Lafzullah

تأويلات أهل السنة — الانفطار 82:1 – الفجر 89:30

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. الانفطار 82:1
  2. الانفطار 82:2
  3. الانفطار 82:3
  4. الانفطار 82:4
  5. الانفطار 82:5
  6. الانفطار 82:6
  7. الانفطار 82:7
  8. الانفطار 82:8
  9. الانفطار 82:9
  10. الانفطار 82:10
  11. الانفطار 82:11
  12. الانفطار 82:12
  13. الانفطار 82:13
  14. الانفطار 82:14
  15. الانفطار 82:15
  16. الانفطار 82:16
  17. الانفطار 82:17
  18. الانفطار 82:18
  19. الانفطار 82:19
  20. المطففين 83:1
  21. المطففين 83:2
  22. المطففين 83:3
  23. المطففين 83:4
  24. المطففين 83:5
  25. المطففين 83:6
  26. المطففين 83:7
  27. المطففين 83:8
  28. المطففين 83:9
  29. المطففين 83:10
  30. المطففين 83:11
  31. المطففين 83:12
  32. المطففين 83:13
  33. المطففين 83:14
  34. المطففين 83:15
  35. المطففين 83:16
  36. المطففين 83:17
  37. المطففين 83:18
  38. المطففين 83:19
  39. المطففين 83:20
  40. المطففين 83:21
  41. المطففين 83:22
  42. المطففين 83:23
  43. المطففين 83:24
  44. المطففين 83:25
  45. المطففين 83:26
  46. المطففين 83:27
  47. المطففين 83:28
  48. المطففين 83:29
  49. المطففين 83:31
  50. المطففين 83:32
  51. المطففين 83:33
  52. المطففين 83:34
  53. المطففين 83:35
  54. المطففين 83:36
  55. الانشقاق 84:1
  56. الانشقاق 84:2
  57. الانشقاق 84:3
  58. الانشقاق 84:4
  59. الانشقاق 84:6
  60. الانشقاق 84:7
  61. الانشقاق 84:9
  62. الانشقاق 84:10
  63. الانشقاق 84:11
  64. الانشقاق 84:13
  65. الانشقاق 84:14
  66. الانشقاق 84:15
  67. الانشقاق 84:16
  68. الانشقاق 84:17
  69. الانشقاق 84:18
  70. الانشقاق 84:19
  71. الانشقاق 84:20
  72. الانشقاق 84:21
  73. الانشقاق 84:22
  74. الانشقاق 84:23
  75. الانشقاق 84:24
  76. الانشقاق 84:25
  77. البروج 85:1
  78. البروج 85:2
  79. البروج 85:3
  80. البروج 85:4
  81. البروج 85:5
  82. البروج 85:6
  83. البروج 85:7
  84. البروج 85:8
  85. البروج 85:9
  86. البروج 85:10
  87. البروج 85:11
  88. البروج 85:12
  89. البروج 85:13
  90. البروج 85:14
  91. البروج 85:15
  92. البروج 85:16
  93. البروج 85:17
  94. البروج 85:18
  95. البروج 85:19
  96. البروج 85:20
  97. البروج 85:21
  98. البروج 85:22
  99. الطارق 86:1
  100. الطارق 86:3
  101. الطارق 86:4
  102. الطارق 86:5
  103. الطارق 86:6
  104. الطارق 86:7
  105. الطارق 86:8
  106. الطارق 86:9
  107. الطارق 86:10
  108. الطارق 86:11
  109. الطارق 86:12
  110. الطارق 86:13
  111. الطارق 86:14
  112. الطارق 86:15
  113. الطارق 86:16
  114. الطارق 86:17
  115. الأعلى 87:1
  116. الأعلى 87:2
  117. الأعلى 87:3
  118. الأعلى 87:4
  119. الأعلى 87:6
  120. الأعلى 87:7
  121. الأعلى 87:8
  122. الأعلى 87:9
  123. الأعلى 87:10
  124. الأعلى 87:11
  125. الأعلى 87:12
  126. الأعلى 87:13
  127. الأعلى 87:14
  128. الأعلى 87:15
  129. الأعلى 87:16
  130. الأعلى 87:17
  131. الأعلى 87:18
  132. الأعلى 87:19
  133. الغاشية 88:1
  134. الغاشية 88:2
  135. الغاشية 88:3
  136. الغاشية 88:4
  137. الغاشية 88:5
  138. الغاشية 88:6
  139. الغاشية 88:7
  140. الغاشية 88:8
  141. الغاشية 88:10
  142. الغاشية 88:11
  143. الغاشية 88:12
  144. الغاشية 88:13
  145. الغاشية 88:14
  146. الغاشية 88:15
  147. الغاشية 88:16
  148. الغاشية 88:17
  149. الغاشية 88:18
  150. الغاشية 88:19
  151. الغاشية 88:20
  152. الغاشية 88:21
  153. الغاشية 88:22
  154. الغاشية 88:23
  155. الغاشية 88:24
  156. الغاشية 88:25
  157. الغاشية 88:26
  158. الفجر 89:1
  159. الفجر 89:4
  160. الفجر 89:5
  161. الفجر 89:6
  162. الفجر 89:7
  163. الفجر 89:10
  164. الفجر 89:11
  165. الفجر 89:12
  166. الفجر 89:13
  167. الفجر 89:14
  168. الفجر 89:15
  169. الفجر 89:16
  170. الفجر 89:17
  171. الفجر 89:18
  172. الفجر 89:19
  173. الفجر 89:20
  174. الفجر 89:21
  175. الفجر 89:22
  176. الفجر 89:23
  177. الفجر 89:24
  178. الفجر 89:25
  179. الفجر 89:26
  180. الفجر 89:27
  181. الفجر 89:28
  182. الفجر 89:29
  183. الفجر 89:30

الانفطار 82:1

سُورَةُ الانْفِطَارِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) قد ذكرنا أن هذا جواب عن سؤال تقدم، لم يبين السؤال عند ذكر الجواب؛ لأن (إِذَا) جواب عن سؤال " متى "؟ فجائز أن يكون سؤالهم ما ذكر في إتمام الجواب، وهو قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) فكأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل: متى تعلم النفس ما قدمت وأخرت؟ فنزل قوله: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) الآية إلى آخرها. ثم ذكر الانفطار هاهنا وهو الشق، وذكر الفتح في موضع آخر، وهو قوله - تعالى -: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا)، وقال في موضع آخر: و (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، فمنهم من ذكر أن شقها وانفطارها أن تفتح أبوابها. ومنهم من حمله على الشق الذي يعرف من شق الأشياء، وهذا أقرب؛ لأن الآية في موضع التخويف والتهويل، وليس في فتح أبوابها تخويف، وإنما التخويف في انشقاقها بنفسها. ثم السؤال عن ملاقاة الأعمال وعن علم الأنفس بها سؤال عن الساعة، وفي ذكر انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وتسيير الجبال، وجعل الأرض قاعا صفصفا، وصفُ أحوال الساعة وآثارها، وليس فيه إشارة إلى وقت كونها؛ لأنه ليس في التوقف على حقيقة وقتها تخويف وتهويل، وفي ذكر آثارها تخويف، وهو أنه عظم هول ذلك اليوم، واشتد حتى لا تقوم له الأشياء القوية العلية في أنفسها، وهي الجبال، والسماوات والأرضون، بل يؤثر فيها هذا التأثير، حتى تصير الجبال كالعهن المنفوش، وتصير كثيبا مهيلا، وتنشق السماء، وتصير الأرض قاعا صفصفًا، فكيف يقوم لها الإنسان الضعيف المهين؟!.

الانفطار 82:2

أو إذا كانت السماوات والأرضون والجبال مع طواعيتها لربها لا تقوم لها وأفزاعها بل تتقطع، فكيف يقوم لها الآدمي الضعيف مع خبث عمله، وكثرة مساوئه مع ربه؟!. فيذكرهم هذه الأحوال؛ ليخافوه، ويهابوه؛ فيستعدوا له؛ فلهذا - واللَّه أعلم - ذكرت الأحوال التي عليها حال ذلك اليوم، ولم يبين متى وقته؛ ولهذا ما لم يبين منتهى عمر الإنسان؛ ليكون أبدا على خوف ووجل من حلول الموت به؛ فيأخذ أهبته، ويشمر له، ولو بين له كان يقع له الأمن بذلك؛ فيترك التزود إلى دنو ذلك الوقت، ثم يتأهب له إذا دنا انقضاء عمره. ثم إن اللَّه - تعالى - ذكر أحوال القيامة في غير موضع، وجعل ذلك مترادفا متتابعا في القرآن؛ فيكون في ذلك معنيان: أحدهما: أن للقلوب تغيرًا وتقلبا في أوقات، فرب قلب لا يلين لحادثة أول مرة حتى يعاد عليه ذكرها مرة بعد مرة، وحالا بعد حال، ثم تلين؛ فيكون في تتابع ذكر البعث والقيامة مرة بعد مرة إبلاع في النذارة وقطع عذر المعتذرين يوم القيامة. والثاني: أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وقد وقع الإسلام في قلوبهم موقعا؛ فيكون في تكرار المواعظ تلقيح لعقولهم، وتليين لقلوبهم على ما أكرمهم اللَّه - نعالى - من الإيمان، ونصرة رسول رب العالمين؛ كقوله: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا). وقوله - تعالى -: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) إما أن يكون انتثارها؛ لأنها مجعولة لمنافع الخلق، فإذا استغنى عنها أهلها فلا معنى لبقائها. أو لما جعلت زينة للسماء، فإذا انفطرت السماء، لم تحتج إلى زينة بعدها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) قال قائلون: أي يفجر ماؤها في بحر واحد، ثم يغور ماء ذلك البحر الذي اجتمعت فيه المياه؛ إما بما تنشفها الأرض، أو تجعل في بطن الحوت الذي ذكر أن الأرضين قرارها على ظهره، أو في بطن الثور، ثم يسوي اللَّه - تعالى - الأرض كلها؛ حتى لا يبقى فيها عوج، ولا قعر؛ فيبس البحار بما شاء: إما بالجبال، أو بغيرها.

الانفطار 82:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿وإذا البحار فجرت﴾ قال قائلون : أي يفجر ماؤها في بحر واحد، ثم يفوز ماء ذلك البحر الذي اجتمع فيه المياه إما بما تنشّفها الأرض [ وإما بجعلها ] (١) في بطن الحوت التي ذكر أن الأرضين، قرارها على ظهره، أو في بطن الثور. ثم يسوي الله تعالى الأرض كلها حتى لا يبقى فيها عوج ولا قعر. فتيبس البحار بما شاء إما(٢) بالجبال [ وإما بغيرها ](٣) وقال بعضهم : بل يفوز ماء كل بحر في مكانه لا أن تجمع المياه كلها في مكان واحد وبحر واحد. وقال بعضهم : بل يمتزج بعضها ببعض، فتصير نارا، يعذب بها أهلها، وكذلك قوله عز وجل :﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦] وقوله(٤) :﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦] والله أعلم أي ذلك يكون. ١ في الأصل وم: أو تجعل.. ٢ من م، في الأصل: أو.. ٣ في الأصل وم: أو بغير.. ٤ في الأصل وم: وقال..

الانفطار 82:4

وقَالَ بَعْضُهُمْ: بل يغور ماء كل بحر في مكانه، لا أن تجتمع المياه كلها في مكان واحد وبحر واحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بل يمتزج بعضها ببعض؛ فتصير نارا يعذب بها أهلها، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، وقال: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)، واللَّه أعلم أي ذلك يكون؟. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) أي: بعث مَن فيها، وتقذف القبور مَن فيها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) أي: تعلم الأنفس ما عملت، إلى آخر ما انتهى إليه عملها فلا يخفى عليها شيء من أمرها. ومنهم من يقول: ما قدمت من خير وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم. ومنهم من يقول: علمت ما قدمت من العمل؛ أي: بما عملت بنفسها، (وما أخرت) أي: ما سنت من السنة فعمل بها بعدها. وهذا الذي ذكروه داخل في تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما عملت إلى آخر ما انتهى إليه عملها. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟! واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع " عن "؛ قال اللَّه - تعالى -: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم. ثم وجه الجواب للمغتر باللَّه - تعالى - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت

الانفطار 82:5

الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ أي تعلم الأنفس ما عملت إلى آخر ما انتهى عملها، فلا يخفى عليها شيء من أمرها. ومنهم من يقول : ما قدمت من خير وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم. ومنهم من يقول :﴿علمت نفس ما قدمت﴾ من العمل أي ما عملت بنفسها ﴿وأخرت﴾ أي ما سنت من السنة، فعمل بها بعدها. وهذا الذي ذكروه داخل في تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما عملت إلى آخر ما انتهى عملها.

الانفطار 82:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان ما غرّك/ ٦٢٩ – ب/ بربك الكريم﴾ يحتمل من ربك، فيكون تأويله أي شيء غرك من ربك الكريم حتى اغتررت به، واغتراره بربه(١) الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع من، قال الله تعالى :﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾[الإنسان: ٦] ومعناه : يشرب منها، لا أن يشرب(٢) منها كرعا، أو يجعل العين آنية لهم. ثم وجه الجواب للمغتر بالله تعالى في قوله عز وجل :﴿ما غرك بربك الكريم﴾ وهو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت جريمته، فتجاوز عنه، أو تأخيره العقوبة حمله على الاغترار ؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا [ لذلك أقدم ](٣) عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكاب المعصية لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول : الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقى كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عليه حين تلا هذه الآية : الحمق يا رب. أو يكون قوله تعالى :﴿ما غرك بربك الكريم﴾ أي أي شيء غرك حتى ادعيت على الله تعالى أنه أمرك باتباع آبائك، أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله تعالى أمرك به على ما قال :﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] ألم أبعث إليك الرسول ؟ ألم أنزل إليك الكتاب، فيتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه ؟ وقيل : نزلت الآية في شأن كلدة [ بن أسيد الجمحي حين ](٤) ضرب النبي ﷺ فلم يعاقبه الله تعالى، فأسلم حمزة حمية لقومه، فهم كلدة أن يضربه ثانيا، فنزلت الآية :﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ ؟ [ حين لم يهلكك ](٥) عند تناول رسول الله. لكن لو كانت الآية فيه، [ لكان كل ](٦) الناس في معنى الخطاب على السواء، والله أعلم. ١ في الأصل وم: عن ربه.. ٢ في الأصل وم: يشربوا.. ٣ في الأصل وم: كذلك فأقدم.. ٤ في الأصل وم: وقال.. ٥ في الأصل ومّ: حيث لم تهلك.. ٦ في الأصل وم: فكل..

الانفطار 82:7

جريرته، فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حَمَله على الاغترار؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين تلا هذه الآية: " الحمق يا رب. أو يكون قوله: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على الله تعالى أنه أمرك باتباع آبائك؟! أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن اللَّه تعالى أمرك به؛ على ما قال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، ألم أبعث إليك الرسول؟! ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه؟!. وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فلم يعاقبه اللَّه - تعالى - فأسلم حمزة حمية لقومه؛ فَهَمَّ كلدة أن يضربه ثانية؛ فنزلت الآية: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) حيث لم يهلكك عند تناولك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) ففي ذكر هذا تعريف المنة؛ ليستأدي منه الشكر. وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته. وفيه ذكر حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه لا يعرفها الخلق، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ فيلزمهم اتباعها، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها، وتركوا اتباعها، وسنذكر وجه التسوية في قوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى): أنه سواه على ما توجبه الحكمة. أو سواه بما به مصالحه.

الانفطار 82:8

أو سواه من وجه الدلالة على معرفة الصانع. أو سواه فيما خلق له من اليدين، والرجلين، والسمع، والبصر. وقوله: (فَعَدَلَكَ) أي: سواك. ووجه التسوية: أن جعل له يدين مستويتين، لم يجعل إحداهما أطول من الأخرى، وكذلك سوى بين رجليه. وقرئ بالتخفيف والتشديد. قال أبو عبيد: معنى قوله: (فَعَدَلَكَ) بالتخفيف، أي: أمالك، وليس في ذكره كثير حكمة، واختار التشديد فيه. وليس كما ذكر، بل في ذكر هذا من الأعجوبة ما في ذكر الآخر؛ فقوله: (عدلك)، أي: صرفك من حال إلى حال، ووجه صرفه - واللَّه أعلم -: أنه كان في الأصل ماء مهينا في صلب الأب، فصرف ذلك الماء إلى رحم الأم، ثم أنشأه نطفة، ثم صرفها إلى العلقة، وإلى المضغة إلى أن أنشأه خلقا سويا. أو صرفه على ما عليه من الحال من الصحة إلى السقم، ومن السقم إلى البرء؛ فيكون في ذكر هذا تعريف المنة والقدرة والحكمة، كما في الأول، ففيه أعظم الفوائد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - -: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨): منهم من جعل (مَا) هاهنا صلة زائدة، ومعناه: في أي صورة شاء ركبك. ومنهم من جعل (مَا) هاهنا بمعنى الذي. ثم قوله: (شَاءَ رَكَّبَكَ) يحتمل أن يكون هذا عبارة عما تقدم من الأوقات، وهو أنه قد شاء تركيبك على الصورة التي أنت عليها، لا على صورة البهائم وغيرها؛ فيكون في ذكره تذكير المنن والنعم؛ ليستأدي منه الشكر. ووجه التذكير أنه أنشأه على صورة يرضاها، ولا يتمنى أن يكون بغير هذه الصورة من الجواهر، وأنشأه على صورة يعرف المحاسن والمساوئ، ويعرف الحكمة والسفه، ويميز بينهما، ويميز بين المضار والمنافع، وأنشأه على صورة سخر له السماوات والأرضين والأنعام، كما قال اللَّه تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ...) الآية، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...) الآية، ولم يسخره لغيره؛ فثبت أن فيه تذكير النعم؛ ليشكروه، ويقوموا

الانفطار 82:9

بحمده. وجائز أن يكون هذا على الاستئناف في أن يركبه على ما هو عليه، على أي صورة شاء من الصور التي يستقذرها؛ ويمسخه قردا أو خنزيرا؛ لمكان ما يتعاطى من المعاصي؛ فيكون في ذكره تذكير القدرة والقوة؛ ليراقب اللَّه - تعالى - ويهابه؛ فيترك معاصيه، ويتسارع إلى طاعته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) فإن حملت قوله: (كَلَّا) على التنبيه والردع فممكن أن يعطف على ما قبله وعلى ما بعده، وكذلك إذا حملته على القسم بمعنى: حقا؛ فإنه يستقيم عطفه على الأمرين جميعا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِالدِّينِ) يحتمل أن يكون أريد به دين الإسلام. والأصل: أن الدِّين إذا أطلق أريد به الدِّين الحق، وهو الإسلام، وكذلك الكتاب المطلق كتاب اللَّه تعالى. ويجوز أن يكون أريد به: البعث والجزاء، وسمي: يوم الدِّين؛ لما ذكرنا أن الناس يدانون بأعمالهم. والحكمة فيه - واللَّه أعلم -: أنهم قد أقروا بأن اللَّه - تعالى - أحكم الحاكمين، وتكذيبهم بيوم الدِّين يوجب أن يكون أسفه السفهاء، لا أن يكون أحكم الحاكمين؛ لأن الدنيا عواقبها الفناء والهلاك، فهم إذا كذبوا بالبعث فقد زعموا: أنهم ما أنشئوا إلا للهلاك والفناء، ومَن بنى بناء، ولم يقصد ببنائه سوى أن ينقضه ويهدمه، فهو سفيه، عابث في الفعل؛ فلم يحصلوا من تكذيبهم إلا على نفي الحكمة من الصانع، وتثبيت السفه لله تعالى، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوا كبيرإ، وهو قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وهم لم يكونوا يدعون أنهما خلقتا باطلا، ولا كانوا يظنون ذلك، ولكن الإنكار الذي وجد منهم بالبعث والجزاء يقتضي خلقهما بالطلا؛ فعلى ذلك إنكارهم بالبعث يزيل عنه القول بأنه أحكم الحاكمين، ويثبت ما ذكرنا من السفه، سبحانه وتعالى عما يصفون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) وهم لم يكونوا يقبلون الأخبار، ولا كانوا

الانفطار 82:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿وإن عليكم لحافظين﴾ وهم لم يكونوا يقبلون الأخبار، ولا كانوا يؤمنون بها، ثم أخبرهم أن عليهم حفّاظا لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم لكان إعطاؤهم النّصفة يوصلهم إلى تدارك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب. ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظ أداه ذلك إلى المراقبة، فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فنبهنا أن علينا حفّاظا لنحتشم عنهم، ولا نأتي من الأمور ما يسومهم، ووصفهم أنهم كرام لنصحبهم صحبة الكرام، ومن صحبة الكرام أن نحترمهم، ونتقي مخالفتهم، ولا نتعاطى ما يسومهم.

الانفطار 82:11

الآية ١١ : وذلك قوله تعالى :﴿كراما كاتبين﴾ وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله :﴿كراما كاتبين﴾ هم(١) على الله تعالى، والكريم على الله تعالى هو المتقي. قال الله تعالى :﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] فيكون فيه أمان لهم أنهم لا يزيدون، ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون قدر عملهم ذكرنا من الفائدة في وصف جبرائيل/٦٣٠ – أ/عليه السلام، بالقوة والأمانة. ١ في الأصل وم: أي..

الانفطار 82:12

يؤمنون بها، ثم أخبرهم أن عليهم حفاظا؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم إلى تدارك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب. ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظٌ، أداه ذلك إلى المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فنبهنا أن علينا حفاظا؛ ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسوءهم، ووصف أنهم كرام؛ ليصحبهم صحبة الكرام، ومن صحبة الكرام أن يحترمهم، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوءهم، وذلك قوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١). وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ)، أي: كرام على الله تعالى، والكريم على اللَّه - تعالى - هو المتقي؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)؛ فيكون فيه أمان لهم: أنهم لا يزيدون، ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون على قدر أعمالهم، كما ذكرنا من الفائدة في وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يعلمون ما نفعله قبل أن نفعل بما عرفهم اللَّه - تعالى - فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم، ويكون الذي يكتبون امتحانا امتحنوا به؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال، وإلى البعض إرسال الأمطار، ونحو ذلك. أو (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وقت فعلكم جهة الفعل من خير أو شر؛ فيكون لفعل الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير، ويكون لفعل الشر آثار بها يعرفون ذلك أيضا. ثم عُذْر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدِّين؛ لأن المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها عليهم، ثم هم مع ذلك يغفلون، ولا يصحبونهم صحبة الكرام، ويتركون التيقظ والتبصر، والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير مستبعد.

الانفطار 82:13

قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ): قد ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه، والذي طلب منه ما ذكر في قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ...) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى؛ لأنه أخبر أن البر هو الإيمان باللَّه - تعالى - واليوم الآخر، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء، فهو المتقي. ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) إلى قوله: (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ)؛ لأن مرتكب الكبيرة فاجر، وقد وصف اللَّه - تعالى -: أن الفجار لفي جحيم، ولا يغيب عنها، وزعموا أنه ما لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فهو غير داخل في قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ). والأصل عندنا ما ذكرنا: أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ)، إلى قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)، وقال: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) إلى قوله: (فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) وإذا كان كذلك، لم يجب قطع القول بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة، بل وجب القول بالوقف فيهم. ثم إن اللَّه - تعالى - جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة، بها يعرفون، وتبين أنهم من أهل النار، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة: أحدها: اسوداد الوجوه بقوله: (وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ). والثاني: بما يدفع إليهم كتابهم بشمالهم، ومن وراء ظهورهم، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم. والثالث: في أن تخف موازينهم، وتثقل موازين أهل الحق. فهذه أعلام أهل الشقاء، وفيما ذكر اسوداد الوجوه قرن به التكذيب بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)، وفيما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور، قال فيه: (فَاسْلُكُوهُ)، ، وقال: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ. بَلَى...) الآية، وقال - تعالى - عندما ذكر خفة الميزان: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)، ولم يذكر عند ذكر شيء من هذه الأعلام غير المكذبين، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم؛ لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب، وقطع القول بالتخليد، بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم. والثاني: ذكر في مواضع الإيمان باللَّه - تعالى - أدنى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليه الجنة، فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)، وقال في موضع آخر: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ...) الآية، فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان، وذكر في موضع آخر أعلى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليها الجنة بقوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ...) الآية، وقال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...) الآية؛ فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا على جعله شرطا؛ فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه، على ما ذكر في الآيات الأخر. وجائز أن يكون الجميع فيما ذكر فيه الإيمان باللَّه ورسله مضمرا، ويكون ذكر طرفًا منه على الإيجاز؛ ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع، وأوعد عليه النار، وذكر في بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر، وأوعد عليه النار بعد ذلك بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ...) الآية، وقال في موضع آخر: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ...) الآية، ثم لم يصر جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا، بل وجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة؛ فثبت أن ليس في ذكر المبالغة دلالة جعل المبالغة شرطا، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه؛ فلذلك لم يقطع القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار، ولا بأنهم مستوجبون للوعد، بل قيل فيهم بالإرجاء.

الانفطار 82:14

الآيتان ١٣ و١٤ : وقوله تعالى :﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ قد ذكر أن البر أعطى ما طلب منه ما ذكر في قوله :﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله :﴿وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧]. وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى لأنه أخبر أن البر، هو الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء، هو المتقي. ثم احتج المعتزلة بقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله تعالى :﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ إلى قوله :﴿وما هم عنها بغائبين﴾ لأن من ارتكب الكبيرة فاجر، وقد قال(١) الله تعالى :﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ [ ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ ](٢) وزعموا أنه ما لم يأت بالشرائط [ التي ](٣) ذكر في قوله :﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ فهو غير داخل في قوله :﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾. والأصل عندنا ما ذكرنا أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب [ لما ذكر من التكذيب ](٤) عند التفسير بقوله :﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ إلى قوله :﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [ المطففين : ٧ إلى ١٠ ] وقال :﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ إلى قوله :﴿فكنتم بها تكذبون﴾ [ المؤمنون : ١٠٤ و ١٠٥ ] وإذا كان كذلك لم يجب قطع [ القول ](٥) بالتخليد لمن ارتكب الكبيرة، بل وجب القول بالوقف فيهم. ثم إن الله تعالى جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة، بها يعرفون، وتبين أنهم من أهل النار، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة : أحدها : اسوداد الوجوه [ بقوله :﴿وتسود وجوه﴾ [آل عمران: ١٠٦] ](٦). والثاني : بما يدفع إليهم كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم. والثالث : في أن تخف موازينهم، وتثقل موازين أهل الحق. فهذه أعلام أهل الشقاء ؛ وفي ما ذكر : اسوداد الوجوه قرن به التكذيب ؛ قال(٧) :﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وفي ما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور ؛ قال فيه :﴿فاسلكوه﴾ ﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم﴾ [ الحاقة : ٣٢ و٣٣ ] وقال :﴿وأما من أوتى كتابه وراء ظهره﴾ إلى قوله عز وجل :﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ ﴿بلى إن ربه كان به بصيرا﴾ [ إلى قوله :﴿إلا الذين آمنوا﴾ ](٨) [ الانشقاق : ١٠ إلى ٢٥ ]. وقال تعالى عنه ما ذكر [ في خفه ](٩) الميزان :﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾ [المؤمنون: ١٠٥]. ولم يذكر شيئا(١٠) من هذه الأعلام [ في ](١١) غير المكذبين، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم. لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب وقطع القول بالتخليد. بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم. وقد(١٢) ذكر في مواضع الإيمان بالله تعالى أدنى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليه الجنة، فقال :﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ [الحديد: ١٩] وقال في موضع آخر :﴿وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ [الحديد: ٢١] وقال :﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد بينهم﴾ الآية [النساء: ١٥٢] فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان، ووعد عليها الجنة بقوله :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق﴾ الآية [العصر: ٣] وقوله(١٣) :﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]. فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا على جعله شرطا، فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه على ما ذكر في الآيات الأخر. وجائز أن يكون [ ذكر ](١٤) الجميع في ما ذكر فيه ﴿ورسله﴾ الإيمان بالله ورسله مضمرا(١٥)، أو يكون ذكر طرف منه على الإيجاز. ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع، وأوعد عليه النار، وذكر بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر، وأوعد عليه النار بعد ذلك بقوله :﴿إن الذين يكفرونه بآيات الله ويقتلون النبئين بغير حق﴾ الآية [آل عمران: ٢١] وقوله(١٦) في موضع آخر :﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ ؟ [ المدثر : ٤٣ و٤٤ ]. ثم لم يعد جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا، بل أوجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة، فثبت أن ليس في ذكر المبالغة دلالة جعل المبالغة شرطا، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه ؟، فلذلك لم يقطع القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار ولا بأنهم مستوجبون للوعد، بل قيل فيهم بالإرجاء. ١ في الأصل وم: وصف.. ٢ في الأصل وم: ولا يغيب عنها.. ٣ في م: الذي، ساقطة من الأصل.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ في الأصل وم: بقوله.. ٨ في الأصل وم: ﴿إلا﴾.. ٩ في م: خفة، في الأصل: حفظة.. ١٠ في الأصل وم: شيء.. ١١ ساقطة من الأصل وم.. ١٢ في الأصل وم.. ١٣ في ا؟لأصل وم: وقال.. ١٤ ساقطة من الأصل وم.. ١٥ في الأصل وم: مضمر.. ١٦ في الأصل وم: قال..

الانفطار 82:15

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله منصرف إلى أهل أن نار وأهل الجنة؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن الجنة، ولا أهل النار عن النار. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أريد بها أهل النار خاصة: أنهم لا يغيبون عنها. وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار، ولأهل الجنة في الجنة، وقالوا: لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء، ولا لعذاب الآخرة انتهاء، لكان يرتفع عن اللَّه - تعالى - الوصف بأنه أول وآخر؛ لأنهما يبقيان أبدا؛ فلا يكون هو آخر، وقد قال: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)؛ فلا بد من أن يكون لهما انتهاء حتى يستقيم الوصف بأنه آخر. ولأنهما لو لم يوصفا بالانتهاء لكان علم اللَّه - تعالى - غير محيط بنهايتهما، فتكون النهاية مجاوزة لعلمه، واللَّه - سبحانه وتعالى - محيط بالأشياء وعالم بمبادئها ومناهيها؛ فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه محيطا بهما. ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم، وأهل النار استوجبوا العقاب بسيئاتهم، فإذا كانت لسيئاتهم نهاية، ولخيرات أُولَئِكَ نهاية، فكذلك يجب أن يكون للجزاء نهاية أيضا. والأصل عندنا: أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين به أبدا ما بقي، لا يتركه. ثم العقاب جعل جزاء للكفر، والثواب جعل جزاء للاتقاء عن المهالك بقوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، وقال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، فإذا ثبت أن كل واحد منهما جزاء للمذهب، وكان الاعتقاد للأبد؛ فكذلك جزاؤه يقع للأبد والدوام، لا للزوال والانقطاع. والثاني: أن العلم بزوال النعيم مما ينغص النعمة على أربابها، ويمرر عليهم لذاتها، ويكدر عليهم ما صفا منها، فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم، وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب، تلذذوا بها، وهان عليهم العذاب؛ فوجب القول بالخلود؛ ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله. والجواب عن قوله: إنه يرتفع عنه الوصف؛ لأنه أخبر: أن اللَّه - تعالى - استوجب الوصف بأنه أول وآخر بذاته لا بغيره، وغيره يصير أولاً وآخراً بغيره، ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والآخرية عنه. وقوله بأن [الله]- عَزَّ وَجَلَّ - لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول بالخلود، فنقول بأن العلم بما لا نهاية له هو أن يعلمه غير متناهٍ، والعلم بالتناهي بما لا نهاية له

الانفطار 82:16

الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿يصلونها يوم الدين﴾ ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ قال بعضهم : تأويله منصرف إلى أهل النار وأهل الجنة ؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن الجنة، ولا أهل النار [ يغيبون ](١) عن النار. وقال بعضهم : أريد بها أهل النار خاصة أنهم لا يغيبون عنها. وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار ولأهل الجنة في الجنة، وقالوا : لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء ولا لعذاب الآخرة انتهاء لكان يرتفع عن الله تعالى الوصف بأنه أول وآخر لأنهما تبقيان أبدا، فلا يكون هو آخرا، وقد قال :﴿هو الأول والآخر﴾ [الحديد: ٣] فلا بد من أن يكون لهما انتهاء حتى يستقيم الوصف بأنه آخر. ولأنهما لو لم يوصفا بالانتهاء لكان علم الله تعالى غير محيط بنهايتهما، فتكون النهاية مجاوزة لعلمه، والله سبحانه وتعالى محيط وعالم مبادئهما ومنتهاهما، فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه محيطا بهما. ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم، وأهل النار استوجبوا العقاب بسيئاتهم، فإذا كان لسيئاتهم نهاية، ولخيرات أولئك نهاية، فكذلك يجب أن يكون للجزاء نهاية أيضا. والأصل عندنا [ بوجهين : أحدهما :](٢) أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين به أبدا ما بقي، لا يتركه. ثم العقاب جعل جزاء للكفر، والثواب جعل جزاء للاتقاء من المهالك بقوله :﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١] وقوله(٣) :﴿وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وإذا ثبت أن لكل واحد منهما جزاء لمذهبه(٤)، وكان الاعتقاد للأبد، فكذلك جزاؤه يقع للأبد والدوام لا للزوال والانقطاع. والثاني : أن العلم بزوال النعم مما ينغص النعيم على أربابها، ويمرر عليهم لذاتها، ويكدّر عليهم ما صفا منها. فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم. وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب تلذذوا بها، وهان عليهم العذاب، فوجب القول بالخلود ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله. والجواب عن قولهم(٥) : إنه يرتفع عنه الوصف بأنه أول وآخر [ أنه أول وآخر ](٦) بذاته لا بغيره، وغيره يصير أولا وآخرا بغيره/٦٣٠ – ب/ ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والأخروية. [ والجواب عن قولهم ](٧) : بأن الله عز وجل لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول بالخلود، فنقول بأن العلم بما لا نهاية له يوجب الجهل لا العلم. والجواب عن الفصل الثالث ما ذكرنا أنه يعتقد المذهب للأبد، كذلك الجزاء يتأبد، ولا ينقطع. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: قال.. ٤ في الأصل وم: للمذهب.. ٥ في الأصل وم: قوله.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: قوله..

