تأويلات أهل السنة — الإنسان 76:1 – التكوير 81:29
المحتويات
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:14
- النازعات 79:15
- النازعات 79:16
- النازعات 79:17
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:23
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:28
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:35
- عبس 80:36
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:6
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
الإنسان 76:1
سُورَةُ الْإِنْسَانِ سُورَةُ الدهر، وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا).
فـ " هل " و " مَنْ " و " لعل " من اللَّه تعالى واجب، وحقه أن ينظر أن لو كان مثل هذا الكلام من مستفهم، ما الذي كان يقتضي من الجواب؟ فإذا قال الإنسان لآخر: من أظلم ممن افترى على اللَّه كذبا؟ فجوابه أن يقول: لا أحد أظلم منه، وإذا قال لآخر: هل أتاك حديث فلان؟ فحق المجيب أن يقول إن كان قد أتاه حديث فلان: قد أتاني، وإن كان لم يأته فحقه أن يسأله: كيف كان حديثه؟ ليعرفه.
فإن كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد أتاه خبر الإنسان، فمعنى قوله: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ)، أي: قد أتى على الإنسان، وإن لم يكن أتاه، فحقه أن يسأل حتى يتبين له.
وقيل: الإنسان: آدم عليه السلام.
ثم لقائل أن يقول: أن كيف قال: قد (أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) فهو إن لم يكن شيئًا مذكورًا في ذلك الوقت، لم يكن إنسانًا وإذا لم يكن إنسانًا لم يأت عليه حين من الدهر، وهو إنسان، وإن كان في ذلك الوقت مخلوقا، فقد صار مذكورا، وإذا صار مذكورا، فقد أتى عليه حين من الدهر وهو مذكور؛ فما معناه؟ قيل فيه من أوجه:
أحدها: أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) أي: على ما منه الإنسان، وهو الأصل الذي خلق منه آدم - عليه السلام - وهو التراب، فقال: (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) وعلى الاستصغار لذلك الأصل؛ إذ التراب لا يذكر في الأشياء المذكورة، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
والوجه الثاني: قيل: قد أتى على الخلق حين من الدهر، لم يكن الإنسان فيه شيئا مذكورا في تلك الخلائق.
الإنسان 76:2
والوجه الثالث: قد أتى عليه حين من الدهر، ولم يكن مذكورا في الممتحنين، وهذا في كل إنسان؛ لأنه ما لم يبلغ، لم يجر عليه الخطاب، ولم يكن مذكورا في الممتحنين؛ فاللَّه تعالى خلق الخلائق ليعبدوه بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فقوله: (لِيَعْبُدُونِ) إذا صاروا من أهل المحنة، فإلى أن يبلغ قد أتى عليه حين من الدهر، لم يكن مذكورا في جملة من خلقوا للعبادة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) والإنسان لم يكن إنسانا في النطفة، ولا في العلقة، ولا في المضغة؛ ولكن المقصود من إنشاء النطفة والعلقة هذا الإنسان، والعواقب في الأفعال هي الأوائل في القصد والمراد؛ فاستقام إضافته إلى ما ذكرنا؛ لما رجع إليه القصد من إنشائها.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا أردت أمرا فدبِّرْ عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيًّا فانته "؛ فألزم النظر في العواقب؛ فثبت أن المقصود من فعل أهل التمييز العاقبة؛ وإذا كانت العاقبة مقصودا إليها في الابتداء صارت العاقبة كالموجود في الابتداء؛ لذلك استقام إضافة الإنسان إلى النطفة والعلقة والمضغة.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) منصرف إلى أولاد آدم - عليه السلام - فيكون المعنى من الإنسان أولاده، ثم ذكر لهم ابتداء أحوالهم وما تنتهي إليه عاقبتهم -وهو الموت- ليتعظوا به، ويتذكروا.
ووجه الاتعاظ: هو أنهم إذا علموا ابتداء أحوالهم، وعلموا ما ينتهي إليه عاقبتهم، علموا في الحال التي هم فيها أن أنفسهم في أبدانهم ليست لهم، بل عارية في أبدانهم؛ إذ لم يكن منهم صنع في الابتداء، أو أمانة، والحق على الأمين أن يقوم بحفظ الأمانة ورعايتها، وألا يخون صاحبها فيها، فإن هو خانها، ولم يتول حِفْظَها - لحقته المسبة والمذمة، وإن حفظها ورعاها حق رعايتها، استوجب الحمد والثناء من صاحبها.
والحق على المستعير أن يتمتع بالعارية، وينتفع بها إلى الوقت الذي أذن له، وألا يضيعها، فإن ضيعها لحقته الغرامة والضمان بتضييعه إياها، وكذلك إذا علموا أنها في أبدانهم عارية وأمانة علموا أن عليهم رعايتها واستعمالها في الوجه الذي أذن لهم فيها؛ لئلا تلحقهم التبعة في العاقبة، ولا تلزمهم المسبة والمذمة في ذلك في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم.
والثاني: أن النظر في ابتداء الخلقة، وإلى ما يصير عند انقضاء الأمر، يدعو إلى إيجاب القول بالبعث، وإلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل من الأخبار؛ وذلك لأن التأمل في ابتداء الخلقة يظهر عجيب قدرة اللَّه تعالى ولطيف حكمته، ويعلم أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ لا يجوز أن يقع قصده من إنشاء الخلق للإفناء خاصة؛ لخروجه عن حد الحكمة؛ فيحملهم ذلك على القول بالبعث.
ولأن النظر في ابتداء الخلقة، والنظر إلى ما يرجع إليه بعد الوفاة مما يمنع الافتخار والتكبر؛ لأن إنشاءه كان من نطفة تستقذرها الخلائق، ومن علقة ومضغة يستخبثها كل أحد، وبعد الممات يصير جيفة قذرة، ومن كان هذا شأنه، لم يحسن التكبر في مثله؛ فكان في تذكير أوائل الأحوال وأواخرها موعظة لهم؛ ليتعظوا، ويتبصروا، وتعريفٌ لهم أن التكبر لا يحسن من أمثالهم؛ فيحملهم ذلك على التواضع وترك الافتخار والتجبر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ):
الأمشاج: الأخلاط، ثم الأخلاط تقع بوجهين:
أحدهما: في اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
والثاني: تقع في الأحوال، وهو أن النطفة إذا حولت علقة لم تحول بدفعة واحدة؛ بل هي تغلظ شيئا فشيئا، حتى إذا تم غلظها صارت علقة، وكذلك العلقة يدخل فيها التغيير شيئا فشيئا، حتى إذا تم التغيير فيها حالت مضغة؛ فهذا هو الاختلاط في الأحوال.
فمنهم من قال: الأخلاط: الطبائع الأربع التي عليها جبل الإنسان.
ومنهم من صرف الخلط إلى الألوان، فذكر أن ماء الرجل أبيض يخالطه حمرة، وماء المرأة أحمر يخالطه صفرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَبْتَلِيهِ)، أي: بالخير والشر، والأمر والنهي، ثم الابتلاء هو الاستظهار لما خفي من الأمور؛ واللَّه تعالى لا يخفى عليه أمر فيحتاج إلى استظهاره،
الإنسان 76:3
ولكنه يبتليه ليظهر للمبتلي ما كان خفيا عليه بفعله وتركه، وأما الخلق فهم يمتحنون، ويبتلون؛ ليظهر لهم ما كان خفيا عليهم؛ فيكون الابتلاء منصرفا إليهم لا إلى المبتلي والممتحِن.
والثاني: أن الابتلاء لما كان لاستظهار ما خفي من الأمور، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر من اللَّه تعالى والنهي لعباده: ابتلاء؛ لمكان الأمر والنهي، لا على تحقيق معنى الابتلاء منه.
وقال الحسن: لما صلح أن يضاف الاستخبار إلى اللَّه تعالى وإن كان هو خبيرا عما استخبر؛ فجائز أن يضاف إليه الابتلاء أيضا، وإن كان هو بالذي ابتلاه عالما بصيرا، ولأن الذي يظهر من العبد بعد الابتلاء من الفعل كان غائبا، فاللَّه - تعالى - يعرفه شاهدا بفعله، وقبل ذلك كان يعرفه غائبا؛ لأن معرفة ما يكون أن يعرف قبل كونه غائبا، وبعد كونه شاهدا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا):
أي: جعلنا له سمعا يميز بين ما يؤدي إليه سمعه، وجعلنا له بصرا يبصر به ما أدى بصر الوجه؛ ليضع كل شيء موضعه؛ وذلك هو بصر القلب وسمع القلب؛ لأنه قد خص البشر بالابتلاء؛ لمكان بصر الباطن والسمع الباطن؛ ألا ترى أن البهائم لها بصر الظاهر، وكذلك السمع.
ويحتمل: أي: جعلناه سميعا بصيرا يبصر ما له، وما عليه، وما ينفعه، وما يضره، ثم أنشأ فيه السمع والبصر، ولا يعرف كيفية السمع والبصر الذي جعل فيه، ولا ماهيته، ولا ممن هو؟ لطفًا منه؛ ليعلم أنه منشئ الكيفيات والماهيات، وأنه يتعالى عن الوصف له بالكيفية والماهية.
ثم قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أوجها ثلاثة:
أحدها: هديناه السبيل؛ لإصلاح بدنه ومعاشه.
أو هديناه السبيل الذي يصلون به إلى استبقاء النسل والتوالد إلى يوم التناد.
أو هديناه السبيل الذي يرجع إلى إصلاح دينهم، وأمر آخرتهم باكتساب المحامد والمحاسن، ثم قوله: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) أخبر أنه قد بين لهم السبيل وهداهم إليه،
الإنسان 76:4
ثم منهم من يختار الشكر له، ومنهم من يختار الكفران له، ثم بين ما أعد للكفور منهم، وما أعد للشكور، وهو ما قال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤).
ثم قوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) إن كان المراد منه الطريق؛ فكأنه قال: إنا بينا كلا الطريقين، فإن سلك طريق كذا واختاره يكون شاكرا، وإن سلك طريق كذا واختاره يكون كفورا.
ثم بين لكل طريق سلكه جزاء وثوابا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا):
ففيه إنباء أن أيديهم تغل، ويشدون بالسلاسل، فلا يتهيأ لهم أن يقوا العذاب عن وجههم.
ثم قرئ (سَلَاسِلَ)؛ لأنها غير منصرفة، وقرئ (سلاسلاً) وصرفوه؛ بناء على أن الأسماء كلها منصرفة إلا نوعا واحدا.
وقال الزجاج: السلاسل لا تنصرف؛ لأنه لا فعل لها، لكن صرفها هاهنا لأنها من رءوس الآيات.
وقيل: لأنه جعله رأس الآية.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا):
فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده اللَّه تعالى لأهل كرامته، لم يطلع عباده على ذلك في الدنيا.
الإنسان 76:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا﴾ فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده الله تعالى لأهل كرامته، لم يطلع عباده على ذلك في الدنيا. ومنهم من ذكر أن الكافر شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة، فذكر ذلك في القرآن، ومنهم من قال : إنه عين من عيون الجنة، ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف.
لكن قيل : إنه كناية عن طيب الشراب، وقيل : إنه كناية عن برودة الشراب لأنه ذكر أن ذلك الشراب في طبعه كالكافور[ لأن ألذ ](١) الشراب عند الناس البارد منه، لا أن يكون في نفسه باردا، وذكروا أن الكأس لا تسمى كأسا حتى يكون فيها خمر.
١ في الأصل: لأن الذي، في م: لا الذي..
الإنسان 76:6
ومنهم من ذكر أن الكافور شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة، فذكر كذلك في القرآن.
ومنهم من قال: إنه عين من عيون الجنة.
ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف.
لكن قيل: إنه كناية عن طيب الشراب.
وقيل: إنه كناية عن برودة الشراب؛ لأنه ذكر أن ذلك الشراب في طبعه كالكافور؛ لأن ألذ الشراب عند الناس البارد منه، لا أن يكون في نفسه باردا.
وذكروا أن الكأس لا تسمى: كأسا حتى يكون فيها خمر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ... (٦).
ومعناه: منها، لا أن يقع شربهم بها.
وسميت العين: عينا؛ لوقوع العين عليها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا):
فيه إخبار أن ماء العيون جارية يفجرونها من حيث شاءوا.
ثم المراد من ذكر العباد هاهنا هم الذين أطاعوا اللَّه - تعالى - وقاموا بوفاء ما عليهم، وهم الذين قال اللَّه تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧):
النذر هو العهد؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب اللَّه تعالى من الفرائض والحقوق؛ فتكون فرائضه عهده؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي).
وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها الله تعالى عليهم؛ فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض، وتقربوا إلى اللَّه تعالى مع ذلك بقرب أخر؛ فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على أنفسهم.
وقال: (ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، فلحقهم الذم؛ لما لم يقوموا برعاية حقه، ليس بإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه اللَّه تعالى عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) قيل: استطار شر ذلك اليوم،
الإنسان 76:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿يوفون بالنذر﴾ والنذر هو العهد ؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب الله تعالى من الفرائض والحقوق، فتكون فرائضه عهده كقوله عز وجل :﴿وأوفوا بعهدي﴾[البقرة: ٤٠].
وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها الله تعالى عليهم. فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض، وتقربوا إلى الله تعالى مع ذلك بقرب أخر، فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على أنفسهم ؛ قال عز وجل :﴿ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾بالحديد : ٢٨ ] فلحقهم الذم لما لم يقوموا برعاية حقه، ليس بإيجابهم على/ ٦١٩ – أ/ أنفسهم ما لم يوجبه الله عليهم.
وقوله تعالى :﴿ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾ قيل :{ استطار شر ذلك اليوم، فملأ السماوات والأرضين وكل شيء حتى انشقت السماوات، وتناثرت النجوم{ وبست الجبال بسّا }[الواقعة: ٥].
ومعناه أن هول ذلك اليوم قد عم، وفشا في أهل السماوات والأرض حتى خافوا على أنفسهم. وقيل : سمي ﴿مستطيرا﴾ أي طويلا، ويقال : استطار الرجل إذا اشتد غضبه، واستطار الأمر أي اشتد، فسمي﴿مستطيرا﴾ أي شديدا.
الإنسان 76:8
فملأ السماوات والأرضين وكل شيء؛ حتى انشقت السماوات، وتناثرت النجوم، وبست الجبال.
ومعناه: أن هول ذلك اليوم قد عم وفشا في أهل السماوات والأرض؛ حتى خافوا على أنفسهم.
وقيل: سمي: مستطيرا، أي: طويلا، ويقال: استطار الرجل؛ إذا اشتد غضبه، واستطار الأمر؛ أي: اشتد؛ فسمي: مستطيرًا، أي: شديدًا.
وقوله - عَزَّ وجل -: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨):
فالحب يتوجه إلى معانٍ: يتوجه إلى الإيثار مرة، وإلى ميل النفس وركون القلب أخرى، ومرة يعبر به عن الشهوة؛ فالمراد من الحب هاهنا: الشهوة؛ فيكون قوله - عز وجل -: (عَلَى حُبِّهِ)، أي: على شهوتهم وحاجتهم إليه.
وقيل: ويطعمون في حال عزة الطعام.
وقيل: أي: يطعمون الطعام على حبهم لها وحرصهم عليها، ليس أن يطعموا عند الإياس من الحياة، على ما روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر ".
وقوله - عَزَّ وجل -: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩):
قيل: إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ، أعني: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ)، (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) الآية، ولكن علم اللَّه تعالى ذلك من قلوبهم؛ فأثنى عليهم بذلك؛ ليرغب في ذلك الراغبون؛ ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه اللَّه تعالى والتقرب إليه، والمجازاة: هي المكافأة لما أُسدي إليه، والشكر: هو الثناء عليه والبشر عنه.
وقوله - عَزَّ وجل -: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠):
فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم؛ فيكون معناه: أن هذا اليوم -وهو يوم القيامة- من بين سائر الأيام كالإنسان العبوس من بين غيره.
ومنهم من صرفه إلى الخلائق؛ فيكون معنى قوله تعالى: (يَوْمًا عَبُوسًا): يوما تعبس فيه وجوه الخلائق؛ لا أن يكون اليوم بنفسه عبوسا، وهو كقوله تعالى: (وَالنَّهَارَ
الإنسان 76:9
الآية ٩ : وقوله تعالى :﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ قيل : إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ أعني :﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ الآية. ولكن علم الله تعالى ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم بذلك ليرغب في ذلك الراغبون.
ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر، ليعلم أنهم لم يقصدوا به[ إلا ](١) وجه الله تعالى والتقرب إليه ؟ والمجازاة هي المكافأة لما أسدى إليه، والشكر هو الثناء عليه والنشر(٢) عنه.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: واليسر..
الإنسان 76:10
الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا﴾ فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم، فيكون معناه : أن هذا اليوم، وهو يوم القيامة من بين سائر الأيام، كالإنسان العبوس من بين غيره.
ومنهم من صرفه إلى الخلائق، فيكون معنى قوله تعالى :﴿يوما عبوسا قمطريرا﴾ أي يوما تعبس فيه وجوه الخلائق، لا أن يكون اليوم نفسه عبوسا، وهو كقوله تعالى :﴿والنهار مبصرا﴾[ يونس : ٦٧و. . . ] أي يبصر فيه، وتقول العرب : مازال الطريق يمر منذ اليوم على معنى : يمر الناس فيه، فيرجع هذا إلى وصف ما يكون عليه ذلك اليوم على ما ذكرنا أن الله تعالى ذكر اليوم بالأحوال التي يكون عليها حال ذلك اليوم ؛ فمرة قال :﴿وترى الناس سكارى﴾[الحج: ٣٢] ومرة قال :﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾[القارعة: ٤] وغير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى :﴿قمطريرا﴾ قيل : شديدا، وقيل : القمطرير الذي يقبض الوجه بالبسور والعبوسة، ويزوي ما بين العينين، وقيل : القمطرير المشدد(١) على أهل النار، وقيل : القمطرير هي كلمة من كتب الأولين.
١ في الأرض و م: المشدة..
الإنسان 76:11
مُبْصِرًا)، أي: يبصر فيه، وتقول العرب: " ما زال الطريق يمر منذ اليوم "؛ على معنى: يمر الناس فيه؛ فيرجع هذا إلى وصف ما يكون عليه ذلك اليوم، على ما ذكرنا: أن اللَّه تعالى ذكر اليوم بالأحوال التي يكون عليها حال ذلك اليوم، فمرة قال: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى)، ومرة قال: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، وغير ذلك من الآيات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَمْطَرِيرًا)، قيل: شديدا.
وقيل: القمطرير: الذي يقبض الوجه بالبسور والعبوسة، ويزوي ما بين العينين.
وقيل: القمطرير: المشوه على أهل النار.
وقيل: القمطرير: هي كلمة من كتب الأولين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١):
جائز أن تكون الوقاية منصرفة إلى الموعود في ذلك اليوم من العقوبة والنكال، لا أن يكونوا وقوا من هول ذلك اليوم فلا يرون الجحيم ولا أهوالها.
وجائز أن يكون وقاهم عما كانوا يخافون من التبعة لدى الحساب، كقوله: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ)؛ فكأنهم يخافون على أنفسهم المناقشة في الحساب، فإذا رأوا سيئاتهم مغفورة، وحسناتهم متقبلة، سروا بذلك، ووقوا شره.
وجائز أن يكونوا أُومنوا من أهوال القيامة وأفزاعها حين نشروا من القبور، وبلغتهم الملائكة بالبشارة، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا):
فالسرور عبارة عن انتفاء الحزن عنهم، والنضرة: أثر كل نعيم.
وقيل: نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) أي: على الطاعات، وصبروا عن معاصي اللَّه تعالى.
الإنسان 76:12
الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿وجزاهم بما صبروا﴾ أي على الطاعات وصبروا عن معاصي الله﴿جنة وحريرا﴾ أي جزاهم جنة، وجزاهم حريرا ؛ فذكر الحرير لأن الجنان إنما تذكر في موضع التطرب والتنغم بالمأكل والمشارب دون التنغم باللباس، فوعد لهم من اللباس الحرير مع ما جزاهم الجنة.
الإنسان 76:13
(جَنَّةً وَحَرِيرًا):
أي: جزاهم جنة، وجزاهم حريرا، فذكر الحرير؛ لأن الجنان إنما تذكر في موضع التطرب والتنعم بالمآكل والمشارب دون التنعم باللباس؛ فوعد لهم اللباس من الحرير، مع ما جزاهم الجنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ؍ (١٣) يذكر تفسيرها بعد هذا، إن شاء اللَّه تعالى.؍
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا):
لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير؛ بل يكون ظلها دائما ممدودا؛ فجائز أن يكون المراد منه: أن ضياء الجنة ليس بالشمس، ولكن بما خلقت مضيئة؛ لأن الشمس في الدنيا يقع بها الضياء؛ فيكون ضياء النهار بالشمس.
وذكر أنهم لا يرون فيها الزمهرير؛ ليعلم أن لذاذة شراب الجنة وبرودته بالخلقة، لا أن تكون برودته بتغير يقع في الأحوال على ما يكون عليه شراب أهل الدنيا.
أو يكون ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم لا يؤذون بحَرٍّ ولا برد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا... (١٤):
جائز أن يراد به: أنها دانية من هَؤُلَاءِ الذين سبق نعتهم، وهم الأبرار، كقوله - عز وجل -: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
أو ذكر أن ظلالها دانية؛ لأنها لو لم تكن دانية، لكان لا يقع لهم بها انتفاع.
وقيل: هي ظلال غصون الأشجار قريبا منهم؛ لأن للجنة نورا يتلألأ؛ فيقع بالأشجار ظلال؛ على ما جاء في الخبر أنه لو ألقي سوار من الجنة في الدنيا، لأضاءت الدنيا، ويغلب ضوءها ضوء الشمس "، ويجوز ذلك؛ فتقع الأشجار فيها ظلال؛ كما يشتهونه في الدنيا ليس ذلك على شمس ولا قمر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا):
جائز أن يكون أريد بالتذليل: التليين، أي: لينت؛ فلا يرد أيديهم عنها شوك.
وقيل: إن أشجارها ليست بطوال لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد؛ بل قريبة من أربابها، يقال: حائط ذليل؛ إذا لم يكن عاليا في السماء.
الإنسان 76:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿ودانية عليهم ظلالها﴾ فجائز أن يراد أنها دانية من هؤلاء الذين سبق نعتهم، وهم الأبرار كقوله عز وجل :﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾[الأعراف: ٥٦].
وذكر أن ظلالها دانية لأنها لو لم تكن دانية لكان لا يقع لهم بها انتفاع. وقيل : هي ظلال غصون الأشجار قريب منهم لأن للجنة نورا يتلألأ، فيقع بالأشجار فيها ظلال كما يشتهونه في الدنيا، ليس على ذلك شمس ولا قمر.
وقوله تعالى :﴿وذللت قطوفها تذليلا﴾ فجائز أن يكون أريد بالتذليل التليين، أي لينت، فلا يرد أيديهم عنها شوك. وقيل : إن أشجارها ليست بطوال، لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد، بل قريبة من أربابها ؛ يقال : حائط ذليل إذا لم يكن عاليا في السماء، وقيل : ذللت أي سويت الأشجار لا أن يتفاوت بعضها[ عن بعض ](١) ؛ يقول أهل المدينة إذا استوت عذوق النخلة، وقيل : ذللت النخلة، وقيل : ذللت أي سخرت، والتذليل التسخير، فيتناولون منها كيف شاءوا ؛ إن شاءوا تناولوها، وهم قيام، وإن شاءوا تناولوها، وهم جلوس أو نيام على الفرش.
وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين أن شجرة الجنة : عروقها من فوق، وفروعها من أسفل، والثمار بين ذلك.
١ في الأصل و م: بعضا..
الإنسان 76:15
وقيل: ذللت، أي: سويت الأشجار، لا يتفاوت بعضها بعضًا؛ يقول أهل المدينة إذا استوت عذوق النخلة: تذللت النخلة.
وقيل: ذللت، أي: سخرت؛ والتذليل: التسخير، فيتناولون منها كيف شاءوا: إن شاءوا تناولوها وهم قيام، وإن شاءوا تناولوها وهم جلوس، أو نيام على الفرش.
وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين: أن شجر الجنة عروقها من فوق، وفروعها من أسفل، والثمار بين ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥).
فتأويل الأكواب يذكر في سورة: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ).
ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها.
ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من التراب؛ فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء الذي يقع بالقوارير.
(قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) على الأصل المعهود: أنه لا ينصرف، وقرئ قوله: [(قَوَارِيرَ)] على الوقف عليه موافقا لآخر سائر الآيات، وقرئ (قواريرًا)، بالتنوين عند الوصل أيضا؛ لأنه رأس الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا):
أي: جعلت على قدر ريِّهم.
وقيل: يسقون على القدر الذي قدروه في أنفسهم، وحدثت به أنفسهم؛ فلا يقدرون في قلوبهم مقدارًا إلا أتوا بها على ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧):
منهم من زعم أن العرب كانوا إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا: كالزنجبيل؛ فخرجت البشارة من الوجه الذي ترغب في مثله الأنفس.
ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين.
الإنسان 76:16
الآية ١٦ : ثم أخبر أن تلك الأكواب﴿قواريرا من فضة﴾ قيل : هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها لصفائها.
ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من التراب، فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء الذي يقع بالقوارير :﴿قواريرا من فضة﴾ على الأصل المعهود أنه لا ينصرف.
وقرئ قوله تعالى :﴿قواريرا﴾ على الوقف عليه(١) موافقا لآخر سائر الآيات، وقرئ قواريرا بالتنوين عند الوصل أيضا لأنه رأس الآية.
وقوله تعالى :﴿قدروها تقديرا﴾أي جعلت على قدر ريّهم، وقيل : يسقون على القدر الذي قدروه على أنفسهم، وحدثت به أنفسهم، فلا يقدرون في قلوبهم مقدارا إلا أتوا به(٢) على ذلك.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٨/٢٣..
٢ في الأصل و م: بها..
الإنسان 76:17
الآيتان ١٧و١٨ : وقوله تعالى :﴿ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا﴾ [ ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ ](١) فمنهم من زعم أن العرب إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا : كالزنجبيل، فخرجت البشارة من الوجه/ ٦١٩ –ب/ الذي ترغب في مثله الأنفس، ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين، ومنهم من ذكر في السلسبيل، أي سلّ سبيلا إلى تلك العين.
وقال قتادة : أي سلسلة السبيل، مستعذب ماؤها، وقيل :﴿سلسبيلا﴾ شديد الجزية.
١ ساقطة من الأصل و م..
الإنسان 76:18
الآيتان ١٧و١٨ : وقوله تعالى :﴿ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا﴾ [ ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ ](١) فمنهم من زعم أن العرب إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا : كالزنجبيل، فخرجت البشارة من الوجه/ ٦١٩ –ب/ الذي ترغب في مثله الأنفس، ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين، ومنهم من ذكر في السلسبيل، أي سلّ سبيلا إلى تلك العين.
وقال قتادة : أي سلسلة السبيل، مستعذب ماؤها، وقيل :﴿سلسبيلا﴾ شديد الجزية.
١ ساقطة من الأصل و م..
الإنسان 76:19
ومنهم من ذكر في السلسبيل، أي: سل سبيلا إلى تلك العين.
وقال قتادة: أي: سلسلة السبيل، مستعذَب ماؤها. وقيل: سلسبيلا: شديد الجرية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ... (١٩):
ذكر الولدان لا أن يكون فيها وِلَادٌ؛ ولكنهم أنشئوا ولدانا، فيخلدون كذلك، لا يكبرون، ولا يهرمون.
وجائز أن يكون الولدان ولدان الكفرة الذين ماتوا في الدنيا صغارا؛ فلا يكون لهم في الجنة آباء؛ ليرفعوا إلى درجة الآباء؛ فيجعلهم اللَّه تعالى خدما لأهل الجنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا):
منهم من يقول: إن اللَّه تعالى شبه حسنهم بحسن اللؤلؤ المنثور؛ إذ أحسن ما يكون اللؤلؤ إذا كان منثورا؛ فجائز أن يكون هَؤُلَاءِ الولدان فضلوا في الحسن على سائر الجواهر التي تكون في الجنة؛ كما فضل الدر في الدنيا على سائر الجواهر.
ومنهم من يقول: إنهم ما لم يطوفوا فمن رآهم حسبهم لؤلؤا منثورا، وإذا طافوا، وتحركوا، فحينئذ يعلمون أنهم ولدان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠):
قيل: هما اللذان لا نعت لهما ولا وصف.
وقيل: الْمُلْك: استئذان الملائكة عليهم، وملوك الدنيا وإن علت رتبتهم لم يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان، والملك: هو الذي له نفاذ الأمور.
وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم؛ بل إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم وملك كبير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١):
جائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه، فيخبر أن في أعلى أماكنهم ثيابَ خضرٍ من سندس كما هو في المكان الذي أسفل موضع جلوسهم؛ لأنهم يكونون على الأرائك والأحجال؛ فيكون ما تحت الأحجال والأرائك من الأماكن زرابي مبثوثة؛ ونمارق مصفوفة، ويكون عاليها كذلك.
