارَةُ عَلى الِانْدِفاعِ في السَّيْرِ. و(صُبْحًا) ظَرْفُ زَمانٍ، فَإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِخَيْلِ الغُزاةِ فَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِوَقْتِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا غَزَوْا لا يُغِيرُونَ عَلى القَوْمِ إلّا بَعْدَ الفَجْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مُنْذِرُ الحَيِّ إذا أنْذَرَ قَوْمَهُ بِمَجِيءِ العَدُوِّ نادى: يا صَباحاهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] . وإذا فُسِّرَ (المُغِيراتِ) بِالإبِلِ المُسْرِعاتِ في السَّيْرِ، فالمُرادُ: دَفْعُها مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى صَباحَ يَوْمِ النَّحْرِ وكانُوا يَدْفَعُونَ بُكْرَةً عِنْدَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرٍ، ومِن أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) . صفحة ٥٠١ و﴿أثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أصْعَدْنَ الغُبارَ مِنَ الأرْضِ مِن شِدَّةِ عَدْوِهِنَّ، والإثارَةُ: الإهاجَةُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ. والباءُ في (بِهِ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى العَدْوِ المَأْخُوذِ مِنَ (العادِياتِ) . ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ ظَرْفِيَّةً والضَّمِيرُ عائِدًا إلى (صُبْحًا)، أيْ: أثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ إغارَتِها. ومَعْنى (وسَطْنَ): كُنَّ وسْطَ الجَمْعِ، يُقالُ: وسَطَ القَوْمَ، إذا كانَ بَيْنَهم. و(جَمْعًا) مَفْعُولُ (وسَطْنَ) وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ النّاسِ، أيْ: صِرْنَ في وسْطِ القَوْمِ المَغْزُوِّينَ. فَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الإبِلِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (جَمْعًا) وهو المُزْدَلِفَةُ فَيَكُونَ إشارَةً إلى حُلُولِ الإبِلِ في مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أنْ تُغِيرَ صُبْحًا مِنها إلى عَرَفَةَ، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ جَماعَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ هَذِهِ الرَّواحِلُ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ وإعْجازِهِ إيثارُ كَلِماتِ (العادِياتِ وضَبْحًا والمُورِياتِ وقَدْحًا، والمُغِيراتِ وصُبْحًا، ووَسَطْنَ وجَمْعًا) دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها بِرَشاقَتِها تَتَحَمَّلُ أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ بِهِ خَيْلَ الغَزْوِ ورَواحِلَ الحَجِّ. وعَطَفَ هَذِهِ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ الأُولى بِالفاءِ؛ لِأنَّ أُسْلُوبَ العَرَبِ في عَطْفِ الصِّفاتِ وعَطْفِ الأمْكِنَةِ أنْ يَكُونَ بِالفاءِ وهي لِلتَّعْقِيبِ، والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الحُصُولِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ الذِّكْرِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. والفاءُ العاطِفَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ عاطِفَةٌ عَلى وصْفِ (المُغِيراتِ) . والمَعْطُوفُ بِها مِن آثارِ وصْفِ المُغِيراتِ. ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِثْلَ صفحة ٥٠٢ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ إثارَةَ النَّقْعِ وتَوَسُّطَ الجَمْعِ مِن آثارِ الإغارَةِ صُبْحًا، ولَيْسا مُقْسَمًا بِهِما أصالَةً، وإنَّما القَسَمُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ الأُولى. فَلِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ في قَوْلِهِ ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، فَجِيءَ بِهِما فِعْلَيْنِ ماضِيَيْنِ ولَمْ يَأْتِيا عَلى نَسَقِ الأوْصافِ قَبْلَهُما بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ انْتَقَلَ مِنَ القَسَمِ إلى الحِكايَةِ عَنْ حُصُولِ ما تَرَتَّبَ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ ما قُصِدَ مِنها بِالظَّفَرِ المَطْلُوبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ العَدْوُ والإيراءُ والإغارَةُ عَقِبَهُ، وهي الحُلُولُ بِدارِ القَوْمِ الَّذِينَ غَزَوْهم إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) الخَيْلَ، أوْ بُلُوغُ تَمامِ الحَجِّ بِالدَّفْعِ عَنْ عَرَفَةَ إذا كانَ المُرادُ بِـ (العادِياتِ) رَواحِلَ الحَجِيجِ، فَإنَّ إثارَةَ النَّقْعِ يَشْعُرُونَ بِها عِنْدَ الوُصُولِ حِينَ تَقِفُ الخَيْلُ والإبِلُ دُفْعَةً، فَتُثِيرُ أرْجُلُها نَقْعًا شَدِيدًا فِيما بَيْنَهُما، وحِينَئِذٍ تَتَوَسَّطْنَ الجَمْعَ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: (جَمْعًا) اسْمَ المُزْدَلِفَةِ؛ حَيْثُ المَشْعَرُ الحَرامُ. ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِهَذِهِ المَوْصُوفاتِ دُونَ غَيْرِها إنْ أُرِيدَ رَواحِلُ الحَجِيجِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وهو أنْ يُصَدَّقَ المُشْرِكُونَ بِوُقُوعِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِشَعائِرِ الحَجِّ لا يَكُونُ إلّا بارًّا حَيْثُ هم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ويَزْعُمُونَهُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ . وإنْ أُرِيدَ بِـ (العادِياتِ) وما عُطِفَ عَلَيْها خَيْلُ الغُزاةِ، فالقَسَمُ بِها لِأجْلِ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ لِإشْعارِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ غارَةً تَتَرَقَّبُهم، وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ، مَعَ تَسْكِينِ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ في مَصِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِها مَعَ المُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو إذا صَحَّ خَبَرُها فَيَكُونُ القَسَمُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الخَيْلِ إدْماجًا لِلِاطْمِئْنانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ. والكَنُودُ: وصْفٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ مِن كَنَدَ، ولُغاتُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ في مَعْناهُ، فَهو في لُغَةِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ بِالنِّعْمَةِ، وبِلُغَةِ كِنانَةَ: البَخِيلُ، وفي لُغَةِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، والمَعْنى: الشَّدِيدُ الكُفْرانِ لِلَّهِ. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ غالِبًا، أيْ أنَّ صفحة ٥٠٣ فِي طَبْعِ الإنْسانِ الكُنُودَ لِرَبِّهِ، أيْ: كُفْرانَ نِعْمَتِهِ، وهَذا عارِضٌ يَعْرِضُ لِكُلِّ إنْسانٍ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ ولا يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الأنْبِياءُ، وكُمَّلُ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ عارِضٌ يَنْشَأُ عَنْ إيثارِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أمْرٌ في الجِبِلَّةِ لا تَدْفَعُهُ إلّا المُراقَبَةُ النَّفْسِيَّةُ وتَذَكُّرُ حَقِّ غَيْرِهِ. وبِذَلِكَ قَدْ يَذْهَلُ أوْ يَنْسى حَقَّ اللَّهِ، والإنْسانُ يُحِسُّ بِذَلِكَ مِن نَفْسِهِ في خَطَراتِهِ، ويَتَوانى أوْ يَغْفُلُ عَنْ مُقاوَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَغِلُ بِإرْضاءِ داعِيَةِ نَفْسِهِ، والأنْفُسُ مُتَفاوِتَةٌ في تَمَكُّنِ هَذا الخُلُقِ مِنها، والعَزائِمُ مُتَفاوِتَةٌ في اسْتِطاعَةِ مُغالَبَتِهِ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا أوْ عامًّا مَخْصُوصًا، فالإنْسانُ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ مَآلُها إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، بِالقَوْلِ والقَصْدِ، أوْ بِالفِعْلِ والغَفْلَةِ، فالإشْراكُ كُنُودٌ، والعِصْيانُ كُنُودٌ، وقِلَّةُ مُلاحَظَةِ صَرْفِ النِّعْمَةِ فِيما أُعْطِيَتْ لِأجْلِهِ كُنُودٌ، وهو مُتَفاوِتٌ، فَهَذا خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ في الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ أيْقَظَ اللَّهُ لَهُ النّاسَ لِيَرِيضُوا أنْفُسَهم عَلى أمانَةِ هَذا الخُلُقِ مِن نُفُوسِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ الإنْسانِ هُنا بِالكافِرِ فَهو مِنَ العُمُومِ العُرْفِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَنُودُ هو الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ» وهو تَفْسِيرٌ لِأدْنى مَعانِي الكُنُودِ فَإنَّ أكْلَهُ وحْدَهُ، أيْ: عَدَمَ إطْعامِهِ أحَدًا مَعَهُ، أوْ عَدَمَ إطْعامِهِ المَحاوِيجَ إغْضاءً عَنْ بَعْضِ مَراتِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ، وكَذَلِكَ مَنعُهُ الرِّفْدَ، ومِثْلُهُ: ضَرْبُهُ عَبْدَهُ، فَإنَّ فِيهِ نِسْيانًا لِشُكْرِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مِلْكًا لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ أوْلى بِوَصْفِ الكُنُودِ. وقِيلَ: ‌‌‌‌‌‌التَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) لِلْعَهْدِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: قِرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيُّ. واللّامُ في (لِرَبِّهِ) لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كَنُودَ وصْفٌ لَيْسَ أصِيلًا في العَمَلِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْمُولاتِ لِمُشابَهَتِهِ الفِعْلَ في الِاشْتِقاقِ، فَيَكْثُرُ أنْ يَقْتَرِنَ مَفْعُولُهُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ، ومَعَ تَأْخِيرِهِ عَنْ مَعْمُولِهِ. صفحة ٥٠٤ وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الكُنُودِ لِتَشْنِيعِ هَذا الكُنُودِ بِأنَّهُ لِلرَّبِّ الَّذِي هو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِالشُّكْرِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الكَلامَ بِلامِ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا الخَبَرِ. وتَقْدِيمُ (لِرَبِّهِ) عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ، وابْنُ هِشامٍ يَرى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ الواقِعَةَ في خَبَرِ (إنَّ) لَيْسَتْ بِذاتِ صَدارَةٍ. وضَمِيرُ ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ عائِدٌ ‌‌‌‌‌إلى الإنْسانِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ انْتِساقُ الضَّمائِرِ واتِّحادُ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والشَّهِيدُ: يُطْلَقُ عَلى الشّاهِدِ، وهو الخَبَرُ بِما يُصَدِّقُ دَعْوى مُدَّعٍ، ويُطْلَقُ عَلى الحاضِرِ، ومِنهُ جاءَ إطْلاقُهُ عَلى العالِمِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ المَعْلُومُ، ويُطْلَقُ عَلى المُقِرِّ لِأنَّهُ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ. والشَّهِيدُ هُنا: إمّا بِمَعْنى المُقِرِّ كَما في (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) . والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ مُقِرٌّ بِكُنُودِهِ لِرَبِّهِ مِن حَيْثُ لا يَقْصِدُ الإقْرارَ، وذَلِكَ في فَلَتاتِ الأقْوالِ، مِثْلَ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في أصْنامِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . وهَذا قَوْلٌ يَلْزَمُهُ اعْتِرافُهم بِأنَّهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وأشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُسْتَحِقِّ لِلِانْفِرادِ بِها، ألَيْسَ هَذا كُنُودًا لِرَبِّهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي فَلَتاتِ الأفْعالِ كَما يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ في المَعاصِي. والمَقْصُودُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْظِيعُ كُنُودِ الإنْسانِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِصاحِبِهِ بِأدْنى تَأمُّلٍ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ. وعَلى هَذا فَحَرْفُ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهِيدٌ) واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الكُنُودِ المَأْخُوذِ مِن صِفَةِ (كَنُودٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شَهِيدٌ) بِمَعْنى (عَلِيمٍ)، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ في عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ: وهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْ ∗∗∗ مِ الخِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ صفحة ٥٠٥ ومُتَعَلِّقُ (شَهِيدٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: عَلِيمٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، أيْ: بِدَلائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى: مَعَ ذَلِكَ، أيْ: مَعَ ذَلِكَ الكُنُودِ هو عَلِيمٌ بِأنَّهُ رَبُّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ لا لِلْكُنُودِ، فَحَرْفُ (عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: فَبَقِينا عَلى الشَّناءَةِ تَنْمِي ∗∗∗ نا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّعَجُّبِ مِن كُنُودِ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسُفْيانُ: ضَمِيرُ (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى رَبِّهِ، أيْ: وإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُسَوِّغُهُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ كِلا الوَجْهَيْنِ، فَلَعَلَّهُما رَأيا جَوازَ المَحْمَلَيْنِ وهو أوْلى. وتَقْدِيمُ عَلى ذَلِكَ عَلى (شَهِيدٌ) لِلِاهْتِمامِ والتَّعَجُّبِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ. والشَّدِيدُ: البَخِيلُ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ راثِيًا: حَذَرْناهُ بِأثْوابٍ في قَعْرِ هُوَّةٍ ∗∗∗ شَدِيدٍ عَلى ما ضَمَّ في اللَّحْدِ جُولُها والجَوْلُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: التُّرابُ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ المُتَشَدِّدِ أيْضًا، قالَ طَرَفَةُ: عَقِيلَةُ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ واللّامُ في ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والخَيْرُ: المالُ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والمَعْنى: إنَّ في خُلُقِ الإنْسانِ الشُّحَّ لِأجْلِ حُبِّهِ المالَ، أيِ: الِازْدِيادِ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وتَقْدِيمُ ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِغَرابَةِ هَذا المُتَعَلِّقِ ولِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ وهي مِن ذَواتِ الصَّدْرِ لِأنَّهُ مَجْرُورٌ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ . وحُبُّ المالِ يَبْعَثُ عَلى مَنعِ المَعْرُوفِ، وكانَ العَرَبُ يُعَيِّرُونَ بِالبُخْلِ وهم مَعَ صفحة ٥٠٦ ذَلِكَ يَبْخَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِمُواساةِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى، ولَكِنَّهم يُسْرِفُونَ في الإنْفاقِ في مَظانِّ السُّمْعَةِ ومَجالِسِ الشُّرْبِ وفي المَيْسِرِ. قالَ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]) .

العاديات 100:9

﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فُرِّعَ عَلى الإخْبارِ بِكُنُودِ الإنْسانِ وشُحِّهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ عِلْمِ الإنْسانِ بِوَقْتِ بَعْثَرَةِ ما في القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْهُ الإنْسانُ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ قُدِّمَتْ عَلى فاءِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ للِاسْتِفْهامَ صَدْرَ الكَلامِ. وانْتَصَبَ (إذا) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) المَحْذُوفِ اقْتِصارًا، لِيَذْهَبَ السّامِعُ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ قَصْدًا لِلتَّهْوِيلِ. والمَعْنى: ألا يَعْلَمُ العَذابَ جَزاءً لَهُ عَلى ما في كُنُودِهِ وبُخْلِهِ مِن جِنايَةٍ مُتَفاوِتَةِ المِقْدارِ إلى حَدِّ إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ. وحُذِفَ مَفْعُولا (يَعْلَمُ) ولا دَلِيلَ في اللَّفْظِ عَلى تَعْيِينِ تَقْدِيرِهِما، فَيُوكَلُ إلى السّامِعِ تَقْدِيرُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْوِيلِ، ويُسَمّى هَذا الحَذْفُ عِنْدَ النُّحاةِ الحَذْفَ الِاقْتِصارِيَّ، وحَذْفُ كِلا المَفْعُولَيْنِ اقْتِصارًا جائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وهو التَّحْقِيقُ وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَمْنَعُهُ. وبُعْثِرَ: مَعْناهُ قُلِبَ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، والمُرادُ بِهِ إحْياءُ ما في القُبُورِ مِنَ الأمْواتِ الكامِلَةِ الأجْسادِ أوْ أجْزائِها، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] في سُورَةِ الِانْفِطارِ. وحُصِّلَ: جُمِعَ وأُحْصِيَ. وما في الصُّدُورِ: هو ما في النُّفُوسِ مِن ضَمائِرَ وأخْلاقٍ، أيْ: جُمِعَ عَدُّهُ والحِسابُ عَلَيْهِ.