الانفطار 82:17

يوجب الجهل لا أن علم. والجواب عن الفصل الثالث: ما ذكرنا أنه يعتقد المذهب للأبد، فكذلك الجزاء يتأبد، ولا ينقطع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنك لم تكن تدري، فدراك اللَّه تعالى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا على التعظيم لذلك اليوم، والتهويل عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا... (١٩) وذلك اليوم يوم تُجرى فيه الشفاعات، فيشفع الأنبياء لكثير من الخلق فَيُشْفَع لهم، وإذا كان كذلك فقد ملكت نفس لنفس شيئا، ولكن تأويله يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الكفرة كانوا يتوادون فيما بينهم؛ ليتناصر بعضهم بعضا في النوائب، فقال: (لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا)؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). أو لا تملك نفس لنفس شيئا إلا بعد أن يؤذن لها؛ كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)، وقد يُجرى التشفع في الدنيا لا بالاستئذان من أحد. أو يكون معناه: أن كل نفس سيتبين لها في ذلك اليوم أنها لم تكن تملك شيئا إلا بالتمليك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، أي: لا ينازع فيه، وهو في كل وقت لله - تعالى - لكن الظلمة ينازعونه في هذه الدنيا. أو (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، أي: يتبين لكل أحد في ذلك اليوم بأن الأمر لله - عَزَّ وَجَلَّ - في ذلك اليوم وقبل ذلك اليوم، واللَّه المستعان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. * * *

الانفطار 82:18

الآيتان ١٧ و١٨ : وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ قال بعضهم : إنك لم تكن تدري، فأدراك الله تعالى. وقال بعضهم : هذا على التعظيم لذلك اليوم والتهويل عنه.

الانفطار 82:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ وذلك اليوم يوم تجزى فيه الشفاعات، فيشفع الأنبياء لكثير من الخلق، فيشفع بهم. وإذا كان كذلك فقد ملكت نفس لنفس شيئا. ولكن تأويله يخرج على أوجه ثلاثة : أحدها : أن الكفرة كانوا يتوادون في ما بينهم ليناصر بعضهم بعضا في النوائب، فقال :﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ قال الله تعالى :﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من نّاصرين﴾ [العنكبوت: ٢٥]. [ الثاني :](١) لا تملك نفس لنفس شيئا إلا بعد أن يؤذن لها كما قال عز وجل :﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا﴾ [النبإ: ٣٨] وقد يجري التشفع في الدنيا لا بالاستئذان من أحد. [ والثالث : أن ](٢) يكون معناه : أن كل نفس سيتبين لها في ذلك اليوم أنها لم تملك شيئا إلا بالتمليك. وقوله تعالى :﴿والأمر يومئذ لله﴾ أي لا يتنازع فيه، وهو في كل وقت لله تعالى. لكن الظلمة يتنازعون في هذه الدنيا، أو ﴿والأمر يومئذ لله﴾ أي يتبين لكل أحد في ذلك اليوم أن الأمر لله تعالى في ذلك اليوم وقبل ذلك اليوم، والله المستعان. [ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ](٣). ١ في الأصل وم: أو.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ من م، ساقطة من الأصل..

المطففين 83:1

سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ): وجه تعييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد بهم؛ لمكانه وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أوفوا المكيال، ولم يطففوا فيه؛ إذ كانوا جاحدين باللَّه تعالى ومكذبين بالبعث -: هو أن الكفرة لم يكونوا اعتقدوا الكفر باللَّه - تعالى - لتلذذ يقع لهم بنفس الكفر، ولا التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرياسة، ولمأكلة كانت لهم خافوا زوالها عنهم بالإسلام. أو زهدوا عنه؛ لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر؛ لئلا يلزمهم بالإيمان تحملها؛ فكان الذي يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات اللَّه - تعالى - وحججه ما ذكرنا؛ فعيروا بالأفعال الدنية التي كانوا يتعاطونها فيما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)؛ لينقلعوا عنها؛ فيحملهم ذلك على النظر في القرآن والتدبر فيه، وهو كما ذكرنا في القتال أن فيه ما يحملهم على الإيمان؛ لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم الدنيا، فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا؛ فبعثهم ذلك على الإيمان باللَّه - تعالى - وعلى النظر في آياته. وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما تلا هذه الآية على أهل مكة تركوا التطفيف؛ فلم يطففوا

المطففين 83:2

بعد ذلك. قال أهل اللغة: التطفيف: النقصان، يقال: إناء طفان؛ إذا كان غير مملوء. وقال الزجاج: يقال: شيء طفيف، أي: يسير، فسمي: مطففا؛ لما يسرق منه شيئا فشيئا في كل مكيال. وفي هذه الآية، دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الأديان. وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين لله - تعالى - وذلك أن الذي يكال له، كان يأخذ ما يكال له على علم منه بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقهم التعيير بالتطفيف؛ فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ولكنها من حق اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) منهم من ذكر أن هذا على التقديم والتأخير، ومعناه: ويل للمطففين على الناس إذا اكتالوا أو وزنوا، وإذا اكتالوا استوفوا. ومنهم من قال بأن (عَلَى) هاهنا بمعنى " عن "؛ فكأنه يقول: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا عن الناس يستوفون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) منهم من حمل قوله: هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغة، فإن كان هذا على هذا، فحقه الوقف على قوله: (كالوا)، وعلى قوله: (وزنوا). ومنهم من قال: معناه: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم؛ لأن الألف بينهما ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل: كلته، وكلت له؛ كقوله: وعدته، ووعدت له، فإن كان هذا معناه، لم يستقم الوقف على قوله: (كالوا) و (وزنوا)؛ لأن قوله: (لهم)، تفسير لقوله: (كالوا) أو (وزنوا)، ولا يجوز قطع التفسير عما له التفسير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤): قال أكثر أهل التفسير: (أَلَا يَظُنُّ): ألا يعلم، وألا يتيقن. وقال أبو بكر الأصم: (أَلَا يَظُنُّ)، معناه: ألا يشك أُولَئِكَ في البعث، وهو محتمل لما ذكرنا؛ لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن؛ ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سراقا وقطاع الطريق، فإنه يترهب لذلك؛ فيستعد له بما يدفع عن نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السراق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به، فكيف لا يشك هَؤُلَاءِ بكون البعث بما يخبرهم النبي - عليه السلام - ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الأخبار أن تورث شكا. ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين، والظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى؛ لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك. ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه، وإذا تدبر فيه، فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة فدرجة؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين ودرك الصواب؛ فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم؛ إذ ذلك نهاية الظن. وحمله أبو بكر على الشك؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته الاجتهاد. ومثال الظن منا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما؛ كالذي يهدد بالقتل، أو بقطع عضو؛ ليشرب الخمر أنه يباح له الشرب، ويجعل كالمتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب؛ لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا؛ لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه عن القتل؛ فعلى ذلك الحكم في الظن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) للحساب الذي يحصل عليهم؛ فلا يجدون منه مخرجا؛ فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه.

المطففين 83:3

الآية٣ : وقوله تعالى :﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ فمنهم من حمل قوله : هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغة. فإن كان هذا على هذا فحقه الوقف على قوله : كالوا وعلى قوله : وزنوا. ومنهم من قال : معناه : وإذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم، لأن الألف بينهما ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل : كلته، و : كلت له لقوله : وعدته، ووعدت له. فإن كان هذا معناه لم يستقم الوقف على قوله : كالوا، و : وزنوا، لأن قوله : لهم تفسير لقوله : كالوا، أو وزنوا، ولا يجوز قطع التفسير عما له التفسير.

المطففين 83:4

الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾ قال أكثر أهل التفسير : ألا يظن ؟ ألا يعلم ؟ وألا يتيقن ؟. وقال أبو بكر الأصم : ألا يظن بمعنى ألا يشك أولئك في البعث ؟ وهو محتمل لما ذكرنا لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن. ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سرّاقا وقطّاع الطريق، فإنه يترهب لذلك، فيستعد له بما يدفع عن نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السارق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار ؟ فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما يخبرهم النبي ﷺ ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الإخبار أن يورث شكا ؟ ثم الأصل أن حرف الشك عند استواء طرفي الداعيين، الظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى، لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك. ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه. وإذا [ تدبره المرء ](١) فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة درجة حتى ينتهي نهايته [ وهي ](٢) بلوغ اليقين ودرك الصواب. فلذلك جمل أهل التفسير تأويل الظن ههنا على اليقين والعلم : أن ذلك نهاية للظن، وحمل أبو بكر على الشك لما ترتفع الشبهة كلها في ما كان طريق معرفته الاجتهاد. /٦٣١ – أ/. ومثال الظن ههنا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما كالذي يهدد بالقتل أو بقطع عضو بشرب الخمر [ مدعيا ](٣) أنه يباح له الشرب، ويجعل كالمتيقن أنه به لا محالة لو امتنع عن الشرب لبلوغ الخوف نهايته، وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا، لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه من القتل، فعلى ذلك الحكم في الظن. وقوله تعالى :﴿أولئك أنهم مبعوثون﴾ للحساب الذي يحصل عليهم، فلا يجدون منه مخرجا، فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا، يجد [ المرء ](٤) لنفسه الخلاص ووجه المخرج منه. ١ في الأصل وم: تدبر.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ ساقطة من الأصل وم..

المطففين 83:5

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) سماه: عظيما؛ لما ذكرنا من دوام عذابه ودوام عقابه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) أي: لحكمه. أو لحسابه. أو لوعده ووعيده. أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه الامتناع عن الاستسلام في الدنيا، فإن الظلمة ينازعونه ويدعون لأنفسهم أشياء، وينكرونها له، فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له وينقادون لحكمه وقضائه؛ لذلك خصه بقيام الناس له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا... (٧) قال الحسن وأبو بكر: حقا؛ أي، بعثهم حق؛ فيبعثون. وقال الزجاج: (كَلَّا): حرف ردع وتنبيه، أي: ليس الأمر على ما ظنوا: أنهم لا يبعثون؛ بل يبعثون ويجازون بأعمالهم؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من طريق الاستدلال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) اختلف في السجين: فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال: هو صخرة تحت الأرض السابعة يوضع كتاب الفجار تحته إلى يوم القيامة. ولكن ليس بنا إلى معرفة ذلك الموضع حاجة؛ لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك الموضع قد عرفوه، وهم الملائكة. ومنهم من زعم أنه حرف مذكور في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن، فجائز أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه. وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافر في الآخرة للعذاب، لكن أول ما يرد إليه عمله الذي أثبت في كتابه، ثم تلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده في الآخرة على

المطففين 83:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ أي لحكمه أو لحسابه أو لوعده ووعيده، أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه الامتناع عن الاستسلام في الدنيا ؛ فإن الظلمة ينازعونه، ويدعون لأنفسهم أشياء، فينكرونه(١). فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له، وينقادون لحكمه وقضائه، لذلك خصه بقيام الناس له. ١ في الأصل وم: فينكرون له..

المطففين 83:7

الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿كلا﴾ قال الحسن وأبو بكر : حقا، أي بعثهم حق، فيبعثون. وقال الزجاج :﴿كلا﴾ حرف ردع وتنبيه، أي ليس الأمر على ما ظنوا أنهم لا يبعثون، بل يبعثون، ويجازون بأعمالهم، فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من طريق الاستدلال. وقوله تعالى :﴿إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ اختلف في السجين ؛ فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال : هو صخرة تحت الأرض السابعة، يوضع كتاب الفجّار(١) تحته إلى يوم القيامة. ولكن [ ليس ](٢) بنا إلى معرفة الموضع حاجة، لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك الموضع [ قد عرفوه ](٣) وهم الملائكة. ومنهم من زعم أنه حرف موجود في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن. فجائز أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه، وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافرين في الآخرة للعذاب. ولكن أول ما يرد عمله الذي أثبت في كتابه، ثم يلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده في الآخرة على ما روي عن النبي ﷺ :( ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن ) ) [ بنحوه : مسلم : ٢٩٥٦ ] فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه ثم جسده فذلك قوله :﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ [ الآية : ١٨ ]. ومنهم من قال على التمثيل، ليس على تحقيق المكان في العلّيّين ؛ وذلك أن السجن، هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك لخبثها وقبحها، ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين ؛ وذلك مكان أهل الشرف وأولي القدر، فيكنّي بذلك كناية عن طيب أعمالهم. وقال الكسائي : السّجّين مشتق من السجن، كقولك : رجل فسيق وشريب وسكّيت. ثم ذكر كتاب الفجّار، والفجور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يجوز صرف الوعيد إلى الكفار بقوله :﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [ الآية : ١٠ ] وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك من نحو الفسق وترك [ الصلاة ](٤) بقوله تعالى :﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] وفي ما جرى من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة، فكان في ذكر التفسير على تقييده بالتكذيب قطع الشهادة وإيجاب العذاب على المكذبين. وفي ذكر الاسم الذي يقع به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين أشركوا في ذلك، فترك قطع الشهادة عليهم بالوعيد بما لم يذكر عند التفسير. ١ في الأصل وم: الكافر.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ من م، في الأصل: فعرفوه.. ٤ من م، ساقطة من الأصل..

المطففين 83:8

ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن "، فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه، ثم جسده؛ فذلك قوله: (إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ). ومنهم من قال: هو على التمثيل ليس على تحقيق المكان في العليين؛ وذلك لأن السجن هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك؛ لخبثها وقبحها، ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين، وذلك مكان أهل الشرف وأولي القدر؛ فيكون ذلك كناية عن طيب أعمالهم. وقال الكسائي: السجين: مشتق من السجن؛ كقولك: رجل فسيق، وشريب، وسكيت. ثم ذكر كتاب الفجار، والفجور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يوجب صرف الوعيد إلى الكفار بقوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)، وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك؛ من نحو الفسق، وترك الصلاة، بقوله - تعالى -: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)، وفيما جرى من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة؛ فكان في ذكر التفسير على تقييده بالتكذيب قطع الشهادة وإيجاب العذاب على المكذبين، وفي ذكر الاسم الذي يقع به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين شركوا في ذلك الاسم، فترك قطع الشهادة عليهم بالوعيد؛ لما لم يذكروا عند التفسير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) فهو تعظيم ذلك اليوم، ووصفه بنهاية الشدة، أو على الامتنان على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لم يكن يعلم ذلك حين أطلعه اللَّه عليه، وهكذا تأويل قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ). وقوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) أي: الكتاب الذي في السجين مرقوم، والمرقوم، قالوا: مكتوب ومثبت. والرقم عندنا: هو الإعلام، يقال: رقم الثوب؛ إذا أعلمه؛ فجائز أن يكون علمه هو أن يختم؛ فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص منها، وهو كما ذكرنا من

المطففين 83:9

الآية ٩ : وقوله تعالى :﴿كتاب مرقوم﴾ أي الكتاب الذي في السجين مرقوم. والمرقوم : قالوا : مكتوب ومثبت، والرقم هو الإعلام يقال، رقم الثوب إذا علمه. فجائز أن يكون علمه، هو أن يختم، فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص منه(١)، وهو كما ذكرنا من الفائدة في ما وصف جبرائيل عليه السلام، بالقوة والأمانة بقوله :﴿ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ ﴿مطاع ثم أمين﴾ [ التكوير : ٢٠ و٢١ ] فوصفه بالأمانة ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده، ويغيره. فكذلك وصفه بالختم والإعلام ليؤمن من الزيادة والنقصان. ١ في الأصل وم: منها..

المطففين 83:10

الفائدة، فيما وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة بقوله: (ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، فوصف بالأمانة؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما أرسل على يده، فيغيره، فكذلك وصفه بالختم والأعلام؛ ليؤمن من الزيادة فيه والنقصان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) أي: للمكذبين بجميع ما يحق عليهم تصديقه، وذلك يكون بالإيمان باللَّه تعالى، وبآياته، ورسله، وبالبعث. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) الدِّين اسم لشيئين: اسم للجزاء، واسم للاستسلام والخضوع؛ فسمي: يوم الدِّين؛ لما يدانون بأعمالهم، أو لما يستسلمون لله - تعالى - في ذلك اليوم ويخضعون له، وفي تكذيبهم بيوم الدِّين تكذيب لقدرة الله تعالى وتكذيب رسله؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدِّين؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم؛ فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) المعتدي هو الذي يتعدى حدود اللَّه تعالى، والأثيم: الذي يتأثم بربه؛ فيكون مجاوزًا به عن الحدود، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، ولم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدِّين. أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) قال: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ): أباطيل الأولين. وقال أبو عبيدة: الأساطير: هي التي لا أصل لها. ومعناه عندنا: ما سطره الأولون، أي: كتبه، فالسطر: الكتابة؛ فيخبرون أنها ليست من عند اللَّه تعالى، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم، ولم يكن يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم، ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان يتلو عليهم من نبأ الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالإيات المعجزات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ... (١٤) قيل: الرين: الستر والغطاء. وقيل: الرين: الصدأ؛ فاللَّه - تعالى - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من الخيرات: نورًا، وسمى الكفر الذي هو في النهاية من الشرور: ظلمة، فإذا كان الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذلك يعمل في إظلام القلب حتى تتم الظلمة؛ على ما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن هذه الآية، فقال: " هو العبد يذنب الذنب، فتنكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، وعاد فأذنب، نكتت في قلبه نكتة سوداء، وإن عاد نكتت في قلبه حتى يسود القلب أجمع؛ فذلك الرين "، ومن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ذلك على الإيمان؛ فذلك تمام الانشراح. وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما، ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله. ومعنى قوله: " يبدأ نقطة بيضاء " إلى قوله: " حتى يستكمل الإيمان "، عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه شيء فشيء حتى يؤمن، لا أن يكون الإيمان ذا أجزاء، ولكن للإيمان مقدمات؛ فينشرح شيء فشيء بكل مقدمة منه حتى يفضي به إلى الإيمان. ثم إن اللَّه - تعالى - سمى السواتر عن الإيمان بأسام، مرة قال: (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، ومرة قال: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً...) الآية. ومرة: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، فكأن الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم هم الذين انتهوا في الكفر غايته حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون للتكذيب، وهم الرؤساء منهم والأئمة. ومنهم من هو مطبوع على قلبه، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ولكن لما لم تَلُحْ لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان. وذكر الزجاج أن أول منازل الستر: الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق في السماء، يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا ازداد سمي:

المطففين 83:11

الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿الذين يكذبون بيوم الدين﴾ فالدين اسم لشيئين : اسم للجزاء واسم للاستسلام والخضوع ؛ فيسمى يوم الدين لما يدانون بأعمالهم أو لما يستسلمون لله تعالى في ذلك اليوم، ويخضعون له. وفي تكذيبهم بيوم الدين تكذيب لقدرة الله تعالى وتكذيب رسله ؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى الإيمان بيوم الدين، فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم، فيكون تأويله منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق التصديق به.

المطففين 83:12

الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿وما يكذب به إلا كل معتد أثيم﴾ فالمعتدي هو الذي يتعدى حدود الله تعالى، والأثيم الذي يأثم بربه، فتكون مجاوزته عن الحدود والتأثيم بربه، هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، لم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدين، أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم.

المطففين 83:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ أباطيل الأولين. وقال أبو عبيدة : الأساطير، هي التي لا أصل لها. ومعناه عندنا : ما سطره الأولون، أي كتبه ؛ فالسطر الكتابة، فيخبرون أنها ليست من عند الله تعالى، بل مما كتبها الأولون التي(١) لا نظام لها، ولم يكونوا(٢) يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم من أنباء الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر، إذا أتاهم بالآيات المعجزات. ١ في الأصل وم: الذين.. ٢ في الأصل وم: يكن..

المطففين 83:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ قيل : الرين الستر والغطاء، وقيل : الرين الصدأ. فالله تعالى سمى الإيمان الذي، هو في النهاية من الخيرات، نورا، وسمى الكفر الذي، هو في النهاية من الشرور، ظلمة. فإذا كان الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذلك بعمل في إظلام القلب حتى تتم الظلمة على ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول ﷺ سئل عن هذه الآية، فقال :( ( هو العبد يذنب الذنب فتنكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، فعاد، فأذنب، نكتت في قلبه نكتة سوداء، وإن عاد نكتت في قلبه حتى يسود القلب أجمع ) ) [ بنحوه : الترمذي : ٣٣٣٤ ]. فذلك الرين، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ذلك على الإيمان، فذلك تمام الانشراح. وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه / ٦٣١ – ب/أن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله. ومعنى قوله : يبدو لمظة في القلب بيضاء إلى قوله :[ ابيض القلب كله ](١) عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه [ شيئا فشيئا ](٢) حتى يؤمن، لا أن يكون الإيمان ذا أجزاء، ولكن للإيمان مقدمات ينشرح [ شيئا فشيئا ](٣) بكل مقدمة منه حتى يفضي به إلى الإيمان. ثم إن الله تعالى سمى السواتر(٤) عن الإيمان أسامي(٥) : مرة قال :﴿وطبع الله على قلوبهم﴾ [ التوبة : ٩٣ و. . . ] ومرة قال :﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ الآية [ الأنعام : ٢٥ و. . . ] ومرة قال :﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] فكان الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم، هم الذين انتهوا في الكفر غايته، حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون التكذيب، وهم الرؤساء منهم والأئمة. ومنهم من هو مطبوع على قبله، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ولكن لما لم تلمح(٦) لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان. وذكر الزجاج أن أول منازل الستر الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق في السماء يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا زاد سمي رينا، ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب ؛ وفي هذا دليل على أن لله تعالى تدبيرا وصنعا في أفعال العباد، لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان ؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا يثبت أنه صار كذلك بتدبير الله تعالى وصنعه ؛ إذ لا يجوز أن تحدث ظلمة في القلب إلا بمحدث لها، وإذ انتقى الصنع من الكافر(٧) ثبت أنه بتدبير الله تعالى ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق. ١ في الأصل وم: حتى يستكمل الإيمان.. ٢ في الأصل وم: شيء فشيء.. ٣ في الأصل وم: شيء فشيء.. ٤ من م، في الأصل: التوتر.. ٥ في الأصل وم: بأسامي.. ٦ في الأصل وم: تلج.. ٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: الكلام..

المطففين 83:15

رينا، ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب، وفي هذا دليل على أن لله تعالى تدبيرًا وصنعا في أفعال العباد؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان؛ إذ كل من اعتقد الكفر فهو ليس يعتقده؛ ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا، ثبت أنه صار كذلك بتدبير اللَّه - تعالى - وصنعه؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في القلب إلا بمحدث لها، وإذا انتفى الصنع من الكافر ثبت أنه بتدبير اللَّه - تعالى - ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) اختلف في قوله: (يَوْمَئِذٍ). فذكر أبو بكر الأصم: أن هذا في الدنيا، يقول: إنهم حجبوا عن عبادة ربهم بما عبدوا غير اللَّه تعالى؛ فصارت عبادتهم غير اللَّه حجابا من عبادته. وذكر أهل التفسير: أن هذا في الآخرة. ثم منهم من يقول: إنهم حجبوا عن لقاء ربهم، وأوجبوا بهذا القول الرؤية للمؤمنين. ومنهم من يقول: هم محجوبون، أي: عن كرامته التي أعدها لأوليائه، وعن رحمته، فعوقبوا بالحجب عن ذلك؛ جزاء لصنيعهم؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم اللَّه - تعالى - فلم يقبلوها بالشكر، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة للعالمين؛ فأبلسوا من رحمته وكرامته في الآخرة؛ عقوبة لهم ومجازاة، وهو كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، أي: جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها عوملوا بمثله في الآخرة. وقال في آية أخرى: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) من صرف الحجب إلى الدنيا، فهو يقول: ثم إنهم يصلون الجحيم بعدما عبدوا غير اللَّه تعالى، وحجبوا عن عبادته. ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة، فهو يقول: إنهم يصلون الجحيم بعدما يظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوه، وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم.

المطففين 83:16

الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿ثم إنهم لصالوا الجحيم﴾ فمن صرف الحجب إلى الدنيا فهو يقول : ثم إنهم يصلون الجحيم بعد ما عبدوا غير الله تعالى، وانحجبوا(١) عن عبادته. ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة فهو يقول : إنهم يصلون الجحيم بعد ما ظهر فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوه وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ظهورهم. ١ في الأصل وم: وحجبوا..

المطففين 83:17

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) تأويله: أنهم يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها، وحجبوا عن اللَّه - تعالى - بتكذيبهم بذلك اليوم، والا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق، لم يكونوا يصلونها؛ فيعرفون حتى يقروا بذلك بقوله: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ). * * * قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ): ذكر الأبرار هاهنا مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدِّين، وذلك أول منازل الكفر، فإذا أريد بالفجار: الكفار، أريد بالأبرار: الذين آمنوا؛ فلذلك قيل بأن الأبرار هم المؤمنون. والبر هو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، فسمي: بارا؛ إذا كثر منه البر، والفاجر: هو الذي يكثر منه فعل الفجور؛ فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره؛ فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) ذكر شهود المقربين في ذكر كتاب الأبرار، ولم يذكر شهودهم عند ذكر كتاب الفجار، فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم لعمله، والدعاء له، وغير ذلك. وقيل: المقربون: هم مقربو أهل كل سماء. وقوله - تعالى -: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) البَرُّ هو الذي يبذل ما سئل عنه، ويجيب إلى ما دعي إليه، فإذا أجاب اللَّه - تعالى - فيما دعاه إليه من التوحيد، ووفَّى بأوامره، وانتهى عن مناهيه، فهو من الأبرار. ثم ما ذكرنا يكون بوجهين: أحدهما: بالاعتقاد، وبتحقيقه بالفعل والمعاملة، فهذا قد وفَّى بما طلب منه قولا وفعلا؛ فيكون هذا ممن يقطع فيه القول باستيجاب الوعد المذكور للأبرار. والثاني: أن يقوم بوفاء ما طلب منه اعتقادا، ولم يف ما اعتقده بفعله، فالحكم في مثله الوقف، ولا يقطع فيه القول باستيجاب الموعود، بل لله - تعالى - أن يجازيه بما ضيع من حفظ حدوده بقدر ما وجد من التضييع ثم يلحقه بأهل كرامته، وله أن يعفو عه بفضله وسعة رحمته. والفجور: هو الميل، والميل يكون بوجهين: أحدهما: بترك الاعتقاد والفعل جميعا. والثاني: ميل في المعاملة، وهو أن يخالف فعله عقده. فالذي وجد منه الميل على الوجهين جميعا، يحل به ما أوعد لا محالة، وأما الذي خالف فعله عقده فإنه يوقف فيه، ولا يشهد أنه من جملة من يلحقهم الوعيد لا محالة. قد ذكرنا أن البر إذا ذكر على الانفراد أريد به ما يراد بالتقوى والبر جميعا، وكذلك التقوى إذا أفرد اقتضى معنى البر، وإذا قرنا جميعا أريد بالتقوى جهة، وبالبر جهة، وذلك أن التقوى: هي أن يتقي المهالك، وذلك يكون بالإجابة إلى ما دعي إليه قولا وفعلا، والانتهاء عما نهي عنه قولا وفعلا، وهذا هو معنى البر أيضا، فإذا ذُكرا معًا أريد بالتقوى الاجتناب عن المحارم، وأريد بالبر إتيان المحاسن، وكذلك الإيمان، إذا ذكر بالانفراد أريد به ما يقتضي الإسلام من المعنى والإيمان جميعا، وكذلك الإسلام يقتضي معنى الإيمان إذا ذكر بالانفراد؛ لأن الإسلام هو أن يرى الأشياء كلها سالمة لله تعالى، لا يجعل لأحد فيها شركا، والإيمان أن يصدق اللَّه - تعالى - بأنه رب كل شيء، وإذا صدقت أنه رب كل شيء فقد جعلت أما يقتضيه ظاهره من جعل، الأشياء كلها سالمة له؛ فهذا معنى قوله: إنه يراد بالإيمان إذا ذكر بالانفراد ما يراد بالإسلام، فإذا ذكرا معا أريد بالإسلام ما يقتضيه ظاهره من جعل الأشياء كلها سالمة له، وأريد بالإيمان ما يقتضيه ظاهره؛ كقوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...) الآية.

المطففين 83:18

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ : وقوله تعالى :﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي علّيّين﴾ [ ﴿وما أدراك ما علييون﴾ ﴿كتاب مرقوم﴾ ](١) [ ذكر الأبرار ](٢) ههنا مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين، وذلك أول منازل الكفرة، فإذا أريد بالفجار الكفار، وأريد بالأبرار الذين آمنوا، فلذلك قال(٣) :﴿إن الأبرار﴾ هم المؤمنون، والبر، وهو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، يسمى بارّا إذا كثر منه البر، والفاجر، هو الذي يكثر منه فعل الفجور. فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره، فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل وم: قيل..

المطففين 83:19

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ : وقوله تعالى :﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي علّيّين﴾ [ ﴿وما أدراك ما علييون﴾ ﴿كتاب مرقوم﴾ ](١) [ ذكر الأبرار ](٢) ههنا مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين، وذلك أول منازل الكفرة، فإذا أريد بالفجار الكفار، وأريد بالأبرار الذين آمنوا، فلذلك قال(٣) :﴿إن الأبرار﴾ هم المؤمنون، والبر، وهو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، يسمى بارّا إذا كثر منه البر، والفاجر، هو الذي يكثر منه فعل الفجور. فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره، فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل وم: قيل..

المطففين 83:20

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ : وقوله تعالى :﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي علّيّين﴾ [ ﴿وما أدراك ما علييون﴾ ﴿كتاب مرقوم﴾ ](١) [ ذكر الأبرار ](٢) ههنا مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين، وذلك أول منازل الكفرة، فإذا أريد بالفجار الكفار، وأريد بالأبرار الذين آمنوا، فلذلك قال(٣) :﴿إن الأبرار﴾ هم المؤمنون، والبر، وهو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، يسمى بارّا إذا كثر منه البر، والفاجر، هو الذي يكثر منه فعل الفجور. فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره، فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل وم: قيل..

المطففين 83:21

الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿يشهده المقربون﴾ فذكر شهود المقربين في كتاب الأبرار، ولم يذكر شهودهم عند ذكر كتاب الفجار ؛ فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم بعلمه والدعاء له وغير ذلك. وقيل :﴿المقربون﴾ هم مقربو أهل كل السماء.

المطففين 83:22

الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ فالبر، هو الذي يبذل ما سئل عنه، ويجيب إلى ما دعي إليه، فإذا أجاب الله تعالى في ما دعاه إليه من التوحيد، ووفى بأوامره، وانتهى عن مناهيه، فهو من الأبرار. ثم ما ذكرنا يكون بوجهين : أحدهما : بالاعتماد وبتحقيقه بالفعل والمعاملة، فهذا قد وفى بما طلب منه قولا وفعلا، فيكون هذا ممن يقطع فيه القول باستيجاب الوعد المذكور للأبرار. والثاني : أن يقوم بوفاء ما طلب منه اعتقادا، ولم يف ما اعتقده بفعله. فالحكم في مثله الوقف، ولا يقطع فيه القول باستيحباب الموعود، بل الله تعالى أن يجازيه بما ضيع من حفظ حدوده بقدر ما وجد من التضييع، ثم يلحقه بأهل كرامته، وله أن يعفو عنه بفضله وسعة رحمته. والفجور، هو الميل، والميل يكون بوجهين : أحدهما : بترك الاعتقاد والفعل جميعا. [ والثاني : بميل ](١) في المعاملة ؛ وهو أن يخالف فعله عقده. فالذي وجد منه الميل عن الوجهين جميعا يحل به ما أوعد، لا محالة. وأما الذي خالف فعله عقده فإنه يوقف فيه، ولا يشهد أنه من جملة من يلحقهم الوعيد، لا محالة. ثم قد ذكرنا أن البر إذا ذكر على الانفراد أريد به ما يراد بالتقوى والبر(٢) جميعا، وكذلك التقوى إذا أفرد اقتضى معنى البر. فإذا قرنا جميعا أريد بالتقوى جهة وبالبر جهة ؛ وذلك أن التقوى، هو أن يتقي المهالك ؛ وذلك يكون بالإجابة إلى ما دعي إليه قولا وفعلا والانتهاء عما نهي عنه قولا وفعلا، وهذا هو معنى البر أيضا. فإذا ذكرا معا أريد بالتقوى الاجتناب عن المحارم، وأريد بالبر إتيان المحاسن. وكذلك الإيمان إذا ذكر بالانفراد أريد به ما يقتضي الإسلام من المعنى والإيمان جميعا. وكذلك الإسلام يقتضي معنى الإيمان إذا ذكر بالانفراد، أن الإسلام، هو أن ترى الأشياء كلها سالمة لله تعالى، لا يجعل لأحد فيها شرك(٣)، والإيمان أن تصدق الله تعالى بأنه رب كل شيء. وإذا صدقت أنه رب كل شيء فقد جعلت الأشياء كلها سالمة له. فهذا معنى قولنا(٤) : إنه يراد بالإيمان إذا ذكر بالانفراد ما يراد بالإسلام. فإذا ذكرا معا أريد بالإسلام ما يقتضيه ظاهره من جعل الأشياء كلها سالمة له، وأريد بالإيمان ما يقتضيه ظاهره بقوله :﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]. وكذلك الحكم في الخوف والرجاء إذا ذكر كل واحد من الحرفين منفردا اقتضى/٦٣٢ – أ/ كل واحد منهما معنى الآخر. وإذا ذكرا معا أريد واحد منهما ما يقتضيه ظاهره، ولم يصرف إلى ما يراد بالآخر. وقوله تعالى :﴿لفي نعيم﴾ فجائز أن يكون هذا في الآخرة ؛ يصفهم أنهم أبدا في نعيم، وجائز أن يكونوا في نعيم الدنيا والآخرة ؛ فيكونون في الدنيا في نعيم العقول دون نعيم الأبدان، وذلك أنهم يطيعون العقل في ما يدعوهم إليه، فيتنعمون بعقولهم ؛ وهم(٥) الذين تدعوهم إليه عقولهم لما تأبى أنفسهم الإجابة له، ويشتد عليها ذلك، فهم في نعيم العقول لا في نعيم الأبدان. ونعيم الآخرة نعيم البدن والعقل جميعا، فتتنعم أنفسهم وعقولهم، ولا يحملون ما تأبى أنفسهم احتماله(٦) ؛ قال الله تعالى :﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة﴾ [النحل: ٤١] وقال تعالى :﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ الآية [النحل: ٩٧] فثبت أنهم في الدنيا والآخرة ﴿لفي نعيم﴾. ١ في الأصل وم: وميل.. ٢ في الأصل وم: أو البر.. ٣ في الأصل وم: شركا.. ٤ في الأصل وم: قوله.. ٥ في الأصل وم: يكن.. ٦ في الأصل وم: احتمالها..