فإن كان على هذا، فلا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج غليظ - إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ- وبين أن يكون من ديباج رقيق؛ إذ كل ذلك مما يرغب في مثله، واللَّه أعلم.
وقيل: (عَالِيَهُمْ)، أي: أعلى ثيابهم سندس خضر وإستبرق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عالي أنفسهم ثياب سندس.
ومنهم من صرف السندس إلى اللباس والإستبرق إلى ما بسط؛ لأن الديباج الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله؛ فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش، وبيَّنَ الفعل في أحدهما، ولم يذكر في الآخر.
ومنهم من قال: (عَالِيَهُمْ) هم الولدان يطوفون من أعاليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ):
بشرهم بالأساور من فضة؛ لأن الفضة مستحسنة بنفسها؛ لبياضها، والذهب استحسانه لقدره وعزته، ليس لنفسه؛ لأنه أصفر، والأعين لا تستحسن هذا اللون؛ فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحلى الرجال بأسورة من فضة؛ على ما أبيح لهم التحلي بخاتم الفضة في الدنيا، وتحلي النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن التحلي بخاتم الذهب في الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا):
قيل: هو الخمر تطهر من الآفات ومن كل مكروه، وتطهر قلوبهم من الغل؛ فيعمل ذلك الشراب في تطهير الظاهر والباطن، وشراب الدنيا يطهر ظاهر البدن، وباطن البدن ينجس الشراب.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع "، فقال يهودي: إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة؛ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " حاجة أحدهم عرق يفيض من جسده؛ فتضمر لذلك بطنه ".
والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه، وكذلك شهوته تبقى فيها، ثم يخرج الثفل منها والفضل؛ فجائز أن يرفع اللَّه تعالى عن ذلك الطعام الفضل الذي يزايل البدن؛ فيكون
الإنسان 76:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾ قيل : هما اللذان، لا نعت لهما، ولا وصف، وقيل : الملك استئذان الملائكة عليهم، وملوك الدنيا، وإن علت زينتهم لم يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان، والملك هو الذي[ به ](١) نفاذ الأمور.
وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم، بل إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم وملك كبير.
١ ساقطة من الأصل و م..
الإنسان 76:21
الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق﴾ فجائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه، فيخبر أن في أعلى أماكنهم ثياب خضر من سندس كما هو في المكان الذي[ هو ](١) أسفل موضع جلوسهم، لأنهم يكونون على الأرائك والحجال(٢) فيكون ما تحت الحجال(٣)والأرائك من الأماكن﴿ونمارق مصفوفة﴾ ﴿وزرابيّ مبثوثة﴾[ الغاشية : ١٥و١٦ ] ويكون عاليها كذلك.
فإن كان على هذا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج غليظ إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ، وبين أن يكون من ديباج رقيق، إذ كل ذلك مما يرغب في مثله، والله أعلم.
وقيل :﴿عاليهم﴾ أي أعلى ثيابهم﴿ثياب سندس خضر وإستبرق﴾ وقال بعضهم : عالي أنفسهم﴿ثياب سندس خضر﴾ ومنهم من صرف السندس والإستبرق إلى ما بسط، لأن الديباج الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله، فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش، وبين الفعل في أحدهما، ولم يذكر في الآخر.
ومنهم من قال :﴿عاليهم﴾ هم الولدان يطوفون من أعاليهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وحلوا أساور من فضة﴾ فبشرهم بالأساور من الفضة، لأن الفضة مستحسنة بنفسها لبياضها، والذهب استحسانه لندرته وعزته، ليس لنفسه، لأنه أصفر، والأعين لا تستحسن هذا اللون، فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب.
وقال بعضهم : يحلّى الرجال بأسورة من الفضة على ما أبيح لهم التحلي بخاتم في الدنيا، وتحلى النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن بها في الدنيا.
وقوله تعالى :﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ قيل : هو الخمر، يطهر من الآفات ومن كل مكروه، ويطهر قلوبهم من الغل، فيعمل ذلك الشراب في تطهير الظاهر والباطن. وشارب الدنيا يطهر ظاهر البدن، وباطن البدن ينجّسه(٤) الشراب.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال :( إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مئة رجل في الأكل والشراب والجماع ) فقال يهودي : إن الذي يأكل، ويشرب تكون له الحاجة، فقال رسول الله ﷺ :( حاجة أحدهم عرق يفيض من جسده، فيضمر لذلك بطنه )[ أحمد٤/٣٧٦ والنسائي في الكبرى١١٤٧٨ ].
والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه، وكذلك شهوته تبقى فيها، ثم يخرج التفل منها والفضل.
فجائز أن يرفع الله تعالى عن ذلك الطعام الفضل الذي يزايل إليه، فيكون طعامهم ذلك اللطيف الذي يبقى في النفس.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: الأحجال..
٣ في الأصل وم: الأحجال.
٤ في الأصل و م: وينجس..
الإنسان 76:22
طعامهم ذلك اللطيف الذي يبقى في النفس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢):
فجائِز أن تكون هذه البشارة خرجت لأهلها في الدنيا.
وجائز أن تكون لهم في الآخرة: أن هذا الذي أكرمتم به من الكرامات جزاء لعملكم وسعيكم في الدنيا.
* * *
قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا):
قيل: فرقنا عليك القرآن تفريقا، والحكمة في التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن، وهو قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، فأخبر أن في التفريق تثبيتا؛ فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة.
ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا، وأضاف إلى جبريل - عليه السلام - في قوله - عز وجل -: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، وقال في آية أخرى: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، فأضافه إلى نفسه، وقال: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).
فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه أوجه، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام، فإذا قيل: هذا في اللوح، فهم به، وأريد منه: أنه مكتوب فيه، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، معناه: حتى يسمع كلاما يدله على كلام اللَّه تعالى لا أن يكون ذلك كلامه.
وأضافه إلى جبريل - عليه السلام - لأنه من فيه تلقاه، لا أن يكون ذلك كلام جبريل، عليه السلام.
ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافي منه.
ثم جائز أن يكون التفريق؛ لمكان أتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ليس لمكانه؛ لأن اللَّه -
الإنسان 76:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا﴾ قيل : فرّقنا عليك القرآن تفريقا. والحكمة في التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن، وهو قوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾[الفرقان: ٣٢] فأخبر أن في التفريق تثبيتا، فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة.
ثم أضاف التنزيل إلى نفسه ههنا، وأضافه(١) إلى جبرائيل عليه السلام في قوله عز وجل :﴿نزل به الروح الأمين﴾ ﴿على قلبك﴾[ الشعراء : ١٩٣و١٩٤ ] وقوله عز وجل :﴿إنه لقول رسول كريم﴾[ الحاقة : ٤٠و. . . ] وقال في آية﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] فأضافه(٢) إلى نفسه كقوله(٣) :﴿في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢٢] فهذا كله على مجاز الكلام، ليس على الحقيقة.
فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه وجّه(٤) إلى أن يستجيز الناس من التعامل في ما بينهم بذلك الكلام.
فإذا قيل : هذا في اللوح فهم به، وأريد منه أنه مكتوب فيه. [ قيل : قوله ](٥) تعالى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ معناه : أنه حتى يسمع كلاما يدله على كلام الله تعالى، لا أن يكون ذلك كلامه، وأضافه إلى جبرائيل عليه السلام لأنه من قبله تلقاه، لا أن يكون ذلك كلام جبرائيل عليه السلام. ثم قد ذكر الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا والفضل الكافي منه.
ثم جائز أن يكون التفريق لمكان أتباع رسول الله ﷺ ليس لمكانه لأن الله تعالى ييسر على نبيه حفظه حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه جبرائيل عليه السلام بما يقرأ عليه مرة واحدة، وقال(٦) له :﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾[القيامة: ١٦] فضمن له الحفظ فأمن النسيان.
فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة، فأنزله(٧) مفرقا ليكونوا أقدر على حفظه. ولهذا كثر(٨) حفاظ القرآن في هذه الأمة[ وكثر قراؤها ](٩) وكثر فقهاء هذه الأمة، لأن القرآن أنزل مفرقا على إثر النوازل، فعرفوا مواقع النواسخ(١٠)، فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات لمعرفتهم مواقع الناسخ(١١) والمنسوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ والمنسوخ. فأنزله(١٢) الله تعالى مفرقا ليكونوا يعلمون(١٣) الناسخ والمنسوخ والله أعلم.
ولأنه إذا أنزل مفرقا كانوا إليه أشوق وأرغب منه إذا نزل جملة واحدة.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة﴾ الآية ؟ [محمد: ٢٠] فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تنزل عليهم سورة، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سورة من قبل.
وفيه أيضا تخويف للمنافقين/ ٦٢٠ –أ/ كما قال الله تعالى :﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾[التوبة: ٦٤] فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين، والله أعلم.
١ في الأصل و م: وأضاف..
٢ في الأصل و م: فأضاف..
٣ في الأصل و م: وقال..
٤ في الأصل و م: أوجه..
٥ في الأصل و م: وقوله..
٦ في الأصل و م: وقيل..
٧ في الأصل و م: فأنزل..
٨ أدرج قبلها في الأصل و م: ما..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل و م: النوازل..
١١ في الأصل و م: فأنزل..
١٢ في الأصل و م: فأنزل..
١٣ في الأصل و م: يعلم..
الإنسان 76:24
تعالى - يسر على نبيه حفظه؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه جبريل - عليه السلام - بما يقرؤه عليه مرة واحدة.
وقيل له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) الآية؛ فضمن له الحفظ؛ فأمن النسيان، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة؛ فأنزل مفرقا، ليكونوا أقدر على حفظه؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة، وكثر قراؤها، وكثر فقهاء هذه الأمة؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر النوازل؛ فعرفوا مواقع النوازل؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات؛ لمعرفتهم مواقع النوازل والمنسوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ والمنسوخ؛ فأنزله اللَّه - تعالى - مفرقا؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ واللَّه أعلم.
ولأنه إذا أنزل مفرقا، كانوا إليه أشوق، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ...) الآية، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تنزل عليهم سورة، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سُورَة من قبل.
وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين؛ كما قال اللَّه - تعالى: - (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ)؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ... (٢٤).
فيه أنه ابتلاه بما تكرهه نفسه، ويشتد عليها، حتى دعاه إلى الصبر؛ لأن المرء لا يدعى إلى الصبر على النعم واللذات، وإنما يدعى إليه إذا ابتلي بالمكاره البليّات، وقد صبر - عليه السلام - على المكاره؛ لأنه أمر بمضادة الجن والإنس؛ فانتصب لهم حتى آذوه كل الأذى، وهموا بقتله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا):
كأنه قال: ولا تطع من دعاك إلى ما تأثم فيه، أو يكون كفورا.
أو لا تجب الآثم أو الكفور إلى ما يدعوك إليه.
وقوله - تعالى -: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥):
الإنسان 76:25
الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿واذكر اسم ربك﴾ أي كن ذاكرا له في كل وقت.
وقوله تعالى :﴿بكرة وأصيلا﴾ البكرة تحتمل صلاة الصبح، والأصيل يحتمل صلاة الظهر والعصر.
الإنسان 76:26
يحتمل: واذكر باسم ربك.
أو صل باسم ربك؛ كقوله: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
أو يقول: اذكر اسم ربك، أي: كن ذاكرا له في كل وقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بُكْرَةً وَأَصِيلًا):
البكرة: تحتمل صلاة الصبح، والأصيل: يحتمل صلاة الظهر والعصر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦):
تحتمل صلاة الليل النوافل إن كان قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) في صلاة الفرائض، وإن لم يكن في ذلك؛ فيكون كأنه قال: واذكر ربك في كل وقت بالليل والنهار.
أو يقول: فليكن اسم ربك مذكورا؛ حتى لا تخلو ساعة من هذه الساعات إلا وهو مذكور فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧):
حب العاجلة مما طبع به الخلائق؛ لأن كل طبع على حب الانتفاع والتمتع بالشيء؛ فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه وأنشئوا، ولكن إنما يلحق الذم من أحب الدنيا واختارها وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا وأسست؛ فالدنيا إنما أسست، وجعلت؛ ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة؛ فمن أحب لهذا، فهو لا يلحقه بذلك ذم، ولا تعيير؛ ومن أحبها وآثرها لها، واكتسبها لها، فهو المذموم، وأُولَئِكَ كانوا مختلفين في ذلك، لم يكونوا على فن واحد.
منهم من حمله حبه الدنيا على إنكار وحدانية اللَّه - تعالى - وألوهيته.
ومنهم من حمله حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم، ومكابرة الحق.
ومنهم من حمله حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما عملوا.
ومنهم من حمله حبه الدنيا على التفريق بين الرسل، أنكروا بعضا، وصدقوا بعضا.
تولد من حبهم إياها ما ذكرنا؛ فلحقهم الذم لذلك، وكذلك ما ذكر من الإنفاق في الدنيا حيث قال: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...) الآية، فمن أنفق من هذه الدنيا لها؛ فتكون نفقته ما ذكر؛ لأنه أنفق لغير ما جعلت له النفقة؛ فكان ما ذكر؛ فعلى ذلك من أحب الدنيا، واختارها للدنيا
الإنسان 76:27
الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا﴾ حب العاجلة مما طبع[ عليه ](١) الخلائق لأن كل [ مخلوق ](٢) طبع على حب الانتفاع والتمتع بالشيء، فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه، وأنشئوا. ولكن إنما يلحق الذم من أحب الدنيا، واختارها، وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا [ له ](٣) وأسست ؛ فالدنيا(٤) إنما أسست، وجعلت، ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة.
فمن أحب لهذا، فهو لا يلحقه بذلك ذم ولا تعيير، ومن أحبها، وآثرها لها، واكتسبها لها، فهو المذموم، وأولئك كانوا مختلفين في ذلك، لم يكونوا على فن واحد، ومنهم من حمل حبه إياها على إنكار وحدانيته تعالى وألوهيته، ومنهم من حمل حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم ومكابرة الحق، ومنهم من حمل حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما علموا، ومنهم من حمل حبه الدنيا على التفريق بين الرسل : أنكروا بعضا[ وصدقوا بعضا ](٥) وتولد من حبهم إياها ما ذكرنا، فلحقهم الذم لذلك. ولذلك ما ذكر من الإنفاق في الدنيا حين(٦) قال :﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت﴾الآية[آل عمران: ١١٧].
فمن أنفق في هذه الدنيا لها فتكون نفقته ما ذكر لأنه أنفق لغير ما جعلت له النفقة، فكان ما ذكر.
فعلى ذلك من أحب الدنيا، واختارها للدنيا لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا انقطاع لها، كان على ما ذكر.
ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها، وإذا ذكرت الآخرة[ وذكر ](٧) على إثر ذلك الإنسان، قيل : أمامه ؛ لأن الإنسان مقبل إليها، فتكون تلك أمامه وقدّامه.
وأما عند ذكر الآخرة(٨) قيل : وراءها، لأنها تخلفها، وكل من خلف آخر يكون بعده ووراءه، لأنه يكون عند فوت الآخر ؛ لذلك كان ما ذكر.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، في الأصل: في الدنيا..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل و م: حيث..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و م: الدنيا..
الإنسان 76:28
لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا انقطاع لها، كان على ما ذكر.
ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها، وإذا ذكرت الآخرة على أثر ذكر الإنسان قيل: أمامه؛ لأن الإنسان يقبل إليها؛ فيكون ذلك أمامه وقدامه؛ وأما عند ذكر الدنيا قيل: وراءها؛ لأنها تخلفها، وكل من خلف آخر يكون بعده ووراءه؛ لأنه يكون عند فوت الآخر؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ... (٢٨):
رجع إلى الاحتجاج عليهم لما أنكروا، يقول: يعلمون أنا خلقناهم بدءا، ونحن شددنا أسرهم، أي: قوتهم.
أو نحن: شددنا خلقتهم، ونحن وصلنا جوارحهم المتفرقة ومفاصلهم المتشتتة بعضها إلى بعض، ونحن نبدل أمثالهم إن شئنا، فما بالهم ينكرون قدرتنا على البعث والإعادة بعد الموت؟! يقول: من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء، وهو على البعث أقدر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا):
يذكر بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) أي: هذه السورة؛ لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم، وآخرها إعادتهم، وفي خلال ذلك جزاء صنيعهم الذي صنعوا؛ فيكون في ذلك تذكرة لهم.
ويحتمل قوله: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)، أي: الأنباء التي ذكرت في القرآن، أو هذه المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم، أو تذكرة لما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا):
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: قد مكن كلا أن يتخذ سبيلاً إلى ربه، أي: لا شيء يمنعه عن اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء، لكن من لم يتخذ إنما لا يتخذ؛ لأنه لم يشأ أن يتخذ سبيلا؛ وإلا قد مكن له ذلك.
الإنسان 76:29
الآية ٢٩ : وقوله تعالى :﴿إن هذه تذكرة﴾ يحتمل﴿هذه﴾ أي هذه السورة، لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم[ وفي ](١) آخرها إعادتهم وفي خلالها(٢) جزاء صنيعهم الذي صنعوا، فيكون في ذلك تذكرة لهم.
ويحتمل قوله :﴿إن هذه تذكرة﴾ أي الأنباء التي ذكرت في القرآن، أو هذه المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم، وتذكرة لما لله عليهم ولما لبعضهم على بعض.
وقوله تعالى :﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : يقول : قد مكن كلا أن يتخذ سبيلا إلى ربه، أي لا شيء يمنعه عن اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء، لكن من لم يتخذ[ فإنما لم يتخذ ](٣) لأنه لم يشأ أن يتخذ سبيلا، وألا قد مكن له ذلك.
والثاني : يقول : من شاء اتخاذ السبيل فليتخذ السبيل إلى ربه على ما نذكر على الاستقصاء بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
١ في الأصل و م: و..
٢ في الأصل و م: خلال..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
الإنسان 76:30
والثاني: يقول: من شاء اتخاذ السبيل، فليتخذ السبيل إلى ربه، على ما يذكر على الاستقصاء بعد هذا، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم قوله - تعالى -: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ... (٣٠):
يقول - واللَّه أعلم -: من شاء اتخاذ السبيل إلى ربه لا يتخذ إلا أن يشاء اللَّه أن يتخذ السبيل إلى ربه، فعند ذلك يتخذ، وهذا على المعتزلة لأنهم يقولون: إن اللَّه تعالى قد شاء لجميع الخلائق أن يتخذوا إلى ربهم سبيلا، لكنهم شاءوا ألا يتخذوا إلى ربهم سبيلا؛ فلم يتخذوا، وقد أخبر أنهم لا يشاءون اتخاذ السبيل إليه، ولا يتخذون إلا أن يشاء اللَّه لهم اتخاذ السبيل فعند ذلك يتخذون ما ذكر، ويشاءون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا):
إن اللَّه - تعالى - لم يزل عليما بصنع خلقه من التكذيب له والتصديق، ومن الطاعة له والمعصية، أي: على علم منه بصنيعهم أنشأهم وخلقهم، حكيما في فعله ذلك وخلقه إياهم على ما علم منهم بكون الآية إنما خلقهم وأنشأهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لمنافع ترجع إليه، أو لمضار يدفع عن نفسه؛ فخلقه إياهم وبعثه الرسل إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد لا يخرج فعله عن الحكمة والحق؛ بل يكون حكيما في ذلك، وأما من يبعث الرسول في الشاهد، إلى من يعلم أنه يكذبه، ويرد رسالته وهديته، ويستخف به - سفه ليس بحكمة؛ لأنه إنما يرسل الرسل ويبعث هديته؛ لمنافع تكون للمرسل؛ فعلمه بما يكون منه سفه ليس بحكمة؛ لذلك افترقا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ... (٣١):
هذا على المعتزلة - أيضا - لأنه ذكر أنه يدخل من يشاء في رحمته، وهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا في رحمته؛ لأنه شاء إيمان كل منهم، واللَّه تعالى أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته؛ دل ذلك على أنه لم يشأ أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الضلال؛ ولكن إنما شاء أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الهدى، فأما من علم منه اختيار غيره، فلا يحتمل أن يشاء ذلك له، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا):
أي: وشاء - أيضا - من علم منه الضلال أن يعد له عذابا أليما. وفي حرف ابن مسعود، وأبي وحفصة - رضي اللَّه عنهم -: (يختص برحمته من يشاء)، وهذا الحرف تفسير تأويل الآية.
ويحتمل أن يكون رحمته هاهنا: هي الهدى وسبيل اللَّه تعالى.
ويحتمل أن يكون رحمته هي جنته؛ سميت: رحمة؛ لأنه برحمته ما يدخلها أهل الإيمان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
* * *
الإنسان 76:31
الآية ٣١ : وقوله تعالى :﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾ هذا على المعتزلة أيضا لأنه يدخل من يشاء في رحمته وهم يقولون : قد شاء أن يدخل كلا في رحمته، لأنه شاء إيمان كل منهم، والله تعالى(١) أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته.
دلّ ذلك على أنه لم يشأ أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الضلال، ولكن إنما أن شاء يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الهدى. فأما من علم منه اختيار غيره فلا يحتمل أن يشاء ذلك له، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والظالمين أعدّ لهم عذابا أليما﴾ أي وشاء أيضا من علم منه الضلال أن يعذبه عذابا أليما.
وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة رضي الله عنه يختص برحمته من يشاء. وهذا الحرف تفسير وتأويل الآية، وأن تكون رحمة ههنا، هو الهدى وسبيل الله.
ويحتمل أن تكون رحمته، هو جنته، سميت رحمة، لأنه برحمته يدخلها(٢) أهل الإيمان، والله أعلم بحقيقة ما أراد.
١ في الأصل و م: أعلم..
٢ أدرج قبلها في الأصل و م: ما..
المرسلات 77:1
سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) اختلفوا في تأويلها:
فمنهم من حمل تأويل هذا كله على الملائكة.
ومنهم من صرفها إلى الرياح.
ومنهم من صرف البعض إلى الرياح، والبعض إلى الملائكة.
وجائز أن يجعل هذا كله في الرياح، ويستقيم أن يصرف كله إلى الملائكة، ويستقيم أن يجعل البعض في الملائكة والبعض في الرياح.
فإن كان في الرياح، استقام القسم بها؛ لأن من الرياح رياحا هن مبشرات برحمته، سائقات للنعم إلى عباده؛ كقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ).
ومن الرياح رياح هي منجيات؛ قال اللَّه تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا)؛ فجعل اللَّه تعالى الريح سببا لتسيير السفن في البحار، كما جعل الماء سببا لذلك، وجعل منها مهلكات مذكرات لقوته وسلطانه؛ كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ) الآية، فهي تميتهم وتهلكهم من غير أن يدركوها بأبصارهم، وإن كانت الأبصار هي أول ما يقع بها درك الأشياء، ولو أراد أحد أن يعرف الوجه الذي له صارت المنجيات منجيات، أو يعرف الوجه الذي له صارت الرياح مهلكات، أو مبشرات - لم يقف عليه؛ فصارت الرياح مذكرات للنعم، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث، وبكل ما يخبرهم به الرسل؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ورأوا فيها من لطائف الحكمة وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم، فعلموا أن الأمر غير مقدر بعقولهم ولا بحكمتهم؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك والشبه في أمر البعث؛ فأقسم بها - جل جلاله - على ما ذكرنا أن القسم جعل لتأكيد ما يقصد إليه باليمين.
فرجعنا إلى قوله: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) قيل: هي الرياح المبشرات؛ سميت: عرفا؛ لأن ما تأتي به من النعم معروفة.
وقيل: العرف: المتتابع، وسمي عرف الفرس: عرفا؛ لتتابع بعض الشعر على بعض؛ فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة.
وكذلك قوله - تعالى -: (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) جائز أن يحمل على الرياح، لكن على الرياح المُنْشِرَات، وهي الرياح السهلة الخفيفة؛ لأن النشر مذكور في رياح الرحمة بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) في بعض القراءات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء وتقصمها، وهي التي ترسل للإهلاك؛ كقوله تعالى: (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ).
وجائز أن يكون قوله: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها أرسلت للهلاك أو للتبشير؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ساعتها من إرسال السحاب، وغير ذلك قبل أن تتتابع، وكذلك الرياح التي هي رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها، وهو أن تكون قاصفة شديدة قبل أن تتتابع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا).
يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت: فارقات؛ لأنها تفرق السحاب؛ فيصير البعض في أفق، والبعض في أفق أخرى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا): جائز أن يصرف إلى الرياح، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا: أنه تظهر بها النعم، وتتذكر، وتبين بها النجاة، ويقع ببعضها الهلاك، فذلك إلقاء ذكرها، واللَّه أعلم.
وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا:
فقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، أي: الملائكة الذين أرسلوا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)، أي: الملائكة الذين يعصفون أرواح الكفار، أي: يأخذونها على شدة وغضب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) جائز أن يكون أريد بها السفرة من الملائكة، سموا: ناشرات؛ لأنهم ينشرون الصحف، ويقرءونها.
وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق.
وقولهَ عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا) جائز أن يراد بها الملائكة، وسميت: فارقات؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ألسن الرسل، عليهم السلام.
وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح، فمستقيم أيضا.
فتكون " المرسلات ": الذين أرسلوا بالمعروف والخير.
و" العاصفات " الريح الشديدة، و " الناشرات ": الرياح الخفيفة السهلة.
و" الفارفات فرقا " و " الملقيات ذكرا ": هم الملائكة.
ويحتمل وجها آخر: أن يراد بقوله: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) هم الرسل من البشر الذين بعثوا إلى الخلق، فما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكذلك جائز أن يراد بقوله تعالى: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا. فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) هم الرسل؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، ويلقون الذكر في مسامع الخلق.
وجائز أن يكون قوله: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) هي الكتب المنزلة من السماء؛ لأنها أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير.
وكذا قوله: (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا)، أي: ناشرات للحق والهدى، وكذا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا)؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا.
المرسلات 77:6
وكذلك (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا)؛ فإنها سبب لذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦):
أي: عذرًا من اللَّه - تعالى - وهو أن اللَّه - تعالى - أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبين الحجج؛ حتى لم يبق لأحد على اللَّه حجة بعد ذلك، فهذا هو الإعذار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ نُذْرًا)، أي: أنذرهم، ولم يعجل في إهلاكهم؛ بل بين لهم ما يتقى ويجتنب، وما يندب إليه ويؤتى، فهذا هو الإنذار على تأويل الرياح ما ذكرنا: أنها مذكرات نعم اللَّه تعالى ونقمته؛ فيكون في ذلك إيجاب ذكر المنعم والمنتقم؛ فيكون في ذلك إعذار وإنذار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧).
فهذا موضع القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها.
ثم إن كان الموعود هو البعث، فمعناه: إن الذي توعدون به من البعث لكائن، وإن كان على الجزاء والعقاب، فتأويله: إن ما توعدون به من العذاب لنازل بكم؛ فتكون الآية في قوم علم اللَّه - تعالى - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨).
فكأنه - واللَّه أعلم - لما نزل قوله تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعن وقت وقوعه متى يكون؟ فنزلت: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ)، فأشار إلى الأحوال التي تكون يومئذ، لا إلى نفس الوقت، فقوله: (طُمِسَتْ)، أي: ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩):
أي: انشقت.
(وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠).
أي: قلعت من أصلها؛ فسويت بالأرض.
وقال الزجاج: نسفت الشيء إذا أخذته على سرعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) وقرئ (وُقِّتَتْ)، وكذلك أصله، لكن الهمزة أبدلت مكان الواو؛ طلبا للتخفيف، وهو من التوقيت، أي: جمعت لوقت.
المرسلات 77:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿إنما توعدون لواقع﴾ فهذا موضع[ جواب ](١) القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها.
ثم كان الموعود، هو البعث، فمعناه : أن الذي يوعدون به من البعث لكائن على الجزاء والعقاب ؛ فتأويله : إن ما توعدون به من العذاب لنازل بكم. فتكون الآية في قوم، علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:8
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿فإذا النجوم طمست﴾ فكأنه، والله أعلم، لما نزل قوله تعالى :﴿إنما توعدون لواقع﴾ سألوا رسول الله ﷺ عن وقت وقوعه : متى يكون ؟ فنزل :﴿فإذا النجوم طمست﴾ فأشار إلى الأحوال التي يومئذ لا إلى نفس الوقت. فقوله :﴿طمست﴾ أي ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت.
المرسلات 77:9
الآية ٩ : وقوله تعالى :﴿وإذا السماء فرجت﴾ أي انشقت.
المرسلات 77:10
الآية ١٠ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿وإذا الجبال نسفت﴾ أي قلعت من أصلها، فسويت بالأرض.
وقال الزجّاج : نسفت الشيء، إذا أخذته على سرعة.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:11
الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿وإذا الرسل أقتت﴾ وقرئ وقّتت(١) وكذلك أصله، لكن الهمزة أبدلت مكان الواو طلبا للتخفيف، وهو[ من ](٢) التوقيت، أي جمعت لوقت، وقيل : أحضرت الرسل ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إليهم كما قال الله تعالى﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم/ ٦٢١ – أ/ وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾[النحل: ٨٩].
