تأويلات أهل السنة — الطور 52:1 – الرحمن 55:78
المحتويات
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:9
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:16
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:23
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:34
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:36
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:40
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:55
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
الطور 52:1
سُورَةُ الطُّورِ
ذكر أن سورة الطور كلها مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦).
قول - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣). الآية.
ثم اختلف بالقسم بالطور وما ذكر؛ قال قائلون: القسم إنما هو بمنشئ هذه الأشياء التي ذكر، لا بهذه الأشياء أنفسها؛ إذ اللَّه تعالى نهى الخلق أن يقسموا بغيره، فكيف يقسم بنفسه.
وقال قائلون: يجوز أن يقسم - جل وعلا - بما شاء وبمن شاء، بالذي عظم قدره عندهم.
وقد ذكرنا: أن الأقسام إنما تكون بالأشياء التي عظمت أقدارها ومحلها عند الخلق، يقسم بها لدفع الشبه التي تمنع وقوع العلم لهم بذلك والمعرفة بالذي اشتبه عليهم والتبس؛ ليعرفوا أن ذلك كائن لا محالة، وأنه بالذي اشتبه عليهم والتبس، وأنه حق، بما لو تفكروا في تلك الأشياء وأمعنوا النظر فيها على غير قسم، لوقع لهم العلم بذلك وتحقق، واللَّه أعلم.
ثم اللَّه تعالى أقسم بأشياء سواه، وليس للخلق ذلك؛ لأن قسم الخلق يخرج مخرج الفزع إليه والتضرع، ولا يجوز الفزع إلا من سواه والاستعانة به، فأما القسم من اللَّه تعالى حقيقة فهو على التذكير والتنبيه للخلق، وتأكيد ما وعد لهم من الجزاء؛ فيجوز له القسم بكل ما يكون لهم التذكير والتنبيه والتأكيد، وإن كان بغيره وسواه مما لذلك خطر ومحل عند الناس وعند اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.
ولأن القسم المذكور في القرآن لإثبات صدق أخبار الرسل إليهم، وأنهم رسله، وأنهم إذا فعلوا كذا ينزل عليهم من العذاب كذا؛ لأن أُولَئِكَ الكفرة لم يكذبوا اللَّه تعالى في خبر حتى يكون قسمه لإثبات صدق خبره، وإنما يتحقق صدق خبرهم بما أقاموا من المعجزات والبراهين، لكن يتأكد بالقسم فيحصل ذلك بذكر ما له خطر ومحل عندهم،
الطور 52:2
فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق؛ فيجب أن يقسموا بذكر ما هو النهاية في العظمة والقدر في القلوب، وهو أسماء اللَّه تعالى وصفاته، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل - عليهم السلام - فإن كان كذلك فهو على الإضمار؛ كأنهم قالوا: بمنشئ الطور، وكتاب مسطور وما ذكر إلى آخره؛ إذ القسم مِن البشر يكون باللَّه - سبحانه وتعالى - وصفاته، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالطُّورِ) جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها؛ لما أن الله تعالى أنشأ الأرض خلقًا تميد بأهلها، وأرسى فيها هذه الجبال ووتدها حتى استقرت وسكنت، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار عليها، وصارت مهادا لهم، وفراشا لهم؛ على ما ذكر؛ يتقلبون فيها، ويتصرفون كيف شاءوا وإن أرادوا ذا، أرادوا حيث أحبوا، ثم إذا عرفوا ذلك، لزمهم أن يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران وجزاؤه، وأوعد لهم ذلك؛ فيؤكد ما ذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم؛ حيث قال: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨).
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبل خاص، وهو الجبل الذي كلم اللَّه - سبحانه وتعالى - موسى عليه، وأنزل عليه التوراة، وهو طور سيناء، وذلك جبل مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله، فأقسم بذلك الجبل (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ).
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبال خاصة، وهي الجبال التي أوحى عليها إلى رسله - عليهم الصلاة والسلام - على ما روي في الخبر: " أوحى اللَّه تعالى إلى موسى - عليه السلام - في جبل ساعور، وإلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في جبل فاران "، فأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنما هو من الكتب المتقدمة، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه؛ فدل أنه باللَّه - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢).
يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إذ بها يوصل إلى معرقة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة، أقسم بها
الطور 52:3
أن العذاب واقع بهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء.
ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم؛ لما يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، واللَّه أعلم.
ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ولم يذكروا جهة القسم بها، ولست أعرف وجهه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) أي: غير مطوي.
وقال أبو عبيدة: الرق: الورق.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الرق: الكتاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤).
يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل اللَّه تعالى للخلق، يسكنون فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال اللَّه تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا...) الآية. ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة اللَّه تعالى عليهم في ذلك؛ ليستأدي بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن من لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب والعقوبة، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور هو الكعبة، وهو معمور، قد عظم اللَّه شأنه وأمره في قلوب الناس كافة، في قلوب الكفار والمؤمنين جميعًا، حتى كانت قريش وسائر العرب يحجونه ويزورونه، ويعظمونه، فأقسم به؛ على ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقال أبو عبيدة: البيت المعمور: الكثير الأهل.
وأهل التأويل يقولون: البيت المعمور هو في السماء، يزوره أهل السماء، ويطوفونه، لكن القسم به يبعد؛ لما لم يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة؛ إلا أن يقال: إن القسم به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم يعرفونه، فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة بذلك مشاهدة فبعيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) هو السماء التي رفعها بلا عمد يرونها من أسفل، ولا تعليق من الأعلى، على بعدها من الأرض، وسعتها وعرضها وشدتها
الطور 52:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿والبيت المعمور﴾ يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل الله تعالى للخلق يسكنون فيها، ويتّقون بها الحرّ /٥٣٣-ب/ والبردَ، ويؤمنون فيها، وهو ما قال الله تعالى :﴿والله جعل لكم من بيوتكم سَكَنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا﴾ الآية [النحل: ٨٠] ما عرف كلٌّ منافعها وعظم نعمة الله تعالى عليهم في ذلك ليستأدي شكرا، فأقسم بما ذكر إن لم يقم بوفاء الشكر استوجب العذاب والعقوبة، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور، هو الكعبة، وهو معمور، قد عظّم الله شأنه وأمره في قلوب الناس كافّة : في قلوب الكفار والمؤمنين جميعا، حتى كانت قريش وسائر العرب يحُجّونه، ويزورونه، ويعظّمونه فأقسم به على ما ذكر، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة :﴿والبيت المعمور﴾ الكثير الأهل، وأهل التأويل يقولون : البيت المعمور، هو في السماء يزوره أهل السماء، ويطوفونه، لكن القسم به يبعُد لما يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة إلا أن يقال : إلا أن القسم به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم، يعرفونه. فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة بذلك مشاهدة فبعيد، والله أعلم.
الطور 52:5
الآية ٥ وقوله تعالى :﴿والسّقف المرفوع﴾ هو السماء التي رفعها بلا عَمَد يرون من أسفل ولا تعليق من الأعلى على بُعدها من الأرض في وسَعَتها وعرضها وشدّتها وغلظها ليُعلم أن من فعل هذا لا يفعله لغير شيء، بل ليمتحن : يأمُر وينهى، ليستأدي شكره. فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نِعمه، وانتهك محارمه، استوجب ما ذكر، والله أعلم، وليُعلم أنّ من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يُعجزه شيء، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته، والله أعلم.
الطور 52:6
وغلظها؛ ليعلم أن من فعل هذا، لا يفعله لغير شيء؛ بل ليمتحن، ويأمر، وينهى، وليستأدي شكره، فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نعمه، وانتهك محارمه، استوجب ما ذكر، واللَّه أعلم.
وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦).
قال أهل الأدب: هو البحر الملآن الحار؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه، أنشأه حارًّا ممتلئًا، عميقا، لم يتغير في وقت من الأوقات، ولا في حال من الأحوال، بل كان على حالة واحدة حارًّا، مالحًا ممتلئًا عميقا عريضا، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين، وحاجتها إلى الحفر، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها، فأقسم به: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠).
بين الوقت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة؛ لأنه تعالى ذكر أن السماء تمور مورًا، أي: تستدير استدارة، وتتحرك تحركًا، وذكر سير الجبال وما ذكر، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ما ذكر من التحرك والسير والتغير وغير ذلك.
وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالمًا آخر؛؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال؛ لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)، وذكر السماء وتحركها ومورها، وذكر للأرض انشقاقها، حيث قال: (وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ)، وقال في آية أخرى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ)، وقال: (يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)، وقال هاهنا: (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال، فقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)؛ فدل إثبات التغير في هذه الأشياء على هلاكها، كما دل أنواع الأمراض والتغير من حال إلى حال في أهلها على هلاكها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) أي: المكذبين لرسلهم،
الطور 52:7
الآيتان ٧ و٨ أقسم به [ ثم قال :](١) ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ ﴿ما له من دافع﴾ والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الطور 52:9
الآيتان ٩ و١٠ وقوله تعالى :﴿يوم تمُور السماء مَوْرًا﴾ ﴿وتسير الجبال سيرًا﴾ بين الوقت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال :﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ ودلّ أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال عز وجل :﴿والساعة أدهى وأمرّ﴾ [القمر: ٤٦] والله أعلم.
وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال [ والشدة لأنه تعالى ذكر أن السماء تمور مورا، أي تستدير استدارة، وتتحرك تحرّكا، وذكر سير الجبال، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدّته عمل فيها ](١) ما ذكر من التحرّك والسير والتّغيير وغير ذلك.
وفيه أن هذا العالم كلّه أنشأه بحيث يفنيه، ويُنشئ عالما آخر لأنه ذكر فيه التغيير من حال إلى حال ؛ ذكر(٢) مرة سيرها وتحرُّكها حين(٣) قال :﴿وتسير الجبال سيرًا﴾ وذكر السماء وتحرّكها ومورها، وذكر الأرض انشقاقها حين(٤) قال :﴿وتنشقّ الأرض﴾ [القمر: ٤٦] وقال في آية أخرى :﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] وقال [ في آية أخرى ](٥) :﴿ينسفُها ربي نسفا﴾ [طه: ١٠٥] وقال ههنا :﴿وتسير الجبال سيرا﴾.
وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال :﴿يوم نطوي السماء كطيّ السّجل للكُتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فدلّ إثبات التغيير في هذه الأشياء على هلاكها كما دلّ أنواع الأعراض والتغيُّر من حال إلى حال في أهلها على هلاكها، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: و..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الطور 52:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿فويل يومئذ للمكذبين﴾ أي المكذبين لرُسلهم عليهم السلام ويحتمل لتوحيده أو لحُججه أو للبعث.
الطور 52:12
عليهم السلام.
ويحتمل: لتوحيده، أو لحججه، أو للبعث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢).
نعتهم ووصف أمرهم، حيث قال: (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ)، والخوض: هو البحث عن الشيء، إلا أن الخوض المطلق ذكروه واستعملوه في الباطل خاصة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣).
أي: يدفعون في النار على وجوههم.
وقال أبو عبيدة: يدفعون دفعًا في القفا خاصة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤).
هو على الإضمار؛ كأنه يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥).
يقال لهم في الآخرة لما ألقوا في النار: أفسحر هذا؟! مقابل ما قالوا هم للحجج والبراهين في الدنيا إنها سحر.
(أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقال لهم لما أدخلوا النار: لعل ما أنتم فيه ليس بعذاب، وأنها ليست بنار، وأنتم لا تبصرون لذلك؛ كما أخبر عنهم في الدنيا: أنهم يقولون لحججه؛ حيث قال: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا...) الآية، فقال مقابل ذلك (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) أي: لعلكم لا تبصرون.
والثاني: يقول: (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) في الدنيا: أن هذا ينزل بكم في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ... (١٦) هذا كما قال إبليس: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ)؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) أصبرتم أو جزعتم؛ فلا ينفعكم ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
الطور 52:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿يوم يُدّعون إلى نار جهنم دعًّا﴾ أي يُدفعون في النار على وجوههم.
وقال أبو عبيدة : يدفعون دفعا في القفاء خاصة.
الطور 52:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿هذه النار التي كنتم بها تكذّبون﴾ هو على الإضمار ؛ كأنه يقال لهم :﴿هذه النار التي كنتم بها تكذّبون﴾ في الدنيا، والله أعلم.
الطور 52:15
الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿أفسِحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرون﴾ يقال لهم في الآخرة لما يُلقون(١) في النار :﴿أفسحرٌ هذا﴾ مقابل ما قالوا هم للحُجج والبراهين في الدنيا : إنها سحر.
[ وقوله تعالى ](٢) :﴿أم أنتم لا تبصرون﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقال لهم لما يُدخلون(٣) النار : لعل ما أنتم فيه، ليس بعذاب، وإنها ليست بنار، وأنتم لا تُبصرون ذلك، كما أخبر عنهم في الدنيا أنهم يقولون [ عن حُججه حين ](٤) قال :﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلّوا فيه يعرُجون﴾ ﴿لقالوا إنما سُكّرت أبصارنا﴾ الآية [ الحجر : ١٤ و١٥ ] فقال مقابل ذلك :﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تُبصرون﴾ أي لعلكم لا تُبصرون.
والثاني : يقول :﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تُبصرون﴾ أن هذا ينزل بكم في الآخرة، والله أعلم.
١ في الأصل وم: القوا..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: ادخلوا..
٤ في الأصل وم: لحججه حيث..
الطور 52:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿اصلَوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم﴾ هذا كما قال إبليس :﴿سواء علينا أجزِعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١] فعلى ذلك قوله تعالى :﴿اصلَوها فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم﴾ أي سواء عليكم أصبرتم أو جزعتم فلا ينفعكم ذلك.
وقوله تعالى :﴿تُجزون ما كنتم تعملون﴾ أي ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئا، لم تستوجبوه.
الطور 52:17
أي: ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئًا لم تستوجبوه.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ...) الآية.
يحتمل: في جنات وفي نعيم.
ويحتمل: في جنات فيها نعيم؛ فتكون الواو بمعنى " مع "، أي: في جنات مع نعيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ناعمين متنعمين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معجبين وهما واحد المعجب به والناعم سواء؛ لأنه إذا كان ناعما متنعما، كان معجبا مسرورًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاكِهِينَ): ناعمين، و (فَاكِهِينَ) معجبين بذلك؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
ثم ذكر هاهنا: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)، وذكر في سورة " الذاريات ": (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)، فالفاكه ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ).
أي: آخذين ما آتاهم ربهم بالشكر منه والحمد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: وقاهم، أي: عصمهم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم وتهلكم لو أتوا بها وعملوها، فإذا عصمهم عن ذلك، وقاهم عن عذاب الجحيم، واللَّه أعلم.
والثاني: وقاهم أي: عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عملوا من الأعمال الموبقات في الدنيا ما لولا عفوه إياهم، لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم لما أدخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم: كلوا واشربوا.
وقوله: (هَنِيئًا) أي: ليس عليهم في ذلك خوف التبعة، ولا خوف حدوث مكروه في
الطور 52:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿فاكهين بما آتاهم ربهم﴾ قال بعضهم : أي ناعمين متنعّمين، وقال بعضهم : مُعجَبين، وهما واحد : المُعجَب به، والناعم سواء لأنه إذا كان ناعما متنعّما كان مُعجبا مسرورا، وقال بعضهم :﴿فاكهين﴾ ناعمين، وفكِهين(١) مُعجَبين بذلك، وهو قول القتبيّ.
ثم ذكر ههنا :﴿فاكهين بما أتاهم ربهم﴾ وذكر في سورة : والذاريات :﴿آخذين ما آتاهم ربهم﴾ [ الآية : ١٦ ] فالفاكهة ما ذكرنا، وقوله عز وجل :﴿آخذين ما أتاهم ربهم﴾ بالشكر منه الحمد، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ووقاهم ربهم عذاب الجحيم﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : وقاهم أي عصمهُم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم، وتهلكهم لو أتوا بها، وعمِلوها. فإذا عصمهم عن ذلك وقاهم عذاب الجحيم، والله أعلم.
والثاني : وقاهم أي عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عمِلوا من الأعمال الموبقات في الدنيا ما لولا عفوُه إياهم لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/٢٥٥..
الطور 52:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون﴾ كأنه على الإضمار، أي يقال لهم عندما [ يُدخلون الجنة، ويُنزلون ](١) منازلهم : كلوا، واشربوا.
وقوله تعالى :﴿هنيئا﴾ أي ليس عليهم في ذلك خوف التّبِعة ولا خوف حدوث مكروه في أنفسهم ولا آفة، لأن ذلك يُنغِّص عليهم ذلك، ليس كما يُؤكَل في الدنيا فيه خوف التّبعة، ولا خوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضّرر، فأخبر أن يكون لهم في الجنة ذلك لئلا يُنغّص عليهم نِعمها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ادخلوا الجنة ونزلوا..
الطور 52:20
أنفسهم ولا آفة؛ لأن ذلك ينغص عليهم ذلك، ليس كما يؤكل في الدنيا، فيه خوف التبعة، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر، فأخبر: ألا يكون لهم في الجنة ذلك؛ لئلا ينغص عليهم نعمها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) ذكر أن لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا، ويتمنون بها، كقوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ)، وقوله: (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا. وَكَأْسًا دِهَاقًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ)، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا، ورغبهم فيه؛ ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة.
وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ).
كما يقال: تزوجت بفلانة وفلانة؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١).
قيل فيه بوجوه:
أحدها: ما قال أبو بكر الكيساني: أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات، ولو قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكون بالأعمال، فهم وإن لم يبلغوا في الأعمال مبلغ آباهم؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم، وأخذوه منهم، ولم يبحثوا عن حجته وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان، فهم وإن كانوا مقلدين آباءهم في الإيمان، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ).
على تأويل أبي بكر: أي: وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء؛ أي: ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلغون درجات آبائهم، ويوفرون
الطور 52:21
الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتهم﴾ قيل فيه بوجوه :
أحدها : ما قال أبو بكر الكيسانيّ : أي يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات، وإن قصّرت أعمال الذّرية عن أعمال الآباء والأمهات، لأن الدّرجات إنما تكون بالأعمال ؛ فهم، وإن لم يبلُغوا في الأعمال مبلغ آبائهم، فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، والله أعلم.
[ والثاني : ما ](١) قال بعضهم : إن الذُّرّية التقنوا الإيمان عن آبائهم وأمّهاتهم، وأخذوه منهم، ولم يبحثوا عن حجّته وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم دون(٢) البحث عن الحجّة والبرهان. فهم، وإن كانوا مقلّدين آباءهم في الإيمان متلقّنين منهم، فإنهم يلحقون بآبائهم، وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان.
[ والثالث : ما ](٣) قال بعضهم : إن الذُّرّية، وإن لم يبلُغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان، ولم يأتوا به، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ على تأويل أبي بكر، أي وما ألتنا من أعمال الذُّرّية من شيء، أي ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب، وإن قصّرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلُغون درجات آبائهم، ويُوفَّرون كما يُوفَّر على آبائهم، وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.
وعلى تأويل غيره أي على ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئا أي أنهم، وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا يُنقصون من أعمالهم شيئا، ذكر هذا حتى لا يُظنّ أنه يُنقَص من ثواب آبائهم، ويعطي لهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ قال بعضهم : هذا صلة قوله عز وجل :﴿اصلَوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تُجزَون ما كنتم تعملون﴾ [ الآية : ١٦ ] ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ وهو يرد قول من يقول : إن الرهن لصاحبه، له أن يَحلُبه وأن يركبه وأن ينتفع به، ثم يُردّ إلى المُرتهِن، ولو كان له هذا لكان لا يكون رهنا، إذ أخبر أنه رهين أي محبوس، فالرّهن هو الذي يُحبَس في كل وقت، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: عن..
٣ في الأصل وم: و..
الطور 52:22
كما يوفر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.
وعلى تأويل غيره: أي: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئًا، أي: إنهم وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئًا، ذكر هذا حتى لا يظن أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، وهو يرد قول من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أن يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد إلى المرتهن، ولو كان له هذا، لكان لا يكون رهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين -أي: محبوس- فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢).
أي: وأمددناهم فاكهة، والباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله تعالى: (بِحُورٍ عِينٍ).
ثم يحتمل أن يكون قوله: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ) إخبارًا عن دوامها وكثرتها، أي: لا تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ).
أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما يشتهي شيئًا لا يجده، ويجد ما لا يشتهيه، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) أي: يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكون في الدنيا لا يكون لكل أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يغتسل مع بعض أزواجه وربما تتنازع أيديهما.
وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر.
وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا لَغْوَ فيها وَلَا تَأْثِيمَ) قرئ: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) بالرفع والتنوين.
قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ).
الطور 52:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿يتنازعون فيها كأسا﴾ أي يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض كما يكون في الدنيا ؛ لا يكون لكل أحد كأس على حِدة. وهو كما رُوي في الخبر أن نبي الله ﷺ كان يغتسل مع بعض أزواجه، وربما تتنازع أيديهما.
وقال أبو بكر الكيسانيّ : الكأس هو الخمر، وقال غيره : هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.
وقوله تعالى :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ بالرفع والتنوين. [ وقرئ(١) : لا لغو فيها ولا تأثيم ](٢).
قال أبو عُبيدة : إنه خبّر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم كما قال :﴿لا فيها غولٌ ولا هم فيها يُنزَفون﴾ [الصافات: ٤٧] وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع.
وتأويل الآية : أي لا يكون منهم من اللغو ما يؤثَم من القول كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم. وقيل :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ لأنها أُحلّت لهم، والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرجت هذه العبارة في الأصل وم بعد وقوله تعالى. انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/٢٥٩..
الطور 52:24
وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع.
وتأويل الآية: أي: لا يكون منهم من اللغو، وما يؤثم من القول؛ كما يكون في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم.
وقيل: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)؛ لانها أحلت لهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤).
يرغبهم فيها كما رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم، والفواكه، والبسط ليطلبوها، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥).
قال أبو بكر الكيساني: يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، واستدل بقوله على أثر هذه الآية: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) يحتمل قوله: (فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) وجهين:
أحدهما: إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).
والثاني: أي: إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين، أي: خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨).
أي - واللَّه أعلم -: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا؛ لجناياتنا وراجين رحمته بقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)، وصف اللَّه تعالى في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية، والطمع والرجاء: كقوله تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)، وقوله: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)، ونحو ذلك.
ثم قوله: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) قرئ: (أَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ) بنصب الألف وخفضه؛ فمن كسره، حمله على الابتداء؛ أي: ربنا كذلك على كل حال، ومن نصب أراد: يدعوه ثانيا؛ لأنه هو البر الرحيم، أي: يدعوه لأجل أنه كذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ).
دل قوله: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ): أن لله أن يعذبهم بعذاب السموم، لكنه بمنِّه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن لذكر المنة معنى.
* * *
قوله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
الطور 52:25
الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ قال أبو بكر الكيسانيّ : يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، واستدل بقوله على إثر هذه الآية ﴿قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مُشفقين﴾.
الطور 52:26
الآية ٢٦ [ وقوله تعالى :﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ ](١) يحتمل قوله :﴿في أهلنا﴾ وجهين :
أحدهما :﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ كقوله :﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦].
والثاني : أي كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين أي خائفين على ما كان منا من الجنايات والمعاصي. دليله(٢) قوله تعالى [ على إثره ](٣) :﴿إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البَرّ الرحيم﴾ [ الآية : ٢٨ ] أي، والله أعلم :﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ على أنفسنا لجناياتنا وراجين رحمته بقوله تعالى :﴿إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾ [ الآية : ٢٨ ] وصفهم(٤) الله تعالى في غير آية(٥) من القرآن بالإشفاق والخشية والطّمع والرجاء كقوله تعالى :﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ [السجدة: ١٦] وقوله تعالى :﴿ويدعوننا رغَبًا ورهبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] ونحو ذلك.
ثم قوله تعالى :﴿إنه هو البر الرحيم﴾ قرئ أنه هو البر بنصب(٦) الألف وخفضه. فمن كسره حمله على الابتداء، أي ربنا كذلك على كل حال. ومن نصب أراد : يدعوه ثانيا لأنه هو البر الرحيم، أي يدعوه لأجل أنه كذلك، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: وصف..
٥ في الأصل وم: آي..
٦ انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/٢٦٠..
الطور 52:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السَّموم﴾ دلّ قوله :﴿فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السّموم﴾ أن لله أن يعذّبهم بعذاب السّموم، لكنه بمنّه وفضله وقاهم. ولو كان عليه ذلك ما قالت المعتزلة : لم يكن للمنّة معنى.
الطور 52:28
الآيتان ٢٨ و٢٩ وقوله تعالى :﴿إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾ ](١) ﴿فذكّر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ أي بما أنعم عليك من النبوّة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون. ثم هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي إنك لم تقابل نعمة ربك [ بما يَجب أن تُبتلى بجنون أم كهانة أو ما ذكروا قبل.
والثاني : أي أنت بنعمة ربك ](٢) عوفيت، وعُصمت عما ذكروا من الجنون والسحر وغير ذلك، والله أعلم.
دلّت هذه الآية على أنهم قالوا : إنه كاهن ومجنون. وكذا كانت عادة أولئك ؛ إنهم ينسُبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف رسلهم عليهم السلام لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المُستملَح والمستلذّ إلى الشِّعر تلبيسا للأمر على أتباعهم. هذه كانت عادتهم مع العلم منهم أن رسول الله ﷺ ليس كذلك لما لم يختلف إلى أحد من الكهنة ولا السحرة، ولا كان القرآن على نظم الشعر، وعجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
الطور 52:29
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣).
وقوله: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩).
أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.
ثم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك بذلك، عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، واللَّه أعلم.
دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أُولَئِكَ أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، ثم لما عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إن محمدًا يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال تعالى: (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعًا أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فحل بهم ما ظنوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا... (٣٢) قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف " أم " أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.
والثاني: " على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة اللَّه تعالى؟! أي: لا عقل يأمر به.
وقوله: [(أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)].
الطور 52:30
الآية ٣٠ ثم لمّا عجزوا عن مقابلة ما أتاهم من الحجج قالوا :﴿نتربّص به ريب المَنُون﴾ أي عن قريب يرجعون إلى ديننا وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله ﷺ : إن محمدا يموت، ويصير الأمر لنا، وترجعون إلينا.
الطور 52:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿قل تربّصوا فإني معكم من المتربّصين﴾ أي تربّصوا ذلك فإني متربّصٌ ذلك بكم ؛ فكانوا جميعا أو عامتهم، أعني الذين قالوا [ عن رسول ](١) الله ﷺ : إنه ﴿شاعر نتربّص به ريب المنون﴾ أُهلكوا قبل وفاة رسول الله ﷺ فحلّ بهم ما ظنوا برسول الله ﷺ والله أعلم.
وقال القتبيّ : ريب المَنونِ حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبُه، والمنون الدهر.
وقال أبو عوسجة : ريب المنون أي المنيّة، وريبها ما يأتي به.
١ في الأصل وم: لرسول..
الطور 52:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿أم تأمرهم أحلامُهم بهذا﴾ [ يخرّج على وجهين :
أحدهما :](١) قد ذكرنا في غير موضع أن حرف /٥٣٤-ب/ أم [ يفيد تحقيق النفي، أي ](٢) ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أن من يأمر بهذا فليس بعاقل.
والثاني : على سفه أحلامهم : أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله تعالى ؟ أي لا عقل يأمر به.
وقوله تعالى :﴿أم هم قوم طاغون﴾ أي طاغون في ذلك، والطغيان، هو المجاوزة عن الحد في العداوة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم: انظر ما ذكره المؤلف في تفسير قوله تعالى ﴿أم يقولون افتراه﴾ [السجدة: ٣].
.
الطور 52:33
أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات اللَّه تعالى؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) -بالتخفيف والتشديد- (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من أعند نفسك، قال: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أي: لو كانوا صادقين بأن محمدًا يتقول على اللَّه، فليأتوا بمثل ما أتى به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحتمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.
والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الافتراء والتقول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥).
قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أو كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.
وعندنا يخرج على وجهين:
أحدهما: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ لو خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثًا باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعبًا باطلا.
والثاني: يقال: لا يخلو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان؛ فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.
الطور 52:34
الآية ٣٤ [ وقوله تعالى :](١) ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ بأن محمدا يتقوّل على الله فليأتوا بمثل ما أتى محمد.
ثم قوله تعالى :﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ وإن خُرّج مُخرَج الأمر الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر ؛ لأنه لا يحتمل أن يأمرهم إن تابوا بالكذب والافتراء. ثم هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.
والثاني : على التوبيخ والتوعُّد على ما قالوا على رسول الله ﷺ من الافتراء والتقوّل، والله أعلم.
١ في الأصل وم: من قال..
الطور 52:35
الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ قال عامة أهل التأويل : أي أم خُلقوا من غير أب، ولكن ليس في ما ذكروا كثير فائدة لو خُلقوا من غير أب إلا أن يريدوا ذلك حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خُلقوا. بل كانت لهم آباء عوّدوهم، وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أو كلام نحوه. فكيف يتكلّمون بما هو سفه ؟ وكيف يصرّون عليه.
وعندنا يخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿أم خُلقوا من غير شيء﴾ أي يعلمون أنهم [ لو خُلقوا من غير ](١) شيء، أو خُلقوا من تراب ولغير معنى وحكمة لكان خلقُهم عبثا باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يُخلقوا لعبا وباطلاً.
والثاني : يقال : لا يخلو ؛ إما أن يكونوا خُلقوا من غير شيء، وإما خُلقوا من تراب وماء. فكيف ما كان، فدلّ أن قدرته ذاتية لا مستفادة(٢)، فلا يُحتمل أن يعجزه شيء.
وقوله تعالى :﴿أم هم الخالقون﴾ أي ليسوا هم بخالقين.
١ في الأصل وم: لم يخلقوا الغير..
٢ من م، في الأصل: مستعانة..
الطور 52:36
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).
أي: ليسوا هم بخالقين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ... (٣٦) أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.
وقوله: (بَلْ لَا يُوقِنُونَ) يخرج على وجهين:
أحدهما: أن ما يقولون إنما يقولون على الظن لا على اليقين.
والثاني: (بَلْ لَا يُوقِنُونَ) أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم اللَّه تعالى بأنهم لا يؤمنون.
فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.
وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أي: ليس عندهم خزائن ربك؛ على ما ذكرنا في قوله تعالى: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.
ثم الآية تحتمل وجوها أيضًا:
تحتمل (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ)، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيكونون هم لذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.
ويحتمل قوله تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد تَقَوَّلَ على اللَّه تعالى؟! أي: ليس لهم علم الغيب.
ويحتمل (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ)، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ).
أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المسيطر: الرب تعالى، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
وقال الزجاج: المسيطر: المسلط؛ يقال: سيطر، أي: تسلط.
وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة، واللَّه أعلم.
