تفسير ابن عرفة — الرعد 13:1 – الكهف 18:110
المحتويات
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:14
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:35
- الرعد 13:38
- الرعد 13:40
- الرعد 13:42
- الحجر 15:3
- الحجر 15:15
- الحجر 15:28
- الحجر 15:45
- الحجر 15:87
- النحل 16:1
- النحل 16:9
- النحل 16:12
- النحل 16:14
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:25
- النحل 16:27
- النحل 16:31
- النحل 16:36
- النحل 16:41
- النحل 16:45
- النحل 16:47
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:52
- النحل 16:56
- النحل 16:62
- النحل 16:64
- النحل 16:68
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:79
- النحل 16:82
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:95
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:102
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:108
- النحل 16:113
- النحل 16:120
- النحل 16:126
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:30
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:89
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:99
- الكهف 18:1
- الكهف 18:13
- الكهف 18:17
- الكهف 18:19
- الكهف 18:21
- الكهف 18:23
- الكهف 18:28
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:37
- الكهف 18:43
- الكهف 18:46
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:60
- الكهف 18:63
- الكهف 18:73
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:84
- الكهف 18:89
- الكهف 18:91
- الكهف 18:94
- الكهف 18:97
- الكهف 18:99
- الكهف 18:101
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
الرعد 13:1
سُورَةُ الرَّعْدِ
قوله تعالى: ﴿المر... (١).. نقل الفخر عن ابن عباس: [أَنَا اللَّه أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنَا اللَّه الْمَلِكُ الرَّحْمَنُ*] (١)﴾ يقول ابن عطية: إنها عبارة عن [أنا الله أعلم وأرى*] فالهمزة في (أنا) واللام في (الله) والميم في (أعلم) والراء في (أرى) فعلى هذه (المر) اسم لتلك الجملة والإعراب هنا على قول غيره بكون (المر) مبتدأ وخبره تلك آيات والرابط الإشارة لأن (المر) اسم هذه السورة كلها.
قوله تعالى: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ).
ابن عرفة: إن قلت: إلى لأنها الغاية ومن لابتدائها فالأصل تقديم المجرور بمن لأن الابتداء متقدم على الانتهاء، فأجابه الطلبة: بأن التقديم للاهتمام به وإن النزول إنما هو بسببه ومن أجله وإليه، ورده ابن عرفة: بأن هذا صير هنا لأن البداية باسم الله تعالى أولى وأهم، قال وإنَّمَا الجواب: أن المتقدم على ستة أنواع أحدها للتقدم بالشرف وعندنا قاعدة أخرى وهي أن الوجود أشرف من العدم، ولا شك [أن الشيء المنزل*] هو أبعد الإنزال معدوم من محل [**الابتداء الإنزال وموجوده، وفي عمل انتهائه] فلهذا قدم لأنه أشرف لوجود المنزلة، وقد قال له إن القرآن لم ينزل في اللوح المحفوظ، وأما الكلام القديم [الأزلي*] [فيستحيل*] فيه النزول لأنه ليس بصوت ولا حرف وتلك الأحرف والأصوات المنزلة انعدمت بلا شك من اللوح المحفوظ ووجدت عند النبي ﷺ وإنَّمَا بقي في اللوح المحفوظ الكلام بما [**يلقى] ولو بقيت هي بنفسها لما صدق فيها أنها نزلت، وسئل ابن عرفة: عن جمع الصحابة لآية النور هل كان باجتهاد منهم، فقال: لَا إنما هو توقيف حفظوه من النبي ﷺ اجتمعوا وجمعوه ووضعوا كل آية في محلها كيف سمعوا من رسول الله ﷺ ولولا أنه توقيف لما كان قوله [(الم) آية بغير قوله (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) *] (٢)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) كلها آية.
قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
استدل به ابن عبد السلام على أن السماء بسيطة؛ إذ لو كانت [كورية*] لما [**احتج المد بها]، قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) لأن الكورة مرفوعة بغير عمد إذ يعتمد بعضها على بعض، ابن عرفة: وهذا لَا حجة فيه لأن الثاني: هنا لَا يعرفون ولا يقطعون بكونها [كورية*] أو بسيطة، إنما يصح هذا لو كانوا يقطعون بأحد الأمرين، فيقال لهم: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) ليفهم كمال القدرة، واختلفوا هل للسماء أعمدة أم لَا؟ فقيل: لها وهو جبل قاف وهذا القائل
(١) في الأصل هكذا [أنها عبارة عن أنا الله القوي الرحمن الرحيم أرى] والتصويب من (مفاتيح الغيب. ١٨/ ٥٢٤).
(٢) في الأصل هكذا [مده آيتان أبغير قوله (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)]، وهي عبارة لا معنى لها، ولعل الصواب ما أثبتناه. اهـ (مصحح نسخة الشاملة). يجعل الضمير بها عائد على العمد فيكون المعنى أنها مرفوعة بعمد غير مرئية وهذا لا يصح والصواب مذهب الجمهور الظاهر كقوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) والضمير عائد على السماوات.
قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي).
انظر سورة (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا) أو قال الفخر هنا مجاري القمر ثمانية وعشرون لأنه يقطع الفلك في شهر ومجاري الشمس بمائة وثمانون لأنه يقطع الفلك في سنة. ابن عرفة وجهه أن السنة ثلاثمائة وستون يوما ونصفها مائة وثمانون فهو في نصف السنة سيقطع ستة بروج صاعدا أو طابق يغشى في ظل تلك البروج فما يجاريها في الحقيقة إلا ستة بروج، قلت: وتمشي كل يوم درجا وكذا هو في حجرة [الاستطرلاب*] مطابقة ومقاربة مائة وثمانون درجة، قلت: ومن [**العجل به ذكر العشرون] وغيرهم أن بعض الأقاليم الستة عندهم ستة أشهر منها فضاء خالص، ومنها ستة أشهر ليل خالص وهذا مذكور في علم الهيئة، قال الشيخ عبد الخالق المنجم: وجهه أن الشمس إذا طلعت على أفقهم تدور به أول يوم ثم ترتفع في محل طلوعها درجة وتدور به وفي اليوم الثالث ترتفع درجة أخرى وتدور بهم ولا تزال ترتفع ثلاثة أشهر فإذا انتهت إلى حدها رجعت هابطة كل يوم درجة وتدور بالفلك حتى تنتهي إلى أفقهم عند [انقضاء*] ستة أشهر ثم تحط درجة أخرى عن الفهم فيظهر الظلام ولا تزال تحط حتى ينتهي إلى حدها دون ثلاثة أشهر أخر ثم تأخذ في الصعود حتى تصل إلى أفقهم عند انقضاء ستة أشهر، قال: وهذا في موضع يقال له الجزر الخالدات يكون أشد القطبين إما الشمالي أو الجنوبي على حسب رؤوسهم أعني في وسط السماء عندهم والقطب الآخر وبه الأرض فيكون نهارهم ستة أشهر وليلهم كذلك وثم [... ] والزوال عندهم ذا عقب الآخر وبعد ارتفاع الشمس عن أفقهم درجة واحدة وآخرون رأوا لهم عندها محاذاتها للأفق وذلك بحسب اختلاف [... ] لأنا إذا أخذنا [... ] عرضه ستة وستون درجة وأسقطنا عرضه من ارتفاع وإلى الحمل بقي سبعة أربعة وعشرون وهي مثل الميل سواء فهذا الباب الزوال فيه عند محاذات الشمس الأفق فإن كان عرض البلد خمسة وستون فأسقطه يبقى خمسة وعشرون أسقط منها الميل بقي درج واحد وهو ارتفاع زوال ذلك البلد [... ] الليل عندهم ثلث ساعة، وهذه البلاد كلها قرية من [... ] الظلمات في الجنوب شديدة البرد جدا أو لَا يعمرها أحد، قال عبد الخالق: وكنت أسمع من الشيوخ إن في الأرض خمسة أقوال قيل: [كورية*] وقيل: بسيطة وقيل: إنها تشبه مكعب وقيل: منزلة حملة السيف الذي تقلد به وإنها تشبه حلقة محيطة سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيهِ السَّلَامُ -
قال الزمخشري: وهي إحدى وخمسون آية، وقال الغزنوي: هي اثنان وخمسون آية.
قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ... (١).. الإنزال انتقال من فوق إلى أسفل، فإِن راعيت [المبدأ*] عدى بعلى لاقتضائها العلم [**ولذوات منها وعدى على بإلى].
وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ) فقيل لابن عرفة: هذا يدل على أن أفعال الله [... ] عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والجواب: إنه عام مخصوص بهذا الحديث فيتناول من في زمانه ومن بلغ كافرا ممن أتى بعده لو يقال إن النَّاس كلهم كانوا في الظلمات بالفعلِ والكفار كانوا في النور باعتبار القائلين والإمكان ولذلك قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوَّليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) الزمخشري: أي تسهيله، ابن عرفة: هذا على قاعدة لأنه يقول أفعال العباد ليست مقدرة لله تعالى وإنما الله تعالى ييسرها ويسهلها عليه وتفسيرها أن يأمر ملك رجلين متفرقين أن يبلغا كتابين له إلى بلد كذا ويخبر أحدهما بالطريق القريبة ويأذن له في سلوكها ويترك الآخر فإنه سهل الأول الطريق فقط، ولم يمش الرسول فيها إلا بقدرة نفسه وقوته ولا بقدرة الملك فكذلك تقول المعتزلة، وقال ابن عطية قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بعلمه واقتضائه وتوفيقه، قال ابن عرفة: هذه نزعة اعتزالية ولولا قولَه واقتضائه لكان صريحا في مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون إن العبد [يستقل*] بأفعاله ويخلقها، وأن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده، فهذه العبارة إن كان أتبع فيها [... ] فيحمل على أنه أراد بالاقتضاء الإرادة للحسن، لَا مطلق الإرادة، وإن كانت هذه العبارة من عند نفسه، فيحمل على الإطلاق لكن يقال له المواضع التي خالفونا فيها لا ينبغي لك أن تأتي فيها بالمحتملات، فالصواب أن معنى قوله (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بقدرته وخلقه واختراعه وإنه خلق الهداية والضلال، وأراد بها تعالى أن [تكون*] في [**ملكه لَا يرثه].
الرعد 13:2
قوله تعالى: (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
وصف العزة مناسب لإخراج النَّاس من الظلمات إلى النور، والعزيز هو الذي لا يمانع، والحميد هو الذي يحمد على أفعاله ومن جملته بعثه الرسل ففيه دليل على أن بعثه الرسل غير واجبة خلافا للمعتزلة فالآية تدل على أنها محض تفضل من الله لنا فلذلك يحمد.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... (٢)﴾
فقد رد على المعتزلة لأن من [جملة*] ما فيها أفعال العباد واختلفوا هل المعتزلة كفار لأجل مقالتهم لأنهم نفوا الصفات وإنما هم فساق وعصاة، واختار عز الدين في قواعده عدم بكفرهم، قال: لأنهم إنما قصدوا التبرئة وكيف يكفرون بلازم مذهبهم، وهم قد نصوا على نفي ذلك اللازم، وقالوا: لَا نقول له وكذلك اختار عدم تكفيرهم من قال بالجهة والتجسيم ونظيره لو أمر الملك رجلا ونهى آخر فامتثلا، قوله، وقال أحدهما ملكا أزرق العينين، وقال آخر: بل هو أكحل، وما مقصد كل أحد منهما إلا أن يصفه بالوصف الأكمل إلا بلغ لكن أحدهما يعتقد أن الزرقة أحسن وأبلغ والآخر يقول بل الكحولة أبلغ وأحسن فإن كلاهما معا مصيب وكذلك هو لَا يقطع لكفرهم، قال الشيخ عز الدين: وكان بعضهم يورد مثل هذا على أهل السنة فإنهم اختلفوا هل هو باق ببقاء وقديم بقدم أو بغير بقاء ولا عدم في قديم لذاته وباق لذاته قال فيلزم هؤلاء ما ألزموا المعتزلة، وأجاب بعضهم: بأن المعتزلة نفوا مطلق الصفة من أصل وأهل السنة إنما نفوا بعض الصفة وأثبتوا بعضها.
قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ).
الزمخشري الويل [نقيض الوأل*] إلا أنه لَا يشتق منه فعل، إنما يقال ويلا له، ابن عرفة: يعني بقوله لَا يشتق منه أي من الويل وأما الوال فيشتق منه، قال أبو العباس المبرد في الكامل إن [عيَّاشا*] الكندي من كبار الشجعان [بئيسا فأبلى يومئذ ثم مات على فراشه بعد ذلك، فقال المهلب: لا وألت نفسي الجبان بعد عياش*] (١).
قوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ... (٤)﴾
دليل على أن واضع اللغة ليس هو الله تعالى بل العرف حصول العلم عقيب النظر عادي وليس بعقلي إذ لو كان عقل للزم البيان والهداية، قال: ويحتمل أن يقال لَا يلزم ذلك لأن المخاطب قد لَا ينظر النظر الموصل للعلم.
(١) في الأصل المطبوع سقطان واضطراب، والتصويب من (الكامل للمبرد. ٢/ ٢٩٤).
الرعد 13:3
بهذا العالم كإحاطة الجملة من يقلد بالسيف، وقيل: إنها سنة ممكنة ومن أجل ذلك وضعوا الاسطرلاب الحوتي الجنوبي، قال: والصحيح عندهم إنها كورية وإن السماء كورية.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾
أي بسطها، ابن عرفة: استدل بعضهم بهذا على أن الأرض بسيطة ولا دليل له في ذلك لأن إقليدس الهندي قال: إن الكرة الحقيقية لَا يكون إقامة الزوايا والخطوط عليها بوجه ونحن نجد الأرض يقام عليها الخطوط وغير ذلك وتراها مستوية وذلك من أول دليل على إنها وإن كانت كورية فإِنها ليست كالكورية الحقيقية بل أعلاها مستو كبعض الكور التي تكون مسطحها مستويا.
قوله تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ)، (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) قلت لابن عرفة: ما الحكمة في الرواسي مع أن جعل الأرض وحدها من غير رواسي أبلغ في كمال قدرة الله تعالى لأنه ربما يتوهم المتوهم أن ثباتها لأجل الرواسي ولو كانت دونها لمالت بأهلها ولو ثبتت؟ فقال: أو [... ] وهو أن [... ] في غاية الثقل والأرض معها وهما في الفضاء يحملها نور على ظهر حوت تحملها معا أبلغ في كمال القدرة.
قوله تعالى: (وَأَنْهَارًا).
قيل لابن عرفة: لم جمع الأنهار جمع قلة، والرواسي جمع كثرة، مع أن الأنهار فيما نشاهد أكثر من الرواسي؟ فأجيب: إما بأنها لم يسمع فيها إلا جمع القلة وإما إشارة إلى أن أنهار الدنيا على كثرتها بالنسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة تافهة لأنه قادر على خلق أضعاف أضعافها.
قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ).
قيل: إنه معطوف على قوله: (رَوَاسِيَ) فيكون متعلقها يجعل الأول، وقيل: إنه متعلق بجعل الثاني، ورده ابن عرفة: بأن فيه الفصل بين المعطوف وحرف العطف، قال ابن عصفور في شرحه الكبير: ما نصه ولا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف إلا بالقسم أو بالظرفية أو الجار والمجرور بشرط أن يكون حرف العطف على أزيد من حرف واحد، و (جعل) هنا معطوف على (جعل) الأول يفصل بين الواو و [(فيها) *] بالمجرور، قلت لابن عرفة: هذا [جائز أن*] يجاب بأنه من عطف الجمل فيكون تأسيسا.
الرعد 13:5
قوله تعالى: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ).
قيل: ذكر وأنثى، واستبعده ابن عرفة وقال: لَا تجده في الأشجار إلا في النخل والزيتون والتين، وأما العنب وغيره فليس فيه ذكر والصحيح أن المراد بالزوجين نوعين.
قال الزمخشري: كالأبيض والأسود، والحلو والحامض، والصغير والكبير فإنها في أصلها كانت زوجين ثم تفرعت فصارت أزواجا.
قوله تعالى: (يُغشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).
أي يليه مكانه فيصير أسود مظلما كما كان أبيض مشرقا ابن عرفة: والأول فاعل في المعنى وهو على إضمار فعل أي ويغشى النهار الليل، قلت لابن عرفة: ويحتمل أن يراد في الآية الزمان الذي بين الفجر وطلوع الشمس على القول بأنه من النهار، فهو إشارة إلى أن الليل يخالط النهار في ذلك الزمان باعتبار النزع، وفي الآية باعتبار النعمة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾
انظر هل هذا أمر تقديري [أو لا؟ فإن*] (إذا) لَا تدخل إلا على المحقق الوقوع، و (إنْ) تدخل على المشكوك فيه، والتعجب من هؤلاء محقق وقوعه؛ لأنهم أنكروا البعث وخالفوا مع علمهم أن الله خلقهم وأوجدهم، ومن أوجد المخلوقات من عدم فهو قادر على إعادتها، قال: وعادتهم يجيبون بأن التعجب إنما يكون مما خفي سببه كلا فلا يتعجب إلا [(مَن*] خفي عليه السبب، والنبي ﷺ عالم بأن ذلك الواقع منهم إرادة الله وقدرته عليهم، فهو فى خاصيته لَا يعجب منهم، فضلا عن أن يكون تعجبه منهم [محققا*] بدليل قوله تعالى: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، وقوله تعالى: (فَعَجَبٌ) قال أبو حيان: إنه [... ] وخبره كونهم (أَئِذَا) الثاني أن محل الفائدة في (عَجَبٌ) لأنه المجهول و (قَوْلُهُم أَئِذَا كُنَا تُرَابًا) هو المعلوم.
قوله تعالى: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).
يحتمل أن يريد بالجديد ما يلحقه عدم، ويحتمل أن يريد ما لم يسبق بوجود وهذا هو الأظهر لأجل لغتهم فهم يجعلون الإعادة كأنها خلق آخر لم يسبق بوجود السنة فلذلك فهو هنا ومذهب أهل السنة أن الإعادة ممكنة عقلا واقعة سمعا وهلا تعاد الأجسام متحيزا أو قائما بالمتحيز فالأولى إن كانت متحيزة فهي أجسام وإن لم تكن متحيزة فلا تشغل نفسها ولا بد لها من أجسام تحل منها فلا [... ] إعادة الأجسام خلافا [... ] وغيرهم. وقوله: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) قال ابن عطية: (وَزَرْعٌ) معطوفة على أعناب، قال أبو حيان والنخيل (صنوان وغير صنوان) يتبع من عطفه على (أَعْنَابٍ)، قال ابن عرفة: وهذا لَا يصح لأنه لَا يجوز أن يقول مررت بزيد وعمرو والعاقل، قال أبو حيان: وإنما يكون [حملا على الجوار*]، ورده ابن عرفة ثلاثة أوجه الأول: أن التبعية على [الجوار*] إنما وردت في الخفض ولم نره في الرفع إلا قليلا، حكى المبرد منها [... ] في شرحه بها، قال في [**ميت منها] أنه رفع [على الجوار]. الثاني: أن الخفض على [الجوار*] لَا يجوز إلا قليلا وهو مع الواو كل [... ] قلت: [... ] ابن رشد في المقدمات قوله (وَأَرْجُلَكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وقوله: (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) [عطفا على الجوار*].
قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ).
أي كفروا [بالبعث*] الخاصة والعامة، وهذا دليل على أن منكر البعث كافر، ابن عرفة: واشتملت الآية على اللفظ العام والإيهام ثم التفسير لأن قوله: (أُولَئِكَ) لَا يدل في أعناقهم تفسير للعذاب النازل بهم وهذا من باب ذكر السبب عقب سببه لأن الكفر سبب في غل الأعناق فهلا عطف الفاء المقتضية للسبب والتزامه، قال والجواب: أن السبب على ثلاثة أنواع ظاهر وخفي ومتوسط وإنَّمَا يحتاج إلى الفاء في المتوسط والخفي وأما هذا فظاهر كونه سببا فيما بعده فلا يحتاج في عقد إلى ما بين كونه سببا، ابن عرفة: والآية عندي من باب القلب، والأصل فيها أولئك أعناقهم في الأغلال؛ لأن الأغلال محيطة بأعناقهم كإحاطة الظرف بالمظروف، فأعناقهم هي المظروف وقد قالوا إن القلب لا يجوز إلا في العموم، فإِن قيل: في الكلام، قلت له: قد جعلوا منه [مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ*]، قال: وانظر هل هذا إلا على التوزيع أي كل واحد في عنقه أغلال، قلت: إن في سورة الحاقة (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) فدل أنه على التوزيع لكل واحد على آخر فأجابه بأن ذلك في رؤسائهم وقد تقوم مقام سلاسل مقدرة في عنق كل واحد من رؤسائهم حتى لا يظهر منه شيء.
قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
قال ابن مالك: إن الجملتين إن كانتا متقاربتين عطفتا وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لِم يحتج إلى حرف العطف، فقولهم: (هُم فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير لقوله: (أصْحَابُ النَّارِ) وتأكيد هو في موضع الحال، وقال ابن رشد: في المقدمات في قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ... (٥)﴾
ابن عرفة: ذكروا في أن وجهين هل هي ناصبة أم مفسرة، وقال بعض الطلبة أكثر النحويين يمنعون وصل أن بالجملة الغير الخبرية، وذكر ابن العطا في شرح الجزولية: جواز ذلك وأنشد عليه بتاء قال: فالظاهر أنها هنا تفسيرية.
قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ).
ابن عرفة: التذكير بذلك سبب في إخراجهم من الظلمات إلى النور فلم أخره عنه، وأجاب: بأن التذكير هو الموعظة، قال والدعاء على الإسلام متقدم عليها والموعظة إنما تكون بعد ذلك لأنه يريهم المعجزات ابتداءً فإذا آمنوا وعظهم ليدوموا على إيمانهم ابن عرفة: وهنا سؤال وهو هلا قال أخرج قومك من الظلمات إلى النور بإذن الله كما قال أولا (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) وعادتهم يجيبون: بأن الأول خطاب للنبي ﷺ وشريعته من أسهل الشرائع فناسب فيها ذكر الإذن ليفيد معنى السهولة واللين المأذون فيهما وهذه الآية الثانية خطاب لموسى وقد كانت شريعته صعبة ألا ترى إلى قوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) قلت له: أو يجاب بأن اخرج فعل أمر فهو بنفسه دليل على الآن فلم يحتج إلى ذكره معه بخلاف قوله ليخرج النَّاس فإِنه جملة خبرية لَا تدل على الإذن فلذلك قيدت به.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ).
المراد بهما الآيات النافعة بدليل قوله: (لِكُلِّ صَبَّارِ شَكُورٍ) مع أنه آية للصابر الشاكر لكن إنما هو آية نافعة للصبار والشكور لَا لمن اتصف بمطلق صبر ومطلق شكر، ابن عرفة: وليس المراد من جميع الوصفين بل من اتصف بأحدهما وإنما لم يعطفهما بالواو إشارة إلى التهييج والإلهاب على الإنصاف بهما معا.
قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... (٦)﴾
قال: لم أفرد النعمة؟ فأجيب بوجهين: الأول: قلت إما لأنه فسرها بشيء واحد وهو الإنجاء من آل فرعون فهي نعمة واحدة، الثاني قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه إنما أفردا لأن الإنسان لَا يستطيع الشكر على كل النعم بل على البعض فقط فأفردها تحقيقا على المكلف في الشكر على النعم وإن كثرت إذ لَا يقدر على القيام بواجب الشكر على جميعها وإن [أفرغ وسعه*]، قال والعامل في (إذ) (نِعْمَةَ) لأنه [مصدر مجرد بالياء] [ظرف للنعمة بمعنى الإنعام*] (١)
(١) في الأصل المطبوع هكذا [مصدر مجرد بالياء]. والتصويب من الزمخشري. (٢/ ٥٤٠). ولا يصح أن يعمل فيها إذا ذكروا لأنه مستقبل [وإذ*] ظرف زماني لما مضى وقت الذكر ليس هو وقت الإنجاء.
قوله تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ).
ابن عرفة: إن قلت عطف (يُذَبِّحُونَ) على (يَسُومُونَكُمْ) مشكل لأن العطف يقتضي المغايرة فإن كان السوم هو الذبح لزم عطف الشيء على نفسه والعطف يقتضي المغايرة كما سبق وإن كان غيره لزم تفسير [الشيء*] بغيره، والجواب: أنه غيره لكنه أعم منه فالسوم هو أوائل العذاب ومقدماته والذبح أخص منه، فإن قلت: هلا قال (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) كما قال (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) فالجواب: أن البنات في حال صغرهن لَا مؤنة لهن ولا مشقة وإنَّمَا يلحق أباءهن المؤنة والمشقة إذا كبرن وصرن نساء، فإن قلت: لم عطف الفعل هنا ولم يعطفه في البقرة؟ قال عادتهم يجيبون: بأن [النعمة*] في آية البقرة وقعت من الله تعالى لأنه قال (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [فأسند*] الفعل إلى [نفسه*] [ولأن*] كل الأشياء عنده حقيرة؛ فلهذا أتى بالجملة الثانية غير معطوفة لتكون مفسرة للأول [كأنهما] شيء واحد؛ [لأن من يستعظم الأشياء الحقيرة*] لا قدرة له، فالمائة دينار لَا قدر لها عند الغني، وهي عند الفقير مال معتبر، والآية في هذه السورة [والمذكور*] فيها من موسى عليه السلام لأن [أولها*] [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا*] فهذه صدرت من موسى لقومه فناسب فيها المبالغة في العطف بالواو، والتي تقتضي المغايرة والبيان لكثير أسباب المن، وأجاب صاحب درة التنزيل بأن آية إبراهيم وقعت في خبر عطف خبر آخر قبله وهو قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) و (إذ قال موسى) فتضمن الأول إخبار عن إرسال موسى بالآيات، والثاني: تنبيهه لقوله على [نعمة*] الله فتقوى معنى العطف في (يُذَبِّحُونَ) لأنه وما عطف عليه [**وأخلى] جملة معطوفة علي غيرها فالمقام مقام الفضل بخلاف آية البقرة فإنه أخبر بخبر واحد، وهو إخباره عن نفسه بإنجائه بني إسرائيل فلذلك عطف (١)، قلت: يريد والجمل المتقدمة في سورة البقرة إنما هي طلبه وهي قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا) والمشاكلة تقتضي أن الإخبار يجري مجرى واحد في الوصل والعقل بخلاف أخبرو الطلب فإنه لَا يعامل أحدهما معاملة الآخر ألا ترى المشهور عند النحويين أنه لَا يجوز عطف الجملة الخبرية على الطلبية ولا العكس حسبما نبه عليه أبو الربيع في شرح الإيضاح هذا الذي تلخص لي من كلام درة التنزيل على طوله.
قوله تعالى: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ).
الرعد 13:6
فإنما عطفها وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لم يحتج إلى حرف العطف، وقولهم (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) قال ابن مالك: إن الجملتين إن كانت متقاربتين عطفا وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لم يحتج إلى حرف العطف فقوله (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير لقوله (أَصْحَابُ النَّارِ) أو تأكيدا على سبيل التشنيع عليهم وإن هذه المقالة لغرابتها صارت كأنها مقالة أخرى مغايرة لإذايتهم النبي فكذلك عطفه، قيل لابن عرفة: ابن عصفور قال في شرح مقربه من أول باب الفاعل لما ذكر أن قوله (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) قال وقد تعطف الجملة المفسرة نحو قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال قوله (كُنْ) تفسيرها لما قبله.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾
ابن عرفة: انظر هل المراد أنهم طلبوا السيئة فقط، قلت: تقدم السيئة على مثل هذا في قوله تعالى: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُن مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وهي إنك إذا قلت جاء زيد قبل عمرو فإنما دل على تقدم مجيء زيد ويحتمل أن عمرو جاء بعده أو معه ولم يجيء بدليل قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) لأن تمام الكلمات محال، ووقوع السبب بعد الطلاق منفي بالإجماع وكان بعضهم [... ] على البراذعي في قوله في التهذيب ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل فإن أخره بعده بجزاء لأن الأصل في المدونة فإن الغسل قبل وضوئه أجزأه فكان يقول يقتضي لفظ المدونة؛ لأن ذلك الغسل أجزأه، قال ثم يتوضأ لأن الغسل يقوم مقام الوضوء بالإجماع لحديث "وأي وضوء أعم من الغسل" قلت له: الظاهر أنهم طلبوا السيئة فقط لأن الحسنة بعدها ما تأتيهم إلا وقد هلكوا، فقال يحتمل أن يهلكوا من غير استئصال.
قوله تعالى: (خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ).
أي مضت من قبلهم قرون وقع لها من العذاب ما صيرها يضرب بها المثل لغيرها.
قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).
قيل: إن المغفرة تأخير ذلهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ابن عرفة: ويحتمل أن يزاد من علم الله أنه يؤمن بأن يغفر له حالة ظلمه، وقال الغزنوي: إن هذه منسوخ، ورده ابن عرفة: بأنه خبر والأخبار لَا ينسخ، ونقل عن القاضي ابن عبد السلام أنه كان
الرعد 13:7
فلم يقل: بناتكم وهو كان يكون أولا كقوله: (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) ولم يقل: رجالكم قال وعادتهم يجيبون بأن ذلك إشارة إلى الوصف الذي لأجله أحيوا البنات وهو بقاؤهن حتى يكبرن فيحتقروهن ويذلوهن [... ].
قوله تعالى: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ... (٧)﴾
ونظيره [توعد وأوعد*] وتفضل وأفضل. ولابد في تفعَّل*] من زيادة معنى ليس في [أفعل*] كأنه قيل (وإذ آذن ربكم*) إيذانا بليغا [تنتفي عنده*] لشكوك، ابن عرفة: أراد الزمخشري أن تفعل ما يقتضي تكلف الفعل بمشقة، ويصير النظر غير متعد كقولك في أكرم وتكرم [وأوعد وتوعد*]. ابن عطية: إنها مثلها في عدم تكلف الفعل والمشقة. حمله الزمخشري: والله أعلم على أن التضعيف للتأكيد والمبالغة في الإذن. قوله (رَبُّكُمْ) لأي شيء أضاف الرب للمخاطب، والأصل إضافته إلى المتكلم، فيقال: ربنا [فأجاب*] بأنه لما طلب منهم الشكر [**أنابهم فأوجد موجباته وهو اللفظ الدال على التراخي والتخافي] وأضافه إليهم ليكون آكد في الشكر وإمَّا هو فشكره حاصل ومعرفته بذلك مستقرة ثابتة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ... (٩)﴾
ابن عرفة: كيف جزموا أولا بالكفر ثم قالوا: (إِنَّا لَفِي شَكٍّ) أو يجاب: باحتمال أن يريدوا بالأول قسم التوحيد، وبالثاني قسم الشرائع والأحكام أو باحتمال العكس أو يراد إنما كفروا بما أرسلتم به من حيث الجملة وإننا لفي شك من الرسل بدليل قوله [أَفِي اللَّهِ شَكٌّ*] فهم شكوا في الله وكفروا بما جاءت به الرسل من هذه ونقل بعض الطلبة عن الأصبهاني شارح المحصول أنه قال الفرق بين الترديد في الحكم بالترديد وبين الحكم، فقال له ابن عرفة: إنما ذلك في أو فقط، فإن قلت: لم قال في سورة هود: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) وقال هنا (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، قلنا: أما أفراد ضمير تدعونا هناك فلأنه خطاب لصالحٍ وحده وأمَّا جمع ضمير تدعوننا هنا فلأنه خطاب من جماعة من النَّاس بجماعة الرسل وأما حذف الضمير المنصوب بأن هنا وإثباته في هود، فقال صاحب درة التنزِيل: إنما أثبت ضمير النصب في هود لتقدم مثله قبله من النقل مثبتا في قوله (أَتَنْهَانَا أنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وحذفه في إبراهيم وحذفه آخرا فقال: (إِنَّا لَفِي شَكٍّ) لتقدير نظيره قبله معبر لآخر الفعل وهو قوله (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) وقال أبو جعفر: حذف نون الضمير المنصوب من أن في هود لتكرار
الرعد 13:8
يقول إن هذه الآية تدل على ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء لقوله: (ذُو مَغْفِرَةٍ) وهو للتقليل، ابن عرفة: إنما أخذه من كون المغفرة مصدر محذوف [بالتاء الدالة على الوحدة*] والعقاب مصدر منهم يقع على القليل والكثرة، قال وإن ربك لغفار للناس لأفاد المبالغة، قلت: وهو لابن عطية لأنه قال ما نصه: والظاهر [من*] معنى المغفرة هنا إنما ستره [في الدنيا وإمهاله للكفرة*] [ألا ترى التيسير في لفظ مَغْفِرَةٍ*] وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ). قلت وذكر الزمخشري: في سورة [غافر*] في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) إذا قال: (ذُو) أدل على عظم فضله وكثرته، ونحوه لابن الخطيب في سورة الإسراء في قوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) ونحوه للقاضي عياض في الإكمال في قصة سعد بن أبي وقاص في الوصية حيث قال: قد [بَلَغَنِي*] مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، [وَأَنَا ذُو مَالٍ*]، [وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ﴾
انظر هل المراد به الآدميات أو عموم [الإناث*]، فإن قلت: قوله: (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) قرينة في الخصوص، قلنا: قد ذكر الفخر والآمدي أن العام إذا عقب بعضه بصفة من أصنافه فمذهب مالك والشافعي فإن على عموم، وقال الثوري: هو مقصود على ذلك الصنف فقوله: (وَمَا تَغِيضُ) وإن كان لَا يصدق إلا على الأرحام ولا يخصه، وذكر المؤرخون أنه كان في بلد سلا عشرة ملوك ولدوا من بطن واحدة، ابن عطية: وقع لمالك كما يدل على أن [الحامل*] عنده لَا تحيض، ومذهب ابن القاسم أنها تحيض، قيل لابن عرفة: يلزم من قولكم أنها تحيض أن يكون الحيض دليلا على براءة الرحم فكيف جعلتموه علامة على براءة الرحم في العدة والاستبراء، فقال: إنما حكمنا بالمظنة، فقلنا: هو مظنة براءة الرحم فخلفه بعض الأحيان لَا يمدح كما أن ظهور الغم في زمن الشتاء مظنة لنزول المطر وقد يتخلف، فإن قلت: لم قدم النقص على الزيادة؟ قلنا: لأن الأصل عدم الزيادة.
قوله تعالى: (وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ).
ابن عرفة: انظر هل المراد به القدرة وهي الإبراز من العدم إلى الوجود أو الإرادة وهي التخصص أو العلم وهو الكشف وإلا [فالظاهر*] أن المراد به الإرادة وإن (وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) مراد لأنه أتى به عقيب قوله: (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) وما تزداد هم حمل ناقص وحمل زائد وحمل معتدل، فقال: (كُلُّ شَيْءٍ) ذلك مراد له كان
الرعد 13:9
تخصيص الناقص بالنقص والزائد بالزيادة وإنما هو راجع بالإرادة والظاهر أنه من العمومات الغير المخصوصة، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).
قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
إن قلت: لم قال (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) [فأخبر*] بالفعل وقال: (عَالِمُ الْغَيبِ) بخبر الاسم، فالجواب: إن العلم الأول متعلقاته متعددة شيئا بعد شيء بدليل زيادة الحمل ونقصانه فلذلك عبر فيه بالفعل، والعلم الثاني متعلقه الغيب والشهادة وهما لَا يختلفان ولا يتحدان إلا باعتبار متعلقاتهما، ولم يذكر في الآية غير مجرد الغيب والشهادة وهما على الإطلاق ثابتان لَا يجدان فيهما باعتباره ذاتهما، ابن عرفة: هذا عندي مثل: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) لأنه إذا علم الغائب قادرا على الشاهد، والجَواب: كالجواب وهو أنه قصد الإشعار بالتسوية وإن علمه بالغائب كعلمه بالشاهد [ليس بينهما تفاوت*]، ابن عرفة: وقوله الغيب والشهادة ليس هو في موضع نصب لأن ابن عصفور نص في شرح مقربه على اسم الفاعل إنما يعمل إذا دل على الزمان فإن جرد عن الزمان لم يعمل، كقوله: ألقيت كأسهم في قعر مظلمة، و: (عَالِمُ) هنا صفة لله تعالى فيستحيل فيه الزمان فهو هنا مجرد عن الأزمنة.
قوله تعالى: (الْكَبِيرُ).
كان بعضهم يقول: إنه وصف مشترك والتعال خاص لَا يقال إلا لله.
قوله تعالى: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾
قال ابن بشير: القراءة في الصلاة على ثلاثة أقسام قراءة باللسان جهرا، وقراءة به سرا، وقراءة بالقلب، وأنها تجري في الصلاة والظاهر أن المراد في الآية بالأسر أن يسمع نفسه أو يقرأ بقلبه لكي تدخل الأقسام الثلاثة فهو أبلغ و: (أسَرَّ) مصدر في الأصل وهو خبر عن قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) [والمصادر لَا تكون إخبارا*] عن الحث فهو كقولك زيد عدل، قال الكوفيون: أي ذو عدل وجعله البصريون نفس الضالة مبالغة ومجازا، فالجواب: أنه ليس مثله وإنما جاز الإخبار هنا لأنه ليس خبرا عن الذات بل عن المجموع، قيل لابن عرفة: هلا قال سواء عنده ولم يقل منكم ليعم الكلام الإنس والجن بل ذكر كان يكون أولى لأنهم أجهل وأشد مكرا واختفاء والشيطان فيهم فقال الجن أجسام لطيفة والإناء اللطيف الشفاف يرى ما في باطنه من ظاهره بخلاف الإنس فإِن أجسامهم كثيفة فكان العلم بما في قلوبهم أبلغ فلذلك ذكرهم ليدل ذلك على العلم فأسرار الجن من باب آخر.
الرعد 13:10
ما في تدعوننا ولم يحذفها في هود لعدم تكرارها في تدعونا لأنه خطاب لصالح وحده فهو ضمير.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ... (١٠)﴾
ابن عرفة: أضاف الرسل إليهم ولم يقل رسلنا على إن الرسل منهم بحيث يعلمون حالهم وأنهم لم يعبدوا منهم كذبا ولا علم أنهم خالطوا نحوه فدل ذلك على أن حاجاتهم به حق.
قال الفخر: في [المحصول*] مذهب أهل السنة لأن الرسل ليس في خلقهم وبينهم زيادة علينا ولا خاصية ذاتية خلقوا بها عنا وما وجد منهم من القوة على الوحي أو غير ذلك فأمور عرضية كالشجاعة للبطل ومذهب الفلاسفة أن بنيتهم مخالفة لنا ولا بد لهم من خاصية ذاتية اختصوا بها هنا.
قوله تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ).
أي في ألوهية الله شك، وقال الفارسي: أفي وحدانية الله شك، ابن عطية: هذا علة مذهب المعتزلة في إنكار الصفات لأن إنكار الألوهية يستلزم إنكار الصفة فرد عليه بأنه لم يخالف أحد من المسلمين في أن إثبات الآلوهية لله تعالى بخلاف العلم ونحن فإنهم يقولون عالم لَا يعلم، قالوا: وإنما قدره الفارسي هكذا لأن أول ما يجعل الرسل علمهم على اعتقاد وحدانية الله بخلاف الألوهية إذ لم يخالف فيها أحد، قلت: قد خالف فيها المجوس الذين عبدوا الشمس: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) انتهى، قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في هذه الآية انظر كلامهم جعلوا أنفسهم مظروفين في الشك والشك ظرفا لهم وكلام الرسل جعلوا الشك مظروفا في أمر الله أو في شأن الله، وجعلوا شأن الله ظرفا له قالوا وهذا [لوجهين*] عقلي ونقلي، أما النقلي فلأن الظرف أوسع من المظروف قال محيط بالكفار في جميع الجهات وهم مفتقرون إِليه إذا المتحيز مفتقرا إلى الخير والحال مفتقر إلى المحل لابد له منه وقول الرسل (أفِي اللَّهِ شَكٌّ) جعلوا الشك متحيرا حالا في أمر الله وأمر الله أعلى منه وأكبر وهو خير له فهو إشارة إلى تعليل الشك، أي لَا يتصور أن يقع في شك في الله بوجه، وإن قل فإِذا أنكروا أن يكون أمر الله خيرا للشك مع قلته فأحرى أن ينكروا كون الشك خيرا له مع كثرته.
قوله تعالى: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
إن استدلال أهل أصول الدين على وجود الإله بوجهين، أحدهما: إمكان العالم وأنه جائز الوقوع وكل جائز لابد له من مرجّح يقتضي وقوعه على أحد الجائزين، الثاني: حدوث العالم إذ لابد له من موجدا وجده، قيل له: فالحكماء القائلون بقدم العالم هل على مذهبهم يتم الدليل على وجود الإله بأن العالم ممكن، فقال: نعم
الرعد 13:11
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾
الزمخشري: إن جماعات يتعقب في حفظه وكلامه القونوي أي أذكار وتسبيحات ودعوات، ورده ابن عرفة: بأن المجموع بالألف والتاء إذا كان مكبرا يشترط فيه الفعل إلا إذ لم تكره العرب [... ] وهذا حكى أن الزمخشري فيه هنا معاقيب، ابن عرفة: إن قلت الوارد في الحديث إن الحفظة ملك عن اليمين وملك عن الشمال فكيف قال من بين يديه ومن خلفه؟ فالجواب بوجهين: الأول: أن (مِن) لابتداء الغاية فينزلون من أمامه ومن خلفه لعمارة يمينه وشماله فالحفظة الأول ثم يصعد الحفظة وهم عن يمينه وعن شماله، والثاني: أن الضرر اللاحق الإنسان من أمامه وخلفه أصعب عليه وأشق كما هو من أمامه فإِليه مصادر وإليه يهرب ألا ترى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوتَ الًذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) وما هو من خلفه فإِنه من حيث لَا يشعر فحفظ هنا بين الجهتين أكد من غيره.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
إن قلت: هذا محالة لقوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) ومترفوها هم أهل النعيم، والمترفة وفي الحديث "أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث" [وهذه الآية دليل*] أن الهلاك إنما يقع [عند مخالفة*] الشرع، فالجواب: بوجهين الأول أن المراد [بِقَوْمٍ*] الكل لَا الكلية [فالهلاك*] لَا يقع بقوم حتى يقع منهم التغير إما من كلهم أو أكثر، الثاني أن المراد بتغيرهم ما بأنفسهم التغيير الذي لَا [... ] عنه ثواب في الآخرة [... ] بالهلاك والألم ممن لم يغير في الدنيا بسبب مخالطتهم لمن غير رحم به وابتلاء من الله تعالى لأنه إن رضي بذلك وقابله بالحمد والشكر يثاب عليه في الآخرة، والتغيير الواقع به ليس بعقوبة وكما في الحديث "إن النَّاس [يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ*] أو على أعمالهم".
قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ).
هذا احتراس إشارة إلى المعقبات إنما [ليحفظوا*] منه مما أراد الله عدم وقوعه به وأهل السنة يعمون لفظ القول في الطائع والعاصي والمعتزلة يخصصونه بالعاصي بناء على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم.
قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ). ويقولون هو ممكن لذاته واجب لغيره.
قوله تعالى: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ).
قال الزمخشري: أي (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ لَكُم) أو يدعوكم لأجل المغفرة؛ كقولك دعوته لينصرني ودعوته ليأكل معي، ابن عرفة: وجه الفرق [... ] والله أعلم أن قوله ليأكل معي دخلت اللام على العلة، وقوله لينصرني جعلت اللام على المدعو له بدليل إنك تعلل الأول فغفر دعوتك لتأكل إكراما لك، قيل له: وكذلك تقول دعوتك لتنصرني ثقة بك أو بشجاعتك، فقال: إنما هذا تعليل للعلة وليس تعليل الفعل المتقدم.