وقيل :﴿أقتت﴾ أي وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن بالله تعالى، وأجاب الرسل في ما دعوهم إليه من الثواب.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٨/٣٤..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
المرسلات 77:12
وقيل: أحضرت الرسل؛ ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إليهم؛ كما قال اللَّه، تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ).
وقيل: (أُقِّتَتْ) أي: وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن باللَّه تعالى وأجاب الرسل فيما دعوهم إليه من الثواب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢):
(أُجِّلَتْ) و (أُقِّتَتْ) واحد؛ لأن في التأجيل توقيتا، وفي التوقيت تأجيلا، ثم بين وقت حلول الأجل -أجل العذاب- بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) أي: ليوم الحكم والقضاء، قال اللَّه - تعالى -: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)، وقال: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ).
فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه هي تأخير الجزاء إلى يوم البعث؛ فجعل ذلك يوم الجزاء؛ وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء، وذلك يكون بالحجج والبينات؛ فكأنه قال: لولا ما سبق من كلمة اللَّه - تعالى - من تأخير الجزاء والعذاب، وإلا كان العذاب واقعا بهم في هذه الدنيا بالتكذيب.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن اللَّه - تعالى - أخر الجزاء والعقاب إلى اليوم الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذا البشر على التتابع إلى ذلك اليوم؛ إذ ذلك اليوم هو الذي يوجد فيه الجمع، واللَّه أعلم.
وسمى يوم الفصل لهذا أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء ويفصل بين الخصماء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤):
أي: لم تكن تدري، فدراك اللَّه تعالى؛ ذكر هذا: إما على التعظيم والتهويل لذلك اليوم، أو على الامتنان على رسوله - عليه السلام - بإطلاعه عليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥):
في هذا دليل على أن الوعيد المذكور على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب، ثم لم
المرسلات 77:13
الآية ١٣ : ثم بين وقت حلول الأجل أجل العذاب بقوله عز وجل :﴿ليوم الفصل﴾ أي ليوم الحكم والقضاء.
قال الله تعالى :﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى﴾[طه: ١٢٩] وقال :﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم﴾[يونس: ١٩].
فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه، هو تأخير العذاب إلى يوم البعث، فجعل ذلك يوم الجزاء، وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء ؛ وذلك يكون بالحجج والبينات ؛ فكأنه قال : لو لا ما سبق من كلمة الله تعالى من تأخير الجزاء والعذاب، وإلا كان العذاب واقعا في هذه الدنيا بالتكذيب.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن الله تعالى أخر الجزاء والعقاب الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذا البشر على التتابع إلى ذلك اليوم، إذ ذلك اليوم، هو الذي يوجد فيه الجمع، والله أعلم.
وسمي يوم الفصل لهذا : أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء، ويفصل بين الخُصَمَاءِ، والله أعلم.
المرسلات 77:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما يوم الفصل﴾ أي لم تكن تدري، فأدراك الله تعالى. ذكر هذا إما على التعظيم والتهويل لذلك اليوم [ وإما ](١) على الامتنان على رسوله ﷺ بإطلاعه عليه، والله أعلم.
١ في الأصل و م: أو..
المرسلات 77:15
الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ وفي هذا دليل على أن الوعيد المذكور، على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب. ثم لم يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال : طوبى للمصدقين، لأن حرف الويل يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف طوبى يتكلم به في موضع السرور والغبطة.
فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكر ههنا فقد ذكره(١) في موضع آخر بقوله :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [ الانشقاق : ٧و٨ ] وقال عز وجل :﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ٨].
١ في الأصل و م: ذكرها..
المرسلات 77:16
يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال: " طوبى للمصدقين "؛ لأن حرف " الويل " يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف " طوبى " يتكلم به في موضع السرور والعطية، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك، كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): تقديم وتأخير.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠):
جائز أن يكون ذكر هذا؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء، فذكر ابتداء خلقهم؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة.
وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين، وهو الماء المستعاف المستقذر؛ ليدعوا تكبرهم وتجبرهم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وينقادوا له، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه.
وأخبر أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر؛ ليعلموا أنه قادر على ما يشاء، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء؛ فيحملهم ذلك على المراقبة، وعلى التيقظ والتبصر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١):
القرار المكين هو الرحم، جعله اللَّه - تعالى - قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغة، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر اللَّه تعالى الخروج منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدَرْنَا... (٢٣) قرئ: (قَدَرْنَا) و (قَدَّرْنَا)، فـ (قَدَّرْنَا)، أي: خلقنا كل شيء منه بقدر؛ و (قَدَرْنَا)، أي: سويناه على ما توجبه الحكمة على الوجوه
المرسلات 77:17
الآيات ١٦و١٧و١٨و١٩ :[ وفي قوله تعالى :﴿ألم نهلك الأولين﴾ ﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾ ﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:18
الآيات ١٦و١٧و١٨و١٩ :[ وفي قوله تعالى :﴿ألم نهلك الأولين﴾ ﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾ ﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:19
الآيات ١٦و١٧و١٨و١٩ :[ وفي قوله تعالى :﴿ألم نهلك الأولين﴾ ﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾ ﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾[ تقديم وتأخير ](١) فجائز أن يكون ذكر هذا ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث، لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء، فذكر ابتداء خلقهم لينفي عنهم الريب في الإعادة.
وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين، وهو الماء المستعاف المستقذر ليدعوا تكبرهم وتجبرهم على رسول الله ﷺ وينقادوا، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه.
وأخبر أنه خلقهم في الظلمات التي لا تنتهي إليها تدبير البشر ليعلموا أنه قادر على ما يشاء، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء، فحملهم ذلك على المراقبة وعلى التيقظ والتبصر.
١ أدرجت هذه العبارة في الأصل و م: بعد:﴿المفلحون﴾..
المرسلات 77:21
الآيتان ٢١و٢٢ : وقوله تعالى :﴿فجعلناه في قرار مكين﴾[ ﴿إلى قدر معلوم﴾ ](١) فالقرار المكين، هو الرحم، جعله الله تعالى قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغة، ويقره فيه إلى الوقت الذي قدر الله تعالى الخروج منه.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:22
الآيتان ٢١و٢٢ : وقوله تعالى :﴿فجعلناه في قرار مكين﴾[ ﴿إلى قدر معلوم﴾ ](١) فالقرار المكين، هو الرحم، جعله الله تعالى قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغة، ويقره فيه إلى الوقت الذي قدر الله تعالى الخروج منه.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:23
الآيتان ٢٣و٢٤ : وقوله تعالى :﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) أي :﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩] ﴿فقدرنا﴾ أي سوّينا على ما توجب الحكمة على الوجوه التي في قوله عز وجل :﴿والذي قدر فهدى﴾[الأعلى: ٣].
وقوله تعالى :﴿فنعم القادرون﴾ أي أنعم به من قادر، فيخرج مخرج الآلاء والنعم، أي إن الذي فعل بكم هذا، هو الله تعالى، لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:24
الآيتان ٢٣و٢٤ : وقوله تعالى :﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) أي :﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩] ﴿فقدرنا﴾ أي سوّينا على ما توجب الحكمة على الوجوه التي في قوله عز وجل :﴿والذي قدر فهدى﴾[الأعلى: ٣].
وقوله تعالى :﴿فنعم القادرون﴾ أي أنعم به من قادر، فيخرج مخرج الآلاء والنعم، أي إن الذي فعل بكم هذا، هو الله تعالى، لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:25
التي تذكر في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ):
أي: أنعم به من قادر؛ فيخرج مخرج ذكر الآلاء والنعم، أي: إن الذي فعل بكم هذا هو اللَّه - تعالى - لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦):
جائز أن يكون هذا صلة قوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) و (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا).
فيكون في ذكر هذا كله تذكير للآلاء والنعم، وتذكير القدرة والسلطان والحكمة.
فوجه تذكير النعم: أن اللَّه - تعالى - في أول ما أنشأه، أنشأه نطفة قذرة، وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر، وكذلك في الوقت الذي أنشأه علقة ومضغة، لم يفوض تدبيره إلى أحد من خلائقه؛ لأنه في ذلك الوقت بحيث يستعاف ويستقذر، ولا يدفع عنه المعنى الذي به وقعت الاستعافة والاستقذار بالتطهير؛ فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار الخلائق، ثم لما أنشأه نسمة، وسوى خلقه أخرجه من بطن أمه وألقى في قلب أبويه الرقة والعطف؛ ليقوموا بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا يقوم بتدبير نفسه ومصالحه، ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته وتضمه إلى نفسها؛ فيستتر بها عن أبصار الناظرين؛ إذ رجع بعد موته إلى حالة تستعاف وتستقذر ولا تقبل التطهير؛ فكان في ذكره أول أحواله إلى ما ينتهي إليه تذكير النعم؛ ليصل إلى أداء شكره.
أو جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة؛ لما لا يعرف الخلائق أنه بم يغذى حتى ينمو ويزيد؟ فرفع عنهم مؤنة التربية في ذلك الوقت، ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع حاجته، أخرجه من بطن الأم، وفوض تدبيره إلى أبويه؛ فهذا وجه تذكير النعم، وفي ذكره ذكر القوة والسلطان والحكمة، وهو أن اللَّه تعالى جعل النطفة التي أنشأ منها النسمة، بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة، ولو أراد الخلائق أن يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن ينشأ منها العلقة والمضغة والعظام واللحم، ثم يكون منها نسمة سوية - لم يصلوا إلى معرفته،
المرسلات 77:26
الآيتان ٢٥و٢٦ : وقوله تعالى :﴿أم نجعل الأرض كفاتا﴾ ﴿أحياء وأمواتا﴾ فجائز أن يكون هذا صلة قوله عز وجل :﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ ﴿فجعلناه في قرار مكين﴾(١)[ الآيتان : ٢٠و٢١ ] فيكون في ذكر هذا كله تذكير الآلاء والنعم وتذكير القدرة والسلطان والحكمة.
فوجه تذكير النعم أن الله تعالى في أول ما أنشأ[ أنشأ ](٢) نطفة قذرة، وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر، وكذلك في الوقت الذي أنشأ علقة ومضغة لم يفوض تدبيره إلى أحد من خلائقه، لأنه في ذلك الوقت بحيث يستعاف، ويستقذر، ولا يدفع عنه المعنى الذي وقعت الاستعافة والاستقذار بالتطهير، فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار الخلائق.
ثم لمّا أنشاه نسمة، وسوّى خلقه في بطن أمه، ألقى(٣) في قلب أبويه الرأفة والعطف ليقوما(٤) بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا، يقوم بتدبير نفسه ومصالحه.
ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته، وتضمه إلى نفسها، فيستتر بها عن أبصار الناظرين ؛ إذ رجع بموته إلى حالة تستعاف، وتستقذر، ولا تقبل التطهير.
فكان في ذكر أول أحواله وإلى ما ينتهي إليه تذكير النعم ليصل إلى أداء شكره ؛ إذ جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة لما لا يعرف الخلائق أنه بما يغذى حتى ينمو، ويزيد، فرفع عنهم مؤونة التربية في ذلك الوقت.
ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع حاجته، وأخرجه من بطن الأم، وفوّض تدبيره إلى أبويه.
فهذه أوجه تذكير القوة والسلطان والحكمة، وهي أن الله تعالى جعل النطفة التي أنشأ منها النسمة بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة. ولو أراد الخلق أن يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن تنشأ منها العلقة والمضغة والعظام واللحم، ثم يكون منها نسمة سوية، لم يصلوا إلى معرفته، وإذا تفكروا في هذا علموا أن حكمته، ليست على ما ينتهي علم البشر، و[ قوته لا ](٥) تقصر على الحد الذي تنتهي إليه قوى البشر.
والذي كان يحملهم على إنكار البعث بعد الإماتة تقديرهم الأمور على قوى أنفسهم وتسويتها بعقولهم. فإذا تدبروا في ابتداء أحوالهم، ورأوا من لطائف التدبير وعجائب الحكمة علموا أن الأمر ليس كما قالوا، وقدروا، فيدعوهم ذلك التصديق بكل ما يأتي به الرسل، ويخبرهم من أمر البعث وغيره.
وجائز أن يكون ذكرهم ابتداء أحوالهم ونشوءهم وإلى ما يصيرون إليه[ لا يدعهم إلى ](٦) التكبر على دين الله تعالى، فينقادوا له بالإجابة، ولا يستكبروا على أحد من خلائقه، لأنهم في ابتداء أحوالهم كانوا نطفا(٧) يستقذرها الخلائق ثم علقة ومضغة، ويصيرون في منتهى الأمر جيفا(٨) قذرة.
ومن كان هذا وصفه، فأنّى يليق به التكبر على أحد ؟.
ثم قوله عز وجل :﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ تكفتهم أي تضمهم، وتجمعهم، في حياتهم وبعد مماتهم. فالانضمام إليها في حال حياتهم ما جعل لهم من المساكن فيها والبيوت، وجعل لهم بعد مماتهم مقابر يدفنون فيها، أو جعل متقلبهم ومثواهم في ظهورها في حياتهم، وجعل بطنها مأوى/ ٦٢١ – ب/ لهم بعد وفاتهم، وجعلها(٩) بساطا لهم﴿لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾[نوح: ٢٠] وقدّر لهم فيها أوقاتهم، فذكرهم، وجوه النعم في خلقه الأرض ليستأدي منهم الشكر، والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل و م، و﴿ألم نجعل الأرض كفاتا﴾ ﴿أحياء وأمواتا﴾..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: وألقى..
٤ في الأصل و م: ليقوموا..
٥ في الأصل و م: ولا قوته..
٦ في الأصل و م: ليدعوا..
٧ في الأصل و م: نطفة..
٨ في الأصل و م: جيفه..
٩ في الأصل و م: وجعل..
المرسلات 77:27
وإذا تفكروا في هذا علموا أن حكمته ليست على ما ينتهي إليه علم البشر ولا قوته تقتصر على الحد الذي تنتهي إليه قوى البشر، والذي كان يحملهم على إنكار البعث بعد الإماتة تقديرهم الأمور على قوى أنفسهم وتسويتها بعقولهم، فإذا تدبروا في ابتداء أحوالهم ورأوا من لطائف التدبير وعجائب الحكمة، علموا أن الأمر ليس كما قالوا وقدروا؛ فيدعوهم ذلك إلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل وتخبرهم من أمر البعث وغيره.
وجائز أن يكون ذكرهم ابتداء أحوالهم ونشوءهم، وإلى ما يصيرون إليه؛ ليدعوا التكبر على دين اللَّه تعالى وينقادوا له بالإجابة، ولا يستكبروا على أحد من خلائقه؛ لأنهم في ابتداء أحوالهم كانوا نطفة يستقذرها الخلائق، ثم علقة ومضغة، ويصيرون في منتهى الأمر جيفة قذرة؛ ومن كان هذا وصفه فأنى يليق به التكبر على أحد؟!
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا): تكفتهم، أي: تضمهم وتجمعهم في حياتهم وبعد مماتهم، فالانضمام إليها في حال حياتهم ما جعل لهم من المساكن فيها والبيوت، وجعل لهم بعد مماتهم مقابر يدفنون فيها، أو جعل متقلبهم ومثواهم في ظهورها في حياتهم، وجعل بطنها مأوى لهم بعد وفاتهم، وجعل ظهرها بساطا لهم؛ ليسلكوا فيها سبلا فجاجا؛ وقدر لهم فيها أقواتهم، فذكرهم وجوه النعم في خلقه الأرض؛ ليستأدي منهم الشكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ... (٢٧):
الرواسي هي الجبال الثابتات في الأرض أثبتها في الأرض؛ لتقر بها، ولا تميد بأهلها؛ إذ لو مادت لم يصل أهلها إلى ما قدر لهم من المنافع، فذكرهم بذكره الجبال الرواسي عظيم نعمه عليهم؛ ليستأدي منهم الشكر.
والشامخات: هي الطوال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا):
ولولا إنزاله عليكم لم تكونوا تصلون إليه بقواكم وحيلكم، ثم أنزله من السماء إلى الأرض، ولم يخرج من حد العذوبة، ولا حل به التغير بما مسته الأرض، واختلطت به، وهذا منصرف إلى الشرب خاصة، ثم لغير العذب من المنافع ما للعذب إلا الشرب خاصة.
المرسلات 77:28
الآية ٢٨ : وقوله تعالى :﴿وأسقيناكم ماء فراتا﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ولولا إنزاله عليكم لم تكونوا تصلون إليه بقواكم وحيلكم.
ثم أنزله من السماء إلى الأرض، ولم يخرجه(٢) من حدّ العذوبة، ولا حلّ به التغيير بممارسته الأرض [ واختلاطه بها ](٣). وهذا منصرف إلى الشراب. ثم لغير العذب من المنافع ما للعذب[ لا إلى ](٤) الشراب خاصة.
وقوله تعالى :﴿ألم نهلك الأولين﴾(٥) [ الآية : ١٦ ] وهم قوم نوح وقوم عاد وثمود﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾[ الآية : ١٧ ] قوم فرعون وقوم لوط وغيرهم﴿كذلك نفعل بالمجرمين﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [ الآيتان : ١٨و١٩ ] قيل : مجرمو(٦) هذه الأمة. ثم اختلف في وقت فعله :
فمنهم من يقول : إن هذا الإهلاك في الآخرة لقوله عز وجل :﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ﴾[القمر: ٤٦]. ومنهم من ذكر أنه[ ما ](٧) فعل بهم يوم بدر، ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمي أمة محمد ﷺ ما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( نصرت بالرعب مسيرة شهرين ) ( الطبراني في الكبير : ١١٠٥٦ ) ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب حتى تركوا الأسباب إلى رسول الله ﷺ وأصحابه للمحاربة مع كثرة شوكتهم وقلة أصحاب رسول الله ﷺ.
فهذا فعله بالمجرمين، وفي إلقاء الرعب ألطف آيات رسالته وأبين حجة عليها، إذ كان فيه ما بين لهم أن الذي أقعدهم عن القتال، وقذف في قلوبهم الرعب، أمر سماوي، لا غير، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: يخرج..
٣ في الأصل و م: واختلطت به..
٤ في الأصل و م: إلا..
٥ انظر إلى ما ذكر في مطلع تأويل الآية ٢٠..
٦ في الأصل و م: مجرمي..
٧ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:29
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦):
وهم قوم نوح - عليه السلام - وقوم عاد وثمود.
(ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧):
قوم فرعون اللعين وقوم لوط - عليه السلام - وغيرهم.
(كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨):
قيل: مجرمي هذه الأمة.
ثم اختلف في وقت فعله:
فمنهم من يقول بأن هذا الإهلاك في الآخرة، لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
ومنهم من ذكر أنه فعل بهم يوم بدر.
ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمي أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، ألقى اللَّه تعالى في قلوبهم الرعب؛ حتى تركوا الانتداب إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه للمحاربة، مع كثرة شوكتهم، وقلة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فهذا فعله بالمجرمين، وفي إلقاءه الرعب ألطف آيات رسالته، وأبين حجة عليها إذ كان فيه ما ينبههم أن الذي أقعدهم عن القتال، وقذف في قلوبهم الرعب أمر سماوي لا غير، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)، معناه - واللَّه أعلم -: إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب اللَّه تعالى، وهم كانوا يكذبون بالبعث وبالعذاب، لكن يقال لهم هذا بعد البعث؛ فهو منصرف إلى ما ذكرنا من العذاب.
وقوله - عز وبخل -: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠):
ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم؛ فيظنون أنه ظل؛ فينطلقون إليه؛ رجاء أن ينتفعوا به.
المرسلات 77:30
الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب﴾ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم، فيظنون أنه ظل فيستظلون إليه رجاء أن ينتفعوا به.
وقوله تعالى :﴿ذي ثلاث شعب﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون أصله واحدا، ثم تنشعب منه شعب ثلاث.
[ والثاني ](١) : جائز أن يكون في الأصل[ ذا شعب ](٢) ثلاث، تأتي كل شعبة من ناحية، ثم تجتمع، فتصير شيئا واحدا.
١ في الأصل و م: و..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
المرسلات 77:31
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أصله واحدا، ثم يتشعب منه شعب ثلاث:
وجائز أن يكون في الأصل ذا شعب ثلاث تأتي كل شعبة من ناحية، ثم تجتمع، فتصير شيئا واحدا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١):
أي: لا ينتفعون به ما ينتفع بالظل في الدنيا؛ لأن ظل الدنيا يهرب إليه لدفع الحر، أو ليسكن فيه؛ لأن ظل البيت مما يسكن فيه، وظل الشجر والحيطان؛ ليأووا إليه؛ للتروح، وذلك الظل لا يغني عنهم في الآخرة في دفع الحرارة ولا في غيرها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ):
جائز أن يكونوا هربوا إلى ذلك الظل من اللهب؛ فيخبر أن ذلك الظل لا يدفع عنهم، أذى اللهب.
وجائز أن يكون اللهب في ذلك الظل، ويكون كثافة الظل ساترة عما فيها من اللهب؛ فيخبر أن سترها لا يمنع اللهب عن أن يمسهم إذا انضموا إلى الظل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ (٣٢) مفتوحة الصاد:
فالقراءة المعروفة قيل: يراد بالقَصْر: المعروف المبنى باللبن والخشب.
وقيل: يراد بها قصور أهل البادية، وهي أن خيام.
ومن قرأ بالنصب اختلفوا في تأويله:
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (كالقَصَر) قصر النخل؛ الواحدة: قصرة، وذلك أن النخلة تقطع قدر ثلاثة أذرع وأقصر وأطول، يستوقدون بها في الشتاء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو أصل النخل المقطوع المنقعر من الأرض.
وقيل: هو أعناق النخيل.
وقيل: القصرة: اسم الخشبة التي تقطع عليها اللحوم، وتكسر العظام، تكون للقصابين.
المرسلات 77:32
الآية ٣٢ : وقوله تعالى :﴿إنما ترمي بشرر كالقصر﴾ ومفتوحة الصاد(١) ؛ فالقراءة المعروفة : قيل : يراد بالقصر المعروف المبني باللبن والخشب، وقيل : يراد بها قصور أهل البادية، وهي الخيام.
ومن قرأ بالنصب اختلفوا في تأويله : عن ابن عباس رضي الله عنه[ أنه قال ](٢) كالقصر قصر النخل، والواحدة قصرة ؛ وذلك أن النخلة تقطع قدر ثلاثة أذرع، وأقصر وأطول يستوقدون بها في الشتاء.
وقال بعضهم : هو أصل النخل المقطوع المنقعر من الأرض، وقيل : هو أعناق النخيل، وقيل : القصرة اسم الخشبة التي تقطع عليها اللحوم، وتكسر العظام، تكون للقصابين.
وعن الحسن أنه قرأ مخففة كالقصر غير أنه : فسرها : أي الجزل من الخشب، الواحدة قصرة كقولك : ثمرة وثمر، والله أعلم.
وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه الشرر في الدنيا، لا يأخذ مكانا، بل يتبين، ثم ينطفئ، ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام وبعضها كالقصور وبعضها كأصول الأشجار.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٨/ ٣٨..
٢ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:33
وعن الحسن أنه قرأ مخففة (كالقَصْر)؛ غير أنه فسرها: أي: الجزل من الخشب؛ الواحد: قصرة؛ كقولك: تمرة وتمر، واللَّه أعلم.
وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه سائر الشرر في الدنيا؛ لأن شرر الدنيا لا يأخذ مكانا؛ بل يتبين ثم ينطفئ.
ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام، وبعضه كالقصور، وبعضه كأصول الأشجار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) قرئ: [(جِمَالَتٌ صُفْرٌ) جماعة الجمل]، وقرى: (جِمَالَاتٌ) جمع جمالة.
والصفر: قيل: السود، وإنما سميت السود: صفرا؛ لأن السود تعلوها الصفرة في الإبل، فتسمى بهما؛ يدلك قول القائل عليه:
تلك حبلى منه وتلك ركابي؍ هن صفر أولادها كالزبيب؍
شبه الشرر بالقصر، والقصر بالجمالة، وهي الإبل السود.
وقرئ (جِمَالَاتٌ) برفع الجيم، وهي حبال السفن تمد، ثم إذا ضمت تكون كأوساط الرجال؛ فشبه الشرر بالحبال الممدودة الصفر عند الامتداد وعند الانضمام كأوساط الرجال؛ فتكون كالقصر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) جائز أن يكون معناه: أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى اللَّه تعالى، فعاملهم في الآخرة حسب معاملتهم اللَّه تعالى في الدنيا، وهو كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)، وقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) الآية.
ومنهم من يقول: لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها.
ويحتمل: أي: لا ينطقون بحجة؛ بل يكذبون؛ كقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).
المرسلات 77:34
الآيتان٣٤و٣٥ : وقوله تعالى :[ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ فجائز أن يكون معناه : أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى الله تعالى، فعاملهم[ الله تعالى في الآخرة حسب معاملتهم إياه ](٢) وهو كقوله تعالى :﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾[الحشر: ١٩] وقوله تعالى :﴿قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا﴾[طه: ١٢٥].
ومنهم من يقول : لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها. ويحتمل أي لا ينطقون بحجة، بل يكذبون كقوله :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣].
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: الله تعالى، في م: في الآخرة حسب معاملتهم الله تعالى..
المرسلات 77:35
الآيتان٣٤و٣٥ : وقوله تعالى :[ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ فجائز أن يكون معناه : أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى الله تعالى، فعاملهم[ الله تعالى في الآخرة حسب معاملتهم إياه ](٢) وهو كقوله تعالى :﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾[الحشر: ١٩] وقوله تعالى :﴿قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا﴾[طه: ١٢٥].
ومنهم من يقول : لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها. ويحتمل أي لا ينطقون بحجة، بل يكذبون كقوله :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣].
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: الله تعالى، في م: في الآخرة حسب معاملتهم الله تعالى..
المرسلات 77:36
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦):
ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به، ولكن معناه: أنه لا عذر لهم؛ ليقبل منهم، وهو كقوله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، معناه: أنه لا شفيع لهم، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم، وإذا لم يكن لهم عذر، فهم لا يعتذرون بعذر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فيه إخبار أنه لا يخص بالبعث فريقا دون فريق، بل يجمع الخلائق كلهم، ثم يفصل بينهم؛ فينزل كلا منزلته التي استوجبها (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).
وقيل: هو يوم الحكم؛ فجائز أن يكون سمي به؛ لما يختصم فيه أهل المذاهب؛ فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩):
جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة: أن كيدوا حتى تنجوا أنفسكم مما نزل بكم؛ أي: إن كانت لكم حيل تحتالون بها فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس على ما عليه أمر الدنيا: أنهم يحتالون ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات.
ويحتمل أن قيل لهم هذا في الدنيا، أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يعارضهم بهذا فيقول لهم: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) في قتلي أو إخراجي من بين أظهركم، كما قال هود - عليه السلام - لقومه: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ)، فعجزهم عن ذلك يظهر لهم آية رسالته، وحجة نبوته؛ إذ خوف الأعداء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة؛ بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ)، فالمتقون: هم الذين اتقوا عذاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، وقال في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) وقال: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فهذا هو التقوى. ثم إن أهل التوحيد أقروا بالعذاب، فاجتهدوا في اتقائه، فقيل لهم: انطلقوا إلى ظلال وعيون؛ وأهل النار كانوا مكذبين بالعذاب، فقيل لهم: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)، من العذاب.
ثم أخبرنا بالوجه الذي يقع به الاتقاء فقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، وأمرنا بالانتصاب لمحاربته، ثم علمنا وجه المحاربة بقوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، وقال: - تعالى -: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)، وقال: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فألزمنا الفزع إليه، وبين أنا لا نقوى على محاربته إلا بالابتهال إليه والفزع.
ثم يحتمل أن يكون الاتقاء هاهنا منصرفا إلى التصديق خاصة؛ لأنه ذكر الاتقاء هاهنا مقابل التكذيب في الأولين.
وجائز أن يكون منصرفا إلى المصدقين بالأقوال، والموفين بالأعمال؛ فالمتقي: هو الذي اتقى إساءة صحبة نعم اللَّه تعالى فوقاه اللَّه - تعالى - شر يوم القيامة، مجازاة له، والمحسن: هو الذي أحسن صحبة نعمه، فأحسن اللَّه منقلبه، وأحله بدار كرامته، في ظلال وعيون وفواكه.
أو المتقي: هو الذي وقى نفسه عن المهالك، فوقاه اللَّه تعالى يوم القيامة، والمحسن: هو الذي أحسن إلى نفسه، وهو الذي استعملها في طاعة اللَّه تعالى؛ فأحسن اللَّه إليه بما أنعم عليه من الظلال والعيون.