الطور 52:37
الآية ٣٧ وقوله تعالى :﴿أم عندهم خزائن ربك﴾ الآية، أي ليس عندهم خزائن ربك على ما ذكرنا في قوله تعالى :﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ أي لم يخلُقوا. فعلى ذلك هذا، ليس عندهم خزائن ربك ولا هم المُصيطِرون.
ثم الآية تحتمل وجوها :
أحدها : تحتمل ﴿أم عندهم خزائن ربك﴾ أي الذي منعهم عن اتّباع رسول الله ﷺ هو المَنَعة التي عندهم، ليست تلك عند رسول الله ﷺ فيكونوا هم لذلك أحق بالرسالة، أي ليسوا بأحق.
[ والثاني ](١) : يحتمل قوله تعالى :﴿أم عندهم خزائن ربك﴾ أي علم الغيب، أطّلعوا على ذلك، فعلِموا أن رسول الله ﷺ قد تقوّل على الله تعالى ؟ أي ليس لهم علم الغيب.
[ والثالث ](٢) : يحتمل ﴿أم عندهم خزائن ربك﴾ أي علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله ﷺ بل عند(٣) رسوله ما يُخبره ربه، جلّ، وعلا، ليس عندهم شيء من ذلك.
وقوله تعالى :﴿أم هم المُصيطرون﴾ أي [ ليسوا هم المسلّطين ](٤) على أرزاقهم ولا أرزاق غيرهم.
وقال بعضهم : المُسيطِر :(٥) الرب تعالى ؛ يقال : صيطر فلان، أي صار ربّا، وهو قول القتبيّ.
وقال الزّجّاج : المسيطر المسلَّط ؛ يقال : صيطر، أي تسلّط.
وقال أبو بكر : المصيطِر الغالب القاهر. لكن الغَلبة والقهر بالحجّة عليهم. وهذا يخرّج على المقابلة برسول الله ﷺ إلى ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة، والله أعلم.
١ في الأصل، م: و..
٢ في الأصل وم: و..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: وهو..
٤ في الأصل وم: ليس هم المسلطون..
٥ في م: في الأصل: المصيطرون..
الطور 52:38
وقوله: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تقوَّل على اللَّه تعالى.
والثاني: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ)، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون فيه أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بحجة بينة، أي: ليس لهم ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩).
هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على المقابلة، وهذا راجع إلى اللَّه تعالى في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات اللَّه، وهو ما قال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ومعناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟! واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠).
أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تقوَّله؛ بل ليس عندهم ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢).
أي: يريدون كيدا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣).
أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؟ أي: أم لهم إله غير الله
الطور 52:39
الآية ٣٩ وقوله تعالى :﴿أم له البنات ولكم البنين﴾ هذا ليس من نوع ما سبق ذكره، لأن ما تقدّم من الآيات بينهم وبين رسول الله ﷺ على المقابلة، وهذا راجع إلى الله تعالى في الظاهر على ما سبق منهم القول : إن الملائكة بنات الله : وهو ما قال :﴿وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم﴾ [النحل: ٥٨].
يذكر سفههُم في نسبتهم البنات إلى الله عز وجل وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيُسكّن بذلك صدر رسول الله ﷺ ويصبّره على أذاهم، أي إنهم يتقوّلون(١) في ما قالوا، فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.
ويحتمل إن خُرّج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله ﷺ [ أن يكون ](٢) معناه : أم لرسول الله البنات ولكم البنون، فيتركون اتّباعه لذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يقولون..
٢ ساقطة من الأصل وم..
الطور 52:40
الآية ٤٠ وقوله تعالى :﴿أم تسألهم أجرا فهُم من مَغرمٍ مُثقلون﴾ أي لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعَهم ذلك عن اتباعك ؛ يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنُّتا ومُكابَرة.
الطور 52:41
الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ أي عندهم علم الغيب، فيعلمون أن رسول الله ﷺ تقوّله، بل ليس عندهم ذلك.
الطور 52:42
الآية ٤٢ وقوله تعالى :﴿أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون﴾ أي يريدون كيدا برسول الله ﷺ لكن هم المكيدون أي إليهم يرجع ذلك الكيد الذي أرادوا برسول الله ﷺ.
ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر عز وجل أنه عليهم في الدنيا على ما قاله أهل التأويل، إنهم قُتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.
الطور 52:43
الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿أم لهم إله غير الله﴾ أي أم لهم إله يأمرهم بالذي يدّعون على رسول الله ﷺ أي أم لهم إله غير الله يمنعهم من عذاب الله تعالى، أي ليس لهم. ويحتمل :﴿أم لهم إله غير الله﴾ يأمرهم بالذي يدّعون على رسول الله ﷺ من التّقوُّل على الله تعالى، أو يُطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال :﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ ﴿ما له من دافع﴾ [ الطور : ٧ و٨ ].
ثم نزّه نفسه عما أشركوا به من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال :﴿سبحان الله عما يُشركون﴾.
الطور 52:44
يمنعهم من عذاب اللَّه تعالى؟! أي: ليس لهم.
ويحتمل: أم لهم إله غير اللَّه يأمرهم بالذي يدعون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من التقول على الله تعالى، أو يطلعهم على ذلك؟ أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ).
ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
* * *
قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ).
يخبر عن عناد أُولَئِكَ الرؤساء ومكابرتهم، وإنما قالوا ما قالوا على التعنت، لا على الاسترشاد، وأن هذه الآيات من قوله: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا...)، إلى قوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ)، كلها محاجة مع أُولَئِكَ الرؤساء المعاندين؛ يبين ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) يقول: إنهم وإن يروا ما توعدهم من عذاب ينزل بهم يقولوا -لتعنتهم ومكابرتهم-: إنه سحاب، ليس بعذاب، وهو كما قال: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)، يخبر عن عنادهم، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ)، لا يؤمنون، ويقولون: ما ذكر إنه سحاب مركوم؛ تعنتا ومكابرة.
ثم أمر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بأن يعرض عنهم وألا يشتغل بهم؛ لما علم اللَّه تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يؤيس رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن إيمانهم، ويأمره بالصبر على أذاهم، وترك المكافأة لهم، ويخبر أنهم لا يؤمنون إلا في اليوم الذي فيه يصعقون، أي: يموتون.
ثم قرئ قوله: (يُصْعَقُونَ) بفتح الياء وضمه؛ فمن قال بالنصب، احتج بقوله: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، ولم يقل فَصُعِقَ.
ثم يحتمل الصعقة التي ذكر: ما ذكرنا؛ أي: يموتون.
ويحتمل: أي: تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛
الطور 52:45
الآية ٤٥ ثم أمر رسوله عليه السلام بأن يُعرِض عنهم وألا يشتغل بهم لما علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال عز وجل :﴿فذرهم حتى يُلاقوا يومهم الذي فيه يُصعَقون﴾ يُؤيِس رسول الله ﷺ عن إيمانهم، ويأمره بالصبر على أذاهم وترك المكافآت لهم، ويخبره(١) أنهم لا يؤمنون إلا في اليوم الذي فيه يُصعقون، أي يموتون.
ثم قرئ قوله ﴿يُصعقون﴾ بفتح الياء وضمّها(٢). فمن قال بالنصب احتجّ بقوله :﴿فصَعِق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل فصُعِق.
ثم تحتمل الصّعقة التي ذكرنا ما ذكرنا، أي يموتون، ويحتمل أي تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم.
١ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وضمه، انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/٢٦٢..
الطور 52:46
لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا... (٤٦).
برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عما ينزل بهم يومئذ؛ جزاء على كيدهم برسول اللَّه - ﷺ -.
ويحتمل ألا يغنيهم من عذاب اللَّه تعالى الأصنام التي عبدوها؛ رجاء أن تشفع لهم، أو تقربهم إلى اللَّه زلفى؛ كما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ -، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧).
قال أهل التأويل: أي: لمشركي أهل مكة عذاب دون عذاب النار، وهو القتل بالسيف يوم بدر.
ويحتمل أن يكون قوله: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: للكفرة عذاب في الدنيا دون الذي ذكر في يوم القيامة؛ حيث قال: (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)، ثم قال: (عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ)، وهم ما داموا كفارا فهم في عذاب، يكونون في خوف وذل وخزي؛ فذلك كله عذاب اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا في أسباب العلم، ولم يتفكروا فيها؛ حتى يمنعهم ويزجرهم عن صنيعهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨).
دل هذا الحرف أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد كلف أمرا شديدًا شاقًّا عليه حتى قال: (وَاصْبِرْ)؛ إذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ولذلك قال له: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، أمره بالصبر على ما كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)، أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق اللَّه إياه، أو فيه: أنه إذا صبر يكون صبره لله تعالى؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِحُكْمِ رَبِّكَ)، يحتمل وجوها:
أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أُولَئِكَ.
والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم.
ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا).
أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا؛ فيخرج قوله: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما بينه وبين ربه تعالى؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى، كلفناك، لا عن جهل منا بذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ).
أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حِينَ تَقُومُ).
يحتمل: حين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار.
فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك " ولم يذكر الآية.
وإن كان المراد: حين تقوم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة.
وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ) أي: سبح بالليل في وقت الراحة، فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت الراحة، وفي وقت الانتشار.
وروى الضحاك عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) تقول في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: " سبحانك اللهم وبحمدك... " إلى آخره.
وروى الضحاك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان إذا دخل في الصلاة، قال ذلك؛ وذلك قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ).
وروى أبو سعيد وعائشة - رضي اللَّه عنهما - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ".
الطور 52:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك﴾ قال أهل التأويل : أي لمُشركي مكة عذاب(١) دون عذاب النار ؛ وهو القتل بالسيف يوم بدر.
ويحتمل أن يكون قوله :﴿وإن للذين ظلموا﴾ أي للكفرة عذاب في الدنيا دون الذي ذكر يوم القيامة حين(٢) قال ﴿حتى يُلاقوا يومهم الذي فيه يُصعَقون﴾.
ثم قوله(٣) : لهم عذاب دون ذلك، وهو ما داموا كفارا فهم في عذاب، ويكونون(٤) في خوف وذُلّ وخزي. فذلك كله عذاب الله، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ أي لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة [ العلم ](٥) لما لم ينظروا في أسباب العلم، ولم يتفكروا فيها حتى تمنعهم، وتزجُرهم عن صنيعهم.
١ في الأصل وم: عذاب..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: قال..
٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الطور 52:48
الآية ٤٨ وقوله تعالى :﴿واصبر لحُكم ربك﴾ دلّ هذا الحرف أن النبي ﷺ قد كُلّف أمرا شديدا شاقا عليه حتى قال له :﴿واصبر﴾ إذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة، وكذلك(١) قال له :﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥] أمره بالصبر على ما كلّفه كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة. وما قال :﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [ النحل :١٢٧ ] أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق الله تعالى إياه.
[ وفيه ](٢) أنه إذا صبر يكون صبره لله تعالى حتى يسهُل عليه احتمال ذلك، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿لِحُكم ربك﴾ يحتمل وجوها :
أحدها : ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كان همّهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد، فأمره بالصبر على ذلك والتبليغ إلى أولئك.
والثاني : أمره بالصبر على أذاهم واستهزاءهم به وترك المكافأة لهم.
[ والثالث ](٣) : يحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في [ خاص نفسه ](٤) من احتمال غصّة التكذيب وحُزنه على تركهم التوحيد والإيمان. وإنما ذلك كله حكم الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿فإنك بأعيُننا﴾ أي بمنظر وعلم منا :
فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا فيُخرّج قوله :﴿فإنك بأعيُننا﴾ مُخرَج وعد النصر والمعرفة كقوله تعالى :﴿والله يعصِمُك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧].
وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم أو على القيام بالأمور التي في ما بينه وبين ربه تعالى، فيصير كأنه قال : على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى كلّفناك لا عن جهل منا بذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وسبّح بحمد ربك﴾ أي نزّهه عن معاني الخَلق وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هم أهله.
وقوله تعالى :﴿حين تقوم﴾ يحتمل ﴿حين تقوم﴾ من مجلسك أو من مقامك أم ﴿حين تقوم﴾ للتعيُّش والانتشار.
فإذا كان المراد ﴿حين تقوم﴾ من مجلسك، فيكون التسبيح ما ذُكر في الخبر عن رسول الله ﷺ : أنه قال :( من جلس مجلسا كثُر فيه لغَطُه فقل قبل أن تقوم من مجلسك : سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك ) [ الترمذي ٣٤٣٣ ] ولم يذكر الآية.
وإن كان المراد ﴿حين تقوم﴾ من منامك، فجائز أن يكون المراد منه الصلاة، وإن كان ﴿حين تقوم﴾ الانتشار والتعيّش، فيصير كأنه [ أمر ](٥) بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار.
١ في الأصل وم: ولذلك..
٢ في الأصل وم: أو فيه..
٣ في الأصل وم: و..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: خالص نهيه..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الطور 52:49
وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩).
قال أهل التأويل: هو ركعتا الفجر كما روي عن جماعة من الصحابة، رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - مرفوعًا: أنه أراد بإدبار النجوم: الركعتين قبل الفجر، وأدبار السجود: الركعتين بعد المغرب؛ فإن ثبت فهو التأويل، فإن كان على هذا فهو يدل على تأخير صلاة الفجر؛ لأن إدبار النجوم إنما يكون ذهابها وانقضاءها، وذلك لا يكون بأول وقت طلوع الفجر، وإنما يكون وقت الإسفار؛ فيكون حجة لنا، واللَّه أعلم.
* * *
النجم 53:1
سُورَةُ النَّجْمِ
ذكر أن سورة النجم مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١).
قيل: المراد: هو النجوم أنفسها، فأقسم بها على أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما ضل وما غوى؛ على ما قاله الكفرة؛ وبه يقول الأصم.
وقيل: أراد بقوله: (وَالنَّجْمِ): نزول القرآن نجما فنجما، على التفاريق أقسم بالقرآن: إنه لم يضل، ولم يغو.
وقال مجاهد: أقسم بالثريا إذا غاب، والعرب تسمي الثريا -وهي ستة أنجم ظاهرة-: نجما.
وقال أبو عبيد: أقسم بالنجم إذا سقط في الغور؛ فكأنه لم يخص الثريا دون غيره. فإن كان التأويل هو الأول فهو لما جعل اللَّه تعالى للنجوم محلاًّ في قلوب الخلق وأعلاما يستخرجون بها جميع ما ينزل بالخلق، وما يكون لهم من المنافع والمضار من كثرة الأنزال والسعة والضيق، وما ينزل بهم من المصائب والشدائد، وما يكون من انقلاب الأمور، وما جعل فيها من المنافع من معرفة القبلة، وطرق الأمكنة النائية، ومعرفة الأوقات وغيرها مما يكثر عدها، فأقسم بنفسها، أو بالذي أنشأ النجوم، وما جعل فيها من المنافع: أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما ضل وما غوى.
وإن كان النجم هو النجوم التي أنزل القرآن فيها نجوما على التفاريق، فالقسم بالذي أنزل القرآن على التفاريق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا هَوَى)؛ أي: سقطت، كقوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ
النجم 53:2
النُّجُومِ)، أي: بمساقطها.
والأشبه: أن يكون قوله: (إِذَا هَوَى) أي: إذا سارت سيرًا دائمًا في سيرها؛ لأنها أبدا تكون في السير، وفي سيرها منافع الخلق من الاهتداء للطرق وغيرها، ولما ليس في مساقط النجوم وغيبوبتها كثير حكمة حتى يقسم بذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢).
يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ما ضل عما نزل به القرآن، وعما أمر به؛ لأنهم كانوا يدعون عليه الضلال: أن خالف دينهم ودين آبائهم، فقال: ما ضل هو عما أمر به، وما غوى.
والثاني: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)؛ إذ ليس بساحر؛ ولا شاعر؛ لأنهم كانوا يقولون: إنه شاعر وإنه ساحر، فقال: ليس هو كذلك ما ضل بالسحر، وما غوى بالشعر؛ على ما قال (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، بل رشد واهتدى، وهو ما قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) أي: ما ينطق عما يهوي به نفسه؛ بل إنما ينطق عن الوحي بقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) وإلَّا جائز أن يصرف قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) إلى اللَّه تعالى؛ إذ اللَّه تعالى قد أضاف تعليمه إلى نفسه بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، لكن أبان بقوله: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) أن المراد غيره؛ إذ هو لا يوصف بأنه (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)، وهو جبريل - عليه السلام - على ما قال أهل التأويل.
ثم أضاف التعليم مرة إلى جبريل - عليه السلام - ومرة إلى نفسه، فالإضافة إلى جبريل - صلوات اللَّه عليه - لما منه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتلقف.
والإضافة إلى اللَّه تعالى تخرج على وجهين:
أحدهما: أضاف إلى نفسه؛ لما أنه هو الباعث لجبريل إليه، والآمر له بالتعليم، والخالق لفعل التعليم من جبريل، عليه السلام.
والثاني: لما يكون من اللَّه - سبحانه وتعالى - من اللطف الذي يحصل به العلم عند التعليم؛ ولهذا يختلف المتعلمون في حصول العلم مع التساوي في التعليم؛ لاختلافهم في آثار اللطف، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى...) الآية.
قال أهل التأويل: (ذُو مِرَّةٍ) أي: ذو قوة.
النجم 53:3
الآيات ٣ و٤ و٥ و٦ وهو ما قال تعالى :﴿وما ينطق عن الهوى﴾ أي ما ينطق عما تهوى به نفسه، بل إنما ينطق عن الوحي بقوله ﴿إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ ﴿علّمه شديد القُوى﴾ ﴿ذو مِرّة فاستوى﴾.
وإلا جائز أن يُصرَف قوله تعالى :﴿علّمه شديد القُوى﴾ إلى الله تعالى، إذ الله تعالى قد أضاف تعليمه إلى نفسه بقوله عز وجل :﴿الرحمن﴾ ﴿علّم القرآن﴾ [ الرحمن : ١ و٢ ].
لكن أبان قوله :﴿ذو مِرّة فاستوى﴾ أن المراد غيره، إذ هو لا يوصف بأنه ﴿ذو مِرّة فاستوى﴾ وهو جبرائيل عليه السلام على ما قال أهل التأويل.
ثم أضاف التعليم مرة إلى جبرائيل عليه السلام ومرة إلى نفسه : فالإضافة إلى جبرائيل، صلوات الله عليه، لما منه سمِع النبي عليه السلام وتلقّف. والإضافة إلى الله تعالى تخرّج على وجهين :
أحدهما : أضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى لما أنه هو الباعث لجبرائيل إليه والآمِر له بالتعليم، والخالق لفعل التعليم من جبرائيل عليه السلام.
والثاني : لما يكون من الله سبحانه وتعالى من اللّطف الذي يحصل به العلم عند التعليم ولهذا يختلف المتعلّمون في حصول العلم مع التساوي في التعليم لاختلافهم في آثار اللطف، والله الموفّق.
وقوله تعالى :﴿ذو مِرّة فاستوى﴾ قال أهل التأويل :﴿ذو مِرّة﴾ أي ذو إحكامٍ. وأصله من قِوى الحبل، وهي طاقته، والواحدة قوّة، وأصل المِرّة الفَتْلُ.
وقوله تعالى :﴿فاستوى﴾ يحتمل استوى أي محمد ﷺ لنزول الوحي إليه.
وقيل : استوى أي جبرائيل عليه السلام على صورته لما ذُكر أنه ﷺ سأل ربه عز وجل أن يُُريَه جبرائيل عليه السلام على صورته، فاستوى جبرائيل على صورته، فرآه كذلك.
النجم 53:7
وقيل: (ذُو مِرَّةٍ) أي: ذو إحكام، وأصله من قوى الحبل، وهي طاقته، والواحد: قوة، وأصل المرة: الفَتْل.
وقوله: (فَاسْتَوَى) يحتمل (فَاسْتَوَى)، أي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لنزول الوحي إليه.
وقيل: (فَاسْتَوَى)، أي جبريل - عليه السلام - على صورته؛ لما ذكر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سأل ربه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يريه جبريل - عليه السلام - على صورته فاستوى جبريل على صورته، فرآه كذلك، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثم يحتمل (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) أي: أفق السماء.
ويحتمل أن يكون الأفق الأعلى مكان الملائكة ومسكنهم، فأخبر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأى جبريل على صورته في مكانه.
وجائز أن يكون الأفق ما ذكر في الخبر: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يرى جبريل في صورته، فسأله أن يراه، فقال: إن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى الأفق الأعلى، فنظر فرآه.
وفي بعض الأخبار: إنك لا تقدر أن تراني في صورتي، ولكن انظر إلى الأفق الأعلى. ثم جائز أن يكون ما ذكر من النظر إلى الأفق الأعلى؛ لما أن بصره كان لا يحتمل النظر إليه من قرب، ويحتمل ذلك من البعد، وذلك معروف فيما بين الخلق: أن الشيء إذا كان له شعاع أو نور أو بياض شديد: أن البصر لا يحتمل النظر إليه من القرب في أول ملاقاته، ويحتمل إذا كان يبعد منه؛ وعلى هذا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) يحتمل: دنا منه جبريل - عليه الصلاة السلام - شيئًا بعد شيء، وقرب منه كذلك ليحتمله؛ إذ جبل الإنسان على طبيعة يحتمل الأشياء إذا انتهت إليه على التفاريق ما لو أتته بدفعة واحدة في وقت واحد، لما احتملتها الأنفس؛ كالحر يأتي الخلق بعد شدة البرد شيئًا فشيئًا، وكذلك البرد بعد شدة الحر شيئًا فشيئًا حتى يشتد ما لو أتيا بدفعة واحدة إذا كان قريبا منه.
ويحتمل من البعد، ثم يقرب ويدنو قليلًا قليلًا حتى يحتمل من القرب، واللَّه أعلم.
ثم من الناس من يقول: إن قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) على التقديم والتأخير؛ أي: تدلى قربا؛ لأنه يكون التدلي أولًا ثم الدنو منه.
ومنهم من قال: بل هو على ما قال، وهما سواء -أعني: التدلي والدنو- بمنزلة القرب والدنو، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: القاب: هو صدر القوس؛ أي: فكان قدر صدر القوس من الوتر مرتين.
النجم 53:8
الآية ٨ وعلى هذا قوله تعالى :﴿ثم دنا فتدلّى﴾ يحتمل دنا منه جبرائيل عليه السلام شيئا بعد شيء، وقرُب منه، كذلك يحتمله ؛ إذ جُبِل الإنسان على طبيعة تحتمل الأشياء إذا انتهت إليه على التّفاريق ما لو أتته بدفعة واحدة في وقت واحد لما احتملها(١) ؛ كالحرّ يأتي الخلق بعد شدة البرد شيئا فشيئا، وكذلك البرد بعد شدة الحرّ شيئا فشيئا حتى يشتدّ ما لو أتيا بدفعة واحدة [ لما احتملهُما ](٢).
[ فعلى ذلك جائز ألا يحتمل البصر رؤية الشيء بدفعة واحدة ](٣) إذا كان قريبا منه، ويحتمله من البُعد، ثم يقرُب، ويدنو قليلا قليلا، حتى يحتمله من القرب، والله أعلم.
ثم من الناس من يقول : إن قوله تعالى :﴿ثم دنا فتدلّى﴾ على التقديم والتأخير، أي تدلّى، فدنا، لأنه يكون التدلّي أولا ثم الدُّنوُّ منه.
ومنهم من قال : بل هو على ما قال، وهما سواء ؛ أعني : التّدلّي والدُّنوّ بمنزلة القُرب(٤)، والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: كالأنفس..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: والدنو..
النجم 53:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ اختُلف فيه :
قال بعضهم : القاب هو صدر القوس أي كان قدر صدر القوس من الوَتَر مرتين، وقال بعضهم : أي قدر قوسين حقيقة.
وقال القتبيّ :﴿قاب﴾ قدر ﴿قوسين﴾ عربيّتين. وقال أبو عوسجة : القاب قدر الطّول، وقيل : القوس الذراع ههنا، أي كان قدر ما بينهما ذراعين ؛ قال : والأول [ أقرب إليّ لما ](١) رُوي عن النبي عليه السلام [ أنه ](٢) قال :( لَقابُ قوس أحدكم من الجنة أو موضع قدّه خير من الدنيا وما فيها ) [ البخاري ٢٧٩٦ ] والقِدّ السّوط.
فتقول : أي الوجوه كان ففيه دليل أنه لم يكن جبرائيل عليه السلام يبعُد من رسول الله ﷺ بحيث لا يحيط به لأن الشيء إذا بَعُد عن البصر يعرفه بالاجتهاد، ولا يدركه حقيقة، وكذلك إذا قرُب منه حتى إذا ماسّه، والتصق به، قصُر البصر عن إدراكه، وإذا كان بين البُعد والقُرب أحاط به، وأدركه، فيُخبر الله تعالى أنه أحاط به علما، وأدركه حقيقة، لا أن كانت معرفته إياه بطريق الاجتهاد، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أو أدنى﴾ قال أهل التأويل : حرف أو حرف شكٍّ. وذلك غير محتمل من الله تعالى، ولكن معناه على الإيجاب، أي بل أدنى.
وقال بعضهم :﴿أو أدنى﴾ في اجتهادكم ووهمِكم، لو نظرتم إليهما لقُلتم : إنهما بالقُرب والدُّنوّ قدر قوسين أو أدنى.
١ في الأصل: أعجب إلي، في م: أعجب إلي..
٢ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:10
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: قدر قوسين حقيقة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قاب: قدر قوسين عربيين.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: القاب: قدر الطول.
وقيل القوس: الذراع هاهنا؛ أي: كان قدر ما بينهما ذراعين.
قال: والأول أعجب إليَّ؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لقاب قوس أحدكم -أي: موضع قده- خير من الدنيا وما فيها " والقد: السوط.
فنقول: أيّ الوجوه كان ففيه دليل: أنه لم يكن جبريل - عليه السلام - يبعد من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بحيث لا يحيط به؛ لأن الشيء إذا بعد عن البصر لعرفه بالاجتهاد، ولا يدركه حقيقة، وكذلك إذا قرب منه، حتى ماسه والتصق به، قصر البصر عن إدراكه، وإذا كان بين البعد والقرب، أحاط به وأدركه، فيخبر اللَّه - تعالى - أنه أحاط به علمًا، وأدركه حقيقة، لا أن كان معرفته إياه بطريق الاجتهاد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ أَدْنَى).
قال أهل التأويل: حرف " أو " شك، وذلك غير محتمل من اللَّه تعالى، لكن معناه على الإيجاب؛ أي: بل أدنى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوْ أَدْنَى) في اجتهادكم ووهمكم، لو نظرتم إليهما، لقلتم: إنهما بالقرب والدنو قدر قوسين أو أدنى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على التقديم والتأخير، أي: فأوحى جبريل ما أوحي إليه إلى مُحَمَّد عبده ورسوله، عليهما السلام.
والثاني: فأوحى اللَّه - جل وعلا - إلى عبده جبريل ما أوحى هو إلى مُحَمَّد عليهما الصلاة والسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١).
قرئ: (كَذَبَ) مخفف الذال ومشدده؛ فمن قرأ بالتخفيف، أي: ما كذب عبده فيما رأى؛ أي: ما رأى حق. وقال أبو عبيد: ما كذب في رؤيته، قد صدقت.
ومن قرأ بالتشديد، أي: لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا.
وعندنا: أي: ما رد الفؤاد ما رأى البصر، وأصله: أن الفؤاد مما يوعى به، يقول: قد وعى به ما رأى لم يتركه، ولم يضيعه.
وقيل: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)؛ أي: ما علم، والرؤية: كناية عن العلم، لكن لو كان المراد منه: العلم فلا يحتمل ما ذكر (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)، ولا يتصور أن يعلم مرتين؛ وكذا ذكر أنه رأى ربه مرتين، ولا يحتمل العلم مرتين؛ فدل أن الحمل على العلم لا يصح.
وأصله عندنا: ما كذب الفؤاد ما رأى من الآيات؛ دليله ما ذكر في آخره: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) وقال: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى).
وعن الحسن: أي: رأى عظمة من عظمة اللَّه، وأمرا من أمره.
وعن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " رأى جبريل - عليه السلام - على صورته مرتين "، أي: ما كذب الفؤاد ما رأى البصر جبريل - عليه السلام - ولقد رآه أيضًا مرة أخرى عند سدرة المنتهى.
ومنهم من قال: إنه رأى ربه على العيان بعينه، فهو خلاف ما ثبت من وعد الرؤية في الآخرة بالكتاب والسنة المتواترة، ولأنه لو رأى ربه تعالى على ما قالوا، لكان لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى؛ لأن رؤية الآيات إنما يحتاج إليها عندما يعرف الشيء بالاجتهاد، فأما عند المشاهدة وارتفاع الموانع، لا حاجة تقع إليها، إلا أن يقال برؤية القلب على ما ذكر في الخبر: أنه سئل عن ذلك، فقيل: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: " رأيته مرتين بقلبي ".
وفي بعض الأخبار قال: " أما بعيني فلا، وأما بفؤادي، فقد رأيته مرتين ".
ويفسرون رؤية القلب بالعلم، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا؛ فإن ثبت الحديث فهو
النجم 53:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿ما كذَب الفؤاد ما رأى﴾ قُرئ ﴿كَذَبَ﴾ مخفّف الذال ومشدّدة(١). فمن قرأ بالتخفيف، أي ما كَذَبَ عبدُه في ما رأى، وقال أبو عُبَيد : ما كذَب في رؤيته أو رؤيتُه قد صدقت.
ومن قرأ بالتشديد أي لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذِباً.
وعندنا أي ما ردّ الفؤاد ما رأى البصر. وأصله أن الفؤاد مما يوعى به يكون(٢) قد وعى به، يقول : وعى ما رأى، لم يتركه، ولم يضيّعه. وقيل :﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ أي ما علم. والرؤية كناية عن العلم. لكن لو كان المراد منه العلم لا يُحتمل ما ذكر :﴿ولقد رآه نزلةً أخرى﴾ [ الآية : ١٣ ] ولا يُتصوّر أن يُعلَّم مرّتين، وقد(٣) ذكر أنه رأى ربه مرّتين، ولا يحتمل العلم مرّتين. فدلّ أن الحمل على العلم لا يصح.
وأصله عندنا :﴿ما كَذَب الفؤاد ما رأى﴾ من الآيات. دليله :﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [ الآية : ١٨ ] وقال :﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [ الآية : ١٣ ].
وعن الحسن [ أنه قال :](٤) رأى عظمة من عظمات(٥) الله وأمرا من أموره(٦)، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : رأى جبرائيل عليه السلام على صورته مرّتين، أي ما كذَب ما رأى البصر جبرائيل عليه السلام ولقد رآه أيضا مرة أخرى ﴿عند سِدرة المنتهى﴾ [ الآية : ١٤ ].
ومنهم من قال : إنه رأى ربه على العِيان بعينه، فه خلاف ما ثبت من وعد الرؤية في الآخرة بالكتاب والسّنة المتواترة، ولأنه لو رأى ربه تعالى ما قالوا لكان لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى [ الآية : ١٨ ] لأن رؤية الآيات إنما يحتاج إليها عندما يعرف الشيء عند الاجتهاد.