قوله تعالى: (مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
قيل: (مِنْ) للتبعيض أي بعض ذنوبكم، ونقل العز بن أبي الربيع: أنه أشار إلى أن الإسلام يحيط ما قبله كقوله (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ورده ابن عرفة: بأنه لَا يلزم صدق الذنوب على الماضي والمستقبل لأن الخطاب للكفار، فيلزم المجاز لأن الآن لم يعلموه فكيف يصدق عليه أنه ذنوب قبل الفعل، ونقل عن ابن عصفور أنه قال: (يَغْفِرَ لَكُمْ) جملة من ذنوبكم، ورده ابن عرفة: بأن الجملة بعض الذنوب فلا حاجة إلى تقديرها ولفظة من الثانية مناب بعض يغني عنها، قلت لابن عرفة: وما المانع من كون (مِنْ) للبداية أعني للابتداء والانتهاء كقولك أخذت المال من الصندوق، فقال لَا يصح، هنا لأن الصندوق غير مأخوذ منه فيلزم هنا أن تكون الذنوب غير مغفوره.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ... (١١)﴾
وقال: قبله (قالت رسلهم)، فأجيب: بوجوه الأول، قال ابن عرفة: لما كان وجود الله تعالى أمرا نظريا ليس بضروري وكون الرسل مبعثهم أمرا ضروريا لَا يحتاج إلى نظر لظهوره فكأنه يقول ما قالوا هذا لأنهم لَا يغريهم لقلتهم وغباوتهم وجهلهم كما أن القائل السماء فوقنا والأرض تحتنا ما يخاطب به إلا من هو في غاية الجهل والغباوة، الجواب الثاني: قلت إما أن قوله (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) [خطاب لمن عاند فيه*] وهو كالمعاند في الأمر الضروري فلذلك أسقط المجرور لأن المجيب عن ذلك يجيب به من حيث الجملة، ولا يقبل بالجواب على المخاطب لغباوته عنده ومعاندته فيجيب وهو معرض عنه بخلاف قولهم (إن نحن إلا بشر مثلكم)؛ لأنه يقرر لمقالتهم ويثبت لها القول لمقالة خصمه يقبل عليه بالجواب لأنه لم يبطل كلامه بالإطلاق بل يقرره ويزيد فيه زيادات تبطل [قول خصمه*]، قلت وأجاب ابن عرفة: عن هذا مرة أخرى بأن قوله [قالت لهم] [مقالة*] خاصة أو هي جواب عن قوله صدر منهم والمقالة الأولى لهم ولغيرهم.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
قال هذا راجع لقوله (تريدون أن تصدونا) فمعناه (يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) بالإيمان
الرعد 13:12
أي من شفيع في رفع العذاب عنهم فهو تأسيس وقوله (فَلا مَرَدَّ لَهُ) هي فلا دافع له عنهم ابتدأ قبل وقوعه بهم ولا ناصر لهم يرفعه عنهم بعد وقوعه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
نسب الرؤية للبرق والإنشاء للسحاب؛ لأن الإنشاء المرتبة أسهلها على البصر [... ] البياض الساطع فنحن نعجز عن مداومة النظر للشمس والنعمة في البرق في أقدارنا على النظر إليه وانظر قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) وأما السحاب فجرم ثقيل جدا والنعمة التي فيه هي إبرازه من العدم إلى الوجود.
قوله تعالى: (خَوْفًا وَطَمَعًا).
أعربهما الزمخشري: حالا ومنع أن يكونا مفعولا من أجله إذ ليس عنده فعلين والفاعل الفعل المعلل على مذهبه في أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده ونحن نجيز ذلك ونقول أراده وخلق في قلوب بعضنا الخوف منه، وفي قلوب [الآخَرين*] الطمع فيه والفرق بين إرادة الخوف وبين خلق الخوف إنك تريده من زيد أن يخاف منك ولا تقدر على إيقاع ذلك به، الزمخشري يخاف المطر [من له فيه ضرر*]، كالمسافر، ومن في [جرينه التمر*] [والزبيب*] ومن له بيت يقطر عليه ومن [البلاد*] من يتضرر أهلها بالمطر كأهل مصر فإِنه يفسد عليهم أبنيتهم، ونزول المطر فيها قليل جدا، ابن عرفة رأيت في خزانة التواريخ لابن سليم لما ذكر دخول مصر وما جرى له مع أهلها قال طلبت من بعضهم أن يهجوها فامتنع فلما أكثرت عليه قال:
كم ذا تقيم بمصر... معذباً بذويها
وكيف ترجو نداهم؍ والسحب تبخل فيها؍
قوله تعالى: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) حكى ابن رشد في بيانه في كتاب السواد والأنهار: خلافا فقيل: إن الماء كلها من السماء، وقيل: من البحار وإنه يتصعد منها بخار تكسبه [... ] وتذوبه فيكون في السحاب ثم ينزل مطرا، وقيل: بالوقف وهو اختياره، وذكر بعضهم أنه إذا نحن ما البحر وجعلت على القدر ثباته فإنه يعذب، وقيل:
بل تكثر حدته [؍ ] المضطر إليه.؍
قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾
قيل: إن الرعد اسم ملك، ورده ابن عرفة بقوله: (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) فقد نكره فإن كان لفظ الرعد هو العلم على الملك لم والخروج [عن عصياته*].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا... (١٢)﴾
قال بعضهم: لم جمعه وتقرر غيرها مرة أن طريق الهدى واحده حسبما أشار إليه الزمخشري في قوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال ابن عرفة: ما جواب أنه على التوزيع قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فلكل رسول طريق باعتبار شريعته وأحكامه.
قوله تعالى: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا).
ابن عطية: (مَا) إما موصولة بمعنى الذي أو مصدرية والعائد محذوف تقديره آذيتموناه أو (آذَيْتُمُونَا) به، قال: ويجوز ذلك عند سيبويه خلافا للأخفش، ابن عرفة: آذى هذه ليست من الأفعال المتعددة إلى مقبول تارة ينفع وتارة بحرف الجر إلى أحدهما، وقال بعض الطلبة إنما مراده أنه لَا يجوز حذف الضمير العائد إلا إذا دخل على الموصول حرف مثل حرف الجر الداخل على الضمير وهنا اختلف الجار.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا... (١٣)﴾
ليس المراد حقيقة العود لأن الرسل لم يكونوا من ملة قومهم قبل الرسالة، قاله الزمخشري: قيل لابن عرفة: وما المانع من أن الكفار ادعوا على الرسل أنهم كانوا قبل البعثة على ملتهم وافتروا عليهم ذلك؟ فقال: يمنع سنة أن هذا أمر مشاهد حسي وليس بعقلي، وقالوا: في أصول الفقه أن عدو التواتر يقع في الأمر الحسي بخلاف العقلي فلو أخبر عشرون ألفا [بقدم العالم*] لما قبل قولهم بخلاف قالوا خبر جماعة بقدوم زيد فإما تقبل قولهم لأنه لَا يمكن اجتماعهم كلهم على الكذب فيه وأما الأول فالعقل يكذبهم قيل له: لعل المراد به على التوزيع بمعنى أن تلك المقالة قالها لكل واحد اثنان من أشراف قومه، فقال هذا بعيد، قال ابن عرفة: أو يكون العود على حقيقته لاحتمال كون الرسل لم يظهروا لهم قبل البعثة أنهم مخالفون لدينهم فلما بعثوا إليهم أظهروا المخالفة، قلت لابن عرفة: أخرجهم آباؤهم من أرضهم عقوبة لَا نسبة عن عدم العود فهلا قالوا ليعودن في ملتنِا أو لنخرجنكم من أرضنا، فقال المقام مقام التخويف فلذلك بدءوا بالإخراج قوله (أوْ لَتَعُودُنَّ) قال ابن عطية: أو بمعنى إلا أن ونقل عن ابن هشام شارح الإيضاح إن أو لا تكون بمعنى إلا إذا لم تدخل على الفعل.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ... (١٨)﴾
ابن عطية: المثل بمعنى الصفة، ابن عرفة: ليس مطلقا بل التي فيها غرابة ولذلك جعلوا الأمر المودع قصرا منه مثلا قوله (كَفَرُوا بِرَبِّهِم) ذكر الرب تستنتج لهم، أي كفروا بمن أنعم عليهِم ورحمهم.
قوله تعالى: (أعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ).
الرعد 13:14
يجز حذف الألف واللام منه كما لَا يحذف في القائم والعباس وإن كان العلم عليه رعد لزم إدخال الألف واللام فيهما كما لَا يحذف في القاسم على الاسم العلم وهو غير جائز، قلت: الألف واللام للمح الصفة فإن لمحتها أدخلتها وإلا فلا، قيل: الرعد صوت ملك، وقال الحكماء [... ] الأجرام، قيل لابن عرفة: لما أسند الحمد للرعد والخوف للملائكة، فقال: إن كان الرعد اسم ملك فأسند الحمد إليه إما لأنه جرم عظيم من سائر أجرام الملائكة فهو في مقام الحمد لَا في مقام الخوف، وإما ليدلك اللفظ بدلالتين مطابقة والتزاما، فأسند التحميد إليه أولا وحده، ثم أسند الخوف له مع الملائكة لدخوله فيهم، أو يكون حذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول، أي ويسبح الرعد من خيفته بحمده والملائكة بحمده من خيفته، وإن أريد بالرعد السحاب، فالمعنى أنه يسبح الله وبحمده على إبرازه إياه من العدم إلى الوجود وعلينا أن الحال لَا بلسان القول إذ لَا عمل له فلذلك لم يسند الخوف إليه بخلاف التسبيح بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) والخوف إنما يقع على العاقل.
قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾
أي لله دعوة الحق، ورد بعدم الفائدة مع القارئ أن الذاهبة جاءته صاحبها، وأجاب السفاقسي: بأنه أفاد بالصفة أي لله دعوة الله الحق، ابن عرفة: هذا لو كانت الصفة في الخبر وهي هنا في المبتدأ فقال فصارت في المبتدأ مشتملا على ما في الخبر وزيادة [فزاد المسألة بها إشكالا*].
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ).
ابن عرفة: لم يدعوهم من دون الله لكن بالخبر الذي شركوهم فيه مع الله هو العبادة دعوهم فيه من دونه.
قوله تعالى: (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ).
ابن عطية: أي لَا يجيبون لهم بشيء وليس هو من استفعل بمعنى ذلك الفعل وإنَّمَا هو كقول الشاعر:
وداعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى؍ فلَمْ يستَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجِيبُ؍
ابن عرفة: هذا من تأكيد الذم بما يشبه المدح، فعلى هذا لَا سؤال وإن لم يكن بمعنى، أجاب: يرد فيه أن استجابة خاصة بمن أجاب بما يوافق غرض السائل، وأجاب: عامة في المجيب بالموافق والمخالف فيقال لم تفاخرا لهم بالموافق مع أنهم
الرعد 13:16
لا يجيبون بشيء على الإطلاق، فيجاب: بأن مطلوبهم في الآلهة إنما هو حصول غرضهم فنفاه وإما غيره فليس مطلوبا لهم فلم يحتج إلى نفيه.
قوله تعالى: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفيْهِ إِلَى الْمَاءِ).
ابن عرفة: هذا من تأكيد الذم بما يشبه المدح بقوله:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً؍ وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ؍
والمراد بالذين يدعون من دونه الكافرون فشبه داعي الآلهة بداعي الماء باسطا كفه إليه ولو أريد به نفس آلهة لكان يكون يشبه مدعوا الكافرين بالداعي الباسط كفيه فيحتاج حينئذ إلى تكلف حذف المقابلة كما في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ) وهو هنا بعيد لأنه يصير التقدير والذين [يدعون*] من دونه ودعائهم لَا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء والماء فيه تكلف كثير، الزمخشري: وقوله (كَبَاسِطِ كَفَّيهِ) يحتمل أن يريد به الاستجابة كاستجابة باسط كفيه أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب أن يبلغ فاه والماء جماد لَا يشعر بعطشه ولا يدعى به له، ابن عرفة: وشبه به باسط كفيه لما دون فاتح فيه للماء لأنه داعٍ وشأن الداعي أن يبسط يديه.
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ).
ابن عرفة: الفعل يقتضي التجدد والاسم يقتضي الثبوت فإذا أريد المبالغة خبر في الثبوت فإذا أريد المبالغة في غير الثبوت للاسم إلى النفي بالفعل؛ لأنه يلزم من النفي ثبوت الصفة وهي ما نفي ثبوتها [... ] ولا يلزم من نفي ثبوتها [... ] نفي ثبوتها [**ونفاها] وكذلك يؤتى بالأعم في النفي والأخص في الثبوت لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ونحوه، للزمخشري في قوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) وجاءت هذه الآية على العكس في قوله البليغ أفاد وما هو ببالغه فعبر في الثبوت بالفعل في النفي بالاسم ونفي منه البلوغ الثابت داعيا ولا يلزم من نفي على البلوغ المجرد والثابت وقال: ما قال. والجواب: إن القرية هنا تفي هذا المفهوم المتوهم ويتعين إلى المراد نفي البلوغ على الإطلاق كيف ما كان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾
قال الزمخشري: هذا إما حكاية [لاعترافهم*] وثبت بقولهم؛ كما يقول [المناظر*] لصاحبه أهذا قولك؟ باحتماله خشية أنه أراد رد عليه مقالته بجحدها لأنه إذا قال لهم من رب السماوات والأرض؟ فلا بد أن يقول: هو الله كما قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال مكي:
هو خطاب للجاهل [؍ ] [**فيجده مخبر عالم فخبر] (١).؍
قوله تعالى: [(أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) *].
المعطوف عليه مقدر أي كفرتم أي أفاتخذتم قوله: [(مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) *] صفة فيه ثلاثة أسئلة، الأول: لم قال (من دونه) وهم اتخذوهم شركاء مع الله؟ وجوابه: [إن*] نظرنا إلى نفس اتخاذهم وليا وناصرا بالنوع، فلا شك أنهم شركوا في وصف النصرة والولاية [بين الله وعبده*]، وإن نظرنا إلى اتخاذهم وليا وناصرا بالنوع، فلا شك أنهم بالشخص، فلا شك أن هذا لَا يصح فيه الشركة، وقد ذكر ابن التلمساني في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: أن الواحد بالشخص لَا يصح انقسامه إلى مأمور [... ] والواحد بالجنس أو النوع يصح فيه ذلك ومثله [السجود لله*] والسجود للصنم، السؤال الثاني: لم قدم المجرور على أولياء والأصل تقديم المرفوع ثم المنصوب ثم المجرور؟ وجوابه أنه قدم أشرفه بإضافته إلى الضمير لله، يقال السؤال الثالث: لم غير اللفظ وهلا قال فاتخذتم من دونه أربابا؟ وجوابه أن الأولياء أعم من الأرباب لأن الولي والناصر قد يكون ربا وقد لَا يكون ونحوا على الوصف الأعم وهو طلبهم النصرة من غير الله فيلزم منه الذم على الوصف الأخص وهو اتخاذهم أربابا من دون الله من باب آخر ولو قيل: اتخذتم من دونه أربابا لأفاد التوبيخ على هذا الوصف الأخص لَا على ما دونه وهو دفع المضرة.
قوله تعالى: (نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).
إن قلت: لم قدم نفي النفع على نفي الضر مع أن دفع المؤلم أكد وأولى من جلب المؤلم فهل قصد الترقي أم غير ذلك؟ فالجواب: إن ذلك إنما هو من باب الثبوت بعدم الضر لأن دفعه إما من جلب النفع، وإما في النفي بعكس الأمر لأنه لَا يلزم من عدم القدرة على دفع الضر الذي هو آكد وأنهم على [... ] عدم القدرة على جلب النفع، ولا ينعكس، والعطف يقتضي المغايرة فقدم النفع ليكون الثاني تأسيسا وزيادة في بيان عجزهم وترقبا ولو قدم الضرر لكان الأول مستلزم للثاني فيكون عطف عليه وأدخل في ضمنه فيصير بسببه عطف الخاص على العام.
قوله تعالى: (وَلَا ضَرًّا).
قال ابن عرفة: الأكثرون يقولون إن تكرار لفظ: (لا) تأكيد وقال [السهيلي*]: إذا قلت: ما قام زيد وعمرو احتمل أن يريد نفى القيام عنهما مجتمعين، فإذا قلت: ما قام
(١) النص عند مكي هكذا
"من رب السماوات والأرض، ومدبرها؟ (قل الله) أتى الجواب والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير أنهم لما قيل لهم: من رب السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ومثله: ﴿مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله﴾.
وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة واحدة، من جهة السائل. وإنما حق الجواب أن يكون من جهة السؤال، لكن أتى الجواب من جهة السائل، والجوابِ: على معنى أنهم جهلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل: فأعلمهم به السائل، فصار السؤال والجواب من جهة واحدة". اهـ (الهداية إلى بلوغ النهاية. ٥/ ٣٧١٣).
الرعد 13:17
زيد ولا عمرو أفاد نفي القيام عنهما وعن كل واحد منهما فيجيء نسبة الكلي والكلية تكررت لَا ليفيد نفي القدرة على كل واحد من الضرر والنفع، فإن قلت: هذا مردود يقول النحويين في لَا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم أنه يقتضي نصبه عنهما بالإطلاق مجتمعين ومفترقين، وأجاب ابن القصار: بأن ما قام زيد وعمرو من عطف المفردات فيقتضي الجمعية، وقولك تشرب اللبن من عطف الجمل فلا يقتضي الجمع وإنما هو استئناف بدليل أنهم قالوا في وتشرب اللبن بالنصب أنه نهاه عنهما مجتمعين وما ذلك إلا لأنه يؤدي إلى عطف مفرد، قلت له: بل هو في عطف فعل على فعل أعني وتشرب بالخفض، فقال: عطف الفعل على الفعل لم يذكره أحد سوى ابن عصفور فإنه قال: العطف حمل اسم على اسم أو فعل على فعل ومثله قام وقعد زيد وهو في الحقيقة جملة على جملة.
قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ).
ابن عرفة: مقام الإكرام والتبشير فينا فيه مساواة الفاضل للفضول ومقام الإنذار والتخويف على العكس فلذلك بدأ بالأعمى وجمع الظلمات وأفرد النور لتعدد طرق الشك واتحاد طرق الإيمان، قاله الزمخشري في أول سورة الأنعام، فإن قلت: الأعمى في الآية مقابل للظلمات فلم أفرده وجمعها؟ قلنا: نفي مساواة الأعمى للبصير يدركها كل أحد والظلمة جنس مفرد في سياق الثبوت يقع على القليل والكثير كالنور، وقيل مساواة النور لمطلق الظلمة مما يخفي على الأنبياء وكثير من النَّاس فإنه قد لا يظهر منها فرق بخلاف الظلمات المجتمعة المتراكب بعضها على بعض فإنه لَا يخفى على أحد إنها لَا تساوي النور فلذلك جمعها.
قوله تعالى: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ).
هذه [تقضي*] بكفر المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله، وقوله: (فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) دليل على صحة العمل بالقياس لاقتضائها أن معبوداتهم لو كانت خالقة لكان عبادتهم لها وجه من النظر وهو أنهم يقولون هذا خالق فانتفى أن تصح عبادته قياسا على عبادة الله ولهذا يستدل المتكلمون على وجود الله (١) بحدوث العالم، وقوله (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ... (١٧).. قال الزمخشري: [كالفلز*]، ابن عرفة: هو كل ما يلين من المعادن فإِذا برد اشتدّ وليس كالذهب والفضة والحديد والنحاس والمتاع كل ما يتمتع به أواني الحديد والنحاس والرصاص والحلية كل ما يحلى به من الذهب والفضة وغيرها.
قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً).
(١) في الأصل المطبوع هكذا [ووعد النية] وهي عبارة لا معنى لها، ومن ثَمَّ حذفناها. اهـ (مصحح نسخة الشاملة). ابن عرفة: قال الخطيب في تاريخ بغداد ولما عرف بابن سعيد أحمد بن الحسين [الْبَرْذَعِيّ*] أحد فقهاء مذهب أبي حنيفة قال: قدم بغداد حاجا فدخل الجامع ووقف على [دَاوُد بْن عَلِيّ*] الظاهري وهو يكلم رجلا من أصحاب أبي حنيفة وقد ضعف الحنفي في يده فجلس فسأله عن بيع أمهات الأولاد، فقال له: يجوز لأنا [أجمعنا*] على جواز بيعهن [قَبْلَ*] العلوق [ووضع الحمل*] فليكن كذلك بعده عملا [باستصحاب*] الحال، ولا يزول إلا بإجماع، فقال لنا [الْبَرْذَعِيُّ*]: أجمعنا بعد العلوق [قبل وضع*] الحمل أنه لَا يجوز بيعها [فيجب أن نتمسك*] بهذا الإجماع [ولا نزول عَنْهُ إلا بإجماع مثله فأنقطع دَاوُد] *، وقال: ننظر في هذا، وقام أبو سعيد [فعزم*] على التدريس ببغداد، ولما رأى من [غلبة*] أصحاب الظاهر فلما كان بعد [مديدة*] رأى في المنام كأن قائلا يقول له (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [فانتبه*] فسمع دق الباب فخرج [فإذ*] بقائل يقول له: قد مات داود الظاهري فإن أردت أن تصلي عليه فأت إلى الجامع وقت كذا، فأقام بعد ذلك سنين [كثيرة يدرس*] في محلته، ثم خرج إلى الحج فقتل في وقعة القرامطة مع الحاج، وذكر هذه القضية ابن سيد النَّاس في تأليف له خاص في أم الولد، وذكرها [... ] في فرق الفقهاء وأنكر هذا الإجماع. قال ابن عربي في قانون التأويل: ضرب الله الحق الباطل، فإنه خلق الماء لحياة الأبدان؛ كما أنزل القرآن لحياة القلوب، وضرب مثلا [الأودية*] بالماء مثلا [لامتلاء*] القلوب بالعلم، وضرب [الأودية*] الجامعة للماء مثلا للقلوب الجامعة للعلم، وضرب قدر [الأودية*] في احتمال الماء سعتها وضيقها وصغرها وكبرها مثلا لقدر القلوب في انشراحها وضيقها بالحرج، وضرب السيل للتمهيد والهشيم وما يجري به ويدفعه مثلا لما يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ والشكوك ووساوس الشيطان، وضرب استقرار الماء ومكثه لانتفاع النَّاس به في السقي والزارعة مثلا لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع به، قال هذا المثل الأول وأما الثاني: فضرب المثل فيما يوقد عليه النار مثلا على ما في القرآن من فائدة العلم والعمل به فحلية الذهب والفضة مثل للعلم الواجب اعتقاده والمتاع مثل لما فيه من العمل المنتفع به كالانتفاع بالمتاع وكما أن النار تميز الخبيث من الطيب كذلك القرآن إذا عرضه عليه العلوم غير النافع فيها من الضار.
قوله تعالى: (فَيَذْهَبُ جُفَاءً).
الزمخشري: قرأ رؤبة جفالا وعن أبي حاتم لَا تقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر ونقل ابن رشد في البيان في سماع عيسى في رسم أوصى من كتاب الصلاة عن عائشة أنها أجازت أكله وفي المدونة لَا بأس بأكل اليربوع والخلد عياض هو فأر الصحارى أعمى.
الرعد 13:18
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ﴾
وهل تارك الصلاة مستجيب لنطقه بالشهادتين والظاهر أنه مستجيب بالشهادتين فقط لا مطلقا.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ).
هذا تهكم به لأن ذلك [عليهم لَا لهم*] وكذلك قوله (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) تهكم لأن المهاد ما يفرش ويوطأ.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾
في الآية حذف التقابل، أي أفمن ينصر فيعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى جاهل، قلت: وهذا من التنبيه بالأدنى عن الأعلى لأنه نفى مشابهه من اتصف بمطلق العلم بالحق عمن اتصف بكمال الجهل الثابت قادرا أن لَا يشبه من اتصف بكمال العلم الثابت فلذلك عبر في الأول بالفعل والثاني بالاسم.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
ابن عرفة: العلوم النظرية مستفادة من العلوم الضرورية؛ ولذلك قال أبو المعالي في الإرشاد: العقل علوم ضرورية، ومذهب أهل السنة أن العلوم كلها إنشائية، ومذهب المغاربة أنها تذكر به وأن النفس كانت عالمة بكل شيء حتى دخلت في الجسم [... ] بكافة فعلها [... ] وكان ابن عبد السلام يقول هذه الآية حجة للفلاسفة، ابن عرفة: وجوابه نظر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾
إن قلت: هلا قيل: ولا ينقضون ميثاق الله كما قيل (بِعَهْدِ اللَّهِ) فالجواب: أن الوفاء بالعهد راجع لفعل المأمورات، ونقض الميثاق راجع لاجتناب المنهيات وتقرر أن النزول لَا يفتقر إلا إلى الموفى به أنه وفاء بعهد الله، قلت أو يقال: أن الألف واللام نائبة مناب الإضافة على ضميره أي ولا ينقضون ميثاقه.
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾
إما بالشخص أو بالجنس وهي من عدن بالمكان إذا أقام به، وسميت بذلك لميل النفوس إلى الإقامة فيها دون غيرها لأنها أفضل وأشرف.
قوله تعالى: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ).
الرعد 13:19
تشبيها بالرماد لوجهين، أحدها: خفيه وسرعة حرقه بالريح، والثانية: أنه لَا يثبت شيئا بخلاف التراب وجمع الرياح لتفيد شدة التفريق من جميع الجهات قوله (في يوم عاصف) من إضافة الصفة إلى الموصوف وأجازه الكوفيون وابن عرفة هل هو من إضافة الملابسة لأن العاصف الريح الهاب في اليوم لَا من صفة اليوم فأصله في يوم ريح عاصف فحذف الموصوف وأقيمت صفة مقامه فأعربت بإعرابه وهذا جائز عند الجميع، قوله: ذلك هو الضلال البعيد الإشارة إما لعملهم أو إلى الخيبة التي تنالهم.
قوله تعالى: (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ).
يسمى التدليل لأن الجملة الثانية كمعنى الأولى.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ... (١٩)﴾
قرأ حمزة (خالق). ابن عرفة: وهذه أبلغ لاسيما على مذهبنا في أن العرض لَا يبقى زمانين فهو في كل زمان خالق لهما بأعراض آخر قوله تعالى: (بِالْحقِّ) الزمخشري بالحكمة والفرض الصحيح ولا يخلقهما عبثا ولا شهوة، ابن عرفة: هذا على مذهبه في أن أفعال الله معللة ومذهبنا نحن إنها غير معللة. قال: ويحتمل قوله بالحق على مذهبنا وجهين أحدهما أن خلقه واختراعه لها حق ولا شك فيه، والثاني: أن المراد بذلك كونها مستعملة على الحق وهو الشرائع التي جاءت بها الرسل لأنها كائنة فيها.
قوله تعالى: (إِنَّ يَشَأْ يُذْهِبْكُم).
فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني أي إن شاء إذهابكم والإتيان بغيركم يذهبكم ويأت بخلق جديد وفيه دليل على أن [العدم*] الإضافي مقدور لله تعالى لأنه مراد وكل مراد مقدور وهو مذهب أكثر أهل السنة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنه غير مقدور أما العدم المطلق فلا خلاف أنه غير مقدوم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾
الزمخشري: أي بمتعذر، ابن عرفة: إنما معناه ينحصر أعني ليس بصعب لأن ما قال الزمخشري: [يحتمل*] فيه التكرار؛ لأن قوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبكُمْ) أفاد أنه ممكن فإِذا كان ممكنا [فهو غير متعذر*].
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا... (٢١)﴾
(فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) هكِذا في سورة غافر وقال في سورة سبأ (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) فعبر عن الضعف بالاسم وفي سبأ بالفعل، قال وأجيب: بأن الاسم يقتضي الثبوت وكلما ثبت للأخص ثبت للأعم فإذا كان مطلق الاستنكار يمنع من إيمان من اتصف بأخص الضعف فأحرى إن يمنع من الإيمان من اتصف بأعمه، وأما في السورة سبأ المراد فيها تبعية من اتصف بمطلق الضعف لمن اتصف بمطلق الضعف فأحرى أن لَا ينفع لمن اتصف بأخص ولا ينعكس.
الرعد 13:23
قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا).
ابن عرفة: هل استفهام حقيقة، وقيل: على سبيل الإنكار قوله [مِنْ شَيْءٍ*] أعربه أبو حيان بدلا من قوله (من عذاب الله) ورده المختص بأنه بدل الأعم من الأخص، ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه في باب النفي لأن الاستفهام بمعنى الإنكار ونفي الأعم أخص من نفي الأخص وبصحة ورود ذلك قال امرؤ القيس:
كأنِّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلُوا؍ لدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ؍
قوله تعالى: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) ابن عرفة: هذه حيده من الجواب والجواب الحقيقي أن يقولوا لهم كما يقدر على ذا ولا يغني عنكم شيئا.
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ... تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾
هذا إما على التوزيع فلكل واحد جنة أو لكل واحد جنات، وقوله (مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التمدح بالباء بكونه أصل كل شيء، قال [أبو العباس في الكامل: أن بعض ملوك الروم كان يعمد لمعاوية ويهادية معاوية فطلب مرة من معاوية أن يبعث له بأصل كل شيء فاستشار معاوية خواصه فأشار إليه عبد الله بن عباس بأن يبعث له قارورة بالماء فلما بعثها إليه قال الرومي ما أشار عليه بهذا الأمن] فيه عضو من أعضاء النبوة قوله (خَالِدِينَ فِيهَا) حال من الذين آمنوا مقدرة لأن الدخول غير مقارن لزمن الخلود، قلت: أو حال من جنات لأنها موصوفة، فقال: صفة جرت على غير من بني له فكان يقال خالدين هم فيها، قلت: ضمير فيها يغني عنه، فقال: إنما يجب إبراز ضمير من شيء له فقلت: هو مثل مررت برجل حائض السبت فقال الألف واللام هناك نائب مناب الضمير.
قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
ابن عطية: بقضائه، ابن عرفة بل يفضل ربهم لَا جزائهم على عملهم إنما هو مجرد دخول الجنة وإما الخلود فهو محض تفضل من الله.
قوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
ابن عطية: يحتمل أن يريد التحية بمعنى أن الملائكة يحيونهم فيها بالسلام ويحتمل أن يريد أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام، ورده ابن عرفة: بأن التلمساني لما استدل على أن أقل الجمع اثنين كقوله تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) بمعنى داود وسليمان، قال فإن قلت: لعل المراد داود وسليمان والمحكوم لهم، فإن قلت: يلزم عليه أن يكون الضمير في موضع رفع وموضع نصب وذلك غير جائز، ابن عرفة: فكذلك يلزم ابن عطية: هنا لأنه مقتضى كلامه أن المراد المحي والمحيا.
قوله: (سَلامٌ) ابن عطية: هو مبتدأ وخبره عليكم، ابن عرفة: انظر هل يصح أن تكون تحيتهم مبتدأ وسلام الخبر، قال إن قلنا: إن المراد اللفظ فيكون خبرا، وإن
الرعد 13:24
قلنا: المراد المعنى فلا يصح كونه خبرا، قوله: (أَلَمْ تَرَ... كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤).. قالا التقيد يقتضي وقوع ذلك وضرب المثل لم يقع، فأجاب: بأنه المعنى من حيث الجملة، قوله تعالى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) إما أن المراد نفس كلمة التوحيد.
قوله تعالى: (أَصلُهَا ثَابِتٌ).
الزمخشري: وترى ثابت أصلها والقراءة المشهورة أبلغ ابن عرفة: ثابت أصلها صفة رفعت الفاعل فهي في معنى الفعل وأصلها ثابت مبتدأ وخبر فليس في معنى الفعل والإخبار بالاسم عندهم أبلغ من الإخبار بالفعل فلذلك كان زيد أبي قائم أبلغ من زيد قام وأبوه، وقال بعض الطلبة: يحتمل أن يريد أن ثابتا في قوله (أصلُهَا ثَابتٌ) خبر فهو عمده لأنه من باب الحكم الإسنادي أبلغ من الحكم التقييدي، ورده ابن عرفة: على الزمخشري بأن ابن عصفور ذكر في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل أن مررت برجل حسن وجهه أبلغ من مررت برجل وجهه حسن قال لأن الأول جعلت أحسن فيه صفة للرجل وكله بخلاف الثاني، قلت: لأن لَا يصح هنا لأنك تجوز هناك أن تقول مررت برجِل حسن وتسكت ولا يصح هنا أن تقول: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ثابت حتى يقول: (أصلُهَا) ولأن: (ثَابت) مذكر فلا يصح وصف الشجرة به إلا أن يقال إنه يصح جرها عليه من حيث أن تأنيثها غير حقيقي والمذكر يوصف به والمؤنث الغير الحقيقي، قال تعالى: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بهِ) فيقول علامة الثأنيث في الشجرة هنا يمنع من ذلك وقال بعض الطلبة ولأن الثبوت إنما هو من صفة أهملت لَا من صفتها بخلاف الحسن هناك.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ حِينٍ... (٢٥)﴾
قيل: (حِينٍ) ستة أشهر، وقيل: شهران لأن مدة إطعام الثمار شهران، وإما السنة فما بين الإثمار والإثمار.
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ... كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾
عبر هنا بالاسم فرفع، وقالَ في المؤمن: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا) فعبر بالفعل ونصب المثل، قلت: لأن المؤمن له حالتان لأنه انتقل من الكفر إلى الإيمان والكافر له حالة واحدة ثبت عليها ولم ينتقل عنها فلذلك عبر عن مثله بالاسم.
قوله تعالى: (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ).
قيل: إنها الثوم، وقيل: إنها الحنظل وشجرة كشجرة الدلاف والقتّ لأنه ليس له ساق، قيل لابن عرفة: الثوم فيه منافع جمة فكيف يسميه به الكافر والكافر لَا مصلحة فيه بوجه، فقال: الغالب إنه إنما يشبه به من حيث أنه لَا يثبت أو ليست له ساق فالنسبة في أن العمل الخبيث يضمحل ويذهب يوم القيامة ولا يبقى إلا العمل الصالح.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً... (٣٢)﴾
قيل المراد السماء المشاهدة [القريبة*]، وقيل المراد معناها وهو العلو سماء
الرعد 13:25
ترتيب المعطوفات على حسبها في الوجود الخارجي فوجود الأب سابق على وجود زوجتك سابق على وجود ولدك ودخول الأبناء الجنة إما لصلاحهم أو لصلاح آبائهم كما قال: (وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحًا)، وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أو العكس.
وهو أن دخول الآباء سبب للأبناء كما في الحديث "من قرأ القرآن وعمل ما فيه ألبس والديه يوم القيامة تاجا ضوؤه أحسن من ضوء الشمس" لذلك قال الشاطبي:
[هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما؍ مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ*]؍
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.. ابن عرفة: هذا دليل على أن العهد يطلق على الوعد وعلى الأمر المشتق الملتزم ولو كان العهد هنا الميثاق لما كان لقوله (مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) فائدة، قال: وكان بعضهم يقول إنها مباينة لما قبلها، ووقعت المبالغة فيما قبلها بتسعة أوصاف وفي هذه بثلاثة أوصاف، لأن الأولى في معرض الجزاء على الطاعة وعدم المبالغة في هذه تنفير أو هذه في معرض العقوبة على المعصية فناسب المبالغة في الأولى تأكيدا على انحساره على الطاعة وعدم المبالغة في هذه تنفيرا عن المعاصي وإن العقاب يقع على أدنى شيء من المعصية، قال بوجه ثان: وهو أن نقض العهد إشارة إلى العهد المأخوذ على الخلائق يوم السبت بربكم فهو راجع للتوحيد وقطع ما أمر الده بوصله، راجع إلى الإيمان بالرسول لأن تكذيبه قطع له عم مرسله والإيمان به إقرار بصلته مع رسله والفساد في الأرض راجع إلى المعاصي، ابن عرفة: وفي الآية عندي حجة لمن يقول إن المندوب غير مأمور به لأنها في معرض الذم الفاعل ذلك، فلو كان مأمورا به لما تناوله الذم، قال: وليس المراد منه جمع هذه الأوصاف بل من اتصف بواحد منها فقط.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ).
إدخال اللام تهكم بهم إشارة إلى أن اللعنة أمر ملائم لهم ومناسب لفعلهم واللعنة للكفار وبسوء الدار للعصاة فهو لف ونشر.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
ابن عرفة: هذا كالدليل على ما قبله لأنه تقدم ذكر فريق المؤمنين وفريق الكافرين أتى بهذا نفيا لما قد يتوهم من أن إيمان المؤمن وكفر الكافر من قبل نفسه أي كما تعلمون أن البسط في الرزق والإقتار من فعل الله ليس للعبد فيه قدرة فكذلك اعلموا أنه
الرعد 13:27
لا قدرة له على الإيمان والكفر إلا بالله ويحتمل أن يكون وجه المناسبة بينهما أنه لما ذكر فعل المؤمنين وعقابهم وفعل الكافرين وعقابهم أخبر أن بسط الرزق على أكثر الكفار في الدنيا وقبضه على أكثر المؤمنين إنما هو بمشيئة الله تعالى وإرادته حسبما ورد في الحديث "لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضه ما سقى الكافر منها شربة ماء"، ابن عبد السلام وهذا [**تتجارى فيه النَّاس] وأوسعهم حالا أشد كفرا أو منعا، وفي حديث الابتلاء "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا".
قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).
أي وما اعتبار الحياة الدنيا في الآخرة، وإلا فالآخرة ليست ظرفا للدنيا بوجه وهذا إشارة إلى محل من يعمل للدنيا وعمل من يعمل للآخرة فمن قطع نهاره في لذة وشهوة وقطع يوما آخر في طاعة إذا تذكرهما نجده يندم على يوم الشهوة لأنه انقضى ولم يبق إلا الحساب عليه [... ] يوم الطاعة لأنه مضت مشقته وبقي ثوابه مدخرا له، وقوله: (مَتَاعٌ) أي شيء يتمتع به منفصل زائد.
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾
[للتحضيض*] وفي مقدمة [ابن بابشاذ*]: إنها مع الماضي للتوبيخ، ولا يطرد له إلا في الطلب الجازم، وإن كانت [للمضارع*] [فللتحضيض*] كقول الفقير للغني لولا أحسنت إلي لأنه على سبيل الندب.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ).
إن قلت: لم جاء فعل المشبه مضارعا والإنابة ماضيا والمناسب العكس لأن مشيئة الله قديمة وإنابة العبد حادثة، وفي غافر: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) ومَن سوى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب؟ فأجيب: بوجهين
الرعد 13:28
الأول: أن فعل المشبه أتى مضارعا باعتبار متعلقها وهو من فعل العبد وغير مطلوب لأن أصلها من الله فلم يحتج إلى طلب متعلقها والإناب من فعل العبد فجاء فعلها ماضيا إشارة إلى تأكيد طلبها حتى كأنها واقعة، الثاني: أن مشيئة الله دائما مستمرة وإنابة العبد متقطعة فهو إشارة إلى أن من أناب ليس على من آمن، بقاء إنابته واستمرارها في المستقبل إلا بهداية الله وتوفيقه، ابن عرفة: والآية عندي صريحة في مذهب أهل السنة لقوله (وَيَهْدِي إِلَيهِ) أي يخلق في قلبه الهداية ويرشده إليها. وأناب إشارة إلى ما له في ذلك من الكسب.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون عليه قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) لأن تلك الآية اقتضت أن ذكر الله موجب لخوفهم ووجلهم وهذه اقتضت إنه موجب لطمأنينة قلوبهم وزوال الخوف منها، قال: وكانوا يجيبون لوجهين: الأول: أنهم تذكرهم الله تعالى فحدث لهم خوف ووجل ثم تعقبه طمأنينة وسكون قلب كقوله:
وإني لتعروني لذكراك هِزّة؍ كما انتفض العصفور بلَّلَه القطر؍
والجواب الثاني: قال كان شيخنا القاضي ابن عبد السلام يحكى عن بعض نحاة الأندلس، أنه قال: قوله: (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر الله مصدر مضاف للفاعل أنهم إذا أخبروا أن الله تعالى ذكرهم اطمئنان قلوبهم وسكت لأنهم يعملون أن ذلك رحمة منه بهم واعتناء بذكرهم وجاء قوله: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم) على الأصل من حالهم لَا حالهم الخوف فإذا ذكر الله زاد وجلهم وخوفهم من عقابه وهذا جواب حسن.
قوله: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ... (٣٠).. ولم يقل: إلى أمة؛ إما لأنه أرسل إلى قوم نشأ فيهم، فإن قلت: رسالته عامة للعرب والعجم والقريب والبعيد؟ قلنا ابتداؤها كان من قريش وإما لكون إلى مختلف في دخول ما بعدها فيما قبلها وفي الظرفية والإحاطة فهي أدل على عموم رسالته.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾
الرعد 13:32
جوابها مقدر [أي: لما آمنوا*]، وقيل: أي لكان هذا القرآن، ابن عرفة [والقضية*] الشرطية تارة تقتضي نفي لانتفاء الثاني نحو لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان، وتارة يقتضي ثبوته لثبوته نحو لو لم يكن هذا هو قضاؤنا لما كان إنسانا لكنه إنسان فهو حيوان، وتارة يقتضي مجرد [... ] والارتباط نحو لو حضر زيد لحضر ثوبه، والآية من هذا القسم، قال: والعطف [... ] لَا تسير الجبال أغرب وأعجب لعظم [جرمها*] وكونها جماد ألا يقبل الاتصاف بصفة الحيوان والتفسير من صفة الحيوان ولم يقع ذلك فيها بوجه ثم يليه تقطيع الأرض لكثرة وقوعه لاسيما على ما قال ابن عطية: من أن تفجير أنهارها ويليه تكلم الموتى، وإنه قد وقع لعيسى وغيره.
قوله تعالى: (يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ).
ابن عرفة: فيه ترجيح لمذهب المعتزلة القائلين بوجوب إنفاذ الوعيد وذلك أن إنفاذ الوعيد متفق عليه وإنفاذ الوعد مختلف فيه لكن جوابنا نحن أن الجواب القديم الأزلي هو صفة ذاتية لله تعالى استحيل فيها الخلف وأما كلام النبي ﷺ الذي هو [ترجمة*] عن ذلك الكلام فليس كذلك ومثاله إذا قلت: من يقتل زيدا أفأنا أقتله فتارة يقصد الحقيقة، وتارة يكون غير زيد قتله لكنك تقصد المبالغة في العبارة على جهة التخويف عن فعل ذلك فعبارتك يمكن فيها عدم الوقوع وإما في نيتك وقصدك فلا بد من وقوعه لأنك عزمت على ما أجمعت عليه وهو قصد حقيقي فلأن الكلام الذي ترجمته عما في القلب فأنه قد يكون مجازا وهذا هو جواب أهل السنة عن قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾
ابن عرفة: فيه عندي دليل على صحة العمل بالقياس لأن الآية [سيقت*] مساق التخويف للكفار والقبلية للنبي ﷺ وما وجه التخويف للكفار والتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وما وجه التخويف إلا من جهة أن المشاركة في الوصف توجب التسوية في الحكم الناشئ له والكفار المعاصرون له ﷺ مشاركون لمن سبقهم في الاستهزاء؟ واقتضت الآية أن من سبقهم عوقب فكذلك هؤلاء ولا معنى للقياس إلا إثبات حكم الأصل للفرع بعلة جاءت معه، وتنكير لفظ الرسول للتنويع ولا يناسب التعظيم إنه لَا يحصل به التخويف لأنهم يقولون إنهم عوقبوا هؤلائك على استهزائهم بعظماء الرسل ما يلزم منه عقابنا نحن، قيل لابن
الرعد 13:33
عرفة: كيف ينفي هذا القسم باللام وقد، مع أن الماضي بعيد عن زمن الحال؟ فقال: تنزيلا له منزلة القريب ليحصل كمال التخويف.
قوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ).
قال الإمهال مجرد تأخير العذاب والإملاء تأخر العذاب وتيسير أسباب الوقوع في موجبات عذاب آخر ولهذا كان بعضهم يقول الإملاء أشد من الإمهال يعني لأنه يتضاعف به العذاب قال تعالى: (إنَّما نُملي لهم ليَزْدادُوا إثْمًا) المعنى ثابتا في بعض الأمر فهو تقرير وإن لم يكن ثابتا فهو إنكار وهو هنا تقرير لقول ابن عطية: المراد أفمن هو قائم هي كل نفس بما كسبت حق بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر وهو معطوف على مقدر فمنهم من كان مقدره أَهُمْ جاهلون فمن هو قائم زمنهم من قدره منهم غافلون فمن هو قائم، والصواب: قال وهل هذا من العمومات المخصوصة أم لَا؟ قال: إن قلنا أن ذات البارئ تعالى لَا يطلق عليها نفس فيكون باقيا على عمومه، وإن جوزنا الإطلاق لقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيكون هذا مخصوصا بالبارئ تعالى إذ لَا يقال إنه حفيظهم على نفسه، قيل له: قول (بِمَا كَسَبَتْ... (٣٣).. يدل على التخصيص بل هو متعلق بقائم وليس بصفة للنفس والكَسب، الصواب تفسيره بما قاله أهل السنة لأن الأمثل عدم النقل ومعنى قائم حفيظ ورقيب وعالم.
قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ).
ابن عرفة: تارة تبطل الدعوى ببيان بطلان دليلها في نفسه، وتارة يبطل، بيان بطلان مدلول دليلها وأبطل عليها هنا دليلهم السمعي والعقلي، أما العقلي فبطل لبطلان مدلوله وهو قوله (قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ) فهو غير معلوم لله وكل ما ليس بمعلوم لله فليس موجود ولا معدوم الممكن معدوم، إن قلنا: إن المعدوم الممكن معلوم فدل على أنه محال وأما السمعي فهو قوله (أمْ بظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) وهو قولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) فقيل لهم: هل بلغكم ذلك من الله على ألسنة الرسل أم لَا؟ وقوله (شُرَكَاءَ) خالفها الزمخشري هنا بكلامه على عادته في خلط لفظة المعتزلي بخلافه، وقوله (قُلْ سَمُّوهُم) قيل لابن عرفة: كيف هذا وهم سموهم فقالوا (اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى)، فقال: ليس المراد مجرد التسمية بل يعنيهم والمعنى أنه إنما يستحق اسم إله من اتصف بالاستغناء والكمال ونكره عن العجز والاحتياج فعينوا لنا شركاء متصفين بذلك والسحاب سماء العلو وهذا جار على الخلاف في المياه هل هي كلها من السماء، وأنها تنزل منها وتكون سحابا تهبط به الماء وهي من البحار وأنه بخار لطيف يصعد عنه السحاب أو السحاب خلقه الله من غير ماء ولا بخار في ذلك ثلاثة أقوال نقلها ابن رشد في البيان والتحصيل: في كتاب السداد والأنهار واختار القول بالوقف.
قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ).
ابن عرفة: ما الحكمة في إخراج النبات بهذا الماء مع أن القدرة صالحة لإخراجها بغير شيء، قال: وتقدم لنا الجواب بأنه تكثير لمتعلقات القدرة.
قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ).
هذا مثل (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بجَنَاحَيهِ) لَا جريها ليس إِلَّا في البحر وجريها في البحر لَا يقعَ إلا بإذن الله تعالى، إن قلت: ما أفاد قوله: (بِأمْرِهِ) فالجواب: إن جريها لما كان له أسباب في محاولة البحرين والخدمة فقد يتوهم أن جريها بسبب ذلك فاحترس منه بقوله (بأمْرِهِ) وبهذا تعمّ الحكمة في إدخال اللام في قوله في الواقعة (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) دون إدخالها في قوله (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) لأن الأول فيه لبني آدم تسبب ومحاولة فقد يتوهم أن ذلك من فعلهم بخلاف الماء فإنهم لَا تسبب لهم في كونه حلوا.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ... (٣٣)﴾
دليل على أنها شمس واحدة وقمر واحد.
قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ... (٣٤)﴾
(مِنْ) للتبعيض و (كُلّ) للعموم ومتعلقهما مختلف فالعموم في الأنواع والتبعيض في الأشخاص تلك الأنواع أي وآتاكم بعض كل نوع سألتموه.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).
أقروا النعمة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى بمعني أن الإنسان أيضا جزئيتان النعمة الواحدة فأحرى ما هو أكثر، قال: و (نعمة) مصدر محدد بالتاء فليس المراد به الجنس بل هو مفرد حقيقة بدليل أن المصدر المحدود بالتاء [مفرد*] يجوز تثنيته وجمعه بخلاف المبهم، قيل له: قد قال القرافي في أول شرح المحصول إنما لفظة مصدر محدود بالتاء وأنها ليست إلا مفردة فرد عليه الأصبهاني بأنه قد يراد بها الجنس، فقال ابن عرفة: الصحيح ما قال القرافي: ابن عرفة. وفي الآية سؤال وهو إن الشرط لَا يكون مناقضا للجزاء فلا يقول قام زيد لم يقدر على القيام والعد هو غير الإحصاء، وأجيب: بأن المعنى وإن أردتم أن تعدوا نعمة الله لَا تحصوها مثل (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
الرعد 13:35
فإنهم لَا يجدونهم، قلت: وتقدم لابنِ عرفة: في هذه الآية ما نصه قوله (وَمَا فِي الأَرْضِ) وقال في سورة يونس (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) وفي سورة إبراهيم (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) فأجاب ابن عرفة: بأنه إنما خص الأرض لأنها المشاهدة القوية، وإلا فقد عبدوا الشِّعْرَى [... ] عبدوا الشمس لَا غير ذلك، ونفى علم الشيء على الله يستلزم عدم ذلك الشيء وفيه دليل على أن العدم غير معلوم، وفي المسألة ثلاثة مذاهب، مذهب الجمهور إلى أنه معلوم، وقيل: إنه غير معلوم، وقيل: المستحيل غير معلوم والممكن معلوم.
قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ).
أي أم بدليل سمعي فمعناه أنكم لا تجدون دليلا عقليا على ذلك ولا سمعيا فلا مستند لكم بوجه فالدليل العقلي تقدم نفيه لقوله (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ) وفي قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ).
قوله تعالى: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ).
ابن عرفة: ومن زين له مكره وقد يصور دليلا يصوره به ويزوده وهو [... ] صدوا عن السبيل فليس لهم شبهة ولم يجدوا وأجاز [... ] ولا ما يستدلون به على صحة دعواهم.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
إن أريد ومن يضلل الله دائما فما له من هاد بالإطلاق وإن أريد ومن يضلل الله وقتانا أي وقت كان فما له من هاد غير الله.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾
ابن عرفة: الظاهر أن الخبر مقدر، وفي الآية حذف مضافين والتقدير (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فرد عليه بأنه إن أراد بالثانية جنة الآخرة فقد شبه [الشيء*] بنفسه، [ولا يصح*] أنها ضد الدنيا؛ لأن [التشبيه*] بالشيء [لَا يقوى*] قوته وهنا تشبه الأقوى بالأضعف فقال: قد يكون الفرع أقوى [**نفي المعنوي مقدم على العبادة] [... ] لا [**من قول ولا يعبد]، فأجيب: بوجود الأول أن المراد [بالشرك الرياء والكبر فالمعنى أمرت أن أعبد الله عبادة صالحة من الرياء*] ولكن هذا لَا يناسب السياق، قيل له: وعلى هذا ابن عرفة تارة يراد [بالإنسان*] الجنس العام الباقي على عمومة فيحتاج إلى الاستثناء منه كقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وتارة يراد به الخصوص كهذه الآية وقوله (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) المراد ظلم المعصية وكفار أي جاحد نعم ربه، قيل لابن عرفة: لو أراد بالمفرد المحلى بالألف واللام العموم لجاز أكرمت الرجل، الفضلاء وأجمعوا على منعه، فقال: إنما منعوه رعيا للمشاركة اللفظية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا... (٣٥)﴾
وقال في البقرة: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أن آية البقرة مدنية وهذه مكية والقاعدة عنده أن اسم [... ]. قلنا إن المنزل أولا هو المدعو به أولا مع أنه لَا يلزم هذا فقد يكون المنزل أولا هو المدعو به ثانيا لأن الاسم إذا تقدم نكرة ثم أعيد فإنه يعاد معرفا مثل (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أن القاعدة أن يكون المبتدأ معلوما وخبره مجهولا، والبلد في قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أصله قبل دخول الفعل عليه مبتدأ لأنه نعت لهذا ونعت المبتدأ مبتدأ وأما خبره وفي قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) هو مبتدأ و (بَلَدًا) خبره و (آمِنًا) نعته أو خبرا بعد خبر والقضية واحدة، قال: وأجيب بأن الشيء في نعته ليس كهو مع غيره، فهو معلوم من حيث كونه بلدا مجهولا من حيث كونه بلدا آمنا فالأول: كما نقول اجعل هذا رجلا صالحا دعوت له بالصلاح فقط، والثاني: كقولك اجعل هذا رجلا صالحا مع أنه رجل لكنك دعوت له بالصلاح تحصيل المجموع ورد بأنه يلزم عليه أن يجوز زيد العاقل مخير بزيد العاقل عن زيد مع غيره إما إذا ثبت مجرد لفظه الأول فلا يجوز.
قوله تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
ابن عرفة: هذا دعاء على سبيل إظهار [التذلل*] والخضوع لأنه عبادة الأصنام مستحيلة في حق النبي ﷺ إذ هو معصوم وقد قالوا: إن المستحيل عقلا لَا يجوز طلبه [كالطيران في الهواء*] وكذلك لَا يجوز للإنسان أن يقول رب اجعلني من غير خبر لأنه محال وكذلك المستحيل شرعا.
قوله تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... (٣٧)﴾
الزمخشري: نفى القليل والكثير والمراد به ليس فيه بحر ولا نجم ولا ماء، ورده ابن عرفة: بأنه تقدم في الرعد أن قولك زيد ذو مال يفيد الكثرة والمبالغة، قاله عياض فى الإكمال: فيجيء الجواب فيه هنا كالجواب في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
الرعد 13:38
قوله تعالى: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ).
أي دعوتك (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أو اجعل ذي أفئدة من النَّاس، ابن عطية: والمجعول لهم ذلك مجهولون لأن الأفئدة نكرة، ابن عرفة: بل لأن من التبعيض والبعض غير معين.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ... (٣٨)﴾
ابن عرفة: هذا احتراس لأنها لما تقدمها (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) فقد يتوهم أنه أتى بها على جهة الإعلام ولم يقصده في ذلك والإعلام يقتضي الجهالة بالشيء واحترس من ذلك، وقال إني ما أعلمتك إلا بما تعلم لأنك تعلم ما تخفي وما تعلن، ثم قال (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فهذا أيضا احتراس لأنه يظن أن علمه قاصر على إبراهيم وأهله وأخذوا منها أن المعدوم شيء لأنه إن كان شيئا فهو معلوم وأن لم يكن شيئا فخرج عن الآية مع أنها أثبت على سبيل العموم في إحاطة علم الله تعالى لكل معلوم، ابن عرفة: وفيها رد على من يقول إن الله تعالى يعلم الأشياء على الجملة ولا يعلمها على [التفصيل*] لئلا يلزم عليه التفسير وبيانه أن زيدا إذا قام وعلمت بقيامه فقد تغير عليك عن ما كان عليه.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ... (٣٩)﴾
قال ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح:
(الْحَمْدُ) هو الثناء، والثناء مشتق من التثنية فهو إنما يصدق على حمد مرة بعد أخرى وكذلك هذا [؍ ]. النفي داخل على الفعل المؤكد فنفاه فهو تأكيد للنفي لَا لنفي الفعل المؤكد فهو نفي الأعم لَا نفي الأخص.؍
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾
(إِنَّمَا) هنا ليسَت للحصر مطلقا بل في شيء خاص لأنه لم يؤخرهم ليعمل لهم قال تعالىَ: (إنَّمَا نُمْلِى لَهُم لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).
قوله تعالىَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾
هو المراد هنا به الريح من أفئدتهم كالهواء إشارة إلى ذلك بخلاف عندهم وكذلك زيد مثل الأسد.
قوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ... (٤٥)﴾
إن أخذوا منها أن التواتر يفيد العلم لأنه لم يتبين ذلك إلا بالإخبار عن الأمم السالفة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ... (٥٢)﴾
يؤخذ منها أن الوحدانية ثبتت بالسمع وهو أحد القولين عند الأصوليين.
* * *
الرعد 13:40
يكون قوله (وَلَا أُشْرِكُ بِهِ) حالا لكن خص الأكثرون على أنه لَا يحصل الفعل [للاستقبال]، فقال: يكون هذا حالا مقدرا؛ كقولهم مررت برجل معه [... ] يديه هكذا، الجواب الثاني: أن المراد أمرت أن أعبد الله وأدوم على عبادته إني أعبده عبادة لا يتخللها أو لَا يعقبها إشراك، الثالث: إنما قدمت العبادة لتدل على نفي الإشراك باللزوم ثم بالمطابقة فيدل اللفظ دلالتين وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾
اختلفوا هل هذا وعد النبي ﷺ بتعذيبهم أو وعيد لهم فأطلق الوعد على الوعيد، ابن عرفة: وقال في الزخرف (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) لكن أبلغ لأنها اقتضت رؤية بعض عذابهم وهو ما ينزل بهم في الدنيا، قبل وفاة النبي ﷺ ومعنى الآية إما نرينك بعض ما ينزل بهم أو نتوفاك قبل [رؤيتك*] ذلك، قال ابن عرفة: وفي هذا كمال التسلية للنبي ﷺ وكان بعضهم يقول إن الوعد بالإحسان أو بالنصرة على الأعداء من السلطان والرجل ذو الهيئة ليس في الوعد كمن دونه لأن الأول يحصل منه كمال الطمأنينة والركون، وفي الآية سؤال وهو ما الحكمة في تأكيد الفعلين بالنون من أن أحدهم محقق الوقوع لَا شك فيه، وإنما المهم تعيين الواقع منها علم [... ] نزل تأكيدهما؟ قال والجواب: إن التأكيد راجع للخبر لَا للشرط، قلت له: إنما هو في الشرط يقطع، فقال: الشرط والخبر أمر ببطلان ألا ترى أن القائل إذا قال قام زيد فإنما أكرمه يحسن أن يقال له صدقت أو كذبت، والتصديق والتكذيب إنما هو الخبر لا للشرط.
قوله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
ابن عرفة: وفي هذا عندي اللف والنشر كقوله: (عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) يرجع لقوله: (نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) لأنه أنزل العذاب بهم في حياتهم قد يظن هو أن عليه في ذلك [... ] ما لعدم إيمانهم فقبل له أن رأيتهم نزل بهم عذاب فلا يتوهم إن عليك في ذلك شيئا لأنك إنما عليك البلاغ وقد بلغت وقوله: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) يرجع لقوله: (أَوْ نَتَوَفَّيَنكَ) لأنهم إذا عذبوا بعد وفاته أنفى التوهم المتقدم، وقيل له: علينا حسابهم.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾
ابن عطية: أي من خيارها وهو عكس ما قال الزمخشري في (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال أي خيارا.
الرعد 13:42
قوله تعالى: (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
سرعة حسابه إما باعتبار قرب أوانه، أو قصر زمانه وقلة [مكثه*]. قال ابن عطية: في سورة آل عمران عن مجاهد يحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى [بإحاطته*] بكل شيء [علمًا*] لا يحتاج إلى [إلى عد ولا فكرة*].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
قلت: (مِنْ) لابتداء الغاية فيقتضى أول أزمنة القبلية وقد يضرب الماضي من زمن الحال فكيف صح الجمع منهما؟ فقال: المراد أول أزمنة هذا المكر المقرب وهو الزمن القريب من وقتك.
قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ).
ابن عرفة: وذلك إن الفاعل له صفتان القدرة على الفعل والعلم بموجبات أسبابه فقوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ) راجع لوصف القدرة وقوله: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) راجع للعلم.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾
هذا تصريح بقبح مقالتهم لمخالفة فيها الأمر الضروري لأنهم كذبوا به بعد ظهور المعجزات والخوارق المعلوم صدق من ظهرت على يديه بالضرورة وتقدم في أصول الدين أول الواجبات النظر فمذهب أهل السنة أنه واجب بالشرع، وقالت المعتزلة: النظر واجب بالعقل قالوا ولو كان واجبا بالشرع للزم عليه إقحام الرسول لأنه يقول له ما نظر في معجزتك حتى يجب ذلك على ولا يجب على إلا بقولك وأنا لَا أصدقك، وأجاب أهل السنة عن ذلك بجوابين، الأول: أن المعجزات والخوارق من الأمر الغريب والنفس مجبولة على النظر في خوارق الأمور، الجواب الثاني: أن النظر إن قلنا بتكليف ما لَا يطاق فنقول إنه واجب ولا يلزم ما ذكروه، وإذا لم يقل بذلك، فنقول: إنه متوقف على تمكن العلم بنبوة الرسل لَا على حصول العلم بنبوته ويقول له أنت تمكن من العلم بنبوته فانظر النظر الذي يوصلك إلى ذلك الفعل العلم، ابن عرفة: فإن قلت: مقالتهم ماضية علم قال ويقوِل (الَّذِينَ كَفَرُوا) فالجواب من ثلاثة أوجه، الأول: أتى به مستقبلا للتعجب كقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولم يقل فأصبحت، الثاني: للتصوير كأنها لم نزل واقعة مشاهدة، الثالث: ليتناول اللفظ من قالها ومن سيقول مثلها في المستقبل قوله لست مرسلا قط الأخص حسبما ذكره الزمخشري وغيره، فالجواب: أن نفي الأخص هنا يستلزم نفي الأعم لأنه قال لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) فكذبوه في هذه المقالة فإذا كذبوه فيها فهم لم يصدقوه في نبوته لأن النبي لَا يكذب.
قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ).
هذا من كمال الاتصاف مثل (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فمعنى الآية الله شهيد علي وعليكم فيعلم المحق من المبطل فيجازي كلا بفعله، وقوله (شَهِيدًا) من باب المبالغة، والمبالغة فيه إما [... ] متعلقة شهادته؛ لأنها عامة في كل أحد.
قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)
والمبالغة في نفس الشهادة باعتبار استيفاء وجوهها وجميع شرائطها حتى لَا يشذ عنه من حال المشهود عليه في نفس الشهادة هي، قوله تعالى: (شَهِيدًا) يعم الدنيا والآخرة فالدنيا باعتبار ظهور المعجزات على يدي رسول الله ﷺ وهي تنزل منزلة قوله صدق عبدي فصار كالشهادة لأحد الخصمين بالصدق في دعواه باعتبار آي القرآن.
قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وأما الآخرة فباعتبار مجازاته إياهم وعقابهم على تكذيبهم قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) المصدر مضاف للمفعول أي ومن يعلم الكتاب والمراد بمن عنده إما الصحابة والكتاب القرآن أو الله تعالى واللوح المحفوظ، وقيل: المراد بها من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، والكتاب التوراة والإنجيل، قال ابن الخطيب: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم بعد ذلك فكيف يقال إنه هو المراد بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) لأنه لَا يشهد حينئذ أو هو كافر، أجاب: باحتمال أن تكون هذه الآية خاصة منها مدنية وبالله تعالى التوفيق.
* * *
الحجر 15:3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحِجْرِ
مكية
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾
ابن عرفة: انظر هل يؤخذ منها أن الزائد على الشبع حرام لأن الآية خرجت مخرج الذم لهم والذم على تحصيل القوت ليس يحسن قال: ويجاب بأن الذم على المجموع وهو أكل القوت والتمتع واللهو.
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
لا يستقل الكلام فالجواب: أنه أفاد الإخبار بكمال عبادتهم وأنهم جماعة كثيرون وتعدد الأشخاص مظنة التفطن والتفهم ومع هذا فكلهم يتعامون وتعمهم الضلالة ولا يصدق إلى الإيمان به بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾
قال بعضهم: هذا دليل على إبطال القول بحوادث لَا أول لها وهل هذا كقولك هذا [شراب من عسل من نحل*]، أو كقولك هذا من سكر من قصب، أو كقولك هذا عسل من تمر بمعنى أن العسل يستخرج من التمر قال هو من الثاني.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾
الكاف في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ أو في موضع نصب صلة لمصدر محذوف فعلى الأول.
قال الزمخشري: مثل ذلك (نَسْلُكُهُ) أبو حيان: الأمر كذلك ورد الخولاني بأنه لا رابط بينه وبين (نَسْلُكُهُ) والمقام مقام الوصل [فما قاله الزمخشري أصح*].
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
قالوا حال، قال الخولاني: مما قيل له من المجرمين، فقال: لَا تأتي الحال من المضاف إليه حسبما قال ابن مالك: والحال لَا تأتي من المضاف إليه إلا إذا اقتضى المضاف إليه علمه أو كان بعض ما أضيف إليه كبعض من غيره من قدموا وكذلك تأنيث الفعل إذا كان فاعله المذكور مضافا لمؤنث هو جزء منه أو كالجزاء كقوله تعالى: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) ومثال إتيان الحال من
الحجر 15:15
المضاف إليه قوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُم جَمِيعًا) ورده أبو حيان: بأن ذلك كله منصوب على معنى أمدح قال وليس لإتيان الحال من المضاف إليه نظير، قيل للخولاني: كما صح تأنيث الفعل تنزيلا للمضاف منزلة المضاف إليه كذلك يصح إتيان الحال من المضاف إليه فقال لا نظير له قبل قد أنشد عليه ابن عصفور في شرح الإيضاح:
[تَرَى أرْمَاحَهُمْ مُتَقَلديها؍ إذَا صَدِئَ الحَدِيدُ على الكُماةِ*]؍
ولا يصح تأويل هذا على المدح، قال الخولاني: ويمتنع كون لَا يؤمنون حالا لأنه منفي بلا ولو كان حالا لكان بالواو ونقل ذلك عن ابن عرفة قال: بابا في السماء لأن من الابتداء الغاية يستدعي على المنهي والباب مبتدأه ومنتهاه في السماء، فقال الظرفية: تصدق بأدنى شيء وبأدق الأحوال فتجعل من التبعيض.
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
ابن عرفة: هذا إضراب انتقال؛ لأنهم إنما أضربوا عن مفهوم قوله: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) لأن مفهومه أن باقي جسدهم لَا ينكر، وما ذاك صحيحا فأضربوا عن هذا المفهوم وقالوا: [بل*] جميع ذواتنا مسحورة ولو كان إضراب إبطال للزم عليه أن تكون أبصارهم غير مسحورة وليس ذلك مرادهم وقوله تعالى: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) ظاهرة وكالمناقض بقوله: (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾.
قال ابن عرفة: الوصف بالأخص هو القرآن، والذكر وصف أعم، فلم عبروا بالأعم دون الأخص؟ قال: والجواب أن في التفسير بالأخص تنبيه [لتلك*] المعجزات [التي*] ورد بها القرآن وهم متعبدهم ذلك] [**وأخذاه وانظر إلى المثل السائر ذكر بني الظعن وكنت غافلا]. قوله: (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) قال [ابن زيتون*]: أرادوا أن اتصافه بما جاء به من الوحي مستفاد من الجن الذي يسترقون السمع، فرده ابن عرفة وقال: إنهما أرادوا به جنون.
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾
يحتمل وجهين أحدهما: لأن حكمة الله تعالى جارية في أن نزل الملائكة لغير النبي إنما هو للانتقام منه أو لبعض روحه، الثاني: أن حكمة الله تعالى جرت في إيمان خلاقه إنما يكون نظر ما بالدليل والبرهان ولو نزلت الملائكة لاضطر خلقه إلى الإيمان؛ لأنهم رأوا الحق عيانا والمعجزات التي أمر بها أصحابه ولم يروها ورأيناها نحن عيانا
الحجر 15:28
[لأنَّا*] في القرن الثامن وقد شاهدنا القرآن محفوظا عن المخالفة باقيا على حاله لم يتبدل فيه شيء بوجه، ولما عرف القاضي عياض في المدارك وإسماعيل القاضي قال: حدثنا عمرو المغربي عن أبي المساني القاضي قال: كنت عند إسماعيل يوما فسئل في إجازة التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن، فقال قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فلم [يجز*] التبديل عليه فذكر ذلك للمحاملي، فقال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا، وقال عياض: وبمثله أجاب محمد بن وضاح لنصراني سأله عن هذا [فبينه*].
قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ﴾
نقل ابن عطية هنا خلافا في إبليس هل هو من الملائكة قال: والظاهر من هذه ومن كثير من الأحاديث أنه من الملائكة واستبعده ابن عرفة: لأن الملائكة معصومون قاله الأصوليون، وحكى الطبراني عن ابن عباس: إن الله تعالى خلق ملائكة وأمرهم بالسجود لآدم فأبوا فأرسل عليهم نارا، ورده ابن عرفة بثبوت العصمة للملائكة.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾
الزمخشري: قسم هنا بالإغواء وفي (ص) (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ) أقسم هنا بالفعل وهناك بالصفة قال فعَادتهم يقولون هذا مناقض لأصل الزمخشري ولأنه ينفي الصفات جملة يقولون إن الله سميع لَا يسمع ولا يبصر عالم لَا يعلم مريد لَا بإرادة قادر لَا بقدرة بل سميع بذاته بصير بذاته.
قوله تعالى: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾
قلت لابن عرفة: (الْمُخْلَصِينَ) يغويهم ولا يسمعون منه، فقال: بل لَا يقدر على إغوائهم بوجه لكن زين لهم فقط لأن التزيين هو تحسين القبائح والإغواء هو الحمل على الوقوع فيها فالإغواء يستلزم الفعل والتزيين لَا يستلزم فقوله: (إِلا عِبَادَكَ) مستثنى من الإغواء لَا من التزيين فالمخلصون يزين لهم ولا يغويهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ... (٤٤)﴾
ابن عطية: الطبقة الأولى جهنم، الثانية: الحطمة وهي طبقة اليهود، والثالثة: السعير وهي طبقة النصارى، وقال القونوي عكس هذا إن النصارى في الثانية، واليهود في الثالثة، وضعفه ابن عرفة قال: لأنهم مهما كثرت الرسل [كثرت*] عقوبة مكذبها، وقوم موسى كفروا بموسى فقط، والنصارى كفروا بعيسى وهو بعد موسى فعذابهم أشد لأنه سبقه من الأنبياء كثير دعوا إلى مثل ما دعا هو قومه.
الحجر 15:45
قوله تعالى: (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ).
الضمير عائد على الغاوين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾
ابن عرفة: قالوا إما كونهم مظروفين في الجنة فظاهر وإما حلولهم في العيون فلا يتصور فلا بد من حذف مضاف أي في نعيم جنات وعيون، قال: وهذا إما مجاز تسمية الشيء بما يؤول إليه أو من مجاز التقليب لأن المتقين ليس لهم حين نزول الآية في الجنان إذ هم أحياء لم يمت منهم إلا القليل أو غلب من مات على ممن لم يمت، كما قال: [(وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) *].
قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾
قال بعضهم: (بِسَلامٍ) متعلق بمحذوف (آمِنِينَ) منصوب بادخلوا فالسلام صفة للقائلين والأمر صفة للداخلين معناه يقال لهم بسلام ادخلوها آمِنِينَ أي يقال لهم: سلام عليكم.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾
قال بعضهم: هذا دال على أن الغل لنا في التقوى، قيل لابن عرفة: لعل الغل في قلوبهم وهم يجاهدونه، فقال هذه صفة ممدوحة وهذا إن كان النزع في الآخرة وإن كان في الدنيا فلا كلام، وقال ابن عرفة مرة أخرى: هذه الآية تدل على أن التقوى مساوية للإيمان وليست أخص قسمة بخلاف غيرها من الآيات إذ لو كانت أخص منه لما كان في قلوبهم غل.
قال الزمخشري: وعن الحارث الأعور كنت جالسا عند علي بن أبي طالب إذ جاءه ابن طلحة، فقال له علي: مرحبا بكم يا ابن أخي أما أنا والله لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقه: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ) فقال له قائل: كلام الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد، فقال: لمن هذه الآية لَا أم لك.
قال ابن عرفة: لأن طلحة كان يقاتل عليا مع معاوية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾
قال القاضي عياض في المدارك: لما عرف بعيسى ابن سعادة من مشاهير العرب قال، قال أبو الحسن القابسي: لما أتينا مرة ابن محمد الحافظ أنا وعيسى بن سعادة
الحجر 15:87
والأصيل واقعناه نازلا من درج مسجد، وقال من هؤلاء قول معاوية فوقف فسلمنا عليه ثم رجع فقعد ونظر في وجوهنا فقال ما أدري إلا خيرا حدثونا عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري عن [عمرو بن قيس الملائي*] عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى"، وتلا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾
قال ابن عرفة: كان بعض البغداديين يقول إنما خصص لفظ السبع هنا لأن العدد الكامل الزائد على العدد التام إلا جزعا لأن الستة عدم تام الأجزاء قال: وعادتهم يجيبون إيتاء النعم والسكوت وتناسبها وهو أكمل من إتيانها والمد بها حسبما نبه عليه الزمخشري في سورة البقرة، وأنشد عليه:
وإن امرءا أسدى إلي بنعمة؍ وذكر فيها مرة لبخيل؍
ولا شك أن المقام شريف فلما ذكر رسول الله ﷺ بهذه النعمة، قال: [وأجيب*] بوجهين أحدهما: أن التذكير بالنعمة الماضية إن كان إشعارا بورود نعمة أخرى في المستقبل فلا شيء فيه، وإنما يكون امتنانا إذا لم يشعر بوروده نعمة أخرى في المستقبل وعليه قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧). الثاني: إنه ذكرها ليرتب عليها أمرا تكليفيا فيكون داخل في مقام الامتثال.
ابن عرفة: فإن قلت: الجملة الثانية كانت مسببة من الأولى فهلا عطفت بالفاء فكان يقال: فلا تمدن عينيك، فالجواب: إنه لما كانت السببية ظاهرة أغنت عن الإتيان بالفاء [والله المستعان والموفق*].
النحل 16:1
سُورَةُ النَّحْلِ
مكية إلا ثلاثة آيات في آخرها.
قوله تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
ابن عطية: إخبار عن إتيان بما سيأتي على جهة التأكيد وإن كان الخبر حقا لأنه لوضوحه كأنه قد وقع وإنما يجوز ذلك عندي لمن يعلم قرينة التأكيد ويفهم المجاز وإن كان المخاطب لَا يفهم المجاز فلا يجوز وضع الماضي بوضع المستقبل لأن ذلك يوجب الكذب.
قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون عليه بقول أبي بكر لمن سأله النبي ﷺ هذا هاد يهدي إلى الطريق، وقوله نحن ما وتقدم الجواب بأن كلام أبي بكر من استعمال الأعم في بعض [أجزائه*] والقرينة، وقول ابن عطية: من نقل اللفظ حقيقة إلى مجازه فلا بد فيه من الملازمة الذهنية.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾
يتناول الطائع والعاصي، فالطائع مخاصم لإظهار الحق، والعاصي مخاصم بالباطل فهو من الكلام المتناول للشيء ونقيضه كقوله ﷺ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾
هذا ترق لأن الدفء ميسر قريب إذ ليس فيها إلا إزالة صوفها ووبرها والانتفاع بها فليس عليها فيه مضرة ثم الامتناع بالمنافع أقوى لأن تسخيرها والحمل عليها وهذا مما لا يقدر الإنسان على فعلها ولا ما أتيح له فيها تكلف ومشقة عليها ثم الإنسان ما لا يأكل منها أقوى من ذلك وأشد لأن فيه بها وهذا لَا يقدر الإنسان عليه لأنها محرمة فكيف تذبح وما أباح الله لنا ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾
وقدم الرواح وإن كان متأخراً في الوجود عن السراح لأن الجمال فيها [حظ*] الرواح أكثر لكونها ترجع مستعانة البطون، ورُدَّ بأن، قيل: هلا قصد الترقي فهو أحسن من التدلي، وأجيب:
بأنه إنما قدم المؤخر لأن الجمال حين الرواح كثير والجمال حين السراح إنما يكون عن جمالها في الرواح فإن [؍ ] بأنه سرحت من الغد جميلة وإن راحت ما فيه لم يكن بينها حين السراح جماله بوجه.؍
النحل 16:9
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
قال ابن عرفة: لما ذكر الدلائل الفعلية قال من النَّاس من هداه الله بها فاهتدى ومنهم من ضل فجار وما لها اهتدى.
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾
صح صيغ الابتداء بالنكرة لأن فيها حتى التفصيل.
قوله تعالى: (وَمِنْهُ شَجَرٌ).
ابن عطية: عن عكرمة اجتنبوا ثمر الشجر فإنه سمت.
ابن عرفة: يريد به كلأ الأرض لحديث النهي عن [... ] الكلأ حسبما ذكره في كتاب [... ] وكلام عكرمة نص في إطلاق الشجر على ما ليس له ساق فعلى هذا يكون لفظ الشجر مشتركا بين الكل والجزء وقدم المجرور لشرف السماء وعظم خلقها.
قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾
قدمه لعموم الحاجة إليه من الحيوان العاقل وغيره ويقدر أن الأمر على ثلاثة أقسام ضرورية وحاجيه وتكميلية وترتيبه فقدم الزرع لدعوى الضرورة العامة إليه وقدم الزيتون على التمر ما يوقد به فهو تكميل للقوت، والتمر ما يتفكه به فهو ترتيبي فكان أدون لأنه زائد على القوت عصر وقدم التمر على العنب لأن الخطاب لأهل الحجاز ليس بأرضهم إلا التمر فهو عندهم أشرف من العنب لأن محبته الإنسان طالما يعاهد وأدى عليه أقوى من مجيئه لغيره فالترتيب وهذا على صحة النقل، جمع العنب لظهور الاختلاف في أنواعه لأن منه الأبيض والأكحل والأحمر فاختلافه في أنواعه بالطعم واللون والجرم والتمر إنها الاختلاف في أنواعها بالطعم والجرم فقط وانظر على هذا التقسيم المستوفى، كقوله:
[وراحوا فريقٌ فِي الإسَارِ ومثلهُ؍ قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربه*]؍
وكقول الآخر:
فقَالَ فريق القوم لا وفريقهم؍ نعم وفريقٌ أيمنُ الله ما ندرى؍
وكقول الآخر:
[وهبها كشىء لم يكن أو كنازح؍ به الدار أو من غيَّبته المقابر*]؍
النحل 16:12
كقوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) وليس ثم غير هذا.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
أفرد الأول والآخر وجمع الوسطى لأن الأول تقدمتها آية أرضية والوسطى تقدمتها آية سماوية وهي أكثر من الآيات الأرضية (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) أو يقال: إنما جمع الثانية إشارة إلى أنها نهي الأولى [... ] ويحتمل أنه تعالى لو كانت الثانية نعمة سماوية وهي أشرف وأجل وأطهر من النعمة الأرضية جعل كل واحد منها على انفراد وآية لشهرته وظهوره أو لأن المذكورات أولا راجعة إما مجرد القوت أو الوصف الثالث وكلاهما شيء واحد بخلاف الثانية، وقال في الأولى (تفكرون) لأنها أمور عادية إذ حصول الشراب [... ] أمر عادي وقد لَا يكون عنه شيء وتسخير الليل والنهار والقمر أمر عقلي وليس بمادي، والثالث: يقال لمن لقن الحجة والدليل بعد أن كان نفسه فهو أمر تذكيري فلذلك قال: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾
قدم الليل إما لأنه عدم والعدم سابق على الوجود أو لأن [... ] لنا يؤرخون الليالي وأول الشهر ليلة وقدم الشمس وإن كانت مؤنثه لأن ضوء القمر مستمد منها. ابن عرفة: أفرد الآية أولا إذ هي امتنان بنعمة أرضية ثم جميعها لأن الثانية امتنان بنعم سماوية أجل وأشهر من الأرضية فكل واحد منها آية وكذلك قال في الثانية (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لأنها تعلم بمجرد العقل من غير تفكر ولا تأمل وفي الآيات الأرضية لَا تعلم إلا بقدر زائد على العقل والتفكر، وقال ابن الخطيب: الفكر في إعمال الفكر بطلب الفائدة والمذكورات راجعة لباب القوت وكل النَّاس محتاج إليه فعند ذلك يتفكرون النعم فيشكرونه، وأما الثانية فيراها أعلى رتبة إذ منافعها أخص وأغمض فيستحق صاحبها الوصف بما هو أعلى وأغمض وهو العقل.
ابن عرفة: وقوله يذكرون إنما جاء به أخيرا لأن التفكير ناشئ عن التفكر ولهذا اختلفوا فذهب بعض الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكر به وأن النفوس كانت عالمة بكل علم فلما خالطت الأبدان ذهب عنها ذلك بكل ما تعلمه إنما هو تذكر كل ما كان وذهب، ومذهب الجمهور أن أكثرها تفكر وبعضها تذكر فالتفكر لما لم يعلمه والتذكر لما علمه وتثنيته فلذلك جعله ثالثا.
قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾
النحل 16:14
قال الزمخشري: مختلف الهيئات والمناظر، وقال ابن عطية: أي أضافه كقوله ألوان من التمر؛ لأن المذكورات أصناف عدت في النعمة والانتفاع بها على وجوه ولا يظهر الأمر حيث تلونها حمرة وصفرة وغير ذلك ويحتمل أن تكون تنبيها على اختلاف ألوانها حمرة وصفرة، قال: والأول ابن عرفة لأنه اختلف بالأمور الذاتيات وهو أجل من الاختلاف بالأمور العرضية.
ابن عرفة: وفي الآية ردٌّ على [الطبائعيين*] لأنه لو كان أفعال الطبيعة لاختلف فبطل كون الأرض [تفعل بطبعها*].
قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾
وصفه بالطري لوجهين الأول، قال ابن عطية: [**لسرعة النتوئة للحوت فالأسنان إنما هو بالطري منه]، الثاني لابن عرفة: قالوا إن الخطاب لن يصل إليهم لبعد البحر عنهم فكأنه، قيل: لهم في البحر المنعم عليكم مع نعمة لن تشاهدوها فتعرفوها وهي التلذذ بأكل السمك طريا لأنه أطيب من المملح.
قال الزمخشري: إذا حلف أن لَا يأكل لحما حنث بأكل السمك وهو حنفي المذهب وعندنا فيه قولان، فقال ابن القاسم: يحنث، وقال أشهب: لَا يحنث، وقال ابن الخطيب: إن أبا حنيفة سئل عن من حلف أن لَا يجلس على بساط فجلس على الأرض، فقال: لَا يحنث فأخبر بذلك أبو سفيان فقال: الأرض بساطا قال الله (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) فكيف لم يحنث وقد حنث أن لَا يأكل لحما فأكل الحوت فأخبر بذلك أبو حنيفة فقال: تسمية الأرض مجازا بخلاف تسمية الحوت لحما.
قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا).
ابن عطية: هي اللؤلؤ أو المرجان قال والمراد البحرين بالحلو والمالح، وقال في سورة الرحمن في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ). إنه إنما يخرج من المالح.
ابن عرفة: وفي جزء في [الأمير أبو حسن بن مزيد*] أنهم استخرجوا من وادي رقاق شبه الجوهر واستشهد ببعض الحاضرين وكذلك سمعت أنهم خرجوا من موضع هناك المرجان لكنها صغيرة ومرجان صغير مكتوف اللون يسحقونه ويعملونه في الأدوية وإنما يستخرج الكبير البراق المنير المشرق من ماء البحر المالح.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾
النحل 16:18
أورد الزمخشري سؤالين، أحدهما: إن الأصنام لَا تعقل فهلا قيل: كما لا يخلق؟ وأجاب ابن عرفة: بأنه لو عبر بها لكان الإنكار عليهم بأمرين من حيث كونها لا [تخلق فقط*]، وأجاب الزمخشري بأمرين: [إما لأنهم سموها [آلهة*] وعبدوها، فهو على نحو ما كانوا يعتقدون، ورده ابن عرفة: بأنه إقرار لهم على معتقدهم وإما بأنهم عاملوها معاملة ما لَا يعقل فروعي فيه المشكلة بينه وبين من يخلق، ورده ابن عرفة بأن المشاكلة إنما تكون حيث التساوي كقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)، وقوله:
[قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه؍ قلت اطبخوا لي جبة وقميصا*]؍
فالأول: شئت، والثاني: كذلك وإما هذا فالأول مثبت والثاني منفي، السؤال الثاني إنه إنما أنكر عليهم بتشبيههم من يخلق بمن لَا يخلق، فكان الأصل أن يقال: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) لأن همزة الاستفهام إنما تدخل على المنكر والمسئول عنه، وأجاب الزمخشري: بجواب لَا يفهم.
قال ابن عرفة: إنما عادتهم [أنهم*] يجيبون بأن الإنكار إنما يكون إلزام الخصم نقيض دعواه، أما إذا كان الإنكار بإلزامه حين الدعوى فلا يصح هنا لو قيل لهم: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) لم يكن الإنكار راجعا لنفي المساواة فلم يبق إلا أن يقال إن الله تعالى متصف بنقيض ما اتصف به معبودهم، وهو الخلق فيكون المراد الإشعار بتنقيص معبودهم، والتنقيص موجب لعدم الألوهية فليس المراد نفي مساواة الناقص للكامل إنما المراد الإشعار بتنقيص الناقص لأنه إذا قيل: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) يقولون: نعم نحن شبهنا من لَا يخلق بمن يخلق وقصارا أن يوجب تنقيص المشبه وكذلك هو منتقص فلما قيل: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) كان الإنكار راجعا لتشبيه الخالق بمن لم يخلق لأن تشبيهه به يوجب تنقيص البارئ والتنقيص موجب لعدم الألوهية، وقد قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فيستلزم نقيض دعواهم.
قوله تعالى: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا).
مصدر مضاف مؤكد لنفسه فهو نفي أعم لَا نفي أخص.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
ابن عرفة: قالوا إذا كان الشرط عين الجزاء كانت القضية باطلة مثل إن قام زيد، والعد هو الإحصاء فكأنه قيل: إن تعدوا نعمة الله لَا تعدوها فلا بد فيه من حذف،
النحل 16:19
[وأُجيب*] بثلاثة أوجه: أي وإن تحاولوا عد نعمة الله لَا تحصوها، ومنهم من كان [يجريها*] على ظاهرها من غير حذف، ويجيب بثلاثة أوجه الأول: أن العد راجع للآحاد والإحصاء للمجموع فإذا عدوا آحادها وتوسطوا فيها ينسون ما بدأوا به فلا تحصوا الجملة بوجه، الثاني: إن العدد لإحصاء [عاد النعم*] والإحصاء لأنواعها، الثالث: إن العدد للأنواع والإحصاء للأجناس.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
أي لولا مغفرته لكم ورحمته بكم لما أنعم عليكم لمخالفتكم أوامره ونواهيه.
قال ابن عرفة: [ويفهم منه*] أن الله تعالى لم يؤاخذ بعدم القيام بشكر النعم بذكره المغفرة والرحمة عقب ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾
أي وما تحدثون به أنفسكم وليس المراد في اصطلاح الفقهاء وتضمنت الآية الإشعار باتصاف الله تعالى بالقدرة والعلم فالقدرة بقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ)، وهذا المعلم وعطف (وَمَا تُعْلِنُونَ) على (مَا تُسِرونَ) للتسوية فهو أمر استأثر الله به كما قال (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).
قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾
قال ابن عرفة: (شَيْئًا) إما المفعول أو مصدر دخل بعد النفي على الفعل المنفي فأكده لأن النفي دخل على الفعل المؤكد به فنفاه فيكون نفيا أخص لَا نفي أخص، قيل لابن عرفة: هلا قالوا: ليسوا قائلين لأن لَا يخلقوا شيئا فهو أخص من الخلق منهم لاستلزامه له من باب أحرى، فأجاب: بأن هذا يفيد إثبات الخلق لله تعالى بالفعل فهو أخص من إثبات قبوله للخلق.
قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
قال ابن عرفة: هذه معدولة وليست سالبة لأن المعدولة تقتضي ثبوت الموضوع بخلاف السالبة.
قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
الضمير إما للأصنام أو للكفار.
ابن عطية: فعلى أنه للكفار يكون وعيدا أي وما يشعر الكفار أيان يبعثون للعذاب ولو اختص هذا المعنى لم يكن في وصفهم بعدم الشعور فائدة لأن الأنبياء والملائكة
النحل 16:22
والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، ورده ابن عرفة: بأنه إنما يصح هذا لو نفى عنهم العلم بوقت البعث فهو أمر استأثر به الله تعالى، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إنما نفى عنهم الشعور به والأنبياء قد حصل لهم الشعور به وعلموا بأشراط الساعة وأماراتها.