ثم أخبر أنهم في ظلال؛ لأن الظلال مما ترغب إليه الأنفس في الدنيا؛ لأنها تدفع عنهم أذى الحر والبرد وأذى المطر والرياح، وغير ذلك، وظلال الأشجار والحيطان تدفع أذى الحر، وظلال البنيان تدفع أذى الحر والبرد والمطر، وهي لا تحول - أيضا - بين المرء والأشياء، عن أن يدرك حقائقها؛ فعظمت النعمة في الظلال، ووقعت إليها الرغبة في الدنيا، فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ)، وقال تعالى: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ)، ثم الأنفس إذا أوت أوت إلى الظلال، اشتهت ما تتمتع به الأبصار، وأعظم ما تتلذذ به الأبصار أن يكن نظرها إلى المياه الجارية؛ فأخبر أنهم في ظلال وعيون.
المرسلات 77:37
الآيتان ٣٦و٣٧ : وقوله تعالى :﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به، ولكن معناه : أنه لا عذر [ لهم ](٢) ليقبل منهم، وهو كقوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾[المدثر: ٤٨] معناه : أنه لا شفيع لهم، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم، وإذا لم يكن عذر[ لهم فهم ](٣) لا يعتذرون بعذر.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: لهم، في م: فهم..
المرسلات 77:38
الآية ٣٨ : وقوله تعالى :﴿هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين﴾ ففيه إخبار أنه لا يخص بالبعث فريقا دون فريق، بل يجمع الخلائق كلهم، ثم يفصل بينهم، فينزل كلا منزلته التي استوجبها﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧].
وقيل : هو يوم الحكم، فجائز أن يكون سمّي به لما يختصم فيه أهل المذاهب، فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل، والله أعلم.
المرسلات 77:39
الآيتان ٣٩و٤٠ : وقوله تعالى :﴿فإن كان لكم كيد فكيدون﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة : أن كيدوا حتى تنجوا بأنفسكم مما نزل بكم، أي إن كانت لكم حيل(١) تحتالون بها، فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ[ يدل ](٢) على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس ما عليه أمر الدنيا أنهم يحتالون، ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات.
ويحتمل أن قيل لكم هذا في الدنيا[ حين ](٣) أمر رسول الله ﷺ أن يعارضهم بهذا، فيقول لهم :﴿فإن كان لكم كيد فكيدون﴾ بقتلي(٤) أو إخراجي من بين أظهركم كما قال هود عليه السلام :﴿من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾[هود: ٥٥].
فعجزهم عن ذلك يظهر لهم[ صدق ](٥) رسالته وحجة نبوّته ؛ إذ حرف الإغراء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة، بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور.
١ في الأصل و م: حيل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ الباء ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:40
الآيتان ٣٩و٤٠ : وقوله تعالى :﴿فإن كان لكم كيد فكيدون﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة : أن كيدوا حتى تنجوا بأنفسكم مما نزل بكم، أي إن كانت لكم حيل(١) تحتالون بها، فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ[ يدل ](٢) على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس ما عليه أمر الدنيا أنهم يحتالون، ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات.
ويحتمل أن قيل لكم هذا في الدنيا[ حين ](٣) أمر رسول الله ﷺ أن يعارضهم بهذا، فيقول لهم :﴿فإن كان لكم كيد فكيدون﴾ بقتلي(٤) أو إخراجي من بين أظهركم كما قال هود عليه السلام :﴿من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾[هود: ٥٥].
فعجزهم عن ذلك يظهر لهم[ صدق ](٥) رسالته وحجة نبوّته ؛ إذ حرف الإغراء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة، بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور.
١ في الأصل و م: حيل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ الباء ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:41
الآية ٤١ : وقوله تعالى :﴿إن المتقين في ظلال وعيون﴾ فالمتقون هم الذين اتقوا عذاب الله تعالى، قال الله تعالى :﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾[آل عمران: ١٣١] وقال في آية أخرى :﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾[التحريم: ٦] وقال :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١] فهذا هو التقوى.
ثم إن أهل التوحيد أقروا بالعذاب، فاجتهدوا في اتقائه، فقيل لهم : انطلقوا إلى ظلال وعيون، وأهل النار كانوا مكذبين بالعذاب / ٦٢٢ – أ/ فقيل لهم :﴿انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون﴾[ الآية : ٢٩ ] من العذاب.
ثم أخبرنا بالوجه الذي يقع به الاتقاء، فقال :﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾[فاطر: ٦] وأمرنا بالانتصاب لمحاربته، ثم علمنا وجه المحاربة بقوله :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾[الأعراف: ٢٠٠] وقوله(١) :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾[المؤمنون: ٩٧] وقوله(٢) :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾[البقرة: ٢٠١] فألزمنا الفزع إليه، وبين أنا لا تقوى على[ محاربة الشيطان ](٣) إلا بالابتهال إليه والفزع.
ثم يحتمل أن يكون الاتقاء ههنا منصرفا إلى التصديق خاصة لأنه ذكر الاتقاء ههنا مقابل التكذيب في الأولين. وجائز أن يكون منصرفا إلى المصدقين بالأقوال والموقنين بالأعمال ؛ فالمتقي هو الذي اتقى إساءة صحبة نعم الله تعالى، فوقاه الله تعالى شر يوم القيامة مجازاة له، والمحسن هو الذي أحسن صحبة نعمه، فأحسن الله مُنقلبه، وأحله بدار كرامته في ظلال وعيون وفواكه، والمتقي هو الذي وقى نفسه عن الهلاك، فوقاه الله تعالى يوم القيامة، والمحسن هو الذي أحسن إلى نفسه، وهو الذي استعملها في طاعة الله تعالى[ فأحسن ](٤) إليه بما أنعم عليه من الظلال والعيون.
ثم أخبر أنهم في ظلال، لأن الظلال مما ترغب إليه الأنفس في الدنيا لأنها تدفع عنهم أذى الحرّ والبرد والمطر، وهي لا تحول أيضا [ بين ](٥) أذى الرياح وغير ذلك، وظلال الأشجار والحيطان تدفع أذى الحر، وظلال البنيان تدفع أذى الحرّ والبرد والمطر، وهي لا تحول أيضا بين المرء والأشياء عن أن يدرك حقائقها، فعظمت النِّعمة في الظلال، ووقعت إليها الرغبة في الدنيا، فقال :﴿إن المتقين في ظلال وعيون﴾ وقال :﴿وظل ممدود﴾ ﴿وماء مسكوب﴾[ الواقعة : ٣٠و٣١ ].
ثم الأنفس إذا أوت إلى الظلال اشتهت أن تتمتع به الأبصار، وأعظم ما تتلذذ به الأبصار أن يكون نظرها إلى المياه الجارية، فأخبر أنهم في ظلال وعيون.
١ في الأصل و م: وقال الله..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ في الأصل و م: محاربته..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل وم: و.
المرسلات 77:42
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) أي: فواكه أيضا؛ فأخبر أن لهم فيها ما تتلذذ به الأبصار، وتتمتع به، وفيها ما تشتهى أنفسهم، وفيها ما يدفع عن أنفسهم الأذى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) لا تبعة عليكم من جهة السؤال، ولا تنغيص؛ أي: لا يؤذيهم ما يأكلون ويشربون، فالهنيء الذي لا تبعة على صاحبه، ولا تنغيص فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) فسمى المتقي: محسنا؛ لأنه بدأ بذكر المتقين، وذكر ما أعد لهم، ثم أخبر أنهم جوزوا بإحسانهم؛ فيكون فيه دلالة على أن الاتقاء متى ذكر على الانفراد يقتضي إتيان المحاسن والاتقاء عن المهالك.
* * *
قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).
ثم رجع إلى المكذبين، فقال: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ)، فهذا في الظاهر أمر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل، عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى عذاب اللَّه تعالى.
وقوله - تعالى -: (إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) قد ذكرنا أن المجرم هو الوثاب في المعاصي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) أي: إذا قال لهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: اركعوا؛ أي: اخضعوا، واستسلموا لله - تعالى - امتنعوا عن ذلك؛ استكبارا منهم على الرسل، وإعراضا عن النظر في حجج اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) أي: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ يصدقون بعد حديث اللَّه - تعالى - الذي لا حديث أصدق منه، وأقوى في الدلالة.
وجائز أن يكون هذا على تسفيه عقولهم وأحلامهم، وهو أنهم يمتنعون عن التصديق بحديث اللَّه تعالى؛ إذ لا حديث أصدق منه، ثم يصدقون الأحاديث الكاذبة والأباطيل المزخرفة، واللَّه أعلم بالصواب، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
المرسلات 77:43
الآية ٤٣ : وقوله تعالى :﴿كلوا واشربوا هنيئا﴾ لا تبعة لكم من جهة السؤال، ولا تنغيص، أي لا يؤذيهم ما يأكلون، ويشربون ؛ فالمعنى هو الذي لا تبعة على صاحبه، ولا تنغيص فيه.
المرسلات 77:44
الآية ٤٤ : وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ فسمّى المتقي محسنا لأنه بدأ بذكر المتقين، وذكر ما أعدّ لهم، ثم أخبر أنهم جزوا ذلك بإحسانهم، فيكون فيه دلالة على أن الاتقاء متى ذكر على الانفراد يقتضي إتيان المحاسن والاتقاء عن المهالك.
المرسلات 77:45
الآيات ٤٥و٤٦ و٤٧ : ثم رجع إلى المكذبين، فقال :[ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾(٢) فهذا بالظاهر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل ؛ عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى عذاب الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿إنكم مجرمون﴾ قد ذكرنا أن المجرم، هو الوثّاب في المعاصي.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل وم.
المرسلات 77:46
الآيات ٤٥و٤٦ و٤٧ : ثم رجع إلى المكذبين، فقال :[ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾(٢) فهذا بالظاهر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل ؛ عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى عذاب الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿إنكم مجرمون﴾ قد ذكرنا أن المجرم، هو الوثّاب في المعاصي.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل وم.
المرسلات 77:47
الآيات ٤٥و٤٦ و٤٧ : ثم رجع إلى المكذبين، فقال :[ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾(٢) فهذا بالظاهر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل ؛ عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى عذاب الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿إنكم مجرمون﴾ قد ذكرنا أن المجرم، هو الوثّاب في المعاصي.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل وم.
المرسلات 77:48
الآيتان ٤٨و٤٩ : وقوله تعالى :﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) أي إذا قال لهم الرسول عليه السلام﴿اركعوا﴾ أي اخضعوا، واستسلموا لله تعالى، امتنعوا عن ذلك استكبارا منهم على الرسل وإعراضا عن النظر في حجج الله تعالى.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:49
الآيتان ٤٨و٤٩ : وقوله تعالى :﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [ ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ ](١) أي إذا قال لهم الرسول عليه السلام﴿اركعوا﴾ أي اخضعوا، واستسلموا لله تعالى، امتنعوا عن ذلك استكبارا منهم على الرسل وإعراضا عن النظر في حجج الله تعالى.
١ ساقطة من الأصل و م..
المرسلات 77:50
الآية ٥٠ : وقوله تعالى :﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ أي فبأي حديث يصدقون بعد حديث الله تعالى الذي لا حديث أصدق منه وأقوى في الدلالة ؟.
وجائز أن يكون هذا على تسفيه عقولهم وأحلامهم، وهو أنهم يمتنعون عن التصديق بحديث الله تعالى، إذا لا حديث أصدق منه، ثم يصدقون الأحاديث الكاذبة والأباطيل المزخرفة، والله أعلم بالصواب[ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ](١).
١ من م، ساقطة من الأصل..
النبأ 78:1
سُورَةُ النَّبَإِ، وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) اختلف في التساؤل:
فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟
ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من اللَّه تعالى أو ليس من الله تعالى؟
أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟
وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال اللَّه - تعالى - خبرا عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)؟.
ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.
فإن كان السؤال عن حال الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم - أنه شاعر، وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ساحر، وقَالَ بَعْضُهُمْ: مفتر كذاب، وادعى بعضهم أنه مجنون. وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.
وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سُئلوا.
ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.
ثم في قوله - تعالى -: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) جواب عما سبق من السائل؛ فإن كان السائل عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.
والأصل فيه أن اللَّه - تعالى - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، فيضطرهم ذلك إلى من يبين لهم، واحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة؛ فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.
وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن اللَّه - تعالى - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخلق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحدا لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي له يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.
النبأ 78:3
الآية ٣ :[ وهو قوله تعالى :﴿الذي هم فيه مختلفون﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل و م..
النبأ 78:4
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥):
منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.
وجائز أن يكون قوله: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) على علم دلالة، وقوله - تعالى -: (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) على علم المشاهدة والعيان.
ثم قوله - تعالى -: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) أي: بساطا، (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها اللَّه - تعالى - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.
وقيل: (أَزْوَاجًا): فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.
وقيل: (أَزْوَاجًا)، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) قيل: السبات: التمدد.
وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.
وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.
ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص
النبأ 78:6
الآية ٦ : ثم في قوله تعالى :﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾ جواب عما سبق من المسائل : فإذا كان السائل عن أمر الرسالة فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل(١) عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث وإلى أمر التوحيد أو القرآن.
والأصل فيه أن الله تعالى بما ذكر من مهاد الأرض وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم ليستأدي منهم الشكر. وإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر احتاجوا إلى من يعرفهم بما به يشكر الله تعالى، وكيف يؤدى شكره، إذ لا يعرف في كل وجه شكرها إلا بالتوفيق، فيضطرهم ذلك إلى من يبين لهم، واحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد محل الشكر(٢) ومحل الكفر(٣) ومحل الولاية(٤) ومحل المعاداة(٥) ؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمنّ على الأولياء وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث ليظهر به منزلة الشكور والكفور.
وفي ذكر هذه النعم أيضا دلالة الوحدانية لأن الله تعالى مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخلق، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل/ ٦٢٢ – ب/ سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء.
فلو لم يكن مدبرهما واحدا لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي يقع له إحياء الأشياء بالماء لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات لم يقفوا عليه، فيكون في ما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.
وقوله تعالى :﴿كلا سيعلمون﴾﴿ثم كلا سيعلمون﴾فمنهم من ذكر[ أنّ ](٦) هذا وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد مما يكرره العرب في ما بينهم للتأكيد [ كما قال ](٧) :﴿* هيهات هيهات لما توعدون﴾[المؤمنون: ٣٦] وقال :(٨)﴿أولى لك فأولى﴾﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ القيامة : ٣٤و٣٥ ].
وجائز أن يكون قوله :﴿كلا سيعلمون﴾ على علم دلالة، وقوله تعالى :﴿ثم كلا سيعلمون﴾ على علم المشاهدة والعيان.
١ في الأصل و م: يحتمل..
٢ في الأصل و م: الشكور..
٣ في الأصل و م: الكفور..
٤ في الأصل و م: الوالي..
٥ في الأصل و م: المعادي..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: كما يقال..
٨ في الأصل و م: و..
النبأ 78:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾ أي بساطا﴿والجبال أوتادا﴾ ذكر أن الأرض لمّا خلقت ما بدت لأهلها، فأرساها الله تعالى بالجبال لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا﴾﴿فيذرها قاعا صفصفا﴾﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ ؟ [ طه : ١٠٥إلى ١٠٧ ] فقد جعلناها(١) في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال، فثبت أنها ليست بسبب الإرساء في التحقيق. ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.
١ في الأصل و م: جعلنا..
النبأ 78:8
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿وخلقناكم أزواجا﴾ قيل : ألوانا، فيكون في هذا إبطال[ لحكم تقوله القائفة ](١) لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها. ولو كان الأمر على ما قدروا لارتفع الاختلاف في الألوان، فيكون الخلق كلهم على لون واحد.
وقيل :﴿أزواجا﴾ فرقا شتّى ليعرف كل منهم عنصره ومنتهى أصله. وقيل :﴿أزواجا﴾ أي جعل لكل أحد شكلا من جنسه.
١ في الأصل و م: الحكم يقوله القائف..
النبأ 78:9
الآية ٩ : وقوله تعالى :﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ قيل : السبات التمدد/ وقيل : السبات النوم الذي لا حركة فيه. ولهذا قيل للذي شبيه بالميت : مسبوت، وقيل : السبات الراحة، ولذلك سمّي [ يوم السبت سبتا ](١) لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.
ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره ؛ إذ لا يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه، بل يقهر الجبابرة، فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص منه بالحيل والأسباب.
ثم النوم من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة، ومن شأن هذا الإنسان أنه إذا حمل الحمل الثقيل مسه من ذلك فتور وكلال، لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه، بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة. فمن تدبر في أمر النوم دله على عظم شأنه وعجائب تدبيره.
١ في الأصل و م: السبت..
النبأ 78:10
عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأنه وعجائب تدبيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل لباس الليل عمل اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اللباس: السكن؛ كما قال في آية أخرى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)، وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) فكان السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.
وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.
وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ)، أي: ريح.
النبأ 78:11
الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿وجعلنا النهار معاشا﴾ أي يتعيش فيه لا أن يكون نفسه معاشا كما سماه﴿مبصرا﴾[ يونس : ٦٧و. . . ] لما يبصر فيه لا أنه في نفسه مبصر(١).
١ في الأصل و م: مبصرا..
النبأ 78:12
الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿وبنينا فوقكم سبعا شدادا﴾ أي السماوات، فذكرهم هذا لينبههم إلى قدرته وسلطانه، فيعرفوا أنه قال :﴿إن ربك فعال لما يريد﴾[ هود : ١٠٧و. . . ] قادر على ما يشاء.
النبأ 78:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ فكان السراج، هو الشمس ههنا، جعلها تتوهج، وتتلألأ ما بين السماء والأرض.
النبأ 78:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا﴾ فمنهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشيء فيها القطر ؛ يقال للجارية التي دنت حيضتها : معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري، وقيل : سمي السحاب معصرا لأنه يعصر المطر، وقيل : ذوات الأعاصير، يعني الرياح كقوله :﴿فأصابها إعصار﴾[البقرة: ٢٦٦] أي ريح.
وعن الحسن : هي السماوات، وقال الزجاج : المعصر، هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه كما يقال : مجزر لما أتى وقت جزاره(١).
ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث.
فأما وجه تذكير النعم، وهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله تعالى بلطفه، يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على إثر بعض، لينتفع به(٢). ولو التصق بعضها، واتصل لم يقم لها شيء، وكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك. فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.
وفيه تذكير القوة الحكمة لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر إليه(٣).
ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب، لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك[ من ](٤) السحاب نفسه لكان أين ما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دخلت في الثقب أرسل السحاب ما أنشأ فيه من القطر.
فإذا لم يوجد ذلك بأن[ أن ](٥) الله تعالى بحكمته وقدرته ولطفه، هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله لا أن يكون ذلك عمل السحاب. ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه. فذكرهم ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر[ وقدرته غير ](٦) مقدرة بقوى البشر، بل هو قادر على ما يشاء﴿فعال لما يريد﴾[ هود : ١٠٧و. . . ].
وفيه أن تدبير السماء والأرض والهوي يرجع إلى الواحد القهار ؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه. والثجاج القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثلج الصب والإراقة.
١ في الأصل و م: جواه..
٢ في الأصل و م: بها..
٣ في الأصل و م: هنالك..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: ولا قدرته..
النبأ 78:15
وعن الحسن: هي السماوات.
وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.
ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث:
فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم اللَّه - تعالى - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على أثر بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واتصل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.
وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دخلت في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ فيه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن اللَّه - تعالى - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.
وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.
والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب، والإراقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥):
جائِز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له [الحب - الحب]؛
النبأ 78:16
فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.
وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) الميقات: الميعاد؛ أي: وعد فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم.
وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين فيه مثوى الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان.
وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ؍ (١٨) قد ذكرناه فيما تقدم.؍
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا)، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول بحيالها.
وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله - تعالى -: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) منهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء اللَّه تعالى من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول القيامة.
ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ذلك اليوم.
وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر فيه نزول
النبأ 78:17
الآية ١٧ : وقوله تعالى :﴿إن يوم الفصل كان ميقاتا﴾ فالميقات الميعاد أي وعد فيه(١) جمع الأولين والآخرين صالحهم وطالحهم صغيرهم وكبيرهم، وسمي يوم الفصل لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداد، ويتبين فيه(٢) مثوى الفريقين جميعا.
واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر لأن الدنيا تمر على الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان. وقيل : يوم الفصل يوم الحكم.
١ في الأصل و م: فيها..
٢ في الأصل و م: فيها..
النبأ 78:18
الآية ١٨ : وقوله تعالى :﴿يوم ينفخ في الصور﴾ وقد ذكرناه في ما تقدم.
وقوله تعالى :﴿فتأتون أفواجا﴾ قيل : أمة[ فأمة ](١) تأتي أمة كل رسول بحيالها. وقيل : يقرن كل أحد بشيعته على ما يذكره في قوله تعالى :﴿وإذا النفوس زوجت﴾[التكوير: ٧]. / ٦٢٣ – أ /.
١ من م، ساقطة من الأصل..
النبأ 78:19
الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾ فمنهم من ذكر أنها تفتح لإنزال من شاء الله تعالى من الملائكة، وتنشق، وتنفطر لشدة هول القيامة، ومنهم من قال : إن الشق والفتح والانفطار كله واحد ؛ فذكر الفتح لشدة هول ذلك اليوم.
وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا، لأنه في ما ذكر، فيه نزول الملائكة بقوله :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾ [الفرقان: ٢٥].
النبأ 78:20
الملائكة بقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا).
وقوله - تعالى -: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠):
جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) منهم من ذكر أنها كانت في علم اللَّه - تعالى - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها.
وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له، وسخطها على من سخط اللَّه عليه.
وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو عنها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى حدود اللَّه تعالى، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه البيان؛ كما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: [(فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ)]، وقال: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، فلما لم يبين، ثبت أنه لا يرجع إلى حد، وإلى هذا ذهب الحسن.
ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبدًا فيها؛ كما قال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو النهاية من الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون.
النبأ 78:21
الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿إن جهنم كانت مرصادا﴾ منهم من ذكر أنها كانت في علم الله تعالى أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب، فتعذبه، ولا يمكنه الفرار عنها. وقيل : ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب، فتعذبه، وتقرب طواغيها له وسخطها على من سخط الله عليه. وقيل : معنى(١) المرصاد أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع فيها، والمؤمن ينجو منها.
١ في الأصل و م: معناه..
النبأ 78:22
الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿للطاغين مآبا﴾ أي مرجعا، والطاغي، هو الذي تعدى حد الله تعالى، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه.
النبأ 78:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿لابثين فيها أحقابا﴾ ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة لكان يأتي عليه البيان على منتهى يوم القيامة كقوله(١) :﴿في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾[السجدة: ٥] وقوله(٢) :﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾[المعارج: ٤] فلما لم يبين ثبت أنه لا يرجع إلى حد. وإلى هذا يذهب الحسن.
ومنهم من ذكر أن معناه أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر النهاية في الأوقات وما يكبر فيها كما قال :﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾[هود: ١٠٧] لأنهما هما اللتان عرفتا بالدوام، فاقتضى ذلك معنى الدوام. فكذلك ذكر ما هي النهاية من الأوقات، تعرف أنهم أبدا فيها يقيمون.
١ في الأصل و م: بقوله..
٢ في الأصل و م: وقال..
النبأ 78:24
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) فذكر بعضهم أن البرد هو النوم.
ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا) يقطع عنهم الحر، (وَلَا شَرَابًا) يقطع عطشهم، (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته، والغساق: الزمهرير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ فمعناه - واللَّه أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدون به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم؛ كما وصفهم اللَّه - تعالى -: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى)، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضي عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة.
وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع اللَّه تعالى عليه عباده.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم.
وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧):
منهم من ذكر أنهم لا يخافونه.
ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب.
والوجه فيه: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب.
فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها.
النبأ 78:25
الآية ٢٥ :[ وقوله تعالى :](١)﴿إلا حميما وغسّاقا﴾ فالحميم، هو الماء الذي انتهى في الحر نهايته، الغساق الزمهرير.
قال بعضهم : هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والرهومة، وهو الودك، فمعناه، والله أعلم، أن الذي يطعم(٢) به أهل النار(٣) يعذبهم، ولا يجدون به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم لا أن يقع(٤) لهم بذلك البرد راحة[ وشفاء لهم ](٥) كما وصفهم الله تعالى :﴿فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾[طه: ٧٤] [ بل يبقون ](٦) أبدا في الهلاك ؛ لا يقضى عليهم، فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب، فيتلذذوا(٧) بالحياة.
وقيل الغسّاق لون من العذاب، لم يطلع الله تعالى عباده[ عليه ](٨).
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ينطعم..
٣ أدرج بعدها في الأصل و م: لا..
٤ من م، في الأصل: يقطع..
٥ في الأصل و م: وشفاءهم..
٦ في الأصل و م: فيبقون..
٧ في الأصل و م: فيتلذذون..
٨ ساقطة من الأصل و م..
النبأ 78:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿جزاء وفاقا﴾ أي وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ولا يزادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم. وجائز أن يكون معناه أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث.
النبأ 78:27
الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابا﴾ فمنهم من ذكر أنهم لا يخافونه، ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي لم يكونوا يرجون الثواب.
والوجه أنهم كانوا قوما، لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب ويرجوا الثواب.
فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجون لما كذبوا به.
النبأ 78:28
الآية ٢٨ : وقوله تعالى :﴿وكذبوا بآياتنا كذابا﴾ فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد، والآيات : جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات الوحدانية وآيات الرسالة ونحوها.
النبأ 78:29
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩):
جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحدًا.
وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله تعالى: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا).
وقوله: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) الزيادة في العذاب هي دوامه وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز أن يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله: (فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا. وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا)، أي: مفازا عن أنواع العذاب التي ذكرت في الطاغين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) فالحدائق هي الأماكن التي أحاطت الأشجار بأطرافها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْنَابًا) ظاهر، وقد ذكرنا أنهم وعدوا في الآخرة بكل ما يقع لهم الرغبة في الدنيا.
ثم الأصل أن هذه السورة نزلت على إثر التساؤل بقوله تعالى: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)، فجائز أن يكون الذي حملهم على السؤال ما اعترض لهم من الشبه، أو خطر ببالهم، فسألوا؛ ليبين لهم، وتزول عنهم الشبه، فذكرهم عظم نعمه وعجائب تدبيره وقوته وسلطانه، ووعد أن من أمعن النظر فيها دلهم ذلك على بعثهم وإزاحة الإشكال عنهم بقوله: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)، وبين مآب من استقام على الصراط المستقيم، وسلك سبيله، وأخبر أن من لم ينعم النظر فيها، ولم يعط النصفة من نفسه
النبأ 78:30
الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ فالزيادة في العذاب هي(١) دوامه وبقاؤه، لا أن يزاد على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب، لأنه أخبر أنهم لا يجزون إلا مثله(٢). فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لم يجز أن يزادوا عليه، فثبت أن الزيادة في العذاب الدوام والبقاء.
وبهذا قال أصحابنا في تأويل قوله تعالى :﴿فزادتهم رجسا﴾[التوبة: ١٢٥] وفي كل ما ذكر(٣) من الزيادة أنه على الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد، وينقص.
١ في الأصل و م: هو..
٢ في الأصل و م: مثلها..
٣ في الأصل و م: ذكرت..
النبأ 78:31
الآية٣١ : وقوله تعالى :﴿إن للمتقين مفازا﴾ أي مفازا عن أنواع العذاب التي ذكرت في الطاغين.
النبأ 78:32
الآية ٣٢ : وقوله تعالى :﴿حدائق وأعنابا﴾ فالحدائق هي الأماكن التي أحاطت الأشجار بأطرافها. وقوله تعالى :﴿وأعنابا﴾ ظاهر. وقد ذكر أنهم وعدوا في الآخرة كل ما يقع لهم الرغبة في الدنيا.
ثم الأصل أن هذه السورة نزلت على إثر التساؤل بقوله تعالى :﴿عمّ يتساءلون﴾﴿عن النبإ العظيم﴾[ الآيتان : ١و٢ ] فجائز أن يكون الذي حملهم على السؤال ما اعترض لهم من الشبه أو خطر ببالهم، فسألوا، ليبين لهم، وتزول عنهم الشبه، فذكرهم عظم نعمه وعجائب تدبيره وقوته وسلطانه، ووعد أن من أمعن النظر فيها دلهم ذلك على بعثهم وإزاحة الإشكال عنهم بقوله :﴿كلا سيعلمون﴾﴿ثم كلا سيعلمون﴾[ الآيتان : ٤و٥ ] وبين مآب من استقام على الصراط المستقيم، وسلك سبيله، وأخبر أن من لم يمعن النظر فيها، ولم يعط النَّصَفة من نفسه، وضيعها، فمصيره إلى ما ذكر من قوله :﴿إن جهنم كانت مرصادا﴾﴿للطاغين مآبا﴾[ الآيتان : ٢١و٢٢ ] وسيعلم ذلك بقوله :﴿كلا سيعلمون﴾﴿ثم كلا سيعلمون﴾[ الآيتان : ٤و٥ ].