فأما عند المشاهد وارتفاع الموانع فلا حاجة يقع إليها إلا أن يقال برؤية القلب ما ذُكر من الخبر أنه سُئل عن ذلك، فقيل :( هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيته مرّتين بقلبي ). وفي بعض الأخبار [ أنه ](٧) قال :( أما بعيني فلا، وأما بفؤادي فقد رأيته مرّتين ) [ السيوطي في الدر المنثور ٧/٦٤٨ ] ويفسّرون رؤية القلب بالعلم، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا. فإن ثبت الحديث فهو على ما كان واردا، لا يفسّره ذلك. وكذلك قول من يقول في قوله تعالى :﴿ثم دنا فتدلّى﴾ ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [ الآيتان : ٨ و٩ ] : إنه دنا من ربه قول وحش، فيه إثبات المكان والتّشبيه، تعالى الله عن ذلك.
ولكنّ المراد ما ذكرنا أن رسول الله تعالى دنا من جبرائيل عليه السلام على ما ذكرنا.
ثم في قوله تعالى :﴿ما كذَب الفؤاد ما رأى﴾ [ الآية : ١١ ] وقوله تعالى :﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ﴿عند سدرة المنتهى﴾ [ الآيتان : ١٣ و١٤ ] إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا ﷺ من بين غيره من الخلائق : منها رؤية جبرائيل عليه السلام على صورته، ورؤية الربّ تعالى بقلبه، إن ثبت الحديث عنه : وبُلوغه سدرة المنتهى، إذ لم يُذكر لأحد من رُسُل الله تعالى أنه بلغ هذا المبلغ سواه.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٩..
٢ في الأصل وم: يقول..
٣ في الأصل وم: وكذا..
٤ في الأصل وم: أي..
٥ في الأصل وم: عظمة..
٦ في الأصل وم: أمره..
٧ في الأصل وم: وارد..
النجم 53:12
على ما كان وأراد، لا يفسر ذلك، وكذلك قول من يقول في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى): إنه دنا من ربه - قول [وخش]، فيه إثبات المكان والتشبيه؛ تعالى اللَّه عن ذلك، ولكن المراد ما ذكرنا: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دنا من جبريل - عليه السلام - على ما ذكرنا.
ثم في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى...) إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بين غيره من الخلائق، منها: رؤية جبريل - عليه السلام - على صورته، ورؤية الرب تعالى بقلبه؛ إن ثبت الحديث عنه، وبلوغه إلى سدرة المنتهى؛ إذ لم يذكر لأحد من رسل اللَّه تعالى: أنه بلغ هذا المبلغ سواه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢).
عن ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنهما قرآ مفتوحة التاء بغير ألف، ومعناه: أفتجحدونه؟!.
وعن الحسن بالألف مضمومة التاء، وقال: معناه: أفتجادلونه؟!
وعن شريح مثله.
قال أبو عبيد: فالأولى أن يقرأ بمعنى الجحود؛ وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود فيما يأتيهم من الخبر السماوي، وهو أكبر من المماراة والمجادلة.
وقيل: (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: تشككونه على ما يرى؟
وقال أبو بكر الأصم: لا تصح القراءة بغير ألف ولا تأويله، إنما القراءة بالألف، وتأويله: أفتجادلونه؟!
ونحن نقول بأن تأويل ما ذكر من الجحود والقراءة صحيح، وتأويل من قال: أفتجادلونه على ما يرى؟! لا يحتمل؛ لأن مجادلتهم لا تكون فيما يرى، لكن يجادلونه على ما يخبر أنه يرى، إذ في الخبر يقع التكذيب، وبه يجادلونه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣).
فهو على ما ذكرنا من اختلاف الناس أن ما أيش هو؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤).
قيل: سمي ذلك الموضع سدرة المنتهى، لما انتهى إليه علم الخلق؛ فلا يجاوزه.
النجم 53:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ فهو على ما ذكرنا من اختلاف الناس أن ما أيش هو ؟ والله أعلم.
النجم 53:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿عند سدرة المنتهى﴾ قيل : سمّى ذلك الموضع سِدرة لما انتهى إليه علم الخلق، فلا يُجاوزه، وقيل : لما انتهى إليه كرامات الخلق، لا تتجاوز كراماتهم عنها، وقيل : السّدرة الشجرة، ويروون في ذلك خبرا مرفوعا عن ابن مسعود رضي الله عنه [ أنه ](١) قال : قال رسول الله ﷺ :( رأيت جبرائيل عليه السلام عند سِدرة المنتهى، عليه كذا كذا من جَناح ) [ السيوطي في الذر المنثور ٧/٦٤٩ ] وقيل : سمّيت سِدرة المنتهى لما تنتهي إليها أرواح الشهداء.
ثم جائز أن يكون رسول الله ﷺ رأى جبرائيل عليه السلام أولا عند سدرة المنتهى من الأرض إما برفع الحُجُب عنه وإما بزيادة قوة وضِعَت في بصره، ثم رآه مرة أخرى هنالك أيضا بعد ما رُفع ﷺ إلى سِدرة المنتهى، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:15
وقيل: لما انتهى إليه كرامات الخلق، لا تجاوز كراماتهم عنها.
وقيل: السدرة: الشجر، ويروون في ذلك خبرًا مرفوعا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رأيت جبريل - عليه السلام - عند سدرة المنتهى، عليه كذا كذا من جناح ".
وقيل: سميت سدرة المنتهى؛ لما ينتهي إليها أرواح الشهداء.
ثم جائز أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأى جبريل - عليه السلام - أولًا عند سدرة المنتهى من الأرض: إما برفع الحجب عنه، وإما بزيادة قوة وضعت في بصره، ثم رآه مرة أخرى هنالك أيضًا بعدما رفع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى سدرة المنتهى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥).
قرئت بنصب الجيم وخفضه.
روي أنه قيل لسعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إن فلانا يقرأ بالخفض (عندها جِنة المأوى)، فقال سعد: ما كذا جنة اللَّه، وقرأ بالفتح.
وعن الأعمش قال: قال: من قرأ (جِنة المأوى)، فأجَنَّه اللَّه.
وعن أبي العالية قال: سئل عنها ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال لي: كيف تقرؤها يا أبا العالية؟ فقلت: (جَنَّةُ الْمَأْوَى) بفتح الجيم، فقال: صدقت، وهي مثل الأخرى: [(فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى)].
[وعن الحسن أنه قرأ] [(جَنَّةُ الْمَأْوَى)]، وقال: إنها من الجنان، وتصديقها، حديث الإسراء: أنه أُرِيَ الجنة، وأدخلها.
قال: ودلت الآية: أن الجنة التي يأوي إليها المؤمنون في السماء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦).
قال عامة أهل التأويل: يغشاها فراش من ذهب.
وكذا ذكر في خبر مرفوع " غشاها فراشا من ذهب ".
ولكن لا نفسر ما الذي يغشى السدرة؛ بل نبهم كما أبهم اللَّه تعالى إلا بحديث ثبت عن
النجم 53:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿إذ يغشى السِّدرة ما يغشى﴾ قال عامة أهل التأويل : يغشاها فِراش من ذهب، وكذا ذُكر في خبر مرفوع :( رأيتُها يغشاها فراش من ذهب ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٢٧/٥٥ ] ولكن لا يفسِّر ما الذي يغشى السّدرة، بل يُبهِم كما يُبهِم الله تعالى [ فلا يفسَّر ](١) إلا بحديث ثبت عن تواتر، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله تعالى :﴿إذ يغشى السّدرة ما يغشى﴾ من أمر الله، ويروُون خبرا من أنس بن مالك ؛ قال : قال رسول الله ﷺ :( لما انتهيت إلى السّدرة رأيت ورقها أمثال أذان الفِيَلة، ورأيت نبقها أمثال القِلالِ، فلما غشِيَها من أمر الله ما غشِيها تحوّلت ياقوتا وزُمرّدا ] [ أحمد ٣/١٢٨ ] إن ثبت هذا الخبر ففيه دليل أن السّدرة شجرة ؛ إذ ذكر ورقها، وفيه أن الذي يغشاها أمر الله تعالى.
وعن ابن عباس رضي الله عنه إذ تغشى الملائكة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:17
تواتر، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى): أي: ما يغشى من أمر الله تعالى، ويروون خبرا عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لما انتهيت إلى السدرة رأيت ورقها أمثال آذان الفيلة؛ ورأيت نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر اللَّه ما غشيها، تحولت ياقوتًا " إن ثبت هذا الخبر، ففيه دليل: أن السدرة: شجرة، إذ ذكر ورقها، وفيه أن الذي يغشاها أمر اللَّه تعالى.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى): الملائكة، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧).
قال أبو بكر: أي: ما قصر البصر عن الحد الذي أمر وجعل له، وما طغى وما جاوز عنه، أو كلام نحوه.
ويحتمل (مَا زَاغَ) أي: ما مال وما عدل يمينًا وشمالاً، (وَمَا طَغَى): وما جاوز.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ)، أي: ما مال، (وَمَا طَغَى) من الارتفاع؛ طغى الماء: إذا ارتفع، يطغى طغيانا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨).
جائز أن تكون آيات ربه التي ذكر أنه رأى: هو جبريل - عليه السلام - حيث رآه بصورته، وكذلك روي عن عمد اللَّه بن مسعود: أنه رآه بصورته مرتين، وتأول الآية، ويحتمل غيره من الآيات، ولكن لا نفسرها، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى.) الآية.
يخرج تأويل هذه الآية على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله - عز وجل -: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) - جوابٌ، ولا لقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).
النجم 53:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ جائز أن تكون آيات ربه التي ذكر أنه رأى جبرائيل عليه السلام حين(١) رآه بصورته. وكذلك رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه رآه بصورته مرتين(٢). ويحتمل غيرها(٣) من الآيات، ولكن لا يُفسّرها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: وتأويل الآية..
٣ في الأصل وم: غيره..
النجم 53:19
الآيات ١٩ و٢٠ و٢١ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومناةَ الثالثة الأخرى﴾ يخرّج تأويل [ هذا القول ](١) على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله عز وجل :﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ جواب، ولا لقوله :﴿ألكُمُ الذّكر وله الأنثى﴾ [ الآية : ٢١ ].
أحدها : أن يقول : أهؤلاء الذين تعبدونهم من اللاّت والعُزّى ومَناة أخبروكم، وقالوا لكم : إنه اصطفى لنفسه البنات ولكم البنين، وإن الملائكة بنات الله ونحوه. أأخذتم ذلك منها ؟ أو ممّن أخذتم ذلك ؟ وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب، وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، [ فيُذكر ](٢) بذلك سفههم.
[ والثاني : أن ](٣) يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعزّى﴾ ﴿ومناة /٥٣٦-ب/ الثالثة الأخرى﴾ التي سمّيتموها آلهة، وعبدتموها دون الله، ونسبتُم البنات إليه والبنين إلى أنفسكم. ثم لم يذكر جوابها : أنه من أمرهم بذلك ؟ ومن اختار لهم ذلك ؟ أو ممّن أخذوا ذلك ؟.
ثم قوله(٤) تعالى :﴿إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ الآية [ ٢٣ ] كأنه يقول، والله أعلم : إنكم إنما سمّيتموها آلهة، واخترتُم البنين، وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم ؛ إنما هي أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هوى النفس، والظّن.
[ والثالث ](٥) يحتمل أن يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومَناة الثالثة الأخرى﴾ أأمرتكم(٦) بصرف شكر ما أنعم الله تعالى عليكم وقبول ما وهب لكم من البنات على ما أخبر أنهما من مواهب الله تعالى بقوله تعالى :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩] وبردّ مواهبه ودفنها حيّات ودسّها في التراب وبصرف العبادة إلى غير المُنعِم وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.
١ في الأصل وم: هذه الآية..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: أمركم..
النجم 53:20
الآيات ١٩ و٢٠ و٢١ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومناةَ الثالثة الأخرى﴾ يخرّج تأويل [ هذا القول ](١) على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله عز وجل :﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ جواب، ولا لقوله :﴿ألكُمُ الذّكر وله الأنثى﴾ [ الآية : ٢١ ].
أحدها : أن يقول : أهؤلاء الذين تعبدونهم من اللاّت والعُزّى ومَناة أخبروكم، وقالوا لكم : إنه اصطفى لنفسه البنات ولكم البنين، وإن الملائكة بنات الله ونحوه. أأخذتم ذلك منها ؟ أو ممّن أخذتم ذلك ؟ وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب، وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، [ فيُذكر ](٢) بذلك سفههم.
[ والثاني : أن ](٣) يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعزّى﴾ ﴿ومناة /٥٣٦-ب/ الثالثة الأخرى﴾ التي سمّيتموها آلهة، وعبدتموها دون الله، ونسبتُم البنات إليه والبنين إلى أنفسكم. ثم لم يذكر جوابها : أنه من أمرهم بذلك ؟ ومن اختار لهم ذلك ؟ أو ممّن أخذوا ذلك ؟.
ثم قوله(٤) تعالى :﴿إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ الآية [ ٢٣ ] كأنه يقول، والله أعلم : إنكم إنما سمّيتموها آلهة، واخترتُم البنين، وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم ؛ إنما هي أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هوى النفس، والظّن.
[ والثالث ](٥) يحتمل أن يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومَناة الثالثة الأخرى﴾ أأمرتكم(٦) بصرف شكر ما أنعم الله تعالى عليكم وقبول ما وهب لكم من البنات على ما أخبر أنهما من مواهب الله تعالى بقوله تعالى :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩] وبردّ مواهبه ودفنها حيّات ودسّها في التراب وبصرف العبادة إلى غير المُنعِم وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.
١ في الأصل وم: هذه الآية..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: أمركم..
النجم 53:21
الآيات ١٩ و٢٠ و٢١ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومناةَ الثالثة الأخرى﴾ يخرّج تأويل [ هذا القول ](١) على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله عز وجل :﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ جواب، ولا لقوله :﴿ألكُمُ الذّكر وله الأنثى﴾ [ الآية : ٢١ ].
أحدها : أن يقول : أهؤلاء الذين تعبدونهم من اللاّت والعُزّى ومَناة أخبروكم، وقالوا لكم : إنه اصطفى لنفسه البنات ولكم البنين، وإن الملائكة بنات الله ونحوه. أأخذتم ذلك منها ؟ أو ممّن أخذتم ذلك ؟ وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب، وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، [ فيُذكر ](٢) بذلك سفههم.
[ والثاني : أن ](٣) يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعزّى﴾ ﴿ومناة /٥٣٦-ب/ الثالثة الأخرى﴾ التي سمّيتموها آلهة، وعبدتموها دون الله، ونسبتُم البنات إليه والبنين إلى أنفسكم. ثم لم يذكر جوابها : أنه من أمرهم بذلك ؟ ومن اختار لهم ذلك ؟ أو ممّن أخذوا ذلك ؟.
ثم قوله(٤) تعالى :﴿إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ الآية [ ٢٣ ] كأنه يقول، والله أعلم : إنكم إنما سمّيتموها آلهة، واخترتُم البنين، وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم ؛ إنما هي أسماء سمّيتموها أنتم وآبائكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هوى النفس، والظّن.
[ والثالث ](٥) يحتمل أن يقول :﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى﴾ ﴿ومَناة الثالثة الأخرى﴾ أأمرتكم(٦) بصرف شكر ما أنعم الله تعالى عليكم وقبول ما وهب لكم من البنات على ما أخبر أنهما من مواهب الله تعالى بقوله تعالى :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩] وبردّ مواهبه ودفنها حيّات ودسّها في التراب وبصرف العبادة إلى غير المُنعِم وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.
١ في الأصل وم: هذه الآية..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: أمركم..
النجم 53:22
أحدها: أن يقول: أهَؤُلَاءِ الذين تعبدونهم -من اللات والعزى ومناة- أخبروكم، وقالوا لكم: إنه اصطفى لنفسه البنات، ولكم البنين، وأن الملائكة بنات اللَّه، ونحوه؟ أخذتم ذلك منها أو ممن أخذتم ذلك، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟ وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، فيذكر بذلك سفههم، ويقول: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) التي سميتموها: آلهة، وعبدتموها دون اللَّه، ونسبتكم البنات إليه، والبنين إلى أنفسكم، ثم لم يذكر جوابها: أنه مَنْ أمرهم بذلك؟ ومن اختار لهم ذلك؟ أو ممن أخذوا ذلك؟
ثم قال: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ...) الآية؛ كأنه يقول واللَّه أعلم: إنكم سميتموها: آلهة، واخترتم لأنفسكم البنين وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم، إنما هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هوى النفس والظن.
ويحتمل أن يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، أمروكم بصرف شكر ما أنعم اللَّه تعالى عليكم، وقبول ما وهب لكم من البنات؛ على ما أخبر أنها من مواهب اللَّه بقوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)، وبرد مواهبه، ودفنها حيات، ودسها في التراب، وبصرف العبادة إلى غير المنعم، وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.
ثم أخبر، وقال: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) أي: تلك قسمة جور وظلم؛ أي: صرف شكر المنعم إلى غير المنعم، وتوجيه العبادة إلى من لا يستحقها، ورد مواهبه.
على هذه الوجوه يشبه أن تخرج الآية، وإلا فلا ندري بظاهرها: ما تأويلها؟ وما جواب هذا الحرف؛ واللَّه أعلم.
ثم قوله: (اللَّاتَ) قرأ مجاهد وغيره مشدد التاء، فقالوا: هو رجل كان يقوم على آلهتهم، ويلت لها السويق بالزيت، فيطعمه الناس.
[وروى ابن الجوزي] (١) عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " كان يلت السويق للحاج ".
ومن قرأه مخفف التاء جعله اسم الصنم؛ مثل: العزى، ومناة، وهي آلهة كانوا يعبدونها؛ ذكر قتادة في تفسيره: كان اللات بالطائف، والعزى ببطن نخلة، ومناة
(١) هنا إشكال؛ إذ كيف ينقل الماتريدي عن ابن الجوزي وهو يسبقه بقرون؟!! ولم يشر محقق الكتاب إلى سبب ذلك لا من قريب ولا بعيد، ولعله زيادة من الناسخ، وقد وجدت هذه الرواية نصًّا في زاد المسير لابن الجوزي. ٤/ ١٨٨). وسيأتي موضع آخر ينقل فيه عن القرطبي. واللَّه الهادي والموفق. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية). بقديد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى).
قَالَ الْقُتَبِيُّ: هي في الأصل " ضَيزَى " على وزن " فَعْلَى "، فكسرت الضاد للياء، وليس في النعوت " فِعْلى "؛ أي: قسمة جائرة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ضِيزَى) أي: غير منصفة، والضيز في الأصل: الجور.
وقال أبو عبيدة: ناقصة.
وقال بعض الناس: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما تلا قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) ألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ومثلهن لا تنسى ".
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الغرانيق العلا: الملائكة.
وقال بعصهم: الأصنام التي يعبدونها على رجاء الشفاعة لهم بقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ).
لكن لا يحتمل أن يقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو يجري على لسانه ما ذكر، واللَّه - تعالى - قال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، ولو جاز أن يجري على لسانه، لتوهم منه التقول، وذلك بعيد، وقال في آية أخرى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ)، ولو جاز ذلك، لجاز أن يجري الله الكذب على لسانه؛ فلا يكون فيمن وجد من الحرج في قضائه ما ذكر، وهو الكفر؛ دل أن ما ذكروه فاسد، فإن ثبت ما ذكر: أنه جرى على لسانه تلك الكلمات، أو ألقى الشيطان في فمه يريد بذلك: الغرانيق العلا شفاعتهن لترتجى عندهم وفي زعمهم، وهو كقول موسى - عليه السلام -: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)، أي: إلى إلهك الذي هو عندك إله، وإلا لا يحتمل أن يكون موسى - عليه السلام - يسمي العجل: إلها، وكقوله - تعالى -: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، أي: إلى آلهة عندهم، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)، أنها شركائي، فقد ذكرنا هذا على التمام في سورة الحج في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...) الآية، واللَّه أعلم.
النجم 53:23
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣). أي: ما أنزل اللَّه على تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها، ونسبتكم البنين إلى أنفسكم والبنات إلى اللَّه تعالى - من حجة وبرهان، إنما هو من هوى النفس والظن، وذلك قوله - تعالى -: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في قولهم: الملائكة بنات اللَّه، أو قولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، وتسميتهم الأصنام: آلهة، وظنوا أن آباءهم كانوا على الحق، واستدلوا على حقيقة ما كانوا عليه من الدِّين؛ حيث تركهم وما اختاروا ولم يهلكهم، وقالوا: لو كانوا على باطل ما تركهم على ذلك، واستدلوا بذلك - أيضًا - على رضاه منهم بذلك، وأمره إياهم؛ كما أخبر عنهم بقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، هذا ظنهم باللَّه تعالى.
وقوله: (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ)، أي: يتبعون هوى النفس، فالنفس ما تعرف إلا المنافع الحاضرة والمضار الحاضرة، فأما ما غاب عنها فلا يعرف، وإنما يعرف ذلك بالتفكر والنظر، وهي لا تعرف؛ لما تكره النظر والتفكر، ولا ترغب في الشدائد، ولا فيما يثقل عليها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى).
أي: جاءهم من ربهم ما لو تفكروا ونظروا لاهتدوا، ولو اتبعوا الحق والهدى، لعرفوه.
* * *
قوله تعالى: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى).
أي: للإنسي ما تمنى.
ثم يحتمل تمنيهم شفاعة ما عبدوه.
أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله تعالى.
النجم 53:24
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿أم للإنسان ما تَمنّى﴾ أي للإنسان ما تمنّى. ثم يحتمل تمنّيهم شفاعة ما عبدوا أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله تعالى أو ما سمّوا، واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على الله، وادّعوا أمره ورضاه في فعلهم وغير ذلك مما كانوا يتمنّون.
يقول : ليس للإنسان ما تمنى أن يكون له [ ما ](١) يجعل الله الذي له في الدنيا والآخرة. وذلك قوله تعالى :﴿فللّه الآخرة والأولى﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:25
أو ما سموا واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على اللَّه وادعوا أمره ورضاه في فعلهم، وغير ذلك مما كانوا يتمنون؛ يقول: ليس للإنسان ما تمنى أن يكون له؛ إنما يكون ذلك له بجعل اللَّه الذي له الدنيا والآخرة، وذلك قوله - تعالى -: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦).
يخرج هذا على وجهين:
أحدهما: أي: كم ملك له شفاعة لا تنفع شفاعته وإن يشفع إلا لمن ذكر. والثاني: أي: كم من ملك في السماوات لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء الله ويرضى أن يشفع، وهو كقوله - تعالى -: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) و، أي: ليست لهم شفاعة تنفع.
وقال أبو بكر الأصم: إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا واستغفروا لهم؛ كقوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)، وقوله - تعالى -: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا...) الآية، وقولهم: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ)، وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه في ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وإنما يسمي ذلك فُؤُم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر؛ لأن الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) أي: ما لهم بما يسمون الملائكة تسمية الأنثى من علم؛ لأن العلم بمعرفة الأنثى من الذكر بطريقين:
أحدهما: المشاهدة، يشاهد ويعاين فيعرف الأنثى من الذكر، وهم لم يشاهدوا الملائكة، فكيف يعرفون ذلك؟
والثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهَؤُلَاءِ قوم لا يؤمنون بالرسل.
ولا يعرف بالاستدلال وطرق العلم الثلاثة التي ذكرنا، فإذا كان حصل قولهم بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)، أي: ما يتبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنهم ما ذكرنا.
ثم أخبر أن ظنهم لا يغنيهم من الحق شيئًا، فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: أن الظن الذي ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتباع الحق ولزومه.
النجم 53:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿وكم من ملَكٍ في السماوات لا تُغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي كم من مَلَكٍ، له شفاعته، وإن يشع إلا لمن ذكر.
والثاني : أي كم من ملَكٍ في السماوات، لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء الله، ويرضى أن يشفع، وهو كقوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] أي ليست لهم شفاعة، تنفع لهم.
وقال أبو بكر الأصمّ : إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا، واستغفروا لهم كقوله تعالى :﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] وقوله تعالى :﴿ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسِعْت كل شيء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا﴾ الآية [غافر: ٧] وقولهم :﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ [غافر: ٨] وقد ذكرنا(١) في ما تقدم الوجه في ذلك.
١ من م، في الأصل: ذكر..
النجم 53:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليُسمّون الملائكة تسمية الأنثى﴾ وإنما يسمي ذلك قوم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر لأن الذين يُسمّون الملائكة تسمية الأنثى [ جماعة، فكان معناه : إن جماعة من الذين لا يؤمنون بالآخرة يسمّون الملائكة تسمية الأنثى ](١) والله أعلم.
ويجوز أن يُذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:28
الآية ٢٨ وقوله تعالى :﴿وما لهم به من علم﴾ أي ما لهم بما يسمّون الملائكة تسمية الأنثى من علم، لأن العلم بمعرفة الأنثى من الذَّكر بطريقتين :
أحدهما : المشاهدة :[ يشاهد ](١) ويعاين، فتُعرَف الأنثى من الذّكر، وهم لم يشاهدوا الملائكة، فكيف يعرفون ذلك ؟
والثاني : خبر الرسول المؤيَّد بالمعجزة، وهؤلاء قوم لا يؤمنون بالرسل، ولا يعرفون(٢) بالاستدلال طُرق العلم الثلاثة التي ذكرنا.
فإن كان حصل قولهم بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله تعالى :﴿إن يتّبعون إلا الظن﴾ [النجم: ٢٣] أي ما يتّبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنّهم ما ذكرنا.
ثم أخبر أن ظنّهم ﴿لا يُغني من الحق شيئا﴾ فهو يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن الظن الذي /٥٣٧-أ/ ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتّباع الحق ولزومه.
والثاني : أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: يعرف..
النجم 53:29
والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا... (٢٩).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم.
والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فهو في قوم خاص علم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا.
وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)، وقوله - عز وجل -: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...) الآية، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ؍ (٣٠) بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها.؍
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: ذلك مبلغ رأيهم من العلم: أن الملائكة بنات اللَّه، وأنها تشفع لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى).
مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أُولَئِكَ الكفرة مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، كأن أُولَئِكَ الكفرة قالوا: نحن على الهدى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)، أي: هو أعلم بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) فيجزيه جزاء الهدى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وهو غني عن عبادتكم، وإنَّمَا يأمركم وينهاكم؛ ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه.
النجم 53:30
الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿ذلك مبلغُهم من العلم﴾ بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها. وقال بعضهم :﴿ذلك مبلغُهم من العلم﴾ أي ذلك مبلغ رأيهم أن الملائكة بنات(١) الله، وأنها تشفع لهم.
وقوله تعالى :﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ أي ﴿هو أعلم بمن ضل عن سبيله﴾ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة ﴿وهو أعلم بمن اهتدى﴾ فيجزيه جزاء الهدى، والله أعلم.
١ في الأصل وم: آيات..
النجم 53:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ هذا يُخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ وهو غنيّ عن عبادتكم، وإنما يأمركم، ليجزيكم بأعمالكم لا لمنافع ترجع إليه.
والثاني :﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي إنما أنشأ أهل السماوات والأرض ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذين أساؤوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان.
ولو كان على ما قال أولئك الكفرة : أن لا بعث، ولا جزاء، لكان خلقُهم وخلق ما ذكر عبثا باطلا. وفي الحكمة التفريق بين المُسيء والمحسن، وفي الدنيا تحقّقت التّسوية بينهما، فدلّ ذلك على دار أخرى، يُفرَّق بينهما فيها.
ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة : في الدنيا القهر والدّبرة والهزيمة، وفي الآخرة النار، وجزاء المحسن في الدنيا النصر والظّفر، وفي الآخرة الجنة.
النجم 53:32
والثاني: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: إنما أنشأ أهل السماوات والأرض؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذين أساءوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان، ولو كان على ما قال أُولَئِكَ الكفرة: أن لا بعث ولا جزاء، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثًا باطلًا، وفي الحكمة التفريق بين المسيء والمحسن، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما، فدل ذلك على دار أخرى يفرق بينهما فيها.
ثم يحتمل جزاء إساءة أُولَئِكَ في الدنيا والآخرة: في الدنيا: القهر، والدَّبرة، والهزيمة، وفي الآخرة: النار، وجزاء المحسن في الدنيا: النصر والظفر، وفي الآخرة: الجنة.
ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢).
ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد: أنها كبيرة، والفاحشة: ما يعرفها كل أحد أنها فاحشة، واللمم -على هذا- يجيء أن تكون من تلك الكبائر والفواحش؛ لأنه استثناها؛ فيجب أن تكون من جنسها، لكنه استثناها وعفا عنها؛ لما يقعون فيها عن غفلة وسهو، أو عن غلبة شهوة، ونحوها، وهو الأشبه بتأويل الآية.
وقال أهل التأويل: الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " زنا العين: النظر، وزنا الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم فهو زنا، وإلا فهو لمم "، وفي رواية: " إن تقدم كان زنا، وإن تأخر كان لممًا ".
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه ".
وعن أبي هريرة أنه النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة. وعنه أن اللمم: النكاح.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: اللمم: لمم الجاهلية؛ كقوله - تعالى -: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أن يلم المرَّة.
وقيل: اللمم: الهمُّ بالخطيئة من جهة حديث النفس شيئًا من غير عزم.
وقيل: إن اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " لَاهُمَّ إن تغفر تغفر جمَّا، وأي عبد لك لا ألما؟! ".
وقيل: اللمم: الصغير من الذنوب؛ لقوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...) الآية.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: اللمم: الصغار من الذنوب، وهو من ألم بالشيء: إذا لم يتعمق فيه، ولم يلزمه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اللمم: ما بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة؛ وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وذلك يحتمل، والأول أقرب.
وقال أبو بكر الأصم: اللمم: التي يتوب عنها؛ فإنهم إذا تابوا عنها يتجاوز عنهم؛ فهو يجعل اللمم من تلك الكبائر والفواحش، لكنه يقول: إنما استثنى؛ لما يتوب عنها؛ لما يقعون فيها على السهو والغفلة، أو لغلبة شهوة على حسن الظن بربه؛ فيغفر له، أو يتوب عليه؛ فيعفو عنها.
وعلى تأويل أهل التأويل: اللمم: ما دون الكبائر والفواحش.
وجائز أن تكون الكبائر والفواحش التي ذكر كبائر الشرك وفواحشه؛ كقوله - عز وجل -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً...) الآية، وقوله - تعالى -: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا)؛ فيكون اللمم -على هذا-: ما دون الشرك فهو في مشيئة اللَّه - تعالى -: إن شاء عفا عنها، وإن شاء عذب عليها؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ).
أي: هو أعلم بكم، وبأحوالكم، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة، عفا عنكم؛ أي: عن اللمم.