المطففين 83:23

وكذلك الحكم في الخوف والرجاء إذا ذكر كل واحد من الحرفين مفردا، اقتضى كل واحد منهما معنى الآخر، وإذا ذكرا معا، أريد بكل واحد منهما ما يقتضيه ظاهره، ولم يصرف إلى ما يراد بالآخر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَفِي نَعِيمٍ): جائز أن يكون هذا في الآخرة، يصفهم أنهم أبدا في نعيم. وجائز أن يكونوا في نعيم في الدنيا والآخرة معا؛ فيكونون في الدنيا في نعيم العقول دون نعيم الأبدان، وذلك أنهم يطيعون العقل فيما يدعوهم إليه؛ فيتنعمون بعقولهم، ولكن الذي تدعوهم إليه عقولهم ما تأبى أنفسهم الإجابة له، ويشتد عليها ذلك، فهم في نعيم العقول لا في نعيم الأبدان، ونعيم الآخرة نعيم البدن والعقل جميعا، فتتنعم أنفسهم وعقولهم، ولا يحملون ما تأبى أنفسهم احتماله، قال اللَّه - تعالى -: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، وقال - تعالى -: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً...) الآية؛ فثبت أنهم في الدنيا وفي الآخرة لفي نعيم. وقوله - تعالى -: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) قد ذكرنا أن كل ما تتوق إليها الأنفس وتشتهى في الدنيا فعلى مثله جرت البشارة لأهل الجنة في الدنيا. وذكر أن أهل اليمن كان إذا شرف قدر أحدهم وعلت رتبته في الدنيا، اتخذ لنفسه أريكة نسبت إليه؛ فيقال: هذه أريكة فلان، فجرت البشارة لأهلها بالأرائك؛ لما يرغب إلى مثلها في الدنيا، لا أن أرائكها شبيهة بالأرائك التي تتخذ في الدنيا؛ لأن أرائك الجنة مطهرة من الآفات التي هي آثار الفناء، لكنها ذكرت بهذا الاسم؛ لما لا وجه للوصول إلى تعريفها بغير اسمها المعتاد فيما بين الخلق. والأريكة: هي السرير في الحجال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَنْظُرُونَ) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقع النظر في الحجل، وذلك عند تلاقي الإخوان واجتماعهم على الشراب. والنظر الثاني يكون إلى مملكته؛ فيكون ذلك خارجا من الحجال؛ على ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إن الرجل من أهل الجنة ليرى جميع ما له بنظرة واحدة، وأقل ما

المطففين 83:24

يعطى الرجل مثل سعة الدنيا وعرضها " فذلك النظر يجاوز عما في الحجال؛ فيقع خارجا منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) أي: تعرف لو نظرت في وجوههم نضرة النعيم، فجائز أن تكون النضرة منصرفة إلى نفس الخلقة، وهو أنهم أنشئوا على خلقة لا تتغير، ولا تفنى، بل بهجة نضرة. أو تكون نضارتهم بما أنعموا من النعيم. ثم خصت الوجوه؛ لأن النظر من بعض إلى بعض يكون إلى الوجوه، لا إلى غيرها من الأعضاء؛ فخصت الوجوه بالذكر لهذا، لا أن تكون النضرة لها خاصة؛ بل النضرة تشتمل سائر البدن. والثاني: أن السرور إذا اشتد في القلب أثر في الوجوه، وكذلك الحزن يؤثر في الوجه إذا اعترى في القلب؛ فيكون في ذكره نضرة الوجه إخبار عن غاية ما هم عليه من السرور. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وقوله: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ... (٢٥) قَالَ بَعْضُهُمْ: الرحيق: هو الخمر الذي لا غش فيه، وهو أن يكون مطهرا من الآفات. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو شيء أعده اللَّه - تعالى - لأوليائه، لم يطلعهم على ما يتهيأ في الدنيا على ما قال: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)، فهو شراب تقر به أعينهم مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَخْتُومٍ. خِتَامُهُ مِسْكٌ.... (٢٦) جائز أن يكون راجعا إلى حال الإناء الذي فيه الرحيق، وهو أنه مختوم لم تتناوله الأيدي، وكذلك ترى المرء في الدنيا يختم نفيس شرابه الذي في الإناء [بالْفِدَامِ] في الدنيا، فيخبر أن ذلك الشراب في الإناء على الوجه الذي كانوا يؤثرونه في الدنيا، وأخبر أن ختامه بأنفس شيء عرفوه في الدنيا، وهو المسك، ليس كالختام في الدنيا؛ لأنهم يختمون أوانيهم في الدنيا بالشيء الرذل، وبما لا قدر له عندهم. وجائز أن يكون منصرفا إلى الشاربين: أنهم لا يشربون أبدًا، بل يكون له ختم ولكن لا تنقطع لذة الشراب عنهم؛ بل أبدا يجدون من ذلك ريح المسك.

المطففين 83:25

الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ قال بعضهم : الرحيق، هو الخمر الذي لا غش فيه، وهو أن يكون مطهرا من الآفات. وقال بعضهم : هو شيء أعده الله لأوليائه، لم يطلعهم على ماهيته في الدنيا على ما قال :﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] فهو شراب، تقر به أعينهم، مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه.

المطففين 83:26

الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿مختوم﴾ ﴿ختامه مسك﴾ فجائز أن يكون راجعا إلى حال الإناء الذي كانوا يؤثرونه في الدنيا، وأخبر أن ختامه بأنفس شيء عرفوه في الدنيا، وهو المسك ليس كالختام في الدنيا، لأنهم يختمون أوانيهم في الدنيا بالشيء الرذل وبما لا قدر له عندهم. وجائز أن يكون منصرفا إلى الشاربين : إنهم لا يشربون أبدا، بل يكون له ختم، ولكن لا تنقطع لذة الشراب عنهم، بل أبدا يجدون من ذلك ريح المسك. وقوله تعالى :﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ فجائز أن يكون أراد به الشراب الذي وصفه في قوله :﴿رحيق مختوم﴾ والتنافس حرف يستعمل في الخيرات ؛ كأنه يقول : فليرغبوا في الشراب الذي هذا وصفه الذي ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧] لا في الشراب الذي [ يذهب ](١) بالعقول، ويضعف [ الأبدان، ويتلف ](٢) الأموال. أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف ههنا لا في النعيم [ الذي ](٣) ينقطع، ولا يدوم ؛ فكأنه يقول : فليرغبوا في ما يعقب لهم النعيم الدائم والشراب الذي لا تنقطع لذته. وقيل :﴿ختامه مسك﴾ ما بقي في الكأس من البقية يكون ذلك مسكا. والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات وترك الإتباع للشهوات والانتهاء عن المعاصي، وهو كقوله :﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١] أي فليكن عملهم لما يثمر لهم ما ذكر من النعيم، لا في الذي ينقطع، ويكون عقباه النار. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ من م، في الأصل: يتلف.. ٣ من م، ساقطة من الأصل..

المطففين 83:27

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) جائز أن يكون أراد به الشراب الذي وصفه في قوله: (رَحِيقٍ مَخْتُومٍ...) الآية. والتنافس حرف يستعمل في الخيرات؛ كأنه يقول: فليرغبوا في الشراب الذي هذا وصفه، الذي لا غول فيه ولا هم ينزفون، لا في الشراب الذي يذهب بالعقول، ويضعف الأبدان، ويتلف الأموال. أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف هاهنا، لا في النعيم الذي ينقطع ولا يدوم؛ فكأنه يقول: فليرغبوا فيما يعقب لهم النعيم الدائم والشراب الذي لا تنقطع لذته. وقيل: (خِتَامُهُ مِسْكٌ): ما بقي في الكأس من البقية يكون ذلك مسكا. والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات، وترك الاتباع للشهوات، والانتهاء عن المعاصي، وهو كقوله: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)، أي: فليكن عملهم بما يثمر لهم ما ذكر من النعيم، لا في الذي ينقطع، وتكون عقباه النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) قيل: التسنيم: شيء أعده اللَّه - تعالى - لأوليائه، لم يطلعهم عليه في الدنيا، وهو من قرة الأعين التي لا تعلمها الأنفس، فوصف مرة المزاج بالمسك، ومرة بالكافور بقوله: (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)، ومرة أخبر أنه ممزوج بالتسنيم، ولم يبين ما التسنيم، والسنام: اسم ما ارتفع من الشيء؛ فيجوز أن يكون سمي: تسنيما؛ لأنه ينحدر إليهم من الأعلى، وأخبر أنه ممزوج بما إلى مثله ترغب الأنفس في الدنيا وتشتاق إليه؛ ألا ترى أن الشراب في الدنيا إذا كان ممزوجا فهو في القلوب أوقع، وتكون الأنفس إليه أرغب منه إذا كان غير ممزوج، فرغبوا بمثله في الآخرة. وذكر بعض أهل التفسير أن المقربين يسقون من ذلك الشراب صرفا، ويمزج لغيرهم. وقال الحسن: المزاج يكون للمقربين وغيرهم، وجعل الممزوج منه أشرف، على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨). المقربون هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا، فتركوا منى الأنفس، واتقوا المهالك والزلات، فهم المقربون، وأضاف التقريب إلى الغير؛ لأنهم بغيرهم ما وفقوا لاكتساب الخيرات، وعصموا عن ارتكاب المهالك والزلات، لا بأنفسهم؛ فنالوا فضل

المطففين 83:28

الآية ٢٨ : وقوله تعالى :﴿عينا يشرب بها المقربون﴾ هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا، فتركوا منى الأنفس، واتقوا المهالك والزلات. فهم المقربون. وأضاف التقريب إلى الغير لأنهم ما وفقوا لاكتساب الخيرات، وعصموا عن ارتكاب المهالك والزلات لا بأنفسهم في الدنيا للأمور التي ذكرنا.

المطففين 83:29

التقريب بما أجهدوا أنفسهم في الدنيا؛ للأمور التي ذكرنا. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ): وجه ذكر صنيع الكفرة بالمؤمنين في القرآن، وجعله آية تتلى وإن كان المؤمنون بذلك عارفين - يخرج على ثلاثة أوجه: أحدها: أن فيه تبيين موقع الحجج في قلوب المؤمنين وعملها بهم؛ وذلك أن المؤمنين لما سخت أنفسهم باحتمال الأذى والمكروه من الكافرين، انتصبوا لمعاداة آبائهم وأجدادهم وأهاليهم، ورفضوا شهواتهم، وتركوا أموالهم، واختاروا اتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ودينه، ومعلوم أنهم لم يحملوا أنفسهم كل هذه المؤن؛ طمعا ورغبة في الدنيا؛ لما لم يكن عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يرغب في مثله من نعيم الدنيا؛ فثبت أن الحجج هي التي حملتهم ودعتهم إلى متابعته لا غير؛ فيكون فيما ذكرنا تثبيت رسالته، وإن لم يكن في الآية إشارة إلى الحجج التي اضطرتهم إلى تصديقه والانقياد له؛ فيكون في ذكره تقرير لمن تأخر عنهم من المؤمنين لرسالته، عليه السلام. والثاني: أن أُولَئِكَ المؤمنين صبروا على ما نالهم من المكاره، واستقبلهم من أنواع الأذى في قيامهم بأمر اللَّه تعالى؛ ليكون في ذكره تذكير لمن تأخر من المؤمنين: أن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا عذر لهم في الامتناع عن القيام بما ذكرنا وإن نالهم من ذلك أذى ومكروه؛ بل الواجب عليهم الصبر على ما يصيبهم، والقيام بما يحق عليهم. أو ذكر ما لقي الأوائل من السلف من المعاداة والشدائد من الكفرة بإظهارهم دين الإسلام، ثم نلنا نحن هذه الرتبة، وأكرمنا بالهدى بلا مشقة وعناء؛ لنشكر لله تعالى بذلك

المطففين 83:31

ونحمده عليه؛ لعظمة ثنائه لدينا، وجزيل مننه علينا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) فضحكهم يكون لأحد وجهين: إما على التعجب منهم أن كيف اختاروا متابعة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وحملوا أنفسهم في الشدائد، ورضوا بزوال النعيم عنهم من غير منفعة لهم في ذلك، وهم قوم كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ فكانوا يكذبون بما وعد المؤمنون من النعيم في الآخرة؛ وكان يحملهم ذلك على التعجب؛ فيضحكون متعجبين منهم. أو كانوا يضحكون على استهزائهم بالمؤمنين، يقولون: إن هَؤُلَاءِ آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصدقوه فيما يخبرهم من نعيم الآخرة، ولا يعرفون أنه كذلك، وكانوا يجهلون المؤمنين على ما جهلوا بأنفسهبم، وظنوا أن لا بعث ولا جنة ولا نار. قال أبو بكر: المجرم: هو الوثاب في المعاصي. وذكر أبو بكر أن في ذكر صنيع الكفار بالمؤمنين دلالة رسالة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أنهم كانوا يضحكون من المؤمنين، ويتغامزون، وينسبونهم إلى الضلال سرا من المسلمين، فأطلع اللَّه - تعالى - نبيه - عليه السلام - على ما أسروا من الأفعال؛ ليجعل لهم من أفعالهم حجة عليهم لنبوته ورسالته، عليه السلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) قَالَ بَعْضُهُمْ: لاهين، أو معجبين بحال المؤمنين، أو مسرورين، كما قال - تعالى -: (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) يجوز أن يكونوا نسبوهم إلى الضلال؛ لتركهم دين آبائهم، ورأوا ما اختاروه من تحمل الشدائد، ورضوا بضيق من العيش ضلالًا منهم. وقوله: (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) أي: لم يرسلوا بحفظ أعمال المسلمين؛ فيكون في ذكر هذا تسفيه أحلامهم، وهو أنهم تركوا النظر في أحوال أنفسهم، وجعلوا يعدون على المسلمين عيوبهم كأنهم أرسلوا عليهم حفاظا، وما أرسلوا. أو يكون هذا إخبارا عن الكفار أنهم يقولون: ما أرسل على أحد حافظ يحفظ عليه

المطففين 83:32

الآية ٣٢ : وقوله تعالى :﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ فيجوز أن يكونوا نسبوهم إلى الضلال لتركهم دين آبائهم، ورأوا ما اختاروا من تحمل الشدائد، ورضوا من العيش ضلالا منهم.

المطففين 83:33

الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿وما أرسلوا عليهم حافظين﴾ أي لم يرسلوا لحفظ أعمال المسلمين، فيكون في ذكر هذا تسفيه أحلامهم، وهو أنهم تركوا النظر في أحوال أنفسهم، وجعلوا يعدون على المسلمين عيوبهم [ كأنهم ](١) أرسلوا عليهم حفّاظّا، وما أرسلوا، أو يكون هذا إخبارا عن الكفار أنهم يقولون : ما أرسل على أحد حافظ، يحفظ عليه أعماله، فيكون هذا على الإنكار منهم الكرام(٢) الكاتبين. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: بكرتم..

المطففين 83:34

أعماله؛ فيكون هذا على الإنكار منهم بالكرام الكاتبين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) يكون ضحكهم على المجازاة للكفرة بما كانوا يضحكون منهم في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) منهم من وقف على قوله: (عَلَى الْأَرَائِكِ). ومنهم من رأى موضع الوقف على قوله: (يَنْظُرُونَ). فإذا وقفت على قوله: (عَلَى الْأَرَائِكِ)، كان معناه: أنهم ينظرون: هل جوزي الكفار ما أوعدهم الرسل في الدنيا أو لا بعد؟ وإذا وقفت على قوله: (يَنْظُرُونَ)، كان قوله - تعالى -: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ... (٣٦) أي: قد جوزي الكفار ما كانوا يفعلون، فهم ينظرون كيف يعاقبون. ثم القول: أن كيف احتملت أنفسهم النظر إلى الكفار بما هم فيه من التعذيب، والمرء إذا رأى أحدا في شدة العذاب، لم يحتمل طبعه ذلك، ونغص عليه العيش؛ فجائِز أن يكون اللَّه - تعالى - أنشأهم على خلقة لا تقبل المكاره ولا تجدها؛ بل تنال اللذات كلها والمسار. أو ارتفع عنهم المكروه؛ لبلوغ العداوة بينهم وبين أهل النار غايتها، وكذلك يرى المرء في الشاهد إذا عادى إنسانا واشتدت العداوة فيما بينهما، ثم رآه يعذب بألوان العذاب، لم يثقل عليه ذلك؛ بل أحب أن يزاد منه. ثم جائز أن يرفع إليهم أهل النار إذا اشتاقوا النظر إليهم، فيرونهم. أو يجعل في بصرهم من القوة ما ينتهي إلى ذلك المكان. ثم ذكر بعضهم أن هذه السورة مكية. ومنهم من ذكر أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهي مكية. ومنهم من ذكر أن أولها مدنية وآخرها مكية، واللَّه أعلم. * * *

المطففين 83:35

الآية ٣٥ : وقوله تعالى :﴿على الأرائك ينظرون﴾ فمنهم من وقف على قوله :﴿على الأرائك﴾ ومنهم من رأى موضع الوقف على قوله :﴿ينظرون﴾. فإذا وقف على قوله :﴿على الأرائك﴾ كان معناه أنهم ينظرون هل جوزي الكفار بما أوعدهم الرسل في الدنيا ؟ أم(١) لا بعد. وإذا وقفت على قوله :﴿ينظرون﴾. ١ في الأصل وم: أو..

المطففين 83:36

الآية ٣٦ : كان قوله تعالى :﴿هل ثوب الكفار﴾ أي قد جوزي الكفار ﴿ما كانوا يفعلون﴾ فهم ينظرون كيف يعاقبون ؟ ثم القول : أن كيف احتملت أنفسهم النظر إلى الكفار بما هم فيه من التعذيب ؟ والمرء إذا رأى أحدا في شدة العذاب لم يحتمل طبعه ذلك، وينغص عليه العيش. فجائز أن يكون الله تعالى أنشأهم على خلقة، لا تقبل المكاره، ولا تجدها، بل تنال اللذات كلها والمسار، أو ارتفع عنهم المكروه لبلوغ العداوة بينهم وبين أهل النار غايتها. وكذلك يرى المرء في الشاهد إذا عادى إنسانا، واشتدت العداوة في ما بينهما، ثم رآه يعذب بألوان العذاب، لم يثقل عليه ذلك، بل أحب أن يزاد منه. ثم جائز أن يرفع إليهم أهل النار إذا اشتاقوا النظر إليهم، فيروهم(١)، أو يجعل في بصرهم من القوة ما ينتهي إلى ذلك المكان. ثم ذكر بعضهم أن هذه السورة مكية، ومنهم من ذكر أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهي مكية، ومنهم من ذكر [ أنها في ](٢) أولها مدنية وآخرها مكية [ والله أعلم بالصواب ](٣). ١ في الأصل وم: فيرونهم.. ٢ في الأصل وم: أن.. ٣ ساقطة من م..

الانشقاق 84:1

سُورَةُ الانْشِقَاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) هو جواب سؤال تقدم؛ لما ذكرنا أن حرف (إذا) حرف جواب، وليس بحرف ابتداء؛ فكأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ملاقاة الأعمال متى وقتها؟ فقال - تعالى -: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) فذلك وقت ملاقاة الأعمال. وقيل: ذكر في الخبر أن أخوين أحدهما مسلم، والآخر كافر، قال للمسلم: أترانا بعد الموت مبعوثين؟ فقال له: بلى، والذي خلقك والجبلة الأولين؛ فنزلت هذه السورة تبين لهم وقت بعثهم: أنه عند انشقاق السماء ومد الأرض ونحوه. ثم ذكر الجواب في ابتداء السورة؛ ليكون المرء أذكر لها؛ لأنه يكون أوعى لها وإذا ذكر في وسط السورة، لم يتحفظ إلا بالتلاوة؛ ولهذا المعنى - واللَّه أعلم - جعلت " الم "، و " المر " و " كهيعص " و " طه " رءوس السور؛ لأن الكفرة كانت من عادتهم الإعراض عن القرآن وترك الاستماع إليه ليفهموه، فابتدئت السور بما ذكرت من الرموز والإشارات؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه والنظر؛ إذ لم يكن سبق منهم العلم بمعرفة ما يواد من قوله: " الم " و " الر " ثم ذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها لما جعل فيها؛ ليعرفوا شدة ذلك اليوم؛ فيخافوه، ويستعدوا له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)، قيل: سمعت لربها، وأطاعت وأجابت إلى ما دعيت إليه. ثم المراد من الإذن مختلف؛ فحقه أن يصرف كل شيء إلى ما هو الأولى به؛ ألا ترى أنك إذا قلت: " أذن الرجل لعبده في التجارة "، فلست تريد بقولك: " أذن "، ما تريد به إذا أذنت لغيرك أن يتناول من طعامك، بل تريد بالإذن للعبد الأمر بأن يتجر، حتى لو لم يفعل، تلومه على ذلك، وتريد بالآخر إباحة التناول؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، وقال في موضع آخر: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، فكان المراد من الإذنين مختلفا؛ فثبت أن حقه أن نحمله إلى ما إليه أوجَهُ، وهو إلى الطاعة والإجابة هاهنا أوجه؛ لذلك حملوه عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحُقَّتْ)، أي: حق لها أن تسمع وتطيع. وجائز أن تكون الإجابة منصرفة إلى أهلها، ثم نسب إليها ذلك وإن كان المراد منه الأهل؛ كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا)، ولا يوجد من القرية عتو، وإنَّمَا يوجد من أهلها، فإن كان كذلك، ففيه أنه لا يتخلف أحد من الإجابة إلى ما دعاه إليه الرب - تعالى - خلافا على ما كانوا عليه من الدنيا، فإن كثيرا من أهل الدنيا، أعرضوا عن طاعته، واشتغلوا بمعصيته. ثم الإجابة والطاعة والطوع والكره، ومثل هذه الأوصاف إذا أضيقت إلى من هو من أهل الاختيار، فهي على الطوع المعروف والإجابة المعروفة، وإذا أضيفت إلى من ليس هو من أهل الاختيار فهو على تغيير الهيئة؛ على ما عليه الخلقة، نحو الأرض توصف بالحياة؛ إذا أنبتت، وتوصف بالموت؛ إذا يبس ما عليها، وصارت متهشمة؛ فيراد بها: أنها صارت بهيئة لو وجدت تلك الهيئة في الروحانيين لصار أحدهما علما لحياته، والآخر علما لوفاته، وقال - تعالى -: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، وقوله - تعالى -: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)

الانشقاق 84:2

الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿وأذنت لربها وحقت﴾ قيل : سمعت لربها، وأطاعت، وأجابت إلى ما دعيت إليه. ثم المراد من الإذن مختلف، فحقه أن يصرف كل شيء إلى ما هو الأولى به. ألا ترى أنك إذا قلت : أذن الرجل لعبده في التجارة، فليست تريد بقولك : أذن ما تريد به إذا أذنت لغيرك أن يتناول من طعامك، بل تريد بالإذن للعبد الأمر بأن يتجر حتى إذا(١) لم يفعل تلزمه على ذلك، وتريد بالآخر إباحة التناول ؟ قال الله تعالى :﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقال في موضع آخر :﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾[يونس: ١٠٠] فكان المراد من الإذنين مختلفا(٢). فثبت أن حقه أن يحمله إلى ما دعاه إليه أوجه ؛ وهو إلى الطاعة والإجابة ههنا/٦٣٣ – أ/ أوجه. لذلك حملوه عليه. وقوله عز وجل :﴿وحقت﴾ أي حق لها أن تسمع، وتطيع. وجائز أن تكون الإجابة منصرفة إلى أهلها، ثم نسب إليها ذلك، وإن كان المراد منه الأهل كقوله تعالى :﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها﴾ [الطلاق: ٨] ولا يوجد من القرية عتو، وإنما يوجد من أهلها. فإن كان كذلك ففيه أنه لا يتخلف أحد عن الإجابة إلى ما دعاه إليه الرب تعالى خلافا لما(٣) كانوا عليه في الدنيا ؛ فإن كثيرا من أهل الدنيا أعرضوا عن طاعته، واشتغلوا بمعصيته. ثم الإجابة والطاعة والطوع والكره ومثل هذه الأوصاف إذا أضيفت إلى من هو من أهل الاختيار فهو على الطوع المعروف والإجابة المعروفة، وإذا أضيفت إلى من ليس هو من أهل الاختيار فهو على تعيين الهيئة [ على ما هي عليه الخلقة نحو الأرض، توصف بالحياة إذا أنبتت، وتوصف بالموت إذا يبس [ ما ](٤) عليها، وصارت متهشمة، فيراد بهما أنهما صارتا(٥) بهيئة لو وجدت تلك الهيئة ](٦) في الروحانيين لصار أحدهما علما لحياته، والآخر علما لوفاته، كقوله(٧) تعالى :﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى :﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] وهما لا يوصفان بطوع ولا كره ؛ خلقتا على هيئة لو وجدت تلك الهيئة في من وصف بالطوع والإكراه كان ذلك منه طوعا. وقول(٨) إبراهيم عليه السلام :﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦] [ وهي ](٩) في الحقيقة لا تضل، ولكنها أنشئت على هيئة، لو كانت تملك الإضلال لعد ذلك منها إضلال. ١ في الأصل وم: لو.. ٢ من م، في الأصل: مختلف.. ٣ في الأصل وم: على ما.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل.. ٥ في الأصل: صارت.. ٦ ساقطة من م.. ٧ في الأصل وم: وقال.. ٨ في الأصل وم: وقال.. ٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

الانشقاق 84:3

وهما لا يوصفان بطوع ولا إكراه، ولكن خلقتا على هيئة لو وجدت تلك الهيئة فيمن وصف بالطوع والإكراه، كان ذلك منه طوعا. وقال إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)، وهي في الحقيقة لا تضل، ولكنها أنشئت على هيئة لو كانت تملك الإضلال، لعد ذلك منها إضلالا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) قيل: بسطت، وسويت بكسر الشعاب والأودية بالجبال، أو بما شاء؛ فصارت: (قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) أي: ألقت ما وضع فيها من الموتى والكنوز؛ فتخلت عنها؛ فنسب التخلي إليها، وإن كان من فيها هو الذي خلا عنها، وكانت هي الحابسة؛ لأنه إذا خلا عنها خلت هي عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) الكادح: هو الساعي، وهو الذي اعتاد ذلك، وهذا في كل الإنسان، تراه أبدا ساعيا إما في عمل الخير أو عمل الشر، أو فيما ينفعه أو فيما يضره، حتى لو هم بترك السعي لم يقدر؛ لأن تركه السعي نوع من السعي. وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال حين تلا هذه الآية: " أنا ذلك الإنسان " فهذا ليس أنه هو المخصوص بالخطاب؛ لأنه بين الإنسان، فقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)، ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله، فكل أحد على الإشارة إليه مراد بقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ)، فلذلك قال النبي - عليه السلام -: " أنا ذلك الإنسان ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا) وجائز أن يكون معناه: أن اجعل كدحك إلى ربك في أن تسعى في طاعته وطلب مرضاته؛ فإنك ملاقيه لا محالة؛ أي: تلاقي جزاء عملك: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث؛ إذ البعث قد يكنى عنه بلقاء الرب، قال اللَّه - تعالى -: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ)، وسمي ذلك اليوم: يوم المصير

الانشقاق 84:4

الآيتان ٤ و٥ : وقوله تعالى :﴿وألقت ما فيها وتخلت﴾ [ ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ ](١) أي ألقت ما وضع فيها من الموتى والكنوز، فتخلت عنها، فنسب التخلي إليها، وإن كان من فيها، هو الذي تخلى(٢) عنها، وكانت هي الحابسة(٣)، لأنه إذا [ تخلى عنها تخلت ](٤) هي عنه. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: خلا.. ٣ من م، في الأصل: الجاسية.. ٤ في الأصل وم: خلا عنها، خلت..

الانشقاق 84:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ الكادح، هو الساعي، وهو الذي اعتاد ذلك، وهذا في كل إنسان، تراه أبدا ساعيا إما في عمل الخير [ وإما في ](١) عمل الشر وإما(٢) في ما يضره حتى إذا(٣) هم بترك السعي لم يقدر لأن تركه السعي نوع من السعي. وروي عن رسول الله ﷺ أنه حين تلا هذه الآية قال :( ( أنا ذلك الإنسان ) ) فهذا ليس أنه هو المخصوص بالخطاب لأنه بين الإنسان فقال :﴿فمن أوتي كتابه بيمينه﴾ [ الإسراء : ٨١ و. . . ] ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ [الانشقاق: ١٠] ](٤) ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله ؛ فكل أحد على الإشارة مراد بقوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان﴾ فلذلك قال النبي عليه السلام :( ( أنا ذلك الإنسان ) ). وقوله تعالى :﴿إلى ربك كدحا﴾ فجائز أن يكون معناه : أن اجعل كدحك إلى ربك في أن تسعى إلى طاعته وطلب مرضاته ﴿فملاقيه﴾ فإنك ملاقيه، لا محالة ؛ أي تلاقي جزاء عملك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث ؛ إذ البعث قد يكنّى عنه بلقاء الرب. قال تعالى :﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه﴾ [الكهف: ١١٠] وسمي ذلك اليوم يوم المصير إلى الله تعالى ويوم البروز بقوله تعالى :[ ﴿وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقوله تعالى ](٥) :﴿وبرزوا لله جميعا﴾ [إبراهيم: ٢١] ووجه التسمية بهذه الأسامي ما ذكرنا أن المقصود من خلق العالم العاقبة، فسمي بروزا لما للبروز أنشئ، وسمي مصيرا إلى الله تعالى لمصيرهم إلى ماله خلقوا، وإن كان الخلق كلهم بارزين له قبل ذلك، ولم يكونوا عنه غائبين، فيصيروا إليه خصوصا لذلك اليوم. ١ في الأصل وم: أو.. ٢ في الأصل وم: أو. ٣ في الأصل وم: لو.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ ساقطة من الأصل وم..

الانشقاق 84:7

إلى اللَّه - تعالى - ويوم البروز بقوله - تعالى -: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا). ووجه التسمية بهذه الأسامي ما ذكرنا: أن المقصود من خلق العالم العاقبة؛ فسمي: بروزا؛ لما للبروز أنشئ، وسمى: مصيرا إلى اللَّه تعالى؛ لمصيرهم إلى ما له خلقوا، وإن كان الخلق كلهم بارزين له قبل ذلك، ولم يكونوا عنه غائبين؛ فيصيرون إليه خصوصا لذلك اليوم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) فسماه: حسابا، يسيرا؛ لوجوه: أحدها: أن المؤمن اعتقد تصديق الرب في كل ما دعاه إليه، وإذا كان على التصديق سهل عليه تذكر ما قد عمله بتفكر الجملة. ووجه آخر: أنه إذا نظر في كتابه رأى حسناته مقبولة وسيئاته مغفورة له، فسمي ذلك اليوم: يسيرا له؛ لما أثبت فيه من الخيرات، ومُحي عنه من السيئات، كما سميت الخيرات: يسرى، وسمي ما يجري عليها: يسرى أيضا، فكذلك من أوتي كتابه بيمينه يجري عليه الخير؛ فسمي: حسابا يسيرا. وجائز أن يكون المسلم يحاسب في أن يذكر ما أنعم اللَّه عليه في الدنيا، ولا يحاسب حساب توبيخ وتهويل؛ بأن يقال له: لم فعلت كذا؟ والكافر يسأل سؤال توبيخ، فيقال له: لم فعلت كذا؟! على الإنكار منه لما فعل، وفي ذلك تعسير عليه. وروي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: سمعت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من نوقش الحساب فهو معذب "، وفي بعضها: " من حوسب عذب " قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ألم يقل اللَّه تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا)؟ قال: " يا عائش، ذاك العرض، ولكن من نوقش أن حساب هلك ". قال الفقيه - رحمه اللَّه -: في ظاهر قوله - عليه السلام -: " من نوقش الحساب عذب " دفع لما قالته عائشة - رضي اللَّه عنها - لأن الفهم من قوله - عليه السلام -: " من نوقش الحساب " غير الفهم من قوله - تعالى -: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)؛ فليس في ظاهر قوله

الانشقاق 84:9

جواب لها؛ فكان الظاهر من الكلام الأول على ما فهمته عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولكن وجه الجواب فيه: أن قوله - عليه السلام -: " من حوسب عذب "، وقوله - عز وجل -: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ) ليس على كل حساب، وإنما هو على الحساب الذي لا يناقش فيه، فأما الذي هو عرض فليس مما يعذب عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يفهم بالخطاب العام عموم المراد كما فهمته عائشة - رضي اللَّه عنها - بل يجوز أن يكون الخطاب عاما، والمراد منه خاصا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وقال في شأن الذي أوتي كتابه وراء ظهره (وَيَصْلَى سَعِيرًا. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)! فهذا لأن المسلم إنما تأهل على قصد تحصيل النفع لنفسه في العاقبة، وتكون معينة له على أمور الآخرة؛ فحصل له ذلك النفع بإحرازه السرور الدائم بذلك، والكافر تأهل للمنافع الحاضرة وسر بها سرورا، وأنساه السرور أمر العاقبة؛ فحق عليه العذاب؛ لتركه السعي للآخرة، لا لسروره بأهله، وهو كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...) الآية، والكل منا يريد العاجلة ولا بد له منها، لكن الذي يصلى جهنم هو الذي ابتغى العاجلة ابتغاء أنساه ذلك عن الآخرة، فكذلك المسرور بأهله إنما حلت به النقمة؛ لما منعه السرور عن النظر للعاقبة، لا لنفس السرور؛ إذ كل متأهل لا يخلو عن السرور بأهله، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فالإيتاء من وراء الظهر يحتمل وجهين: أحدهما: أن استقذر منه؛ لخبث منظره؛ فأوتي من وراء ظهره؛ مجازاة له بما سبق من صنعه، وصنعه أنه نبذ كتاب اللَّه وراء ظهره، وترك أوامره ونواهيه كذلك وراء ظهره؛ فجوزي - أيضا - بدفع كتابه وراء ظهره، ودفع إلى المؤمن كتابه بيمينه؛ لما في كتابه من المحاسن والبركات، واليمين أنشئت؛ لتستعمل في البركات وأنواع الخير، وسميت - أيضا - باسم مشتق من اليمن والبركة، والشمال جعلت لتستعمل في الأقذار والأنجاس، فدفع كتابه من خبث عمله إليه بشماله أيضا أو من وراء ظهره. ولأن أهل الإيمان قبلوا أمر اللَّه - تعالى - ونواهيه واستقبلوها بالتعظيم والتبجيل، ومن أراد تعظيم الآخر في الشاهد وتبجيله، أخذه بيمينه، فجوزوا في الآخرة بالتعظيم لهم

الانشقاق 84:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ فالإيتاء من وراء الظهر يحتمل وجهين : أحدهما : أن استقذر منه لخبث منظره، فأوتي من وراء ظهره مجازاة له بما سبق من صنعه ؛ وصنعه أنه نبذ كتاب الله تعالى وراء ظهره، وترك أوامره ونواهيه كذلك وراء ظهره، فجوزي أيضا بدفع كتابه وراء ظهره، ودفع إلى المؤمن/ ٦٣٣ – ب/ كتابه بيمينه لما في كتابه من المحاسن والبركات، واليمين أنشئت لتستعمل في البركات وأنواع [ الخير ](١)، وسميت أيضا باسم مشتق من اليمن والبركة. [ والثاني : أن ](٢) الشمال جعلت لتستعمل في الأقدار والأجناس، فدفع كتابه من حيث عمله إليه بشماله أيضا أو من وراء ظهره، لأن أهل الإيمان قبلوا أمور(٣) الله تعالى ونواهيه، واستقبلوها بالتعظيم والتبجيل ؛ ومن أراد تعظيم الآخر في الشاهد وتبجيله أخذه بيمينه، فجوزوا في الآخرة بالتعظيم لهم بأن أوتوا(٤) كتبهم بأيمانهم. وأما الكافر بأنه استخف بأمر الله تعالى وطاعته فجوزي في الآخرة بأن أوتي كتابه بشماله التي تستعمل في الأقذار إهانة وتحقيرا. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ في الأصل وم: أمر.. ٤ في الأصل وم: أوتي..