العاديات 100:10

﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ فُرِّعَ عَلى الإخْبارِ بِكُنُودِ الإنْسانِ وشُحِّهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ عِلْمِ الإنْسانِ بِوَقْتِ بَعْثَرَةِ ما في القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْهُ الإنْسانُ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ قُدِّمَتْ عَلى فاءِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ للِاسْتِفْهامَ صَدْرَ الكَلامِ. وانْتَصَبَ (إذا) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِمَفْعُولِ (يَعْلَمُ) المَحْذُوفِ اقْتِصارًا، لِيَذْهَبَ السّامِعُ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ قَصْدًا لِلتَّهْوِيلِ. والمَعْنى: ألا يَعْلَمُ العَذابَ جَزاءً لَهُ عَلى ما في كُنُودِهِ وبُخْلِهِ مِن جِنايَةٍ مُتَفاوِتَةِ المِقْدارِ إلى حَدِّ إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ. وحُذِفَ مَفْعُولا (يَعْلَمُ) ولا دَلِيلَ في اللَّفْظِ عَلى تَعْيِينِ تَقْدِيرِهِما، فَيُوكَلُ إلى السّامِعِ تَقْدِيرُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْوِيلِ، ويُسَمّى هَذا الحَذْفُ عِنْدَ النُّحاةِ الحَذْفَ الِاقْتِصارِيَّ، وحَذْفُ كِلا المَفْعُولَيْنِ اقْتِصارًا جائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وهو التَّحْقِيقُ وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَمْنَعُهُ. وبُعْثِرَ: مَعْناهُ قُلِبَ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، والمُرادُ بِهِ إحْياءُ ما في القُبُورِ مِنَ الأمْواتِ الكامِلَةِ الأجْسادِ أوْ أجْزائِها، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] في سُورَةِ الِانْفِطارِ. وحُصِّلَ: جُمِعَ وأُحْصِيَ. وما في الصُّدُورِ: هو ما في النُّفُوسِ مِن ضَمائِرَ وأخْلاقٍ، أيْ: جُمِعَ عَدُّهُ والحِسابُ عَلَيْهِ.

العاديات 100:11

صفحة ٥٠٧ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإنْكارِ، أيْ: كانَ شَأْنُهم أنْ يَعْلَمُوا اطِّلاعَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ، وأنْ يَذْكُرُوهُ؛ لِأنَّ وراءَهُمُ الحِسابَ المُدَقَّقَ، وتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفادَ التَّذْيِيلِ. وقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (لَخَبِيرٌ) أيْ: عَلِيمٌ. والخَبِيرُ: مُكَنًّى بِهِ عَنِ المُجازِي بِالعِقابِ والثَّوابِ، بِقَرِينَةِ تَقْيِيدِهِ بِيَوْمَئِذٍ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِهِمْ حاصِلٌ مِن وقْتِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأمّا الَّذِي يَحْصُلُ مِن عِلْمِهِ بِهِمْ يَوْمَ بَعْثَرَةِ القُبُورِ، فَهو العِلْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ. وتَقْدِيمُ (بِهِمْ) عَلى عامِلِهِ وهو (لَخَبِيرٌ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِيَعْلَمُوا أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى العامِلِ المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ مَعَ أنَّ لَها الصَّدْرَ سائِغٌ لِتَوَسُّعِهِمْ في المَجْرُوراتِ والظَّرْفِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] . وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ابْنَ هِشامٍ يُنازِعُ في وُجُوبِ صَدارَةِ لامِ الِابْتِداءِ الَّتِي في خَبَرِ إنَّ. * * * صفحة ٥٠٨ صفحة ٥٠٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القارِعَةِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ وكُتُبُ التَّفْسِيرِ وكُتُبُ السُّنَّةِ عَلى تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ القارِعَةِ) ولَمْ يُرْوَ شَيْءٌ في تَسْمِيَتِها مِن كَلامِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ. واتُّفِقَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وعُدَّتِ الثَّلاثِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ قُرَيْشٍ وقَبْلَ سُورَةِ القِيامَةِ. وآيُها عَشْرٌ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ، وثَمانٍ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ، وإحْدى عَشْرَةَ في عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ. * * * ذُكِرَ فِيها إثْباتُ وُقُوعِ البَعْثِ وما يَسْبِقُ ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ. وإثْباتُ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ وأنَّ أهْلَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المُعْتَبَرَةِ عِنْدَ اللَّهِ في نَعِيمٍ، وأهْلَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي لا وزْنَ لَها عِنْدَ اللَّهِ في قَعْرِ الجَحِيمِ.