وعلى قول أبي بكر: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) لمن تاب عنها، و (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) أنكم تتوبون عنها.
وعندنا: أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء، تاب عنها أو لم يتب.
ثم إن كانت المغفرة هي الستر، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا، وإن كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) عندنا: هو أعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون فيها عن السهو والغفلة.
أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم، وما يكون منكم، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا معنى الإنسان في ذلك، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين، والعينين، وغيرها من الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم.
ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله - تعالى -: (مِنَ الْأَرْضِ) تحتمل وجهين:
إما لخلق أصلنا من الأرض؛ كقوله: (أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، ونحوه.
أو لجعل أقواتنا منها؛ لقوله - تعالى -: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا)؛ إذ لا قوام لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) في ظاهر الآية نهى عن التزكية، وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها؛ حيث قال: (وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها فعلا، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح والتقى والبراءة، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة.
أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: إن اللَّه - تعالى - لما نهانا عن التزكية، فكيف جاز لنا أن نقول لأنفسنا: إنا مؤمنون ومسلمون؛ إذ ذلك مدح وتزكية.
قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ..) الآية
النجم 53:33
وقوله: (وَأَسْلِمُوا)، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من الطاعات.
والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، كافرون بشيء، بقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)، وقول أُولَئِكَ: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ)، وقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ)، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.
وقيل: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، وذلك محتمل يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كُلًّا في نفسه أن يزكي، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) أي: اتقى محارم اللَّه ومناهيه.
ويحتمل: أي: اتقى الكفر باللَّه والشرك به.
* * *
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال لضعفة أهل الإيمان؛ ليرجعوا عن الإيمان بمُحَمَّد والتصديق له، ويكذبوا عليه.
وقوله: (وَأَكْدَى) أي: قطع عنهم في وقت أيضًا.
وكذا قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَأَكْدَى) أي: قطع، وهو من كدية الركيَّة، وهي الصلابة فيها إذا بلغها الحافر يئس من حفرها؛ فقطع الحفر.
النجم 53:34
الآية ٣٣ و٣٤ وقوله تعالى :﴿أفرأيت الذي تولّى﴾ ﴿وأعطى قليلا وأكدى﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿أفرأيت الذي تولّى﴾ ﴿وأعطى قليلا﴾ من كبّر الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال الضّعَفَة أهل الإيمان ليرجِعوا عن الإيمان بمحمد والتصديق به، ويكذبوا عليه ﴿وأكدى﴾ أي قطع عنهم في وقت أيضا. وكذا قال القتبيّ :﴿وأكدى﴾ أي قطع، وهو من كُديَة الرَّكيّة، وهي الصلابة فيها، إذا بلغها الحافر يئس من حفرها(١)، فقطع الحفر.
[ والثاني ](٢) : قيل لكل من طلب شيئا، فلم يبلُغ، أو أعطى، فلم يُتمِّم : أكدى. وقال أبو عوسجة : أكدى بخِل، ورجل مُكْدٍ بخيل.
١ من م، في الأصل: حفر..
٢ في الأصل وم: و..
النجم 53:35
وقيل لكل من طلب شيئًا فلم يبلغ، أو أعطى فلم يتمم: أكدى.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أكدى: بخل، ورجل مكدٍ: بخيل.
وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) فهو - واللَّه أعلم -: أعنده علم الغيب؛ فيأمر بتكذيب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويأذن له بالتولي عنه، وإعطاء المال على التكذيب له؛ أي: ليس عنده علم الغيب؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل والكتب، وأسباب العلم هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) كأن هذا مقطوع من الأول؛ كان أُولَئِكَ الكفرة يقولون لأتباعهم: إنا نتحمل عنكم الظلم والوزر؛ فلا تأتوا محمدًا ولا تصدقوه؛ كقوله - تعالى - حكاية عنهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ)، فقال عند ذلك: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، أي: قد بينا في صحفهما: ألا تزر وازرة وزر أخرى.
ولحيل: إنما سمي: وفيًّا؛ لأنه بلغ ما أمر بتبليغه.
وقيل: لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضحى، وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أتدرون ما وفَّى؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: " وَفَّى أربع ركعات عند الضحى ".
فإن ثبت هذا اكتفي عن أي تأويل آخر، وأصله: أنه سماه: وفيًّا؛ لما قام بوفاء ما أمر به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فيه أن هذا في الكتب كلها: في صحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما من الكتب: ألا يحمل أحد وزر آخر، إنما يحمل وزر نفسه.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره.
وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ في الجاهلية بذنب غيره حتى نزلت الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩).
يشبه أن يكون قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) أي: ليس على الإنسان إلا ما
النجم 53:36
الآيتان ٣٦ و٣٧ وقوله تعالى :﴿أم لم يُنبّأ بما في صُحف موسى﴾ ﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ كأن هذا مقطوع من الأول ؛ كان أولئك الكفرة يقولون لأتباعهم : إنا نتحمّل الظلم منكم والوِزر فلا تأتوا محمدا، ولا تصدّقوه كقوله تعالى حكاية عنهم ﴿اتّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ فقال : عند ذلك ﴿أم لم ينبّأ بما في صحف موسى﴾ ﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ { ألاّ تزِرُ وازرة وِزرَ أخرى أي قد بيّنا في صحفهما { ألاّ تزِرُ وازرة وِزر أخرى } وقيل : إنما سمّي وفِيًّا لأنه بلّغ ما أُمر بتبليغه. وقيل : لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضّحى.
وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول الله ﷺ أنه قال :( أتدرون ما وفّى ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : وفّى بأربع ركعات كما يصلّيهن من أول النهار، وزعم أنها صلاة الضحى ) [ الطبري في تفسيره : ٢٧/٧٣ ] فإن ثبت هذا اكتُفي عن تأويل آخر. وأصله أنه سمّاه وفيًّا لما قام بوفاء ما أمر.
النجم 53:37
الآيتان ٣٦ و٣٧ وقوله تعالى :﴿أم لم يُنبّأ بما في صُحف موسى﴾ ﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ كأن هذا مقطوع من الأول ؛ كان أولئك الكفرة يقولون لأتباعهم : إنا نتحمّل الظلم منكم والوِزر فلا تأتوا محمدا، ولا تصدّقوه كقوله تعالى حكاية عنهم ﴿اتّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ فقال : عند ذلك ﴿أم لم ينبّأ بما في صحف موسى﴾ ﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ { ألاّ تزِرُ وازرة وِزرَ أخرى أي قد بيّنا في صحفهما { ألاّ تزِرُ وازرة وِزر أخرى } وقيل : إنما سمّي وفِيًّا لأنه بلّغ ما أُمر بتبليغه. وقيل : لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضّحى.
وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول الله ﷺ أنه قال :( أتدرون ما وفّى ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : وفّى بأربع ركعات كما يصلّيهن من أول النهار، وزعم أنها صلاة الضحى ) [ الطبري في تفسيره : ٢٧/٧٣ ] فإن ثبت هذا اكتُفي عن تأويل آخر. وأصله أنه سمّاه وفيًّا لما قام بوفاء ما أمر.
النجم 53:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿ألاّ تزِر وازرة وِزر أخرى﴾ فيه أن هذا في الكتب كلها في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما من الكتب : ألا يحتمل أحد وِزر آخر، إنما يحتمل وِزر نفسه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : قال [ رسول الله ﷺ ](١) :( لا يُؤخذ الرجل بذنب غيره ) [ الطبري في تفسيره : ٢٧/٧٢ ].
وعن عمر وابن أوسٍ [ أنه ](٢) قال : كان الرجل يُؤخذ في الجاهلية بذنب غيره حتى نزلت الآية.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:39
الآية ٣٩ وقوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ يشبه أن يكون قوله :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، لأنه، جل، وعلا، يثيب، ويعطي الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه كقوله :﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ونحو الصغار الذين لا سعي لهم قد يعطيهم الثواب بفضله. وأما جواز السيئة(١) فإنه لا يكون إلا بالمثل كقوله تعالى :﴿فلا يُجزى إلا مثلها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وجائز أن يكون : له بمعنى عليه في اللغة كقوله عز وجل :﴿إن أحسنتم أحسنتُم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] أي فعليها.
ويحتمل أن تكون الآية في أولئك الكافرين الذين نزل فيهم قوله تعالى :﴿ألاّ تزِر وازرة وِزر أخرى﴾ يقول : ليس لذلك الإنسان إلا ما سعى.
١ في الأصل وم: الشرور..
النجم 53:40
سعى؛ لأنه - جل وعلا - يثيب ويعطي الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه؛ كقوله - تعالى -: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، ونحو الصغار الذين لا سعي لهم، قد يعطيهم الثواب بفضله، وأما جزاء الشر، فإنه لا يكون إلا بالمثل؛ كقوله - تعالى -: (فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا).
وجائز أن يكون " له " بمعنى " عليه " في اللغة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)، أي: فعليها.
ويحتمل أن تكون الآية في أُولَئِكَ الكافرين الذين نزل فيهم قوله - تعالى -: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) يقول: ليس لذلك الإنسان إلا ما سعى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) وحرف (سَوفَ) من اللَّه - سبحانه وتعالى - على التحقيق والإيجاب؛ كحرف " لعل " و " عسى "؛ فيكون قوله - تعالى -: (سَوفَ يُرَى) أي: يرى جزاء عمله لا محالة.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) جزاء الآخرة على الوفاء، لا نقصان فيه، خيرا كان أو شرًّا.
ويحتمل أن يكون ذلك للكافر يجزى جزاء الشرك وجميع ما يعمل من السوء، فأما المؤمن، فإنه يكفر سيئاته، ويجزى جزاء الخيرات؛ كقوله - تعالى -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) سمى الآخرة: منتهى، ومصيرًا، ورجوعا.
ويحتمل: أي: إلى جزاء ربك يُنْتهى.
وقوله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) بين اللَّه - جل وعلا - قدرته وسلطانه في إنشاء أنفسهم، وأحوالهم، وأفعالهم:
أما بيان قدرته في أنفسهم حيث قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ).
وأما بيان قدرته في أحوالهم ما ذكر من قوله - تعالى - (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى)، (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا).
وأما في أفعالهم قوله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) يذكر قدرته وسلطانه بما ذكر؛ ليعلموا أنه لا يعجزه شيء.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) يخرج على وجهين:
النجم 53:41
الآية ٤١ ثم قوله تعالى :﴿ثم يُجزاه الجزاء الأوفى﴾ جزاء الآخرة على الوفاء، لا نقصان فيه، خيرا كان، أو شرًّا. ويحتمل أن يكون ذلك للكافر يُجزى جزاء الشرك وجميع ما يعمل من السوء. فأما المؤمن فإنه تكفّر سيئاته، ويُجزى جزاء الخيرات كقوله تعالى :﴿أولى الذين نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ [ الأحقاف :١٦ ].
النجم 53:42
الآية ٤٢ وقوله تعالى :﴿وأن إلى ربك المُنتهى﴾ سمّى الآخرة منتهًى ومصيرا ورجوعا. ويحتمل أي إلى جزاء ربك تنتهي.
النجم 53:43
الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ بيّن الله، جلّ، وعلا، قدرته وسلطانه في إنشاء أنفسهم وأحوالهم وأفعالهم.
أما بيان قدرته في أنفسهم فحين قال :﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجِنة في بطون أمهاتكم﴾ [ الآية : ٣٢ ].
وأما بيان قدرته في أحوالهم فما ذكر من قوله تعالى :﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ [ الآية : ٤٨ ] ﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ [ الآية : ٤٤ ].
وأما في أفعالهم فقوله :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾.
يذكر قدرته وسلطانه بما ذكر ليعلموا أنه لا يُعجزه شيء.
ثم قوله عز وجل :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : على الكناية والاستعارة ؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحُزن. وكذا العُرف في الناس أنه إذا اشتدّ بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.
والثاني : على حقيقة الضحك والبكاء، فهو على وجهين :
أحدهما : أي أنشأهم بحيث يضحكون، ويبكون.
والثاني : يخلُق منهم فعل الضحك والبكاء ؛ فهو أشبه التأويلين عندنا.
النجم 53:44
أحدهما: على الكناية والاستعارة؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الخوف، وكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.
والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء؛ فهو على وجهين:
أحدهما: أي: أنشأهم بحيث يضحكون ويبكون.
والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤).
قوله: (أَمَاتَ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: جعلهم بحيث يموتون، وبحيث يحيون.
والثاني: أمات بإخراج روحهم، وأحيا بإدخال الروح فيهم، وهو كقوله - تعالى - (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)؛ فيحتمل إماتتهم في الدنيا وإحياءهم في الآخرة، وأصل ذلك: أنه يفعل بهم كل ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) اسم الزوج يحتمل الشكل، ويحتمل المقابل؛ أي: يجعل أحدهما شكلا للآخر وإن كانا ضدين؛ يقول: جعلهم بحيث يتزاوجون ويتشاكلون، أو يتقابلون ويتضادون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) أي: تقذف.
قال الأصم: دل قوله: (نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى): أنها إذا لم تقذف تصير: مذيا، وإنما تقذف التي تخرج على شهوة، فأما التي تخرج لا على شهوة فإنه يكون مذيا، ولا يوجب الاغتسال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) أي: في الحكمة عليه النشأة الأخرى؛ لأنه لو لم تكن النشأة الأخرى، كانت النشأة الأولى باطلا، عبثا، غير حكمة.
أو يقول: إن عليه النشأة الأخرى؛ ليعلم أن له قدرة عليها كما له القدرة على الأولى؛ لأن أُولَئِكَ الكفرة كانوا مقرين بالأولى والقدرة عليها، وينكرون الأخرى؛ فيخبر أن له القدرة عليهما، وباللَّه التوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨).
يحتمل قوله: [(أَغْنَى)]، أي: وسع عليهم (وَأَقْنَى)، أي: سيَّر لهم ما يقتنون من الخدم وغيرها؛ فيكون الإغناء هو التوسيع بأنواع الأموال، والإقناء هو إعطاء القنية من الخادم وما يحتاج إليه للمهنة؛ فيكون في جعل الخدم له فضل حاجة، لا غناء، وذلك
النجم 53:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾ اسم الزوج يحتمل الشكر، ويحتمل المقابل، أي يجل أحدهما شكلا للآخر، وإن كانا ضدّين ؛ يقول : جعلهم بحيث يتزاوجون، ويتشاكلون، أو يتقابلون، ويتضادّون، والله أعلم.
النجم 53:46
الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿من نطفة إذا تُمنَى﴾ أي تُقذَف. قال الأصمّ : دلّ قوله :﴿من نطفة إذا تُمنى﴾ أنها إذا لم تُقذف [ تصير مذْيًا، وإنما تُقذف ](١) التي تخرج على شهوة، فأما الذي(٢) يخرج لا على شهوة فإنه يكون مذيا، ولا يوجب الاغتسال، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في م، التي..
النجم 53:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿وأن عليه النّشأة الأخرى﴾ أي في الحكمة عليه النشأة الأخرى، لأنه لو لم تكن النشأة [ الأخرى كانت النشأة ](١) الأولى باطلا عبثا غير حكمة.
أو يقول :﴿وأن عليه النشأة الأخرى﴾ /٥٣٨-أ/ ليُعلم أن له قدرة عليها كما له القدرة على الأولى، لأن أولئك الكفرة كانوا مقرّين بالأولى والقدرة عليها، وينكرون الأخرى، فيُخبِر أن له القدرة عليهما، وبالله التوفيق.
١ من م، ساقطة من الأصل..
النجم 53:48
الآية ٤٨ وقوله تعالى :﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ يحتمل قوله :﴿أغنى وأقنى﴾ أي وسّع عليهم ﴿وأقنى﴾ أي صيّرهم [ ممن يقتنون الخَدم ](١) وغيرها، فيكون الإغناء، هو التوسيع بأنواع الأموال، والإغناء هو إعطاء القِنية من الخادم وما يحتاج إليه للمهنة، فيكون في جعل الخدم له فضل حاجة لا غنى، وذلك دليل على صحّة مذهبنا في استجازتهم دفع الزكاة إلى من له الخَدم.
وقيل :﴿أغنى﴾ أي أعطى ما يُغنيه، ويستغني به ﴿وأقنى﴾ أي أقنعه، وأرضاه، وقيل على العكس :﴿أغنى﴾ أي أرضى ﴿وأقنى﴾ أي أُخدم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه :﴿أغنى وأقنى﴾ أي أكثر، وقال : يا ابن آدم، هو أغناك، وأقناك، أي أعطاك الخدم، على ما ذكرنا.
وقال القتبيّ : هو من القِنْية والسَّيب، يقال : أقنيته كذا.
وقال أبو عوسجة : هو من القَنْو، قَنَاهُ(٢)، أعطاه مالا، يَقْنى قَنْوًا.
١ في الأصل وم: ما يقتنون من الخدم..
٢ في الأصل وم: قنى..
النجم 53:49
دليل على صحة مذهبنا في استجازتهم دفع الزكاة إلى من له الخدم.
وقيل: (أَغْنَى) أي: أعطى ما يغنيه ويستغني به، (وَأَقْنَى) أي: أقنعه، وأرضاه.
وقيل على العكس: أغنى، أي: أرضى، وأقنى: أي: أخدم.
[وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَغْنَى)]، أي: أكثر.
وقال عطاء: ابنَ آدم، هو أغناك وأقناك؛ أي: أعطاك الخدم؛ على ما ذكرنا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هو من القنية، وهي الكسب؛ يقال: أقنيته كذا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو من القنو؛ قنى: -أعطاه مالًا- يقنى قنوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) قيل: إن الشعرى: اسم كوكب كان يعبده بعض العرب؛ فكأنهم ظنوا أن ما في ذلك الكوكب من الحسن والجمال؛ لِقَدْرٍ له عند الله ومنزلة، وأن تدبيرهم يرجع إليه؛ فعبدوه لذلك.
ويحتمل أنهم عبدوه؛ لما لم يروا لأنفسهم أهلية لعبادة الرب - تعالى - فعبدوه من دونه؛ رجاء التقرب إليه؛ على ما يخدم المرء المتصلين بملوك الأرض.
ولكن هذا فاسد؛ لأن من خدم المتصلين بملوك الأرض إنما يخدم لما لم يسبق لهم إليهم من خدمة متصلة، ولا الإذن بعبادة أنفسهم وخدمتهم، فأما اللَّه - تعالى - قد أمرهم بعبادة نفسه، ونهاهم عن عبادة غيره؛ فلم يسع لهم بعد الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره عبادة من دونه.
ذكر سفههم في عبادتهم الشِّعْرَى وأمثالها؛ أي: اعبدوا رب الشعرى؛ فإن ما فيه من الحسن والجمال هو الذي فعل، فإليه اصرفوا العبادة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) قرئ: (عَادًا الْأُولَى) بإظهار التنوين والهمزة، وبغير الهمزة ولا إظهار التنوين؛ حتى تصير كأنها لام مثقلة.
ثم هذا ليس نوع ما ذكر من قبل، إنما ذكر هذا لهم؛ لينزجروا عن صنيعهم؛ أي: إذ أهلك عادا وهم أشد منكم قوة، وأكثر عددًا وأموالًا، فلما لم ينزجروا بمواعظ الرب - تعالى - أهلكهم؛ فعلى ذلك يفعل بكم يا أهل مكة؛ إن لم تتعظوا.
أو إنه أهلك عادا فلم يتهيأ لهم القيام بدفع عذاب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مع قوتهم، فكيف أنتم يا أهل مكة؟!
النجم 53:50
الآية ٥٠ وقوله تعالى :﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ قُرئ ﴿عادا الأولى﴾ بإظهار التنوين والهمزة، وبغير الهمزة ولا إظهار التنوين [ أي بإدغام التنوين في اللام : عاد اللّولَى ](١) حتى تصير كأنها لام مُثقَلة.
ثم هذا ليس نوع ما ذكر من قبل، إنما ذكر هذا لهم لينزجِروا عن صنيعهم، أي إذا أهلك عادا، وهم أشد منكم قوة، وأكثر عددا وأموالا. فلمّا لم ينزجروا بمواعظ الرب تعالى أهلكهم. فعلى ذلك نفعل بكم يا أهل مكة إن لم تتّعظوا.
أو إنه أهلك عادا فلم يتهيأ لهم القيام بدفع عذاب الله عز وجل مع قوتهم، فكيف أنتم يا أهل مكة ؟
ثم اختُلف في قوله :﴿عادًا الأولى﴾ منهم من قال : كانوا عادين : أحدهما : قوم هود، وهم(٢) أوّل، فأُهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس الأول. ومنهم من قال :﴿عادا الأولى﴾ الذين أُهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهؤلاء عاد أخرى.
١ ساقطة من الأصل وم: انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٢١..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وهو..
النجم 53:51
ثم اختلفوا في قوله - تعالى -: (عَادًا الْأُولَى) منهم من قال: كانوا عادَيْنِ:
أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس الأول.
ومنهم من قال: عادا الأولى: الذين أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهَؤُلَاءِ عاد أخرى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) أي: أهلك ثمودًا أيضًا.
وقوله: (فَمَا أَبْقَى) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: استأصلهم لم يبق منهم أحدًا؛ أي: ما أبقى لهم نسلا يذكرون بذلك بعد هلاكهم، كما أبقى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - من النسل.
أو ما لهم من آثار الخير شيئًا كما أبقى للرسل وأتباعهم إلى آخر الأبد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) أي: كانوا أفحش ظلما، وأكثر طغيانا؛ لأن نوحا - عليه الصلاة والسلام - دعاهم إلى توحيد اللَّه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فما زادهم إلا نفورا واستكبارا؛ على ما أخبر: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) قيل: قريات لوط - عليه السلام - أي: أهلكها أيضًا.
وقوله: (أَهْوَى) قيل: أي: أهوى إلى النار.
وقيل: أي: أهوى من السماء إلى الأرض؛ على ما ذكر أن جبريل - عليه السلام - رفعها إلى السماء وأرسلها إلى الأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤).
قيل: غشاها بالحجارة بعد ذلك، فسواها بالأرض.
وقيل: غشى بالحجارة مسافريهم ومن غاب عنهم.
وقيل: المؤتفكة: المكذبة؛ من الإفك وهو الكذب.
وقيل: المنقلبة؛ ائتفكت: أي: انقلبت، (فَغَشَّاهَا) أي: غشى قريات لوط - عليه
النجم 53:52
الآية ٥٢ وقوله تعالى :﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى﴾ أي كانوا أفحش ظلما وأكثر طغيانا، لأن نوحا عليه السلام دعاهم إلى توحيد الله ﴿ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [العنكبوت: ١٤] فما زادهم [ دعاؤه ](١) إلا نفورا واستكبارا على ما أخبر ﴿فلم يزدهم دعائي إلا فِرارًا﴾ [نوح: ٦].
١ في الأصل وم: وهو..
النجم 53:53
الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿والمُؤتفِكة أهوى﴾ قيل : قريات لوط عليه السلام أي أهلكها أيضا. وقوله :﴿أهوى﴾ قيل : أي أهوى إلى النار، وقيل : أي أهوى من السماء إلى الأرض على ما ذُكر أن جبرائيل عليه السلام رفعها إلى السماء، وأرسلها إلى الأرض.
النجم 53:54
الآية ٥٤ وقوله تعالى :﴿فغشّاها ما غشّى﴾ قيل : غشّاها الحجارة بعد ذلك، فسوّاها بالأرض. وقيل : غشّى الحجارة مسافريهم ومن غاب عنهم. وقيل : المُؤتفِكة المكذِّبة من الأُوَل، وهم(١) الكُذّب. وقيل : ائتفكت أي انقلبت ﴿فغشّاها﴾ أي غشّى قريات لوط عليه السلام من العذاب ما غشّى أولئك الذين ذكر من قبل من [ قوم ](٢) عاد ومن قوم نوح، وهو قول القتبيّ. وقال أبو عبيدة : المُؤتفِكة المخسوفَة.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:55
السلام - من العذاب ما غشى أُولَئِكَ الذين ذكر من قبل من عاد، ومن قوم نوح؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
وقال أبو عبيدة: المؤتفكة: المخسوفة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) فظاهر هذا وظاهر قوله - تعالى -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، مشكل؛ لأنه ذكر آلاء، ولو عرف أنها آلاء ربه، لكان لا يكذبه، لكن يخرج على وجوه: على التقديم والتأخير والإضمار؛ كأنه يقول: فبأي آلاء من آلاء ربكم شاهدتموه وعاينتموه تتمارون، وكذلك: فبأي آلاء ربكما الذي أقررتم ْبه تكذبوني.
أو يقول: فبأي آلائه وإحسانه تتمارى، فكيف أنكرتم إحسانه بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؟!
أو كيف صرفتم شكر نعمه إلى غيره.
أو تكون الآلاء هاهنا هي الحجج؛ يقول: فبأي حجة من حجج ربك تنكر رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو تتمارى فيها؛ أي: لا حجة لك في تكذيبك إياه أو إنكارك رسالته.
وقوله: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أي: الذي يدعوكم وينبئكم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من النذر الأولى التي أنبأها الرسل الأولون، وأوعدوا قومه؛ فيكون صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى...) إلى آخره.
وقيل: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى) أي: الرسل الأولى، وتمام هذا التأويل: أي: هذا نذير من البشر كالذين كانوا من قبل.
وقيل: هذا الذي ينذر مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو من النذر التي في اللوح المحفوظ، أي: مما ينذر به، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) أي: قربت القيامة؛ سمى اللَّه - سبحانه وتعالى - القيامة بأسماء مختلفة: مرة الآزفة، ومرة: الساعة، ومرة: القيامة؛ فسماها: آزفة؛ لقربها إلى الخلق ووقوعها عليهم، وكذلك الساعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) دلت الآية على أن اللَّه - تعالى - لم يؤت علم قيام الساعة ووقوعها أحدًا، وهو كقوله تعالى: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، وللباطنية أدنى تعلق في هاتين الآيتين؛ لأنهم قالوا: إن الآخرة للحال كائنة، لكنها مختفية مستترة، تظهر وتكشف عند فناء هذه الأجسام، وذهاب هذه الأبدان؛ ويستدلون بقوله - تعالى - (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، وبقوله - تعالى -
النجم 53:56
الآية ٥٦ وقوله تعالى :﴿هذا نذير من النُّذُر الأولى﴾ أي الذي يدعوكم، ويُنبِئكم محمد ﷺ من النُّذر الأولى التي أنبأها الرسل الأوّلون، وأوعدوا قومهم. فيكون صلة قوله عز وجل ﴿وأنه أهلك عادا الأولى﴾ [ الآية : ٥٠ ] إلى آخره.
وقيل :﴿هذا نذير من النّذر الأولى﴾ أي [ محمد ﷺ ﴿من النّذر الأولى﴾ أي ](١) الرسل الأولى، وتمام هذا التأويل، أي هذا نذير من البشر كالذين كانوا من قبل.
وقيل : هذا الذي يُنذر محمد ﷺ هو من النّذر التي في اللوح المحفوظ، أي مما يُنذر به، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:57
الآية ٥٧ وقوله تعالى :﴿أزِفَت الآزِفة﴾ أي قرُبت القيامة ؛ سمّى الله سبحانه وتعالى القيامة بأسماء مختلفة : مرة الآزفة، ومرة الساعة، ومرة القيامة ؛ فسمّاها آزفة لقربها إلى الخلق ووقوعها عليهم، وكذلك الساعة.
النجم 53:58
الآية ٥٨ وقوله تعالى :﴿ليس لها من دون الله كاشِفة﴾ دلّت الآية على أن الله تعالى لم يُؤت علم قيام الساعة ووقوعها أحدا، وهو كقوله تعالى :﴿لا يُجلّيها لوقتها إلا هم﴾ [ الأعراف :١٨٧ ].
وللباطنية أدنى تعلّق في هاتين الآيتين لأنهم قالوا : إن الآخرة للحال كائنة، لكنها مختفية مستترة، تُظهَر، وتُكشَف عند فناء هذه الأجسام وذهاب هذه الأبدان. ويستدلّون بقوله تعالى :﴿لا يُجلّيها لوقتها إلا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧] وبقوله تعالى :﴿ليس لها من دون الله كاشِفة﴾ ويقولون : إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملون في ما هو كائن ثابت، يظهر عند ارتفاع التواتر، لا يخفيها إلا في الإنشاء ابتداءً.
ولكن عندنا أن حرف الكشف والتجلّي يُستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء وفي إظهار ما كان كامنا خافيا. فإذا كان كذلك بطل استدلالهم بذلك، وهو كقوله تعالى :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ [ الأنعام : ٧٣ و. . . ] هو عالم بما كان خفيًّا بحق الخَلق وما هو شاهد ظاهر وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال، والله الموفّق.
النجم 53:59
(لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ)، ويقولون: إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتقاع التواتر، وما يخفيها إلا في الإنشاء ابتداء.
ولكن عندنا: أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء، وفي إظهار ما كان كامنا خفيًّا، فإذا كان كذلك، بطل استدلالهم بذلك، وهو كقوله - تعالى -: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، هو عالم بما كان خفيًّا بحق الخلق وما هو شاهد ظاهر، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ) كانوا تعَجَّبوا من أمرين:
أحدهما: من بعث الرسل؛ كقوله - تعالى -: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ).
ومن البعث بعدما يفنون ويتلفون؛ كقوله - تعالى - (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَضْحَكُونَ... (٦٠) الضحك - هاهنا - كناية عن الاستهزاء، ليس على حقيقة الضحك.
أو يكون الضحك كناية عن السرور؛ أي: تسرون على ما أنتم عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَبْكُونَ) أيضًا ليس على حقيقة البكاء، ولكن كناية عن الحزن، أي: ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) أي: لاهون، معرضون.
وعن الحسن وسعيد بن جبير: سامدون: غافلون.
وقيل: سامدون: حزنون على رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وغائظون على ما أنزل عليه.
وعن عكرمة، عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله - تعالى - (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) وقال: هو الغناء بلغة اليمن؛ يقول اليماني: اسمد لنا: أي: غن لنا؛ قال: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) أي: اخضعوا لله، واستسلموا له؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة، أمر بالخشوع له والاستسلام، والأمر بالسجود - هاهنا - للتلاوة؛ للأحاديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعن الصحابة والتابعين، رضوان اللَّه عليهم أجمعين:
روى الأسود عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ من قريش؛ فإنه أخذ كفًّا من حصا، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال ابن مسعود: فلقد رأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا.
وروى أبو هريرة والمطلب بن أبي وداعة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سجد فيها.
وروي عن عمر وعثمان - رضي اللَّه عنهما - أنهما سجدا فيها.
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " عزائم السجود أربع: تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك ".
وما روي عن زيد بن ثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قرأها فلم يسجد، يحتمل أن تكون التلاوة واقعة في وقت يكره السجود، والحديث حكاية فعل لا عموم له، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
النجم 53:60
الآيتان ٥٩ و٦٠ وقوله تعالى :﴿أفمن هذا الحديث تعجَبُون﴾ ﴿وتضحكون ولا تبكون﴾ كانوا يعجبون من أمرين :
أحدهما : من بعث الرسل كقوله تعالى :﴿بل عجِبوا أن جاءهم مُنذر منهم﴾ [ق: ٢].