الانشقاق 84:11

بأن أوتوا كتبهم بأيمانهم، وأما الكافر فإنه استخف بأمر اللَّه - تعالى - وطاعته، فجوزي في الآخرة بأن أوتي كتابه بشماله التي تستعمل في الأقذار؛ إهانة له وتحقيرا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) الثبور والويل حرفان يتكلم بهما عند الوقوع في المهالك؛ فيكون في ذكر الثبور ذكر وقوعه في المهلكة التي يحق له دعاء الثبور والويل على نفسه، دعا به أو لم يدع؛ على سبيل الكناية عن الوقوع في الهلاك، وهو كقوله - تعالى -: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، فالضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ فمعناه: أنه يستقبله ما يحزن له طويلا، كان هناك بكاء أو لم يكن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى... ) فيه دلالة أنه إنما حل به ما ذكر من العذاب؛ لأنه كان للبعث ظانا، ولم يكن به متيقنا؛ وكذلك اللَّه - سبحانه وتعالى - حيث قسم الوعد والوعيد بين الفريقين ذكر في آخره ما يبين أن الذي أوعد بالعذاب هو المكذب، وذكر الوعيد هاهنا وبين أن الذي يحل به هذا الوعيد هو الذي كان ظانا بالميعاد ولم يكن متحققا، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ...)، إلى قوله: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)، فبين أن الوعيد في المكذبين، وقال - تعالى -: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ... ) إلى قوله: (فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)؛ ليعلم أن الوعيد الدائم في المكذبين خاصة؛ فيكون فيه دفع قول المعتزلة: إن أهل الكبائر يخلدون في النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) أي: كان بصيرا بما سبق من أعماله الخبيثة؛ فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم منه باكتساب ما استوجب من العذاب، خلافا لأمر ملوك الدنيا: أنهم يحاسبون على تذكير الغير لهم ما عليه من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب به التعذيب، لا على علم منهم بذلك. أو يكون معناه: أنه كان به بصيرا في الأزل: أنه ماذا يعمل إذا أنشأه؟ وإلى ماذا ينقلب أمره: إلى النار أو إلى الجنة؟ فخلقه على علم منه أنه يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه. ولقائل أن يقول بأن المرء في الشاهد لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في العاقبة يضره ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه كان مذموما عند الناس، ولم يكن محمودا، فأي حكمة

الانشقاق 84:13

سورة [ الانشقاق وهي مكية ](١) ١ من م، في الأصل: ﴿إذا السماء انشقت﴾..

الانشقاق 84:14

الآيتان ١٤ و١٥ : وقوله تعالى :﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ ﴿بلى﴾ فيه دلالة أنه إنما حل به ما ذكر من العذاب، لأنه كان للبعث ظانا، ولم يكن به متيقنا. وكذلك الله سبحانه وتعالى [ حين ](١) قسم الوعد للفريقين ذكر في آخره ما يبين أن الذي أوعد بالعذاب، هو المكذب، وذكر الوعيد ههنا، وبين أن الذي يحل به هذا الوعيد، هو الذي كان ظانا بالميعاد، ولم يكن متحققا. وقال الله تعالى :﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ إلى قوله :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠] فتبين أن الوعيد في المكذبين، وقال تعالى :﴿تلفح وجوههم النار﴾ إلى قوله :﴿فكنتم بها تكذبون﴾ [ المؤمنون : ١٠٤ و١٠٥ ] ليعلم أن الوعيد الدائم في المكذبين خاصة ؛ فيكون فيه دفع قول المعتزلة : إن أهل الكبائر يخلدون في النار. وقوله تعالى :﴿إن ربه كان به بصيرا﴾ أي كان بصيرا بما سبق من أعماله الخبيثة، فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم منه باكتساب ما استوجب من العذاب خلافا لأمر ملوك الدنيا ؛ إنهم يحاسبون على تذكير الغير لهم ما عليهم(٢) من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب به التعذيب لا على علم منهم بذلك. أو يكون معناه : أنه كان به بصيرا في الأزل أنه ماذا يعمل إذا أنشأه وإلى ماذا ينقلب أمره إلى النار أو إلى الجنة، فخلقه على علم أنه يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه. ولقائل أن يقول : إن المرء في الشاهد، لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في العاقبة، يضره، ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه، كان مذموما عند الناس، ولم يكن محمودا، فأي حكمة في إنشاء عدوه، وهو عالم أنه يسعى في معاداته. فجوابه، والله أعلم، أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه، يضره، ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة لما سعى في إضرار نفسه. فأما الذي أعرض عن طاعة الله، وكفر به، فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك، ولم يضر غيره، لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه. وفي هذا دلالة أن الله حين(٣) خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم، بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: عليه.. ٣ في الأصل وم: حيث..

الانشقاق 84:15

الآيتان ١٤ و١٥ : وقوله تعالى :﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ ﴿بلى﴾ فيه دلالة أنه إنما حل به ما ذكر من العذاب، لأنه كان للبعث ظانا، ولم يكن به متيقنا. وكذلك الله سبحانه وتعالى [ حين ](١) قسم الوعد للفريقين ذكر في آخره ما يبين أن الذي أوعد بالعذاب، هو المكذب، وذكر الوعيد ههنا، وبين أن الذي يحل به هذا الوعيد، هو الذي كان ظانا بالميعاد، ولم يكن متحققا. وقال الله تعالى :﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ إلى قوله :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠] فتبين أن الوعيد في المكذبين، وقال تعالى :﴿تلفح وجوههم النار﴾ إلى قوله :﴿فكنتم بها تكذبون﴾ [ المؤمنون : ١٠٤ و١٠٥ ] ليعلم أن الوعيد الدائم في المكذبين خاصة ؛ فيكون فيه دفع قول المعتزلة : إن أهل الكبائر يخلدون في النار. وقوله تعالى :﴿إن ربه كان به بصيرا﴾ أي كان بصيرا بما سبق من أعماله الخبيثة، فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم منه باكتساب ما استوجب من العذاب خلافا لأمر ملوك الدنيا ؛ إنهم يحاسبون على تذكير الغير لهم ما عليهم(٢) من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب به التعذيب لا على علم منهم بذلك. أو يكون معناه : أنه كان به بصيرا في الأزل أنه ماذا يعمل إذا أنشأه وإلى ماذا ينقلب أمره إلى النار أو إلى الجنة، فخلقه على علم أنه يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه. ولقائل أن يقول : إن المرء في الشاهد، لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في العاقبة، يضره، ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه، كان مذموما عند الناس، ولم يكن محمودا، فأي حكمة في إنشاء عدوه، وهو عالم أنه يسعى في معاداته. فجوابه، والله أعلم، أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه، يضره، ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة لما سعى في إضرار نفسه. فأما الذي أعرض عن طاعة الله، وكفر به، فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك، ولم يضر غيره، لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه. وفي هذا دلالة أن الله حين(٣) خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم، بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: عليه.. ٣ في الأصل وم: حيث..

الانشقاق 84:16

في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته؟!. فجوابه - واللَّه أعلم -: أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة؛ لما سعى في إضرار نفسه، فأما الذي أعرض عن إطاعة اللَّه - تعالى - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك، ولم يضر غيره؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه، وفي هذا دلالة أن اللَّه - تعالى - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥). وقوله - تعالى -: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) منهم من حمل قوله: (فَلَا) على دفع منازعة وقعت فيما بين القوم؛ على ما نذكر في سورة (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) إن شاء اللَّه، وإنما القسم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُقْسِمُ). ومنهم من جعل " لا " بحق الصلة. فإن كان على الوجه الأول، لم يجز حذف " لا " من الكلام؛ بل حقه أن يقرأ (فَلَا أُقْسِمُ). وإن كان بحق الصلة استقام حذفه، كما قرأ بعض القراء: (فَلَا. أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ). ثم الشفق هو أثر النهار، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله، وإن كان ذكر طرفا منه. والثاني: أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار -وهو النور الذي فيه- وأثر الشمس -وهو الحمرة التي تكون فيه- فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه، كما كان واقعا على الليل بما فيه؛ لقوله: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ)؛ فيكون فيه حجة لقول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض؛ لأن وقتها يدخل بغيبوبة الشفق، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة، فما لم يتم الغيبوبة لم يهجم وقتها؛ ألا

الانشقاق 84:17

ترى أن الصلاة التي تلي الغروب لا يدخل وقتها حتى يتم غروب الشمس، فعلى ذلك الصلاة التي تلي غروب الشفق لا يدخل وقتها حتى يتم الغيبوبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَسَقَ)، أي: وما ساق وحمل معه من الظلمة والنجم والدابة، وغير ذلك. والوسق: الحمل، يقال: وسق بعير، أي: حمل بعير. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وسق، أي: جمع وساق كل شيء إلى مأواه من الطير والسباع، فذكر النهار والليل؛ لما فيهما من المنافع. وقوله: (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) فالاتساق: الاجتماع، ومعناه: استوى، وكمل؛ إذ ذلك اجتماعه، وذلك في ليالي البيض. وقال أبو بكر الأصم: معناه: أنه جُمع وسوي بعد أن كان كالعرجون القديم فيذكرهم قوته؛ ليعلموا أنه قادر على بعثهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) قرئ بنصب الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد، وإن كان في الظاهر إحداهما للجمع والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع ليذكر بالرفع، فإن قوله: (لَتَرْكَبُنَّ) منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ليس في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)، إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة؛ فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة. ثم قوله: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) قيل: حالا بعد حال. ثم جائِز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال: لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا؛ فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث. ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه مضغة، وإلى حال العلقة، وإلى حال الطفولة، إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة؛ فيكون في تنقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريد به العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا؛ فيكون قوله: (لَتَرْكَبُنَّ) منصرفا إلى كل

الانشقاق 84:18

الآية ١٨ : وقوله تعالى :﴿والقمر إذا اتسق﴾ فالاتساق الاجتماع، ومعناه استوى، وكمل، إذ ذلك اجتماعه، وذلك في ليالي البيض. وقال أبو بكر الأصم : معناه أنه جمع، وسوي، بعد أن كان ﴿كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩] فيذكرهم قوته ليعلموا أنه قادر على بعثهم(١). ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم: بعثه..

الانشقاق 84:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ قرئ بنصب(١) الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد ؛ إن كان في الظاهر، إحداهما للجمع، والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع فيذكر بالرفع ؛ فإن قوله :﴿لتركبن﴾ منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد لما ليس في قوله عز وجل :﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [ الآية ٦ ] إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة، فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة. ثم قوله تعالى :﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ قيل : حالا بعد حال. ثم جائز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال : لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا، فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث. ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا ؛ فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه [ نطفة وإلى ](٢) حال العلقة وإلى حال الطفولة إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة، فيكون في نقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريدت العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا، فيكون قوله :﴿لتركبن﴾ منصرفا إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد لما ذكرنا. ومنهم من قال : إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله ﷺ ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه وعن ابن مسعود رضي الله عنه. ولكن قال ابن مسعود رضي الله عنه : لتركبن يا محمد، وقال ابن عباس رضي الله عنه : لتركبن السماء حالا بعد حال. فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه ففيه بشارة بإسلام قومه وإجابتهم له، فيقول : إنهم سيطلعونك، ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك. ومن قال : لتركبن سماء بعد سماء فيقول : ذلك ليلة أسري به. والتأويل الأول أقرب لأن موقع/٦٣٤ – أ/ القسم في قوله تعالى : لتركبن، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم. فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس، فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي ﷺ عن الغيب، فيكون تأكيدا لرسالته. فلذلك قلنا : إن الحمل على المعنى الأول أحق، والله أعلم. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/١٠٣.. ٢ في الأصل وم: مضفة إلى..

الانشقاق 84:20

إنسان في نفسه خاصة، لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ذكرنا. ومنهم من قال: إنما أراد بهذا الخطاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ذكر عن ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - لكن قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّد. وقال ابن عَبَّاسٍ: لتركبن السماء حالا بعد حال. فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود، ففيه بشارة له بإسلام قومه، وإجابتهم له؛ فيقول: إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك. ومن قال: لَتَرْكَبَنَّ سماء بعد سماء، فيقول: ذلك ليلة أسري به. والتأويل الأول أقرب؛ لأن موقع القسم في قوله: (لَتَرْكَبُنَّ)، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أُولَئِكَ القوم، فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس؛ فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي - عليه السلام - عن الغيب؛ فيكون تأكيدا لرسالته؛ فلذلك قلنا: إن الحمل على المعنى الأول أحق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) الأصل أن كل من اعتقد مذهبا فإنما يعتقده لحجة تقررت عنده، أو شبهة اعترضت له، ظنها حجة، فأما أن يعتقده حرامًا، فليس يفعله، فقال اللَّه تعالى في هَؤُلَاءِ: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، أي: أي حجة لهم تمنعهم عن الإيمان باللَّه - تعالى - وبرسوله، وتدعوهم إلى الشرك والتدين به. ثم قد ذكرنا أن ما خرج مخرج الاستفهام من اللَّه - تعالى - فحقه أن ينظر ما يقتضي ذلك الكلام من الجواب أن لو كان من مستفهم؛ فيحمل الأمر عليه، وحق جواب هذا الكلام أن نقول: لا شيء يمنعه عن ذلك؛ فقوله: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، أي: لا حجة لهم فيما اختاروا من الشرك، وإنما يتدينون به تشهيا وتمنيا؛ فيكون هذا على النفي في أن لا حجة لهم. أو كأنه يخاطب رسوله - عليه السلام - فيقول: سلهم لماذا لا يؤمنون؟ وإذا سألهم لم يجدوا لأنفسهم حجة في الإعراض عن الإيمان؛ فيرجع الأمر إلى ابتغاء الحجة أيضا. ثم المعتزلة احتجت علينا بهذه الآية في تثبيتهم القدرة قبل الفعل، وزعمت أنه لو لم

الانشقاق 84:21

يكن أعطي قوة الإيمان، لم يكن يعاتب على تركه؛ لأنه لا عذر للعبد أعظم من أن يقول إذا قيل له: لم لا تؤمن؟ فيقول: لأني لم أقدر عليه. ولأن قوله - تعالى -: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) حرف تعجيب، ولو كانت القوة ممنوعة قبل الفعل، لكان له أن يقول: إنما لم أؤمن؛ لأني منعت عنه؛ فيرتفع عنه التعجيب؛ فدل أنه أعطي القوة؛ فلم يبق له في التخلف عن الإيمان عذر. والجواب عن الفصل الأول: أن الكافر إنما لحقته كلفة الإيمان؛ لأنه هو الذي ضيع القوة باختياره فعل الكفر، وإنما ترتفع الكلفة إذا منعت عنه الطاقة، فأما إذا كان هو الذي ضيعها، فالكلفة عليه قائمة. والأصل أن القدرة في الصحيح السليم تحدث تباعا على قدر حرصه على العبادة وميله إليها. ثم العبد متى اشتغل بفعل صار مضيعا لضده من الأفعال، لا أن كان ممنوعا من الفعل الذي هو ضد هذا؛ فلذلك إذا آثر الكفر، وأتى به، فقد صار باختياره الكفر مضيعا لقوة الإيمان، لا أن صار ممنوعا عنها؛ لذلك لحقته كلفة الإيمان. وأما ما ذكر من أمر التعجيب فقد وصفنا وجه التعجيب في ذلك، وهو أنهم لم يلزموا الكفر بحجة دعتهم إلى القول به، والمرء إذا قلد مذهبا -قلده لا عن حجة وبرهان- تعجب الخلق باختيارهم الكفر لا عن حجة. ثم لو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة: أن اللَّه - تعالى - قد أعطاهم جميع أسباب الهداية، ولم يُبْقِ في خزانته شيئا منعه عنهم، لكان التعجب راجعا إليه، لا إلى الذين لم يؤمنوا، فيقول: ما لي لا أصل إلى هدايتهم، ولم يَبْق عندي شيء به هدايتهم إلا وقد أعطيتهم، لا أن يعجب الخلق من صنعهم؛ فليس الذي اختاروه في القول سوى وصفهم رب العالمين بالعجز، والعاجز لا يصلح أن يكون ربًّا، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) منهم من صرف التأويل إلى سجود الصلاة، والمراد منه عندنا: سجود التلاوة، وهو سجود الاستسلام والخضوع على الشكر؛ لما أكرم المرء به من الإيمان وهدى اللَّه؛ لأن سجود الصلاة يكون عند فعل الصلاة، لا عند ذكر التلاوة. ثم في الآية دلالة وجوب السجدة على السامع؛ لأنهم عوتبوا بتركهم السجود عندما

الانشقاق 84:22

يتلى عليهم، وقرعوا به، والتقريع يجري في ترك اللازم، لا في ترك ما ليس عليه. ولأن المعنى الذي له وجب السجود على التالي قائم في السامع؛ إذ التالي إنما لزمه السجود؛ لما ذكر من آيات اللَّه - تعالى - وقامت عليه من الحجج؛ فلزمه أن ينقاد لها ويخضع، والسامع قد قامت عليه الحجج؛ فيلزمه أن يخضع لها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يكذبون رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام؛ فيحملهم ذلك على التكذيب بالقرآن؛ لأنهم إذا كذبوا رسالته لم يصدقوه فيما يأتي من الأخبار، لا أن يكون في الأخبار معنى يحملهم على التكذيب؛ بل القرآن يحملهم على التصديق والإيمان لو أنعموا النظر فيه، وبذلوا من أنفسهم الإنصاف. أو يكون معناه: أن الذين كفروا هم المكذبون؛ فيكون الكفر منهم تكذيبا، والتكذيب منهم كفرا. وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) يحتمل أوجها: أحدها: ما يضمرون من الكيد والمكر برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فاللَّه أعلم بكيدهم، لا يتهيأ لهم أن ينفذوا كيدهم فيه إلا ما كتب اللَّه عليه؛ فيكون فيه بشارة له بالنصر والتأييد. والثاني: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) في قلوبهم من التصديق، ويظهرون من التكذيب بألسنتهم، وإنما يوعون من التكذيب بألسنتهم وقلوبهم معا، وذلك أن البعض منهم كان قد أيقن برسالته؛ فكان يصدقه بقلبه، ويكذبه بلسانه على العناد منه والتمرد. ومنهم من لم يكن عرف صدقه بقلبه؛ لما ترك الإنصاف من نفسه بإعراضه عن النظر في حجج ألله - تعالى - فكان يكذبه بقلبه ولسانه جميعا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) البشارة إذا فسرت، استقام حملها على الحزن والسرور جميعا، وأما البشارة المطلقة إنما تستعمل في موضع إدخال الفرح والسرور في القلب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؍ (٢٥) جائز أن يكون هذا منصرفا إلى كل من آمن.؍ وجائز أن يصرف إلى من آمن من الذين كانوا يوعون ما ذكرنا. وقوله: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) نذكره في سورة " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ "، إن شاء اللَّه تعالى. * * *

الانشقاق 84:23

الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿والله أعلم بما يوعون﴾ يحتمل أوجها : أحدها : ما يضمرون من الكيد والمكر برسول الله ﷺ فالله أعلم بكيدهم ؛ لا يتهيأ لهم أن ينفّذوا كيدهم فيه إلا ما كتب الله عليه، فيكون فيه بشارة له بالنصر والتأييد. والثاني :﴿والله أعلم بما يوعون﴾ في قلوبهم من التصديق ويظهرون من التكذيب بألسنتهم، أو بما يلمحون من التكذيب بألسنتهم وقلوبهم معا ؛ وذلك(١) أن البعض منهم كان قد أيقن برسالته، فكان يصدقه بقلبه، ويكذبه بلسانه على العناد منه والتمرد. [ الثالث ](٢) : منهم من لم يكن عرف صدقه بقلبه لما ترك الإنصاف من نفسه بإعراضه عن النظر في حجج الله تعالى، فكان يكذبه بقلبه ولسانه جميعا. ١ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: و..

الانشقاق 84:24

الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ فالبشارة إذا فسرت استقام حملها على الحزن والسرور جميعا، وأما البشارة المطلقة فإنما تستعمل في موضع إدخال الفرح والسرور في القلب.

الانشقاق 84:25

الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فجائز أن يكون منصرفا إلى كل من آمن، وجائز أن يصرف إلى من آمن من الذين كانوا ﴿يوعون﴾ ما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿لهم أجر غير ممنون﴾ نذكره في سورة ﴿والتين والزيتون﴾ إن شاء الله تعالى.

البروج 85:1

سُورَةُ الْبُرُوجِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * * قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ)، فقوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) على القسم، وكذلك ما ذكر عقيبه. ثم اختلف في موضع القسم في هذه السورة: فمنهم من ذكر أن القسم لمكان قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ). ومنهم من يقول: القسم موضعه على قوله: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)، وهو أشبه؛ لأنه في موضع الاحتجاج على الكفرة. ولو حمل القسم على قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ)، كان ذلك منصرفا إلى المؤمنين، والمسلمون قد تيقنوا بصدق ما يأتي به الرسول من الأنباء، والقسم يذكر على تأكيد ما يقصد إليه؛ ليزال عنه الريب، فإذا كان المسلمون غير مرتابين في نبئه استغنوا عن تأكيده بالقسم؛ فلذلك قلنا: إن صرفه إلى قوله - تعالى -: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)، أليق؛ فيكون فيه تحذير لمن كذب رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن بطشه لمن كذب رسوله لشديد، وقد علموا ذلك بما وصل إليهم من نبأ عاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم. وجائز أن يكون موضع القسم على قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ)، وذلك أن أهل مكة كانوا أهل تعذيب لمن آمن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فكان في ذكر ما نزل بالمتقدمين من الفراعنة من العذاب، وصبر أُولَئِكَ المعذبين على دينهم، وضنهم به، وحسن ثناء اللَّه - تعالى - عليهم تصبير لهم، وتهوين على ما يلقون من العذاب؛ لينالوا من حسن ثناء اللَّه - تعالى - عليهم ما ناله من صبر من تقدمهم من السلف. وكذلك ذكر سحرة فرعون، وأحسن الثناء عليهم بصبرهم على تعذيب فرعون، فقالوا: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)؛ ليكون ذلك عونا لهم على الصبر بما يلقون من الكفرة من التعذيب، ثم أكد الأمر بالقسم؛ لأنه لا كل مسلم يبتلى بتعذيبهم يبلغ يقينه مبلغا لا يعتريه الشك، ولا يتخالجه شبهة في ذلك؛ فأكد الأمر بالقسم؛ لرفع الريب والإشكال. وقال - تعالى -: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، وفي بعض القراءات: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)، فذكّر المؤمنين ما لقي السلف من الكفرة، وابتلوا بقتل الرسل وثباتهم على الدِّين؛ ليستعينوا به على ما يصيبهم في سبيل اللَّه، ولا ينقلبوا على أعقابهم إذا أخبروا بقتل الرسول. وفي ذكر هذه الأنباء دلالة أن قول الرسول - عليه السلام - لعمار رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إن عادوا فَعُدْ " حين أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه، فأجرى وقلبه مطمئن بالإيمان - ليس على الأمر به والإيجاب عليه، والتحصيل بطريق العزم؛ بل معناه: إن عادوا فلك العود؛ على سبيل الرخصة؛ لأنه لو كان على الأمر، لم يكن في ذكر نبأ أصحاب الأخدود وسحرة فرعون فائدة، سوى أن يترك العمل بهما، ومعلوم أن تلك الأنباء إنما ذكرت؛ ليعمل بها لا ليترك بها العمل؛ لذلك حمل قوله: " فَعُدْ " على الرخصة، لا على الأمر به، ويكون المراد من قوله - عليه السلام - أيضا: " من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا فليس منا "، أي: لم ير العمل به موسعا بل استنكره، وأبى قبوله، لا أن يكون فيه أمر بترك العزيمة وإيجاب العمل بالرخصة، واللَّه أعلم. ثم نرجع إلى قوله - تعالى -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ). فقَالَ بَعْضُهُمْ: هي البروج المعروفة، وهي أطراف البناء، وإذا بني بناء اتخذ على طرفه برج؛ ليشدد بناؤه به. ومنهم من قال: البروج: القصور. ومنهم من قال: البروج: النجوم؛ لقوله: (جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ)

البروج 85:2

وزينة السماء هي الكواكب بقوله: (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ). ومنهم من قال: هي مجاري الشمس والقمر والكواكب، فمنازلها هي البروج. ثم ذكر السماء بالبروج؛ ليعرف حدثها ودخولها تحت تدبير الغير؛ إذ ذكرها بالمنافع المجعولة فيها؛ ليعلم الخلق أنها سخرت للمنافع؛ فيعرفوا بها حدثها؛ إذ المسخر لمنافع الغير داخل تحت قدرة من سخره، والمقدور محدث، وهم لم يشهدوا بدأها؛ ليعرفوا به حدثها، ولا كل أحد يعرف حدثية الشيء؛ لكونه محدودا في نفسه إذا لم يشاهدوا بدأه، فذكرها حيث ذكرها بما فيها من المنافع المجعولة للخلق؛ إذ ذلك أظهر وجوه الدلالة على الحدثية؛ ليعلموا بها حدثها؛ ألا ترى أن إبراهيم - عليه السلام - احتج على قومه بنفي الإلهية عن الكواكب بأفولها؛ إذ ذلك أظهر وجوه الحدثية، ولم يحتج عليهم بانتقالها من موضع إلى موضع، ولا بكونها محدودة في نفسها؛ بل احتج عليهم بما ذكرنا؛ ليتحقق عندهم حدوثها ودخولها تحت سلطان الغير. وقوله: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) قيل: هو يوم القيامة؛ فسمي: موعودا؛ لما وعد من جميع الأولين والآخرين في ذلك اليوم، ثم أقسم بذلك اليوم وإن كانوا منكرين له؛ لما قرره عليهم بالحجج، وألزمهم القول به. وقيل: اليوم الموعود، هو كل يوم يأتي، فيأتي بما وعد فيه من الرزق وغيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) اختلف في تأويله: فمنهم من قال: الشاهد هو اللَّه تعالى، والمشهود هو الخلق، واستدل على ذلك بقوله: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). وقيل: الشاهد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والمشهود أمته؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ). ومنهم من يقول: الشاهد هو الكاتبان اللذان يكتبان على بني آدم أعمالهم، والمشهود هو الإنسان الذي يكتب عليه.

البروج 85:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿وشاهد ومشهود﴾ اختلف في تأويله ؛ فمنهم من قال : الشاهد، هو الله تعالى، والمشهود، هو الخلق، واستدل على ذلك بقوله :﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ [المائدة: ١١٧]. وقيل : الشاهد الرسول ﷺ والمشهود أمته، قال الله تعالى :﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾ [النحل: ٨٩]. ومنهم من يقول : الشاهد هو الكاتبان اللذان يكتبان على [ ابن آدم أعماله ](١) والمشهود، هو الإنسان الذي يكتب عليه. ومنهم من يقول : الشاهد والمشهود، هو الإنسان نفسه، أي جعل من نفسه شهودا بقوله :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور: ٢٤]. ومنهم من يقول : الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة ؛ سمي يوم الجمعة شاهدا لأنه هو الذي يشهدهم، ويأتيهم، وسمي يوم عرفة مشهودا لأن عرفة اسم مكان، والناس يأتونها، ويشهدونها، ولا تأتيهم ؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل الأديان كلها، وعظم يوم الجمعة لأنه يوم عيد المسلمين، ولكل أهل دين يوم يعظمونه، فأكرم الله تعالى المؤمنين بهذا اليوم ليعظموه، فكان اليوم الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان، فأقسم بهما. ١ في الأصل وم: بني آدم أعمالهم..

البروج 85:4

ومنهم من يقول: الشاهد والمشهود هو الإنسان نفسه؛ أي: جعل عليه من نفسه شهودا بقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ومنهم من يقول: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة؛ فسمي يوم الجمعة شاهدا؛ لأنه هو الذي يشهدهم ويأتيهم، وسمي يوم عرفة: مشهودا؛ لأن عرفة اسم مكان، والناس يأتونها ويشهدونها، ولا يأتيهم؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل الأديان كلها، وعظم يوم الجمعة؛ لأنه يوم عيد المسلمين، ولكل أهل دين يوم يعظمونه، فأكرم اللَّه - تعالى - المؤمنين بهذا اليوم؛ ليعظموه مكان اليوم الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان، فأقسم بهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) اختلف في تأويله: فمنهم من صرفه إلى المعَذَّبين. ومنهم من صرفه إلى المعَذِّبين. فمن صرف إلى المعَذِّبين حمل قوله: (قُتِلَ) على اللعن؛ أي: لعنوا؛ كقوله تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)، أي: لعنوا. ومن صرفه إلى الذين عذبوا، حمله على القتل المعروف. ثم اختلف في قصة أُولَئِكَ الذين عذبوا؛ فإن كان القسم في الكفرة، فما ينبغي أن يفسر على وجه من ذلك ما لم يتواتر فيه الخبر عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، بل حقه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب؛ لأن هذه الأنباء حجة لرسالة نبيه - عليه السلام - لأنهم وجدوها مواققة للأنباء المذكورة في كتبهم، وقد علموا أنه لم يصل إلى تعرفها إلا بالله تعالى؛ إذ لم يروه يختلف إلى من عنده علم الأنباء؛ ليصل إلى معرفتها بهم، فإذا فسرت على وجه أمكن أن يقع فيها زيادة أو نقصان على ما ذكر في الكتاب؛ فيجدوا به موضع الطعن والقدح؛ لذلك لم يسع أن يزاد على القدر الذي جرى ذكره في الكتاب إلا من الوجه الذي ذكرنا. وإِن كان القسم في المؤمنين، وسع القول بحمل التأويلات التي ذكرها أصحاب التفسير؛ لارتفاع المعنى الذي ذكرنا في الكفرة، واللَّه أعلم. ثم في ذكر هذه الأنباء تقرير رسالته ونبوته - عليه السلام - عند الكفرة؛ لما ذكرنا

البروج 85:5

أنه لم يختلف، إلى من عنده علم هذه الأنباء؛ ليعلم بها، فإذا أنبأهم بها على وجهها، تيقنوا أنه باللَّه تعالى علم. وفيه تصبير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتخفيف الأمر عليه؛ لأنه يخبره أن قومك ليسوا بأول من آذوك وعاندوك، بل لم يزل سلفهم تلك عادتهم بأهل الإسلام. وفائدة أخرى: ما ذكرنا أن في ذكره بعض ما يستعين به من ابتلي بأذى الكفرة. وفيه أن أُولَئِكَ الكفرة بلغ من ضنهم بدينهم ما يقاتلون عليه من أظهر مخالفتهم في الدِّين؛ ليعلموا أن القتال لمكان الدِّين ليس بأمر شاق خارج من الطباع؛ بل الطباع جبلت على القتال مع من عاداهم في الدِّين؛ فيكون فيه ترغيب للمسلمين على القتال مع الكفرة إذا امتحنوا به، واللَّه أعلم. وقوله: (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) منهم من جعل الوقود من ألقي فيها من المؤمنين. ومنهم من جعل الوقود صفة تلك النار التي عذبوا بها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) أي: عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند الأخدود؛ ففيه أن أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار، وكبراؤهم جلوس هنالك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الشهود هم العظماء والفراعنة. أو يكون منصرفا إلى الأتباع، وهو أن الأتباع كانوا يلقون المؤمنين في النار، ويشهدون أنهم على الضلال، وأنهم ورؤساؤهم على الهدى ولحق، وهو كما قال في موضع آخر: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) ذكر (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه، خلافا لما عليه ملوك الدنيا، وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل، كان الذل حالا فيه أيضا، وإذا قهر بعض أتباعه فترك نصرهم وهو قادر على نصرهم واستنقاذهم لم يحمد ذلك منه، ولحقته المذمة؛ وذلك لأن الملك إنما استفاد العز بأتباعه وأنصاره، فإذا استذل أتباعه، زال ما به نال العز؛ فلحقه الذل، ونال الحمد - أيضا - بالإحسان إلى مملكته، فإذا ترك نصرهم وهو ممكَّن من ذلك، فقد ترك إحسانه إليهم؛ فصار به غير ممدوح ولا محمود، واللَّه - تعالى - استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه؛ فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد، ولا ما يوجب قصورا في العز. والثاني: أن الدنيا وما فيها أنشئت للإهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكر أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنفهم، وكان في ذلك النوع من الهلاك نيل درجة الشهداء، وهي التي ذكرها اللَّه - تعالى - في قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ...) الآية، ولا ينال تلك الدرجة بموتهم حتف أنفهم، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم. ثم للجزاء والعقاب دار أخرى فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء؛ فلم يكن في ترك النصر في الدنيا ما يوجب وهنا ولا ذلا، وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم، لم يتوقع منهم النصر بعد ذلك؛ إذ ليست في أيديهم إلا المنافع الحاضرة؛ لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، واللَّه أعلم. ثم ليس في إهلاك أُولَئِكَ القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب، وأن المؤمنين كانوا على الخطأ؛ لأن الإهلاك إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك؛ لأن عددهم كان كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد؛ بل هو أمر معتاد، وغلبة الفئة القليلة الفئة الكثيرة هي التي تخرج من حد الاعتياد؛ فيكون فيها آية: أن الفئة القليلة على الحق والأخرى على الباطل، وذلك نحو غلبة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة أعدادهم وضعفهم في أنفسهم، وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، والله أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ)، أي: لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم لينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا باللَّه تعالى. وقيل: ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم سوى أن آمنوا باللَّه تعالى، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم؛ لأنهم علموا أن ما لهم من النعم كلها من اللَّه تعالى، وكان الذي يحق

البروج 85:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿إذ هم عليها قعود﴾ أي عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند الأخدود، وفيه أن أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار، وكبراؤهم جلوس هنالك.