النبأ 78:33
وضيعها، فمصيره إلى ما ذكر من قوله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا)، ، وسيعلم ذلك بقوله: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)، إن حمل هذا على الوعيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) قيل: الكاعب: هي التي تكعب ثدياها، وذلك حين تبلغ أن تحيض، وهي ناهد، وهي أشهى ما يكون إلى الرجال.
والأتراب المستويات في السن؛ ففي هذا إنباء أنهن يكن أبدا على سن واحد، لا يتغيرن عن تلك الحال، ولا يهرمن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) قيل: ملآنا.
وقيل: صافيا.
وقيل: متتابعا.
فوصفه بالملآن؛ ليعلم أن ذلك الشراب لا ينقص ما داموا يشربون؛ خلافا لما عليه شراب أهل الدنيا.
ومن حمله على الصفاء، فمعناه: أنه صاف عن الآفات والمكروه التي تكون في شراب أهل الدنيا من التصديع وإذهاب العقل، وغير ذلك.
ومن حمله على التتابع، فمعناه: أن ذلك الشراب لا ينقطع، ولا ينفد ما داموا في شربه، بل يتتابع عليهما، ولا يحدث فيهم حال تمنعهم عن الشرب من السكر وغيره؛ فيمتنعوا عن شربه؛ خلافا لشرب أهل الدنيا.
وروي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: " كنا إذا استحثثنا الساقي في الجاهلية، قلنا: داهق لنا "، أي: تابع لنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) أي: لا يسمعون فيها ما يحق أن يلغى، بل يسمعون فيها كل خير، والذي يحق أن يلغى ما ذكروا من الحلف والباطل والكذب؛ فلا يسمعون شيئا من ذلك كما يسمع من أهلها في الدنيا إذا شربوها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كِذَّابًا) إن قرئ بالتخفيف فهو من الكذب؛ أي: لا يكذبون.
وإن قرئ بالتشديد فهو من التكذيب؛ أي: لا يكذب بعضهم بعضا؛ فكان معناه: أن
النبأ 78:34
الآية ٣٤ : وقوله تعالى :﴿وكأسا دهاقا﴾ قيل : ملآن، وقيل : صافيا، وقيل : متتابعا. فوصفه بالملآن ليعلم أن ذلك الشراب، لا ينقص ما داموا يشربون خلافا لما عليه شراب أهل الدنيا.
ومن حمله على الصفاء فمعناه : أنه صاف من الآفات والمكروهات(١) التي تكون في شراب أهل الدنيا من التصديع وإذهاب العقل وغير ذلك.
ومن حمله على التتابع فمعناه : أن ذلك الشراب، لا ينقطع، ولا ينفذ، ماداموا في شربه، بل يتتابع عليهم، ولا يحدث فيهم حال، يمنعهم عن الشرب من السكر وغيره، فيمتنعوا عن شربه خلافا لشراب أهل الدنيا.
وروي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال : كنا إذا استحثثنا الساقي في الجاهلية قلنا : داهق لنا، أي تابع لنا.
١ في الأصل و م: والمكروه..
النبأ 78:35
الآية ٣٥ : وقوله تعالى :﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا﴾ أي لا يسمعون فيها ما يحق أن يلغى، بل يسمعون فيها كل خير. والذي يحق أن يلغى ما ذكروا من الخلف/ ٦٢٣ – ب/ والباطل والكذب، فلا يسمعون شيئا من ذلك كما يسمع في أهلها في الدنيا إذا شربوها.
وقوله تعالى :﴿كذابا﴾ [ قرئ بالتخفيف ؛ فهو إن قرئ بالتخفيف، فهو من ](١) الكذب أي لا يكذبون، وإن قرئ بالتشديد فهو من التكذيب، أي لا يكذبون بعضهم بعضا كما يوجد في شراب أهل الدنيا.
وقوله تعالى :﴿فيها﴾ في الجنة.
ثم قوله تعالى :﴿كذابا﴾ قرأ بعضهم بالتخفيف في الموضعين : ههنا وفي﴿وكذبوا بآياتنا كذابا﴾[ الآية : ٢٨ ] وقرأ[ بعضهم ](٢) بالتشديد في الموضعين، وقرأ بعض القراء بالتشديد في الأول وبالتخفيف في الثاني(٣).
وعن الكسائي أنه قال : بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية ؛ يقولون : كذّبه تكذيبا وكذابا، وخربه تخريبا[ وخرابا ](٤) ونحو ذلك، والله أعلم.
١ في الأصل: قرئ بالتخفيف فهو أن، في م: أن قرئ بالتخفيف فهو من، انظر معجم القراءات القرآنية ج ٨/٤٩..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٨/٤٨..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
النبأ 78:36
ذلك الشراب لا يعمل فيهم هذا العمل؛ حتى يحملهم على الكذب والتكذيب؛ كما يوجد في شراب أهل الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا) أي: في الجنة.
ثم قوله: (كِذَّابًا) قرأه بعضهم بالتخفيف في الموضعين هاهنا وفي: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا)، وقرئ بالتشديد في الموضعين، وقرأه بعض القراء بالتشديد في الأول، وبالتخفيف في الثاني.
وعن الكسائي أنه قال: بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية؛ يقولون: كذبه تكذيبا وكذابا، وخربه تخريبا وخرابا، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) قوله: (جَزَاءً)، أي: جزاهم، و (عَطَاءً): أعطاهم، و (حِسَابًا): حاسبهم.
وقال الحسن: جزاهم بأعمالهم، أي: زادهم على القدر الذي استوجبوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أعطاهم عطاء كثيرا حتى قال كل واحد منهم: حسبي، حسبي.
والذي يؤيد هذا التأويل ما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه كان يقرأ: [(جزاء من ربك عطاء حَسَنًا)].
وقَالَ بَعْضُهُمْ: جزاء بأعمالهم التي كتبت الحفظة، وأحصتها عليهم، وأعطى عطاء حسابا؛ أي: كثيرا؛ جزاء لما أخفوا من أعمالهم التي لم يطلع عليها ملائكة، فأعطاهم عطاء بينا ظاهرا يعرفه الناس.
وجائز أن يكون الجزاء عطاء من ربه، لا أنه يستوجب الجزاء؛ لما ذكرنا أنه لا أحد من هذا البشر إلا وقد سبقت له من اللَّه - تعالى - نعم، لو أنفذ جميع عمره في أداء شكره منها، لم يصل إلى كنه ما عليه من الشكر؛ إذ من قام بالشكر، ووفق عليه، زيد له - أيضا - في النعم؛ لمكان الشكر، فإذا وصل إلى جزاء عمله في الدنيا، لم يستوجب به المزيد؛ فثبت أن الجزاء في الآخرة بحق الإفضال من اللَّه تعالى والإنعام، لا بحق الاستيجاب؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ...) الآية، فسمى الكرامة: إنعاما، وقال في آية أخرى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)، فجعل ما آتاهم من النعيم فضلا منه؛ فثبت أن الذي جزاهم به عطاء من ربه حساب، أي: كثير.
النبأ 78:37
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا... (٣٧) فالرب: المالك، فذكر أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما؛ ليعلموا أنه لم يمتحن أحدا بعبادته لحاجة تقع له، أو لمنفعة تصل إليه، بل هو الغني، وله ما في السماوات وما في الأرض، وأن منفعة ما امتحنوا به من العبادات راجعة إلى أنفسهم إذا وفوا بها، وإذا لم يقوموا بأدائها كان الضرر راجعا إليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنِ) بين أنه رحمن؛ ليرغبوا في رحمته، ويتسارعوا إلى مغفرته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) هيبة من اللَّه تعالى، وتعظيما لحقه؛ فلا يملكون من هيبته الخطاب بالشفاعة أو بالخصومة أو بأي شيء كان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا... (٣٨) اختلف في الروح:
فمنهم من قال: هو جبريل، عليه السلام.
ومنهم من صرفه إلى أرواح المسلمين.
ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة.
وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء، كما قال: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ)؛ فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع حقها ونبذها وراء ظهره، وشافعة لمن أدى حقها، وعمل بما فيها.
ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر؛ قال اللَّه تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)، جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع؛ أي: الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة اللَّه تعالى لا يزيله عن التكلم بالحق؛ بل اللَّه تعالى يثبته على الحق، ويجري على لسانه الصواب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معناه: لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق.
وقيل: معناه: أنه لا ينال من الشفاعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب،
النبأ 78:38
الآية ٣٨ : وقوله تعالى :﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ اختلف في الروح ؛ فمنهم من قال : هو جبريل عليه السلام، ومنهم من صرفه إلى أرواح المسلمين، ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة، يرون الملائكة، ولا يراهم الناس.
وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء كما قال :﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره﴾[النحل: ٢] فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع حقها، أو نبذها وراء ظهره، وشافعا لمن أدى حقها، وعمل بما فيها.
ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر ؛ قال الله تعالى :﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥].
وقوله تعالى :﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ جائز أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع أي الشافع لا يقول في ما يشفع غير الصواب، وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله تعالى لا يزيله عن التكلم بالحق بل الله تعالى يثبته على الحق، ويجري على لسانه الصواب.
قال بعضهم :{ معناه : لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق، وقيل : معناه : أنه لا ينال من الشفاعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب ؛ والصواب أن يكون مقيما في ما دان به من التوحيد.
وذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مرّ بمجنونة، وهي تدعو، فتقول : اللهم اجعلني من أهل شفاعة محمد ﷺ فقال لها : قولي : اللهم اجعلني من رفقاء محمد ﷺ في الجنة، فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
قال رضي الله عنه : وبهذا الفضل يعارضنا المعتزلة، فنقول : إذا قلتم : اللهم اجعل لنا من شفاعة محمد نصيبا فقد قلتم : اللهم اجعلنا ممن يرتكب الكبائر ؛ إذ شفاعته في زعمكم لأهل الكبائر.
فالجواب عن هذا أن الذي ابتلي بارتكاب الكبائر دون الشرك إنما ينال بما سبق منه من الخيرات من التوحيد وتعظيمه ربه عز وجل فمحاسنه التي سبقت منه، هي التي تجعله محلا للشفاعة، ولولاها ما نالها.
فإذا قال : اللهم اجعل لي من شفاعة نبيك نصيبا، فهو يقول : اللهم وفقني على فعل الخيرات، واجعلني ممن يعظمك، ويتقرب إليك بالطاعة، حتى أنال بها الشفاعة، لا أن يقصد بدعائه جعله من أهل الكبائر.
والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله تعالى :﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾﴿للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾[ الصافات : ١٤٣و١٤٤ ] فأخبر الله تعالى أن تسبيحه أنقذه(١) من بطن الحوت، ولو لم يكن مسبحا لم يستوجب الخلاص. وكذلك صاحب الكبيرة يستوجب الشفاعة، ويرجى له الخلاص بما سبق منه من الحسنات دون أن يستوجبها لارتكاب الكبيرة.
ثم من قول المعتزلة أنهم يرون الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر، فيقال لهم :(٢) : إن من دعا الله تعالى، وسأله المغفرة، فكأنه يدعو، فيقول : اللهم ابتلني بالصغائر حتى تغفرها لي.
فإن قلتم : إن دعاءه بالمغفرة لا يقتضي ما عارضناكم به، فقولوا كذلك في من يقول : اللهم اجعل لي من شفاعة محمد نصيبا، فإنه لا يقتضي أن يجعل من أهل الكبائر.
١ أدرج في الأصل و م قبلها: ما..
٢ في الأصل و م: له..
النبأ 78:39
والصواب أن يكون مقيما فيما دان به من التوحيد.
وذكر علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه مر بعجوز وهي تدعو فتقول: " اللهم اجعلني من أهل شفاعة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " فقال لها: قولي: " اللهم اجعلني من رفقاء مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الجنة؛ فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته ".
قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وبهذا الفصل تعارضنا المعتزلةُ، فتقول: إذا قلتم: اللهم اجعل لنا من شفاعة مُحَمَّد نصيبا، فقد قلتم: اللهم اجعلنا ممن يرتكب الكبائر؛ إذ شفاعته في زعمكم لأهل الكبائر.
فالجواب عن هذا أن الذي ابتلي بارتكاب الكبائر دون الشرك إنما ينال الشفاعة بما سبق منه من الخيرات من التوحيد وتعظيمه ربه - عَزَّ وَجَلَّ - فمحاسنه التي سبقت منه هي التي تجعله محلا للشفاعة، ولولاها ما نالها، فإذا قال: اللهم اجعل لي من شفاعة نبيك نصيبا، فهو يقول: اللهم وفقني على فعل الخيرات، واجعلني ممن يعظمك ويتقرب إليك بالطاعة حتى أنال بها الشفاعة، لا أن يقصد بدعائه جعله من أهل الكبائر، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، فأخبر اللَّه تعالى أن تسبيحه ما أنقذه من بطن الحوت، ولو لم يكن مسبحا لم يستوجب الخلاص، وكذلك صاحب الكبيرة يستوجب الشفاعة، ويرجى له الخلاص بما سبق منه من الحسنات دون أن يستوجبها لارتكاب الكبيرة.
ثم من قول المعتزلة: أنهم يرون الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فيقال لهم: إن من دعا اللَّه تعالى، وسأله المغفرة، فكأنه يدعو، فيقول: اللهم ابتلني بالصغائر حتى تغفرها لي، فإن قلتم بأن دعاءه بالمغفرة لا يقتضي ما عارضناكم به، فقولوا كذلك فيمن يقول: " اللهم اجعل لي من شفاعة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نصيبا ": إنه لا يقتضي أن يجعله من أهل الكبائر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ... (٣٩) قيل: معناه: ألا يقال في ذلك اليوم غير الحق.
وجائز أن يكون منصرفا إلى اليوم نفسه؛ فيكون معناه: أن كونه حقا يكون لا محالة.
وقوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا)، أي: مرجعا؛ تأويله: أن اللَّه تعالى بين للخلق
النبأ 78:40
سبيل الضلال والهدى، ولم يصد أحدا عن سبيل الضلال والهدى، وبين أن من سلك سبيل الضلال فمآبه إلى النار، ومن سلك سبيل الرشد والهدى، فمآبه إلى الجنة،
وذلك مآبه إلى اللَّه تعالى، واتخاذ السبيل إليه تعالى.
وقوله: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا... (٤٠) أي: العذاب الذي أوعدهم به قريب مأتاه، وإن استبعدتموه في أوهامكم؛ قال اللَّه - تعالى -: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)، فجائز أن يكون هذا منصرفا إلى الخلائق أجمع مؤمنهم وكافرهم.
ثم تخصيص الأيدي بالذكر هو أن التقديم والتأخير في الشاهد يقع بالأيدي؛ فأضيف إليها، وإن احتمل ألا يكون للأيدي صنع فيما ارتكب من الآثام، أو فيما فعل من الخيرات، وهو كالمطر يسمى: رحمة اللَّه، وإن لم يكن ذلك من أوصافه؛ لأنه برحمة اللَّه ما ينزل من السماء، وسمي الكلام: لسانا وإن لم يكن هو لسانا؛ لأنه باللسان ما يتكلم؛ فكذلك التقديم أضيف إلى الأيدي؛ لما بها يقع التقديم في الشاهد وإن لم يكن للأيدي صنع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)، ذكر هذا التمني في الكافر دون المؤمن؛ لأن المؤمن يرى حسناته متقبلة وسيئاته مغفورة؛ فيأمن من عقاب اللَّه تعالى، والكافر يرى نفسه مؤاخذة بالسيئات، ولا يرى لها حسنات متقبلة؛ فيتمنى أن يكون ترابا؛ ليتخلص عن عذاب اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الوحوش تحشر والطيور كلها، ثم يقول اللَّه - تعالى -: " كوني ترابا "؛ فيتمنى الكافر في ذلك الوقت أن يكون ترابا، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
النازعات 79:1
سُورَةُ النَّازِعَاتِ، وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا. فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا. فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا)، اختلف في تأويله:
فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال. (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.
وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيخبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.
وقيل: الملائكة يسبحود بين السماء والأرض.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.
وقيل: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.
وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.
النازعات 79:2
وقوله تعالى :﴿والناشطات نشطا﴾ قيل : أي(١) تنشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا. وقيل : هذا في حق المؤمنين : إن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين ؛ تحلها حلا رفيقا كما تنشط [ العقدة ](٢) من العقال، فيخبر بهذا [ عن ](٣) خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول [ عن ](٤) شدته على الكافرين.
١ من م، في الأصل: أن..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
النازعات 79:3
الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿والسابحات سبحا﴾ قيل : إن الملائكة يسلون المسلمين سلا رفيقا، وقيل : الملائكة يسبحون بين السماء والأرض.
النازعات 79:4
الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿فالسابقات سبقا﴾ أي تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين. وقيل ﴿فالسابقات سبقا﴾ الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام وقيل : هم الكروبيون الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.
النازعات 79:5
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) هم الملائكة الموكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطلعن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر اللَّه - تعالى - إلى ما سخرن له.
(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وقوله: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، واللَّه أعلم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.
(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): هن السفن.
(فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا): هن الخيل.
(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا): هي الملائكة، وبه قال عطاء.
ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: (وَالنَّازِعَاتِ): هي الأنفس التي تغرق في الصدر، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) حين تنشط من القدمين.
وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.
(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.
وقوله: (فَالسَّابِقَاتِ) - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق
النازعات 79:6
فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات اللَّه تعالى وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر ".
وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلع نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يحب مفارقتها من شدة ما يرى من عذاب اللَّه تعالى.
وعلى هذا قيل في تأويل قوله - عليه السلام -: " من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه ": إن ذلك عند الموت أن المؤمن إذا حضره الموت ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء اللَّه تعالى، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء اللَّه، وكره الله لقاءه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم:
فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أنهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.
ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٦)، فأقسم بما ذكر أن النفختين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء.
النازعات 79:9
ثم اختلفوا بعد هذا:
فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.
ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ...) الآية، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ...) الآية، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).
ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على اللَّه - تعالى - وسهولته كخفة النفخ على النافخ.
أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ).
وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة، والتحرك، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) وهي الزلزلة الأخرى.
ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟ فقال: تكون واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) أي: ذليلة.
ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - واللَّه أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوات لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصر؛ فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها من الخوف؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع
النازعات 79:10
بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر، ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكون القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبير؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.
ويقال: النقد عند الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.
قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) و (ناخرة)؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب البعث؛ أي: لا يكون أبدا.
وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا)، فكانوا يظنون أنهم بما أنعم اللَّه - تعالى - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.
ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على اللَّه تعالى.
النازعات 79:11
الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿أئذا كنا عظاما نّخرة﴾ وناخرة(١)، فالناخرة البالية التي لم تفت بعد، والنخرة، هي التي صارت رفاتا، ودرست حتى تنسفها الريح.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/٥٦..
النازعات 79:12
الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿قالوا تلك إذا كرة خاسرة﴾ قال الحسن وأبو بكر : هذا منهم تكذيب للبعث أي لا يكون أبدا، وقال غيرهما : معناه : أن لو كانت كرّة كما يزعم المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين، لأنهم ظنوا إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال لن يكونوا كذلك في الآخرة.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾ ؟ [الكهف: ٣٦] فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله تعالى عليهم إنما أنعم لأنهم أقرب منزلة وأعظم درجة من المؤمنين ؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه. فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم فهم الأخسرون.
ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل :﴿خاسرة﴾ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، و ﴿خاسرة﴾ أي مخسرة.
النازعات 79:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على الله تعالى.
النازعات 79:14
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.
وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.
* * *
قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى): منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم به.
وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل لآخر: هل أتاك ما فعل فلان؟ وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.
وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساءوا صحبة الرسول موسى، عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) قيل: طوى: اسم ذلك الوادي.
وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم عليه السلام، ومرة بإتيان موسى عليه السلام.
وذكر عن الزجاج أن (طِوى) بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن اللَّه - تعالى - هو الذي كلمه، فأضيف إلى اللَّه تعالى؛ لأن أصله من اللَّه - تعالى - كما ذكرنا في قوله - تعالى -: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، وفي قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) أي: عتا وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر اللَّه - تعالى - بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) أي: هل لك في إجابة من إذا أجبت
النازعات 79:15
الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿هل أتاك حديث موسى﴾ فمنهم من يقول : قد أتاك، فخوفهم [ به ](١).
وقال الحسن : لم يكن أتاه، فأتاه بهذا [ كما يقول الرجل : هل أتاك فعل فلان، وهو يريد أن يذكره بهذا ](٢) فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.
وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل عليهم السلام لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساؤوا صحبة الرسول موسى عليه السلام.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
النازعات 79:16
الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿إذ ناداه بالواد المقدس طوى﴾ قيل :﴿طوى﴾ اسم ذلك الوادي، وقيل : سمي طوى لأنه بورك مرتين : مرة حين أتاه إبراهيم عليه السلام، ومرة بإتيان موسى عليه السلام، وذكر عن الزجاج أن طوى بكسر الطاء(١) الذي بورك مرتين.
ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه ؛ فظاهره أن الله تعالى، هو الذي كلمه، فأضيف إلى الله تعالى، لأن أصله من الله تعالى كما ذكرنا في قوله تعالى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] وفي قوله :﴿إنه لقول رسول كريم﴾ [ الحاقة : ٤٠ و. . ].
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/٥٧..
النازعات 79:17
الآية١٧ : وقوله تعالى :﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ أي عتا، وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه، فلم يشكر الله تعالى بها.
النازعات 79:18
الآية ١٨ : وقوله تعالى :﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ أي هل لك في إجابة من إذا أجبت تزكيت ؟ أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك، وتنمو ؟
ثم في هذه الآية دلالة أن من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرفق واللين كما أمر به موسى وهارون عليهم السلام بقوله :﴿فقولا له قولا لينا﴾ [طه: ٤٤] وبقوله :﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف كما فعل موسى عليه السلام بقوله :﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورا﴾ [الإسراء: ١٠٢] بعد قوله :﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ [الإسراء: ١٠٢].
النازعات 79:19
تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتنمو.
ثم في هذه الآية دلالة أن من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرفق واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)، وبقوله: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) وإذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى - عليه السلام - بقوله: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، بعد قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). أو أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال والعصي، ولم يعمل في اليد؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسميت: كبرى؛ لهذا المعنى.
ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى - عليه السلام - على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته كانت كبرى، كما قال في آية أخرى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)، فكانت إحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهي لمن تأمل فيها وتدبر، والله الموفق.
وقوله: (فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) أي: كذب بآيات اللَّه، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) قال الحسن: كان خفيفا طيَّاشًا، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش.
وقال غيره: أدبر عن طاعة اللَّه - تعالى - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة.
أو سعى في جمع من قال لموسى - عليه السلام -: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا
النازعات 79:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿فأراه الآية الكبرى﴾ منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد ؛ سميت كبرى لأن سحرهم عمل في الحبال والعصي، ولم يعمل في اليد، فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسميت كبرى لهذا المعنى.
ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى، هي العصا، لأن غلبة موسى عليه السلام، على السحرة كانت بالعصا حين(١) لقفت ما أتوا به من السحر.
ولكن كل آياته كانت كبرى كما قال في آية أخرى :﴿وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ [الزخرف: ٤٨] فكانت إحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهي لمن تأمل فيها، وتدبر، والله الموفق.
١ في الأصل وم: حيث..
النازعات 79:21
الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿فكذب وعصى﴾ أي كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى فلم يطعه.
النازعات 79:22
الآية٢٢ : وقوله تعالى :﴿ثم أدبر يسعى﴾ قال الحسن : كان خفيفا طيّاشا، وإلا فالملوك إذا ادعوا إلى أمر، تدبروا فيه، وتفكروا ؛ إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم [ وإما ](١) ليردوا عليه. فأما الإدبار والسعي إلا من الخفة والطيش.
وقال غيره : أدبر عن طاعته تعالى، وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة، أو سعى في جمع من قال لموسى عليه السلام :﴿فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه﴾ [طه: ٥٨].
١ في الأصل وم: أو..
النازعات 79:23
نُخْلِفُهُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) ذلك اللعين قد علم أنه ليس برب السماء والأرض، ولكن قد اتخذ لقومه أصناما فأمر العوام منهم أن يعبدوها؛ ليقربهم ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا.
وقوله: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) منهم من يقول: أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، والكلمة الثانية: قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).
ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.
ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب روحه بعد مماته بقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)؛ فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦):
وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة اللَّه تعالى.
وقوله: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)
جائز أن يكون هذا صلة قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)؛ فيكون في قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ).
وفي قوله: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا) تقرير له أيضا.
ثم قوله: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) يحتمل أوجها:
أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه،
النازعات 79:24
الآيتان ٢٣ و٢٤ : وقوله تعالى :﴿فحشر فنادى﴾ ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾ وذلك اللعين قد علم أنه ليس رب السماء والأرض، ولكن قد اتخذ لقومه أصناما، فأمر العوام أن يعبدوها ليقربهم ذلك إليه. لكن إذا صاروا من خاصيته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه أعلى الأرباب لهذا.
النازعات 79:25
الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ فمنهم من يقول : أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا : الكلمة الأولى قوله تعالى :﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨] والكلمة الثانية قوله تعالى :﴿أنا ربكم الأعلى﴾.
ومنهم من يقول : أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.
ومنهم من يقول : أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة ؛ فغرّقه في الدنيا، وعذبت روحه بعد مماته بقوله :﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: ٤٦] ويدخل في النار مع أتباعه بقوله تعالى :﴿ويوم تقوم/٦٢٥ – أ/ الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦] فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.
النازعات 79:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله تعالى.
النازعات 79:27
الآية ٢٧ : ثم قوله عز وجل :﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها﴾. فجائز أن يكون صلة قوله :﴿يوم ترجف الراجفة﴾ [ الآية : ٦ ] وفي قوله :﴿أأنتم أشد خلقا﴾ تقرير له أيضا.
ثم قوله عز وجل :﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء﴾ يحتمل أوجها.
أحدها : أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماوات.
[ الثاني : إذا ](١) لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقهم(٢) أشد في عقولهم من خلق ؟ أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، وذلك أهون في عقولهم ؟
[ الثالث :](٣) أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض من الأمانة، وخافت نقمة الله تعالى، فما بال هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه، أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة الله تعالى ؟ وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا ليخوفهم، ويرتدعوا عما هم فيه(٤) من الطغيان، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.
وجائز أن يكون صلة قوله :﴿إذا السماء انفطرت﴾ [الانفطار: ١] وقوله(٥) :﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها، لا تقوم بذلك اليوم، فكيف يقوم الإنسان لهول ذلك اليوم مع ضعفه ؟ فيرجع هذا أيضا إلى التخويف.
١ في الأصل وم: فإذا..
٢ في الأصل وم: خلقه..
٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر، وهو..
٤ في الأصل وم: فيهم..
٥ في الأصل وم: و..
النازعات 79:28
وذلك أهون في عقولهم.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة اللَّه - تعالى - فما بال هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة اللَّه تعالى، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.
وجائز أن يكون هذا صلة قوله: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف يقوم الإنسان لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟! فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) (بَنَاهَا): أي: خلقها، (رَفَعَ سَمْكَهَا (٢٨): سقفها، (فَسَوَّاهَا) بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية.
قال إمام الهدى أبو منصور - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ثم لم يفهم أحد من قوله: (بَنَاهَا) ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال بعض الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى اللَّه تعالى ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المعنى المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) قيل: أظلم ليلها، (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها
النازعات 79:29
الآية ٢٩ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿وأغطش ليلها﴾ قيل أظلم ﴿وأخرج ضحاها﴾ نفي إظلام الليل وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم ؛ وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة، ويغشي ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها، كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها، حتى لو أراد أحد أن يميز بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى، هي الثانية، والثانية، هي الأولى. وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر.
فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعد ما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه، أولى. ثم أضاف ذلك إلى السماء لأن بدوها يظهر من عندنا.
١ ساقطة من الأصل وم..
النازعات 79:30
كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد أحد أن يميز بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى.
ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) قالوا: بسطها:
فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه قال: (دَحَاهَا)، ولم يقل: خلقها.
ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولًا، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق السماوات الست من بعد.
ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك.
قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس، واللَّه أعلم.
ولكن معناه عندنا -إن كان على ما قالوا- فهو منصرف إلى الجوهر؛ أي: الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره.
ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا.
وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ...)، وقال في موضع آخر: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف: سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) ذكر ما أنشأه لنا؛ لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ إذ الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فهي راجعة إلينا، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب.
النازعات 79:31
الآية ٣١ : وقوله تعالى :﴿أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ ذكر ما أنشأه لنا لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم أيضا، ونشكره، ونحمده عليه ؛ إذ الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فهي راجعة إلينا ؛ إذ بها ما يصل إلى الانتفاع بالدواب.
النازعات 79:32
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، فَفَضَّل أغذية مَنْ فَضَّلَ منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ اللَّه تعالى مَنَّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، فمن كره ذلك فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) قال: الطامة: هي الصيحة، سميت: طامة؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها، وسميت: كبرى؛ لأنها إن طمت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينقطع؛ فسميت: كبرى؛ لدوامها.
وقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) ما عمل، وتذكره يكون بوجهين:
أحدهما: بقراءته كتابه؛ كقوله تعالى: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، والتذكر الثاني يكون بالجزاء.
فالتذكر الأول يكون باللطف من اللَّه تعالى، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء، ثم ينساها إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة، ففيما لم يتول كتابته أحق ألا يتذكر، لكن اللَّه - تعالى - بلطفه يذكره بالقراءة؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب، عوقب جزاء ما كسبته يداه، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير؛ فيتذكر في ذلك الوقت، أيضا.
النازعات 79:33
الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾ فيه أن جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام لم يجعل لنا فيه شركا ؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر، منه ما يستخبث، ويستقذر، منه ما يستطاب، ويدّخر، فجعل ما طاب منه للبشر وما حيث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع، وتستقذره، ففضل أغذيتها من فضل منازلهم.
ففي ما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات : أن الله تعالى منّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام. فمن كره [ ذلك، فقد كره ](١) الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم.
١ من م: ساقطة من ا؟لأصل..
النازعات 79:34
الآية ٣٤ : وقوله تعالى :﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ قيل(١) : الطامة، هي الصيحة ؛ سميت طامة لأنها تطم الأشياء، وتعمها، وسميت كبرى لأنها طمت بالعذاب، فهو يدوم، ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهي(٢) تدوم، فسميت كبرى لدوامها.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: فهو..
النازعات 79:35
الآية ٣٥ : وقوله تعالى :﴿يوم يتذكر الإنسان ما سعى﴾ ما عمل، وتذكره يكون بوجهين :
أحدهما : بقراءته كتابه كقوله تعالى :﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤].
والتذكر الثاني يكون بالجزاء.
فالتذكر الأول يكون باللطف من الله تعالى، وإلا فالمراد قد تكتب أشياء ثم ينساها(١) إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة. ففي ما لم يتول كتابه أحق ألا يتذكر. لكن الله تعالى بلطفه يذكره بالقراءة، فيعرف صدق ما كتبته الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب عوقب جزاء ما كسبت يداه، ويكون الجزاء أبلغ بالتذكر، فيتذكر في ذلك الوقت.
١ في الأصل وم: ينساه..
النازعات 79:36
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) وقرئ (لمن ترى) فتضيف الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَن يَرَى) جائز أن تكون الرؤية كناية عن الحضور والدخول؛ فيكون قوله: (لِمَن يَرَى) أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، ومعناه: أن رحمة اللَّه للمحسنين، وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم.
وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونها؛ قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، وقالوا: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) أي: عصى، وتمرد.
أو طغى بأنعم اللَّه - تعالى - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفي له عمله؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) أي: يأوي إليها.
وقوله - تعالى -: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ... (٤٠):
جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى اللَّه تعالى؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضعٍ نَهَى اللَّه تعالى عن المقام فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، ليس هذا نهيَ قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين:
النازعات 79:37
الآيتان ٣٧ و٣٨ : وقوله تعالى :﴿فأما من طغى﴾ ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ أي عصى، وتمرد، وطغى بأنعم الله تعالى، فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله.
وقوله تعالى :﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ فجائز أن يكون إيثاره أن يبتغي محاسن(١) الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك الآخرة(٢)، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا لم يبق له في الآخرة نصيب لأنه قد وفي له عمله.
ألا ترى إلى قوله :﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم﴾ ؟ [هود: ١٥].
١ في الأصل وم: بمحاسنه..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: عن..
النازعات 79:38
الآيتان ٣٧ و٣٨ : وقوله تعالى :﴿فأما من طغى﴾ ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ أي عصى، وتمرد، وطغى بأنعم الله تعالى، فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله.
وقوله تعالى :﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ فجائز أن يكون إيثاره أن يبتغي محاسن(١) الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك الآخرة(٢)، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا لم يبق له في الآخرة نصيب لأنه قد وفي له عمله.
ألا ترى إلى قوله :﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم﴾ ؟ [هود: ١٥].
١ في الأصل وم: بمحاسنه..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: عن..
النازعات 79:39
الآية ٣٩ : وقوله تعالى :﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ أي يأوي إليها.
النازعات 79:40
الآية ٤٠ : وقوله تعالى :﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ فجائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى الله تعالى لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها، فيخاف أن يكون مقامه في موضع نهي الله تعالى عن المقام فيه.
وقوله تعالى :﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ فليس هذا نهي قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها. فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة. والناس في نهي نفس عن هواها على ضربين.
فمنهم من يقهرها، فلا يعطيها شهواتها ؟، فهو ؟ أبدا في جهد وعناء، ومنهم من يذكّرها العواقب، ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل بالظلمة، فيصير ذلك لها كالعيان، فتختار لذات الآخرة على لذات الدنيا، ؟ لأن ذلك أدوم وألذ، وسهل عليه العمل للآخرة، والهوى، هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها.
ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إليها، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا.
النازعات 79:41
الآية ٤١ :[ وقوله تعالى :﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
النازعات 79:42
فمنهم من يقهرها فلا يعطيها شهواتها، فهو أبدا في جهد وعناء.
ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل بالظلمة؛ فيصير ذلك لها كالعيان؛ فتختار لَذَّات الآخرة على لذات الدنيا؛ إذ ذلك أدوم وألذ، ويسهل عليه العمل للآخرة، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إليها، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢):
هي القيامة، سميت: ساعة؛ لما يخف أمرها على من إليه تدبيرها.
أو سميت: ساعة؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها.
أو سميت: لقربها إلى الحالة التي كانوا عليها؛ كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).
ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، قالوا: متى تكون الساعة؟ فنزلت هذه الآية.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال؛ فيسألونه سؤال استهزاء واستخفاف برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويسألونه استعجالها بقوله: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا)؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم متعنتون في السؤال؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع؛ لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة، فإذا طلبوا الاستعجال علموا أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف الوعيد؛ فيحتجون على الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته: إن الساعة تكون، لكانوا متى طلبوا مجيئها، يأتيهم بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) أي: لست أنت من علمها في شيء.
هذا إن ثبت أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يطلع عليها أو لست أنت من أخبارها في شيء؛ إذا لم يثبت، ولم يعلم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يطلع عليها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) أي: منتهى علمها؛ فيكون هذا نهيًا للسائلين
النازعات 79:43
الآية ٤٣ : وقوله تعالى :﴿فيم أنت من ذكراها﴾ أي لست أنت من علمها في شيء : هذا إن ثبت أن رسول الله ﷺ لم يطلع عليها.
النازعات 79:44
الآية ٤٤ : وقوله تعالى :﴿إلى ربك منتهاها﴾ أي ينتهي إليه(١) علمها، فيكون هذا نهي السائلين عن العود إلى السؤال.
١ في الأصل وم: إليها..
النازعات 79:45
عن العود إلى السؤال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) فهو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان منذرا للعالمين جملة بقوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، لكنه ينتفع بإنذاره من يخشى الإنذار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) قال أهل التأويل في هذه الآية: إنهم إذا رأوا الساعة، استقصروا هذه الأيام، وقلت الدنيا في قلوبهم حين عاينوا الآخرة.
وجائز أن يكون تأويله: أنهم لو أرادوا الساعة للحالة التي هم فيها، لم يلبثوا فيها إلا عشية أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
النازعات 79:46
الآية ٤٦ : وقوله تعالى :﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ قال أهل التأويل في هذه الآية : إنهم إذا رأوا الساعة استقصروا هذه الأيام، وقلت الدنيا في قلوبهم متى عاينوا الآخرة.
وجائز أن يكون تأويله [ أنهم لو رأوا ](١) الساعة للحالة التي هم فيها لم يلبثوا فيها عشية أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، والله أعلم [ بالصواب، وإليه المرجع والمآب ](٢).
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لو أرادوا..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
عبس 80:1
سُورَةُ عَبَسَ، وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) ذكر الحسن أن تعبس الوجه والتولي كانا بنفس المجيء على ظاهر الآية؛ فإنه ذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان عنده من عظماء المشركين قوم يعظهم ويدعوهم إلى الإسلام، فلما جاءه ابن أم مكتوم يسأله، أعرض عنه؛ لمكان أُولَئِكَ القوم، وعبس وجهه؛ رجاء إسلامهم.
وذكر غيره من أهل التفسير: أنه عبس وتولى؛ لما سأله ابن أم مكتوم عما فيه رشده وهداه؛ فعبس وجهه بقطعه الحديث عليه.
ثم هذا التعبس منه - عليه الصلاة والسلام - كان في أمر لو التأم، ثم وزن ذلك بخيرات أهل الأرض، لرجح على خيراتهم ومحاسنهم؛ لأنه ذكر أنه كان مقبلا على رؤساء الكفرة يعظهم ويحرضهم على الإسلام؛ رجاء أن يسلموا؛ فيكون في إسلامهم رجاء إسلام كثير من القوم؛ لأنهم كانوا من علية القوم وعظمائهم؛ فكان في إسلامهم رجاء إسلام من يتبعهم من قومهم؛ فيستوجب بإسلامهم من جزيل الثواب وعظم المنزلة ما لا يبلغه آخر بجميع محاسنه؛ فكان في سؤاله إياه منع ما قصد إليه من إحراز جزيل الثواب وكريم الخصال، وإذا كان هكذا فتعبس الوجه في مثل هذا الحال أمر سهل لا يستبعد، ولا يستنكر.
والثاني: أن تعبس الوجه على الأعمى، والإعراض عنه لا يظهر للأعمى؛ لأنه لا يراه؛ فلا يعده جفاء، وكان في إقباله على أُولَئِكَ القوم وحسن صحبته إياهم رجاء الإسلام منهم؛ إذ إقباله وحسن صحبته يظهر لهم، وفي الإعراض عنهما ذهاب ذلك الرجاء وإبداء الجفاء منه إياهم، ومن آثر الوجه الذي فيه اتقاء الجفاء والدعاء من الشرك إلى الهدى وصلاح الدِّين والدنيا، فهو محمود عند ذوي الأحلام والنهي.
ولأن إقباله على القوم إذ كان؛ لمكان دعائهم إلى الإسلام، وقد أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإسلام، وإن كان في دعائهم إتلاف أنفسنا وأموالنا، فلأن يسوغ الدعاء من وجه ليس فيه إلا تعبيس الوجه على واحد من المسلمين - أولى، ولكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وجد منه هذا النوع من الإيثار؛ اجتهادا ورأيا، والأنبياء - عليهم السلام - قد جاءهم العتاب من اللَّه - تعالى - بتعاطيهم أمورا لم يسبق من اللَّه - تعالى - لهم الإذن في ذلك، وإن كان الذي تعاطوه من الأمور أمورا محمودة في تدبير الخلق؛ نحو ما عوتب يونس - عليه السلام - وعوقب بمفارقة قومه بغير إذن، وإن كان مثل تلك المفارقة لو وجدت من واحد من أهل الأرض، استوجب بها الحمد، وحسن الثناء؛ لأن تلك المفارقة لا تخلو من أحد أمور ثلاثة:
أحدها: أن قومه كانوا أهل كفر، وكانوا له أعداء في الدِّين، ففارقهم؛ لينجو منهم، ويسلم له دينه، ومثل هذا لو وجد من غير الأنبياء - عليهم السلام - عد ذلك من أفضل شمائله.
والثاني: أن في مفارقته من بين أظهرهم تخويفا لهم وتهويلاً؛ لأن القوم من قبل كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا وقتما يريد أن ينزل بهم العذاب؛ فكان في مفارقته إياهم تخويفهم وتهويلهم، فيدعوهم ذلك إلى الانقلاع عما هم عليه من الضلال، والفزع إلى اللَّه - تعالى - ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى وردعه عن الضلال، فقد أبلغ في النصيحة، واستقام على الطريقة.
والثالث: أنه يفارقهم؛ ليستنصر بغيرهم فينصرونه عليهم، ويتقوى بهم؛ ليكون على دعائهم إلى الإسلام أمكن وأقدر، ومن كانت مفارقته من قومه على هذه النية، فلنعم المفارق هو، ثم عوتب مع هذا كله، وذكر اللَّه - تعالى - في الكتاب قصته للوجه الذي ذكرنا؛ فكذلك الوجه في معاتبة نبينا مُحَمَّد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات.
ومنهم من ذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يقصد إلى تعبس الوجه على ابن أم مكتوم، ولا تولى عنه عمدا لذلك، لكن لما قطع عليه حديثه، وكان فيه قطع رجاء إسلام أُولَئِكَ القوم، شق ذلك عليه، واعتراه من ذلك هم شديد، أثر ذلك في وجهه، لا أن كان منه ذلك على القصد.
ووجه آخر: أن يقال: إن اللَّه - تعالى - جعل في قلبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الشفقة والرحمة على العالمين حتى بلغ من شفقته أن كادت نفسه تذهب على من أعرض عن دين اللَّه - تعالى - والإيمان به حسرات عليه، وحتى قيل له: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقال: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)، وقال: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
وتأويله: ألا تحزن بمكانهم كل هذا الحزن؛ فيكون فيه تخفيف الأمر عليه، لا أن يكون فيه نهي عن الحزن وعن الحسرة؛ ولذلك قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ)، ومعناه - واللَّه أعلم -: ألا تحمل نفسك كل هذا التحميل حتى تمتنع عن الانتفاع بما أحل اللَّه لك الانتفاع به؛ طلبا لمرضاتهن، لا أن ينهاه عن ابتغاء مرضاتهن؛ بل قد ندب إلى ابتغاء مرضاتهن بقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) الآية، فجائز أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اشتد عليه إعراض أُولَئِكَ القوم عن الإيمان، وكبر ذلك عليه حتى تغير لون وجهه؛ فظهرت عبوسة وجهه؛ فنزل قوله - تعالى -: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) يبين شدة ما اعتراه من الهم حتى أثر ذلك في وجهه، لا أن يكون فيه مذمة ومنقصة له.
ثم في هذه الآية فوائد أخر:
إحداها: جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فعل هذا النوع من العمل اجتهادا، لا نصا؛ إذ لو كان الإذن بالتولي والتعبس سائغا، لم يكن يعاتب بفعل قد أمر به.
فَإِنْ قِيلَ: كيف لا تدل المعاتبة على النهي عن إقدامه على مثله؛ فيحرم عليه الاجتهاد؟
قيل له: لو كان هذا نهيا، لم يكن يعود إلى العمل بالاجتهاد بعد ذلك، وقد وجد منه - عليه السلام - العود؛ لقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، وبقوله:
عبس 80:3
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)، فثبت أنه ليس فيه نهي.
وفيه أن الكافر وإن كان مبجلا معظما في قومه، فليس على المؤمنين أن يعظموه ويبجلوه، بل يسترذل ويستخف به، وأن المسلم ينبغي أن يعظم ويكرم، وإن كان حقيرا في أعين الخلق.
وفيه آية رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ودلالة نبوته، وأنه لم يختلق هذا الكتاب من عند نفسه؛ لأن من يتعاطى فعلا حقه الستر، فهو يستره على نفسه، ولا يهتك عليها الستر؛ لئلا يذم عليه، فلو لم يكن مأمورًا بتبليغ الرسالة لكان يجتهد في الستر على نفسه، ولا يبديه للخلائق، ولكنه كان رسولا لم يجد من تبليغه إلى الخلق بدًّا، فبلغه كما أمر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) " لعل " من اللَّه - تعالى - وأجب.
وقوله: (يَزَّكَّى)، أي: يتزكى بعمله ونيته وقوله.
وفي هذه الآية قضاء بإبطال قول من زعم أن جميع ما في القرآن: (وَمَا يُدْرِيكَ) فهو مما لم يدره؛ يروى ذلك عن سفيان بن عيينة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وغيره؛ لأنه قد أدراه هاهنا بقوله: (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) و " لعل " من اللَّه تعالى واجب، وإذا جعلته واجبا فقد زكاه، وإذا زكاه فقد علمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون يتذكر بتذكيرك إياه؛ فينتفع بتذكيرك.
والثاني: أن يتذكر فيما ذكرته من العواقب وما يحق عليه في حاله؛ فينتفع به؛ فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر بنفس تذكير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي التأويل الثاني بتذكره فيما ذكره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) أي: بما اختار هو عما جئت به من الدِّين.
أو استغنى بالذي زين له الشيطان عما جئت به.
أو يكون على الغناء المعروف؛ لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة وغناء، فأقبل عليهم؛ رجاء أن يسلموا فيتبعهم أتباعهم في الإسلام؛ إذ كانوا من رؤسائهم وأجلتهم.
عبس 80:4
الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون يتذكر بتذكرك إياه، فينتفع بتذكرك.
والثاني : أن يتذكر في ما ذكرته من العواقب وما يحق في حالة فينتفع به.
فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر بنفس تذكر الرسول ﷺ وفي التأويل الثاني بتذكره في ما ذكره النبي ﷺ.
عبس 80:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿أما من استغنى﴾ أي بما اختاره عما جئت به من الدين، واستغنى بالذي زين له الشيطان عما جئت به، أو يكون على الغنى المعروف، لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة وغنى، فأقبل عليهم رجاء أن يسلموا، فيتبعهم أتباعهم في الإسلام، إذ كانوا من رؤسائهم وأجلتهم.
عبس 80:6
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) أي: مقبل عليه بوجهك.
وقوله: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) أي: ليس عليك غير التذكير إذا أعرض عنك وعاداك لم يمكن منه إلحاق ضرر بك؛ بل اللَّه يعصمك، ويدفع عنك شره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) أي: يعمل لله - تعالى - ويخشاه، فجائز أن تكون الخشية علة للسعي، فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.
وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر ودليلا للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي.
وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر ودليلا له، قال اللَّه - تعالى -: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)، فكان الإحياء الأول دليلا للإحياء الثاني في موضع العطف والترتيب على الكلام الأول.
أو أن يكون ابتداء، فقوله: (جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى) لله تعالى، ويخاف التبعة وحلول النقمة.
وقوله - تعالى -: (كَلَّا... (١١) قال الحسن: معناه: أن الذي فعلته من التولى عن المؤمنين والإقبال على الكفرة، ليس من حكمي.
وذكر أبو بكر الأصم: لما نزل قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) إلى قوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) تغير وجه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وخاف زوال الرسالة، وأن يمحى اسمه منها، فلما نزل قوله: (كَلَّا) علم أنه لم يودعه ربه؛ حيث نهاه عن العود إلى مثله.
وقال المفسرون: (كَلَّا)، أي: لا تعد إلى مثل هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ):
جائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور كلها.
وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة؛ لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات الرسالة من
عبس 80:7
الآية ٧ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿وما عليك ألا يزكى﴾ أي ليس عليك غير التذكر إذا أعرض عنك، وعاداك، لن يمكن من إلحاق ضرر بك، بل الله يعصمك، ويدفع عنك شره.
١ من م: ساقطة من الأصل..
عبس 80:8
الآيتان ٨ و٩ : وقوله تعالى :﴿وما من جاءك يسعى﴾ ﴿وهو يخشى﴾ أي يعمل لله تعالى، ويخشاه.
فجائز أن تكون الخشية علة للسعي، فيكون معناه : أن خشيته هي التي حملته إلى السعي، وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للأخرى ودليلا له. قال الله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [البقرة: ٢٨] فكان الإحياء الأول دليلا للإحياء الثاني في موضع العطف والترتيب على الكلام الأول.
أو أن يكون ابتداء : فقوله :﴿جاءك يسعى﴾ ﴿وهو يخشى﴾ الله تعالى، ويخاف التبعة وحلول النقمة.
عبس 80:10
الآيتان ١٠ و١١ : وقوله تعالى :[ ﴿فأنت عنه تلهى﴾ ](١) ﴿كلا﴾ قال الحسن : معناه أن الذي فعلته من التولي عن المؤمنين والإقبال على الكفرة ليس من حكمي.
وذكر أبو بكر الأصم لما نزل قوله تعالى :﴿عبس وتولى﴾ إلى قوله :﴿فأنت عنه تلهى﴾ تغير وجه رسول الله ﷺ وخاف زوال الرسالة، وأن يمحى اسمه عنها. فلما نزل قوله تعالى :﴿كلا﴾ علم أنه لم يوعده ربه حين(٢) نهاه عن العود إلى مثله.
وقال المفسرون :﴿كلا﴾ أي لا تعد إلى مثل هذا.
وقوله تعالى :﴿إنها تذكرة﴾ فجائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور(٣)/٦٢٦ – ب/كلها. وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات الرسالة من الوجه الذي ذكرنا دلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على البعث، فهي تذكرة لمن يذّكّر بها. وجائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن في ما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له جائز أن يقال : إن هذه تذكرة، أي هذه المعاتبة تذكرة للنبي ﷺ ولجميع المؤمنين ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل ومن يستوجب إهانته والاستخفاف.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من م، في الأصل: السورة..
عبس 80:11
الآيتان ١٠ و١١ : وقوله تعالى :[ ﴿فأنت عنه تلهى﴾ ](١) ﴿كلا﴾ قال الحسن : معناه أن الذي فعلته من التولي عن المؤمنين والإقبال على الكفرة ليس من حكمي.
وذكر أبو بكر الأصم لما نزل قوله تعالى :﴿عبس وتولى﴾ إلى قوله :﴿فأنت عنه تلهى﴾ تغير وجه رسول الله ﷺ وخاف زوال الرسالة، وأن يمحى اسمه عنها. فلما نزل قوله تعالى :﴿كلا﴾ علم أنه لم يوعده ربه حين(٢) نهاه عن العود إلى مثله.
وقال المفسرون :﴿كلا﴾ أي لا تعد إلى مثل هذا.
وقوله تعالى :﴿إنها تذكرة﴾ فجائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور(٣)/٦٢٦ – ب/كلها. وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات الرسالة من الوجه الذي ذكرنا دلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على البعث، فهي تذكرة لمن يذّكّر بها. وجائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن في ما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له جائز أن يقال : إن هذه تذكرة، أي هذه المعاتبة تذكرة للنبي ﷺ ولجميع المؤمنين ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل ومن يستوجب إهانته والاستخفاف.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من م، في الأصل: السورة..
عبس 80:12
الوجه الذي ذكرنا، ودلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على العبث، فهي تذكرة لمن يذكر بها.
أو جائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن فيما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له.
وجائز أن يقال: إن هذه تذكرة؛ أي: هذه المعاتبة تذكرة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولجميع المؤمنين؛ ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل، ومن يستوجب إهانته والاستخفاف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) جائز أن يكون معناه: من شاء اللَّه أن يذكره، أو ما شاء ذكره؛ أي: قد مكن كل من التذكير، وأنه ليس أحد بممنوع ولا مجبور على الفعل، فمن ترك التذكر، فهو الذي ضيع ذلك؛ حيث آثر واختار ضده، واشتغل بغيره، وأعرض عن ذكره.
وجائز أن يكون على تحقيق الفعل؛ أي: من تذكر به فهو ذكر له؛ فكنى بالمشيئة عن الفعل؛ لما ذكرنا أنها تقترن بالفعل ولا تزايله؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل.
أو يكون على إرادة الفعل قبل وجوده.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) قيل: هي الصحف المتقدمة؛ كقوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
وقوله: (فِي صُحُفٍ) أي: في أيدي الملائكة.
وقوله: (مُكَرَّمَةٍ)، أي: مكرمة بما يكرمها أهل الكرامة، وهم السفرة البررة.
أو مكرمة على اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) أي: مرفوعة القدر، مطهرة من التناقض والاختلاف.
أو مطهرة من أن ينالها أيدي العصاة.
أو مطهرة من الأقذار والأدناس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) السفرة: الكتبة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) أي: كرام على اللَّه تعالى، بررة في أعمالهم؛ كما وصفهم اللَّه - تعالى - بقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
عبس 80:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿في صحف مكرمة﴾ قيل : هي الصحف المتقدمة كقوله :﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [ الأعلى : ١٨ و١٩ ]. وقوله :﴿في صحف﴾ أي بأيدي الملائكة، وقوله :﴿مكرمة﴾ أي بما يكرمها أهل الكرامة، وهم السفرة البررة، أو مكرمة على الله تعالى.
عبس 80:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿مرفوعة﴾ أي مرفوعة القدر ﴿مطهرة﴾ من التناقض والاختلاف، أو مطهرة من أن تنالها أيدي العصاة، أو مطهرة من الأقذار والأدناس.
عبس 80:15
الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿بأيدي سفرة﴾ فالسفرة الكتبة.
عبس 80:16
الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿كرام برره﴾ أي كرام على الله تعالى بررة في أعمالهم كما وصفهم الله تعالى بقوله :﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦].
عبس 80:17
قوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، قالوا: تأويله: لعن الإنسان.
وذكر الحسن والمعتزلة: أن هذا من اللَّه - تعالى - على الشتم والتسمية له بذلك، واستجازوا الشتم منه.
والأصل أن ليس في الشتم إلا ظهور سفه الشاتم وعبثه؛ إذ لا ضرر يلحق بالمشتوم من جهة الشتم، وإنما ضرر ذلك الشتم على الشاتم خاصة، وأما المشتوم فإنما يصير مشتوما بفعله لا بشتم الشاتم، وجل اللَّه - تعالى - من أن ينسب إليه فعل السفه؛ فلذلك قلنا: إنه لا يتحقق معنى الشتم في الكلمة التي عرفت شتما فيما بين الخلق إذا جاءت من اللَّه - تعالى - كما لا يحقق من الكلمة التي عرفت اغتيابا فيما بين الخلق إذا جاءت من اللَّه - تعالى - معنى الاغتياب، بل يحمل ذلك على الردع والتنبيه؛ فيكون في ذكرها تخويف من خوطب بها، وتذكر للخلق سفهه وجهله؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يتكلم بما فيه هتك الستر على المخاطب ثم لا يعد ذلك منه اغتيابا؛ إذا قصد به وعظه وزجره عما هو فيه، وأرشده إلى ما فيه صلاح آخرته وأولاه، فكذلك اللَّه - تعالى - إذا جاء منه ما يعد شتما من غيره واغتيابا، لم يلحقه وصف الشتم والغيبة؛ إذ ذلك منه على التذكير والتنبيه للخلق، وعلى التخويف والتهويل لمن نسب إليه ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَكْفَرَهُ)، أي: ما أقبح كفره، وأوحشه، وأشنعه؛ لأنه علم أن جميع ما أنعم به من النعيم فمن اللَّه - تعالى - ثم هو لم يشكر نعمه، ولا أطاعه فيما دعاه إليه؛ بل وجه شكر نعمه إلى من لا ينفعه ولا يضره، وعند من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، وما هذا إلا غاية الفحش ونهاية القبح.
أو ما أوحش كفره وأقبحه بما سوى بين الشكور والكفور، وبين المفسد والمصلح،
عبس 80:18
وبين الولي والعدو، والعقل يوجب التفرقة بينهما، فهو بإنكاره البعث كابر عقله وعانده، فما أشد كفر من هذا وصفه.
ثم قوله - تعالى -: (مَا أَكْفَرَهُ) أي: أي شيء أكفره؟ فيكون في ذكره تعجيب لمن آمن من الخلائق وتذكير لهم عن سوء من هذا فعله وسوء معاملته مع ربه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ... (١٩) فكأنه قال: إن الذي كفر قد علم أنه خلق من نطفة، وتلك النطفة موات، لا سمع فيها ولا عقل، ولا شيء من الجوارح، ثم اللَّه تعالى بلطفه وعجيب حكمته دبر فيها بصرا يرى بفتحة واحدة، وفي أدنى وهلة مسيرة خمسمائة عام، وقدر فيها عقلا يرى به ملكوت السماوات والأرض، وقدر فيها السمع، والبصر، وغيرهما من الجوارح، أفترى أن من بلغت قدرته هذا يعجز عن إحياء من أماته وعن بعثه بأقل من لحظة.
أو يكون قوله: (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ) تعريفًا منه أنه خلقه من نطفة، ويكون في ذكره ما ذكرنا من الفوائد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدَّرَهُ)، أي: سواه على وجه يكون فيه دلالة ربوبيته وشهادة وحدانيته.
أو قدره على ما فيه صلاحه ومنفعته.
أو قدره على ما يشاء من القصر والطول، والدمامة والملاحة، وغير ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) يحتمل أن يكون المراد من السبيل الدِّين، فكأنه يقول: يسر له سبيل درك ذلك السبيل إلى اللَّه - تعالى - على ما ذكرنا أن الدِّين إذا أطلق أريد به دين اللَّه تعالى، وكذلك الكتاب المطلق يراد به كتاب اللَّه تعالى؛ فعلى ذلك: السبيل إذا ذكر مطلقا كان منصرفا إلى سبيل اللَّه تعالى.
أو يسر له السبيل: سبيل الهدى، وسبيل الضلال، والسبيل الذي لو سلكه نفعه، والسبيل الذي يضره.
أو يسر له السبيل الذي علم اللَّه أنه يختاره؛ كقوله - تعالى -: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى...).
أو يسر عليه سبيل الخروج من بطن أمه على ضيق ذلك الموضع وكبر جثته؛ ليعلموا أن من بلغت قوته هذا فهو قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر.
عبس 80:19
الآيتان ١٨ و١٩ : وقوله تعالى :﴿من أي شيء خلقه﴾ ﴿من نطفة خلقه فقدره﴾ فكأنه قال : إن الذي كفر، وقد علم أنه خلق من نطفة، تلك النطفة موات، لا سمع فيها، ولا عقل، ولا شيء من الجوارح، ثم الله تعالى بلطفه وعجيب حكمته، دبر فيها بصرا، يرى بفتحة واحدة وفي أدنى وهلة مسيرة خمس مئة عام، وقدر فيها عقلا، يرى به ملكوت السماوات والأرض، وقدر فيها السمع والبصر وغيرهما من الجوارح.
أفترى أن من بلغت قدرته هذا يعجز عن إحياء من أماته وعن بعثه بأقل من لحظة ؟ أو يكون قوله :﴿من نطفة خلقه﴾ تعريفا(١) منه أنه خلقه من نطفة، ويكون في ذكره ما ذكرنا من الفوائد.
وقوله تعالى :﴿فقدره﴾ أي سواه على وجه تكون فيه دلالة ربوبيته وشهادة وحدانيته أو قدره على ما فيه صلاحه ومنفعته أو قدره على [ ما ](٢) يشاء من القصر والطول والدمامة والملاحة وغير ذلك.
١ في الأصل وم: تعريف..
٢ ساقطة من الأصل وم..
عبس 80:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿ثم السبيل يسره﴾ يحتمل أن يكون المراد من السبيل الدين ؛ فكأنه يقول : يسر له درك ذلك السبيل إلى الله تعالى على ما ذكرنا أن الدين إذا أطلق أريد به دين الله تعالى، وكذلك الكتاب المطلق يراد به كتاب الله تعالى. فعلى ذلك السبيل إذا ذكر مطلقا كان منصرفا إلى سبيل الله تعالى، أو يسر له السبيل سبيل الهدى وسبيل الضلال والسبيل [ الذي لو سلكه نفعه والسبيل ](١) الذي يضره، أو يسر له السبيل الذي علم الله أنه يختاره كقوله تعالى :﴿فأما من أعطى واتقى﴾ ﴿وصدق بالحسنى﴾ ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ﴿وأما من بخل واستغنى﴾ ﴿وكذب بالحسنى﴾ ﴿فسنيسره للعسرى﴾ [ الليل : ٥ إلى ١٠ ] أي يسر عليه سبيل الخروج من بطن أمه على ضيق ذلك الموضع وكبر جثته ليعلموا أن من بلغت قوته هذا فهو قادر على [ ما ](٢) أراد، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل وم..
عبس 80:21
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ففي ذكر هذا ذكر النعم، وهو أن اللَّه - تعالى - جعل لما يخبث ويتغير كنًّا يكنُّ فيه؛ فيستره عن الخلق؛ لئلا يعافوه ويستقذروه، لم يجعل ذلك لغيرهم، وجعل لأنفسهم إذا هم تغيرت أجسادهم بالموت، وصارت بحيث تستخبث وتستقذر - كنا تستتر فيها؛ لتغيب عن الخلق؛ فلا يتأذوا بها، فذكرهم هذا؛ ليشكروه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) معناه - واللَّه أعلم -: كذلك إذا شاء أنشره؛ لأن هذا كله إخبار في موضع الاحتجاج، فكأنه قال: إن الذي خلقه من نطفة وقدره، ثم أماته فأقبره، فهو كذلك ينشره إذا شاء، وكذلك هذا في قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)، أي: إن الذي أحياكم، ثم أماتكم، فكذلك هو الذي يحييكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣):
منهم من ذكر أن هذا الخطاب في كل أحد، لا ترى إنسانا قضى جميع ما عليه من الأمر على حد ما أمر حتى لا يغفل عنه ولا يقصر فيه؛ بل من اللَّه - تعالى - على كل أحد في كل طرفة عين نعمة، لا يتهيأ لأحد أن يقوم بكنه شكرها حتى لا يقع منه في ذلك جفاء ولا تقصير.
ومنهم من يقول: هذا في الكفار خاصة، لا يقضون ما أمروا به من التوحيد.
فإن كان على هذا فهو منصرف إلى ابتداء الأمر.
وإن كان على الوجه الأول، فهو منصرف إلى كنه الأمر، ويستقيم توجيهه إلى الكافر، على ما ذكروا؛ لأن إيمان المؤمن له حكم التجدد في كل وقت. إذ هو في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، فهو يجتنبه، فذلك يكون، وإذا كان كذلك، ثبت أنه في كل وقت مؤمن؛ لما أمر به هو مجتنب عما نهي عنه، فهو بإيمانه راجع عن الزلات في كل حال، معتقد للوفاء بما أمر به؛ لذلك كان صرفه إلى الكافر أوجَهُ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) كيف قدر له حيث استعمل فيه السماوات، والأرضين، والهواء، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، فاستعمال السماء في إنزال المطر منها، واستعمال الهواء في جعله مسلكا للمطر، واستعمال الأرض في جعلها قرارا للمطر وأخرج منها ما فيه قوامهم ومنافعهم؛ فيكون في ذكر هذا فوائد:
إحداها: في موضع التعريف للخلائق: أن منشئ السماوات والأرضين، ومنشئ الخلق والشمس والقمر - واحد؛ لاتصال منافع بعض ببعض؛ إذ لو لم يكن كذلك، لكان لمنشئ السماء أن يمنع منافع السماء عن خلق منشئ الأرض.
والثانية: فيه تذكير قوته وعجيب حكمته؛ ليعلموا أنه قادر على كل ما يريد فعله؛ لا يضعف عن ذلك، ولا يعجزه شيء؛ لأنه جمع بين منافع ما ذكرنا مع تناقضها واختلافها في نفسها، فجعلها من حيث المنافع متسقة متفقة، وجعل كل واحدة منهن كالمتصلة بالأخرى، المقترنة بها مع بعد ما بينهما، فمن قدر على الاتساق بين الأشياء المختلفة، وقدر على الوصل بين الأشياء المتباعدة بعضها عن بعض - لقادر على إحياء الأموات والبعث.
والثالثة: ذكرهم هذا ليبين لهم حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنه لا يخلق الخلق عبثا، ولا يتركهم سدى لا يستأدي منهم الشكر، ولا يبعثهم؛ بل ينشئهم ويميتهم فقط، فيخرج خلقه على ما فيه خروج عن الحكمة، ولأنه خلق البشر على وجه تمسه الحاجات، وتمسه الشهوات، وقدر الطعام على وجه إذا تناول منه دفع حاجته وسكن شهوته، ولو أراد أحد أن يتدارك المعنى الذي يعمل في دفع الحاجة وتسكين الشهوة ما هو؟ لم يصل إلى تعرفه؛ فيؤدي تفكره إلى دفع الشبه والاعتراضات التي تعتريه في أمر البعث وغيره؛ إذا كانوا يقدرون الأمور على قواهم ويسوونها على ما ينتهي إليه تدبيرهم، فإذا وجدوا في الطعام معاني هي خارجة من تدبيرهم وقواهم علموا أن ليس الأمر على ما قدروا؛ فيرتفع عنهم الريب والإشكال، وكذلك لو أرادوا أن يستخرجوا من الماء المعنى الذي به صلح أن تكون به حياة الأشياء كلها مع اختلاف الأشياء وتفاوتها واختلاف طعومها وألوانها - لم يمكنهم ذلك؛ فيعلمون أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ قادر على ما يشاء، فعال لما يريد، ويكون في النظر فيما ذكر حاجته وافتقاره إلى غيره تبيين أن اللَّه - تعالى - لم ينشئ الخلق لحاجة نفسه، وإنَّمَا خلق لحاجة البشر إليه.
عبس 80:22
الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ معناه، والله أعلم، كذلك إذا شاء أنشره لأن هذا كله إخبار في موضع الاحتجاج ؛ فكأنه قال : إن الذي خلقه من نطفة، وقدره، ثم أماته، فأقبره، فهو كذلك ينشره إذا شاء، وكذلك هذا في قوله :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [البقرة: ٢٨] أي إن الذي أحياكم ثم أماتكم، فكذلك هو الذي يحييكم.
عبس 80:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ فمنهم من ذكر أن هذا الخطاب في كل أحد، لا ترى إنسانا قضى جميع ما عليه من الأمر على حد ما أمر حتى لا يغفل عنه، ولا يقصر فيه، بل من الله تعالى على كل أحد في كل طرفة عين نعمة، لا يتهيأ لأحد أن يقوم بكنه شكرها حتى لا [ يقع ](١) منه في ذلك جفاء ولا تقصير. ومنهم من يقول : هذا في الكفار خاصة، ولا يقضون ما أمروا به من التوحيد.
فإذا كان على هذا فهو منصرف إلى ابتداء الأمر، وإن كان على الوجه الأول(٢) فهو منصرف إلى كنه الأمر، ويستقيم توجيهه إلى الكافر على ما ذكروا، لأن إيمان المؤمن، له حكم التجدد في كل وقت ؛ إذ هو في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، فهو يجتنبه، فذلك يكون. وإذا كان كذلك/٦٢٧ – أ/ثبت أنه في كل وقت مؤمن بما(٣) أمر به، مجتنب(٤) عما نهي عنه، فهو بإيمانه راجع عن الزلات في كل حال، معتقد للوفاء بما أمر به، لذلك كان صرفه إلى الكافر أوجب(٥).
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: الذي..
٣ في الأصل وم: لما..
٤ أدرج قبلها في الأصل وم: هو..
٥ في الأصل وم: أوجه..
عبس 80:24
الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ كيف قدر له حين(١) استعمل فيه السماوات والأرضين والهواء والشمس والقمر والليل والنهار ؛ فاستعمال السماء في إنزال المطر منها، واستعمال الهواء في جعله(٢) مسلكا للمطر، واستعمال الأرض في جعلها قرارا للمطر وإخراج (٣) منها ما فيه قوامهم ومنافعهم، فيكون في ذكر هذا فوائد :
أحداها(٤) : في موضع التعريف للخلائق أن منشئ السماوات والأرضين ومنشئ الخلق والشمس والقمر واحد لاتصال منافع بعض ببعض، إذ لو لم يكن كذلك لكان لمنشئ السماء أن يمنع منافع السماء عن خلق منشئ الأرض.
[ والثانية ](٥) : فيه تذكير قوته وعجيب حكمته ليعلموا أنه قادر على كل ما يريد فعله، لا يضعف عن ذلك، ولا يعجزه شيء لأنه جمع بين منافع ما ذكرنا مع تناقضها واختلافها في نفسها، فجعلها من حيث المنافع متسقة متفقة، وجعل كل واحدة منهن كالمتصلة بالأخرى المقترنة بها مع بعد ما بينهما.
فمن قدر على الاتساق بين الأشياء، وقدر على الوصل بين الأشياء المتباعدة بعضها عن بعض قادر على إحياء الأموات والبعث.
[ الثالثة : تذكيرهم ](٦) هذا ليبين لهم حكمته وعلمه ليعلموا أنه لا يخلق عبثا، ولا يتركهم سدى، لا يستأدى منهم الشكر، ولا يبعثهم، بل ينشئهم، ويميتهم فقط، فيخرج خلقه على ما فيه خروج عن الحكمة.
[ الرابعة : أنه ](٧) خلق البشر على وجه، تمسهم الحاجات [ فيه، وتمسهم ](٨) الشهوات، وقدر الطعام على وجه، إذا تناول [ أحد ](٩) منه دفع حاجته، وسكن شهوته. ولو أراد أحد أيدرك(١٠) المعنى الذي يعمل في دفع الحاجة وتسكين الشهوة ما هو ؟ لم يصل إلى تعرفه، فيؤدي تفكره إلى رفع الشبه والاعتراضات التي تعتريه في أمر البعث. وغيره إذا كانوا يقدرون الأمر على قواهم، ويسوّونها على ما ينتهي إليه تدبيرهم ؛ فإذا وجدوا في الطعام معاني، هي خارجة عن تدبيرهم وقواهم، علموا أن ليس الأمر على ما قدروا، فيرتفع عنهم الريب والإشكال.
كذلك لو أرادوا أن يستخرجوا من الماء المعنى الذي به صلح أن تكون به الحياة الأشياء كلها مع اختلاف الأشياء وتفاوتها واختلاف طعومها وألوانها لم يمكنهم ذلك، فيعلموا أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ قادر على ما يشاء ﴿فعال لما يريد﴾ [ هود : ١٠٧ و… ] ويكون في النظر في ما ذكر حاجته وافتقاره إلى غيره، ويتبين أن الله تعالى لم ينشئ الخلق لحاجة نفسه، وإنما خلقه لحاجة البشر إليه.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: جعلها..
٣ في الأصل وم: وأخرج..
٤ في الأصل وم: أحدها..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: وذكرهم..
٧ في الأصل وم: ولأنه..
٨ في الأصل وم: وتمسه..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: يتدارك..
عبس 80:25
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) ليقر الماء في شقوقها فيصل الخلق إلى الانتفاع به.
أو شققناها للنبات، فأنبتنا فيها حبا وعنبا، فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير نابتين في الأرض، ولكن أخرجهما من أصل هو نابت في الأرض، فأضافهما إليها لما يرجع الابتداء إليها، وهو كقوله - تعالى -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)، ورزقنا من السماء المطر، لكن الذي هو رزقنا من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، وخرج منها بالقطر من السماء؛ فأضيف إليه؛ فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا؛ للمعنى الذي وصفنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَضْبًا (٢٨) القضب: هي الرطبة، سميت: قضبا؛ لأنها تقضب، وتقطع مرة بعد مرة.
(وَزَيْتُونًا... (٢٩) في ذكر الزيتون ما ذكرنا من الفائدة، وهي أن الزيتون ألين الأشياء نَبَتَ أصله في الجبال التي هي أصلب الأرض، فمن قدر على إخراج ألين الأشياء عن أصلب الأشياء لقادر على الإنشاء والبعث؛ إذ من قدر على أن يخرج ألين الأشياء من أصلب الأشياء لقادر على أن يلين القلوب القاسية حتى تلين لذكر اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) الحدائق هي البساتين التي أحدقت بالأشجار وأحاطت بها، والغلب: الغلاظ؛ يقال: رجل أغلب؛ إذا كان غليظ الرقبة، وقوم غلب الرقاب، أي: غلاظ، وقالوا - أيضا -: الغلب الأشجار الكثيفة الطويلة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) والأب: الكلأ، فيخبر أنه أنشأ هذه الأشياء؛ لتكون متاعا للخلق والأنعام، لا لمنافع نفسه.
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) قال الحسن: هي اسم القيامة يصخ لها كل شيء، وبه يقول أبو بكر: إنه يصخ لمجيئها كل شيء، أي: يخشع لها ويطأطئ رأسه
عبس 80:26
الآيتان ٢٥ و٢٦ : وقوله تعالى :﴿أنا صببنا الماء صبا﴾ ﴿ثم شققنا الأرض شقا﴾ ليقر الماء في شقوقها، فيصل الخلق إلى الانتفاع به، أو شققناها للنبات.
عبس 80:27
الآيتان ٢٧ و٢٨ :[ وقوله تعالى ](١) ﴿فأنبتنا فيها حبا﴾ ﴿وعنبا وقضبا﴾ فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير نابتين في الأرض، ولكن أخرجهما من أصل، هو نابت في الأرض، فأضافهما [ إليهما لما يرجع ](٢) الابتداء إليها، وهو كقوله تعالى :﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢] ورزقا من السماء المطر. لكن الذي هو رزقا من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، ويخرج منها بالقطر من السماء، فأضيف إليه.
فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا للمعنى الذي وصفنا.
وقوله تعالى :﴿وقضبا﴾ والقضب، هي الرطبة، سميت قضبا لأنها تقضب، وتقطع مرة بعد مرة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: إليهما ليرجع..
عبس 80:28
الآيتان ٢٧ و٢٨ :[ وقوله تعالى ](١) ﴿فأنبتنا فيها حبا﴾ ﴿وعنبا وقضبا﴾ فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير نابتين في الأرض، ولكن أخرجهما من أصل، هو نابت في الأرض، فأضافهما [ إليهما لما يرجع ](٢) الابتداء إليها، وهو كقوله تعالى :﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢] ورزقا من السماء المطر. لكن الذي هو رزقا من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، ويخرج منها بالقطر من السماء، فأضيف إليه.
فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا للمعنى الذي وصفنا.
وقوله تعالى :﴿وقضبا﴾ والقضب، هي الرطبة، سميت قضبا لأنها تقضب، وتقطع مرة بعد مرة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: إليهما ليرجع..
عبس 80:29
الآية ٢٩ :[ وقوله تعالى :](١) ﴿وزيتونا ونخلا﴾ ففي ذكر الزيتون ما ذكرنا من الفائدة، وهو أن الزيتون ألين الأشياء نبت أصله في الجبال التي هي أصلب الأرض، فمن قدر على إخراج ألين الأشياء من أصلب الأشياء قادر على الإنشاء والبعث ؛ إذ من قدر على أن يخرج ألين الأشياء من أصلب الأشياء قادر على أن يلين القلوب القاسية حتى تلين بذكر الله تعالى.
١ ساقطة من الأصل وم..
عبس 80:30
الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿وحدائق غلبا﴾ فالحدائق، هي البساتين التي أحدقت بالأشجار، وأحاطت بها، والغلب الغلاظ ؛ يقال : رجل أغلب، إذا كان غليظ الرقبة، وقوم غلب الرقاب أي غلاظ. وقالوا أيضا : الغلب الأشجار الكثيفة الطويلة.
عبس 80:31
الآيتان ٣١ و٣٢ : وقوله تعالى :﴿وفاكهة وأبّا﴾ [ ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾ ](١) والأب الكلأ ؛ فيخبر أنه أنشأ هذه الأشياء لتكون متاعا للخلق والأنعام لا لمنافع نفسه.
١ ساقطة من الأصل وم..
عبس 80:32
الآيتان ٣١ و٣٢ : وقوله تعالى :﴿وفاكهة وأبّا﴾ [ ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾ ](١) والأب الكلأ ؛ فيخبر أنه أنشأ هذه الأشياء لتكون متاعا للخلق والأنعام لا لمنافع نفسه.
١ ساقطة من الأصل وم..
عبس 80:33
الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿فإذا جاءت الصّاخّة﴾ قال الحسن : هي اسم القيامة ؛ يصخ لها كل شيء، وبه يقول أبو بكر : إنه يصخ لمجيئها كل شيء، أي يخشع لها، ويطأطئ رأسه للداعي كما قال الله تعالى :﴿مهطعين إلى الداعي﴾ [القمر: ٨].
وقال القتبي : الصاخة، هي الداهية، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها أو بالأفعال التي توجد فيها على ما ذكرنا.
وقال الزجاج : الصاخبة المصمة، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما تدعى إليه(١).
١ في الأصل وم: إليها..
عبس 80:34
للداعي، كما قال اللَّه تعالى: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ).
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الصاخة هي الداهية، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها، أو بالأفعال التي توجد فيها؛ على ما ذكرنا.
وقال الزجاج: الصاخة: المصمة، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما يدعى إليها.
وقوله - عَزَّ وجل -: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) جائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار.
وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار، قال اللَّه - تعالى -: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم أنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، واهتموا لذلك.
ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة والاستبشار عند الحضرة حتى كأنه لا أنساب بينهم، لا أن يكون بينهم في الحقيقة نسب، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال بحاله والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار؛ لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار، لا على تحقيق الفرار؛ لأنه قال: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه.
أو يكون على حقيقة الفرار، وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير؛ فيخافون في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك فيحملهم على الفرار.
أو يفر كل واحد منهم عن تحمل ثقل الأقرباء، كما قال: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)، وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم؛ بل يفرون.
ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة، وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة فيما بين الأخلاء بقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال، وذلك
عبس 80:35
الآيات ٣٤ و٣٥ و٣٦ : وقوله تعالى :﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ [ ﴿وأمه وأبيه﴾ ﴿وصاحبته وبنيه﴾ ](١) فجائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار، وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار. قال الله تعالى :﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، واهتموا لذلك.
ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة والاستبشار عند الحضرة، حتى كأنه لا أنساب بينهم في الحقيقة(٢)، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال [ عن حال ](٣) والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار لا على تحقيق الفرار لأنه قال :﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه، أو يكون على حقيقة الفرار.
وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير، فيخافوا(٤) في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك، فيحملهم على الفرار، ويفر كل منهم من تحمل ثقل الأقرباء كما قال :﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ [فاطر: ١٨] وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم، بل يفرون.
ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة. وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة في ما بين الأخلاء بقوله تعالى :﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧].
وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال، وذلك في الوقت الذي لم يتفرغ [ أحد ](٥) عن شغل نفسه. فأما إذا آمن، وجاءته البشارة، فهو يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: بنسب..
٣ في الأصل وم: بحاله..
٤ في الأصل وم: فيخافون..
٥ ساقطة من الأصل وم...
عبس 80:36
الآيات ٣٤ و٣٥ و٣٦ : وقوله تعالى :﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ [ ﴿وأمه وأبيه﴾ ﴿وصاحبته وبنيه﴾ ](١) فجائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار، وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار. قال الله تعالى :﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، واهتموا لذلك.
ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة والاستبشار عند الحضرة، حتى كأنه لا أنساب بينهم في الحقيقة(٢)، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال [ عن حال ](٣) والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار لا على تحقيق الفرار لأنه قال :﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه، أو يكون على حقيقة الفرار.
وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير، فيخافوا(٤) في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك، فيحملهم على الفرار، ويفر كل منهم من تحمل ثقل الأقرباء كما قال :﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ [فاطر: ١٨] وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم، بل يفرون.
ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة. وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة في ما بين الأخلاء بقوله تعالى :﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧].
وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال، وذلك في الوقت الذي لم يتفرغ [ أحد ](٥) عن شغل نفسه. فأما إذا آمن، وجاءته البشارة، فهو يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: بنسب..
٣ في الأصل وم: بحاله..
٤ في الأصل وم: فيخافون..
٥ ساقطة من الأصل وم...
عبس 80:37
في الوقت الذي لم يتفرغ عن شغل نفسه، فأما إذا أمن وجاءته البشارة فهو يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) قالوا: أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن غيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) أي: مضيئة، أو ناضرة، ناعمة، مشرقة؛ فيكون فيه إخبار عما هم فيه من النعيم؛ حتى يظهر ذلك في وجوههم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) أي: مسرورة بنعيم اللَّه - تعالى - الذي أنعم عليهم، مستبشرة برضاء اللَّه - تعالى عنها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) قالوا: هذا أول تغير يظهر في وجوههم، كأنما علاها الغبار، ثم تسود، ثم تطمس، وترد على أدبارها، كما قال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) قال أبو بكر: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ)، أي: تغشاها الذلة، أو تعلوها، ثم تتلون بعد ذلك؛ فتكون كأنما علاها الغبار، ثم تسود على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) أي: الكفرة بأنعم اللَّه تعالى، الفجرة: المائلة عن الحقوق، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
عبس 80:38
الآية ٣٨ : وقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ مسفرة﴾ أي مضيئة أو ناضرة ناعمة مشرقة. فيكون فيه إخبار عما هم من النعيم حتى يظهر ذلك في وجوههم.
عبس 80:39
الآية ٣٩ : وقوله تعالى :﴿ضاحكة مستبشرة﴾ أي مسرورة بنعيم الله تعالى الذي أنعم عليهم ﴿مستبشرة﴾ برضا الله عنها.
عبس 80:40
الآية ٤٠ : وقوله تعالى :﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾ قالوا : هذا أول تغير يظهر في وجوههم، كأنما علاها الغبار، ثم تسود/٦٢٧ – ب/ثم تطمس، وترد على أدبارها كما قال :﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ [النساء: ٤٧].
عبس 80:41
الآية ٤١ : وقوله تعالى :﴿ترهقها قترة﴾ قال أبو بكر :﴿ترهقها قترة﴾ أي تغشاها الذلة، أو تعلوها، ثم تتلون بعد ذلك، فتكون كأنما علاها الغبار، ثم تسود على ما ذكرنا.
عبس 80:42
الآية ٤٢ : وقوله تعالى :﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ أي الكفرة بأنعم الله تعالى، الفجرة المائلة عن الحقوق، والله الموافق [ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ](١).
١ من م، ساقطة من الأصل..
التكوير 81:1
سُورَةُ كُوِّرَتْ وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ. وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) هذا ليس بابتداء خطاب، ولكنه جواب عن سؤال تقدم؛ فيشبه أن يكون السؤال عن وقت لقاء الأنفس الأعمال؛ فنزل قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) إشارة إلى أحوال ذلك الوقت وآثارها؛ على ما نذكر المعنى الذي له وقع لتبيين الأحوال دون تبيين الوقت في سورة (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ).
واختلف في قوله - تعالى -: (كُوِّرَتْ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: هي فارسية، معربة، وهي بالعربية: غورت.
وقال: (كُوِّرَتْ)، أي: ذهب ضوءها؛ يقال: كور الليل على النهار، أي: أذهب نوره وضياءه؛ فالتكوير يغطي لون الشيء عن الأبصار، فقيل: كورت الشمس، أي: حبس ضوءها على الأبصار بالطمس؛ فيكون فيه إنباء أنه يطمس ظاهرها، ثم يرد التغيير في نفسها فتتلف وتتلاشى، ومنه يقال: كور العمامة؛ إذا لفها على رأسه فتغطيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) تناثرت وتساقطت، وهو كقوله: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ).
وقيل: ذهب ضوءها؛ فكأن ضوءها يذهب أولا، ثم تتناثر بعد ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) أي: قلعت عن أماكنها وسيرت، كما قال في آية أخرى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)، وهي إذا قلعت تكثرت؛ حتى لا يتبين للناظر سيرها؛ لكثرتها؛ فيحسبها جامدة، وهي تسير، فهذا
التكوير 81:2
الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿وإذا الجبال انكدرت﴾ تناثرت، وتساقطت، وهو كقوله :﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: ٢] وقيل : ذهب ضوؤها ؛ فكأنه يذهب ضوؤها أولا، ثم تتناثر بعد ذلك.
التكوير 81:3
الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿وإذا الجبال سيرت﴾ أي قلعت عن أماكنها، وسيرت كما قال في آية أخرى :﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ [النمل: ٨٨] وهي إذا قلعت تكسرت(١) حتى يتبين للناظر سيرها لتكسرها(٢)، فتحسبها جامدة، وهي تسير. فهذا أول تغير يظهر فيها، ثم تصير ﴿كثيبا مّهيلا﴾ [المزمل: ١٤] ثم ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ثم ﴿هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣] إلى أن تتلاشى، وتتلف.
١ في الأصل وم: تكثرت..
٢ في الأصل وم: لتكثرها..
التكوير 81:4
أول تغير يظهر منها، ثم تصير كثيبا مهيلا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء منثورا إلى أن تتلاشى وتتلف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) فالعشار هي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وهي من أنفس الأموال عند أهلها؛ فيخبر أن أربابها يعطلونها في ذلك اليوم ولا يلتفتون إليها؛ لشغلهم بأنفسهم في ذلك، وهو كما قال: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) إلى قوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) قيل: جمعت، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تجمع كلها فتتلف وتهلك.
والثاني: أن تحشر مرات يحييها بعد موتها؛ فيضع اللَّه تعالى فيها ما شاء؛ فيكون في هذا إخبار عن عظم هول ذلك اليوم؛ حتى يؤثر الهول في الوحوش، والشمس، والقمر، والسموات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) قيل: فجرت، وسنذكر تأويل التفجير فيما بعد، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) قيل: قرنت.
ثم اختلف في معنى القران:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: قرن زوجها إليها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يقرن كل بأهل شيعته؛ فيقرن الكفرة بالشياطين، وأهل الشراب بأهل الشراب، وأهل الزنى بأهل الزنى، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ، (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، إلى قوله: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ
التكوير 81:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ قيل : جمعت ؛ وهو يحتمل وجهين :
أحدهما : أن تجمع كلها، فتتلف، وتهلك.
والثاني : أن تحشر، في أن يحييها بعد موتها، فيصنع الله تعالى فيها ما يشاء، فيكون في هذا إخبار عن عظم ذلك اليوم حتى يؤثر الهول في الوحش والشمس والقمر والسماوات.
التكوير 81:6
الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿وإذا البحار سجرت﴾ قيل : فجرت، وسنذكر تأويل انفجر في ما بعد إن شاء الله تعالى(١).
١ سيكون ذلك بإذن الله في تفسير الآية ﴿وإذا البحار فجرت﴾ [الانفطار: ٣]..
التكوير 81:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿وإذا النفوس زوجت﴾ قيل : قرنت. ثم اختلف في معنى القران.