[ والثاني ](١) : من البعث بعد ما يفنَون، ويبلَون، كقوله تعالى :﴿وإن تعجب فعجبٌ قولهم أإذا كنا ترابا﴾ الآية [الرعد: ٥].
وقوله تعالى :﴿وتضحكون﴾ الضحك /٥٣٨-ب/ ههنا كناية عن الاستهزاء، ليس على حقيقة الضحك، ويكون الضحك كناية عن السرور، أي تُسَرّون على ما أنتم عليه.
وقوله تعالى :﴿ولا تبكون﴾ أيضا ليس على حقيقة البكاء، ولكن كناية عن الحزن، أي ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملات.
١ في الأصل وم: و..
النجم 53:61
الآية ٦١ وقوله تعالى :﴿وأنتم سامِدون﴾ لاهون مُعرِضون. وعن الحسن وسعيد بن جُبير ﴿سامِدون﴾ غافلون، وقيل :﴿سامدون﴾ حزِنون على رسالة محمد، صلوات الله عليه، وغائِظون على ما أُنزل عليه.
وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى :﴿وأنتم سامدون﴾ [ أنه ](١) قال : هو [ من ](٢) الغناء بلغة اليمن ؛ يقول اليمانيُّ : اسمُدْ لنا، أي غنّ لنا، قال : كانوا إذا سمعوا القرآن تغنّوا، ولعبوا.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
النجم 53:62
الآية ٦٢ وقوله تعالى :﴿فاسجُدوا لله واعبدوا﴾ أي اخضعوا له، واستسلموا له ؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة أمر بالخشوع له والاستسلام. والأمر بالسجود ههنا التلاوة للأحاديث عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم أجمعين.
روى الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد إلا شيخ من قريش، فإنه أخذ كفّا من حصى، فرفعه إلى جبهته.
وروى أبو هريرة والمطّلب ابن أبي وداعة أن النبي ﷺ سجد فيها.
ورُوي عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما سجدا فيها، وعن علي رضي الله عنه أنه قال : عزائم السجود أربع :﴿تنزيل﴾ السجدة [ و﴿حم﴾ السجدة ](١) ﴿والنجم﴾ و﴿اقرأ باسم ربك﴾.
وما رُوي عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قرأها، فلم يسجد، ويحتمل أن تكون التلاوة واقعة في وقت يُكره السجود حكاية فعل، لا عموم له، والله أعلم بحقيقة ما أراد [ والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين ](٢).
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في م، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب..
القمر 54:1
سُورَةُ الْقَمَرِ
ذكر أن سورة (اقترب) مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: اقتربت الساعة، واقترب انشقاق القمر.
وقيل: على التقديم والتأخير، اقتربت الساعة، وإن يروا آية يعرضوا وإن كان انشقاق القمر.
فعلى هذين التأويلين، لم يكن انشقاق القمر بعد، ولكن يكون في المستقبل، وعند قيام الساعة؛ وهو قول أبي بكر الأصم، ويقول: معنى قوله: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي: سينشق القمر عند الساعة؛ إذ لو كان قد انشق في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لَمَا خفي على أهل الآفاق، ولو كان ظاهرا عندهم، لتواتر النقل به؛ إذ هو أمر عجيب، والطباع جبلت على نشر العجائب.
وعامة أهل التأويل على أن القمر قد انشق؛ فكان من معجزاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وروي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بمنى، فانشق القمر، فذهبت فرقة منه وراء الجبل، فقال - عليه السلام -: " اشهدوا، اشهدوا "، وروي عن غيره أيضًا: عن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهم - وأنس بن مالك، وحذيفة، وجبير بن مطعم، في جماعة من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين -: أنهم رأوا انشقاق القمر.
وقول أبي بكر: لو كان، لم يخْفَ وظهر؛ فيقال له: قد ظهر؛ فإنه روي عن غير واحد من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وتواتر الحديث عن الخاص والعام، وفشا الأمر بينهم، حتى قل من يخفى عليه سماع هذا الحديث.
القمر 54:2
على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب، والعمل بحقيقة اللفظ واجب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يجوز أن يستره اللَّه - تعالى - عن الآفاق بغيم، أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور؛ لضرب تدبير ولطف منه؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في الآفاق لنفسه، وادعى الرسالة كاذبا؛ بناء على دعواه: أنه فعل ذلك؛ فيحتمل أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين، والكفرة يكتمونه، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) كأنه يقول: اقتربت الساعة التي تجزون، أو الساعة التي تنشرون فيها، أو الساعة التي تحاسبون فيها.
فَإِنْ قِيلَ: أليس روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " بعثتُ أنا والساعة كهاتين "، وأشار إلى السبابة والوسطى، وقد قبض رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولم تقم الساعة بعد.
قيل: يحتمل أن مراده - عليه الصلاة والسلام - أنه ختم النبوة والرسالة، وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة، وبقاء شريعته كبقائه، فصار كأنه قال: شريعتي والساعة كهاتين.
ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة، صار بعثه ومجيئه - عليه السلام - علامة للساعة وآية لها، وهو كقوله - تعالى - (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) على تأويل من جعل بعث الرسول - عليه السلام - علَما وآية للساعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) ذكر تعنتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يُرِهِم تلك.
أو من سنته: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا كان من سنته هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، وعفا عنهم التعجيل - لم يرهم تلك الآيات المقترحة، واللَّه أعلم.
ويحتمل: وإن يروا آية حسية يعرضوا؛ لأن آيات رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية، فيخبر عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن يروا آية حسية يعرضوا عنها، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)، وكقوله - تعالى -: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا
القمر 54:3
فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، اختلف فيه:
منهم من قال: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي: ماض، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا يأتون بمثله من السحر.
ومنهم من قال: (مُسْتَمِرٌّ) أي: قوي؛ مأخوذ من المِرَّة، وهي القوة، وأصل المرة: الفتل.
ومنهم من قال: (مُسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب؛ يذهب ويتلاشى ولا يبقى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) يحتمل كذبوا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما أتى به من الآية على الرسالة.
ويحتمل: وكذبوا بالتوحيد (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ... (٥) يحتمل قوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وجاءتهم - أيضًا - حكمة بالغة، وهي القرآن.
ويحتمل أن يكون معناه: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.
ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح، وموسى، فقد جاءهم أنباء هَؤُلَاءِ، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل - عليهم السلام - ليرتدعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أُولَئِكَ، وفي ذلك حكمة بالغة، والبالغة هي النهاية في الأمر؛ يقال: فلان بالغ في العلم: إذ انتهى في ذلك نهايته.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: مزدجر: أمر متعظ.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: مزدجر: أي: زاجر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ).
يقول - واللَّه أعلم -: قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنَّى تغني النذر لهم؟ ومن أين تنفعهم النذر؟ أي: لا
القمر 54:4
الآيتان ٤ و٥ وقوله تعالى :﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزدَجر﴾ ﴿حكمة بالغة﴾ يحتمل قوله :﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزدَجر﴾ وجاءتهم حكمة بالغة، وهو القرآن. ويحتمل أن يكون معناه :﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزدجر﴾ وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.
ثم الأنباء التي فيها مُزدَجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد وثمود وقوم نوح وموسى، فقد جاءهم أنباء هؤلاء، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل عليهم السلام ليرتدعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك، والبالغة هي(١) النهاية في الأمر، يقال بالغ في العلم إذا انتهى في ذلك نهايته.
وقال القتبيّ :﴿مزدجر﴾ أمر متّعظ. وقال أبو عوسجة :﴿مزدجر﴾ أي زاجر.
وقوله تعالى :﴿فما تُغْنِ النُّذُر﴾ يقول، والله أعلم : قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مُزدَجر وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنّى تُغن النُّذر ؟ ومن أين تنفعهم النذر ؟ أي لا تُغنيهم.
ثم النّذر تحتمل وجهين :
أحدهما :﴿النّذر﴾ [ الرسل ](٢) عليهم السلام جمع نذير.
والثاني : ما تقع به النذارة، وهي الأنباء التي أنذر الرسل بها، وحذّروا بذلك.
يقول : فما يُغنيهم قول الرسل ولا خوف ما بلغهم من القصص التي فيها تعذيب الكفرة بتكذيب الرسل عليهم السلام وترك اتّباعهم، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: في..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
القمر 54:6
تغنيهم.
ثم النذر تحتمل وجهين:
أحدهما: النذر: الرسل - عليهم السلام - جمع: نذير.
والثاني: ما تقع به النذارة، وهو الأنباء التي أنذر الرسل بها وحذروا بذلك؛ يقول: فما يغنيهم قول الرسول، ولا خوف ما بلغهم من القصص التي فيها تعذيب للكفرة بتكذيب الرسل - عليهم السلام - وترك اتباعهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ... (٦) يحتمل وجوها:
أحدها: قوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بإساءتهم.
والثاني: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي: لا تقاتلهم، ولا تجاهدهم؛ فإن كان التأويل هذا، فهو يحتمل النسخ على ما قاله أهل التأويل، وإن كان الأول فهو لا يحتمل النسخ.
والثالث: يحتمل: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم علم اللَّه - تعالى - أنهم لا يؤمنون، يؤيس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الطمع في إيمانهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) أي: إلى شيء منكر، فظيع، هائل.
ويحتمل: إلى شيء أنكروه في الدنيا -وهو الساعة- فيقرون في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ... (٧) وقرئ: (خاشعًا)، بالألف، روي عن أبن عباس، وتصديقها في قراءة عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (خاشعة أبصارهم)، وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردهم له في الدنيا حيث قال: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون؟ وإلى أين يصيرون؟ كالجراد الذي لا يُدْرَى من أين؟ وإلى أين؟ وهو كقوله - تعالى -: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى).
والثاني: تشبيههم بالجراد؛ لكثرتهم، وازدحامهم؛ لما يحشر الكل بدفعة واحدة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) قال عامة أهل التأويل: (مُهْطِعِينَ)،
القمر 54:7
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿خُشّعًا أبصارهم﴾ وقُرئ : خاشعة بالألف(١) ؛ ورُوي عن ابن عباس [ قوله :](٢) وتصديقها في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :﴿خُشّعا أبصارهم﴾ وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردّهم له في الدنيا حين(٣) قال :﴿مُهطعين إلى الدّاع﴾ [ الآية : ٨ ].
وقوله تعالى :﴿يخرُجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون ؟ وإلى أين يصيرون ؟ كالجراد الذي لا يُدرى من أين [ أتى ](٤) وإلى أين [ يذهب ](٥) ؟ وهو كقوله تعالى :﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ [الحج: ٢].
والثاني : تشبيههم بالجراد لكثرتهم وازدحامهم لما يحشر الكل بدفعة واحدة، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٣١..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
القمر 54:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿مهطعين إلى الدّاع﴾ قال عامة أهل التأويل ﴿مهطعين﴾ أي مسرعين، وقال قتادة : أي عامِدين.
وقال مجاهد : الإهطاع السّيلان. وهو بالفارسية : يويه رفيق.
وقال بعضهم :﴿مهطعين﴾ ناظرين رافعي رؤوسهم، وهو قول الكلبيّ.
وقال أبو عوسجة : أي مسرعين مادّين أعناقهم، وقيل : الإهطاع إدامة النظر إلى الدّاعي.
وقوله تعالى :﴿يقول الكافرون هذا يوم عسِر﴾ وهو ما قال في آية أخرى :﴿فذلك يومئذ يوم عسير﴾ ﴿على الكافرين غير يسير﴾ [ المدثر : ٩ و١٠ ].
القمر 54:9
أي: مسرعين.
وقال قتادة: أي: عامدين.
وقال مجاهد: الإهطاع: السيلان، وهو بالفارسية: يويه رفيق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مهطعين: ناظرين، رافعي رءوسهم؛ وهو قول الكلبي.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: مسرعين، مادين أعناقهم.
وقيل: الإهطاع: إدامة النظر إلى الداعي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ)، وهو ما قال في آية أخرى: (يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ).
* * *
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) يقول - واللَّه أعلم -: كذبت قبل قومك قوم نوح نوحا - عليه السلام - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من اللَّه - تعالى - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من الأحكام؟ قيلَ؛ إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضًا - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع من ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - أيضًا - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم.
القمر 54:10
فَإِنْ قِيلَ: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك.
قيل: إنما دعا على قومه بالهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، أما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون، لا عن الكل؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة.
أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا مَجْنُونٌ)، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَازْدُجِرَ)، أي: نوح - عليه السلام - حيث قالوا لقومهم: لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن اتباعه؛ فصار لذلك نوح - عليه السلام - مزدجرا عن القوم، وصار القوم مزدجرين عنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: زجروا نوحا - عليه السلام - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من الآيات على رسالته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) أي: مغلوب بالسفه والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) يحتمل قوله - تعالى -: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ) أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهُو سماء؛ فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.
(وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا... (١٢) أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: أنزلنا الماء من فوق، وأنبعنا من أسفل.
ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ) هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، واللَّه - تعالى - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، وكيف شاء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) قيل: منصب.
وقال أبو عبيد: (مُنْهَمِرٍ)، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا أكثر في الكلام؛ فأسرع.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: انهمرت السماء وهمرت، أي: أمطرت؛ فأكثرت.
القمر 54:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿ففتحنا أبواب السماء بماء مُنهمِر﴾ يحتمل قوله تعالى :﴿ففتحنا أبواب السماء﴾ أي من فوق، لأن ما كان فوقك فهو سماء، فيُحتمل أن يكون ذلك من البحر المكفوف الذي ذكر أنه بين السماء والأرض.
القمر 54:12
الآية ١٢ [ بقوله تعالى ](١) :﴿وفجّرنا الأرض عيونا﴾ أي أنبعنا الماء من الأرض، كأنه قال :[ أنزلنا الماء ](٢) من فوق، وأنبعنا من أسفل.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى :﴿ففتحنا أبواب السماء﴾ هو حقيقة فتح السماء وإنزال الماء منها، والله تعالى قادر أن يرسل الماء مما(٣) يشاء، وكيف [ يشاء ](٤) والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بماء منهمِر﴾ قيل : مُنصَبّ. وقال أبو عبيد :﴿منهمر﴾ أي كثير سريع الانصباب ؛ يقال : هَمَر الرجل إذا أكثر من الكلام، فأسرع. وقال أبو عوسجة : انهمرت السماء، وهمرت /٥٣٩-ب/ أي مَطَرت، فأكثرت.
وقوله تعالى :﴿فألقى الماء على أمر قد قُدر﴾ يذكر أن الماءين جميعا : ما أُرسل من فوق(٥)، وما أُخرج من تحت على تقدير وتدبير لا جُزافًا، وهو كقوله تعالى :﴿ثم جئت على قَدَرٍ يا موسى﴾ [طه: ٤٠] أي على قدر وتدبير من الله تعالى لك في ذلك لا على تقدير منه.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه فألقى على أمر قد قُدر.
وقال بعضهم :﴿على أمر قد قُدِر﴾ أي قد قُدِر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا. وقال بعضهم :﴿قد قُدر﴾ أي استوى الماء : نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء. وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: ممن..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: الفوق..
القمر 54:13
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) يذكر أن الماءين جميعًا: ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو كقوله - تعالى -: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) أي: على تقدير وتدبير من اللَّه تعالى جئت، لا على غير تقدير منه.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (قَدْ قُدِرَ) أي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من السماء، وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) وذكر في حرف حفصة - رضي اللَّه عنها - (وحملناه وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله - تعالى -: (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)، ونحوه؛ فيكون (ذَاتِ أَلْوَاحٍ) تفسير السفينة، ولو لم يفهم من (ذَاتِ أَلْوَاحٍ) السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان تفسير السفينة بما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في قوله - تعالى -: (وَدُسُرٍ):
قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة.
وقيل: الدسر: أضلاع السفينة.
وقيل: صدرها.
وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها.
قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور.
ثم في قوله: (وَحَمَلْنَاهُ)، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله - تعالى - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو الذي حملهم، وكذا الخُشُب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن لله في فعل العباد صنعا، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا... (١٤) أي: بتقديرنا وبحفظنا.
القمر 54:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿تجري بأعيننا﴾ أي بتقديرنا وبحفظنا. وقوله :﴿جزاء لمن كان كُفِر﴾ أي حمل نوحا(١) وأتباعه في السفينة، ونجّاهم من الغرق جزاء ما كفر به قومه. كذا قال عامة أهل التأويل : إنه إخبار لنوح عليه السلام حين كفر به قومه، فلم يؤمن به قومه.
وقال مجاهد :﴿جزاء لمن كان كُفر﴾ بالله تعالى، أي الغرق جزاءهم لما كفروا بالله تعالى.
وقال أبو معاذ :﴿جزاء لمن كان كُفِر﴾ قرئ بنصب الكاف(٢) ؛ وتأويل هذه القراءة أنّ(٣) إهلاك من أهلك من قومه جزاء لما كفروا بالله تعالى أو بنوح عليه السلام.
١ في الأصل: مع نوح، في م: نوح..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٣٤..
٣ في الأصل وم: أي..
القمر 54:15
وقوله: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) أي: حمل نوحًا - عليه السلام - وأتباعه في السفينة ونجاهم من الغرق جزاء ما كفر به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: إنه أخبر لنوح - عليه السلام - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه.
وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر باللَّه - تعالى - أي: الغرق جزاؤهم؛ لما كفروا باللَّه تعالى.
وقال أبو معاذ: وقرئ: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ) بنصب الكاف، وتأويل هذه القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا باللَّه - تعالى - أو بنوح، - عليه السلام -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً... (١٥) يحتمل وجهين:
أحدهما: تركنا سفينة نوح - عليه السلام - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى اللَّه - تعالى - سفينة نوح - عليه السلام - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رمادًا.
والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأنباءها آية لمن بعدهم؛ لأن أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لِمَ نجا؟ ومن هلك لم هلك؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) عن الأسود قال: قلت لعبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أو (مُذَّكِر)؟ فقال: أقرأني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (مُدَّكِرٍ) بالدال.
قال أبو عبيد: وأصله في العربية: " مدتكر "، فإنه من باب الافتعال على وزن مفتعل، فثَقُل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول -وهو الدال- في التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: " ادخر "، أصله: " ادتخر "، من " الدخر " لما قلنا، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُدَّكِرٍ) أي: هل من متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأُولَئِكَ فينزجر عن مثل صنيعهم.
وقال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه.
القمر 54:16
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) يخرج على وجهين:
أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب صدقا حقًّا، وأريد بقوله: (وَنُذُرِ) أي: رسلي.
والثاني: أليس وجدوا عذابي شديدًا ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله - تعالى -: (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا)، أي: موعودا، وإلا وعده لا يكون مفعولا؛ إذ هو صفة أزلية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) هذا يحتمل وجوها:
أحدها: (يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي: للحفظ؛ أي: صيرناه بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه.
والثاني: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي: لذكر ما نسوا من نعم اللَّه - تعالى - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر.
والثالث: جائز أن يكون لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة؛ أي: يسرناه عليه حتى حفظه كله عن
ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ كقوله - تعالى -: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ)، وقوله - تعالى -: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)، أمنه عن أن ينساه، ومَنَّ عليه بالتيسير.
وقوله: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) فعلى التأويل الأول - واللَّه أعلم -: أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إنما أنزل ليذكر ما فيه، وللاتعاظ به؛ أي: فهل من متعظ به.
وعلى التأويل الآخر: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)
القمر 54:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر﴾ هذا يحتمل وجوها :
أحدها :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر﴾ أي للحفظ، أي صيّرناه بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير وكافر ومؤمن، وكل أحد يتكلّف حفظه.
والثاني :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر﴾ أي لذِكر ما نُسوا من نعم الله تعالى عليهم ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مُصدّقيهم ومكذّبيهم(١).
والثالث : جائز أن يكون لرسول الله ﷺ خاصّة أي يسّرناه عليه حتى حفظه، حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكره في كل وقت وكل ساعة أراد كقوله تعالى :﴿لا تحرّك به لسانك لتعجل به﴾ ﴿إن علينا جَمعهُ وقُرآنه﴾ [ القيامة : ١٦ و١٧ ]. وقوله تعالى :﴿نزل به الروح الأمين﴾ ﴿على قلبك﴾ [ الشعراء : ١٩٣ و١٩٤ ]. وقوله تعالى :﴿سنُقرئك فلا تنسى﴾ ﴿إلا ما شاء الله﴾ [ الأعلى : ٦ و٧ ]. أمّنه من أن ينساه، ومنّ عليه بالتّيسير.
وقوله تعالى :﴿فهل من مُدّكر﴾ على التأويل الأول، والله أعلم، أنه، وإن يسّرنا القرآن للحفظ، ولكن لم ينزله للحفظ، ولكن إنما أنزله ليُذكَر ما فيه وللاتّعاظ به، أي فهل من متّعظ به.
وعلى التأويل الآخر ﴿فهل من مُدّكر﴾ خُرّج مخرج الأمر، أي اذكروا، واتّعظوا بما فيه من الأنباء، والله أعلم.
١ في الأصل وم: مذكر..
القمر 54:18
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) ذكر أنباء الأوائل وما نزل بهم بالتكذيب، والعناد، وسوء معاملتهم الرسول - عليه السلام - وهو صلة قوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)، تأويل الآية يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) قيل: باردة.
وقيل: شديدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)؛ إذ استمر بهم العذاب - كما قال اللَّه عز وجل -: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا).
وقيل: (مُسْتَمِرٍّ) أي: ذاهب على الصغير والكبير، فلم تُبْقِ منهم أحدًا إلا أهلكته.
وقوله - عز وُجل -: (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) من الناس من قال: لما اشتدت بهم الريح، تنادوا فيما بينهم: البيوت! فدخلوها، فدخلت الريح عليهم، فأخرجتهم من بيوتهم، وألقتهم في فنائهم؛ فذلك النزع.
ومنهم من قال: تنزع مفاصلهم فتلقيهم كأعجاز نخل منقعر؛ لأنهم كانوا أطول الخلق، فذكر أن كل رجل منهم كان طوله ستين ذراعا، والنخل لا يبلغ ذلك المقدار إلا بعد قطع المفاصل؛ فجائز التشبيه بأعجاز نخل منقعر بعد انتزاع مفاصلهم، والانقعار: هو الانقلاع.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مُنْقَعِرٍ)، أي: منقطع ساقط.
ومنهم من حال: شبههم بأعجاز النخل؛ لعظم أعجازهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: شبههم بأعجاز النخل؛ لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع مفاصلهم؛ لما ذكرنا.
وفي حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: (تنزع الناس على أعقابهم).
وقوله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) فهو يخرج على ما ذكرنا من الوجهين، وكذا قوله: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما:
أحدهما: (بِالنُّذُرِ) أي: بالرسل التي دعتهم إلى الإيمان باللَّه تعالى.
والثاني: كذبت بما وقعت به النذارة التي أخبرهم الرسل: أنها نازلة واقعة بهم، والله
القمر 54:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا﴾ قيل : باردة، وقيل : شديدة.
وقوله تعالى :﴿في يومٍ نَحْسٍ مستمرّ﴾ إذ استمر بهم العذاب كما قال الله تعالى :﴿سبع ليال وثمانية أيام حُسوما﴾ [الحاقة: ٧] وقيل :﴿مستمرّ﴾ أي ذاهب على الصغير والكبير، فلم يبق منهم أحد إلا أهلكته.
القمر 54:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل مُنقعِر﴾ من الناس من قال : لمّا اشتد بهم الريح تنادوا في ما بينهم. البيوت [ البيوت ](١) فدخلوها، فدخلت الريح عليهم، فأخبرتهم من بيوتهم، وألقنتهم في أفنيتا(٢)، فذلك النّزع.
ومنهم من قال : تنزع مفاصلهم، فتُلقيهم كأعجاز ﴿نخل منقعِر﴾ لأنهم كانوا أطول الخلق ؛ فذُكر أن كل رجل منهم كان طوله ستّين ذراعا، والنخل لا يبلُغ ذلك المقدار إلا بعد قطع المفاصل، فجائز لتشبيه بأعجاز ﴿نخل منقعر﴾ بعد انقعار(٣) مفاصلهم، والانقعار هو الانقلاع.
قال أبو عوسجة :﴿منقعر﴾ أي منقطع ساقط.
ومنهم من قال : شبّههم بأعجاز النخل لعظم أعجازهم. وقال بعضهم : شبّههم بأعجاز النخل لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع المفاصل لما ذكرنا. وفي حرف حفصة رضي الله عنها تنزع الناس على أعقابهم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: فنائهم..
٣ في الأصل وم: انتزاع..
القمر 54:21
الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿فكيف كان عذابي ونُذرِ﴾ فهو يخرّج على ما ذكرناه من الوجهين :
القمر 54:22
الآية ٢٢ وكذا قوله تعالى :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مُدّكر﴾.
القمر 54:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿كذّبت ثمود بالنُّذُر﴾ يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما :
أحدهما :﴿بالنُّذُر﴾ أي بالرسل [ الذين دعوهم ](١) إلى الإيمان بالله تعالى.
والثاني :﴿كذّبت ثمود بالنذر﴾ بما وقعت به النّذارة التي أخبر بها الرسل أنها نازلة واقعة بهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: دعتهم..
القمر 54:24
أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) لم يزل الأكابر من الكفرة والرؤساء منهم يلبسون على أتباعهم بهذا الحرف: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ)، وقالوا: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ)، وقوله - تعالى -: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ)، ونحو ذلك، وذلك تناقض في القول؛ لأنهم كانوا ينهون أتباعهم عن اتباع بشر مثلهم ويدعونهم إلى اتباع آبائهم والاقتداء بهم، وهم أيضا بشر، وليس مع آبائهم حجج وبراهين، ومع الرسل حجج وآيات، فيكون تناقضا في القول ومعارضة فاسدة، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: السعر: الجنون؛ أي: لو اتبعنا بشرا منا، لكنا في ضلال وجنون، وهو مأخوذ من سعر النار؛ إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة؛ من النشاط.
وقيل: الضلال والسعر واحد.
ويحتمل: أي: إنا إذا لفي ضلال في الدنيا، وسعر في الآخرة، والسعر: من السعير، وهو النار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا... (٢٥) فجائز أن يكون هذا القول من أهل مكة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كقوله - تعالى - خبرا عنهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)، والذكر هو القرآن، على هذا التأويل.
وجائز أن يكون ذلك من ثمود وصالح - عليه السلام - والقصة قصة صالح؛ فهو الأشبه بالتأويل، ولم يزل الكفرة ينكرون تفضل الرسل - عليهم السلام - على غيرهم من البشر بالرسالة، وإنزال الذكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم الفضل على أُولَئِكَ الرسل: إما بفضل مال، أو بفضل نسب، أو رياسة، ونفاذ قول، بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع، وما ينبغي لهم أن ينكروا تفضيل الرسل بالرسالة والنبوة بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع؛ إذ هي فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) عن مجاهد: أنه قرأ بفتح الشين، وقرأ العامة (أَشِرٌ) بكسر الشين.
القمر 54:25
الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿أأُلقي الذِّكر عليه من بيننا﴾ فجائز أن يكون هذا القول من أهل مكة لرسول الله ﷺ كقوله تعالى خبرا عنه :﴿أأنزل عليه الذِّكر من بيننا﴾ [ص: ٨] والذِّكر هو القرآن على هذا التأويل.
وجائز أن يكون ذلك من ثمود لصالح عليه السلام والقصة قصة صالح، فهو الأشبه بالتأويل.
ولم يزل الكفرة ينكرون تفضّل الرسل عليهم الصلاة والسلام على غيرهم من البشر بالرسالة وإنزال الذِّكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم الفضل على أولئك الرسل عليهم السلام إما بفضل مال [ وإما ](١) بفضل نسَب ورئاسة ونفاذ قول بلا سابقة كانت منهم ولا تقدمة صنع. وما ينبغي لهم أن يُنكروا تفضيل الرسل بالرسالة والنبوّة بلا سابقة كانت منهم ولا تقدِمة صنع ؛ إذ هي فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بل هو كذّاب أشِر﴾ عن مجاهد أنه قرأ بفتح(٢) الشين، وقرأ العامة : الأشِر بكسر الشين. قال بعضهم : الأشَرُ بفتح الشين ينشَطُ في الشّر.
قال أبو عوسجة : وقيل : الأشِر والأشْر هو البَطِر كما يقال : حذِِر وحذْرٌ، وهو المَرِح المتكبّر.
١ في الأصل وم: أو..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٣٦..
القمر 54:26
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: وقيل: الأَشِر، والأَشَر هو البطر -كما يقال: حذِر وحَذَر- وهو المرح المتكبر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) قرئ بالياء والتاء؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله (فِتْنَةً لَهُمْ)، ولم يقل " لكم "، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - للكفرة، أي: ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟ وهذا وعيد منه لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) لنفتنهم بها، ونمتحنهم، لم نعطهم مجانا جزافا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وقوله - تعالى -: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) أي: فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقو لها.
ويحتمل أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْهُم) هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة، كقوله (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ).
وقوله: (وَاصْطَبِرْ) أي: اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم.
أو اصبر على تبليغ الرسالة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) وقال في آية أخرى: (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ)، وفيه من الفوائد والدلائل:
أحدها: أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها؛ حتى قسم الماء يينها وبين سائر النوق.
وفيه: أنه لا بأس بقسمة الشرب؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء، وذكر في آية أخرى: (شِرْبُ يَوْمٍ)، وهو قسمة بالأيام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) أي: كل شرب بحضرة من له شرب ذلك، لا يحضره غيره.
وفيه: أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات، وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها، وقدر علفها وشربها.
ثم جعل الماء بينها وبين أُولَئِكَ القوم بالقسمة، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة؛ لاشتراكهم جميعا في الماء -أعني: البهائم والبشر- وحاجة كل منهم إلى الماء، فلذا جعل النبات مشتركا بينها. وبين سائر البهائم؛ لأن في ذلك كثرة، فلا حاجة إلى
القمر 54:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿إنا مُرسِلوا الناقة فتنة لهم﴾ يفتنُهم بها، ويمتحنُهم، لم يُعطهم مجّانا جُزافا، كقوله عز وجل :﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وقوه تعالى :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقوله تعالى :﴿فارتقِبهم واصطبِر﴾ أي فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها. ويحتمل أن يكون قوله عز وجل :﴿فارتقبهم﴾ هو خطاب لرسول الله ﷺ في حق أهل مكة كقوله :﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠].
وقوله تعالى :﴿واصطبر﴾ أي اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم، أو اصبر على تبليغ الرسالة.
القمر 54:28
الآية٢٨ وقوله تعالى :﴿ونبِّئهم أن الماء قسمة بينهم كل شِربٍ مُحتضَر﴾ كقوله في آية أخرى :﴿لها شِربٌ ولكم شِرب يوم معلوم﴾ [الشعراء: ١٥٥] وفيه من الفوائد والدلائل :
إحداهما(١) : أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاجت إليه سائر النوق وأهلها حتى قسم الماء بينهما [ وبينهم.
والثانية :](٢) أنه لا بأس بقسمة الشِّرب حين(٣) ذكر في الآية قسمة الماء [ وذكر ](٤) في الآية الأخرى ﴿شِربُ يوم معلوم﴾ [الشعراء: ١٥٥] وهو قسمة بالأيام.
وقوله تعالى :﴿كل شِربٍ مُحتضَر﴾ أي كل شِرب يحضره من له شرب ذلك، لا يحضُره غيره.
والثالثة(٥) : أن تلك الناقة، وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تُعتَلف، وتُشرَب، كسائر النوق التي ليست هي بآيات، وإن كانت تخالف سائر النوق في عِظمها وقدر عَلفِها وشِربِها.
[ والرابعة : أنه ](٦) جعل الماء بينهما وبين أولئك القوم بالقسمة [ ولم يجعل العَلَف بينها بينهم بالقسمة ](٧) لاشتراكهم جميعا في الماء ؛ أعني البهائم والبشر، وحاجة كل منهم إلى الماء، فكذا لم يجعل النبات مُشترَكا بينها بين سائر البهائم لأن في ذلك كثرة فلا حاجة إلى القسمة.
فأما في الماء في ذلك الموضع فغيره(٨) لما يسقون من الآبار [ ولذلك جعل ](٩) الماء بالقسمة، والله أعلم.
[ والخامسة :](١٠) أنّ المياه إذا ضاقت قسمتها بالأجر [ جازت قسمتها ](١١) بالأيام من حيث جُعل لها ﴿شِربُ يوم معلوم﴾.
[ والسادسة ](١٢) : أن الماء، وإن كان عينا، فهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام.
ثم قوله تعالى :﴿ونبّئهم أن الماء قسمةٌ بينهم﴾ جائز أن يكون الخطاب لصالح عليه السلام أمره أن يُنبئَ قومه ﴿أن الماء قسمة بينهم﴾ وبين الناقة.
وجائز أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ أمره أن يُخبر قومه أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أحدهما..
٢ في الأصل وم: وفيه..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: وفيه..
٦ في الأصل وم: ثم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل، فذلك جعلوا، في م: فكذلك جعلوا..
١٠ في الأصل وم: وفيه..
١١ في الأصل وم: القسم.
.
١٢ في الأصل وم: وفيه..
القمر 54:29
القسمة، فأما في الماء في ذلك الموضع عزة؛ لما يسقون من الآبار؛ فلذلك جعلوا الماء بالقسمة، واللَّه أعلم.
وفيه: أن المياه إذا ضاقت قسمتها بالأجزاء تقسم بالأيام؛ من حيث جعل لها شرب يوم معلوم، ولهم شرب يوم معلوم.
وفيه: أن الماء وإن كان عينا فهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام.
ثم قوله: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) جائز أن يكون الخطاب لصالح - عليه السلام - أمره أن ينبئ قومه: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة.
وجائز أن يكون الخطاب به لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أمره أن يخبر قومه: أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) أضاف العقر هاهنا إلى واحد، وفي رواية أخرى أضافه إلى الجماعة، وهو قوله: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)، وقال في موضع آخر: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)؛ فيكون ظاهر هذه الآيات على التناقض؛ من حيث ذكر الفرد والجماعة.
وفيه تناقض من وجه آخر؛ فإنه ذكر في آية: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)، وقال في موضع: (فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)، ذكر الندامة، وهي خلاف العتو.
لكنا نقول: لا تناقض، ولا اختلاف عند اختلاف الأحوال والأوقات، فقوله: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)، قبل أن ينزل بهم العذاب، وقوله: (فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)، إذا نزل بهم العذاب، والتناقض في وقت واحد في حال واحد، وكذلك العقر من واحد على الحقيقة، لكن إنما أضافه إلى الجماعة؛ لأنه عقر بمعاونتهم.
أو الواحد هو الذي طعنها، ثم اجتمعوا، فعقروا جميعا، ونحو ذلك؛ فثبت أنه لا تناقض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَتَعَاطَى) وتناول، (فَعَقَرَ) أي: ضرب عرقوبها؛ أي: ساقها.
وقيل: العقر: قد يكون جرحا، وقد يكون قتلا.
وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) يحتمل: أي: أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة، يخبر عن سرعة نزول العذاب ووقعه عليهم.
ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم
القمر 54:30
الآيتان ٣٠ و٣١ وقوله تعالى :﴿فكيف كان عذابي ونُذر﴾ ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحتظِر﴾ يحتمل أي أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة ؛ يُخبر عن سرعة نزول العذاب ووقوعه عليهم.
ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصّيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم المُحتظِر، وهو قوله(١) :﴿فكانوا كهشيم المُحتظر﴾.
قيل : الهشيم : العظام البالية، وقيل : كالشيء المتناثِر من الحائط. وأصل الهشيم الانكسار، أي صاروا كالشيء المُنكسِر المجتمع في موضع.
وقوله تعالى :﴿المُحتظِر﴾ بكسر الظاء ونصبه(٢) ؛ روي النصب عن الحسن ؛ قال أبو عبيد : بالكسر يُقرأ على تأويل الإنسان المُحتظِر، وقال أبو عوسجة : الهشيم الباقي من الشجر، والمُحتظَر الذي يُتّخذ حظيرة، وقال القتبيّ : الهشيم يابس(٣) النبت الذي ينهشم، أي ينكسر، والمُحتظِر بكسر الظاء صاحب الحظيرة لغَنَمه، وبفتح الظاء أراد الحيطان، وهو الحظيرة.
١ في الأصل وم: كقوله..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٣٨..
٣ في الأصل وم: اليابس..
القمر 54:31
الآيتان ٣٠ و٣١ وقوله تعالى :﴿فكيف كان عذابي ونُذر﴾ ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحتظِر﴾ يحتمل أي أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة ؛ يُخبر عن سرعة نزول العذاب ووقوعه عليهم.
ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصّيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم المُحتظِر، وهو قوله(١) :﴿فكانوا كهشيم المُحتظر﴾.
قيل : الهشيم : العظام البالية، وقيل : كالشيء المتناثِر من الحائط. وأصل الهشيم الانكسار، أي صاروا كالشيء المُنكسِر المجتمع في موضع.
وقوله تعالى :﴿المُحتظِر﴾ بكسر الظاء ونصبه(٢) ؛ روي النصب عن الحسن ؛ قال أبو عبيد : بالكسر يُقرأ على تأويل الإنسان المُحتظِر، وقال أبو عوسجة : الهشيم الباقي من الشجر، والمُحتظَر الذي يُتّخذ حظيرة، وقال القتبيّ : الهشيم يابس(٣) النبت الذي ينهشم، أي ينكسر، والمُحتظِر بكسر الظاء صاحب الحظيرة لغَنَمه، وبفتح الظاء أراد الحيطان، وهو الحظيرة.
١ في الأصل وم: كقوله..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٣٨..
٣ في الأصل وم: اليابس..
القمر 54:32
المحتظر، وهو قوله: (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، قيل: الهشيم: العظام البالية.
وقيل: كالشيء المتناثر، من الحائط، وأصل الهشيم: الانكسار، أي: صاروا كالشيء المنكسر المجتمع في موضع.
وقوله تعالى: (الْمُحْتَظِرِ) بكسر الظاء ونصبه، روي النصب عن الحسن.
قال أبو عبيد: بالكسر يقرأ على تأويل الإنسان المحتظر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الهشيم: البالي من الشجر، والمحتظر: الذي يتخذ حظيرة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الهشيم: النبت اليابس الذي ينهشم، أي: ينكسر، والمحتظر -بكسر الظاء-: صاحب الحظيرة لغنمه، وبفتح الظاء أراد: الحيطان، وهو الحظيرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ... (٣٢) أي: يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من نعم اللَّه تعالى، وأغفلوا عنها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما أغفلوا من الحجج والآيات ونسوها.
أو يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من الأنباء، وما نزل بمكذبي الرسل - عليهم السلام - بالتكذيب والعناد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) قد تقدم ذكره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، قال أهل التأويل: أليس الذي أنذروا به وجدوه حقًّا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أليس وجدوا ما وعد لهم رسلي حقًّا. وقد ذكرناه.
* * *
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ)، أي بالرسل - عليهم السلام - أو بما تقع به النذارة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ؍ (٣٤) على تأويل من يقول بأن تلك؍
القمر 54:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿كذّبت قوم لوط بالنُّذُر﴾ أي بالرسل عليهم السلام أو بما تقع به النذارة.
القمر 54:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿إنا أرسلنا عليهم حاصِبًا إلا آل لوط﴾ على تأويل من يقول : إن تلك القريات قُلِبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكرنا في آية أخرى :﴿جعلنا عاليها سافلها﴾ [ هود : ٨٢ والحجر : ٧٤ ]. أرسل الحاصِب(١) على من غاب عنها في البلدان، فأهلكهم بها.
يُخرّج على الإضمار ؛ كأنه قال : قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها ﴿حاصِبا إلا آل لوط﴾ حتى تستقيم الثُّنيا التي استثنى، ويكون كقوله :﴿أُحلّت لهم بهيمة الأنعام إلا ما يُتلى عليهم غير مُحلّي الصيد﴾ [المائدة: ١] كأنه قال : أحلّت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يُتلى عليكم غير مُحلّي الصيد، والله أعلم.
وعلى(٢) تأويل من يقول : إنها قُلِبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثُّنيا مستقيم، فيكون هلاكهم بأمرين، واستثناء آل لوط عليهم السلام النجاة منهما(٣) جميعا، والله أعلم، بقوله(٤) تعالى :﴿نجّيناهم بسَحَر﴾.
١ في الأصل وم: الحاضرين..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: منها..
٤ في الأصل وم: وقوله..
القمر 54:35
القريات قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكر في آية أخرى: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على الإضمار، كأنه قال: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ)، كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، واللَّه أعلم.
وعلى تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) أي: منعنا عنهم العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر منعمًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يكون هلاك أُولَئِكَ على لوط وآله نعمة من اللَّه تعالى عليهم؛ فيكون عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله تعالى: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)، يحتمل أن يكون هلاك أُولَئِكَ وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، - عليه السلام -.
والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أنه يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما.
أحدهما: تماروا بالواقع من النذارة.
والثاني: (بِالنُّذُرِ)، أي: الرسل، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) أي: طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.
وقوله: (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ)، ذكر أن جبريل - عليه السلام - مسح جناحيه على أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) أي: نزل بهم صباحا بالبكرة (عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم؛ وأهلكهم وأما طمس الأعين، فقد انقضى.
القمر 54:36
الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنُّذر﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : تماروا بالواقع من النّذارة.
والثاني :﴿فتماروا بالنُّذُر﴾ أي الرسل، والله أعلم.
القمر 54:37
الآية٣٧ وقوله تعالى :﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾ أي طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.
وقوله تعالى :﴿فطَمَسنا أعينهم﴾ ذُكِر أن جبرائيل عليه السلام مسح جناحيه على أعيُنهم، فعُمُوا، ثم قيل لهم :﴿فذوقوا عذابي ونُذُر﴾ [ الآية ٣٩ ].
القمر 54:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿ولقد صبّحهم بُكرة عذابٌ مستقر﴾ أي نزل بهم صباحا بالبُكرة عذابُ مستقر ؛ العذاب المستقر، هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم، وأهلكهم. وأما [ طمس ](١) الأعين فقد انقضى.
١ من م، ساقطة من الأصل..
القمر 54:39
وقوله: (عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ. أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) يحتمل ما قال من النذر: إنه جاء آل فرعون: موسى وهارون عليهما السلام، سماهما باسم الجمع، وهو النذر.
ويحتمل أن يكون المراد من النذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب؛ فيكون المراد بالنذر: ما وقعت به النذارة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) يحتمل أنهم كذبوا جميع الآيات التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - من آيات الألوهية والوحدانية، وآيات الرسالة.
وجائز أن تكون هي جميع ما يدل على وحدانية الرب وألوهيته من الخلائق؛ لأن ذلك اللعين قد ادعى الألوهية لنفسه، وجميع ما في العالم يدل على ألوهية اللَّه تعالى، فهو حيث ادعاها لنفسه وصدقه قومه كذبوا بذلك جميع الآيات التي تشهد على ألوهية الله تعالى ووحدانيته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) أي: أَخْذَ عَزِيزٍ ذليلا، وأخذ غالب مغلوبا، وأخذ قادر عاجزا، وأخْذ قاهرٍ مقهورا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) يقول اللَّه تعالى واللَّه أعلم: أكفاركم يا أهل مكة أقوى في دفع العذاب عن أنفسهم والانتصار منه إذا نزل بهم العذاب من أُولَئِكَ الذين كانوا من قبلكم، أي: ليس كفاركم أقدر منهم، بل أُولَئِكَ أكثر، ثم لم يقدروا على القيام بدفع العذاب عن أنفسهم، ولا الانتصار منه إذا نزل بهم، فأنتم يا أهل مكة أضعف وأقل عددا أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عنكم إذا نزل بكم.
أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب أنكم تقدرون على القيام في دفع العذاب عن
القمر 54:40
الآيتان ٤٠ و٤١ وقوله تعالى :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مُدّكِر﴾ ](١) ﴿ولقد جاء آل فرعون النُّذر﴾ يحتمل ما قال من النّذر أنه جاء إلى فرعون موسى وهارون عليهما السلام سمّاهما باسم الجمع، وهو النّذر.
ويحتمل أن يكون المراد من النُّذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب، فيكون المراد بالنذر ما وقعت به النّذارة.
١ ساقطة من الأصل وم..
القمر 54:41
الآيتان ٤٠ و٤١ وقوله تعالى :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مُدّكِر﴾ ](١) ﴿ولقد جاء آل فرعون النُّذر﴾ يحتمل ما قال من النّذر أنه جاء إلى فرعون موسى وهارون عليهما السلام سمّاهما باسم الجمع، وهو النّذر.
ويحتمل أن يكون المراد من النُّذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب، فيكون المراد بالنذر ما وقعت به النّذارة.
١ ساقطة من الأصل وم..
القمر 54:42
الآية ٤٢ وقوله تعالى :﴿كذّبوا بآياتنا كلّها﴾ يحتمل أنهم كذّبوا جميع الآيات التي جاءهم بها موسى من آيات الألوهية والوحدانية وآيات الرسالة.
وجائز أن تكون هي جميع ما يدل على وحدانية الرّب وألوهيته من الخلائق لأن ذلك اللعين قد ادّعى الألوهية لنفسه، وجميع ما في العالم يدل على ألوهية الله تعالى ؛ فهو حين(١) ادّعاها لنفسه، وصدّقه قومه، كذّبوا بذلك جميع الآيات التي تشهد على ألوهية الله تعالى ووحدانيته.
وقوله تعالى :﴿فأخذناهم أخذ عزيزٍ مُقتدِر﴾ أي أخذ عزيز ذليلا وأخذ غالب مغلوبا وأخذ قادر عاجزا وأخذ قاهر مقهورا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
القمر 54:43
الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿أكُفّاركم خير من أولئكم﴾ يقول الله تعالى، والله أعلم :﴿أكفّاركم﴾ يا أهل مكة أقوى في دفع العذاب عن أنفسهم والانتصار منه، إذا نزل بهم العذاب من أولئك الذين كانوا من قبلكم، أي ليس كفّاركم أقدر منهم، بل أولئك أكثر، ثم لم يقدروا القيام بدفع العذاب عن أنفسهم ولا الانتصار منه إذا نزل بهم.
فأنتم يا أهل مكة أضعف وأقلّ عددا أحق ألاّ تقدروا على دفع العذاب عنكم، إذا نزل بكم.
أو يقول : ليس لكم براءة في الكتب أن العذاب لن يصيبكم، إذا نزل.
القمر 54:44
أنفسكم إذا نزل بكم.
أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب: أن العذاب لن يصيبكم إذا نزل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) أي: بل تقولون: نحن جميع منتصر؛ أي: لا ينصرونكم كجمعهم. هذه الآيات الثلاث على النفي والدفع، أي: ليس لهم ما يدفعون العذاب عن أنفسهم، وليس لهم ما ينصرون به، ولا كفارهم خير من كفار أُولَئِكَ في دفع العذاب والقدرة على الانتصار، واللَّه أعلم.
ثم قال على الابتداء: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) فيه دليلان:
أحدهما: أخبر أن لهم جمعا يهزم، ويولون الدبر ما ذكر، وقد قال أهل التأويل: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) هو جمع دبر، أخبر أنهم يهزمون ويولون الدبر، وقد كان ما أخبر رسول اللَّه - ﷺ - دل أنه علم باللَّه تعالى.
والثاني: أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا بالدنيا بقوله تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) وكان كما أخبر.
وفيه - أيضا - دلالة إثبات الرسالة، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَدْهَى وَأَمَرُّ) أي: أعظم وأشد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) جائز أن يكون قوله: (فِي ضَلَالٍ) في الدنيا، وفي السعر في الآخرة، وهو السعير.
ويحتمل (فِي ضَلَالٍ) في هلاك، (وَسُعُرٍ) في حيرة وجنون وتيه؛ كقوله تعالى (إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) كأنه يقول له: قل لهم يوم يسحبون في النار على وجوههم إن ختموا على ما هم عليه: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي: يقال لهم: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي: ذوقوا عذاب سقر، والسقو هو اسم النار؛ فيصير كأنه على الإضمار؛ أي يقال لهم: ذوقوا عذاب النار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) يحتمل وجهين:
أحدهما: على التقديم والتأخير؛ أي: إنا خلقنا كل شيء؛ فإن كان على هذا؛ فيكون كقوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، وفيه إثبات خلق كلية الأشياء.
والثاني: على ظاهر ما جرى به الخطاب (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) أي: إن كل شيء بقدر، فإن كان على هذا، فليس فيه إثبات خلق كلية الأشياء، ولكن فيه إثبات أنما خلقه بقدر؛ وإلى هذا التأويل يذهب المعتزلة.
والتأويل عندنا هو الأول: إنا خلقنا كل شيء بقدر؛ كقوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ).
القمر 54:45
الآيتان ٤٥ و٤٦ ثم قوله(١) على الابتداء ﴿سيُهزَم الجمع ويُوَلّون الدُّبُر﴾ ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأَمَرّ﴾ فيه [ أدلّة :
أحدها ](٢) : أخبر أن لهم جميعا يُهزَم ﴿ويُوَلّون الدُّبر﴾ ما ذكر، وقد كان. [ وقال ](٣) أهل التأويل :﴿سيُهزم الجمع ويولّون الدُّبر﴾ هو جمع أهل بدر، أخبر أنهم يُهزَمون ﴿ويولّون الدّبر﴾ وقد كان ما أخبر رسول الله ﷺ دلّ أنه علم بالله تعالى.
والثاني : أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا الدنيا بقوله :﴿والساعة أدهى وأَمَرّ﴾ وكان كما أخبر.
[ والثالث :](٤) دلالة إثبات الرسالة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أدهى وأَمَرّ﴾ أي أعظم وأشدّ.
١ في الأصل وم: قال..
٢ في الأصل وم: دليلان أحدهما..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: وفيه أيضا..
القمر 54:46
الآيتان ٤٥ و٤٦ ثم قوله(١) على الابتداء ﴿سيُهزَم الجمع ويُوَلّون الدُّبُر﴾ ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأَمَرّ﴾ فيه [ أدلّة :
أحدها ](٢) : أخبر أن لهم جميعا يُهزَم ﴿ويُوَلّون الدُّبر﴾ ما ذكر، وقد كان. [ وقال ](٣) أهل التأويل :﴿سيُهزم الجمع ويولّون الدُّبر﴾ هو جمع أهل بدر، أخبر أنهم يُهزَمون ﴿ويولّون الدّبر﴾ وقد كان ما أخبر رسول الله ﷺ دلّ أنه علم بالله تعالى.
والثاني : أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا الدنيا بقوله :﴿والساعة أدهى وأَمَرّ﴾ وكان كما أخبر.
[ والثالث :](٤) دلالة إثبات الرسالة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أدهى وأَمَرّ﴾ أي أعظم وأشدّ.
١ في الأصل وم: قال..
٢ في الأصل وم: دليلان أحدهما..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: وفيه أيضا..
القمر 54:47
الآية ٤٧ وقوله عز وجل :﴿إن المجرمين في ضلال وسُعُرٍ﴾ جائز أن يكون قوله :﴿في ضلال﴾ في الدنيا وفي السُّعُر في الآخرة، وهو السّعير. ويحتمل ﴿في ضلال﴾ في هلاك ﴿وسُعر﴾ في حيرة وجنون وتيه كقوله تعالى :﴿إنا إذا لفي ضلال وسُعر﴾ [القمر: ٢٤].
القمر 54:48
الآية ٤٨ وقوله تعالى :﴿يوم يُسحَبون في النار على وجوههم﴾ كأنه يقول له : قل لهم :﴿يوم يُسحَبون في النار على وجوههم﴾ أن ختموا على ما هم عليه ﴿ذوقوا مسّ سَقر﴾ أي يقال لهم :﴿ذوقوا مسّ سقر﴾ أي ذوقوا عذاب سقر، والسّقر هو اسم النار، فيصير كأنه على الإضمار، أي يقال لهم : ذوقوا عذاب النار، والله أعلم.
القمر 54:49
الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿إنا كل شيء خلقناه بقَدَر﴾ يحتمل [ وجوها :
أحدها ](١) : على التقديم والتأخير، أي إنا قدّرنا(٢) كل شيء [ خلقناه ](٣). فيكون كقوله تعالى :﴿خالق كل شيء﴾ [ لأنعام : ١٠٢ و. . . ].
والثاني(٤) : إثبات خلق(٥) كلّية الأشياء.
والثالث(٦) : على ظاهر ما جرى به(٧) الخطاب :﴿إنا كل شيء خلقناه بقَدَر﴾ أي إنا كل شيء نُقدّره(٨). فإن كان على هذا فليس فيه إثبات خلق كلية الأشياء، ولكن فيه إثبات أن ما خلقه بقَدَر، وإلى هذا التأويل يذهب المعتزلة.
والتأويل عندنا هو الأول :﴿إنا كل شيء خلقناه بقَدَر﴾ كقوله :﴿خالق كل شيء﴾ [ الأنعام : ١٠٢ و. . . ] ويحتمل ﴿إنا كل شيء خلقناه بقَدَر﴾ وحدّ ينتهي إليه ذلك، أو يبلُغ حدّه، ليس كالمخلوق، لا يعرف أحد قدر فعله ولا حدّه الذي ينتهي، ولا يخرج فعل أحد من المخلوقات على ما يقدّرون.
فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدّره خلافا لفعل غيره، فيدلّ على أنه هو الخالق، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وجهين أحدهما..
٢ في الأصل وم: خلقنا..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل و: وفيه..
٥ من م، في الأصل: كل..
٦ في الأصل وم: والثاني..
٧ في الأصل وم: الآية..
٨ في الأصل وم: يقدر..
القمر 54:50
ويحتمل: أي: إنا كل شيء خلقناه بقدر وحَدٍّ ينتهي إليه ذلك، ويبلغ حده، ليس كالمخلوق لا يعرف أحد قدر فعله ولا حده الذي ينتهي إليه، ولا يخرج فعل أحد من المخلوقين على ما يقدرونه، فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدره خلافا لفعل غيره؛ فيدل على أنه هو الخالق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ... (٥٠) الأمر فيما بين الخلق على وجهين:
أحدهما: أمر شأن بالفعل.
والآخر: أمر تكليف لغير.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ)، إنما هو أمر فعل؛ يخبر عن سهولة ذلك عليه، أي: شأنه وفعله يسير عليه، لا يعجزه شيء ولا يشغله؛ فعلى ذلك أمر الله وخفته عليه، والواحد ليس هو اسم العدد، وإن كان الحساب يبتدئ به إنما هو اسم التوحد والتفرد؛ كما يقال: فلان واحد زمانه، لا يريدون من جهة العدد؛ إذ له أعداد وأمثال من جهة العدد، ولكن إنما يراد بأنه المتوحد في شأنه وفعله، ولا نظير له؛ فعلى ذلك تسميته إياه: واحدا لتفرده وتوحده في ألوهيته وربوبيته، وتسمية أمره واحدا: أن فعله وشأنه لا يشبه أفعال غيره، وأنه لا نظير له في ذلك، وأنه يسير عليه، لا حاجة له إلى الوقت، والآلة، وغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) يخبر عن خفة ذلك عليه وسهولته، من حيث لا يثقل على أحد رد البصر ولا لمحه، هذا وجه.
الثاني: فيه إخبار أنه لا يشغله شيء؛ لأن الناس تشغلهم بعض أمورهم عن بعض.
وأهل التأويل يصرفون الآية إلى الساعة؛ كقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)، وهو محتمل؛ فيخبر أن الآخرة ليس على تقدير أمر الدنيا على اتباع بعض بعضا، وعلى إرداف شيء على شيء، وعلى الانتقال والتغير من حال إلى حال، ولكن أمر الآخرة على التكون بمرة واحدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) يحتمل قوله (أَشْيَاعَكُمْ) على وجهين:
أحدهما: إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - واذكروا أنتم يا أهل مكة؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
والثاني: أي: ولقد أهلكنا أشياعكم، وعرفتم ذلك، (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) يتذكر ويتعظ، ويعتبر به.
القمر 54:51
الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مُدّكِر﴾ يحتمل قوله :﴿أشياعكم﴾ وجهين :
أحدهما : إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل عليهم السلام واذكروا أنتم يا أهل مكة لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا ﷺ.
والثاني : أي ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم﴾ وعرفتم ذلك ﴿فهل من مُدّكر﴾ يتذكّر، ويتّعظ، ويعتبر به ؟ وجائز أن يكون معناه : ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلُق الخَلق للفناء والهلاك. فاعلموا أنه أنشأكم لعاقبة.
وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، والله أعلم.
القمر 54:52
وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة.
وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) يخرج هذا - أيضًا - على وجهين:
أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون، وقد بينا قبل هذا أنه تعالى بعث الرسل - عليهم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون معناه: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) أي: في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله تعالى: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين:
أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم.
أو في الذين يملون على الحفظة؛ كقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ)، وقال في موضع آخر: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ).
ثم اختلف في تأويل قوله: (وَنَهَرٍ (٥٤).
قيل: نهر من النور، أي: هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصم.
وقال الفراء: النهر: السعة؛ يقال: أنهرت الطعنة، أي: وسعتها.
وقال أهل التأويل: أي: الأنهار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ... (٥٥) أي: موعود صدق؛ كأنه كناية عن راحة وسرور لهم؛ كقوله: (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)، أخبر أنهم يستريحون فيها، أو يسكنون ويقرون، لا يريدون التحول منها، وهو مقابل ما ذكر للكفار: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أي: يجرون، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، وقوله تعالى: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا)، يطلبون الخروج منها، وأخبر أنهم يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرون في مكان، وعلى هذا يخرج قوله: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، أي: لهم موعود صدق عند ربهم، أي: تقر أقدامهم في ذلك؛ فيكون هو كناية عن الثبات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).
إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى اللَّه تعالى، نحو ما يقال: في سبيل اللَّه، ووفود اللَّه، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخير تضاف إلى اللَّه، نحو: بيت اللَّه، ومساجد اللَّه؛ لأنها أمكنة القرب والفضل، فعلى ذلك قوله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) أضاف بكونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة عند الله تعالى، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *
القمر 54:53
الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿وكل صغير وكبير مُستطَر﴾ هذا أيضا يخرّج على هذين الوجهين :
أحدهما :﴿مُستطَر﴾ في الكتب التي قبلهم.
[ والثاني :﴿مُستطَر﴾ في كتب ](١) الذين يُملون على الحَفَظة كقوله تعالى :﴿ما يلفِظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] وقوله تعالى :﴿إن المجرمين في ضلال وسُعُر﴾ ﴿يوم يُسحَبون في النار﴾ [ القمر : ٤٧ و٤٨ ] وقوله(٢) في موضع آخر :﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون﴾ [الزخرف: ٧٤].
١ في الأصل وم: أو في..
٢ في الأصل وم: وقال..
القمر 54:54
الآية ٥٤ [ وقوله تعالى :﴿إن المتقين في جنات ونَهَرٍ﴾ ](١) اختُلف في تأويل قوله تعالى :﴿ونَهَرٍ﴾.
قيل :﴿ونَهَرٍ﴾ من النهار، أي هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصمّ.
وقال الفرّاء : النهر السَّعة ؛ يقال : أنهرت الطعنة، أي وسّعتها.
وقال أهل التأويل : أي الأنهار.
١ في الأصل وم: ثم..
القمر 54:55
الآية ٥٥ وقوله تعالى :﴿في مقعد صِدقٍ﴾ أي موعود صِدق ؛ كأنه كناية عن راحة وسرور لهم كقوله تعالى :﴿كانت لهم جنات الفردوس نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] أخبر أنهم يستريحون فيها، أو يسكُنون، ويقرّون، لا يريدون التحوّل عنها.
وهو مقابل ما ذكر للكفار :﴿يوم يُسحَبون في النار على وجوههم﴾ [القمر: ٤٨] أي يُجرّون وقوله تعالى :﴿سأُرهقه صعودا﴾ [المدثر: ١٧] وقوله تعالى :﴿ربنا أخرجنا منها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] يطلبون خروج منها، وأخبر أنهم يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرّ(١) في مكان.
وعلى هذا يخرّج قوله تعالى :﴿وبشّر الذين آمنوا أن لهم قَدَم صدق عند ربهم﴾ [يونس: ٢] أي لهم موعود صدق عند ربهم، أي تقِرّ أقدامهم في ذلك، فيكون هو كناية عن الثبات.
وقوه تعالى :﴿عند مليك مُقتدِر﴾ إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى الله تعالى نحو ما يقال : في سبيل الله تعالى، ووُفود الله، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخير ؛ تضاف إلى الله، نحو بيت(٢) الله ومساجد(٣) الله لأنها أمكنة القُرب والفضل.
فعلى ذلك قوله تعالى :﴿في مقعد صِدق عند مليك مُقتدِر﴾ أضاف كونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة إليه(٤) تعالى لا لأنه(٥) يوصف بمكان أو مقام بل [ لأنه ](٦) هم مُمسِك الأمكنة كلها ومُنشئ الأمكنة بأسرها، والله الموفَّق.
١ في الأصل وم: يقرون..
٢ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أن طهّرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]..
٣ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤]..
٤ في الأصل وم: عند الله..
٥ في الأصل وم: أنه..
٦ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:1
سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّة، وقيل: بل مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) قد عرفت العرب وعلمت أن " الرحمن " على ميزان " فعلان "، مشتق من الرحمة، لكن أحدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسميته به: رحمانا؛ لذلك خص اللَّه تعالى نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقًّا من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك وتعالى - علم القرآن رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم يخرج ذلك على وجوه:
أحدها: أنه جبريل - عليه السلام - حيث قال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ)، لكن خرجت الإضافة إلى اللَّه تعالى؛ لما أنه علمه بأمره.
والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه؛ لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)، وقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ).
والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - عليه السلام - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل، عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) أي: آدم عليه السلام، و (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ)؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.
الرحمن 55:3
الآيتان ٣ و ٤ وقوله تعالى :﴿خلق الإنسان﴾ ﴿علمه البيان﴾ قال بعضهم :﴿خلق الإنسان﴾ أي آدم عليه السلام و﴿علمه البيان﴾ أي الأسماء التي ذكر في آية أخرى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليست كالأشياء التي تعرف، وتدرك بالاستدلال.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى :﴿خلق الإنسان﴾ أي خلق كل إنسان، و ﴿علمه البيان﴾ أي علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.
ويحتمل علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا من اللون والطعم واللذة / ٥٤١ –ب / علم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته استدلالا بما شاهدوا. ويحتمل الاستدلال بالشاهد على معرفة الله تعالى ؟، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان (١)محتاجا عاجزا محاطا بالحوائج والحوادث، عرفوا أن له خالقا قادرا أنشأه كذلك. ويحتمل ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله ﷺ أنه ﴿علّم القرآن﴾ و﴿علّمه البيان﴾ بيان القرآن(٢) حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إليه وما لهم وما عليهم.
وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي ﷺ وقوله تعالى :﴿الرحمان﴾ ﴿علم القرآن﴾ وبعضه إلى آدم عليه السلام وهو قوله :﴿خلق الإنسان﴾ آدم و ﴿علمه البيان﴾ بيان الدنيا والآخرة. وجائز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان ﴿علم القرآن﴾ و ﴿علمه البيان﴾ أي علمه شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع ونحو ذلك وقال القتبي :﴿علمه البيان﴾ أي الكلام، والله أعلم.
١ في الأصل وم: الأشياء..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: هو..
الرحمن 55:5
ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا -باللون والطعم واللذة- طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.
ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة اللَّه تعالى، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.
ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، وهو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إليه، وما لهم وما عليهم.
وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو قوله: (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، وبعضه إلى آدم - عليه السلام - وهو قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وتفسيره ما ذكرناه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) آدم، و (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) بيان الدنيا والآخرة.
وجائز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) أي: الكلام، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) قال أهل التأويل بوجهين:
أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.
والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويغيبان فيها، ومجاريهما التي يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (بِحُسْبَانٍ) جمع الحساب.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (بِحُسْبَانٍ) بحساب ومنازل لا يعدوانها.
وفيه زيادة معنى: أن اللَّه تعالى جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفضيل بعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلٍّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) النجم يحتمل وجهين:
أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما
الرحمن 55:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ :﴿والنجم والشجر﴾ ](١) يحتمل وجهين :
أحدهما : الكواكب، فإن كان هو المراد فكأنه يقول : يسجد له ما به زينة الدنيا و ما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.
[ والثاني ](٢) : يحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض، لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق ؛ كأنه يقول : يسجد له كل ما يظهر من الأرض، ويخرج : ما ارتفع، وعلا، وما لم يرتفع.
ثم سجودهما يحتمل وجوها :
أحدها : سجود خلقة ؛ قد جعل الله تعالى في خلقة كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني : سجود هذه الأشياء الموات طاعتها له عن اضطرار وتسخير نحو قوله تعالى :﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١].
والثالث : سجود حقيقة ؛ يجعل الله في سرّيّة(٣) هذه الأشياء معنى تسجد(٤) به لله تعالى، يعلمه هو، ولا يعلمه غيره كقوله تعالى :﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال بعض الناس : سجودهما هو تمثيل ظلالهما كقوله تعالى :﴿يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله﴾ [النحل: ٤٨].
ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر [ من ](٥) سجود الموات وطاعتها لأنها موات، ليست بأهل السجود، وإنما سجودها عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود.
وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: و..
٣ من م، في الأصل: سيرته..
٤ في الأصل و م: يسجدون..
٥ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:7
به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.
ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.
ثم سجودهما يحتمل وجوها:
أحدها: سجود خلقة؛ قد جعل اللَّه تعالى في خلقة كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني: سجود هذه الأشياء الموات: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله تعالى: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
والثالث: سجود حقيقة، يجعل اللَّه في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله تعالى يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).
وقال بعض الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ).
ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنَّمَا سجودها عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا... (٧) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليعلم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.
والثاني: (رَفَعَهَا) أي: رفع قدْرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإيفاء والاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، واللَّه أعلم.
الرحمن 55:8
ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.
وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وذكر أن الموازين ثلاثة:
أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.
والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإيفاء الحقوق والاستيفاء.
والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) قوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)، (وَلَا تُخْسِرُوا) أي: لا تنقصوا في الميزان.
وقوله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ) أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيدا لباب الوزن والميزان.
ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
وعن قتادة: كان ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.
وقال مجاهد في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.
وقيل لابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: إن أهل المدينة [ليوفون] الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال اللَّه تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)؟!.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الأنام: هو كل ذي روح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأنام: هو جميع الخلق.
الرحمن 55:10
الآية ١٠ وقوله عز وجل :﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [ قال بعضهم : الأنام ](١) : هو كل ذي روح. وقال بعضهم : الأنام، هو جمع الخلق. ولكن عندنا الأنام كأنه البشر لأنه(٢) أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، ووضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع :﴿خلق لكم ما في الأرض﴾ [ البقرة : ٢٩ و. . . ] [ وقال في مواضع ] :﴿سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾[ لقمان : ٢٠ و. . . ].
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ أدرج قبلها في الأصل و م: الآية..
الرحمن 55:11
ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، ووضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها رزقا لهم وقوتا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَاتُ الْأَكْمَامِ) أي: ذات الغلف والأغطية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب والثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء؛ عطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان:
منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.
وقيل: هو التبن.
وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.
وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.
وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.
وقيل: هو الذي يشتم.
وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: الريحان: هو الحب.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان اللَّه، أي رزقه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ).
وقيل: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل إنسي وجني في نفسه؛ كقوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، ليس أن قال الفريقان جميعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: " لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد ".
ثم فيما ذكر من قوله: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ...) إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.
أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.
وأما بيان قدرته وسلطانه: فإنه أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكمامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خارج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاد في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر في الأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضعفها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.
وفيه إثبات البعث من وجهين:
أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.
والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعم، ثم يتركهم سدى لا يستأدي
الرحمن 55:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿والحب ذو العصف والريحان﴾ برفع(١) النون وكسرها. فمن كسرها ذهب إلى الريحان، وهو الرزق الذي ترزقون من الحبوب والثمار، والعصف : الورق، فيكون المعنى : والحب ذو الورق والرزق.
ومن رفعها فعلى الابتداء عطفا على الحب.
واختلفوا في تفسير العصف والريحان : منهم من قال : العصف ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما، وقيل : هو التين، و قيل : هو أول ما ينبت من الزرع، وقيل : العصف هو الزرع نفسه. ولكن أضاف العصف إلى الحب لما منه ينشأ الحب، ومنه يخرج.
وأما الريحان [ فقد قيل :](٢) هو خضرة الزرع، وقيل : هو الذي يشم، وقيل : هو الرزق الذي يرزقون من الحبوب و الثمار.
كذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه الريحان هو الحب، وقال القتبي : الريحان الرزق ؛ يقال : اطلب ريحان الله أي رزقه، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات ج٧/٤٦..
٢ في الأصل و م: قال..
الرحمن 55:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي ﷺ كان مبعوثا إلى الإنس والجن /٥٤٢-أ/ جميعا.
ألا ترى أنه قال في آية أخرى :﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقيل : ليس أن يخاطبها جملة ولكن يخاطب كل إنسي وجني في نفسه كقوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: ١٣٥] ليس أن قال الفريقان جميعا كونوا هودا تهتدوا. ولكن قال اليهود : كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى : كونوا نصارى تهتدوا. فعلى ذلك هذا.
ثم قوله عز وجل :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ عن جابر بن عبد الله [ أنه ](١) قال :{ خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ سورة الرحمن من أولها، فسكتوا، فقال : لقد قرأتها على الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم، كانوا كلما قرأت عليهم :{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } قالوا : لا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد }. [ الترمذي ٣٢٩١ ].
ثم في ما ذكر من قوله :﴿والأرض وضعها للأنام﴾ ﴿فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام﴾ [ الآيات : ١٠ و١١ و. . . ] إلى آخره يذكر نعمه وقدرته وتدبيره وعلمه ووحدانيته.
أما نعمه فإنها(٢) بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم. وأما بيان قدرته وسلطانه فإنشاء هذه الفواكه والحبوب في أكمامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في العلق ليعلم أن صنعه وفعله خارج عن المعالجات والممارسات التي لا يتحقق مع الأغطية. فإن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم.
كذلك الأولاد في البطون والفراخ في البيض وأمثالها في الظلمات ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء. ثم إنشاء هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا يحتمل [ فيه ](٣) البرد والحر في الأكمام من وراء الحجب، وإمساكها فيها في حال ضعفها، فإذا اشتدت، وقويت، أخرجها في العلق، في ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه. وفيه إثبات البعث من وجهين :
أحدهما : أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء قادر على إعادة الخلق.
والثاني : أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا. وفي الحكمة التفريق بينهما، فلا بد من دار أخرى، فيها يفرق بينهما.
وفيه لزوم الامتحان ؛ إذ لا يحتمل أن ينشىء لهم هذه النعم، ثم يتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا تعرف إلا بمعرف يعرفهم، لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرفان(٤) بمجرد العقل، فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله تعالى ذلك، فيكون فيه إثبات الرسالة.
ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت دليل على أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان ؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.
ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منافع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد دليل على وحدانيته ؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.
١ في الأصل و م: فإنه.
٢ في الأصل و م: فإنه..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: يعرف..
الرحمن 55:14
شكر ما أنعم عليهم.
ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن اللَّه تعالى ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.
ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.
ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منابع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد؛ على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، واللَّه الموفق.
* * *
قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)، واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وهو الذي اسود وتغير؛ لطول المكث، ومرة قال: (مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.
ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البئر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الفخار: الذي طبخ.
فجائز أن تكون هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء ترابا، ثم صار لازبا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود؛ لطول المكث، وصلصالًا لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.
وتشبيهه بالفخار يحتمل وجوهًا:
الرحمن 55:15
أحدها: لتكسره ويبسه.
أو لأنه كان ذا جوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له هذه الصفات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجان: الجن.
وقوله: (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: المارج: هو لهب النار صافيًا لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التهبت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) إذا خلط وجمع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: (مِن مَارِجٍ)، أي: من خلط من النار.
وعلى تأويل من قال في قوله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم - عليه السلام - من تراب، وخلق الجان من نار.
والفائدة في ذلك - واللَّه أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة:
أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث:
والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) يقول، - واللَّه أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون قدرته في البعث وغيره؟!
الرحمن 55:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ يقول، والله أعلم : إذا لم تنكروا شيئا من آلائه، أنه ليس منه، فما لكم تنكرون قدرته على البعث وغيره ؟
الرحمن 55:17
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) وقال في موضع آخر: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، قد ذكرناه فيما تقدم.
ثم دل قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) و (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، وذكر الحد لهما -أعني: الشمس والقمر- في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذا كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - واللَّه أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله تعالى منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.
وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) قيل: جمع يينهما وخلط.
وقيل: أحدهما العذب، والآخر: المالح.
وقيل: (يَلْتَقِيَانِ) أي: يتقابلان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) أي: بين البحرين حجاب وحاجز.
(لَا يَبْغِيَانِ) قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.
وقيل: (لَا يَبْغِيَانِ) أي: لا يجاوزان حد اللَّه الذي حد لهما.
ثم اختلف في البحرين: قَالَ بَعْضُهُمْ: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) أي: سكان، (لَا يَبْغِيَانِ) أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.
ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ)، أي جزيرة العرب.
الرحمن 55:18
الآية ١٨ [ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١)هذا كله منشأ للبشر مسخر لهم، فيقول، والله أعلم : ما بال المجعول لكم أطوع لله تعالى منكم حين(٢) لا يتجاوز الحد الذي جعل [ له، ولا يتعدى أمر خالقه ](٣) ؟ وأنتم تتجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.
وفي الآية [ ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ ](٤) دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب ؟ والله أعلم.
١ في الأصل و م: ثم..
٢ في الأصل و م: حيث.
٣ في الأصل و م: لهم ولا يتعدون أمر خالقهما..
٤ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ قيل : جمع بينهما، وخلط. وقيل : أحدهما العذب، والآخر المالح وقيل :﴿يلتقيان﴾ أي يتقابلان.
الرحمن 55:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي بين البحرين حجاب وحاجز ﴿لا يبغيان﴾ قيل : لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما.
يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج/ ٥٤٢ – ب/ ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط. فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء وقيل :﴿لا يبغيان﴾ أي لا يتجاوزان حد الله تعالى الذي حد لهما.
ثم اختلف في البحرين : قال بعضهم : أحدهما : بحر روم، والآخر : بحر هند، وبينهما برزخ أي مكان ﴿لا يبغيان﴾ أي لا يختلطان، وهو قول الأصم.
ومنهم من قال : أحدهما : بحر السماء، والآخر : بحر الأرض، كقوله :﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ ﴿وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [ القمر : ١١ و١٢ ].
وقوله تعالى ](١) :﴿بينهما برزخ﴾ وهو الهواء والأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه تعالى.
١ في الأصل و م: و..
الرحمن 55:21
الآية ٢١ [ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١)
١ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:22
وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)، و (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ)، وهو: [.... ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضًا لطف منه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.
ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.
ثم قرئ (يَخْرُجُ) بنصب الياء، ورفع الراء، وقرئ برفع، الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل لهما، والثاني على جعل الفعل لغيرهما؛ كقوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)، ولم يقل: (يخرج منه حلية).
ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.
ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.
وقيل؛ إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.
وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت
الرحمن 55:23
الآية ٢٣ [ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:24
الأصداف؛ فكان من ذلك اللؤلؤ.
وقيل: إنما قال تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) عن إبراهيم - رحمه الله تعالى -: أنه قرأ: (الْمُنْشِئَاتُ) بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.
وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، قال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أنها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقلوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.
وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَالْأَعْلَامِ) أي: هي في البحار كالجبال في البراري.
قيل: وهي الأعلام أنفسها.
ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله تعالى وسبحانه:
أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.
والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدِّين والآخرة من الوعد والوعيد.
أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم -التي جعلها لكم- أنها من الله تعالى، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!
ثم في قوله: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ) دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ)، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، واللَّه أعلم.
الرحمن 55:25
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) إذا لم تكذبا شيئا من آلاء ربكما: أنه من اللَّه تعالى، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءوا بالآيات والحجج.
* * *
قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) يحتمل وجوها:
أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أن ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه اللَّه، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه اللَّه؛ فإنه باق، واللَّه أعلم.
والباطنية يقولون: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ اللَّه تعالى من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل (وَيَبْقَى وَجْهُ) أي: كل ما يطلب من العمل وغيره رضاء اللَّه تعالى، فكنى بالوجه عن الرضاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُو الْجَلَالِ) يخرج على وجهين:
أحدهما: على خلق إجلال حق اللَّه وأمره وتعظيم ذلك.
والثاني: أن يجل اللَّه تعالى من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) يخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن فزع أهل السماء وأهل الأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه
الرحمن 55:26
الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ وقوله تعالى :﴿كل من عليها فان﴾ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) يحتمل وجوها :
أحدها : أي ملك كل من في الأرض فان، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني(٢) : سلطان كل من عليها، أو قوة كل من عليها، وقدرته، فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته ليعلم أن ملكه وسلطانه بذاته لا بالخلق ولا(٣) يكون فناؤهم وذهابهم يدخل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
[ والثالث ](٤) : جائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء ومن(٥) يخدمونهم ؛ كأنه(٦) يقول : كل من عبد دونه، أو خدم، أو عمل، لا لوجه الله فكله فان ذاهب إلا ما عمل لوجه الله فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون :﴿كل من عليها فان﴾ أي النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا، لأنهم يقولون : إذا فنيت هذه الأجساد ينشىء الله تعالى من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿وجه ربك﴾ أي كل ما يطلب من العمل وغيره رضا الله تعالى، فكنى بالوجه عن الرضا. وقوله تعالى :[ ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ ](٧)يخرج على وجهين :
أحدهما : على الخلق(٨) إجلال خلق الله وأمره و تعظيم ذلك.
والثاني :[ على ](٩) أن يجل الله تعالى من شاء من خلقه، أي منه إجلال من أجل في الدنيا وإكرام من أكرم في الآخرة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: يحتمل..
٣ في الأصل و م: حتى..
٤ في الأصل وم: و.
٥ في الأصل وم: و ما.
٦ في الأصل وم: كأنهم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: خلق..
٩ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:27
الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ وقوله تعالى :﴿كل من عليها فان﴾ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) يحتمل وجوها :
أحدها : أي ملك كل من في الأرض فان، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني(٢) : سلطان كل من عليها، أو قوة كل من عليها، وقدرته، فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته ليعلم أن ملكه وسلطانه بذاته لا بالخلق ولا(٣) يكون فناؤهم وذهابهم يدخل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
[ والثالث ](٤) : جائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء ومن(٥) يخدمونهم ؛ كأنه(٦) يقول : كل من عبد دونه، أو خدم، أو عمل، لا لوجه الله فكله فان ذاهب إلا ما عمل لوجه الله فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون :﴿كل من عليها فان﴾ أي النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا، لأنهم يقولون : إذا فنيت هذه الأجساد ينشىء الله تعالى من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿وجه ربك﴾ أي كل ما يطلب من العمل وغيره رضا الله تعالى، فكنى بالوجه عن الرضا. وقوله تعالى :[ ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ ](٧)يخرج على وجهين :
أحدهما : على الخلق(٨) إجلال خلق الله وأمره و تعظيم ذلك.
والثاني :[ على ](٩) أن يجل الله تعالى من شاء من خلقه، أي منه إجلال من أجل في الدنيا وإكرام من أكرم في الآخرة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: يحتمل..
٣ في الأصل و م: حتى..
٤ في الأصل وم: و.
٥ في الأصل وم: و ما.
٦ في الأصل وم: كأنهم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: خلق..
٩ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:28
الآيات ٢٦ و٢٧ و٢٨ وقوله تعالى :﴿كل من عليها فان﴾ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) يحتمل وجوها :
أحدها : أي ملك كل من في الأرض فان، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني(٢) : سلطان كل من عليها، أو قوة كل من عليها، وقدرته، فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته ليعلم أن ملكه وسلطانه بذاته لا بالخلق ولا(٣) يكون فناؤهم وذهابهم يدخل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
[ والثالث ](٤) : جائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء ومن(٥) يخدمونهم ؛ كأنه(٦) يقول : كل من عبد دونه، أو خدم، أو عمل، لا لوجه الله فكله فان ذاهب إلا ما عمل لوجه الله فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون :﴿كل من عليها فان﴾ أي النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا، لأنهم يقولون : إذا فنيت هذه الأجساد ينشىء الله تعالى من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿وجه ربك﴾ أي كل ما يطلب من العمل وغيره رضا الله تعالى، فكنى بالوجه عن الرضا. وقوله تعالى :[ ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ ](٧)يخرج على وجهين :
أحدهما : على الخلق(٨) إجلال خلق الله وأمره و تعظيم ذلك.
والثاني :[ على ](٩) أن يجل الله تعالى من شاء من خلقه، أي منه إجلال من أجل في الدنيا وإكرام من أكرم في الآخرة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: يحتمل..
٣ في الأصل و م: حتى..
٤ في الأصل وم: و.
٥ في الأصل وم: و ما.
٦ في الأصل وم: كأنهم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: خلق..
٩ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:29
الآيتان ٢٩ و٣٠ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ﴿يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ [ فبأي آلاء ربكما تكذبان } ](١) يخبر الله عز وجل عن فزع أهل السماء وأهل الأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر :﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ الآية [الأنعام: ٦٣] وقوله عز وجل :﴿قل الله ينجّيكم منها ومن كل كرب﴾ [ الأنعام ] : ٦٤ ] وقوله تعالى :﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه﴾ [الزمر: ٨] وقوله تعالى :﴿وإذا مسكم الضر في البحر﴾ [الإسراء: ٦٧].
هذا صلة قوله :﴿كل من عليها فان﴾ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [ الآيتان : ٢٦ و٢٧ ].
يقول، والله أعلم : شأنه وأمره باق دائم أبدا وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره ولا وهنا في سلطانه وملكه، بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال حياتهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل : إن اليهود قالت : إن الله استراح يوم السبت، لا يقضي بشيء، ولا يحكم، ولا يأمر، ولا يفعل فعلا، فنزلت الآية عند ذلك ﴿كل يوم هو في شأن﴾ من إحداث وإفناء وإحياء وإماتة.
وأصله أن الله تعالى إذا وصف بالأزل يقال : عالم لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت، فيكون الوقت للخلق لا له نحو أن يقال : إن الله تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا أو في هذا الوقت، أي لم يزل عالما أين تجلس الآن أو تجيء الآن، أو في هذا الوقت.
وإذا وصفته بالماضي قلت : لم يزل عالما بما كان [ بالماضي، وبالمستقبل ](٢) لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وبالحال لم يزل عالما بكونه كائنا للحال ونحو ذلك نفيا لوهم الخلق أن المخلوق كيف يكون في الأول.
فعلى ذلك قوله عز و جل :﴿كل يوم هو في شأن﴾ ذكر اليوم والوقت لئلا/ ٥٤٣ – أ/ يتوهم كون الخلق قديما، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: بالمستقبل..
الرحمن 55:30
الآيتان ٢٩ و٣٠ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ﴿يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ [ فبأي آلاء ربكما تكذبان } ](١) يخبر الله عز وجل عن فزع أهل السماء وأهل الأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر :﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ الآية [الأنعام: ٦٣] وقوله عز وجل :﴿قل الله ينجّيكم منها ومن كل كرب﴾ [ الأنعام ] : ٦٤ ] وقوله تعالى :﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه﴾ [الزمر: ٨] وقوله تعالى :﴿وإذا مسكم الضر في البحر﴾ [الإسراء: ٦٧].
هذا صلة قوله :﴿كل من عليها فان﴾ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [ الآيتان : ٢٦ و٢٧ ].
يقول، والله أعلم : شأنه وأمره باق دائم أبدا وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره ولا وهنا في سلطانه وملكه، بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال حياتهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل : إن اليهود قالت : إن الله استراح يوم السبت، لا يقضي بشيء، ولا يحكم، ولا يأمر، ولا يفعل فعلا، فنزلت الآية عند ذلك ﴿كل يوم هو في شأن﴾ من إحداث وإفناء وإحياء وإماتة.
وأصله أن الله تعالى إذا وصف بالأزل يقال : عالم لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت، فيكون الوقت للخلق لا له نحو أن يقال : إن الله تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا أو في هذا الوقت، أي لم يزل عالما أين تجلس الآن أو تجيء الآن، أو في هذا الوقت.
وإذا وصفته بالماضي قلت : لم يزل عالما بما كان [ بالماضي، وبالمستقبل ](٢) لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وبالحال لم يزل عالما بكونه كائنا للحال ونحو ذلك نفيا لوهم الخلق أن المخلوق كيف يكون في الأول.
فعلى ذلك قوله عز و جل :﴿كل يوم هو في شأن﴾ ذكر اليوم والوقت لئلا/ ٥٤٣ – أ/ يتوهم كون الخلق قديما، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: بالمستقبل..
الرحمن 55:31
المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر:
(قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ)، وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ)، هنا صلة قوله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) يقول - واللَّه أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا وهنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن اللَّه تعالى استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عند ذلك (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) من إحداث لإفناء، وإحياء وإماتة.
وأصله: أن اللَّه تعالى إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن اللَّه تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟! فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم بكون الخلق قديما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) قرئ: (سَنَفْرُغُ) بالنون والياء، وبرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ذكر على المغايبة، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج: قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ) ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل لآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
الرحمن 55:32
الآيتان ٣١ و٣٢ وقوله تعالى :﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قرئ ﴿سنفرغ﴾ بالنون والياء(٢) وبرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد : بالياء يقرؤها [ حمزة والكسائي وغيرهما ](٣) كقوله تعالى :﴿يسئله من في السماوات والأرض﴾ [ الآية : ٢٩ ] ذكر على المغايبة.
فكذلك هذا الذي بني عليه. قال الزجاج : قوله تعالى :﴿سنفرغ لكم﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل لآخر : سأفرغ لك كذا أي سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول : هذا على الوعيد ؛ في كلام العرب يقول الرجل : سأفرغ لك، وإني لفارغ على الوعيد. وقال أبو بكر الكيسانيّ : إن الفراغ ليس يستعمل في الفراغ من الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو إنجاز ما وعد، وأوعد، كأنه قال : سننجز لكم ما أوعدتكم ﴿أيه الثقلان﴾.
وعندنا أن الفراغ هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه لا للفراغ من الشغل ؛ يقال : فلان فرغ من شغله، إذا فرغ من بناء داره، إذا أتمه، وانقضى ذلك.
ألا ترى أنه، وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره ؟ دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل ؛ إذ لو كان اسما للفراغ من الشغل لا يوصف به، وهو مشغول بغيره. دل أنه اسم للتمام والانقضاء. لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل لما أن فعلهم الشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك، ففهم ذلك من فعلهم.
فأما الله سبحانه وتعالى حين(٤) لا يشغله فعل عن فعل ولا شيء عن شيء لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، وبالله العصمة والتوفيق.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ انظر معجم الآيات القرآنية ج٧/٥٠..
٣ انظر المرجع السابق: الجزء و الصفحة..
٤ في الأصل وم: حيث..
الرحمن 55:33
وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ، وفرغ، من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسمًا للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فباللَّه العصمة والتوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) له تأويلان:
أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال: (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟ وهو كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟ وبماذا نجا من نجا؟ واللَّه أعلم.
والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون على الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ...) الآية.
وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان اللَّه وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
الرحمن 55:34
الآيتان ٣٣ و٣٤ وقوله تعالى :﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) له تأويلان :
أحدهما : كأنه لو مكّن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواحيها، فانفذوا، فتجدوا هنالك، وتروا من آيات من كذّب بالرسل صلى الله عليهم وسلم وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال :﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾ أي لا تنفذون، لو مكّن لكم من النفاذ، إلا تجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم ؟ وهو كقوله تعالى :﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [الأنعام: ١١] أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم، وبماذا نجا من نجا، والله أعلم.
والثاني : على الإعجاز أي لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثم سلطاني وحججي وملكي هنالك قائما، أي لا تقدرون على الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم بل حيثما سرتم وكنتم [ فأنتم ](٢) في سلطاني وملكي، فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله تعالى :﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء﴾ الآية [الأنعام: ٣٥].
وقال الضحاك في حرف ابن مسعود رضي الله عنه :﴿يا معشر الجن والإنس﴾ قد جاء أجلكم فانفذو من أقطارهما ﴿لاتنفذون إلا بسلطان﴾ مني ؛ يعني أنه لا ينجيكم أحد من الموت، وأنتم ميتون، أي لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا تجدون(٣) هنالك سلطان الله وملكوته.
يقول : لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلن تخرجوا من سلطاني، وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله تعالى :﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨].
وقال بعضهم : يبعث الله تعالى ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان [ يكون في أقطارها ](٤) أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.
وقيل :﴿إلا بسلطان﴾ أي بحجة. وقال قتادة : إلا بملك. وقال [ بعضهم ](٥) : إلا بقدرة الله تعالى، والله اعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م وجدوا..
٤ أدرجت في الأصل وم بعد: بالدنيا..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:35
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يبعث اللَّه تعالى ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان اللَّه.
وقيل: (إِلَّا بِسُلْطَانٍ) أي: الحجة.
وقال قتادة: [إلا بِمُلْكٍ].
وقال: إلا بقدرة اللَّه تعالى واللَّه أعلم.
ثم أوعدهم فقال: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥).
قرئ (شُوَاظٌ) بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.
وقرئ (نُحَاسٌ) بكسر السين وضمه، فمن رفع (نُحَاسٌ) عطفه على قوله: (شُوَاظٌ) ومن كسره، عطفه على قوله: (مِن نَّارِ).
ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: النحاس: الدخان.
وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.
وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.
وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.
وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.
وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَنْتَصِرَانِ) قيل: لا تمتنعان من ذلك.
ويحتمل: أي: لا ناصر لكما كما يكون في الدنيا.
الرحمن 55:36
فَإِنْ قِيلَ: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بآخرها.
قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) يذكر تغير هذا العالم يومِئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث قال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، وقوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)، في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا)، وقوله: (كَثِيبًا مَهِيلًا)، وقوله: قوله تعالى: (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)، ونحو ذلك.
ثم قوله تعالى: (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) ومنهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في آية أخرى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ)، والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للين؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، واللَّه أعلم.
وقيل: إنما تحمر وتذوب كالدهن.
وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي بالنار.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله أعلم.
الرحمن 55:37
الآيتان ٣٧ و٣٨ وقوله تعالى :﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) يذكر تغير هذا العالم يومئذ وهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء حين(٢) قال :﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقال(٣) :﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وغير(٤) ذلك من الآيات. وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال في قوله :﴿هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقوله :﴿كئيبا مهيلا﴾ [المزمل: ١٤] وقوله :﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ونحو ذلك.
ثم قوله تعالى :﴿فكانت وردة كالدهان﴾ منهم من قال : شبه السماء لكثرة تلونها بفرش الورد ؛ يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر ثم إلى آخر. فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال : شبهها بالدهان، وهو الدهن، للينها وضعفها، وهو كما ذكر في آية أخرى :﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ [المعارج: ٨] والمهل هو دردي الزيت. لكن التشبيه بالمهل إنما يكون لكثرة التلون لا للين. فيكون في هذا التأويل نوع وهي(٥)، والله أعلم.
وقيل إنما تحمرّ، وتذوب كالدهن.
وروي أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة صارت من الخضرة إلى الاحمرار من حر جهنم إذا حمي بالنار.
ثم قال بعضهم : الدهان جمع الدهن، ويقال : الدهان الأديم الأحمر، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: وقوله..
٤ في الأصل و م: في غير..
٥ في الأصل و م: وها..
الرحمن 55:38
الآيتان ٣٧ و٣٨ وقوله تعالى :﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) يذكر تغير هذا العالم يومئذ وهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء حين(٢) قال :﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقال(٣) :﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وغير(٤) ذلك من الآيات. وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال في قوله :﴿هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقوله :﴿كئيبا مهيلا﴾ [المزمل: ١٤] وقوله :﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ونحو ذلك.
ثم قوله تعالى :﴿فكانت وردة كالدهان﴾ منهم من قال : شبه السماء لكثرة تلونها بفرش الورد ؛ يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر ثم إلى آخر. فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال : شبهها بالدهان، وهو الدهن، للينها وضعفها، وهو كما ذكر في آية أخرى :﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ [المعارج: ٨] والمهل هو دردي الزيت. لكن التشبيه بالمهل إنما يكون لكثرة التلون لا للين. فيكون في هذا التأويل نوع وهي(٥)، والله أعلم.
وقيل إنما تحمرّ، وتذوب كالدهن.
وروي أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة صارت من الخضرة إلى الاحمرار من حر جهنم إذا حمي بالنار.
ثم قال بعضهم : الدهان جمع الدهن، ويقال : الدهان الأديم الأحمر، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: وقوله..
٤ في الأصل و م: في غير..
٥ في الأصل و م: وها..
الرحمن 55:39
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) اختلف في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا...) الآية.
ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا إنسي عن ذنب جني، ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار واستفهام؛ أي: لماذا فعلتم؟ ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له.
ومنهم من قال: لا يسألون عن ذنوبهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الاسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون للكفار، كقوله تعالى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ)، وقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...) الآية، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقوله تعالى: (ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) ذكر اللَّه تعالى في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ)، وقوله: (نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا)، أي: على أعقابها، فهو - واللَّه أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ باللَّه من تلك الأحوال التي ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) قيل: بكسر أضلاعهم وظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم
الرحمن 55:40
الآية ٤٠ [ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:41
الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ ذكر الله تعالى في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون بالآخرة بها على ما ذكر(١) من اسوداد الوجوه، وقال :﴿قلوب يومئذ واجفة﴾ ﴿أبصارها خاشعة﴾ [ النازعات : ٨ و٩ ] وقال(٢) :﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ [النساء: ٤٧] أي أعقابها.
فهم(٣)، والله أعلم، تكون وجوههم في أول الأحوال خاشعة ثم غبرة ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك. فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.
وقوله تعالى :﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ قيل : تكسر أضلاعهم وظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.
وقال بعضهم : تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع بها(٤) نواصيهم وأقدامهم، ثم يدفعون إلى النار.
١ في الأصل و م: ذكرنا..
٢ في الأصل و م: وقوله..
٣ في الصل و م: فهو..
٤ في الأصل و م: به..
الرحمن 55:42
الآية ٤٢ [ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:43
يدفعون إلى النار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) أي: إذا وقعوا على الوصف الذي ذكر عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤) أي: يطوفون بين جهنم وبين حميم، فيجوز أن يكون عبر بـ " جهنم " عما يأكلون، وهي النار، وبـ " الحميم " عما يشربون، كأنه يقول - واللَّه أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته.
وقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) من الناس من قال: في قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ...) إلى قوله: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ...) الآية.
* * *
قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟ ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟ فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيّنَ في آية اخرى، وهو قوله: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، يحتمل وجهين:
أحدهما: نهى النفس عما تهواه.
والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم به من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكر الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟ قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم،
الرحمن 55:44
الآية٤٤ وقوله تعالى :﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ أي يطوفون بين جهنم وبين حميم. فيجوز أنه كنى بجهنم عما يأكلون، وهي النار، والحميم عما يشربون ؛ كأنه يقول، والله أعلم : يطوفون بين ما يأكلون وبين ما يشربون : لا يشبعون مما يأكلون، ولا يروون مما يشربون، بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا. والحميم، هو الشراب الذي جعل لهم. والآني، هو الذي قد انتهى حره غايته.
الرحمن 55:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ من الناس من قال في قوله ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ على إثر الوعيد إنما يقال لهم في الآخرة :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ في الدنيا كقوله عز وجل :﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾ إلى قوله :﴿وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم﴾ الآية [الزمر: ٧١].
الرحمن 55:46
الآيتان ٤٦ و ٤٧ وقوله تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ذكر الخوف من المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ما هو(٢) ؟ ولا أنه إذا خافه تركه، أولا.
فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف من المقام بين يدي [ ربه ](٣) ما بين في آية أخرى، وهو قوله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى﴾ [ ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ ](٤) [ النازعات : ٤٠ و ٤١ ] [ وهو ](٥) يحتمل و جهين :
أحدهما : منع النفس عما تهواه.
والثاني : منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي خاف مقام ربه، وترك ما هم من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكر الجنتين له ؟ ليس ذلك في ثلاث أو أربع.
قال أهل التأويل : إنما ذكر جنتين لأن الجنات أربع :
جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين.
فالجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذين هم أصحاب(٦) اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.
والثاني : أن تكون له جنتان : إحدى الجنتين لترك المساوئ، والأخرى لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قال : قد يسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان [ في رأس الكلام أو مقاطعه ](٧) لتحقيق الموافقة في المقاطع.
فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿جنتان﴾ لموافقة مقاطع الآية، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وقال(٨) : إنما يقال ذلك إذا انقطع الكلام. فأما إذا كان الكلام غير منقطع فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.
ثم سمى البعث مقاما بين يدي ربه. وسماه رجوعا إليه وبروزا. فهو على وجهين :
أحدهما : أنه سماه بما ذكر لأن البعث هو نهاية هذا العالم.
والثاني : أنه سماه بذلك لأن كل أحد يظهر في ذلك اليوم، لأن الأمر لله تعالى، ولأن التدبير له في الدنيا والآخرة، ولأنه(٩) لا تدبير لأحد سواه كقوله عز وجل :﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦].
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله :﴿ومن دونهما جنتان﴾ [ الآية : ٦٢ ] لأصحاب اليمين.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م ذا..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: لأصحاب..
٧ في الأصل و م: رؤوس الآية ومقاطعها..
٨ في الأصل و م: وذلك..
٩ في الأصل و م: و لأن..
الرحمن 55:47
الآيتان ٤٦ و ٤٧ وقوله تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ذكر الخوف من المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ما هو(٢) ؟ ولا أنه إذا خافه تركه، أولا.
فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف من المقام بين يدي [ ربه ](٣) ما بين في آية أخرى، وهو قوله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى﴾ [ ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ ](٤) [ النازعات : ٤٠ و ٤١ ] [ وهو ](٥) يحتمل و جهين :
أحدهما : منع النفس عما تهواه.
والثاني : منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي خاف مقام ربه، وترك ما هم من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكر الجنتين له ؟ ليس ذلك في ثلاث أو أربع.
قال أهل التأويل : إنما ذكر جنتين لأن الجنات أربع :
جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين.
فالجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذين هم أصحاب(٦) اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.
والثاني : أن تكون له جنتان : إحدى الجنتين لترك المساوئ، والأخرى لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قال : قد يسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان [ في رأس الكلام أو مقاطعه ](٧) لتحقيق الموافقة في المقاطع.
فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿جنتان﴾ لموافقة مقاطع الآية، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وقال(٨) : إنما يقال ذلك إذا انقطع الكلام. فأما إذا كان الكلام غير منقطع فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.
ثم سمى البعث مقاما بين يدي ربه. وسماه رجوعا إليه وبروزا. فهو على وجهين :
أحدهما : أنه سماه بما ذكر لأن البعث هو نهاية هذا العالم.
والثاني : أنه سماه بذلك لأن كل أحد يظهر في ذلك اليوم، لأن الأمر لله تعالى، ولأن التدبير له في الدنيا والآخرة، ولأنه(٩) لا تدبير لأحد سواه كقوله عز وجل :﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦].
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله :﴿ومن دونهما جنتان﴾ [ الآية : ٦٢ ] لأصحاب اليمين.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م ذا..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: لأصحاب..
٧ في الأصل و م: رؤوس الآية ومقاطعها..
٨ في الأصل و م: وذلك..
٩ في الأصل و م: و لأن..
الرحمن 55:48
فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذين هم أصحاب اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث يقع لا يقع إلا على ملكه وجنته، واللَّه أعلم.
والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.
وذكر الْقُتَبِيّ عن الفراء في قوله: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر (جَنَّتَانِ)، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.
لكن الْقُتَبِيّ أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، واللَّه أعلم.
ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيرًا، وبروزا، فهو على وجهين:
أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذ العالم.
والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله تعالى، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) لأصحاب اليمين.
ثم نعت ووصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.
الرحمن 55:50
وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضرته -لشدته- إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تينك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) وقال أصحاب اليمين: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)، والناضخ: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضخ دون الجريان.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (نَضَّاخَتَانِ)، اللتان تفوران بالماء، والنضح دون النضخ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) أي: صنفان، أو لونان، من أي شيء كان، وقال في جنتي أصحاب اليمين: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)، ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) لتفضيل أُولَئِكَ على هَؤُلَاءِ.
وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، وقوله: (فِيهِمَا عَيْنَانِ)، إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف اللَّه تعالى على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أُولَئِكَ يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هَؤُلَاءِ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله
الرحمن 55:51
سورة (١)الرحمان مكية. وقيل : مدنية
١ أدرج قبلها في الأصل: ذكر أن..
الرحمن 55:52
الآيتان ٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) أي صنفان ولونان على غير تغير [ اللون، ولا فساد ](٢) يدخل في ذلك، لأن تغير اللون في الدنيا، لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، يخبر أن تغير لونه لا لفساد، يدخل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم : إنما ذكر الزوجين من الفواكه لما أن قلوب البشر قد حظرت بأحد الزوجين وتمنيتهم أنفسهم، والزوج الآخر، هو لطف من الله تعالى على عباده فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم إكراما لهم وإحسانا(٣).
وقال بعضهم : ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، و الله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: الطعم وللفساد، في م: ك الطعم ولا فساد..
٣ من نسخة الحرم المكل، في الأصل و م: و امتنانا..
الرحمن 55:53
الآيتان ٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) أي صنفان ولونان على غير تغير [ اللون، ولا فساد ](٢) يدخل في ذلك، لأن تغير اللون في الدنيا، لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، يخبر أن تغير لونه لا لفساد، يدخل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم : إنما ذكر الزوجين من الفواكه لما أن قلوب البشر قد حظرت بأحد الزوجين وتمنيتهم أنفسهم، والزوج الآخر، هو لطف من الله تعالى على عباده فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم إكراما لهم وإحسانا(٣).
وقال بعضهم : ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، و الله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: الطعم وللفساد، في م: ك الطعم ولا فساد..
٣ من نسخة الحرم المكل، في الأصل و م: و امتنانا..
الرحمن 55:54
الآيتان ٥٤ و٥٥ وقوله تعالى :﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) : قال الفراء : يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد ومن جهة واحدة. لكن سمى الجهة التي تلي أجسادهم بطانة والأخرى ظهارة كالسماء(٢) : إن الجهة [ التي ](٣) تلي الملائكة هي بطانتهم وظهارتها، وما تلينا/٥٤٤-أ/ ظهارتهم وبطانتهم. وكذلك كل شيء يلي إنسانا، فهو بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة ؛ يقال : هذا ظهر السماء للجانب الذي تراه، والآخر بطن السماء، والله أعلم.
وقال القتبي : لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهارة.
فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله : الفراء صحيح، وما ذكره القتبي، هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخاذ الظهارة فوق البطانة لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة.
فأما الله سبحانه وتعالى فلا نفاذ لخزائنه، يفعل ما يشاء، وكيف يشاء.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهارة ؟ ثم الإستبرق اختلف فيه : قيل : هو ما غلظ منه بلسان قوم. وقال بعضهم : هو ما دق، ورق، والله أعلم. ولا نفسره نحن أنه، ما هو، و كيف هو، ولكن نعلم أنه شيء ؛، قد وعد لهم ربهم، وهو شيء، ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وجنى الجنتين دان﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطؤوا(٤) ما وعد لهم ربهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم(٥) خوفهم في التقصير في العمل لله تعالى الواجب عليهم(٦) و في أوامره و نواهيه، فقال :﴿وجنى الجنتين دان﴾ الذي وعد لكم.
وقال(٧) أهل التأويل : إنه(٨) الشجر [ وإنه يقترب منهم ](٩) حين يتناوله(١٠) الرجل كيف شاء.
لكن يذكر هذا، والله أعلم : أن الجنتين إن بعدتا فإن الثمار منهم دانية.
قال أبو عوسجة : الجنى الحمل، واجتنت الشجرة الجنى إذا حملت، وأدرك حملها
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، في الأصل: كالأسماء..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م، في الأصل: واستيفوا..
٥ في الأصل و م: ويغلبه..
٦ في الأصل و م: عليه..
٧ في الأصل و م: وإن..
٨ في الصل و م: أي..
٩ في الأصل و م: وإن منهم قربت..
١٠ في الأصل و م: يتناولها..
الرحمن 55:55
الآيتان ٥٤ و٥٥ وقوله تعالى :﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) : قال الفراء : يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد ومن جهة واحدة. لكن سمى الجهة التي تلي أجسادهم بطانة والأخرى ظهارة كالسماء(٢) : إن الجهة [ التي ](٣) تلي الملائكة هي بطانتهم وظهارتها، وما تلينا/٥٤٤-أ/ ظهارتهم وبطانتهم. وكذلك كل شيء يلي إنسانا، فهو بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة ؛ يقال : هذا ظهر السماء للجانب الذي تراه، والآخر بطن السماء، والله أعلم.
وقال القتبي : لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهارة.
فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله : الفراء صحيح، وما ذكره القتبي، هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخاذ الظهارة فوق البطانة لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة.
فأما الله سبحانه وتعالى فلا نفاذ لخزائنه، يفعل ما يشاء، وكيف يشاء.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهارة ؟ ثم الإستبرق اختلف فيه : قيل : هو ما غلظ منه بلسان قوم. وقال بعضهم : هو ما دق، ورق، والله أعلم. ولا نفسره نحن أنه، ما هو، و كيف هو، ولكن نعلم أنه شيء ؛، قد وعد لهم ربهم، وهو شيء، ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وجنى الجنتين دان﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطؤوا(٤) ما وعد لهم ربهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم(٥) خوفهم في التقصير في العمل لله تعالى الواجب عليهم(٦) و في أوامره و نواهيه، فقال :﴿وجنى الجنتين دان﴾ الذي وعد لكم.
وقال(٧) أهل التأويل : إنه(٨) الشجر [ وإنه يقترب منهم ](٩) حين يتناوله(١٠) الرجل كيف شاء.
لكن يذكر هذا، والله أعلم : أن الجنتين إن بعدتا فإن الثمار منهم دانية.
قال أبو عوسجة : الجنى الحمل، واجتنت الشجرة الجنى إذا حملت، وأدرك حملها
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، في الأصل: كالأسماء..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م، في الأصل: واستيفوا..
٥ في الأصل و م: ويغلبه..
٦ في الأصل و م: عليه..
٧ في الأصل و م: وإن..
٨ في الصل و م: أي..
٩ في الأصل و م: وإن منهم قربت..
١٠ في الأصل و م: يتناولها..
الرحمن 55:56
أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهارة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله الفراء صحيح، وما ذكره الْقُتَبِيّ هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخاذ الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة؟ ثم الإستبرق اختلف فيه:
قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما دق ورق، واللَّه أعلم.
ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟ وكيف هو؟ ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله تعالى الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) اللتين وعد لكم (دَانٍ)، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - واللَّه أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجني: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، ذكر هذا؛ لأن أهل الدِّين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير
الرحمن 55:57
الآيتان ٥٦ و٥٧ وقوله تعالى :﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ أي قصرت الطرف(٢) على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا تشتهيهم كقوله في آية أخرى :﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [ الآية : ٧٢ ] ذكر هذا لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر زوجاتهم(٣) إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن. فأخبر بالآيتين أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن، ولا غيرهم [ ينظرون ](٤) إليهن حين(٥) وصفهن بأنهن ﴿قاصرات الطرف﴾ و ﴿حور مقصورات في الخيام﴾
وقوله تعالى :﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ قرئ ﴿لم يطمثهن﴾ بضم الميم(٦) وكسره.
قال الفراء :﴿لم يطمثهن﴾ أي لم يقبضهن، والطمث النكاح بالرومية.
وقال أهل التأويل : لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان
وقال أبو عوسجة : أي لم يمسهن [ إنس ](٧) في التربية كما يربى الأولاد ولا جان على ما يمس الجن الأولاد، فيفسدهم. ولكنهن(٨) كما وصف ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ ﴿عربا أترابا﴾ ﴿لأصحاب اليمين﴾ [ الواقعة : ٣٥ إلى ٣٨ ].
١ ساقطة من الأصل و م.
٢ في الأصل و م: طرفهن.
٣ في الأصل و م: أزواجهم..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: حيث..
٦ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٥٦..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و م: ولكنهم..
الرحمن 55:58
أزواجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)، قرئ: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) بضم الميم وكسره.
قال الفراء: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ)، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.
وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يربى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدوهم، ولكنهم كما وصف: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا. لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) قال أهل التأويل: شبههن بالياقوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) قيل: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟ أي: هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.
ولكن غيره كأنه أقرب، أي: هل جزاء إحسان اللَّه تعالى بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ اللَّه تعالى بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.
ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، واللَّه أعلم.
واستدل أبو يوسف ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكن أبو حنيفة - رحمه اللَّه تعالى - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه
الرحمن 55:59
الآيتان ٥٨ و٥٩ وقوله تعالى :﴿كأنهن الياقوت والمرجان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قال أهل التأويل : شبههن بالياقوت لصفائهن وبالمرجان لبياضهن، وهو كما قال(٢)، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: قالوا..
الرحمن 55:60
الآيتان ٦٠ و٦١ وقوله تعالى :﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل :﴿هل جزاء الإحسان﴾ في الدنيا ﴿إلا الإحسان﴾ لهم في الآخرة، أي هل جزاء الفعل(٢) الحسن في الدنيا إلا العطاء(٣) الحسن في الآخرة هو الجنة.
ولكن غيره كأنه أقرب، أي : هل جزاء إحسان الله تعالى بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول ؟ أي [ إتيان الفعل ](٤) الحسن، أي هو الشكر له وحسن القبول، لأنه ليس يستوجب أحد قبل الله تعالى بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام لا بحق استحقاق.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى :﴿هل جزاء الإحسان﴾ في الدنيا ﴿إلا الإحسان﴾ لهم(٥) في الآخرة، والله اعلم.
واستدل أبو يوسف ومحمد، رحمهما الله تعالى، بهذه الآية على أن للجن ثوابا كما للإنس ؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس [ كقوله تعالى ](٦) : للجن ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [ الآية : ٣٣ ]. وقوله تعالى :﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [ الآية : ٥٦ ]. فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكن أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، يقول : لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري. فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب [ وليس للجن حور ](٧) العين، والله أعلم، وقد ذكرناه في غير موضع.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: فعل..
٣ في الأصل و م: عطاء..
٤ في الأصل و م: الإتيان فعل..
٥ في الأصل و م: له..
٦ في الأصل: من قوله، في م: من قوله..
٧ في الأصل و م: و للجن يجوز..
الرحمن 55:61
الآيتان ٦٠ و٦١ وقوله تعالى :﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل :﴿هل جزاء الإحسان﴾ في الدنيا ﴿إلا الإحسان﴾ لهم في الآخرة، أي هل جزاء الفعل(٢) الحسن في الدنيا إلا العطاء(٣) الحسن في الآخرة هو الجنة.
ولكن غيره كأنه أقرب، أي : هل جزاء إحسان الله تعالى بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول ؟ أي [ إتيان الفعل ](٤) الحسن، أي هو الشكر له وحسن القبول، لأنه ليس يستوجب أحد قبل الله تعالى بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام لا بحق استحقاق.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى :﴿هل جزاء الإحسان﴾ في الدنيا ﴿إلا الإحسان﴾ لهم(٥) في الآخرة، والله اعلم.
واستدل أبو يوسف ومحمد، رحمهما الله تعالى، بهذه الآية على أن للجن ثوابا كما للإنس ؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس [ كقوله تعالى ](٦) : للجن ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [ الآية : ٣٣ ]. وقوله تعالى :﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [ الآية : ٥٦ ]. فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكن أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، يقول : لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري. فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب [ وليس للجن حور ](٧) العين، والله أعلم، وقد ذكرناه في غير موضع.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: فعل..
٣ في الأصل و م: عطاء..
٤ في الأصل و م: الإتيان فعل..
٥ في الأصل و م: له..
٦ في الأصل: من قوله، في م: من قوله..
٧ في الأصل و م: و للجن يجوز..
الرحمن 55:62
والسفن الجواري؛ فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، واللَّه أعلم.
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) فإن كانت الجنتان اللتان سبق ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما هاهنا لأصحاب اليمين، على ما ذكره بعض أهل التأويل؛ فجائز أن يكون قوله: (وَمِنْ دُونِهِمَا) أي: في الفضل والقدر والمنزلة؛ لفضل أُولَئِكَ على أصحاب اليمين.
وإن كانت الجنتان جميعا لكل فريق منهم؛ فجائز أن يكون قوله: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) في المكان والموضع، لا في الفضل والقدر؛ فكأنه قال: من أي جهة وقع بصرهم يقع في جناتهم، من فوق ومن تحت، وعن يمين وشمال؛ أي يكونون وسط الجنات لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان؛ كقوله تعالى: (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: (مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) على ما ذكرنا هو شديد الخضرة الذي يضرب إلى السواد، فوصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله تعالى: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)، على التأويل الأول، وكذلك قوله تعالى: (عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) على ما ذكرنا: أنهما دون الجاريتين، وكذلك روي عن الفراء قال: العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله: (نَضَّاخَتَانِ)؛ لأنهما ينضخان بالخمر والبركة لأهل الجنة.
وقيل: ينضخان بالماء وأنواع الفواكه.
وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: تنضخان بالمسك والعنبر، كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.
الرحمن 55:63
الآيتان ٦٢ و٦٣ وقوله تعالى :﴿ومن دونهما جنتان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) فإن كانت الجنتان اللتان سبق ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما ههنا لأصحاب اليمين على ما ذكره بعض أهل التأويل، فجائز أن يكون قوله تعالى :﴿ومن دونهما جنتان﴾ أي في الفضل والقدر والمنزلة لفضل أولئك على أصحاب اليمين.
وإن كانت الجنات جميعا لكل فريق منهم فجائز أن يكون قوله :﴿ومن دونهما جنتان﴾ في المكان والموضع لا في الفضل والقدر. فكأنه قال : من أي جهة وقع بصرهم يقع على جناتهم من فوق ومن تحت وعن يمين وشمال ؛ أي يكونون وسط الجنات، لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان كقوله تعالى :﴿لا يبغون عنها حولا﴾ [الكهف: ١٠٨].
١ ساقطة من الأصل و م.
الرحمن 55:64
الآيتان ٦٤ و٦٥ وعلى هذا يخرج قوله تعالى :﴿مدهامّتان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) على ما ذكرنا [ المدهامّ ](٢) هو شديد الخضرة التي تضرب إلى السواد، ووصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله تعالى :﴿ذواتا أفنان﴾ على التأويل الأول.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
الرحمن 55:65
الآيتان ٦٤ و٦٥ وعلى هذا يخرج قوله تعالى :﴿مدهامّتان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) على ما ذكرنا [ المدهامّ ](٢) هو شديد الخضرة التي تضرب إلى السواد، ووصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله تعالى :﴿ذواتا أفنان﴾ على التأويل الأول.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
الرحمن 55:66
الآيتان ٦٦ و٦٧ وكذلك قوله تعالى :﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) على ما ذكرنا أنهما دون الجاريتين. ولذلك روي عن الفراء [ أنه ](٢) قال : العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله :﴿نضاختان﴾ لأنهما تنضخان بالخير والبركة لأهل الجنة. وقيل : تنضخان بالماء وأنواع الفواكه. وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : تنضخان بالمسك والعنبر كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
الرحمن 55:67
الآيتان ٦٦ و٦٧ وكذلك قوله تعالى :﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) على ما ذكرنا أنهما دون الجاريتين. ولذلك روي عن الفراء [ أنه ](٢) قال : العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله :﴿نضاختان﴾ لأنهما تنضخان بالخير والبركة لأهل الجنة. وقيل : تنضخان بالماء وأنواع الفواكه. وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : تنضخان بالمسك والعنبر كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ ساقطة من الأصل وم.
الرحمن 55:68
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) من الناس من احتج لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - فيمن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في يمينه؛ لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة؛ لأنه عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، هذا هو ظاهر الكلام، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مراده بالذكر وإن كان من جنسه؛ لضرب من التعظيم وغيره؛ كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) قيل: الحسان الخلق وحسان الوجوه، يقال: امرأة خيرة، ونسوة خيرات؛ يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢).
قيل: محبوسات في الخيام، لا يخرجن عن الخيام.
وأصله: ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام لا يراهن غير أزواجهن، وقاصرات الطرف، أي: لا يرفعن بصرهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) هو قراءة العامة بغير الألف.
وعن عاصم الجحدري (رَفَارِفَ) و (عباقريّ)، قيل: الرفرف: المجلس، وقيل: المجالس، وقيل: الرياض الخضر، وقيل: الخيام، وقيل: هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري: قيل: هو الزرابي، وهو بالفارسية: النَّخّ.
وقال أبو عبيدة: العبقري: الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط: عبقري.
الرحمن 55:69
الآيتان ٦٨ و٦٩ وقوله تعالى :﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) من الناس من احتج لأبي حنيفة رحمه الله : في من حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في يمينه لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة، لأنه عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره.
هذا هو ظاهر الكلام إلا أن تقوم الدلالة على أن مراده بالذكر، و إن كان من جنسه لضرب من التعظيم أو غيره كقوله تعالى :﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله و جبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:70
الآيتان ٧٠ و٧١ وقوله تعالى :﴿فيهن خيرات حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل : حسان الخلق وحسان الوجوه، يقال : امرأة خيرة وخيرة، ونسوة خيرات، يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا(٢).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ انظر معجم القراءات ج ٧/٥٧..
الرحمن 55:71
الآيتان ٧٠ و٧١ وقوله تعالى :﴿فيهن خيرات حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل : حسان الخلق وحسان الوجوه، يقال : امرأة خيرة وخيرة، ونسوة خيرات، يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا(٢).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ انظر معجم القراءات ج ٧/٥٧..
الرحمن 55:72
الآيتان ٧٢ و ٧٣ وقوله تعالى :﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل : أي محبوسات.
وأصله ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام، لا يراهن غير أزواجهن، و﴿قاصرات الطرف﴾ أي لا يصرفن بصرهن إلى غير أزواجهن، ولا يبغين غيرهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:73
الآيتان ٧٢ و ٧٣ وقوله تعالى :﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) قيل : أي محبوسات.
وأصله ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام، لا يراهن غير أزواجهن، و﴿قاصرات الطرف﴾ أي لا يصرفن بصرهن إلى غير أزواجهن، ولا يبغين غيرهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الرحمن 55:74
الآيات ٧٤- ٧٧ وقوله تعالى :[ ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](٢) هو قراءة العامة بغير الألف، وعن عاصم الحجدري : رفارف وعباقري(٣) قيل : الرفرف المجلس، وقيل المجالس، وقيل : الرياض الخضر، وقيل : هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري [ فقد ](٤) قيل : هو الزرابي، وهو بالفارسية النخ.
وقال أبو عبيدة : العبقري : الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط عبقري.
وقال القتبي وأبو عوسجة : العبقري في غير القرآن / ٥٤٤-ب/ثياب تتخذ بعبقر، وهي بلدة تنسب إليها.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٥٧و ٥٨..
٤ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:75
الآيات ٧٤- ٧٧ وقوله تعالى :[ ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](٢) هو قراءة العامة بغير الألف، وعن عاصم الحجدري : رفارف وعباقري(٣) قيل : الرفرف المجلس، وقيل المجالس، وقيل : الرياض الخضر، وقيل : هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري [ فقد ](٤) قيل : هو الزرابي، وهو بالفارسية النخ.
وقال أبو عبيدة : العبقري : الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط عبقري.
وقال القتبي وأبو عوسجة : العبقري في غير القرآن / ٥٤٤-ب/ثياب تتخذ بعبقر، وهي بلدة تنسب إليها.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٥٧و ٥٨..
٤ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:76
الآيات ٧٤- ٧٧ وقوله تعالى :[ ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](٢) هو قراءة العامة بغير الألف، وعن عاصم الحجدري : رفارف وعباقري(٣) قيل : الرفرف المجلس، وقيل المجالس، وقيل : الرياض الخضر، وقيل : هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري [ فقد ](٤) قيل : هو الزرابي، وهو بالفارسية النخ.
وقال أبو عبيدة : العبقري : الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط عبقري.
وقال القتبي وأبو عوسجة : العبقري في غير القرآن / ٥٤٤-ب/ثياب تتخذ بعبقر، وهي بلدة تنسب إليها.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٥٧و ٥٨..
٤ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:77
الآيات ٧٤- ٧٧ وقوله تعالى :[ ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](١) ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ [ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ](٢) هو قراءة العامة بغير الألف، وعن عاصم الحجدري : رفارف وعباقري(٣) قيل : الرفرف المجلس، وقيل المجالس، وقيل : الرياض الخضر، وقيل : هو فضول الفرش والبسط.
وأما العبقري [ فقد ](٤) قيل : هو الزرابي، وهو بالفارسية النخ.
وقال أبو عبيدة : العبقري : الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط عبقري.
وقال القتبي وأبو عوسجة : العبقري في غير القرآن / ٥٤٤-ب/ثياب تتخذ بعبقر، وهي بلدة تنسب إليها.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٥٧و ٥٨..
٤ ساقطة من الأصل و م..
الرحمن 55:78
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: العبقري في غير القرآن ثياب تتخذ بعبقرى، وهي بلدة، فينسب إليها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨) قال أبو بكر الأصم: تنزه اسم ربك من أن يستحق غيره اسمه.
وقوله: (ذِي الْجَلَالِ)، أي: استحق على الخلق أن يجلوه ويعظموه من أن يسموا غيره باسمه، والإكرام: هو أن يلحقوا به ما لا يليق به من الولد والشريك وغيره.
فَإِنْ قِيلَ: ما فائدة تكرار قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، فبأي آلاء ما في السماوات والأرض تكذبان في الدلالة على وحدانية اللَّه تعالى والشهادة له بأنه خالقه، ومرسل رسله، وما جاءت به عنه، وذلك أن جميع ما فيهما من المال والطعام والشراب، على ما ذكرنا، وذلك كما يقول الرجل لآخر يلومه ويعاتبه: ألم تكن جائعا فأطعمتك؟! أفتنكر هذا؟! ألم تكن ظمآنا فسقيتك؟! أفتنكر هذا؟! ونحو ذلك.
وجائز أن تكون فائدة التكرار غير هذا، وهو أنه خرج مخرج العظة والتذكير، ومن شأن الموعظة والذكرى التكرار والإعادة؛ لتكون أنجع وآخذ للقلوب، وأقرب إلى القبول، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *