تأويلات أهل السنة — الفتح 48:1 – الذاريات 51:60
المحتويات
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
الفتح 48:1
سُورَةُ الْفَتْحِ
ذكر أن سورة الفتح مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو فتح مكة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلح الحديبية الذي بين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان له فيها -أعني: في قصة الحديبية- أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان:
أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعًا؛ فذلك آية عظيمة حسية على رسالته.
والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك باللَّه تعالى.
وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: شهدت الحديبية مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قال: أوحي إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واقفًا عند كراع الغميم -اسم موضع- فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: قال رجل من أصحاب رسول اللَّه: أو فتح هو يا رسول اللَّه؟ قال: " إي والذي نفسي بيده إنه بفتح " قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة.
وفي بعض الأخبار؛ أنه الصلح الذي كان بين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأقرأها إياه، فقال: يا رسول اللَّه، فتح هو؟ قال: " نعم ".
وعن عامر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان بالحديبية، فأنزل اللَّه - تعالى -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) فقال رجل: إنه فتح هو؟ قال: " نعم ".
وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وكذلك روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: نزلت هذه الآية: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) بالحديبية.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة من الحديبية... وفي الحديث طول تركنا ذكره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بينًا بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
والثاني: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).
والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.
يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، واللَّه أعلم.
الفتح 48:2
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ... (٢) يخرج على وجهين:
أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.
ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟ وأيش كانت زلته؟ لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم نهوا عن ذلك، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمه عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، واللَّه أعلم.
والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك اللَّه ذنوب أمتك، وهو ما يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روي في الخبر: " يغفر للمؤذن مدّ صوته " أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) أي: يغفر لأمته بشفاعته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس أُولَئِكَ الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...) الآية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) يحتمل: أي: ينصرك نصرًا عزيزًا بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحًا، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: نصرًا عزيزًا لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ذلك؛ لأنه قال على إثره: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ)؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سببًا للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره أهل التأويل، إلا أن يقال: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن اللَّه أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال منهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن اللَّه جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطًّا، ولا يكتب كتابًا، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه اللَّه - جل وعلا - بقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه،
الفتح 48:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ يحتمل أن ينصرك نصرا عزيزا بالغلبة عليهم والقهر والظّفر لا صُلحًا ولا مُواعدةً.
وعلى ذلك يخرّج قول أهل التأويل :﴿نصرا عزيزا﴾ لا يُستذلّ، ولا يُسترذلُ.
وظاهر الآية ليس على ذلك لأنه [ قاله على إثر قوله ](١) :﴿ليغفر لك الله﴾ لأن الخيرات والحسنات تكن سببا للمغفرة.
فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا لا لما ذكره إلا أن يقال : إن النبي ﷺ كان يُسأل عن الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة. إلا أن الله تعالى أضاف الفتح إلى نفسه [ بقوله :﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ لما أنه هو الخالق لتلك الأسباب والمُنشئ لعمل الجهاد ](٢) والقتال معه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخطّ بيده خطًّا، ولا يكتب كتابا، ولا يفهم كتابة، وهو ما وصفه الله، جل، وعلا، بقوله :﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخُطّه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] لدفع ارتياب المبطلين فيه على [ ما ](٣) ذكر.
ثم مع أنه جعله هذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه، وأحوج أيضا جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمّن كتابه المنزّل عليه، وجعله رسولا إليهم، فيكون كأنه قال :﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ [ النبوّة ](٤) والحكمة وأنواع العلوم والخيرات والحسنات ﴿ليغفر لك﴾ أي إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ﴿ويُتمّ نعمته عليك﴾ من النبوّة والحكمة وإظهار دينه على الأديان كلها ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾ ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾ أي ما تقدّم من ذنب أمّتك وما تأخّر من ذنبهم على ما قال بعض أهل التأويل ﴿ويُتمّ نعمته﴾ عليهم من أنواع الخيرات والأمن لهم والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطا مستقيما، وينصرهم نصرا عزيزا ؛ أي فتحنا لك ما ذكر ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم وإتمام النعمة والهداية لهم الصراط المستقيم والنصر لهم النصر العزيز، أي نصرا يُعزّون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ومن الناس من يقول : إن الله، جلّ، وعلا، امتحن رسوله عليه السلام في الابتداء بالخوف حين قال :( وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم ) [ أحمد ١/٢٣٧ ] وجد النبي ﷺ لذلك وجْدًا شديدا، ونز بعده ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إلى آخره.
قال رسول الله ﷺ عند ذلك :( نزلت عليّ آية أحبّ إلي مما على الأرض ) [ ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/٥٠١ ] ثم قرأها النبي ﷺ فقالوا : هنيئا مريئا لك يا نبيّ الله قد بيّن الله لك ما يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا، فنزل قوله تعالى :﴿ليُدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ الآية [الفتح: ٥] والله أعلم.
١ في الأصل وم: قال على أثره..
٢ من نسخة الحرم المكي..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الفتح 48:4
وأحوج - أيضًا - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ (لِيَغْفِرَ لَكَ)؛ أي: إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على الأديان كلها، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) أي: من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأُولَئِكَ الكفرة عنهم، ويهديهم صراطًا مستقيمًا، وينصرهم نصرًا عزيزًا، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر العزيز، أي: نصرًا يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم.
ومن الناس من يقول: إن اللَّه - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)، وجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لذلك وجدًا شديدًا، ونزل بعده (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ...) إلى آخره، قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: " نزلت عليَّ آية أحب إلي مما على الأرض "، ثم قرأها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي اللَّه، قد بين لك ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؟ فنزل قوله - تعالى -: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ...) الآية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤).
قَالَ بَعْضُهُمْ: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) بحقيقة الدِّين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو اللَّه - تعالى - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.
قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلانًا في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيمانًا؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ...)، وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر
الفتح 48:5
على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) يخرج على وجوه:
أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه -: ليزدادوا إيمانًا بالتفسير على إيمانهم بالجملة.
والثاني: ليزدادوا إيمانًا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل الكتاب خاصة.
والثالث: ليزدادوا إيمانًا في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم مُحَمَّد أن اللَّه قد غفر له، وأن له على عدوه ظفرًا، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس والروم؟! هم أكثر عددًا، فعند ذلك نزل: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فمعناه: أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ولكن ذلك إلى اللَّه - تعالى - وهو كقوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)، أي: لله تدبير مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا باللَّه - تعالى - فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي: عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة اللَّه على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أُولَئِكَ ولمنافعهم؛ ولذلك قال: (حَكِيمًا)؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيمًا في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥).
كان هذا صلة قوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ
الفتح 48:6
إِيمَانِهِمْ)، (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...) الآية، أنزل السكينة في قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيمانًا، وأنزل السكينة - أيضًا - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر أن ذلك لهم عند اللَّه فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هَؤُلَاءِ السكينة التي ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في قلوبهم ولم ينزل على أُولَئِكَ هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحد الذي ذكر إنما بلغ ذلك باللَّه - تعالى - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) جائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) ظنوا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يرجع إلى أهله، وكذلك المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبدًا، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، فيحتمل ما ذكر - هاهنا - (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) هذا ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ): هم المشركون.
ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم باللَّه ظن السوء: ألا يرجع هو وأصحابه إلى أهليهم أبدًا وإن كانوا من مكذبي الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيكون ظنهم باللَّه ظن السوء ألا يكرم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالرسالة، ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس الذين يختارونهم؛ كقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، فيكون ظنهم باللَّه ظن السوء على هذا: ألا يكرم اللَّه - تعالى - محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يختاره لرسالته ونبوته، واللَّه أعلم.
وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم باللَّه ظن السوء هو ألا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت.
ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فصار عليهم ما
الفتح 48:7
ظنوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك أستارهم، ونحو ذلك.
وإن كانوا من مكذبي الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لا يرسله، فظنهم كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم.
وإن كانوا من منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم استوجبوا غضب اللَّه ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم باللَّه ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيرًا لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) ذكر على إثر ما ذكر (عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) قوله: (شَاهِدًا) لله ما لله - تعالى - على عباده، وما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون قوله: (شَاهِدًا) أي: مبينًا؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: شاهدًا للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهدًا على من أبي الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون قوله: (شَاهِدًا) على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أرسلناك شاهدًا على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - بالتبليغ ومن ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا): البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ليرغبهم فيها.
والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، واللَّه أعلم.
الفتح 48:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿إنا أرسلناك شاهدا ومُبشّرا ونذيرا﴾ قوله :﴿شاهدا﴾ لله عما لله تعالى على عباده وما(١) لبعضهم على بعض فعلى هذا التأويل يكون قوله ﴿شاهدا﴾ أي مبينا، أي يبيّن ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، وهو قول أبي بكر الأصمّ.
وقال بعضهم : أي شاهدا للرسل عليهم السلام بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهدا على من أبى الإجابة بالإباء والرّد. فعلى هذا التأويل يكون قوله :﴿شاهدا﴾ على حقيقة الشهادة على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم : أي أرسلناك شاهدا على أمّتك على الأنبياء عليهم السلام بالتبليغ(٢) والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومبشّرا ونذيرا﴾ البشارة هي بذكر عواقب الخيرات والحسنات والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يُفضي أربابُها وعمّالها ليُرغّبهم فيها. والنّذارة بذكر عواقب الشرور والسيئات والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يُفضي أربابها ومُرتكبوها(٣) ليزجرهم [ عنها ](٤) والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: ومن ذكرنا..
٣ في الأصل وم: ومرتكبها..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الفتح 48:9
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهدًا؛ لتؤمنوا أنتم باللَّه ورسوله.
ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشرًا ونذيرا، وقل لهم: إنما أرسلت لتؤمنوا باللَّه ورسوله، وهو كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، معناه: يَا أَيُّهَا النبي، قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقرئ بالياء، وهي ظاهرة.
ثم الإيمان باللَّه - تعالى - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر.
والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتُعَزِّرُوهُ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تنصروه وتعينوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تطيعوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تعظموه.
فمن يقول: إن قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ) ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: (وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ)، ذكر التعزير وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) وذلك جائز في الكلام.
ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة له تعظيمه، واللَّه أعلم.
ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع عنه، والذب،
الفتح 48:10
والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن قوله - تعالى -: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً) راجع إلى اللَّه - تعالى - وكذلك ذكر في بعض القراءة (ويسبحون اللَّه بكرة وأصيلا)، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه كان [بريئًا] من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن كان هو تنزيهًا عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته إلا إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه.
وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا.
قال معقل بن يسار: " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر ".
وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ)، والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) ذكر في أول الآية المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، واللَّه أعلم.
ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين:
أحدهما: لما بأمره يبايعونه.
أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يد اللَّه في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه.
وجائز أن يكون قوله (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي: يد اللَّه في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق أيديهم عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه لما بايعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء اللَّه الذي يجزيهم بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد اللَّه وإضافتها إليه يريد بها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأنه يقول: يد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما بايعوه؛ كقوله - تعالى -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا...) الآية؛ فيخبر أن يد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أي: يد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالمد والبسط بالمبايعة فوق أيديهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي: توفيق اللَّه - تعالى - إياكم ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي: يد اللَّه في النصر لرسوله فوق أيديهم؛ كقوله - تعالى - (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، حقيقة النصر إنما يكون باللَّه تعالى، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) أي: من نكث فعليه ضرر نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - لأن اللَّه - جل وعلا - وعد النصر له والظفر بأُولَئِكَ، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ اللَّه يفي لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما وعد اللَّه من النصر له، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
الفتح 48:11
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ... (١١).
قوله - تعالى -: (الْمُخَلَّفُونَ) سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا أصحابه، ولكن اللَّه تعالى خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)، أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن اللَّه - سبحانه وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - خبرا عنهم: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا).
هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقولهم: (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) يقولون: وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك، فاستغفر لنا، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ...) الآية؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم: (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا)؛ حيث قال: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، أي: يقولون بألسنتهم قولهم: (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك.
ولا جائز أن يصرف قولهم: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) إلى قولهم: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك؛ فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا).
قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من اللَّه تعالى يكون على الإيجاب، فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟ فيكون من اللَّه تعالى على الإيجاب: أن لا أحد يملك لكم نفعًا إن كان اللَّه أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان اللَّه أراد بكم نفعًا، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، فإن اللَّه تعالى لو أراد بكم ضرًّا لا
الفتح 48:12
تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم أوعدهم فقال: (بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه - جل وعلا - وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه باللَّه قدر على ذلك، واللَّه أعلم.
وقال أهل التأويل: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا) أي: الهزيمة (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) ظهورا على عدوكم وغنيمة، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ لهم بذلك؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢).
فَإِنْ قِيلَ: ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك في خروجهم إلى الحديبية -على ما قال أهل التأويل: إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية- وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم، حتى يقع عندهم أنهم لا يرجعون، بل يهلكون في ذلك، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك.
قيل: لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضي اللَّه عنهم - خرجوا إليكم للحج وزيارة البيت، فقالوا: إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم يدخلونها، فإذا كان منهم ما ذكرنا، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم، فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر الحديبية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ).
أي: ظننتم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضي اللَّه عنهم - ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم.
ويحتمل ظننتم باللَّه ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (بُورًا) أي: هلكى، أي: تصيرون قوما هلكى؛ فيه دليل أنهم يموتون على نفاقهم.
الفتح 48:13
وقال الحسن: (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) أي: فاسدون لا خير فيهم، وكذلك يقول ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -: إن البور هو الفاسد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البور في كلام العرب: لا شيء.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: البور: الهلكى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) فهو ظاهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (١٤) قيل فيه بوجوه:
أحدها: ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - أنه كان يقرؤه: (ولله خزائن السماوات والأرض).
والثاني: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي: لله حقيقة ملك كل ملك في السماوات والأرض.
والثالث: ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي: الولاية والسلطان له على أهل السماوات والأرض.
ثم يحتمل ذكره هذا وجهين:
أحدهما: يخبر أنه فيما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم بأنواع المحن إنما يأمرهم وينهى ويمتحن لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا يحتمل من له ملك ما ذكر أن يقع له الحاجة إلى ما ذكر أو المنفعة؛ لأنه غني بذاته؛ ولكن يأمرهم وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن؛ لحاجتهم ولمنفعتهم، واللَّه أعلم.
والثاني: يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطمع والرجاء إلى اللَّه - تعالى - ومنه يرون كل نفع وخير يصل إليهم، ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) يقول - واللَّه أعلم -: هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذب من يشاء؛ أي ليس يملك أحد مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون خلقه؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر إلى اللَّه - تعالى - ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وكان اللَّه لم يزل رحيما، لا أنه حدث ذلك له بخلقة، واللَّه الموفق.
الفتح 48:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ قيل فيه بوجوه :
أحدها : ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذُكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرؤُه : ولله خزائن السماوات والأرض.
والثاني : ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي لله حقيقة مُلك كل مُلكٍ في السماوات والأرض.
والثالث : ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي الولاية والسلطان له على أهل السماوات والأرض. ثم يحتمل ذكرُه هذا وجهين :
أحدهما : يخبر أنه في ما يأمُرهم، وينهاهم، ويمتحنُهم بأنواع المحن، بما يأمرهم [ وينهاهم، ويمتحُنهم ](١) لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له ؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا يحتمل من له ملك ما ذكر [ أن تقع له الحاجة إلى ما ذكر ](٢) أو المنفعة، لأنه غنيّ بذاته، ولكن يأمرهم، وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن لحاجتهم ولمنفعتهم، والله أعلم.
والثاني : يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطّمع والرجاء إلى الله تعالى ؛ ومنه يرون كل نفع وخير، يصل إليهم، ومنه يخافون في كل أمر، فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر :﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد﴾ ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى :﴿يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء﴾ يقول، والله أعلم : هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذّب من يشاء، أي ليس يملك أحد مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون خلقه، ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر [ إلى الله تعالى، ومنه يخافوا(٣) في كل أمر(٤) ] فيه خوف، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أي وكان الله، ولم(٥) يزل، غفورا رحيما، لا أنه حدث ذلك له بخلقه، والله الموفّق.
١ في الأصل وم: وينهى ويمتحن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في م: يخافون..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ الواو ساقطة من الأصل وم..
الفتح 48:15
وقوله: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ... (١٥) من الحديبية، خلفهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لما علم منهم من اختيار التخلف.
وقوله: (إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ...) الآية.
ذكر أهل التأويل: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما صالح أهل مكة عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه - رضي اللَّه عنهم - لما كانوا طمعوا دخول مكة والزيارة لبيته، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم، فعند ذلك لما انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم - قالوا: ذرونا نتبعكم؛ فنصيب معكم الغنائم؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم؛ لما علموا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يصدق فيما يخبر من البشارة له والفتح والغنيمة له بلا مؤنة قتال ولا حرب تقع هنالك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ)؛ لأن البشارة بفتح خيبر، وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية، فأما من تخلف عنها، فليس له في ذلك من نصيب، فأخبر اللَّه - تعالى - أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد اللَّه - تعالى - للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية - فتح خيبر خاصة؛ بأن يشركوا فيها، وفي ذلك تبديل ما وعد؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية، والبشارة بالفتح لمن شهدها، فأما من تخلف عنها فلا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تبديل كلام اللَّه ما قال في سورة براءة: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)، فلما سألوا الخروج إلى خيبر والاتباع لهم، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا، يريدون أن يبدلوا ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة؛ فيحتمل الأمرين جميعًا؛ كذا ذكر الشيخ - رحمه اللَّه - وعامة أهل التأويل على أن قوله: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)، نزل في غزوة تبوك، وأنها بعد خيبر، فلم يكن خروجهم مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بخيبر تبديل النهي الذي نهوا عن الخروج معه، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة تبوك، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ)، يحتمل قوله: قوله تعالى: (كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد الحديبية، قال: إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية، وأمَّا من لم يشهد فلا.
ويحتمل قوله: (مِنْ قَبْلُ) ما ذكر في سورة براءة: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)
الفتح 48:16
واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) كانوا يقيسون أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بأنفسهم؛ لأنهم إذا أصابوا شيئًا -أعني: المنافقين- كانوا يحسدون أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأرادوا ألا يكون لهم في ذلك نصيب ولا حظ؛ حسدًا منهم لهم، فلما منعهم المؤمنون عن الخروج إلى خيبر وقالوا: إن اللَّه نهاكم أن تخرجوا معنا، وقد بشروا بالفتح، قالوا عند ذلك: بل تحسدوننا في إصابة تلك الغنائم، لم ينهنا اللَّه - تعالى - عن الخروج معكم؛ قاسوا المؤمنين بأنفسهم، (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الفقه هو الاستدلال بما عرفوه وشهدوه على الذي لم يعلموه وغاب عنهم؛ يخبر أن هَؤُلَاءِ لا يعرفون الاستدلال.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الفقه هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) وهم الذين تخلفوا عن الحديبية (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) على قول ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومقاتل: وهَؤُلَاءِ هم بنو حنيفة، وفيهم مسيلمة الحنفي الكذاب، استقرت إليهم الأعراب بعد نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فدعاهم أبو بكر الصديق إلى قتالهم.
وقال الحسن: هم أهل فارس والروم.
وقال قتادة وغيره: دعوا إلى قتال هوازن وثقيف يوم حنين.
ويروى عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: دعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد، ومنهم من أبى.
لكن ما قال قتادة غير محتمل؛ لأن قتال هوازن وثقيف يوم حنين كان في زمن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو تولى ذلك، وقال في آية أخرى: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا...) الآية، فلا يحتمل أن يدعوا إلى قتال هَؤُلَاءِ وهو تولى قتالهم، وقد قال اللَّه - تعالى - خبرًا عنه: (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)، فإذا لم يحتمل هذا رجع التأويل إلى ما قال ابن عَبَّاسٍ ومقاتل - رضي اللَّه عنهما - أنهم إنما دعوا إلى قتال أهل اليمامة
الفتح 48:17
وهم بنو حنيفة، دعاهم أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لكن لو كان ما قال أهل التأويل أن قوله - تعالى -: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)، نزل في غزوة تبوك، وهي بعد يوم حنين، فيكون ما قاله قتادة محتملا، واللَّه أعلم.
أو أن يكون قوله: (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)، في قوم خاص، وهو ما قال: (اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ)، أي: أهل الغناء والثروة، إنما قال ذلك لأولي الطول الذين استأذنوه القعود مع القاعدين، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله - تعالى -: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) في أهل فارس والروم؛ على ما قال الحسن، وذلك إنما فتح في زمن عمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، ومن قرأها: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُوا) وبالألف فيكون تأويله: تقاتلونهم حتى يسلموا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا) أي: إن تطيعوا فيما دعيتم إلى الجهاد يؤتكم اللَّه أجرًا حسنًا، ذكر أنه يؤتيهم أجرًا حسنًا؛ لأن توبتهم تكون فيما كان كفرهم وكان نفاقهم إنما ظهر بتخلفهم عن الجهاد، فعلى ذلك تكون توبتهم في تحقيق الجهاد.
وقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) وفيما دعيتم إليه (كَمَا تَوَلَّيْتُمْ) عن الحديبية وغيره (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
ثم عذر أهل العذر منهم بقوله - تعالى -: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ... (١٧) كما عذر أهل العذر من المؤمنين بقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)؛ لأنهم إذا تولوا عادوا إلى ما كانوا.
* * *
قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) يحتمل قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) لما عزموا على الوفاء على ما بايعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والصدق لذلك، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر اللَّه أن قد رضي اللَّه عنهم لذلك، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا اللَّه تعالى أنهم قد عزموا على ذلك، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: ما ذكرنا: علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.
والثاني: علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية، وذلك يتوجه وجهين:
أحدهما: أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا يقوموا لهم؛ فلم يفوا ما عاهدوا.
والثاني: خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب، واللَّه أعلم.
والثالث: علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت، ورجوا دخولها، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا، فاشتد ذلك عليهم، فكرهوا ذلك، لكن كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار، وقد يكره طبع الإنسان شيئًا والخيار غيره؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، وكقول يوسف: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، محبة الاختيار، لا محبة الطبع، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) أي: أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصدق ما أعطوا من أنفسهم، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحًا قريبًا، وهو فتح مكة، أو فتح خيبر، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) اختلف فيه:
الفتح 48:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ يحتمل قوله تعالى :﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ لما عزموا من الوفاء على ما بايعوا رسول الله ﷺ والتصديق لذلك والتحقيق لما عاهدوا من الوفاء. لذلك أخبر الله أن قد رضي الله عنه لذلك.
فنحن نستدل به على تصديق ذلك وتحقيقه، وإن لم يخبرنا الله تعالى أنهم قد عزموا على ذلك. فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والتصديق له.
وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، الله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فعلم ما في قلوبهم﴾ هذا يحتمل وجوها :
أحدها : ما ذكرنا : علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والتصديق لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.
والثاني : علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية. وذلك يتوجه وجهين :
أحدهما : أنهم خشُوا ألا يتهيأ لهم القيام لأهل مكة لأنهم كانوا مستعدّين للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا يقوموا لهم، فلم يفوا ما عاهدوا.
والثاني : خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا، وأعطوا، لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب [ العِداء ](١) والله أعلم.
والثالث : علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل. لكن تلك الكراهة كراهة الطبع لا كراهة الاختيار لأنهم طمِعوا الوصول إلى البيت، ورَجَوا دخولها. فلما جرى الصلح بينهم على ألاّ يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا. فاشتدّ ذلك عليهم، فكرِهوا ذلك كراهة(٢) الطبع لا كراهة الاختيار. وقد يكره طبع الإنسان شيئا، والخيار غيره كقوله عز وجل :﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ [النساء: ١٩] وكقول يوسف :﴿رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ [ الآية : ٣٣ ] محبة الاختيار لا محبّة الطبع إلى ما يدعونه.
وقوله تعالى :﴿فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ /٥١٩-أ/ أي أنزل عليهم ما يسكُن به قلوبهم لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله ﷺ وصدق ما أعطوا من أنفسهم ﴿وأثابهم﴾ فكان ما كانوا يرجون، ويطمعون، من دخول مكة وما كرهت أنفسهم من الرجوع ﴿فتحا قريبا﴾ وهو فتح مكة، أو فتح خبير، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: لكن..
الفتح 48:19
منهم من صرف الفتح القريب المذكور في الآية إلى فتح خيبر، وإِلَى مغانم خيبر حين بشروا بالحديبية بفتح خيبر، وجعل المغانم لهم مكان ما منعوا من دخول مكة وحيل بينهم وبين ما قصدوا، أو في الطريق بعد منصرفهم من الحديبية على ما ذكر في القصة، والله أعلم.
ومنهم من صرف الفتح إلى مكة؛ لأنه ذكر في القصة أنهم بشروا في الطريق بعد انصرافهم من الحديبية بفتح مكة، ويكون قوله: (وَأَثَابَهُمْ) على هذا التأويل بمعنى: ويثيبهم، وذلك جائز في اللغة: فعل بمعنى: يفعل، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ...)، كذا، يعني: يقول له، وقوله - تعالى -: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) على هذا ينصرف إلى غيره من المغانم؛ لأنه لم يكن بمكة غنائم، واللَّه أعلم.
ومنهم من قال: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) الفتوح كلها التي كانت لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولأمته، وكذلك قوله: (وَمَغَانِمَ).
وجائز أن يكون الكفرة جملة، أي: لو قاتلوكم لولوا الأدبار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ... (٢٣) ما سن في كل أمة من هلاك، لم يجعل ذلك الهلاك في غيرها من الأمم؛ نحو ما جعل هلاك قوم نوح الغرق، وكذلك قوم فرعون، وكذلك جعل هلاك عاد بريح صرصر، وثمود بالطاغية؛ جعل اللَّه - تعالى - هلاك كل أمة بنوع لم يجعل ذلك لغيرها؛ يقول: لم يكن لذلك تبديل إلى غيره.
وجائز أن يكون قوله: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: جعل عاقبة الأمر للمؤمنين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) في أمتك، ولكن جعل عاقبة الأمر لهم كما جعل عاقبة الأمر في سائر الأمم للمؤمنين.
* * *
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
الفتح 48:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها﴾ على هذا ينصرف إلى غيره من المغانم لأنه لم يكن بمكة غنائم، والله أعلم.
ومنهم من قال :﴿وأثابهم فتحا قريبا﴾ الفتوح كلها التي كانت لرسول الله ﷺ ولأمته، وكذلك قوله :﴿وعدكم الله مغانم كثيرةً تأخذونها﴾.
وجائز أن تكون بالكَفَرة جملة، أي لو قاتلوكم لولّوا الأدبار، والله أعلم [ وذلك
في قوله تعالى :﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليّا ولا نصيرا﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
الفتح 48:21
الآيتان ٢١ و٢٢ في قوله تعالى :﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليّا ولا نصيرا﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
الفتح 48:22
الآيتان ٢١ و٢٢ في قوله تعالى :﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليّا ولا نصيرا﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
الفتح 48:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿سُنّة الله التي قد خلت من قبل﴾ ما سنّ في كل أمة من هلاك، لم يجعل من ذلك الهلاك في غيرها من الأمم نحو ما جعل هلاك قوم نوح الغَرَق، وهلاك [ قوم ](١) عاد بريح صرصر [ وهلاك قوم ](٢) ثمود بالطاغية ؛ جعل الله تعالى هلاك كل أمّة بنوع، لم يجعل ذلك لغيرها [ ﴿ولن تجد لسُنّة الله تبديلا﴾ ](٣) يقول : لم يكن لذلك تبديل إلى غيره. وكذلك ما جعل لكل أمة من هلاك لم يبدّل ذلك، ولم يجعل ذلك في غيره.
وجائز(٤) أن يكون قوله تعالى :﴿سُنّة الله التي قد خلت من قبل﴾ أن جعل عاقبة الأمر للمؤمنين.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ الواو ساقطة من الأصل..
الفتح 48:24
رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ... (٢٤) مع كثرة أُولَئِكَ، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هَؤُلَاءِ وقلة عددهم؛ لأن أُولَئِكَ كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهَؤُلَاءِ كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكف أيدي أُولَئِكَ مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هَؤُلَاءِ مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأُولَئِكَ بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هَؤُلَاءِ عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هَؤُلَاءِ أن التدبير في الأمر إلى اللَّه - تعالى - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعًا، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا باللَّه.
وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أُولَئِكَ عن هَؤُلَاءِ عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أُولَئِكَ وكثرتهم، وضعف هَؤُلَاءِ وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هَؤُلَاءِ عنهم.
فَإِنْ قِيلَ: ما كف أيدي أُولَئِكَ عن هَؤُلَاءِ، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أُولَئِكَ الكفرة؟ فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أُولَئِكَ الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله - تعالى - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكرًا على الكافرين والمسلمين جميعًا.
ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أُولَئِكَ على المؤمنين - أيضًا - هو ما ذكر على إثره: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أنه لو لم يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أُولَئِكَ منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِبَطْنِ مَكَّةَ) وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين:
أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة؛ على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.
والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.
الفتح 48:25
وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِبَطْنِ مَكَّةَ) أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) لم يزل اللَّه - تعالى - عالمًا بأعمالهم، بصيرًا.
وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هَؤُلَاءِ عن أُولَئِكَ وأيدي أُولَئِكَ عن هَؤُلَاءِ، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيرًا؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ... (٢٥) أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) وقوله: (مَعْكُوفًا) هو أي: محبوسًا، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.
ثم قوله: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان - عليه السلام - معتمرًا، وذكر أنه كان متمتعًا، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.
وفيه أن دم الإحصار لا يجوز إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعًا عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ) أي: تقتلوهم وتهلكوهم (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: لولا ما فيها -أعني: في مكة- من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.
ثم اختلف في قوله - تعالى -: (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن مُحَمَّد بن إسحاق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكفارة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن اللَّه - تعالى - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال اللَّه - تعالى -: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ).
وعندنا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، واللَّه أعلم.
والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، واللَّه أعلم.
ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين:
إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله - تعالى -: (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وهي غرم الدية.
والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومُحَمَّد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.
وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.
وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.
وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.
واحتج هَؤُلَاءِ بأن من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن
الفتح 48:26
يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أُولَئِكَ الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) وجائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفًا منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله - تعالى -: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم.
ثم السكينة تحتمل أسبابًا له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.
ويحتمل شيئًا آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا).
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.
ثم يحتمل (كَلِمَةَ التَّقْوَى): كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (وَأَلْزَمَهُمْ): إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبدًا إلى يوم القيامة، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَلِمَةَ التَّقْوَى) هي " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كتب: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم. وذلك كلمة التقوى، واللَّه أعلم.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
وقال بعض أهل التأويل: (كَلِمَةَ التَّقْوَى) هي كلمة الإخلاص (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا
الفتح 48:27
وَأَهْلَهَا) من الأمم السالفة وأهلها، واللَّه أعلم.
أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧).
قال أهل التأويل: قوله: (صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ) أي: حقق اللَّه لرسوله الرؤيا التي أراها إياه بالحق؛ أي: بالوفاء لذلك.
ويحتمل: أي: صير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صادقًا عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقًا في ذلك؛ والأول أشبه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبرًا؛ كرؤيا إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، ثم قال اللَّه - تعالى -: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)، دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء اللَّه أن تأمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين:
أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، واللَّه أعلم.
والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء اللَّه، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئًا أنه يفعله، كقوله - تعالى -: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: (لَتَدْخُلُنَّ)، فجائِز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم وألا يكون هو مرادًا والمراد، الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم ما ذكر من رؤيا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) هو تفسير لتلك الرؤيا. وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.
وقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) ابتداء وعد وأمر من اللَّه تعالى، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ).
يحتمل ما ذكر في هذه الآية: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ...) إلى آخر ما ذكر.
ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ).
يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.
ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: في ابتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.
وذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا فسميت، تلك عمرة وإن كان حاجا فيكون قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في أمره رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من اللَّه تعالى، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.
قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟
وبم يخرج منه؟ ولله تعالى أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَخَافُونَ).
أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا).
هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.
ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.
ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، واللَّه أعلم.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟ ولم تعلموا أنتم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: جعل من قبل أن يدخلوا مكة (فَتْحًا قَرِيبًا)، أي: عاجلا فتح خيبر، واللَّه أعلم.
وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.
لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالحديبية أن الرؤيا كذب أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟ بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟ ألا ترى أن يوسف - عليه السلام - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، واللَّه أعلم.
ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من اللَّه تعالى أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن اللَّه تعالى قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم
الفتح 48:28
الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨).
أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.
أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عَزَّ وَجَلَّ - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدِينِ الْحَقِّ).
جائز أن يكون الحق هو نعَت الدِّين وهو الإسلام، وهو الدِّين الحق، وسائر الأديان باطلة.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: (وَدِينِ الْحَقِّ)؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدِّين كله على وجهين:
أحدهما: أي: غلب هذا الدِّين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند اللَّه جاء، وقد كان بحمد اللَّه كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا باللَّه.
والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في وقت خروج عيسى - عليه السلام - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.
وجائز أن يكون قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدِّين كله وما يحدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
هذا يحتمل وجهين:
الفتح 48:29
أحدهما: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) بأن ما جاء به سيدنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، إنما جاء به من عند اللَّه، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.
والثاني: يحتمل قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته ونبوته، وذلك في الدنيا، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ).
من الناس من احتج على تفضيل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره من الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية وبغيرها من الآيات يقول: لم يُذكر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في القرآن إلا وخاطبه باسم الرسالة والنبوة؛ كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، و (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) ونحو ذلك، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم التي جعلت لهم خلقة دون ختم الرسالة والنبوة، كقوله: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا)، و (يَا لُوطُ)، و (يَا مُوسَى)، و (يَا هَارُونُ)، و (يَا هُوُدُ)، و (يَا صَالِحُ)؛ جميع من ذكرهم سواه إنما ذكرهم بأسمائهم الموضوعة في أصل الخلقة، ولم يجلُّوا ولم يسموا بأسماء الرسالة والنبوة؛ وذلك لفضل جعل له من بين غيره، وكذلك يحتج لتفضيل أمته وأصحابه على سائر الأمم حيث خاطب هذه الأمة بأحسن الأسماء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وقوله: (أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ)، وقال في سائر الأمم: (يَا بَنِي آدَمَ)، ونحو ذلك، ومما يدل على فضيلتهم قوله - تعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...) الآية؛ أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة بما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...) الآية، ما وصفهم ونعتهم يرجع إلى أصحابه على الاجتماع، أي: الكل موصوفون بهذه الصفات التي ذكر في الآية، وأنها كلها فيهم، وهو كقوله - تعالى - في صفتهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، أي: أشداء على الكفار، ورحماء على المؤمنين، وصفهم بذلك جملة، فعلى ذلك هاهنا. ويحتمل أن يكون ذلك وصف بعضهم دون بعض، أو وصف عامتهم، فأما الكل فلا، وذلك نحو ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث قال: لولا قوله - تعالى -: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)، ما كنا نعرف أحدًا من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يريد الدنيا، فإنما يكون ذلك وصف أمثال عبد اللَّه بن مسعود، رضي الله عنه.
ثم قد جعل اللَّه - تعالى - الرحمة والرأفة نعتًا للمؤمنين، يتراحم بعضهم بعضًا، وكذلك روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا " قالوا: كلنا نتراحم ولده، فقال: " ليس ذلك برحمة، إنما الرحمة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولولده "، أو كلام نحوه.
وروي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " المؤمنون كلهم كرجل واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى "، وليس فيما وصفهم بالشدة على الكفار دليل على أن ليس لهم شفقة عليهم، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - له شفقة عظيمة عليهم، حتى كادت تهلك نفسه، لذلك قال اللَّه - تعالى -: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، وقال: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فعلى ذلك أصحابه، رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر ليس برحمة؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد، وفي قبولهم ذلك نجاتهم، وما وصفهم بالرحمة على المؤمنين، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم؛ بل من الشفقة لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر؛ إذ في ذلك نجاتهم، وذلك لا يزيل عنهم الرحمة التي وصفهم بها؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة، واللَّه أعلم.
ثم نعتهم وقال: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) أن يحتمل وجهين:
أحدهما: وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات، وأراد بالركوع والسجود: هو الصلاة على طريق الكناية.
والثاني: عبارة عن الخضوع لربهم، والتواضع للمؤمنين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) يحتمل قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) أي: الجنة؛ أي: يبتغون بكل ما وصفهم من الرحمة، والشدة، والركوع، والسجود الجنة، والفضل يذكر عبارة عن الجنة في القرآن في غير موضع.
وجائز أن يكون ما ذكر من ابتغائهم الفضل من اللَّه - تعالى - ما يتعايشون به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) أي: يبتغون ما يتعيشون به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) أي: يبتغون معيشة يتقوون بها على طاعة اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرِضْوَانًا) أي: رضا ربهم، وهو بمعنى الفضل - أيضًا - على التكرار للتأكيد؛ كقوله - تعالى -: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، لكنه أخبر أنهم يبتغون ذلك الفضل والرضوان من اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) اختلف فيه:
قال الحسن وغيره: أي: أثر الخشوع والصلاة في وجوههم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الرجل إذا قام من الليل فأطال القيام والسهر، تبين سهر الليل في وجهه إذا أصبح من الصفرة، وتغير اللون، وذلك كله في الدنيا.
وكذلك روي عن الحسن قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رحم اللَّه قومًا يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى " قال الحسن: أجهدتهم العبادة.
وقال قتادة: أثر الصلاة في وجوههم، وهو أثر التراب؛ لكن ذلك بعيد.
وقال: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) يوم القيامة، وهو بياض وجوههم من أثر السجود والوضوء.
وكذلك روي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إني أعرف أمتي من بين غيرها من الأمم " قيل: وكيف تعرف يا رسول اللَّه أمتك من بين الأمم؟ فقال: " أمتي غر محجلون يوم القيامة من أثر السجود " ولا يكون ذلك لأحد من الأمم غيرهم، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون على غير ذلك، يجعل اللَّه - تعالى - في وجوههم من آثار العبادة له، والجهد فيها من النور والحلاوة والحسن ما يعرفون أنهم أهل عبادة اللَّه - تعالى - وطاعته، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) يحتمل وجوهًا:
أحدها: أي: شبههم في التوراة والإنجيل الآحاد والأفراد منهم المختارون من بين غيرهم الذين يعظمونهم الأتباع والملوك ويحلونهم، فما بالكم لا تعظمون أنتم هَؤُلَاءِ ولا تتبعونهم كاولئك، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) أي: ذلك نعتهم ووصفهم في التوراة والإنجيل؛ أي: على ذلك نعتوا ووصفوا في التوراة والإنجيل، وقد عرفتم ذلك، فهلا اتبعتموهم إذا نعتوا ووصفوا في القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) مقطوع مقصود، وهو ما تقدم من قوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ...) إلى قوله: (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، ثم ابتدأ فقال: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ...) الآية، وهذا يحتمل ووجه حسن، وعلى التأويلين الأولين ما ذكرنا من وصفهم، كأنه في التوراة والإنجيل جميعًا، ثم نعتهم - أيضًا - بقوله - تعالى -: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ)، واللَّه أعلم.
ثم ذكر نعت أصحابه - رضي اللَّه عنهم - في هذه الآية، ولم يذكر نعت رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وإِنَّمَا ذكر نعته في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ...) الآية، ذكر نعته وصفته في الآية - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونعت أصحابه - رضي اللَّه عنهم - في هذه السورة، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ...) الآية دلالة الرسالة؛ لأنه أخبر أن نعتهم في الكتب المتقدمة كما ذكر في القرآن، ثم لم يقل أحد من أهل الكتب المتقدمة: أن ليس ذلك نعتهم أو شبههم في تلك الكتب، ثبت أنه بالله عرف، ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ...) الآية، شبههم بالزرع الذي ذكر - واللَّه أعلم - لأنهم أحيوا سنن الدِّين وشرائعه التي كانت من قبل بعدما درست، وانقطع أثرها؛ لأنه لم يكن فيما بين عيسى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - رسول فقد انقرض ذلك واندرس، ثم جاء مُحَمَّد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - بعد دروس ذلك وانقراضه كالزرع الذي يخرج وحده، وهو النبت الواحد في أول ما يخرج، فأعانه أصحابه وآزروه كانوا إليه كالخلفة التي تنبت حول الساق تؤازر الخلفة والنبت، فأما (شَطْأَهُ) فقيل: هو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خرج وحده كما خرج أول النبت وحده، وأما الوالية التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت، فهم المؤمنون كانوا في قلة كما كان أول الزرع دقيقًا، ثم زاد نبت الزرع، فغلظ، (فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ)، كما آزر المؤمنون بعضهم بعضًا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ هذا الزرع واستوى على سوقه.
ثم اختلقوا في الشطاة:
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو قصب الزرع؛ أي: صار له واسط الزرع؛ أي صار له ورق، (فَآزَرَهُ) أي: قواه، (سُوقِهِ) جمع: ساق.
وقال أبو عبيدة: شطأ الزرع: فراعه وصغاره؛ يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرع.
وقال الفراء: (شَطْأَهُ) أي: سنبله، ينبت الحبة عشرًا وتسعًا وثمانيًا (فَآزَرَهُ) أي: أعانه وقواه.
وقوله: (فَاسْتَغْلَظَ) أي: غلظ (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) جمع ساق، ومنه يقال: قام كذا على سوقه إذا آذرته وتناهى وبلغ الغاية؛ يقول - واللَّه أعلم -: كما أن الزرع إذا قام على السوق فقد استحكم، فهذا مثل ضربه اللَّه - تعالى - لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أي: خرج وحده، فأيده بأصحابه، فقوى واشتد كما قويت الساق من الزرع بما نبت منها حتى غلظت وعظمت واستحكمت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الزراع هو محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعجب محمدًا ما رأى من أصحابه والمؤمنين، ويغيظ الكفار ذلك، من الغيظ، وهو كقوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ...) إلى قوله: (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الزراع: هو صاحب الزرع، إذا كثر جوانبه ووالياته، وينبت (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)؛ أي: يغيظ ذلك سائر الزراعين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائمًا على ساقه، فكذلك يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الزراع، سموا كفارًا؛ لأنهم يكفرون، أي: يسترون البذر في الأرض، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ) من بين غيرهم من الناس (مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، واللَّه أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية والروافض - لعنهم اللَّه - لقولهم: إنهم بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كفروا وارتدوا عن الإسلام جميعًا، أو كلام نحوه؛ في الآية ردٌّ لقولهم؛ لأنه وعد لهم المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم، فلا يحتمل أن يكونوا على ما ذكر أُولَئِكَ، ثم تكون لهم المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم؛ فدل ما ذكر من الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم أنهم ثبتوا على ما كانوا من قبل في زمن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وفي حياته، واللَّه أعلم، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
الحجرات 49:1
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ ذكر أنها مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن أبا بكر وعمر - رضي اللَّه عنهما - اختلفا في شيء بحضرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ...) إلى آخر ما ذكر من قوله: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).
وذكر عن الحسن في قوله - تعالى -: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناسًا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوم النحر.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقول ولا عمل حتى يبين اللَّه - تعالى - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، واللَّه أعلم.
وأصل ذلك عندنا من قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...) الآية، أي: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اعلموا أن لله الخلق والأمر، لا تقدموا أمرًا، ولا قولا، ولا فعلا، ولا حكمًا ولا نهيًا سوى ما أمر اللَّه - تعالى - به ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، والفعل، والقضاء والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم
الحجرات 49:2
الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟! فهو للكل، وفي كل الأمور، واللَّه الموقق.
وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة - رضي اللَّه عنها - فأمرت الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم -وهو اليوم الذي يشك فيه- فقالت له: قد نهي عن هذا، وتلت قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) في صيام ولا غيره.
اعتبرت عائشة - رضي اللَّه عنها - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كل قول أو فعل.
وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: اتقوا مخالفة أمر اللَّه ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر اللَّه ونهيه، وفي كل ما دعاكم إليه (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم (عَلِيمٌ) بأفعالكم وأعمالكم، ولا قوة إلا باللَّه.
ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: (بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، أي: خلقته على علم مني بما يكون منه من خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله - تعالى -: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، و (خَبِيرٌ)، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ) أمر اللَّه ونهيه دون الجوارح والعدد، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ (٢)...) إلى قوله: (لِبَعْضٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عنهما - اختلفا في شيء بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فارتفعت أصواتهما.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وعندنا: لا يحتمل أن يكون ما ذكر من رفع الصوت فوق صوت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان أجل في قلوبهم وأعظم قدرًا من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك أو في أهل النفاق، واللَّه أعلم.
ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على وجهين:
أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله - تعالى - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحانًا منه لهم، وهو ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا معصومين عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إنما تكون عصمة إذا كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة منه لهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أنه خاطب هَؤُلَاءِ الصحابة - رضي اللَّه عنهم - بذلك؛ ليتعظ بذلك من يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكافرين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمثل معاملة بعضهم بعضا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ذكر هذا؛ ليكونوا أبدًا [متيقظين] بين يدي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حذرين، معظمين له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات ما يجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يكفر صاحبه، ولا يكون معذورًا، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع اللَّه - تعالى - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، واللَّه أعلم.
وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمة الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هَؤُلَاءِ الناس أن عملا يحبط عملا، واللَّه يقول: (يَا أَيُّهَا
الحجرات 49:3
الَّذِينَ آمَنُوا...) الآية.
وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى -وإن قلت- سببًا لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطير حقير.
ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله - تعالى -: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، وقوله: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به، وعرفوا أنه رسول، رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بُعْدٍ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ذلك؟ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) هذا وصف المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذا أخلص وصفى الصافي منه والخالص من غيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ظاهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون: محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكًا نعيش في جناحه، فأتوا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا مُحَمَّد؛ فنزلت هذه الآية.
الحجرات 49:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿إن الذين ينادونك من وراء الحُجُرات أكثرهم لا يعقلون﴾ هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق. وقال بعضهم : إن نفرا من الأعراب جاؤوا، وقالوا : ننطلق إلى هذا الرجل ؛ يعنون محمدا ﷺ فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به. وإن يكن ملِكًا نعِشْ في جناحه، فأتوا النبي ﷺ فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات : يا محمد، فنزلت هذه الآية.
وقال بعضهم : كان النبي ﷺ سبى ذراري بني تميم ونسائهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتاقهم وردّهم إليهم، فنادوه من رواء الحُجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضا، فنزلت الآية.
الحجرات 49:5
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سبى ذراري بني تميم ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أُولَئِكَ وإعتاقهم وردهم إليهم، فنادوه من وراء حجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضًا؛ فنزلت الآية.
وقوله: (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ). وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ... (٥) لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته.
ثم قوله: (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) يحتمل وجوهًا:
أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم المؤمنون.
والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون.
وفي هذه الآية وفي قوله - تعالى -: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) جميع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى بني المصطلق، وإلى قوم سواهم؛ لجباية الصدقات، وكان بينه وبين أُولَئِكَ القوم عداوة في الجاهلية، فخرجوا يتلقونه، فخافهم، فرجع، فقال: إن القوم قد منعوا الصدقات، فبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباية الصدقات، فوجدهم يصلون ويعملون الطاعات، واجتمعوا وجمعوا له الصدقات وجبوها وسلموها إليه، فرجع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بها، فنزل قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) لكن إن كان ما ذكروا فلم يكن في ذلك النبأ التثبت؛ لأن الآية نزلت بعد نبأ الرجل.
وفي الآية الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق فيما يحدث من الأمور من بعد؛ فدل أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبأ الفاسق ابتداء، واللَّه أعلم.
ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقًا ولم يأمر اللَّه - تعالى - بالتثبت في خبر المنافق، ولم يشرع ذلك؛ لأن النفاق يكون في الضمير فلا يظهر ذلك؛ فأما الفسق فإنه يظهر فأمر لنا بالتثبت فيه؛ فدل أن الآية لم تنزل في ذلك الرجل؛ إذ لا يحتمل عن المنافق أن يزور على المسلمين مثل ما ذكر منه دل أن ما قاله أهل التأويل فيه وهم.
ثم في الآية دلالة قبول خبر الواحد إذا كان عدلا؛ لأنه لو لم يقبل خبره إذا كان عدلا لم يكن لذكر الفسق فائدة سوى الشتم، والشتم سفه؛ فلا يجوز أن يوصف اللَّه - تعالى - به فدل ذكر الفسق على أن هذا الحكم وهو رد الشهادة مختص باسم الفسق، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى لا يكون ذكر الفسق سفهًا لما تعلق به بيان حكم شرعي يختص بالفاسق، ولا يعرف ذلك دون ذكره، فأما متى كان الحكم عامًّا في الفاسق والعدل عند الانفراد، فكان ذكر الفاسق مع شتمه لا يليق بالحكمة؛ فدل ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) أي: تصيبوا قومًا بجهالة في الظاهر بسبب تهمة الفسق، فأمَّا في الحقيقة فإنه يجوز أن تصيب ذلك بخبر الواحد، لكن الأحكام وقبول الأخبار فيما بين الخلق لم توضع على الحقائق، وإنما وضعت على الظواهر، وكذلك قبول الشهادات، والحكم بها، وجميع الشرائع التي جعلت في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور، فأما على إصابة حقيقة ذلك فلا؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم ويقضي بقتل إنسان ويقطع يده بشهود عنده؛ لما ظهرت عنده عدالتهم، ولم يكن -في الحقيقة- كذلك، وعلى ذلك قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ)، لم يأمن عليهم بما
الحجرات 49:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنإٍ فتبيّنوا﴾ أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط ؛ بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المُصْطَلَق وإلى قوم سواهم لجِباية الصّدقات، وكان بينه وبين أولئك القوم عداوة في الجاهلية، فخروا يتلقّونه، فخافهم، فرجع، وقال : إن القوم قد منعوا الصدقات، فبعث رسول الله ﷺ إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباية الصدقات، فوجدهم يصلّون، ويعملون الطاعات، واجتمعوا، وجمعوا له الصدقات : جبوها(١)، وسلّموها إليه، فرجع إلى رسول الله ﷺ بها، فنزل قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا﴾.
لكن إن كان ما ذكروا، فلم يكن في ذلك النبإ التثبُّت لأن الآية نزلت بعد نبإ الرجل، وفي الآية الأمر بالتثبّت في نبإ الفاسق في ما يحدث من الأمور من بعد.
فدل أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبإ الفاسق، والله أعلم، ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقا، ولم يأمر الله تعالى بالتثبّت في خبر المنافق، ولم يُشرّع ذلك، لأن النفاق يكون في الضمير، فلا يظهر ذلك.
فأما الفِسق فإنه يظهر، فأمرنا بالتثبّت فيه.
فدلّ أن الآية لم تنزل في ذلك الرجل ؛ إذ لا يُحتمل من المنافق أن يزوِّر على المسلمين مثل ما ذُكر منه. دلّ أن ما قاله أهل التأويل فيه وهم.
ثم في الآية دلالة قبول الخبر الواحد، إذ كان عدلا له، لأنه لو لم يقبل خبره، إذا كان عدلا، لم يكن لذِكر الفسق فائدة سوى الشّتم، والشّتم سَفَهٌ، فلا يجوز أن يوصف الله تعالى [ به ](٢).
فدلّ ذكر الفسق على أن هذا الحكم، وهو ردّ الشهادة، مختص باسم الفسق، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى [ لا يكون ](٣) ذكر الفسق سفها لما تعلق به بيان حكم شرعي، يختص بالفاسق، ولا يُعرف ذلك دون ذكره.
فأما متى كن الحكم عامّا في الفاسق والعدل عند الانفراد، فكان ذكر الفاسق مع شتمه، وأنه لا يليق بالحكمة، فدلّ [ على ](٤) ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ في الظاهر بسبب تُهمة الفِسق. فأما في الحقيقة فإنه يجوز أن نصيب ذلك بخبر الواحد، لكن الأحكام وقبول الأخبار في ما بين الخلق لم توضع على الحقائق، وإنما وُضعت على الظواهر، وكذلك قبول الشهادات والحُكم بها. وجميع الشرائع التي جُعلت في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور(٥). فأما على إصابة حقيقة ذلك فلا ؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم، ويقضي بقتل إنسان، وتُقطَع يده بشهود عنده. لم ظهرت عنده عدالته، ولم تكن في الحقيقة كذلك.
وعلى ذلك قول يعقوب عليه السلام لبنيه، ﴿هل آمنُكم عليه إلا كما أمنتُكم على أخيه من قبل﴾ [يوسف: ٦٤] لم يأمن عليه بما ظهر له منهم زلّة وجناية حين طلبوا منه إرساله ولده يوسف عليه السلام في الرّعي، بل قال هنالك :﴿إني ليحزُنُني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب﴾ [يوسف: ١٣] إنما اعتلّ عليهم، واحتج بأكل الذئب، ولم يتّهمهم فيه بما لم يكن ظهر له منهم زلّةٌ وجناية. فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم وأخبر أنه لا يأمن عليه بما ظهر له من زلّتهم، فدل أن التُّهمة سبب الرّدّ وأنه يجب التثبُّت لدفع الجهالة من حيث الظاهر(٦) للحقيقة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ أي نادمين بما فعلوا على خلاف ما كان في الظاهر ؛ ويندموا لما تركوا التثبّت في الخبر.
١ في الأصل وم: وجبوها..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة ن الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ من م، في الأصل: الأموال..
٦ أدرج بعدها في الأصل وم: لا..
الحجرات 49:7
ظهر له منهم زلة وجناية حين طلبوا منه إرساله ولده يويسف - عليه السلام - في الرعي؛ بل قال هنالك: (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)، إنما اعتل عليهم واحتج بأكل الذئب ولم يتهمهم فيه بما لم يكن ظهر له منهم زلة وجناية، فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم، وأخبر أنه لا يأمن عليهم بما ظهر له من زلتهم؛ فدل أن التهمة سبب الردّ، وأنه يجب التثبت بدفع الجهالة من حيث الظاهر، لا للحقيقة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) أي: نادمين بما فعلوا على خلاف ما كان في الظاهر، ويندمون لما تركوا التثبت في الخبر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ... (٧) أي: لأثمتم.
من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة، وقالوا: لو كان لإجماعهم حجة، لكان لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر؛ لأن الحق والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه فيمن تبعه في ذلك الصواب، ولكن إن كان لا يوجب الثواب دل أنه ليس بحجة يجب اتباعه.
ولكن هذا فاسد؛ لأن الحجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتها، ولا أتت على نهايتها، فالإجماع الذي هو إجماع حجة عندنا ويجب اتباعه والانقياد له هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين، وأتى على عامتها، أو على الجميع، وكان الوقت وقت نزول الوحي، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما ينقطع الوحي؛ فيستدل على استيعاب الحجج ونزول جميع ما يحتاج الناس إليه من حيث الإيداع في النصوص، فمتى اجتمعوا على ذلك يكون حجة، ولأنه لا إجماع يتحقق دون رأي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإذا وجد رأيه استغنى عن رأي الغير؛ لما كان ينطق عن الوحي، فإذا لم يكن وقت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - زمان انعقاد الإجماع حجة فبطل استدلالهم بالآية.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ) أرسل إليكم ليزيل عنكم إشكالكم وشبهاتكم، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشبه لكم بما تقدرون أن تسألوه ما أشكل عليكم واشتبه، فيخبركم بذلك فيزيل الشبه عنكم.
والثاني: يحتمل: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ) يطلع اللَّه - تعالى - إياه على ما تضمرون في أنفسكم، وما تولدون من الأخبار التي لا أصل لها ولا أثر ما لو أظهر ذلك لافتضحهم، وهو صلة ما ذكر من قوله: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أي: فيكم رسول اللَّه تسألونه ما أشكل عليكم، فيخبركم بالحق والأمر على الحقيقة كي لا تصيبوا قومًا بجهالة، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ) فإليه الرأي والتدبير في الأمور، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم، وعلى ذلك يخرج قوله: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)، على الوجوه التي ذكرنا، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) أي: لو يطيعكم فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها.