قال بعضهم : قرن زوجها إليها، قال بعضهم : يقرن كل بأهل شيعته، فيقرن الكفرة بالشياطين، وأهل الشراب بأهل الشراب، وأهل الزنى بأهل الزنى كقوله(١) عز وجل :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيّض له شيطان فهو له قرين﴾ إلى قوله :﴿قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ [ الزخرف : ٣٦ و٣٧ و٣٨ ].
ففي هذا إخبار أن المعذب منهم، إذا رأى عدوّه، يعذب عذابه، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل بذلك شيئا، ولم ينل به راحة، وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه، يعذب، يتسلى بذلك.
١ في الأصل وم: وقال الله..
التكوير 81:8
الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ)، ففي هذا إخبار أن المعذب منهم إذا رأى عدوه يعذب عذابه، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل بذلك شيئا، ولم ينل به راحة، وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه يعذب عذابه يتسلى بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) وقرأ بعضهم: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سألت) وهذا هو الظاهر أن تكون هي السائلة، أي: تسأل إياهم: بأي ذنب قتلت؟! وتقول: بأي ذنب قتلتموني؟!.
وكانت العرب تدفن بناتها، يقال: وأدته: أي: دفنته.
ثم القراءة المعروفة: (سُئِلَتْ)، وهي تحتمل أوجها ثلاثة:
أحدها: ذكر أبو عبيد وقال: إن قتلتها تسأل: بأي ذنب قتلت الموءودة؟!.
والثاني: يحتمل أن تسأل الموءودة عند حضرة الذين وأدوها: بأي ذنب قتلْتِ؟! يراد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها، لا سؤال استخبار واستفهام، وهو كقوله - تعالى -: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام، ولكن يسأل سؤال تخويف وتهويل لمن ادعى أن عيسى - عليه السلام - هو الذي أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون اللَّه.
والثالث: جائز أن تسأل الموءودة: أتدعي أو لا تدعي؟ وما الذي تدعي عليهم؟ فيبدأ بها بالسؤال، كما يرى المدعي في الشاهد هو الذي يبدأ بالسؤال، فيقال له: ما تدعي على هذا؟ فقوله: (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) كأنها إذا سئلت عن الذي ادعت، قالت: (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) أي: الكتب نشرت للحساب، وهي التي فيها أعمال ابن آدم وقتما تدفع إليهم بأيمانهم وشمائلهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) قيل: قشرت، وذلك أن تتناثر النجوم، وتطمس الشمس، فتطوى كطي السجل للكتب.
وقيل: كشفت، تكشف السماء، كما يكشف الغطاء عن الشيء.
التكوير 81:9
الآية ٩ :﴿بأي ذنب قتلت﴾ تقول : بأي ذنب قتلتموني ؟ وكانت العرب، تدفن بناتها ؛ يقال : وأدته، أي دفنته.
ثم القراءة المعروفة ﴿سئلت﴾ وهي تحتمل أوجها ثلاثة :
أحدها :[ ما ](١) ذكر أبو عبيدة، وقال : إن قتلتها تسأل ﴿بأي ذنب قتلت﴾ الموءودة ؟
[ والثاني :](٢) أن تسأل الموؤودة عند حضرة الذين وأدوها ﴿بأي ذنب قتلت﴾ ؟ يراد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها، ولا سؤال استخبار واستفهام، وهو كقوله تعالى :﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ بالمائدة : ١١٦ ] وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام، ولكن يسأل تخويف وتهويل من ادعى أن عيسى عليه السلام، هو الذي أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله.
[ والثالث :](٣) أن تسأل الموؤودة : أتدعي ؟ أم(٤) لا تدعي ؟ وما الذي تدعي عليهم ؟ فيبدأ بها بالسؤال كما يرى المدعي في الشاهد : هو الذي يبدأ بالسؤال، فيقال له : ما تدعي على هذا ؟ فقوله :﴿بأي ذنب قتلت﴾ كأنها إذا سئلت عن الذي ادعت، وقالت :﴿بأي ذنب قتلت﴾ والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وتحتمل..
٣ في الأصل وم: وجائز..
٤ في الأصل وم: أو..
التكوير 81:10
الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿وإذا الصحف نشرت﴾ أي الكتب نشرت للحساب، وهي التي فيها أعمال بني آدم وقت ما تدفع إليهم(١) بأيمانهم وشمائلهم.
١ في الأصل وم: إليها..
التكوير 81:11
الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿وإذا السماء كشطت﴾ قيل : نشرت، وذلك أن تتناثر النجوم، وتطمس الشمس [ وتطوى السماء ](١) ﴿كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقيل : كشفت السماء، فكشفة السماء كما يكشف الغطاء عن الشيء، ويقال : كشطت، أي قلعت كما يقلع السقف.
١ ساقطة من الأصل وم..
التكوير 81:12
ويقال: كشطت؛ أي: قلعت كما يقلع السقف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يحدث تسعيرها؛ فيكون فيه علم الحدثيَّة، وكذلك في قوله - تعالى -:: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) يحتمل أن يبتدئ تسجيرها، ولما تسجر من قبل.
وجائز أن يراد من التسجير والتسعير على ما كان من قبل؛ لقوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، وقد كان وقودها بغير هذين، ثم يزاد في وقودها بالناس والحجارة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) قيل: قربت؛ فأضيف إليها التقريب؛ لأن أهلها إذا قربوا إليها فقد قربت هي إليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) أي: ما أحضرت من خير أو شر؛ كقوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) الآية.
أو تعلم ما أحضرتها الملائكة الذين كتبوا عليها.
* * *
قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ): الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي أحكاما ثلاثة.
أحدها: ما من شيء خلقه اللَّه - تعالى - إلا وفيه دليل وحدانيته، وآية ربوبيته، إذا أنعم النظر فيه، ويثبت علمه وحكمته، ويدل على قدرته وسلطانه، وفي تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالبعث، وإيجاب القول بالرسل، ونهي عن عبادة غير اللَّه، فلو أنعموا النظر فيها وتفكروا في أمرها، لأداهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل؛ فلا يدعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول؛ فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد لحججه؛ ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن القرآن من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو الرسول من عنده.
أو يكون القسم تلقينا من اللَّه - تعالى - لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الأشياء؛ ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره - عليه السلام - ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء ودق، وبما كثف وغلظ، وبما كبر وصغر، وبما ظهر وخفي، تتفق كلها في إزالة الشبهة وإثبات التوحيد والرسالة والبعث، بل الأعجوبة فيما لطف من الأشياء أعظم منها فيما كثف وغلظ، فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى، وبما شاء من خلقه؛ إذ الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وحكمته وقدرته وسلطانه - متفقة.
ولأن ما لطف من الأشياء وخفي منها يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها واستتر ذكر ما ظهر منها، وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها؛ فيكون القسم في الحقيقة باللَّه تعالى.
ثم اختلف في (الخنس) و (الكنس):
قال أبو بكر: إن (الخنس) هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال الحسن: الخنس: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها ويغبن في مغاربها، و (الكنُس): هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها ثم يكنسن ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن فيطلعن.
وقيل: (بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) وهي خمس كواكب لهن مجار في السماء يظهرن بالليل ويستترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت.
ثم قيل: الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها.
وقيل: الخنوس: الاختفاء، والكنوس: التأخر، وكذا قال الفراء: هي النجوم الخمسة
التكوير 81:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ قيل : قربت، فأضيف إليها التقريب لأن أهلها إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم.
التكوير 81:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أي ﴿ما علمت من خير محضرا وما عملت من سوء﴾ [آل عمران: ٣٠] أو تعلم ما أحضر لها الملائكة الذين كتبوا.
التكوير 81:15
الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿فلا أقسم بالخنس﴾ ﴿الجوار الكنس﴾ الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي/٦٢٨ – أ/أحكاما ثلاثة :
أحدها : ما من شيء خلقه الله تعالى إلا وفيه دليل وحدانيته وآية ربوبيته، إذا أمعن النظر فيه.
[ والثاني : تثبيت ](١) علمه وحكمته يدل على قدرته وسلطانه.
[ والثالث :](٢) في تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالرسالة ونهي عن عبادة غير الله.
فلو أمنعوا النظر فيها، وتفكروا في أمره أدّاهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل، فلا [ كانوا ](٣) يدّعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول.
فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد بحججه ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو أن يكون القسم تلقينا من الله تعالى لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الأشياء ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره ﷺ ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء، ودق، وبما كثف، وغلظ، وبما كبر، وصغر، وبما ظهر، وخفي، تتفق كلها في إزالة الشبه وإثبات التوحيد والرسالة والبعث. بل الأعجوبة في ما لطف من الأشياء أعظم منها بما كثف، وغلظ. فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى وبما شاء من خلقه.
إن الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وقدرته وسلطانه متفقة، ولأن ما لطف من الأشياء، وخفي منها، يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها، واستتر، ذكر ما ظهر منها، وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها، فيكون القسم في الحقيقة بالله تعالى.
ثم اختلف في الخنس والكنس ؛ قال أبو بكرك إن الخنس، هي النجوم التي يطلعن من مطالعها، ويغربن في مغاربها، والكنّس، هي النجوم التي يطلعن من مطالعها، ثم يكنسن، ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن، فيطلعن.
وقيل : الخنس الجواري الكنس، هي خمسة كواكب، لهن مجار في السماء، يظهرن بالليل، ويسترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت. ثم قيل : الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها. وقيل : الكنوس الاختفاء، والخنوس التأخر، وكذا قال الفراء : هي النجوم الخمسة [ تخنس ](٤) في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب [ الحبر ](٥) فيخنس بهم النهار كما تخنس النجوم الخنس، أي يحيد بهم، ويتأخر، والله أعلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ هي ](٦) الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانهن. وأيا(٧) كان، فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
١ في الأصل وم: ويثبت..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٧ في اّلأصل وم: وإنما..
التكوير 81:16
الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿فلا أقسم بالخنس﴾ ﴿الجوار الكنس﴾ الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي/٦٢٨ – أ/أحكاما ثلاثة :
أحدها : ما من شيء خلقه الله تعالى إلا وفيه دليل وحدانيته وآية ربوبيته، إذا أمعن النظر فيه.
[ والثاني : تثبيت ](١) علمه وحكمته يدل على قدرته وسلطانه.
[ والثالث :](٢) في تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالرسالة ونهي عن عبادة غير الله.
فلو أمنعوا النظر فيها، وتفكروا في أمره أدّاهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل، فلا [ كانوا ](٣) يدّعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول.
فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد بحججه ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو أن يكون القسم تلقينا من الله تعالى لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الأشياء ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره ﷺ ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء، ودق، وبما كثف، وغلظ، وبما كبر، وصغر، وبما ظهر، وخفي، تتفق كلها في إزالة الشبه وإثبات التوحيد والرسالة والبعث. بل الأعجوبة في ما لطف من الأشياء أعظم منها بما كثف، وغلظ. فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى وبما شاء من خلقه.
إن الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وقدرته وسلطانه متفقة، ولأن ما لطف من الأشياء، وخفي منها، يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها، واستتر، ذكر ما ظهر منها، وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها، فيكون القسم في الحقيقة بالله تعالى.
ثم اختلف في الخنس والكنس ؛ قال أبو بكرك إن الخنس، هي النجوم التي يطلعن من مطالعها، ويغربن في مغاربها، والكنّس، هي النجوم التي يطلعن من مطالعها، ثم يكنسن، ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن، فيطلعن.
وقيل : الخنس الجواري الكنس، هي خمسة كواكب، لهن مجار في السماء، يظهرن بالليل، ويسترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت. ثم قيل : الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها. وقيل : الكنوس الاختفاء، والخنوس التأخر، وكذا قال الفراء : هي النجوم الخمسة [ تخنس ](٤) في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب [ الحبر ](٥) فيخنس بهم النهار كما تخنس النجوم الخنس، أي يحيد بهم، ويتأخر، والله أعلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :[ هي ](٦) الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانهن. وأيا(٧) كان، فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
١ في الأصل وم: ويثبت..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٧ في اّلأصل وم: وإنما..
التكوير 81:17
تخنس في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب: " فتخنس بهم النار كما تخنس النجوم الخنس "، أي: تحيد بهم وتتأخر، واللَّه أعلم.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: هي الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانسهن، وأيما كان فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) قيل: إذا أقبل.
وقيل: إذا أقبل وإذا أدبر.
وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إذا انفجر، وإذا ارتفع، وفي إقبال الليل وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشت سترت عن وجوه الأشياء وكشف النهار عنها الستر، ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها بالحيل والأسباب لم يتمكن منها، ولو أراد نزع الغطاء عنها، لم يملك، فذكرهم هذا؛ ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا لا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث؛ بل هو قادر على إحيائهم وبعثهم.
وقوله - تعالى -: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) فموضع القسم على هذا، وعلى قوله - تعالى -: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).
ثم تأويل قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، أي: هذا الذي أتاكم به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبريل - عليه السلام - ثم نسب هاهنا إلى الرسول؛ لما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، فسماه: كلام اللَّه؛ على الموافقة، أو لما أن ابتداءه يرجع إليه، لا أن يكون المسموع كلامه، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب إليه؛ لأن ابتداءه يرجع إليه؛ فكذلك سمي: كلام اللَّه؛ لأنه يدل على كلامه، ولما يرجع إليه ابتداؤه، لا أن يكون هو نفس كلامه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) وفي وصفه بالقوة فائدتان:
إحداهما: ما ذكرنا أن فيه بيان الأمن عن تغيير يقع فيه من الأعداء من الجن والشياطين
التكوير 81:18
الآية ١٨ : وقوله(١)تعالى :﴿والصبح إذا تنفس﴾ إذا انفجر، وإذا ارتفع.
وفي إقبال الليل وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان ؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشيت سترت وجود(٢) الأشياء [ ونور النهار ](٣) كشف عنها الستر. ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها بالحيل والأسباب لم يتمكن [ من ذلك ](٤) ولو أراد نزع الغطاء عنها(٥) لم يملك. فذكرهم هذا ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا، فلا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث، بل هو قادر على إحيائهم وبعثهم.
١ في الأصل وم: وفي قوله.
٢ في الأصل وم: عن وجوه..
٣ في الأصل وم: و..
٤ في الأصل وم: منها..
٥ في الأصل وم: عنهم..
التكوير 81:19
الآية ١٩ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿إنه لقول رسول كريم﴾ فموضع القسم على هذا، وعلى قوله :﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ [ الآية : ٢٢ ].
ثم تأويل قوله :﴿إنه لقول رسول كريم﴾ أي هذا الذي أتاكم به محمد ﷺ تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبرائيل عليه السلام ثم نسب ههنا إلى الرسول ما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] فسماه كلام الله على الموافقة أو لما أن ابتداءه يرجع إليه لا أن يكون المسموع كلامه كما يقال : هذا قول أبي حنيفة، رحمه الله، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب إليه لأن ابتداءه يرجع إليه، فكذلك سمى كلام الله لأنه يدل على كلامه ولما يرجع إليه ابتداؤه لا يكون نفس كلامه.
١ من م، ساقطة من الأصل..
التكوير 81:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ وفي وصفه بالقوة فائدتان :
إحداهما : ما ذكرنا أن فيه بيان الآمن من تغيير، يقع فيه من الأعداء من الجن والإنس والشياطين، والإنس يحتجز عنهم بقوته، فلا يتمكنون منه حتى يغيروه، ويبدلوه. ووصفه بالأمانة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته.
[ والثانية ] (١) وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا ﷺ فبخبرهم أنه معه يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا بذلك به.
وروي أن رسوا الله ﷺ قال لجبريل عليه السلام :( ( إن الله تعالى وصفك بالقوة، فما أثر قوتك ؟ فقال : لما أمرني الله تعالى بإهلاك قوم لوط قلعت قرياتهم، ورفعتها بجناح واحد إلى السماء، ثم قلبتها ) ) [ الدر المنثور : ٨/٤٣٣، وفيه عزو السيوطي إياه إلى تاريخ ابن عساكر عن معاوية بن قرة ].
وليس بنا إلى تعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته ؟
وقوله تعالى :﴿عند ذي العرش مكين﴾ فإن كان المراد من العرش الملك فمعناه : عند ذي الملك مكين، أي ذو قدرة ومنزلة، وقيل : العرش السرير، فإن كان كذلك فتأويله أنه مكين عند من له سرير الملك.
١ في الأصل وم: أو.
التكوير 81:21
والإنس، يحتجز عنهم بقوته؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه، ووصفه بالأمانة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته.
أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به.
وروي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لجبريل - عليه السلام -: " إن اللَّه تعالى وصفك بالقوة فما أثر قوتك؟ فقال: لما أمرني اللَّه تعالى بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى السماء ثم قلبتها ".
وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته؟!.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ): إن كان المراد من العرش: الملك، فمعناه: عند ذي الملك مكين؛ أي: ذو قدرة ومنزلة.
وقيل: العرش: السرير، فإن كان كذلك، فتأويله: أنه مكين عند من له سرير الملك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) قيل: إن جبريل - عليه السلام - رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس، فإن كان كذلك ففيه إخبار أن الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - عليه السلام - فيما يأمرهم وينهاهم، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره؟!.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثَمَّ أَمِينٍ)، أي: هم يأتمنونه، ولا يتهمونه في شيء مما يجيء به إليهم، فكيف يتهمه هَؤُلَاءِ فيما يأتي إلى الرسول من الوحي؟!.
وقوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جبريل على صورته فغشي عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - عليه السلام - بالوحي لون وجهه؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من يقول: إنما نسبوه إلى الجنون؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه؛ حيث انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم، ومن قام
التكوير 81:22
الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ فمنهم من يقول : إن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول الله ﷺ جبرائيل على صورته، فغشي عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي بها(١) جبرائيل عليه الصلاة والسلام، بالوحي(٢) لون وجهه، فينسبونه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من يقول : إنما نسبوه إلى الجنون لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، وكان في الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم، فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه حين(٣) انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم [ ومن قام بخلاف من لا طاقة به ](٤) وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد، نسبوه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم [ هي التي حملتهم ](٥) على هذا، فنسبوه إلى الجنون مرة وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة قالوا :﴿إنما يعلمه بشر﴾ [النحل: ١٠٣] ومرة قالوا :﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ [ص: ٧] فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا لا عن بحث منهم في حاله ولكن على السفه والعناد.
ألا ترى أنهم ينسبونه إلى الجنون مرة وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان، لأن الساحر، هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون، هو النهاية في الجهل ؟ ولو كانوا يقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول، فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن إتباع النبي ﷺ بل كانوا يتفقون على كلمة واحدة، فيصدون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه، فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن إتباع النبي ﷺ.
وكذلك في ما زعموا أنه ﴿يعلمه بشر﴾ [النحل: ١٠٣] وأنه ﴿إلا إفك افتراه﴾ [الفرقان: ٤] أتوا بالمختلف من القول لأن اختلافه / ٦٢٨ – ب/ وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه مستغن عن تعليم غيره، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاف بنفسه.
فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم، ولكن قرفوه بكل ما حضرهم سفها منهم وعنادا.
ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبرائيل عليه الصلاة والسلام، على صورته، فقد أتاهم بما لو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة كما قال الله تعالى :﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾ [سبإ: ٤٦] وذلك أنه(٦) أتاهم بحكمة أعجزت(٧) حكماء الإنس والجن عن إتيان مثلها(٨)، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتيان مثله.
فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين ولا من علومهم، ولكنه من عند الله، أكرم به، وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم بحمد الله تعالى لم يتهيأ لهم أن يمكروا به ولا أن يقتلوه، بل أظفره الله عليهم، وأظهره على الدين كله، فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته وعلم نبوته.
١ في الأصل وم: به..
٢ من م، في الأصل الوحي..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم : هو الذي حملهم..
٦ في الأصل وم: أنهم..
٧ في الأصل وم: أعجز..
٨ في الأصل وم: مثله..
التكوير 81:23
بخلاف من لا طاقة له به، وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد؛ فنسبوه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم هو الذي حملهم على هذا؛ فنسبوه إلى الجنون مرة، وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة قالوا: علمه بشر، ومرة قالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا، لا عن بحث منهم في حاله، ولكن على السفه والعناد؛ ألا ترى أنهم نسبوه إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون هو النهاية في الجهل، ولو كانوا يقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول؛ فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن اتباع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، بل كانوا يتفقون على كلمة واحدة، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه؛ فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن اتباع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر، وأنه إفك افتراه؛ أتوا بالمختلف من القول؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه، مستغنٍ عن تعليم غيره، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه، فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه، ولكنهم قذفوه بكل ما حضرهم؛ سفها منهم وعنادا.
ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - عليه السلام - على صورته فقد أتاهم بما لو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة؛ كما قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز حكماء الإنس والجن عن إتيان مثله، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتيان مثله، فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين، ولا من علومهم، ولكنه من عند اللَّه أكرم به.
وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم - بحمد اللَّه تعالى - لم يتهيأ لهم أن يمكروا به، ولا أن يقتلوه؛ بل أظفره اللَّه عليهم، وأظهره على الدِّين كله؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته، وعلم نبوته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) قال الحسن: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأى ربه بقلبه؛ أي: عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به تشابه، وخص بالأفق؛ لأنه من الأفق تنزل البركات
التكوير 81:24
وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها، والمراد من ذلك الأماكن كلها.
وغيره من أهل التفسير صرف الرؤية إلى جبريل، عليه السلام.
وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سأل جبريل - عليه السلام - أن يراه على صورته، فقال له جبريل - عليه السلام -: " إن الأرض لا تسعني، ولكن إذا صليت الفجر، فانظر إلى أفق السماء؛ فهنالك تراني "، ففعل فرآه على صورته، ثم دنا منه، فكان قاب قوسين أو أدنى، فذكر الأفق؛ لأن الشيء من البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض؛ لذلك خصت الأفق؛ إذ كذلك تقع رؤية ما بعد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وقرئ (بظنين).
قال أبو عبيد: والظنين أولى؛ لأن الظنين هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم ينسب أحد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كانوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند اللَّه، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه اللَّه تعالى مما قالوا بقوله: (وما هو على الغيب بظنين) ومن قرأه بالضاد فهو يحتمل أوجها:
أحدها: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يضن بشيء علمه اللَّه - تعالى - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من العلماء؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اختلف إليهم كل ما عندهم من العلوم حتى يُستغنى عنهم، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يود أن يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر طاقته، ولم يكن يمتنع عن التعليم بُخلا منه وضنًّا.
وجائز أن يكون برأه اللَّه - تعالى - من هذا؛ لما علم أنه يكون في أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من يزعم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خص بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم، وتخصيص بعض دون بعض بتعليم ما عنده بخل في الشاهد؛ فكان في قوله: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) تكذيب أُولَئِكَ الذين يدعون هذا، وهذا كما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته "، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في أمته من يتقدم
التكوير 81:25
الشهر بالصيام، فقال هذا؛ ليعرف خطأ من يتقدم الشهر بالصيام على الخطأ والجهالة، ليس على إصابة الحق؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكرنا.
ثم صرفوا تأويل الغيب إلى القرآن، وهو عندنا في القرآن وفي غيره من الأشياء التي أطلع اللَّه - تعالى - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عليها.
وجائز أن يكون الضن منصرفا إلى الشفاعة التي أكرم اللَّه - تعالى - نبيه - ﷺ - بها، فهو لا يخص بعض أمته دون بعض بالشفاعة، بل يعمهم جميعا؛ فيكون في هذا تحريض على الاتباع له، والانقياد لطاعته.
ويحتمل وجها آخر: وهو أنه ليس بضنين في أداء شكر ما أنعم اللَّه - تعالى - عليه؛ حيث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل اجتهد في أداء شكره حتى ذكر أنه تورمت قدماه من طول القيام، فقيل له: ألم يغفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!. فقال: " أفلا أكون عبدا شكورا؟! ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليس من شياطين الإنس، ولا بمجنون كما ذكرتم؛ بل هو رسول كريم.
أو الذي أتاكم به من القرآن لم يتلق من الشياطين، ولا هو من قبلهم كما تلقته الكهنة والسحرة من أقوالهم؛ بل هو ذكر من اللَّه - تعالى - للعالمين أنزله إليه الروح الأمين القوي الذي لا يصل إليه الشيطان فيغيره ويبدله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) أي: فأين تذهبون عن طاعته واتباعه والانقياد له وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته واتباعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) أي: عظة للعالمين، يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى، وما تصير إليه عواقبهم.
أو أن يكون قوله: (ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)، أي: شرف لهم، يشرف قدرهم به، ويصيرون أئمة يقتدى بهم ويختلف إليهم؛ ليتعلم منهم، واللَّه أعلم.
التكوير 81:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿فأين تذهبون﴾ أي فأين تذهبون عن طاعته واتباعه والانقياد له، وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته وإتباعه ؟
ثم قوله عز وجل :﴿فأين تذهبون﴾ يحتمل أوجها غير ما ذكرنا :
أحدها : أن هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ تلقاه من رسول كريم على الله تعالى. فإذا تؤمنوا به، ولم تقبلوه، فما ذهبتم إلا إلى قول الشيطان الرجيم.
[ والثاني : أن قوله :](١) ﴿فأين تذهبون﴾ إلى من تذهبون ؟ وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله عز وجل ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله تعالى، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول ﷺ في ما أخبركم به ؟ فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجؤون ؟ وهو كقوله تعالى :﴿قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم﴾ [ الملك ].
[ والثالث : أنكم ](٢)إذا لم تؤمنوا بالله تعالى، ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد ﷺ وقد تقرر عندكم [ صدق ما ](٣) أتاكم من الآيات المعجزة، فبأي حديث تصدقون بعد ذلك، وتذهبون إليه ؟ وهو كقوله تعالى :﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ؟ [المرسلات: ٥٠].
التكوير 81:27
الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ أي عظة للعالمين ؛ يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى وما تصير إليه عواقبهم، أو يكون قوله :﴿ذكر للعالمين﴾ أي شرف، قدرهم به أئمة يقتدى بهم، ويختلف إليهم ليتعلم منهم، والله أعلم.
التكوير 81:28
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) يحتمل أوجها غير ما ذكرنا:
أحدها: أن هذا القرآن الذي جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تلقاه من رسول كريم على اللَّه - تعالى - فإذا لم تؤمنوا به، ولم تقبلوه فما ذهبتم إلا إلى قول شيطان رجيم.
ويحتمل؛ (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟ وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ونقمته إذا لم تؤمنوا باللَّه تعالى، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أخبركم به؟! فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجئون؟! وهو كقوله - تعالى -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).
أو إذا لم تؤمنوا باللَّه - تعالى - ولم تتبعوا ما أتاكم به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات المعجزة، فبأي حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه؟! وهو كقوله تعالى: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟!.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) معناه - والله أعلم -: أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء الاستقامة، ويهتدي به من طلب الهداية؛ قال - تعالى -: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، وهو في نفسه هدى، ولكن يهتدي بهداه المتقون، ومن ليس بمتقٍ فهو عمى عليه ورجس، وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع، ولكن معناه: أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر، وقال: آيات لأولي الأبصار، وهي في أنفسها آيات، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يحمل على تحقيق المشيئة، ويكون تأويله: أن من أراد الاستقامة على أمر اللَّه - تعالى - أو على الحق، فهذا الذكر -وهو القرآن- يقيمه على الحق وعلى الأمر، ويهديه إلى ذلك.
أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل؛ فيكون معناه: من استقام منكم على الحق والأمر فهو ذكر له.
والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار، وإذا كان هكذا، صارت المشيئة مقترنة بالفعل، فإذا فعل فقد شاء؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة؛ لذلك استقام حمله على ما ذكرنا، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر.
التكوير 81:29
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) فإن كان قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ) على تحقيق المشيئة، فمعناه: أنكم لا تشاءون الاستقامة -على ما ذكرنا- إلا أن يشاء اللَّه.
وإن كان على تحقيق الفعل، فتأويله: أنكم ما استقمتم على الطريقة إلا بمشيئة الله تعالى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تأويل قوله: (وَمَا تَشَاءُونَ)، أي: لم تكونوا تشاءون إنزال هذا الكتاب، فأنزله اللَّه تعالى على رسوله - عليه السلام - بغير مشيئتكم.
وهذا غير محتمل عندنا؛ لأنه قد سبق من القوم الإرادة والسؤال بإرسال الرسول إليهم بقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ)، فثبت أنه قد سبق منهم السؤال بإرسال الرسول وإنزال الكتاب عليه، لكن تأويله ما ذكرنا.
ثم في هذه الآية دلالة أن كل من شاء اللَّه تعالى منه الاستقامة توجد منه الاستقامة: ، ولا يجوز أن يشاء من أحد استقامته ولا يستقيم، كما قالت المعتزلة؛ لأن اللَّه - تعالى - مَنَّ على من استقام بمشيئة استقامته، فلو لم توجد الاستقامة من كل من شاء منه الاستقامة، لم يكن للامتنان معنى؛ لأن الاستقامة وغير الاستقامة تكون به، لا باللَّه تعالى، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
* * *