قوله تعالى: ﴿إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾
اعلم أنه تارة يراد بها نفي الكمية المتصلة كقولك الجوهر واحد بمعنى أنه لا ينقسم وهي في قولك: (إِلَهٌ وَاحِدٌ) لنفي الأمرين معا والوصف بواحد دال على أن لفظ الإله كلي.
ابن عرفة: فإن قلت: ما حد الإله؟ قلنا: هو المعبود المنقاد إليه وإن شئت هو المستغني بذاته عن العبادة وإن شئت هو المستحق للعبادة وهذا هو الصحيح ويبطل الأول بأن الله سمي إلها في الأزل لكنه مستحق للعبادة والأصنام الآلهة لاستحقاقها عندهم العبادة.
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ).
الفاء للسبب وليس هو من باب ذكر اللازم عقيب الملزوم إنما هو من باب ذكر الشيء عقب نقيضه لأن لازم كونها إلها واحدا التصديق لَا الإنكار والكفر وظاهر كلام الزمخشري: أن الوحدانية ثابتة بالفعل لأنه قال قد ثبت بما تقدم إبطال أن تكون الآلهة لغيره فكان من نتيجة الوحدانية ووضوح دليلها استمرارهم على شركهم فظاهر كلام ابن عطية: أنها ثابتة بالسمع؛ لأنه قال لما تقدم وصف الأصنام جاء الخبر الحق بالوحدانية وهذه مخاطبة لجميع النَّاس فعلمه أن الله متحد وحدة تامة لَا يحتاج لمكانها إلى ما انضاف إليها.
ابن عرفة: والصحيح غيره إنها مستفادة منهما معاً، قال: وذلك أن القضية على ثلاثة أقسام عقلية كقولك الواحد نصف الاثنين والجوهر متحيز أو مفتقر إلى العرض وشرعته كقولك الميت يبعثه الله، ومركبة منها كقولك الله سميع بصير، واختلفوا في قوله: (اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فذهب الفخر [... ] إلى صحة إثباته بالسمع، ونقل ابن التلمساني في شرح المعالم اللدنية عن بعضهم أنه لَا يصح إثباته بالسمع، وقال في شرح المعالم الفقهية أن ما يتوقف دلالة المعجزة عليه لَا يصح إثباته بالسمع.
النحل 16:23
ابن عرفة: لوجود الإله لئلا يلزم عليه الدور وما لَا يتوقف عليه يصح إثباته بالسمع كقوله (وَاحِدٌ) ذكره في الباب السابع في الإجماع.
ابن عرفة: وعندي أن الآية تدل على إثبات الوحدانية بالسمع والعقل كقولك (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) فكأنه يقول والمكذبون بالآخرة (قُلُوبُهُم مُنْكِرَةٌ)، ولو كانت لَا تتوقف على السمع لقال فالصم العمي أو فالمتصامون قلوبهم منكرة فذكره عقب الإيمان يشعر بعليته له فهو داخل على أنهم سمعوا فلم يؤمنوا بالآخرة ولو لم يتنكر فعلها على الإيمان لما ذكره بعده.
قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ﴾
قيل: في كلها بمعنى حقا، وقيل: (لَا) نافية، وقيل: نافية و [جرم*] وحده بمعنى حق فعلى هذا يكون فعلا ماضيا [وينبني*] عليه فتح إن من قوله تعالى: (أَن اللَّهَ يَعْلَمُ)، وكسرها لأن المفتوحة تكون فاعلة به.
قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ).
قال ابن عرفة: هو عندي كاللف والنشر، فيسرون راجع لقوله: (قُلُوبُهُم مُنْكِرَةٌ) ويعلنون لقوله (مُسْتَكْبِرُونَ) لأن الاستكثار في الأقوال والأفعال وهو هيئة ظاهرة.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ).
ابن عطية: هو عام في الكافرين والمؤمنين واستدل بأحاديث الزمخشري بجواز أن يراد بالمستكبرين عن التوحيد يعني المشركين ويجوز أن يعلم تغير كل مستكبر.
ابن عرفة: الصواب أنه خاص بالكفار لأن النحويين قالوا: إذا تقدم الاسم منكرا ثم أعيد معرفا بالألف واللام فهي للعهد؛ كقوله تعالى: (رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ)، وقال هنا: (وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ) ثم قال: إنه [لَا يحب*] المستكبرين فهم أولئك بلا شك.
ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو أن الصحيح أن المحبة والكراهة ليستا على طرفي النقيض وإن تقسم قسما ثالثا وهو أنه لَا يحب الإنسان شيئا ولا يكرهه وإذا كان كذلك لا يستلزم إثبات الكراهة، وكراهة الله تعالى لهؤلاء ثابتة موجودة فهلا قيل: إن الله يكره المستكبرين قال: وعادتهم يجيبون عن هذا بوجهين، الأول: أن المحبة والكراهة في حق الله تعالى على طرفي النقيض ولا يصح ارتفاعها ووجود القسم الثالث إلا في حق
النحل 16:25
المخلوق والجاهل بحقائق الأمور لأنك إذا كنت تعلم حقيقة ما اتصف به فلا بد من أن تحبه أو تكرهه وإنَّمَا ينتفي عنك الأمران إذا لم تعلم وخفي عليك أمره فحينئذ لَا تحبه ولا تكرهه فإِنك لَا تدري ما هو عليه من قبيح أو حسن والله تعالى عالم بحقائق الأمور فنفي المحبة في حقه يستلزم ثبوت الكراهة، الوجه الثاني: أن العرب إذا أرادوا المدح قالوا: حبذا زيد، وفي الذم لَا حبذا زيد فلولا [أن*] قولك لَا حبذا زيد ملزوم لثبوت الذم ما قالوا ولو كان كما قلت: لما كان قولهم لَا حبذا صريحا في الذم بل كان يكون تارة ذما صرفا وتارة لَا مدح ولا ذم فدل على أن نفي المحبة عندهم ملزوم لثبوت الكراهة والذم، قال ابن عرفة: والمحبة والإرادة في حق الله تعالى مترادفان لأن المحبة في حقه مردودة إلى صفة الفعل أو إلى الإرادة أي يفعل بهم الحسن أو يريد بهم فعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
قيل: إن (مِنْ) للتبعيض ورده أبو حيان بالحديث الصحيح الذي خرجه مسلم في آخر كتاب الفضائل "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا ينقص من أوزارهم شيئا"، وأجيب: بأن المضلين ترتب عن كفرهم وزران، أحداهما متعلق بهم، والآخر متعلق بمن أضلهم، ورده ابن عرفة: بأنه إنما يتم هذا لو كانت التلاوة ومن أوزار إضلال من اتبعهم فتضاف الأوزار للضلال لَا لهم.
ابن عرفة: قال والظاهر أن من للسببية ومن ثم معطوف مقدر هو مفعول أي ليحملوا أوزارهم وزرا آخر ليست أوزار الذين يضلونهم، ونقل عن أبي حيان أنه قال في سورة البقرة إن (مِنْ) تكون بمعنى مثل ولكنه شاذ.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال أبو حيان: إنه حال من مفعول يضلونهم.
ابن عرفة: الصواب إنه حال من الفاعل لأن العلم إنما بطلب ممن ينصب نفسه منصب المفيد لَا ممن نصبها منصب المستفيد قيل له: فعل هذا الأصوب أن يكون متعلقا بـ يضلونهم، فقال: وإليه حينئذ للمصاحبة فلا بد من الحال.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾
ما كان تحت الأرض فهو أساس وما فوقها سواء عندهم ومجموعها هي القواعد.
قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ).
النحل 16:27
أن قلت: لم قال (مِنْ فَوقِهِمْ) وهل هو إلا فوقهم؟ فالجواب بوجهين الأول: قال ابن عطية: يحتمل أن يكون خرورة يمينا وشمالا فقال (مِنْ فَوقِهِم) ليزيل ذلك الاحتمال، الثاني: قال بعضهم لو لم يقل (مِن فَوْقِهِم) لاحتمل أن يكونوا لما رأوا علامات السقوط خرجوا فحينئذ خر السقف، فقال (مِنْ فَوْقِهِم) ليفيد أنهم تربصوا حتى هلكوا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾
قال ابن عطية: هذا يدل على دخولهم النار وهو نظير قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) ورده ابن عرفة: لأن الإيمان إنما دلت على أن دخول النار ملزوم للخزي لأن الخزي ملزوم لدخول النار وما تم له هذا إلا لو كانت هذه القضية تنعكس كنفسها كلية وهم في اصطلاح المنطقيين إنما تنعكس جزئية فيقال: كل كافر فاجر أيدخل النار فينتج كل كافر مدخل وإنما عكسها عندهم بعض المخزى كافر.
قوله تعالى: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ).
راجع للأمر الباطن النازل بهم والسوء راجع للأمر الظاهر الحال بهم في أبدانهم، فإن قلت: كيف أكده بأن وخطابهم إنما هو لله تعالى بأن ذلك حق، وأجيب: بأن هذه المقالة صدرت منهم قبل حلول العذاب بأولئك فهم في مظنة الإنكار لها.
قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾
يريد أنهم استسلموا لقضاء الله والمغلوب إذا استسلم تارة يعترف وهو كقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) وتارة ينكر موجبات العقوبة كهذه الآية طمعا في أن يقبل ذلك منه [... ].
قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ﴾
فيها حال مقدرة.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ... (٣٠)﴾
قال الزمخشري: للذين أحسنوا يدل من خير مكانة لقول الذين اتقوا.
ابن عرفة: أراد أن خيرا من كلام الحاكمين فهو والذين أحسنوا معمولان لـ قالوا، الزمخشري: ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عند القائلين.
النحل 16:31
ابن عرفة: يريد أنه يحتمل أن يكون من كلام المحكي عنه، ونظير ذلك أن يقول [زيد قال خيرا الحمد لله*]، فيقول: أنت حاكيا لكلام قال زيد خيرا الحمد لله فهذه من كلام المحكي عنه، فإن قال: أقول الحمد لله، فقلت أنت: قال زيد خير الحمد لله فهذه من كلام الحاكي عنه، والقول محكي به الجمل والمفرد المؤدى معناها.
قوله تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ).
وقال في الفريق الآخر (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)، ولم يقل دار المتكبرين، فأجاب ابن عرفة: بأن مثوى هي الإقامة والإقامة مطلقة بصدق بأقل الأزمنة كقوله: ولقد كان في قول [... ]. ولذلك قال تعالى: (النارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ورد القليل يستلزم ذم الكثير من باب أحرى، وأما النار فهي محل للسكنى، والسكنى مظنة الطول فناسب الإتيان بها في محل المدح لأن الإنسان قد يسكن الموضع الزمن القليل ويمل من سكناه ولا يحب البقاء به فأتى به دار الآخرة ليفيد أنها محبوبة مرادة بسكنى الزمن [... ] بل إذ ليس فيها مال.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتقِينَ).
وهم المتقون المذكورون في قوله تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقَوْا) (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) جزاؤهم قد ذكر فكيف يشبه النبي نفسه، فأجاب ابن عرفة بوجهين: الأول أن المتقين في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أنهم الصحابة لأنهم هم الذين حصلت لهم التقوى وحسن نزول الآية والمتقون في قول الله تعالى يجزي الله المتقين يراد بهم عموم المتقين في كل زمن والألف واللام فيه للجنس فشبه جزاء ضيف بجزاء ضيف آخر فالمغايرة على هذا في المخزي، الثاني: إن المغايرة في الجزاء ومعناه مثل ذلك الجزاء بجزي الله المتقين جزاء آخر وذلك رضاه عنهم خير لا بجزاء عليهم أبدا ونظرهم إلى وجهه الكريم، قيل له: يلزمك أن يكون يشبه الأعلى بالأدنى وقد قالوا إن الشبه لَا يقوى قوة المشبه به، فقال: قد ذكروا عكس التشبيه وجعلوا منه (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، والبيع متفق عليه والربا مختلف فيه، قلت وأورد ابن عرفة: السؤال مرة أخرى، فقال: قد نص على جزاء المتقين في قوله تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١).. فكيف يقول لذلك يجزي الله المتقين فيلزم عليه الشيء بنفسه، ثم أجاب: بأن الجزاء الأول حاصل لأن الجنة مخلوقة على الصحيح فلهم الآن فيها ما يشاءون
النحل 16:36
ويجزيهم الله في المستقبل جزاء آخر إشارة إلى دوام النعمة وعدم انقطاعه وإلى ما ورد أن في الجنة ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإلى حصول النعيم لهم بالفعل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾
حكى الفقهاء في كتاب الجهاد والخلاف هل خلا العقل من جمع أو لا وحكاه المازري في المعلم، قلت لابن عرفة: قد قالوا لأن رسالة النبي ﷺ هو ونوح كانا عامين [للعرب والعجم*] فدل على أن غيرهما لم يرسل للعجم، فيرى العقل خلا من السمع، فقال: إنما ذلك في التفاصيل والأحكام وأما [الإيمان بوجود الإله ووحدانيته*] فكل شيء أرسل بذلك على العموم، فإن قلت: قس بن ساعدة وغيره من فصحاء العرب وعبدة الأصنام كانوا لَا يعرفون الإله بوجه، قلنا: إنما ذلك في عوامهم وأما رؤساؤهم فيعرفون وجود الإله وإن كانوا متعاهدين على ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾
ابن عطية: إنما هو للمبالغة لَا للحصر لأنه قد ينزل له عن ذلك، وأجيب: بأن المعنى إنما قولنا لشيء إذا أردناه إيجاده وإحداثه، قال الثعلبي، وابن الخطيب: الآية تدل على أن القرآن غير مخلوق وإنما كان يلزم عليه التسلسل، ورده ابن عرفة: بأن أهل الأصول قالوا للصفات قسمان متعلقة كالعلم والإرادة والقدرة والكلام، وغير متعلقة كالحياة، والمتعلقة قسمان مؤثرة كالقدرة والعلم، وقالوا: إن الصفات الغير مؤثرة تتعلق بنفسها فالكلام وإذا كان كذلك فما يلزم عليه التسلسل.
قوله تعالى: (إِذَا أَرَدْنَاهُ).
ابن عطية: أي إنما قولنا لشيء مراد لنا.
ابن عرفة: إن قلت كيف هذا "وإذا" ظرف لما يستقبل، قلنا ذكر ابن مالك: إذا يكون ظرفا لما مضى ومثله بقوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فلذلك هي هنا.
قوله تعالى: (فَيَكُونُ).
ابن عطية: قرئ بالنصب على جواب الأمر قال: وفيه تأمل، وقال الزمخشري: النعت عطف على القول.
النحل 16:41
ابن عرفة: والتأمل الذي فيه - والله أعلم - هو أنه وجد القول في الزمن الأول، ولم يوجد المقول له إلا في الزمن الثاني؛ ألا ترى أن قولك قام زيد فعمرو يقتضي الوجود لقيام زيد في الزمن الأول وبعده قيام عمرو في الثاني، وأمر الله تعالى يقتضي الوجود المتأخر فلا يصح وجوده في زمن لم يوجد فيه المقول له وهو الزمن الأول وهذا مغاير ما فسرنا به [... ] النقرشي في تقييده على ابن عصفور لما ذكر احتجاج من زعم أن الفاء كالواو، وبقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا). وأجاب عنه بأن المعنى أردنا إهلاكها، كما قال النقرشي: فيه نظر، قلنا: الذي فيه هو أن الفاء تقتضي الترتيب فيقتضي وجود الإرادة في الزمن الأول ولا مراد لأنه لم يوجد إلا في الزمن الثاني والإرادة من الصفات المتعلقة فلا يصح انفكاكها.
قال ابن عرفة: والجواب عن هذا أن الزمان في حق الله محال وإنما هو باعتبار المتعلق فصح على هذا العطف على كن.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾
ابن عرفة: يحتمل أن تكون المفاعلة هنا حقيقية لأن من هجرك من أهلك فقد هجرته، ويحتمل أن يكون بمعنى مثل [... ] الفعل، وهو الصحيح هنا لأن المشركين لم يهجروا المسلمين في الله قال وهذا لف ونشر فقوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) راجع لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا)، وقوله تعالى: (وَلَأجْرُ الآخِرَةِ خَيرٌ) لقوله تعالى: (هَاجَرُوا فِي اللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾
عبر عن الصبر بالماضي لأن متعلقه ماض وعبر عن التوكل بالمستقبل لأن متعلقه مستقبل والتوكل يترك الأسباب التكميلية عدد جائز، واختلف فيه بترك الأسباب التي لا قوام للإنسان إلا بها فمذهب الفقهاء تحريمه ومذهب الأصوليين جوازه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾
يدل على تخصيص الرسالة بالرجال فيحتج به من قال إن مريم عليها السلام ليست نبية، ويجاب: إما بأن الآية إما اقتضت تخصيص الرجال بالرسالة لَا بالنبوة، وإما بأن قوله:
(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ؍ (٤٤).. متعلق بـ (أَرْسَلْنَا).؍
قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
دليل على أن خبر التواتر يفيد العلم وعلى أن خبر الواحد يفيد العلم لأن المعنى فاسألوا أهل الذكر لتعلمون إن كنتم لَا تعلمون فهو سؤال عما لم يعلم، وإن كان
النحل 16:45
المسئولون بالمعنى عدد التواتر فهو خبر تواتر وإلا فهو خبر واحد محصل للعلم في الوجهين.
قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
ابن عطية: الذكر القرآن، وقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) إما بشروحك عليهم أنت القرآن، وإما بتفسيرك المجمل وشرحك ما أشكل منه، فيدخل فيه ما تبينه السنة من أمر الشريعة.
ابن عرفة: إن أراد تفسير المجمل وشرح ما أشكل منه، فالنَّاس العلماء كأبي بكر وعمر، وإن أراد البيان [بالمعنى الأول*] وهو سرده عليهم [نصه وبيانه*] فـ (النَّاسُ) عام، انظر قوله تعالى: (يَتَفَكَّرُونَ) والتفكر إنما يكون من العلماء، قال وفي الآية سؤال وهو أن المبين بعد التبيين، وأنزل يقتضي الإجمال، وإنزاله دفعة واحدة، ونزل يقتضي التنجيم حسبما ألم به الزمخشري في أول خطبة كتابه، والقرآن نزل أولا دفعة إلى سماء الدنيا [ثم*] نزل منها منجما فأنزل قبل نزل، وجاءت الآية على العكس وهو أن بيان ما نزل يقع بإنزال الذكر فجعل متعلق أنزل مبينا بمتعلق نزل قال: وتقدم الجواب بأن متعلق أنزل راجع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين بها ما نزل على أمته مفصلا منجما.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾
هذا من باب القلب لأن الخسف إنما هو بهم لَا بالأرض فهو مبالغة فالباء سببية وانظر قوله تعالى: (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) فالعاصي إنما تقع العقوبة به لَا بمجمله، وقوله: (مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) قيل: (السَّيِّئَاتِ) مصدر وقيل: مفعول لمن وأن الخسف بدل منه وهو بدل الأخص من الأعم والمراد بخسف الأرض بهم انقلابها وزلزالها، فإن قلت: هلا قيل أن يخسفهم الله في الأرض، فالجواب: إن هذا أبلغ أن خسف محلهم بهم أبلغ من خسفهم فقط.
قوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ).
أو للتفصيل باعتبار من حلف من الأمم في أن بعضهم خسف به الأرض وبعضهم عذب.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾
أي في حركاتهم وأسفارهم فما هم بمعجزين تعالى الله عن ذلك؛ لأنه لَا يعجزه شيء، والفاء للسبب، ووجه ذلك أنها دخلت على الجملة قبل النفي، والتقدير أو يأخذهم
النحل 16:47
في تقلبهم فهم بسبب ذلك معجزين لأن أخذه لهم حالة التقلب والتحرك مظنة لفرارهم وهروبهم فدخل حرف النفي فنفى ذلك السبب المترتب على تقلبهم أي فما يكون تقلبهم سببا في تعجيزهم له لأن الفاء دخلت بعد النفي لأنه لَا يصح فيها السببية إلا على هذا التأويل.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾
والتخوف النقص، قال الشاعر يصف ناقته، وهو زهير.
[تخوف السّير مِنْهَا تامكا قردا؍ كَمَا تخوف عود النبعةِ السفن*]؍
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾.. الرؤية بصرية بدليل تقدمها بـ (إلَى) كما قال تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) والإنكار ليس هو نفس الرؤية بل للازمها وهو التفكر والاعتبار.
قال ابن عرفة: وانظر هل وقع التوقيف بمجموع تفيؤا الظلال وكونها ممجدة الله أو بمجرد كونها سجداً لله فقط، فهل قوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ) حال أو صفة ونظيره قولك: أليس إنك زيد العالم راكبا، وقولك أليس إنك زيد عالما راكبا، قال: والصواب الأول لأن تفيؤها أمر حسي مشاهد؛ وكونها سجدا فلا يدرك بالمشاهدة بل بالدليل العقلي.
قال ابن عرفة: وعلى هذا التأويل تكون الآية حجة لمن يقول إن العرض لَا وجود له والمشهور عند المتكلمين أنه أمر وجودي حكى القولين المقترح، ووجه الدليل أن الأمة دلت على أن كل شيء مخلوق لله تعالى وأن ظله مستفيء ساجد الله تعالى والتفيؤ من صفات الأجرام والذوات، والعرض ليس بذات فليس بمخلوق لله وهذا كفر، وإذا جعلنا تتفيؤ صفة لشيء يكون المعنى أن كل شيء موصوف بالتفيؤ فهو مخلوق لله فأنكر عليهم عدم الاعتبار به حالة سجوده وقوله تتفيؤ أي ترجع عن اليمين يريد يمين الناظر إليه لأن الناظر إلى الظل أول النهار ينظر إلى جهة القبلة حيث هو محل طلوع الشمس فيكون الظل حينئذ عن يمينه فلذلك بلا باليمين، وقوله: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ) أي يرجع عن جهة اليمين إلى جهة الشمال، وقوله: (وَالشَّمَائِلِ) أي يرجع عن جهة الشمال إلى جهة اليمين لأن (عَنِ) تقتضي المجاوزة، فالمراد مجاوزته جهة اليمين إلى جهة الشمال والعكس، فإن قلت: لم أفرد اليمين وجمع الشمال؟ فالجواب بوجهين: الأول: أن الظل حالة كونه عن يمين الناظر، وذلك [أول*] النهار [يتأتى النقص*]، فكانت له جهة واحدة نقص عنها، وفي آخر النهار يأخذ في الزيادة
النحل 16:49
والشمال والجهة التي قال مثله إليها لم تكن له قبل ذلك وكلما زاد بعد أي جهة يسار الناظر فكانت تلك الزيادة تكثرها واختلافها تمايل بل خلاف أول النهار وأنه لم يرد؛ بل [نقص*] عن حده الذي كان، فصار كأنه بعض اليمين فضلا عن أن يكون لبيان الوجه الثاني: أن اليمين مأخوذ من اليمن وذلك راجع إلى طريق الحق والشمال راجع إلى طريق الباطل طريق قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) وطريق الحق واحد [وطرق الباطل متعددة*] والآية دالة على كمال التوحيد بالله عز وجل لأن مذهبنا أن الأعراض [لَا تبقى*] زمنين، فما من جوهر إلا وهو مصغر في كل زمن في أعراض يستمد بها، ولا بد لذلك من فاعل، ولا يصح تعدد ذلك الفاعل لما تقرر في دلالة التمانع...
قيل لابن عرفة: فهلا قيل [أولم يروا إلى ما*] خلق الله من شيء بعده يخفي هذا في الاعتبار، فإن العبرة فيها، والمعنى بالنظر إلى اللقاح، [**فشجرة التي هي رؤية البعض ثمود يابس] [وورود الثمر*] منها والورق أقوى بالعبرة، وبالنظر إلى ظلالها، فقال: وذلك أن الظلال إنما ينشأ من ملاقات يوم جرم الشمس جرم الشجرة الكثيفة المظلم، ومذهبنا أن الأجسام متساوية في الحد والحقيقة فلا فرق بين الشمس والشجرة فجاءت الشجرة سكنا فيها أو طليتها نور الشمس، وما زال لَا تخصيص أوجه ولا بد له من مختص ويستحيل بعدده فدل بذلك على أنه واحد.
قوله تعالى: [(سُجَّدًا) *].
[**أي أولا صاغرين فرد آخرين أي صاغرون].
قال الزمخشري: والسجود هنا [الانقياد*].
ابن عرفة: [(سُجَّدًا) *] متناولا للعاقل وغيره؛ لأنه قال أي ويرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من المعبود [الأجرام*] في نفسها صاغرة منقادة لله تعالى فيها.
ابن عرفة: وهذا مما يرويه علي، فإن من شيوخنا [من*] ينكر على الفخر في قوله في صيغة [افعل*] أنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب ويقول إن القدر المشترك لا وجود له في كلام العرب [مع*] أن الزمخشري أنعته هنا. قوله سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ... (٤٩).. قال ابن عرفة: هذا يرد على القائلين بإثبات موجود لَا متحيز ولا قائم بالمتحيز؛ لأن الدابة من صفتها الحركة، والسجود إنما [يكون*] بالحركة والموجود الذي ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز غير متحرك. وفي الآية سؤالان: الأول: قال قبله (سجدا لله) فهو مجرور [فما*] العامل فيه، وقال هنا (ولله يسجد) [مقدما*]، وأجيب بوجهين الأول: لابن عرفة: قالوا إن الضمير في سجدا لله عائد على الظلال وهي لَا تعقل بمعنى يتوهم أنها تقصد السجود والتذلل لغير الله تعالى فهو هناك على الأصل، وأما قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) فهو عام يتناول العاقل وغيره والمقصود بالذات إنما هو العاقل ويمكن في حقه أن يقصد بالسجود غير الله لأنه ذو تمييز [**ومقيد فأحتج هنا] في تقديم المجرور على عامله [يفيد الحصر*] وإنما السجود هو لله لا لغيره، الوجه الثاني: قلت: إما أن العامل في المجرور في (لله) الفعل والعامل في قوله (سجدا لله) الاسم وعمله ضعف من عمل الفعل فأخر معموله عليه لضعف عمله فيه بالنسبة إلى الفعل، وقدم معمول الفعل عليه هنا، وإن كان الأمران جائزين، السؤال الثاني: قال هناك: (أَوَلَم يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ) فإن تلك الجملة استفهاما على معنى التقرير وأتى بهذه هنا خبرا وكلاهما أتت على معنى التخويف والزجر. هلا قال هناك وكل ما خلق الله من شيء يتفيأُ ظلاله فيأتي تلك خبرية؟ قال والجواب: إن الظلال أمر محسوس مشاهد فناسب التقرير عليهم والتوبيخ، [ولَا يوبخ الإنسان إلا بما هو عالم به موافق عليه*]، فيقال له: ألم يكرمك ألم يحسن إليك، وأمَّا سجود ما في السماوات به وكذلك الملائكة فأمر مغيب عنهم لَا يعلم إلا من حقه الخبر بخلاف تفيؤ الظلال وليس الخبر كالعيان.
قوله تعالى: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ).
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون من دابة بيانا ويحتمل أن يكون بيانا لما في الأرض ويراد بما في السماوات الخلق الذي يقال له: الروح، قلت لابن عرفة: هل هو [جبريل*]، فقال: لَا على خلق آخر يسمى بالروح ذكره الطبري وغيره وورد في الحديث وذكره المفسرون في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ابن عرفة: وانظر هل فيه دليل لمن يقول إن الملائكةَ ليسوا متحيزين ولا قائمين بالمتحيز، وهو قول شاذ، والظاهر [أنه لَا دليل فيه*]؛ لأنه إنما كررهم بالعطف تشريفا لهم، وانظر هل هم من الدواب أو لَا، ذوو أجنحة يطيرون والطائر ليس من الدواب بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ابن عرفة: والظاهر أنهم من الدواب ولذلك الطائر لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) ثم قال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) قالوا: يدخل فيه ابن آدم والطائر.
النحل 16:50
قال الزمخشري: وسجود العاقل حقيقة وغير العاقل بمعنى التذلل والخضوع، فيكون لفظ السجود للقدر المشترك بينهما وهو الخضوع والاستسلام أو يكون من باب استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾
قال الزمخشري؛ له وجهان أحدهما: أنه قال من الضمير في (وَهُمْ لا يَسْتَكبِرُونَ) قلت أنا لابن عرفة: يلزم عليه المفهوم؛ لأن الحال من شرطها الانتقال لمفهومه أنهم يستكبرون حالة عدم الخوف، فقال: هذه حال لازمة بمعنى أنهم لا يزالون خائفين [خوف الإنصاف*] وأن ذلك قليل في الحال، والظاهر أنه خبر بعد خبر أو جملة مفسرة لما قبلها.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾
قال الزمخشري: ما فائدة الوصف (اثْنَيْنِ) أجاب بما حاصله إنك تارة تريد المعدود، وتارة تريد النعت، والنعت لتحقيق المراد فأتى به هنا ليبين أن المراد العدد لا المعدود ومثاله إذا قال رجل أعد لفلان دينارين فيحتمل العدد وهو ظاهر اللفظ ويحتمل أن يريد بذلك لَا بعض دراهم بل خص الذهب فإن أعطاه: دينارا، وإن جاء على هذا خرجت من العهدة وعلى الوجه الأول لَا يخرج من العهدة إلا إذا أعطيته دينارين، فإذا قال لك أعطه دينارين اثنين زال الاحتمال.
قال ابن عرفة: والجواب عندي من وجه آخر وهو أن قوله: (لَا تَتخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَينِ) يحتمل أن يكون [كليا*] وأن يكون كلية، فأفاد قوله: (اثْنَيْنِ) أنه كلي لَا كلية ومثاله له قولك لَا فقط لفلان دينارين لأنه أن كان كلية عصا بإعطائه دينارا واحدا وأن كان كلا لم يعص حتى يعطية دينارين فإنما المراد هنا النهي عن اتحاد مجموع الاثنين إلهين لَا عن اتحاد كل واحد على حدته ولا يلزم عليه الكفر فوصفه بـ اثنين ليفيد أن المراد النهي عن الجمع بينهما في وصف الربوبية وتقديره أن السالبة الجزئية هي التي سورها ليس كل ولا شيء ولا آخر وتقرر الفرق بين ليس كل وبين لَا شيء أن ليس كل يأتي بسلب الكلية وقد يراد منها سلب الكل يفيد الجمعية فيقول ليس كل النَّاس أكرمت بعضهم وكذلك قوله تعالى: (لَا تَتخِذُوا إِلهَينِ اثْنَينِ) إنما نهى عنهما يفيد الجمعية لَا أن ذلك اقتضى النهي عن اتخاذ إله واحد فلذلك قال: (اثْنَينِ) لما تقرر من أن ليس كل محتمل لَا أن يراد به سلب الكل وسلب الكلية وهو الأكثر فيه فبين الوصف بـ اثنين أن المراد هنا النهي عن الكل لَا عن الكلية.
قوله تعالى: (إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ).
النحل 16:52
أتى بلفظ الغيبة لأجل الحصر والخاص لَا يحتاج معه إلى حصر لأنه مشاهد مروي فلذلك لم يقل إنما إله واحد.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
إن له المظروف وإما الظرف وهو السماوات فإنما يؤخذ الحالة من السياق والقرائن بدليل أن من أقر لرجل بعده في ظرف فإنه إنما يلزمه المظروف فقط دون الظرف، وهل يدخل في ذلك العرش والكرسي أو لانج الظاهر دخولهما بالقرائن لأن اللفظ يقتضي ذلك.
قوله تعالى: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا).
قال الزمخشري: في قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي يوم الجزاء وقسم الدين هنا بوجهين: إما للطاعة وإما الجزاء (واصبا) فعلى معناه دائما فيكون فيه دليل لمن يحكي الإجماع على منع الردة في الخلق كلهم، فإن قلت: قوله تعالى: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) دليلا على وجود الصانع فإن عطف عليه وله الدِّين وهو لَا يحس أن يكون دليلا على وجود الصانع لأنه إنما ليبعد على وجوده كلفة لَا بالأحكام والشرائع التي خلقوا بها لأنها مسببه عن ذلك فلو كان العطف بالفاء لَا تصح لَا يدل على السببيه، وأجاب ابن عرفة: بأن المراد أنه من بعد خلقه للعالم فما من زمن يأتي إلا وهو معبود فيه مطاع تعبده الملائكة وبعض النَّاس فهذا يدل على صحة وجوده، واستدل في علم الكلام على وجود الصانع [بأمرين*] إما حدوث العالم [وإما*] بإمكانه؛ لأن الممكن لَا بد له من مخصص بوقت على أحد الجائزين وطريق الاستدلال بالحدوث يستلزم الإمكان لأن كل حادث ممكن وليس كل ممكن حادث فإن وجود بحر من زئبق أو من ياقوت ممكن وليس هو بحادث إذ المراد الحدوث بالفعل وهذا الجواب إنما هم على قول من فسر الوهاب بالعليم وقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ... (٥٤).. فاصلة معنوية لبعد ما بين غفلة الإنسان وهو له زمن النعمة وما بين نزعته وزلته زمن الضر كقول عرفة:
[وَلَا يكْشف الغماء إِلَّا ابْن حرةٍ؍ يرى غَمَرَات الْمَوْت ثمَّ يزورها*]؍
النحل 16:56
والكافر منعم [عليه*] لحديث الإيلاء عن عمر "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، وقيل: غير منعم، لقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُم لِيَزدَادُوا إِثمًا) وقيل: منعم عليه في ظاهر حاله في الدنيا وغير منعم عليه في عاقبته ولذلك اختلفوا على الخطاب قوله: (وَمَا بكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عام في المؤمن والكافر، وتنكير نعمة المعموم لَا للتقليل أو لَا يوصف عطاء الله بالقلة قال: قليلك لا يقال قليل، وفي الآية إشارة إلى أن الإنسان مع الله عز وجل لأن النعمة والضر منه قال تعالى: (قُلْ كُل مِنْ عِندِ اللَّهِ) لكنه ذكر النعمة في قوله تعالى: (مِنْ نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وسكت عن الضر إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتأدب مع الله فلا يصرح بنسبه إليه، وإن علم أن الكل من عنده ويعتقد أن كل نعمة منه فضل وكل [نقمة*] منه عدل.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾
تعميم الضمير إما للأصنام، وعوملت معاملة العاقل أو للكفار، قلت: لَا يصح الأول ويلزم عليه التناقض؛ لأن إتيانه بها دليل على أنها لم تعامل الأصنام معاملة من يعقل، فنفى ما لم يجرهم مجرى العاقل في الضمير أجراهم مجراه، فقال: وذلك إن هذا نفس [... ] بل هو من كلام الله تعالى لكن [**ما اشتق سياق] الثبوت [مع*] بقائها على أصلها، والضمير في (يعلمون) أتى في سياق النفي فناسب كونه ضميرا من يعقل، وإنما يتم السؤال لو أتى فى سياق الثبوت.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾
قال ابن عرفة: المصدر مضاف للفاعل والمفعول معا؛ أي بظلمهم أنفسهم، قيل له: بل للفاعل فقط أي بظلمهم غيرهم، فقال ذلك الغير هو الله ولا يناله من ذلك شيئا، قال تعالى: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)، قال (قل إن ضللت) قائما أصل على معنى فإِنما المعنى يظلم بعضهم بعضا فهو للفاعل والمفعول؛ لأن النَّاس عام في الظالم والمظلوم، فيرد بها على ابن التلمساني شارح المعالم في قوله في المسألة الخامسة من الباب الرابع لما قال الفخر: إن المصدر يضاف للفاعل والمفعول قال: هو أن ذلك على سبيل البدلية لَا على وجه المحبة وتقدم نظيره في سورة إبراهيم في قوله تعالى: (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ). ابن الخطيب: وفي الآية حجة للمعتزلة في قولهم إن الله لَا يخلق الشر وأن الظلم من فعل العبد لأجل إضافته إليهم، ورده ابن عرفة: بأن الإضافة تقع بأدنى ملابسة لقوله:
إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرةٍ؍ سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب؍
فإنما أضافه إليهم لأجل انتساب الذي لهم فيه إلى مستوى إنك تقول غير فلان وثوب فلان وليس فيه إلا المنافع، وأما الأعيان فما يملكها إلا الله، وذكر الزمخشري هنا آثاراً [عن*] أبي هريرة، وابن عباس [يقتضي*] عموم الهلاك في بني آدم وغيرهم بسبب شؤم [ظلم*] الإنسان، وكذا نقل ابن عطية: أن الحوت والطير يهلكان بسبب ظلم الإنسان.
ابن عرفة: وهذا ما يتم الاستدلال به إلا مع قيمة ما قاله الأصوليون فى أن قول الصحابة إذا كان دليله مخالفا للقياس كأنه يكون بحجة حينئذ لم يكن قاله من عنده، بل يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما إن وافق القياس فهو مذهب فلا يحتج به وهذا مخالف للقياس قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وأجاب ابن عطية: بأن هلاك من لم يظلم إنما هو بكونه لم يغير على الظالم، قلت: وبعضه ما تقدم في قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) وفي قوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) وأجاب ابن عرفة جوابا آخر وهو أن هلاك الظالم بظلمه وهلاك من لم يظلم إنما هو ابتلاء له فيعظم بذكره أجره ومثوبته فهو رحمة منه بهذا الاعتبار. قال الفخر: واستدل بعضهم بالآية على عدم عصمة الأنبياء، واستدل بها من جوز الردة على جميع الخلق لنسبة الظلم فيها إلى جميع النَّاس. ورده ابن عرفة بأن العموم في الآية إنما هو في المؤاخذة وأما الظلم فإنما ذكر على سبيل الفرض والتقرير [والتقدير*]، أي لو فرض وقوع الظلم من الجميع وأخذوا به لم يبق أحد ولا يلزم من فرض الشيء وقوعه كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
قوله تعالى: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ).
النحل 16:62
قيل لابن عرفة: نفي آخرهم عن أجلهم؛ لأنه كان متوهما، وأما تقدمهم على أجلهم إذا حضر فيستحيل إذ الماضي لَا يعود فلم احتاج إلى نفيه وجعل جوابا للشرط، فأجيب بوجهين الأول: أنه على معنى التأكيد لذلك أنه إشارة إلى تسوية الأمر الضروري بالمشكوك فيه لأن استحالة تقدمهم على أجلهم إذا حضر أمر ضروري وتأخرهم عنه مشكوك فيه الأمر في أن من تقدم عليه دين مؤجل يمكن أن يوخره عنه ربه، ولا يمكن تقدمه هو عن أجله بعد طوله بوجه، فكأنه يقول فما يستحيل تقدمهم على أجلهم إذا حل لذلك يستحيل تأخرهم عنه؛ لأن ما علمه أتمه وقدره لَا بد من وقوعه.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾
فسره الزمخشري: بأحد أربعة أمور إما الثبات وهم يكرهونها لأنفسهم، وإما شركاؤهم يكرهون المشارك لهم في منازلهم [وحصصهم*] وإما [استخفافا برسله والتهاون برسالاتهم. ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ مع ذلك*] (١)، ثم قال: وعن بعضهم.. إلى آخره، قيل لابن عرفة: صلى هذا إذا كان الإنسان فاعل خير الطيب ويعطي الضعيف الخير الذي دونه هل يتناول هذا الوعيد والذم، فقال: لَا إنما ذلك فيما هو واجب كالزكاة وأما صدقه التطوع فلا.
قوله تعالى: (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى).
ابن عطية: هي الجنة، ورده ابن عرفة: بأنهم ينكرون البعث، [فكيف يدعون أن لهم الجنة*] [... ]. ولو كانوا شاكين ما قال تعالى: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) فهو شاك لقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) وأما من يعمم على نفي الآخرة فكيف يدعي أن له فيها الجنة، أبو حيان: أن لهم الحسنى بدل من الكذب.
ابن عرفة: بدل شيء من شيء وهما لغير واحدة وإن نظرت إلى منطق الكذب وإلى قولهم وبدل خاص من عام وأن فعل إلى الكذب من حيث هؤلاء إلى متعلقه هنا.
قول تعالى: (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ... (٦٣).. فسره الزمخشري بوجوه منها أن الضمير راجع لكفار قريش وأنه زين لآبائهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم.
ابن عرفة: على هذا لَا يكون الألف واللام في الآن لتعريف الحضور وعلى الوجوه الأخرى التي ذكر هو وغيره يكون إما لتعريف الماهية أو لتعريف العهد.
(١) العبارة في المطبوع مضطربة، والتصويب من (الكشاف. ٢/ ٦١٤).
النحل 16:64
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً... (٦٤)﴾
قال الزمخشري: هذا مفعول من أجله ودخلت اللام على [لِتُبَيِّنَ*] لأن [لِتُبَيِّنَ*] فعل لفاعل الفعل المعلل إلا أن الإنزال من الله والبيان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وألزمه أبو حيان التناقض؛ لأنه جعل (وَهُدًى وَرَحْمَةً) معطوفين على [لِتُبَيِّنَ*] ومحله عنده النصب فكيف يمنع كونه مفعولا من أجله في اللفظ ويجعله كذلك في المعنى، وأجاب ابن عرفة: بأن الزمخشري إنما منع نصبه ولا يلزم أنه لَا يصح في المعنى إلا ما جاز النطق به، وابن خروف لم يشتركا في المفعول من أجله أن يكون مفعولا لفاعل الفعل المعلل.
قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾
الفاء للتعجب وخصوصا في مكة لحرارة أرضها فقد ذكروا أنها تصب المطر فيها بالليل فتصبح أرضها مخصوبة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ... (٦٦)﴾
ابن عرفة: لما كان المتقدم منفعة عامة في العاقل وغيره يخص المنفعة الخاصة بالعاقل وأكده بـ أنَّ واللام بغفلة المخاطب على الاعتبار والتذكر لَا لكونه منكرا لذلك، فإن قلت هلا قال: وإن في الأنعام لعبرة أبلغ من قوله: (لَكُم) فالجواب: أن في زيادة (لَكُمْ) تنبيه على العبرة والنعمة فنبه بقوله (لَكُم) على توجه الطلب لا يخاطب بالشكر على هذه النعم التي وقع الإنسان فيها وبقوله: (لَعِبْرَة) على الاعتبار، فإن قلت: ما هي العبرة، قلت: قال الفخر وابن التلمساني: العبرة في اللغة مأخوذة من العبور وهي المجاوزة والانتقال، قال: ويراد بالعبرة الاتعاظ ومنه (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) أي اتعظوا [بعاقبة*] المهلكين كيف خربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فهو اتعاظهم بهلاك من فعل كفعلهم من الأمم السابقة خشية أن يحل بهم ما حل بهم والعبرة هنا الدليل أي أن لكم في الأنعام لدليلا واضحا يدل على وجود خالقها ووحدانيته ونقلكم من حالة الجهل إلى حالة العلم.
قوله تعالى: (مِمَّا فِي بُطُونِهَا).
النحل 16:68
أبو حيان: الضمير مذكر كما في قولهم أحسن الفتيان وأجمله، ورده ابن عرفة: بأن هذا المنزل وقع فيه الفتيان موقع تمييز مذكر أي أحسن فتى وأجمله، وأما الآية ليست كذلك.
قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ).
أبو حيان: حال من ضمير (نُسْقِيكُم) أي خارجا (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ)، وقيل: متعلق بنسقيكم المقدر أولا يتعلق مجروران بفعل واحد.
ابن عرفة: يجوز هنا لاختلاف معناها لأن مِن الأولى للتبعض، والثانية لابتداء الغاية، الزمخشري: إذا استقر [العلف*] في كرش البهيمة [طبخته*] [فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما*] والكبد [مسلطة*] على ذلك نفسه، فجرى الدم في العروق واللبن في الضروع [الثلاثة تقسمها، فتجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش، ورده ابن الخطيب: بأنا ما رأينا قط في كرش البهيمة المذكورة لبنا ولا [دما*]، أجاب ابن عرفة: بأن حالة الحياة بها زيادة إلا أن الميت إذا قطع منه لم يخرج منه دم بوجه، بخلاف النفي، ولذلك كان الفلاسفة مقرون [حرق الإنسان*] وهو حي لينظروا ما يتحرك في بطنه، ابن الخطيب: والصحيح أن الغذاء مطبخه الكرش مخرج أولا منه الأجزاء الكثيفة وهي الفرث ويبقى دما فيطبخه ثانية فيخرج منه إلى الضروع الأجزاء اللطيفة وهي اللبن ويصير الباقي دماً صرفا فيجعله في العروق، وإنما وقع الامتنان بلبن الأنعام المنفصل [عنها*] دون لبن المرأة المتصل [بها*] لأن تغذي الإنسان بلبن أمه حال منصوبة وعدم عقله ولبن الأنعام يتغذى به صغيرا وكبيرا ويدرك منفعته.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾
ابن عطية: الوحي إلقاء الموحي في خفاء أو الإنهاء إليه ويكون بمعنى الأمر ومنه أن ربك أوحى بها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾
ابن عطية: هذا إخبار بإلجائها إلى الأكل.