أو يقول: لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم، ثم قال: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار، كأنه يقول: لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم، وإن اللَّه قد أرسله إليكم رسولا، وحبب إليكم الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره، وأن تصدروا عن رأيه، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أي: لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم، واشتهت بعدما حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر وما ذكر، واللَّه أعلم بحقيقة جهة وصل هذا بالأول.
ثم يحتمل وجهين أيضًا:
أحدهما: لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم، ولكن اللَّه - تعالى - ألزمكم طاعته في كل أمر، فأطيعوه ولا تطلبوا منه طاعته إياكم في الأمور، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها، وقد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق -وهو الخروج عن أمره- والعصيان.
والثاني: يشبه أن يكون موصولا بقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)، و (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)، ثم قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) كأنه يقول: أُولَئِكَ الذين امتحن اللَّه قلوبهم للتقوى، وحبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)، أخبر وشهد لهم بالرشاد، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة، لا شيء كان منهم استوجبوا
الحجرات 49:8
بذلك؛ فذلك قوله: (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨).
ثم قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ) وما ذكر، يقولون: لم يحبب الإيمان إلى هَؤُلَاءِ إلا وقد حبب مثله إلى جميع الكفار، وكذلك لم يكره الكفر إلى هَؤُلَاءِ إلا وقد كره مثله إلى جميع الناس، لكن المراد تخصيص هَؤُلَاءِ بما ذكر من التحبيب إليهم الإيمان، وتكريه الكفر هو اختصاصهم بما وعد من الثواب والجزاء الجزيل على الإيمان والمواعيد الشديدة، فحببه وزينه في قلوبهم بما وعد لهم من الثواب، وكره الكفر والعصيان إليهم بما أوعد على ذلك من العذاب العظيم.
لكن هذا فاسد؛ لأنه ليس مؤمن به صار حب الإيمان في قلبه لما ذكروا من الثواب والجزاء، ولا كافر أسلم حين أسلم يخطر ثواب الإيمان في قلبه حتى يكون إسلامه لذلك؛ بل كان في قلبه بغض الإيمان قبل الإسلام، فإذا أسلم وجد حبه في قلبه، وكراهة الكفر؛ ليعلم أن ذلك يكون بلطف من اللَّه - تعالى - كان عنده، فإذا أعطاه صار ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا... (٩).
قَالَ بَعْضُهُمْ: كان بين رجلين مدارة -أي: منازعة- في شيء، فغضب قوم كل رجل حتى كان بينهم خفق بالنعال والأيدي، فنزلت الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان بين الأوس والخزرج قتال بالعِصِي؛ فنزلت عنده الآية بالأمر بالصلح بينهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قتالهم بالعِصِي، والتناجي، ونحوهما.
وقال الحسن: إن قومًا من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية في ذلك.
وقال قتادة: كان بين رجلين حق فتدارا فيه، فقال أحدهما: [لأخذته عنوة]-لكثرة عشيرته- وقال الآخر: بيني وبينك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.
وجائز أن تكون الآية فيما كان بين عليَّ بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبين الحرورية وأهل النهروان؛ ذكر أن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما قتلهم فقال الناس: هم مشركون، فقال - عليه السلام -: من الشرك فروا، فقالوا: فمنافقون هم؟ قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن المنافقين لا يذكرون اللَّه إلا قليلا، قالوا: فما هم؟ قال: هم ناس بغوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم.
ويحتمل أنه كان فيما كان بين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومعاوية يوم الجمل ويوم صفين؛ ذكر عن جعفر بن مُحَمَّد عن أبيه أن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سمع رجلا يقول يوم الجمل: هم كفروا، فقال: لا تقل ذلك، ولكن هَؤُلَاءِ قوم بغوا علينا، وزعموا أنا بغينا عليهم، فقاتلناهم على ذلك.
لكن في الآية الأمر بالصلح إذا كان بينهم -أعني: المؤمنين- اقتتال بأي شيء كان بقوله - تعالى -: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) وكذلك أمر في غير آي بالصلح والإصلاح، قال: يقال: وأصلحوا ذات بينكم، أي: بين المؤمنين.
وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما كان منهم الاقتتال والبغي، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر دل أن الكبيرة لا تخرج عن الإيمان، ولا توجب الكفر، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي: فإن ظلمت إحدى الطائفتين وطلبت غير الحق (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) أي: تظلم وتجور (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) حتى ترجع إلى أمر اللَّه، وإلى الحق، أمر بمعونة الطائفة التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ)، وعد - عَزَّ وَجَلَّ - النصر لهم، فيحتمل أن يكون ذلك النصر الموعود في الدنيا، ويحتمل في الآخرة.
وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيد بين السيف وغيره بقوله: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ) لكن متى أمكن دفع البغي وكسر منعتهم بغير السلاح فهو الحق، وهو الواجب، لكن إذا لم ينقلعوا عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به، فإن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قاتل الفئة الباغية بالسيف ومعه كبراء الصحابة - رضي الله عنهم - وأهل بدر، وكان هو محقًّا في قتاله إياهم دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف.
وبعضهم قالوا: إن قتال البغاة لا يجوز بالسيف، وقالوا: إن سبب نزول الآية في القتال بالعِصِي والنعال، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن القتال بين الفئتين وإن كان بالنعال والعصي
الحجرات 49:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ قال بعضهم : كان بين رجلين عداوة، أي منازعة في شيء، فغضب قوم كل رجل حتى كان بينهم خفقٌ بالنّعال والأيدي فنزلت الآية.
وقال بعضهم : كان بين الأوس والخزرج قتال بالعُصيّ، فنزلت هذه الآية بالأمر بالصلح بينهم.
وقال بعضهم : قتالهم بالعُصيّ [ والنعال ونحوها ](١).
وقال الحسن : إن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية في ذلك.
وقال قتادة : كان بين رجلين حق، فتدارأا فيه، فقال أحدهما : لآخذنّه عُنوة لكثرة عشيرته، وقال الآخر : بيني وبينك رسول الله ﷺ فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.
وجائز أن تكون الآية في ما كان بين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وبين الحرورية وأهل نهروان ؛ ذُكر أن عليا رضي الله عنه لما قاتلهم قال الناس : هم مشركون ؟ فقال عليه السلام : من الشرك قد حُسِدوا، فقال : فمنافقون هم ؟ قال علي رضي الله عنه : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قالوا : فما هم ؟ قال : هم أناس بغوا علينا، فقاتلونا، فقاتلناهم.
ويحتمل أنه كان في ما كان بين عليّ رضي الله عنه وبين معاوية يوم الجمل ويوم صفّين.
ذُكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًّا رضي الله عنه سمع رجلا يقول يوم الجَمَل : هم كفروا، فقال : لا تقل ذلك، ولكن هؤلاء قوم بغوا علينا، وزعموا أنا بغينا عليهم، فقاتلناهم على ذلك.
لكن في الآية الأمر بالصُّلح إذا كان بينهم ؛ أعني المؤمنين، اقتتال بأي شيء كان بقوله تعالى :﴿فأصلحوا بينهما﴾. وكذلك أمر في غير آية(٢) بالصُّلح والإصلاح بقوله(٣) :﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ [الأنفال: ١] أي(٤) بين المؤمنين.
وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما كان منهم الاقتتال والبغيُ، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر، دلّ أن الكبيرة لا تُخرِج عن الإيمان، ولا توجب الكفر، والله الموفق.
وقوله تعالى :﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ أي فإن ظلمت إحدى الطائفتين، وطلبت غير الحق ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ أي تظلم، وتجور ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ حتى ترجع إلى أمر الله وإلى الحق.
أمر بمعونة الطائف التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية، وهو ما ذكر في آية أخرى ﴿ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغي عليه لينصرنّه الله﴾ [الحج: ٦٠] وعد عز وجل النصر لهم. فيحتمل أن يكون ذلك النّصر الموعود في الدنيا، ويحتمل في الآخرة.
وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيدٍ بالسيف وغيره بقوله :﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي﴾. لكن متى أمكن رفع البغي وكسر مَنَعتهم بغير سلاح فهو الحق، وهو الواجب. لكن إذا لم ينقلعوا عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به.
فإن عليًّا رضي الله عنه قاتل الفئة الباغية بالسيف، ومعه كُبراء الصحابة رضي الله عنهم وأهل بدر، وكان هو محقا في قتاله إياهم، دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف.
وبعضهم قالوا : إن قتال البُغاة لا يجوز بالسيف، وقالوا : إن سبب نزول الآية في القتال بالعُصيّ والنعال، ولكن لا حجة لهم فيها، لأن القتال بين الفئتين، وإن كان بالنعال والعُصي، ولكن لم يصيروا بُغاة في تلك الحال، وهو القتال الذي أمر الله تعالى أن يصلح بينهم. وإنما يصيروا بُغاة بأن لم يُجيبوا إلى الصلح، ولم يقبل أحد من الطائفتين الصلح. وحينئذ أمر بالقتال معهم مطلقا من غير قيد، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا﴾ ذكر أنها، وإن فاءت، ورجعت إلى ما أمر الله به، لا يتركونهما كذلك بغير صُلح، ولكن أصلحوا بينهما وألّفوا حتى يتآلفوا لأن أهل الإسلام نُدبوا إلى التآلف بينهم والجمع، وشرط فيه الصلح بالعدل.
فهو، والله أعلم، يقول : إنكم وإن رأيتم صلاحكم في الصلح فلا يحملنّكم ذلك على الصلح الذي ليس فيه عدل، ولكن أصلحوا بينهم بالعدل، وتجاوزا الحد. وأكّد ذلك قوله :﴿وأقسطوا﴾ أي أعدلوا في الصلح ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ أي العادلين.
١ في الأصل وم: والتناصي ونحوهما..
٢ في الأصل وم: آي..
٣ في الأصل وم: قال يقال..
٤ أدرج قبلها في الأصل وم: كان..
الحجرات 49:10
ولكن لم يصيروا بغاة في تلك الحال، وهو القتال الذي أمر اللَّه تعالى فيه أن يصلح بينهم، وإنما يصيرون بغاة بأن لم يجيبوا إلى الصلح ولم يقبل أحد من الطائفتين الصلح، وحينئذ أمر بالقتال معهم مطلقًا من غير قيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) ذكر أنها وإن فاءت ورجعت إلى ما أمر اللَّه - تعالى - به لا يتركوهما كذلك بغير صلح، ولكن أصلحوا بينهما وألفوا حتى يتآلفوا؛ لأن أهل الإسلام ندبوا إلى التآلف بينهم والجمع، وشرط فيه الصلح بالعدل، فهو - واللَّه أعلم - يقول: إنكم وإن رأيتم صلاحهم في الصلح فلا يحملنكم ذلك على الصلح الذي ليس فيه عدل، ولكن أصلحوا بينهم بالعدل، ولا تجاوزوا الحدّ، وأكد ذلك قوله: (وَأَقْسِطُوا) أي: اعدلوا في الصلح (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي: العادلين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بإصلاح ذات البين بين المؤمنين بقوله: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)، وأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا وتنازعوا بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) وأمر بالإصلاح بين الآحاد والأفراد بقوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)؛ لأن الإيمان يوجب التآلف، وبالتآلف ندبوا، وإليه دعوا، وبه منَّ اللَّه - تعالى - علينا؛ حيث قال: (مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)، وقال في آية أخرى: (وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، أمر بالتأليف والاجتماع، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمر المؤمنين جملة أن يصلحوا ذات بينهم إذا وقع بينهم تنازع واختلاف واقتتال على ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم من الناس من استدل بقوله - تعالى -: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) على أن اسم الطائفة يقع على الواحد فصاعدًا، فقال: إنه ذكر في أول الآية: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، وقال في آخره: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) فدل أن اسم الطائفة يقع على الواحد فصاعدًا، فقال: فيستدل بهذا على أن في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، يراد به الواحد؛ فيدل على لزوم خبر الواحد العدل.
لكن عندنا ما ذكر أنه أمر بإصلاح ذات البين بين جملتهم، وأمر بالصلاح بين فريقين، وأمر بذلك بين الآحاد والأفراد، وليس في قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) دلالة أنه أراد به
الحجرات 49:11
الأخوين، أو ذكر (بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وأراد به الاثنين اللذين كان الاقتتال بينهما، وفيهما هاج القتال بينهم، فأما أن يكون اسم الطائفة يقع على الواحد فلا؛ بل هو في اللغة وعرف اللسان على الجماعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: اتقوا مخالفة أمر اللَّه لكي تقع بكم الرحمة، أو لكي يلزمكم الرحمة.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) ظاهر الآية نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعًا، واللَّه أعلم.
ثم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهين:
أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا خيرًا منهم في النية في تلك الأفعال أو خيرًا منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند اللَّه من أفعال أُولَئِكَ، وأقرب إلى القبول.
والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوا بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيرًا منهم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) يحتمل وجهين:
أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيرًا من تلك الأحوال والأفعال التي هم عليها اليوم.
والثاني: عسى أن يكونوا هم عند اللَّه خيرًا منهم في الحال؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) أخبر أن الأكرم منهم عند اللَّه - تعالى - هو أتقاهم، لا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) ذكر سخرية نساء من نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، واللَّه أعلم.
ويحتمل أنه خص هَؤُلَاءِ بهَؤُلَاءِ كما خص القصاص في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ...) الآية، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعًا في ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية، وهو ما ذكر (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) واللمز: هو الطعن.
ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان.
ومنهم من يقول: بالشدق والشفة.
ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو شبه العيب.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْفُسَكُمْ) يحتمل وجهين:
أحدهما: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: تذكروا مساوئ أنفسكم عند الناس.
وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتكوا سترهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) أي: لا تدعوا بالألقاب، والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلانًا: أي: لقبته، وفي الحديث: " قوم نبزهم الرافضة " أي: لقبهم، ولو قال: (وَلَا تَنَابَزُوا) لكان كافيًا، لكن كأنه قال: ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، واللَّه أعلم.
ثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهوا عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم بذلك،
الحجرات 49:12
ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله - تعالى -: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ).
وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم التي لهم، ونهوا عن التعريف بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ويغيظهم، واللَّه أعلم.
ثم قال اللَّه - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: واضعون الشيء في غير موضعه، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا تسموهم بتلك الأسماء بعد الإيمان، واللَّه أعلم.
والثاني: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) أي: بئس ما اختار من اسم الفسق بعدما كان اختار اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد الإيمان، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢).
هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟ وما قدرها؟ وكيف أسبابها؟ أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين.
أما الظن فكأنه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال.
والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها بعضًا، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء.
واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال والانتقال، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن تكون غير متحققة في الأصل أو زائلة، واللَّه أعلم.
ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ لأنه استثنى منه بعضه بقوله: (بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فجائز أن يكون ما استثنى من الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى من ظاهر حال المكره أنه فاعل به
الحجرات 49:13
ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على التحقيق، والله أعلم.
ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَجَسَّسُوا) التجسس: هو تكلف طلب المساوئ في الناس من غير أن يظهر منهم من أسبابها شيء، فنهى عن تكلف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر بالستر، وبمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر لحيته خمرًا، فقال عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن يظهر لنا شيء نأخذه، وإلا فإن اللَّه - تعالى - قد نهانا عن التجسس، واللَّه أعلم.
وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقَالَ بَعْضُهُمْ: بالجيم في الشرور والمساوئ، وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) الغيبة ترجع إلى وجهين:
أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما يكره إظهار ذلك عنه.
والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه نهى أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي فيه، لا بما ليس فيه، قال: " ذلك البهتان ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) أي: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ التناول منه بعد موته، فإن كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه في القبح ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى... (١٣) تأويل الآية على وجهين: أحدهما: إنما خلقناكم جميعًا من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام - فيكونون جميعًا إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف والفضيلة والكرامة فيما ذكر (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) مع ما لو كان في ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد البعض بالافتخار.
والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعًا من نطفة مذرة منتنة تستقذرها الطباع.
ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، ثم اختلفوا في تأويل قوله: (شُعُوبًا وَقَبَائِلَ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح الإناء: شَعَّابًا، والشعب: التفريق - أيضًا - والشعوب: المنية، ونحو ذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَعَارَفُوا) أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم بعضًا بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل أحد لا يعرف بأبيه وجده.
ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) بين اللَّه - تعالى - بما به تكون الفضيلة والكرامة، وهو التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيمًا لأمر اللَّه - تعالى - ونهيه.
وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل اللَّه وكرمه بناء على فعله، فأمَّا ما لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخارًا بما يكون للآباء بمباشرتهم
الحجرات 49:14
أسباب حصول الأولاد ليوحدوا اللَّه - تعالى - ويتمسكوا بطاعته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) على الوعيد.
* * *
قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خبر اللَّه - تعالى - عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراب يجب أن يقال لهم: لم تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسلمنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما أطلع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم استسلموا وخضعوا للمؤمنين ظاهرًا؛ خوفًا من معرة السيف، وطمعًا فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف.
ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كانا واحدًا لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلامًا يسمى: إيمانًا - أيضًا - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع إلى واحد؛ لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية والوحدانية لله - تعالى - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالمًا، لا شركة لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله - تعالى - وهو الخالق له، وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الإيمان ليس هو محسوسًا مركبًا يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى (قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ). ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب، ولكن باللسان والقول، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا، وهم يقولون: بل قد آمنوا.
فيقال لهم: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ).
وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته؛ حيث قال له: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) وقد قال لهم - عليه الصلاة والسلام - ذلك، ولم يتهيأ لهم إنكار ذلك القول، فعرفوا أنه باللَّه عرف ذلك، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفًا من السيف ليعرف النبي - ﷺ - واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر الحديبية مع المؤمنين؛ حيث قال: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)، وما ذكر من أمرهم في غير آي من القرآن، يقول: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) يقول: إن تطيعوا الله ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت لكم شيئًا، واللَّه أعلم.
ويحتمل وإن تطيعوا اللَّه ورسوله بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يلتكم من أعمالكم شيئًا، أي: لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من قبل، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في حياته؛ لأنه قال: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)، قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو أبدًا، فيقول: إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل اللَّه لم يلتكم من أعمالكم شيئًا؛ بل يقبل ذلك منكم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون في المنافقين، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا تابوا وأطاعوا اللَّه ورسوله، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن الكفر بقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، فعلى ذلك هذا، وهو كقوله تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، واللَّه أعلم.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في جميع المؤمنين: إن من أطاع اللَّه ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئًا؛ أي: لا يضيع أعمالكم؛ بل يثيبكم؛ كقوله - تعالى -: (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)، أي: من عمل لله لا يضيع، ومن عمل لغيره قد يضيع، فلا يظفر
الحجرات 49:15
على ثوابه بشيء.
ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين أسلموا؛ يقول: إذا أسلمتم فلم ينقصكم من ثواب أعمالكم ما سبق منكم من الكفر، وهو كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ظاهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) كأن هذا ذكر مقابل ما تقدم من قول المنافقين؛ حيث قال: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا)، فقال لهم: قل: لم تؤمنوا أنتم، إنما المؤمنون هَؤُلَاءِ، ثم نعتهم فقال: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أخبر أن هَؤُلَاءِ هم الصادقون في إيمانهم، وأنتم يا أهل النفاق بحيث أضمرتم الخلاف له ولم تجاهدوا معه فلستم بصادقين في إيمانكم، فجعل الجهاد دليل ظهور الصدق في الإيمان، لا أنه من شرائط الإيمان الذي لا يجوز الإيمان الذي دونه.
ويحتمل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)؛ أي: صدقوا اللَّه ورسوله سرًا وعلانية على الحقيقة، لا الذين أظهروا ولم تكن قلوبهم مصدقة لذلك كالمنافقين؛ ألا ترى أنه قال: (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا) أي: لم يشكوا في حادث الوقت؛ بل جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللَّه؛ إظهارًا لتحقيق الإيمان وصدقه، وليسوا كالمنافقين الذين ارتابوا وشكوا في إيمانهم، وتخلفوا عن الجهاد مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
ثم قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) كأنه صلة قوله - تعالى -: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) حيث قالوا ذلك بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما في قلوبهم من الإيمان والشك والخلاف، كأنهم حين قال لهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: لم تؤمنوا، فلجوّا في ذلك وقالوا: بل آمنا؛ ظنوا أنه إنما قال ذلك من دأب نفسه، فقال عند ذلك قل: (أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) يخبر أن الذي أنبأني وأخبرني بذلك هو الذي يعلم غيب ما في السماوات وما في الأرض، وهو بكل شيء مما في القلوب من الصدق وغيره عليم، فكيف تعلمون اللَّه بأنكم مؤمنون، وهو يعلم إنكم لكاذبون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) الذي حملهم وبعثهم على الامتنان عليه بالإيمان الذي أتوا به أنهم قوم لا يؤمنون بالآخرة؛ فيظنون أنهم إذا أظهروا الموافقة لم يلحقهم بسببه مؤنة الخروج إلى القتال.
الحجرات 49:16
الآية ١٦ ثم قوله(١) عز وجل :﴿قل أتُعلّمون الله بدينكم﴾ ؟ كأنه صلة قوله تعالى :﴿قالت الأعراب آمنا﴾ حين(٢) قالوا بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم. فأخبر أنه يعلم ما في قلوبهم من الإيمان والشك الخلاف، كأنهم حين قال لهم الرسول ﷺ :﴿لم تؤمنوا﴾ فلجّوا في ذلك، وقالوا : بل آمنا ؛ ظنوا أنه إنما قال ذلك من ذات نفسه، فقال عند ذلك :﴿قل أتُعلّمون الله بدينكم﴾ ؟
يُخبر أن الذي أنبأني، وأخبرني بذلك، هو الذي يعلم غيب ما في السماوات وما في الأرض، وهو بكل شيء مما في القلوب من الصدق وغيره عليم. فكيف تُعلِمون الله بأنكم مؤمنون، وهو يعلم إنكم لكاذبون ؟
١ في الأصل وم: قال..
٢ في الأصل وم: حيث..
الحجرات 49:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿يمُنُّون عليك أن أسلموا﴾ الذي حملهم، وبعثهم على الامتنان عليه بالإيمان الذي أتوا به أنهم(١) قوم لا يؤمنون بالآخرة، فيظنون أنهم إذا أظهروا الموافقة لم يلحقهم بسببه مؤُنة الخروج إلى القتال، أو متى أظهروا الإيمان يصير المسلمون أعوانا لهم ونحو ذلك.
هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم، وحملهم على الامتنان عليه، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم ؛ إذ به نجاتهم، وإليهم يقع نفعه، ليس في الإيمان لله تعالى نفع، ولا في تركه ضرر. تعالى عن الضرر والنفع، فيكون الامتنان لله تعالى عليهم كما قال :﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنت صادقين﴾.
ثم قوله عز وجل :﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ نقض قول المعتزلة : إنه يجب على الله تعالى أن يهديهم لقولهم بالأصلح ؛ فإنه قال :﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منّته لأنه مؤدّ ما عليه من الحق. ومن أدّى حقا عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق.
وكذلك في قوله تعالى :﴿فضلا من الله ونعمة﴾ [الحجرات: ٨] لو كانت الهداية عليه لا يكون في قوله مفضِّلا ولا منعما، بل يكون له عليهم الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام لما عظّموه، وبجّلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقا واجبا لهم، فدلّ على فساد مذهبهم.
وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب لوجهين :
أحدهما : لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعا، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنّة، ومثلها موجود في حق غيرهم.
والثاني : أن البَين قد عمّ الكافر والمؤمن، وقد أخبر الله تعالى بأن له المِنّة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم. فلو كانت الهداية، هي البيان /٥٢٤-ب/ لا غير، لكان لا يُشترط فيه صدقهم لأن منّة البيان تعمّ الصادقين وغير الصادقين.
دلّ أن المراد من الهداية الإسلام حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، والله الموفّق.
ثم الهداية المذكورة ههنا تحتمل وجهين :
أحدهما : خلق فعل الاهتداء منهم.
والثاني : التوفيق والعصمة ؛ كأنه يقول :﴿بل الله يمنّ عليكم أن﴾ خلق منكم الاهتداء، أو وفّقكم للإيمان وعصمكم عن ضدّه.
وكذلك يخرّج قوله تعالى :﴿ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوكم﴾ [الحجرات: ٧] على هذين الوجهين : وفّقكم له، وعصمكم عن ضده، أو خلق حبّه في قلوبكم، وزيّنه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: لأنه..
الحجرات 49:18
أو متى أظهروا الإيمان يصير المسلمون أعوانًا لهم، ونحو ذلك.
هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة، لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم؛ إذ به نجاتهم، وإليهم يقع نفعه، ليس في الإيمان لله - تعالى - نفع، ولا في تركه ضرر، تعالى عن الضرر والنفع، فيكون الامتنان لله - تعالى - عليهم كما قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) نقض قول المعتزلة: إنه يجب على اللَّه - تعالى - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منة؛ لأنه مؤد ما عليه لهم من الحق، ومن أدى حقًّا عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق، وكذلك في قوله - تعالى -: (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) لو كانت الهداية واجبة عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعمًا، بل يكون لهم عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقًّا واجبًا لهم؛ فدل على فساد مذهبهم.
وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين:
أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعًا، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم.
والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر اللَّه - تعالى - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، واللَّه الموفق.
ثم الهداية المذكورة - هاهنا - تحتمل وجهين:
أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم.
والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل اللَّه يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله - تعالى -: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) على هذين الوجهين: وفقكم له وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) هذا يخرج على الوعيد؛ أي: هو بصير بما أسروا وأعلنوا، ليكونوا أبدًا على يقظة وحذر، ولا قوة إلا باللَّه، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله.
* * *
ق 50:1
سُورَةُ (ق)
ذكر أن سورة (ق) كلها مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) يحتمل أن يكون قوله: (ق) اسم هذه السورة، ولله - تعالى - أن يسمي السور بما شاء: (ق) كناية؛ كما سمى كتابه: قرآنًا، وزبورًا، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة.
ويحتمل أن يذكر (ق) كناية عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعًا.
ومن الناس من يقول: إن (ق) اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم اللَّه - تعالى - به وبالقرآن.
والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث تعالى اللَّه عن ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب فدل أن الأول أشبه.
ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع، فلما لم يظهر ذلك من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دل أنهم تركوا ذلك، وإنَّمَا تركوه لوجوه:
إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل. وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع اللَّه - تعالى - الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكأن ذلك مما اختص الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمعرفته؛ لقوله - تعالى -: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)، فلم يسألوا منه بيان ذلك.
وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كما أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تضمنته الآيات، وعرفوا المراد منها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المواد، فلم يحتاجوا إلى السؤال.
وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكامًا عرفوها، فتركوا السؤال؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: موضع القسم في آخر السورة: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: موضع القسم قوله - تعالى - (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أقسم بقوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) بأن الكفرة في أمر مريج.
ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين:
أحدهما: ما ذكر (أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي: من البشر (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) وهو كقولهم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وقولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.
والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) أنه يكون ذلك ردًّا لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم. ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعِثَ من البشر رسول؟ أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده -وهم الملائكة- وأبدًا إنما يبعث الرسل ممن كان عند المرسل، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسَل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقه وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسَل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، واللَّه الموفق.
ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه، فكان الغرض وهو التأليف والاجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، واللَّه أعلم.
ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعًا من حيث العند لله - تعالى - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا؛ إذ ذاك وصف المتمكن في المكان، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرا.
فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لا يوجب الفضل بين البشر والملائكة؛ بل من جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - واللَّه أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟ ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن باللَّه - تعالى - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكون له قيمة.
ثم قوله: (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيدًا، كريمًا،
ق 50:2
حكيمًا؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم.
ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، وكلام سفه، وإنما يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من العلف: إذا أكثرت من ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) قد ذكرنا تأويله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) أي: لا يكون؛ كَنَّوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (رَجْعٌ بَعِيدٌ) أي: رد، يقال: رجع رجعًا: إذا رد، ورجع رجوعًا: إذا انصرف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) ظاهر هذا أن يكون هذا قول أُولَئِكَ الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنى نحيا بعد ذلك؟!! وهو كقولهم: (مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، ونحوه.
لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى اللَّه - تعالى - أنه قال ذلك جوابًا لقولهم: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) فقال: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ.
وقال قتادة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا ترابًا، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ... (٥) أي: بالقرآن.
ويحتمل: أي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد كذَّبوا بهما جميعًا.
ق 50:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجعٌ بعيد﴾ أي لا يكون ؛ كنّوا بالبعيد عما لا يكون عندهم.
كذلك قال القتبيّ، وقال أبو عوسجة :﴿رجعٌ بعيد﴾ أي ردّ ؛ يقال : رُجِع رجعا إذا رُدّ، ورَجع رجوعا إذا انصرف.
ق 50:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة ؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث، أي قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنّى يُحيِي بعد ذلك، وهو كقولهم :﴿من يُحي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] ونحوه.
لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله تعالى أنه قال ذلك جوابا لقولهم :﴿أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجعٌ بعيد﴾ فقال :﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ أي عن علم منا بما أكل منكم، وينقصُ، قلنا : إنكم تُبعثون، وتُحيوَن، على علم منا، بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وعندنا كتاب حفيظ﴾ أي عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.
وقال بعضهم : أي مع علمي فيهم، هم عندا في كتاب حفيظ.
وقال قتادة : ما أكلت الأرض منهم، وكانوا ترابا، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.
ق 50:5
الآية ٥ وقوله تعالى :﴿بل كذّبوا بالحق لما جاءهم﴾ أي بالقرآن، يحتمل أي بمحمد(١) ﷺ وقد كذّبوا بهما معا.
وقوله تعالى :﴿فهُم في أمر مريج﴾ قال القتبيّ وأبو عوسجة :﴿في أمر مريج﴾ أي مختلط ؛ يقال : مَرَج أمر الناس، ومَرَج الدين، وأصل المَرَج : أن يقلق الشيء، فلا يستقر، يقال : مرج الخاتم في يدي مرجا، إذا قلق للهُزال، أي تحرّك. وقيل : مضطرب، مختلف.
وهكذا كان قولهم مختلفا مضطربا في القرآن والرسول جميعا : قالوا في الرسول صلى لله عليه وسلم أقوالا مضطربة مختلفة : مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشّعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله تعالى وإنه يتلقّاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة في ما يدفع كل واحد من ذلك الآخر.
وكذلك قالوا في القرآن : مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وأنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا. وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿في أمر مريج﴾ أي ضلال.
١ الباء ساقطة من الأصل وم..
ق 50:6
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَرِيجٍ) قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أي: مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدِّين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجًا: إذا قلق للهزال؛ أي: تحرك.
وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفًا مضطربًا مختلطًا في القرآن والرسول جميعًا؛ قالوا في الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أقوالا مضطربة مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على اللَّه - تعالى - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك الآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أي: في ضلال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦).
يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، والبعث بعد الموت بقوله: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) كأنه يقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضها ببعض، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتادًا؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بُعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثًا باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثًا باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك كله على التدبير الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون عبثًا؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من
ق 50:7
الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ في التدبير والجهل بالأصلح والأوفق بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا) يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر.
والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فرجت عنه الغمّ؛ أي: كشفت، وهو كقوله - تعالى -: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)، أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقًا وفطورًا، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال لا يعجزه شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ؍ (٧) قد ذكرناه فيما تقدم.؍
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) اسم الزوج يقع على الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضدّ.
والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون بذلك من ألوان النبات وجواهرها.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ يقال: بَهُجَ يَبهُج بهجًا فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بَهِج يَبهج بهجًا فهو بهيج؛ أي: مسرور.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) أي: تبصر ذلك كل عبد منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى اللَّه - تعالى - والمقبل على طاعته، فأمّا من اعتقد الخلاف له فلا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) سماه: مباركًا؛ لأنه يستعمل في أمر
ق 50:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ أي يُبصر ذلك كل عبد منيب، أي منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله تعالى والمقبل على طاعته، فأما من اعتقد الخلاف له فلا.
ق 50:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿ونزّلنا من السماء ماء مباركا﴾ لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، [ ويطهّر به ](١) كل شيء، ويزيّن، وبه حياة كل شيء ونماؤه. والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فأنبتنا به جنات وحَبّ الحصيد﴾ يقول : أنبتنا بذلك الماء المبارك المُنزل من السماء جنات أي بساتين. والمكان الذي جُمع فيه كل أنواع الشجر سُمّي بستانا وجنة.
وقوله تعالى :﴿وحبّ الحصيد﴾ أي أنبت ذلك الماء كل حبّ حصيد ؛ فدخل قوله تعالى :﴿وحبّ الحصيد﴾ أنواع الشجر والغرس والنبات.
ثم قوله تعالى :﴿وحبّ الحصيد﴾ والحصيد، هو الحبُّ نفسه. لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد. ويجوز مثل هذا كما يقال. صلاة الأولى ومسجد الجامع، وقال بعضهم : هما متغايران(٢) : الحبّ ما يخرُج منه [ النبات ](٣) والحصيد ما يُحصد من القصب الذي يصير نبتا، لأن الحبّ، لا يُحصَد، وإنما يُحصد الساق منه. لذلك أضاف الحبّ إلى الحصيد، وهو ثمره(٤)، وقوامه به. لذلك أضاف إليه كما يقال : ثمر الشجرة ونحو ذلك.
١ من م، في الأصل: ويطهره..
٢ في الأصل وم: غيران..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: شجره..
ق 50:10
الدِّين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) يقول: أنبتنا بذلك الماء المبارك المنزل من السماء (جَنَّاتٍ) أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل أنواع الشجر سمي: بستانًا وجنة.
وقوله: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أنواع الشجر والغرس والنبات.
ثم قوله - تعالى -: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) الحب والحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف الحب إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف الذي يصير [تبنًا]؛ لأن الحب لا يحصد، وإنَّمَا يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب إلى الحصيد، وهو شجره وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠).
قوله: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقًا إذا طال.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (بَاسِقَاتٍ) أي: حوائل.
يخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سريته من البركة، والمعنى ما يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى.
وقوله: (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: كُفُرَّى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطبًا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ (نَضِيدٌ) أي: متراكم بعضه على بعض، والميل المتراكم يقال له: منضود، والتنضيد: هو جعل الشيء بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو نضيد.
وقيل: (نَضِيدٌ) أي: كثير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقًا للعباد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحْيَيْنَا بِهِ) أي: بالماء (بَلْدَةً مَيْتًا) أي: أحيا بالماء كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء.
ثم قال: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها،
ق 50:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿رزقا للعباد﴾ أخبر أن ذلك كله إنما أنبته، وأخرجه ﴿رزقا للعباد﴾.
وقوله تعالى :﴿وأحيينا به بلدة﴾ أي بالماء ﴿بلدة ميتا﴾ أي أحيى بالماء كل بلدة ميت وكل بقعة ميتة وكل غرس، فصار به حياة كل حيّ ونماء كل شيء.
ثم قوله(١) تعالى :﴿كذلك الخروج﴾ أي كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها وإحياء النبات والغرس وكل شيء بعد موته بذلك الماء [ فعلى ذلك هو ](٢) قادر على إحيائكم بعد موتكم وبعد ما صرتم ترابا.
والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم يكن أكثر لم يكن دون ما [ في ](٣) إحياء الناس بعد موتهم.
فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر، وأقرّوا به، كذلك لزم أن يقرّوا به في إحياء كل شيء، والله أعلم.
١ في الأصل وم: قال..
٢ في م: فعلى ذلك، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
ق 50:12
وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم ترابًا.
والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر لم تكن دون ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، واللَّه الموفق.
* * *
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) ذكر هذه الأنباء لوجهين:
أحدهما: يصبّر رسوله على أذى قومه وتكذيبهم إياه كما صبر أُولَئِكَ يقول: إنك لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ فاصبر أنت - أيضًا - وهو كقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.
وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، واللَّه أعلم.
ثم أصحاب الرس اختلف في الرس:
قيل: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم اللَّه تعالى.
وقيل: الرس: هو الوادي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم، عليه السلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم - عليه السلام - في البئر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله - تعالى -: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ).
ق 50:13
الآية ١٢ و١٣ و١٤ وقوله تعالى :﴿كذّبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّسّ وثمود﴾ ﴿وعاد وفرعون وإخوان لوط﴾ ﴿وأصحاب الأيكة وقوم تُبّع كل كذّب الرسل فحق وعيد﴾ ذكر هذه الأنباء لوجهين :
أحدهما : يصبّر رسوله ﷺ على أذى قومه وتكذيبهم إياه كما صبّر أولئك ؛ يقول : إنك لست بأول رسول، كذّبه قومه، بل كان قبلك رسل، كذّبهم قومهم، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا، وهو كقوله :﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥].
والثاني : يحذّر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم.
وعلى هذين المعنيين جمع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم.
ثم أصحاب الرّسّ : اختُلف في الرّسّ. [ قال بعضهم :](١) هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام، كذّبوا رسلهم، فأهلكم الله تعالى. وقيل : الرّسّ، هو الوادي. وقال [ بعضهم ](٢) : الرّسّ، هو خدٌّ خدّوه، وجعلوا فيه النار، وأحرقوا فيها نبيهم عليه السلام. وقال بعضهم : سمّوا بذلك لأنهم رسّوا نبيهم عليه السلام في البئر. وقال بعضهم : هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ [يس: ١٤].
وعن الأصم أنه قال : الرّسّ كل موضع، خُدَّ فيه، ولذلك سُمي الخدّ خدّا لجري الدمع عليه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإخوان لوط﴾ أي قوم لوط.
وقوله تعالى :﴿وقوم تُبّع﴾ قيل : إنه كان رجلا مسلما صالحا، مدحه الله تعالى، وذمّ قومه، سُمّي تُبّعا لكثرة أتباعه. ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه [ من ](٣) كان ؟ وما اسمه ؟ كما ذكر بعض أهل التأويل لما لم يُذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر احترازا عن الكذب، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
ق 50:14
وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خدّ فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدَّا؛ لجري الدمع عليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِخْوَانُ لُوطٍ) أي: قوم لوط.
وقوله: (وَقَوْمُ تُبَّعٍ... (١٤) قيل: إنه كان رجلا مسلمًا صالحًا، مدحه اللَّه - تعالى - وذم قومه، سمي: تُبَّعًا؛ لكثرة أتباعه.
ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه مَن كان؟ وما اسمه؟ كما ذكر بعض أهل التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك القدر؛ احترازًا عن الكذب، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) يخوف أهل مكة أن أُولَئِكَ الذين ذكرهم جميعًا قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق عليهم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ... (١٥) هو يخرج على وجهين:
أحدهما: (أَفَعَيِينَا) أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟!
والثاني: (أَفَعَيِينَا) أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة؟!
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الخلق الأول هو آدم، عليه السلام.
وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: هم في شك واختلاط من خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ... (١٦) هو يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفَّها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى ما يدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله - تعالى -: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)، وقال: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال اللَّه - تعالى -: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)، وقال في آية أخرى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، ونحوه كثير من القرآن.
والثاني: يذكر (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى اللَّه - تعالى - هو العالم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وقال في آية أخرى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)، أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهرًا، أما ما يسرون في قلوبهم فاللَّه هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبدًا على اليقظة والحذر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) لا يفهم من قرب الرب - تعالى - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - وإنما يكون قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - لا قرب شيء من شيء آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب اللَّه - تعالى - إلى العبد الإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.
ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهرًا وباطنًا، واللَّه أعلم.
وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكر من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله - تعالى -: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ...) الآية؛ فعلى ذلك قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ)، يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.
ق 50:15
الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ هو يخرّج على وجهين :
أحدها :﴿أفعيينا﴾ أي أعجزنا عن خلق ؟ أي حين(١) لم نعجز عن الخلق الأول، فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني ؟.
والثاني :﴿أفعيينا﴾ أي أجهِلنا، وخفي علينا تدبير الخلق الثاني وابتداء تدبير الخلق الأول ؟ وإنشاؤه أشدّ عندهم من إعادته والإعادة عندكم أهون.
فإذا لم نعجز عن ابتداء إنشاءه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنّى نعجز عن الإعادة ؟
ثم قال بعضهم : الخلق الأول، هو آدم عليه السلام، وقال عامّتهم : هو ابتداء خلقهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بل هم في لبس من خلق جديد﴾ أي هم في شك واختلاط من خلق /٥٢٦-أ/ جديد لما تركوا النظر في سبب المعرفة ليقع عليهم العلم بذلك.
١ في الأصل وم: حيث..
ق 50:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿وقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ هو يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول على علم منا يحدّث به نفسه من أنواع الحديث والوسوسة لا عن جهل وخفاء عن ذلك. فإن هو كفّها، وحبسها عما تدعو به إليه نفسه، وتهواه، وصرفها(١) إلى ما يدعوه عقله وذهنه، نجا، وفاز، كقوله تعالى :﴿إن النفس لأمّارة بالسوء إلا من رحم ربي﴾ [يوسف: ٥٣] وقوله(٢) :﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى﴾ ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ [ النازعات : ٤٠ و٤١ ].
وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك. قال الله تعالى :﴿فأما من طغى﴾ ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ [ النازعات : ٣٧ و٣٨ و٣٩ ] وقال في آية أخرى :﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الفرقان: ٤٣].
والثاني : يذكر :﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ أي نحن مطّلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة، وهم يتولّون كتابته، أي لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله تعالى، هو العالم بذلك، وهو المطّلِع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه، ويفعل بالجوارح لقوله :﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عنيد﴾ [ق: ١٨] [ وقوله في سورة ](٣) أخرى :﴿وإن عليكم حافظين﴾ ﴿كراما كاتبين﴾ ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ [ الانفطار : ١٠و١١ و١٢ ] أخبر أن الحَفَظة إنما يعلمون ما تفعلون ظاهرا. أما ما تُسرّون في قلوبكم فالله هو المطّلع على ذلك، العالم، لتكونوا أبدا على اليقظة والحذر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ يُفهم من قرب الرب تعالى إلى العبد ما يُفهم من قرب العبد إلى الله.
وإنما يكون قُرب العبد إلى الله تعالى بالطاعة له والقيام بأمره والانقياد والخضوع له. هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله تعالى لا قرب شيء آخر. فعلى ذلك يُفهم من قرب الله تعالى إلى العبد الإجابة والنصر والمعونة والتوفيق على الطاعات.
وعلى ذلك ما يُقال : فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه في المكان، ولكم يعنون نصره له ومعونته إياه وإجابته.
ويحتمل أن يُذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهرا وباطنا، والله أعلم.
وأصله أن تُعتبر الأحوال في ما ذكر من القُرب :
فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له، أي يجيبه كقوله تعالى :﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ [البقرة: ١٨٦].
وإن كان في ما يُسرّون، ويُضمرون، فيفهم من القُرب في تلك الحالة العلم به كقوله تعالى :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] فعلى ذلك قوله :﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ وقوله :﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ [الواقعة: ٨٥] يُفهم منه النصر والمعونة أو العلم.
فيكون قوله :﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ أي أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة وأولى به في الإجابة، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرّج ما رُوي عن النبي ﷺ [ عن الله عز وجل ](٤) [ من تقرّب إليّ شبرا تقربت منه شبرين ] [ بنحوه البخاري ٧٥٣٧ ] على ما ذكرنا من قرب الطاعة له وقرب الرّب إليه بالنصر والمعونة لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى :﴿من حبل الوريد﴾ قال بعضهم : عرق العُنق، والوريد العُنُق. وقال بعضهم : هو عرق بين القلب والحلقوم. وقال بعضهم : هو عرق القلب، معلّق به، فإذا قُطع ذلك العرق يموت الإنسان والله أعلم.
١ في الأصل وم: ويصرفها..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ في الأصل وم: وقال في آية..
٤ ساقطة من الأصل وم..
ق 50:17
وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من تقرب إلى اللَّه شبرًا تقرب منه شبرين " على ما ذكرنا من قرب الطاعة له، وقرب الرب إليه: بالنصر والمعونة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَبْلِ الْوَرِيدِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: عرق العنق، والوريد: العنق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو عرق بين القلب والحلقوم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو عرق القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتلقيين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظًا ورقيبًا، وإن كان هو - تعالى - حافظًا لجميع أفعالهم وأقوالهم، عالمًا بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ذلك بمنزلة واحدة في حق اللَّه - تعالى - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة:
أحدها: ليكونوا على حذر أبدًا مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظًا ورقيبًا في أمر يكون أبدًا على حذر وخوف من ذلك الأمر، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظًا ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي اللَّه - تعالى - فيستحي من ذلك أشد الاستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان إحصاء ذلك على اللَّه - تعالى - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى)، واللَّه أعلم.
والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقوالهم، وكتابة ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء بالسجود، ومن شاء بحمل العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع، والسجود، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك؛ ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟ وفيم شاء؟ ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، واللَّه أعلم.
والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ومن محنة بني آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذ لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل محتمل.
والثالث: وهو أن اللَّه - تعالى - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى كتابهم، ولا سمع صوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ليعلموا بذلك قدرة اللَّه - تعالى - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل خلق اللَّه - تعالى - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا، وإن كانوا أجسامًا مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضًا.
ثم أخبر وقال: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا)، أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك في الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في الآخرة.
وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية اللَّه - تعالى - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك رؤية اللَّه.
ثم قراءة العامة: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)، وقرأ ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: [(إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال)] فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا.
وعلى قراءة العامة يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل.
والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما روي عن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع
ق 50:18
ساعات، فإن استغفر اللَّه - تعالى - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة ".
ويجوز أن يكون أحدهما كاتبًا دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ)، ولم يقرأ: قال قريناه.
ويجوز أن يكون المتلقيان جميعًا يكتبان؛ على ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك.
وروي - أيضًا - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ، وما سوى ذلك فلا.
ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله - تعالى -: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم، كما قال في آية أخرى: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)، أي: لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨).
في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا ما في الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون اللَّه - تعالى - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) قَالَ الْقُتَبِيُّ: أراد (قَعِيدٌ) من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر، و (قَعِيدٌ) بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، (قَعِيدٌ)؛
ق 50:19
أي: مقاعد؛ وبه قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (قَعِيدٌ) من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي وجليسي، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) الرقيب: الحفيظ، والعتيد: الحاضر؛ أي: ليس بغائب حتى يغيب عنه شيء، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (سَكْرَةُ الْمَوْتِ) أي: شدته.
يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.
ثم الآية تخرج على وجهين:
أحدهما: أن تُجْرى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة (جَآءَت) أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين ولا مستعدين له، والله أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: (وَجَآءَت) بمعنى تجيء، وكذلك (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ) وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِالْحَقِّ) أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟ أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟
وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمنًا وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافرًا وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.
ق 50:20
ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ)، يقول: لم يخلق الخلق للخلود في الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد من الموت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) يحتمل وجهين:
أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكر، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.
والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)، أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.
ثم الحيد: الميل والكراهة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيدًا فهو حائد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠).
يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.
ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.
ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر، وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضًا هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١).
قَالَ بَعْضُهُمْ: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.
وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشهيد هو عمله الذي عمل في الدنيا.
وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
ق 50:21
الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ قال بعضهم : السائق الذي يقبض روحه، والشاهد الذي يحفظ عمله. وقال بعضهم : السائق هو المَلَك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته. وقيل : السائق، هو النار التي تأتي، تسوق الكفرة إلى المحشر، والشهيد، هو عمله الذي عمل في الدنيا، وقيل : السائق الكاتب والشهيد جوارحه لقوله تعالى :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ الآية [النور: ٢٤].
وأصله ما ذكر في قوله :﴿وسيق الذين كفروا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وسيق الذين اتقوا﴾ [الزمر: ٧٣] ذكر السَّوْق في الفريقين، وذكر في الكفرة ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ [الصافات: ٢٢] وقال تعالى :﴿ويوم يُحشر أعداء الله إلى النار﴾ [فصلت: ١٩].
فالسائق، هو مَلَك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد، هم الملائكة الذين يكتبون علينا(١) الأعمال، فيشهدون في الآخرة : إن كانت(٢) شرا فشر، وإن كانت(٣) خيرا فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا مُحتمَلا(٤)، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: لنا..
٢ في الأصل وم: كان..
٣ في الأصل وم: كان..
٤ في الأصل وم: فمحتمل..
ق 50:22
أَلْسِنَتُهُمْ...) الآية.
وأصله ما ذكر في قوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كفَرُوا)، (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ - (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ)، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرًّا فشر، وإن كان خيرًا فخير، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢).
يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.
أو في غفلة عما أوعدت من المواعيد والشدائد التي عاينتها (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي: ثاقب نيِّر، يبصر الحق؛ كقوله - تعالى -: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا).
وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - واللَّه أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة عليه هذا القول.
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كثبت فيه أعماله حاضر.
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: (وَقَالَ قَرِينُهُ) ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ)، على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.
وجائز أن يكونا يكتبان جميعًا بقوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ)، لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: (وَقَالَ قَرِينُهُ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)، أي: كل واحد منهما
ق 50:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد﴾ أي يقول الملَك الذي كان عليه [ رقيبا : إنّ ](١) كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء. فيُشبه أن تكون شهادة الحَفَظة عليه هذا القول.
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا، وحفظوا ؛ يقول كل مَلَك :﴿هذا ما لديّ عتيد﴾ أي هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعماله حاضر.
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال لكل واحدٍ واحدٌ. على هذا حيث قال :﴿وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد﴾ ولم يقل قريناه، وإن كان قال :﴿إذ يتلقّى المتلقّيان﴾ [ق: ١٧] على ما ذكرنا أنهما ملكان. لكن يجوز أن يتولّى الكتابة واحد، والآخر شاهد.
وجائز أن يكونا يكتبان جميعا بقوله :﴿كراما كاتبين﴾ [الانفطار: ١١] لكنه ذكر ههنا بحرف التوحيد، فقال :﴿وقال قرينُه﴾ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا في قوله :﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: رقيب أي..
ق 50:24
قعيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤).
يحتمل أن يكون الخطاب بقوله - تعالى -: (أَلْقِيَا) لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) كأن الأمر بذلك لهما.
ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) لكن قال: (أَلْقِيَا) لوجهين:
أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.
والثاني: ما قَالَ بَعْضُهُمْ: إن المراد من قوله (أَلْقِيَا) أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله - تعالى -: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ)، على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) يحتمل: كل كفار لنعم اللَّه - تعالى - حيث صرف شكرها إلى غيره.
أو كل كفار لتوحيد اللَّه، وتسمية غيرٍ: إلها.
والعنيد، قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنودًا، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.
وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.
وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ... (٢٥) يحتمل وجهين:
أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.
والثاني: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) أي: منع ما عنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.
وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)، فلا معنى لتخصيص واحد به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُعْتَدٍ مُرِيبٍ) المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود اللَّه - تعالى - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعًا.
ثم نعت ذلك الإنسان فقال: (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) أي:
ق 50:25
الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿منّاعٍ للخير﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : منّاع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.
والثاني :﴿منّاع للخير﴾ أي منع ما عنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.
وقال بعض أهل التأويل : أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي. لكن هذا عادة كل كافر كقوله عز وجل :﴿إن الإنسان خُلق هلوعا﴾ ﴿إذا مسّه الشر جَزُوعا﴾ ﴿وإذا مسّه الخير مَنُوعا﴾ [ المعارج : ١٩ و٢٠ و٢١ ] فلا معنى لتخصيص واحد به.
وقوله تعالى :﴿مُعتدٍ مريب﴾ المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله، والمريب من الرّيبة، وهي(١) الشك والفساد ؛ فكان المريب، هو الذي فيه الشّك والفساد جميعا.
١ في الأصل وم: وهو..
ق 50:26
الآية ٢٦ ثم نعت ذلك الإنسان فقال :﴿الذي جعل مع الله إلها آخر فألقِياه في العذاب الشديد﴾ أي وصف، وذكر مع الله إلها آخر، وهو كقوله تعالى :﴿ويجعلون لله البنات﴾ [النحل: ٥٧] وقوله تعالى :﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾ [الزخرف: ١٩] أي قالوا، ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.
وقوله تعالى :﴿فألقياه في العذاب الشديد﴾ وصف نار جهنم بالشدة لما أنه، لا انقطاع لها. وكل عذاب يُرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.
ق 50:27
وصف وذكر مع اللَّه إلهًا آخر، وهو كقوله - تعالى -: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ)، وقوله - تعالى -: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)، أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).
ويحتمل (قَرِينُهُ) أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.
ثم هذا القول من قرينه إنما كان بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم: (هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ)، فيقول رفيقه: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ)، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحيانًا ينكرون الشرك؛ كقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، ثم قال: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، وأحيانًا يقولون: هَؤُلَاءِ أضلونا، وأحيانًا يلعن بعضهم بعضا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.
وقال بعض أهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ).
لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى أنه قال: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - في غير آي من القرآن؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ. قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ...)
ق 50:28
الآية ٢٨ وقوله تعالى :﴿قال لا تختصموا لديّ﴾ خصومتهم ما ذكر ما قالت الأتباع : ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: ٣٨] وما ذكر من لعن بعضهم على بعض ومن تبرّي بعضهم من بعض. فقال الله عز وجل :﴿لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد﴾ أي قدّمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فما انقطعت خصوماتكم هذه، أي بيّنتُ في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه ومن ضل بغيره.
كان هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عُذر لهم. فلذلك يقول(١) لهم :﴿لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد﴾ أي أرسلت إليكم الرسل، معهم الكتب، وفيها الوعيد. فلم تقبلوا ذلك كله. فإن قيل : قال ههنا :﴿لا تختصموا لديّ﴾ وقال في موضع آخر :﴿ثم إنكم يوم القيامة /٥٢٧-ب/ عند ربكم تختصمون﴾ [الزمر: ٣١] وبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر. فما وجه التوفيق بينهما ؟ قيل : من وجوه ثلاثة :
أحدها : ما قال بعضهم : قوله :﴿لا تختصموا لديّ﴾ في أهل الكفر خاصة، وقوله :﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ في أهل القِبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.
والثاني : ما قال بعضهم : إن إحدى الآيتين في موضع، فيُؤذَن لهم بالكلام فيه حتى يكون جميعا بين الآيتين، وهو كقوله تعالى :﴿فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] وقال في آية أخرى :﴿ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال في آية أخرى :﴿في جنات يتساءلون﴾ ﴿عن المجرمين﴾ ﴿ما سلككُم في سَقَر﴾ [ المدثر : ٣٠ و٣١ و٣٢ ] فعلى ذلك هذا.
والثالث : جائز أن يكون قوله تعالى :﴿لا تختصموا لديّ﴾ في الدين : ي ما بينهم وبين ربهم [ في ](٢) دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكون، ولا ينتفعون به. وأما قوله تعالى :﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ في ما بين أنفسهم في المظالم والغرامات، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يقال..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
ق 50:29
إلى قوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي...) الآية.
فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ): خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا)، وما ذكر من لعن بعضهم بعضًا ومن تبري بعض عن بعض، فقال - تعالى عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.
كأن هَؤُلَاءِ الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.
فَإِنْ قِيلَ: قال هاهنا: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ)، وقال في موضع آخر: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، قيل: هو يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.
والثاني: ما قَالَ بَعْضُهُمْ بأن إحدى الآيتين في موضع، والأخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعًا بين الآيتين، وهو كقوله - تعالى -: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، وقال في آية أخرى: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، وقال في آية أخرى: (يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)؛ فعلى ذلك هذا.
والثالث: جائز أن يكون قوله - تعالى -: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ) في الدِّين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب اللَّه عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله - تعالى -: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، فيما بين أنفسهم في المظالم والغرامات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ... (٢٩) هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في
ق 50:30
وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.
والثاني: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) يحتمل أنه أراد به قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ...) الآية، فأما الإيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا..) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على تحقيق القول من اللَّه - تعالى - لجهنم: (هَلِ امْتَلَأْتِ)، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)، وذلك جائز أن ينطق اللَّه - تعالى - جهنم حتى تجيب له بما ذكر (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: (لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ)، وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله - تعالى -: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)، ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تقدير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، واللَّه أعلم.
والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: (هَلِ امْتَلَأْتِ) على تحقيق الإجابة منها (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) ولكن على التمثيل؛ لوجهين:
أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت لها: (هَلِ امْتَلَأْتِ)، فتقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، واللَّه أعلم.
والثاني: وصف لها بالعظم والسعة، وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله - تعالى -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ
ق 50:31
لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما لو لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) يخرج على وجهين:
أحدهما: هل بقي من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فيَّ سعة تحتمل غيرهم.
والثاني: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق أمتلئ بها؟ لأن اللَّه - تعالى - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، واللَّه أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفًا للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ثم هذا القول على قول الشبهة -على ما توهموا- مخالف للكتاب؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.
ثم ذكر البلخي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خرفًا مفندًا في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " يأتي اللَّه - تعالى - ببشر فيضع في النار حتى تمتلئ " فهذا يحتمل، لا ما رووا، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) أي: قربت، وذكر في آية أخرى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)، ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين:
أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخر قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.
ويحتمل أن يكون إخبارًا عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز والظهور بقوله - تعالى -: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ)، فهو - واللَّه أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها، وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)
ق 50:32
فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر اللَّه - تعالى - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (غَيْرَ بَعِيدٍ) أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، واللَّه أعلم.
والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) الأواب الرجاع، من الأوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجَّاع إلى اللَّه - تعالى - في كل وقت، أو رجَّاع إلى أمره وطاعته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَفِيظٍ) أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرًّا وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله - تعالى -: (لِلْمُتَّقِينَ)، (لِلْمُحْسِنِينَ)، إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ... (٣٣) أي: خاف وحذر بما أوعد.
ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.
والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد وخافه وهو كقوله - تعالى - (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)، أي: عقوبته ونقمته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) المنيب: هو المقبل على اللَّه تعالى بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).
والثاني: السلام: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى فيقال لهم: ادخلوها باسم اللَّه تعالى
ق 50:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿من خشي الرحمن بالغيب﴾ أي خالفه، وحذِره مما أوعد، ثم يخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿من خشي الرحمن بالغيب﴾ أي قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.
والثاني : أي من خشِي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أُوعدَها، وحذر منها قبل أن يعاينها، إذ هو لم ير ذلك العذاب، فيُصدّقه في ما أوعد، وخافه، وهو كقوله تعالى :﴿ويحذّركُم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] أي عقوبته ونقمته، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وجاء بقلبٍ منيبٍ﴾ والمنيب، هو المُقبل على الله تعالى بجميع أوامره ونواهيه المطيع له في ذلك كله.
ق 50:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿ادخلوها بسلام﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما :](١) كأنه على الإضمار، أي يقال لهم : ادخلوها بسلام الملائكة أي تُسلِّم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة كقوله :﴿سلام عليكم طِبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣].
والثاني : السلام، هو اسم من أسماء الله تعالى : فيقال لهم : ادخلوها باسم الله على ما هو الأصل في كل خبر أنه يُبتدأ باسم الله تعالى امتثالا لحديث رسول الله ﷺ ( كل أمر ذو بال، لم يُبدأ باسم الله فهو أبتر ) [ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٩٠٢ ].
وقال بعضهم :﴿ادخلوها بسلام﴾ أي سالمين من الخوف والحُزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله :﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦] من الخوف والحزن.
ويحتمل : أي ادخلوها، ولا كُلفة عليكم [ كما ](٢) في الدنيا، ولا أمر، ولا مِحنة، سوى الثناء على الله تعالى والحمد له وتسليم بعضكم على بعض، بل تسقط عنكم جميع المِحن والأوامر التي عليكم في الدنيا ؛ وذلك قوله تعالى :﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] وكأنه لا شيء [ من ](٣) الذي في الدنيا على أهل الإيمان إلا(٤) الثناء على الله تعالى وتسليم بعضكم على بعض. فلذلك أُبقيَ ذلك في الجنة، وأُسقط ما وراء ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك يوم الخلود﴾ يحتمل أن ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة ولأهل النار بالعقوبة والعذاب. ويحتمل أي يوم لا انقطاع لذلك الذي وُعِدوا في الجنة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: من..
ق 50:35
على ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم اللَّه تعالى؛ امتثالا لحديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: " كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم اللَّه فهو أبتر ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ)، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ)، عن الخوف والحزن.
ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على اللَّه تعالى والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله تعالى: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على اللَّه تعالى وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما وراء ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ):
يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة والعذاب.
ويحتمل: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) أي: لهم ما يختارون فيها، لا يجبرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.
وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.
ق 50:36
وقَالَ بَعْضُهُمْ بأنه تنبت لهم شجرة [فتنفطر] لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.
لكن يحتمل وجهين:
أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قيل: الزيادة هي رؤية اللَّه تعالى في الجنة.
ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله - عليه السلام - في صفة نعيم الجنة: " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "؛ لأن الأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)، هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: كم أهلكنا قبلهم من قرن، لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم، ولا الانتصار من ذلك، فكيف يملك قومك دفع ما ينزل بهم لو أصروا على التكذيب.
والثاني: يقول: قد أهلك الذين كانوا قبل قومك: الذين كذبوا رسلهم، أهلكوا إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدقوا أهلكوا بآجالهم، لا هلاك عقوبة، وقد كانوا جميعا: -المصدقين والمكذبين- سواء في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، فدل أن هناك دارا أخرى يفرق بينهما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ):
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ): أي: صاروا في البلاد هل مِن مَفَرٍّ؟!.
ق 50:37
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ)، أي: طافوا، وتباعدوا، (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) أي: هل يجدون من الموت محيصا؟ أي: مفرًّا.
ويحتمل: أي: تقلبوا في البلاد في تجاراتهم، فلا يجدودن ملجأ يرد به هلاكهم.
يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) يحتمل وجوها:
أحدها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) أي: عظة ممن كان له قلب.
والثاني: فيما ذكر من إهلاك الأمم الخالية، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل لذكرى لمن ذكر.
والثالث: أي: فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا، والصالح والطالح - لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما.
وقوله: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)، أي: عقل وفهم.
أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر.
وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا:
بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو سائغ في اللغة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)، أي: يستمع وهو شاهد سمعه وقلبه، وأصله: أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك، والإصابة.
ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان:
الأول: التأمل والنظر في المحسوس.
والثاني: أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له، فكأنه يقول - واللَّه أعلم -: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب، وينظر، ويعي، ويحفظ.
أو (أَلْقَى السَّمْعَ)، أي: يستمع بما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب؛ فتكون الذكرى لمن اختص بهذين، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل، فيرى بالعقل محاسن الأشياء ومساوئها.
أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
ق 50:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لُغوب﴾ قد ذكرنا في ما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
وقوله تعالى :﴿وما مسّنا من لُغوب﴾ أي من إعياء وتعب ونصَب. وفيه نقض قول اليهود، لعنهم الله :[ في الاستراحة ](١) ونفي. فهم(٢) المُشبّهة في قوله(٣) :﴿ثم استوى على العرش﴾ [ الأعراف : ٥٤ و. . . ] وتبيُّن المراد من قوله تعالى :﴿ثم استوى على العرش﴾.
أما نقض قول اليهود. لعنهم الله. فإنهم يقولون : خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا. فالله عز وجل أخبر أنه لم يمسسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لُغوب على ما زعمت اليهود، لعنهم الله، فيكون ردًّا لقولهم صريحا.
وأما نفي فهم(٤) المُشبّهة فإنهم توهّموا أن قوله :{ ثم استوى على العرش على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى /٥٢٨-ب/ أن ذلك للراحة، فشبّهوا الله تعالى بالخلق : أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها، ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة.
فالله تعالى نفى التّعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار كما في الشاهد بين الخلق، وبيّن تعاليه وبراءته عما توهّمت المُشبّهة، وشبّهوه بالخلق.
ويتبين بذكر الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض أن(٥) المراد منه التمام، أي تمّ ملكه بعد خلق السماوات والأرض بخلق العرش، ويُذكر الاستواء، ويراد به التّمام، والله أعلم.
قال أبو عوسجة : اللّغوب الإعياء، يقال : لغِب يلغب لُغوبا، فهو لاغِب.
وأصله ما ذكرنا أن خلق الله تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له ولا بالآلات والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد ؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون.
فأما الله تعالى إنما يخلُق الأشياء بقوله :﴿كُن﴾ ولا يلحقه شيء من ذلك. وهو قادر بذاته فاعل لا بآلة وسبب، فأنّى يقع له الإعياء والتعب ؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
١ في الأصل وم: مراحًا..
٢ في الأصل وم: انفهام..
٣ في الأصل وم: قولهم..
٤ في الأصل وم: إبهام..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: على..
ق 50:39
وقوله: (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ)، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود -لعنهم اللَّه- صراحًا، ونفي إيهام المشبهة في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، ويتبين المراد من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أما نقض قول اليهود - لعنهم اللَّه - فإنهم يقولون: خلق اللَّه السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فاللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنه لم يمسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لغوب على ما زعمت اليهود - لعنهم اللَّه - فيكون ردًّا لقولهم صريحا.
وأما نفي إيهام المشبهة؛ فإنهم توهموا أن قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) على إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا اللَّه تعالى بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فاللَّه تعالى نفى التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ فدل على أن استواءه ليس للراحة حتى يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وَبَيَّنَ تعاليه وبراءته عما توهمت المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق السماوات الأرض أن المراد منه التمام، أي: تم ملكه بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما بخلق العرش، ويذكر الاستواء ويراد به التمام، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغوبا فهو لاغب.
وأصله ما ذكرنا: أن خلق اللَّه تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما اللَّه تعالى إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ... (٣٩) أي: فاصبر على ما يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا يدعو عليهم بالهلاك.
ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في اللَّه من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن اللَّه تعالى ينتقم منهم لك.
وإنما أمره بالصبر؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان سريع الغضب لله تعالى فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك جميع الأنبياء - عليهم السلام - لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في اللَّه أو فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).
ق 50:40
قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق به.
وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة، فمعنى قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب تعالى بالتعظيم والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا.
ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، وكذلك إذا جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخلائق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، واشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أن يكون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ لهذا.
ويحتمل أن سموه: صلاة؛ لما أن في الصلاة تسبيحا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: قبل صلاة الفجر، وقبل غروبها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صلاة العصر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صلاة العصر والظهر؛ لأنهما جميعا قبل غروب الشمس.
وقوله: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) قال عامة أهل التأويل: هما ركعتان بعد المغرب، وهو جائز محتمل.
ويحتمل أن يكون إدبار السجود ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ)، وتفيؤ الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الظلال؛ فمعناه: وسبحه وقت إدبار سجود تلك الظلال، والذي أخبر أنه يتفيأ أن تفيؤه هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله تعالى: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)، إدبار النجوم: هو ذهاب النجوم؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)، أي: سبحه بعد ذهاب سجود الظلال، فذلك إنما يكون بعد ذهاب الشمس وغيبوبتها، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ)، كأن هذا صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
ق 50:41
الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿واستمع يوم يُنادِ المُناد من مكان قريب﴾ كأن هذا صلة قوله عز وجل :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ وانظر يوم ينادي المنادي، ولا تكافئهم، ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر، وانتظر ذلك اليوم.
ثم قوله تعالى :﴿يُناد المُناد﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : كقوله تعالى :﴿يوم يدع الدّاع إلى شيء نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] أي يوم يدعوهم الداعي إلى شيء، أنكروه.
والثاني : ما ذكر من نداء بعض لبعض كقوله تعالى :﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ الآية [الأعراف: ٤٤] وقوله تعالى :﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة﴾ [الأعراف: ٥٠] يقول عز وجل انتظر يوم ينادون، ويُدعون إلى ما أنكروا، ويوم ينادي بعضهم بعضا.
وقوله تعالى :﴿من مكان قريب﴾ أي من مكان يسمعون ما ينادون، ويُدعون، ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به : ينتهي ذلك الدعاء والدعاء إلى كل في نفسه حتى يعرفه.
وذكر أهل التأويل أن المنادي، هو جبريل عليه السلام عند بيت المقدس بنداء يسمعُه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرُب من السماء بكذا كذا ذراعا، فهو المكان القريب.
ولكن هذا لا معنى له، فإنه يسمع صوته جميع الخلائق، وإن لم يُقِم في ذلك المكان. وليس المراد من القرب ما ذكره، ولكن على الأسماع في أيّ موضع كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، والله أعلم.
ق 50:42
(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، وانتظر (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ)، ولا تكافئهم، ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر وانتظر ذلك اليوم.
ثم قوله: (يُنَادِ الْمُنَادِ) يخرج على وجهين:
أحدهما: كقوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)، (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ)، أي: يوم يدعوهم الداعي إلى شيء أنكروه.
والثاني: ما ذكر من نداء بعض لبعض؛ كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ) الآية، وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)، يقول - عَزَّ وَجَلَّ -: انتظر يوم ينادون ويدعون إلى ما أنكروا، ويوم يناد بعضهم بعضا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) أي: من مكان يسمعون ما ينادون ويدعون، ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به، ينتهي ذلك الدعاء والنداء إلى كل في نفسه حتى يعرفه.
وذكر أهل التأويل: أن المنادي هو جبريل - عليه السلام - ينادي عند بيت المقدس بنداء يسمعه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرب من السماء بكذا كذا ذراعًا، فهو المكان القريب.
ولكن هذا لا معنى له؛ فإنه يسمع صوته جميع الخلائق وإن لم يقم في ذلك المكان، وليس المراد من القرب ما ذكروه، ولكن على الإسماع في أي موضع كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ... (٤٢) الصيحة: النفخة، أو النداء الذي ذكر.
ثم قوله تعالى: (بِالْحَقِّ)، يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: يستمعون الصيحة بما أوعدهم الرسل من المواعيد؛ فيتحقق لهم ذلك في ذلك اليوم.
والثاني: يحتمل: (بِالْحَقِّ)، أي: تحقق ذلك اليوم؛ لأن الرسل - عليهم السلام - قد أخبروهم بذلك اليوم، وهم أنكروه.
أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، أي: يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ذلك اليوم، وأمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم، واللَّه أعلم.
ق 50:43
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) قيل: يوم الخروج من قبورهم.
وقيل: يوم الخروج والبروز إلى اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ... (٤٣) أي: نحيي الموتى، ونميت الأحياء؛ أي: نحن نملك ذلك، لا يملك أحد ذلك غيرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ)، خص ذلك اليوم بالمصير إليه، وإن كانوا في الأوقات كلها صائرين إليه؛ لما ذكرنا من الوجوه في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤).
يحتمل أن يكون ما ذكر من السراع هو صفة تشقق الأرض، كأنه يقول: يوم تشقق الأرض سراعا، لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقق أسرع من لمحة البصر.
ويحتمل أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض، يقول: يوم يسرعون الخروج من الأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ)، وغير الحشر يسير على اللَّه تعالى - أيضًا - ليس شيء أيسر عليه من شيء، أو أصعب من شيء، لكن خص ذلك بالذكر؛ لأن أُولَئِكَ الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه؛ فخص ذلك اليوم باليسير لهذا؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزلي، وعبر عن ذلك بحرف (كُن)، لمعرفة العباد، لا أن التكوين الذي به وجود المكونات مما يوصف بالحرف، وفي ذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته، والحشر، وكل شيء، ولا قوة إلا باللَّه.
وهو كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) يقول - واللَّه أعلم -: اصبر على ما يقولون؛ فنحن أعلم بما يقولون؛ فنكافئهم.
أو يقول: عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونمهلهم؛ يصبر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم على ذلك؛ ليتسلى به بعض ما يحزن عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: من الجبر والقهر، أي: ما أنت بقاهر عليهم، وجبار يجبرهم على التوحيد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من التجبر والتكبر، والجبار: هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق. وقيل: أي: وما أنت عليهم بمسلط، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)، أي: مسلطا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)، أي: بلغ ما أنزل إليك، فعليك التبليغ وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون.
ثم ليس يخص بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل، إلا أن منفعة الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد؛ فلذلك خصه بالذكر، لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحكم ونفيا عن غيره؛ فيبطل بهذا مذهب من ادعى ذلك، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد، واللَّه الموفق.
* * *
ق 50:44
الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿يوم تشقّق الأرض عنهم سِراعًا﴾ يتمل أن يكون ما ذكر من السِّراع، هو صفة تشقّق الأرض ؛ كأنه يقول : يوم تشقّق سِراعا لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقّق أسرع من لمحة البصر.
ويحتمل أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض ؛ يقول : يوم يُسرعون بالخروج من الأرض.
وقوله تعالى :﴿ذلك حشرٌ علينا يسير﴾ وغير الحشر يسير على الله تعالى أيضا ؛ ليس شيء أيسر عليه من شيء، لكن خصّ ذلك بالذكر، لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه، فخصّ ذلك اليوم باليُسر لهذا ؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزليّ، وعبّر عن ذلك بحرف ﴿كُن﴾ لمعرفة العباد لا أنّ التكوين الذي به وجود المكوَّنات مما يوصف بالحرف.
وذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته والحشر وكل شيء، ولا قوة إلا بالله، وهو كقوله :﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر﴾ [النحل: ٧٧] والله الموفّق.
ق 50:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿نحن أعلم بما يقولون /٥٢٩-أ/ وما أنت عليهم بجبّار﴾ يقول، والله أعلم :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾ فنُكافئهم. أو يقول : عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونُمهلُهم ؛ يصبّر رسوله ﷺ على ذلك ليتسلّى به بعض ما يُحزن قلبه.
وقوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بجبّار﴾ قال بعضهم : من الجبر والقهر، أي ما أنت بقاهر عليهم وجبّار، تُجبرهم على التوحيد.
وقال بعضهم : من التجبُّر والتكبّر، والجبّار، هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق.
وقيل : أي وما أنت بمُسلَّط عليهم، وهو كقوله عز وجل :﴿وما جعلناك عليهم حفيظا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أي مسلَّطًا.
وقوله تعالى :﴿فذكّر بالقرآن من يخاف وعيدِ﴾ أي بلّغ ما أُنزل إليك، فعليك التبليغ، وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون.
ثم لم يخصّ بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل لأن(١) منفعة الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد. فلذلك خصّه بالذكر، لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحُكم ونفيا عن غيره.
فيُبطل بهذا مذهب من ادّعى ذلك. والله أعلم بما أراد [ والله الموفّق ](٢).
١ في الأصل وم: لا أن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الذاريات 51:1
سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
ذكر أن سُورَةَ الذَّارِيَاتِ مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) سئل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن هذه الآية فقال: (وَالذَّارِيَاتِ) هي الرياح، (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هي السحاب، (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) هن السفن، (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) هي الملائكة.
وعلى هذا خرج تأويل عامة أهل التأويل، إلا ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فإنه قال: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) هي الملائكة.
ثم يحتمل أن تصرف هذه الأحرف كلها من (وَالذَّارِيَاتِ) وغيرها إلى الرياح خاصة؛ فالذاريات من تذرى الأشياء ذروا (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هن يحملن السحاب وغيره في الآفاق.
وجائز أن يصرف كل حرف من ذلك إلى نوع وجنس، على ما حمله أهل التأويل، وصرفوه إليه.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: ذرت الريح تذرو ذروا، ومنه قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)، ومنه ذريت البر؛ لأن التذرية لا تكون إلا بالريح، وتذريت أي: أشرفت من الذروة، وذرى الرجل يذرى ذرى، فهو أذرى أي: أشمط، وشاة ذرا: إذا كان في ذنبها بياض.
(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) أي: سهلا، أي: تجري السفن في الماء جريا سهلا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ، أي: هينا.
ثم المقسمات أمرا هم الملائكة، واختلفوا في التقسيم:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أربعة أملاك يقسمون الأمور؛ فجبريل - عليه السلام - ينزل في إنزال العذاب والشدائد، وميكائيل ينزل في إنزال النعمة والرخاء والرحمة، وإسرافيل في نفخ الصور، وملك الموت في قبض الأرواح؛ فكل واحد من هَؤُلَاءِ موكل في أمر على حدة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي، يأخذ هذا من هذا؛ إذ لله تعالى أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن، والسحاب والملائكة، لماذا؟
قال عامة أهل التأويل: إنما ذكرها على القسم بها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما ذكرها على سبيل تعداد النعم والمنافع التي جعلها اللَّه لهم.
واحتج هَؤُلَاءِ وقالوا: إن اللَّه تعالى نهانا عن القسم بغيره، فكيف يقسم بغيره فيكون ذكر هذه الأشياء على الامتنان، لا على القسم.
والقائلون بالقسم اختلفوا: فمنهم من يقول: القسم بأعيان هذه الأشياء؛ لعظم منافع هذه الأشياء عند الخلق.
ومنهم من يقول: إن القسم باللَّه تعالى لا بعين هذه الأشياء؛ على الإضمار؛ كأنه قال: والذي ذرا الذاريات ذروا، والذي خلق الحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، والمقسمات أمرا، وهو كقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)؛ فيكون القسم بخالق هذه الأشياء لا بأنفسها، وكل واحد من الوجهين محتمل؛ لأن القسم خرج لرفع شبهة الكفرة في البعث وارتيابهم فيه بعدما أقام عليهم حجج البعث وبراهينه على أنه كائن لا محالة، ونظروا فيها لزوال ذلك الارتياب والشبهة عنهم، والقسم؛ لتأكيد ما وقع عليه بما يكون عندهم له حرمة وقدر وعظمة، قيد لهم ذلك على تأكيد الخبر المقرون بالقسم، فالقسم من اللَّه تعالى بأنه خالق هذه الأشياء المذكورة مما يجل ويعظم عند الكفرة؛ لما كانوا يقسمون باللَّه تعالى عند عظم الأمور، كما أخبر تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، فيصلح لتأكيد ما وقع عليه القسم، وكذلك القسم بهذه الأشياء يصلح مؤكدا لعظم خطر هذه الأشياء عندهم؛ لما تجل منافع هذه الأشياء، والعرف في الناس أنهم إنما يقسمون بالذي عظم خطره، وجل قدره عندهم؛ فأقسم اللَّه تعالى بهذه الأشياء؛ لما عرف عظم خطرها وجليل قدرها عندهم، فمنافع الرياح مما يكثر عدها: قد أهلك بها أقواما، وبها استأصلهم، وبها تلقح الأشجار المثمرة وغيرها، وبها يساق السحاب في الآفاق للإمطار، وبها تجري السفن في البحار، وغيرها من المنافع، وبها سبب حياة الحيوانات بالتنفس، ودخول الريح فيهم، ونحوها في تذرية الطعام بحيث لولاها لتحرج الناس في التذرية.
وفيها آيات؛ فإن الريح جسم لطيف يرى ولا يدرك؛ ليعلم أن الرؤية لا توجب الإحاطة والإدراك، وغير ذلك من جهة الآيات؛ على ما تقدم.
وكذلك أقسم بالحاملات وقرا، وهي السحاب الذي فيه منافع الخلق من حمل
الذاريات 51:5
الأمطار، والتظليل في الحر، ونحو ذلك مع ما فيه من الآيات؛ إذ هو يمسكه في الهواء حيث لا يقع بسوق الرياح مع ما فيه من الحمل والوقر، ثم يرسل المطر حيث أمر؛ إذ قد يوجد السحاب ولا مطر؛ دل أنه لم يرسل بنفسه، بل بالأمر يرفع ويمسك ويرسل، وهو في نفسه مُسَخَّر لا بد له من مُسَخِّر؛ إذ لو كان عمله بالطبع لم يختلف باختلاف الأحوال.
وفيه آيات البعث؛ إذ خلق مثله لا يكون إلا لعاقبة، وكذلك أقسم بالجاريات يسرا، وهي السفن؛ لما فيها من منافع الخلق؛ إذ لولاها لانقطع بعض المنافع عن الخلق؛ إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في مكان واحد؛ بل خلقها متفرقة في أماكن، فطريق تحصيل هذه المنافع والحوائج شيئان: الحمل على ظهور الدواب في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما جعلها بحيث لا تتسفل في الماء مع ثقل الأحمال بل تجري بها الريح حيثما شاءوا بأمر اللَّه تعالى.
والملائكة منافعهم عظيمة ظاهرة، وعظم قدرهم وجلالة خطرهم واضح.
وإذا كان كذلك، فكان القسم بهذه الأشياء؛ لتأكيد الخبر المقسم عليه مما يعقل، وهو متعارف، ولا معنى لقول أُولَئِكَ: إنه نهى عباده عن القسم بغيره، فكيف يقسم بنفسه؛ إذ يجوز أن يقسم هو بشيء ينهانا عن القسم به؛ إذ القسم بالشيء تبجيل لتلك الأشياء وتعظيمها، وأنها لا تستحق التعظيم بأنفسها، بل باللَّه تعالى، فأمرنا بالقسم باللَّه تعالى؛ إذ هو المستحق للتعظيم بنفسه في الحقيقة؛ إذ هو خالق الأشياء كلها، فأما القسم من الله تعالى بشيء ليس لتعظيم ذلك في نفسه، بل بيان منه قدر منافعه التي للخلق فيه، والتي عظمت، وجلت عندهم؛ فيكون لذكرها خطر عندهم، واللَّه أعلم.
ثم ذكر أفعال هذه الأشياء التي أقسم بها، ولم يذكر أنفسها، والقسم إنما يكون بالأنفس، لا بالأفعال، فأما إن عرف أُولَئِكَ الكفرة أنفس هذه الأشياء بذكر أفعالها وقت قرع ذكر هذه الأفعال سمعهم، وإذا لم يعرفوا يسألون عنها، وما أريد بها، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) هذا موضع القسم، والصدق إنما يستعمل في الخبر، فكأنه قال: إن ما أخبركم الرسول بالبعث، أو وعدكم به، لصادق في خبره ووعده؛ إذ الوعد في الجملة مما قد يكون صدقا أو كذبا، فأكد هذا الوعد من الرسول بالقسم: إنه لصادق فيما وعد من البعث وغيره، وكذلك قوله تعالى: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) موضع القسم: أن الجزاء لواقع كائن.
وقيل: إن المراد من الدِّين الحساب، أي: إن الحساب لكائن لا محالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) أقسم - أيضا - بالسماء ذات الحبك، وموضع القسم: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ).
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ):
روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (ذَاتِ الْحُبُكِ) قال: حسنها واستواؤها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات حبك، أي: ذات بنيان متقن محكم.
وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه: حبك الثوب.
وقال الحسن: حبكت بالنجوم، وحبكت بحسن الخلق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات الشدة والاستواء، يقال: حبكت الحبل؛ إذا شددت قتله، كذلك قاله أبو عبيدة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (ذَاتِ الْحُبُكِ): ذات الطرائق، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين: أن القسم بعين السماء، أو رب السماء، والله أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) يخرج على وجوه:
أحدها: إنكم لفي قول مختلف في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي القرآن، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة؛ لم يخرج مختلفا متناقضا؛ لأنهم قالوا في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مفترٍ؛ وهذا مختلف متناقض؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال؛ فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض، وكذلك قولهم في القرآن: إنه أحاديث الأولين، وإنه مفترى، والافتراء خلاف الأساطير، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله؛ فيكون هذا تناقضًا في القول؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل، لا عن علم؛ إذ لو كان عن علم بذلك، لكان لا يختلف ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة.