البروج 85:7

الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الشهود، هم العظماء والفراعنة. [ الثاني : أن ](١) يكون منصرفا إلى الأتباع، وهو أن الأتباع، كانوا يلقون المؤمنين في النار، ويشهدون أنهم على الضلال وأنهم ورؤساءهم على الهدى والحق، وهو كما قال في موضع [ آخر ](٢) :﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ [النساء: ٥١]. ١ في الأصل وم: أو.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

البروج 85:8

الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما : ذكر ](١) العزيز الحميد ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه خلافا لما عليه ملوك الدنيا ؛ وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل كان الذل حالا فيه أيضا، وإذا قهر بعض أتباعه، فترك نصرهم، وهو قادر على نصرهم وإغاثتهم، لم يحمدوا ذلك منه، ولحقته المذمة ؛ وذلك لأن الملك استفاد العز بأتباعه وأنصاره، فإذا استذل أتباعه زال ما به نال العز، فلحقه الذل، ونال الحمد أيضا بالإحسان إلى مملكته. فإذا ترك نصرهم، وهو ممكن من ذلك، فقد ترك إحسانه إليهم، فصار به غير ممدوح ومحمود. والله تعالى، استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه، فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد ولا ما يوجب قصورا في العز. والثاني : أن الدنيا وما فيها أنشئت للإهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكره أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنوفهم(٢)، وكان في ذلك النوع من الهلال نيل درجة الشهداء، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله :﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربه يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولا تنال تلك الدرجة بموتهم حتف أنوفهم(٣)، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم. ثم للجزاء والعقاب دار أخرى، فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء(٤) ؛ فلم يكن في ترك النصر في الدنيا ما يوجب وهنا ولا ذلا. وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم فلم يتوقع منهم النصر بعد ذلك، إذ ليست في أيديهم إلا المنافع الحاضرة، لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، والله أعلم. ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب وأن المؤمنين كانوا على الخطإ، لأن الإهلال إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك، لأن عددهم كان كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد، بل هو أمر معتاد، وغلبة الفئة القليلة(٥)، هي التي تخرج من حد الاعتياد، فيكون فيها آية الفئة القليلة على الحق، والأخرى على الباطل، وذلك نحو غلبة رسول الله ﷺ يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة عددهم وضعفهم في أنفسهم وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وما نقموا منهم﴾ أي لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم من ينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله تعالى :[ وقيل : ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم لأنهم علموا أن مالهم من النعم كلها من الله تعالى، فكان الذي يحق عليهم أن يؤمنوا بالله تعالى ](٦) ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا غيرهم(٧) إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا، ويعذبوا من آمن به. ثم قوله تعالى :﴿العزيز الحميد﴾ فالعزيز هو الذي لا وجود لمثله(٨) أو هو عزيز، لا يلحقه ذل، فيكون العز مقابل [ الذل ](٩). وقال أهل التفسير : العز المنع، والعزيز، هو الذي لا يعجزه شيء، والحميد(١٠) : المستوجب الحمد من كل أحد بذاته. ١ في الأصل وم: فذكر.. ٢ في الأصل وم: أنفسهم.. ٣ في الأصل وم: أنفسهم.. ٤ في الأصل وم: الأولياء.. ٥ في الأصل وم: الكثيرة.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ في الأصل وم: غير.. ٨ في الأصل وم: له.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ في الأصل وم: وهو الحميد..

البروج 85:9

عليهم أن يؤمنوا باللَّه - تعالى - ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا غيرهم إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا ويعذبوا من آمن به. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) العزيز: هو الذي لا وجود له، أو هو عزيز لا يلحقه ذل؛ فيكون العز مقابل الذل. وقال أهل التفسير: العزيز: المنيع، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء، وهو الحميد المستوجب للحمد من كل أحد بذاته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (٩). ذكر هذا؛ ليعلم أنه لا يدخل في ملكه قصور بقتل أوليائه وأنصار دينه؛ لأن الخلق كلهم عبيد لله - تعالى - وإماؤه، والسيد إذا قتل بعض مماليكه بعضا، لم يلحق السيد بذلك ذل ولا نقص، وإنما يدخل عليه الذل إذا قتلهم غير مماليكه، فإذا كان الخلق بأجمعهم عبيدًا لله - تعالى - لم يكن في قتل بعضٍ بعضًا نقص يدخل في ملكه. وقوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، أي: يحفظ عليهم أعمالهم؛ فيجازيهم بها، لا يعزب عنه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) الفتنة: المحنة، وهي مأخوذة من فتن الذهب إذا أذابه؛ لأنه يذيبه؛ ليميز به بين ما خبث منه وبين ما صفا، وبين الذهب وبين ما ليس بذهب؛ فاستعملت في موضع المحنة؛ لأن المحنة هي الابتلاء؛ ليتبين بها الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر والنهي من اللَّه - تعالى - امتحانا لهذا، وإن كان اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء. ثم وجه فتنتهم: أنهم اتخذوا الأخاديد وأوقدوا فيها النيران؛ ليلقوا فيها من ثبت على الإيمان ودام عليه، ويتركوا إلقاء من رجع عن دينه، فقيل: فتنوا؛ لهذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا): فيه أنهم لو تابوا لكان يعفى عنهم، ولا يعاقبون مع عظم جرمهم بربهم في ذات اللَّه - تعالى - فيكون فيه إظهار كرمه وعطفه على خلقه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ): منهم من صرف قوله:

البروج 85:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ فالفتنة المحنة، وهي مأخوذة من فتن الذهب إذا أذابه، لأنه يذيبه ليميز به بين ما خبث منه وبين ما صفا وبين الذهب وبين ما ليس بذهب، فاستعملت في موضع الفتنة، لأن المحنة، هي الابتلاء ليتبين بها الصادق من الكاذب والمحق من المبطل ؛ وذلك يكون بالأمر والنهي ؛ فسمي الأمر والنهي من الله تعالى امتحانا. هذا وإن كان الله تعالى لا يخفي عليه شيء. ثم وجه فتنتهم أنهم اتخذوا الأخاديد، وأوقدوا فيها النيران ليلقوا فيها من ثبت على الإيمان، ودام عليه، ويتركوا إلقاء من رجع عن دينه، فقيل : فتنوا لهذا. وقوله تعالى :﴿ثم لو يتوبوا﴾ ففيه أنهم لو تابوا لكان يعفى عنهم، ولا يعاقبون، مع عظم جرمهم بربهم في ذات الله تعالى، فيكون فيه إظهار كرمه وعطفه على خلقه. وقوله تعالى :﴿فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ فمنهم من صرف قوله :﴿ولهم عذاب الحريق﴾ إلى الدنيا، فقال : إن تلك النار عذبوا بها المؤمنين سلطت عليهم حتى أحرقتهم. وجائز أن يكون في جهنم أيضا، فيكون فيه إخبار بأن جهنم تدوم عليهم بالإحراق، ولا تفتر عنهم.

البروج 85:11

(وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) إلى الدنيا، فقال بأن تلك النار التي عذبوا بها المؤمنين سلطت عليهم حتى أحرقتهم. وجائز أن يكون ذلك في جهنم أيضا؛ فيكون فيه إخبار بأن نار جهنم تدوم عليهم بالإحراق، ولا تفتر عنهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) منهم من صرف هذا الخطاب إلى الذين عذبوا من المؤمنين. ومنهم من صرفه إلى المعذبين، وهو أنهم لو آمنوا مع عظم جرمهم وإساءتهم بأولياء اللَّه - تعالى - لكان يعفو عنهم، وتسعهم رحمته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فقوله: (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) يحتمل وجهين: أحدهما: من تحت أهلها. والثاني: من تحت أشجارها. والجنة: اسم للمكان الذي فيه الأشجار الملتفة؛ فيخبر أن الماء يجري من تحت ما به صار جنة وهي الأشجار، وليس يراد بقوله: تحت الجنة، أي: تحت تربتها؛ لأن تحتها تكون قناة أو بئرا، وليس بهما كثير نزهة. وقوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) الفائز هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يخاف، ويحذر، ووصف أنه كبير؛ لأنه ليس لما أنعم زوال ولا انقطاع. * * * قوله تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)، أي: أخذه للانتقام شديد، يشتد على الذي يعذب؛ كقوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ). وقوله: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣). قَالَ بَعْضُهُمْ: يبدئ العذاب، ثم يعيده.

البروج 85:12

الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿إن بطش ربك لشديد﴾ أي أخذه للانتقام شديد ؛ يشتد على الذي يعذب كقوله تعالى :﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ [هود: ١٠٢].

البروج 85:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾ قال بعضهم : يبدئ العذاب، ثم يعيده. قال بعضهم : يبدئ الخلق/٦٣٥ – ب/ثم يعيده بعد ما أماته.

البروج 85:14

وقَالَ بَعْضُهُمْ: يبدئ الخلق، ثم يعيده بعدما أماته. وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) الغفور: هو الستور يستر على المذنب ذنبه إذا تاب حتى لا يذكر به، ولولا ذلك لم يكن يصفو له نعيم الآخرة عن التنغيص. وقوله: (الْوَدُودُ): الذي يتودد إلى خلقه فيما ينعم عليهم ويحسن إليهم؛ قال النبي - عليه السلام -: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها "؛ فجعل الإحسان سبب التودد. والثاني: أن كل من واد آخر، فالحق عليه أن يوده في اللَّه - تعالى - لأنه به نال ما به يتودد؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)، فكأنه يقول: هو المستوجب للمودة من الخلق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) منهم من جعل المجيد نعتا للعرش. ومنهم من جعله نعتا لله تعالى. فمن جعله نعتا للعرش فهو مستقيم؛ لأنه وصفه في مكان آخر بالكريم بقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)، والمجيد يقرب معناه من معنى الكريم؛ لأن الكريم هو الذي عظم قدره وشرفه، والمجيد كذلك هو الشريف المعظم، وعظم قدر العرش في قلوب الخلق وعلا حتى زعم بعض الناس أنه مكان الرب تعالى، والكريم في الشاهد هو الذي يطمع عنده وجود ما يرجى ويؤمل، ويؤمن منه ما يتقى ويحذر، وسمى اللَّه - تعالى - النبات: كريما بقوله: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)؛ لما فيه من عظم المنافع، والكريم: هو النافع للخلق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) أي: ما يريد تكوينه يكونه؛ فيكون فيه إيجاب القول بخلق أفعال العباد، وأنه شاء لكل أحد ما علم أنه يكون منه؛ لأنه امتدح - جل وعلا - بالفعل لما يريد، ولو لم يثبت له صنع في أفعال العباد، لكان لا يختص بهذا الامتداح؛ بل يكون كل واحد مستوجبا لهذا المدح؛ فثبت أن كون حقائق الأشياء بما

البروج 85:15

الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿ذو العرش المجيد﴾ فمنهم من جعل المجيد نعتا للعرش، ومنهم من جعله نعتا لله تعالى ؛ فمن جعله [ نعتا ](١) للعرش، فهو مستقيم، لأنه وصفه في مكان آخر بالكريم بقوله :﴿لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٦] والمجيد يقرب معناه لمعنى الكريم [ لأن الكريم ](٢) هو الذي عظم قدره وشرفه، والمجيد كذلك هو الشريف المعظم، وعظم قدر العرش في قلوب الخلق، وعلا، حتى زعم بعض الناس أنه مكان الرب تعالى. والكريم في الشاهد، هو الذي يطمع عنده وجود ما يرجى، ويؤمل، ويؤمن منه ما يتقى ويحذر، وسمى الله تعالى النبات كريما بقوله :﴿فأنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ [لقمان: ١٠] لما فيه من عظم المنافع للخلق. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

البروج 85:16

الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿فعال لما يريد﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما : أن ](١) ما يريد تكوينه يكون(٢)، فيكون فيه إيجاب القول [ بخلق أفعال ](٣) العباد، وأنه شاء لكل أحد ما علم أنه يكون منه لأنه امتدح، جل وعلا، بالفعل لما يريد. ولو لم يثبت له صنع في أفعال العباد لكان لا يختص بهذا الامتداح، بل يكون كل واحد مستوجبا لهذا المدح، فثبت أن كون حقائق الأشياء بما لله تعالى فيه صنع. والثاني : أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاؤه، ولا يريده آية الضعف والقهر، ومن ذلك وصفه لم يجز أن يكون ربا. لذلك لزم وصف الله تعالى بذلك. وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿فعال لما يريد﴾ أي البعث، هو أنه أنشأ هذا الخلق للعاقبة. وهكذا فعل كل مختار أنه يقصد بفعله العاقبة لا(٤) أن يكون جاهلا بها. ١ في الأصل وم: أي.. ٢ في الأصل وم: بكونه.. ٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل وم: إلا..

البروج 85:17

لله - تعالى - فيه صنع. والثاني: أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاؤه ولا يريده آية الضعف والقهر، ومن ذلك وصفه، لم يجز أن يكون ربًّا؛ لذلك لزم وصف اللَّه - تعالى - بذلك. وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، أي: البعث، وهو أنه أنشأ هذا الخلق للعاقبة، وهكذا فعل كل مختار أنه يقصد بفعله العاقبة إلا أن يكون جاهلا بها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨). قد وصفنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد، وقد ذكرنا أن فيها إثبات رسالته؛ على ما تقدم ذكره غير مرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) أي: كفروا أنعم اللَّه - تعالى - فهم في تكذيب بأنعم اللَّه تعالى. أو لما جحدوا أنعم اللَّه - تعالى - لم يوفقهم للإيمان به؛ فجعلوا على التكذيب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) أي: من وراء تكذيبهم محيط بما ينزل بهم من العذاب ليس يوعدهم عن غفلة وخيال كما يفعله ملوك الدنيا؛ قد يوعدون بالعذاب، ولا يدرون أنهم يتمكنون من ذلك أم لا؟ واللَّه - تعالى - ينزل عليهم عذابه كما أوعد. أو يكون قوله: (مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ)، أي: عالم بما يسرون ويخفون عن الخلق، لا يعزب عنه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) سماه: مجيدا، وكريما، وحكيما، وهذه أوصاف من وصف بها في أن شاهد فإنما استحق الوصف بفعل وجد منه، ولا يوجد من القرآن فعل يستحق به الوصف، فالوصف به يحتمل أوجها: أحدها: (مَجِيدٌ)، أي: يصير من تبعه وعمل بما فيه مجيدا حكيما كريما؛ كقوله تعالى: (وَالنهَارَ مُبْصِرًا)، أي: يبصر به أو يكون قوله: (مَجِيدٌ)، و (كَرِيمٌ)، أي: على اللَّه تعالى. أو سماه: كريمًا، مجيدًا، حكيمًا؛ لعظم قدره.

البروج 85:18

الآيتان ١٧ و١٨ : وقوله تعالى :﴿هل أتاك حديث الجنود﴾ ﴿فرعون وثمود﴾ فقد [ وصفناه ](١) في ذكر الأنباء في(٢) الفوائد، وقد ذكرنا أن فيها إثبات رسالته على ما تقدم ذكره غير مرة. ١ في الأصل وم: وصفناها.. ٢ في الأصل وم: من..

البروج 85:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿بل الذين كفروا في تكذيب﴾ أي كفروا بأنعم الله تعالى، فهم في تكذيب بأنعم الله تعالى، أو لما جحدوا أنعم الله تعالى لم يوفقهم للإيمان به، فجعلوا على التكذيب.

البروج 85:20

الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿والله من ورائهم محيط﴾ أي من وراء تكذيبهم محيط بما ينزل بهم من العذاب، ليس يوعدهم عن غفلة وخيال كما يفعله ملوك الدنيا، قد يوعدون بالعذاب، ولا يدرون أنهم يتمكنون من ذلك أم لا. والله ينزل عليهم عذابه كما أوعد. أو يكون قوله :﴿والله من ورائهم محيط﴾ أي عالم بما يسرون، ويخفون عن الخلق، لا يعزب عنه شيء.

البروج 85:21

الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿بل هو قرآن مجيد﴾ فسماه مجيدا وكريما وحكيما ؛ وهذه أوصاف ؛ من وصف بها في الشاهد فقد استحق الوصف بفعل وجد منه، ولا يوجد في(١) القرآن فعل [ لا ](٢) يستحق به الوصف ؛ فالوصف به يحتمل أوجها : أحدها :﴿مجيد﴾ أي يصير من تبعه، وعمل بما فيه، مجيدا حكيما كريما كقوله تعالى :﴿والنهار مبصرا﴾ [ يونس : ٦٧ و. . . ] أي يبصر به. [ [ والثاني : أن ](٣) يكون قوله :﴿مجيد﴾ كريما(٤) أي على الله تعالى. [ والثالث ](٥) : سماه كريما مجيدا حكيما لعظم قدره. [ الرابع ](٦) : سماه كريما مجيدا حكيما لما يوجد منه ما يوجد من الكرماء والحكماء والأمجاد. ١ في الأصل وم: من.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل: أو.. ٤ في الأصل: كريم.. ٥ في الأصل: أو.. ٦ في الأصل: أو..

البروج 85:22

أو سماه: كريمًا، حكيمًا، مجيدًا؛ لما يوجد منه ما يوجد من الكرماء والحكماء والأمجاد. وقوله: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) منهم من حقق اللوح والقلم، وقد وصفه أهل التفسير. ومنهم من جعل اللوح عبارة عما يلوح -أي: يظهر- للملك من الأمر، لا على تحقيق اللوح، وسمت الباطنية القلم: المبدع، الأول، واللوح: المبدع الثاني، وجعلوا المبدع الأول علة كون المبدع الثاني، وزعموا أن المبدع الأول بذل له إنشاء المبدع الثاني، فهو المنشئ له، وسمت المبدع الأول: بارئا، والمبدع الثاني: خالقا ورحمانا، وسمت الفلاسفة المبدع الأول: عقلا والثاني: نفسا، ثم حدث التوالد من الأنفس. فأما جعلهم الأول أصلا وعلة ليس كما ذكروا، فذلك يحتمل أن يجعل الأول أصلا للثاني وعلة كما استقام أن تجعل النطفة أصلا لخلق البشر، ولكنه لا يجوز أن يسمى بواحد من الاسمين اللذين ذكرتهما الباطنية والفلاسفة؛ لأنه لا يجوز إنشاء الأسماء لهذه الأشياء اختراعا، بل تسميهما بما جاءت بهما التسمية من عند الحجة، وإنما جاءت التسمية من عند الحجة باللوح والقلم؛ فلا تسميهما بغيرهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَحْفُوظٍ)، أي: عن أعدائه؛ فلا يتمكنون من تغييره وتبديله. وأخبر أنه أنزل إليه على يدي رسول قوي؛ فلا يقدر أحد أن يغلبه؛ فيحرف ما فيه. ووصفه بالأمانة في نفسه بقوله: (ذِي قُوَّةٍ...) إلى قوله: (أَمِينٍ)، ؛ ليؤمن تغييره بنفسه، واللَّه الهادي للعباد والموفق للرشاد، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. * * *

الطارق 86:1

سُورَةُ الطَّارِقِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ): إن اللَّه - جل وعلا - عظم قدر السماء في أعين الخلق؛ لما جعلها معدن رزقهم ومسكن أولي القدر من خلقه، وهم الملائكة، وفيها خلق الجنة، وخلقها بغير عمد ترى، فأقسم بها؛ لما عظم من شأنها، وجعل مصالح الأغذية بزينتها، وهي الشمس والقمر، وأقسم بالنجم الثاقب، وهو المتلألئ من النجوم المضيء الذي يثقب الشيطان، أي: يخرقه، ولما فيها - أيضا - من عظيم البركات، وبركاتها أنها جعلت بحيث يهتدي بها في البر والبحر، ويوصل بها إلى لطائف التدبير إلى أن ظن بعض الناس أن الأنجم السبعة هي المدبرات، وبها ما منع الشياطين عن الصعود إلى السماء لينتفي بها التلبيس عن الوحي؛ لأنهم لو لم يحفظوا عنها، لكانوا إذا وقفوا على أخبارها أسرعوا بحملها إلى الكهنة؛ فيؤدي ذلك إلى التلبيس. ومن عظيم قدرها أنها تقطع في الليلة الواحدة مسيرة ألف شهر، فأقسم بها أيضا. ويجوز أن يكون هذا من اللَّه - تعالى - تعليما لرسوله - عليه السلام - بأن يقسم به دون أن يكون ذلك قسما منه تعالى؛ لأنهم لم يكونوا يرتابون في ألوهيته وربوبيته وصدق أخباره؛ فيزال عنهم الريب بالقسم، وإنما كانوا يرتابون في رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فعلمه القسم بما ذكر؛ ليؤكد أمره؛ فيحملهم ذلك على النظر في أمره. ويجوز أن يكون القسم بعين هذه الأشياء؛ لكونها معظمة عند الكفرة، وليس للمسلمين أن يقسموا بها فيما بينهم.

الطارق 86:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿والنجم الثاقب﴾ أقسم ](١) بالنجم الثاقب، وهو المتلألئ من النجوم، المضيء الذي يثقب الشيطان، أو يحرقه، ولما فيها أيضا من عظم البركات. وبركاتها أنها جعلت بحيث يهتدى بها في البر والبحر، ويوصل بها إلى لطائف التدبير إلى أن ظن بعض [ الناس ](٢) أن الأنجم السبعة، هي المدبرات، وبها ما منع الشياطين عن الصعود إلى السماء ليتقى بها التلبيس على الوحي، لأنهم لو لم يمنعوا(٣) عنها لكانوا إذا وقفوا على أخبارها أسرعوا بحملها إلى الكهنة، فيؤدي ذلك إلى التلبيس. ومن عظم قدرها أنها تقطع/٦٣٦ – أ/ في الليلة الواحدة مسيرة ألف شهر، فأقسم [ بها ](٤) أيضا. ويجوز أن يكون هذا من الله تعليما لرسوله عليه السلام بأن يقسم به دون أن يكون ذلك قسما منه تعالى [ ما ](٥) لم يكونوا يرتابون في ألوهيته وربوبيته وصدق أخباره، فزال عنهم الريب بالقسم [ وإن كانوا يرتابون في رسالة محمد ﷺ فعلمه القسم بما ذكر ليؤكد أمره، فيحملهم ذلك على النظر في أمره. ويجوز أن يكون القسم بغير هذه الأشياء لكونها معظمة عند الكفرة، وليس للكفرة، وليس للمسلمين أن يقسموا في ما بينهم ؛ إذ يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها، فكأنه أمره بالقسم ](٦) بخالق هذه الأشياء على الإضمار، والله أعلم. واختلف في تأويل ﴿الطارق﴾ فقال بعضهم : ما يجيء به الليل، يقال : طرقته بالليل إذا أتيته. وقال الزجاج : الطارق، هو الساكن، يقال : أطرق في الكلام مليا إذا وقف، وسكت. وقال بعضهم : هو النجم يطرق بالليل، ويختفي بالنهار، وهو النجم الثاقب ؛ ذكره تفسيرا للطارق. ١ في الأصل وم: وأقسم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل وم: يحفظوا.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ من م، ساقطة من الأصل..

الطارق 86:4

أو يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها؛ فكأنه أمره بالقسم بخالق هذه الأشياء على الإضمار، واللَّه أعلم. واختلف في تأويل (وَالطَّارِقِ): فقَالَ بَعْضُهُمْ: ما يجيء به الليل؛ يقال: طرقته بالليل؛ إذا أتيته. وقال الزجاج: (وَالطَّارِقِ): هو الساكن؛ يقال: أطرق في الكلام مليا؛ إذا وقف، وسكن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو النجم يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وهو النجم الثاقب، ذكره تفسيرًا للطارق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) اختلف في قوله: (إِنْ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أريد به هاهنا: " ما ". وقوله: (لَمَّا) صلة في الكلام، فمعناه: ما كل نفس عليها حافظ، وإنما الحافظ على بعض دون بعض. والثاني: أن يكون الحافظ على بعض ما في النفس دون بعض، وذلك البعض هو الذي يظهره، فأما الذي يخفيه فإنه لا يشهده كاتباه. ومنهم من حمل قوله تعالى (لَمَّا) على الاستثناء، فقال: معناه: ما من نفس إلا عليها حافظ. قال الزجاج: حرف (لَمَّا) استعمل في موضع الاستثناء، يقال في اللغة: " أقسمت عليك لَمَّا فعلت كذا ": أي: إلا فعلت كذا. فإن كان معناه ما ذكروا، ففيه إلزام التيقظ والتبصر، والنفس من طبعها: أنه إذا سلط عليها من يراقبها ويحفظها، احتشمت من وقتها وخافته، وتكون متيقظة، ولا ترتكب من الأمور إلا ما تعلم أنه لا يلحقها التبعة فيه من الحفاظ؛ فسلط عليه الملكان - أيضا - ليكون متيقظا في كل قول وفعل، فلا يقبل إلا على ما فيه نفع العاجل والآجل. وسمى اللَّه - تعالى - الملكين: (كِرَامًا كَاتِبِينَ)، ومن صحب المكرم من الخلائق احتشم منه، وتوقى عن إتيان ما يُستحْيا من مثله، ومن أراد أن يكتب

الطارق 86:5

إلى أحد كتابا، لم يثبت في كتابه شيئا يؤخذ عليه، ويذم به، بل يحكم الأمر، ويصلحه غاية ما يحتمله الوسع؛ فكان في ذكر الحفاظ على الأنفس إلزام التيقظ والتبصر من الوجوه التي ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَافِظٌ): قَالَ بَعْضُهُمْ: يحفظ عليها رزقها حتى تستوفيه؛ فإن كان على هذا، فالحفظ يكون لها لا عليها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحفظ عليها عملها خيرها وشرها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) الأصل أن إمعان النظر فيما خلق منه الإنسان مما يوصل المنكرين للبعث والمنكرين للرسالة إلى القول بهما، وذلك أن النطفة التي خلق منها الإنسان لو رئيت موضوعة على طبق، ثم رام أحد أن يعرف وأن ينتزع منها المعنى الذي به صلح أن ينشأ منها العلقة والمضغة وخلق منها الإنسان - لم يدرك، ولو اجتمع الإنس والجن على أن يركبوا عليها جارحة من جوارح الإنسان، لم يتهيأ لهم تركيبها، أو تعرّف المعنى الذي صلح أن ينشأ منه السمع والبصر، لم يوقفوا عليه؛ فتبين أن الذي بلغت قدرته هذا لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، وتبين لهم حكمته، وإذا عرفوا حكمته أداهم ذلك إلى القول بالبعث؛ لأنه لولا البعث وإلا كان يخرج إنشاء الخلق عبثا باطلا؛ فيخرج عن أن يكون حكيما، ولزمهم أن يصدقوا الرسل بجميع ما أخبرتهم به. وفيه دلالة خلق الشيء لا من شيء؛ إذ لا يجوز أن يكون الإنسان بكليته في النطفة مستجنا، فظهر؛ لأنه لا يسع في الشيء الواحد ما لا يحصى ذلك من الأضعاف، ولا يجوز أن يكون ذلك عمل النطفة - أيضا - لأنها موات، لا يحتمل أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم، فيكون فيما ذكرنا إيجاب القول بحدوث العالم. ولأنها لو صارت مضغة وعلقة وخلقا سويا بطبعها، لكانت لا تخلو نطفة إلا وهي تنتقل إلى ما ذكرنا؛ ألا ترى أن النار لما كان من طبعها الإحراق، والثلج إذ كان من طبعه التبريد، لم يجز أن ينتقل واحد منهما عن طبعه الذي أنشئ عليه. ثم قد وجدنا نطفا تخلو عن هذه المعاني التي ذكرنا؛ فثبت أنها نقلت إلى ما ذكرنا

الطارق 86:6

بتدبير مدبر حكيم، لا بطبعها. ثم الأعجوبة فيما فيه خلق الإنسان ليست بأقل من الأعجوبة مما منه خلق، وذلك أن الإنسان خلق في الظلمات على ما أراد اللَّه تعالى، وصوره كيف شاء، ولو أراد أحد أن يعلم علم ذلك، أو يصور مثله في حالة العيان لم يملك، وجعل ذلك المكان فيما ينمو فيه الولد، ويغذو فيه خصوصا من بين سائر الأماكن، ولو أراد حكماء الإنس والجن أن يعرفوا الوجه الذي به صلح ذلك المكان للنماء والغذاء، وأعملوا فيه فنون العلم، لم يعرفوا، فمن تقكر فيما ذكرنا، علم أن قدرته ذاتية لا يلحقها فناء ولا عجز، وعلم أن علمه ذاتي ليس بمكتسب؛ فيتوهم خفاء الأمور عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يعني: النطفة التي يدفقها الرجل في الرحم، والدافق: معناه: مدفوق؛ أي: يدفق به؛ كقولك: " ليل نائم "، أي: ينام فيه، و " هم ناصب "، أي: ينصب به. وقال الزجاج: (مَاءٍ دَافِقٍ) أي: ذي اندفاق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) اختلف في تأويله: فمنهم من يقول: بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي الأضلاع الثمانية: أربع عن يمينها، وأربع عن يسارها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالتَّرَائِبِ) هي الأطراف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالتَّرَائِبِ) موضع القلادة منها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالتَّرَائِبِ) ما دون التراقي وفوق الصدر. ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة، فقال: قوله: (مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) وأريد به: صلب الرجل وترائبه، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد ليس معدنه الصلب خاصة؛ بل يجتمع من أطرافه كلها. ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا، وهو أن الماء الذي يخلق منه الولد يكون منهما جميعا.

الطارق 86:7

الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ اختلف في تأويله ؛ فمنهم من يقول : بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي الأضلاع الثمانية : أربع عن يمينها وأربع عن يسارها. قال بعضهم : الترائب، هي الأطراف، وقال بعضهم : الترائب موضع القلادة منها، وقال بعضهم : الترائب ما دون التراقي وفوق الصدر. ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة، فقال : قوله :﴿من بين الصلب والترائب﴾ أريد به صلب الرجل وترائبه، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد، ليس معدنه الصلب خاصة، بل يجتمع من أطرافه كلها(١). ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا ؛ وهو أن الماء الذي يخلق منه الولد يكون منهما جميعا. وذلك ذكره أبو بكر الأصم : أن الصلب كناية عن الرجل، والترائب كناية عن المرأة، فيكون هذا اسما لهما مأخوذا من أصل ما يكون منهما. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ الآية ؟ [النساء: ٢٣] فأضاف الأبناء إلى الأصلاب. وفي إخراج الماء من الصلب والترائب لطف من الله تعالى ؛ لأنه لو اجتهد الخلائق باستخراجه من بين ما ذكر بحيلهم وقواهم ووضعه في الرحم لم يقدروا عليه. ثم الله بلطفه وضع هذه الشهوة في ما بين الخلق، واستخرج بها الماء من بين الصلب والترائب، لا أن يكون أحد يملك إخراجها بالأسباب والحيل كما وضع فيهم شهوة الأكل والشراب في كل جارحة من جوارح الأكل باللطف لا أن يكون ذلك العمل بالأكل والشراب خاصة. وكذلك يرى الإنسان إذا سقى أصل الشجرة ظهرت منفعة السقي في أغصانها وأوراقها وأثمارها. ولو أراد أحد أن يرى(٢)لأي معنى صلح أن يكون الماء بالمحل الذي ذكرنا، وأراد أن يستخرج المعنى المجعول في الطعام من القوة التي ذكرنا لم يدرك(٣) ذلك. فيكون في ما ذكرنا أبلغ حجة على الثنوية لأنهم ينكرون خلق الأشياء/٦٣٦ – ب/لا من أشياء، وزعموا أنا لم نشاهد كون الشيء من لا شيء، والشاهد دليل الغائب، فلزم ذلك في الذي غاب عنا. فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات وفي الأماكن الضيقة، وقدر أن يجعل في الماء والطعام المعاني التي يعجز الخلق عن إدراكها(٤) قادر على إنشاء الخلق لا من شيء ؛ إذ الأعجوبة في ما ذكرنا، ليست بدون الأعجوبة من إنشاء شيء [ لا من شيء ](٥). ١ في الأصل وم: كله.. ٢ في الأصل وم: أنه.. ٣ في الأصل وم: يتدارك.. ٤ في الأصل وم: استدراكها.. ٥ من م، ساقطة من الأصل..

الطارق 86:8

وكذلك ذكر أبو بكر الأصم أن (الصُّلْبِ) كناية عن الرجل، (وَالتَّرَائِبِ) كناية عن المرأة؛ فيكون هذا اسما لهما مأخوذا عن أصل ما يكون منهما؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ...) الآية، فأضاف الأبناء إلى الأصلاب. وفي إخراج الماء من بين الصلب والترائب لطف من اللَّه تعالى؛ لأنه لو اجتهد الخلائق باستخراجه من بين ما ذكر بحيلهم وقواهم ووضعه في الرحم، لم يقدروا عليه، ثم اللَّه بلطفه وضع هذه الشهوة فيما بين الخلق، واستخرج بها الماء من بين الصلب والترائب، لا أن يكون أحد يملك إخراجها بالأسباب والحيل، كما وضع فيهم شهوة الأكل والشراب، فمتى ما أكلوا وشربوا، وقرَّا قرارهما، ظهر من قوة الطعام والشراب في كل جارحة من جوارح الأكل باللطف، لا أن يكون ذلك العمل بالأكل والشرب خاصة، وكذلك يرى الإنسان إذا سقى أصل شجرة ظهرت منفعة السقي في أغصانها وأوراقها وأثمارها، ولو أراد أحد أن يعرف أنه لأي معنى صلح أن يكون الماء بالمحل الذي ذكرنا؟ وأراد أن يستخرج المعنى المجعول في الطعام من القوة التي ذكرنا - لم يتدارك ذلك؛ فيكون فيما ذكرنا أبلغ حجة على الثنوية؛ لأنهم ينكرون خلق الأشياء لا عن أشياء، وزعموا أنا لم نشاهد كون الشيء لا من شيء، والشاهد دليل الغائب؛ فلزم ذلك في الذي غاب عنا، فمن قدر على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن يجعل في الماء والطعام المعاني التي يعجز الخلق عن استدراكها - لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء؛ إذ الأعجوبة فيما ذكرنا ليست بدون الأعجوبة عن إنشاء شيء لا من شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه على رده إلى صلب أبيه لقادر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه على بعثه لقادر؛ هذا أشبه التأويلين؛ لأن الآية في موضع الاحتجاج على الكفرة ولم يذكر عن أحد التنازع في نفى الرد إلى الصلب وإنكاره حتى يدفع المنازعة بهذا، وكانوا أهل إنكار بالبعث؛ فاحتج عليهم بابتداء الخلقة، وكذلك أكثر ما جرى به الاحتجاج في إثبات البعث في القرآن، إنما احتج عليهم بالابتداء. وإن كان التأويل على رده إلى صلب أبيه، فوجه الرد هو أن يرد من حالة الشيب إلى حالة الشباب، ثم من حالة الكبر إلى حالة الصغر، ثم إلى حالة الطفولة، ثم يرد مضغة، ثم يرد علقة، ثم نطفة، ثم ترد النطفة إلى صلب أبيه، لا أن يوصف اللَّه - تعالى - بالقدرة على رده وهو على حاله نسمة عظيمة إلى صلب أبيه مع ضيق ذلك المكان. ولأن هذا محال، واللَّه تعالى لا يوصف بالقدرة على المحال، وليس فيما لا يوصف بالقدرة على المحال نفي القدرة عنه في الأزل، وبهذا يجاب من سأل فقال: أيقدر اللَّه - تعالى - على إدخال الدنيا في بيضة؟ فيقال له: إن أردت إدخالها في البيضة بأن يصغر الدنيا ويضيقها حتى يجعلها أضيق من البيضة، أو يوسع البيضة حتى تسع الدنيا - فهو على ذلك قادر. وإن أردت أنه قادر على إدخالها فيها على إبقاء البيضة بحالها وبقاء الدنيا بحالها، فهذا محال؛ لما فيه من انقلاب البعض كلا، والكل بعضا؛ فكذلك يوصف اللَّه - تعالى - بالقدرة على رد النسمة إلى الصلب بالوجه الذي ذكرنا، لا أن يردها على ما هي عليه إلى الصلب؛ لما في ذلك من الإحالة، وكذلك إذا سألنا عن حركات أهل الجنة والسكون هل لهما غاية؟. فنقول: لا. فإن قالوا: هل يعلم اللَّه - تعالى - غايتها وعددها. فنقول له: يعلمها غير منقطعة، لا أن يعلمها منقطعة، ولم يكن في قولنا: إنه لم يعلمه منقطعا إثبات الجهل ولا نفي العلم عنه؛ بل الجهل إنما يتحقق إذا وصف بالعلم بالانقطاع فيما لا ينقطع، فكذلك ليس في نفي الوصف بالقدرة على المحال إثبات

الطارق 86:9

عجزه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) أي: يظهر ما كان أخفى منها؛ فجائِز أن يكون الإظهار منصرفا إلى التي لم يطلع عليها الملائكة؛ فتكتبها عليه، فيذكره اللَّه - تعالى - تلك السرائر كيف شاء، فيقررها عليه، أو تنطق جوارحه بها كقوله - تعالى -: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ...) الآية. أو يكون إظهار القراءة ما عليه؛ فيظهر ذلك للخلق، وإن كان قد أسرها عنهم في الدنيا، ثم سمى ذلك: ابتلاء؛ لأن الابتلاء هو الاختبار، وإنما يكون الابتلاء بالسؤال، أو بالأمر والنهي، فسمى ما يسأل عنه في الآخرة: ابتلاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) يحتمل وجهين: أحدهما: أن ليست له قوة في كتمان ذلك على نفسه، ولا له قوة نفي العذاب عن نفسه لو كتم. أو ما له من قوة يمتنع بها، ولا ناصر يمنعه عن نزول العذاب به. ووجهه: أن الكفار كانوا يفتخرون بقواهم وكثرة أنصارهم في الدنيا فكانوا يظنون أنهم لو أريدوا بالتعذيب، دفعوا ذلك بأنصارهم، وبما لهم من القوى؛ فيخبر اللَّه - تعالى - أن قواهم وكثرة أنصارهم لا تنفعهم في الآخرة، ولا تدفع عنهم بأس اللَّه تعالى، وكانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى اللَّه - تعالى - وتنصرهم من العذاب؛ كما قال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)؛ فبين أنها لا تغني عنهم من اللَّه - تعالى - شيئا. * * * قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) قال أبو عبيدة: الرجع: هو الماء؛ أي: السماء ذات المطر. وقال غيره: (ذَاتِ الرَّجْعِ)، أي: تعود في كل عام إلى ما كانت عليه في العام الذي قبله بالمطر، والرجع: هو العود.

الطارق 86:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿فما له من قوة ولا ناصر﴾ يحتمل [ وجوها : أحدها :](١) أن ليست له قوة في كتمان ذلك على نفسه، ولا له قوة نفي العذاب عن نفسه. [ الثاني ](٢) : ماله من قوة، يمتنع بها، ولا ناصر، يمنعه عن نزول العذاب به. [ الثالث ](٣) : أن الكفار كانوا يفتخرون بقواهم، وكثرة أنصارهم في الدنيا، لا تنفعهم في الآخرة، ولا تدفع عنهم بأس الله تعالى، كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله تعالى، وتنصرهم من العذاب كما قال :﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون﴾ [يس: ٧٤] فتبين أنها لا تغني عنهم من الله شيئا. ١ في الأصل وم: وجهين أحدهما.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ في الأصل وم: ووجه..

الطارق 86:11

الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿والسماء ذات البروج﴾ قال أبو عبيدة : الرجع هو الماء، أي السماء ذات المطر. وقال غيره :﴿ذات الرجع﴾ أي تعود في كل عام إلى ما كانت في العام الذي قبله بالمطر، والرجع هو العود. ويحتمل ﴿ذات الرجع﴾ أي تكرر(١) إدرار بركتها على الخلق ليستقوا(٢) منها. ١ في الأصل وم: تتكرر إلى.. ٢ في الأصل وم: ليستوفوا..

الطارق 86:12

ويحتمل: (ذَاتِ الرَّجْعِ)، أي: بتكرر إدرار بركتها على الخلق استوفوا منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) قيل: (ذَاتِ الصَّدْعِ) بالنبات. أو (ذَاتِ الصَّدْعِ)، أي: ذات أودية وأنهار يجتمع فيها الماء، فينتفع بها الخلق لسقي أراضيهم ودوابهم؛ فعظم أمر السماء والأرض؛ فأقسم بهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) يعني: القرآن، وليس بالهزل. وفي إخراج النبات من الأرض حكمة عجيبة ولطف تدبير؛ وذلك أن النبات شيء لين ينثني بأدنى مس، ثم إن اللَّه - تعالى - بلطفه صدع له الأرض اليابسة الصلبة، وأخرجه منها غير منثنٍ ولا منكسر؛ ليعلموا أن مدبره حكيم؛ فيلزمهم به التوحيد. وجعل منافع الأرض بمنافع السماء متصلة؛ إذ الأرض إنما تتصدع للنبات إذا أصابها المطر من السماء؛ فيكون في ذلك إنباء - أيضا - أن مدبرهما واحد، ولولا ذلك لم تتصل منفعة إحداهما بالأخرى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) أي: بَيِّن، بَيَّنَ فيه الحلال والحرام، وما يتقى عنه، وما يؤتى، وبيَّن فيه الصواب من الخطأ، وبيَّن فيه الوعد والوعيد. أو يكون معنى الفصل: التفريق، وهو أن فرق الوعد من الوعيد، والحلال من الحرام، والحق من الباطل؛ فوضع كل شيء موضعه، ولم يخلط أحدهما بالآخر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) أي: باللعب والباطل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فقوله: (وَأَكِيدُ كَيْدًا) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أجزيهم جزاء كيدهم؛ فسمى الجزاء باسم ما له الجزاء وإن لم يكن ذلك كيدًا، كما سمى الجزاء للسيئة: سيئة مثلها، وإن لم يكن الجزاء سيئة، وكما سمى جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الجزاء اعتداء بقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، وقال: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، أي: جزاهم جزاء النسيان، أو جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به، لا أن يكون منه

الطارق 86:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿إنه لقول فصل﴾ يعني القرآن.

الطارق 86:14

الآية ١٤ :[ قوله تعالى :](١) ﴿وما هو بالهزل﴾. وفي إخراج النبات من الأرض حكمة عجيبة ولطف وتدبير ؛ وذلك أن النبات شيء لين [ ينثني ](٢) بأدنى مس. ثم إن الله تعالى بلطفه صدع له الأرض اليابسة الصلبة، وأخرجه(٣) منها غير مثني ولا متكسر ليعلموا أن مدبره حكيم، فيلزمهم بالتوحيد(٤)، وجعل منافع الأرض بمنافع السماء متصلة ؛ إذ الأرض إنما تتصدع للنبات إذا أصابها المطر من السماء، فيكون في ذلك إنباء أيضا أن مدبرهما واحد. ولولا ذلك(٥) لم تتصل منفعة إحداهما بالأخرى. وقوله تعالى :﴿إنه لقول فصل﴾ أي بين ؛ بين فيه الحلال والحرام وما يتقى منه وما يؤتى، وبين فيه الصواب من الخطإ، وبين فيه الوعد والوعيد، أو يكون معنى الفعل التفريق، وهو أنه فرق الوعد من الوعيد والحلال من الحرام والحق من الباطل، فوضع كل شيء موضعه، ولم يخلط أحدهما بالآخر. وقوله تعالى :﴿وما هو بالهزل﴾ أي باللعب والباطل. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: وأخرج.. ٤ في الأصل وم: به التوحيد.. ٥ أدرج بعدها في الأصل وم: وإلا.

الطارق 86:15

الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿إنهم يكيدون كيدا﴾ ﴿وأكيد كيدا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أي أجزيهم جزاء كيدهم، فسمى الجزاء باسم ماله الجزاء، وإن لم يكن ذلك كيدا، كما سمى [ جزاء السيئة ](١) سيئة مثلها، وإن لم يكن الجزاء سيئة وكما سمى جزاء الاعتداء، وإن لم يكن الجزاء اعتداء بقوله :﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله(٢) :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي جزاهم جزاء النسيان، أو جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به، لا أن يكون في الحقيقة نسيان. فكذا سمى جزاء الكيد كيدا لا أن يكون الجزاء كيدا. [ الثاني :](٣) أن الكيد في [ الحقيقة المكر، وهو ](٤) أن يأخذه من وجه أمنه، فيلحق الكائد اسم الذم لأنه أخذه من وجه، لم يشعر به. وهذا المعنى في الكيد الذي أضيف إلى الله تعالى [ غير موجود لأن الله تعالى ](٥) قد بين له الطريق الذي إذا سلكه وقع [ بما ](٦) أريد الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل/٦٣٧ – أ/به البوار والهلاك. فإذا سلك هذا الطريق كان سلوكه عن عناد منه أو عن ترك الإنصاف من نفسه، فوجد ما يكره من الكيد لا من المكايد، فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى المكروه. ثم كيدهم برسول الله ﷺ وبالمؤمنين [ ما ذكر ](٧) في آية أخرى، وهو قوله تعالى :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله﴾ [الأنفال: ٣٠]. ١ في الأصل وم: الجزاء للسيئة.. ٢ في الأصل وم: قال.. ٣ في الأصل وم: ووجه آخر.. ٤ في الأصل وم: الحقيقة المكر هو.. ٥ من م، ساقطة من الأصل.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ من م، ساقطة من الأصل..

الطارق 86:16

الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿إنهم يكيدون كيدا﴾ ﴿وأكيد كيدا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أي أجزيهم جزاء كيدهم، فسمى الجزاء باسم ماله الجزاء، وإن لم يكن ذلك كيدا، كما سمى [ جزاء السيئة ](١) سيئة مثلها، وإن لم يكن الجزاء سيئة وكما سمى جزاء الاعتداء، وإن لم يكن الجزاء اعتداء بقوله :﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله(٢) :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي جزاهم جزاء النسيان، أو جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به، لا أن يكون في الحقيقة نسيان. فكذا سمى جزاء الكيد كيدا لا أن يكون الجزاء كيدا. [ الثاني :](٣) أن الكيد في [ الحقيقة المكر، وهو ](٤) أن يأخذه من وجه أمنه، فيلحق الكائد اسم الذم لأنه أخذه من وجه، لم يشعر به. وهذا المعنى في الكيد الذي أضيف إلى الله تعالى [ غير موجود لأن الله تعالى ](٥) قد بين له الطريق الذي إذا سلكه وقع [ بما ](٦) أريد الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل/٦٣٧ – أ/به البوار والهلاك. فإذا سلك هذا الطريق كان سلوكه عن عناد منه أو عن ترك الإنصاف من نفسه، فوجد ما يكره من الكيد لا من المكايد، فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى المكروه. ثم كيدهم برسول الله ﷺ وبالمؤمنين [ ما ذكر ](٧) في آية أخرى، وهو قوله تعالى :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله﴾ [الأنفال: ٣٠]. ١ في الأصل وم: الجزاء للسيئة.. ٢ في الأصل وم: قال.. ٣ في الأصل وم: ووجه آخر.. ٤ في الأصل وم: الحقيقة المكر هو.. ٥ من م، ساقطة من الأصل.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ من م، ساقطة من الأصل..

الطارق 86:17

في الحقيقة نسيان؛ فكذا سمى جزاء الكيد: كيدا، لا أن يكون الجزاء كيدا. ووجه آخر: أن الكيد في الحقيقة والمكر هو أن يأخذه من وجه أمنه؛ فيلحق الكائد اسم الذم؛ لأنه أخذه من وجه لم يشعر به، وهذا المعنى في الكيد الذي أضيف إلى اللَّه - تعالى - غير موجود؛ لأن اللَّه - تعالى - قد بين له الطريق الذي إذا سلكه وقع له به الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل به البوار والهلاك، فإذا سلك هذا الطريق، كان سلوكه عن عناد منه، أو عن ترك الإنصاف من نفسه؛ فوجد ما يكره من الكيد لا من الكائد؛ فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى المكروه. ثم كيدهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالمؤمنين ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧) مهل وأمهل لغتان؛ فكأنه يقول: (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن اللَّه - تعالى - يجازيهم بصنيعهم عن قريب، وقد فعل ذلك بما سلط رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقتلهم وسبيهم؛ فيكون في هذا بشارة منه لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر عليهم وبغلبته إياهم، وفي ذلك آية رسالته؛ لأنه قال لهم هذا عند قلة أعوانه وضعفه، ثم إن اللَّه - تعالى - كثر أنصاره وأظهره عليهم كما قال لهم؛ ليعلموا أنه علم ذلك بالوحي، واللَّه الموفق. * * *

الأعلى 87:1

سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قيل فيه من أوجه: أحدها: أن سبح ربك. وقيل: سبح اسمه. وقيل: سبح ربك بأسمائه. فمن قال: سبح ربك، فمعناه: أن نزهه عن جميع المعاني التي يحتملها غيره من الآفات والحاجات والأضداد والأنداد؛ فيكون القول به توحيدا. وروي عن مقاتل بن سليمان أنه قال: تأويله: وحد ربك، وتوحيده ما ذكرنا. وقال بعض المفسرين: تأويله: أن صل لربك؛ وهذا محتمل؛ لأن الصلاة بنفسها تسبيح؛ لأنه بالافتتاح يقطع وجوه المعاملات بينه وبين الخلق، ويمنع نفسه عن حوائجها؛ فيجعلها لله تعالى، وهذا هو التوحيد والإيمان؛ لأنه بالإيمان يجعل الأشياء كلها لله تعالى سالمة؛ فصارت الصلاة تسبيحا لعينها، لا للتسبيح المجعول فيها. ومن حمل التسبيح على الاسم، فقال: نزه اسمه، فذلك يرجع إلى الأسماء الذاتية، وهو ألا يشرك غيره فيسميه بها، والأسماء الذاتية قوله: اللَّه الذي لا إله غيره الرحمن، وما أشبهه من الأسماء، وتنزيهه للأسماء الصفاتية: أن ينزهها عن المعاني التي استوجب الخلق الوصف به، كقولك: عالم، حكيم، رحيم، مجيد؛ فمن وصف بالعلم من الخلائق فإنما استوجب الوصف به بأغيار دخلن فيه، واستوجب الوصف بالحكمة والوصف بالمدح بالأغيار، واللَّه - تعالى - استحق الوصف به بذاته، لا بأغيار، فينصرف التنزيه إلى الأغيار؛ إذ صفاته ليست بأغيار للذات؛ وهي لا تفارق الذات، فالامتداح الواقع بالصفات امتداح بالذات الموصوف بها، واللَّه الموفق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: معناه: سبح بالحمد والثناء؛ وهو يرجع إلى ما ذكرنا من التأويل

الأعلى 87:2

الأول، وهو أن يحمده بالثناء الذي يتضمن التوحيد والتنزيه عن معاني الخلق. ومن قال: سبح ربك بأسمائه؛ فهذا ظاهر، وهو أن يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأسماؤه معروفة، لا نحتاج إلى إظهارها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْأَعْلَى) ظاهره يقتضي أن يكون هناك أدون وأسفل، وكذلك قول: " اللَّهُ أَكْبَرُ " ظاهره يقتضي الأصغر، ولكن معنى قوله: (الْأَعْلَى) أي: هو أعلى من أن تمسه حاجة أو تلحقه آفة، وكذلك هذا في الأكبر، ويكون الأكبر والأعلى في النهاية عن تنزيه المعاني التي ذكرنا، وهو كقولك: هو أحسن وأجمل، فإذا قلت: أحسن وأجمل، أردت به النهاية في الحسن والجمال. أو يكون (الْأَعْلَى) بمعنى: العلي و " الأكبر " بمعنى: الكبير، وذلك جائز في اللغة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون سواه على ما قدره، خلافا لأفعال الخلق؛ لأن الفعل من الخلق يخرج مرة سويا على ما قدر، ومرة بخلافه. أو يكون سوى الخلق كله في دلالة وحدانيته وشهادة ربوبيته، فما من خلق خلقه إلا إذا تفكر فيه العاقل، دلت خلقته على معرفة الصانع، ووحدانية الرب. أو سواه على ما فيه مصلحته ومنفعته. أو سواه على ما له خلق؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أمر بالركوع والسجود خلقه من وجه يتمكن من الركوع والسجود؛ فهذا معنى قولنا: إنه سواه على ما له خلق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) يحتمل أوجها: أحدها: هداه إلى ما أحوجه إليه، فهدى العبد إلى معيشته من أين يأخذها؟ وهدى كل دابة إلى رزقها وعيشها، فعرفت كل دابة رزقها. أو يكون قوله: (فَهَدَى)، أي: هدى به. أو تكون الهداية منصرفة إلى أمر الدِّين، وذلك يرجع إلى الخصوص من الخلق الذين لهم عقول مميزة؛ فيكون معناه: هدى فيمن هدى. وطعنت المعتزلة علينا بهذه الآية، فقالت: إن اللَّه - تعالى - يقول: (قَدَّرَ فَهَدَى)، وأنتم تقولون: قدر فأضل؛ ولكن هذا التحقيق يرجع إليهم؛ لأنهم يحملون تأويل

الأعلى 87:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿والذي قدر فهدى﴾ يحتمل أوجها : أحدها : هداه إلى ما أحوجه إليه، فهدى العبد معيشته من أين يأخذها، وهدى كل دابة إلى رزقها وعيشها، فعرفت كل دابة رزقها. [ الثاني : أن ](١) يكون قوله :﴿فهدى﴾ أي هدى به. [ والثالث : أن ](٢) تكون الهداية من أمر الدين ؛ وذلك يرجع إلى الخصوص من الخلق الذين لهم عقول مميزة، فيكون معناه : هدى في من هدى. وطعنت المعتزلة علينا بهذه الآية، فقالت : إن الله تعالى يقول :﴿قدر فهدى﴾ وأنتم تقولون : قدر، وأضل. ولكن هذا التحقيق راجع إليهم، لأنهم يجعلون تأويل الهداية على البيان. وإذا كان كذلك، وقد بين الله تعالى سبيل الهدى وسبيل الضلال جميعا، فإذن قد أضلهم حين(٣) بين لهم سبيل الضلال على قولهم. ثم ليس في قوله :﴿قدر فهدى﴾ نفي الإضلال ؛ إذ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداه، فلم يجب قطع الحكم على ما ذكره، وقد ذكر في موضع آخر المكرمين بالهدى، فقال :﴿الم﴾ ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ الآية [ البقرة : ١ و٢ ] فثبت أن الهدى راجع إلى الخصوص ؛ فقوله :﴿قدر﴾ أي لخلقه معايشهم، وهداهم وجه أخذ المعيشة. ١ في الأصل وم: أو.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ في الأصل وم: حيث..

الأعلى 87:4

الهداية على البيان، وإذا كان كذلك وقد بين اللَّه تعالى سبيل الهدى وسبيل الضلال جميعا، فإذن قد أضله؛ حيث بين له سبيل الضلال على قولهم. ثم ليس في قوله: (قَدَّرَ فَهَدَى) نفي الإضلال؛ إذ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداه؛ فلم يجب قطع الحكم على ما ذكروه، وقد ذكر في موضع آخر المكرمين بالهدى؛ فقال: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) الآية؛ فثبت أن الهدى راجع إلى الخصوص؛ فقوله: (قَدَّرَ)، أي: قدر لخلقه معايشهم، وهداهم وجه أخذ المعيشة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) في هذه الآية تعريف الرب الأعلى؛ كأنه يقول: الرب الأعلى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى). ثم ذكر هذه الأشياء التي يعرف انقضاؤها وبدؤها وإنشاؤها وإهلاكها من المرعى وغيره؛ لأن وجه الدلالة بمعرفة الصانع بالأشياء التي يعرف بدؤها وانقضاؤها وحدوثها وفناؤها أقرب منه بالأشياء التي لم يشهد الخلق بدءها ولا انقضاءها، وهي السماوات والأرضون؛ إذ المرء يصل إلى وحدانية الرب ومعرفة الصانع بالأشياء التي تحدث وتتغير بأدنى نظر وتأمل، ولا يصل إلى ذلك فيما يدوم إلا بلطائف الفكر، وفضل بصر، وزيادة تأمل. وجائز أن يكون خص المرعى بالذكر؛ لما بالمراعي قوام هذا الخلق؛ لأنه لا بد للبشر من الدواب والأنعام؛ للتعيش، والداوب حياتها بالمراعي؛ فكان قوام الخلق في التحصيل بإخراج المراعي، فذكرهم هذا؛ ليستأدي منهم الشكر؛ إذ كانت الدواب لم تنشأ لأنفسها، وإنما أنشئت للخلق؛ ليتمتعوا بها، ثم اللَّه - تعالى - بفضله أنشأ للدواب مراعي، وقدر لها أوقاتها، ولم يضيعها، فكيف يضيع هذا الخلق، وهم الذين قصد إليهم من خلق هذا العالم، فلا يرزقهم، ويخرجهم من تدبيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) قيل: الغثاء: اليابس الذي تحمله السيول والأمطار (أَحْوَى) أي: أسود من قدمه. وقيل: الأحوى: هو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وهو على التقديم والتأخير؛ أي: جعله غثاء بعدما كان أحوى.

الأعلى 87:6

قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)، أي: سنحفظ عليك ما أوحينا إليك من القرآن فلا تنسى، وفي حفظه - عليه السلام - ما يوحى إليه دلالة رسالته؛ لأنه لم يكن يعرف الكتابة، ولا كان يتلو الكتب، ثم كان يقرأ جميع ما يلقى إليه بمرة واحدة، مع ما كان مأمورا ألا يحرك لسانه بشيء مما يوحى إليه إلى أن يقضي إليه الوحي، ومن كانت حالته ما ذكرنا، تعذر عليه حقظ ما يلقى إليه بمرات وإن كان ذلك لسانه، فكيف يضبطه بمرة واحدة؛ فكان حفظه بالمرة الواحدة نوعا من آيات نبوته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله: إلا ما شاء اللَّه من ذلك؛ فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه. ولكن ما أرى هذا التأويل صحيحا، وذلك أن الذي أوحي إليه آية نبوته؛ فرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا قرأ، ثم أنسي، فلمن طعن في رسالته أن يستقرئه تلك الآية، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي؛ فيجد في ذلك موضع الطعن عليه. وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي، ولكنها من أخبار الآحاد؛ فلا يجوز قطع الحكم بها؛ لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وهي في موضع الشهادة هاهنا، ولكن تأويله عندنا - واللَّه أعلم - يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة عن الزلات التي لديها يخاف زواد ما أنعموا به وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا؛ ألا ترى إلى قصة إبراهيم - عليه السلام - عند محاجة قومه قال: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي)، وقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، فخاف زوال ما أكرم به، وخشي أن يبتلى بما ابتلي به أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء، وقال في قصة شعيب - عليه السلام -: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا)، وقال في قصة يوسف - عليه السلام -: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)؛ فثبت أنه لم يتبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم، فكذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يؤمن عما

الأعلى 87:7

الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿إلا ما شاء الله﴾ قال بعضهم :﴿إلا ما شاء الله﴾ من ذلك، فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه. ولكن ما أرى هذا التأويل صحيحا ؛ وذلك أن الذي أوحى إليه آية نبوته، فرسول الله ﷺ إذا أقرئ(١)، ثم أنسي، فلن يطعن في رسالته، إن يستقرئه تلك الآية، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي، فيجد موضع الطعن عليه. وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي، ولكنه(٢) من أخبار الآحاد، ولا يجوز الحكم بها، لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل به، لا يوجب علم الشهادة، وهو في موضع الشهادة ههنا. ولكن تأويله عندنا، والله أعلم، يخرج على أوجه ثلاثة : أحدها : أن الأنبياء عليهم السلام، لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة عن الزلات التي لديها يخاف زوال ما أنعموا به، وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا. ألا ترى إلى قصة إبراهيم عليه السلام : عند محاجة قومه :﴿قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا﴾[الأنعام: ٨٠] وقال :﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ ؟ [إبراهيم: ٣٥] فخاف زوال ما أكرم به، وخشي أن يبتلى بما ابتلي به أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء. وقال في قصة شعيب عليه السلام :﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله﴾ [الأعراف: ٨٩] وقال في قصة يوسف عليه السلام :﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله﴾ [يوسف: ٧٦] فثبت أنه لم يبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم. فكذلك رسول الله ﷺ لم يأمن عما يعقب الإنسان، بل قيل له :﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ﴿إلا ما شاء الله﴾. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ؟ [الزمر: ٦٥] فثبت أنهم كانوا على خوف ووجل من ارتكاب ما يسلب به الوحي، وينسى. [ الثاني : أن ](٣) يكون الاستثناء راجعا إلى إنساء(٤) حكمه، وهو أن ينسخ حكمه حتى يترك، وينسى، ويصير كالمنسي كقوله تعالى :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي جعلهم كالشيء المنسي بما أنساهم من رحمته، لا أن يكون هناك حقيقة نسيان، فكذلك إذا نسخ حكمه، وترك، صار كالمنسي، وإن لم يكن فيه حقيقة نسيان، فيكون النسيان منصرفا إلى حكم التلاوة لا إلى عينها. [ الثالث : أن ](٥) يكون عليه السلام، يذهب خاطره عن وهمه، كأنه نسيه، وكان يعود ذلك إليه عند إحضاره ذهنه كما ترى المرء في الشاهد يذهب عن وهمه جميع ما في فاتحة الكتاب من الحروف إذا أعمل رؤيته في أشياء أخرى حتى يصير كالناسي لها، وإن كان يعود إلى تذكرها إذا رام أن يقرأها. فعلى هذه التأويلات يستقيم أن يوجه إليه الاستثناء، والله أعلم. [ وقوله تعالى ](٦) :﴿إنه يعلم الجهر وما يخفى﴾ أي ما يجهر بعض لبعض من الخلائق أو ما يسر بعض عن بعض، أو يعلم ما يطلع عليه الملائكة من أعمالهم، ويعلم ما يعزب عنهم. فعلمه في ما أسر العبد كعلمه في ما أظهر، وجهر به. فذكرهم هذا ليكونوا متيقظين، فلا يخفون(٧) ولا يجهرون إلا الذي يحق عليهم، إذ الله تعالى حفيظ عليهم. ١ في الأصل وم: قرئ.. ٢ في الأصل وم: لكنها.. ٣ في الأصل وم: أو.. ٤ من م، في الأصل: الإنسان.. ٥ في الأصل وم: أو.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: يخافون..

الأعلى 87:8

يعقب الإنساء؛ بل قيل له: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)؛ ألا ترى إلى قوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)؛ فثبت أنهم كانوا على خوف ووجل عن ارتكاب ما يسلب به الوحي وينسى. أو يكون الاستثناء راجعا إلى إنساء حكمه، وهو أن ينسخ حكمه حتى يترك فيصير كالمنسي؛ كقوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، أي: جعلهم كالشيء المنسي بما آيسهم من رحمته، لا أن يكون هناك حقيقة نسيان، فكذلك ما نسخ حكمه وترك، صار كالمنسي، وإن لم يكن فيه حقيقة نسيان؛ فيكون النسيان منصرفا إلى حكم التلاوة، لا إلى عينها. أو يكون - عليه السلام - يذهب خاطره عن بعض ما يوحى إليه؛ إذا اشتغل فكره في أشياء أخر؛ فيصير الذي ذهب عن وهمه كأنه نسيه وإن كان يعود ذلك إليه عند إحضاره ذهنه، كما ترى المرء في الشاهد يذهب عن وهمه جميع ما في فاتحة الكتاب من الحروف إذا أعمل رؤيته في أشياء أخر؛ حتى يصير كالناسي لها وإنْ كان يعود إلى تذكرها إذا رام أن يقرأها. فعلى هذه التأويلات يستقيم أن يوجه إليه الاستثناء، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)، أي: ما يجهر بعض لبعض من الخلائق، أو ما يسر بعض عن بعض. أو يعلم ما تطلع عليه الملائكة من أعمالهم، ويعلم ما يعزب عنهم، فعلمه فيما أسر العبد كعلمه فيما أظهر وجهر به؛ فذكرهم هذا؛ ليكونوا متيقظين؛ فلا يخافون، ولا يجهرون إلا بالذي يحق عليهم؛ إذ اللَّه - تعالى - حفيظ عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) قالوا: ونسيرك للخير ولعمل أهل الجنة، فسميت أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) ظاهر هذا يقتضي ألا يذكر إلا من نفعته الذكرى، ولكن تخصيص الحكم في حال بوصف لا يوجب قطع ذلك الحكم فيما

الأعلى 87:9

الآية ٩ : وقوله تعالى :﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ فظاهر هذا يقتضي ألا يذكر إلا من نفعته الذكرى. ولكن تخصيص الحكم في حال يوصف، لا يوجب قطع الحكم في ما كان الحال بخلاف ذلك الوصف، بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه. قال الله تعالى :﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ الآية أمر بالتذكير على الإطلاق. ثم قوله تعالى :﴿إن نفعت الذكرى﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أن ذكر فقد نفعت الذكرى، وهو كقوله تعالى :﴿ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] [ ومعناه قد كان وعد ربنا مفعولا، وقد نفعت ](١) الذكرى لأنه بتذكره أسلم من أسلم منهم، وبه فازوا، وبه نالوا الدرجات العليا، وقال تعالى :﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذريات: ٥٥]. [ الثاني : أن ](٢) يكون قوله عز وجل :﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ فسيأتي على أقوام لا تنفعهم الذكرى لديها ؛ وتلك حالة المعاينة لبأس الله وعذابه. ١ من م، من الأصل: وقد تعقب.. ٢ في الأصل وم: أو..

الأعلى 87:10

كان الحال بخلاف ذلك الوصف؛ بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه؛ قال اللَّه - تعالى -: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) الآية، أمر بالتذكير على الإطلاق. ثم قوله - تعالى -: (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذكر فقد نفعت الذكرى، وهو كقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا)، ومعناه: قد كان وعد ربنا مفعولا. وقد نفعت الذكرى؛ لأنه بتذكيره أسلم من أسلم منهم، وبه فازوا، وبه نالوا الدرجات العلا، وقال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). أو يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) فسيأتي على أقوام حالة لا تنفعهم الذكرى لديها، وتلك حالة المعاينة لبأس اللَّه وعذابه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) أي: يتعظ بها من يخشى اللَّه تعالى أو المعاد، قال اللَّه - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ)، أي: بالقرآن، وذلك أن الذي يحملهم على الإيمان بالآخرة إيمانهم بهذا الكتاب؛ لأن في القرآن تذكيرًا للآخرة، وأمرا بالاستعداد لها؛ فلذلك خشيته تحمله على الاتعاظ بالذكرى والانتفاع بها، والخشية هي الخوف اللازم في القلوب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) أضاف التجنب هاهنا إلى الأشقى، وهو الشقي، وفيما ذكر الأتقى أضاف التجنب إلى نفسها بقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)؛ فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى اللَّه - تعالى - وفي الأول دلالة منع إضافة الشرور إليه؛ وهذا لأن إضافة الخيرات إلى اللَّه تعالى تخرج مخرج الشكر له، وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة الشرور إلى آخر شكر له؛ فلم يصح أن تضاف إليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) أي: لا تنقضي عنه أفعال الموت، وهي آلامها وأوجاعها، بل يبقى في آلامها أبدًا؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ

الأعلى 87:11

الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿ويتجنبها الأشقى﴾ ﴿الذي يصلى النار الكبرى﴾ فأضاف التجنب ههنا إلى الأشقى، وهي الأشقى، وفي ما ذكر الأتقى أضاف التجنب إلى نفسه بقوله :﴿وسيجنبها الأتقى﴾ ﴿الذي يؤتى ماله يتزكى﴾ [ الليل : ١٧ و١٨ ] فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله تعالى. وفي الأول دلالة منع إضافة السرور إليه، وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله تعالى تخرج مخرج الشكر له، وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة السرور إلى آخر شكر له، فلم يصلح أن يضاف إليه، والله أعلم.

الأعلى 87:12

الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿ويتجنبها الأشقى﴾ ﴿الذي يصلى النار الكبرى﴾ فأضاف التجنب ههنا إلى الأشقى، وهي الأشقى، وفي ما ذكر الأتقى أضاف التجنب إلى نفسه بقوله :﴿وسيجنبها الأتقى﴾ ﴿الذي يؤتى ماله يتزكى﴾ [ الليل : ١٧ و١٨ ] فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله تعالى. وفي الأول دلالة منع إضافة السرور إليه، وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله تعالى تخرج مخرج الشكر له، وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة السرور إلى آخر شكر له، فلم يصلح أن يضاف إليه، والله أعلم.

الأعلى 87:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ أي لا تنقضي عنه أفعال الموت، وهي آلامها وأوجاعها، بل يبقى في آلامها أبدا. قال تعالى :﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ [إبراهيم: ١٧] أي لا يقضي عليه حتى يتخلص من أوجاعها ﴿ولا يحيى﴾ فقوله :﴿ولا يحيى﴾أي لا يرتفع عنه ألم الموت، أو يكون قوله :﴿لا يموت فيها﴾ فيستريح(١) ﴿ولا يحيى﴾ حياة يتلذذ بها. ١ الفاء ساقطة من الأصل وم..

الأعلى 87:14

كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ)، أي: لا يقضي عليه حتى يتخلص من أوجا عها. قوله تعالى: (وَلَا يَحْيَى)، فالحياة التي ينتفع بها في الدنيا هي التي ترتفع عنها آلام الموت، وأوجاعه، فقوله: (وَلَا يَحْيَى)، أي: لا يرتفع عنه ألم الموت. أو يكون قوله: (لَا يَمُوتُ) فيستريح (وَلَا يَحْيَى) حياة يتلذذ بها. * * * قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)، أي: من أتى بما تزكو به نفسه، أو أتى بما تطهر نفسه به، وسنذكر في سورة: " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا " ما تأويل الفلاح؟ إن شاء الله تعالى. وقوله: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) يحتمل أن يكون أريد به أنواع العبادات، لا الصلاة المعروفة وحدها؛ لأن الصلاة اسم للدعاء والثناء ولأنواع من الكرامات؛ فإنه يقول: بذكر الرب ما يصل إلى العبادات، ومن أعرض عن ذكره حرم أداء العبادات. أو يكون منصرفا إلى الصلاة المعروفة؛ فيكون قوله: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)، أي: يصلي بتقديمه اسم الرب؛ فيكون ذلك منصرفا إلى الافتتاح؛ فيكون حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - أن المصلى له أن يفتتح صلاته بأي أسماء اللَّه تعالى أحب. ثم ذكر اسم الرب يقتضي المعاني التي ذكرنا في قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: تؤثرون حياتها على حياة الآخرة، ويكون الخطاب منصرفا إلى المنافقين والكفرة، لا إلى أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم كانوا في الإيثار مختلفين؛ فمنهم من آثرها في أن نظر في الدنيا وأعرض عن النظر في الآخرة وجحدها. ومنهم من كان أغلب سعيه لأمر الدنيا. ومنهم من كان يؤثر بعض أحوالها على الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) أي: إيثار الحياة الآخرة خير وأبقى من إيثار الحياة الدنيا.

الأعلى 87:15

الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ يحتمل أن يكون أريد به أنواع العبادات لا الصلاة المعروفة وحدها، لأن الصلاة اسم للدعاء والثناء والأنواع من الكرامات. فإنه يقول : بذكر الرب ما يصل إلى العبادات، ومن أعرض عن ذكره حرم من العبادات، أو يكون منصرفا إلى الصلاة المعروفة، فيكون قوله :﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ أي يصلي بتقديمه اسم الرب، فيكون منصرفا إلى الافتتاح، فيكون حجة لأبي حنيفة، رحمه الله : أن المصلي، له أن يفتتح صلاته بآي أسماء الله تعالى [ إن ](١) أحب. ثم ذكر اسم الرب يقتضي المعاني التي ذكرت في قوله تعالى :﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾. ١ ساقطة من الأصل وم..

الأعلى 87:16

الآيتان ١٦ و١٧ : وقوله تعالى :﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ أي يؤثرون حياتها على الحياة الآخرة، ويكون الخطاب منصرفا إلى المنافقين والكفرة إلى أصحاب النبي ﷺ. ثم كانوا في الإيثار مختلفين ؛ فمنهم من آثرها في أن ينظر في الدنيا، وأعرض عن النظر في الآخرة، وجحدها، ومنهم من كان أغلب سعيه لأمن الدنيا، ومنهم من كان [ يؤثر بعض ](١) أحوالها على الآخرة. وقوله تعالى :﴿والآخرة خير وأبقى﴾ أي إيثار الحياة الآخرة خير وأبقى من إيثار الحياة الدنيا. ١ من م، في الأصل: أغلب سعيه..

الأعلى 87:17

الآيتان ١٦ و١٧ : وقوله تعالى :﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ أي يؤثرون حياتها على الحياة الآخرة، ويكون الخطاب منصرفا إلى المنافقين والكفرة إلى أصحاب النبي ﷺ. ثم كانوا في الإيثار مختلفين ؛ فمنهم من آثرها في أن ينظر في الدنيا، وأعرض عن النظر في الآخرة، وجحدها، ومنهم من كان أغلب سعيه لأمن الدنيا، ومنهم من كان [ يؤثر بعض ](١) أحوالها على الآخرة. وقوله تعالى :﴿والآخرة خير وأبقى﴾ أي إيثار الحياة الآخرة خير وأبقى من إيثار الحياة الدنيا. ١ من م، في الأصل: أغلب سعيه..

الأعلى 87:18

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩): قَالَ بَعْضُهُمْ: الآيات الأربع في صحف موسى وإبراهيم، أولهن (قَدْ أَفْلَحَ...) إلى قوله (خَيْرٌ وَأَبْقَى). وقَالَ بَعْضُهُمْ: السورة كلها أنزلت على إبراهيم وموسى عليهما السلام، فإن كانت السورة كلها في الصحف الأولى، فجميع ما في هذه السورة ذكر فيها بحق الحاجة لهم إلى تعرفها، ويكون قوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)، مذكورا بحق الثناء على رسول [الله]- صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ووجه الثناء: ما ذكر في قوله: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ...) إلى آخر الآية، وهو يستحق الثناء بهذا الحرف لما في حفظه - عليه السلام - جميع ما يوحى إليه بمرة واحدة إكرام له وتفضيل؛ فصلح أن يثنى عليه بهذا. وفي قوله - تعالى -: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) دلالة أن اختلاف الألسن لا يغير الأشياء عن حقائقها؛ لأن اللَّه - تعالى - شهد بكون هذا في الصحف الأولى؛ وليس في الصحف الأولى بهذا اللسان؛ فيكون فيه حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في تجويز القراءة بالفارسية، واللَّه أعلم. * * *

الأعلى 87:19

الآيتان ١٨ و١٩ : وقوله تعالى :﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ قال بعضهم : الآيات الأربع في صحف موسى وإبراهيم، أولهن :﴿قد أفلح من تزكى﴾ وآخرها(١) ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ قال بعضهم : السورة كلها أنزلت على إبراهيم وموسى عليهم السلام، فإن كانت السورة كلها في الصحف الأولى فجميع ما في السورة ذكر(٢) بحق الحاجة لهم إلى تعرفها، ويكون قوله :﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ مذكورا بحق الثناء على رسول الله ﷺ. ووجه الثناء ما ذكر في قوله :﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: ١٥٧] وهو يستحق [ الثناء ](٣) وبهذا الحرف لما في حفظه عليه السلام، جميع ما يوحي إليه بمرة واحدة إكرام له وتفضيل. فصلح أن يثني عليه بهذا. وفي قوله تعالى :﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ دلالة أن اختلاف الألسن لا يغير الأشياء عن حقائقها لأن الله تعالى شهد بكون هذا في الصحف الأولى بهذا اللسان، فيكون فيه حجة لأبي حنيفة في تجويز القراءة بالفارسية [ والله أعلم ](٤). ١ في الأصل وم: إلى قوله.. ٢ في الأصل: وذكر فيها، في م: ذكر فيها.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ من م، ساقطة من الأصل..

الغاشية 88:1

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ. تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قيل: معناه: قد أتاك حديث الغاشية؛ فإما أن يكون الإتيان سابقا أو أتاه حديث الغاشية بنفس هذه السورة. ثم في هذه الآيات ترغيب فيما تحمد عاقبته، وتحذير عما يذم في العاقبة، وتبيين أن العاقبة المحمودة متصلة باكتسابه وكدحه، وكذلك العاقبة المذمومة ينالها بعمله ونصبه. ثم اختلف في تأويل (الْغَاشِيَةِ): فقيل: (الْغَاشِيَةِ): النار تغشاهم، كما قال تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، وقال في آية أخرى: (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ). ومنهم من يقول: (الْغَاشِيَةِ): هي الساعة؛ سميت: غاشية؛ لأنها تغشى الصغير والكبير، والمحمود والمذموم، والشقي والسعيد؛ فتعمهم جميعا؛ وهذا التأويل أقرب؛ لأنه ذكر الغاشية أولا ثم ذكر الجزاء بعد ذلك بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ). ثم قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) أي: ذليلة، وإنَّمَا خص الوجه بالذكر؛ لأن الحزن والسرور إذا استحكما في القلب أثرا في الوجه؛ فيكون في ذكر الوجه وصف للغاية التي هم عليها من الذل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: إلى عباده الكفرة، وهو أنهم

الغاشية 88:2

الآية ٢ : ثم قوله :﴿وجوه يومئذ خاشعة﴾ أي ذليلة، وإنما خص الوجه بالذكر لأن الحزن والسرور إذا استحكما في القلب أثرا في الوجه، فيكون في ذكر الوجه وصف الغابة التي هم عليها من الذل.

الغاشية 88:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿عاملة ناصبة﴾ قال بعضهم :[ جائز أن يكون منصرفا ](١) إلى عبادة الكفرة، وهو أنهم بقوا أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة. [ قال بعضهم :](٢) جائز أن يكون نصبها وعملها في النار، وهو أنها لم تعمل في الدنيا، بل تكبرت عن طاعة الله، فأعملها، وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية، أو عملت في الدنيا بالمعاصي، ونصبت في الآخرة، فيكون فيه تبيين العمل والجزاء. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: و..

الغاشية 88:4

بقوا أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة. وجائز أن يكون نصبها وعملها في النار، وهو أنها لم تعمل في الدنيا؛ بل تكبرت عن طاعة اللَّه - تعالى - فأعملها وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية. أو عملت في الدنيا بالمعاصي ونصبت في الآخرة؛ فيكون فيه تبيين العمل والجزاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) أي: حارة، قد أحماها اللَّه - تعالى - من يوم خلقت إلى الوقت الذي يسقى منها. وقوله: (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) قيل: الآني: الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا حر أحر منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) اختلف في الضريع: منهم من يقول: سمي: ضريعا؛ لأنهم يتضرعون عنه، ويجزعون إذا طعموا. ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب لم يبينه اللَّه - تعالى - للحلق. ومنهم من قال: الضريع: اسم لنبت قد عرفته العرب فيما بينهم تأكله الإبل والدواب ما دام رطبا؛ فإذا هاج ويبس تركت الدواب أكله، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك، ويسمونه: شبرقا في الربيع، وإذا هاج وجف، يسمونه ضريعا، فذلك النبت في الدنيا يعمل في إسمان الدابة ويغنيها من الجوع، فنفي اللَّه - تعالى - وجه الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث بقوله: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)، وهو كقوله: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ)، فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا، فأنشئت في الآخرة بلا شوك، ووصف خمر الجنة فقال: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ)، والخمر في الدنيا تعمل في التصديع، وهي تنزف؛ فنفى عنها هذه الآفات، وجعلها شرابا سائغا لذة للشاربين، فكذلك الضريع نفى به ما يقع به الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث، واللَّه أعلم.

الغاشية 88:5

الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿تسقى من عين آنية﴾ قيل : الآني الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا حر لآخر فيه.

الغاشية 88:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ اختلف في الضريع/٦٣٨ – ب/ فمنهم من يقول : سمي ضريعا لأنهم يتضرعون عنه، ويجزعون إذا أطعموا. ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب، لم يبينه الله تعالى للخلق. ومنهم من قال : الضريع اسم لنبت عرفته العرب في ما بينهم، يأكله الإبل والدواب ما دام رطبا، فإذا هاج، ويبس، تركت الدواب أكله، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك، ويسمونه شبرقا في الربيع، وإذا هاج، وخف، سموه ضريعا. فذلك النبث في الدنيا يعمل في إسمان الدابة، ويغنيها من الجوع.

الغاشية 88:7

الآية ٧ : فنفى الله تعالى وجه الإسمان والإغناء، وحصل(١) أمره على الخبث بقوله :﴿لا يسمن ولا يغنى من جوع﴾ وهو كقوله :﴿في سدر مخضود﴾ [ الواقعة : ٢٨ و٢٩ ] فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا، فأنشئت في الآخرة بلا شوك. ووصف خمر الجنة، فقال :﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ [الواقعة: ١٩] والخمر في الدنيا تعمل في التصديع، وهي تنزف، فنفى هذه الآفات، وجعلها للشاربين، فكذلك الضريع نفى عنه ما يقع به الإسمان والإغناء، وحصّل أمره على الخبث، والله أعلم. ١ الواو ساقطة من الأصل..

الغاشية 88:8

قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ. لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً. فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ. وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)، أي: ناعمة بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها في الدنيا، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في الدنيا: فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة، ومن عصاه جعل أثره في وجهه يعرف به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قد علا قدرها، وعظم شأنها؛ فتكون (عَالِيَةٍ) نعتا للجنة، فوصفها بالعلو من هذا الوجه. والثاني: يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) ما يحق أن يلقى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه؛ بل هم كما وصفهم اللَّه تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ). ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضغن أضمره في صدره، أو خصومة حدثت بينهما، أو آفة تدخل في عقله بسكر أو ما أشبهه، واللَّه - تعالى - نفى عن الشراب الآفات بقوله: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ)، ونزع الغل عن صدورهم؛ فارتفعت دواعي السفه كلها؛ فلا يسمع فيها ما يحق أن يلغى به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) أي: عيونها جارية تأخذها العين، وتجري على وجهها، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجري على وجه الأرض، وبعضها تحتها، نحو ماء القناة وماء البئر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: مرفوعة بعضها فوق بعض، ترتفع ما شاء اللَّه، فإذا جاء ولي اللَّه - تعالى - ليجلس عليها، تطامنت له، فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء اللَّه تعالى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: معنى (مَرْفُوعَةٌ) هاهنا: أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها، فوعدوا

الغاشية 88:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿في جنة عالية﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قد علا قدرها، وعظم شأنها، فيكون ﴿عالية﴾ نعتا للجنة، فوصفها بالعلو من هذا الوجه. والثاني : يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان، والله أعلم.

الغاشية 88:11

الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ ما يحق أن يلغى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه، بل هم كما وصفهم الله تعالى :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧]. ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضمر أضمره في صدره [ وإما ](١) خصومة حدثت بينهما [ وإما ](٢) آفة تدخل في عقله بسكر وما أشبهه، والله تعالى نفى عن الشراب الآفات(٣) بقوله :﴿لا يصدّعون عنها ولا ينزفون﴾ [الواقعة: ١٩] ونزع الغل عن صدورهم، فارتفعت دواعي السفه كلها، فلا يسمع فيها ما يحق أن يلغى به. ١ في الأصل وم: أو.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ في الأصل وم: والآفات..

الغاشية 88:12

الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿فيها عين جارية﴾ أي عيونها جارية تأخذها العين، وتجري على وجهها، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجري على وجه الأرض وبعضها تحتها نحو ماء القناة وماء البئر.

الغاشية 88:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿فيها سرر مرفوعة﴾ قال بعضهم :﴿مرفوعة﴾ بعضها فوق بعض، ترتفع ما شاء الله، فإذا جاء ولي الله تعالى ليجلس عليها تطامنت له. فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى. وقال بعضهم : معنى المرفوعة ههنا أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها، فوعد في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها. والمرء يرغب في الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا. فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة، وكذلك يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة، فوعد لهم مثلها في الآخرة، وقال في موضع :﴿وفرش مرفوعة﴾ بالواقعة : ٣٤ ] ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في السرر، فوعدوا بها أيضا في الآخرة لرغبتهم(١) فيها في الدنيا. ١ في الأصل وم: لترغيبها..

الغاشية 88:14

في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها، والمرء يرغب في الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا؛ فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة، وكذلك يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة؛ فوعد لهم مثلها في الآخرة. وقال في موضع: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ)، ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في السرر؛ فوعدوا بها - أيضا - في الآخرة؛ ليرغبهم بها في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) الأكواب هي الكيزان التي لا عرا لها؛ فإما أن يكون وصفا لكبر تلك الأكواب في أنفسها حيث لا عرا لها كالحباب في الدنيا. أو يكون لهم خدم وولدان يتولون نقلها إلى أين أحبوا، وليست لها عرا يمدون أيديهم إليها فيرفعونها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) قيل: هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا؛ فرغبوا كذلك في الآخرة. * * * قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...) إلى قوله: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ): خص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين: أحدهما: أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة، عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه، وهي أيضا -أعني: مكة- منشأة بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم والأرض من تحتهم؛ فخصت هذه الأشياء با لذكر؛ ليعتبروا بها، ويتدبروا. ويحتمل وجها آخر: وهو أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل؛ لأن منافع الدواب أن ينتفع بطهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك يوجد في الإبل؛ فصارت الإبل كالأنعام تصلح للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء؛ ففيها جعلت أرزاقهم، وفيها عين الشمس التي بها مصالح الأغذية وتراها مزينة بزينة الكواكب، فهي - أيضا - كالأم في المنافع، وكذلك الأرض كالأم في المنافع؛ إذ فيها مأوى الخلق، وقدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس. ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها؛ فخصت هذه الأشياء بالذكر؛ لما ذكرنا. ثم قوله: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ) يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر؛ أي: فلينظروا. والثاني: أن يكون على سؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم؛ فنزلت هذه الآية: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...) إلى آخر الآيات؛ أي: لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها ينزع عنهم الإشكال، ويوضح لهم ما اشتبه عليهم. وذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: لما ذكر اللَّه - تعالى - ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالت: يا مُحَمَّد، ائتنا بآية أن ما تقوله حق؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ). ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها بغير عمد ترونها والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط - مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى، وإلى القول بإثبات الرسالة، وذلك أن الذي كان يحملهم على إنكار البعث هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم؛ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم، فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض، لعلموا أن قوة اللَّه غير مقدرة بقوى الخلق، وذلك أن السماوات خلقت ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت كذلك، لا تنحدر عن موضعها، ولا تتصعد، ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط ولا تتصعد لم يقدر عليه؛ فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية ليست بمستفادة، وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها

الغاشية 88:15

الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿ونمارق مصفوفة﴾ [ ﴿وزرابي مبثوثة﴾ ](١) قيل : هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا، فرغبوا بذلك(٢) في الآخرة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: كذلك..

الغاشية 88:16

الآيتان ١٥ و١٦ : وقوله تعالى :﴿ونمارق مصفوفة﴾ [ ﴿وزرابي مبثوثة﴾ ](١) قيل : هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا، فرغبوا بذلك(٢) في الآخرة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: كذلك..

الغاشية 88:17

الآيات ١٧ -٢٠ : وقوله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [ ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ ](١) ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين : أحدهما : أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه(٢)، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا. [ الثاني :](٣) أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع. وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس. ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا. ثم قوله تعالى :﴿أفلا ينظرون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : على الأمر، أي فلينظروا. والثاني : أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ إلى آخر الآيات(٤)، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا(٥) : يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ ؟ ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة. وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم. فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة. وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ](٦) أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم. فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون :﴿أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ ؟ [ص: ٥]. وقولنا : إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. فإن قيل : كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ](٧) آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟ فجواب أنهم لو أدركوا(٨) ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك(٩) وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق. ١ في الأصل وم: إلى قوله.. ٢ في الأصل وم: إليها.. ٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو.. ٤ في الأصل وم: الآية.. ٥ في الأصل وم: وقال.. ٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ في الأصل وم: تداركوا.. ٩ في الأصل وم: التدارك..

الغاشية 88:18

الآيات ١٧ -٢٠ : وقوله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [ ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ ](١) ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين : أحدهما : أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه(٢)، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا. [ الثاني :](٣) أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع. وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس. ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا. ثم قوله تعالى :﴿أفلا ينظرون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : على الأمر، أي فلينظروا. والثاني : أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ إلى آخر الآيات(٤)، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا(٥) : يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ ؟ ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة. وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم. فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة. وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ](٦) أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم. فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون :﴿أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ ؟ [ص: ٥]. وقولنا : إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. فإن قيل : كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ](٧) آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟ فجواب أنهم لو أدركوا(٨) ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك(٩) وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق. ١ في الأصل وم: إلى قوله.. ٢ في الأصل وم: إليها.. ٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو.. ٤ في الأصل وم: الآية.. ٥ في الأصل وم: وقال.. ٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ في الأصل وم: تداركوا.. ٩ في الأصل وم: التدارك..

الغاشية 88:19

الآيات ١٧ -٢٠ : وقوله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [ ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ ](١) ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين : أحدهما : أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه(٢)، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا. [ الثاني :](٣) أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع. وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس. ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا. ثم قوله تعالى :﴿أفلا ينظرون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : على الأمر، أي فلينظروا. والثاني : أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ إلى آخر الآيات(٤)، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا(٥) : يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ ؟ ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة. وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم. فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة. وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ](٦) أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم. فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون :﴿أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ ؟ [ص: ٥]. وقولنا : إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. فإن قيل : كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ](٧) آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟ فجواب أنهم لو أدركوا(٨) ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك(٩) وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق. ١ في الأصل وم: إلى قوله.. ٢ في الأصل وم: إليها.. ٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو.. ٤ في الأصل وم: الآية.. ٥ في الأصل وم: وقال.. ٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ في الأصل وم: تداركوا.. ٩ في الأصل وم: التدارك..

الغاشية 88:20

الآيات ١٧ -٢٠ : وقوله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [ ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ ](١) ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين : أحدهما : أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه(٢)، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا. [ الثاني :](٣) أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع. وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس. ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا. ثم قوله تعالى :﴿أفلا ينظرون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : على الأمر، أي فلينظروا. والثاني : أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ إلى آخر الآيات(٤)، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا(٥) : يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ ؟ ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿بغير عمد ترونها﴾ [الرعد: ٢] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة. وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم. فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة. وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ](٦) أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم. فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون :﴿أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ ؟ [ص: ٥]. وقولنا : إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. فإن قيل : كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ](٧) آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟ فجواب أنهم لو أدركوا(٨) ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك(٩) وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق. ١ في الأصل وم: إلى قوله.. ٢ في الأصل وم: إليها.. ٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو.. ٤ في الأصل وم: الآية.. ٥ في الأصل وم: وقال.. ٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ في الأصل وم: تداركوا.. ٩ في الأصل وم: التدارك..

الغاشية 88:21

زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه لو تفكر فيه الخلائق فاستفرغوا مجهودهم؛ ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء؟ وكيف ينبع؟ وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار - لم يصلوا إلى معرفته؛ فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر هذا إنباء أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره يفعل بهم ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا لقادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء. وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض الغبراء المتهشمة؛ فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم، فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض، لكان يمنع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض، فلو تفكروا فيها، لكان يزول عنهم الإشكال؛ فلا يدعون مع اللَّه إلها آخر، ولا يقولون: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا). وقولنا: إن فيه إثبات الرسالة، وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لا بد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه بم يكون؟ فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. فَإِنْ قِيلَ: كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا آخر الأبد؛ ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء، لم يهتدوا إلى ذلك الوجه؟ فجوابه: أنهم لو تداركوا ذلك الوجه وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال؛ إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي يهتدي إليها؛ فارتفاع التدارك، وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه؛ إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم، وأنه خلافهم من جميع الوجوه، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) في هذه الآية - واللَّه أعلم - أمر من اللَّه تعالى لرسوله عليه السلام ألا يجازيهم بصنيعهم إذا استقبلوه بما يكره من أذى يوجد منهم واستخفاف يجيء منهم؛ فيقول: ذكرهم باللَّه تعالى، وذكرهم عظيم نعمه وذكرهم كيف هلك مكذبو الرسل، وكيف نجا من صدقهم وعظم أمرهم ولا تقهرهم، ولا تجازهم بصنيعهم، وكل ذلك إلى اللَّه تعالى.

الغاشية 88:22

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: بمسلط. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لست بجبار. فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمله، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن بقتالهم، وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية؛ ولهذا قيل: إن هذا كان قبل نزول سورة براءة. وإن كان تأويله: لست بجبار عليهم؛ على ما روي عن مجاهد؛ فهذا الوجه مما لا يرد عليه النسخ، ولا يجوز أن يصير جبارا عليهم، ولا يكون قوله: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) استثناء، ويكون معناه: لكن من تولى وكفر فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر، أي: من أعرض عن طاعة اللَّه تعالى وكفر بوحدانية اللَّه تعالى وبكتبه ورسله، فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر. وعلى التأويل الذي قيل: إن المسيطر هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم - يكون قوله تعالى: (تَوَلَّى وَكَفَرَ) على الاستثناء، أي: من أعرض عن طاعة اللَّه تعالى، وكفر بوحدانيه اللَّه فسيسلط عليهم بالسيف، والأسر، وأخذ الجزية. وقيل: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)، أي: أعرض، ولزم الإعراض؛ فيكون مسيطرا عليهم. أو تولى وقت التذكير فسينتصر عليه، وباللَّه النجاة. وفي هذه الآية بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالظفر على الذين تولوا عن طاعة اللَّه تعالى وكفروا به. وفيه آية رسالته؛ لأنه قال هذا في وقت ضعفه، وقلة أنصاره، وكان الأمر كما قال؛ إذ نصره اللَّه - تعالى - بالرعب مسيرة شهرين، وفتحت له الفتوح؛ ليعلم أنه باللَّه - تعالى - علم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) أي: مرجعهم. وقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) أي: من الحكمة أن نحاسبهم، وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم لما في تركه ترك الحكمة، وفي تركها سفه، تعالى اللَّه عن ذلك، وباللَّه النجاة، ومنه التوفيق. * * *

الغاشية 88:23

الآيتان ٢٣ و٢٤ :[ وقوله تعالى :﴿إلا من تولى وكفر﴾ ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ ](١) على التأويل الذي قيل : المسيطر، هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم يكون قوله :﴿إلا من تولى وكفر﴾ على الاستثناء، أي من أعرض عن طاعة الله، فسيسلط عليهم بالسيف والأسر وأخذ الجزية. [ وعلى ما ](٢) قيل :﴿إلا من تولى وكفر﴾ أي أعرض، ولزم الإعراض، فيكون مسيطرا عليهم، أو تولى وقت التذكير، فسيسيطر عليهم، وبالله النجاة. وفي هذه الآيات(٣) بشارة لرسول الله ﷺ بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله تعالى، وكفروا به. وفيها(٤) آية رسالته لأنه قال هذا في وقت ضعفه وقلة أنصاره. وكان الأمر كما قال [ عليه السلام :( ( نصرت )(٥) بالرعب مسيرة شهرين ) ] [ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ] وفتحت له الفتوح ليعلم أنه بالله تعالى علم. ١ في الأصل وم: و.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ في الأصل وم: الآية.. ٤ في الأصل وم: وفيه.. ٥ في الأصل وم: أن نصره الله تعالى..

الغاشية 88:24

الآيتان ٢٣ و٢٤ :[ وقوله تعالى :﴿إلا من تولى وكفر﴾ ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ ](١) على التأويل الذي قيل : المسيطر، هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم يكون قوله :﴿إلا من تولى وكفر﴾ على الاستثناء، أي من أعرض عن طاعة الله، فسيسلط عليهم بالسيف والأسر وأخذ الجزية. [ وعلى ما ](٢) قيل :﴿إلا من تولى وكفر﴾ أي أعرض، ولزم الإعراض، فيكون مسيطرا عليهم، أو تولى وقت التذكير، فسيسيطر عليهم، وبالله النجاة. وفي هذه الآيات(٣) بشارة لرسول الله ﷺ بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله تعالى، وكفروا به. وفيها(٤) آية رسالته لأنه قال هذا في وقت ضعفه وقلة أنصاره. وكان الأمر كما قال [ عليه السلام :( ( نصرت )(٥) بالرعب مسيرة شهرين ) ] [ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ] وفتحت له الفتوح ليعلم أنه بالله تعالى علم. ١ في الأصل وم: و.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ في الأصل وم: الآية.. ٤ في الأصل وم: وفيه.. ٥ في الأصل وم: أن نصره الله تعالى..

الغاشية 88:25

الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿إن إلينا إيابهم﴾ أي مرجعهم.

الغاشية 88:26

الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿ثم إن علينا حسابهم﴾ أي من الحكمة أن نحاسبهم. وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم [ وفي ما تركه ](١) ترك الحكمة، وفي تركه سفه، تعالى الله عن ذلك، وبالله النجاة، ومنه التوفيق [ والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين ](٢). ١ الواو ساقطة من الأصل، في م: في تركه لما في تركه.. ٢ ساقطة من م..

الفجر 89:1

سُورَةُ الْفَجْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ) كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به. ثم إن اللَّه - تعالى - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عَزَّ وَجَلَّ - لنبيه - عليه السلام -: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) وسخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإتيان إلى مكة للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، وعادة أن عرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامهم؛ لما هي معظمة عندهم، وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجرى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع. وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر.

الفجر 89:4

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) أي: يُسرى بها، وفي ذلك كناية عن الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا. فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا)؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات. ووجه القسم بالعبادات: أن اللَّه - تعالى - عظم أمر العبادات في قلوب الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنَّمَا يقع الاختلاف بينهم في ماهيتها -إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها- فأقسم بها. وجائِز أن يكون أريد بالوتر هو اللَّه تعالى، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ خلقهم أزواجا، واللَّه تعالى هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع الخلق. ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) يحتمل أن يكون تأويله: أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة. قالوا: وموضع القسم على قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). وجائِز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ)، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث. وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما فيها من صلاح معايشهم، ويكون لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم اللَّه - تعالى - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم. وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) في ذكر نبأ عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - عليه السلام - وهو أن أُولَئِكَ القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر في القوة من هَؤُلَاءِ الذين كذبوا محمدا عليه أفضل الصلوات، فلم يغنهم ذلك كله من اللَّه تعالى شيئا؛ بل اللَّه تعالى انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، فما بال هَؤُلَاءِ الذين كذبوا محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أُولَئِكَ في العدد والمال والقوة؟! وفائدة أخرى: أن أُولَئِكَ كانوا يزعمون أنهم باللَّه - تعالى - أولى من مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى باللَّه تعالى من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم هذا ليعلموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا. والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان باللَّه تعالى وبرسوله، وكانوا يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)؛ فيكون في ذكر هذا نفي التقليد لأُولَئِكَ؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بأنهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!. ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفه، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف. وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) فقوله: (أَلَمْ تَرَ) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل

الفجر 89:5

الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ يحتمل أن يكون تأويله أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة. قالوا : وموضع القسم على قوله :﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ [ الآية : ١٤ ]. وجائز أن يكون وقع التنازع في ما بينهم ؛ وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، هي الليالي العشر، والشفع والوتر ليس بقسم بها. وقيل(١) :﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ أي للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذا الأوقات [ التي يحتمل أن يقسم بها ](٢) وهذه الأوقات تدلهم على القول بالبعث. وقيل :(٣) إنما أقسم بهذه الأيام وخطرها عندهم لما فيها من صلاح معايشهم، ويكون لهم فيها سعة العيش : أما الفقراء فبالهدايا(٤) والبدن، وأما غيرهم فبأنواع(٥) المكاسب والتجارات ؛ فإنهم كانوا يعدون(٦) الأشياء، ويهيؤونها(٧) من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام [ فأقسم الله تعالى بها ](٨) لكونها معظمة عندهم. وقيل : إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة لأنه كان على إثر حادثة عندهم معروفة، استغنى. عن ذكرها لشهرتها عندهم، فأقسم إنها لحق، والله أعلم. ١ في الأصل وم: فقال.. ٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٣ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٤ الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٥ الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٦ في الأصل وم: يستعدون.. ٧ في الأصل وم: ويهيؤون.. ٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

الفجر 89:6

الآيات ٦ – ١٠ : وقوله تعالى :﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ ﴿إرم ذات العماد﴾ ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ ﴿وفرعون ذي الأوتاد﴾ ؟ في ذكر نبإ عاد وثمود فوائد ثلاث : أحدها : في موضع التخويف لأهل الذين كذبوا رسوله ﷺ وهو أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا وأكثر في القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمدا، عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يغنهم ذلك كله من الله تعالى [ شيئا، بل الله تعالى ](١) انتقم منهم لرسله عليهم السلام بما كذبوهم. فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا ﷺ لا يخافون مقته وحلول النقمة بتكذيبهم رسوله ؟ وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة. [ الثانية :](٢) أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله تعالى أولى من أمة محمد عليه السلام وأتباعه لما بسط لهم من النعيم، وضيق على رسول وأتباعه، فتبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله تعالى من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى، فبين لهم هذا ليعلموا أن ليس الأمر على ما ظنوا، وحسبوا. والثالثة(٣) : أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله تعالى وبرسله، وكانوا يقولون :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: ٢٣] فيكون في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا ؟ ثم الآية لم تسق ليعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى يشتغل بتعرفه، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا ؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف. وقوله تعالى :﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ فقوله :﴿ألم تر﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أي قد رأيت كما يقال في الشاهد : ألم تر إلى ما فعل فلان، أي قد رأيت، وعلمت، فيخبره بصنيعه على جهة التشكي منه. [ الثاني ](٤) : أنه يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له : اعلم أن ربك فعل بعاد كذا. واختلفوا في قوله تعالى :﴿إرم﴾ فقال بعضهم : هو أبو عاد، وقال بعضهم : أبو القبيلة، فنسب إليه عاد كما يقال : هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه. وقال بعضهم :﴿إرم﴾ مساكن عاد، وقيل : هو اسم الذي بنى تلك الأماكن. وقوله :﴿ذات العماد﴾ قال بعضهم : ذات الأجسام الطوال كما ذكر في القصة، وقال بعضهم : ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال، فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن، وقال بعضهم ﴿ذات العماد﴾ هي الخيام، لها أطناب وعمد ؛ كانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد. وقوله تعالى :﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ قال بعضهم : هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم القوة والخلقة وفضل البصر في الأمور كقوله تعالى :﴿وزادكم في الخلق بصطة﴾ [الأعراف: ٦٩] وقوله(٥) حكاية عنهم :﴿وقالوا من أشد منا قوة﴾ [فصلت: ١٥] وقوله تعالى :﴿وكانوا مستبصرين﴾ [العنكبوت: ٣٨] فوصفهم بفضل البصر. وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي(٦) بنوها أن ليس مثلها في البلاد. وقوله تعالى :﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ قال بعضهم : اتخذوا من الصخور جوابي أي قصاعا كما قال تعالى :﴿وجفان كالجواب﴾ [سبإ: ١٣] وقال بعضهم :[ نحتوا ](٧) في الصخور بيوتا كقوله تعالى :﴿ينحتون من الجبال بيوتا آمنين﴾ [الحجر: ٨٢] فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم. وقوله تعالى :﴿وفرعون ذي الأوتاد﴾ قال بعضهم : سماه ذا الأوتاد، والوتد الجبل، وقال بعضهم : سمي ذا الأوتاد لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه، وقال بعضهم : إنه كان نصّب على الطريق أناسا : على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا. وقيل : أي ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال ؛ إذ هي أوتاد الأرض. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: وفائدة أخرى.. ٣ في الأصل وم: والثالث.. ٤ في الأصل وم: ويحتمل.. ٥ في الأصل وم: وقال.. ٦ في الأصل وم: الذين.. ٧ ساقطة من الأصل وم..

الفجر 89:7

فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه. ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد كذا. واختلفوا في قوله: (إِرَمَ... (٧): فقَالَ بَعْضُهُمْ: هو أبو عاد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإرم مساكن عاد. وقيل: هو اسم الذي بني تلك الأماكن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَاتِ الْعِمَادِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨): قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في الأمور؛ كقوله - تعالى -: (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)، وقال حكاية عنهم: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وقال - تعالى -: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)، فوصفهم بفضل البصر. وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩): قَالَ بَعْضُهُمْ: اتخذوا من الصخور جوابي -أي: قصاعا- كما قال تعالى: (وَجِفَانٍ

الفجر 89:10

كَالْجَوَابِ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: (يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ)؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠): قَالَ بَعْضُهُمْ: سماه: ذا الأوتاد، والوتَد: الحبل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سمي: ذا الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا. وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها. وقوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣): قَالَ بَعْضُهُمْ: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم. وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عادًا بلون منه، وعذب ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤): قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل. وعندنا: أنه يرصد عليهم ما عملوا، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر. وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب. ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - تعالى -: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)،

الفجر 89:11

الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿الذين طغوا في البلاد﴾ ﴿فأكثروا فيها الفساد﴾ وطغيانهم في البلاد، وتمردهم وعتوهم فيها.

الفجر 89:12

الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿الذين طغوا في البلاد﴾ ﴿فأكثروا فيها الفساد﴾ وطغيانهم في البلاد، وتمردهم وعتوهم فيها.

الفجر 89:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾ قال بعضهم : عذبهم بسوطهم الذي كانوا يعذبون الخلق/٦٤٠ – أ/ ويضربونهم [ به ](١). وقال أبو بكر الأصم : إن السّوط لون من العذاب، فعذب عادا بلون منه، وعذب ثمود بلون منه. ١ ساقطة من الأصل وم..

الفجر 89:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ قال أبو بكر الأصم : يرصد عذابه بأعدائه، ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل. وعندنا أنه يرصد عليهم ما عملوا، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من عملهم، بل يحفظ عليهم ما استتر منها وما ظهر. وقيل : أي لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب. فلا(١) ينصرف وهم أحد في قوله تعالى :﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ إلى إيثار مكان. فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله تعالى :﴿الرحمان على العرش استوى﴾ [طه: ٥] إلى جعل العرش مكانا له ؟ ١ في الأصل وم: ثم لم..

الفجر 89:15

على: جعل العرش مكانا له. * * * قوله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا) الإشكال أن يقول قائل: قول ذلك الإنسان: (رَبِّي أَكْرَمَنِ)، و (رَبِّي أَهَانَنِ) خرج موافقا لما قاله الرب تعالى؛ لأنه قال: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ)؛ فخرج قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) على الموافقة لما قال، وكذا قول هذا الإنسان حيث ابتلي بنقيضه: (رَبِّي أَهَانَنِ)، خرج موافقا لما قال: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ)، فإذا كان الأول إكراما كان الذي يضاده إهانة؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - سمى المال: خيرا، والفقر: شرا، وسمى المطيع: محسنا، والعاصي: مسيئا، فكذا إذا استقام القول بالإكرام عندما ينعم عليه ويكرم، استقام القول بالإهانة إذا ضيق عليه الرزق ولم يكرم، وإذا كان هكذا فكيف رد عليه مقالته بقوله: (كَلَّا)، وهو في ذلك صادق. ولكن نحن نقول: إن الرد بقوله: (كَلَّا) لم يقع على نفس القول، ولا انصرف إليه، وإنما انصرف إلى ما أراده بقوله؛ لأن القائل بهذا كافر باللَّه تعالى وباليوم الآخر، وكان يقول: لا بعث ولا جزاء، وإنَّمَا يجازون بأعمالهم في هذه الدنيا، فمن أحسن أحسن له، ومن أساء أهين؛ فيكون قوله: (كَلَّا)، أي: ليس الأمر كما صوره في

الفجر 89:16

الآيات ١٥ و١٦ و١٧ : وقوله تعالى :﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن﴾ ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن﴾ ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم﴾ والإشكال أن يقول قائل : قول ذلك الإنسان :﴿ربي أكرمن﴾ و ﴿ربي أهانني﴾ خرج موافقا لما قاله الرب تعالى لأنه قال :﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه﴾ فخرج قوله :﴿ربي أكرمن﴾ على الموافقة لما قال، وكذا قول هذا الإنسان حين(١) ابتلي بنقيضه ﴿ربي أهانن﴾ خرج موافقا لما قال :﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه﴾. فإذا كان الأول إكراما كان الثاني(٢) يضاده إهانة. ألا ترى أن الله تعالى سمى المال خيرا والفقر شرا، وسمى المطيع محسنا والعاصي مسيئا، فكذا إذا استقام القول(٣) بالإكرام عندما ينعم عليه، ويكرمه(٤)، استقام القول(٥) بالإهانة إذا ضيق عليه الرزق، ولم يكرمه(٦) ؟. فإذا كان هكذا فكيف رد عليه مقالته بقوله :﴿كلا﴾ وهو في ذلك صادق. ولكن نحن نقول : إن الرد بقوله :﴿كلا﴾ لم يقع على نفس القول، ولا انصرف إليه، وإنما انصرف إلى ما أراده بقوله ؛ لأن القائل بهذا كافر بالله تعالى وباليوم الآخر، فكأنه(٧) يقول : لا بعث، ولا جزاء. وإنما يجازون بأعمالهم في هذه الدنيا. فمن أحسن أحسن إليه به، ومن أساء أهين به، فيكون قوله :﴿كلا﴾ أي ليس الأمر كما صوره في نفسه، بل الدنيا دار عمل، وللجزاء بالكفر والإيمان دار الآخرة. وهذا كقوله :﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ومقالتهم، بل كانوا صادقين أنه رسول الله وأن الله تعالى يعلم أنه رسوله، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم، فكانوا يظهرون خلاف ما أضمروا في أنفسهم. [ وإلى ](٨) ما أضمروا انصرف التكذيب لا إلى نفس القول ؛ كذا هذا. ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا ؛ فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه النعيم في الدنيا، وأكرم، فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله، وإذا ضيق عليه، وابتلي بالشدة، فإنما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه، ومنهم من كان يظن أنه من الله بمنزلة، وأنه استوجب الإنعام، وأنه إذا ابتلي بضيق العيش، وأضاقته شدة [ فإنما ](٩) أصابه ذلك من عند محمد عليه السلام فيتشاءم به. ألا يرى إلى قوله :﴿وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾ ؟ [النساء: ٧٨]. وعلى هذا كان ظن فرعون ؛ قال الله تعالى :﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه﴾ [الأعراف: ١٣١]. فقوله تعالى :﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه﴾ أي أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه، أو جعله رئيس قومه ﴿ونعمه﴾ أي بسط الدنيا عليه ﴿فيقول ربي أكرمن﴾ فكان يبطر بذلك. وقوله تعالى :﴿وأما إذا ما ابتلاه﴾ أي إذا اختبره، فضيق ﴿عليه رزقه فيقول ربي أهانن﴾ فكان يظهر بذلك الجزع. والله تعالى اختبره بالنعم ليستأدي بما أنعم [ شكره ](١٠) وابتلاه بضيق العيش ليصبر، لا ليجزع ؛ فلا شكر هذا النعم، بل بطر، ولا صبر هذا على الشدائد، بل جزع. فجائز أن يكون قوله :﴿كلا﴾ منصرفا إلى هذا ردا لاعتقادهم وصنيعهم، وهو أنه يكرم، ولم ينعم ليبطر به، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع، بل إنما أنعم ليشكر، وقدر عليه رزقه ليصبر، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿بل تكرمون اليتيم﴾ فجائز أنهم كانوا لا يكرمونه(١١)، ويهينونه مع ذلك، لأن إكرام اليتيم ليس بواجب، أما أهانته فحرام(١٢). وجائز ألا تثبت الإهانة فيهم مع نفي الإكرام، لأن الإيجاب إذا ذكر في مضادة الإيجاب اقتضى ذلك إثبات المقابلة، وإذا ذكر الإيجاب في مضادة النفي أمكن أن تثبت فيه المقابلة، وأمكن ألا تثبت. ألا ترى إذا قيل : فلان جائز كان إثبات المقابلة، هو نفي العدل، لأن قوله : جائر إثبات الجور، فكان في ذكره نفي العدالة، وفيه إثبات المقابلة، وإذا قلت : ليس بعدل لم يكن فيه تحقيق لإثبات المقابلة أيضا ؟ قال الله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦] فكان في نفي الربح إثبات المقابلة في أنها خسرت. ثم إكرام اليتيم ههنا يحتمل أوجها ثلاثة : أحدها : أن يكرمه في أن يحفظ عليه ماله حتى لا يضيعه، ويكرمه في نفسه، وهو أن يتعاهد أحواله عن أن يدخل فيها خلل. والوجه الثاني : أن يكرمه، فيعلّمه آداب الشريعة، ويرشده إليها. والوجه الثالث : أن يكرمه، فيبذل له من ماله قدر حاجته إليه، ويصطنع إليه المعروف، فيكون التعبير ههنا في إعالة اليتيم أن يترك الإكرام الذي هو من باب حفظ ماله، فيكون تضييعا، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ في الأصل وم: الله.. ٣ في الأصل وم: القوم.. ٤ في الأصل وم: ويكرم.. ٥ في الأصل وم: القول.. ٦ في الأصل وم: يكرم.. ٧ الهاء ساقطة من الأصل وم.. ٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ في الأصل وم: يكرمون.. ١٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..

الفجر 89:17

نفسه؛ بل الدنيا دار عمل، وللجزاء بالكفر والإيمان دار أخرى، وهذا كقوله: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ومقالتهم، بل كانوا صادقين أنه رسول اللَّه، وإن اللَّه - تعالى - يعلم أنه رسوله، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم؛ فكانوا يظهرون خلاف ما أضمروا في أنفسهم؛ فإلى ما أضمروا انصرف التكذيب، لا إلى نفس القول؛ كذا هذا. ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا: فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه النعيم في الدنيا وأكرم فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله، وإذا ضيق عليه وابتلي بالشدة فإنما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه. ومنهم من كان يظن أنه من اللَّه - تعالى - بمنزلة، وأنه مستوجب للإنعام، وأنه إذا بلي بضيق العيش وأصابته شدة، أصابه ذلك من عند مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام؛ فيتشاءمون به؛ ألا ترى إلى قوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ)؛ وعلى هذا كان ظن فرعون وقومه؛ قال اللَّه - تعالى -: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ). فقوله: [(فَأَكْرَمَهُ)]، أي: أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه، أو جعله رئيس قومه، (وَنَعَّمَهُ)، أي: بسط الدنيا عليه: (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)؛ فكان ينظر بذلك. وقوله: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ) أي: إذا اختبره؛ نضيق عليه رزقه، فيقول: (رَبِّي أَهَانَنِ)؛ فكان يظهر بذلك الجزع واللَّه - تعالى - اختبره بالنعم؛ ليستأدي منه الشكر بما أنعم، وابتلاه بضيق العيش؛ ليصبر، لا ليجزع؛ فلا شكر هذه النعم بل بطر، ولا صبر على الشدائد؛ بل جزع؛ فجائز أن يكون المراد بقوله: (كَلَّا)، منصرفا إلى هذا ردا لاعتقادهم وصنيعهم، وهو أنه لم يكرم ولم ينعم ليبطر به، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع، بل إنما أنعم ليشكر، وقدر عليه رزقه ليصبر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) جائز أنهم كانوا لا يكرمونه ويهينونه مع ذلك؛ لأن إكرام اليتيم ليس بواجب، أما إهانته فحرام.

الفجر 89:18

وجائز ألا يثبت الإهانة منهم مع نفي الإكرام؛ لأن الإيجاب إذا ذكر في مضادة الإيجاب اقتضى ذلك إثبات المقابلة وإذا ذكر الإيجاب في مضادة النفي، أمكن أن تثبت فيه المقابلة، وأمكن ألا تثبت؛ ألا ترى: أنه إذا قيل: فلان جائر، كان فيه إثبات المقابلة وهي نفي العدل؛ لأن في قوله: " جائر " إثبات الجور؛ فكان في ذكره نفي العدالة، وفيه إثبات المقابلة، وإذا قلت: ليس بعدل، لم يكن فيه تحقيق لإثبات المقابلة وهو الجور، بل يجوز أن يكون جائرًا، ويجوز ألا يكون، وقد يراد بالنفي إثبات المقابلة أيضا؛ قال اللَّه تعالى: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)؛ فكان في نفى الربح إثبات المقابلة في أنها خسرت. ثم إكرام اليتيم هاهنا يحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: أن يكرمه في أن يحفظ عليه ماله حتى لا يضيعه، ويكرمه في نفسه، وهو أن يتعاهد أحواله عن أن يدخل فيها خلل. والوجه الثاني: أن يكرمه؛ فيعلمه آداب الشريعة، ويرشده إليها. والوجه الثالث: أن يكرمه؛ فيبذل له من ماله قدر حاجته إليه، ويصطنع إليه المعروف؛ فيكون التعيير هاهنا في إهانة اليتيم أن يترك الإكرام الذي هو من باب حفظ ماله؛ فيكون تضييعا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) أي: لا يحثون غيرهم على إطعام المساكين. وجائز أن يحضوا ولا يتولوا بأنفسهم الإطعام. ويحتمل ألا يتولوا ذلك بأنفسهم، ويحضوا غيرهم. ففي هذه الآية ترغيب للمسلمين بإكرام اليتيم وتعاهد ماله، وتبيين أن عليهم أن يطعموا بأنفسهم، وأن يحثوا الأغنياء بإطعام المساكين، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) فاللم: الجمع؛ يقال: لم المال؛ إذا جمع؛ فكأنه يقول: يجمعون ما لم يرثوه بأنفسهم -وذلك نصيب الأيتام- إلى

الفجر 89:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿وتأكلون التراث أكلا لما﴾ فاللم الجمع ؛ يقال : لمّ المال أن جمع، فكأنه يقول : يجمعون ما لم يرثوه بأنفسهم، وذلك نصيب الأيتام إلى ما يرثوا من أنصبائهم، فيأكلونه(١) جميعا وقال بعضهم :﴿وتأكلون التراث أكلا لما﴾ أي شديدا. ١ في الأصل وم: فيأكلون..

الفجر 89:20

ما يرثون من أنصبائهم، فيأكلونه جميعا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا)؛ أي: شديدا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) قال أبو بكر: أي: تحبوته حبا وفيا وافرًا ليس فيه قصور؛ فيكون فيه إخبار عن غاية حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها. وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، وهو أنهم يحبون المال الجم حبا؛ أي: المال الكثير. وقوله: (كَلَّا... (٢١)؛ ردع وتنبيه: فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ)، و (رَبِّي أَهَانَنِ)، فكأنه يقول: كلا ليست هذه الدار دار جزاء؛ فيكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء، وإنما هي دار محنة وابتلاء. ومنهم من حمله على الابتداء، فقال: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) بمعنى حقا، يخبر عن ندمه في تركه الإكرام لليتيم، وترك إطعام المسكين والحض عليه: (إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ) أي: دقت وكسرت، وذلك يوم الحساب والبعث. وقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) يحتمل أوجها: أحدها: أن يكون معناه: وجاء ربك بالملك؛ إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان الباء؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ)، ومعناه: بربك، وإذا حمل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر؛ لأنه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، لكان لا ينصرف وهم أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان، وقال - تعالى -: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)، ومعناه - واللَّه أعلم -: بظلل من الغمام؛ لأنه قال في موضع آخر: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ)؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال. ومنهم من ذكر أن معنى قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، وقوله: (إِلَّا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ)، أي: أمر اللَّه؛ دليله ما ذكر في سورة النحل قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)، فذكر مكان قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ): (أَمْرُ رَبِّكَ). ويحتمل أن يكون قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، أي: جاء وعده ووعيده، فنسب المجيء إلى اللَّه تعالى، وإن لم يكن ذلك وصفا له؛ لأنه يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى اللَّه - تعالى - نسبة حقيقة الفعل وإن لم يوصف به، كما قال اللَّه - تعالى -: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)، فأضيف النفخ إليه وإن لم يوصف بأنه نافخ، وقال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، فأضيفت الكتابة إليه وإن لم يوصف بأنه كاتب؛ لما أن ما ظهر من آثار فعله، ويقال: المطر رحمة اللَّه؛ أي: من آثار رحمته، لا أن يكون المطر صفة له، ويقال. الصلاة أمر اللَّه، والزكاة أمر اللَّه، أي: بأمر اللَّه نصلي، وبأمره نزكي، لا أن يكونا وصفين له. ووجه آخر: أن يكون معنى قوله - تعالى -: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، أي: جاء الوقت الذي به صار إنشاء هذا العالم حكمة؛ إذ لولا البعث للجزاء، لكان إنشاء هذا العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث؛ لما وصفناه من قبل؛ لقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)؛ فثبت أن خلقه إنما صار حكمة بالبعث، وقال اللَّه تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، وقد كان الملك له قبل ذلك اليوم، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت، وقال: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقد كان كل شيء له بارزًا، ولكن معناه: أنه أتى الوقت الذي له برز الخلائق. ثم الأصل في كل ما أضيف إلى اللَّه - تعالى - أن ينظر إلى ما يليق أن يوصل بالمضاف إليه، فتصله به وتجعله مضمرا فيه، قال اللَّه - تعالى -: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)، ولم يفهم إثبات الحضور، وكان معناه: أن علمه محيط بهم، وهو مطلع عليهم. وقال: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)، ولم يفهم به الانتقال؛ بل كان معناه: أنه جاءهم بأسه، وجاء لأوليائه نصره. وقال: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)، ولم يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي يضاف إلى الخلق. وقال اللَّه، تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، وكان معناه: إن تنصروا دين اللَّه؛ لا أن اللَّه - تعالى - يلحقه ضعف يحتاج إلى من يقويه. وقال اللَّه، تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)، وكان معناه: أنه يحذركم عذابه؛ لا أن أريد به تحقيق النفس. ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يحصى؛ فثبت أن محل الإضافات ما ذكرنا؛ فلذلك حمل على الوعد والوعيد، أو على الوقت الذي به صار خلق العالم حكمة، أو على ما صلح فيه من الإضمار. ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء معنى واحد، بل يقتضي معاني: أن المجيء إذا أضيف إلى الأعراض، فُهِم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام؛ فإنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور؛ قال اللَّه تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ)، ومعناه: إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم، فهم منه الانتقال من موضع إلى موضع. وقال اللَّه تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)، ومعناه: ظهر الحق، واضمحل الباطل، لا أن يكون الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره؛ فثبت أن المجيء إذا أضيف إلى شيء وجب أن يوصل به ما يليق به؛ لا أن يفهم به كله معنى واحد. وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال - حكاية عن اللَّه تعالى -: " من تقرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إليَّ ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة " ولم يفهم من هذا التقرب ما يفهم منه إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه: من تقرب إليَّ بالطاعة والعبادة تقربت إليه بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام. وقال موسى - عليه أن سلام -: " يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك؟! "، ولم يرد به المكان؛ وإنما أراد بقوله: أراضٍ أنت عني فأناجيك، أو ساخط عليَّ فأناديك في أن أعلن بالبكاء والتضرع؟! ثم الأصل في المجيء المضاف إلى اللَّه - تعالى - أن يتوقف فيه، ولا يقطع الحكم على شيء؛ لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به وجه واحد؛ لأنه إذا أضيف إلى الأعراض

الفجر 89:21

الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿كلا﴾ [ حرف ](١) ردع وتنبيه ؛ فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله تعالى :﴿ربي أكرمن﴾ و ﴿ربي أهانن﴾ /٦٤٠ – ب/ فكأنه يقول : كلا، ليست هذه الدار دار جزاء، فتكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء، وإنما هي دار محنة وابتلاء. ومنهم من حمله على الابتداء، فقال :﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ دكا بمعنى حقا، يخبر عن مذمة من ترك الإكرام لليتيم، وترك إطعام المسكين والحض عليه، إذا دكت الأرض، أي دقت، وكسرت، وذلك يوم الحساب والبعث. ١ ساقطة من الأصل وم..

الفجر 89:22

الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ يحتمل أوجها : أحدها : أن يكون معناه : وجاء ربك بالملك، إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان الباء ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ ؟ [المائدة: ٢٤] ومعناه : بربك. وإذا حمل على هذا ارتفعت الشبهة، واتضح الأمر، لأنه لو كان قال : وجاء ربك بالملك لكان لا ينصرف وهم أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان، وقال تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] ومعناه، والله أعلم، بظلل من الغمام لأنه قال في موضع آخر :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] فثبت أن معناه ما ذكرنا. وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال. [ والثاني ](١) : أم معنى قوله :﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي أمر الله، دليله ما ذكر في سورة النحل :﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك﴾ [النحل: ٣٣] فذكر مكان قوله :﴿وجاء ربك﴾ أمر ربك. [ الثالث ](٢) : أن يكون قوله :﴿وجاء ربك﴾ أي جاء وعده ووعيده، فنسب المجيء إلى الله تعالى، وإن لم يكن ذلك وصفا لأنه لا يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى الله تعالى نسبة حقيقة الفعل، وإن لم يوصف به كما قال الله تعالى :﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ [التحريم: ١٢] فأضيف النفخ إليه، وإن لم يوصف بأنه نافخ، وقال :﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] فأضيفت الكتابة إليه، وإن لم يوصف بأنه كاتب لما ظهر من آثار فعله. ويقال : المطر رحمة الله أي آثار رحمته، لا أن تكون المطر صفة له. [ والرابع : ما ](٣) يقال : الصلاة أمر الله والزكاة أمر الله أي بأمر الله يصلى، وبأمره يزكى، لا أن يكونا وصفين، ووجهه أن يكون معنى قوله تعالى :﴿وجاء ربك﴾ أي جاء الوقت الذي به صار إنشاء هذا العالم حكمة ؛ إذ لولا البعث للجزاء لكان إنشاء هذا العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث لما وصفناه من قبل لقوله :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥]. فثبت أن(٤) خلقه إنما صار حكمة بالبعث ؛ قال تعالى :﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] وقد كان الملك له قبل ذلك اليوم، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت، وقال :﴿وبرزوا لله جميعا﴾ [إبراهيم: ٢١] وقد كان كل شيء له بارزا. ولكن معناه أنه أتى الوقت الذي له برز الخلائق. ثم الأصل في كل ما أضيف إلى الله تعالى أن تنظر إلى ما يليق أن يوصل بالمضاف إليه، فتصله به، وتجعله مضمرا فيه. قال الله تعالى :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] لم(٥) يفهم إثبات الحضور، بل(٦) كان معناه أن علمه محيط بهم، وهو مطلع عليهم، وقال :﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ [الحشر: ٢] لم يفهم به الانتقال، بل كان معناه : أنه جاءهم بأسه، وجاء لأوليائه نصره، وقال :﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ [النحل: ٢٦] لم(٧) يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي يضاف إلى الخلق، وقال تعالى :﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] بل(٨) كان معناه : إن تنصروا دين الله، لا أن الله تعالى يلحقه ضعف يحتاج إلى من يقويه، وقال الله تعالى :﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] كان(٩) معناه : أنه يحذركم عذابه لا أن أريد به تحقيق النفس، ومثل هذا القرآن كثير، لا(١٠) يحصى. فثبت أن محل الإضافات ما ذكرنا. فلذلك حمل على الوعد والوعيد أو على الوقت الذي صار خلق العالم حكمة أو على ما صلح فيه من الإضمار. ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء واحد، بل يقتضي أن مجيء إذا أضيف إلى الأعراض فهم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام ؛ فإنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور. قال الله تعالى :﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] ومعناه : إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم فهم منه الانتقال من موضع إلى موضع، وقال الله تعالى :﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل﴾ [الإسراء: ٨١] ومعناه : ظهر الحق، واضمحل الباطل، لا أن كان(١١) الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره. فثبت أن المجيء إذا أضيف إلى شيء، وجب أن يوصل به ما يليق به لا أن يفهم به كله معنى واحد. وروي عن النبي ﷺ أنه قال حكاية عن الله تعالى :( ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة ) ) [ البخاري ٧٤٠٥ ومسلم ٢٦٧٥ ] لم يفهم من هذا التقريب ما يفهم به إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه : من تقرب إلي بالطاعة والعبادة تقربت إليه بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام. وقال موسى، على نبينا عليه السلام :( ( يا رب أقريب فأناجيك أم(١٢) بعيد فأناديك ) ) ؟ ولم يرد به المكان، وإنما أراد بقوله : أراض أنت فأناجيك أم(١٣) ساخط علي فأناديك في أن أعلن بالبكاء والتضرع ؟ ثم الأصل في المجيء المضاف إلى الله تعالى أن يتوقف فيه، ولا يقطع الحكم على شيء لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به [ وجه واحد ](١٤) لأنه إذا أضيف إلى الأعراض أريد به غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، والله تعالى(١٥) لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء الأجسام، ولا يوصف بالعرض ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض ؛ فحقه الوقف في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير نسبة، والله أعلم. ١ في الأصل وم: ومنهم من ذكر.. ٢ في الأصل وم: ويحتمل.. ٣ في الأصل وم: و.. ٤ في الأصل وم: أنه.. ٥ في الأصل وم: ولم.. ٦ في الأصل وم: و.. ٧ ي الأصل وم: ولم.. ٨ في الأصل وم: و.. ٩ ي الأصل وم: وكان.. ١٠ في الأصل وم: من ان.. ١١ في الأصل وم: يكون.. ١٢ في الأصل وم: أو.. ١٣ في الأصل وم: أو.. ١٤ في الأصل وم: وجها واحدا.. ١٥ في الأصل وم: أعلم، في م: أعلم، والله تعالى..

الفجر 89:23

أريد به غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، واللَّه أعلم. واللَّه تعالى لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء الأجسام، ولا يوصف بالعرض؛ ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض؛ فحقه الوقف في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير تشبيه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣). قيل فيه من أوجه: أحدها: أنها أظهرت وبرزت لأهلها، على ما قال في آية أخرى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ)، لا أنها كانت في مكان فنقلت عنه، وقد يراد بالمجيء الظهور، قال اللَّه - تعالى -: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)، ومعناه: ظهو لكم، لا أن كان في مكان آخر فجيء به إليهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: جيء بأهلها إليها -أي: إلى جهنم- فيكون حقيقة المجيء من الأهل، ثم نسب إليها؛ لأنهم إذا أتوها فقد أتتهم هي، وهو كقوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)؛ فنسب الإتيان إلى الذي يأتيه الوعد؛ فيكون الوعد هو الذي يأتي أهله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ)، أي: يجيء زفرتها وشهيقها وتغيظها على أهلها، لا أن تغير عن مكانها. ومنهم من حمله على حقيقة المجيء؛ فذكر أنه يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك، واللَّه أعلم بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ) يحتمل أن يتذكر إشفاق الأنبياء - عليهم السلام - ونصحهم لهم؛ فيعلم أنه كان فيما توهم بهم من الظنون القاسدة مبطلا؛ فيكون تذكره ذلك تصديقا منه للرسل، عليهم السلام. (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، أي: لا ينفعه تصديقه إياهم، إذ لم يصدقهم في الدنيا.

الفجر 89:24

أو يتذكر في أن يتلهف على ما فرط في جنب اللَّه من التقصير في حقوقه، والتضييع الذي سبق منه حيث لم يشكر نعمه، ولم يوجه إليه العبادة؛ فيكون تلهفه ذلك إيمانا، ولكن لا ينفعه تلهفه في ذلك الوقت؛ لأن تلك الدار ليست بدار امتحان، بل هي دار جزاء، والذي يحمله على التصديق مشاهدته الجزاء والحساب، وعند المشاهدة ترتفع المحنة، ويكون إيمانه ذلك ضروريا لا حقيقة؛ فلذلك لا ينفعه، وإنما ينفعه الطاعة وقت ملكه نفسه، فأما إذا خرج ملك نفسه من يده، لم يقع له بالإيمان جدوى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ)، أي: يتعظ، (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، أي: أنى له الانتفاع بالموعظة. ثم في هذا التذكير بيان لطف من اللَّه تعالى بعظته حتى يتذكر، وإلا فالإنسان يذهب عليه ما قد كتبه في وقت إذا أتى عليه حين، حتى لو أراد أن يتذكر وقت كتابته لم يقدر عليه، ثم اللَّه - تعالى - يذكره في الآخرة جميع ما سبق منه في الدنيا فيتذكر ذلك؛ فيقول: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) أي: يا ليتني قدمت لنفسي حياة تسلم لي، أو حياة تبقى لي لذتها، فهذا هو تلهفه وتذكره في ذلك اليوم، يتلهف على ما فاته من الخيرات، ويندم على ارتكابه المعاصي وكفرانه نعم اللَّه تعالى. ومعنى قولنا: حياة تسلم لي؛ فأتلذذ بها: هو أن الكافر، وإن كانت له حياة في الظاهر، فإنما حياته للتعذيب، فتلك له في الحقيقة ليست بحياة، بل هي إهلاك؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أخذ في النزع فهو في ذلك الوقت حي بعد، لكن حياته للإهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها إهلاك فعلى ذلك حياة المخلد في النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦): قرئت هذه الآية على نصب الذال والثاء، وعلى الخفض فيهما: فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن العذاب في الدنيا وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا يبلغ عذاب اللَّه تعالى لأعدائه في الآخرة وإن خف. أو (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ)، أي: لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب اللَّه -

الفجر 89:25

الآيتان ٢٥ و٢٦ : وقوله تعالى :﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد﴾ ﴿ولا يوثق وثاقه أحد﴾ قرئت [ هاتان الآيتان ](١) على نصب الذال والثاء(٢) وعلى خفضهما(٣). فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن العذاب في الدنيا، وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا يبلغ عذاب الله تعالى لأعدائه في الآخرة، وإن خف. [ الثاني ](٤) :﴿لا يعذب عذابه أحد﴾ أي لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب الله تعالى، وهو النار كما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( ( لا تعذبوا أحدا بعذاب الله ) ) ( البخاري ٣٠١٧ ). فإن كان على النصب فهو يحتمل وجهين أيضا : أحدهما : أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذين بلغوا في الكفر أعلى مرتبة، فلا يعذب من دونهم بعذابهم. والثاني : لا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون الوالد مكان الولد، ويعذبون متصلي الذين استوجبوا العذاب. ١ في الأصل وم: هذه الآية.. ٢ انظر معجم القراءات القرآنية: ح٨/١٤٦ و١٤٧.. ٣ في الأصل وم: الخفض منهما.. ٤ في الأصل وم: أو..

الفجر 89:26

الآيتان ٢٥ و٢٦ : وقوله تعالى :﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد﴾ ﴿ولا يوثق وثاقه أحد﴾ قرئت [ هاتان الآيتان ](١) على نصب الذال والثاء(٢) وعلى خفضهما(٣). فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن العذاب في الدنيا، وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا يبلغ عذاب الله تعالى لأعدائه في الآخرة، وإن خف. [ الثاني ](٤) :﴿لا يعذب عذابه أحد﴾ أي لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب الله تعالى، وهو النار كما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( ( لا تعذبوا أحدا بعذاب الله ) ) ( البخاري ٣٠١٧ ). فإن كان على النصب فهو يحتمل وجهين أيضا : أحدهما : أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذين بلغوا في الكفر أعلى مرتبة، فلا يعذب من دونهم بعذابهم. والثاني : لا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون الوالد مكان الولد، ويعذبون متصلي الذين استوجبوا العذاب. ١ في الأصل وم: هذه الآية.. ٢ انظر معجم القراءات القرآنية: ح٨/١٤٦ و١٤٧.. ٣ في الأصل وم: الخفض منهما.. ٤ في الأصل وم: أو..

الفجر 89:27

تعالى - وهو النار، كما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لا يعذب أحد بعذاب اللَّه تعالى " وإن كان على النصب، فهو يحتمل وجهين أيضا: أحدهما: أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذين بلغوا في الكفر أعلى مراتبه؛ فلا يعذب من دونهم بعذابهم. والثاني: ألا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون الوالد مكان الولد، ويعذبون من يتصل بالذين استوجبوا العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧): فالمطمئنة: هي الساكنة التي لا ترتاب، ولا تضطرب؛ فتكون طمأنينتها بوعد الله ووعيده، وأمره ونهيه، وتوحيده. ثم يجوز أن يكون هذا في أمر الدنيا؛ فيكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ... (٢٨)، أي: ارجعي إلى ما أمرك ربك (رَاضِيَةً) بوعد اللَّه ووعيده؛ فتكون راضية بالذي وعد لها في الآخرة جزاء لكدحها وسعيها في الدنيا، (مَرْضِيَّةً) عند اللَّه تعالى. (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) أي: مع عبادي الصالحين. (وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) أي: ادخلي فيما يستوجب به الجنة. وجائز أن يكون هذا في الآخرة، وهو: أن يقال للنفس التي اطمأنت في الدنيا بوعد اللَّه ووعيده، وعملت بطاعته: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي). وقيل: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) بالدنيا (ارْجِعِي) إلى طلب الآخرة، وما أعد اللَّه تعالى لأوليائه فيها. وقيل: (الْمُطْمَئِنَّةُ) على عباده، (ارْجِعِي) إلى طاعة اللَّه تعالى؛ فإنك إذا فعلت ذلك، رضي اللَّه تعالى عنك، ورضيت بعطاء اللَّه تعالى وثوابه إياك في الآخرة، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. * * *

الفجر 89:28

[ ﴿ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ أي ارجعي إلى ما أمرك ربك راضية بوعد الله ووعيده، فتكون راضية بالذي وعدها في الآخرة جزاء لكدحها وسعيها في الدنيا مرضية عند الله تعالى

الفجر 89:29

﴿فادخلي في عبادي﴾ أي عبادي الصالحين

الفجر 89:30

﴿وادخلي جنتي﴾ أي ادخلي في ما تستوجب به الجنة. وجائز أن يكون هذا في الآخرة ؛ وهو [ أن ](١) يقال للنفس التي اطمأنت في الدنيا بوعد الله تعالى ووعيده، وعملت بطاعته :[ ﴿ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ ﴿فادخلي في عبادي﴾ ﴿وادخلي جنتي﴾. وقيل :﴿يا أيها النفس المطمئنة﴾ بالدنيا ارجعي إلى طلب الآخرة وما أعد الله لأوليائه فيها. وقيل :﴿يا أيها النفس المطمئنة﴾ ارجعي إلى طاعة الله، فأنك إذا فعلت ذلك رضي الله عنك، ورضيت بعطاء الله وثوابه إياك في الآخرة، والله أعلم [ بالصواب، وإليه المرجع والمآب ](٢). ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..