ابن عرفة: يريد وأتى فيه بصيغة الأمر ومراد به الخبر مبالغة في قصدها ذلك كما اشترط في المأمور القصد إلى الامتثال، وقيل: إنه هو حقيقة أي ثم قال لها (كُلِي مِنْ كُلِّ الثمَرَاتِ)، وقال ابن الخطيب: وبيتها الذي تصنعه مسدس، وقام البرهان في علم الهندسة على أنه أحسن [القوائم*] لأنه يفصل الزوايا ليس بها خلل خلاف المربع والمعين، وذلك الاتصال وعدمه لَا يظهر إلا لمن قرأ ست مقالات من كتاب إقليدس [**والشكل المسدس أقرب إلى الاستدارة كدارة الضابط، وقال وفي بابها حكمة عظيمة وهو أنها تنتج فلا البيت الأعلى على فلا البيت الأسفل وهذا دليل على أنه لَا شرط في الإحكام والإيقال علم الصائغ]. ذكره في المحصل وفي التفسير.
ابن عرفة: وهذا ما يتم إلا عند من يقول إن كل فاعل يستقل فعله ويفعله باختياره وأما عندنا فإنه هو الفاعل المختار وهو الذي فعل وأقدرها عليه، قلت له: نحن نقول بالكسب والكسب عندنا هو المعلم بما في الفعل من مصلحة أو مفسدة والنحل لَا يعلم ذلك فصح قول ابن الخطيب فقال: الكسب إنما يشترط في الحيوان العاقل أما غير العاقل فلا كسب له بوجه.
قوله تعالى: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا).
هذا أمرها بالرجوع، وقيل: بالذهاب فهو معطوف على أن اتخذي ففيه تقديم وتأخير أو تكون مستأنفا ولا يصح حمله على كلي إلا إذا أريد به الرجوع وهو الظاهر حالة السير مخرج مجمعه فتسلك طريقا واحدة وفي حالة الرجوع تأتي مثقلة فيقل سيرها وتفرق فتسلك سبلا متعددة.
قوله تعالى: (ذُلُلا).
قال من السهل أي سهله أي ضمير النحل أي مذللة سهلة، قال أبو حيان: وقوله تعالى: (سُبُلَ رَبِّكِ) إن أريد بالسبل الطريق الحسي فهو مفعول به وإن أريد المعنوي فهو ظرف.
ابن عرفة: والصواب العكس، كقول ابن خروف في جلست وسط الدار وحفرت وسط الدار الأول بالسكون ظرف، والثاني بالفتح مفعول به.
قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا).
قيل من أفواهها، وقيل من دبرها، الزمخشري: [ومن بدع تأويلات الرافضة أن المراد بالنحل عليٌّ وقومه*].
ابن عرفة: عادته إن كان ما حملت على الآية مناسباتها سماه تفسيرا أو إن كان غير مناسب سماه تأويلا.
قوله تعالى: (مُختَلِفٌ أَلْوَانُهُ).
المراد إما اللون الذي هو أحد الأعراض لازمه الأصفر والأحمر والأبيض والأسود أي مختلف ألوانه في اللونية فهو شبه الكل؛ لأنه حكم على مجموع ألوانه بالاختلاف
النحل 16:70
والمراد الاختلاف في الطعمية؛ لأن كل لون منها له مطاعم فهو شبه الكلية أي مختلف أعداد ألوانه، ابن الخطيب: هل يرعى النور أو ما ينزل عليه وهو الزنجبيل.
ابن عرفة: وهو الظاهر لأنه لَا يظهر لونها في النور أثر. قاله بعض الأطباء.
ابن عرفة: بل الظاهر الأول لاختلاف طعم عسلها بالحلاوة، والمرارة بحسب ما ترعى ولو رعت الزنجبيل فقط لَا نجد طعم عسلها، وأيضا الزنجبيل عند الأطباء بارد والعسل حار فإن قلت: يكتسب الحرارة من النحل، قلنا: نجد [**عسل الشهي] والحلج أشد حرارة من عسل الأطيان، ولو كان منها لما اختلف.
قوله تعالى: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ).
ابن عطية: هذا مطلق وليس بعام لأن الأمر معه مختلف فإنما هو شفاء لمن مزاجه البلغم أو السوداء في بعض الأخبار.
ابن عرفة: وقالوا إن الترياق طيف من كل داء فقال بعض الطلبة قد قال أرسطاطاليس إنه شفاء من داء خاصة وأورد كيف يكون شفاء لصاحب البلغم وصاحب الصفراء أو السوداء مع اختلاف أوجهها لأنه إن كان عندكم يقمع الصفراء فلا يقمع غيرها، وأجيب: بأن الترياق يقوي الروح فتنفق الغريزة النفسية فيغلب على الطبعية المزاجية فيقمعها فتصح بذلك كونه هو الشيء ونقيضه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾
هو أبلغ من لو قيل: والله أوجدكم فإن الخلق في اللغة هو التقدير كما قال الشاعر:
[ولأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وبَعْ؍ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْري*]؍
تدل على أنه تعالى قدر الخلق على صفة دون صفة وأوجدهم وذلك دليل على اتصافه بالقدرة والإرادة والعلم.
قوله تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ).
قسم الخلق إلى ثلاثة فمنهم من يموت قبل رده إلى أرذل العمر ومنهم من يحيى حتى يصير إلى أرذل العمر وهذا هو الجواب عن سبب تقديمه، ذكر [المتوفى*]: إلى الرد إلى أرذل العمر مع تأخره عنه في الوجود، فإن قلت: لم أسند الخلق والتوفية إلى الله ولم يسند إليه فعل الرد إلى [أرذله*] مع أن الكل من فعله جل وعلا عند أهل السنة، قلنا: تأدب معه وتكرمة لذاته في عدم التبعيض على نسبه إليه وإن كنا نعتقد ذلك كما لا
النحل 16:71
نقول سبحان [خالق الذر*] وخالق البعوض تكرمة له في نسبة خلق الأشياء المحتقرة إليه وإن كان اعتقادنا استناد كل شيء إليه، قيل له: قد قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، وقال تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) فقال لأنه في الآية الأولى أسند إليه الأمرين لقوله في الاستثناء: (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُم أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونِ)، ابن الخطيب: وهذه الآية رد على الطبائعيين لأن أفعال الطبيعة تختلف باختلاف الخلق [بالطول والقصر*] والتغير دليل على الفاعل المختار الموحد، كذلك قال: [وَقَدْ كُنْتُ أَقْرَأُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى*] قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١). إلى قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤). [أيقنت*] أن المراد بالمكذبين في الآية الطبائعيون [لمخالفتهم القرآن*].
قوله تعالى: (لِكَيْلا يَعْلَمَ).
ابن عطية: قيل إن [اللام*] للصيرورة وليس بشيء.
ابن عرفة: لاقتضائها جهل الفاعل بعاقبة الأمر والله تعالى هو الفاعل هنا.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).
وقدم العلم لعموم تعلقه بالمعدوم والموجود والمستحيل بخلاف القدرة.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾
دليل على صحة الخلاف لفظ البعض على المنصف وعلى أكثر منه لأن الفاضل أكثر رزقا من المفضول، وحكى الخلاف في البعض هل يطلق على المنصف لدلالة على شارح الجزولية في باب التنبيه.
قوله تعالى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ).
فيه سؤالان الأول أن التفاوت إنما هو في الرزق التكميلي الزائد على ما يسد الرمق ويستر البدن، وأما الحاجي فهم فيه مع المالك شئون فهلا قيل: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي) فضل رزقهم كما قيل: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) وأجيب: بوجوه الأول ابن عرفة: لو قيل: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي) فضل رزقهم لكان فيه غثاثة لتكرار لفظ الفضل ثلاث مرات وهذا يقال له في علم البيان: الاستخدام وهو أن [تعبر*] باللفظ عن غيره خوف السآمة. الثاني: لأن فضل الرزاق أخص من الرزق فاستعمل الأخص في الثبوت والأعم في النفي؛ لأن النفي الأعم يستلزم في الأخص، السؤال الثاني: [لفظ*] الرد يقتضي سابقية الملك أو الجوز و [... ]. لم يكن لهم ذلك بوجه فهلا قيل: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا) بمعطيهم رزقهم لما ملكت أيمانهم وهذا [... ] وردوا في قوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) وأجاب ابن عرفة: بأنه إشارة إلى تأكيد النفي وأن استغنوا من إعطائه للمماليك بدلا عنهم فكانوا قائلين لأن يملكوه للذي أعطاه لساداتهم كان قادرا على إعطائه ممن دون ساداتهم، قلت: إنما على من ملك أن يملك بعد مالها.
قوله تعالى: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).
قال ابن عرفة إن فسرنا الرزق مما منعه السادات مماليكهم في قوله تعالى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ) على ما ملكت أيمانهم فتكون النعمة هنا الرزق وإن جعلناه تمثيلا أي كما أنفوا بأن يشاركهم أحد في رزقهم كذلك ينبغي أن لَا يجعلوا مع الله شريكا فيكون المعنى هنا أو هنا الدلائل الدالة على وحدانية الله يجحدون، قلت: وقاله ابن عرفة مرة أخرى.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ).
لما تضمن البلاء السابق التذكير بقدرة الله تعالى على النحل وما اشتملت عليه من الآية والحكم عقبه ببيان قدرته في خلق الإنسان (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) قال وأسند فعل التوفي هنا لله تعالى فكان في سورة السجدة: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) فانفخ بينهما [... ] فرع مذهب أهل السنة القائلين الكسب، فإن قلت لم قال: (وَمِنْكُم مَنْ يُرَدُّ) بحذف الفاعل، قال فعادتهم يجيبون أنه إذا كان المقصود الإشعار بالفعل فحذف الفاعل كقولك رأى حالات وإن كان المقصود الإخبار بما على الفعل فذكر كقولك [... ] عمرو علام العبرة وما كان التوفي قد خالفوا فيه وقالوا ما يهلكنا إلا الدهر ذكر فاعله بخلاف الرد إلى أرذل العمر فإنه أمر [ظاهر*] لَا يحتاج إلى ذكر فاعله، وأجاب بعض الطلبة بأنه لما ذكرها فاعل البداية وفاعل النهاية أنه الله تعالى علم أن ما بينها من فعله فاكتفى بذلك ولم يحتج إلى ذكره في الرد في أرذل العمر لأنها حال متوسطة بين البداية والنهاية.
قوله تعالى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
النحل 16:72
إن قلت: إذا ردوا كل رزقهم عليهم لَا يكونون فيه سواء وإنما يستوفون معهم بردهم عليهم حذف فعل رزقهم، فيجاب: إما أن يكون على حذف مضاف أو يكون الرزق مضافا إلى ضمير (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) ويكون الذي فضلوا به مملوكهم هو ردف مملوكهم الذي يساويهم به في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾
قيل: حواء عليها السلام وجمعت باعتبار نسلها وأطلق عليهم أزواج مجازا استعمالا للفظ في حقيقته ومجازه.
قوله تعالى: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطيِّبَاتِ).
الزمخشري: [يريد*] بعضها لأن [كل الطيبات*] في الجنة، وما [طيبات*] الدنيا إلا [أنموذج منها*].
ابن عرفة: ضرب مثل منها وكذا يقول الإمام الغزالي: واضرب في ذلك النموذج أي اضرب فيه مثلا.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾
إنما قال لهم لأنه إذا لم يملك الرزق لمن عبده فأحرى أن لَا يملكه لغيره وهم لم يخصوا الآلهة بالعبادة بل أشركوهم فيها مع الله لقوله (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) لكن ذلك الجزاء الذي صرفوه لهم من العبادة عبدوهم فيه من دون الله.
قوله تعالى: (شَيْئًا).
قيل: إنه بدل من رزق، ورده أبو حيان: بأنه أعم من رزق وبدل الأعم من الأخص فصار بعد النفي الرزق أعم من شيء ألا ترى أن قولك ليس في الدار حيوان أخص من قولك ليس في الدار إنسان كما أن قولك في الدار إنسان أخص من قولك فيها حيوان.
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾
فإن قلت: الآية خرجت مخرج المدح لفاعل ذلك فهلا ذكر فيها صدقة [السر*] فقط لأنها أفضل، فالجواب:
أنه قصد التنبيه على كثرة اتصافه ومبادرته إلى أفعال [؍ ] كيف ما أمكنه أو بدأ بالسر؛ لأنه أفضل.؍
النحل 16:76
قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوُونَ) ابن عرفة: هذا دليل لمن يقول إن أقل الجمع اثنين ولا حاجة إلى الأجوبة التي أجاب بها أبو حيان من أن الكثرة المراد بها العموم أو أن من أوقعت على جماعة أو أن المراد هل يستوي المماليك والأحرار، قال ونفي المساواة يقع في القرآن على وجهين تارة مطلقا كهذه الآية وكقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وتارة تعين الأرجح كقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) إنما تعين هنا الأفضل لظهوره، قيل لابن عرفة: وكذلك كل أحد يعلم أن أصحاب الجنة هم الفائزون، فقال: إن أصحاب النار يدخل فيهم العصاة من المؤمنين والكفار، فهل قصد فقيل أصحاب الجنة بالإطلاق على أصحاب النار بالإطلاق أو على الكفار فلما أعيد ذكر الأفضل علم أن المراد بأصحاب النار أصحابها حقيقة وهو من حكم عليه بالخلود فيها.
قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ).
أن يكون من كلام الله تعالى على نفسه أو من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصا به أو عاما له ولأمته، وقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على ما أنعم علينا بأن هدانا ووفقنا.
قوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
إما أن المراد به الكفار باعتبار من شعر منهم وهم أقلهم وأقلهم يعلمون وإما أن يراد به الأصنام عبر بالأكثر عن الكل وهو بعيد.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾
ابن عرفة: هذا إما راجع لحال الكفار مع المؤمنين وأنهم متصفون بذلك حكما أو بحال الأصنام وأن اتصافهم به حسي حقيقي والأبكم في الغالب لَا يسمع.
قوله تعالى: (وَهُوَ كَلٌّ).
أي ثقيل على سيده ذو كلفة ومشقة كلفة الحال لاحتياجه إلى من يقوم عليه ويصلح شأنه وكذلك الأصنام.
قوله تعالى: (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ).
قلنا: إن الصفات المتقدمة راجعة لحال الكفار فالمعنى أنهم لأجل الحكم عليهم بالحكم إذا وعظتهم الرسل ورأوا الآية أنكروا وصمموا على الكفر، وإن قلنا: إنها راجعة للأصنام فالمراد ذم متبعيهم وأنهم مهما طلبوا من الأصنام شيئا لَا يأتوهم بخبره وهذا تمثيل حسن ونظيره قول امرئ القيس:
[وتَعطُو برَخْصٍ غيرِ شَنَئْنٍ كأنَّهُ؍ أَساريعُ ظَبيٍ أو مَسَاويكُ إسْحِلِ*]؍
والأساريع دود حمر الرءوس تشبه أنامل النساء به فشبه أصابع المرأة بالأعلى وهو عود الأراك لاستقامتها وبالدود في احمرار أطرافها لكنه شبهها بالمجموع أو أخذت من هذا صفة ومن هذا صفة وفي الآية شبه الكفار أو أصنامهم بالأبكم والمؤمنين سلم معبودتهم بالكامل الصفة فلم يشبه بالمجموع.
قوله تعالى: (أَحَدِهِمَا).
[أبهم*] الوصف بـ (أبكم) دليل على أن الله تعالى متكلم حقيقة كلاما ليس [بصوت*]، ولا حرف خلافا للمعتزلة الذين يردونه إلى صفة العلم.
ابن عرفة: لكن يقال إن أتينا الكلام بطريق السمع فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية لأنه يجيء فيه إثبات الكلام بالكلام وإن أتيناه بالعقل من ناحية أن عدمه نقض كما هو في الآية والله تعالى منزه عن النقائص صح الاستدلال بها.
قوله تعالى: (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ).
قلت لابن عرفة: المقصود الإخبار عن صفته الحالية فهلا قيل ما يقدر على شيء لأن ما يخلص الفعل للحال ولا عند الأكثر إنما يخلصه للاستقبال، فقال: هذا تنبيه على أن عجزه لازم ليس ينفك إذ لو بقى بما بقى للحال لتوهم أنه يقدر على ذلك في المستقبل.
قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
إن قلت: كونه (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) سبب في أمره بالقول، فهلا قيل يستوي هو ومن على صراط مستقيم أنه قد يأمر بالعدل رياء وسمعة وقد [يكون*] مصرا على المعاصي وهو يأمر بالعدل ليمدح، وكما في بعض الأحاديث أن الله معنا [... ]
النحل 16:77
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾
الألف واللام فيها [**للقلب] بخلاف الساعة التي يعبر بها عن زمن الحال فإن الألف واللام فيها المحصور،
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
الزمخشري: الهاء في أمهاتكم زائدة لأنه جمع أم كما زيدت في أراق فقالوا: أهراق ونقله ابن عطية عن بعضهم ثم قال: وفيه نظر ابن عرفة: لَا أدري ما هذا النظر، قلت: وقال صاحبنا الأستاذ أبو العباس أحمد بن القصار: يحتمل أن يريد والله أعلم أن أهراق اتفقوا فيه بعد اختلافهم على أن الهاء فيه بدل من الهمزة في قولهم: هراق ثم اختلفوا في أهراق فمنهم من قال إنه جمع بين البدل والمبدل منه ومنهم من قال: إن الهمزة فيه زائدة وليست بدلا ووزن أراق أفعل لأن أصله أروق، قال ابن القصار: وجمعوا بين البدل والمبدل منه كما جمع الشاعر بينهما في قوله:
هما نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِمَا؍ على النابحِ العاوِي أشدَّ رِجامِ؍
قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) أفرد السمع لأنه مصدر في الأصل وجمع الأبصار لأن البصر اسم، واختلفوا أيهما أشرف فاحتج من شرف السمع بأن الوحي المنزل على النبي ﷺ حاسة السمع ولأن الإنسان إذا مشى في الظلمة المختلطة يسمع ولا يرى منها فقدانه قبل السمع بهذه الحالة ولأن البصر لَا يتعلق إلا بما هو أمامك والسمع يتعلق بالجهات الست، فإن قلت إني أدير وجهي إلى خلفي والبصر من ورائي، قلنا: أو حينئذ الخلف إماما واحتج من شرف البصر على السمع بأن السمع لَا يستقل بنفسه لأن الإنسان إذا سمع كلاما والأعلى شيء فلا بد أن ينظر في دلالته عليه بالمطابقة والتضمن والالتزام وهل هو حقيقة أو مجاز وهل قابله ممن يعتمد على خبره أم لا؟ إلى غير ذلك فلا بد من استعمال الفكرة في ذلك بخلاف البصر فإنه إذا شاهد الشيء ورآه على حقيقته بأول وهلة ونفى بهذا قولهم ليس الخبر كالمعاينة وقولكم إن السمع يتعلق به الوحي للأنبياء، قلنا: هذا في دار الدنيا والبصر يتعلق به رؤية المؤمنين وهم بأبصارهم في الدار الآخرة وهي أشرف بكل اعتبار.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ).
النحل 16:79
قال ابن عرفة: الترجي مصروف للمخاطب، قلت له: كيف يفهم هذا لأنه ليس المطلوب منهم ترجي الشكر وإنما المطلوب إيقاعه، فقال يترجون الشكر النافع؛ لأنهم ليسوا على يقين من قبول شكرهم الحاصل لهم بالفعل محصول الثواب عليه.
قوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾
قيل له: المناسب أن يقال: حائرات في جو السماء لأن المسخرات من [الطير*] والطير يعلو أو يرتفع ويمتنع منا فلا يقدر عليه إلا بعد التخيل فليست بمسخرات وإنما المطابق للتسخير ما جاء في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) ربطها: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)، وقال: إشارة إلى افتقارها إلى ماسك وقادر وخالق يقدرها على التحرك في الفضاء لأنه أعجب وأغرب من وقوعها فيه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾
أضاف البيوت إليهم إشارة إلى أنها وإن كانت من بنائهم وعمل أيديهم فالله تعالى هو جاعلها ومقدرهم عليها.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ).
استحقاقها يوم للإقامة لأن بيوت الشعر ليس في خبرها كلمة خلاف بناء البيوت بالحجر وبيوت الفحم، وأهل الحجاز إنما هي من الجلود وهي أحسن من الشعر.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾
قيل: إن المعطوف محذوف للدلالة أي البرد والحر.
ابن عرفة: ويحتمل أن يقال: إن المانع من الشيء مانع من نقيضه وهكذا قال ابن الحاجب: في كتابه عن هذا القياس من مختصره الأصلي ما نصه: وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب، لم يصلح عدمه مظنة نقيضه؛ لأنه إن كان ظاهرا يقين نفسه، وإن كان خفيا فنقيضه خفي ولا يصلح الخفي مظنة الخفي.
قال ابن عرفة: فقد يقال إن نقيض الخفي إنما هو على نحو إذا فهم أن العلم بأحد النقيضين يستلزم العلم بالآخر، والحر نقيض البرد والعلم به وبما بقي منه يستلزم العلم
النحل 16:82
[بما*] بقي من البرد، وعدم العلم بأحد النقيضين يستلزم عدم العلم بالآخر ولهذا إذا جهل أحد النقيضين جهل الآخر، وأجاب ابن عطية: بأن ذكر أحدهما يدل على الآخر. قال: ومنه قول الشاعر؛
[وما أدري إذا يممت أرضا؍ أريد الخير أيهما يليني*].؍
(فَإِنْ تَوَلَّوْا... (٨٢).. إما ماضي، أو مضارع حذف منه حرف المضارعة إن قال: (تَوَلَّوْا... (٨٢)
قوله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).
قال الزمخشري: هذا من إقامة السبب مقام مسببه.
قال ابن عرفة: بل من إقامة سبب السبب مقام السبب لأن التكليف بالتبليغ سبب في التبليغ بالفعل والتبليغ بالفعل سبب في الخروج من العهدة وعدم العتب فكأنه يقول: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) فلا عتب عليك لأنك لم تكلف إلا بالتبليغ وقد بلغت.
قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾
[... ] منه أن كفرهم عاد؛ لأن معرفتهم النعمة من حيث إضافتها إلى الله يستلزم معرفتهم الله، فأنكروا ما عرفوا إذ [لَا يقال*] عرفت دار زيد إلا إذا عرفت زيدا، وأجيب: بأن المعرفة تتعلق بالنسبة ولذلك يتعدى إلى مفعولين فأفاد نفس النعمة مطلقا لا من حيث نسبتها إلى الله وإن كانت في نفس الأمر من الله وإنهم أنكروا نسبتها إلى الله فلم ينكروا ما عرفوا فليس كفرهم عنادا والعطف يتم لبعد ما بين منزلة النعمة وإذكارها لا من حقها الشكر عليها.
قوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ).
إما أن المراد كلهم أو ذلك باعتبار من سيؤمن منهم أو بالنسبة إلى صغارهم لأنهم ليسوا كافرين، قاله الفخر يصرح بنسبة إليه وإن علم أن قوله تعالى: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤).. أي لَا يجدون من يزيل عنهم العتب واللوم، يقال: عتبته إذا خاطبته بالعتب واللوم وأعتبت إذ أنزلت عنه العتب وهو رضا بقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا)، وأجيب بوجهين: الأول لابن عطية، أنها في أول الأمر تجادل ثم يؤتى بالشهود عليها فلا يقبل منها مجادلة، الثاني: قال
النحل 16:89
بعض الطلبة: قوله تعالى: (لَا يُؤذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) خاص بالكفار وقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ) عام فيكون مخصوصا بهذه الآية وباق على عمومه في المؤمنين والمؤمنات، قيل: منهم المجادلة عن أنفسهم لإيمانهم.
قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾
قال ابن عرفة: انظر هل هذا من عطف الخاص على العام أو من عطف الشىء على ما يغايره أو يخالفه، وهو الظاهر وعلى هذا يكون المراد بقوله: (فِي كُلِّ أمَّةٍ شَهِيدًا) الشهادة في الدار الآخرة، [وبقوله*] (على هؤلاء شهيدا)، الشهادة في دار الدنيا؛ لأن الشهادة مطلقة، ويراد بها أحد معنيين إما [التحمل*] وإما أداؤها فدخل في عموم قوله تعالى: (فِي كُل أُمَّةٍ شَهِيدًا) أو المراد وجئنا بك رسولا؛ لأن الشهادة في دار الدنيا من لوازم الرسالة.
قال ابن عرفة: ويكون هذا الشكل الأول مشتملا على كبرى وصغرى والصغرى فيه مؤخرة فكأنه يقول أنت رسول وكل رسول شهيد على أمته يوم القيامة فيصح أنه هو شهيد على أمته يوم القيامة.
قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ).
وإنما قال نزل ولم يقل أنزل لأجل أن البيان به إنما وقع شيئا بعد شيء وقد تقدم أن نزل يقتضي التفريق.
قوله تعالى: (وَهُدًى وَرَحْمَةً).
ابن عرفة: الهدى والرحمة راجعان إلى الأمور الاعتقادية والسياق فإن أظهر في الأمور التكليفية والشرائع فهلا أخر في الذكر، وأجيب: بأن هذا من عطف خاص على العام أو لأن المخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هو محتاج إلا نشر التكاليف والشرائع فقدم الأهم عليه.
قوله تعالى: (لِلْمُسْلِمِينَ).
متعلق (بُشْرَى) فقط لأن الكتاب هدى ورحمة للجميع وبشارة خاصة بالمسلمين وهو للكافرين نذير، وفي الآية أدلة منها أنها تدل على أن السعة ليست مبينة للقرآن لأنها داخلة في عموم شيء فهو مبين بها ولغيرها فلو كانت هي مبينة له يلزم الدور، وأجيب: بأن القرآن على الجملة مبين لجملة السنة وبعض السنة مبين لبعض القرآن ومنها أن فيها دليلا على بطلان العمل بالقياس لأنه ما من صورة مثبتة بالقياس ألا أن القرآن مبين بها لقوله تعالى: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) فلَا يصح إثبات الحكم فيها
النحل 16:90
بالقياس لأنه قياس في معرض النص، ورد هذا بأن القرآن بين الحكم فيها بواسطة القياس لأنه بينه من غير قياس بدليل إما نحو كثيرا من المسائل ليس فيها نص منها أن فيها دليل على صحة العمل بالقياس لأنه (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ومن جملة ذلك الإجماع والقياس.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
قال العدل: هو الواجب لأن الله تعالى يدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم وأنها تحت طاقتهم.
قال ابن عرفة: هذا اعتزال على مذهبه، وأما نحن فمذهبنا جواز تكليف ما لَا يطاق واختلفنا في وقوعه، فقال الفخر في المعالم: إنه واقع والصحيح عدم وقوعه ومذهبنا أنه لَا حسن ولا يصح وإن جميع الكائنات من خير وشر بالنسبة إلى الله تعالى لكنه بتكليف ما لَا يطاق، وإن كان منجيا فهو من الله حسن وعدل في خلقه.
قوله تعالى: (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى).
قال ابن عطية: وهذا عام يتناول الإتيان بالقليل والكثير فلا يحصل الخروج من العهدة إلا بإعطاء الشيء الكثير، وقال الشيخ عز الدين: إن القربى هنا المراد بهم وهي المحارم فهم الذين أمر الإنسان بمواساتهم والإنفاق عليهم وإنما ابن عمه وابن خاله فليس منهم.
قوله تعالى: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ).
ابن عرفة: الفحشاء هو كل ما يتستر الإنسان به غالبا من المعاصي كالزنا والسرقة ونحوها والمنكر ما لَا يتستر به غالبا فالغيبة والحرابة [والغصْب*] ويحتمل أن يراد بالفحشاء الحرام وبالمنكر المكروه لأنه من قسم ما لن يؤذن في فعله وهذا فهو الأظهر فإِنهم قالوا العدل هو الواجب والإحسان هو فعل المندوب فيكون هنا طباقه ويجيء في الآية طباق خمسة لخمسة يطابق بأمر ينهي والباقي بالعدل يعني في قوله: (عَنِ الْفَحْشَاءِ) لأن الباء [للإلصاق*] أو للمصاحبة، وعن المزاولة، أو للمجاوزة وذلك عند [الإنصاف*] والعدل يطابقه الفحشاء والإحسان يطابقه المنكر (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) يطابقه البغي، قال وهذا أكثر ما ينتهي إليه المطابقة، قال ابن مالك: والطباق يكون في اثنين باثنين كقوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) وقال الشاعر:
[فيا عجباً كَيفَ اتّفقنا فَناصحٌ؍ وَفيٌّ ومطويٌّ على الغِل غَادِرُ*]؍
النحل 16:91
فطابق الناصح الوافي بالمطوي الغادر ويكون في ثلاثة مثلا كقول الشاعر:
وإن هبطا سهلا أثارا عجاجة؍ وإن علوا حزنا تشظّت جنادل؍
يصف حماراً وأتانا، فطابق هبطا بعلو وسهلاً بحزنا وأثارا بتشظت.
وقال الآخر:
ما أحسنَ الدين والدُّنيا إذا اجتمعا؍ وأقبحَ الكفر والإفلاس بالرجلِ؍
ويكون في أربعة بأربعة، كقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠). وتكون في خمسة بخمسة وهو غاية ما وجد منه كقول المتنبي:
أزورهمْ وظلامُ الليلِ يشفعُ لي؍ وأَنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي؍
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.. انظر هل الوفاء بمقتضى الزيادة على أم اختلفوا في قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ) هل تجب الزيادة السبب [... ] على القدر الواجب لأنها مما لَا يتصل إلى الواجب إلا به، وكذلك اختلفوا في الزيادة على المرفقين في غسل الذراعين، قال ابن أبي زيد: فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التجديد، فإن قلت: ما فائدة قوله: (إِذَا عَاهَدْتُمْ) فالجواب: إن قوله (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ) جواب: إذا ولو قيل إذا عاهدتم فأوفوا بعهد الله لكان كلاما مفيدا لَا سؤال فيه.
قال ابن عرفة: ومن حلف بعهد الله وحنث لزمته كفارة يمين بالله. وفي كتاب ابن المواز، وهو قول ابن المواز ونقله ابن رشد عن ابن القاسم: أنه إن قصد بعهد الله التوثيق به فهو أعظم من أن يكفر باليمين الغموس.
قوله تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
هل المراد به الحنث مطلقا أو الحنث من غير كفارة وهو الظاهر، وقال القاضي عياض في الإكمال في حديث النخامة في المسجد وكفارتها دفنها، قال القاضي: قوله كفارتها دفنها لَا يريد به الكفارة الواقعة للإثم؛ إذ لم يكن هناك إثم ولا يريد بالكفارة رفع ما يتوهم، قال ابن عرفة: يريد أن الإثم إنما يترتب عن درء الكفارة لَا عن مجرد الحنث في اليمين، وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي في كتاب [الأيمان*]: إن الحنث على
النحل 16:92
خمسة أقسام واجب وحرام ومستحب ومكروه ومباح فيجيب إذا حلف على فعل ما لا يجوز له في فعله ويحرم إذا حلف أن يفعل ما يجب عليه شرعا.
قوله تعالى: (وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
يقال أكدوا، وكذا قال الزجاج: الهمزة بدل من الواو، ورده ابن عطية: بأنه ليس في وجوه تصريفه ما يدل على ذلك، قلت: لقول ابن عصفور في معربه الهمزة لَا تبدل من الواو المفتوحة قياسا وشذ قولهم [... ].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾
ابن عرفة: أكثر ما يتأتى هذا في الصوف واختلفوا هل كان هذا ووجد فقيل وجد في امرأة صماء واسمها ريطة بنت سعد، وقيل: في امرأة اسمها عطية، وقيل: هو ضرب مثل لَا عن امرأة معينة وقصد تشبيها بوجود بالمعدوم المقدر الموجود ونص ابن مالك: على أن هذا إنما يصح فيما هو مشهور وإن كان معدوما كقول امرئ القيس:
ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ
لأن القول مشهور عند العرب وإن لم يوجد بخلاف قولك هذا كبحر من زئبق، ويحكى عن بعض المجانين أنه كان يصنع أشياء عجيبة فإذا أكملها يفسدها [فأمره بعض الملوك بصنع*] ذلك لكونه أحسن أهل زمانه، وأمر رجلا يرصده فإذا رآه قارب إكمال صناعته حال بينه وبينها.
قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾
هذه صريحة في الرد على المعتزلة في خلق الأفعال في آدم، وقال الزمخشري: في قوله تعالى: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إنها رد على الجبرية القائلين: إن الخلق مجبورون على الأفعال وأنهم كحركة المرتعش.
ابن عرفة: واختلف النَّاس في المباح هل تكتبه الحفظة ويتعلق فيه السؤال أو لا؟ وعموم الآية تدل على أنه يسأل عنه ويكتب لأن ما إن كانت موصولة بمعنى الذي فهي عامة لأن الذي معرف بالألف واللام وهذه بمعناه وإن كانت مضافة فيعم بالإضافة كما أعم بها قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم) وهذا مذكور في قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
قوله تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾
النحل 16:95
قلت لابن عرفة: قوله بعد ثبوتها مع أن قوله فتزل قدم يعني عنه، فأجاب بوجهين الأول: إنه مبالغة في التنفير عن ذلك، الثاني: إن الواقف [المعتمد*] على أحد قدميه لا يقع إلا إذا زالت قدمه التي اعتمد عليها، وأما إذا زالت الأخرى فلا يقع فهو إشارة إلى أنهم زالوا عما كانوا ثابتين عليه معتمدين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
ابن عرفة: الثمن في الاصطلاح مشترى به لَا مشترى فكذلك جعل الزمخشري (تشتروا) بمعنى تستبدلوا [بِعَهْدِ اللَّهِ*].
قال الزمخشري: [هو إتيان*] البيعة، لأن قوما من أسلم بمكة أحبوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فثبتهم [الله*]، وقال ابن عطية: المراد به ما عهد الله بعباده من النهي عن الرشاء وأخذ الأموال على فعل ما يجب على الأخذ، ورده ابن عرفة: لكن هذا أعم يتناول ما قال الزمخشري وغيره: فالحاصل أن المراد بها النهي عن فعل ما يجب تركه أو النهي عن ترك ما يجب فعله.
قوله تعالى: (ثَمَنًا قَلِيلًا).
يريد باعتبار كميته وحاله فقد يكون كثيرا في كميته وحقيرا في [حاله*]، وهو جميع عرض الدنيا.
ابن عرفة: وهذا النعت تقليل إن كان للبيان ولإزالة الاشتراك فيلزم المفهوم وهو أنه قد يكون ما يشترونه بعهد الله ثمنا كثيرا فلم ينهوا عنه وإن لم يكن كذلك لمجرد التأكيد قال: وأجيب بأنه للبيان ومنع من المفهوم.
قوله تعالى: (إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرٌ لَكُم).
من كل ما سواه وخير هنا فعل أو أفعل وعلى كل تقدير فلا يلزم منه مفهوم. قوله تعالى: [(مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ*]... (٩٦).. عبر عنه بالفعل لأن انتفاءه وهو التغير والزوال والبقاء صفة ثبوتيه دائمة زمنين فصاعدا فناسب التغيير منها بالاسم.
قوله تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ).
قلت لابن عرفة: لما عبر عنهم بالفعل وهم ثابتون على حالتهم فقال: تثبيتها على سعة رحمة الله تعالى، وإن من اتصف بمجرد الصبر زمنا ما فله أجره.
قوله تعالى: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
النحل 16:98
قيل: هو راجع لعملهم أو لجزائه فهل المراد يجزيهم بجزاء أحسن عملهم أو بأحسن جزاء عملهم والباء على هذا للتعدية أو [للإلصاق*] أو المراد أنهم يجازون على أحسن عملهم ويبقى ما دونه مسكوتا عنه والباء على هذا للسبب وفي الآية دليل على أن الترك فعل لأن الصبر هو حبس النفس إما على المؤلمات والمشاق فهو فعل أو عقبها على الملائمات فهو ترك وسمى في الآية جميع ذلك عملا.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾
أي إذا أردت أن تقرأه، الزمخشري: [وعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل يوجد عند [القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قوىّ وملابسة ظاهرة*] (١). ابن عرفة: أراد أن الإرادة لَا تكون إلا مقارنة للفعل ولا تكون سابقة عليه، وهذا في الإرادة الحادثة بإتقان منا ومنهم وإنما بخلاف بيننا في إرادة الله تعالى، قيل لابن عرفة: قد يريد اليوم أن يقوم [... ] فقال هذه تسمى عندنا وعندهم شهوة [وليست*] بإرادة، قال: لأن الإرادة هي التخصيص والتخصيص لَا يكون إلا بوجود المخصص وأما الشهوة فهي الليل ولهذا تجد المريض بالحمى مشتهي البطيخ ولا يريد أن يأكله لأنه يضر به حسبما ذكر ذلك قاله إمام الحرمين في الشامل.
قال الزمخشري: وعن ابن مسعود: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: "يا ابن أم عبد قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح" قال ابن عرفة: المناسبة عن اللوح عن القلم، قلنا: إنما قال الزمخشري ما تقدم فقال: يحتمل أن يكون وجهه أن جبريل كتب ذلك من اللوح المحفوظ في صحف ونزل بها إلى سماء الدنيا ثم كان يخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما في تلك الصحف، وقوله: "يا ابن أم عبد" يعني هو بذاته لأن اسمه عبد الله بن مسعود، وقال ابن عرفة: وفي لفظ القرآن خلاف قيل إنه اسم للكل مثل غيره بالنسبة إلى أجزائها، وقيل: إنه يصح أن يطلق على بعضه قرآنا فيكون كالماء ونحوه من أسماء الأجناس
(١) العبارة في المطبوع مضطربة، والتصويب من (الكشاف. ٢/ ٦٣٣). يصدق على القليل والكثير على حد السوية ليكون متواطئا، وقال ابن رشد: الصحيح الأول لنهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو مع أنه كتب على هرقل بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
ابن عرفة: وهذا الأمر عام في الأشخاص لإجماعهم على أنه يتناول كل قارئ والعام في الأشخاص قيل إنه عام في الأزمنة والأحوال، وقيل إنه مطلق فيهما فعلى الأول يومي المصلي بالاستعاذة والمشهور من مذهبنا منع ذلك في الفريضة وطلبه في النافلة والخلاف المتقدم ذكره القرافي، والشيخ عز الدين، وابن دقيق العيد في شرح العهدة في حديث النبي عن استقبال القبلة لبول أو غائط مع حديث ابن عمر وفيه أنه وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بول أو غائط مستقبلا بيت المقدس مستدبراً القبلة، قال: اختلفوا في العام في الأشخاص إلى آخره، قيل لابن عرفة: وحكي ابن بريدة في هذا الموضع من تفسيره أن في المجموعة قولا بأنه يتعوذ في الصلاة بعد الفاتحة وقبل السورة.
ابن عرفة: وهذا غريب، قيل: وأظن أن ابن العربي حكاه كذلك، وقد قال ابن الحاجب: ولا يتعوذ ولا يبسمل، وله أن يتعوذ ويبسمل في النافلة، قال ابن عبد السلام: فإن قلت: عموم فإذا قرأت القرآن فاستعذ يتناوله فهلا قلتم يتعوذ في الفريضة؟ قلنا: قد نقلت لنا قراءة رسول الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة ولم يذكر منها استعاذة فيكون ذلك مخصصا للآية.
ابن عرفة: لَا يصح تخصيص عموم القرآن إلا بلفظ ورد منصوصا عليه في السنة أو تابع المنصوص عليه كالمفهوم وأما هذا فلم يرد فيه نص ولا هو تابع والأصل عدم التخصيص.
ابن عرفة: ويتناول هذا الأمر بالتعوذ من يقرأ آية استعاذة كقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨). لأنه يصدق عليه أنه قارئ القرآن.
ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو أن الاستعاذة من الشيطان إنما يطلب حيث يتوهم حضوره، وهو عند إرادة القراءة إذا [تأهب*] ولولا ذلك لوسوس ومنع منها يستعاذ منه عند القراءة، وأجاب: بأنه قد جاء أن كل حرف بعشر حسنات كما قال: "لَا أقول (الم)
النحل 16:99
[حَرْفٌ، وَلَكِنِ الْأَلِفُ حَرْفٌ، وَاللَّامُ حَرْفٌ، وَالْمِيمُ حَرْفٌ"*] فهو لرؤيته ذلك وعمله بحصول هذا الخير العظيم يوسوس القارئ ويبعده عن القراءة فلهذا أمر بالاستعاذة منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾
أي ليس له عليهم حجة في الآخرة، وقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أما ليس لك عليهم تسلط في الدنيا، أو لَا حجة لك عليهم في الآخرة، وقوله تعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ... (١٠٠).. وهم عصاة المؤمنين والمشركين [... ] المشركين حقيقة وأهل الكتاب لقولهم الله ثالث ثلاثة، وقول اليهود عزير ابن الله، والنصارى المسيح ابن الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾
قال ابن عرفة: كان الشيخ أبو عبد الله محمد الأيلي يحكي أنه جرى ذكر الآية في مجلس الأمير أبي الحسن، قال: واختلفا في معناها وحدها ما هو، فقال بعضنا هو الكلام المستقل وقال بعضنا هي العلامة وقيل: [... ] ولنا على غير شيء، وابن عرفة: والصحيح أنها توفيقية فما عدها من الشارع بدليل أن القراء ذكروها وعدوها، وقالوا إن عدها مكان آية وآية الكرسي وآية الدين وقيل: هذا ليس للنظر فيه محال قال ابن عرفة: وهذه الآية نص في جواز النسخ، واستدل الفخر في المحصول بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) وأجابه سراج الأرموي: بأن ملزومية الشيء للشيء ما يدل على وقوعه ولا إمكان وقوعه.
ابن عرفة: وهذا كقول المنطقيين بأن القضية الشرطية قد تكون صادقة وجزاءها [كاذبا*] كقوله كلما كان الشيء متحركا كان [ساكنا*] اجتمع النقيضان فهو [حق*] والجزاء الأول كاذب، ويفهم قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ورد عليه شمس الدين الجزري: بأن القصد في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) المدح، والتمدح إنما يكون بالممكن الواقع ل
النحل 16:102
بالمحال، والتحقيق في هذا أن المدح دال على جواز النسخ وإمكانه فقط، لَا على وقوعه، كما يقول فلان قادر على أن يعطي ألف درهم وإن لم [يعط*]. بالفعل.
قوله تعالى: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
هذا إضراب انتقال قال ابن عطية: إما أن المراد أقلهم عاملون معاندون وإما أن أقلهم شاكون. قيل لابن عرفة: الشاك غير عالم فكلهم إذا لَا يعلمون فقال ابن عرفة: أراد أن معنى الآية بل أكثرهم مصممون وأما الشاكون فليسوا بمصممين على الكذب فيجوز في لفظ لَا يعلمون وأرادوا به التصميم على الكذب.
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾
لفظ الرب هنا دليل على صحة مذهب أهل السنة في أن بعثة الرسل محض تفضل من الله عز وجل، قلت لابن عرفة: هل فيه دليل على أن جبريل هو الذي نزل به من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فقال: لَا بل يحتمل أن يكون أنزلته معه ملائكة أُخر.
قوله تعالى: (بِالْحَقِّ).
أي مصاحبا للحق وهو حال من ضمير القرآن المتصل بـ ينزل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾
ابن عطية: مخصوص بمن آمن منهم.
ابن عرفة: أراد أن المؤمنين عام فلذلك خصصه، لكن تقدم في علم المنطق أن القضية على قسمين مطلقة ودائمة نحو كل كاتب محرك يده دائما فهي كاذبة وكذلك هي في الآية إن قلنا معناها إن الذين لَا يؤمنون بآيات الله لَا يهديهم الله ما داموا كافرين بها فلا يحتاج إلى تخصيص، لكن بقي فيه عدم الفائدة في الخبر فقد يمتنع كما منع النحويون الذاهبة جاءت صاحبها وإن قلنا ليس في الآية تقدير وأبقيناها على عمومها احتجنا إلى تخصيصها كما قال ابن عطية والله أعلم. قال ابن عطية: وفيها تقديم وتأخير والتقدير أن الذين لَا يهديهم الله لَا يؤمنون بالله ورده ابن عرفة بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر وهو أجنبي، قلت له: يبقى السؤال لأي شيء قدم ما شأنه التأخير وأخر ما حقه التقديم؟ فقال: لو قيل كذلك لما أفادت الثانية شيئا لأن كل
النحل 16:105
أحد يفهم نقيضها من الأولى خلاف هذه فإن الذين لَا يؤمنون بالله قد يهديهم الله فيؤمنون فأفادت الثانية ما لم تفده الأولى، وقال بعض الطلبة: بل ورودها على هذا الشيء، قلت: في الآية حجة للمعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الضلال فإنه ذكر عدم هداية الله لهم بعد أن أسند إليهم الامتناع من الإيمان بلام الملك.
قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وليس بداخل في حكم التأكيد بأن بل هل هو معطوف على الجملة كلها كقولك إن زيد قائم وعمر خارج ولا يصح عطفه على الخبر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾
ابن عطية: (إنما) ليست للحصر حقيقة بل للمبالغة لأن كثيرا من المؤمنين يفترون الكذب، وأجاب ابن عرفة: بأن الألف واللام في الكذب المعهود، فالمراد إنما يفترى الكذب على الله، فإنها للحصر حقيقة، قيل لابن عرفة: إذا أفتى رجل نفسه تحليل ما هو عنده حرام فقال: هو مفتر على الله الكذب، ومعنى الأمر أن يقول أو يفعل ما يخالف علمه [**فنقدا لذلك]، قلت له: إذا أفتى بالمشهود في مثله، قال: هذا هو حكم الله فهل هو مفتر، إن قلنا: إن المصيب واحد فقال: لَا لأنه مقلد فكان يقول هذا هو حكم الله عند هذا القائل.
قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونْ).
ابن عطية: إن قلت لم كرر هذا مع أنه مفهوم، فأجاب: بأن الكاذبين هنا صفة لازمة للموصوف فهو آكد من الأول.
ابن عرفة: وهذا لَا يصح من جهة النحو، ولا من جهة الأصول فالصفة ليست لازمة للموصوف بوجه ولما النحويون فإنما فرقوا بين قولك زيد هذا القائم وبين زيد قائم، فقالوا: إن الصفة أقوى وآكد من الخبر؛ لأن قائما في قولك زيد قائم خبر محتمل للصدق والكذب والقيام في الأول صفة فما جيء بها إلا بناء على أن المخاطب موافق على معناها لَا هو ولا غيره وليس الكاذبون هنا صفة لمقدر أي هم القوم الكاذبون فقال: لم يقل أحد في القائم في قولك زيد القائم صفة لمقدر وإلا فإن يلزم عليه التسلسل فما قاله ابن عطية لَا وجه له قال: وإنما الحكمة في تكرير هذه الجملة عندي أحد أمرين إما أنه قصد التذييل ومعناه عند البيانيين أن يؤتى بجمل مختلفة الألفاظ متقاربة المعاني وإما أن الأول بلفظ الفعل وهو قوله تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ) فكرر بلفظ الاسم تأكيدا له بما هو أبلغ منه.
النحل 16:106
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾
أعربه الزمخشري: بدلا من (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) ورده أبو حيان: بأنه يلزم عليه حصر افتراء الكذب فيمن كفر بالله من بعد إيمانه ويبقى من لم يزل كافرا وأجاب ابن عرفة: بأن هنا بناء على أن إنما للحصر حقيقة وإن جعلناها للمبالغة كما قال ابن عطية فلا يعقبه قوله (إلا من أكره). ابن عطية: إذ أطلق مكرها لم يلزمه اللخمي إن صرف تنبيه عن الطلاق لم يجب وإن صرفها إلى الطلاق لزمه، وإن ذهل عن النية فإن كان في ضيق من الزمان لم يحنث وإن كان في [سعة*] حنث.
ابن عرفة: هذا مشكل لأن المشهور من مذهبنا أن الغاصب لَا يرد [الغلات*]، قال ابن عطية: وإذا أكره على [مال*] الغير، فإن كان في حلفه مصور لما له حلف لم يحنث وإلا فلا، وقال ابن بشير: إن كان الضائع كثيرا حلف من ماله يسيرا لم يحنث وإن حلف، وإن كان الضائع من ماله كثيرا حلف ولا حنث عليه.
قال ابن عرفة: وإذا أكره على إخراج رجل من داره للقتل وحلف بالطلاق على أنه ليس عنده، فالمنصوص أنه إن حلف حنث إلا أن يتوعد على ذلك بالضرب إن لم يحلف وإن قيل: إن لم تحلف دخلنا دارك وأخرجناه فهو في سعة ولا إثم إن لم يحلف وإن حلف حنث وكذلك في اليمين بعموم العام والمشي إلى مكة، قال اللخمي: قيل لابن عرفة: كنت حكيت لنا عن الفقيه المدرس أبي عبد الله الرماح القيرواني أن بعض الكبار أودع عنده طعاما فطلب بعض الأعراب أخذه، فقال: ليس عندي شيء فأحلفه على ذلك بالطلاق فحلف فقال المنقول: إنه لَا يحلف فيما يرجع بلفظ النفوس وإن حلف حنث فأحرى الأموال قال فإذا أكره على الزنا فإن كانت المزني بها أمة للمكره فإن كان الإكراه ينفعه وإن كانت لغيره لم يجز له ذلك لأنه لَا يحل له القدوم على ملك غيره كما إذا أكره على أخذ مال غيره.
ابن عرفة: وسبب نزول الآية أن ناسا من ضعفاء المسلمين أكرهوا على الكفر فكفروا في الظاهر منهم بلال وصهيب وخباب.
ابن عطية: وإذا أكره على السجود للصنم فإنه يسجد له إن كان في القبلة وينوي السجود لله تعالى.
ابن عرفة: قال له أن ينوي السجود لله وإن لم يكن الصنم في القبلة كما سجد غير المضطر وكالمسافر فإنه يصلي على دابته حيث ما توجهت به.
النحل 16:108
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
قال صاحب الإرشاد: واختلافا في الطبع ما هو [... ]. فمنهم من قال هو أن يختم عليه بالكفر، وقيل: هو أن يجعل عليه علامة دالة على الكفر، وأما المعتزلة فقالوا: هو أن يجعل عليه علامة من غير أن يخلق في قلبه الكفر، وفي الحديث "أنه يخلق فيه نكتة سوداء".
قوله تعالى: (وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ).
إن قلت: الطبع على القلب يستلزم ما سواه، فالجواب: أنه نفي بالطبع على القلب المعلوم النظر به، وبعض الضروريات وهي الأوليات تكون الواحد نصف الاثنين والوحدانيات كعلمك بشبع نفسك وبقيت المحسوسات فنفاها بقوله: (وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) قيل لابن عرفة: الأوليات والوحدانيات أجلا من المحسوسات فإذا انتفت فأحرى أن ينتفي عنهم المحسوسات، فقال: هذا أبلغ، قلت له: ويحتمل أن يقال: الفكر القلبي مسبب عن السمع والبصر، ونفي المسبب ما يستلزم نفي السبب فلهذا قال وسمعهم وأبصارهم، قال: وأفرد السمع لأنه مصدر في الأصل منهم لا يثنىَ ولا يجمع إلا إذا اختلفت أنواعه على العموم والاشتغال بخلاف البصر فإنه ليس بمصدر.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾
ابن عرفة: قال ابن عصفور: إن الإضافة في قولك مررت بالرجل الحسن وجهه إنما هي عن نصب وليست عن رفع إذ لو كانت عن رفع يلزم عليه إضافة الشيء إلى نفسه لأنك إذا قلت: الحسن وجهه بالرفع فالحسن هو الوجه لأنه فاعله حينئذ يرتفع على أنه فاعل بالحسن وإذا قلت: وجهه بالنصب فالحسن هو الرجل لأن فاعله حينئذٍ ضمير عائد على الرجل فإذا كانت إضافة وجهه عن نصب لم يكن فيه إضافة الشيء إلى نفسه بل إضافة الحسن الذي هو من صفة الرجل إلى وجهه وعلى الرفع أضاف صفة الوجه إلى الوجه فهي إضافة الشيء إلى نفسه لَا يجوز فقوله تعالى: (عَنْ نَفْسِهَا) أضاف الشيء إلى نفسه خبر وفيه إشكال إذ لَا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه.
ابن عرفة: والجواب أن ابن عصفور قال: لَا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى مضمر المتصل فلا يجوز مرتني ويجوز مرت نفسي لأن الاسم الظاهر يتنزل منزلة الأجنبي مكانه قيل هنا تجادل عن غيرها قلت: وهذا الذي نقل عن ابن عصفور ذكره
النحل 16:113
في الشرح الصغير على الجمل الصغير في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل ندبة على أبي القاسم في قوله في الوجه الحادي عشر يضاف الشيء إلى نفسه.
قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ... (١١٣)﴾
تنكيره للتعظيم.
قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ).
الفاء للتعقيب وللسبب بمعنى أن تكذيبهم إليه لأجل دعوة الرسالة فقط؛ لأنه كان عندهم مشهورا بالصدق والأمانة فما كذبوه إلا بسبب دعواه، والرسالة.
قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).
ابن عرفة: هذه حال مبنية لأنهم تارة يكذبونه وهم جاهلون بصحة رسالته فلا يكونون ظالمين، وتارة يكذبونه مع ظهور الدلائل الدالة على صدقه فهؤلاء ظالمون.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾
هذا أمر امتنان ويحتمل أن يكون للإباحة إذا قلنا إن الأشياء على الحظر.
قوله تعالى: (حَلَالًا طَيِّبًا).
هذه حال منتقلة لصحة وجود النسخ في القرآن فيكون الشيء حلالا ثم ينسخ فيصير حراما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾
انظر ما تقدم في صورة العقود والأنعام.
قوله تعالى: ﴿عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾
ليس المراد الجهل المصادر للعلم، وإنما المراد به العمد [لئلا*] يلزم على الأول المفهوم، وهو أن المغفرة إنما هي لهم فقط، وقال بعضهم: بجهلهم ترتب العقوبة عليهم.
قوله تعالى: (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا).
ابن عرفة: اختلفوا في القاذف إذا تاب فقيل: تقبل توبته، والمشهور إنها لَا تقبل توبته حتى تزيد حالته الثانية على حالته الأولى في الدين والصلاح ولا حجة لقوله تعالى: (وَأصْلَحُوا).
قال الزمخشري: من بعدها أي من بعد التوبة.
النحل 16:120
ابن عرفة: فيكون من باب ذكر المسبب عقيب سببه كقولك: أحسن فأكرمنك.
ابن عرفة: وقيل أي من بعد المعصية فيكون من باب ذكر الشيء عقيب توصيفه كقولك: أسأت إليَّ فأحسنت إليك.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ... (١٢١)﴾
قلت له: الأصل أن يؤتي [بالنعوت*] المفردة متوالية فلم فصل بينهما عندنا؟ فقال: لأن كونه قانتا وحنيفا وشاكرا لأنعمه متفق عليه، وكونه ليس مشركا يخالف فيه الكفار، فوسطه بينهما على [**عصمه، فيكون من عطف التسوية مالا] وأيضا [... ]. أمر اعتقادي [... ]
قوله تعالى: (اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
استفاد منه دليل على قربه لأن الجزء المعوج عند المهندسين إما بسط وقوم يصير أطول من المستقيم، وإذا كان أطول فطريقه أبعد.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾
نقل لابن عرفة: أن هذه جرت في مجلس الأستاذ أبي سعيد بن لب بالأندلس فقال: هذه الآية خرجت مخرج الثناء على إبراهيم فلم أدخل فيها النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ثم أجاب بأن في ذكره وأمره باتباع إبراهيم زيادة تشريف بملة إبراهيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنشد قول ابن الرومي:
قَالُوا أَبُو الصَّقْر من شَيبَان قلت لَهُم؍ كلا لعمرى وَلَكِن مِنْهُ شَيبَان؍
وَكم أبٍ قد علا بِابْن ذرا شرفٍ؍ كَمَا علا برَسُول الله عدنان؍
ثم قال: ومن كلام العرب العصا من العصية فقال له بعض الطلبة: إنما نظيرها قول العامة مزبلة الحمام أكبر من الذي عملها فأنكر عليه وعمل عقد وألزم الكفر وقتل وكتب ابن جزي الأندلسي في المسألة: فما ألزمه فيها الكفر وتحامل على أبي سعيد في قوله العصا من العصية وجعله القسم الثاني في السقاء المختلفة فيه ولكن ترك أمره لشهرة أبي سعيد وتقدمته في العلم ومكانته من السلطنة.
قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ أي بالبرهان والموعظة هي الخطابة.
ابن عرفة: وذكر الغزالي في [الاقتصاد*] هذه الثلاثة قال: والبرهان يخاطب به الأذكياء والخطابة يخاطب العوام لأنهم لَا يفهمون البرهان وإنما يفهمون المواعظ والجدال لا يخاطب به إلا المعاندون في الاعتقاد لأنهم لَا يرجعون عن مذهبهم بالموعظة ولم يذكر هنا العائلة لأنها ليست لكل النَّاس بل لمن لم ينفع فيه من ذلك فإن قلت قد قال عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا لَا إله إلا الله" الحديث قلنا: قد تقرر في كتاب الجهاد أنهم يدعون أولا إلى الإسلام فإن لم يستجيبوا حينئذ يقاتلون، قلت: وقال الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن البنا المراكشي في كتابه المسمى بالروض المريع في صناعة البديع: المخاطبات على خمسة أقسام على ما أحصيت قديما الأول: البرهان وهو الخطاب بأقوال اضطرارية يحصل عنها اليقين، والثاني: الحول وهو الخطاب بأقوال مشهورة يحصل عنها الظن الغالب، والثالث: الخطابة وهو الخطاب بأقوال مقبولة يحصل عنها استقرار في النفس الإقناع وهذه الثلاثة هي التي تستعمل في طريق الحق.
والرابع: الشعر وهو الخطاب بأقوال كاذبة يحصل عنها استقرار في النفس، والخامس: المخالطة وهي الخطاب بأقوال كاذبة يحصل عنها الاعتقاد ما ليس بحق أنها حق وهذان اسمان خارجان عن باب العلم وأخلاقه في باب الجهل فالمنظوم يكون إذاً شعرا وغير شعر كما أن المنثور كذلك، وأهل العرب يسمون المنظوم كله شعرا معرض في دار في الشعر انتهى كلامه، وقال غيره: البرهان قياس مركب من مقدمات يقينية كعلمنا بأن الواحد نصف الاثنين، والجدل قياس مركب من مقدمات مشهورة كالعلم بأن العلم حسن والجهل قبيح، والخطابة قياس مركب من مقدمات منقولة وهي المأخوذة عن الأنبياء والعلماء ومن فيه زيادة عقل أو دين كعلمنا بأن إعادتنا حق وإنَّمَا مجازون بالجنة والنار ولاختلاف النَّاس أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعوا بالثالثة قدر العمل والفهم بدعا بالحكمة وهم الخواص ومن دونهم بدعا بالجدال والعوام [يدعون*] بالموعظة إذ لو دعوا بالحكمة لم يفهموها، [**والقياس الشعر من مركب من مقدمات تخيلية للفعل النفس] لها كتشبيه الخمر ياقوتة سيالة فرغب فيه وتشبيه العسل بقيء [فتنفر*] عنه النفس، وكذلك البيض بقوله إنه خارج من محل العذرة [فتنفر*] عنه النفس وهذا لَا فائدة فيه إلا أنه يوجب قبضا وبسطاً في النفس وأما السرقسطاني وهو المغالطي: فهو قياس مركب من مقدمات مشبهة بقضايا أوليات كقول القائل كل من
النحل 16:126
ليس في مكان وجهة لَا يدرك بحاسة البصر فيصح استحالة رؤية الله وهذه مغالطة إذ ليس من شرط الإبصار الجهة وقد سمي الغزالي هذا وأنظاره ميزان الشيطان.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾
وإن أردتم العقابة والأمر للإباحة.
قوله تعالى: (بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ).
سمى فعل الجاني عما يأمن مجاز المقابلة كقوله [... ]:
[قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه؍ قلت اطبخوا لي جبة وقميصا*]؍
وقال في المدونة: فمن مثل برجل فقطع يده وجرحه إلى غير ذلك ثم قتله قال إن العلم أنه قصد الممثل به فعل به مثل ذلك والأصل فقط.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
فيه رد على المعتزلة في قولهم العبد خلق أفعاله ورد على الجبرية القائلين بأن حركة العبد كحركة المرتعش وإنه قيل له: افعل بأمر لَا فعل له ودليل لأهل السنة في إثبات الكسب لأنه أمر بالصبر ثم إنه لَا صبر له إلا بالله.
قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ).
أي لَا تحزن على ما سلف من قتالهم وعدم إيمانهم في المستقبل ولا تك في ضيق مما يمكرون به ويحلون فيه، فنهاه عن التأسف على كفرهم ثم عن الخوف والجزع مما سيجدون عنهم في المستقبل. فإن قلت هلا قال ولا يكن في صدرك ضيق فهو أبلغ.
* * *
الإسراء 17:1
سُورَةُ الْإِسْرَاءِ
[وهي مائة آية وعشر آيات*]
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾
قال ابن عرفة: وجه ذكر التسبيح هنا أن الباقي بعده للمصاحبة فيقتضي مصاحبة بعده في الإسراء وذلك مستحيل كما استحال في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِم). فذكر تنزيهه عن ذلك وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾
قال ابن عرفة: هي دليل على صحة تكليف ما لَا يطاق ولا [يحمل*] على أنهم مخلفون بالإصلاح والإيمان مع كونه قضى عليهم بالفساد في الأرض وما قضاه وأراده فلا بد منه فهم مخلفون بالإيمان وحوطوا بأنهم سيفسدون قال: والجواب أن هذا ليس محل النزاع لأنه في المستحيل عقلا وهو الذي علم الله أنه لَا بد منه خلاف المستحيل عادة وأتى فيه بالقسم لأجل أنه مستبعد عنهم فلذلك أقسم له.
قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾.. ابن عطية: قرأ [الناس*] فجاسوا [بالجيم، وقرأ أبو السمال «فحاسوا» بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسرا ومنه الحواس*] وقيل [لأبي*] السماك إنما القراءة (جاسوا) بالجيم فقال جاسوا [وحاسوا واحد*]، ابن عطية: فهذا يدل على [تخير*] لَا على رواية ولهذا لَا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه.
قال ابن عرفة: قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في كتاب الصلاة في فعل القراءة يجوز نقل القرآن بالمعنى تخريجا من راوية ابن وهب أنه حال مبالغة الإقراء بقراءة ابن مسعود أن (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ) فقال الرجل: طعام اليتيم فقال ابن مسعود: طعام الفاجر أيقرأ بهذا، فقال: نعم فخرج الفخر عدم إعادة المصلي بها، وأنكر عليه المازري، وقال [**هذه وله] لأن لفظه معجز، فلا يصح بديله بالمرادف الذي في الحديث القدر بل فعل وحده وليس هذا [... ] مستوفيا خروج المباح منه؛ لأن المعنى أن يصدر منكم إحسان فلأنفسكم والمباح [ليس لهم ولا عليهم*] فإن قلتم نص الأصوليون على أن المباح من أقسام الحسن قلنا: هذا صحيح لكن قوله هنا (لأنفسكم) يرده؛ لأنه تنبيه على الثواب الحاصل لهم في الدار الآخرة والمباح لَا ثواب فيه، وكرر لفظ [(أحسنتم) للاستجلاء*] كقول أبي نواس:
الإسراء 17:7
ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ؍ ولا تسقني سِرًّا إذا أمكن الجهرُ؍
وقال ابن الخطيب؛ لعظم قدره عند الله تعالى كقوله: الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة وأزيد والسيئة بمثلها، وأتجاوز. ابن عرفة: وهذا على جهة الأعم الأغلب وإلا فقد يحسن الإنسان لغيره؛ كمن يدعو لميت ويتصدق عنه بشيء.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾
قال المعبرون: المراد الوجه [خاصة*]، ويحتمل أن يريد به أشرافهم ويتناول من دونهم من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾
ابن عطية: الحصير من الحصر يعني السجن، ويقال لجني الإنسان [حصيران*] [لأنهما*] يحصران جانب من هنا وجانب من هنا، وقال: [الحسن البصري*] في الآية [أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عند الناس.*]
ابن عرفة: لَا يريد أنها ذات حصر؛ كقولك [امرأته طالق ثلاثا*]؛ [لأنها*] ملازمة الحصر لهذه، فهي متصفة به دائما خلاف المرأة [والثلاث*]، والطلاق أيضا ليس من فعل المرأة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
الزمخشري: حذف الموصول بما في إيهامه بالجميع من فخامة فقدمت مع ذكره ابن عرفة: أراد أنه حذف قصد للعموم لبقاء اللفظ صالحا لأن يكون المقدر يهدي الطريق التي هي أقوم أو للملة التي هي أقوم ولو ذكر إحداهما لكان خاصا فحذف لقصد صلاحية هدايته للجميع.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾
ابن عرفة: عاداتهم يقولون المناسب وكان الإنسان جهولا؛ لأن من يدعو على نفسه بالشر مثل ما يدعو بها بالخير سواء جاهل أو لَا، [يسوي*] بين [العالم والجاهل*] فأما العجول، فإنما يناسب أن الإنسان يستعجل الدعاء بالخير قبل حضور أوانه. قال: والجواب أن العجلة سبب في الجهالة لأن المستعجل لَا يتأمل ولا ينظر بل يبادر إلى الشيء من غير تأمل فهو كالجاهل سواء قائم السبب مقام سببه، قلت: وهذا قال الزمخشري في قوله: (أعجلتم أمر ربكم) [يقال*]: [عجل عن الأمر إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره*] (١).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾
(١) العبارة في المطبوع بها اضطراب، والتصويب من (الكشاف. ٢/ ١٦١).
الإسراء 17:15
ابن عطية (جعل) بمعنى (خلق) لَا بمعنى (صير)؛ لأنه يلزم عليه وجودهما [قبل: ذلك*]
[وأُجيب*] بالتزام ذلك، ويكونا في ثاني حال (صير) آيتين؛ ورُدَّ بأن حالتهما الأولى [**مساء]،
وبالحالة الثانية إلا أن يقال: إنهما خلفاء مكتفين، وحين صيرا اثنين خلق فيهما النور
[**وغير أن في كلام ابن عطية]. ابن عرفة: والآية حجة لأهل السنة على أن الكلمة أمر
وجودي وأنها جواهر كثيفة واستدلوا بأنها ترى وكل ما يرى فهو وجودي، وقال
المعتزلة: إنها أمر عرفي أولا فرق بين حالة الإنسان إذا فتح عينيه في الظلام وقال إذا
أغلقها قاله الفخر في [**المحصل والمشهور عند الأصوليين أن العدم الإضافي لَا يصح
أن يكون أمرًا للقدرة وأجمعوا على العدم المطلق به ويستقيم القول بأن العرض لما بقي
وما بين الآية دليل على أن الميل أمر وجودي لأن العامل فيه خلق أو صير].
قوله تعالى: (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ).
قال ابن عرفة: إن أريد الحساب القمري [**جلون معا الفضل بالنهار] ومعرفة الحساب بالليل وعدد السنين راجع لعلم مدها ومداها والحساب واسع لجمعها وطرح بعضها من بعض وعندما قالوا العدد كمية منفصلة ذات ترتيب والحساب هو التصرف فمن العدد بالتركيب والتحليل.
قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا).
قال ابن القصار في قول الشاعر: [... ]. لهم لاحتمال أن يكون صنع بعضهم تجعله في الرفع كالعلي وفي النصب كل الكل، وأجاب الآخرون بأن ذلك إنما هو في النفي والحكم في الثبوت على خلافه ولهذا مثل المنطقيون المبالغة الجزئية بقولك ليس كل كذا وكذا.
قال ابن عرفة: فهذا إن كان قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) متعلقا بتعلموا معطوفا على قوله عدد السنين فلا يكون عالماً فإن معرفتنا لأنهم وإن كان راجعا لله تعالى فهو كلية فيكون عالماً؛ لأنه يعلم الأشياء جملة وتفصيلا ونحن لَا نعلمها إلا جملة فإذا رجع العلم إلينا كلا لَا كلية وهو على المجموع من حيث هو مجموع كقولك كل من عام يرفع الصخرة العظيمة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
الإسراء 17:16
في الدنيا، واختلفوا في شكر النعم فمذهبنا أنه واجب شرعا، ومذهب المعتزلة وجوبه عقلا، وكذلك اختلفوا في النظر فمذهبنا وجوبه، حسبما تقدم في الإرشاد، والآية دليل لنا، واختلفوا هل [**جلا العقل] من سمع أو لَا، وقال في كتاب الجهاد: إن الكفار لا [**يثبتوا] حتى يدعوا إلى الإسلام وهذا يدل على أن العقل [**من سمع] وبه احتجوا في كتاب الجهاد، وأجاب المازري بأنهم عالمون بالتوحيد، الكلام فى الرسالة.
ابن عرفة: وهؤلاء اليهود والنصارى يجب دعواهم لأنهم مد بكفهم التوحيد وعلموه وأما البعثة فلا، وأجاب المتعسفون بأن رسولا في الآية المراد به العقل وهذا تحريف للفظ القرآن.
ابن عرفة: واختلفوا هل يشترط المعلم بالتكليف أو التمكن من العلم بالتكليف فيخرج المجانين والأطفال أو لَا يشترط ذلك والآية حجة في اشتراط ذلك، قلت: وقال الشيخ ابن مرزوق: كانت وقفاً ببلد فاس في عام أربعين وسبعمائة في مدة الأمير أبي الحسين في حين وصل إلى الجزائر الخالدات وطار لهم ووجد فيهم ناسا على شكل بني آدم ولا يفهم لهم كلاما وليسوا متشرعين فرفع عنهم جماعة إلى بلاد الأندلس فلم يفهم لهم أحد كلاما فما زالوا مقيمين ومخالطين للنصارى حتى يفهم بعضهم كلام النصارى ورجع عنهم فوجدهم لَا يعرفون النبوة ولا شيئا منها فوصل بهم إلى الأمير أبي الحسن المريني فاختلف الفقهاء حينئذ فمنهم من قال تغزى بلادهم ويقاتلون ومنهم من قال: يبعث إليهم هؤلاء الذين فهموا لغتنا منهم فيدعونهم إلى الإسلام ويخبرونهم بالشريعة المحمدية وأحكامها فإن أذعنوا لذلك وإلا قوتلوا وأخذوا ثم توفي الأمير أبو الحسن قبل الوصول إليهم وهم جوز في البحر.
قال ابن عرفة: والآية على إبطال مفهوم الغاية لأنه لَا يقع التعريف بمجرد اللغة بل مع تكذيب المبعوث والغاية بحتى أبلغ منها بإلى حسبما ذكره الزمخشري: في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) ولذلك قال ابن الحاجب: والعورة من الصرة إلى الركبة، وقيل: حتى الركبة.
ابن عرفة، وقوله تعالى: (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) ليس المراد وقوع ذلك، وإنما المراد وما يصح لنا التعذيب شرعا حتى نبعث رسولا وكذا قال الزمخشري: في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ).
قوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾
الإسراء 17:17
فقيل أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وقال الزمخشري: أملينا لهم وفعلنا بهم الأسباب المكثرة للرزق وصببنا عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، ورده ابن عرفة بأن فيه [شذوذ*] من وجوه أحدها إخراج لفظ الأمر من حقيقته وتكثير المضرات والمقدرات، وإقامة السبب مقام المسبب إلى غير ذلك، قال وكان بعضهم يرد عليه إلى بعض أنه يقال أمرنا المعين [أمرناهم*] بالعصيان ففسقوا؛ لأن الفسق هو الخروج، والخروج يستلزم [مخالفة الأمر*] ولا معنى للعصيان إلا هذا فقيل لابن عرفة، وما قاله الزمخشري جار على مذهبه كان على أصول الفقه حكوا في لفظ آخر خلافا هل هو حقيقة في القول المخصوص أو في الفعل، وهو مذهب أبي القاسم، والمعتزلة فقال يلزم هنا الإجمال، وقيل (أمرنا مترفيها) بمعنى كثرناهم، ومترفوها هم المنعمون أي ذوو النعمة.
ابن عطية [الإمارة*]. ابن عرفة: فإن كل أحد [**ذل داره] ولعلها يحكي بها ما كان كلاما لا قولا، فالقول أعم من الكلام لصحة إطلاقه اصطلاحا على غير المفيد فلذلك قال هنا لحق عليها القول؛ لأنه إذا حق عليها ما هو أعم من المفيد وغيره فأحرى أن يحق عليها المفيد وهذا باعتبار ظهوره وبروزه لهم وإلا فقد كان لازما ثابتا لأنه قديم أزلي.
قوله تعالى: (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).
ابن عرفة: قال بعضهم: حسبوا تاريخ بغداد فوجدوه بعدد حروف تدمير أجاب أبي جاد لأن التاء أربعمائة، والدال أربعة، والميم أربعون، والباء عشرة، والراء مائتان.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾
إنما أتى بعده لأن القضية الشرطية لَا تدل على وقوع الشيء ولا إمكان وقوعه.
قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
قال: هذا إما أن يكون استعارة، وإما أن يراد حقيقة الإنسان، والجناح مجاز.
قال الزمخشري: [إما أن المراد الذليل أو الذلول*].
ابن عرفة: فالأول: نهي عن التعصب أي لَا يتعصب عليهما وكن لهما كالفرس الذلول، والثاني: بمعنى لَا يفتر عليهما، وكن لهما كالرجل الذليل.
قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا).
ذكر السهيلي حديثا أن من زار قبر والديه عد بارًّا لهما.
الإسراء 17:28
قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا) نظر هل يتناول هذا ابن النفي قال: إن حملت التربية على آخر الحمل والنفقة عليه حينئذٍ فلا يتناول إلا ابن الولادة وإن حملناها على العموم فيتناوله.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾... فيه وجهان الأول أنه من [إقامة*] السبب مقام المسبب والتقدير، وإما تعرض عنهم لاعتبارك لأن إعراضه إنما هو لاعتباره لَا [لابتغاء الرحمة*]، وإما أن في الكلام تقديما وتأخيرا أي وإما تعرضن عنهم فقل لهم قولا ميسورا [ابتغاء الرحمة من ربك*].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾
هذا تمثيل في المعنى البخل ستنتج كقول "العائد فيه كالكلب يعود في قيئه" كل ذلك ينفي عن الاتصاف بهذه الصفات، قلت لابن عرفة: ظاهر الآية النهي عن هذا البخل لأن [غل*] اليد إلى العنق هو النهاية وإنما كان يتناول مطلق البخل لأنه لو قيل: لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، فقال بل يتناول مطلق البخل، وشبهة بغل اليد إلى العنق استقباحا للبخل قلَّ أو أكثر.
قوله تعالى: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ).
يتناول النفقة المحرمة أصلا؛ كشراء الخمور، والمحرمة بعارض كشراء [**الخمور بدينار كبير].
قوله تعالى: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).
ابن عرفة: هذا لف ونشر فاللوم راجع إلى البخل لأن الإنسان يلام على عدم النفقة، ولم يقل مذموما ليتناول ذلك النهي عن البخل بالواجب، وبغيره، وقوله محسورا راجع إلى النهي عن بسط اليد؛ لأنه إذا بالغ في بسطها يقل درهمه ورزقه ويتغير عليه فيبقى محسورا.
قال ابن عرفة: وانظر قال في سورة تبارك الفرقان: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) وإن كان بين ذلك قواما فبدأ هنالك بالسرف في النفقة وهو بسط اليد، وبدأها هنا بالبخل.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون أن سورة الإسراء مشتملة على جملتين اقتضاء النهي والأعم والأغلب في البخل والشح فهو أحق وهم بأن تقدم النهي، فقدم نفي ذلك لأنه هم هنالك والآية خرجت مخرج المدح دليل مقدم فيها ما سواهم في المدح،
الإسراء 17:30
وهو نفي السرف عنهم لأنه علم من حالهم عدم البخل لأن الكلام إنما هو في المنفقين.
ابن عرفة: ولو قيل إذا انفقوا لم يقتروا ولم يسرفوا لكان الجواب غير الشرط كقولنا إذا لم يبخلوا لم يبخلوا فلا يكون فيه فائدة.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
أي لمن يشاء بسط الرزق له، وقال ابن عطية: لمن يعلم أن في بسط الرزق العقليين عندهم وأمَّا عندنا فالحسن والقبح شرعيان لَا عقليان.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ... (٣١)﴾
وقال في سورة الأنعام (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فقدم هنا ضمير الأولاد وأخره في الأنعام فما السر في ذلك.
ابن عرفة: أجابوا بأن المخاطب هنا من عزم على قتل ولده في حال غناه خشية أن يصير بإنفاقه عليه فقيرا والمخاطب في سورة الأنعام هو من عزم على قتل ولده في حال فقره وإملاقه... عياله والأعم الأغلب المشاهد من النَّاس أن إلا [٤٩/ ٢٣٧] قيل: نزول البلاء بأنه يفضل أولاده وأحفاده على نفسه ويودان أن يكون فاداهم فيما يؤمهم وينزل بهم فإذا رأى البلاء عيانا وحل به لم يفضل أحد على نفسه إنما يجب خلاص نفسه منه دون أحب النَّاس إليه ولا يحب إلا نفسه هذا في كل آية بما هو الأهم فيها ففي سورة الأنعام الأهم عليهم أنفسهم لأنهم فقراء قد ذاقوا ألم الفقر والإملاق فلذلك قيل فيها نحن نرزقهم وإياهم وهنا الأهم عليهم أولادهم لأنهم أغنياء لكن خافوا الفقر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾
[**الزنا عند مالك وأبي حنيفة]، فإن قلت: [لم نهى*] عن قربه دون قرب القبل؟ قلنا: لأن الزنا له مقدمات كالقبلة والملامسة وهي كلها محرمة فنهى عن قربه ليتناول النهي عن المقدمات، قلت: والنفس تدعوا إلى هذه المقدمات من الجانبين، ومقدمات القبل ضيقة؛ لأن المقتول يدافع عن نفسه، فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) مع أنه إن كان تعليلا عقليا كان حجة المعتزلة في أن أفعال العبد معللة وأن الزنا قبيح عقلا، وإن كان شرعيا لزم تعليل الشيء نفسه لأن يكون المعنى لَا تقربوا الزنا لأنكم لَا تقربوه [**وأقضيكم عن قربه لأنكم قضيتم] عنه لأن صحته لم تثبت إلا من جهة الشرع، فالجواب أنه يكون هذا إشارة إلى أن تحريمه ثابت في الشرائع المتقدمة لأن
الإسراء 17:33
الملل كلها أجمعت على وجوب حفظ الأنساب فالمراد أن النهي عن الزنا ليس هو خاصا بكم فلا تقربوه فإنه لم يزل فاحشة في شرع من قبلكم من الأمم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
المراد به الجهاد والحرابة والقصاص.
ابن عرفة: والمرتد يحد فيه ويستتاب، والزنديق يقتل ولا يستتاب، والمحارب إذا قدر عليه الحد صبرا واختلف في قتله بخلاف قتله حال الحرابة فإنه متفق عليه عندنا.
قوله تعالى: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ).
يحتمل وجهين أحدهما عود الضمير في يسرف على ولي القتيل، فالمراد أنه لا يمثل به بعد قتله، وفى هذا على بابها من الطرفين، الوجه الثاني: أن الضمير عائد على القاتل، أي: فلا يسرف من أراد قتل شخص والتعدي عليه في قتله أي لَا صلة [**بسرفه]، وفي هذا للسبب أي فلا يسرف بسبب قتله.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا).
أو لم يزل كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
قال ابن عرفة: الوجود على ثلاثة أقسام: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان ووجود في اللسان، ومنهم من يعبر عن هذا الثالث بقوله وجود في البنان والوجود والقياس يكون [علما وظنا*] فكأنه يقول لَا تكلم إلا بالعلم، ففيه دليل على [إعمال القياس*] لأنه إنما يفيد الظن لأنه قسمان قياس في الأمور الشرعيات، وهي ظنية، واتفقوا على أنه يفيد الظن، وقياس في العقليات بالجوامع الأربعة وهي العلة والدليل والشرط والحقيقة، فالعلة لتحقيق العالمية في الشاهد، إنما هو يعلم فكذلك في الغالب والدليل كالأثر في الشاهد يدل على مؤثر فكذلك في الغائب والشرط كالحياة هي في الشاهد شرط في وجود العلم فكذلك في الغائب والحقيقة كالإرادة فإنها في الشاهد عبارة عن التخصيص فكذلك في الغائب. ذكره التلمساني في المسألة الثالثة من الباب التاسع والمشهور عن المتقدمين أنه يفيد القطع وأما المتأخرون فأطبقوا على أنه إنما يفيد الظن لأنه قد تعرض بشبهة أو في شيء فيمدح فيه وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ابن عرفة: عموم الآية مخصوص بالمباح لأنه لَا يتناوله النهي.
قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ).
الإسراء 17:37
هذا مجاز أولا يسأل هؤلاء فإن قلت: هل يدل على أن العقل في القلب قلنا: قد تفرد في أصول الدين بأن العقل علوم ضرورية فلا يقال للقلب عاقل، وإنَّمَا العاقل صاحبه.
قوله تعالى: (كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
قيل: إن اسم كان عائد على كل والمجرور نفسه عائد على ما من قوله ما ليس به علم، وقيل: إن اسم كان عائد على ضمير المخاطب بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ) على الالتفاف والضمير في عنه عائد على كل.
قوله تعالى: ﴿مَرَحًا... (٣٧)﴾
حال، وقيل: مفعول من أجله، قال أبو حيان: ولا يظهر ابن عرفة لأن المرح إنما هو حالة الشيء وإذا جعلته مفعولا من أجله كان سابقا على الشيء غير مقارن له.
ابن عرفة: فإن قلت: لم أفرد أمر الإشارة؟ قال: عادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى كل واحدة على انفرادها، فإفراده أبلغ في الذم فهو كلية لَا كل.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾
انظر هل [مِن*] للتبعيض [أو للبيان*] الحقيقي، والحكمة وضع الشيء في محله، وهل يشترط كونه أنسب من غيره، وإنما يشترط مناسبته فقط الظاهر الأول. قال الزمخشري: هذا [وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه*]، وقال ابن عطية: الإشارة بذلك إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآية أي هذه من الأفعال المحكمة التي [تقتضيها*] حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن [الأخلاق*] والحكمة قوانين المعاني المحكمة، والأفعال الفاصلة.
قوله تعالى: (مَلُومًا مَدْحُورًا).
إن قلت ما مناسبة اللوم هنا مع أن العذاب يكفي الذم مدحورا فمناسبة لأن معناه مدفوعا، وأما اللوم فلم قال؟ فالجواب: أنهم لما كذبوا بعد ظهور الدلائل الواضحة والمعجزات على يدي الرسل يعذبون على كفرهم ويلامون على ما لديهم ولا يقبل لهم معذرة.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾
كان بعضهم يقول هذه الآية دليل على أن ارتباط الدليل بالمدلول عقلي لَا عادي وفي المسألة أربعة أقوال، وأجيب بأن هؤلاء لم ينظروا النظر التام ابتدأ في المقدمتين
الإسراء 17:41
ولو استوفوا النظر لظهر لهم الحق واستحال كفرهم أو تقول إن بعضهم لم يستوف شرائط النظر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾
قال بعضهم [في*] زائدة [... ] هذا القرآن لأنه كله مصرف، ورده ابن عرفة: بأنه إنما نسخ منه آية الأحكام، [**ونصا آية الأخبار والقصص والتوحيد فليس مصرفة] فصح أن التصريف إنما هو في بعضه وليس بعام فيه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾
قال ابن عطية: في دلالة التمانع أنهما إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فيجوز اختلافهما.
ابن عرفة: وأيضا فيقولون إنما إذا اجتمعا على إيجاد جوهر فهو حالة الإيجاد وإما مقدم لأحدهما فيلزم عجز الآخر له أو مقدر لها فيلزم عليه وجود مقدورين وقادرين، واجتماع اثنين على مؤثر واحد وهو محال، قال وعادتهم يوردون على هذه الآية.
قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
لأن هناك أكد الجواب بـ إذا واللام، وهنا أكده باللام فقط، وأجيب بوجهين الأول: إن البيانيين يقولون: إن كان المخاطب منكرا للخطاب أو في مادة المنكر فحينئذ يؤكد الخطاب وإلا فلا، وهذا كقولك زيد قائم، إن زيدا قائم، وإن زيدا القائم، والشرط هنا ذكر فيه أن هنا عائد موجود ومنكر فقيل (لو كان [معه*] آلِهَةٌ كما يقولون) فاحتيج إلى تأكيد الجواب بـ إذا واللام فقط، الجواب الثاني: لفظ الفساد هنا صريح بدليل أنه لم يختلف فيه وهنا هو الشرط غير صريح بدليل الاختلاف في تفسيره فقيل: معناه لابتغوا المناقضة، وقيل معناه لابتغوا الطاعة.
ابن عرفة: وتفسيره بأن معناه لابتغوا الطاعة غير مناسب لأنهم مقرون بهذا لقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى) وإنما اتخذوهم، قيل لابن عرفة: إن هذا لم يقع ابتغاء الآلهة إلى ذي العرش سبيلا؛ فقال: على هذا [بطلت*] الملازمة وأيضا، فقال ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في المسألة الثالثة من كتاب القياس: إنه إن كان المستثنى مثبتا فالأحسن أن يأتي بأن ويستثنى عين المقدم فيستثنى عين الثاني بحيث إن كان هذا إنسان فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان وإن كان منفيا فالأحسن أن يأتي بلو ويستثني نقيض الثاني فينتج نقيض المقدم بحيث لو كان هذا إنسانا ليس إذن حيوانا لكنه ليس بحيوان فلا يكون إنسانا، فيلزم على هذا التفسير إن كان
الإسراء 17:45
يؤتي بإن عوض لو، فالظاهر أن المراد بقوله: (لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) المناقضة والمعاهدة أي لناقضوه وعاهدوه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾
ليس المراد إذا أردت أن تقرأ؛ لأنه إنما يجعل الحجاب بينه وبينهم إذا سمعوا قرآنه [فينسبون في أداته، قال: والقرآن اسم [جنس*] يصدق على القليل والكثير. (مستورا) إما أن المراد [ساترا*] وهو مفعول بمعنى فاعل فيكون مجازا، والظاهر أن الخطاب خاص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن قلت: مفهومه أنه إذا لم يقرأ لم يحفظ منهم مع أنه معصوم من شيطان الإنس والجن مطلقا، قلنا: بل مفهومه أنه إذا لم يقرأ عصم منهم من باب آخر الآية إذا [... ] المنافي لهم الذي يكرهونه فهم حينئذ أشد حقا على إيذائه ومضرته. فإن قلت: هلا قال: جعلنا بينك وبين المشركين أو وبين الكافرين؟ فالجواب إن الآخرة إنما علمت بإخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكأنه يقول جعلنا بينك وبين الذين يكذبونك وتكذبهم له سبب في أذيتهم إياه فكذلك احتيج بلعل الجواب بينهم وبينه.
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً).
أي على كل قلب منهم أكنة، والأكنة جمع قلة، والقلوب جمع كثرة، والقليل لا يقوم بالكثير إذا وزع عليه، فقوله على قلوبهم شبه الكلية لَا الكل، وقوله أكنة شبة الكل لا الكلية فجعل على كل قلب باعتبار تتبع أفراد القلوب مجمع الأكنة.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾
قال ابن عطية: إذ متعلقة بـ (يستمعون).
قال ابن عرفة: يلزم عليه تحصيل الحاصل لأن المعنى يسمعون وقت استماعهم إليك، وقال الزمخشري: إذ يستمعون نصب بـ (أعلم) فالمعنى نحن في وقت استماعهم أعلم بما يستمعون.
قال ابن عرفة لابن هشام [شارح*] الإيضاح قال في قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) أنه لَا يصح أن يعمل أفعل من في الظرف لأنها قوي فيها جانب الأدعية وقيل: يجوز ذلك.
الإسراء 17:49
قال ابن عرفة وهل يصح الاشتراك بين الغائب والشاهد في مطلق العلم قالوا: أما النافون للحال فيمنعون الاشتراك، وأما القابلون بالأحوال فيقولون: يشتركان في العلم لكن يخص أحدهما بعالمية قامت به والآخر بعلمية قامت به كما أن بياض الثوب وبياض الإنسان يشتركان في مطلق البياض ويختصان بالبياضية، وهي الحال وما به الشركة غيرها حد الاختيار، وكذلك يشترك البياض والبياضية في مطلق اللون، قيل لابن عرفة: ظهر اختلافهما في العلم النظري وهل يتفق الشاهد والغائب في العلم الفردي؟ فقال: لَا بدليل أنه قد تعرض له التشكيك.
قوله تعالى: (وَإِذْ هُم نَجْوَى).
في وقت تناجيهم، ونجوى مصدر فهو كقولك رجل عدل.
قوله تعالى: (إِلَّا رَجُلا مَسْحُورًا).
فسره ابن عطية: بوجهين: أحدهما: أنه اسم مفعول من السحر، [والثاني: أنه [ذو سحر*] وهي [الرية أي رجلا ذات رية*] أي بشر مثلكم. قلت: ومنه قول عائشة رضي الله عنها، وكرم وجه أبيها وجدها: توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين سحري [ونحري*].
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾
قال ابن عرفة: هذا الكل ومنهم للبعض، وهو عندنا جائز عقلا واجب وقوعه شرعا وعند المعتزلة يجب وقوعه عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح والعقليين عندهم وصل العام للأجسام إيجاد عن عدم أو جمع بعد تفريق فيهما قولان وأما الأرواح فمذهب أهل السنة أنها تفنى وإعادتها بمعنى خلقها في أجسامها قال ابن عرفة: وكان بعضهم يستشكل فهم الآية لأن الاستفهام الدليل على الجملتين إما أن يكون بمعنى الثبوث أو بمعنى النفي فإن كان بمعنى الثبوت لزم إقرارهم بالبعث والغرض عدمه، وإن كان بمعنى النفي لزم عليه أن يكونوا أنكروا الملازمة، وهو ملزومية الفناء للإعادة ولا يصح هذا إلا لو كان الاستفهام داخل على أول الجملة الشرطية فقط مع أنه دخل على الجملة الأولى منها والثانية والاستفهام الداخل على الثانية في معنى النفي وقد دخل النفي على الأول فيكون نفيا دخل على نفي فيصير ثبوتا، والمراد نفي لزومية الشرط للجزاء، والثاني: نفي للإعادة فهما متغايران ومن شرط التأكيد اتفاق معنى الجملتين وأجيب بأن الثاني إنكار للإعادة مطلقا، والأول
الإسراء 17:50
إنكار للإعادة بعد الفناء، فالثاني أعم فيكون من تأكيد نفي الأخص بنفي الأعم كما يقول ليس في هذه الدار إنسان ثم نقول بأن فيها حيوانا، فهو تأكيد للأول.
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾
قال ابن عطية: صيغة افعل للتعجيز، وقال الطيبي: للخيرة، وقال ابن التلمساني: التعجيز بقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
فأورد عليه أنه يلزم عليه اللف في الخبر لأن بعضهم لم يمثل هذا الأمر وأجيب بوجهين: إما بأن العباد خاص بالمؤمنين كقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ) وإمَّا بأنه عام مخصوص، وقال المبرد: تقديره قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ويرد عليه ما أورده أبو حيان في قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) وهو أن يكون الجواب عين الشرط وأجيب بأن يكون جوابا للأمر، وهو قل لأنه جواب لقوله: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والتي هي أحسن كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وقيل: إنها الخطاب اللين أي [لا يخاشنوهم*]؛ كقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وفسرها بقوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) أي لَا تقولوا إنكم من [أهل النَّار*] ولكن خاطبوهم خطابا لينا لئلا يغيظهم ذلك، ورده ابن عرفة بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ*] ". فصح أنها الكلمة التي هي أحسن.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾
إن قلت: هلا عطفه بالواو؛ لأن الرحمة والعذاب صالحان لكل واحد منهما و (أو) يقتضي صلاحية الرحمة لفريق، والعذاب لفريق؛ لأنها [للتفصيل*] [فهي حجة لمذهب المعتزلة*]، والجواب أن الرحمة عند المعتزلة أمر عقلي، ونحن نقول هو أمر شرعي، فوعد الشرع بتعذيب العاصي وتنعيم الطائع.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾
قال هذه أخص من قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فإن تفضيل الأعم يستلزم تفضيل الأخص على الأخص ولا ينعكس.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾
الإسراء 17:60
قال ابن عطية: هذا من إقامة السبب مقام مسببه، وذلك أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسأل لهم الله تعالى في أن يحول جبال مكة ذهبا وفضة أو ينسفها من أصل ويبقي مواضعها مستوية مسطحة ينتفعون بها في الحرب والزراعة فأخبره الله تعالى بأنه إجزاء للعبادة في أن الآيات المقترحة إذا فعلها النبي وكذب بها الكفار فإنهم يعالجون بالعقوبة وهؤلاء قومك متبعون لَا بأبيهم وآبائهم قد كذبوا بعد ظهور الآيات المقترحة وعوجلوا بالعقوبة فإن أظهرنا لهم الآيات التي طلبوا يكذبون بها فنعاجلهم بالعقوبة فخيره الله تعالى بين إظهار الآيات لهم ثم عقوبتهم عند التكذيب بها وبين عدم إظهارها وبقائهم ليؤمن بعضهم ويخرج من قلب الآخرين من يوحد الله عز وجل فاختار البقاء مكانه يقول ما منعنا من إظهار الآية إلا إهلاك الأولين لتلقيهم لها بالتكذيب.
وهم لَا يتبعون لها فإن أظهرناها كذبوا فنهلكهم.
قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ).
لأنها خرجت من الصخرة.
قوله تعالى: (مُبْصِرَةً).
هذا مجاز لأنها لَا تبصر بل تصير غيرها يبصر لأنه يؤمن بها.
قوله تعالى: (فَظَلَمُوا بِهَا).
أي فيها بتكذيبهم.
قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا).
المراد هنا المعجزات وهي الآيات غير المقترحة وذلك كانشقاق القمر وتكلم البعير ونحوه معناه نرسل بها تخويفا للكفار كي يؤمنوا وأما الآيات المقترحة فإنما نرسل بها تعذيبا.
قوله تعالى: ﴿الرُّؤْيَا... (٦٠)﴾
قيل إنها [رؤيا منام*] والصحيح أنها بصرية (إِلَّا فِتْنَةً) هي [الاختبار*] ويتوهم الناس أنها فساد، وهي مصلحة، وكذلك قال ابن يونس في كتاب الجهاد تكره الفتنة [... ].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾
الإسراء 17:62
اختلفوا في التفسير والصحيح أنه ليس من الملائكة وكان بعضهم من إطلاق هذا الخلاف، ويقول إنه يستلزم مفسدة كثيرة فإن مذهب أهل السنة أن الملائكة معصومون من المعاصي والمخالفات. فإن قلت: فلم استثنى [إبليس*] منهم فالجواب أنه لما كان ملازما لهم [وأُمروا هم*] بالسجود دخل هو في الأمر من باب أحرى؛ لأنه إذا أمر الأعلى بالسجود فأحرى مَن دونه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ﴾
إن قلت لم كرر (قال) مع أن المتقدم من كلامه وهو قوله: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) فالجواب أن ابن مالك قال [**نكرر القول للنظرية إذا طال الإخبار] ومنه تكرار المؤلفين الألفاظ في العقود، وأما هنا فلم يطل الكلام لكن إنما كرره على سبيل التشنيع عليه، والتنفير من [مقالته*] وإنه هو الذي قال ذلك [ونص عليه*].
قوله تعالى: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
المراد به هنا يوم موت جميع الخلائق لَا يوم بعثهم لأن من مات فقد قامت قيامته وإبليس لَا يؤخر إلا إلى ذلك اليوم، وأما يوم البعث فلا يتصور ولا يعقل تأخيره إليه؛ لأن كل من يكون فيه حيا، فإنه لا يموت أبدا، فلو حملوا تأخيره إلى ذلك اليوم لما تصور موته بوجه، ويحتمل أن يريد يوم قيامته هو بناء على القول بأنه مات يوم أحد، قلت: لكن ما يكون فيه فائدة إذ لَا يصح أن يقول لكن أخرتني إلى وقت موتي.
قوله تعالى: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا).
قال ابن مالك: لَا يجوز استثناء المجهول فلا يقال قام القوم إلا رجالا.
ابن عرفة: والمستثنى هنا وإن كان بكثرة فهو معلوم بالصفة فكأنه يقول إلا ذريته.
ابن عرفة: استدل بعضهم على عدم قبول شهادة العدل على ذرية عدوه؛ لأنه ثبت قليلاً. بهذه الآية أن العداوة بين الشخصين سر البغض بين أحدهما وبين ذرية الآخر لأنه لما أمر إبليس بالسجود لآدم واضح ورأى أنه أكبر عداوة منه فأذاه وحده من أجل ذلك فانتشرت عداوته على ذريته.
قوله تعالى: ﴿بِصَوْتِكَ... (٦٤)﴾
المراد به صوت بني آدم، فهو إقامة السبب مقام المسبب، وأما صوت إبليس فلا يصح؛ لأنها لَا تسمعها الأذن، والصوت مسموع بلا شك.
الإسراء 17:80
قوله تعالى: (بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ).
قيل الخيل والرجل هم بنو آدم، والمراد بالخيل رُكَّابها فهو من التعبير عن الشيء بلازمه، كما قيل: يا خيل الله اركبي، والخيل مركوبة لَا راكبة.
قوله تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ).
يحتمل أن يراد بالأموال قتل الولد خشية الفقر بسببه وبالأولاد وقتلهم خشية المشاركة في المنزلة كقتل السلطان أولاده، وقيل: المراد بالأموال والأولاد ما ورد في حديث الأمر بالتسمية عند الأكل وعند الجماع فإن الشيطان يسبقه إليهما وإن لم يسم فيأكل معه ويجامع معه.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾
قال ابن عرفة: ذكروا في التفسير على أنه جرى خمسة أوجه: إما أدخلني المدينة حين الهجرة وأخرجني من مكة، وإما أدخلني مكة دخول الفتح وأخرجني منها خروج الهجرة، وإما أدخلني القبر وأخرجني منه، وإما أدخلني الغار وأخرجني منه، وإما إدخاله في أمر تبليغ الشرع وإخراجه منه بعد التوفية بأول ما كلف به، وإما أن ذلك كلي أي أدخلني في أعباء النبوة وأمور التكاليف مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق وعادتهم يستدلون بهذا على ابن التلمساني في قوله في حد الخبر هو إن احتمل الصدق والكذب أنه استعمل الأخص في حد الأعم فإن الصدق أخص من الخير وأجابوا بأن الصدق أهم لكونه يشمل الأقوال والأفعال والخير خاص بالأقوال بدليل هذه الآية فالصدق فيها في الأفعال ورده بعض الطلبة بأن الطيبي نقل هنا عن أئمة اللغة الزمخشري وغيره أن معنى الآية أدخلني مدخلا حسنا فيكون الصدق لفظا مشتركا فقال ابن عرفة: فكونه المقدر المشترك أولى من جعله مشتركا حسبما قال ابن التلمساني: إذا تعارض الاشتراك والتواطؤ أولى.
قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
قال ابن عطية من إما لابتداء الغاية أو لبيان الجنس ولا يصح أن يكون للتبعيض لأن مفهومه أن بعض القرآن ليس شفاء مع أنه كله شفاء.
قال ابن عرفة: كانوا يجيبون عن هذا بأن المفهوم بالنسبة إلى مجموع الأوصاف فبعضه شفاء ورحمة للمؤمنين وخسارة للكافرين وبعضه شفاء ورحمة فقط.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ﴾
الإسراء 17:85
ابن عرفة: أعرض بقلبه ونأى بجانبه أي ببدنه، وهو أولى من جعلهما بمعنى واحد لأن التأسيس أولى من التأكيد. قال: وجاء هذا على سبيل التأدب مع الله تعالى في نسبة الخير إليه وعدم نسبة الشر إليه، فقال الفقهاء ولم يقل إذا [مسسناه*] بالشر فإن قلت: هلا قيل: وإذا أنعمنا على الإنسان كان معرضا كما قيل (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) فالجواب أنه لما كان الإعراض ملازما للإنعام في الأكثر باعتبار الوجود الخارجي لم يحتج إلى المبالغة فيه والنفي في التعبير عنه بمطلق العبارات، ولما كان الإعراض بين في النَّاس عند من أكثر لهم الإنعام أقل وقوعا [احتيج*] إلى التعبير عنه بأبلغ العبارات، وقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... (٨٥).. قال ابن عرفة:
وقع السؤال في القرآن تارة بعن مثل، (ويسألونك عن الجبال)، وتارة بماذا كقوله (يسألونك ماذا يتفقون) فقال: والجواب أنه إن أريد تشريف السائل والاعتبار به يؤتي بكلامه على سبيل الحكاية مثل (ويسألونك ماذا ينفقون) وإن أريد الإعراض عنه وعدم المبادلات به يؤتي بكلامه على سبيل الاعتبار به فيخبر عنه بعن المقتضية للمجاوزة والبعد فإِن قلت تصنيع في قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ) مع أن السائل هم الصحابة فالجواب أنهم لم يسألوا عن أمر مهم بل سألوا عن شيء لَا خبرة به.
قال ابن عرفة: وذكر ابن الخطيب في الروح في الأربعين أربعين قولا وذكر فيه ابن رشد في كتاب المرتبة العليا في تعبير الرؤيا بآيتين هؤلاء الحكماء وغيرهم، ونقل نحوهم عن [**ابن حَيْدَرَةَ] وحكى المازري عن الشيخ أبي الحسن الأشعري في الروح: أنه النفس الداخل والخارج.
ابن عرفة: وليس بصحيح لأنا نجد في الحيوان ما لَا يتنفس وهو الحوت لأنه في الماء وأجزاء الماء متراصة لَا يدخلها هواء والتنفس إنما يحدث الهواء البارد [... ] به النفس وسكن حرارتها، قال المازري: وبعض النَّاس يرى أنه جسم لطيف خلقه الله تعالى، وإجراء العادة أن الحيوان لَا يكون مع فقده.
ابن عرفة: أراد أن وجود الحياة عند ممازجة الروح للبدن أمر عادي وليست الروح بموجبة للحياة ولا ملازمة لها كملازمة العالمية والقدرية لمن قائم به العلم والقدرة وإنما ذلك في خلق الله تعالى لأن العلم والقدرة صفتان يوجبان لمن قامتا به حصول بدل لهما بخارج الروح على هذا التأويل قلنا جسم أو قالا الجسم لَا يوجب له شيئا
الإسراء 17:86
لأن كل واحد منها في حين فحدوث صفة تقوم بهما عند مقارنتها في الوجود إنما هو أمر عادي خلق الله تعالى لَا أن أحدهما أوجب ذلك الأمر.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾
هنا دليل على أن الأعراض ما يبقى [زمنين*] وإلا فإن يقول لنذهبن بمثل الذي أوحينا إليك قلنا لابن عرفة المراد بالذهاب منعه من استمداده بعد إعدامه بأعراض أُخر؛ لأن العلم عرض من الأعراض أو هو صفة وليس بذات وقل معه عرض، قال: وعدم العصمة في حق الأشياء ممكن عقلا [... ] فصار ذلك كالأمر الضروري فمن حمله قال: وليس شيئا [... ] ممكن عقلا فلذلك علق به المسألة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾
قال ابن عرفة عن بعض الشيوخ يقول الإنس علمت منهم بفصاحة؛ لأنهم عرب والجن فلم يعهد معهم شعر ولا فصاحة، فلا يتوهم معذور المعارضة منهم للقرآن، قال وكنا نحن نجيبه بوجهين الأول: أن الجن عهد منهم على ما يزعمون الاطلاع على بعض المغيبات [والقرآن*] يشتمل على [الإخبار*] بالغيوب فلو اجتمع الجن الذين [يجيئون*] ببعض الغيوب والإنس ليغيروه عن معانيه بألسنتهم لما أتوا بمثله، فوجه الجواب الثاني: أن من عادة العرب أنهم ينسبون الإعراب للجن، فصار [... ] ينسبون للجن فقال المقري: قد كان أرباب الفصاحة كلما رأوا عجبا عدوه من صفة الجن فلذلك قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) [نقل ابن عطية*] كمًّا في فصاحة العرب ومعارضة القرآن كلاما طويلا، ثم قال: وقد اختلف النَّاس في هذا الموضع فقيل: دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من [تكليف ما لَا يطاق*]. [فلما عسر عليهم خفق بالدعوة إلى المفتريات*]، وقيل غير هذا.
قال ابن عرفة: هذا غلط من ابن عطية، وليس هذا من تكليف ما لَا يطاق إنما هو تعجيز لَا تكليف لأن التكليف بما لَا يطاق إنما هو أمر شرعي يثاب على فعله، ومعاقب على تركه، وأما التحدي بهذا فإنما هو تعجيزي، لَا تكليفي؛ لقوله تعالى: (قُل كُونُوا حِجَارَةً أَو حَدِيدًا) ولذلك غلط الشاطبي في قوله [ما لَا يطاق هو تكليف*] بعجزه والإفضاء له قد أوضح العذر في الإخبار بالغيب وإن كان مما لَا يطاق، وإنَّمَا هو تعجيزهم.
الإسراء 17:89
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾
والتصريف هو الإتيان بأفراد أمر على شيء تعدى، وليس هو تكرار الشيء، والقرآن مشتمل على الأدلة الكلية والحقة والمتوسطة، وهذا كما بين للطالب فلا يفهمها فيأتيه بعبارة أخرى أو بدليل آخر أوضح من الأول وكذلك القرآن تارة يكرر فيه القصص، وتارة [يعبَّر*] عنها بألفاظ أُخر وأدلة أُخر، قال: وأخذوا من هذه الآية مطلبين: الأول: [**الرد على الجاحظ لأنه أنكر وقوع المذهب لكلام في القرآن وألا يقدر له على اشتماله على البرهان والخطابة]، الثاني: وقوع القياس فيه لقوله تعالى: (مِنْ كُل مَثَلٍ) ولا معنى للقياس إذا جعل المثل على مثله، وفي هذه الآية من أنواع [**جر اليد مع الاتباع]، وهو الإتيان بما يحتاج إليه كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وكذلك إن القرآن يشتمل على [كل*] دليل معجز على سبيل الرد على الكفار في قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا) فطلبوا الإتيان بالمعجزة، وهو قد أقر بها.
قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾
قيل لابن عرفة؛ هذه حكاية لمعنى [كلامهم*]؛ لأنه [بفعلهم*] إذ لو كان هو عين لفظهم لما كان معجزا، فقال ابن عرفة: بل يصح أن يكون عين لفظهم ويكون الإعجاز وقع تكليفه ولعله في محله كما نجد بعض الخطباء يذكر في خطبته أحاديث ويذكرها الآخر بعينها ويجري في كلام أحدهما من العذوبة ما ليس في كلام الآخر، وما ذاك إلا أن الأول أتاها مرتبة في محلها، وإن كان اللفظ واحدا، فالإعجاز بالنظم والكيفية لَا بنفس اللفظ. قال بعض الطلبة: يحتمل أن حال هذا هو نفس لفظهم لكن الإعجاز إنما وقع بالسورة ثلاث آيات لقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) وهذا كلام كثير يشتمل على آيات جملة فيكون أحدهم تكلم بشيء والآخر تكلم بشيء، وكذا قال المفسرون إن عبد الله بن أمية قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه ثم تأتي معك منشور معه أربعة من الملائكة تشهد لك إنك حق.
قوله تعالى: (حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا).
ولم يقل في الأرض إشارة إلى أن الينبوع يكون مشاهد للناس [احتراز*] من أن يعجزه ولا يرده.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾
الإسراء 17:94
مع أن المناسب أن تقول: قل الأمر لله يفعل ما يشاء فأجيب بأن التسبيح إشارة لقوله: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا) فإنه يقتضي [التجسيم*]، وهو على الله محال، وقوله: (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) والباء في [... ].
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ﴾
قال ابن عرفة: المنع هو الصرف عن الفعل ما كان حاصلا، وفي مادة المحرك، قال ابن عطية: هذه الآية توجه للمشركين وتلفظ من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم.
ابن عرفة: ويحتمل أن تسلية له ونفروه بأفعالهم إليهم من البشر مع أن الرسل المتقدمة فلهم من البشر فإذا لم يؤمنوا بهذا فيلزمهم أن يؤمنوا بكل رسول تقدم [فتكذيبهم*] له تكذيب لجميع من سبق من الرسل [فلا يسوؤك*] أمرهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾
[أي: خلقه من جنسهم فلو كان*] في الأرض ملائكة لأرسل إليهم ملكا كذلك البشر يرسل إليهم من جنسهم، وقياس المساواة هو الحكم بمساواة أمر إلى أمر في شيء لاستوائهما في شيء آخر، كقولهم في كتاب الجهاد جزاء الصغير في الصيد والطير كجزاء الكبير كما أن دية الجزاء للصغير كدية الجزاء للكبير، وقولهم في كتاب الصلاة أيصح في الأمة [أن*] تصلي [مكشوفة*] اليدين وتعتق في الصلاة أنها [تصلي*] في الوقت قياسا على [فاقد الماء*] في رحله فأتى كما [**قول فيه أنه بعيد جدا لكن فردوه] بأن الحجة على مساواة حكم النسيان في الماء للعمد في الإعادة فليكن كذلك حكم النسيان في الآية مساويا للعمد فينتج هنا الإعادة في الوقت، وهنا الإعادة أبدا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
قال ابن عرفة: خبيرا أخص من عليم وبصيرا مغايرا لذا فيلزم أن يكون مغايرا لعليم مغايرة الأخص لَا يلزم أن يغاير الأعم فقد يكونا صفتين متباينتين والجملتين تحت الأعم، فقال: هذا في صفة البشر، وأما في هذا المقام فخبير مثل عليم كما غاير عليم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ... (٩٧)﴾
جمع الضالين وأفرد المهتدين لكثرة الضالين وقله المهتدين.
الإسراء 17:99
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾
دلت الآية على إثبات صفة القدرة والإرادة لله تعالى فقوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لَا رَيْبَ فِيهِ) فالتخصيص دليل الإرادة، قال: وذكر الأصوليون الدليل على إثبات الصانع إما بالإمكان أو بالحدوث، وكان بعضهم يقول الآية دالة على صحة الاستدلال على إثبات الصانع بالحدوث كقوله تعالى: (قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) قال وهذا دليل برهاني فيه قيل لابن عرفة لَا يحتاج فيه إلى مقدمة ولا إلى حجة لأنهم يوافقون على قدرته على إيجاد الخلق من عدم، وإنَّمَا خالف الحكماء وغيرهم في صحة إعادة معدوم، والآية إنما دلت على قدرته على خلق مثلهم لَا على إعادتهم فقال: وجه البرهان فيها أنه إذا قدر على خلق مثلهم خلقا ابتدائيا فليكن قادر على إعادتهم من باب [أحرى*].
قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ).
قيل: إنه الموت، وقيل: إنه القيامة.
قال ابن عرفة: الأول أظهر لأنهم ينكرون البعث ولا يقرون به فكيف يقدر عليهم بشيء يخالفونه فلا يصح هذا إلا على تنزيل الأمر النظري منزلة الضروري.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾
قالوا [لولَا يليها إلا الفعل ظاهرا وقد*] يكون مضمرا، لكنه قليل لقولهم لو ذات سوار لطمتني"، وكقول أبي جهل [**لو عز إنكار قتلتني]. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول حكمة ذلك أنها شرط، والشرط إنما يتعلق بالأمور العارضة للذات لَا بنفس الذات فالأمور العارضة للذات هى أفعال ومهما كانت فيها غرابة، وكان المراد نفس الذات وليها اسم لَا وكذلك هما؛ لأنه ليس المراد مطلق الملك وإنما المراد ملكهم الخاص وكذلك ليس المراد مطلق اللطم؛ وإنَّمَا المراد وقوعه في ذات السوار وكذلك ليس المراد مطلق القتل إنما المراد وقوعه من غير إنكار، فإن قلت المراد ما فائدة إدخال قلنا؟ فائدتها ملازمة الشرط للجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عرفة: أخذوا من الآية جواز [توارد*] الأدلة على مدلول واحد، وهي صلة خلاف بين الأصوليين، أجيب بأن ذلك الخلاف حيث يكون الخطاب لرجل واحد، والمخاطبون هنا جماعة فيخاطب بعضهم بالبرهان، وبعضهم بالجدال، وبعضهم بالخطاب، فتكون الأدلة على سبيل التوزيع، قيل لابن عرفة: كيف عدم من الآيات الحجر مع إنها إنما كانت بعد موت فرعون في قضية البينة مع بني إسرائيل لقوله تعالى في سورة النمل: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ)، فالتسع آيات كلها له مع فرعون، فقال ابن عرفة: هو على التوزيع لعل أن المراد إن البعض لفرعون والبعض لقومه قبل هذا (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) أي لَا يملكون زواله من أصل ولا تحويله من وقت كمن به الحمى، فتارة يدعونه فترتفع عنه، وتارة تنتقل من وقت إلى وقت، وليس المراد بالتحويل ارتفاعه جملة، وإلا كان يكون تكرارا لغير فائدة.
* * *
الكهف 18:1
سُورَةُ الْكَهْفِ
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
قال الزمخشري: هذا تعليم للأمة كيف يحمدونه على نعمائه، وقال ابن عطية: لما [عانده*] الكفار، وأنزل الكتاب عليه للجزاء لهم، أمر بأن [يحمد الله*] على ذلك (١)، وفيه سؤالان: الأول: هلا قيل لَا عوج له، فهو أخص من قوله (ولم يجعل له عوجا)؟، الثاني: هلا [قيل*]: ولم يجعل فيه عوجا، فهو أبلغ؟ وأجيب عن الأول بأن الجعل أسند إلى الله تعالى فلا فرق بين كون العوج منفيا عنه لذاته أو باعتبار الجعل؛ لأن الكل مسند إليه لأنه كلامه؟ وأجيب عن الثاني بأن فيه أخص من له ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ولا ينعكس.
قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا... (٢)﴾.. جعله الزمخشري تأكيدا، وأجاب ابن عرفة بأنه تأسيس، قال: لأن إقليدس فسر المستقيم بأنه أقرب خط بين نقطتين أو الخط المتوازي بين نقطتين وأن الموجودات أولها النقطة ثم الخط ثم السطح ثم الجسم ثم الدائرة فلا شك أن الجسم والخط يصدق عليه الاعوجاج والاستقامة، وأما النقطة فما يصدق عليها إنها معوجة ولا إنها مستقيمة، وكلام الزمخشري يقتضي أنه كلما انتفى الاعوجاج ثبتت الاستقامة، وليس كذلك بل ينتفي الاعوجاج ولا يثبت الاستقامة ما قلناه في النقطة قيل له إنها على طرفي النقيض وإنما يصح ما قاله فيما هو قائل لها بحيث إذا انتفى أحدهما عنه ثبت له الآخر بدليل أن الغرض لَا يقال له إنه متحرك ولا ساكن، والحركة والسكون نقيضان فقال ما نزعناه في قوله كلما انتفى الاعوجاج تثبت الاستقامة قيل له: وهذا معنى من المعاني فليس يقابل لهما.
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾
تقرئ (نفسك) بالفتح والكسر (٢)، وكان بعضهم يقول الفرق بين قولك زيد ضارب [عمروا*] [وبين قولك زيد ضارب عمرو، أنك*] إن أردت الإخبار عن مجرد ضربه عمرو نصبت وإن أردت الإخبار عن خصيصه بضرب عمرو وخصصت لأن من أنواع الإضافة التخصيص.
قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ﴾
الفاء للسبب ولا يصح أن تكون عاطفة على (فقالوا) لأنها تشترك في الإعراب والمعنى وهذا ليس من قولهم.
(١) النص في المحرر الوجيز هكذا:
"وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله ﷺ لما سألته قريش عن المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله ﷺ غدا أخبركم، بجواب سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل بأن استمسك الوحي عنه خمسة عشر يوما، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمدا قد تركه ربه الذي كان يأتيه من الجن، وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله تعالى عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا كما تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل بي كذا على جهة النقمة عليه." اهـ (المحرر الوجيز. ٣/ ٤٩٤).
(٢) (بَاخِعٌ نَفْسَكَ)، على الأصل، وعلى الإضافة (بَاخِعُ نَفْسِكَ): أى قاتلها ومهلكها. اهـ
الكهف 18:13
قوله تعالى: (سِنِينَ عَدَدًا).
قال الزمخشري: يحتمل القلة والكثرة.
ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح حمله على الكثرة بوجهين: الأول: قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، الثاني: إن عرف القرآن واللغة في اللفظ معدودة أي معدودات القلة وفي لفظ عدد الكثرة، قال تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)، (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، وقال تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
بالتوفيق بوحدانيته والتثبيت، وقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد آمنوا بوجود الله وزدناهم هدى بالإيمان بوحدانيته أو آمنوا بوجود الله إيمانا مستلزما لوحدانيته تعالى وزدناهم هدى بالعثور على الدليل الدال على وحدانيته.
قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
أي ربطنا الإيمان على قلوبهم فهو إشارة إلى أنه إيمان قوي لَا يؤثر فيه الشكوك ولا يعرض له وهن ولا يدركه خلل بوجه بل هم مصممون عليه كما تربط الحمل على الدابة حتى توقعه من عليها.
قوله تعالى: (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
راجع للإيمان بوجود الله تعالى.
قوله تعالى: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا).
راجع للإيمان بوجود الله تعالى فهو لف ونشر.
قوله تعالى: (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا).
أي قولا وشططا، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد منه من شيط إذا بعد قاله الزمخشري.
ابن عرفة: قال الجوهري: يقال شط إذا بعد ورجل شاط أي طويل وغمر أو شاطة أي طويلة، وقال ابن عبيد: يقال شط إذا قال قولا بعيدا خارجا عن الصواب فيحتمل أن يكون المراد لقد قلنا قولا غريبا في عبادتنا الله حيث انفرادنا بها سائر بلدنا.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾
الكهف 18:17
الفاء للسبب أي بسبب هذه المقالة لَا أظلم منه. قال: والجمع بينه وبين قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) أنه ينتج تساويهما في الظلم قال: ومن أفتى في قتله غير مستند لدليل ولا إلى نقل صحيح فهو مفترٍ على الله الكذب؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾
لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى؛ فإن قلت: هلا قيل: ولي له فهو أبلغ فالجواب إن نفي الوجدان يستلزم البحث عن الولي وعدم وجوده وهو إنكار أشق من عدمه.
قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾
فإن بعضهم يقول عرف القرآن أن الرقاد أشد من النوم، قال تعالى: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) وقال: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا).
قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ).
هذه الآية خرج فيها الأمر الخارق للعادة بالأمر العادي لأن حياتهم ثلاثمائة عام وتسعة أعوام بلا أكل ولا شرب أمر خارق للعادة وتقلبهم يمينا وشمالا أمر عادي، قال: وقعت مسألة في مسلمين ومشركين فضرب مسلم رجلا فقتله، وقال: إنما هو كافر فشهدت عليه بينة أنه قصد إلى ضرب رجل هو مسلم وكانت البينة أو ماتوا فهل للقاتل في الحال تعلق بالحال وارتباط بها أم لَا؟ فهل يقال إن شهادتهم بقصده إلى ضربه وهو مسلم يستلزم شعوره بأنه مسلم فيلزمه القصاص أم لَا يستلزم ذلك، وإنما هو خطأ وفي المسألة قولان، وكان بعضهم يستدل عند الآية على أنه لَا تعلق له به ولا يستلزمه لأن حسابهم أيقاظ لَا يستلزم حسابهم رقود بل هم في نفس الأمر رقود والناظر إليهم يعتقد إنهم أيقاظ.
قوله تعالى: (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا).
ابن عرفة: عادتهم يوردون فيها أن الرعب والخوف منهم يسبب في الفرار عنهم فهلا قدم عليه، وعادتهم يجيبون بإنه إشارة لشدة الخوف منهم؛ لأن الهارب منهم مهما بعد عنهم أطمأنت نفسه وأمن من خوفه، وهو الهارب منهم لَا يزال مرعوبا فالرعب منهم سابق على القرب ومتأخر عنه فهو أشد في الخوف.
الكهف 18:19
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾.. من نومهم فبعثهم في الغرابة شبيه بنومهم، وهذا من رشح المجاز لأن البعث إنما هو من الموت لَا من النوم فشبه بالقيام من النوم.
قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ).
ولم يقل أحدهم إشارة إلى قائل تحرير عارف بطريق السؤال والاستدلال كما يقول تاج الدين، والفخر: ولقائل أن يقول كذا إذا كان السؤال قويا يفسر الجواب عنه.
قوله تعالى: (كَمْ لَبِثْتُمْ).
ولم يقل كم رقدتم؛ لأن الرقاد يقتضي الاستغراق في النوم، والمستغرق لَا يدري ما حل به ولا يعرف ما يحدث فعبر باللبث الذي هو أعم من اليقظة والرقاد ليحسن سؤاله له ونظيره قولك سألت زيدا اللغوي ما هو العرفج؟ فقال: أحسن من قولك سألت زيداً ما هو العرفج؟
قوله تعالى: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
وقال تعالى في سورة طه: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) فكان بعضهم يورد هنالك سؤالا وهو أن الأمثل طريقة إنما يقول لبثتم شهرا أو عاما قال: (كَمْ لَبِثْتُمْ) فقول من أخبره بلبثه شهرا أصوب من قول من أخبره بلبثه يوما، قال: وأجيب بأن حال الدنيا بالنسبة إلى حال الآخرة [كالعدم*] فكان الأنسب قول من قال: لبثت يوما.
قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ).
قالوا هذا المخاطب على المتكلم والأصوب إن كان يقول ربنا أعلم بما لبثنا فالجواب أن يكون كل واحد منهم قال لأصحابه ربكم أعلم بما لبثتم فجمعت أقواله وخلط بعضها ببعض لأنه جمع لضميرهم تغليبا للمخاطب على الغائب بل جمع لأقوالهم.
قوله تعالى: (بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ).
قال ابن عطية فكانت دراهم على قدر [أخفاف الربع*] أي الجمل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾.. معناه أي يطلعوا عليكم ويتحققوا ذواتكم يرجموكم.
الكهف 18:21
قال ابن عرفة: انظر هذا الكلام في نفسه صدق أو كذب قال: هذا عندي جار على ما قالوه في كتاب النكاح فيمن رأى امرأة في الطريق فقال هذه طالق فكان ظانا أنها زوجته فتبين أنها أجنبية عنه، فقيل: يلزم الطلاق اعتبارا بنيته، وقيل: لَا يلزم اعتبارا بما في نفس الأمر، وكذلك مسألة من قال: يا ناصح فأجاب مرزوق فقال له: أنت حر فعلى القول الأول يلزم الطلاق له يكون هذا الكلام صدقا؛ لأنهم اعتقدوا أنهم كفار لعلمهم أن الملك الكافر لم يزل جبارا على القول باعتبار ما في نفس الأمر يكون هذا الكلام كذبا، قال: ويؤخذ منه أن بين أوصى رجلا بوصية فإنه يقتضي له أن يذكر له من الأوصاف ما يجعله به على امتثال ما أوصاه به ولاسيما أن هذه الأوصاف فيها ما يرجع إلى ذات الموصى.
قوله تعالى: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ).
إن قلت: لما قدره على التحفظ منهم بأن يكفروا في الظاهر ويؤمنوا في الباطن؟ قلنا: التحفظ منهم من الكفر في الظاهر [تنزيها لذواتهم عن الكفر ظاهرا أو باطناً*].
وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ... (٢١).. قال ابن عرفة: كان بعضهم يرد على إمام الحرمين في قوله في حد النظر إنه هو الذي يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه [يدل*] الدليل فإن العثور عليه يكون اتفاقيا من غير قصد تقول عثر زيد على كذا إذا أصابه من غير قصد إليه فمعنى الآية، وكذلك جعلنا ناس عاثرين عليهم من العاثر لأنه يعثر على الشيء من غير قصد.
قوله تعالى: (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).
الوعد على حقيقته [وهو في الكتب السالفة*] فمجرد الإخبار به كاف في أنه حق، فلا حاجة إلى ذكر ما يحققه، وإن كان المراد بالوعد الإلهام بمعنى [أُلهموا ذلك*] أو خطر ببالهم، فأطلع الله تعالى على ما تحقق لهم ما حصل في اعتقادهم، وقد وقع الوعد في القرآن بمعنى الإلهام، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) بعد أن قال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
الكهف 18:23
قال الزمخشري: إن قلت: لأي شيء، عبر في الأول بالسين دون ما عداه؟ فأجاب بوجهين: الأول: بأن عطفه بالواو يصير الاستقبال منصبا على الجميع، الثاني: أن [يراد*] به فعل بمعنى الاستقبال في الأول دون الذي هو صالح له. قال: والصواب أن يقال: إن الفعل إذا كان غريبا عجيبا مما يستبعد وقوعه ويستغرب يؤتى فيه بالسين الدالة على تحقيق وقوعه لَا على الاستقبال كقوله تعالى: (سَيَقُول السُفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ)، وقوله ستكتب شهادتهم وهنا لَا شك إن قول من قال: إنهم (ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ)، أبعد عن الصواب وأغرب من قول من قال: إنهم (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) لأن الصحيح إنهم (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فما قرب منه أصوب مما بعد وقوله ثلاثة خبرا مبتدأ أي هم ثلاثة وحذف المبتدأ هنا لأن الخبر لَا يصلح إلا له، أي الثلاثة إلا لهم، قيل لابن عرفة: الدليل من الآية على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) فانقسم المجيبون قسمين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، وقسم قالوا ربكم أعلم بَما لبثتم وقد عبر عن قول كل قسم بضمير الجمع وأقل الجمع ثلاثة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ... (٢٤)﴾
اللام للتعليل، واختلف في تفسيره، فقيل معناه أنها إذن الله في فعله فله أن يخبر بفعله مطلقا غير مقيد بالمشيئة وما لم يسمع منه إذنا فلا يخبر بفعله إلا مقيدا بالمشيئة، وفسره الزمخشري بوجهين: أحدهما لَا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن يقوله بأن يأذن لك فيه، والثاني: لَا يقوله إلا مقرونا بلفظ إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾
الضمير إما عائد على الكتاب أو على الرب، والمراد له لَا مبدل لكلمات غيره أو لا مبدل لكلمته التي هي خبر؛ لأن الإخبار لَا ينسخ أو يقال: إن النسخ تغيير لَا تبديل، وفرق بعضهم أبدل في الأمر الحسي وبدل في المعنوي، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
الكهف 18:28
إن قلت: هلا قيل لن تجد مبدلا لكلماته، والجواب أن التبديل راجع إلى الكتاب لا إلى المكلف [ووجه*] أن الملتحد راجع إلى الإنسان فهو أمر ملائم محبوب يطلبه الإنسان ويحث عليه فناسب الوجدان المقتضي المطلب والبحث.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يستدلون بهذه الآية على صحة بين واو المفعول معه وواو العطف من أن واو العطف تقتضي التشريك في المعنى وواو المفعول معه لَا يقتضي التشريك، فإذا قلت جاء زيد وعمرو فهو يقتضي اشتراكهما في المجيء كما أنك تقول: جلست والنار فلا يقتضي اشتراكهما في الجلوس، وكذلك هذا لأنه هو الذي يجلس معهم.
قوله تعالى: (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ).
إن أريد بالدعاء الصلاة فيكون لفظ الغداة والعشي على بابه وإن أريد به تنقية الدعاء فيكون من باب قوله مطرنا السهل والجبل وضربته الظهر والبطن.
قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
إما من الإفراط: وهو الزيادة في الشيء والتجاوز وتعدي الحدود أو من التفريط، وهو النقض وعدم الوفاء بما أمر الله تعالى به.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
قال ابن عرفة: إن عاد الضمير على (مَن) فظاهر، وإن عاد على (الله) فقيل فهم الآية؛ لأن الأول أمر بالإيمان، والثاني لَا يصِح أن يكون أمرا بالكفر، قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) وإن جعلته خبر الذم مخالفة الجملة الثانية للأولى مع إنه جزاء التقسيم.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ).
إن قلت: هلا قال: وإن استغاثوا فإنه محقق وقوعه؟ فالجواب: إنه على سبيل التعظيم والتهويل؛ فناسب حرف الشك المقتضي لشربهم من المهل على تقدير طلبهم ذلك الطلب الغير محقق.
قوله تعالى: (يَشْوِي الْوُجُوهَ).
الكهف 18:31
ولم يقل: وجوههم؛ إشارة إلى عظمته وتعدي دخانه للغير بحيث يخرج عنهم، ويكاد يشوي وجوه غيرهم معهم.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾
إما أن لكل واحد جنات، أو على الجمع على سبيل التوزيع؛ فلكل واحد جنة؛ فإن قلت: هلا قيل لهم: جنات عدن، ويستغنى عن لفظ (أُولَئِكَ)؟ فالجواب: أن فيه زيادة تأكيد وتعظيم لهم؛ ولذلك أتى فيه بلفظ البعيد، كما قالت زليخا: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ).
قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ).
قال بعضهم: سميت عدنا لوجهين:
إما لأنها من عدن بالمكان إذا أقيم به فهي دار إقامة والدنيا دار رحيل وائتمان.
وإما أن كل نعيم وإذ لم يمل؛ فهي إشارة إلى أن أهلها يقيمون عليها محبون فيها لا يملون منها بوجه.
قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا).
قدم التحلية على اللباس مع أن الحاجة إلى اللباس أقوى من الحاجة إلى التحلية، فالتحلية أمر تكميلي، واللباس حاجي فهو أهم، وقال في سورة الإنسان (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) فقدم اللباس على التحلية، قال: وعادتهم يجيبون بأن التحلية هنا بالذهب أمر تكميلي، فقدمت على اللباس تنبيها على أنه أيضا أمر تكميلي زائد على اللباس الحاجي، وقدم في سورة الإنسان الحاجي وعطف على التحلية، فهي أيضا أمر حاجي لأنها بالفضة، فهي أقل ما يتحلى به، والتحلية بالذهب أمر زائد عليه تكميلي.
قوله تعالى: (ثِيَابًا خُضْرًا).
أخذ منه أن الخضرة أحسن الألوان لأنها وسط بين السواد والبياض، والسواد مجمع للبصر مع أنه يحدث انقباضا في النفس، والبياض مفرق للبصر مع أنه يؤثر انبساطا وسرورا في النفس، وأجيب بأن الخضرة أحسن الألوان المغيرة بالصباغ، وأما البياض فهو أحسن الألوان، والسندس [ما رقَّ من الحرير*]، وأما الإستبرق [ما غلظ منه*]، فإن قلت: الإستبرق دون الحرير؛ بدليل قوله تعالى في سورة الرحمن: (مُتَّكِئِينَ عَلَى
الكهف 18:32
فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) فجعله بطانة، فالجواب: أن الإستبراق فيه الأرفع والأدنى، فجعل بطانة وأرفعه شبيه بالسندس.
فإن قلت: لم قال: (يُحَلَّوْنَ) فحذف الفاعل وبناه للمفعول، وقال: (وَيَلْبَسُونَ) ولم يحذف الفاعل؟ فالجواب: أن اللباس ساتر للعورة فيلبسه الإنسان منفعة خشية [التكشف*] على عورته، والتحلية ليس فيها كشف عورة فلا يتكلف استعمالها بيده؛ بل يستنيب من يكفيه مؤنتها ويزوجه منها، وتقدم عنه توجيها، وقال تعالى في سوِرة الحج (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) وقرئ (وَلُؤْلُؤ) بالخفض؛ فتكون الإشارة على هذا (من ذهب وفضة ولؤلؤ).
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾
ابن عرفة: قالوا القاعدة في مثل هذا أن يقال: واذكر لهم قصة رجلين؛ لأن هذا من باب الإخبار عن الواقع، وأجيب بأن ضرب المثل فيه بالفعل والانفعال والأثر؛ لأن الضرب أمر حسن، فكان هذا المذكور ينفي أثرا من التذكر والموعظة بمن جرى له ذلك.
قيل لابن عرفة: أو يكون قياسا تمثيليا.
قال بعض الطلبة: قدم في الآية السبب على مسببه؛ لأن المناسب في خروج الثمرة، فهلا قيل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) وفي خلالهما ثمرا (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا).
قيل لابن عرفة: وقوله (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) مستغنى عنه؛ لأنه مجرد تأكيد؛ لأن معنى الإضافة في قوله (آتَتْ أُكُلَهَا) تقتضي بها؛ كقوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقفَالُهَا) (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا).
قيل لابن عرفة: (وَجَعَلْنَا) بمعنى صيرنا أو بمعنى خلقنا؛ فإن كانت بمعنى خلقنا فيكون هو أنشأهما واخترعهما، وإن كانت بمعنى صيرنا فيحتمل أن يكون أنشأهما غيره واشتراهما هو منه، والآية دالة على أن العنب أفضل الفواكه؛ لأنه بدأ به وكان أكثر غرس الجنتين.
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾
الكهف 18:37
إنما أفردها تنبيها على أنه استشعر ذلك عند دخوله إحداهما فأحرى إذا دخلهما، أو لأن الدخول لَا يقع إليهما في حالة واحدة بل إنما يدخل إحداهما أولا ثم يدخل الأخرى بعد ذلك.
قوله تعالى: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا).
إن أراد الأرض والسماوات فيؤخذ منه أنه كان يقول بقدم العالم. قاله ابن عطية:
قال ابن عرفة: لأن بما ثبت قدمه يستحال عدمه؛ فعكسها ابن عطية، فقال: ما استحال عدمه ثبت قدمه هذه أصول العالم وهي السماوات والأرض، وأما الجزئيات كالأشجار والثمار فمعلوم أنها تفنى ويخلفها غيرها.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾
كفره إما بإنكاره المعاد؛ لقوله (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، أو شكه فيه لقوله (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي).
ابن عرفة: وتقدمنا فيها إشكال وهو ما الموجب لتكفيره إياه؛ مع أن المعاد عند أهل السنة إنما هو ثابت بالسمع لَا بالعقل، والعقل اقتضى إمكانه وتجويز وقوعه؛ لأن وجوب وقوعه، والمعتزلة يقولون: إنه واجب الوقوع عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم، فإما أن يجاب بأنهم لعلهم كان غيرهم سمع واقتضى وجوب المعاد وإنكاره كفرا، وفهم عنه أنه مشرك بالله حسبما أقر به على نفسه في آخر الآية، في قوله (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢).. قيل لابن عرفة: فكيف يكفره بإنكاره ما ثبت بالسمع ثم يستدل بما فيه بالعقل.
قوله تعالى: (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ).
استدل له بأصل بعد منفصل وهو التراب، وأصل بعد متصل وهو النطفة؛ أي خلق أباك من تراب ثم من نطفة.
قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ).
أفردهما؛ وهما جنتان تحقيرا لهما.
قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ).
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول سببا للذم إن كان فعليا، فالعادة تكون الندم بتقليب الكف، وإن كان قوليا فيكون بالقرع على السن.
كما قال الشهرستاني في أول نهاية الإقدام:
الكهف 18:43
[لقد طفت في تلك المعاهد كلّها؍ وسيّرت طرفي بين تلك العوالم؍
فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر؍ على ذقنه أو قارعا سنّ نادم*]؍
قوله تعالى: (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا).
قال ابن مالك: حرف النداء إن دخل على ليت فإنه للتشبيه لَا للنداء؛ كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)؛ لأنه لم يكن هنالك من [تناديه*].
قال ابن عرفة: بل هنالك ربها، أي يا رب ليتني مت قبل هذا.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
قال الزمخشري: أي يقدرون على نصره من دون الله.
قال الطيبي: إنما صرف اللفظ على ظاهره؛ فالمعنى لم ينصره أحد بالفعل دون الله؛ فمفهومه أن الله ينصره مع أن الثابت أن الله لَا ينصره؛ لذلك قال: لم يقدر على نصرته أحد دون الله، فمفهومه إن الله قادر على نصرته ولم ينصره، ورده ابن عرفة بأن هذا غير محتاج إليه؛ لأن في الآية (وَلَم تَكُنْ) ولفظ كان المنفي يقتضي نفي القابلية، فالمعنى ولم تكن له فيه قابلية لنصرته سوى الله فهي مفهومة أن الله قابل لنصرته ولم ينصره، وهذا المعنى ليس من الآية.
قوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾
قال الزمخشري، وابن عطية: أي خير في العاقبة باعتبار الدنيا والآخرة.
ابن عرفة: ويحتمل أن يراد العذاب؛ أي هو خير في العقوبة؛ لأن عقوبة الكافر هو للمؤمن خير. فيكون ذلك في الدنيا كما وقع في هذه القضية.
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها؛ أنه لما تقدم ذم الحياة الدنيا باعتبار ما نشأ عنها من الشرك، والعجب، والبطر، والرياء عقبه بذمها في نفسها بكون نعيمها زائلا مضمحلا [شبهها بالماء*] في كونه ينزل فينشأ عنه النبات الأخضر الناعم ثم يضمحل، فكذلك الإنسان يوجد بعد أن لم يكن ثم تدرج حالاته من الصغر إلى الشباب، ثم إلى الكبر ثم ينعدم.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).
الكهف 18:46
ابن عرفة: مقتدرا أبلغ من قادر.
قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
قال ابن عرفة: كان ابن قيس حكى عن والده: أنه رأى في الأندلس ضعيفا يستعطي ومعه أربعة أولاد، يقول: ارحموا من خالف كتاب الله حيث قدم التزوج على اكتساب المال، فابتلي بالفقر وكثرة البنين، وهو خلاف ما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى) ولفظ البنين خاص بالذكور، ولذلك لم يقل: المال والأولاد لدخول الآيات في الأولاد، وقد كانوا يقولونهم ويتشاءمون بهن فكيف يكونون زينة؟!
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾
ابن عرفة: انظر هل اليوم القطعة من الزمان، أو الزمان الذي لَا ينقسم إلى شيء؟ والظاهر الأول.
قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً).
ابن عرفة: إذا قلنا: إنها هذه الأرض فيؤخذ منه أنها بسيطة؛ لأن ظاهرها أن الإنسان يرى جميعها ولو كانت [كورية*] لما رأي إلا بعضها، لأنا نفرق بين قولك: رأيت الأرض، وقولك: رأيت بعض الأرض.
قوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا).
ورد الزمخشري سؤالا: لما قال (وَحَشَرْنَاهُم) بالماضي و (نسير) روي بالمضارع؟ وأجاب: بأن الحشر متقدم على نسير الجبال، ورؤية الأرض بارزة.
وأجاب ابن عرفة: بأن الكفار خالفوا في الإعادة والحشر؛ فأتى فيه بلفظ الماضي تحقيقا له حتى كأنه واقع، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، و (نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)، ورؤية الأرض بارزة، فلم يقع النص على الخلاف فيهما إلا زمنا، وأجيب: فلم عطف (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالفاء والأصل فيه الواو؛ لأنه حال؛ أي وحشرناهم في حالة العموم وعدم الترك ولا تصح السببية؛ لأن الحشر ليست بسبب في عدم المغايرة، وليست عدم المغايرة تعقبه بل هي معه، قال: وأجيب بأن المغادرة هي الترك، والترك يستلزم تقدم سببي عليه؛ فلذلك عطف بالفاء، وذكر بعضهم أن المجانين لَا يحشرون ولا يبعثون.
قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا﴾
الكهف 18:49
قيل: إنهم صف واحد، وقيل: إنهم صفوف، وعبر بالواحد عن الجمع إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى في تنزيل الجماعة عنده منزلة الواحد في العرض والرؤية، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) عبر هنالك بالواحد عن الجماعة تحريضا على المقاتلة، وحثا على التقدم في الصف الأول الموالي للعدو، وحتى كان الجميع صفاً واحداً.
قوله تعالى: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا).
إن قلت: الأصل أن يقال: بل زعمتم أن لن نجعل لكم؛ لأنه ماض فالأصل نفيه بـ لم، وأجيب بأنه مكانه حكاية حال ماضيه.
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾
ابن عرفة: الكتاب إما واحد بالنوع؛ أي تضع لكل إنسان كتابه، أو واحد بالشخص ويكون واحدا للناس كلهم؛ وهو اللوح المحفوظ أو شبهه فيه جميع أعمال الخلق وغير موضع، ولم يقل: وأحضر الكتاب، وكذلك قال في سورة (تَنْزِيلٌ) تنبيها على أنه وضع للنظر فيه والاطلاع عليه؛ بخلاف ما لو قيل: وأحضر الكتاب؛ فإنه لَا يتعمد هذا المعنى.
قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا).
هل هو تأكيد؛ لقوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ)، أو هو كقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قيل: هو تأكيد؛ لأنه إذا أحصى الصغائر فأحرى أن يحصي الكبائر، وأجيب بأنه تأسيس إشارة إلى أن إحصاءه الصغيرة بجميع أجزائها كمن أحصى جزءاً من خمسة أجزاء؛ فإنه قد يقدر أن يحصي صغيرة من عشرة أجزاء، وقد لَا يقدر عليها، وإما أنه تأكيد والعطف للتسوية إن إحصاءه للصغيرة مساو لإحصائه للكبيرة، وإحاطته بعلمها واحدة تنبيها على كمال الإحاطة، وإما لأن العطف ليدل اللفظ على إحصائه الكبيرة دلالتين بالمطابقة وباللزوم.
قلت: وأجاب صاحب الفلك الدائر بأن الآية ليست لتفصيل أحوال الواحدة، فيكون إحصاء الصغيرة فيها يستلزم إحصاء الكبيرة؛ وإنما هي لإحاطة علم الله تعالى
الكهف 18:50
بأعمال العباد، والعلم بالصغير لَا يستلزم العلم بالكبير بخلاف العكس، كقولك: إذا أبصرت من هو على عشرة فراسخ فأحرى أن تبصر من هو على فرسخ واحد.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾
قال ابن عرفة: هذه الآية تكررت في القرآن لما اشتملت من الأمر الغريب العجيب والوعظ؛ لأن إبليس كان من الملائكة فأُخرج منهم، وكان آدم في الجنة فأُهبط منها فينبغي الاتعاظ بهما وأن لَا يثق بعلمه، ويكون حائطا مراقبا حركاته وسكناته، قال: والسجود إما حقيقة، إن قلنا: إن الملائكة أجسام متحيزون، أو بمعنى الخضوع، إن قلنا: إنهم غير متحيزين، ونقول بالجوهر المفارق، والصحيح أن إبليس ليس من الملائكة؛ لأن الملائكة أجمع العلماء على عصمتهم فكيف يكون إبليس منهم؟
قوله تعالى: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ).
وهذا من تقديم العلة على المعلول [كقولك: سهى فسجد، وزنا فرجم]، وقد يقدم المعلول على العلة فكونه من الجن علة في فسقه.
قوله تعالى: (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ).
دليل على أن الأمر غير الإرادة؛ لأن الله تعالى أمره بالسجود ولم يرده منه؛ إذ لو أراده لوقع تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾
إن قلت: لم عبر في الأول بالنداء، وفي الثاني بالدعاء؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن النداء يكون لمحبوب الدعاء للإنسان ولمكروهه، والدعاء إنما يكون لمحبوبه؛ فما يدعو الإنسان إلا من يجيب فهو أخص من النداء، ولذلك قرن الأخص؛ لأن الاستجابة إنما تكون بالمؤاخذة دون المخالفة، فلذلك قال: (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) أي فلم يجيبوهم بغرضهم.
قال ابن عرفة: وغلط هنا ابن عطية، وأبو حيان، فنقلا عن ابن كثير أنه قرأ (شركائي) بالقصر بغير مد ولا همز وليس كذلك، وإنما قرأ ذلك في سورة النحل حسبما نص عليه الشاطبي، وابن غلبون في أصول القراءات.
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾
الكهف 18:60
ابن عرفة: الظاهر عندي بأن الألف واللام في القرى للعهد، والمراد قرى الأولين الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ).
قوله تعالى: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾
كان بعضهم يقول: يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجمع البحر المالح ووادي مجردة عند الذرية، وهو الذي يقال له: فرق البحرين والصخرة فصخرة أبي ربيعة، والجدار في المجدية، والسفينة هي التي كانت تجلب الحجر والرخام؛ إنما الحقيقة العادية من خراسان.
قال الزمخشري: مجمع البحرين ملتقى بحري فارس والروم بالمشرق، وقيل: طنجة بالأندلس عند زقاق سبتة وهو ملتقى بحر الظلمات والبحر الآخر، وقيل: إفريقية، واختلفوا في الخضر هل هو حي أم ميت، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا إسلام لمن لَا هجرة له"، فلو كان حيا لهاجر، وقال [مكي بن أبي طالب*] في القوت: إنه هاجر، وقال أبو المعالي: الظاهر أنه [... ]. ووقع في البخاري: "أَرَأَيْتَكُمْ [لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ*] "، فأجيب بأنه لعله كان بين السماء والأرض أو كان في البحر، والمراد بالأرض أرض بلدهم التي هم فيها، كقوله تعالى: (يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾
معطوف على فعل مقدر، أي صارا فلما بلغا.
قوله تعالى: (نَسِيَا حُوتَهُمَا).
النسيان إما بمعنى الترك، أو هو في حق يوشع عليه السلام على حقيقته، وفي حق موسى بمعنى الترك، فإن قلت: لاتخاذ الترك متقدم على النسيان؛ لأن يوشع لما رقد موسى وبقي هو يحرس، طاش الحوت ودخل في البحر، فهم يوشع أن يوقظ موسى وهابه (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) وعزم يوشع على أن يخبر بذلك موسى إذا استيقظ من نومه، فلما استيقظ سيء أن يخبره؛ فكان الأولى أن يقال: فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ سبيله في البحر سربا فنسيا حوتهما، ولإتيان العطف بالفاء
الكهف 18:63
المقتضية للترتيب ولو كان بالواو ما قال فيه إشكال، قال: والجواب: أن يجعل النسيان هنا بمعنى الترك، ويكون النسيان في قوله (إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) على حقيقته.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾
أن أذكره قد يكون النسيان من الله تعالى، وقد يكون من الشيطان؟ فنسيه هنا للشيطان ظنا منه، وإلا فيكون الله تعالى أنساه ذلك لما أراده من إطلاعه على الخضر.
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾
قال المفسرون: المراد بالرحمة النبوة؛ فيكون الخضر نبيا.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الرحمة على إبقائها وقدم ذكرها احتراسا لما يأتي من قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وقتله للغلام يوهم اتصافه بالغلظة والجفاء فاحترس من ذلك بأنه متصف بكمال الرحمة، وما فعل ذلك إلا بأمر من الله إما بوحي إن كان نبيا على لسان الملك، أو بأنها أمر من الله تعالى إن كان وليا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾
قال ابن عرفة: فيه إشارة إلى أنك كنت غير عالم فعلمت، وكذلك إما كما علمت علمني؛ فلذلك لم يقل (مِمَّا عُلِّمْتَ)؛ فإن قلت: ما يقبل التعليم العلم الظاهر الذي له أمارات ودلائل، وأما علم الباطن فلا ينحصر ولا يقبل تعليما، ولذلك قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، فالجواب: أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظن أنه راجع للعلم الظاهر الذي ينحصر بالأمارات والدلائل، فأسفرت العاقبة أنه من علم الباطن الذي لَا يقبل تعليما، أو يقال: إنه طلب منه أن يعلمه طريق السلوك الموصلة لما وصل هو إليه.
قال ابن عرفة: و (رُشْدًا) لَا يصح أن يكون من باب الأعمال بحيث يطلبه بعلمني، وعلمت أن تكون مفعولا ثانيا لكل واحد منهما؛ لأنك إن علمت فعلمني يجب أن يضمر في الثاني مفعولا ولا يكون إلا منطوقا به لَا مقدرا؛ لأنه يؤدي إلى نصبه العامل للعهد وقطعه عنه، وإن أعلمته للثاني يبقى الموصول بغير عائد فيتعين أن يكون معمولا للأول، ولا تكون المسألة من باب الإعمال.
قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾
الكهف 18:73
قال ابن عرفة: خرقها خرقا يصيبها ولا يضرها؛ ولذلك لم يغرق من أهلها أحد.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم جعل هنا جواب الشرط فعل الخضر وهو الخرق لا قول موسى، وجعل في قتل الغلام فعل الخضر معطوف بالفاء، وجواب الشرط قول موسى؟ فأجاب بأن الخرق متراخ عن الركوب، والقتل يعقب لفاء الغلام، وتبعه أبو حيان.
قال ابن عرفة: إنما عادتهم يجيبون بأن خرق السفينة ملائم لسببه وهو الركوب؛ لأنهم فعلوا معهم أمرا ملائما فحملوهم بغير قول؛ ففعل هو معهم بسبب ذلك أمرا ملائما وهو خرق السفينة الموجب إنجائهم من الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا؛ فناسب جعله سببا عنه، وأما قتل الغلام فليس ملائم للفاء؛ وإنما الملائم له فعل مقدر وهو خوف أن يرهق والديه المؤمنين طغيانا وكفرا؛ فلذلك عطفه على الشرط ولم يجعله جوابا له ولا سببا عنه.
قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا).
أي شيئا عظيما، كقول أبي [سفيان*] في حديث هرقل: [لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ*].
قوله تعالى (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ... (٧٣)
قال ابن عطية: كانت الأولى من موسى نسيانا، والثانية شرطا، والثالثة تعمدا فكان الجمع شرطا، قال: أما كون الثانية شرطا؛ فلأن مفهوم قوله (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) أنه إن عاد إلى ذلك يؤاخذه فهذا شرط في الثانية.
قيل لابن عرفة: بل الشرط هو قوله: إن سألتك بعدها، فقال: إنما شرط ذلك بعد وقوع الغفلة الثانية، وأما الثالثة فتعمد؛ لأنه عزم على فراقه؛ فلذلك أنكر عليه.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾
ولم يقل: وصلا إلى أهل قرية؛ إشارة إلى أن إتيانهم لها كان على قصد، والقرية قيل: هي الأبلة، قالوا: وهي أبعد أرض إلى السماء.
ابن عرفة: إن قلنا: إن الأرض كورية فمن هو في أعلى الكورة أقرب إلى السماء ممن هو في جوانبها، مثل: بطيخة موضوعة في قبة فصعدت نملة في أعلى البطيخة، ونملة في جوانبها، فإن التي في أعلاها أقرب إلى سقف القبة.
قوله تعالى: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا).
الكهف 18:78
فيها سؤالان:
الأول: لم أعاد الاسم الظاهر، وهلا قال: استطعماهم؟ قال: فأجيب بأن المراد أنهما استطعما كرم أهلها ومن يظن به منهم التكرم؛ لَا أنهما قصدا الجميع.
السؤال الثاني: أن الاستطعام أعم لصدقه لأدنى شيء، والضيافة أخص إما ليلة أو ثلاثة أيام أو نحو ذلك؛ فاستعمل في الآية إلا في الثبوت والأخص في النفي، والقاعدة عكس ذلك، قال: وأجيب: بأنهما قصدا التلطف في الطلب فعبرا بأدنى العبارات، وهو الإطعام الذي حصل مدلوله باللقمة الواحدة، وقوبلا هما بالامتناع من الضيافة بقصدهما الإسراف من أهلها الذين لَا يطلب منهم إلا المقابلة بالتسامي في [الإكرام*] على قدر همهم وعظم منازلهم؛ بل إنما أجاب بأن موسى والخضر عليهما السلام لَا يقابلان إلا بالضيافة الكاملة لَا مطلق الطعام؛ فلذلك قال (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا).
قوله تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ).
قيل لابن عرفة: هل هذا مجاز في الإسناد؟ فقال: لَا بل هو مجاز في الإفراد؛ لأن إرادته مجاز وانقضاضه مجاز؛ حتى كان بعضهم يقول: المجاز في الإسناد لا يمكن بصورة إلا في مثال واحد؛ وهو: أنا قد قررنا الفرق بين الحكم التقييدي والحكم الإسنادي، كقولك: الرجل العاقل قائم؛ فالعقل قيد والقيام إسناد، فإذا قلنا: الذي لَا تجوز شهادته فهو صادق بكون الحكم التقييدي عند المنطقيين من قبيل التصديق لَا من التصور؛ فهو مجازي في الإسناد، وهو من مجاز إطلاق الملزوم على اللازم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾
الإشارة إما إلى الشرط الواقع بينهما، والتقدير هذا فراق الصلة بيني وبينك، فإن قلت: هلا قال: هذا فراق بيننا، فإن أعاد لفظ بين تحقيقا للمفارقة حتى لَا يجمع بينه وبيّنه في لفظ بيننا.
قيل لابن عرفة: إن الحريري قال في مقاماته في السابعة والثلاثين:
واستنزل [الريَّ*] من درِّ السحاب
[فإنْ بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُ*].
الكهف 18:79
قال ابن عرفة: هذا نظير ما وقع في الغيبة فيمن عير برعاية الغنم، فقال: رعى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال به مالك: إن قاله على سبيل التسلي أُدِّب، وإن قاله على غير ذلك ضرب عنقه، قلت: يريد أن يحتد به التنقيص.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾
أورد الزمخشري سؤالا: اغتصاب الملك للسفن سبب لتعييب الخضر لهذه السفينة، فهو مقدم عليه فلم أخر عنه؟ وأجاب: بأن السبب فيه أمران كونها للمساكين ولخشية الاغتصاب، فوسط المسبب بين علتيه؛ كقولك: زيد في ظني قائم.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الحكم تارة يؤتى به مقرونا بعلته، وتارة يؤتى به بسؤال محتاجا جوابا عنه فيؤخر العلة.
وهذا كما يقول السماكي: وهم وتنبيه، وذلك أن ركوبها للمساكين ليس بعلة في إعابتها؛ بل يتوهم أنه علة في العكس، فيقول القائل: فلم أعابها وهي للمساكين؟ فيقال: خشية اغتصاب الملك لها.
وقال الطيبي: أخر العلة فيكون بيانا للسبب والارتباط الذي بين العلة وهي المسكنة، وبين المعلول.
فقال ابن عرفة: بل هي جواب عن السؤال متوهم إيراده على جعل المسكنة سببا في إعابة السفينة.
فإن قلت: لم قال في السفينة (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)، وفي قتل الغلام (فَأَرَدْنَا)؟ فأجيب بأن الأول متعلق بالإعابة فأسندها إلى نفسه، والثاني متعلق بتبديله بما هو خير منه فشرك غيره معه على سبيل التواضع والأدب.
قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية أنه إذا تعارض احتمال يوهم [نقض*] دين الإسلام مع تحقق حفظ النفس، فقلت: احتمال يوهم [نقض*] الدين؛ لأن الخضر قتل الغلام باحتمال توهم أن يكفر إذا كبر، ويكفر أبواه بسبب كفره.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾
الطلب من الأعلى للأدنى [أمر*]، وعلته سؤال وخضوع، فهذا سؤال حقيقة [ويجب على هذا*] أن يكون قوله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)
الكهف 18:84
[تهكما بهم*]، قالوا: وذو القرنين إما اسم علم له أو صفة، وذكروا فيه وجوها:
إما أنه ضرب في القرن الأيمن من رأسه جرحا ومات بسببه؛ فأحياه الله، فضرب في قرنه الأيسر جرحا فمات؛ فأحياه الله.
وحكى ابن عطية، عن علي: أنه ملك، وعن عمر: أنه ليس بنبي ولا ملك، وحكى الزمخشري العكس سواء.
قوله تعالى: (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا).
ولم يقل: إن شاء الله مع أنه أمر بأن لَا يقول الشيء إني فاعله غدا إلا أن يشاء الله، واكتفى بذكره ذلك هناك عن حكاية هنا، والآية على تقدير مضاف إما أولا وآخرا فإن قدرته.
قلت؛ ويسألونك عن حال ذي القرنين، فيعود الضمير في قوله تعالى: (عَلَيْكُم مِنْهُ ذِكْرًا) على حاله، وإن لم يقدره أولا فيحتاج إلى تقديره آخرا؛ أي سأتلوا عليكم من خبره ذكرا، وتنوين (ذِكْرًا) إما للتقليل إشارة إلى عظم حاله، وإلا لم ينكر إلا أقله للتعظيم، وأن النفي ذكر منه، وإن قل فهو عظيم في ذاته، قال تعالى في قصة أهل الكهف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ)، ولم يقل: من نبأهم، وقال تعالى (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)؛ لأن قصة أهل الكهف منحصرة، وأمر هذا الرجل غير منحصر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾
ابن عرفة: إن كان أمر تبليغ هذا اللفظ فيكون حكاية لكلام الله تعالى: أي قل لهم إنا مكنا له في الأرض، وإن كان من كلام الله فيكون شبه التفات، وإلا كان يقال: إن الله مكن له في الأرض.
قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).
إن كان نبيا فيكون المراد العموم في الأنواع والتبعيض في إعادتها؛ فأدنى بعض كل نوع؛ لأن النبي لا يصد عنه شيء.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾
[لا أنها تغرب فيها حقيقة*]؛ لأن العين جزء من الأرض، والشمس أكبر من الأرض بكثير فكيف يغرب الجرم الكبير في الصغير؟ فالمراد أن ذلك المحل رآها منه حتى
الكهف 18:89
غربت ولا يغرب كل يوم فيه؛ فإن لها مغارب ومشارق، ومع أنها تغرب على قوم وتطلع على آخرين، ومع ما ورد في حديث أبي ذر، قال له: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» [قلت لا، قال «إنها تغرب في عين حامية» *].
قوله تعالى: (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا).
إما للتخيير أو للتفصيل؛ أي للتخيير في أنواع العذاب إما تعذيبهم بالقتل أو بالأسر وهو [الحسن*]، أو للتفصيل للتخيير؛ بمعنى إما أن تعذبهم، وإما أن تحسن إليهم فاختار هو [حسنها*].
قال ابن عرفة: وبدأ بمغرب الشمس قبل مطلعها؛ إشارة إلى ما يقول الحكماء أول الفكر أجر العمل، وهي العلة الغائبة تنبيها للإنسان على النظر في عواقب الأمور، وأنه يكون على حذر من أجرته فيعمل على ما يحصلها، وإذا أراد أن يفعل أمرا تفكر في عواقبه وحينئذ يفعله.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾
العطف بـ ثم إشارة إلى المهملة التي بين فعله الأول والثاني لَا سيما مع كونه ملكا [لَا ينتهي أمره*] إلا بعد طول ومهلة.
قيل لابن عرفة: ذكروا أن عمره أربعون سنة، والمعمور من الأرض مسافة ثمانين فكيف مشى هذا المقدار؟ فقال: هذا خرق عادة والرجل نبي أو ولي أو ملك فلا يستغرب في حقه أن يقطع المسافة الطويلة على الزمن القليل.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾
ابن عرفة: قالوا: ما الحكمة في إدخال لفظة (إِذَا) في [المطلع*]؛ مع أنك إنما تقول: إنما سرت حتى أدخل المدينة، فهلا قال: حتى بلغ مغرب الشمس، وحتى بلغ مطلعها؟ فأجيب بأن لفظة (إِذَا) تفيد القصد أنها بعد [الحامية*]، كقولك: سرت حتى أبلغ مكة فأعتمر، إن العمرة مقصودة لك من [الأول احترازا*] من أن يكون فعلك لها إشاريا اختياريا من غير قصد له، وكذلك هنا إنما كان سيره ليبلغ أول المعمور وآخره، فيدعوا النَّاس إلى الإيمان بالله، لَا أنه كان اتفاقيا، قال: وقرأ الأكثرون بالفتح في سورة (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) لوضوح إرادة المكان هنا، ووضوح إرادة الزمان هناك أو المصدر.
الكهف 18:91
قوله تعالى: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا)
أي سترا معهودا.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾
إشارة إلى علم الله تعالى بالجزئيات والكليات، فكذلك (خُبْرًا).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ... (٩٣)﴾
قال الزمخشري: إن اسم الجبلين والسد بفتح السين مصدر سد يسد سدا، [فهو اسم*]، [وانتصب بَيْنَ على أنه مفعول به مبلوغ*] أخرج عن أصله، كما أخرج في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) فجعل مضافا، وكما أخرج في (لَقَدْ تَقَطَّعَ [بَيْنُكُمْ) *] فجعل فاعلا.
ابن عرفة: وقال ابن أبي الربيع ابن سالم في الاكتفاء: إن المعتصم الملك كان في البلد التي جال فيها سر من رأى، وإنه رأى في منامه قائلا يقول له: إن سد يأجوج ومأجوج قد وقع، قال: فلما استيقظ شق عليه ذلك فأعد من جيشه خمسين فارسا، وأمَّر عليهم واحدا منهم، وأعطاه خمسة آلاف زيادة، وأعطاه من المال والطعام شيئا كثيرا؛ فخرجوا وغابوا عنه ثمانية وعشرين شهرا، فلما قدموا عليه أخبروا أنهم مشوا من أرض إلى أرض وهم يسألون ويلتمسون الدليل، ويخرجون كتب الملك إلى عمال البلاد فيمدونهم بالمال والطعام إلى أن وصلوا إلى بلاد خربة غير عامرة، فذكر لهم أن يأجوج ومأجوج كانوا أخربوها ثم وصلوا بعدها إلى مؤمنين فأخبروهم أن السد قريب منهم، وبلغوهم إليه فوجدوا له بابا شاهقا له قفل طوله عشرة أذرع وغلظه ذراعا ومفتاحه مغلق فوقه، وعادتهم يأتون إليه في يوم معين من أيام كل جمعة؛ فيضربون عليه بذلك المفتاح ضربا عنيفا ليشعروا يأجوج ومأجوج بعمارة تلك الجهة، فيسمعون عند ذلك لهم ضجيجا وصياحا يرتعش له النفوس، ووجد عند السد شيئا كثيرا من الأواني والقدور التي بلغته الغاية في كبر جرمها، وهي من بقايا ما كان ذو القرنين أذاب فيه النحاس والرصاص، وقالوا: إن بعض يأجوج ومأجوج علا في أعلى السد فسقط منهم اثنان أحياء فماتا.
قال ابن عرفة: وظاهر الحديث أن الدعوة بلغت يأجوج ومأجوج، لقوله: يدخل النار من يأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ويتبعون شخصا ومنكم شخص واحد.
قوله تعالى: (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ).
الكهف 18:94
هؤلاء يفهمون كلاما مع أن الكلام هو المفيد، والقول يطلق على المفيد وغيره؛ فالكلمة الواحدة قول وليست بكلام؛ فالقول يطلق على التصورات، والكلام يطلق على التصديقات، قال: والجواب أنهم إذا لم يفهموا القول المطلق على المطلق فأحرى أن لَا يفهموا الكلام.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾
مع أنهم لَا يفهمون القول، فكلفهم لهذا الكلام لغاية اضطرارهم إليه على عادة المريض أو العاجز عن الكلام، أنه لَا يتكلم إلا عند الحاجة الفادحة والضرورة التي لا بد له منها.
قوله تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا).
يؤخذ منه أن الإنسان إذا طلب من الملك حاجة يعلم أنه يقوم بها ولا يحتاج إلى معونته فيها فإنه يبدأ بنفسه ويعرض لها في الإعانة بها؛ فلذلك قالوا: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) مع علمهم بعدم افتقاره إلى ذلك لكثرة جنوده وماله.
قوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
مثل قوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا).
قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ... حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾
قرئ (آتُونِي) بمعنى أعطوني، وقرئ [(أتُونِي)] من الإتيان بمعنى المجيء؛ فزبر على هذا منصوبة بإسقاط حرف الجر؛ أي بزبر الحديد.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
[قَالَ انْفُخُوا حَتَّى) *] غاية [والمغيى بها*] مقدر تقديره فآتوه ما طلب، وأخذ في بناء السد (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا) فنفخوا حتى إذا جعله نارا، والمساواة إما بمعنى أنه صعد بالبناء حتى ساوى أعلى الجبلين في الارتفاع، وإما بمعنى أنه كان يبني بناء مساويا لعرض الصدفين؛ أي للجانب الذي ظهر يأجوج ومأجوج من الصدفين؛ فيصعد مثلا مقدار إقامة [ويوقد عليه*] حتى يصير نارا؛ فيفرغ عليه القطر ثم يبني فوقه بناء آخر مساويا لوجه الصدفين فيصعد به مثل ذلك؛ حتى علا به إلى أن ساوى أعلى الجبلين من غير زيادة عليهما ولا نقصان.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا).
الكهف 18:97
نسب الجعل إليه اعتناء به وإلا فليس في قدرته جعله نارا وإنما ذلك بفعل الله تعالى وهو مجاز؛ أي جعله ذا نار إلا أنه هو نفس النار، والنار لَا توجد إلا في شيء، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) ولم يقل: أنشأتموها.
قيل لابن عرفة: فالنار جسم أو عرض؟ فقال: جسم مجاور ما حل فيه إلا يمازجه.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾
عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم، فهلا قيل: وما استطاعوا أن ينقبوه، أو يقال: فما استطاعوا له ظهورا؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن الفعل عندنا مشتق من المصدر فدلالته على المعنى أظهر من دلالة المصدر؛ لأن المشتقات تدل منها على ما اشتقت منه وزيادة، فلما كانت دلالة الفعل على المعنى أظهر من دلالة المصدر عليه عبر به عن الظهور لتكون دلالته مناسبة للفظه، كما قيل: [صرصر البازي وصرصر العصفور*]، وعبر عن النقب بالاسم على الأصل؛ لأنه مفعول والأصل أن يكون مفردا، أو يحتمل أن يجاب بمراعاة رءوس الآي.
قيل لابن عرفة: أو يقال: إن الصعود عليه أصعب من نقبه فنفى بلفظ الفعل المقتضي لعموم عجزهم عن قليله فأحرى كثيره؛ فالنقب أخف، فنفى أشده لأنهم ذكروا أنهم ينقبون كل وقت ولا يتم لهم ذلك، ولما في حديث البخاري: " [فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا*] "، وهي علامة على قرب الساعة، فإن قلت: لم حذفت التاء من اسطاعوا الأول، وثبتت في الثاني؟ فأجاب أبو جعفر الزبير بوجهين:
أحدهما: أن معمول الأول جملة، ومعمول الثاني مفرد والجملة أكثر حروفا من المفرد؛ فناسب حذف التاء من الأول دون الثاني (١).
الوجه الثاني: أن الظهور على السد أسهل من نقبه وأخف فناسب التخفيف بحذف التاء من عامله وهو اسطاعوا، كما قالوا في صرصر البازي؛ أي اللفظ فيه مناسب لمعناه.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾
قال ابن عرفة: هذا يدل على أنه كان عنده علم يتم بناء ويبقى صحيحا إلى أمد معلوم، وكان يجوز أن يكون ذلك على يديه.
(١) في المطبوع هكذا [لتعاد] وهي كلمة لا معنى لها، وكذلك فهي غير موجودة في ملاك التأويل لابن الزبير.
الكهف 18:99
قوله تعالى: (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)
إن قلت: ما الفائدة فيه؟ فالجواب: إنه دليل على صحة ما يقولون من أن ذا القرنين كان عالما بقواعد المنطق؛ لأن هذا قياس شرطي استغنى فيه عن المقدم فينتج عين الثاني، فيقال: كلما جاء وعد ربي جعله دكاء، والمقدم حق فالثاني حق؛ أي وعد ربي حق فجعله دكاء حق؛ لأن ذا القرنين قرأ على أرسطاطاليس.
قيل لابن عرفة: وكان أرسطاطاليس فيلسوفا طبائعيا، وذو القرنين سني، فقال: وكذا إمام الحرمين سني وشيخة الجبائي معتزلي.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾
قال ابن عرفة: انظر هل يؤخذ منه أن الترك فعل؛ أي جعلنا بعضهم يموج في بعض؟
قيل لابن عرفة: إن الأصوليين ما جعلوا الترك إلا الكف عن الشيء؛ فكذلك سعوا إلى الله تعالى.
فقال ابن عرفة: بل أجازوا نسبته إليهم بدليل أنهم ألزموا من يقول به قدم العالم.
قوله تعالى: (إِنْ أُرِيدُ).
إن يأجوج ومأجوج فيكون التنوين عوضا عن الجملة في قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي يوم عدم استطاعتهم، وتكون إذ على بابها ظرف زمان لما مضى حقيقة، أو أريد جميع فيكون التنوين عوضا من جملة مجيئها كذا الله تعالى وهو يوم القيامة، ويكون إذا ما ظرف زمان لما يستقبل، أو ماضيه في معنى المستقبل، مثل: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ولذلك قرأتها بقوله (يَمُوجُ) وهو مستقبل.
قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا).
التأكيد بالمصدر لتحقيق الجمع؛ إما في نفسه؛ فيكون تأكيد الجمع، أو باعتبار الزمان؛ فيكون تأسيسا، فأفاد الفعل جمع أجزائهم، وأفاد الثاني الإتيان بهم مجتمعين في زمن واحد للحساب؛ فهو على الأول مصدر مؤكد لنفسه، وعلى الثاني مؤكد لغيره.
قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾
قال ابن عطية: يحتمل أن يكون هذا من باب القلب؛ أي عرضناهم على جهنم.
الكهف 18:101
فرده ابن عرفة بأن القلب مجاز، والتأكيد يرفع المجاز، ولذلك احتجوا به في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) على صحة وقوع الكلام من الله حقيقة، وإلا كان يقول: أنه من باب القلب (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).
قوله تعالى: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾
ظاهره عام في المؤمنين والكافرين؛ فلذلك أضاف الذكر إلى الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾
إنما قال: الكافرين، ولم يقل: أعتدنا جهنم لهم؛ لاحتمال عود الضمير على لفظ عبادي وهم الملائكة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾
قال ابن عرفة: هذا استفهام حقيقة، كأنه يقول: هل نخبركم بالأخسرين أعمالا، إن سألتهم عنهم فهم الذين ضل سعيهم، وقال هنا (نُنَبِّئُكُم) بالنون.
وقال في [الشعراء
(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) *].
وقال في سورة آل عمران (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ)، وقال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) فعبر في هؤلاء بهمزة المتكلم وحده، وهما بنون من غيره لوضوح مدلول هذه وخفاء مدلول تلك الآيات، وتوقف صحتها على المعجزة، والمعنى ضل في الآخرة سعيهم في الدنيا؛ لأن كل ما عملوه يذهب عنهم ولا يجدونه فأشبه الضالة الذاهب، قال: وأسند الضلال للسعي والإحسان للصنع؛ لأن السعي أعم من الصنع، فناسب إسناده إلى الضلال؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والضلال نفي والإحسان إثبات، فصار كقوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ).
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منها أن جحد المعاد محبط للعمل، وأنه كفر، قيل له: إنما أحبط أعمالهم اتصافهم بالكفر وجحد المعاد معا، فقال: بل كل واحد من الأمرين كاف في ذلك بدليل أن مجرد الكفر كاف في إحباط العمل، وكذلك جحد المعاد.
الكهف 18:109
قيل لابن عرفة: اقتضت الآية أن أعمالهم حبطت مجموع الأمرين، ودليل الدليل من خارج على أن مجرد الكفر محبط للعمل وليس من الآية، فقال: بل من الآية؛ لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلة ذلك الحكم للوصف.
قال الفخر: لَا يقال: من زنا وأكل الحلوى فاجلدوه؛ فدل على أن كل واحد من الوصفين على انفراده كافٍ في إحباط العمل.
قوله تعالى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).
ظاهره أنه لَا يوزن أعمالهم السيئة إذ لها أثر مع الكفر، وظاهر قوله تعالى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أنها توزن.
فقال ابن عرفة: لعل تلك في العصاة وخلودهم غير مؤبد، قيل له: بل ظاهرها التأبيد، فقال: أو تكون خفة الموازين مجازا عبارة عن عدم ما يجعل فيها فلذلك تخف.
قال ابن عطية، والزمخشري: أن ابن الكواء قال علي بن أبي طالب: من هم؟ فقال هم أهل حروراء وإننا منهم.
قال ابن عرفة: هذا إما تشديد عليه، وإما بناء بأن المعاصي محبطة للعمل، وكان ابن الكواء من المعتزلة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾
اختلف الزمخشري، وابن عطية في سبب نزولها.
فقال ابن عطية: [سبب نزولها أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، [ومبعوث إليها*]، وأنك أعطيت [ما يحتاجه*] النَّاس من العلم، [وأنت مقصر*] قد سئلت عن الروح ولم تجب فيه؛ فنزلت الآية معلمة [باتساع معلومات*] الله تعالى، وأنها [غير*] متناهية وعلم الله غير متناه، فلا يستغرب من النبي أن يقول: لَا علم لي بهذه المسألة، قال: وهذا مخالف لما قال اليهود في سؤالهم له عن الروح حيث سألوه عنه، فقالوا: إن أجابكم عنه فليس بنبي، وإن لم يجبكم عنه فهو نبي؛ المراد بالكلمات: إما علم الله القديم الأزلي ومعلوم الله تعالى من حيث تعلقه، والمتعلق بذاته هو العلم لا المعلوم.
قوله تعالى: (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي).
كان بعضهم ينتقد على أبي سعيد قوله في المدونة: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل، فإن اغتسل بعده أجزأه، ويقول: إنه ليس في المدونة. فإِن اغتسل بعده
الكهف 18:110
أجزأه، بل قوله: فقبل الغسل يجزئ عنه، ؛ لأن قولك: جاء زيد قبل عمرو يقتضي مجيء عمرو، وكأن غيره لَا يقتضيه، لأنك تقول: [... ] زيد ابنه قبل أن يتزايد لابنه الولد، ولا يلزم منه أن يكون لابنه ولد، ويحتج عليه بآيات من القرآن منها هذه، وكان الآخر يجيب بأن هذه في سياق الشرط يتركب من المحال؛ لأن المحال يستلزم محالات؛ لأن كون البحر مدادا لكلمات الله ونفاذ كلمات الله محال.
قوله تعالى: (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).
وقال في لقمان (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) فانظر أيهما أبلغ؟
قال ابن عرفة: كلاهما بليغ؛ لأنه ليس المراد نفس سبعة أبحر بل هو مبالغة، وكذلك هنا ليس المراد مثله فقط بل مثله ومثل مثله إلى ما لَا نهاية له.
وقوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ).
اعلم أن لو حرف امتناع، وينتفي منها عند الأصوليين الأول لانتفاء الثاني، وكذا عند المنطقيين خلافا للنحويين؛ بدليل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ) فانتفت الآلهة لانتفاء الفناء.
لَوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ... (١١٠)
يؤخذ منه أن المماثلة بين الشيئين لَا ينافي اختصاص أحدهما بأمر دون الآخر، فالأنبياء عليهم السلام مماثلون لنا في الخلق في الأمور الذاتية، وإن اختصوا بأمر عرضي، ويؤخذ منه أن هداية نفوسهم مماثلة لغيرهم، فليست النبوة أمرًا مكتسبا بوجه؛ بل هي خصوصية ألحقهم الله بها من غير تطبع ولا اختلاف مجاز.
قوله تعالى: (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
إن قلت: تغليب على المخاطب؛ فهلا قال: إنما إلهنا إله واحد، فالجواب: أنه موحد لله تعالى لَا يعتقد له شريكا، والآية حيث مخرج الرد عليهم. فناسب أن يقول (إِلَهُكُم) لأنهم يشركون به، والوحدة في الأمر الذاتي، والأمر الحكمي.
قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ).
ولم يقل: يرجو لقاء ربكم، ولذلك لم يقل: فاعملوا صالحا تهيئا لهم على العمل الصالح، والرجاء إما على بابه، أو بمعنى الخوف على جهاز المجاز.