والثاني: إنما قال ذلك في الدلالة على البعث: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أي: في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد، والمحسن والمسيء، وقد عرفتم الاستواء
الذاريات 51:7
الآيتان ٧ و٨ وقوله تعالى :﴿والسماء ذات الحُبُك﴾ ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ أقسم أيضا بالسماء ذات الحُبُك، وموضع [ جواب ](١) القسم :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾.
ثم اختُلف في قوله تعالى :﴿والسماء ذات الحُبك﴾ رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه [ في قوله تعالى :﴿والسماء ذات الحُبك﴾ ](٢) [ أنه ](٣) قال : حُسنها واستواؤها، وقال بعضهم :﴿ذات الحُبك﴾ أي ذات بُنيان مُتقَن مُحكَم. وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد ؛ فإن حُسن خلق السماء بالإتقان والإحكام، يقال عن الحائِك إذا أحسن النّسْج، وأحكمه، حَبَك الثوب.
وقال الحسن : حُبِكت بالنجوم، وحُبكت بحُسن الخُلُق. وقال بعضهم : ذات الشدة والاستواء ؛ يقال : حَبَكْت الحبل إذا شددت فتْلَه. كذلك قاله أبو عبيدة، وقال القتبيّ : ذات الحُبُك، ذات الطرائق، وكذلك قال أبو عوسجة.
ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين : إن القسم بعين السماء، أو ربّ السماء، والله أعلم.
ثم [ قوله عز وجل ](٤) :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ في رسول الله ﷺ وفي القرآن ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة لم يخرج مختلفا متناقضا [ وهو يحتمل وجوها :
أحدها : أنهم ](٥) قالوا في رسول الله ﷺ : إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مُفترٍ، وهذا مختلف متناقض، لأن الساحر، هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلُغ المجنون ذلك المبلغ بحال، فتكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة تخرّج على التناقض.
وكذلك قولهم في القرآن : إنه أحاديث الأولين، وإنه مُفترى، والافتراء خلاف الأساطير مع أنهم عجِزوا عن إتيان مثله، يكون هذا تناقضا من القول.
فدلّ اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل لا عن علم ؛ إذ لو كان [ عن علم ذلك لكان ](٦) لا يختلف، ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكَفَرة.
والثاني : إنما قال في الدلالة على البعث :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ أي في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المُصلِح والمُفسد والمُحسن والمُسيء، وقد عرفتُم الاستواء بينهما في هذه الدنيا. دلّ أن هنالك دار أخرى، فيها يفرّق بينهما ويُميّز، وهذا التأويل لا يختص به الكافر، بل يعمّ الكلّ، والله أعلم.
والثالث :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ أي قول متفرّق ومذهب متناقض ؛ فإنهم كانوا يعبدون أشياء على هواهم ؛ فإذا هوُوا شيئا آخر تركوا ذلك، وعبدوا الأخير(٧). وكذلك يقولون قولا بلا حجّة، ثم يرجعون إلى قول آخر، لا ثبات لهم على شيء، وهو كقوله تعالى :﴿ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ [آل عمران: ١٠٥].
والرابع :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ أي في أمر الآخرة، لأن منهم من يدّعي أن الآخرة لهم، لو كانت، ومنهم من يدّعي الشِّرْكة مع المسلمين : فردّ الله تعالى عليهم بقوله :﴿يؤْفَكُ عنه من أُفِك﴾ [الذاريات: ٩] وهو كقوله تعالى :﴿فنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ ﴿ما لكم كيف تحكُمون﴾ [ القلم : ٣٥ و٣٦ ] وقوله(٨) :﴿أم حسِب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتُهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١].
والخامس : يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة، والله أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة ليتفحّصوا عن أخبار رسول الله ﷺ ويسمعوا كلامه، فكان كفار مكة يصدّونهم عنه، ويقول بعضهم : إنه مجنون، وبعضهم كذّاب، وبعضهم شاعر، وذلك قوله تعالى :﴿إنكم لفي قول مختلف﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: لأنهم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: غيره..
٨ في الأصل وم: وقال..
الذاريات 51:9
بينهما في هذه الدنيا، دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق بينهما ويميز.
وهذا التأويل لا يختص به الكافر؛ بل يعم الكل، واللَّه أعلم.
والثالث: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)، أي: قول متفرق، ومذهب متناقض؛ فإنهم كانوا يعبدون أشياء على هواهم، فإذا هووا شيئا آخر تركوا ذلك وعبدوا غيره، وكذلك يقولون قولا بلا حجة، ثم يرجعون إلى قول آخر، لا ثبات لهم على شيء، وهو كقوله تعالى؛ (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
والرابع: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)، أي: في أمر الآخرة؛ لأن منهم من يدعي أن الآخرة لهم لو كانت، ومنهم من يدعي الشركة مع المسلمين، فرد اللَّه تعالى عليهم بقوله: (يُؤفَكُ عَنهُ مَنْ أُفِكَ)، وهو كقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
والخامس: يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة، واللَّه أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل: أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة؛ ليتفحصوا عن أخبار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويسمعوا كلامه، فكان كفار مكة يصدونهم عنه، ويقول بعضهم: إنه مجنون، وبعضهم: إنه كذاب، وبعضهم: شاعر، وذلك قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) يحتمل وجوها:
أحدها: أي: يصرف عن الحق من صرف عن النظر والتفكر في العاقبة.
والثاني: صرفوا عما رجوا في الآخرة، صرفوا عن الحق في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تقربهم عبادتها إلى اللَّه تعالى وأنها شفعاؤهم عند اللَّه تعالى، يقول تعالى: صرف عما رجا في الآخرة؛ لما صرف عن الحق في الدنيا، واللَّه أعلم.
والثالث: يصرف من طمع في الآخرة الشركة مع المسلمين، أو ادعى الخلوص بما صرف في الدنيا عن الإيمان الذي به ينال الآخرة.
والرابع: (يُؤفَكُ عَنهُ) أي: عن الحق (مَنْ أُفِكَ)، أي: صرف عن الحق من صرف؛ كقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ...) الآية، وقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُم).
وقوله تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) قال أبو بكر الأصم: الخراص: الذي يكذب على العَمْدِ.
ولكن عندنا: الخراص: الذي يكذب، ويقطع على الظن، ومنه يقال للذي يقدم
الذاريات 51:10
الآية ١٠ وقوله تعالى :﴿قُتِل الخرّاصُون﴾ قال أبو بكر الأصمّ : الخرّاص الذي يكذب على العمد.
ولكن عندنا الخرّاص الذي يكذب، ويقطع على الظّن، ومنه يقال للذي يقدِّر(١) الشيء، ويُفرّقه بالظن : خرّاص. فعلى ذلك يحتمل قوله ﴿الخرّاصون﴾.
ثم قوله :﴿قُتِل الخرّاصون﴾ يحتمل [ وجهين :
أحدهما :](٢) حقيقة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص قُتِلوا.
والثاني :﴿قُتِل﴾ أي لُعن /٥٣٠-أ/ هو الطّرد، أي طُردوا عن رحمة الله. وإنما سُمّي اللعن قتلا لأن القتل سبب التّبعيد عن منافع الحياة. وبالقتل خرج عن أن يكون منتفعا بها(٣)، واللعن هو الطّرد عن رحمة الله التي بها(٤) تقع، وتتحقّق المنافع في الآخرة، والله أعلم.
وقال أهل التأويل :﴿الخرّاصون﴾ الكاذبون. وكذا قال أهل الأدب.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يقدم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: به..
٤ من م، في الأصل به..
الذاريات 51:11
الشيء ويفرقه بالظن: خراص؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (الْخَرَّاصُونَ).
ثم قوله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) يحتمل حقيقة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص قتلوا.
والثاني: (قُتِلَ)، أي: لعن، واللعن: هو الطرد؛ أي: طردوا عن رحمة اللَّه، وإنما سمي اللعن: قتلا؛ لأن القتل سبب التبعيد عن منافع الحياة، وبالقتل خرج من أن يكون منتفعا به، واللعن هو الطرد عن رحمة اللَّه التي بها تقع وتتحقق المنافع في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقال أهل التأويل: الخراصون: الكاذبون، وكذا قال أهل الأدب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) اختلف في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في غفلة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في غطاء وغشاء، كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا)، أي: في غطاء وغلف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في عماية عن أمر الآخرة.
ولكن الكل يرجع إلى معنى واحد.
وقوله: (سَاهُونَ)، أي: ساهون عن الحق وعما دعوا إليه.
وقيل: (سَاهُونَ)، أي: غافلون.
وقيل: أي: لاهون عن التوحيد والإيمان.
وقيل: (سَاهُونَ)، أي: تاركون الإيمان.
وأصل السهو هو الترك، وهو كقوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، أي: تركوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢).
كانوا يسألون عن يوم القيامة سؤال استهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لذلك قال الله تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان لا يأتيهم ذلك الوعيد؛ ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - أتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وسأله عن الإيمان والإسلام في حديث طويل، وسأله عن الساعة فلم يأته الوعيد؛ فلا ذم في سؤاله ذلك؛
الذاريات 51:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿يسألون أيّان يوم الدين﴾ كانوا(١) يسألون عن يوم القيامة سؤال استهزاء وعناد لا سؤال استرشاد. لذلك قال الله تعالى :﴿يوم هم على النار يُفتنون﴾ [ الآية : ١٣ ] لو كان سؤالهم سؤال استرشاد لكان لا يأتيهم ذلك الوعيد.
ألا ترى أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسأله عن الإيمان والإسلام في حديث طويل، وسأله عن الساعة، فلم يأته الوعيد ؟ فلا ذمّ في سؤاله ذلك لأن سؤاله سؤال استرشاد.
وقوم موسى عليه السلام لما سألوا رؤية الربّ تعالى بقوهم :﴿أرِنا الله جهرةً﴾ [النساء: ١٥٣] أُهلكوا لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنُّت لا استهزاء.
وأصحاب رسول الله ﷺ سألوا الرؤية، فبُشّروا، ووُعِدوا في الآخرة لما أنهم سألوا سؤال استرشاد لا سؤال استهزاء.
فعلى ذلك أولئك الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء : متى تكون الساعة التي تُوعدنا(٢) بها ؟ ومتى(٣) وقت العذاب الذي توعدنا(٤) به ؟ لذلك قال جوابا لهم :﴿يوم هم على النار يُفتَنون﴾ [ الآية : ١٣ ] والله أعلم.
وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يُبنى على ظاهر المخرج ؛ فإنه لا فرق بين سؤال الكفرة رسول الله ﷺ عن الساعة وبين جبريل عليه السلام إياه عن الساعة.
[ فالجواب لجبريل ](٥) عليه السلام ( ما المسؤول بها بأعلم من السائل ) [ البخاري : ٥٠ ]. ثم الجواب للكفرة ﴿يوم هم على النار يُفتنون﴾ [ الآية : ١٣ ] ثم من شهد النوازل علم المراد من النازلتين أن أحد السؤالين خرج على الاستهزاء والآخر على الاسترشاد. فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين والآخر على حال الأخرى.
دلّ أن الحكم لا يُبنى على ظاهر المخرج. ولكن يجب النظر ليُعرف المراد إما بسؤال(٦) من شهد النازلة وإما(٧) من حيث المعنى مودَعٌ(٨) فيه، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: الآية..
٢ في الأصل وم: تعدنا..
٣ في الأصل وم: أين..
٤ في الأصل وم: تعدنا..
٥ في الأصل وم: أجاب جبريل..
٦ في الأصل وم: بالسؤال..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ في الأصل وم: المودع..
الذاريات 51:13
لأن سؤاله سؤال استرشاد، وقوم موسى - عليه السلام - لما سألوا رؤية الرب تعالى بقولهم: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) فأهلكوا؛ لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنت، لا سؤال استرشاد، وأصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سألوا - أيضا - الرؤية، فبشروا ووعدوا في الآخرة؛ لما أنهم سألوا سؤال استرشاد، لا سؤال استهزاء، فعلى ذلك أُولَئِكَ الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء متى تكون الساعة التي تعدنا بها؟ وأين وقت العذاب الذي تعدنا به؟ لذلك قال جوابا لهم: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج؛ فإنه لا فرق بين سؤال الكفرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن السماعة وبين سؤال جبريل - عليه السلام - عن الساعة، ثم أجاب لجبريل - عليه السلام -: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ثم الجواب للكفرة: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، ثم من شهد النوازل علم المراد من النازلتين: أن أحد السؤالين خرج على الاستهزاء، والآخر على الاسترشاد؛ فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين، والآخر على الحال الأخرى؛ دل أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج، ولكن يجب النظر؛ ليعرف المرادة إما بسؤال من شهد النازلة، أو من حيث المعنى المودع فيه، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) يخبرهم عن اليوم الذي يفتنون فيه، وقيل فيه بوجهين:
أحدهما: (يُفْتَنُونَ)، أي: يبتلون، ويمتحنون بالشدة والعذاب، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، فسمي العذاب: فتنة؛ لما فيه من الشدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يفتنون، أي: يحرقون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ... (١٤) أي: ذوقوا العذاب الذي فيه الشدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، أي: تستعجلون في الدنيا، وتزعمون أنه لا يكون في الآخرة.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)، والإشكال: كيف ذكر أن المتقين في
الذاريات 51:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿ذوقوا فِتنتَكم﴾ أي ذوقوا العذاب [ الذي ](١) فيه الشدة.
وقوله تعالى :﴿هذا الذي به كنتم تستعجلون﴾ أي تستعجلون في الدنيا، وتزعُمون أنه لا يكون في الآخرة.
١ ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:15
الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿إن المتّقين في جنات وعُيون﴾ والإشكال كيف ذكر أن المتّقين في جنات وعيون، وهم يكونون في جنات، ويكونون في العيون بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، وينتفعون بها، وهو كقوله تعالى :﴿يلبسون من سُندسٍ وإستبرق﴾ [الدخان: ٥٣] وإنما هم يلبسون السُّندس، فأما الإستبرق فهو البُسط وغير ذلك من المُنتفَع(١) به. فعلى ذلك ما ذكر من كون المتقين في جنات وعيون ؛ يكونون في الجنة، وينتفعون بالعيون، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن المتقين﴾ أي الذين اتقوا الشرك والكفر، ويحتمل الذين اتقوا مخالفة الله على الإطلاق قولا وعملا واعتقادا، ويحتمل الذين اتقوا المهالك.
١ في الأصل وم: الانتفاع..
الذاريات 51:16
جنات وعيون، وهم يكونون في جنات، ويكونون في العيون بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، وينتفعون بها؟ وهو كقوله تعالى: (يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ)، وإنما هم يلبسون السندس، فأما الإستبرق فهو البسط، وغير ذلك من الانتفاع به؛ فعلى ذلك ما ذكر من كون المتقين في جنات وعيون، يكونون في الجنة، وينتفعون بالعيون، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ)، أي: الذين اتقوا الشرك والكفر.
ويحتمل: الذين اتقوا مخالفة اللَّه على الإطلاق: عملا، وقولا، وفعلا، واعتقادا.
ويحتمل: أي: الذين اتقوا المهالك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: قابلين ما آتاهم ربهم في الدنيا من القدرة والقوة والمال بحق اللَّه تعالى، والقيام بشكره، والعبادة له، والاستعمال في طاعته؛ لذلك قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) أي: قبلوا ذلك بحق الإحسان، فاستعملوها في حق اللَّه تعالى والقيام بطاعته.
وعلى هذا التأويل كأنه على التقديم والتأخير: إن المتقين في جنات وعيون؛ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، آخذين ما آتاهم ربهم، أي: إنما نالوا الجنة؛ لما أنهم كانوا في الدنيا كذلك.
والثاني: ما قاله أهل التأويل: آخذين ما آتاهم ربهم في الآخرة، أي: راضين بما أعطاهم اللَّه من النعيم في الجنة، وهو كقوله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، وعلى هذا يخرج تأويلهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) في الدنيا.
ثم نعت إحسانهم فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨).
قال أهل التأويل جميعا: أي: يصلون.
وإنَّمَا حملوه عليها؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وذلك مرة بالصلاة، ومرة باللسان، ومرة بدفع المال.
ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا، وإنما مدحهم بذلك؛ لأن أرجى وقت الاستغفار وقت السحر؛ لما روي عن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - أنه قال لنافع: " إذا كان وقت السحر
الذاريات 51:17
الآيتان ١٧ و١٨ ثم نَعَت إحسانهم، فقال عز وجل :﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ قال أهل التأويل جميعا : أي يصلّون ؛ وإنما حمَلوا [ على الصلاة ](١) لأن الاستغفار طلب المغفرة ؛ وذلك مرة بالصلاة ومرة باللسان ومرة بدفع المال، ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا. وإنما مدحهم بذلك لأن أرجى وقت للاستغفار وقت السّحر لما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لمنافع : إذا كان وقت السّحر فأعلِمني به، فكان هو يصلي إلى وقت السّحر فأعلمني به، فكان هو يصلي إلى وقت السّحر، ثم يدعوه(٢)، ويستغفر في ذلك الوقت.
١ في الأصل و: عليها..
٢ الهاء ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:18
الآيتان ١٧ و١٨ ثم نَعَت إحسانهم، فقال عز وجل :﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ قال أهل التأويل جميعا : أي يصلّون ؛ وإنما حمَلوا [ على الصلاة ](١) لأن الاستغفار طلب المغفرة ؛ وذلك مرة بالصلاة ومرة باللسان ومرة بدفع المال، ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا. وإنما مدحهم بذلك لأن أرجى وقت للاستغفار وقت السّحر لما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لمنافع : إذا كان وقت السّحر فأعلِمني به، فكان هو يصلي إلى وقت السّحر فأعلمني به، فكان هو يصلي إلى وقت السّحر، ثم يدعوه(٢)، ويستغفر في ذلك الوقت.
١ في الأصل و: عليها..
٢ الهاء ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:19
فأعلمني به ". فكان هو يصلي إلى وقت السحر، ثم يدعو ويستغفر في ذلك الوقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية في الزكاة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة الصدقة المفروضة؛ إلا أن يقال: إن السورة مكية إلا هذه الآيات إن ثبت.
وجائز أن يكون ذلك الحق ليس هو المفروض، ولكن حق سوى الفرض.
وقيل: إن الآية نزلت في قوم خاص جعلوا على أنفسهم ألا يردوا سائلا ولا محرومًا ولا يمنعوا أموالهم من أحد؛ فمدحهم بذلك؛ ألا ترى أن ذكر الحق للسائل والمحروم؛ وقد بين مصارف الزكاة للأصناف الثمانية بقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...) إلى قوله تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ).
ثم اختلف في تأويل المحروم والسائل:
قال عامة أهل التأويل: المحروم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة والفيء بألا يحضر وقت قسمة الغنيمة؛ فلا ينال شيئًا منها ويحرم عن ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المحروم: الذي هلك زرعه وكرمه ببلاء أصابه، يحرم عن ذلك، كما وصفهم في سورة الواقعة: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)، فلما حرموا زرعهم وصفوا بذلك.
وقيل: المحروم: الذي لا يعلم حرفة، وهو لا يملك كسبا، وهو محارف أيضا.
وقيل: المحروم: المتعفف الذي به فقر، لكنه لا يسأل الناس شيئا، والسائل: الطوَّاف.
وعندنا: الفقراء ثلاثة: السائل الذي يطوف، ويسأل الناس.
والمعتر: الذي يعتر الناس، ويظهر حاجته للناس، ويتعرض للسؤال، ولا يسأل صريحا.
والمحروم: هو الذي يستر فقره وحاجته عن الناس، لا يسألهم، ولا يعتر لذلك.
ثم جائز أن يكون سماه: محروما، أي: حرم المكاسب وأسباب العيش من التجارة
الذاريات 51:20
والحرفة وغيرهما.
وجائز أن تكون له المكاسب والأسباب، لكنه محروم عن إنزال المكاسب والأرباح في التجارة، يكتسب، ويعمل بتلك الأسباب، لكنه محارف، لا يرزق منها شيء، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: في الأرض آيات ينتفع بها الموقنون، وهم المؤمنون الذين علموا الآيات بطريق الإيقان.
ويحتمل: في الأرض آيات يعلم الموقنون حقيقة أنها آيات، فأما غيرهم فلا، والله أعلم.
ثم يحتمل آيات الأرض: آيات التوحيد، وآيات البعث، وآيات القدرة، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا: أنه خلق على وجه الأرض من الدواب، والأشجار، ومن النبات، وأنواع الثمار من غير أن عرف الخلق كيفية وجودها وماهيتها، وأنه لم يخلق مثلها للفناء خاصة؛ فتكون آيات؛ لما ذكرنا.
وقيل: أي: في خلق الأرض آيات، وهو أن خلقها، وكانت تميد بأهلها، ثم أرساها بالجبال؛ حتى استقرت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١).
صلة قوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) أي: وفي أنفسكم - أيضًا - آيات (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أي: آيات الوحدانية والربوبية وآيات البعث وآية وجوب الشكر والعبادة والامتحان.
أما آيات الربوبية، فهي أن اللَّه تعالى أنشأ هذا البشر من نطفة، ثم قلب تلك النطفة علقة، ثم العلقة مضغة ثم المضغة عظاما ولحما، ثم ركب فيها الجوارح في ظلمات ثلاث، ما رأى المصالح له في الاستواء والصحة، سليمة عن الآفات، غير متفاوتة، فدل أنه فعل واحد، لا عدد، وأن له القدرة الذاتية والعلم الذاتي لا المستفاد، وأن ما قلبهم من حال إلى حال، وما ركب فيهم من الجوارح التي بها يقبضون، وبها يأخذون، وبها يدفعون ويسلمون، وبها يبصرون ويسمعون، وبها يمشون، لم يفعل بهم؛ ليتركهم سدى ويهملهم ولا يمتحنهم، ولا يأمرهم، ولا ينهاهم، وأنه حيث سخر جميع الخلائق من السماء والأرض وما بينهما ما سخر إلا ليمتحنهم، وليستأدي منهم شكر ذلك كله.
وفيه آية البعث؛ لأنه لا يحتمل أن يكون منهم ما ذكرنا ثم لا يبعثهم؛ ليثاب المحسن
الذاريات 51:21
الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿وفي أنفسكم أفلا تُبصرون﴾ صلة قوله :﴿وفي الأرض آيات للموقنين﴾ أي وفي أنفسكم أيضا [ آيات ](١) أفلا يبصرون ؟ أي آيات الوحدانية والرّبوبية وآيات البعث وآية وجوب الشكر والعبادة والامتحان.
أما آيات الربوبية فهي(٢) أن الله أنشأ هذا البشر من نُطفة، ثم قلب تلك النطفة علقة ثم العلقة مضغة ثم المضغة عظامًا ولحمًا، ثم ركّب فيها الجوارج ﴿في ظلمات ثلاث﴾ [الزمر: ٦] ما رأى الصالح له في الاستواء والصحة سليمة من الآفات غير متفاوتة.
فدلّ أنه فعل واحد لا عدد، وأن له القدرة الذاتية والعلم الذاتيّ لا المُستَفاد، وأن ما قلبهم من حال [ إلى حال ](٣) وما ركّب فيهم من الجوارح التي بها يقبِضون، وبها يأخذون، وبها يدفعون، ويسلّمون، وبها يُبصرون، ويسمعون، وبها يمشون ؛ لم يفعل بهم ليترُكهم سدًى ؛ ويُمهلهم فلا يمتحنهم، ولا يأمرهم، ولا ينهاهم، وأنه حين(٤) سخّر جميع الخلائق من السماء والأرض وما بينهما، ما سخّر إلا ليمتحنهم، وليستأدي منهم شكر ذلك كله.
وفيه آية البعث، لأنه لا يحتمل أن يكون منه ما ذكرنا، ثم لا يبعثهم ليُثاب المُحسن منهم، ويعاقَب المُسيء، ويُجازى [ كأنه لا ](٥) يقدر عليه ؛ إذ لو لم يكن لكان خلقه إياهم عبَثا باطلا على ما ذكرنا في غير موضع.
وقيل :﴿وفي أنفسكم﴾ أي في خلق أنفسكم ﴿أفلا تبصرون﴾ أنه كيف سوّى أنفسكم على أحسن الصور وأحسن التقويم بعد ما كان أصلها وجوهرها من ماء ؟ وكذلك أصل جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضا، ثم ركّبها(٦) على صُور صالحة لمنافعكم. وركّبكم على أحسن الصور، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما تُدرك بها حقائق الأشياء المحسوسة والمعاني الحكميّة لتتأملوا في ذلك كله، فتكون آية الوحدانية وآية إلزام الشكر والعبادة له، والله الموفّق.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: وهو..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: كلا..
٦ في الأصل وم: ركبهم..
الذاريات 51:22
منهم ويعاقب المسيء، ويجازي كلا بقدر عمله؛ إذ لو لم يكن، لكان خلقه إياهم عبثا باطلا؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقيل: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) أي: في خلق أنفسكم، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أنه كيف سوى أنفسكم على أحسن الصور، وأحسن التقويم بعد أن كان أصلها وجوهرها من ماء، وكذلك أصل جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضًا، ثم ركبكم على صور صالحة لمنافعكم، وركبكم على أحسن الصور، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما يدرك بها حقائق الأشياء المحسوسة والمعاني الحكيمة؛ لتتأملوا في ذلك كله؛ فتكون آية الوحدانية آية إلزام الشكر والعبادة له، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢).
قال أبو بكر الأصم: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) أي: في السماء رزقكم وما توعدون من الخير والشر.
وقال الحسن وغيره: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) أي: المطر الذي ينزل منها في الأرض، فنبت فيها بذلك المطر من أنواع الأرزاق من الحبوب، والثمار، والفواكه، وغيرها؛ كل ذلك سببه من السماء؛ لذلك أضيف إليها، واللَّه أعلم.
وجائِز أن يكون ما ذكر من أرزاقنا أنها في السماء: المطر وجميع ما سخر لنا فيها من الشمس والقمر والملائكة؛ حيث جعل صلاح ما في الأرض جميعًا من الأرزاق والأغذية بتلك الأشياء التي في السماء من الإنضاج بالشمس والقمر، وحفظ الأرزاق والأمطار بالملائكة؛ فإنهم جعلوا موكلين ممتحنين بذلك؛ حيث قال - تعالى -: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)، هي الملائكة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تُوعَدُونَ) كل موعود: مرغوب أو مرهوب من السماء، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣).
يحتمل قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: الساعة والقيامة.
ويحتمل (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: جميع ما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).
الذاريات 51:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿فوَربّ السماء والأرض إنه لحقٌّ﴾ يحتمل قوله ﴿إنه لحق﴾ أي الساعة والقيامة، ويحتمل ﴿إنه لحق﴾ أي جميع ما جاء به محمد ﷺ.
وقوله تعالى :﴿مثل ما أنكم تنطِقون﴾ يحتمل أن يقول، والله أعلم : كما أنكم لا تشُكّون في ما تنطقون، فعلى ذلك لا تشكّون في أمر الساعة قيامها وكونها كما يقال : هذا ظاهر بيّن كالنار.
وقال الزَّجّاج :﴿إنه لحقٌّ﴾ أي لحق مثل حضوركم ونُطقكم ومثل النهار، أو كلام نحوه.
ويحتمل أن يقول : إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى تُفهم منها حاجتهم، وهي قطعة، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام ؛ إذ يكون مثله للبهائم، ثم لا يُفهم منه ذلك، ولا يكون منه النُّطق، يقدر على البعث والإعادة ؛ إن هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك، والله أعلم والموفق.
الذاريات 51:24
يحتمل أن يقوله - واللَّه أعلم -: كما أنكم لا تشكون فيما تنطقون؛ فعلى ذلك لا تشكون في أمر الساعة وقيامها وكونها؛ كما يقال: هذا ظاهر بين كالنهار.
وقال الزجاج: (إِنَّهُ لَحَقٌّ)، أي: لحق مثل حضوركم ونطقكم ومثل النهار، أو كلام نحوه.
ويحتمل أن يقول: إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى يفهم منها حاجتهم، وهي قطعة، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام؛ إذ يكون مثله للبهائم ثم لا يفهم منه ذلك، ولا يكون منه النطق - قدر على البعث والإعادة؛ إذ هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك، واللَّه الموفق.
* * *
قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ).
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام من اللَّه تعالى على الإيجاب والإلزام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَاكَ)، يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: قد آتاك حديث ضيف إبراهيم، فحاج به أُولَئِكَ، وخاصمهم.
والثاني: لم يأتك بعد، ولكن سيأتيك حديث ضيف إبراهيم، فإذا أتاك به فحاج على أُولَئِكَ الكفرة به، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) دل على أن اسم الضيف يقع على من يطعم ويتناول، وعلى من لا يطعم ولا يتناول؛ لأنه سمى الملائكة: ضيف إبراهيم، وإن لم يطعموا، ولم يكن غذاؤهم الطعام.
وفيه أن الضيف اسم يقع على العدد والجماعة.
وقوله: (الْمُكْرَمِينَ) سماهم: مكرمين؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - كان يخدمهم
الذاريات 51:25
ويقوم بين أيديهم؛ وذلك هو الإكرام الذي صاروا به مكرمين.
ويحتمل أن سماهم: مكرمين؛ لأنهم كانوا أهل كرم وشرف عند اللَّه تعالى، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥).
وقال في آية أخرى (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ).
ذكر هاهنا سلام الملائكة - عليهم السلام - ولم يذكر سلام إبراهيم صلوات اللَّه عليه إنما ذكر وجله منهم، وذكر في الأول سلام الملائكة عليهم السلام وسلام إبراهيم - عليه السلام - وذكر أنهم قوم منكرون، وقال في آية أخرى: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما أوجس منهم الخيفة؛ لما خشي أن يكونوا سراقا لأنه كان بين إبراهيم - عليه السلام - وبين الذي انتابوا منه بصرف بعيد ما يحتاج المنتاب إلى طعام، فإذا امتنعوا عنه خاف أن يكونوا سراقا؛ إذ لا يمتنع عن التناول إلا السراق.
لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه قد كان منهم السلام، والسلام أحد علامات الأمان لكن يكون خوفه بعدما عرف أنهم ملائكة؛ لما علم أن الملائكة - عليهم السلام - لا ينزلون إلا لأمر عظيم لإهلاك قوم أو لتعذيب أمة، كقوله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ)، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ)، هذا يحتمل، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) جائز أن يكون هذا إخبارًا من اللَّه تعالى أنهم قوم منكرون؛ أي: غير معروفين عندنا، لم نعرفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦).
قيل: راغ: مال.
لكن قوله: (فَرَاغَ) أي: مال إلى أهله على خفاء من أضيافه وسر منهم؛ ولذلك سمي الطريق المختفي: رائغًا، وهو من روغان الثعلب.
وقيل: زائغًا بالزاي.
وقيل: راغ، أي: رجع.
وذكر مُحَمَّد في بعض كتبه: " في زائغة مستطيلة "، وقيل: رائغة، واللَّه أعلم.
الذاريات 51:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿فراغَ إلى أهله فجاء بعِجل سمين﴾ قيل : راغ، أي مال إلى أهله على خفاء من أضيافه وسرٍّ منهم، ولذلك سمي الطريق المختفي رائغا، وهو من رَوَغانِ الثعلب، وقيل : زائغًا بالزاي، وقيل : راعَ أي رَجَعَ.
وذكر محمد في بعض كتبه في زائغة مستطيلة، وقيل : رائعة، والله أعلم.
الذاريات 51:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿فقرّبه إليهم قال ألا تأكلون﴾ كقوله في موضع آخر :﴿فلما لبِث أن جاء بعِجل حنيذ﴾ [هود: ٦٩] والحنيد هو المشويّ، وقيل : هو الذي يُشوى في الأرض بغير تنوّرٍ، والله أعلم. وقال بعضهم : الحنيذ الذي أُنضج بالحجارة، وقيل : الحنيذ : هو الصغير الذي كان غذاؤه اللبن، لا غير، والله أعلم.
وما ذكر أهل التأويل في قصة إبراهيم عليه السلام أنه لما قرّب إليهم العجل قالوا : لا نأكله إلا بثمن، قال : كلوه(١)، وأدّوا ثمنه(٢)، قالوا : وما ثمنُه ؟ قال : تسمّون الله، تعالى، جلّ، وعلا، وإذا أكلتم، وتحمدونه إذا تركتم. قال : فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا : لهذا اتخذك الله خليلا وغير ذلك من الكلام.
نحن لا نذكر إلا قدر ما ذكره في الكتاب مخافة أن نُدخل الزيادة والنقصان عما في كُتبهم، ويجد أهل الإلحاد في ذلك مقالا(٣).
وهذه الأنباء إنما ذُكرت حجة لرسول الله ﷺ في إثبات الرسالة.
فإذا قيل في ذلك ما يُخاف أن يكون في ذلك زيادة أو نقصان عما في كُتبهم كان الإمساك والكفّ عنه أولى.
١ في الأصل وم: قالوه..
٢ ساقطة من م..
٣ في م، في الأصل: مقامًا..
الذاريات 51:28
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)، وقال في موضع آخر (جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)، والحنيذ: هو المشوي.
وقيل: هو الذي يشوى في الأرض بغير تنور، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ: الذي أنضج بالحجارة.
وقيل الحنيذ: هو الصغير الذي كان غذاؤه اللبن لا غير، واللَّه أعلم.
وما ذكر أهل التأويل في قصة إبراهيم - عليه السلام - " أنه لما قرب إليهم العجل قالوا: لا نأكله إلا بثمن، قال: قللوه وأدوا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمون اللَّه - تعالى جل وعلا - إذا أكلتم، وتحمدونه إذا تركتم، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: لهذا اتخذك اللَّه خليلا "، وغير ذلك من الكلام فنحن لا نذكر إلا قدر ما ذكره في الكتاب؛ مخافة أن ندخل الزيادة والنقصان عما في كتبهم ويجد أهل الإلحاد في ذلك مقالا، وهذه الأنباء إنما ذكرت حجة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في إثبات الرسالة، فإذا قيل في ذلك ما يخاف أن يكون في ذلك زيادة أو نقصان عما في كتبهم، كان الإمساك والكف عنه أولى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً؍ (٢٨) لما ذكرنا.؍
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا لَا تَخَفْ) لا لذلك أرسلنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) يحتمل قوله: (عَلِيمٍ) وجهين:
أحدهما: أي: بشروه بغلام يصير عليما إذا كبر.
والثاني: بشروه بغلام يولد عليما، يؤتيه اللَّه تعالى علما في بطن أمه، وإذا ولد في صغره، ولله أن يؤتي العلم من يشاء في حال الصغر والكبر؛ ألا ترى أنه قال - عَزَّ وَجَلَّ - في عيسى - عليه السلام -: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، فعلى ذلك يحتمل هذا واللَّه أعلم.
ثم ذلك الغلام هو إسحاق - عليه السلام - لأنه بين في آية أخرى فيمن كانت البشارة؛ حيث قال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)؛ دل أن البشارة إنما كانت بإسحاق. ثم ذكر في سورة هود - عليه السلام - البشارة لامرأته، حيث قال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)، وذكر في هذه السورة البشارة لإبراهيم - عليه السلام - بقوله (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)، لكن جائز أنه لما بشرها بالولد، بشرها بالولد منه، فإذا بشر إبراهيم - عليه السلام - بالولد منها، وإذا بشر أحدهما بالولد من الآخر؛ فتكون البشارة لهم جميعًا، واللَّه أعلم.
قال أبو بكر الأصم: دل قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ...)، إلى أن قال: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا): أن إسحاق أكبر من إسماعيل؛ لأنها لما بشرت بالولد أخبر أنها عجوز، وأنها عقيم وأن بعلها شيخ ولو كان إسماعيل هو الأول، وكان
الذاريات 51:29
الآخر على قرب منه ليس بينهما زمان مديد، لم يكن يبلغ إبراهيم - عليه السلام - في ذلك المقدار من الوقت ما يخبر عن إياس الولد منه؛ دل أن إسحاق هو المقدم، وأنه كان أكبر من إسماعيل - عليه السلام -.
إلا أن هذا خلاف ما عليه أهل التأويل: أن إسماعيل - عليه السلام - كان أكبر من إسحاق عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩).
ذكر هاهنا الإقبال، وقال في آية أخرى في سورة هود: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)، فجائز ألا يكون على حقيقة الإقبال، ولكن لما ذكر فعلها -وهي الصرة، وصك الوجه- ذكر الإقبال، غير أن كان منها الإقبال من المكان أي: أقبلت فصكت وجهها في صرة؛ كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، أمر بالرؤية والنظر إلى الفعل الذي ذكر، وهو مد الظل، وإذا ذكر النفس دون الفعل، فالمراد منه النظر إلى نفسه لا غير، واللَّه أعلم؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - تعالى -: (فِي صَرَّةٍ) أي: في ضجة.
وقوله: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)، أي: ضربت وجهها بيدها؛ تعجبا منها بتلك البشارة التي بشرت بالولادة.
وقوله: (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)، وكانت كما أخبرت عجوزا عقيما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ... (٣٠) أي: على علم بالحال التي أنت عليها، بشرت بذلك، لا عن جهلٍ.
وقوله: (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، أي: حكيم، واضع الولد في موضعه، العليم بمصالح الأمور وعواقبها، واللَّه أعلم.
وقوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) أي: ما شأنكم؟ ولأي أمر أرسلتم: بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما جميعًا؟ فأجابوا: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) وقال في آية أخرى: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ)، كأن الاستثناء هاهنا لم يكن مذكورا في خبر الملائكة وإنَّمَا ذكر في الخبر الذي قال إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ)؛ فدل ذكر الثنيا منهم بعد سؤال إبراهيم - عليه السلام - وإخباره إياهم: أن فيها لوطا: أن تأخير البيان عن الكلام جائز، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) دل قوله تعالى: (حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) على أن ما ذكر في آية أخرى: (حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) أن السجيل ليس هو
الذاريات 51:30
الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿قالوا كذلك قال ربك﴾ أي على علم بالحال التي أنت بُشّرت بذلك لا عن جهل.
وقوله تعالى :﴿إنه هو الحكيم العليم﴾ أي حكيم واضع الأمر(١) في موضعه ﴿العليم﴾ بمصالح الأمور وعواقبها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: الولد..
الذاريات 51:31
الآية ٣١ : وقوله تعالى :﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون﴾ أي ما شأنكم ؟ ولأي أمر أُرسلتم ؟ بالبشارة خاصة أو لأمر آخر أو لهما جميعا.
الذاريات 51:32
الآية ٣٢ فأجابوا :﴿إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ وقالوا(١) في آية أخرى :﴿إنا أُرسنا إلى قوم مجرمين﴾ ﴿إلا آل لوط إنا لمُنجّوهم أجمعين﴾ [ الحجر : ٥٨ و٥٩ ] كأن الاستثناء ههنا لم يكن مذكورا في خبر الملائكة وإنما ذكر في الخبر الذي قال إبراهيم عليه السلام حين(٢) ﴿قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجّينه وأهله﴾ [العنكبوت: ٣٢].
فدلّ ذكر الثُّنيا منهم بعد سؤال إبراهيم عليه السلام وإخباره إياهم أن فيها لوطا ؛ أن تأخير البيان عن الكلام جائز، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: حيث..
الذاريات 51:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿لنُرسِل عليهم حجارة من طين﴾ دلّ قوله تعالى :﴿حجارة من طين﴾ على ما ذكر في آية أخرى :﴿حجارة من سجّيل﴾ [ هود : ٨٢ والحجر : ٨٤ ] أن السّجّيل ليس هو اسم المكان على ما ذكر بعض أهل التأويل، ولكن السّجّيل اسم الطين على ما ذكره ههنا، وهو طين مطبوخ كالآجُرِّ، إلا أن يقال : هو طين حُمل من مكان يسمى سجّيلاً، والله أعلم.
الذاريات 51:34
اسم المكان على ما ذكر بعض أهل التأويل، ولكن السجيل اسم الطين؛ على ما ذكره هاهنا، وهو طين مطبوخ كالآجر؛ إلا أن يقال: هو طين حمل من مكان يسمى: سجيلا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُسَوَّمَةً... (٣٤) أي: معلمة (عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ).
ثم الإعلام يحتمل وجهين:
أحدهما: معلمة: مسومة باسم من تقع عليه ويهلك بها، أي: مكتوب عليها اسمه.
والثاني: معلمة في نفسها حتى يعلم كل أحد: أنها للهلاك جاءت، وأنها أرسلت لذلك مخالفة لسائر الأحجار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦).
قوله: (فِيهَا) كناية عن قرية لوط.
وقوله: (غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هو منزل لوط - عليه السلام - دل تسمية الملائكة - عليهم السلام - إياهم: مؤمنين، ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد، وقد بينا جهة الاتحاد في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً... (٣٧) أي: تركنا في قريات لوط - عليه السلام - التي أهلكتها آية وعبرة لمن بعدهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، أي: إنكم لتمرون على أُولَئِكَ الذين أهلكوا أو عذبوا بالليل والنهار، تعلمون أنهم بم أهلكوا؟ وبم عذبوا؟ بالتكذيب والعناد، والذين نجوا إنما نجوا بالتصديق والإسلام، وذلك آية لمن بعدهم.
ثم قال: (لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) أي: يكون ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم، وهم المؤمنون، أي: هم المنتفعون بها، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).
فيما ذكر من قصة موسى، ولوط، وقصة إبراهيم، وقصة هود، وثمود، وهذه الأشياء تفسير لقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)، ثم الآيات في الأرض
الذاريات 51:35
الآية ٣٥ و٣٦ وقوله تعالى :﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ : قوله :﴿فيها﴾ كناية عن قرية لوط، وقوله :﴿غير بيت من المسلمين﴾ هو مُنزل لوط عليه السلام دلت تسمية الملائكة عليهم السلام إياهم مؤمنين ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد، وقد بيّنا جهة الاتّحاد بينهما في غير موضع.
الذاريات 51:36
الآية ٣٥ و٣٦ وقوله تعالى :﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ : قوله :﴿فيها﴾ كناية عن قرية لوط، وقوله :﴿غير بيت من المسلمين﴾ هو مُنزل لوط عليه السلام دلت تسمية الملائكة عليهم السلام إياهم مؤمنين ومسلمين على أن الإسلام والإيمان واحد، وقد بيّنا جهة الاتّحاد بينهما في غير موضع.
الذاريات 51:37
الآية ٣٧ وقوله تعالى :﴿وتركنا فيها آية﴾ أي تركنا في قريات لوط عليه السلام التي أهلكنا آية وعبرة لمن بعدهم، وهي(١) ما ذكر في آية أخرى :﴿وإنكم لتمُرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ [ الصافات : ١٣٧ و١٣٨ ] أي إنكم لتمرّون على أولئك الذين أهلكوا، وعُذّبوا، وبالليل والنهار ؛ فتعلمون(٢) أنهم لمَ(٣) أُهلكوا ؟ ولمَ(٤) عُذّبوا ؟ بالتكذيب والعناد.
والذين نجوا إنما نجوا بالتصديق والإسلام ؛ وذلك آية(٥) لمن بعدهم.
وقوله(٦) تعالى :﴿للذين يخافون العذاب الأليم﴾ أي يكون ذلك آية للذين يخافون العذاب الأليم، وهم المؤمنون أي هم المنتقون بها.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: وثم..
٤ في الأصل وم: وثم..
٥ في الأصل وم: إنهم..
٦ في الأصل وم: ثم قال..
الذاريات 51:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين﴾ في ما ذُكر من قصة موسى ولوطا وقصة إبراهيم عليه السلام وقصة هود وثمود، وهذه الأشياء تفسير لقوله تعالى :/٥٣١-ب/ ﴿وفي الأرض آيات للموقنين﴾ [الذاريات: ٢٠]. ثم الآيات في الأرض من وجهين :
أحدهما : في ما خلق في الأرض من الخلائق.
والثاني : في ما في الأرض من أنباء السّلف وأخبارهم من مكذّبي الرسل ومصدّقيهم أي في إهلاك من أُهلك من مكذّبيهم ونجاة من نجا من مصدّقيهم آيات لمن ذكر.
فهذه الأنباء والقِصص التي ذُكرت ههنا تفسير لقوله تعالى :﴿وفي الأرض آيات للموقنين﴾.
الذاريات 51:39
من وجهين:
أحدهما: فيما خلق في الأرض من الخلائق.
والثاني: فيما في الأرض من أنباء السلف وأخبارهم من مكذبي الرسل ومصدقيهم، أي: في هلاك من هلك من مكذبيهم، ونجاة من نجا من مصدقيهم آيات لمن ذكر، فهذه الأنباء والقصص التي ذكرت هاهنا تفسير لقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ... (٣٩) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: فتولى هو وركنه، وهم جنوده وقومه عن اتباع موسى - عليه السلام - وما يدعوهم إليه.
والثاني: فتولى هو بقوة ركنه، وهم قومه، أي: تولى عن الحق واتباع موسى - عليه السلام - بقوة قومه ومعونتهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
سماه: ساحرًا بما أتى من الآيات المعجزة، وقومه إنما يعرفون وصف السحر على هذا الوجه، فسماه بذلك وإن أيقن هو أن مثل ذلك الفعل لا يكون سحرًا؛ تمويها على قومه، وسماه مجنونًا؛ لما خاطر بنفسه بمخالفته، مع علمه أن همته القتل لمن خالفه في دينه وملكه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠).
وهذا يدل على أن تأويل قوله تعالى: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي: تولى هو، وتولى قومه وجنوده.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُلِيمٌ)، أي: يلام عليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُلِيمٌ)، أي: هو مذموم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هو مذنب.
ثم دل قوله تعالى: (فَنَبَذْنَاهُمْ) على أن لله تعالى في أفعال العباد صنعا؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه، وهم الذين دخلوا في اليم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي عَادٍ... إذ أرسلنا (٤١).
أي: في أمر عاد بينة وآية وعبرة للمؤمنين؛ كقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)، أي أهلكوا بالريح، وقد بلغ من
الذاريات 51:40
الآية ٤٠ وقوله تعالى :﴿فأخذناه وجنوده﴾ هذا يدلّ على أن تأويل قوله تعالى :﴿فتولّى برُكنه﴾ أي تولّى هو، وتولّى قومه وجُنوده.
وقوله تعالى :﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمّ وهو مُليم﴾ قال بعضهم :﴿مُليم﴾ أي يُلام عليه، وقال بعضهم : أي مذموم. وقال القتبيّ : هو مُذنب.
ثم دلّ قوله :﴿فنبذناهم﴾ على أن لله تعالى في أفعال العباد صُنعا حين(١) أضاف ذلك إلى نفسه، وهم الذين دخلوا في اليمّ.
١ في الأصل وم: حيث..
الذاريات 51:41
الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿وفي عادٍ إذ أرسلنا﴾ أي في أمر عاد بيّنة وآية وعبرة للمؤمنين كقوله تعالى :﴿وفي الأرض آيات للموقنين﴾ [الذاريات: ٢٠].
وقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ أي أُهلكوا بالريح.
وقد بلغ من عُتُوّهم أن قالوا :﴿من أشد منا قوة﴾ [فصلت: ١٥] فأذلّهُم الله تعالى حتى خَضَعوا لأضعف شيء، وأخافهم منه، وهي الأصنام التي عبدوها حتى خوّفوا، وقالوا :﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ [هود: ٥٤] وذلك غاية الذُّل والهوان : أن خافوا من أضعف شيء وأعجزه بعد ما بلغ من عتوّهم وتمرّدهم أن قالوا :﴿من أشدّ منا قوة﴾ [فصلت: ١٥].
وقوله تعالى :﴿الريح العقيم﴾ قال أبو عوسجة : تفسيرها ما ذكر في الآية [ التالية ](١) :﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرّميم﴾.
وقال غيره : العقيم، هو الذي لا خير فيه، ولا بركة، أي عقِمَت عن الخيرات، ولذلك يقال للمرأة التي لا تلد والرجل الذي لا يولد له : العقيم لما أنه ليس منهما منفعة الولد ولا بركته، فعلى ذلك الريح العقيم، أي لا منفعة فيها ولا بركة.
فأما للمؤمنين فهي نافعة حين(٢) أهلكت أعداءهم، ولم تُهلِكهم. وفي ذلك تطهير الأرض من نجاسة الكفر.
وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال :[ نُصرت بالصّبا، وأُهلكت عاد بالدّبور ] [ البخاري ١٠٣٥ ].
وقيل : الريح العقيم هي الدبور، وهي التي لا تُلقح الأشجار والسحاب والنبات.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أيضا حيث..
الذاريات 51:42
عتوهم أن قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، فأذلهم اللَّه تعالى حتى خضعوا لأضعف شيء، وأخافهم منه، وهي الأصنام التي عبدوها، حتى خوفوه وقالوا: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)، وذلك غاية الذل والهوان، أن خافوا من أضعف شيء وأعجزه، بعدما بلغ من عتوهم وتمودهم أن قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً).
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرِّيحَ الْعَقِيمَ).
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: تفسيرها ما ذكر في الآية: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ).
وقال غيره: العقيم هو الذي لا خير فيه ولا بركة؛ أي: عقمت عن الخيرات؛ ولذلك يقال للمرأة التي لا تلد، والرجل الذي لا يولد له: العقيم؛ لما أنه ليس منهما منفعة الولد ولا بركته؛ فعلى ذلك الريح العقيم، أي: لا منفعة فيها ولا بركة؛ فأما للمؤمنين، فهي نافعة - أيضًا - حيث أهلكت أعداءهم ولم تهلكهم، وفي ذلك تطهير الأرض عن نجاسة الكفر.
وفي الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور ".
وقيل: (الرِّيحَ الْعَقِيمَ): هي الدبور، وهي التي لا تلقح الأشجار والسحاب والنبات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢).
أي: ما تذر من شيء أتت عليه، وأمرت هي بإهلاكه، وأذن لها بذلك، إلا جعلته كالرميم؛ ألا ترى أنها أتت على أشياء لم تهلكها، وقد سلم - عليه السلام - وقومه من المؤمنين، وإلى أنهم لما رأوها من بعد قالوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)، فقال هود - عليه السلام - (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وما ذكر (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)، أخبر أنها قد أبقت مساكنهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، أي: تدمر كل شيء أمرت وأذن لها بالتدمير؛ ليعلم أنها كانت تعمل بالأمر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣).
أي: وفي أمر ثمود وإهلاكهم أيضًا آية وحجة للمؤمنين.
ثم ذكر عتوهم وتمردهم (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ)، وهو الثلاثة أيام التي ذكرت في
الذاريات 51:44
آية أخرى، فقال: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)، يخبر أن كان قد بلغ عتوهم أن قد أجلوا ثلاثة أيام لنزول العذاب بهم، فلم يمنعهم ذلك عن عتوهم، ولم ينجع فيهم، وقومك يا مُحَمَّد؛ حيث لم نذكر لعذابهم وقتا ولا أجلا أحق ألا ينجع فيهم ما توعدهم به، ولا ينفعهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ... (٤٤).
أي: عما أمروا بطاعة ربهم، والعتو: هو البلوغ في البأس والقساوة غايته؛ كقوله تعالى: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)، أي: [يابسًا].
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
أي: إلى الصاعقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ما استطاعوا في الانتصار لعذاب اللَّه والقيام له.
والثاني: ما استطاعوا من دفع العذاب عن أنفسهم، لا بأنفسهم، ولا بغيرهم، (وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) بالأنصار والأعوان، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ... (٤٦).
أي: في أمر نوح - عليه السلام - من قبل هَؤُلَاءِ وإهلاكهم آية بينة وحجة للمؤمنين؛ على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) ظاهر.
* * *
قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ).
أي: خلقناها بقوة، (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي: لقادرون.
وجائز أن يكون الموسع: الواجد؛ كقوله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ)، أي: على الواجد الموسر قدره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) في التدبير، تدبير جميع الخلق عليهم أرزاقهم.
الذاريات 51:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿فما استطاعوا من قيامٍ وما كانوا منتصرين﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي ما استطاعوا من الانتصاب لعذاب الله تعالى والقيام له.
والثاني : ما استطاعوا من دفع العذاب عن أنفسهم لا بأنفسهم ولا بغيرهم ﴿وما كانوا منتصرين﴾ بالأنصار والأعراف، والله أعلم.
الذاريات 51:46
الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿وقوم نوح من قبل﴾ هؤلاء وإهلاكهم : آية بينة وحجة للمؤمنين على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ ظاهر.
الذاريات 51:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿والسماء بنيناها بأييْدٍ﴾ أي خلقناها بقوة ﴿وإنا لموسعون﴾ أي لقادرون.
وجائز أن يكون الموسِع الواحد كقوله تعالى :﴿على الموسع قَدَرُه﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي على الواجد الموسر قدرُه. وقال بعضهم :﴿وإنا لموسعون﴾ في التدبير تدبير جميع الخلق [ وهو قول أبي بكر الأصمّ، والله أعلم، ويحتمل :﴿إن لموسعون﴾(١) عليهم أرزاقهم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:48
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨).
أي: بسطناها ومهدناها (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) لكم الأرض؛ حيث مهدها لكم مبسوطة مفترشة تجدونها كذلك ما كانوا وأينما كانوا، من غير تكلف، ويستعملونها كيف شاءوا في أي منفعة شاءوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ... (٤٩).
قَالَ بَعْضُهُمْ: صنفين من الحيوان؛ فإنه خلقهم ذكرًا وأنثي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (زَوْجَيْنِ)، أي: لونين، نحو أبيض وأسود، وأحمر وأصفر.
والأول قول الزجاج، والثاني قول الْقُتَبِيّ.
وأصله: أنه يخرج على وجهين:
أحدهما: (زَوْجَيْنِ)، أي: شكلين، فيعلمون ببعضه بعضًا، أو ضدين فيناقض بعضه بعضا، واللَّه - سبحانه وتعالى - ليس بذي شكل، ولا ذي ضد؛ فيدل ما أنشأ من الأضداد والأشكال على وحدانيته وألوهيته.
والثاني: خلق الأشياء مختلفين متضادين؛ ليدل على إيجاب المحن عليهم من نحو عسر ويسر، وغناء وحاجة، وخير وشر؛ ليمتحنهم على اختلاف الأحوال وتضادها؛ فيرغبهم في كل مرغوب، ويحذرهم عن كل مرهوب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
أي: تذكرون آيات وحدانيته وألوهيته.
أو تذكرون -باختلاف الامتحان- البعث، والثواب، والعقاب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) يحتمل وجوها:
قَالَ بَعْضُهُمْ: ففروا إلى توحيد اللَّه من الشرك به؛ دليله قوله على إثره: (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) وهو قول أبي بكر الأصم.
ويحتمل (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) أي: ففروا إلى ما دعاكم اللَّه تعالى إليه عما نهاكم عنه؛ كقوله سبحانه: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)، أي: ففروا إلى الأعمال الصالحة من الأعمال القبيحة.
ويحتمل: ففروا إلى ما وعد لكم من الثواب عما أوعد لكم من العقاب؛ أي: فروا إلى ثواب اللَّه عن نقمته وعقابه.
الذاريات 51:49
الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ قال بعضهم : صنفين من الحيوان، فإنه خلقهم ذكرا وأنثى، وقال بعضهم :﴿زوجين﴾ أي لونين نحو أبيض وأسود وأحمر وأصفر، والأول قول الزّجّاج، والثاني قول القتبيّ.
وأصله أنه يخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿زوجين﴾ أي شكلين، فيُعلِم بعضه بعضا، أو ضدّين فيناقض بعضه بعضا، والله سبحانه وتعالى ليس بذي شكل ولا بذي ضدّ. فيدلّ ما أنشأ من الأضداد والأشكال على وحدانيتة وألوهيّته.
والثاني : خلق الأشياء [ صنفين ](١) مختلفين متضادّين ليدلّ على إيجاب المِحن عليهم من نحو عُسرٍ ويُسرٍ وغنى وحاجة وخير وشر ليمتحنهم على اختلاف الأحوال وتضادّها، فيُرغّبهم في كل مرغوب، ويحذّرهم عن كل محذور، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لعلّكم تذكّرون﴾ أي تذكرون آيات وحدانيته وألوهيته، أو تذكرون باختلاف الامتحان البعث والثواب والعقاب، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم.
.
الذاريات 51:50
الآية ٥٠ وقوله تعالى :﴿ففرّوا إلى الله﴾ يحتمل وجوها :
قال بعضهم : ففرّوا إلى توحيد الله من الشرك به، دليله قوله على إثره ﴿ولا تجعلوا مع الله إلها آخر﴾ وهو [ قول ](١) أبي بكر الصمّ.
ويحتمل : ففرّوا إلى ما دعاكم الله تعالى عما نهاكم عنه كقوله سبحانه وتعالى :﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] أي ففرّوا إلى الأعمال الصالحة من الأعمال القبيحة.
ويحتمل : ففرّوا إلى ما وعدكم الله تعالى من الثواب عما أوعد لكم من العقاب /٥٣٢-أ/ أي فرّوا إلى الله من نقمته وعقابه.
ويحتمل : ففرّوا إليه في جميع حوائجكم، ولا تطلبوا شيئا من ذلك من غيره، فإنه، هو القادر عليها حقيقة فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في الحوائج وقطع الطّمع عن غيره، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ يحتمل وجوها.
يحتمل أي نذير لمن عبد دونه، أو سمّى دونه إلها ﴿مبين﴾ آيات ألوهيّته ووحدانيّته.
ويحتمل ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ لما يقع لكم به النّذارة والبشارة.
وقال أبو بكر الأصمّ :﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ بما نزل بمكذّبي الرسل بتكذيبهم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:51
ويحتمل: ففروا إليه في جميع حوائجكم، ولا تطلبوا شيئًا من ذلك من غيره؛ فإنه هو القادر عليها حقيقة؛ فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في الحوائج، وقطع الطمع عن غيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) يحتمل وجوها: يحتمل: إني نذير لمن عبد دونه، أو سمى دونه إلها، (مُبِينٌ) آيات ألوهيته ووحدانيته.
ويحتمل: إني لكم منه نذير مبين؛ لما يقع لكم به النذارة والبشارة.
وقال أبو بكر الأصم: إني لكم منه نذير مبين بما نزل بمكذبي الرسل بتكذيبهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١).
أي: لا تسموا مع ألوهية اللَّه تعالى لأحد دون اللَّه: ألوهية، ولا تسموا دون اللَّه: إلها.
أو يقول: لا تعبدوا دون اللَّه إلها آخر؛ أي: معبودا آخر؛ فإنه لا يستحق دون اللَّه أحد للعبادة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) قد ذكرناه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) لم يذكر في هذا الموضع القول منهم: إنهم قالوا للرسول: إنك ساحر أو مجنون، ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره، لكن ما ذكر أن أوائلهم كانوا يقولون لرسلهم ذلك - دلالة أنهم قد قالوا: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ حيث قال: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) يصبر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون؛ كقوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
قال أبو بكر الأصم: إنما قالوا: ساحر أو مجنون؛ لأن السحر والجنون عندهم واحد؛ كقول فرعون لموسى - عليه السلام - لما أتى به من الآيات: (إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا)؛ فلذلك قالوا مرة: ساحر، ومجنون مرة.
ولكن هذا فاسد؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسحر عندهم واحدًا؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته، والمجنون هو الذي بلغ في الجهل غايته، ونسبوهم إلى السحر؛ لما أتى لهم من الآيات ما عجز الناس عن إتيان مثلها، وقد عرفوا هم أنها آيات -أعني: رؤساءهم وأئمتهم- لكن قالوا: إنها سحر؛ على إرادة التلبيس
الذاريات 51:52
الآية ٥٢ وقوله تعالى :﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ لم يذكر في هذا الموضع القول منهم : إنهم قالوا للرسول عليهم السلام : إنك ساحر أو مجنون. ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره، لكن ما ذكر أن أوائلهم كانوا يقولون لرُسلهم ذلك دلالة أنهم قد قالوا : إنه ساحر وإنه مجنون، حين(١) قال :﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ يصبّر رسوله ﷺ على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السّحر أو الجنون كقوله تعالى :﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥] وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿ساحر أو مجنون﴾ قال أبو بكر الأصمّ : إنما قالوا : ساحر أو مجنون لأن السّحر والجنون عندهم واحد كقول فرعون لموسى عليه السلام لما أتى به من الآيات :﴿إني لأظنك يا موسى مسحورا﴾ [الإسراء: ١٠١] فلذلك قالوا مرة : ساحر، ومجنون مرة.
ولكن هذا فاسد ؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسّحر عندهم واحدا لأن الساحر، هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته، والمجنون هو الذي بلغ في الجهل غايته.
[ ونُسبوا رُسلَهم ](٢) إلى السحر [ لما أتَوا ](٣) لهم من الآيات ما عجِز الناس عن إتيان مثلها، وقد عرفوا هم أنها آيات ؛ أعني رؤساءهم وأئمّتهم. لكن قالوا : إنها [ سحر ](٤) على إرادة التلبيس على الأتباع والعامة لما عند الناس أن لا كل أحد يقدر على إتيان السحر، فقالوا : إنهم سحرة للرسل لهذا.
وإنما نسبوهم إلى الجنون لما أنهم خالفوا الفراعنة والأكابر الذين كان همُّهم القتل وإهلاك من خالفهم في المذهب والأمر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: ونسبوهم..
٣ في الأصل: إلى أتى، في م: لما أتى..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الذاريات 51:53
على الأتباع والعامة؛ لما عند الناس أن لا كل أحد يقدر على إتيان السحر، فقالوا: إنهم سحرة للرسل لهذا؛ وإنما نسبوهم إلى الجنون لما أنهم خالفوا الفراعنة والأكابر الذين كانت همتهم القتل وإهلاك من خالفههم في المذهب والأمر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣).
أي: أوصى أوائلهم أواخرهم في تسميتهم الرسل - عليهم السلام -: سحرة ومجانين؛ وأن يوافق بعضهم بعضا في نسبتهم الرسل إلى السحر والجنون، أي: لم يزل الكفرة يقولون لرسلهم ذلك.
ويحتمل أن يكون ذلك على التمثيل، لا على حقيقة القول منهم؛ لما كان اجتماعهم لأجل هذا القول في كل وقت؛ فصار ذلك الاجتماع منهم كالتواصي من بعضهم لبعض، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ).
يخبر أنهم لا عن جهل وشبهة قالوا: إنهم سحرة، ولكن عن طغيان، وتعدي [حد الله]- عَزَّ وَجَلَّ - والمجاوزة له؛ لأن الطاغي؛ هو المجاوز عن الحد الذي جعل له، والمتعدي عنه.
وقوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤).
قال بعض أهل التأويل: لما نزل هذا خاف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضي الله عنهم - أنه ينزل بهم العذاب حتى نزل قوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).
لكن عندنا يخرج قوله - تعالى -: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) على وجهين:
أحدهما: أي: تولَّ عنهم، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ فإن اللَّه تعالى سيكفيهم عنك، ويجازيهم مجازاة إساءتهم.
والثاني: يأمره بالإعراض والتولي عن قوم علم اللَّه تعالى أنهم لا يؤمنون؛ يؤيسه عن - إيمانهم، ويقول: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون لك ولا يصدقونك، ولكن اشتغل بمن ترجو منه الإيمان، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة الأمر، ولكن على التخيير؛ أي: لك أن تتولى عنهم وتعرض؛ فإنك قد بلغت، وأعذرت في التبليغ والدعاء غايته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ).
جائز أن يكون المراد من نفي الشيء إثبات مقابل ذلك الشيء وضده؛ كقوله تعالى: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، ذكر الربح، والمراد: إثبات الخسران؛ كأنه قال:
الذاريات 51:54
الآية ٥٤ وقوله تعالى :﴿فتولّ عنهم فما أنت بملُومٍ﴾ قال بعض أهل التأويل : لما نزل هذا خاف رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عنهم أن ينزل بهم العذاب حتى نزل قوله تعالى :﴿وذكّر إن الذكرى تنفع المؤمنين﴾.
لكن عندنا يخرّج قوله تعالى :﴿فتولّ عنهم فما أنت بملُوم﴾ على وجهين :
أحدهما :﴿فتولّ عنهم﴾ فأعرض، ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم : إنه ساحر وإنه مجنون، فإن الله تعالى سيُكفيهم عنك، ويجازيهم مجازاة إساءتهم.
والثاني : يأمره بالإعراض والتولّي عنهم عن قوم، علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون ؛ يُؤيِسه عن إيمانهم، ويقول(١) : لا تشتغل بهم، فإنهم لا يؤمنون لك، ولا يصدّقونك، ولكن اشتغل بمن ترجو منه الإيمان، والله أعلم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة الأمر، ولكن على التخيير، أي لك أن تتولّى عنهم، وتُعرض، فإنك قد بلغت، وأعذرت في التبليغ والدعاء غايته، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فما أنت بملوم﴾ جائز أن يكون المراد من نفي الشيء إثبات مقابل ذلك الشيء وضدّه كقوله :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦] [ نفى عن تجارتهم ](٢) الربح، والمراد إثبات الخسران، كأنه قال :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ بل خسِرت. فعلى ذلك جائز قوله :﴿فما أنت بملوم﴾ بل بمحمود، والله أعلم.
وقال أبو بكر الأصمّ :﴿فما أنت بملوم﴾ لأنه قد بلّغ الرسالة وما أُمر بتبليغه إلى الخلق، وقال بأمره، ونصح خلقه، وخفض جناحه لهم، فكيف تُلام ؟ أي ما أنت بالذي تُلام على صنيعك وعلى فعلك، وإن كان بعض الناس يلومك، وهم الكفار.
وفيه دلالة الحفظ والعِصمة له عن الزَّيغ والزّلاّت، إذ لو كان بالذي يحتمل الزّيغ والزّلّة لكان يحتمل الملامة، فدلّ أنه لا يحتمل الزّيغ والعدول عن الحق.
١ من م، في الأصل: ويقولون..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
الذاريات 51:55
فما ربحت تجارتهم؛ بل خسرت؛ فعلى ذلك جائز قوله: (فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) بل بمحمود، واللَّه أعلم.
وقال أبو بكر الأصم: (فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)؛ لأنه قد بلغ الرسالة، وما أمر بتبليغه إلى الخلق، وقام بأمره ونصح خلقه، وخفض جناحه لهم، فكيف يلام؟! أي: ما أنت بالذي تلام على صنيعك وعلى فعلك، وإن كان بعض الناس يلومك، وهم الكفار.
وفيه دلالة الحفظ والعصمة له عن الزيغ والزلات؛ إذ لو كان بالذي يحتمل الزيغ والزلة، لكان يحتمل الملامة؛ فدل أنه لا يحتمل الزيغ والعدول عن الحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥).
جائز أن يكون الأمر بالتذكير للكل، ثم أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين، لا الكل.
وجائز: فذكر المؤمنين؛ فإن منفعة الذكرى لهم، ولمن أنصف، دون المكابرين المعاندين، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
إن كان المراد من ذكر العبادة: حقيقة العبادة فيخرج تأويله على وجهين:
أحدهما: جوابا لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة ويمتحنون بها، فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي: خلقهم على معرفة المحاسن والمساوئ، والتمييز بين ما يؤتى وما يتقى بما ركب فيهم من أسباب التمييز والمعرفة، لا يتركهم سدى مهملين؛ بل لامتحانهم بالعبادة، والقيام بشكر ما أنعمت عليهم من أنواع النعم؛ إذ الحكمة توجب ذلك، وتدفع تركهم سدى هملا، واللَّه أعلم.
والثاني: خرج جوابا لمن يرى العبادة دونه جائزا؛ لقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، لم أخلقهم لعبادة غيري، أو لآمرهم بعبادتي، لا لآمرهم بعبادة غيري؛ كما قاله بعض الكفرة بقولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)؛ ردًّا ونقضا لاعتقادهم، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) على حقيقة العبادة؛ لوجهين:
أحدهما: على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها على العموم، بل على الخصوص، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم؛ فإنه لا يجوز أن يخلق الكفرة الذين علم منهم: أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ إذ خلقه، عن اختيار وإرادة، فإذا خلقهم وأراد منهم العبادة لابد أن توجد منهم، وقد علم منهم أنه لا توجد؛ فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا محال؛ فدل أن المراد منه الخصوص، وقد خص منه البعض بلا خلاف؛ فإن الصغار والمجانين قد خصوا، بأنه لا يتحقق منهم العبادة؛ فجائز أن يخص منه الكفرة الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي: ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة والتوحيد.
وهذا التأويل أقرب إلى العمل بالعموم؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن والإنس دون الصغار والمجانين.
ويجوز أن يأمر بشيء ولا يريد تحصيل المأمور به، وصيرورة المأمور مطيعًا له؛ بل يريد أن يصير عاصيا فيدخل النار، بخلاف إذا خلقه للعبادة وأرادها منه لا يجوز ألا توجد، وحقيقة هذا تعرف في كتاب التوحيد: أنه خلق الإيمان والعبادة؛ إن علم منه أنه يعبد ويختار العبادة له، فأما من علم منه اختيار الضلال والغواية، وصرف العبادة إلى غيره، فإنه خلقه على ما علم منه أنه يختار ويفعل؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ...) الآية.
وقال قائلون: لم يرد بقوله تعالى: (لِيَعْبُدُونِ) حقيقة العبادة التي، هي فعل العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه: وما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إليَّ، والقيام بالشكر لي فيما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأملوا فيها ونظروا، تدلهم على ما ذكرنا من العلم بالوحدانية لي، والقيام بالعبادة والشكر، واللَّه أعلم.
وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها؛ لأن خلقة كل أحد منهم على أي وصف كان دلالة ما ذكرنا، واللَّه الموفق.
ويحتمل أيضًا: وما خلقت الجن والإنس إلا على خلقة تصلح للمحنة بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولتحقيق فعل ذلك بما ركب فيهم العقل، وجعل مفاصلهم لينة، قابلة الأفعال، تصلح للخدمة: من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ونحوها، على خلاف غير هَؤُلَاءِ من المخلوقات؛ فإنها خلقت على خلقة تصلح لمنافع الممتحنين، لا على وجه يصلح للمحنة، واللَّه أعلم.
ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)؛ حيث لم يجز
الذاريات 51:56
الآية ٥٦ وقوله تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونِ﴾ إن كان المراد من ذكر العبادة حقيقة العبادة فيُخرّج تأويله على وجهين :
أحدهما : جوابا لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة، ويُمتحنون بها، فقال :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ما خلقتُهم على معرفة المحاسن والمساوئ والتمييز بين ما يُؤتى وما يُتّقى بما رُكّب فيهم من أسباب التمييز والمعرفة لأترُكهم سُدىً مهملين، بل لأمتحنهم بالعبادة والقيام بشكر ما أنعمت عليهم من أنواع النّعم ؛ إذ الحكمة توجب ذلك، وتدفع تركهم سدى هَمَلاً والله أعلم.
والثاني : يخرّج جوابا لمن يرى لعبادة دونه جائزة بقولهم :﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زُلفى﴾ [الزمر: ٣] فقال :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ لم أخلقهم لعبادة غيري ؛ بل(١) لآمرهم بعبادتي، لا لآمرهم بعبادة غيري كما قال بعض الكفرة بقولهم :﴿والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] ردّا ونقضا لاعتقادهم، والله أعلم.
ثم قوله :﴿إلا ليعبدون﴾ على حقيقة العبادة [ يحتمل ](٢) وجهين :
أحدهما : على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية محمولا بها على العموم، بل على الخصوص، وهم من الجن والإنس دون الكفرة منهم، فإنه لا يجوز أن يخلُق الكفرة الذين علم منهم أنهم لا يؤمنون للعبادة ؛ إذ خلقُه عن اختيار وإرادة. فإذا خلقهم، وأراد منهم العبادة، لابدّ أن يوحّد [ بعض ](٣) منهم، وقد علم أنه يوحّد، فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا(٤) محال.
فدلّ أن المراد منه الخصوص، وقد خصّ منه البعض بلا خلاف ؛ فإن الصغار والمجانين قد خُصّوا فإنه لا تتحقّق منهم العبادة. فجائز أن يخصّ منه الكفرة الذين علم أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.
[ والثاني ](٥) : يحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي ما خلقتُهم إلا لآمركم بالعبادة والتوحيد. وهذا أقرب إلى العمل بالعموم ؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن والإنس دون الصغار والمجانين.
ويجوز أن يأمر بشيء /٥٣٢-ب/ ولا يريد تحصيل المأمور به وصيرورة المأمور مطيعا له، بل يريد أن يصير عاصيا، فيُدخَل النار بخلاف ما إذا خلقه للعبادة وإرادة منه، فلا يجوز ألا يوحّد، وحقيقة هذا تُعرف في كتاب التوحيد أنه خلق للإيمان والعبادة من علم منه [ أنه يعبده ](٦) ويختار العبادة له.
فأما من علم منه اختيار الضلال والغواية وصرف العبادة إلى غيره فإنه خلقه على علم منه أنه يختار، ويفعل لقوله تعالى :﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩].
وقال قائلون : لم يرد بقوله :﴿إلا ليعبدون﴾ حقيقة العبادة التي هي فعل العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه : ما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إليّ والقيام بالشكر لي في ما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأمّلوا فيها، ونظروا لدلّهم على ما ذكرنا من العلم بالوحدانية لي والقيام بالعبادة والشكر، والله أعلم.
وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها، لأن خلقة كل أحد منهم على أيّ وصف كان دلالة ما ذكرنا، والله الموفّق.
ويحتمل أيضا :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ إلا على خِلقة تصلُح للمحنة بالأمر والنهي والوعد والوعيد ولتحقيق فعل ذلك بما ركّبت فيهم العقل، وجعلت مفاصلهم ليّنةً وقابلةً الأفعال، تصلح للخدمة من الركوع والسجود والقيام والقعود ونحوها على خلاف غير هؤلاء من المخلوقات، فإنها خُلقت على خلقة تصلح لمنافع الممتحَنين لا على وجه يصلح للمحنة، والله أعلم.
ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة وغير ذلك من الأفعال كقوله تعالى :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠] حين(٧) لم يُجز العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة والتعظيم وغير ذلك من الأفعال [ لرسوله ](٨) لقوله تعالى :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾.
دلّ أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره، لذلك وقعت الخصوصيّة له، ولذلك خصّ نفسه بتسمية الإله، ولم يُجِز التسمية به لغيره، إذ الإله عنده معبود، فكل معبود عندهم يسمّونه إلها، وذلك كما خصّ نفسه بتسمية الرحمان، لم يجعل تلك(٩) لغيره، وأجاز(١٠) تسمية غيره رحيما لما أن في اسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خصّ نفسه بتسمية الخالق(١١)، ولم يُجز هذا الاسم لغيره لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة في الأصل وم..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وعدا..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: أن يبعد..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: لذلك..
١٠ في الأصل وم: وجاز..
١١ في الأصل وم: خالقا..
الذاريات 51:57
العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة، والتعظيم، وغير ذلك من الأفعال؛ كقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، دل أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره؛ لذلك وقعت الخصوصية له؛ ولذلك خص نفسه بتسمية: الإله، لم يجز التسمية به لغيره؛ إذ الإله عندهم: معبود، فكل معبود عندهم يسمونه: إلها، وذلك كما خص نفسه بتسمية: الرحمن، لم يجعل ذلك لغيره، وجاز تسمية غيره: رحيما؛ لما أن في اسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خص نفسه بتسميته: خالقا، ولم يجز هذا الاسم لغيره؛ لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧).
قال عامة أهل التأويل: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أن يطعموا أحدا من خلقي، إنما عليَّ رزقهم وإطعامهم؛ كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).
ويحتمل: ما أريد منهم أن يرزقوا من لا يقوم بأسباب الرزق وأن يطعموهم؛ إذ ذلك عليَّ، وإنَّمَا أريد منهم العبادة.
أو الأمر بالعبادة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنهم لم ينشئوا لأُولَئِكَ الذين لم يجعل لهم المكاسب وأسباب الرزق من الدواب؛ بل هن أنشئن لأجلهم رزقًا ومتعة، واللَّه أعلم.
ْويحتمل أن يكون على الإضمار؛ على ما قَالَ بَعْضُهُمْ، أي: قل يا مُحَمَّد: ما أريد منكم فيما أدعوكم إليه من أجر، وما أريد أن تطعمون؛ فيثقل عليكم الإيمان.
ويحتمل: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)؛ أخبار أنه لم يخلقهم لحاجة له في خلقهم من الرزق والإطعام منهم؛ لما أقام من دلالات تبرئه عن الحوائج، وعن الرزق والطعام، وإنما خلقهم للأمر، والنهي، والامتحان - رجعت منافع ذلك إليهم، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أن الأسباب والمكاسب التي بها يرزقون، ويصلون إلى الانتفاع بها، هي فعل اللَّه تعالى وله فيها صنع، صار بذلك رازقًا، لولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك، وإن كان الخلق هم الذين يكسبون ويعملون تلك الأسباب والمكاسب، فلما أضيف إليه الرزق؛ لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم، واللَّه أعلم؛ فيكون في هذا دليل على أن
الذاريات 51:58
الآية ٥٨ وقوله تعالى :﴿إن الله هو الرّزّاق ذو القوة المتين﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن الأسباب التي بها يُرزقون، ويصلون إلى الانتفاع بها، هي فعل الله تعالى، وله فيها صُنعٌ ؟ صار بذلك رازقا، لولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك، وإن كان الخلق هم الذين يكدّون(١)، ويعملون تلك الأسباب والمكاسِب. فإنما(٢) أُضيف إليه الرّزق لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم، والله أعلم.
فيكون في هذا دليل أن لله صنعا في أفعال العبد، وهو الخلق والإنشاء حين(٣) سمّى نفسه رازقا، وهم يُرزقون بتلك المكاسب والأسباب أكثرها أو عامّتها(٤) بأفعالهم.
دلّ أن له فيها صنعا حتى تصحّ إضافة ذلك إليه وتسميّته رازقا، ولا يجوز هذا الاسم لغيره، والله أعلم.
والثاني : يحتمل إضافة الرزق إليه لأنه يرزقُهم بما جعل في تلك الأسباب والمكاسب من اللّطف لا بأنفس(٥) الأسباب لأنهم يزرعون، ويطرحون البذر فيها، فيهلك ذلك فيها، وكذلك يسقون الأرض، ويهلك ذلك الماء فيها.
ثم إن الله تعالى جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلها فيه.
وكذلك ما جعل فيه من الصّلاح والنضج والطبخ وما يرجع إلى الإصلاح لذلك والأكل والمضغ والابتلاع ونحو ذلك، ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه من القوة ما ينشر في البدن والأطراف قوة، فتبقى(٦) بتلك القوة فيه(٧) الحياة والبقاء لا بنفس الرّزق، وهو ما وصف الله عز وجل [ نفسه بقوله :](٨) ﴿ن الله هو الرّزّاق ذو القوة المتين﴾ بتلك القوة يحيون، وبها يبقون.
ثم قوله تعالى :﴿المتين﴾ هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف القوة بالمتانة. فأما الله سبحانه وتعالى لا يوصف بها، ولا يوصف أنه متين، وهو كقوله : عز وجل :﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥] [ وصف العرش بالمجد ](٩) والعرش غيره.
فعلى ذلك القوة التي جعلها في ما ذكرنا غيره، ويجوز أن يوصف بما ذكرنا من المتانة، وهي القوة التي لا يملكها الخَلْق، ولا يُدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم :﴿ذو القوة المتين﴾ أي ذو البطش الشديد في ما أهلك الأمم الخالية، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يكتبون..
٢ في الأصل وم: فلما..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ عامتهم..
٥ من م، في الأصل: أنفس..
٦ في الأصل وم: فيبقوا..
٧ في الأصل وم: في..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
الذاريات 51:59
لله تعالى صنعا في أفعال العبد وهو الخلق والإنشاء؛ حيث سمى نفسه: رازقا، وهم يرزقون بتلك المكاسب والأسباب، وأكثر أرزاقهم بأفعالهم، دل أن له فيها صنعا؛ حتى تصح إضافة ذلك إليه وتسميته: رازقًا، ولا يجوز هذا الاسم لغيره، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل الإضافة إليه؛ لأنه يرزقهم بما جعل في تلك الأسباب والمكاسب من اللطف لا بأنفس الأسباب؛ لأنهم يزرعون ويطرحون البذر فيها، فيهلك ذلك البذر، فيها، وكذلك يسقون الأرض، ويهلك ذلك الماء فيها.
ثم إن اللَّه تعالى جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلت فيه، وكذلك ما جعل ذلك من الصلاح، والنضج، والطبخ، وما يرجع إلى الإصلاح لذلك، والأكل، والمضغ، والابتلاع، ونحو ذلك، ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه من القوة ما ينشر في البدن والأطراف قوة؛ فيبقون بتلك القوة فيهم الحياة والبقاء، لا بنفس الرزق، وهو ما وصف اللَّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) بتلك القوة يحيون، وبها يبقون.
ثم قوله تعالى: (الْمَتِينُ) قيل: المتين هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف تلك القوة بالمتانة، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - لا يوصف أنه متين، وهو كقوله تعالى: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)، وصف العرش بالمجيد، والعرش غيره؛ فعلى ذلك القوة التي جعل فيها ما ذكرنا غيره يجوز أن توصف بما ذكرنا من المتانة، وهي القوة التي لا يملكها الخلق، ولا يدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) أي: ذو البطش الشديد فيما أهلك الأمم الخالية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) كأنهم استعجلوا نزول العذاب، فنزلت هذه الآية على أثر سؤال العذاب؛ كقوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)، وقوله تعالى: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، فقال عند ذلك: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ)، أي: لهم نصيب من ذلك العذاب مثل نصيب أوائلهم من العذاب؛ فيكون على التمثيل، كما يقال: حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، ويقال: صاع بصاع، وكيل بكيل؛ أي: يكال عليه مثل ما كيل لغيره، ونحو ذلك من الأمثال التي تضرب؛ فعلى ذلك ما ذكرنا من الذنوب، واللَّه أعلم.
الذاريات 51:60
وكذلك ذكر عن الأصم قال: ذكر الذنوب، وهو الدلو العظيم الذي كانوا يقتسمون به المياه، وكان من عادة العرب: أنهم يجمعون فيرسلون دلاءهم في البئر، فكان كل واحد منهم يأخذ حظه ونصيبه من الماء، فيقول لأهل مكة: لا تستعجلوا؛ فإن لكم نصيبا من ذلك العذاب كما كان لأُولَئِكَ؛ كالدلاء التي تكون في البئر، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه.
وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ -: الذنوب - الحظ والنصيب.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سمي ذلك العذاب: ذَنوبا؛ لما يتبع بعضهم بعضا، واللَّه أعلم. فيقول: يتبع العذاب لهَؤُلَاءِ كما يتبع لأُولَئِكَ؛ كالدلاء يتبع بعضها بعضا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ) أي: قد يبلغون وقته فلا يستعجلون العذاب، وهو الوقت الذي يسألون الرجوع كما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ ارْجِعُونِ).
وقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) يوم القيامة، ولكن لم يبين ذلك اليوم ما هو؟ فيحتمل ما قالوا، ويحتمل غيره، والويل قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
فَإِنْ قِيلَ: كيف خوف اللَّه تعالى هذه الأمة بما أنزل على الأمم الخالية من الاستئصال والإهلاك، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمَّنهم منه؟
قيل: إنما خوفهم بما ذكر؛ لأن المعنى الذي استوجب أُولَئِكَ الاستئصال والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هَؤُلَاءِ.
وقد يحتمل ألا يكون، فالتخويف صحيح لهَؤُلَاءِ بهم، وإنما يكون مثل هذا التخويف في أول الأمر، ثم إن اللَّه بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ورحمته؛ كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
ويحتمل أن يكون العفو لهم عن ذلك بالتأخير عنهم إلى وقت، وهو وقت قبض أرواحهم وخروجهم من الدنيا، وفي ذلك الوقت يعاقبون بأنواع العذاب، وينزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ، لا أنهم عفوا عن ذلك أصلا.
ويحتمل أن يكون ينزل بهم ذلك في الآخرة، وذلك كله فضل منه ورحمة، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *