Lafzullah

تفسير ابن عرفة — مريم 19:1 – النمل 27:87

المؤلف / المصدر: أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ) — تحقيق: جلال الأسيوطي · دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-555)

المحتويات
  1. مريم 19:1
  2. مريم 19:5
  3. مريم 19:9
  4. مريم 19:12
  5. مريم 19:14
  6. مريم 19:17
  7. مريم 19:25
  8. مريم 19:26
  9. مريم 19:28
  10. مريم 19:35
  11. مريم 19:40
  12. مريم 19:42
  13. مريم 19:47
  14. مريم 19:54
  15. مريم 19:55
  16. مريم 19:56
  17. مريم 19:59
  18. مريم 19:60
  19. مريم 19:63
  20. مريم 19:66
  21. مريم 19:69
  22. مريم 19:74
  23. مريم 19:75
  24. مريم 19:78
  25. مريم 19:83
  26. مريم 19:85
  27. مريم 19:88
  28. مريم 19:93
  29. مريم 19:98
  30. طه 20:1
  31. طه 20:6
  32. طه 20:11
  33. طه 20:13
  34. طه 20:14
  35. طه 20:17
  36. طه 20:24
  37. طه 20:40
  38. طه 20:42
  39. طه 20:46
  40. طه 20:58
  41. طه 20:67
  42. طه 20:72
  43. طه 20:76
  44. طه 20:86
  45. طه 20:90
  46. طه 20:100
  47. طه 20:107
  48. طه 20:121
  49. طه 20:123
  50. طه 20:130
  51. الأنبياء 21:1
  52. الأنبياء 21:4
  53. الأنبياء 21:7
  54. الأنبياء 21:18
  55. الأنبياء 21:20
  56. الأنبياء 21:22
  57. الأنبياء 21:34
  58. الأنبياء 21:74
  59. الأنبياء 21:78
  60. الأنبياء 21:80
  61. الأنبياء 21:83
  62. الأنبياء 21:85
  63. الأنبياء 21:87
  64. الأنبياء 21:93
  65. الأنبياء 21:97
  66. الأنبياء 21:99
  67. الأنبياء 21:104
  68. الأنبياء 21:110
  69. الحج 22:1
  70. الحج 22:3
  71. الحج 22:6
  72. الحج 22:11
  73. الحج 22:13
  74. الحج 22:23
  75. الحج 22:25
  76. الحج 22:28
  77. الحج 22:31
  78. الحج 22:32
  79. الحج 22:39
  80. الحج 22:46
  81. الحج 22:49
  82. الحج 22:54
  83. الحج 22:55
  84. الحج 22:60
  85. الحج 22:66
  86. الحج 22:70
  87. الحج 22:71
  88. الحج 22:74
  89. المؤمنون 23:1
  90. المؤمنون 23:14
  91. المؤمنون 23:18
  92. المؤمنون 23:20
  93. المؤمنون 23:27
  94. المؤمنون 23:35
  95. المؤمنون 23:43
  96. المؤمنون 23:50
  97. المؤمنون 23:57
  98. المؤمنون 23:64
  99. المؤمنون 23:76
  100. المؤمنون 23:78
  101. المؤمنون 23:80
  102. المؤمنون 23:91
  103. المؤمنون 23:92
  104. المؤمنون 23:96
  105. المؤمنون 23:100
  106. المؤمنون 23:109
  107. المؤمنون 23:112
  108. النور 24:1
  109. النور 24:2
  110. النور 24:4
  111. النور 24:11
  112. النور 24:14
  113. النور 24:19
  114. النور 24:26
  115. النور 24:39
  116. النور 24:61
  117. الفرقان 25:1
  118. الفرقان 25:19
  119. الفرقان 25:33
  120. الفرقان 25:42
  121. الفرقان 25:44
  122. الفرقان 25:51
  123. الفرقان 25:54
  124. الشعراء 26:18
  125. الشعراء 26:21
  126. الشعراء 26:23
  127. الشعراء 26:30
  128. الشعراء 26:32
  129. الشعراء 26:36
  130. الشعراء 26:49
  131. الشعراء 26:59
  132. الشعراء 26:105
  133. الشعراء 26:165
  134. الشعراء 26:181
  135. الشعراء 26:213
  136. النمل 27:2
  137. النمل 27:10
  138. النمل 27:15
  139. النمل 27:28
  140. النمل 27:38
  141. النمل 27:42
  142. النمل 27:59
  143. النمل 27:63
  144. النمل 27:65
  145. النمل 27:66
  146. النمل 27:73
  147. النمل 27:78
  148. النمل 27:81
  149. النمل 27:87

مريم 19:1

سُورَةُ مَرْيَمَ عليها الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾ اختلفوا هل هذه الأحرف اسم للسورة، أو الكاف عبارة عن الكبير، والياء عبارة عن العلي، والعين عن العليم، والهاء عن الله، والصاد عن الصادق. ابن عرفة: لَا يؤخذ بالاجتهاد وإنما إسناده عن الصحابة - رضي الله عنهم - أو حديث. قيل لابن عرفة: نص النحويين على أن الحروف لَا تنطق بها، ولا يقال: هذا الحرف ويقطع من كذا، [وذكر*] سيبويه عن الخليل في كيفية النطق أنه كاف له هنا السكت؛ فيقال: في حروف [**قرب ضرب صدرويه] فقال: هذه ليست منقطعة منها بل هو حرف آخر مماثل للكاف من الكبير وهي اسم؛ لأنك تقول كاف ياء فهي اسم لتلك الحروف. وقال بعضهم: إن الحروف التي في أوائل السور مما استأثر الله بعلمه. وقال بعض المتأخرين ممن اختصر "كتاب المحصول: هذا إنما هو في الألفاظ [المعبر بها*] عن الكلام القديم، وأما الكلام القديم الأزلي فيستحيل أن يقال فيه: إنه لَا يفهم. قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ قال الطبري: نداء مخلصا؛ فعبر عنه [بالخفي*] مجازا وليس بكناية؛ لأن الخفي منه المخلص وغيره. قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ابن عرفة: قال بعض اللغويين: (وَهَنَ) أي ضعف لكن الوهن أخص من الضعف؛ لأن الضعف له أول ومنتهى، والوهن يقتضي الضعف الشديد المتناهي. فإن قلت: هلا قال: وهنت العظام مني، فهو أبلغ؟ ابن عرفة: فأجاب بعض البيانيين: إن الألف واللام إذا دخلت على المفرد سيرته عاما في المفردات، والعموم الذاتي أقوى من العموم العرضي، كقولك: كل رجل قائم، وكل الرجال قائم.

مريم 19:5

فإن قلت: اشتعال الشيب في الرأس سبب في الوهن فهلا قدم عليه؟ قلت: إنما يؤكد الأضعف بالأقوى، والوهن أقوى في الدلالة على الضعف من الشيب؛ لأن الإنسان قد يشيب صغيرا مؤكد هنا بالأقوى الأضعف فلا فائدة فيه. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الوهن سبب خفي، والاشتعال بالشيب سبب ظاهر يراه كل أحد فأخَّره ليكون كالدليل عليه، وأجيب بأن الوهن يكون لمرض، فهو قابل للتداوي والرجوع إلى حالته الأولى، فلما عقبه بالشيب دل على أنه أمر لازم. ابن عرفة: ؛ لأنه يضعف [لأن الكبر ليس لها دواء*]. فإن قلت: هلا قال: وهن مني عظمي؟ فالجواب: أن فيه التبيين بعد الإجمال. كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، فإن قلت: هلا قال: واشتعل شيب الرأس؟ فأجاب بأنه مجاز على جهة المبالغة في نسب الاشتعال [لجميع*] الرأس؛ إشارة إلى عموم الشيب في رأسه حتى كأنه شيب. قوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). معناه: أني أدعوك فإن استجبت لي حصلت السعادة، وإن لم تستجب لي أجرت أجر [التضرع والخضوع*] فلم أكن شقيا بوجه، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول؛ أي ولم أكن بدعائي إياك شقيا. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ فإن قلت: هذا معطوف على وهن المؤكد فهلا استغنى عن إعادة إني؟ فالجواب: إما بأنه تأكيد الشيب في المطلب، وإمَّا بأن وهن العظم والمشتعل الرأس ليس من كسبه بوجه، وخوف الموالي من أقاربه في الكسب فهو مباين للأول، وقرئ (خُفْتُ) ومعنى من ورائي من بعدي، فعلى قراءة (خِفْتُ) يفهم معنى الآية؛ لأنه بمنزلة رجل ومات نظراؤه في صناعته؛ حتى لم يبق منهم إلا إنسان، فيقال: خفت الصناع من بعدي؛ لأنه يقطع إذا مات لَا يبقى إلا إنسان، وعلى قراءة (خُفْتُ) لا يصح المعنى؛ لأن إذا مات ارتفع خوفه من هذه من رضى الدنيا لَا يخاف مما كان بعد موته. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ابن عطية: كيف استبعد زيادة الولد بعد أن طلبه ودعا به، فأجاب بأربعة أوجه:

مريم 19:9

أحدهما: إنما طلب وليا لَا ولدا؛ فلعله يكون له ولد غير الولد لَا ولدا، إما حفيدا، وإما ابن عم، أو ابن أخ أو غير ذلك؛ فلما بشر بالولد استغرب ذلك، فقال: أنى يكون لي [ولد*]. الثاني: أن يكون بين طلبه له وبين التبشير به زمن [متطاول*] بحيث تزايد ضعفه، وتمكنت شيخوخته فكان يرجو أن يبشر به في زمن [إياسه*] من الولد. الثالث: أنه سأل عن الكيفية التي تزايد له فيها الولد هل مرجوع امرأته شابة، أو تلد على ذلك الحال، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى). وفي عبارة ابن عطية، قلت: لأنه طلب الولد ثم استفهم كيف الوصول إليه، [وكيف نفذ القدر به*]. ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا، وهو أنه إذا تقدم اسم نكرة ثم أعيد فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، قال الله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، قال هنا (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، فقال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) الولد، أو يقول: أنى يكون لي الغلام [فأجيب بوجهين*]: أحدهما: أن الغلام هنا مدح باسمه فأشبه المعرفة؛ فلذلك لم يعده. الثاني: ذلك إنما هو حيث يعاد بلفظه، وهنا إنما أعيد بلفظ الولد ولا شك أن أحدهما أعم من الآخر، فالغلام أعم؛ فإنه يمكن أن يكون ولد ولده، أو ولد أحد من قرابته؛ فأخذ هو بحق السؤال باستبعاد كونه ولده. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: كما علمت أن جميع الأشياء هين على الله فاعلم أن هذا هين عليه، واستدل بخلقه إياه من عدم، وهذا هو المذهب الكلامي وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله. قوله تعالى: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). ظاهره أن هذا حجة لأهل السنة في قولهم؛ لأن الندم ليس بشيء. والزمخشري يقول: ولم تك شيئا موجودا أو شيئا مذكورا. قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾

مريم 19:12

أي علامة. قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ابن عرفة: عرف القرآن في هذا النداء بالياء، إيماء بالموجود؛ فلذلك قال ابن عطية: [المعنى فولده له*]، وقال الله للمولود (يَا يَحْيَى). ابن عرفة: إنما عد بولد؛ لأن المتكلمين اختلفوا في الاستدلال على الحدوث هل يستدل بالإمكان أو بالموجود؟ فإن نظرنا إلى ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) وهذا دليل على إمكان وجوده، وإن نظرنا إلى قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) كان دليل على أنه واحد؛ لأنه خطاب له؛ فلذلك أضمر وجوده قبله. وقوله تعالى: (خُذِ). إن كان تكليفا فهو للوجوب، وإن كان امتنانا فهو للندب. قوله تعالى: (بِقُوَّةٍ). قال أبو حيان: إما مفعول أو حال. ابن عرفة: يريد إما متعلق بقوله (خُذِ) وهو موضع الحال والكتاب التوراة، وإنما قال: (بِقُوَّةٍ) ولم يقل ذلك في موسى ولا في [غيره*] من الأنبياء؛ لأنهم أوتوا الحكم [كبارًا*] بالضرورة أن يأخذوا الكتاب بقوة، ويحيى أوتي الحكم صبيا، فقال (بِقُوَّةٍ) أحرى بنا؛ فالحكم المراد به الأمر الفضلي، يعني لأن الصبيان يوصفون بالحكم الضروري فلا مزية له عليهم فيه. حسبما قال الفخر في المحصول: الحكم القصد، يعني هو يمكن أن يكون وأن لا يكون؛ فلذلك يوصف به الصبيان، ويوصفون بالضروري، فلو [علمه*] الصبي لعلمه بتفضيل [**لم يضر] لأنكر ذلك بالبديهة. قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ابن عطية، والزمخشري: يحتمل أن يراد وخلقنا في قلبه الحنان، ويحتمل أن يراد وآتيناه حنانا منا عليه. وذكر ابن الصلاح في علوم الحديث في باب رِوَايَةِ الْآبَاءِ [عَنِ الْأَبْنَاءِ*] حديثا يقتضي اتصاف الله تعالى بالحنان، وذكر فيه سندا متصلا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الحنَّان هو الذي يُقبل على من أعرض عنه، [والمَنَّانَ هو الذي يبدأ بالنوال

مريم 19:14

قبل السؤال*]، فقال ابن العربي هنا في الأحكام: إن إتيان النبوة للصغير ممكنة جائزة عقلا؛ لكنها لم تقع، ولم يذكر ذلك المتكلمون؛ لأن ظاهر كلامهم بياني في بداية الإقدام، أيضا أنها جائزة عقلا؛ لأنه قال: لَا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده بالنبوة والولاية؛ فعموم هذا يتناول الصغير والكبير. قال ابن عرفة: [وأما المعتزلة*] فلا يجوز عندهم نبوة الصغير بناء على قاعدة التحسين والتقبيح، والفلاسفة يصح ذلك على مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنها راجعة إلى طبع مجازي [يحظون به*]، وظاهر كلام الفخر هنا أنها واقعة أن يحيى وعيسى بعثا صغيرين. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ وقال تعالى في عيسى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وكان بعضهم يقول: لأن يحيى [أكثر تكليفا، قال: وعيسى كذلك [وكان رسولا*]. قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) قيل لابن عرفة: هذا حكم إنشائي وصيغ الاستثناء حالته، فكيف يعمل في المستقبل؟ فقال: ليس المراد حقيقة المستقبل، وإنما هو كقولهم: ضربته الظهر والبطن. قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ). وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) فأجاب الزمخشري والغزالي بأن يحيى غلب مقام الخوف فسلم عليه أمنا له [وتطمينا*]، وعيسى غلب عليه مقام الرجاء. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عرفة: عينها باسمها في سورة التحريم، فقال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) تشريفا بذكرها مع امرأة فرعون، وامرأة نوح ولوط، ويوجد جواز اجتماع الخبر والأمر في الكلام الواحد؛ لأن الإخبار الآخر عن هذه القصة مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغها للناس فيؤخذ منه أن من آمن فلا يبيع سلعة بكذا دينار، فقال: إن فلانا، قال: بائع سلعتي هذه بكذا وأنا قد بعتها به، فقال المشتري: وقد اشتريتها بذلك، فقال: ربما لَا أرضى بذلك أنه يلزمه البيع. قوله تعالى: (إِذِ انْتَبَذَتْ).

مريم 19:17

قال أبو حيان: يصح أن يكون مفعولا أو بدلا من مريم، فقيل له: هما شيء واحد؛ لأن اذكر إنما يتعدى لمفعول واحد، فقال: القائل فيه فعل آخر مقدر؛ أي اذكر إذ انتبذت. قال المختصر السفاقسي: يحتمل أن يكون على حذف مضاف؛ أي اذكر خبر مريم وما جرى لها إذ انتبذت. قال ابن عرفة: هذا هو الصحيح، لأن الخبر متأخر عن المجرور عنه فلا يصح أن يعمل الخبر في إذ؛ لأن وقت الانتباذ ليس هو وقت الخبر؛ فلذلك قال أبو حيان: وما جرى لها إذ انتبذت. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ وهو جبريل، وقال تعالى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) التبشير وقع من الملائكة وهذا الإرسال من ملكَ واحد، فإن كانت القصة واحدة فيكون ذكر هذا جبريل وحده؛ لأنه المتقدم في الملائكة وهو تبع له، وإن كانت قصتين فتكون تلك قبل هذه فبشرها أولا الملائكة ثم أتاها جبريل وحده فنفخ في فرجها. فإن قلت: كيف يفهم [تصور*] الملك ورجوعه على صورة إنسان حسن الصورة مع أن الموجودات ثلاثة: إما متحيز، أو قائم بالتحيز، أو لَا متحيز ولا قائم؛ فمتحيز على القول بإثبات الجوهر المفارق، فكما لَا يصح صيرورة الجوهر [عرضا*] ولا العكس؛ لذلك لَا يصح الموجود الغير المتحيز متحيزا، قلت: فالصواب أن الملائكة أجسام متحيزة، فكما أن الله تعالى أقدر الجسم على القيام والقعود والحركة، كذلك أقدر بعض الأجسام على [التصور*] على صفات مختلفة. ابن عرفة: وقد كنت رأيت السلطان إبراهيم في غاية الضعف قولا [... ]. قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ وقرئ (مَنْ تَحْتَهَا)، وعلى كلا القراءتين يصح أن يكون المنادِي جبريل وعيسى عليهما السلام، ورجح بعضهم الأول بعدم الاحتياج إلى إضمار الفاعل، وأجيب بأن الفاعل هناك الجزء من الفعل فهو بمنزلة المركب. ابن عرفة: [ومن بدع التفسير قول الزمخشري في أن جبريل عليه السلام كان يُقَبِّل الولدَ كالقابلة*].

مريم 19:25

قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي). قال الزمخشري: أن مفسرة. ابن عرفة: انظر هل هي مفسرة للنداء أو للقول الكائن معه؟ فالمعنى: قال لها يا مريم لَا تحزني، أو كون قوله: (نَادَاهَا) فحملوه من قوله لها: (يَا مَرْيَمُ) وأن لا يفسر القول الواقع بالنداء. قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي). قال ابن عرفة: عادتهم يوردون فيه سؤالا وهو أن الغم الواقع من النفس إن كان لأجل أمر مستقبل فهو خوف، وإن كان لأجل أمر ماض فهو حزن وتألم، إما أن تكون مما يلحقها من المعرة فقط من قومها فهو أمر مستقبل، أو بالسبب الواجب لهذه المعرة وهو أمر ماض أو مجموعهما، وهو مستقبلي؛ لأنه إن كان بعض المجموع مستقبل فالكل مستقبل، وتألمها في الحقيقة، وهو إما أن يلحقها من المعرة فقط، فهلا قال [(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَخافي) *]؟ قال: والجواب: اختار أنها اغتمت وتأملت للمجموع من المعرة وسببها وراعاها في هذا المجموع سببه وهو ماض تذكيرا لها لما فيه من المعجزة، والأمر الخارق للعادة؛ ففيه تسلية لها عن العالم لما يتوقعه من المعرة وسببها وراعاها في المستقبل. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ قال ابن عطية: يؤخذ منه مراعاة الأسباب، وإلا فالله سبحانه قادر على إيصال ذلك إليها من غير هز. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إنما أمرها بالهز؛ لأن فيه اشتغالا لها لتسلى [ويزول*] عنها ما بها من الغم، [كما شاهدناه*] فيمن يكون مغموما فتعلق نفسه بشيء يزيل همه، قالوا: ففي الآية تعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وأجاب أبو حيان بخمسة أوجه: إما أنه على إضمار أعني إليك. وإما أن ذلك اسم.

مريم 19:26

وإما أن ذلك جائز عند الكوفيين. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الصواب جوازه هنا، وإنما يمنع حيث يباشر الفاعل المفعول، كقوله: ضربتني وضربتك، وهنا فصل بين الضميرين حرف الجر، وقد أجازوا العطف على المضمر المتصل المرفوع إذا فصل بينه وبين المعطوف بالجر، مثل: (مَا أَشرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا). فقيل لابن عرفة: هذا شبه القياس في اللغة، وهو ممنوع عندهم، قيل له: [إنه يجاب*] [بأن*] (إليك) متعلق بـ (تساقط عليك) ويكون بدل اشتمال]؛ لأن الاستعلاء مشتمل على منتهى الغاية. قلت: وذكرته لصاحبنا الأستاذ أبي الفارس بن القصار فرده بوجهين: الأول: أن جواب الشرط لَا يجوز تقديم معموله عليه إلا عند [الفراء*]، و (تساقط) هنا جواب للأمر المتضمن معنى الشرط، واحتج المؤلف بقول الشاعر: وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لها؍ ويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ؍ وأجاب ابن عصفور بأن الخبر للام الثاني إنما نصوا على شديدة الاتصال بالجمل، فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبي باتفاق، وإذا كان متعلق بـ تساقط صار أجنبيا عن هذا، قال: وإنما الجواب عندي بأنه على حذف مضاف؛ أي: وهزي إلى جهتك حسبما ذكر ابن عصفور في قوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) وذكروا أيضا نحوه في قوله: فدعْ عنك نَهباً صِيحَ في حَجراتِه؍ ولكن [حديث*] ما حديث الرواحلِ؍ قوله تعالى: (رُطَبًا جَنِيًّا). أي رطبا مهيئا للاجتناء؛ لأن الرطب قسمان: منها ما حل، ومنها ما لم يحضر وقت اجتنائه. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ أصله: فإنْ ما ترين. قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا). فكان في شريعتهم أنهم إذا انذروا الصوم يمسكون عن الطعام والشراب والكلام. قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾

مريم 19:28

قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (تَحْمِلُهُ) مع أن (بهِ) يغني عنه؟ فأجاب بأنه احتراس عن أن يظن، قيل له: هلا استغنى بقوله (تَحْمِلُهُ) عن قوله: (بِهِ)؟ فقال: أفاد ذكره التفسير بعد الإجمال، كما قال في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، قال وعادتهم يقولون: يقدرون أن الفعل يقتضي التكلف، واحتمال [المشاق*] بخلاف الاسم، كقولك: جاء زيد يحمل عمرا؛ بخلاف قولك: حامل عمرو، ولا شك أن عليها في دخولها به قريتها [هَمٌّ*] كبير، ومشقة؛ لاستحيائها منهم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ قال ابن عرفة: فيه إيماء إلى أن الأصل له أثر في الفرع، ولذلك قال [... ]. [لعله عرق نزعه*]. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ابن عرفة: (مَنْ) إما عبارة عن الأنواع أو عن الأشخاص؛ فإن كانت للأنواع فالمعنى كيف نكلم من هو من هذا النوع؟ فتبقى كان على أصلها؛ لأن هذا النوع مضى منه كثير. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا سؤالا؛ وهو أن الصواب [أن يقال*]: كيف نسمع كلام من كان في المهد صبيا؟ أو كيف يجيبنا من كان في المهد صبيا؟ لأنهم قد تكلموا وكلامهم وإنكارهم إنما هو [عليها*] لَا على الصبي، وقد كلموها، وما بقي لهم إلا السماع، قال: فكان الجواب يمشي بتقدير [صحته*]؛ أي إنما [أجبنا*] المسئول لا غيره، ونحن إنما نتكلم ونسأل من هو أهل لأن يتكلم، ومن كان في المهد صبيا لا يتكلم. قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ إنما لم يقل: وأمرني؛ لأنه صغير لم يبلغ هذا التكليف. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ... (٣٤)﴾ قيل لابن عرفة: يحتمل أن يكون (الْحَقِّ) بدلا من (عيسى) بدل اشتمال، وقد نصوا على جواز بدل المصدر من الاسم في بدل الاشتمال؛ فرد عليه بأنه مشروط بضمير

مريم 19:35

يربط بين البدل والمبدل منه، والمصدر ليس فيه ضمير إذ ليس بمشتق، وأجيب بأن ابن هشام [نص*] في شرح الإيضاح على [أنه*] الألف، والألف تقوم مقام الضمير. قوله تعالى: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ). ولم يقل: الذي فيه يختلفون؛ لأن الاختلاف يستلزم أن يكون البعض حقا والبعض مبطلا، والامتراء يقتضي بطلان قول جميعهم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ... (٣٥)﴾ قابلية [اتخاذ*] الولد، ونفي مكان اتخاذه]، ونفى في سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ) وجود اتخاذه، وفي سورة المؤمنين (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ). ابن عرفة: وبين الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه؛ فنفي وجود الولد لا يستلزم نفي وجود البنين، ونفي اتخاذ الولد يتناول ولد البنين أو ولد الصلب. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ قال الزمخشري: قرأ المدنيون، وأبو عمرو بفتح (إن) [والأستار*] وأبو عبيد بكسرها على الابتداء. قال ابن عرفة: وجدت في طرة كتاب عن الزمخشري: الإسناد معناه الأربعة. قال الطيبي: هم الكوفيون والأعمش. قوله تعالى: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (مِنْ) للسبب؛ أي لسبب شهادتهم ذلك اليوم لما يقولون. قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ ابن عطية: هؤلاء ممن يقال فيهم: ما أسمعهم وما أبصرهم بالعذاب والوعد والآلام النازلة بهم. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح الثاني، قوله تعالى: في سورة نون والقلم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ). فظاهره أنه ليست لهم قدرة عن أفعال أسباب السعادة، وأجيب بأن تلك على سبب القوة العملية عنهم، وهذه إنما تدل على إثبات القوة العلمية لَا العملية. قال الزمخشري: وقيل: إنما معناه التهديد بما ينالهم ويصدع قلوبهم من السوء.

مريم 19:40

ابن عرفة: فيكون أمرا بالسماع حقيقة. وقيل لابن عرفة: فالإسماع في الدنيا فكيف يعمل في (يوم يأتوننا)؟ فقال: الفاعل لازمه لَا هو أي أسمع غيرهم بخبرهم يوم يأتوننا. ابن عرفة: وظاهر الآية دليل في المسألة التي كفر القرآن فيها الفلاسفة حيث أنكروا إعادة الأجسام بعينها، بقوله (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) فظاهر إتيانهم بأسماعهم وأبصارهم على ما كانت عليهم. قوله تعالى: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). يحتمل معنيين: إما أنه مبين في نفسه، وأنه مبين جهلهم وغباوتهم وهلاكهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ الوارث قسمان: فوارث المال بمعنى تملكه حسيا، ووارث الأب بمعنى [**تملكه حظه] أو عمله وهي معنوية؛ فهل هو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؟ قال: ليس هو لذلك؛ لأن الأب لَا يملك، والأرض هنا ومن فيها ملك لله عز وجل. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال ابن عرفة: قال المفسرون: إن كان الله تعالى ذكره في الكتاب فيكون أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم فضائله وأوصافه وسماعه من النبوة والرسالة والصدق، وإن كان أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون ذكر حقيقة. ابن عرفة: ويحتمل على الأول أن يكون بمعنى اذكر للناس ذكر إبراهيم في الكتاب؛ أي اتل عليهم أنه ذكره في الكتاب. ابن عرفة: وانظر هل ذكره في الكتاب تشريفا له أو تعظيما؛ فكان بعضهم يأخذ من هذه الآية مع قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) بأنه ليس بين مرتبة النبوة ومرتبة [الصديقين*] مرتبة زائدة، وبيَّن [الصديقين*] بأنهم العلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، أو في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مع أنهم ذكروا في الحال أنها على أربعة أقسام: فأولها: إيمان المقام.

مريم 19:42

الثاني: من حصل له العلم بدليل لَا يقدر على التعبير عنه، وهذا يختلف فيه هل هو مقلد أو مجتهد. والثالث: من حصل له العلم أنه بالدليل القوي يقدر على دفع ما يرد عليه من التشكيكات، وعلى تربية النَّاس وإرشادهم به إلى الطريق الحق، كان سيدي أبو الحسن الزبيدي على صحن الجابية وهو ينظر [منتهى السول للآمدي*]، قال: قلت في نفسي: [عذرا يا سيدي أبا الحسن*]، هل هو من الصديقين أم لَا؟ فطوى الكتاب. كان سيدي أبو الطاهر الركراكي يقول: نحن معاشر الصديقين آخر من ينصرف من المحشر ثم رجع ينظر في الكتاب. قال ابن عرفة: ما ورد في الحديث من أن إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ليس على ظاهره، وما عدها إبراهيم كذبات إلا تواضعا منه، وإلا فقوله: (بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا) ليس بكذب، بقوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) فقد فعله كبيرهم هذا وهم لَا ينطقون فلم يفعل هو. قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ﴾ النداء له تنبيه ليحضر ذهنه لسماع ما يرد عليه، ولم يقل: يا آزر على جهة اللطف والاستعطاف، ومن التلطف سؤاله عن سبب عبادته لمن هو عاجز، وهو قوله (وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) إشارة إلى أنه مفتقر لمعبود يغني عنه وينفعه ويضره. قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ إشارة إلى أن أباه عجز عن جوابه هذا فأخبر هو بما حصل حقيقة عنده من العلم. قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون استفهاما حقيقة؛ ليحصل المشاكلة بينه وبين قول إبراهيم (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) كأنه أيضا استفهام حقيقة يرد السؤال لَا في استفهام إبراهيم عن العلة في عبادته أبيه عن نفس العبادة، واستفهام آزر عن ذات الشيء لَا عن علته، هل هو راغب عن آلهته أو يعبدها؟ قال: وأجيب بثلاثة أوجه: الأول: أن هذا منه على سبيل المغالطة، وإلا فهو يعلم أن إبراهيم يرغب عن آلهته.

مريم 19:47

الثاني: أنه سئل عن علة العلم، وأما الجاهل فلا يسأل عن علة الحكم ولا عن دليله بوجه. الثالث: أنه إنما ذكره ليرتب عليه العقوبة في قوله (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا ابتدأ بالنداء قبل الاستفهام؟ فالجواب: أنه قدم الاستفهام؛ لأنه الاسم المقصود. قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). معطوف على مقدر؛ أي فاحذرني واهجرني مليا. قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ كان بعضهم يقول: أما سلام القادر فمطلوب مشروع، وأما سلام المنصرف فغير مشروع، ومنهم من قال: مشروع بدليل هذه الآية مع حديث خرجه أبو داود. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ فكان بعضهم يقول: الوصف بالنبوة تأكيد؛ لأن الرسالة أخص، وكان بعضهم يجيب بأن الأعم على قسمين: أعم لَا يوجد إلا في أخصه المعين. وأعم يوجد فيه وفي غيره، فمثال الأول في قولك لرجل ميت: كان هذا إنسانا حيوانا؛ فالأعم في هذا المثال لَا يوجد إلا في أخصه المعين؛ لأن كون ذلك الرجل حيوانا لَا يمكن أن يوجد إلا مع كونه إنسان، وكذلك الموصوف بعد الرسالة إن كان نبياً مدة من الزمان، ثم كان رسولا بعد ذلك باستبعاد استقلال كل واحد من الوصفين فيه وفي غيره من الرسل أرسل وثبت واحدة. قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ (مِنْ) للغاية؛ أعني لابتدائها وانتهائها، نحو: خذ المال من الصندوق، وذلك من النسبة إلى المخاطب، والوصف الأيمن إما مأخوذ من اليمن والبركة، وإما باعتبار الشرف، وإما باعتبار القوة والضعف؛ لأن اليمين أقوى في التكسب والحركة من الشمال باعتبار الأعم الأغلب، وقد يكون في بعض النَّاس على العكس. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾

مريم 19:54

قد يقال: ظاهر الآية أن هارون عليه السلام كان نبيا فقط، فيجاب بأنه رسول نبي بدليل قوله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ؍ )، غير أن رسالته على جهة التبعية لموسى؛ بقوله (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ).؍ قال الزمخشري: [الرسول الذي معه من [الأنبياء*] [والنبىّ: الذي ينبئ عن الله عز وجل، وإن لم يكن معه كتاب، كيوشع*]. ابن عرفة: إنما الرسول المأمور بالتبليغ فيما أوحي له به، والنبي هو الذي يوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ. ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي رد على شيخنا القاضي ابن عبد السلام حيث كان في ميعاده، يقول في تفسير طه في قوله تعالى: (قَدْ أُوتيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) بعد قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارون أخي) إلي [(في أمري) *]، قال: هذه الآية حجة للمعتزلة في قولهم: إن النبوة مكتسبة، وكان ابن مرزوق يشنع عليه، وعزم على تكفيره؛ لكنه ذكره بأثره كلاما يدل على سلامة عقيدته مع أن تلك الآية لَا حجة لهم فيها؛ لأن القائلين بأنها مكتسبة بالدعاء [والتضرع*] إلى الله تعالى؛ لكن قبل خاتم النبوة، وأما الآن فلا؛ لأن موسى دعا بذلك؛ فاستجاب دعائه، كما يدعوا الإنسان بأن يكون وليا أو عالما. قال ابن عرفة: قال: فقوله في هذه الآية (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) دليل على أن نبوة هارون عليه السلام محض تفضل من الله تعالى، ورحمته ليس باكتساب بوجه. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ ابن عرفة: هذا كله تشريف لإبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم بما يخصه في ذاته وما يخص ذريته؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام من ذريته. ابن عطية: الجمهور على أن الذبيح إسماعيل. وقال ابن رشد في المقدمات: الأكثرون على أنه إسحاق. وقال اللخمي: الأصح أنه إسماعيل.

مريم 19:55

ابن عرفة: وكان بعض الطلبة، يقول: إطلاق صادق بلفظ اسم الفاعل على الذات حقيقة، وعلى القول مجاز، فيقال: رجل صادق، وقول صادق؛ فإنما الحقيقة قول صادق بوصف المعنى بالمعنى، وظاهر الآية العكس؛ لأنهم قالوا في قوله: مررت برجل حسن الوجه لَا بصفته، فكذلك هذا وصف إسماعيل [بصفة*] وعده. قال ابن عرفة: وأجيب الفرق بين القول والوعد والصدق ينسب إلى القائل في قوله حقيقة إلى صاحب الوعد مجاز، أو إنما يقال: فلان وفى في وعد أوعدني فأوفى إليَّ؛ فقولك كان هنا مجازا. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ إعادة لفظ كان تنبيه على أن كل وصف منها منتقل بالمدح عليه. قوله تعالى: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا). فيه تشريف له بوجهين: أحدهما: أن لفظ [العندية*] منسوبة إلى الله عز وجل. والثاني: وصف الرضا. قال الزمخشري: أصله مرضو. وقال ابن عطية: أصله مرضوي، والصحيح ما قال الزمخشري؛ لقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) فهو من ذوات الواو، ولذلك [لم يُمَلْ*] ورش مرضاة، وأمالها الكسائي. قلت: قال صاحبنا ابن القصار: اعتبر أصل المادة وهو رضو؛ فجاءت واو في آخر الفعل قبلها كسرة فقلبت ياء؛ لأن مصدره رضوان، وراعا ابن عطية أصل الإعلال؛ لأنه لما أعل [رجع*] إلى الياء، وأصل الإعلال عندهم إنما يعتبر في الفعل. قيل لابن عرفة: اعتبر ابن عطية في الفعل، وهو رضيت ورضينا. قال ابن عطية: إنما وصف إسماعيل بصدق الوعد؛ لأنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فانتظره إسماعيل يوما وليلة، وقيل: انتظره سنة. ابن عرفة: والعجب من الزمخشري على تأخره على ابن عطية كيف لم يذكر القول الأول.

مريم 19:56

قال ابن عطية: وفعله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم قبل البعثة، ذكره النقاش، وخرجه الترمذي. ابن عرفة: وذكر عياض في الشفاء: أنه انتظر موعوده ثلاثة أيام، وذكر ابن ماجه حديثا. قال ابن عرفة: والعطف في الآية تدل أن الرسالة أشرف من [صدق الوعد*] والأمر بالصلاة والزكاة مستند إلى تبليغه عن الله أشرف من وصف الرسالة فقط، والرضا مع ذلك أشرف من الجميع. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ قيل: إنه ولد قبل وفاة آدم عليه السلام بمائة سنة*. ابن عرفة: والظاهر أنه نبي فقط؛ لأن هذه الأوصاف ذكرت على معنى التشريف له فيعتبر في ذلك أعلاها؛ فلو كان رسولا لمدح بوصف الرسالة. قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ قال ابن عرفة: انظر هل هذا من الإشارة إلى القريب بلفظ البعيد للتعظيم؟ مثل: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [أو لا؟ *] كان بعضهم سيعمله منه محتجا بأنه إذا اجتمع في الكلام القريب وبعيد يغلب القريب بدليل [تغليبهم*] ضمير المخاطب على الغائب والمشار إليهم هنا منهم زكريا وهو بعيد، ومنهم إدريس، وهو قريب، وكان بعضهم يقول بالعكس أولا؛ لأن المشار إليهم مجموع مشتمل على قريب وبعيد. وقد قال المنطقيون: فاعتبر هنا في المجموع أدناه وهو البعيد، فلذلك أشير إليه بلفظ البعيد. قوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ). قال ابن عرفة: كونه خبر المبتدأ يوجب إشكالا؛ وهو توهم [حصر*] النبيين في هؤلاء، ولزم من البيان الجنس، فيجاب بأنه أعم، والخبر يكون أعم من المبتدأ، أورده بعض الطلبة بأن هذا عام لَا أعم إذ لَا يقول: زيد الرجال، كما يقول: زيد الحيوان، وأجاب ابن عرفة بأن كونه تاما لَا ينافي هنا كونه أعم فهو هنا عام وأعم، قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) أنه معلوم لَا غرابة فيه، قال: فائدته تشريف آدم [بنسبتهم*] إليه.

مريم 19:59

قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ). ولم يقل: آيات الله، أو القهار، أو العزيز، أو الجبار [تنبيها بالأدنى على الأعلى*]؛ إشارة إلى أنهم إذا سمعوا آيات الرحمن والرحمة يبكون ويسبحون؛ فأحرى إذا سمعوا آية التخويف والموعظة. قوله تعالى: (سُجَّدًا). قال أبو حيان: حال مقدرة؛ لأنهم حال الخرور والقعود. قال أبو حيان: ((شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ). قال ابن عرفة: شهود ليس إلا جمع، وشهود وقعود يحتمل الجمع والمصدر، كما أن (بُكِيًّا) يحتمل الجمع إذا تلوها هم بأنفسهم هل يكون أحرى فيمن جاورهم أو مساويا أبدا؟ قلنا: يحتمل الأخروية والتساوي، ويحتمل أن يكون من جاورهم بسماعها من غيرهم أمرا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ العطف بالفاء يقتضي كمال القرب بين زمنهم وزمن هؤلاء المخالفين لهم؛ ولذلك قال ابن عطية: بينهم ستون سنة، وأنه أقل ما تبدل فيه الأحوال، وكذلك قال النبي صلى الله وعلى آله الطيبين وسلم: ": خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، والمراد القرب بينهم وبين آخرهم وهو عيسى عليه السلام، وحينئذ يحصل كمال البعد بينهم بمجموعهم وبين المخالفين لهم، هذا إن قلنا: إن الخلف في النصارى، وإن قلنا: إن اليهود فيهم فيكون المراد من بعدهم، والخلَف بالفتح في الخير وبالسكون في الشر، ومنه حديث خرجه مسلم في كتاب الزكاة: " [مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا*] ". قال ابن عرفة: والمراد بالأول الإنفاق في الواجب والمندوب والإمساك عن النفقة الواجبة؛ لأنه إخبار من المشرع بالدعاء له وعليه ففيه ذم فاعله؛ فدل على أنه واجب. قوله تعالى: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ). قال ابن عرفة: قالوا: اتباع الشهوات سبب لإضاعة الصلاة؛ لأن من اتبع شهوة النفس مكنها من غرضها في الراحة والتكاسل عن الطاعة.

مريم 19:60

قال ابن عرفة: بل المراد على العكس؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ قيل لابن عرفة: إن قلت: التوبة تستلزم الإيمان لأنها إما من الكفر أو المعاصي؛ فما أفاد قوله (وَآمَنَ)؟ فالجواب: إما بأنه على التوزيع فمن تاب المراد به المعاصي، ومن آمن أي من الكفر، وإما أن التائب تقبل توبته إذا تاب وتحققت حالته، وإن ازدادت على ما كانت عليه قبل ذلك، فقوله (آمَنَ) إشارة إلى هذا. قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا). الواو إما للحال؛ أي يدخلون الجنة في حال عدم الظلم، ويحتمل أن تكون جملة مستقلة وهو أولى لاقتضائه عدم ظلمهم قبل الدخول وبعده. قوله تعالى: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ لأنهم عبدوا الله استنادا للوعد بها لمن أطاعه وهو أمر فجيب عنهم. قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا). يحتمل أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول، إما أنه كان [وعده آتيًا*] أو مأتيا مدركا. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ بهذا مثل عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ أي ليس فيها لغو يسمع، واللغو الساقط من القول. قوله تعالى: (إِلَّا سَلَامًا). ذكر أبو حيان فيه ثلاث أوجه: أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن السلام في الجنة لغو؛ لأنه لَا فائدة فيه إذ لا خوف فيها فيحتاج إلى التأمين منه. الثاني: أنه منقطع. والثالث: أنه مثل: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم؍ بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ؍

مريم 19:63

قيل لابن عرفة: فهو إذا منقطع؛ لأن سيبويه أنشد هذا البيت في باب الاستثناء المنقطع، فقال ابن عرفة: الفرق بينهما أنه على هذا الوجه يكون المراد به المدح؛ فهو من تأكيد المدح بما [يشبه*] الذم، والبكرة والعشي حملها ابن عطية على [تقادير الزمان*]، قال: وروى أن أهل الجنة - تسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فيعرفون البكر عند افتتاحها والعشي عند] [انسدادها*]، والليل إنما هو به والشمس، وقال تعالى (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا). فقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد لَا يرون شمسا محرقة؛ لأن الشمس يحجبها عنهم كثرة أنوارها فلا يرونها، والزمهرير شدة البرد، وهذا أمر جائز ممكن لَا مانع يمنع منه، أو يحتمل أن يكون مثل قولهم: ضربته الظهر والبطن أي رزقهم هاهنا مستمر. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما قال (نُورِثُ) ولم يقل: نعطي أو نجازي؛ إشارة إلى أنها ليست عوضا عن الأعمال بوجه، ولم يأخذها أحد بالاستحقاق، وإنَّمَا [كالوارث*] الذي أخذ كوارث بغير معاوضة [ولا استحقاق*]، قال: وفي هذا تشريف لهم من وجهين: أحدهما: لفظ العباد من حيث إضافته إلى الله تعالى. والثاني: (تَقِيًّا)؛ لأنه أخص من المتقي. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا... (٦٤)﴾ قال الفخر: [خِطَابُ جَمَاعَةٍ لِوَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الرَّسُولِ*]. ويحتمل أن يكون هذا من كلام بعض أهل الجنة لبعض؛ أي ما نزلنا هذه المنازل إلا بأمر ربك. قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا). عموم [العلم*]؛ ومع أنه مردود بقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أنه في هذه الآية يعني الذهول؛ لأنه استدل بها. قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي اصطبر على المشاق لعبادته؛ وهذا أمر لجميع النَّاس.

مريم 19:66

قال ابن عرفة: خطابا للمعدوم على تقدير وجوده؛ لأنه يتناول من هو موجود حين نزول الآية، ومن سيوجد إلى قيام الساعة. قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). إما أن يراد هل تعلم له شبيها؟ وهل تعلم من تسمى باسمه موصوفا بهذه الصفة؟ وهو كونه رب السماوات والأرض، وليس المراد شبيها بالإطلاق؛ بل سميا على هذه الكيفية. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ قال الزمخشري: [يحتمل*] أن يراد بالإنسان الجنس أو بعضه [وهم الكفرة*]. قال ابن عرفة: إن كانت القضية خارجية فالمراد [البعض*]، وإن كانت حقيقة فالمراد كل من يوجد إلى قيام الساعة فهو بمظنة المخالفة. قال الزمخشري: فإن قلت: [لم جازت إرادة الأناسى كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك*]؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بني فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم، وكذلك قال في البقرة في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا)، وفي آل عمران في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم). وكذلك قال التلمساني: في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة في الباب الثالث، قال: يقال لمن تبرجت لرجل واحد تبرجين للرجال بالنكاح. ابن عرفة: وهذه قضية شرطية مؤكدا فيها الشرطية بـ إذا المقتضية لتحقيق الوقوع، وبما، وباللام، وسوف، وأدخل على ذلك همزة الاستفهام على سبيل الإنكار لذلك على ما هو عليه. قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ هذه الآية أصل في إلحاق المثل بمثله. قيل لابن عرفة: فيها حجة لأهل السنة في إعادة العدم بعينه. وقالت المعتزلة: إنما يعاد مثله. قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).

مريم 19:69

الواو للحال من الضمير في خلقنا، ويرد فيه السؤال الثاني أن التأثير فيه بالإيجاد إن كان حالة عدمه فيلزم عليه اجتماع الوجود والعدم وهو محال، وإن كان حالة وجوده فيلزم عليه تحصيل الحاصل حسبما أورده في أصول الدين، وأجابوا بأن التأثير فيه حالة الأثر وإيجاده به؛ أي بذلك الأثر. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ النزع: هو أخذ الشيء بقوة، مثل (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍ) (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [ومن نزع الروح من الجثة*]. قوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا). ذهب ابن الطراوة إلى أن في الآية نفي وإضافة، وهي مبتدأ وأشد خبره، والفعل معلق عن العمل فيها. قال الزمخشري: وذهب الخليل إلى أنها معرفة وارتفعت على الحكاية تقدير الكلام لننزعن [الذين يقال فيهم أيهم أشد*]. ورده ابن عرفة بأن حذف الموصول وإبقاء بعض صلته لَا يجوز. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ ابن عرفة: ليس المراد نفس العلم؛ لأنه لَا شركة فيه، وإنما المراد بالعلم هنا [ورود*] أثره. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ الضمير عائد على (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا). قال الزمخشري: [بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا وبراهين*]، والوجه أن يكون حالا مؤكدا بل مبينة؛ لأنها حين نزولها لَا تكون بينة إلا بعد تبيان الرسل لها، قال: ويجاب بأنه بينها عنه تلاوتها عليهم فهي بينة حينئذ لَا مبينة يحتمل أن تكون اسم فاعل مفعول فهو المراد أنها بينة في نفسها أو مبنية ببيان غيرها لها. قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا). فأجيب بأنهم قالوا: أينا لتوهم أن التفضيل بين الكفرة.

مريم 19:74

ورده ابن عرفة بأن الكلام في التفضيل إنما هو من الفريقين، قال: وإنما عادتهم يجيبون بوجهين: الأول: لو قال أينا لكان فيه لين وتأسيس لهم وتلطف في خطابهم لأجل الإقبال عليهم بالخطاب وخلطة مع التعلم في الضمير. الثاني: أن المضمرات على الصحيح جزئية، والشخص يرى لَا يدخل تحت الجزئي، ولف الفريق كلي والكل يشتمل على الجزئي وغير فيدخل تحت الحاضر والغاية. قوله تعالى: (خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا). ولم يقل: أحسن مقاما وخير نديا. قال ابن عرفة: أجاب البيانيون بأن أحسن أخص ولا يوصف بالحسن إلا الحسن. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ نقل ابن عصفور في شرح مقربه عن الأعمش: أنه يجوز عنده ملكت كم فلان، ونقل أيضا ابن مالك في شرح كافيته، ونقل عن بعضهم: أنه يجوز زيد كيف. وكان بعضهم يقول: إن كتاب سيبويه قياس الأمثلة بكونه يحمل كم الخبرية على كم الاستفهامية تشبيها في اللفظ. فإن قلت: قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيرٌ مَقَامًا) يدل على أن مقام الكافر ليس فيه خير. قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا). يقتضي مشاركتهم في الخير، وأنهم متصفون بمطلق الحسن، قال: والجواب: أن الأول أخروي؛ لأن الكفار ادعوا أنهم خير من المؤمنين بحسن ثباتهم وكثرة أموالهم؛ فأنكر ذلك عليهم بأن المؤمنين خير منهم في الآخرة. قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثا وَرِئْيًا). يعني أنهم كانت دنياهم أحسن من دنيا هؤلاء. قال ابن عطية: [واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة*] وقيل: غير ذلك إلى الثلاثين، قوله في سورة هود وقد تقدم أيضا في الأنعام.

مريم 19:75

ابن عرفة: والعصر فيما بينهم هم الذين أدرك أصغرهم أكبرهم، قال: فعصر الصحابة [انقضى*] بانقضاء آخرهم مدة، وكذلك عصر التابعين، كما أن عصر شهود ابن القداح [انقضى*] بموت الفقيه أبي عبد الله السكوني. قيل لابن عرفة: نص ابن عقبة ورد على امتناع كون الشرط [مستقبلا*]، والجواب [ماضيا*]، وهو غير [**ما ذكر في الآية]، فأجاب بأن ذلك بحيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، وإذا لَا تجزم إلا في التصغر، فلا يقع الحضور هنا المنهي عنه. قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا﴾ إما أمر حقيقة، أو نهي بمعنى الخبر، والمراد يمدد له مدا حالة كونه في الصلاة، وأما بعد ذلك فيمكن. قوله تعالى: (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ). هذه القضية مانعة [الخلو*] وليست مانعة الجمع؛ لأنه يخلو أحدهما عن عذاب الدنيا بالقتل أو بالأسر وبالحيرة والغم حيث قتل أصحابه وأسروا، وأما في الآخرة فيحتمل أن يقال الأمرين. قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا). دليل على أن المقام في قوله تعالى: (خَيرٌ مَقَامًا) اسم مكان؛ لأنه من مقابلته. قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ قال ابن عرفة: [**يزيد من أفعال السنة، مثل: على زيد لَا من الأفعال المتصلة]، مثل: قام زيد؛ لأن العلو يستدعي معلوا عليه، كما أن الزيادة تقتضي مزيدا عليها، قال: فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي جواز اجتماع الأمثال وهو باطل عندنا، فالجواب بوجوه متعددة: أحدها: أن الزيادة هنا باعتبار القوة العلمية [لأن*] الطاعة متعددة وإن كانت كلها تقتضي الهداية. الثاني: أنه إذا قلنا: إن العرض لَا يبقي زمانين وهو مذهب أهل السنة فتصح الزيادة؛ بمعنى أنه بعدم عرض، ويخلفه عرض آخر أكبر منه فهو زيادة في الهدى، وإنما يشكل إذا قلنا: إنه يبقى زمانين.

مريم 19:78

الوجه الثالث: أن الزيادة في الهداية بمعنى الزيادة في محلها؛ فتكون الزيادة في جوهر أيضا مضافا للجوهر الأول. قال ابن عرفة: والعلم إنما يقوم [بمحل*] واحد لكن عندنا نحن إذا قام للعمل أوجب العلمية لذلك المحل فقط، والمعتزلة يقولون: أوجبها لجميع الذات. قال ابن عرفة: وذكر الخلاف في العلوم، هل تتفاوت أم لَا؟ فإيمان أبي بكر هل كان كإيمان غيره أم لَا؟ قال الزمخشري: أن يزيد معطوف على (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)؛ لأنه أمر فى معنى الخبر. ابن عرفة: العذاب في الدنيا بالقتل والأسر يحصل لهم العلم الضروري بحقيقة ما أمرهم به الرسول ويزداد المؤمنون عند مشاهدة ذلك إيمانا أعلى منهم. فإن قلت: إنما يعملون ذاك في الآخرة، قلنا: الجملة الشرطية يكفي في حصولها حصول أحد أجزائها فيزدادون هدى عند رؤية الكفار العذاب الدنيوي. قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ). الزمخشري: هي أعمال الآخرة كلها، وقيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذلك قال ابن عطية، ونقله حديثا. قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [قرنت*] بالهمزة لأنها همزة الاستفهام، ودخلت على ألف الوصل لكن حذفت تلك ولم تحذف هذه لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر. قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ابن عرفة: الميراث انتقال الشيء من ملك، فإن أريد مطلق الانتقال فهو هنا حقيقة، وإن أريد سبب مخصوص فهو في الآية مجاز، والقول تارة يراد به لفظة، كقوله: سمعت ما يقوله زيد، وتارة يراد به مدلوله، كقوله: الأمر فوق ما يريد زيد، والمراد سنكتب ما يقول لفظه في، ونرث ما يقول مدلوله، ويحمله الزمخشري على الوجهين، فقال: [(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) *]، وهو المال والولد [ونحول*] بينه وبين هذا القول في الآخرة، ويأتينا [رافضا له*] منفردا عنه غير [قائل له*]، ولاسيما قوله هذا: [ولا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به*].

مريم 19:83

ابن عرفة: القول ماض؛ لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) فلم يعبر هاهنا وفي (سنكتب ما يقول)، فالجواب: جاء بوضع المستقبل موضع الماضي إشارة إلى دوام ذلك وبقائه، وإما باعتبار أنه قال ذلك في الماضي، ولم يزل [مستديما*] عليه يعتقده ويكرره، وإما للمشاكلة باعتبار ما قبله وما بعده؛ لأن قبل الأول: (سَنَكتُبُ)، وبعده (وَنَمُدُّ)، وقبل الثاني: (وَنَرِثُه) وبعده وَيَأْتِينَا). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم الكلام على كفر الكافرين وعبادة الآلهة من دون الله تعالى: مع قوله تعالى: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أوحى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لئلا يقع في نفسه منه حزن عليهم وتأسف [وغم لك*]؛ لأن المصنوع صنعة فاسدة إذا رأى الجاهل بها [لَا يتأثر*] لفساده، وإذا رآه العالم بالصنعة يتأثر لفساده؛ فكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تأثره بكفر هؤلاء ليس كتأثر غيره؛ لعلمه بحقائق الأمور وعواقبها، فجاءت هذه الآية على سبيل التسلية له من الحزن الواقع بنفسه، والرؤية [علمية*]، لَا مما [يرى*]؛ أي ألم تعلم أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [بالضلالة والهداية*]؛ أي بفعلنا وقدرتنا، فالله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ففوض أمر هذا إلى الله، ولا تحزن عليهم بوجه فقد وفيت [بما بلغت به*] إذ لو شئت لمنعناهم قهرا. وقال ابن عطية: [أَرْسَلْنَا معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم*] اعتزال في قوله: [نحل بينهم وبينهم*]؛ لأنه يتبع الريب أي وهو معتزلي فيقول أحيانا وينقل كلامه بعينه، فيعتزل من حيث لا يشعر. فإن قلت: كيف يفهم هذا؛ لأن ظاهر الآية تقدم كفرهم على إرسال الشياطين عليهم؟ مع أن إرسال الشياطين في كفرهم، قلت: الجواب: فإن المراد بالكافرين الصابرين من الكفر. كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتقِينَ)؛ أي الصابرين للتقوى، وأما بأن المراد شدة الإزعاج والتهيج بقوة، ويكون المتقدم عليهم الإرسال بوسوسة حقيقة ليس فيه إزعاج بقوة، والدليل عليه تأكيد إن بالمصدر مع أن مادته تقتضي الشدة. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾

مريم 19:85

أي [لَا تستبطئ عذابهم ولا تطلب استعجال هلاكهم*]؛ فإنما نمهلهم مدة قليلة نعدها عدا؛ لقوله تعالى: في سورة يوسف: (بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ المراد هنا حقيقة الوفد دون خاصيته؛ لأن خاصية الوفد أنهم يقومون على [... ]. ولا يزالون. قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ سوقهم للعذاب بقوة، وهل المراد سوقهم للدخول إلى جهنم فخص الكفار والعصاة، [أو*] سوقهم إلى الخلد فخص الكفار، والأمر يحتمل، وهو عبارة القرآن، يذكر الطريقين، وقيلت من الواسطة. قوله تعالى: (وِرْدًا). أي عطاشا إهانة لهم واستخفافا [بهم*] كأنهم يردوا عطاشا، وأنشد الزمخشري عليه قول الأعرابي: لنا ناقة... وهو البيت المشهور. قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ إما فاعل في المعنى أو مفعول؛ أي لَا يملكون أي يشفعوا أو يشفع لهم، كما يقول: إن الله يفعل الممكن لَا المحال، ويقول في الممكن أنه لَا يفعل. قوله تعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا). قال الزمخشري، وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل مساء وصباح عند الرحمن عهدا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول عند كل مساء وصباح: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك أنني أشهد أن لَا إله إلا أنت وحدك لَا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني عن الخير، وإني لَا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفنيه يوم القيامة،

مريم 19:88

إنك لَا تخلف الميعاد، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد ليدخلوا الجنة". قال الطبراني: هذا الحديث أخرجه ابن حنبل في مسنده وفيه بعض تغيير. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ قال ابن عرفة: اتخاذ الولد على ثلاث أنواع: إما بالنسب [وهو*] الوطء والولادة. وإما بانتسابه به وإضافته إليه وإلحاقه به، [؍ ] وإن لم يكن من صلبه.؍ وإما منزلة الولد وإلحاقه به في اللفظ فقط، فاقتضت الآية تقبيح الجميع، وإن كان بعضها أقبح من بعض، ويؤخذ من الآية منع وصف الله بالصفات الموهمة لفظا وإن [أتى الوصف*] سليما* لاقتضائها تقبيح من ينسب إليه الولد لفظا، قال: وهل هذا أقبح من مقالة الفلاسفة لأنهم زعموا أن الله عالم بالأشياء جملة دون تفصيل، وأنه يفعل فعلا واحدا جمليا وذلك الفعل يتولد منه الأشياء المتعددة بتفاصيلها على اختلاف أنواعها. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [فإن قلت*]: لم نسب التفطر للسماوات والانشقاق للأرض، والمعنى فيهما، قال: فأجيب بأن [الانفطار يقتضي تشقق*] ما هو عال على غيره وهو في مظنة وقوعه، والتشقق أعم من أن يكون من فوق أو من أسفل، قال: والانفطار والانشقاق بينهما عموم وخصوص؛ لأن [ينفطر*] مضارع انفطر [**فأمر فطر] يقتضي كون ذلك بشدة وتكلف وكذلك انفطر. قوله تعالى: (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا). أفاد قوله (تَخِرُّ) دفعة واحدة وتبقى صحيحة كما يخر الحائط ويبقى صحيحا قطعة واحدة، فلما قال: هذا أفاد أنها قطعت حين خرورها وتفرقت [أفرادها*]. قال المفسرون: كاد إما بمعنى قارب أو بمعنى [أراد*].

مريم 19:93

ابن عرفة: والإفادة على مذهب الفلاسفة حقيقة؛ لأنهم يجعلون لهذه الأشياء حياة وإدراكات تدرك بها الأمور، وعلى مذهبنا نحن فجائز [... ]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾ قال ابن عطية: استدرك بعضهم بهذه على أن الولد لَا يكون عبداً. ابن عطية: هذا انتزاع وهو انتزاع بعيد. قيل لابن عرفة: وجه بعده أن العبودية بالنسبة إلى الله تعالى إنما هي بمعنى الخلق، والاختراع بالنسبة إلى الخلق بمعنى التملك وزيادة الخلق، وفي الثاني أعم [لاقترانها*] بملك المنافع خاصة، والتعليل بالعلة البسيطة أقوى من التعليل بالعلة المركبة. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ فسر بوجهين: أحدهما: (أَحْصَاهُمْ) أي جمعهم، (وَعَدَّهُم) أي عد لعادهم؛ فعلى هذا الإشكال في الآية كالجمع لَا يستلزم العدة التي في أحصاهم أي علم جملهم وعدتهم؛ أي علم آحادهم، فيرده السؤال: وهو أن العلم بالجملة يستلزم العلم بالآحاد كما هو عند البصريين، فلا فائدة في قوله (عَدَّهُم)؛ فالجواب: أنه أتى به تنبيها على مخالفة القديم المتعلق بالجملة. قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ مع [أن*] المؤمنين يقع بينهم محض التباغض، فالجواب: إما بأن التردد موجود منهم لا في كلهم؛ ألا ترى أن ملة إبراهيم كل أحد يحبها. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أخذ منه أنه ليس في القرآن أعجمي. ابن ريحان: إنه يؤتي فيه بالعجمي ويكون مدلوله عربي. قوله تعالى: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ).

مريم 19:98

يحتمل الخصوص بمعنى الإشارة إن حصل التقوى بالفعل، والنذارة لهم أجمعين، فيقال للشخص: إن كنت تقيا؛ قلت: هذا وإن خالفت عوقبت بعده؛ قلت: فتكون قضيته حقيقية. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ هذا على سبيل التسلية لنبيه ﷺ [لئلا يتطاول موتهم كثيرا*] (أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ). قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ). رد على [قولِ ابنِ مكِّي في] [تثقيف اللسان*] في قولهم: المحسوسات، [لحنٌ؛ إذ*] لَا يقال: "أحَسَّ"، وإنما يقال: ["حَسَّ"*]. قوله تعالى: (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا). الصوت الخفي، وإن لم يسمع لهم الصوت الخفي فأحرى القوي؛ لأن الرسل لا تكلمهم إلا كلاما خفيا، وهؤلاء الرسل ليس لهم صوت خفي، فأحرى ما فوقه. * * *

طه 20:1

سُورَةُ طه قوله تعالى: ﴿طه (١)﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) قال الزمخشري: فعل أمر؛ لأنه كان يقوم في التهجد على رجل واحدة، فأمر الله أن يطأها؛ أعني الأرض، فقيل: طه. قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ قال الزمخشري: اختار إمام الحرمين في الإرشاد أن جبريل عليه السلام فهم معنى الكلام القديم وعبر عنه للنبي ﷺ بألفاظ [حادثة*]؛ فالألفاظ حادثة والمعنى قديم. وذكر ابن التلمساني في شرح المعالم [اضطرابا*]، وأخبر أن جبريل عليه السلام تلقاه من اللوح المحفوظ ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: (لِتَشْقَى). قال الزمخشري: معناه التعب. قال ابن عرفة: بل هو مشقته شدة التعب، وأما التعب، فهو مأمور به؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ). قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ ابن عرفة: إن أريد ذات العلو فيصدق على جميعها، وإن أريد التي هي أعلى من غيرها، فإنما يصدق على فوق تلك القُمُر. قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ قال ابن عرفة: تأوله ابن عطية بوجوه: أحدها: صرف الاستواء إلى معنى [القهر*]، واختار عز الدين بن عبد السلام عدم تكفير من يقول بالجهة. قيل لابن عرفة: عادتك تقول في الألفاظ الموهمة الواردة في الحديث كما في [حديث الجارية*]، فذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم دليل عدم تكفير من يقول بالتجسيم، فقال: هذا صعب ولكن تجاسرت على قوله [اقتداء*] بالشيخ عز الدين؛ لأنه سبقني لذلك.

طه 20:6

قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من عطف الخاص على العام وهو من العام الباقي على عمومه. وكان بعضهم يقول: أكثر عمومات القرآن المشتملة على الأحكام الظنية مخصوصة؛ إلا قوله (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا). ويحكيه ابن الحاجب، وكان الطيبي يقول: بل مخصوص بالمسلم تكون أخته [**تائبة]؛ فهل [له*] أن يزوجها من مشرك [أو لَا*]؟ ففيها أقوال، [وإنما المجمع عليه لا تزوج*] المسلمة من المشرك. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ قال ابن عرفة والأكثرون: إن المراد بالأسماء المسميات، فالمراد بالأسماء السمع والبصر. ذكر الآبذي في [... ]، قال: والخلاف [... ]. قيل لابن عرفة: ذكر بعضهم الخلاف هل هو أسماء الذات باعتبار تعدد الصفات وأسماء للذات باعتبار الصفات، وقد وقع للفخر في المحصول كلام، فقال: إنها باعتبار الصفات خمسة وهي سقطة عظيمة، والصحيح عندهم أنه لَا يقال: إنما هو ولا غيره فلا يلزم عليه التعدد بوجه. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ ابن عرفة: والخبر إن كان غريبا يعبر عنه بالباء؛ كقوله (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) وما دونه يعبر عنه بالخبر أو الحديث، وقال في سورة (ص) (وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ) ولا أن هذه القضية [... ]. وأعجب من تلك فهلا كان الأمر بالعكس، فأجيب بوجهين: الأول: أن قضية موسى أخبر بها [في*] التوارة والإنجيل؛ فحصل لنا العلم بها فلم يكن فيها من الغرابة ما في قضية داود. الثاني: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن الخبر الذي يعلم بغرابته بالبديهة لا يحتاج إلى التعيين عنه باللفظ الدال على الغرابة. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾

طه 20:11

قال ابن عطية: أي [أحسست*]. ابن عرفة: يجعله على مبادئ الرؤية. قال الزمخشري: أبصرها إبصارا بينا لَا شك فيه. قال ابن عرفة: وقول الزمخشري أصوب لموافقته في أول الآية؛ في قوله تعالى: (رَأَى نَارًا) قال: وأبصر النار في شجرة عناب، وقيل: عوسج، وقيل: علقم. قال الثعالبي: وكل شجرة يخرج منها النار إلا شجر العناب. وكذلك نقل الزمخشري، عن ابن عباس في سورة يس، قال: ومن أمثالهم "في كل شجر نار واستمجد المرخ [والعفار*] "؛ فقطع الرجل منهما غصنين ليعصر منهما الماء ليعصر المرخ، وهو ذكر عليه [العفار*]، وهي أنثى فيخرج الماء. قوله تعالى: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ). (أَو آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) فإما أن يجمع بين ذلك بأن موسى قال جميع ذلك، ونقل إلينا بعض القصة في سورة وبعضها في سورة أخرى، وإما أن يجاب بما انفرد به اللخمي من جواز نقل المضاف بالمعنى مع أن المازري أنكر عليه الإنكار التام. قيل لابن عرفة: هذا الإشكال فيه؛ لأن جبريل عليه السلام نقله عن اللوح المحفوظ مكتوبا سورا كما هي في المصحف، فقال: يحتمل أن يكون يلقاه من الله تعالى فيرد الإشكال فيحتاج إلى الجواب، بما قلناه مع اثنين السؤال فيما حكاه الله تعالى عن قول موسى بألفاظ مختلفة، في قوله تعالى: [(لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) *] وفي غيره من الآيات بخلاف ذلك، فإما أن يكون بعضها أعم وبعضها أخص، ويكون موسى تكلم بالأخص في كون تارة لفظة، وإما أن يكون تكلم بأنه قال: مشتركة بين معان واستعمل فيها بناء على القول بعموم التصرف [... ] بعد مدلول وعده البعض الآخر، [... ] تطلق بينهما عموم وخصوص من دون وجهه، فلا يصح التعبير بأحدهما عن الآخر بوجه مع أن موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعليهما وسلم؛ إنما تكلم بالعبرانية؛ لأنه عجمي، ولا أن تكون الترجمة كلامه بما يراد به سواه. قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ... (١٢)﴾

طه 20:13

قال ابن عرفة: الذم بالأمر التصديقي والتصويري، فالتصديقي أكد بإن لأنها تأكيد لنفس [... ]. عنه، والتصويري أكد بأنا عبارة عن الذات [... ] لأنهما كانا من جلد حمار ميت، قيل: لأنه جعله قول الله تعالى. ابن عطية: والعرف عند الملوك [أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها*]. فقيل لابن عرفة: قد صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نعليه هو والصحابة، [فلما سلم، قام وإنزعهما*]، قال: إن جبريل أخبر أن فيها أذى، ومنع الصحابة من خلع نعالهم مع أن المصلي يناجي ربه، فقال: قضية موسى أشد وأغرب؛ لأنها [**أفعال سماع للخالق] هي أشد من مسألة [**المثليات] حيث لَا يسمع كلامه أو فعله، كان في أول الإسلام، قلت: [بل يجاب*] بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل من موسى عليه الصلاة والسلام، وقد تقرر أن من عادة الملوك أن كبراء أعدائهم وذوو المئات من رعاياهم إذا دخلوا عليهم لَا يغيرون من حياتهم شيئا، فالصالحين والفقهاء فيما يلزم من أمر موسى عليه الصلاة والسلام بخلع نعليه أن يجعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان [... ] هذا علينا في الصحابة حيث لم يفعلوا فعالهم فعل ذلك تلزمه بهم أنهم أشرف الأمم، واقتدوا بهم فيما فعل ذلك فاختلف لهم ذلك. قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قال ابن عرفة: [اختار*] بعضهم أن من خير بين شيئين [يعد متنفلا*] لكن الأصل الحقيقة. قوله تعالى: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى). قال ابن عرفة: استمع إنما يتعدى بنفسه؛ لقوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٧ - ١٨] ولم يذكرها ابن عصفور في الأفعال التي تتعدى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر، فيحتمل أن يتعلق بما يوحى، بقوله (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ)، قيل له: الفاء يمتنع تعلق ما بعدها بما قبلها، ورد بقوله

طه 20:14

تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، وقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، وسماعه الوحي كما قال إمام الحرمين من أنه كشفت في [الحجب*] حتى سمع الكلام القديم الأزلي؛ وهو كلام النفس كذلك قال إمام الحرمين، وسماع جبريل له. قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ في هذا دليل على إبطال عبادة النصارى وغيرهم القائلين في الأصنام ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ لأنه ما ذكر العبادة إلا بعد تقديم التوحيد؛ فشرط المعبود وحدانيته. قال ابن عرفة: وقوله تعالى: (فَاعْبُدْنِي) يحتمل أن يراه فاعتقد وحدانيتي، ويكون قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) من عطف الخاص على العام. قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قرئ بعضها بالفتح؛ أي أظهرها وأخفيها بالضم من الإخفاء. قال ابن عرفة: فيحتمل أن تكون القراءتان مختلفتين؛ لأن ما قارب الشيء له حكمه، والخفاء ضد الظهور؛ فمقاربة الإخفاء ضد مقاربة الإظهار، قال: ويحتمل أن يرجع المعنى واحداً ويكون أمر الساعة وسطا بين الإخفاء والإظهار؛ فهو مقارب لكل واحد منهما. قيل لابن عرفة: اعتبار الشارع بأمر الساعة أو باشتراطها ومقدماتها يرجح معنى الإظهار بالعلم عند وقوع أشراطها لَا قبل ذلك، وإذا ظهرت عند وقوع الاشتراط ينسخ عنها معنى، الخفاء والمتقدم إذا كانت خفية. قوله تعالى: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى). إما عام خصوص؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والمغمى عليه حتى يفيق من إغمائه، وإما أن يقال: بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، وقد ثبت أن شرعنا أخف من شرع موسى عليه السلام. قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ رتب معه الرد مع أن الصد ليس من فعله؛ فأجاب الزمخشري بوجهين: إما أنه من إقامة السبب وهو الصد مقام سببه وهو القبول، والانفعال.

طه 20:17

وإما من إقامة السبب وهو الصد مقام سببه؛ فلا تكن لينا في أمرك فيصدك عنها الكافر، أو فلا تقبل صد غيرك عنها. ابن عرفة: ويترجح الأول بأن ابن الخطيب رجح [إقامة السبب مقام سببه على العكس*]؛ لأنه من برهان اللم، وبرهان اللم أقوى من برهان الأول. قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ هذا الاستفهام تعظيم وتنبيه وأخر النداء والأصل تقديمه؛ لأنه إنما ذكرنا سببا لموسى، والأهم من القضية تقديم السؤال كما في يده، وقال هنا: (بِيَمِينِكَ) فعبر هنا باللفظ الأخص، وقال تعالى في آخر الآية (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) فنص باللفظ الأعم، فأجيب بأنه عبر هنا بالواقع بالفعل، والواقع: أن العصا كانت في يده اليمنى، وهناك أمر تكليفي لحفظ عنه فيه ليحصل له الأمن بأي يد شاء من يده، وقيل: لأن موسى دهش فلم يعلم يمينه من شماله، أو عبر له باليمين تكرمه لها وتشريفا، وأن المقصود إلينا من كل شيء تكرمه اليمين. قال ابن عطية، قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله غيب على موسى في إضافته العصا على نفسه، فقال: (أَلْقِهَا) لتزامنها العجب فتعلم أنه لَا ملك لك عليها وانتصاف إليك. قال ابن عرفة: كان بعضهم ينكر هذا بأن في الآية (بِيَمِينِكَ) فأضاف الله تعالى بيمينه إليه، فلذلك تجاسر هو أن تقوية عصاي، لأنها كانت في يمينه يعتمد عليها. قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾ انظر هذه العبارة عبارة ضعيفة، إضافة استحقاق ليتناول غنمه المملوكة له، والغنم التي كانت في المسترعى عليها فيما مضى. قال ابن عرفة: وكان شيخنا ابن الحباب يحكي عن بعضهم: أنه كان يقول أول [؍ ] أحد بالكوفة قول القائل عصاي.؍ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ قال: فائدة جعلها الآن حية لتدرب نفسه عليها، فلا يخاف منها بعد ذلك إذا صارت حية عند حضور السحرة بحبالهم مع فرعون عليه اللعنة. قوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾

طه 20:24

قال أبو حيان: لَا يصح أن تكون سيرتها مفعولا به؛ لأنه ظرف مكان مختص فرده إليه؛ لأن بعضهم حكى أن الطريق ليس تطرف مختص بل هي عام، وأجاب ابن عرفة بقوله تعالى: (سِيرَتَهَا الأُولَى) فلما أضاف وهي طريق مختصة به لأنها حالته الأولى كانت مختصة، قال: وهذا التكلف مع هذه الآية ليؤمن مع أنه قد حصل الإيمان حقيقة؛ لأن الله تعالى خلق في قلبه التصديق المعنوي، وما يجب له وما يستحيل في حقه؛ فالجواب بأن هذا تأسيس ليتدرب عليه فلا يستغرب ما وعده به ربه من كونها تسير حية في موطنه مع فرعون والسحرة، وإما بأن العلم الضروري قسمان: فمنه عام، ومنه خاص، وقد يكون العلم الضروري عند بعض النَّاس صورياً وهو في نفسه نظر فهذا يصح التكليف به وليس بتحصيل الحاصل. بخلاف الضروري الذي يعلمه كل أحد بالضرورة لَا يصح التكليف به. قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ). يحتمل أن يكون حياتها تخفيفا لصحة الإعادة بعد الموت، فلا يكون في الآية إشكال، ويحتمل أن يريد بالحية الثعبان فيقع الإشكال. كقوله تعالى: في الآية الأخرى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ). قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ قال ابن عرفة: عبر هنا بالذهاب، وفي غير هذا [قال، (أَرسَلنَاه) *]؟ فالجواب: أنه [إن*] اعتبر حال الرسول، قيل (أَرْسَلنَاهُ)، وإن اعتبر حال المرسل إليهم قيل اذهب [**ولقيناك]، أو نحوه؛ لأن لفظ الإرسال يقتضي التشريف. قوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾ قال ابن عرفة: هذا يحتمل أن يكون إنما أوحى عن إتيان الله تعالى به وذلك في الأولى، وحذف الفاعل هنا للعلم، وذكر في قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ... (٣٧) والمن: تارة يعبر به عن نفس النعمة، وتارة يراد به التذكير بنعمة تقدمت، كما في قوله تعالى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) فالمراد هنا بالمن نفس النعمة والتذكير بها تنبيه على أنها تفضل من الله تعالى، وأنه لَا يجب عليه شاء. قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ تقدم في آية [**القذف، آية (أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ)] لَا يليق ذكره هنا.

طه 20:40

قوله تعالى: (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ). حكى الإمام فخر الدين الخلاف في الراكب في السفينة؛ هل يتحرك بحركتها أو هو ساكن، وإنما يتحرك بتحرك السفينة، وكذلك قذف الصندوق في البحر هل هو قذف لما فيه أم لَا؟ قوله تعالى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ). أمر في معنى الخبر، وتقدم جواز ذلك وجواز عكسه؛ لكن كان أحدهما أبلغ من الآخر والصواب العدول عن المرجوح إلى الراجح، فيرد من السؤال هنا لما عبر بالمرجوح عن الراجح، ويجاب بأنه إنما عدل عن الأمر إلى صيغة الخبر إشارة إلى الحض على امتثاله؛ حتى كأنه واقع محقق فخبر عن وقوع، ويعدل عن الخبر إلى الأمر إشارة إلى أنه بما يطلب وقوعه، وهذا إذا كان مدلوله مستحسنا بخلاف ما إذا كان مستقبحا. قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ قال ابن عرفة: قدم قرور العين؛ لأنه من باب جلب الملائم، ونفى الحزن؛ لأنه من باب رفع المؤلم فهو نزف. قيل لابن عرفة: هما على طرفي النقيض فأحدهما يستلزم الآخر، فقال: لَا بل الأول سبب يقتضي دوام قرور العين، والثاني: نفي يقتضي دوام نفي الحزن، قال: ومذهب أهل السنة والحكماء أفعال الله غير معللة، ومذهب المعتزلة أنها معللة، وظاهر الآية أنها حجة للمعتزلة، والجواب بين الفرق وبين الفعل المعلل وبين فعل العلة، فالله تعالى فعل هذا وفعل علته على سبيل ربط الأسباب بمسبباتها، وأجاب بعض الطلبة أيضا: أن الممتنع إنما هو وجوب فعليتها فليس بممتنع عند الجميع. قوله تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا). قال ابن عطية: أي اختبرناك. قال ابن عرفة: هذه عبارة [... ] ممتنع في حق الله تعالى. وقال الزمخشري: أي فعلنا بك فعل الخير، وهو أصوب من كلام ابن عطية. قوله تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى).

طه 20:42

ابن عطية: أي جئت على مقدار محدود للنبوة التي أرادها الله منكم، ومنه قول الشاعر: نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا؍ كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر؍ قال ابن عرفة: هذا تشبيه قبيح ولفظه موهم لَا ينبغي التمسك به، وإن كان المعنى في نفسه صحيح، قلت: والبيت يمدح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقبله. [مِمن يعدُّك تَكْفِي فقدَ والدهِ؍ كالفرخ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَض وَلم يَطرِ؍ يَدْعُوك دعة ملهوفٍ كَأَن بِهِ؍ خَبَلا من الْجِنِّ أَوْ مَسًّا من النشرِ؍ خليفةَ اللَّهِ مَاذَا تأمُرُون بِنَا؍ لَسْنا إِلَيْكُم وَلَا فِي دَار منتظر؍ مَا زلتُ بعدَك فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي؍ قَدْ طَال فِي الحَيِّ إصْعَادي وَمُنْحَدِرِي؍ لَا ينفع الحاضِرُ المجهودُ بادِيَنَا؍ وَلا يعودُ لَنَا بادٍ عَلَى حَضِرِ؍ إِنَّا لنرجُو إِذَا مَا الغيثُ أَخْلَفَنَا؍ من الْخَلِيفَة مَا نرجو من المَطَرِ؍ نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا؍ كَمَا أَتَى رَبّه مُوسَى عَلَى قَدَر؍ هذي الأرامل قَدْ قَضَّيْت حاجَتَها؍ فمَنْ لحاجةٍ هَذَا الأرمل الذَّكَرِ*]؍ قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عرفة: ذكروا أنه لَا يلزم من العطف صحة وقوع المعطوف عليه، وهذا منه؛ لأنه لَا يجوز اذهب، فإن قلت: كيف؟ قال: قد جئناك بآية من ربك بعد قوله اذهب بآياتي، والجواب: أن الآية واحد بالنوع لَا بالشخص. قوله تعالى: (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي). هذه حجة لمن يقول أن الأمر للتراخي؛ لأن الأصل التأسيس وإلا كان يكون هذا تأكيدا، والجواب بأن الأمر اقتضى كون الذهاب على الفور والنهي عن التوالي في الذكر لَا في الذهاب، واختلف المتعلق على الفخر، والدليل أنه على الفخر، والدليل أنه على التراخي تعيينه بكلام آخر خوطب به، ولو كان على الفور لذهب موسى في الحال. ورده ابن عرفة بأن الأمر إذا عقب بكلام مبني له لَا يقدح في كونه على الفور. قوله تعالى: [(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) *] اقتضت هذه حصول طغيانه، وقال بعده: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥).. فاقتضت تلك أن طغيانه متوقع في المستقبل، وأجاب ابن عرفة: أن المتوقع دوام طغيانه، ويؤيده قوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).

طه 20:46

ابن عرفة: كان بعضهم يعارضها في قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، والجواب: أن الخوف عند رؤية الأشياء والخوارق كرؤية انقلاب العصا ثعبان، وحكى هذا خوف مما يصدر من فرعون. قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ فالمعية راجعة لقولهما: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) [؍ ]. إنها تحية فيؤخذ منه أنها استثناء التحية عند الانصراف، (رَبُّكُمَا يَا مُوسَى).؍ قال ابن عرفة: الأصل أن الفاء لَا تدخل أول الكلام لكن هذا جواب عن سؤال مقدر؛ أي إن كنت صادقا فمن ربكما. قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي من الأرض. الزمخشري: أراد خلق أصله منها وهو آدم عليه السلام، أن أصل خلقهم منها يستلزم خلقهم منها. ابن عرفة: هو على هذا مجاز فيتعارض فيه المجاز وإضمار، وقيل: إن الملك يأخذ من التراب مقدار النطفة التي يولد منها الإنسان، فيدربه على النطفة فيخلق من التراب، والنطفة معاً. قوله تعالى: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ). ظاهرة إعادتهم بأعيانهم؛ فيؤخذ منه القول بصحة إعادة المعدم بعيينه، وأنكره المعتزلة واحتجوا بعدم إعادة زمانه، ورد عليهم بوجود بقاء الأجسام في حال الحياة الدنيا سبعين أو ثمانين سنة مع انعدام زمانها الأول. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قال الزمخشري: إما أنه التسع آيات، أو آيات جميع الأنبياء لعلمه بها موسى. ابن عرفة: يلزم على الثاني استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن فرعون علم بعضها بالخبر الصدق. قوله تعالى: (فَكَذَّبَ وَأَبَى).

طه 20:58

فكذب موسى وأبى النظر في آياته وأدلاتها؛ فيكون تأسيسا. وإن قلت: أبى من الإيمان به كان تأكيدا. قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ يؤخذ منه أن دليل المستدل من شرط تمامه السلامة من معارضته بمثله؛ لأن موسى قبل ذلك من فرعون، ويؤخذ من الآية أن القاضي ما ينفذ الحكم إلا بعد الإعذار من الخصم. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ قال ابن عرفة: قال بعضهم: كيف عطف فجمع بالفاء؟ وقال: (ثُمَّ أَتَى) فعطف بـ ثم مع أن المناسب العكس؛ لأن الجمع لَا يحصل إلا بعد تردد ومهلة كبيرة؛ بخلاف الإتيان العاقب للجمع إنما يصدر من الشجاع، وأما الخائف الجبان فهو يقبع ويتأخر. قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ المناسب أن يقول: لَا تفعلوا فعلا باطلا، وأما الكذب فلا يناسب هذا المحل المعاندة والمعارضة بالفعل لَا في محل المقولة مع موسى، قال: والجواب: أنهم إذا عارضوه بالسحر فقد كذبوه بما جاء به. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ قال ابن عرفة: الآية حذف التقليل، إما أن تلقي فتكون أول من ألقى، وإما أن نلقي فيكون آخر من ألقى؛ لأنهم نادوا بين الإلقاء وبين أولية إلقاء ولا معادلة بينهما. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ إضراب إبطال عن التخيير في نفس المبتدي بإذن لهم في البداية وإذنه هو لهم في البداية، إما؛ لأنه علم أن اختيارهم في البداية، وإما لكونهم إذا بدءوا تفرغوا لنار جهنم ويأتونا بجميع ما عندهم من العلم، فإذا عارضهم أبطل حجتهم كلها ولا يبقى لهم حجة. قال الزمخشري: في الأعراف سوغ لهم موسى البداية إذ درأ بشأنهم، وقلت: مبالاته لهم وقعت بما كان مصدره ومن التأهب السماوي. قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى).

طه 20:67

قال ابن عرفة: السحر أطال فيه إمام الحرمين ولم يحصل من كلامه شيء غير تميزه بالخاصية وهو أنه الذي يمكن معارضته؛ والمعجزة لَا يمكن معارضتها. قال ابن العربي: قانون التأويل؛ السحر يقال فيه: أنه حقيقة لَا حق. وقال في المعارضة: السحر قول مؤلف يعظم فيه غير الله تعالى. قال ابن عرفة: والصحيح الذي كان يمشي لنا في حدة أنه أمر ينشئ عنه باعتبار قصد فاعله على أوضاع مخصوصة أثر خارق للعادة بذاته أو بنسبته إليه، فقوله: بذاته كالطيران في الهواء، والمشي على الماء؛ فإنه خارق للعادة بذاته، وقولنا: أو بنسبته إليه كالتمريض، فإن المريض بذاته أمر معهود، وإنما هو خارق للعادة بالتشبه إلى حدوثه عن فعال فعلها الساحر. قال: وحكى اللخمي عن ابن المواز فيمن يخيل أنه يضرب نفسه بخنجر، أنه يقطع به الحبل، أنه ساحر، فقيل: قال ابن عرفة: وكذلك غالب العجائبيين يفعل من أنه يزرع النفوس هو سحر أيضا، وكذلك الذي يخيل أنه يدخل في الكرة الصغيرة هو ساحر أيضا، والساحر يقتل شرعا؛ لأنه إن اعتقد حلية ما يفعل وتأثيره فهو كافر، وإلا فهو فاسق يجب قتله شرعا. قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ (خِيفَةً) يعني أدرك خيفة. قال ابن عرفة: الصواب عندي أن يقال: تصور خيفة؛ أي تصورها في ذهنه واستحضرها فقط؛ لأنه أدركها؛ لقوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، وهذا كما ورد في الحديث: أن الخطوات والسلوك التي تخطر بقلب الإنسان لا يصمم عليها معفو عنها. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ﴾ إن أريد به أنه أعلى من السحرة بالتفضيل مجاز، مثل: العسل أحلى من الخل؛ إذ ليس في فرعون -عليه اللعنة- علو بوجه. قيل لابن عرفة: فيدعي سيدي أبو محمد المرجاني، أن موسى عليه الصلاة والسلام إنما خاف لكونه سمع جبريل عليه الصلاة والسلام يقول للسحرة: تقدموا يا أولياء الله؛ فلذلك أوجس في نفسه خيفة.

طه 20:72

قال ابن عرفة: المناسب لهذا إن كان يفرح؛ لأنه يعلم أنه صدق وأنهم يؤمنون به، قيل له: إن اعتبر ظاهر الأمر يخاف، وإن اعتبر باطنه يفرح. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عرفة: إن راعينا ظاهر الآية فهي بينة واحدة؛ لأنهم لم يشاهدوا منه غير العصا، فجمعها لاختلاف حالاتها، كقوله: [فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلِّها*] وهو النجوم من غير [... ]؛ لكن ذكر المفسرون أنهم رأوا الجنة والنار واطلعوا على أمور دلتهم على صحة ما جاء به موسى، والمعنى لن [نؤثر*] تخويفك لنا على ما جاءنا به موسى من البينات. قوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ). صيغة أفعل للإهانة، وقالوا: (مَا) إما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية. قال بعض الطلبة: ويحتمل أن يكون ما نافية، واستعبده ابن عرفة؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فدل على إثبات مصابه في الدنيا. ابن عرفة: الظاهر هل هذا أمر تكميل مندوب إليه، أو أمر واجب ركن لَا يحصل الإيمان إلا به؟ والظاهر أنه مندوب، لقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) فلو أضمروا الإيمان ولم يقل هذه المقالة لإجزائهم؟ فأجيب بأن الإكراه عندهم يخلص من عهدة الواجب؛ لقوله تعالى: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) فدل على أن المكره مؤاخذ بإثم ما أكره على فعله. وقال الفخر ابن الخطيب الإمام الرازي في أسرار التنزيل: من عبد الله تعالى لينجوا من النار ويدخل الجنة فعبادته باطلة بإجماع. وقال: ابن [العربي*] في سراج المريدين: هذا مذهب المتصوفين، قال: والإخلاص عندهم أن يعبد لَا لجنة ولا لنار، قال: وهو عندي لَا يصح، وقال القاضي أبو بكر: هذا كفر وانظر ما قيدت به [؍ ] على صعيد واحد في كتاب البر والصلة.؍ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ قال أبو حيان: ما جعلها بعضهم نافية، ومن السحر متعلق بـ[يَغْفِرَ*]. ورده ابن عرفة بأن ما النافية لها صدر الكلام فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قوله تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾

طه 20:76

قال الفخر: الآية حجة لأهل السنة أن العاصي يدخل الجنة بالشفاعة؛ لأن مفهومها أن من آمن وعصى له الدرجات السفلى في الجنة. ورده ابن عرفة: لأن مفهومه أن الدرجات لمن آمن ومات عقب إيمانه وأنها ليست لأحد، أو يخلق الله تعالى لها قوما يعمرونها ليسوا من الجن ولا الإنس، كما ورد في آخر حديث مسلم. قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من الدرجات، وهو بدل الأعم من الأخص. قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ قال ابن عطية: كانوا يقولون لأي شيء وقع الاستئناف بالإنجاء من العدو، هلا وقع بإهلاك العدو بأن الإنجاء لَا يستلزم إهلاكه، قال: وأجيب: بأن الإنجاء من عدوهم يتضمن أنه أشرف على غلبتهم؛ بخلاف ما لو قيل: قد أهلكنا عدوكم، فإِنه لا يتضمن ذلك؛ إذ لعله أهلك قبل الاستيلاء عليهم والعزم عليه. قوله تعالى: [(وَوَاعَدْنَاكُمْ) *]. المواعدة لَا تكون بين الجانبين، وإما أن تكون من باب طارقت الفعل أو باعتبار الاعتناء بالوعد والتوفية. قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ رده الزمخشري لصفة الفعل. ابن عرفة: ويحتمل أن يرجع لصفة الإضافة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ هذا استنطاق وفيه عتب لموسى، وعبر عنه الزمخشري بلفظ الإنكار. ابن عرفة: وفيه قبح وإغلاظ وقلة أدب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال ابن عرفة: وعوتب موسى على تقدمه عليهم للمناجاة، وعلى استعجاله ذلك قبل بلوغه الميقات المضروب له، فأجاب عن العتب على التقدم؛ بقوله تعالى: (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)، وعن الاستعجال بقوله (لِتَرْضَى)؛ أي لترضى عني رضاء خاصا زائدا على ما لنا حصل لي منك؛ لأنه كان راضيا عنه. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾

طه 20:86

ابن عرفة: هذا مما يصحح قول المتأخرين: إن قد مع الماضي حرف تحقيق، لأنه لم يكن يتوفع الفتنة من قومه؛ لأنه توقعها لما فارقهم. قوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ابن عرفة: كان بعضهم يقول: تألم النفس وتلهفها إن كان على كل شيء يمكن تلافيه فهو غضب، وإن كان على أمر فات لَا يمكن تلافيه فهو أسف. قوله تعالى: (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي). قال ابن عرفة: الأصل في الفاء، والغالب أن يدخل على الحكم، مثل: سهى فسجد، ودخلت هنا على سبب الحكم؛ لأن إخلاف الوعد سبب في قول الغضب بهم. قوله تعالى: (أَمْ أَرَدْتُمْ). الإرادة إما على بابها، والمعنى إن فعلتم فعل من أراد حلول العذاب به، وإما بمعنى الشهوة وهو الميل إلى حلول الغضب بارتكاب أسبابه؛ فهي مجاز وعلى الأول يكون حقيقة. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ قال ابن عرفة: تكلم الزمخشري هنا كلاما حسنا يليق بمذهب أهل السنة، وقوله (جَسَدًا). قال مكي: له رأس. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن من شرط الإله الكلام. قيل لابن عرفة: يلزم عليه إثبات الكلام بالكلام، قال: هذا إذا قلنا: إن المعجزة تنزل منزلة صدق عبدي، وإن قلنا: إنها دليل على صدق الرسول فالأخذ صحيح. قال ابن عطية: هذه الحال لَا يخاف معها الحدوث والعجز؛ لأن هذه الحال لو حصلت لها وجبت كونه إلها. قال ابن عرفة: إنما يتم هذا [... ].

طه 20:90

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ... (٩٠)﴾ قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون في حسن الائتلاف: إن فتنتم به حاصلة موجودة لَا يحتاج إلى حصر الربوبية له فهلا كان الأمر بالعكس، قال: وأجيب به ليس المراد حصر الفتنة فيهم ولا حصرهم في الفتنة، وإنَّمَا المراد حصر فتنتهم في العجل له في حدوثه وعجزه، أما ظاهر ضروري معلوم بالبديهة على سبيل التوبيخ لهم والتصنيع عليهم، وإمَّا كون الرحمن ربا لهم فالحصر فيه أمر قد علم من خارج بما يقدر عندهم من الدلائل والمعجزات السابقة، وإما بأن المبتدأ لابد أن يكون أخص من الخبر أو مساويا له، فإن كان مساويا له فالحصر بين، وأن كان أخص فكذلك فقد استفيد الحصر بقوله تعالى: (رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ) قوله تعالى: (فَاتَّبِعُونِي). ابن عرفة: أي فبما نهيتكم عنه؛ بقوله تعالى: (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) أي اتبعوني في ترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري لكم بقولي: إن ربكم الرحمن فأمرتكم بعبادته. وقال ابن عطية: فاتبعوني إلى الطور الذي وعدكم الله إليه، وأطيعوا أمري فيما وعدتكم وذكرته لكم. قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ... (٩٣)﴾ فيتعارض فيه المجاز باعتبار زيادة لَا والإضمار، وفيها ثلاثة أقول ثالثها أنها سواء. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي... (٩٤)﴾ إنما نسب إلى أمه، كما ورد في الحديث الصحيح عن أم هانئ، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ابن أمي علي بن أبي طالب زعم أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، وكان علي بن أبي طالب أخاها شقيقا. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ إن قلت: قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) توكيد لاقتضائه الأول الحصر فلا فائدة في الثاني، والجواب: أن الأول مضاف إليهم فيقتضي حصر ألوهية الإله فيهم، ولا يلزم من كونهم لَا إله لهم غيره أن لَا يكون لغيرهم إلى الفعل لغيرهم ربا غيره، قيل

طه 20:100

لابن عرفة: خطاب المواجهة فيه خلاف، هل يعم بقياس التمثيل، أم لَا؟ فقال: القياس في الأمور التوحيدية ودلالة التمانع لَا يصح. قوله تعالى: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا). قال ابن عرفة: المناسب لدلالة التمانع وصف القدرة والإدارة. فلو عقبه بالعلم، وقال: عادتهم يجيبون: بأن الآية دلت على أن كل شيء معلوم لله تعالى، فلو كان هناك خالق غيره لكان غير معلوم بالاختيار، والآن الأول لَا يعلم ما يفعل؛ لأن العلم يتعلق علمه بما يفعله هو في نفسه خاصة. فيل لابن عرفة: قد اتفقا على أن المستحيل لَا يتعلق به قدرة، وإنه معلوم، فقولنا: كل معلوم يتعلق به القدرة لَا يصح؛ فثبت أن بعض المعلومات غير مقدور، فقال: الأصل أن العلم إنما يقع بما يفعله الإنسان في نفسه لَا يفعل غيره. قوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: وكذلك الجاهل يحمل فعل عم به الجهل، والمعرض عن الطاعة يحمل فعل الحرمان من ثوابها، كما أن الكافر يحمل وزر الكفر. قوله تعالى: [(إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) *] قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يقول: هذان القائلان كلاهما غير صائب في مقالته؛ لكن المقابل إن لبثتم [**الآن فسر العرب إلى الصواب ممن يقول]: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا)، قال: الجواب أن ذلك باعتبار قصد أيام التنعيم بالنسبة إلى أيام العذاب، أو إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ قال [... ] في شرح [... ]: أين ما وقع يسألونك فجوابه بغير فاء إلا هذا، وحكمته أن سؤالهم لم يقع وإنما هو على سبيل [الفرض*]؛ أي إن يسألونك عنها. وقيل: هو على تقدير شرط، وقول المفسر: إنه وقع أنهم سألوا بعد نزول الآية لا قبلها، قال: ويؤخذ من الآية جواز الخوض فيها؛ لأنه ليس بأمر تكليفي ولا اعتقاد إلا أن هذا إنما لَا يغني إلا أن يقال: إن هذا مما فيه اعتبار واتعاظ.

طه 20:107

فإن قلت: هلا قال: لَا عوج فيها فهو أبلغ من نفي رؤية العوج، قلنا: هذا إشارة إلى أن من قال تأمل ونظر لم يجد فيها عوجا؛ بخلاف أن لو قال الأعوج فيها لأوهم أن ذلك لم يتألم. قال الزمخشري: والعوج بالفتح في الحسيات وبالكسر في المعاني، وإنما أسندت معنى إلى الأرض وهي حسية إشارة إلى أنها وإن ظهر للناظر مستقيمة وقد تكون عند المهندس معوجة [فأتى*] بعبارة تقتضي نفي ذلك الاعوجاج؛ لأنه لم يظهر كل أحد صار كأنه معنوي. قوله تعالى: ﴿لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا﴾ أي ليست منحرفة إلي اليمين ولا إلى الشمال، معنى (أَمْتًا) أنها ليس فيها ارتفاع [ولا انخفاض*]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ إن قلت: هلا قال يومئذ يجيبون الداعي؟ فأجاب ابن عرفة بأن الاتباع أخص عن الإجابة فيستلزمها بخلاف ما كان العكس، فتأمل قوله تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١).. ، يتناول العصاة وخيبة كل واحد بحسبه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يستدل بها السني والمعتزلي؛ لأن ظاهرها جزء من الإيمان لَا يتم إلا به. قوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا). أي زيادة عليه سيئاته، (وَلَا هَضْمًا) أي ولا نقصا من حسناته، ومفهومها منفي بالعقل؛ لأن ظاهره أنه من لم يعمل صالحا يخاف الظلم والهضم، وليس كذلك، أو يقال: إن ذلك جاري على عرف القرآن؛ أي إذ لم يذكر قسم الكافر ومن آمن وعمل صالحا وبقى الباقي مسكوت عنه. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ إن قلت: يؤخذ منها جواز اجتماع [علوم*] ثلاث، فيجاب بأنها مختلفة المتعلق؛ لأن متعلق كل علم متعلق العلم الآخر فيصح الاجتماع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ فإن قلت: هلا قال: أن لك أن تشبع فيها وتروى، فالجواب: أنه إشارة إلى تعقيب الشيء بضده؛ لأن شقاؤه بضدها؛ وهي نفي الجوع والعري عنه، [وقرن*] الجوع

طه 20:121

بالعري؛ لأن المتأكد على الإنسان المشق عليه أكله وكسوته، وأما الماء متيسر عليه، وكذلك الوضع الذي يسكن فيه متيسر، فيسكن إلى حائط أو في غار أو خباء أو نحوه. قال الزمخشري: وقرئ وأنك، ثم أورد سؤالا، ثم عطف (وَأنَّكَ) على (ألَّا تَجُوعَ) وأنت لَا تجوز أن تقول أن زيد منطلق والواو نائبة مناب تكرير أن، ثم أجاب بأن [الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن أنّ، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة -كإن- لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إنّ وأن*]. قال ابن عطية: وكان العرف أن يقرن الجوع بالظمأ، والعري بالضحى إذ العري يمس بسببه البرد فيؤدي، وكذلك الضحى يفعل ذلك بالضاحي، ومنه قول امرئ القيس: كأني لم أركب جوادا للذة؍ ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال؍ ولم أسبأ الزقّ الروي ولم أقل؍ لخيلي كري كرة بعد إقفال؍ قال ابن عرفة: حكى ابن عزون السجلماسي في تأليفه في البيان: أن المتنبي أنشد في مجلس الأمير سيف الدولة بمحضر الأدباء. تمرّ بك الأبطالُ كلمى هزيمةً؍ ووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ؍ ضممت جناحيهم إلى القلب ضمّةً؍ تموت الخوافي تحتها والقوادِمُ؍ وأنكر عليه الحاضرون ذلك بعد ما وعده الملك بجائزة عظيمة، وقالوا له: عكست التشبيه وأدخل رأسه في طوقه ساعة ثم استشهد بقول امرئ القيس: فأدخل رأسه في طوقه؍ وفكر ساعة ثم استشهدا؍ على عكسه التشبيه بقوله تعالى: وزاده إلى جائزته (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) الآية، فسكت الحاضرون، فقال سيف الدولة: الله أكبر وزاده في جائزته التي كان وعده بها خمسين دينارا. قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا... (١٢١)﴾ إنما عوقب بها؛ لأن التعري وكشف العورة يظهر لكل أحد؛ بخلاف الجوع والعطش فإنه أمر خفي لَا يعلم به إلا صاحبه. قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).

طه 20:123

قال ابن عطية: إما أنه [نهي*] أن يأكل من شجرة معينة وتركها وأكل من شجرة أخرى من جنسها، وقيل: إن النهي إنما كان على جهة الندب لَا على التحريم. ورده بعضهم بأن العصيان إنما يصدق على فاعل المحرم، وأجاب بعضهم بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، بأن العصيان كان يطلق عندهم على فعل ما لَا يجوز فعله. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ عقبه بالفاء إشارة إلى أن العداوة سبب في الهداية أو عداوته سبب في أن ينبعث إليهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق. قال ابن عرفة: وهذه الآية عندي دالة على أن بعثة الرسل محض تفضيل من الله تعالى وليست واجبة؛ إذ لو كانت واجبة كما يقول المعتزلة لقال: فإذا يأتيكم مني هدى، فعبر باللفظ المقتضي للتحقيق. قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ). إن قلت: لم أعاد الظاهر، وهلا قال: فمن اتبعه فلا يضل ولا يشقى، فالجواب: أن الهدى الأول عام؛ كقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، والثاني: خاص بدليل إضافته إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف؛ أي فمن اتبع هداي الموصول إلى طريق الحق. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ ولم يقل: عنه؛ لأن الإعراض عن ذكر الله يستلزم الإعراض عن الهدى بخلاف العكس. قوله تعالى: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ قال ابن عرفة: إن كان قوله في هذا حقا فهو دليل على أن العمى في العين وإن كان باطلا فهو عمى البصيرة؛ لأنه ادعى أنه كان سليم البصيرة، وهذا نظير قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ ونسيناك وهذا لَا يصح، فقال: قد يجمع بين العلة والمعلول في شيء واحد. قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾

طه 20:130

إن قلت: يلزم عليه تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المعرض هو المسرف؟ فالجواب: أن الأول خاص؛ لأن المعرض [عن*] الآية كفره أشد؛ لأنه سمع الآية وشاهدها، وأعرض عنها الآخر، فقلت له: ولم يسمعها ولم يذكرها فكفر من عاصر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم، ورأى آياته ومعجزاته أشد من كفر من لم [يرها*]، فلا يلزم من جزء المعرض ذلك الجزاء؛ أي يجزى به المسرف فهما متغايران تغاير الأعم والأخص، فأفاد الثاني ما لم [يفده*] الأول. قيل لابن عرفة: الإسراف فيه تجاوز الحدود، فلا فرق بين المسرف والمعرض، فقال: مجاوزة الحدود تحصل بمجرد الكفر. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ قالوا: (آنَاءِ) لجمع شيئين مثل عدل. قوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضَى). الترجي مصروفا للمخاطب. قلت: ذكر لي بعض الطلبة: أن بعضهم كان يقول عسى للترجي، ولعل للترجي، وذكروا أن الترجي في عسى أوجب، ولم يقولوا ذلك في لعل، قال: والجواب: أن عسى من أفعال المقاربة فتضمن الإخبار بقرب وقوع الفعل الذي دخلت عليه عسى، وخبر الله تعالى صدق واجب الوقوع لَا بد منه بخلاف لعل. قوله تعالى: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ... (١٣٢)﴾ أخذ الشيخ ابن عطاء الله منها تحريم التدبير في أمر الرزق [... ]. وقال ابن عرفة: أما في العقائد: فمسلم وأما غيرها فلا، وما في الآية ما يدل على أن الرزق يكون من غير سببه.

الأنبياء 21:1

سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام [السورة مكية بإجماع*]. ابن عطية. [اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ... (١) *] قال ابن [مسعود*]: هي والكهف، ومريم، وطه من [العتاق*] الأول؛ لأن فعل الخطأ غير مقصود، الثاني المتصل تقتضي تكليف الفصل، إشارة إلى أنه طالب له؛ كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)؛ أي طالب عليكم، فحيثما مررتم به حالة تفرون؛ فكذلك الحساب طالب للاقتراب. قوله تعالى: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ). ولم يقل: في إعراض غافلون، فعادتهم يجيبون بأن الغفلة أعم من الإعراض، والظرف أوسع من المظروف، فناسب أن تجعل الغفلة [ظرفا*] أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه لأنهما يشتركان في عدم الاهتداء، ويتنافيان في الذكر والمعارض ذاكر للشيء وتارك، [والغافل غير ذاكر*]. قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله (مُحْدَثٍ)؟ فقال: [سرعة إعراضهم*] عنه [بنفي*] نزوله؛ مع أن القول أول ما يسمع تتشوق النفس إليه وتقبله؛ بخلاف ما إذا تكرر. ولذلك قال الشاطبي في القرآن: [وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً*] ولا فرق عند أهل السنة بين [المحدث والحادث*]، وفرق المعتزلة بينهما وفسر الإحداث إما باعتبار نزولها وهو إشارة إلى أنه معجز باعتبار الحروف الدالة عليه وهي محدثة، وإما أن يراد بالذكر نفس الذاكر وهو الرسول. قوله تعالى: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ). ولم يقل: يسمعوه؛ لأن استمع أخص؛ إذ الاستماع يقتضي القصد إلى السماع، فإذا أعرضوا عنه بعد قصدهم استماعه فأحرى أن يعرضوا عنه إذا استمعوه من غير قصد إلى استماعه. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ... (٣)﴾ إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)؟ قلنا: إعراضهم عنه بالظاهر والباطل أعني بالفصل والنية، فهو إشارة إلى تجانبهم بقوتهم العلمية والعملية. قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى).

الأنبياء 21:4

ابن عرفة: (أَسَرُّوا) أي أخفوا النجوى إشارة إلى اختصاصهم بالحديث لبعض دون بعض، فليس فيه تكرار، ولا يرد السؤال الذي أورده الزمخشري بأن الإنسان قد ينفرد بالحديث مع بعض النَّاس، ويجهر فيه ولم ينفرد به ويسره له. وقال ابن عطية: (أَسَرُّوا) من أسماء الأضداد، فمعناه هنا اظهروا الحديث الذي كانوا أخفوه بينهم. قوله تعالى: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ). مذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام مساوون في [**الخلقة الجسمية]، ومذهب بعض الحكماء أنهم اختصوا بطبيعة مزاجية. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يقل: يعلم السر؛ لأن القول أعم يطلق على السر والجهر، ويطلق على اللفظي والنفسي، والسر لَا يطلق إلا على اللفظ. قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). دليل على عدم مغايرة صفة السمع تخص العلم بالمسموعات، والبصر يخص العلم بالبصريات والعلم عام في الجميع. قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ قال ابن عرفة: إن كان هذا الإضراب إضراب انتقال فلا كلام، وأما الإبطال فعادتهم يقولون: إن كان المضرب عنه نفس القول فهو إبطال، وإن وقع بما هو باطل، وإن قلنا: الإبطال لَا يصح إلا بالحق فهو إضراب انتقال، وإن قلنا: الإبطال يصح أن يقع بالحق وبالباطل فهو إضراب باطل. قوله تعالى: (بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ). هذا ترق قولهم: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) أشد من قولهم فيه: إنه ساحر، وقولهم: إنه مفتر أشد من قولهم (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وقولهم (شَاعِرٌ) أشد؛ لأن الشاعر غالب أمره يقول ما لَا يفعل. قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ معناه: أن العادة جارية في الأمة المحفوظة، أنا إذا أتيناها على يد الرسول ولم يؤمن به قومه، فإنا نعاجلهم بالعقوبة، وهؤلاء بحالهم كذلك [**لَا قالوا: سمعناهم لمرادهم]، [ما آمنوا*] فيكون ذلك سببا لإهلاكهم عاجلا.

الأنبياء 21:7

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ قال ابن عرفة: من شرط الرسالة نفي المانع منها ووجوب المقتضي لها. قالوا: الكفار ادعوا وجود المانع من الرسالة، وهو وصف البشرية بقولهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)؟ فطلبوا إثبات المقتضي لها بقولهم: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) فرد عليهم في دعواهم وجود المانع؛ بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) إشارة إلى أن الرسل المتقدمة من البشر، فهم من جنسها. قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ). يؤخذ منه أن [التواتر*] يفيد العلم وإن استفيد من الكافر. فإن قلتم: بخت نصر، قد استأصل اليهود وأهلكهم، قلنا: لم يستأصل جميعهم وبقى عامتهم وليس [التواتر*] مستفاد منهم فقط؛ بل منهم ومن النصارى، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وتركنا من قومهم كذلك؛ لأن الرسل قد أهلك من قومهم كثير، قال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) ويحتمل أن يراد بالإهلاك هنا الاستئصال، ولا شك أن هلاك الاستئصال خاص بالكفار ومن أهلك من المؤمنين فهلاكه غير مستأصل. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ هداية عليهم في قولهم (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ). قوله تعالى: (فِيهِ ذِكْرُكُمْ). إما أن يراد فيه ذكر شرفكم، أو فيه تذكيركم المواعظ، أو يراد المعجزات. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ قال الزمخشري: لو أردنا اتخاذ اللهو اتخذناه من جهة قدرتنا لأني على كل شيء قدير. وقيل: اللهو الولد بلغة [اليمن*]، وقيل: المرأة. قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد حقيقة المرأة، وحقيقة الزوجة المنكوحة، أو يراد ابن التبني والزوجة المعاشرة غير المنكوحة وهو الظاهر؛ لأن الولد مستحيل عقلا وما ينفي إلا ما هو [قابل لأن يكون*]، ويشترط أن يكون ابن التبني على قسمين:

الأنبياء 21:18

تارة يقصد به مجرد الرحمة له والشفقة عليه، وكذلك الزوجة [فهذا*] ممكن هنا عقلا فيصح دخول النفي الشرعي عليه. وتارة بقصد التلذذ به وبالزوجة، فهذا محال هنا عقلا، فلا يصح نفيه إذ لَا فائدة فيه. قال ابن عرفة: وهذا الأولى أنهم ذكروه لما قلناه: لكن هو المناسب بسبب نزول الآية، لأنهم ادعوا نسبة الولد والزوجة إلى الله تعالى بدليل قوله في الآية: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفونَ). قال ابن عرفة: وكان بعضهم يفسر هذه الآية بمعنى آخر وهو أن الإقبال على ما لا فائدة فيه، إن كان لقصد شغل البال به عن شيء آخر فهم [لهو*] وإلا فهو لعب، فأتت الآية [ترد على المعتزلة*]، في إيجابهم مراعاة الأصلح عقلا، فقال الله تعالى (لَو أَرَدْنَا أَن) نخلق شيئا لتحصيل منفعة أو لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا [مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِنَا*] [بعيدا*] عما [يجلب*] المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها [وإننا لم نخلق شيئا عبثا*] بل [خلقنا*] كل نوع من النبات والحيوانات والجماد لمنفعة ومصلحة علمها من علمها وجعلها من جعلها فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا بهذه الشرطية وأسلم به سمعا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: [(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) *]، ولذلك لاتخذناه من لدنا في أنفسنا لاستغنينا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأنت لَا يجوز لك أن تقول: قم إن قمت، ولا تقول أو أردت القيام قم إن قمت، ؛ لأن الشرط عين الجزاء فلا فائدة في الجزاء، قال: قلت: إن لازم الشرطية الأولى منفي فلذلك دخل عليه الشرط في الثانية. قوله تعالى: ﴿فَيَدْمَغُهُ... (١٨)﴾ هذا تشبيه أمر [معقول*] للمحسوس. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

الأنبياء 21:20

غلب فيه العاقل على غيره؛ أي إذا ملك العاقل فأحرى غيره، فيدخل فيه السماوات والأرض، ؛ لأن ملك المظروف يستدعي ملك الظرف. قوله تعالى: (لَا يَسْتَكبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ). أي لَا يطلبون الاستكبار. ابن عرفة: ومنهم من قال استفعل إذا لم يكن للطلب، فيكون للمبالغة أي لا يبالغون في التكبر، ولا في التحسر. وأورده الزمخشري: كيف نفى الأبلغ دون ما تحته، وأجاب بأنه لو فرض هناك آخر فما كان إلا بعد الطلب. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ قيل لابن عرفة: استدل بعضهم بقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، فظاهره أن الملائكة يستقلون باللعنة ولا يسبحون، وأجيب باحتمال، وأجيب أيضا بأن تقول لعنهم يسبح. وأجاب ابن عرفة ناقلا عن عز الدين ابن عبد السلام بأنه لَا مانع لاجتماع الأمرين على الخبر الواحد واحدا وهو جواب حسن. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ ابن عرفة: إما بمعنى جعلوا واتخذوا الله إبراهيم خليلا أو بمعنى سيروا. قال: [(أَم) *] هنا منقطعة بمعنى بل، والإضراب بها انتقال؛ لأن فيها وله من في السماوات والأرض، وهذا لَا يصح إبطاله. قوله تعالى: (هُمْ يُنْشِرُونَ). النشور الإحياء، يقال: وأنشر الله الموتى ونشرها (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)، وقال تعالى (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). وقال الزمخشري: إن قلت: ما أفاد بقوله (هُمْ)، قلنا: أفاد الخصوصية؛ أي اتخذوا آلهة من الأرض [لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم*]. ورده ابن عرفة: بأن أم مقدرة بـ بل، والهمزة، فهو استفهام في معنى النفي فلا يصح جريانها على الفعل من البناء على المضمر للاختصاص، ؛ [لأن نفى اتخاذهم آلهة

الأنبياء 21:22

[مختص*] بإحياء الموتى لَا يلزم منه نفي [اتخاذهم*] آلهة مشاركة لغيرها في إحياء الموتى*]، مع أنهم ادعوا المشاركة؛ [كقوله] تعالى: (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالصواب حملها على ما أجاب به الزمخشري: في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ)، لما رآها مصادفة لمذهبه. قال: إن الضمير لمطلق الربط؛ كقوله: هم يفرشون لك كل مضرة، وهذا أفاد كمال الملازمة كما يفرق بين قوله زيد ناطق زيد كاتب. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي لو وجد فيهما آلهة غير الله، وليس المراد به الكون في السماء والأرض لئلا يلزم عليه كون الله في السماء، وإنما المراد الوجود كما قال الزمخشري في حديث سودة حين قال لها النبي ﷺ وعلى آله الطيبين وسلم: أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، فقال لربها: أعتقها فإنها مؤمنة. قال: مرادها نفي الإلهية الأرضية التي هي الأصنام لَا إثبات السماء مكانا [لله عز وجل*]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ابن عرفة: يؤخذ منه جواز أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، قيل لابن عرفة: كيف يستقيم أن يقال: وهم من [خوفه*] خائفون؛ لأن الإشفاق هو الخوف، وأجاب ابن عرفة: [بإن الإشفاق أخص*]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ قيل: فتقنا السماء بالماء والأرض بالنبات، وقيل: غير ذلك. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يراد بقوله (كَانَتَا رَتْقًا) أنهما كانتا جوهرا واحدا (فَفَتَقْنَاهُمَا)؛ بخلاف الأعراض، وهذا جار على مذهب أهل السنة في أن الجواهر كلها عندهم متساوية في الحد والحقيقة، وإنما تختلف بالأعراض. وأورد الفخر: أن الرؤية [إما أن تكون بصرية أو علمية*]؛ لأن الكفار لم [يروا*] ذلك ولا علموه، وأجاب: بأنهم علموه من [التوراة*] والإنجيل. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾

الأنبياء 21:34

قال ابن عرفة: فيها رد على الحكماء القائلين بأن الأرض في مركزها الطبيعي لما احتيج إلى إرساها بالجبال خوفا أن تميد بهم، إذ لَا تميد إلا إذا لم تكن في مركزها الطبيعي. قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ إن قلت: لم عبر بإن دون [إذا*] مع أن موته محقق؛ فأجاب بأن الملازمة غير محققة، وهي ملزومية موته لخلودهم. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [إنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ*] بالقديم لقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)، وقوله تعالى: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) دليل على أن الموت أمر وجودي، وعلى أن النفوس باقية بعد الموت بإبقاء الله تعالى؛ لأنها إذا ذاقت الموت فهي ذائقة. قال ابن عرفة: والعدم لَا يذوق موتا. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ قال ابن عرفة: لم عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني بالاسم، وهلا قالوا: أتيت بحق أم أنت من اللاعبين، أو كان يقال: أجئتنا بالحق أم جئتنا باللعب، أم أنت من اللاعبين، الثاني: أنهم قصدوا تحقيق كونه من اللاعبين، وأنه أمر ثابت عندهم ولازم الإتيان بأنه بحق أمر مشكوك فيه عندهم غير ثابت. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا﴾ قال [ابن هشام المصري*]: هو محتمل [لإِرَادَة الِاسْتِفْهَام*] الحقيقي بأن يكون لم يعلموا أنه الفاعل [ولإرادة*] التَّقْرِير؛ [بأن*] يكونوا قد علموا، [ولا يكون استفهاما*] عن الفعل [وَلَا تقريرا بِهِ*]؛ لأن الهمزة [لَم تدخل عليه*]، ولأنه عليه السلام قد أجابهم بالفاعل بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ قيل: [(ما) *] نافية بالفعل، وهو علم تعلق، ويحتمل أن جملة النفي في موضع مفعول واحد [إن تَعَدَّتْ علم إلى واحد، وفي موضع مفعولين إن تَعَدَّتْ إلى اثنين*]. قال أبو حيان: ورد الأول بأنه إذا كانت تَعَدَّتْ إلى مفعول فخرجت عن علم الأفعال التي تعلق وصارت بمعنى صرف فلا تعلق.

الأنبياء 21:74

وأجاب ابن عرفة: بأن مراده بالتعلق. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ يؤخذ منها تجريح من شهد فيه أنه رجل سوء. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فعاقبهم بالغرق، وقد كان الفقيه ابن إسحاق إبراهيم ابن عبد الرفيع جرح بها بعض في مرأى لما شهد فيه بذلك الفقيه عبد الله المراجلي. قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عطية: ذكر القصص في القرآن إما تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم، وإما تخويف لقومه، وذلك بحسب الواقع. قال بعضهم: [ولذلك لم تتكرر قصة*] يوسف عليه الصلاة والسلام؛ لأنها خارجة عن القسمين. قال ابن عرفة: أو يقال: إن الأصل عدم التكرار؛ فهي واردة على الأصل ولشهرتها؛ فلذلك لم يتكرر بخلاف غيرها من القصص لأنها لم تشتهر كشهرتها والعامل في (وَنُوحًا) [مضمر تقديره اذْكُرْ أَيْ وَاذْكُرْ قصة نوح*]، أو [آتينا*] نوحا، ورده أبو حيان. وأجاب ابن عرفة بأن هذا الإتيان خاص. وكذلك [اذْكُرْ*] ورده بعض الطلبة؛ بأن آتينا الأول أعم، وليس فيه خصوصية عما تقدم، فيكف تكون هنا خاصة. فأجاب ابن عرفة: بأنه لَا مانع بأن يكون تقولا بالتشكيك، فهو [خاص*] وأخص ونادى بالدعاء في قومه، فقال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا). قوله تعالى: (فَنَجَّيْنَاهُ) تفسيرا لما وقعت به الإجابة. فإن قلت: لم قال: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ... (٧٧).. ، ولم يقل: ولم (وَنَصَرْنَاهُ) على القوم؟ قلت: أجيب بثلاثة أوجه: الأول: لابن عطية: نحن نصرناه يعني خلصناه وعصمناه؛ لأن هذا الأمر ليس من سببه ولا له تكسب بوجه ولا قدرة على [إغراقهم*]؛ بل لَا قدرة له على تخليص نفسه منهم. ورده السفاقسي بأن هذا مرادف له. قال ابن عرفة: هذا لَا يليق به؛ أي لَا يضمن الفعل إلا معنى فعل غير مرادف له في المعنى. الجواب الثاني: قال الزمخشري: نصر مطاوع النصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق يقول: اللهم انصره منه، أين تقديره عدى بمن كما عدى انتصر بها. ابن عرفة: ويراد بأنه لَا يلزم من تعدي فعل بحرف تعدي فعل بحرف تعدي غيره به، والصواب تقديره بأن فعل المطاوعة لازم للفعل الذي جعل مطاوعا له، فانتصر لازم لنصر، وما عرض للازم فهو عارض [لملزومه*]، واستدلال الزمخشري بما سمعه وتركه الاستدلال بالقرآن ضعيف بجواز كون الهذلي ممن لَا يوثق بعربيته، ولفظ القرآن أوثق من شعر الآحاد، وهو في القرآن كذلك [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ*]. قلت: وقال ابن عرفة: كلام الزمخشري مردود بوجهين: الأول: أن كلام الله [لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ*] [لا إشكال فيه كما في الآية*]. الثاني: أنه ترك الاحتجاج بالقرآن، وهو قوله تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُم)، قال: تقدير كلامه أنه يقول: نصر مطاوعه أن يتعدى بـ على ومن، فكذلك يتعدى [إذ كل ما لزم الأعم لزم الأخص*]. ورده بعض الطلبة بأن نصر يتعدى بنفسه، والنصر قاصر، فبطل قولهم كل ما لزم المطاوع لزم مطاوعه. وأجاب ابن عرفة بأن عدم التعدي أمر عادي، وكل ما انتفى عن الأعم لَا يلزم أن ينتفي عن الأخص، إنما اللزوم بينهما في الثبوت لَا في العدم. قال: وكان بعضهم يقدر كلام الزمخشري بأن الأعم الأغلب في نصر، إنما يرد فيمن عاقب من ناوأه من غير أن يتقدم له عليه ذنب يستحق به العقوبة، قال تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ). قال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقد وقعت هنا نصر فدل بمعنى أنها انتصر فهذا الذي حمل الزمخشري على ذلك الجواب.

الأنبياء 21:78

قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ). [**نصرا على أنه إذا خرج باللفظ عمل عليه مثل هو أذن، وشارب خمر وقاطع طريق، وإذا خرج بلفظ منهم مثل شرير ونحوه، فلا شيء فيه إذ فعله شرير في استخلاص حقه، وإن قال: هو رجل سوء، فإن كان القائل عدلا فقيها لم يستفسر ولا استفسر على أن فيه خلافا]. قوله تعالى: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ). قال ابن مالك: أكثر ما يقع أجمعين تابعا لغيرها عن ألفاظ التوكيد. ورده السفاقسي بهذه الآية؛ مع أن ابن مالك لم يقل: أنها لم تقع إلا معها؛ بل قال إنه الأكثر فيها، ويحتمل أن يكون أجمعين هنا حالا، فلا يكون بينهما دليلا عليه. وقوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ... (٧٨) الثانية بدل من الأولى بدل اشتمال. ابن عرفة: قال بعضهم: إذ يحكمان في شأن الحرث إذ نفشت. قال ابن الحاجب: [المسألة التي لَا قاطع فيها*]. قال القاضي الباقلاني: [كل مجتهد فيها مصيب*]، وحكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد. وقيل: [الْمُصِيبُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ*]، فقيل: إن لله تعالى في كل قضية حكما دليلا عليه، فإذا صادف المكلف كان [كَدَفِينٍ يُصَابُ*]. وقال الأستاذ أبو بكر ابن فورك، وأبو إسحاق الإسفراييني: دليله ظني لمن ظفر به فهو [المصيب*]. وقال الليثي والأصم: دليله قطعي والمخطئ آثم ونقل عن الأئمة الأربعة التصويب والتخطئة، فإن كان فيها قاطع فقصر فهو [مخطئ آثم*]، وإن لم يقصر، فالمختار أنه مخطئ غير آثم. ثم قال ابن عرفة: وعادتهم يستشكلون القول بأن لله تعالى في القضية حكما لا دليل عليه، وهو كدفين، قالوا: لأنه يلزم عليه أن يكون بعض أحكام الشريعة لَا دليل عليه وهذا باطل، فأجاب بعض الطلبة بأن المراد لَا دليل على تصوره وتصويبه. وقال بعضهم: القول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي ثبوته إلى نفيه؛ لأنه يقول: من قال المصيب واحد؛ لأن هذا القائل من [جملة مجتهدين*] فهو مصيب، وأجيب: بأن ذلك في الأصول والعقليات والعقول بأن كل واحد مجتهد مصيب إنما هو في الفروع والأحكام الشرعية. قال ابن عطية: ذهبت فرقة إلى أن المصيب في العقليات واحد والحق في طرف واحد فمن صادفه وأصابه [فله أجران*] ومن لم يصادفه فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في عدم الإصابة، وله أجر واحد وهو [غير معذور*]. قلت: واستشكله ابن عرفة؛ لأن قوله [غير معذور*] يقتضي أن عليه الخروج، فكيف يقول الإثم عليه؟ وأجيب: بأن مراده بعدم عذره أن يسميه مخطئا؛ لأنه يثبت عليه الخروج. قال ابن عطية: ويؤخذ من قوله ﷺ وعلى آله وسلم: "كل مجتهد مصيب" العالم [يجتهد*] فيخالف نصا؛ كقول سعيد بن المسيب في المطلقة ثلاثا: أنها تحل لزوجها بمجرد عقد الثاني عليها النكاح وطلاقه إياها. ابن عرفة: حقه أن يفرق بين أن يقصر النظر أو لَا؛ كما تقدم لابن الحاجب. فإن قلت: ابن المسيب لم يقصر النظر، فكيف حكم بالحيلة؟ قوله ﷺ وعلى آله وسلم: "لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ": فالجواب: أن ابن المسيب قصر في طلب الحديث: فلو بحث عنه [لعثر عليه*]؛ لأنه قصر في النظر فيه، لأنه نص [جلي*]، قال ابن عطية: وداود وسليمان عليهما السلام توصلا إلى ذلك إما بوحي، أو اجتهاد منهما. ابن عرفة: أو أحدهما بوحي والآخر باجتهاد، ومن هو الموحى إليه منهما فجاءت القسمة رباعية، ويدل على أنه باجتهاد. قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). [قال الفخر: الإدراك والعلم والشعور*]، والفهم بمعنى واحد. وكان بعضهم يرد عليه ويقول: الفهم يقتضي النظر والبحث، فدل قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، على أنه تروى في القضية ونظر واجتهد. قوله تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)

الأنبياء 21:80

قال ابن عطية والزمخشري: إنما جمع الضمير؛ لأن المراد الحاكم والمحكوم عليه لهما، واحتج بها ابن التلمساني على أن أقل الجمع ثلاثة، وأجاب: عن إرادة الجمع بأن يلزم عليه أن يكون موضع الضمير [رفعا ونصبا*] في حالة واحدة وهو باطل. وأجاب بعضهم بأن الممتنع من ذلك إنما هو الأمور اللفظية الواقعة، وأما الأمور التقديرية فلا يمتنع أن يكون الموضع على تقدير نصبا ورفعا على تقدير، ولم يأخذ مالك بحكم أحد منهما. قال ابن عطية: (وَدَاوُدَ) معطوف على [وآتينا*] ورده بعض الطلبة بلزوم التكرار* لأن قوله تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) يعني معه، وأجيب: بأنه عطفهم عليه ينفي عنهما النقص المتوهم في الحكومة في هذه القضية، وأفاد قوله تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) حصول ذلك لهما بالإطلاق في كل قضية. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ قال ابن عرفة: اختلالفوا هل يستثنى الله من هذه الأفعال اسم أم لَا؟ كقوله تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ)، فمنهم من أجازه فيما ليس فيه إيهام ومنعه في الموهم، فلذلك يقول الحكام: العلم الأولى يصفونه بالأول؛ لأنه موهم واختلفوا هل يطلق على هذه الصنائع المختصة بشيء دون آخر كالخياطة والتجارة علم أو لَا؟ وكذلك المنطق والنحو اختلفوا هل هو علم أو صناعة؟ قوله تعالى: (مِنْ بَأْسِكُمْ). يحتمل الإضافة للفاعل والمفعول. وكان بعضهم يقول: إن أريد التأثير أثر الضرب والطعن والإضافة للمفعول، لأنها أخص من ذلك. قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ). عبر بالاستفهام دون صريح اللفظ بالشكر؛ لأنه أبلغ والمخاطب لَا يهتم إلا بالموافقة [بخلاف*] الأمر بالشكر؛ لأنه قد يمتثله فيخالف، ويحتمل أن يريد (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) داود وشاكرون الله تعالى، فيؤخذ منه أن [شكر النعمة*] يستلزم شكر من تسبب فيها، فأنعم بها عليك*]. قوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾

الأنبياء 21:83

مع أنك إذا قلت: فلان يحمل الصخرة ويحمل الرطل لم يكن له فائدة، ؛ لأنه إذا حمل الثقيل فأحرى أن يحمل ما دونه، وأجيب بأن المراد ويعملون عملا [غيره*] (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)، ويكون المراد أنهم نوعان: نوع يغوص، ونوع يعمل عملا آخر. فرده ابن عرفة: بأن ذلك بعيد من لفظ دون، قال: والجواب الآخر يحتاج إلى إضمار. قال: وإنما عادتهم يجيبون بأنه إن جعلنا اللفظ باعتبار القوة والقدرة فهو تكرار كما قلتم، وإن جعلناه باعتبار الامتثال والطاعة فهو تأسيس، لأن من يطيعك في حمل الثقيل قد تأنف نفسه عن طاعتك في حمل الخفيف لكونه يستحقره؛ كقولك: يتآزر الجيش العظيم [ويجعل*] للسلطان فعله إذا جلس، فهذا ليس بتأكيد، وإنما هو تأسيس لهذا الاعتبار. قوله تعالى: (لَهُمْ حَافِظِينَ). هذا احتراس، أي حالهم مستعدين في أمورهم لئلا يأتون على غير الوجه المراد منها، فهو إشارة إلى أن جميع الأشياء بخلق الله وقدرته. قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ولم يقل: لحقني أو أصابني مع أن المس أخف، وقد طال زمن، فمر هذا إشارة إلى أن هذا بالنسبة إلى غيره كالمبدأ، وهذا على جهة التلطف منه في الدعاء، ولذلك لم يقل فارحمني. قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ... (٨٤)﴾ هذا العطف على جهة الترقي؛ لأن كشف الضر أمر حاجي ضروري، إذ هو من دفع المؤلم، فآتيناه الأهل والمال أمر تكميلي، ؛ لأن من جلب الملائم فأعطاه الأمر التكميلي بعد الأمر الحاجي أقوى وأبلغ، قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في سورة ص (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فذكر السبب في كشف الضر هنا، لم يذكر له سببا، وقال تعالى هناك [(رَحْمَةً مِنَّا) *]، وقال هنا (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)، وقال هناك (وَذِكرَى لأُولِي

الأنبياء 21:85

الأَلْبَاب)، وقال هنا (وَذِكرَى لِلْعَابِدِينَ)، فأجاب بأنه أسند الفعلَ هناك للشيطان، قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) أشعر أن وقوعه به كان سببا، أن يقرن رفعه بسبب وهنا لم يذكر لنزوله به سببا فلم يقرن رفعه بسبب، وإن كانت القضية واحدة لكن هذا في الحكاية عنها، وقال هنا (ذِكرَى لِلْعَابِدِينَ)، لأنهم أعلى درجة من أولي الألباب، ؛ لأن أولي الألباب إن تذكروا صاروا من العابدين، وإن لم يتذكروا لم يكونوا من العابدين. قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ﴾ قال ابن عطية: إسماعيل أبو العرب المعروفين اليوم. قال ابن عرفة: يريد أن أبوته للعرب لم تنقطع، لأنه أب لهؤلاء بأعيانهم. قال: وترتب المعطوفات ليس بصواب باعتبار التقدم الزماني، وإنَّمَا هو باعتبار علو المنزلة والقدر أو باعتبار الشهوة وعدمها. قوله تعالى: (وَذَا الكِفْلِ). قال الزمخشري: قيل: خمسة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [ذوو اسمين إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد*]. ابن عرفة: لَا يريد أنهما اسمان علمان؛ لأن النحويين حكوا عن الفارسي: أنه منع تسمية الشخص الواحد باسمين علمين، وأجازه غيره، قال: والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اسمه الحقيقي محمد، وأما أحمد فمشتق من الحمد، ؛ لأنه الفعل، فإن قلت: منعه من الصرف ووزن الفعل والعلمية، قلت: له اسمان باعتبار ملتين، واسمه أحمد في التوراة، ومحمد في ملتنا. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مع أن النبوة أعلى درجة من الصلاح، ولكن صلاح كل شيء بحسبه، فصلاح الأنبياء أكمل من صلاح غيرهم. قوله تعالى: (وَذَا النونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا). قال ابن عرفة: وكان بعض القراء يقول في قول الشاطبي في سورة الفرقان: [وَيَأْكُلُ مِنْهَا النُّونُ شَاعَ وَجَزْمُنَا... وَيَجْعَلْ بِرَفْعٍ دَلَّ صَافِيهِ كُمَّلَا*] إشارة إلى ما ورد في الحديث: "يكون أول طعامهم زيادة كبد الحوت" وهو حديث شائع ذائع، وليس هو

الأنبياء 21:87

قصد الشاطبي؛ لأنه معنى حسي، وإنما قصد الشاطبي التنبيه على قراءة قوله: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ)، قلت: إنما يجيء هذا على قضية النون لَا على رفعها. قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ﴾ قال الزمخشري: وعن ابن عباس، أن معاوية قال له: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبىّ الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. قال ابن عرفة: أي من الإرادة، أي يظن أن لن نريد عقوبته. قال ابن عرفة: وتحمل الآية على ظاهرها؛ لأن إمام الحرمين ذكر في الشامل خلافا هل تتعلق القدرة بنقيض الواقع أم لَا، فذهب أهل السنة المنع، والمعتزلة أجازوه، فنحن الآن جلوس هنا فهل يصح أن يقال: غير قادر على أن يوجدنا في هذا الزمان نفسه في موضع آخر أم لَا؟ أهل السنة منعوا ذلك، والمعتزلة أجازوا إطلاق ذلك، والواقع في الوجود معلوم، والمستقبل مظنون، فإذا كنت ظانا أنك تقوم كدا، وغلب ذلك على ظنك فتقول هذا مذهب المعتزلة أن الله غير قادر على جلوسي غدا، فكذلك يونس عليه السلام، تعلق ظنه لشيء، فظن أن القدرة على نقيضه منفية. قوله تعالى: (فَنَادَى). ولم يقل: قال إشارة إلى رفع صوته بذلك، أو إشارة إلى النداء تنبيه من أراد إقباله عليك. قوله تعالى: (فِي الظُّلُمَاتِ). دليل على الظلمات أمر وجودي، وجمع الظلمات بناء على أن العرض لَا يبقى زمانين، أو لكون النداء المدة بعد المرة، فكل نداء في الظلمات، أو بناء على الظروف لا بد أن تكون أوسع من الظرف، وفيه دليل على أن الظروف في الظروف في الشيء مظروف في ذلك الشيء؛ لأن يونس نادى في بطن الحوت، والحوت في بطن حوت آخر أكبر منه والحوت الكبير في البحر. قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

الأنبياء 21:93

ولم يقل: وكذلك ننجي المسبحين، كما قال: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ) مراعاة لأول القصة في التسبيح، وأَول القصة (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) فمن حصل له هذه الكلمة نجا، وإن لم يكن مسبحا. قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: ما أفاد قوله (بَيْنَهُمْ)؟ فكانوا يجيبون بأن مادة التقسيم تفيد الانقسام بين الشخصين، فلو قال: تقسموا أمرهم لأفاد أن كل واحد منهم أخذ منه قسما بخلاف قوله: تقطعوا لحمهم، أو أمرهم بأنه يحتمل؛ لأن يكون تقطعوه وأخذ بعضهم بعضه، والبعض الآخر أخذه أجنبي، أو أخذ كله بعضهم، فلو قال: بينهم أفاد قسمة بين المتقطعين أنفسهم. قوله تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ). التنوين عوض عن ضمير مضاف أو مجرور، فإنه قدر مضافا كان كلا، وإن قدر مجرورا؛ فإن كلية أي كل منه وهو أولى لإفادته تعلق علم الله بالجزئيات، وفي الآية الوعد [للطائع والوعيد للعاصي*]. وقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ... (٩٤) الآية حجة لأهل السنة في أن الإيمان هو مجرد التصديق، وأنه غير العمل الصالح، ولو كان هو نفس العمل لكان قوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) تأكيدا، وأجاب بعض الطلبة: بأنهم يقولون إن الإيمان هو الأعمال الصالحة الواجبة، والآية تناولت مطلق الأعمال واجبها ومندوبها. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ذكر ابن عرفة: ما قال المفسرون [وذكر*] عن بعضهم أن حتى غاية. كقوله تعالى: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ). لما ورد من أن الشمس إذا طلعت من مغربها يغلق باب التوبة ولا يقع بعدها عمل صالح، فلا يكتب الأعمال الصالحة، وإنما يكتب السيئة مع أن يأجوج ومأجوج مقارب أو مقارن طلوع الشمس من مغربها. وزاد أنه وقف بعض النحويين، وهو ابن خروف: على أن الغاية إنما هي لازمة بحتى الجارة فقط، فإن قلت: لم هنا فتحت، وقال في الكهف: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)، الفتحة أخف من الدك، بأن

الأنبياء 21:97

الفتح يصدق بأن يفتح فيه باب واحد، والدك يقتضي فتح جميعه، وانظر حديث حذيفة، حيث قال أحمد في [الفتنة: "وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ عُمَرُ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"*]: ذلك أحرى أن لَا يغلق أبدا، فالجواب: أنه اعتبر في ذلك حال السد نفسه لخروجها في سياق القوة، والشدة؛ لقوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)، الآية وفي الآية اعتبر حال المسدود عليه. فإن قلت: فما هو الواقع، قلت: يفتح أولا ثم يجعل ذلك دكا، والدك إما بهدمه كله أو بنزوله في الأرض وغيبته فيها حتى لَا يظهر منه شيء على وجهها، فلا يحتاج إلى ما أجاب به الفخر قال: [كيف صح هدمه وهو من حديد وأفراغ*]، وأجاب بأن الله يلينه لهم فلا يقدرون على هدمه. قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ). الضمير عائد على بني آدم في خروجهم من القبور لتوافق قراءة [جدث*]، وهو القبر لقراءة الحرف [حدب*]، ولا يتناقض الحديث الوارد، بأن يأجوج ومأجوج لَا يطلعون إلى أعالي الجبال حيث يكون عيسى ومن معه. قال ابن عطية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: ["يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا"*]. قال ابن عرفة: الحديث صحيح خرجه البخاري ومسلم، إلا أنه مشكل من كل ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون، فيكون الرجل الواحد عُشر عشر العشر فهو مخالف لقوله: إن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل. قال ابن عرفة: وهذا الحديث مقتضي أن يأجوج ومأجوج بلغتهم الدعوة، إما دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو دعوة من قبله من الأنبياء لقوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا﴾ فإن قلت: فهلا قيل: [(يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) *]، أو يقولون قد كنا في غفلة بل كنا في ظلم؟ فالجواب: أن الغفلة سبب في الظلم وإضافة

الأنبياء 21:99

الحكم إلى السبب أقوى من إضافته إلى مسببه، فلذلك جعلهم مظلومين في الغفلة، وإنما أحاطت بهم حتى كانت سببا في ظلمهم. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ قال ابن عرفة: الإشارة إليهم بلفظ القريب تحقيرا لهم؛ كقوله تعالى: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)، قال بعضهم وفيها رد على النحويين في قولهم: إن لو يمنع الورود لامتناع كونهم آلهة، والتقدير هنا لكنهم [واردوها*]، فليسوا بآلهة. قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ). أخص من الورود؛ لأن الخلود ورود [وزيادة*]. وأورد ابن عرفة: تشكيكا، ولم يجب عنه، قال: هذا إما خطاب للمؤمنين أو للمشركين، وعلى التقديرين فلا فائدة فيه، المؤمنون مقرون بأنهم واردوها فلا حاجة إلى الاستدلال عليهم والمشركون مكذبون بورودهم النار، فلا فائدة في هذا الدليل، وأجيب: بوجهين: الأول: قال ابن عرفة: الخطاب للمشركين في الدنيا، والدليل يفيد بصحيحه إلى المعجزة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جميع ما جاء به، ومن جملة ما أخبر به أن آلهتهم تدخل النار، فلو كانت آلهة ما أدخلوها، وهو قد علم صادقا لم يجربوا عليه كذبا [فيصدقونه*] في ذلك. القول الثاني: قال ابن عبد السلام: هذا للكافرين في الدار الآخرة حين عاينوهم في النار. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ صوت المعذب وهو كنهيق الحمير، أو [شبهه*]، إلا أنه من المصدر. قال ابن عرفة: هذا غير صحيح بدليل قوله تعالى: في صفة جهنم (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) فلو كان الزفير صوت المعذب لما وصفت به جهنم لأنها يعذب بها،

الأنبياء 21:104

ولا تعذب هي بحال والصحيح ما قاله ابن سيده في المحكم والجوهري في الصحاح: الزفير، إخراج الصوت من الصدر يمد فيه. قوله تعالى: (وَهُم فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ). قيل: لَا يسمعون خيرا، وقيل: لَا يسمعون شيئا من أصل. ابن عطية قيل: يجمعون في توابيت حتى لَا يسمعون شيئا. ابن عرفة: اختلفوا في أصول الدين في السماع هل هو بقوة يخرج من صوت المتكلم يقرع آذان السامع أو بغير ذلك، وتقدم إبطال الأول بسماعنا الصوت من خلف حائط كثيف دون من يسمعه من هو دون الحائط مما يجيء هذا إلا على قول من زعم أن السماع بالهوى الذي يقرع السمع، فلذلك جعلوا في توابيت. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال ابن عرفة: اليوم يحتمل أن يراد به [الدهر*] والقطعة من الزمان، ويوم القيامة الذي مقداره [خمسين ألف سنة*]، وهو الظاهر، والطي هو جعل السطح المستوي الأجزاء مثنيا بعضه على بعض، والسجل إما اسم رجل وإما الكتاب، وإما المراد به ما يفعله أهل المشرق من أنهم يكتبون ويطوون. السماء: المراد بها الجنس، قال تعالى (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ). قوله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ). يحتمل أن يريد به آدم عليه السلام، وحده أو ذريته أو كل شيء كما بدأناه نعيده، فيكون ردا على الحكماء القائلين بعدم الإعادة، وأنها [إيجاد*] بعد عدم لَا جمع بعد تفريق. قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ في هذه الأمور ثلاثة أمور: [التهييج بالاتصاف بالصلاح*]، وتشريف الصالحين، وتوبيخ من لم يعمل بعملهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ إن هذا الأمر مبلغا لدرجة القوم العابدين، وإما قال: (عَابِدِينَ)، ولم يقل: صالحين، إشارة إلى وصف الصلاح إنما يحصل لمن اتصف بالعبادة والزيادة على الواجب. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾

الأنبياء 21:110

قال أبو حيان: رحمة إما مفعول من أجله، أو حال. ابن عرفة: فعلى الأول تكون الرحمة من فعل الله تعالى، وما أرسلناك إلا لنرحم بك [العالمين*]، وعلى أنه حال الرحمة من صفته، وما أرسلناك إلا لترحم المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ إن قلت: عبر في الجهر بالاسم وفي العلم بالفعل.. ؛ لأن الكتم فعل قلبي وخواطر القلب كثيرة التجدد والاختلاف، والجهر أمر ظاهر، والأمور الظاهرة أقرب إلى الثبوت والتفرد، لأن الإنسان ما يظهر إلا ما يثبت عليه. فإن قلت: الجهر مسموع، هلا قيل: يسمع الجهر من القول؟ فالجواب: أنه إشارة إلى علمه به قبل وقوعه، ولو قيل: يسمع [لا يتناول إلا ما وقع*]. * * *

الحج 22:1

سُورَةُ الْحَجِّ قال ابن عرفة: حكى الزمخشري، وابن عطية السورة: هل هي مكية أو مدنية؟ سبعة أقوال. قال ابن عطية: وروي عن أنس أن أول السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم فنادى بها النَّاس واستمع النَّاس إليه، فقال: " [أتدرون أي يوم هذا؟» فبهتوا، فقال: «يوم يقول الله يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: فاغتم الناس فقال رسول الله ﷺ «أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل*] ". قال ابن عرفة: في فهم هذا الحديث إشكال، فإن أوله مناقض لآخره، والصواب أن تقول: منكم رجل [ومن*] يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون رجلا، فلا بد من تأويله. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ قال ابن عرفة: تقدر لنا أن عرف القرآن فيما اشتمل على أمر اعتقادي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ومن اشتمل على أمر فرعي أن يفتح (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ووقع في البقرة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)، وفي النساء (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، لكن الأمر المعنوي أبلغ؛ لأنهم إذا أمروا واتقوا مع استحضار مقام الرأفة والرحمة فأحرى مع استحضار العظمة والجلال. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). فإن بعضهم يقول: هذا من الأمر المطلق المعني مثل [**حرص الثاني في رصد الجند]، [وقوله (زَلْزَلَةَ) *]. قالوا: وهي إما مضافة للفاعل؛ أي أن تزلزل الساعة النَّاس، أو الأرض. (شيء عظيم)، أو للمفعول: أي أن تزلزل الساعة النَّاس في نفسها، واتسع في الظرف، كما قيل: تمر عليه بزمان، والعظم إما في الكمية مثل رجل عظيم، أو في الكيفية مثل الأمر العظيم، فإن أريد بالزلزلة الحركة، وهي معنى من المعاني فالعظم في الكيفية، وإن أريد الذات احتمل الأمرين. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ جمع الفاعل هنا ثم قال: (وَتَرَى النَّاسَ) فأفرده. فأجاب الزمخشري: أن المرأي هناك الزلزلة وكل أحد يراها، والمرئي وكل أحد يرى غيره ولا يرى نفسه. قال ابن عرفة: وأجاب بعضهم: بأن الأولى ليس فيها ما يمنع من إسناد الفعل إلى الجميع، والثانية فيها المانع، وهو وصف السكر؛ لأن السكران لَا يرى شيئا. قال ابن عرفة: وفي الآية [الطباق*]، وهو تارة يكون بين الشيء [وضده*] كقوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، كقول الشاعر: [لَا تَعْجَبي يَا سَلْمُ من رَجُلٍ؍ ضَحِكَ المَشِيبُ برأسِهِ فَبَكىَ*]؍ ابن عرفة: وتارة يكون بين [النفي والإثبات*]، كقوله: [يُقَيِّضُ لِي مِنْ حيْثُ لا أَعْلَمُ النوى؍ ويَسرى إِليَّ الشَّوق مِنْ حيْثُ أَعْلمُ*]؍ أنشدهما ابن مالك في المصباح، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ومنه هذه الآية، وذكر ابن الحاجب أن من تحقيق المجاز من جهة نفيه وهذه الآية منه؛ لأن قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) دليل على [سكرهم*] مجازا. قال ابن عرفة: وفي الآية سؤال، وهو أنه قال تعالى في الأولى (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ)، وفي الثانية: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ) فهلا قال: يوم تذهل كل ذات رضاع، أو يقال: [وتضع*] كل حامل وكل مرضعة؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن ذو تفيد مبادئ الشيء وأوائله، فلو قيل: أو تضع كل حامل [لتناول الحمل اللفظ المحقق*] ووضعه أسرع وأقرب من وضع العلقة والمضغة، فلما قال: (كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ) أفاد وضع العلقة أو المضغة، فهو أصعب من وضع ما فوقها، ؛ لأن الذي فوقه من باب أحرى. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ). احتراس؛ لأن الآيتين متناقضتان فأفاد أن [سكرتهم باعتبار ما نالهم من العذاب فوجوده لوجود العذاب*]، ونفيه باعتبار ذاته.

الحج 22:3

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عرفة: الحجة: هي إقامة الدليل على الدعوى. والمعارضة: هي إتيان الخصم بدليل يدل على خلاف دعوى المدعي، والقدح وهو إبدال دليل المدعي. والمجادلة: [**تعرف بالمعارف المقلة سأل فجوابه]. قال ابن عرفة: [والحجة*] لفظة أعجمية كان بعضهم يقول: أظنها القوة والشدة. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ قال ابن عرفة: فإن بعضهم يقول: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أخص من أنتم لوجهين: أحدهما: إن كنتم في ريب يقتضي إحاطة الريب فيهم من جميع جهاتهم لأجل حلولهم فيه يقتضي اللفظة. وفي الثاني: أن لفظة كان يقتضي كونهم فيه، والكون ملازم للإنسان ولا بدل عنه بخلاف الريبة، وعبر بإن؛ لأن المراد في الريب مكانه غير واضح، وأطلق الريب هنا على معناه اللغوي، وهو مطلق الاحتمال، فيتناول الظن والشك والوهم، باعتبار المعنى ومن كان مصمما على عدم البعث فهو قائل لأن يكون شاكا فيه فيدخل في الآية، وجواب الشرط مقدر (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) فانظروا وتأملوا فإنا خلقناكم، والمراد أنا خلقنا أصلكم من تراب، أو كما قال الفخر: ابن آدم يتغذى بالنبات، والنبات من التراب. قوله تعالى: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ). قال ابن عطية: العلقة هي الدم [العبيط*]. ورده ابن عرفة: ؛ لأن الفقهاء فرقوا بينها، وبين الدم. فقال ابن قاسم في الأمة: إنها إذا وضعت من سيدها الدم المجمع، فإنه إذا جعل في الماء الساخن ينقطع، وقوله البسيط يعني الطري. وقوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ). أي متممة وغير متممة. قال ابن عطية: وغير مخلقة هي التي تسقط غير متممة البنية. ابن عرفة: المسقوطة لم يخلق الإنسان منها، فالصواب قول الزمخشري: المخلقة [المسواة الملساء من النقصان والعيب*] والله تعالى يخلق مضغ متقاربة فمنها [ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب*]، ومنها عكسه، فبذلك تتفاوت النَّاس بالطول والقصر والتمام والنقصان. وقال ابن عرفة: قال الحكماء إن النطفة تارة تبقى في الرحم ثلاثين يوما فيبين حملها بمثلها، أعني بعد شهرين، وتارة تبقى خمسة، وتارة تبقى أربعين يوما، وتارة تبقى خمسة وأربعين يوما، فإن بقيت ثلاثين يوما بين حملها بمثلها، أعني: بعد شهرين وتوضع لثلاثة أمثال ذلك، أي ستة أشهر، وإن بقيت خمسة وثلاثين يوما تبين حملها لمثلها، أعني: سبعين يوما، وتوضع لثلاثة أمثال ذلك، أي بعد سبعة أشهر، وإن بقيت أربعين يوما تبين حملها لمثلها، أي بعد ثمانين يوما، وتوضع لثلاثة أمثال ذلك؛ أي لثمانية أشهر مع أنه قل ما يعيش الولد إذا وضع لمثل ذلك، وإن بقيت خمسة وأربعين يوما تبين حملها لمثلها أيضا، أي لثلاثة أشهر، وتوضع لثلاثة أمثالها، أي لتسعة أشهر وهو أقصى الحمل. ونقل المتيطي عن بعضهم: أن أقصى الحمل تسعة أشهر بعد أن ذكر الخلاف في أقصى الحمل هو خمس أو سبع سنين، أو ثلاث سنين، أو أربع، فحكى قولا آخر بأن أقصاه تسعة أشهر. قال ابن عرفة: وهذا جهل من حاكيه، ولم يفهم هذا القول، وإنما قصد قائله بأن أقصى الحمل الطبيعي العادي بالنسبة إلى علم التشريح وإلى ما قلناه؛ لأنه [منتهى*] الحمل الشرعي، فإن ذلك خلاف أمر ليس هو هنا. قوله تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً). قال ابن عرفة: الرؤية إما [بصرية، والمرئي هي الأعراض*] لَا الذوات لأنها عند الأصوليين غير مرئية إلا على مذهب من يقول بالهيولى، قال ابن مالك في المصباح: والاسم إذا أضمر إما أن يؤتى به غائبا أو مخاطبا، وإما أن يحذف، ويجرد، [ومذهب المفسرين*] على مذهب، قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ). قال ابن عرفة: وعندي هذه الآية منه، فالمقيد هو السكونين [والإهماد هو التحريك*] مع عدم الانتقال فحركة الإنسان في محله ولا ينتقل عنه. قوله تعالى: (وَرَبَتْ).

الحج 22:6

أي ارتفعت (١). قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ جعل الزمخشري: الباء للسبب أي ذلك سبب أن الله الحق الفاعل لذلك كله. ابن عرفة: واللفظ عندي أن في الآية حذفا، والتقدير ذلك دليل واضح والباء للإلصاق، أي هذه دليل على أن الله حق، وأنه يحيي الموتى، وهذا عكس ما قال الزمخشري؛ لأنه جعل وجود الله سببا في هذه، ونحن نقول هذه الأمور دلائل على وجوب وجود الله ووحدانيته وقدرته على إحياء الموتى. ابن عرفة: وهذا من قياس التمثيل أو من قياس الغائب على الشاهد؛ لأن قدرته على إيجاد المعلوم دليل على حجة عادية. قوله تعالى: (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). حكى الإمام في الشامل الخلاف فيما علم الله عدم وجوده، هل يصح تعلق القدرة القديمة له أو لَا؟ وهذه الآية، مع قوله تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ)، وما في الحديث بين قدراته على ليعذبني دليل على صحة تعلق القدرة به. قال: وفي الآية حجة للمعتزلة القائلين بالإعادة عقلا، ونحن نقول بوجوبها سمعا، وبجوازها عقلا؛ لأنها عطفت في الآية على أن الله هو الحق، وهذا اعتقاده واجب عقلا، وكذا قدرته على كل شيء واجب عقلا، والمعطوف شريك المعطوف عليه في الإعراب والمعنى، فدل على إتيان الساعة واجب، قال: ووجوبه فإن أهل المنطق لما ذكروا القضايا الثلاثة عشر، وأن بعضها أعم من بعض، وأن منها الممكنة والوجودية الداعية، والثابت بالعطف شريك في وصف القضية التي هي أعم من الوجوب، والجواز الثبوت فعطف الساعة عليها لَا يدل على وجوبها بل على ثبوتها فقط أعم من الجواز والوجوب. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال ابن عرفة: إنما كرره مرتين؛ لأن الأول صمم على الجدال، فهو مجادل مستند في جداله [بأي*] شبهة سولها له الشيطان وهو (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) لَا يلزم من ذمة ذم ومن دونه، وهو من يجادل من غير دليل ولا شبهة؛ لأن كفر هذا أقرب إلى الزوال من كفر الأول، فالإتيان بهذا بعد الأول تأسيس لَا [تأكيد*]. (١) العبارة في المطبوع هكذا [قال الإمام مالك رحمه الله: وتقتل الجماعة بالواحد ويقتل فيه المشركين]، ولا صلة لها بالآية، وفيها خطأ لغوي، ومن ثم تم حذفها، ومن الممكن أن يكون بالنص سقط، والله أعلم. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).

الحج 22:11

قلت: وقال ابن عرفة: إنما كرر هنا؛ لأن الأول مجمل وهذا مبين نفى ما يستند إليه في جداله، أو الأول مصمم على الكفر وهذا مقلد غيره في الكفر، والأول: يجادل المسلمين جدالا فابتدأ عن نفسه مريدا به الدوام على الكفر، والثاني: يجادل ليضل غيره ويتسبب في كفره. قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ). قال الزمخشري: أراد به العلم الضروري. قوله تعالى: (وَلَا هُدًى). فأراد به العلم النظري. وتعقبه ابن عرفة: التكليف من [شرطه*] العقل، وقد قال الإمام في الإرشاد: العقل علوم ضرورية، فإذا انتفى عن هذا المجادل العلم الضروري سقط التكليف؛ لأنه غير عاقل، فكيف يحصر؟ قال: وإنما يقال: إن العلوم على قسمين: علم ابتدائي، وهو ما استفاده الإنسان من ذات نفسه بفكره وعقله من غير تعليم، كعلم ابن سيناء، والفارابي والشيخ أبي الحسن الأشعري، ومالك رحمهم الله تعالى، وعلم ثان، وهو ما جعل للإنسان بالتعليم من غيره، كعلم ابن القاسم، وأشهب رحمهما الله تعالى الفقه، وعلمنا نحن بأصول الدين، فقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) يريد به العلم الابتدائي. قوله تعالى: (وَلَا هُدًى). يريد به العلم المعلم. قوله تعالى: (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ). قال الزمخشري: هو الوحي. ابن عرفة: ظاهره الوحي المنزل عليه وهو أخص من أن يتوهم فيه هذا، وإنما المراد غير أن يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحيا في هذا. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ قيل: المراد به من أسلم إسلاما قريبا من الكفر فسلك في الآية مسلك التدلي. الأول: كافر مصمم مجادل جدالا مجملا متبعا فيه كل شيطان مريد. والثاني: كافر مقلد مجادل من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر مسلم إسلاما ضعيفا، وهذا يحتمل أن يكون تقسيما مستوفيا أو غير مستوفٍ، مثال المستوفي

الحج 22:13

قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ذكر فيها أبو حيان وجوها منها: أن (يَدْعُو) حال، مفعوله ضمير من (يَدْعُو) تقديره، أي: مَدْعُوًّا، و (ذلك) مبتدأ، وهو فصل، وضعف بأن (يَدْعُو) لَا [يقدر مدعوا*] (١). ابن عرفة: بل يصح كما يقول: رأيت زيدا يضربه عمرو أي مضروبا ومنها: أن يدعوا بمعنى يقول: ولمن خبره مبتدأ خبره مقدرا أي الآمر أو الناهي والجملة في موضع محلية، يدعوا وليس مستأنف لَا تدخل له في الحكاية؛ لأن الكفار لَا يقولون ذلك على أمنياتهم. قال: ورد بالكافر لم يعتقد قط أن الأوثان ضرها أكثر من نفعها، وأجابه ابن عرفة بصحة إرادة المعنى معبرا عنه باسم غير ذلك المعنى، كقوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، لأنهم [لم*] يقولوا هذا اللفظ، ولذلك تقدم لنا أيضا أنه لَا يلزم من حلا غيره بصفة اتصافه هو بها، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، لأنهم وصفوه بكونه منزلًا عليه الذكر، وزاد الطيبي: أنه يصح الوقف على (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ) مبتدأ خبره (لَبِئْسَ الْمَوْلَى). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ نقل ابن عرفة: كلام المفسرين، ثم قال: وكان بعضهم يقول الآية وإن خرجت على [سبب*]، فإنها تتناول عندي من اتصف بمثل ذلك السبب فيدخل تحتها من أصابه آفات في بدنه، أو ماله، أو عرضه لأجلها؛ أي: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فليتب عن ذلك، ويرضى بحاله وإلا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ)، وكان يسمى هذا عطف المقهور بموقف على أمر فيه هلاكه، وهذا موجود عند سائر النَّاس، يقول بعضهم لبعض: إن لم ترض بهذا فاضرب بدماغك الحائط. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عرفة: الصواب عندي أن يكون وكثير من النَّاس مبتدأ، ويكون في الآية حذف من الأول ما دل عليه الثاني، ومن الثاني ما دل عليه الأول، أي (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) مثاب، (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وعلى هذا يضمحل كلام الزمخشري. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ وقال ابن عرفة: العناصر الأربعة عندنا التراب، والماء، والهواء، والنار، والثالث والأول لَا خلاف فيهما ولا إشكال أنها جواهر ويقع النظر في النار، هل هي جواهر أو (١) النص في البحر المحيط هكذا: "أن يكون يَدْعُوا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وذلِكَ مُبْتَدَأٌ وَهُوَ فَصْلٌ أَوْ مُبْتَدَأٌ وَحَذَفَ الضَّمِيرَ مِنْ يَدْعُوا أَيْ يَدْعُوهُ وَقَدَّرَهُ مَدْعُوًّا وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ يَدْعُوهُ لَا يُقَدَّرُ مَدْعُوًّا إِنَّمَا يُقَدَّرُ دَاعِيًا، فَلَوْ كَانَ يُدْعَى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لَكَانَ تَقْدِيرُهُ مَدْعُوًّا جَارِيًا عَلَى الْقِيَاسِ". اهـ (البحر المحيط. ٧/ ٤٩١).

الحج 22:23

أعراض؛ لأنها [أبدال تقوم بنفسها*] ولا توجد إلا في غيرها، وانظر قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)، والصحيح أنها جواهر لطيفة، بدليل اللهب الذي فيها فإنه يعلو جدا. قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ). قال ابن عطية: اختلف في سبب نزول الآية. فقال قيس بن عباد، وهلال بن يساف: نزلت في حمزة، وعلي، وعبيدة، [ابن الحارث - رضي الله عنهم - برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة*] في غزوة بدر. قال ابن عطية: ووقع أن الآية نزلت فيهم في صحيح البخاري. ابن عرفة: وفي صحيح مسلم وهو آخر حديث رُوي [عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ*]. ابن عرفة: وإنما قال (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ) دونهم لنص الحكماء على أن الأصح إذا جعل في النار نفسها، قالوا: لأن النار جسم لطيف، والنحاس جسم كثيف متجمع [وآفته حرارة النار*]. فإن قلت: ما فائدة زيادة (مِنْ) في قوله تعالى: (مِنْ فَوْقِ)، وهلا استغنى عنها؟ فأجاب ابن عرفة: بأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الفوقية، قال: وكذلك أن الحميم إذا صب فوقهم عن بعد، فإنه يدركه الهوي فينقص من حرارته، فإذا صب فوق رءوسهم بالقرب نزل كما هو، وهذا مشاهد عندنا في المس إذا طبخناه أو صب في الإناء يرده بالمغرفة ترفع بها إلى فوق وتصبه فيبرد بالهواء ومهما علونا بالمغرفة إلى فوق، كان أشد في تبريده فأفادت زيادة من أنه يصب فوق رءوسهم من أقرب أمكنة الفوقية إليهم حتى لَا ينتقص من حرارته شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ أكد جزاء المؤمنين بأن ولم يؤكد جزاء الكافرين في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ). وقال ابن عرفة: فالجواب: أن حرص الإنسان على دفع ما يؤلمه أشد من حرصه على جلب ما يلائمه، فاكتفى في التنفير عن العذاب لمجرد الوعد مع ما حصله في

الحج 22:25

النفوس من كراهة ما يؤلمها، وأكد وعدها بالثواب لحمل مشاق الفساد في الدنيا، قلت: إنما الجواب عندي بوجهين: الأول: إن جزاء الكافرين العذاب عدل من الله تعالى، وجزاء المتقين بالجنة، فضل من الله تعالى إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فأكده ليصير واجبا ما جاء به له عن نفسه فقوي رجاء المؤمنين وطمعهم فيه. الثاني: أتى بعده (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فجزاؤهم مكرر مؤكد في هذه الآية فاستغنى به عن تأكيده أولا. قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ من عطف الخاص على العام؛ لأنه من سبيل الله. قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). ابن عرفة: هذا من المشاكلة؛ لأنه قابل إرادة [الإلحاد*] بذوق بعض العذاب، والإرادة العزم على الشيء من غير فعله، والذوق إدراك أوائل الشيء ومبادئه فقط، فيجوز عن مبادئ السيئات، وهو العزم عليها بمبادئ العذاب الأليم. قيل لابن عرفة: هذا مخالف لحديث " [مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ*]، أو كتبت له حسنة"، فقال: نعم هذا خاص، والحديث عام، وهذا متواتر والحديث [أخبار*] آحاد وفعله معناه إرادة ذلك مع العزم والتصميم عليه حتى كأنه فعله وأما نفس الألم لا مع العزم والتصميم، فلا شيء فيه، فعلى هذا معنى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قال ابن عرفة: المكان هو المحل المحوط بأمرنا، ومنهم من يزيد فيه بحيث يشار إليه أنه هناك أو هنا، فهو على هذا مخالف للخبر، فالطائر إذا نزل في الأرض هو في مكان، فإذا كان في الهواء فهو في جنب، ولم يكن في مكان، [**ويبنى أيضا على القول بالجلاء، والملأ فعلى القول بالملأ، يكون الطائر في مكان]. قال ابن عطية: والمفعول الأول هو إما محذوف تقديره [النَّاس*] أو العالمين. ابن عرفة: أما النَّاس فنعم وأما العالمين فبعيد؛ لأن الحيوانات غير الإنسان لا ترجع إلى البيت، وليست مكلفة بالعبادة. قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).

الحج 22:28

ولم يعطف السجود بالواو كما عطف ما قبله؛ فالجواب: أن الركوع يستلزم السجود إذ لَا يوجد ركوع إلا ويعقبه سجود بخلاف العكس مكانهما شيء واحد، فلذلك لم يعطفهما؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. فإن قلت: [لم جمع*] الطائفين والقائمين جمع سلامة، وجمع الركع السجود جمع تكسير؟ فالجواب: أن القيام أول أجزاء الصلاة، ولا بد فيه النية، وجمع السلامة إنما يصدق على العاقل [فلذا يجمع*] جمع سلامة، والركوع والسجود في أثناء الصلاة لا يحتاج فيه [إلى تجديد نية*] لأجل انسحاب حكم النية الأولى عليه [فأشبه*] جمعه غير العاقل الذي [**لَا نية ولا منكر]، قلت: أو يجاب بأن الطائفين والقائمين في الصلاة أقل من الركع السجود، وأما الطواف فظاهر؛ لأن الحجاج في النَّاس أقل من غيرهم، وأما القيام في الصلاة فلأنه إنما كلف به الصحيح، وأما المريض لم يكلف به بخلاف السجود والركوع، فإن العاجز عن القيام يركع ويسجد. قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ قال ابن عرفة: على هنا للتعليل، أي لأجل ما رزقهم حسبما قاله ابن مالك. قوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). والمذهب على أنه يطعم منها من انفرد بأحد الوصفين، كما يطعم من اجتمع فيه الوصفان، قال: والجواب بالفرق بين الواحد بالنوع، والواحد الشخص. فإن قلت: هذا الحب للحيوان الطائر والناطق فهو صحيح لإمكان اجتماع الأمرين فيه بكون المائي والحيواني باعتبار نوعه، وأنه منوع للطائر، وإلى ناطق باعتبار شخصه بالتكليف هنا فإطعام الإنسان باعتبار نوعه المقسم إلى إنسان انفرد بأحدهما. قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال ابن عرفة: أشار بذلك احتراس من جهة أن قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، تعظيم له [فاحترس*] من ذلك ونبه على أنه ينبغي لهم أن يعتقدوا أن الطواف بها لَا بذاتها بل لكونها من شعائر الله فتعظيمها تعظيم لله. قال الزمخشري: (ذلك) خبر المبتدأ، أي الأمر والشأن ذلك كما [يقدّم الكاتب*] جملة من [كتابه*] في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا، وقد كان كذا.

الحج 22:31

قال ابن عرفة: [... ] بعد وما ذكره الفارسي في أول إيضاحه من قوله إما على أثر ذلك. فإن قلت: من الشرطية لَا تقتضي الحصول، فهل عبر عن الموصولة؟ بمعنى الذي لأنها تقتضي حصول التعظيم، فالجواب: أن الشرط يدخل على المقدر والمحصول، والمقدرات الوجود أكثر من الموجودات فهو إشارة إلى أنه مهما قدر الإنسان وجود شيء من حرمات الله تعالى وعظمها، ففي الممكن أن يقع في الوجود ما هو أعظم منها فينبغي له أن يطلب أعظم الأشياء، وأرقاها وأفضلها ويحرص على الاتصاف بأكمل الأوصاف في ذلك. قوله تعالى: (خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ). خير فعل لَا أفعل من إلا أن يقال: إن المباح خير فيكون أفعل من فقوله (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، يؤخذ منه أن الأشياء على الحصر، ويؤخذ منه أن مهما شككنا في شاة، هل هي محللة أو محرمة فإنا [نبني*] على أنها محللة [خلافًا*] لمذهب الإمام مالك رحمه الله، وقد قالوا في كتاب الربا في قوله - ﷺ -: الذهب بالذهب ربا إلا [هاء وهاء*] أنه إذا وقعت صورة شككنا في تحليلها أو تحريمها، فإنا نحكم بتحريمها، لأنه يستثني القليل من الكثير، فلا بد أن تكون صورة المستثنى المحللة أقل من المحرمة، فيكون المشكوك فيه داخلا في قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ)؛ لأنه غير داخل في المتلو علينا، وهو ما تضمنه قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). وأجاب ابن عرفة: بأن المراد بالمتلو المحرم باعتبار أفراده، وأنواعه بالذاتيات، لا المحرم باعتبار أوصافه لَا باعتبار ذاته، قلنا: أو يدخل في عموم قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)؛ لأنه يدعي أنه ميتة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ قال ابن عرفة؛ والصواب في تقرير كونه من [تشبيه المركب بالمركب أن*]، يقال: شبه الشرك بالله والمشرك [بمن*] خر من السماء [فَاخْتَطَفَتْهُ*] الطَّيْرُ، [فالمشرك*] كالخار من السماء، والمشرك شبه بالطير التي تخطف الخار من السماء، فجعل [مَزْعًا فِي حَوَاصِلِهَا*] ونحوها كالطير المتخطفة للخار من السماء ناقلة عضوا عضوا، فهو تشبيه المجموع بالمجموع، أو هذا بهذا، وهذا بهذا، فهو تشبيه المجموع، كقوله:

الحج 22:32

كأنَّ مُثارَ النَّقع فوق رُؤوسنا؍ وأسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُهْ؍ ومثله قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، وفي تشبيه المفرد بالمفرد، ومنه قوله: كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً؍ لدَىَ وَكْرِهَا العُنَّابُ والحشَفُ البَالي؍ قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الخطاب إما لجميع النَّاس أو المسلمين، قال القاضي في [المشارق*] [جَاءَت بِمَعْنى عمل وهيأ وصير وَبِمَعْنى صَار وَبِمَعْنى خلق وَبِمَعْنى حكم وَبِمَعْنى بَين وَبِمَعْنى شرع وابتدأ وَأكْثر تصرفها بِمَعْنى صَار*]، وذكر بعضهم في كتاب الجمل والآحاد من تنبهاته، وهو بمعنى [صير*]. قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الزمخشري: عن إبراهيم النخعي: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب. قال ابن عرفة: أي بعد بلوغها، وبعد فصيلها. قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ). قال الزمخشري: وقرأ بعضهم صوافي نحو مثل العرب اعط القوس [باريها*] بسكون الياء. ابن عرفة: أصله صوافي فانتقلت الفتحة إلى الياء، فقال: صوافي ثم حذفت الياء وعوض عنها التنوين لشبهه بغواشي وجواري في الرفع، فحمل المنصوب على المرفوع تأخيره، فقال: اعط [القوس باريها*] وهو شاذ من الضرائر الجائزة للشاعر. قوله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا). وخرجت روحها؛ لأنه يكره القطع منها قبل خروج روحها. قوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ). هما صفة فعل؛ أي السائل والمتعفف. وقيل: القانع: الفقير، فيكون بصفة ذات؛ أي المتصف بالشدة والفقر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

الحج 22:39

ولم يقل: عن المؤمنين؛ لأنه إذا دفع على من اتصف بمطلق الإيمان، فأحرى أن يدافع عمن ثبت له الإيمان الكامل، وهذا من تقدير العلة على المحكوم على سبيل الحصر، والتأكيد على انتقال الحكم. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ). جعله الزمخشري: راجعا للكفار. ابن عطية: [روي أن هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين*] لقولهم: إن السبب في نزولها كون بعض المؤمنين عزم على خيانة الكفار وقتلهم، فالكفر على هذا إما كفر النعمة، وإمَّا أن يراد لَا يحب كل خوان، ولا كل كافر، فيكون [؍ ] أو يكون تلطفا في العبارة، فيكون النهي عن الخيانة تسلط على المؤمنين بالإيمان لَا بالنص، لأجل اقترانها بوصف الكفر.؍ قال ابن عرفة: ونفى المحبة وثبوتها، إما على طرفي النقيض أو بينهما واسطة، وهو عدمها مقاومهم لمن قال: لَا يحب بمعنى لَا حبذا زيد، فيقتضي الذم فيكون لا يحب في معرض الذم لمن اتصف بهذا. فإن قلت: هل يؤخذ من الآية رد على من يقول إنَّ كلا إنْ كان منصوبا لَا يقتضي العموم، وإن كان مرفوعا اقتضاه حسبما قالوا [ومنه*] قوله: قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي؍ عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ؍ قلنا: العموم مستفاد من القرينة. فإن قلت: هلا قيل: لَا يجب كل خائن كافر فهو أبلغ؟ قلنا: الجواب بما أجابوا به (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ). قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ قال ابن عرفة: إما على قراءة فتح التاء فظاهر تقدم الإذن، وإمَّا على قراءة كسرها فيكون الإذن الآن، وفقا لهم مثل قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، أي [الصائرين*] للتقوى، ولذلك يقاتلون، أي الذين يقاتلون في المستقبل. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي لولا دفاع الله ضرر الكفار وبقتال المسلمين لهم، إذ ولولا دفاع الله الظلم بشهادة العدول، إذ ولولا دفاع الله [ظلم الظلمة بعدل الولاة*]، وفيه دليل على أن البعض يصدق على النصف؛ لأن البعض الآخر إما مساو له أو أقل منه وعلى كل تقدير فينتج صحة صدقه على النصف، وقدمت الصوامع لأنها كانت قبل الإسلام [مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين*]، [ثم استعمل في مئذنة المسلمين فحصل لها مشاركة المسلمين فيها بالصومعة على عبادة المسلمين والنصارى*]، [والبيع كنائس النصارى، واحدتها بيعة، وقيل هي كنائس اليهود، فجعلت [لذلك*] محل عبادة اليهود، وملتهم أقدم الملل. قوله تعالى: (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا). يحتمل أن يراد الاسم أو المسمى، كقوله تعالى: (اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ)، يحتمل الاسم والذات. قوله تعالى: (صَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ). إما على حذف مضاف أي لهدمت صوامع وصلوات ومساجد والهدم مجاز، أي لفعلت صلوات فيتعارض فيه المجاز والإضمار وفيهما قولان. قوله تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ). ومعناه ولينصرن دين من ينصره. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). احتراس: أي لَا يتوهموا أن الله يحتاج إلى جهادكم الكفار، بل هو قادر على رفع أذاهم عنكم، ولمن جرت عادته بترتيب الأسباب على مسبباتها، قلت: قال ابن عرفة: ما بعده، قال سيبويه: وقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، المعنى على الانقطاع البين، وكأنه قال: هؤلاء [ظلموا؛ لأن الظلم قد صرح به حين قال*] (إنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِم لَقَدِيرٌ)، فهم أخرجوا من ديارهم بغير حق، أي سبب غير الحق؛ لكن قالوا (ربُّنَا اللَّهُ) ولا يقدر [الاتصال*]؛ لأنه يصير المعنى أخرجوا بغير حق إلا هؤلاء، فإنه حق آخر جوابه: [**قولهم ربنا الله] يخرجون به هكذا [تكون*] صورة الاتصال، فيكون المعنى جليا، وكان الشلوبين يجعله متصلا، ويقول: إنهم أخرجوا بغير حق، فوجب إخراجهم عند الكفرة، فالاتصال على هذا بين كان هذا مما يظهر في الموضع، وراجعت فيه أبا الحسن ابن عصفور: فرده عليَّ بأمرين: الأول: أنه يكون المعنى أخرجوا ولا حق [يوجب*] إخراجهم إلا قولهم (رَبُّنَا اللَّهُ)، ولم يخرجوا بهذا القدر خاصة، بل كان هذا جزاء من آخر أخرجوا بها ألا ترى أنهم أخرجوا بقولهم: (رَبُّنَا) ولصلواتهم، وبأمور الشريعة كلها ولأنهم حلفوا عليهم

الحج 22:46

أن يفتنوهم على دينهم، فقولك: لم يكن ثم حق فوجب الإخراج إلا هذا باطل، قلت له لم يكن ثم حق يوجب الإخراج إلا هذا؛ لأنه الأصل الذي أثبتنا عليه ما عداه، فقولهم (رَبُّنَا اللَّهُ)، مرادف لقوله: لم يخرجوا بحق إلا بالإيمان، وقيل: إن هذا حق يبطل من وجه آخر وهو أن المعنى عنده اخرجوا، [ولا معنى للإخراج عندهم إلا هذا*] ومن أين يفهم عندهم، قلت: المعنى يفهمه. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ قال ابن عرفة: لما تضمن الأمر السابق إهلاك الأمم السالفة في قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، وبقي أثرهم ضاربا عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بهم، ونظرهم النظر الهادي إلى الصواب، وكان بعضهم يقول: السير في الأرض إما حسي باعتبار سماع أخبارهم فمن أدركهم قطع مغادرها للتفكير والنظر في آثار الكفار المهلكين بسبب تكذيبهم، أو معنوي باعتبار سماع أخبار أحبارهم ممن أدركهم أو قرأ لهم في الكتب. قوله تعالى: (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا). [راجع*] للسير الحسي (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)، [راجع*] للسير المعنوي، وهو سماع ذلك ممن أدركهم، هذا إن ثبتنا على تفسير السير بالحسي والمعنوي، وإن لم [نبني*] على هذا فنقول: إنما عطفت هذه بـ لو دون الواو؛ لأن الواو تقتضي الجمع فيكونوا ذموا على ذم المجموع، والذم على عدم الاتصاف بكل واحد من ذلك يستلزم الذم على عدم الاتصاف بالمجموع من باب أحرى، فإذا ذموا على عدم العقل بانفراده، وعلى عدم الجمع بانفراده فأحرى أن يذموا على [عدمهما*] معا، قال ابن عطية: وفيه دليل على أن العقل في القلب. فرده بعض الطلبة: بأن النظر مشروط بوجود العقل، فما يوجب عليه النظر حتى يكون عاقلا، فكيف نظره شرطا في عقله، فقال ابن عرفة: العقل التكليفي، هو الذي يتوقف على وجوده وجوب النظر، والعقل النافع، هو الذي يتوقف وجوده على تقدم النظر عليه، قيل لابن عرفة: ما اختلف الأطباء والفقهاء، إلا في محل العقل التكليفي، فقول ابن عطية: إنه في القلب لم يرويه إلا العقل التكليفي، قال محلها واحد. قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ).

الحج 22:49

إن قلت: لم عطفت هذه بالواو وعطفت، [فَكَأَيِّنْ*] قبلها بالفاء؟ فالجواب: [بوجوه*] أحدها للزمخشري قال: لأن الأولى: تقدمها جملة معطوفة بالفاء، وهي قوله تعالى: [(فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) *]، وهذه تقدمتها جملة معطوف بالواو، وهي المشاكلة في كل واحدة منهما، الثاني: قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما عطفت الأولى بالفاء المقتضية للترتيب؛ لأن الجمل السابقة عليها لَا يمكن وقوعها بعدها بوجه إذ هي إخبار عن الأمم السالفة، وعطف هذه بالواو؛ لأن الجمل التي قبلها يمكن تقديمها عليها وتأخيرها؛ لأن استعجالهم العذاب يمكن الإخبار عنه قبل الإخبار عن الإملاء، يكون في القرى وبعده فيناسب الإتيان بالواو المقتضية للجمع، ولا تقتضي ترتيب الثالث، قال الفخر: عطفت الأولى بالفاء المقتضية للسبب؛ لأن إهلاك أهل القرى [كائن*] في إهلاك القرى. قوله تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُهَا). [المهلة لما بين أول أزمنة الإملاء وزمن الهلاك*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الحصر سبب السياق، وسياق [الإنذار*] للكفار، فإن قلت: لم قال: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)، وقال في الآخرين: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، قلنا: لما ذكر الزمخشري: من أن الآية إنما [سيقت*] بالذات في معرض التخويف للكافرين، فذلك شدد في خطابهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال الزمخشري: أي سابقين إلى المراد فيها وإبطالها من قولك: سابقت فلانا فسبقته، وفي الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا عليه". قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ﴾ إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (مِن قَبْلِكَ)؟ فالجواب: إنه أفاد مع قولك من رسول التأكيد في عموم القبلية في الأمم المتقدمة، والرسالة تارة يراد بها مطلق البعث، وهو المعنى الأعم فيها، وتارة يراد بها البعث والتبليغ لغيره، والمراد بها في الآية المعنى الأعم، لقوله تعالى: (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، ولو أريد المعنى الأخص، للزم استواء الرسول والنبي في المعنى، مع أنهما مختلفان، وإنما عطف النبي على

الحج 22:54

الرسول مع أنه لَا يستلزم من استلزم الأخص أمر باستلزام الأعم له، والرسول أخص من النبي فالعطف تأسيس. قوله تعالى: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ). النسخ رفع ما قد ثبت، وهذا لم يثبته قرآن بوجه، وهذا الذي تكلم به الشيطان وأوهم الكافرين أنه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد ننسخ سببه، وما نشاء منه، وما حصل في اعتقاد [من بعض المؤمنين*]، ومن كانت في نفسه ريبة وشك، فيزيل ذلك بنزول الآيات البينات الدالات على بطلانه، وأورد الفخر: أنه إذا ثبت أن الله تعالى قدر الشيطان على فعل مثل هذا، فيلزم الارتياب في جميع آيات القرآن، وعدم الوثوق بها، إذ لعل بعضها من قول الشيطان، وأجاب: بأنه إذا قدره على ذلك يلهم الرسول إلى استدراك الأمر، وإبطال ما هو من كلام الشيطان، كما ألهمه لها. قال ابن عرفة: هذا فتح باب سوء، وإنما الجواب: أن القرآن مقطوع بصحته ووروده من عند الله عز وجل، إما لأنه معجز ودليل الإعجاز يقطع هذا كله، وإما التواتر والإجماع على أن هذا الذي نحن نقرأوه هو قرآن صحيح، وارد من عند الله عز وجل، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، قال الفخر: وآية القرآن على ثلاثة أقسام، فقوله تعالى: (اللَّهُ نَزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابها)، وقوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، تقتضي أنه كله محكم، وقوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، يقتضي أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فأجاب ابن عرفة: بأن المتشابه في قوله تعالى: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا)، بمعنى التماثل، لَا بمعنى الاختلاف، والإحكام في قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، يقتضي الإتقان. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ مع أن العلم بوحدانية الله تعالى مرادف للإيمان، فالجواب: إما أن يراد بالعلم العلم التصويري، وبالثاني الذي هو الإيمان العلم التصديقي، وإمَّا بأن يجعل الضمير المحذوف في قوله تعالى: (فَيُؤْمِنُوا بِهِ)، عائد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما على قول ما قال الزمخشري: من أن المراد يعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق من ربك والحكمة، أن المراد قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

الحج 22:55

قال ابن عرفة: المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، وهداية المؤمنين ظاهره، إن قلنا: إن الإيمان يزيد وينقص، وإلا فيكون مجازا بمعنى تثبتهم على الإيمان ودوامهم عليه. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال ابن عرفة: المراد هنا بالمرية: الوهم الذي هو أعم من الشك، لقوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)، فإن هناك سياق الوهم. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ابن عرفة: إن قلت: قال في الأولى (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، وقال في الثانية [(فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) *]، فأجاب: بوجوه: الأول: أنه قصد المبالغة في جهة الكفار، فلذلك مد جزاؤهم باسم الإشارة مع الفاء واللام في لهم، إما بمعنى على أو ذلك تهكم بهم الجواب الثاني أن في الآيات حذف التقابل، فذكر في الأول الظرف الذي هو محل للجزاء دون ما يقع فيه الجزاء، وذكر في الثاني الجزاء دون محله والتقدير فالذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ فأولئك لهم نعيم كريم في جنات النعيم، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)، في جهنم. وقوله تعالى: (وَكَذبُوا بِآيَاتِنَا)، أما مساو للكفر أو يعادله، فالمراد بالأول كفرهم بالله تعالى وبالتكذيب كفرهم بالرسالة. قوله تعالى: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ احتج بها الفخر للمعتزلة: على أن الرزق إنما يطلق على [الحلال*] ورده ابن عرفة بقوله: (حَسَنًا) فدل على أن هناك رزقا غير حسن، قال الفخر، قوله تعالى: (خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، دل على [أن*] غير الله يرزق ويملك، ولولا كونه قادرا فاعلا لما صح ذلك، وأجاب: بأنه لَا نمنع في كون الغير قادرا، فإن القدرة مع الداعي فريدة في الفعل بمعنى الاستلزام. قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾

الحج 22:60

أي (لعليم) بمن جاهد وهاجر، (حليم) [يستر*] سيئاته فيعفوا عنها، ولا يعاقبه بها. قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال ابن عرفة: اللفظ أن ذلك فعل مثل أما بعد ونحوها لمباينة هذه الجملة لما قبلها، وجعلها الفخر متصلة وقرر وجها لمناسبة بينهما، وقال ابن عطية: سبب نزولها أن بعض المسلمين أمن بعض المشركين في شهر محرم، وفيه القتال وأرادوا قتالهم فناشدوهم أن لَا يقاتلوهم، ولم يفعلوا فقاتلوهم فنصرهم الله عليهم. قال ابن عرفة: لفظ الآية مخالف للسبب؛ لأن ظاهرها أن المسلمين هم البادون بالقتال، إلا أن يريد بذلك بدايتهم من المنازلة والمعاقدة فيكون مجازا فسمي المنازلة عقوبة ثم يعبر عليه بالقتال بالفعل. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ). قال الزمخشري: أي عفو عن الجاني على طريق التستر به، إشارة إلى أن عقوبة المؤمن للكافر على ما جنى عليه جائزة، لكن العفو راجح، لقوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)، وقوله تعالى: (وَأنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فقال ابن عرفة: إنما هو بعد القدرة عليه، وأما قبل القدرة عليه فلا يجوز له العفو عنه بوجه، فقصر الآية على عفو المسلم على الكافر، وكان بعضهم يجعلها عامة، وتقدير وجه المناسبة بأن الإنسان لَا يعاقب بالمثل، إلا إذا تحقق وجه مماثلة العقوبة [للجناية*]، أما إذا شك في المماثلة، فإنه ينبغي له أن يعفو ويترك حقه إذ لعله يعاقب أكثر من الخيانة، وقرر الطيبي: وجه المناسبة كان ذلك في شهر حرام، فكان الأولى عدم وقوف المسلمين لهم في القتال، وأن يصفحوا عنهم ويتفرقوا. قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عرفة: هذه لذلك سبب فصل بل يعتقدوا بأن نصرة الله لكم لاتصافه بالوحدانية والقدرة والإرادة، بدليل إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل. قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). ابن عرفة: تكلم الزمخشري هنا كلاما موافقا لمذهب أهل السنة، فقال: سميع بما يقولون بصير بما يفعلون، مع أن المعتزلة يردون ذلك كله إلى صفة العلم، وكان

الحج 22:66

بعضهم يقول: لم يرد في القرآن أن القدرة مقرونة بالعلم، وكذلك هنا بدليل تعقب الإيلاج الراجع للقدرة بالسمع والبصر. قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ). ابن عرفة: (الْعَلِيُّ) باعتبار ذاته، (الْكَبِيرُ) باعتبار صفاته. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ ابن عرفة: هذا دليل على أن الموت دليل وجودي، وهو مذهب أهل السنة بخلاف الفلاسفة؛ لأن القدرة لَا تتعلق بالعدم، قال: والإحياء الثاني يتناول الإحياء في القبر للسؤال، والإحياء للحشر، قال ابن عطية: [الإحياء والإماتة في هذه الآية ثلاث مراتب وسقط منها الموت الأول الذي نص عليه في غيرها إلا أنه بالمعنى في هذه*]، الأول: ورده ابن عرفة: بأنه عدم صرف، فلا يقال: فيه موت إلا مجازا، قال: وعطف هذا يحتمل الترقي لأنك إذا رجحت بين إنعامك على شخص أولا ثم ناله الجوع، ثم أنعمت عليه ثانيا تجد إنعامك عليه أولا أدخل في باب الامتثال وأرجح يحتمل التدلي لقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، فالإحياء بعد [الإمامة*] نظير الإطعام من الجوع، وقال: وعادتهم يقولون: إن النحويين عطفوا الفعل المضارع على الماضي، وجعلوه مرجوعا فلا بد أن [تكون هذه الجملة*] تقديرها، ثم هو يحيكم ثم هو يجمعكم يعلم من هذا. قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ). ابن عرفة: قالوا هذا تلطف من ناحية أنه لم يقل: إنكم لكفار مع تقدم الخطاب لهم في الآية وتسديد من ناحية تعريفه الإنسان بعلم الجنس فيعم المخاطبين وغيرهم، قال: وهذا إن أريد به قيد الإيمان فهو خاص بمن اتصف بذلك، قيل لابن عرفة: بل المراد به المجموع ويكون علميا لَا كليا، قال ابن هارون: والجملة كقولك كل الأمة معصوم، مع أن المعصوم بعضهم، فأبطله ابن عرفة بأنهم نبهوا على أن الحكم على المجموع لَا بد فيه من اعتبار نسبته لكل فرد من أفراده كقولك: [**كل شيء عليم، برفع الهمزة العظيمة فمجموعهم يرفعها]، وكل واحد منهم له في ذلك نصيب، وإذا اعتبرناه هنا لزم الكفر. قال ابن عرفة: وفي الآية من علم البيان، وهو خلط المختلف فيه بالمتفق عليه على وجه التسوية بينهما؛ لأن الإحياء الثاني في الدار الآخرة مختلف فيه بيننا وبين الفلاسفة، وغيرهم. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾

الحج 22:70

قال ابن عرفة: يؤخذ منها أنه ما خلا زمن من الأزمان من سمع، وقال الزمخشري: سبب نزولها أن [بديل*] بن ورقاء، وبشر بن سفيان الخزاعيين، قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله. ابن عرفة: هذا خطابة شريفة حسبما مثلها البيانيون، يقول القائل في مدح الخمر: إنه ياقوت يسال... ، وقال: هذا السبب لَا يناسب الآية، إنه يلزم عليه أن تكون الآية نزلت مقدرة لذلك، فيكون مقتضاها أن ذلك كان في [شرعنا جائزا*]، وفيه زيادة أن ما قتلوه لَا يؤكل مع أنهم كانوا يأكلونه. قوله تعالى: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ). [كقولهم لا أرينك هاهنا*]. قوله تعالى: (لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ). الهداية قسمان: إما الإرشاد فيمن بعُد أو من قرب، فأفاد الوصف المستقيم أنه إرشاد بوجود قريب؛ لأن المستقيم هو أقرب من [**تمام ما أمرنا بقوله لهم وابتداء إخبار من الله تعالى]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عرفة: هذا الاستفهام على معنى التقرير، معناه: قد علمت ذلك، فإن أريد علما [ماضيا*] فيكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخصوصيته [أو له*] ولمن يلحق به من العلماء، وإن أريد به مطلق العلم فالخطاب لكل واحد، وإن قلنا: إن السماء كورية يمكن عطف الأرض عليها من باب عطف الخاص على العام، ويقول في الآية حجة لأهل السنة القائلين بأن علم الله بالجزئيات كعلمه بالكليات خلافا للحكماء. قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ). ويحتمل عود اسم الإشارة على قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ بما تعملون)، أي علمكم عنده محفوظ في كتاب، ويحتمل عوده على علمه مما في الأرض وما في السماء. قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). أي علم ذلك عليه يسير، أو حكمه بينكم عليه يسير، فإن قلت: هذا ماض أزلي هلا قيل: [(أَلَمْ تَعْلَم أَن اللَّهَ عَلِمَ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) *]، فالجواب: أنه عبر

الحج 22:71

بالمستقبل كقوله (يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ)، وهذا إن كنت عالما بذلك، قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ). قال الزمخشري: هنا، [لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم*]. قال ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأن مذهبه أن الله تعالى عالم بذاته، لَا يعلم بصير بذاته، لَا يبصر لأنهم ينفون الصفات. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عرفة: هذا كالتسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي [لدوامهم على معاندتهم لك*] في الأحكام الشرعية، وذلك قولهم: لم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله أحد منهم، [فخالفوا*] فيما هو أشد من ذلك من الأمور الاعتقادية [فعبدوا*] غير الله، قال ورد عليهم قولهم بأمرين: ذلك بأنهم لَا دليل عليه من جهة السمع، ولا من جهة العقل، فنفى الأول الدليل السمعي، ثم العقلي، فهو تأسيس؛ لأن نفي الدليل السمعي لَا يستلزم نفي الدليل العقلي، قال: وفيه ذم التقليد، وهو على قسمين: تارة يكون المقلد ذاكرا له وعاجزا عن التعبير عنه، وتارة يكون مستشعرا، فالأول هو الذي يقدر ويصح تقليده، وهو الذي يقولون فيه: إيمان المقلد جائز وهو في الرتبة الثانية. قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ عبر باسم المفعول عن المصدر وهو قليل. قوله تعالى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ). الإشارة إتيان للألم الحادث في قولهم عند سماعهم الآية، وإما للسطوة الصادرة [منهم للمؤمنين*]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ قال الفخر: [ضُرِبَ يُفِيدُ فِيمَا مَضَى واللَّه تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ ابْتِدَاءً*]، وأجاب: بأنه إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز فيه ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ). قال الفخر هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقه لما له حياة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم، والأول: فاسد؛ لأنه معلوم بالضرورة، فأي فائدة في

الحج 22:74

إقامة الدليل على ذلك، وأما الثاني: فلأنه لَا يلزم من نفي كونها حية أن [لا*] تكون معظمه، [فَإِنَّ جِهَاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ*]. قال ابن عرفة: لأي شيء لم يقل لم يخلقوا ذرة، فهو أحقر من الذباب وأصغر، والذرة هو [الشيء*] الذي يراه الناظر من شقاق الباب من عين الشمس، وأجيب: بأن المراد بخلق الذرة إيجادها عن عدم، وهذا لم يدعه أحد بوجه، وأما خلق الذباب فهو راجع إلى جميع أجزائه عن تفريق ونفخ الروح فيه وخلق الأعراض له، وهذا قد ادعاه المعتزلة فقالوا: إنهم يخلقون أفعالهم، وقد كان عيسى عليه السلام، يحيي الموتى، فإِيجاد الذباب أخف من إيجاد الذرة، والعجز عنه يستلزم العجز عن إيجاد الذرة من باب أحرى، ولاسيما إذا قلنا: إن القادر على إيجاد الجزء المكمل يصدق عليه أنه قادر على الجميع، فالقادر على إيجاد الحياة يصدق عليه أنه خالق للذرات، لأن فعله حصل كمال الذات. قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال الزمخشري: ما عرفوه حق معرفته. ابن عرفة: هذا يلزم عليه أن تكون [معرفة*] ذاته والإحاطة به ممكنة، وليس الأمر كذلك مع أن المسألة فيها خلاف. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن العبادة أعم، قال: ويحتمل أن يراد [الخضوع*]، أي اخضعوا في ركوعكم وسجودكم، وهي عبارة قاصرة. قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ). عبارة متعدية للغير مع إعطاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. * * *

المؤمنون 23:1

سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ وقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) قال الزمخشري: هو حرف توقع. قال ابن عرفة: هذه عبارة المتقدمين والمتأخرون، يقولون إنها حرف تحقيق مع الماضي ولا ينافي ذلك أنها مع المضارع للتوقع، قال: وتارة يكون التوقع صادقا، وتارة يكون كاذبا، وذلك أن القائل: يقوم زيد هو على أربعة أقسام: تارة باقي حرف التوقع، والقيام متوقع عند الناس عنه، لكن لم يقع في الخارج، وتارة يكون القيام متوقعا عند النَّاس، ويقع مدلوله في الخارج ولا يأتي المتكلم بحرف التوقع فهذه ثلاثة أقسام: المتوقع فيها صادق، وبقي قسم رابع: وهو إتيانه بحرف التوقع حاله كون القيام غير متوقع عند النَّاس، ولكنه يقع في المستقبل على حسب ما أخبر به، فهل هذا توقع صادق؟ أو مطروق فيه نظر، واللغو هو الكلام الذي لَا فائدة فيه. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ قال الإمام الغزالي: الخشوع في الصلاة واجب وإلا جرى تحصيل ما يراه الدين خاصة، وأما القبول والثواب فأمر آخر. ابن عرفة: وهذا على خلاف الأصوليين في هل هي موافقة؟ ويراه الذمة والجروح من العهدة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ وقيل: أي مانعون، وقيل: أي: [عافون*]. ابن عرفة: وتقدم لما خصه أنه يلزم عليه أن يكون المعنى مخصوص كقولك: قصرت المال على الصدقة أي خصصته، فالمراد: (وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم) فإنهم لَا يخصونهم بذلك فيلزم نقيض المطلوب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ قال ابن عرفة: ترتيب هذه المعطوفات بدني، والخشوع في الصلاة أمر قلبي، والقلب أشرف ما في الإنسان، واللغو من أفعال اللسان، وهو ترجمان عن القلب،

المؤمنون 23:14

فهو ثان عنه الصلاة واللغو عامان بجميع النَّاس، والزكاة خاصة، فكانت ثالثة عنهما، ولما كانت هذه الثلاثة أمور خاصة، والنكاح أمر تكميلي ليس بحاجي لاسيما إذا قلنا: إنه من باب الفكاهات لَا من باب الأقوات، فكان حفظ الفروج أمر خارجا عنهما والأمانة خاصة بمن يصلح بها لَا بكل النَّاس، والمحافظة هو الإيمان بها في أوقاتها ولما كان وجوبها متقدما على تعيين أوقاتها، ذكرت أولا ثم ذكرت المحافظة عليها في أوقاتها بعد ذلك، ولما كانت أوقاتها محددة شيئا بعد شيء أتى بالمحافظة عليها بالفعل، بخلاف الإعراض عن اللغو وفعل الزكاة وحفظ الفروج ورعي العهود والأمانة، فإن المراد منهم الثبوت على ذلك، والميراث إما أخذ الشيء بموجب، وهو الميراث الشرعي، وبغير موجب، وهو إرث الفردوس؛ لأنه ليس في مقابلة العمل بل [محض فضلٍ*] من الله عز وجل، هل يرجع هذا إلى الحصر أو مبني على تقيد إذا تعقب عملا؟ هل يعم الجميع أو يرجع إلى الآخر؟ فهل مجموعهم يرثون الفردوس، أو كل واحد منهم؟ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ عطف الأول بـ ثم، والثاني بالفاء قيل لبعد ما بين النطفة والعلقة، وقرب ما بين النطفة والمضغة، ورد بأن الشارع ساوى بينهما في قوله، ثم تكون نطفة أربعين ثم علقة أربعين، وأجيب: بمكان إفساد النطفة بخلاف العلقة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ عبر عن الأول مؤكدا بأن واللام، وأما في الثاني بأن فقط والمتبادر للذهن العكس، بأن الموت لم ينكره أحد، والبعث ينكره الكفار، والحكماء والفلاسفة، وأجيب: أنه من باب حمل اللفظ على غير ظاهره مثل: جَاء شَقيقٌ [عَارضاً*] رُمْحَهُ... إِنَّ [بَنِي عَمكَ فِيهمْ رِماحْ*] فهم بعصيانهم ومخالفتهم لم يعملوا على الموت، فحالهم كحال [... ]، وما كانت دليل البعث ظاهره صادقا للثابت. قال ابن عرفة: [هذا*] لَا يتم إلا على مذهب المعتزلة في قاعدة التحسين والتقبيح [ووجوب*] الإعادة، قلت: إما أن يجيب [بأن أدلة البعث*] العقلية ظاهره، ونحن نقول [أدلة*] البعث السمعية [عندنا*] ظاهره، فإن قلت: لم عبر عن الموت بالاسم، وعن البعث بالفعل؟ قلنا: لما تقدم من الجواب في التأكيد. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾

المؤمنون 23:18

دليل على أن السماء [بسيطة، إذ لو كانت كورية لما كانت فوقنا [... ] وأجيب: بأن الجزء السامت فكل شخص هو فوقه، والجزء السامت [... ] هو تحته وفوق الشخص آخر، والسماء [... ]، وفوقنا وهي تحت، وقوله تعالى: (خَلَقْنَا فَوْقَكُم)، دليل على أن الجسم والعرض لَا يبقى زمانين، وهو قول ثالث، قيل: إنما هما مبقيان، وقيل: يبقى الحسم دون العرض، ولا شك أن خلق السماء متقدم علينا، ولا كونها فوقنا إلا بعد وجودنا، فقوله تعالى: (خَلَقنَا فَوقَكُمْ)، دليل على أنها في كل زمن [موجودة مخلوقة*]. قوله تعالى. (طَرَائِقَ). طرق بينها للملائكة. قال ابن عرفة: هذا دليل على أنها ليست ملتصقة إلا أن يقال: الطرق فوق أعلاها بينها وإنها متلاصقة، وفيها خلاف، قيل: إنها سبع، وقيل: تسع على الجملة، وعلى التفصيل أربع وعشرون، حكوا ذلك في كتب الهيئة وأشار إليه البيضاوي. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ قال ابن عرفة: فيه دليل على تعلق القدرة بالعدم الإضافي، وكذلك ما في الحديث فإن قدر الله علي ليعذبني". قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قال ابن عرفة: الإنشاء هو ابتداء الشيء على أكمل وجه، والضمير في به عائد على الماء، هل الماء هو الأصل في النبات والتراب وهما معا، قال: والظاهر أن الماء مكمل للإنبات إذ التراب وحده لَا ينبت فهو الجزء المكمل فلذلك نسب إليه الإنشاء. قوله تعالى: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ). قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول الكثرة إما راجعة لآحاد الفاكهة أو لأصنافها؛ لأن العنب أصناف، والتمر أصناف، وكل صنف من ماله آحاد منعقدة، وكل نوع لا يشبه الآخر، قال: واشتملت هذه الآية على العلل الأربعة، وهي المادة، والفعل، والغاية، والصورة بالماء، هو العلة المادية التي استمد منها النبات، والأقل هو العلة الغائية، والمنفكة هو الصورة باعتبار صور الفاكهة وأنواعها، والفاعل راجع لقوله تعالى: (فَأَنْشَأْنَا) لأن الفاعل [**معالي وكثر بالنقلة عن الأول]؛ لأن غالب التمر والزيت

المؤمنون 23:20

إنما هو الفعلة لَا القوت، لقوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ؍ (٢٠).. ، أن ينقل من طور سيناء إشارة إلى أن الزيتون من الشام ثم نقل منه إلى سائر البلاد.؍ قوله تعالى: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ). الصبغ قال الزمخشري: هو غمس الأيدي في زيتها للأكل به. قوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ أعاد الضمير على بعض الجمع، وهو المؤنث منها. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ قال ابن عرفة: هذا تناقض منهم؛ لأنه أول رسول بعث، فلم يتقدم قبله رسول، فلم يعلموا الملائكة إلا من قوله وهم قد كذبوه، قيل له: قد قيل: إن آدم أرسل إلى بنيه فلعلهم علموا بالسماع منه، وخلق الله لهم علما ضروريا أو خاطبوه على تقدير صحة قوله. قوله تعالى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ). مفهومة أنهم لو سمعوا ذلك لقتلوه فيؤخد منه أن خبر التواتر تقييد العلم، وقوله تعالى قبل هذا (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). قال ابن عرفة: هذه مثالية لَا معدولة؛ لأن موضعها غير موجود بوجه؛ لأن وجود غير الله محال بل الموضع موجود تقديره: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فالموضع هو أنتم فهي معدولة وليس موضعها الله غيره. قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ قال ابن عرفة: هو انتظار لأمر مؤلم. قوله تعالى: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عرفة: الألف واللام للجنس، قيل لابن عرفة: حكى الشيخ النواوي رحمه الله تعالى في الأذكار أن الحافظ أبا عمرو بن الصلاح، سئل عمن حلف أنه يحمد بجميع محامده، فأجاب: بأنه ليس بقوله الحمد لله، وإنما يريد بقوله: "الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، ويقول: الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، ويقول: الحمد لله حمداً [يوافي نعمه ويكافئ مزيده*] ونقله حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

المؤمنون 23:27

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾ إن قلت: قد خاطبه بقوله: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، قلنا: سأله عن سبب نزوله، ولم يطلب منه رفع العذاب، وإنما سأله ليعرف موجب قدرته؛ لأنه كان وعده تنجية أهله وهو يعتقد أنه منهم وعطف: قال الأولى بالفاء، لأنها في قضية نوح عليه السلام، وهو أول من بعث فناسب مبادرة قومه بالتكذيب لعقب الرسالة؛ لأنه لم يتقدم له نظر في ذلك، فجاءهم بأمر غير معهود لهم، وأما الثاني فهي قضية هود وصالح، وقد تقدم قبله إرسال نوح عليه السلام بزمان متطاول وغيره، فعطفه بالواو التي تقتضي الترتيب والتعقيب ولا تنفيهما، فيحتمل أنهم قالوا ذلك عقب إرساله أو بعده بزمان طويل، إن قلت: لم قال أولا (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)، وقال تعالى ثانيا [(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) *]، قلنا: الجواب كالجواب المتقدم، فإن القضية الأولى من قوم لم يعهدوا الرسالة فالكفر فيهم متصل ثابت فبدأ به تنبيها على أنه حاصل لهم على هذه المقالة، وأما الثانية فابتدأ فيها بالقوم إشارة إلى أن كفرهم غير عام فيهم، وأن القائل بعض القوم لَا كلهم، ويحتمل أن يجاب بأنه قدم القول وهنا العطف على وصفهم بالكفر غيره من الصفات. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ عطف على جواب الشرط فظاهره أنه يقول: تعقب الاستواء على الفلك مع أنه إنما يقول ذلك حين تركه في الفلك في الأرض، إما أن يكون اكتفى بدلالة القرائن على ذلك أو يكون أمر أن يدعوا بذلك حين الاستواء لينزل إلى الأرض مطمئنا، أو المراد أنزل على الذي أنا فيه فيكون دعاء بأن ينزل السفينة في محل يصلح لها خشية أن ينزل في محل يفسدها فيصادف حينئذ بكسرها. قوله تعالى: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ). الكلام فيه كالكلام في (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). قوله تعالى: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ). ولم يقل فقولوا الحمد لله، وإنما أفرده بالخطاب؛ لأنه هو المقصد [من*] الأمر بالذات، و (منزل) إما اسم مصدر أو اسم مكان. قال ابن عرفة: والصواب أنه اسم مكان؛ لأن المصدر معنى من المعاني، والمعاني تجمل ولا تثبت بخلاف المكان. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا﴾

المؤمنون 23:35

قال الزمخشري: حق أرسل أن يتعدى بـ إلى [ولم يجعل صلة مثله*]، ولكن [الأمّة أو القرية جعلت موضعا للإرسال*]، قال الطيبي: كقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)، والأصل أن يقال: وأصلح لي ذريتي. ابن عرفة: فتارة يجعل متعلق الفعل محلا له، وتارة يجعله [ظرفا*]. قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ قال ابن عطية: الاستفهام يعني التوقيف على جهة الاستبعاد والاستهزاء. قال ابن عرفة: الاستبعاد في الممكن الرجوع، والاستهزاء في المستحيل الوقوع، فإن استبعدوا وقوعه على سبيل التقرير والإنكار، وإن نفوا الإعادة وجعلوا وقوعها محالا، فهو استهزاء إما بالرسول الذي وعد بذلك، أو بالمخاطبين الموعودين به، قال: والتوقيف إما بنفي المقتضى له أن يوجد المانع له منه فهم أنكروا عليهم واحتجوا بنفي المقتضي، بقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)، من وجهين: الأول: المثلية تمنع من اتباعكم له، [ولَا يتبع الإنسان إلا من هو أعلى منه*]. الثاني: أن المثلية تقتضي التساوي فاتباعهم له ترجيح، إذ ليس اتباعهم له بأولى من اتباعه لهم، وأما وجود المانع فباعتبار أنه آتاهم بالمحال مانع من قبول قوله: هذا عندهم دليل على بطلان قوله: فكيف يتبعونه على بطلان ما جاء به. قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عرفة: كيف الجمع بين هذه وهي من أوعد وبين قوله تعالى: في أول الآية (أَيَعِدُكُمْ)، وهو من وعد، فأجاب: بأن الأول راجع إليهم في الحال والوجود، فلذلك قرنه بالوعد، والثاني: راجع لحالتهم بعد الموت والعدم، فناسب اقترانه بالوعيد. قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضمير عائد على مطلق الحياة، وفسرها بحياة مخصوصة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾ الإنشاء أخص من الابتداء، والقرن إما القطعة من الزمان أو الجماعة المجتمعون في وقت ما، فإن أريد الأول: كان على حذف مضاف، أي أهل قرون، والوصف بآخرين تأكيدا، وكان بعض الطلبة يجعله تأسيسا ويرده بأنك إذا قلت: رأيت رجلا

المؤمنون 23:43

عالما، وآخر أنك تريد رجلا آخر مشاركا له في العلم، بخلاف قولك رأيت رجلا عالما وزيدا، فأفاد الوصف بآخر لمشاركتهم لهم في الظلم، قال: وكان بعض الطلبة يرد بهذه الآية على ابن الخطيب في احتجاجه في (المعالم) على أن الواو لَا تفيد الترتيب بقول القائل: جاء زيد وعمرو بهذه، وجاء زيد وعمرو قبله، أو لو أفاد الترتيب بقول القائل: لكان الأول تكرارا، والثاني: [تناقضا*] فقد أتت هنا لفظة تجد مع أن ثم للترتيب والمهلة، فلم يبق إلا توكيدا، قال: وتقدم الجواب بأن مهلة في ثم على قسمين حسية ومعنوية، فأفاد بعد احتمال إرادة المهلة المعنوية، أو يجاب بقول من دعم أن ثم كالواو فأفادت من بعد رفع إرادة ذلك الاحتمال، أو يجاب بأن من لَا ولا رسم أزمنة البعدية، فأفادت طول المهلة لَا قصرها، قال: ومن أريد بها أول أزمنة البعدية فتكون المهلة طويلة، لأنها عبارة عما بين أول من هلك منهم، وأكثرهم هلاكا، وإن كان أريد بها آخر أزمنة البعدية فالمهلة قصيرة بينها وبين آخر القرون. قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾ إن قلت: هلا قيل وما يستأخرون. قال ابن عرفة: تقدم لنا الجواب من وجهين: الأول: مراعاة رءوس الآي، الثاني: لو قيل وما يستأخرون، لأفاد أن مجموع الأمة لَا يستأخرون عن آجالهم، وما يلزم منه أن لَا يتأخر بعضهم، فعدل عنه إلى هذا التقييد، أن كل واحد منهم لَا يتأخر عن أجله فيكون كليا [... ] مع أن التقدم على الأجل مكروه للنفوس، والتأخر عنه محبوب لها من كل أحد؛ لأن كل أحد يكره الموت، فلذلك جمعهم؛ لأن كل أحد يحب أن يتأخر عن أجله، فقيل لابن عرفة: قد قالت المعتزلة: إن المقتول له أجلان. [... ] قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية صحة صدور المعجزة على غير يدي من تجرأ بها، [والآية*] إنما تجرأ بها موسى، وقد صدرت على يدي موسى ويدي هارون، فإما أن يكون هارون شريكا له، فيؤخذ منه جواز صدور المعجزة على يدي شخصين مشتركين فيها، أو نقول أنها صدرت على يدي موسى دلالة على صدقه في جميع ما جاء به موسى، [وأن*] أخاه هارون نبي، فتكون نبوة هارون ثبتت بقول موسى إنه نبي، مع ثبوث صدقه في مقالته، ونبوة موسى ثبتت بالمعجزة ورسالته ثبتت بالمعجزة، قال ابن عطية: والآية هي اليد والعصا، وسائر [آياتهما*]، كالبحر، والمرسلات الست.

المؤمنون 23:50

قال ابن عرفة: إنما هي خمس، وهي (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ)، والسادس الرجز، لقوله تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ). قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ﴾ قال الزمخشري: هي بيت أرض المقدس، وهي كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء ثمانية عشر ميلا، فينقص بعدها من السماء عن بعد غيرها منها ثمانية عشر ميلا. قوله تعالى قبل هذا (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ). قال ابن عرفة: هذا على ما فسروه من عطف الصفات لَا من عطف الموضوعات، وكأنه يقول: وأرسلنا موسى بمعجزات وبسلطان مبين للاحتجاج بها والتحدي بها. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال المفسرون: الخطاب هذا إما لعيسى وحده، أو لمحمد صلى الله عليهما وعلى آله وسلم وحده، ويكون من خطاب الواحد خطاب الجماعة اعتبارا باختلاف الآية كقوله: فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلِّها؍ يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك؍ وكما قال الفخر: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، أو يكون من قبيل الجمع عن تفريق، كقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، أي قال: كل فريق منهم ذلك. قال ابن عرفة: وهذا كله على القول بمنع خطاب المعدوم، وأما الزمخشري فهو مذهبه، وأجابنا ابن عطية بكلامه بناء على أن هذا القول، وأما على القول بجوازه فيهم أن يراد بيانها جميعها، قيل له: القول بجواز خطاب المعدوم، إنما هو على تقرير وجوده مستوف فيه شرائط تكليفه، والرسل هنا حين نزول الآية قد مضوا وانقرضوا، وليسوا مقدرين الموجود إذ زمن تطبيقهم قد مضى وعودهم [محال*]، وقال: كلام الله قديم أزلي سابق على وجود جميعهم، وهذا أيضا حكاية عما كلف به كل واحد منهم، أن للأكل الطيب تأثيرا في العمل الصالح. قوله تعالى: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). وعد ووعيد ولفظ الرسل غير مقصود هنا، بل المراد المرسلون والأنبياء أتباعهم.

المؤمنون 23:57

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ إن قلت: الخشية الخوف، والإشفاق الخوف، فكيف هم خائفون من الخوف؟ قلنا: الإشفاق وقوع متعلق الخوف فهم خائفون من وقوع العذاب بهم خائفون، وذكر ابن عطية: إن من [لبيان الجنس*]، والصواب أنها للسبب، ويؤخذ منه جواز أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، وتقدم نحوه في سورة الأنبياء في قوله تعالى: (وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، فإن التواضع للعظمة من حيث كونها صفة لله بالتواضع، إنما هو للذات فكذلك الخوف، وما وجه من منع أن يقال: سبحان من تواضع كل شيء لعظمته إلا أنه فهم اللام التعدية لَا للسبب، وإن جعلناها للسبب زال الإشكال، ويكون التواضع للذات لأجل العظمة، قال: سلك في الآية مسلك الترقي بالانتقال من حالة الوقف والتردد، وهي حالة العمل بالفروع، وبقى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ... (٦٠).. ، فالأول هو زمن النظر لهم فهم مشفقون خائفون من عدم العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل على وجود الصانع، وكذلك اختلف الأصوليون في أول الواجبات، فقيل: النظر، وقيل: القصد إلى النظر، وقال أبو هاشم [الشَّكُّ*]. قال ابن عرفة: وأكد الثلاثة الأول: بضمير الجمع، لأنها لبيان الأصول المستلزم للسلامة من صغير الكفر المقطوع لتعذيب صاحبها، والرابع: إيمانه بالفروع المستلزم للسلامة من صفة العصيان التي تحتاجها في المشيئة غير مقطوع بتعذيبه، فلذلك لم يقل (وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوْا)، أو (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، احتراس لقوله تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابقُونَ)، خشية أن يتوهم مسابقتهم إلى فعل ما لَا يطاق، ويؤخذ منه جواز تكليف ما لَا يطاق، وعدم وقوعه، قال الفخر: والتكليف إنما يقع بدون الوسع لَا بالوسع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). قال ابن عرفة: [التكليف بالمتعذر ساقط، والتكليف بالمشقة*] واقع بوقوف الواحد للعشرة، وقد ورد التكليف به، وكوقوف المائة للألف يعني للجهاد. قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَٰذَا﴾

المؤمنون 23:64

قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون إضراب إبطال؛ لأن قبلها (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فهو إبطال لمفهوم هذا، لأن مفهومه [... ] إتباع المخاطبين وموافقتهم على ما جاء به وإلزامهم حكمه، إذا نظروا النظر الصحيح السديد، وتأملوا فيه فأبطل هذا الملازم لكونهم عقلوا، ولم ينظروا فخالفوا حكمه وكذبوه، ويحتمل أن يكون إضراب المال من حكم إلى حكم، لقوله تعالى: (أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُم لَهَا عَامِلُونَ)، أي أعمال قبيحة، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (لَهَا عَامِلُونَ)، قلنا: أفاد نفي احتمال كونهم مأمورون بها أو تسببوا في فعل غيرهم لها فنسب إليهم، فما أن فاعل السبب فاعل المسبب، فنفى هذا الاحتمال بأنهم عاملون لها حقيقة. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عطية: حتى حرف ابتداء لَا غير [وإِذا والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون حَتَّى غاية لـ (عامِلُونَ) *]. قال ابن عرفة: انظر كيف يمنعان ذلك، قيل له: ؛ لأن عملهم سابق على أخذهم بالعذاب، وليس مقارنا له بوجه حتى يقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها (لَهَا عَامِلُونَ)، حين وقت أخذ مترفيهم بالعذاب. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [يفهم*] على عدم تدبير مطلق القول، فيستلزم ذمهم على عدم [تدبر*] قول الرسول، من باب [أحرى*] [**الصدقة وعلى منزلته]. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ أضافه إليهم. قال الزمخشري: لمعرفتهم به وكونه نشأ فيهم، وربا بينهم، ورده ابن عرفة: بأنه يلزم عليه أن لَا يكون رسولهم إلا من عرفوه، قال: وإنما أضافه لما عليه لهم؛ لأنه من جنس البشر، وليس بطائر، ولا ملك. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنهم ذموا على إنكارهم رسالته، مع قيام الدليل المقتضي لصحتها سمعا، وعقلا، وقع نفي المانع منها، أما الاضطرار، [فبقوله*] تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وأما الاختياري فبقوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ)، هو جامع أن الكهان والسحرة كانوا يأخذون منهم

المؤمنون 23:76

الرشوة على الإخبار بالمغيبات التي تقرها الجن في أذنهم وقر الدجاجة، فيكذبون عليها مائة كذبة، كما في الحديث. قوله تعالى: (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ). أخذ منه الطلبة جواز أخذ الأجرة على إقراء الحديث، وترويته وتعليم العلم، لأن ظاهر الآية مرجوحية ذلك لَا تحريمه فدل على أنه جائز، وأن كان مرجوحا، وقرأ حمزة والكسائي: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ [خَرَاجًا*] فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ)، وقرأ ابن عباس؛ (خَرْجًا [فَخَرْجُ*] رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ)، وقرأ الباقون (خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، قال الشاطبي في سورة الكهف: [وَحَرِّكْ بِهاَ وَالمُؤْمِنينَ وَمُدَّهُ... خَرَاجاً شَفَا وَاعْكِسْ فَخَرْجُ لَهُ مُلَا*] فاختصر اختصارا حسنا، وقال في الشعراء: [**وفي خراج مع الريح خلفهم، وكلهم فخراج بالثبوت قرا] (١)، وليس المراد أن الجميع اتفقوا على قراءتها بالألف، وإنَّمَا مراده أن الجميع اتفقوا على أن من قرأها بالألف يكتبها ألفا ثابتة لَا ألفا محذوفة، وهي في الخط ثابتة كسائر الألقاب المحذوفة في الخط. قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ الاستكانة: الخضوع والتذلل، وأورد الزمخشري سؤالا قال: لأي شيء أتى الأول ماضيا، وبالثانية مضارعا، وهلا كانا ماضيين، أو مضارعين، فيقال: فما استكانوا وما تضرعوا، وفما يستكانون وما يتضرعون، وأجاب: بأنه نفى في الأول الاستكانة باعتبار الحصول، وفي الثانية نفى الخضوع باعتبار القابلية له في المستقبل، فإن قلت: هلا قيل: فما تضرعوا لربهم وما يستكينون، فلم خصصت الاستكانة بالماضي؟ فالجواب: أن الاستكانة أخص من سبب التضرع؛ لأن الخشوع يحصل بمجرد العذاب، والتضرع إنما هو يرد به العذاب الشديد، فالتضرع أخص، فإن قلت: نفي الأخص يستلزم نفي الأعم، قلت: نفي الأخص هنا يستلزم ذلك باعتبار سببه، فإن انتفى سبب الذي [... ] سمعي، فإن قلت: ما معنى الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ... (٧٧).. ، فيلزم عليه إذا فتح عليهم العذاب الشديد تضرعوا، قلنا: نعم وكذلك هو لكن لَا يفيدهم التضرع. (١) هذا البيت ليس في الشاطبية، ولا أدري من أين أتى به محقق الكتاب؟؟!!!

المؤمنون 23:78

وقال ابن عرفة: إنما [ألفينا*] مفهوم قوله تعالى: (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ)؛ [أن*] نفي الاستكانة والتضرع يقتضي اتصافهم بالتكبر والتعنت، وعدم [؍ ]. ، فإذا أنزل بهم العذاب الشديد لنفي عنهم ذلك التكبر والتجبر، واتصفوا بالذلة حيث لَا ينفعهم ذلك.؍ قال الزمخشري: وأخذهم بالسنين حتى أكلوا العلهز. ابن عرفة: هو الدم المخلط بالشعر، وقيل: إنه كبير. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ ابن عرفة: الإنشاء أخص من الإيجاد أن يكون تقدير بإيجاد بعض الأجزاء [وكلها*] هو، فإن قلت: لم أفرد السمع؟ قلت: أجاب الزمخشري: بأنه إما مصدر أو اسم [مختص*]. ابن عرفة: وعادتهم يجيبون: بأنه أفرده؛ لأنه مفرد، ومتعلقاته متعددة، والبصر متعدد بتعدد متعلقاته، فكل جهة لها إبصار خاص بها بخلاف السمع، فإنه سمع واحد يسمع به من كل جهة، وليس المراد الخارجة وهي الأذن، فالمراد بالسمع السماع لا الحاسة، بدليل قوله في المدونة فيمن ضرب رجلا بآلة حادة فأذهب سمعه، أن عليه الدية، مع أن أذنه لم تزل أذنه باقية؟ والعطف هنا ترق؛ لأن عدم الرؤية أشد من الصمم، قيل له: قد كان يعقوب وشعيب عليهما السلام: لَا يبصران، ولم يكن أحد من الأنبياء عليهم السلام أصم بوجه، فقال: العمى طارئ عليهما وليس ابتدائيا بوجه، والمراد بالأفئدة هنا العقل؛ لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بهذه النعم، ولا يكون الامتنان إلا بالعقل، لَا بمجرد الفؤاد. قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ). قال ابن عرفة: كانت الطلبة يقولون: يحتمل أن يزيد القدر المتحرى من الشكر هو قليل، ويحتمل أن يرد الشكر الأعم، فعلى الأول: من صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يفعل الطاعات هو شاكر قليلا، وعلى الثاني: من وحد الله ولم يصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم، هو شاكر مطلق شكر. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

المؤمنون 23:80

قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) [... ]. ابن عرفة: بل المراد أفردكم فيها لئلا يلزم عليه التكرار، أي أقركم فيها بلا تناسل. قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، تقديم المجرور إما للحصر أو لرءوس الآي أو للنشر. فقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.. (٨٠).. ، في إسناد الإحياء والإماتة إلى الله تعالى، رد على الحكماء القائلين بالطبع والطبيعة، وفيه دليل على أن الموت أمر وجودي، لخروجها مخرج الامتنان، والامتنان إنما يقع بالموجود لَا [بالمعدوم*]، أو؛ لأن الموت تفريق الأعضاء، والتفريق أمر وجودي. قوله تعالى: (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وانتقل من ذات الامتنان إلى الاستدلال بأمر خارجي عنه، وهو العالم العلوي. قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا﴾.. إضراب إبطال؛ لأن نتيجة ما تقدم الاعتبار والإنابة والخضوع، فأضرب عن ذلك، والإضراب عنه يستلزم فعل نقيضه، بل بمعني مسكون عنه محتملا لفعل النقيض ولعدم فعله، فقال: لم تفعلوه بل فعلوا نقيضه، والمثلية تقدم في الأصول هل هي بديهية أو نظيرية؟ والخلاف هل هي عملية، أو إضافية. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ قال ابن عرفة: حذف المقول له، إما لكونه معلوما من السياق، أو لدلالة حال سيقولون عليه، قال: والآية دالة على وجود الله ووحدانيته، قال: ويستفاد منها أمران: أحدهما: تقرير النعمة لنصب هذه المذكورات دليلا على وجود مالكهما ووحدانيته. الثاني: نفي القدر عمن خالف وجحد، قال: وخصص الأول بالتذكير؛ لأن الإنسان في أول أحواله يتذكر الدليل ليعلم ماذا تقرر عنده، فإذا تقرر عنده العلم حصلت له التقوى، فالقدرة ناشئة عن التذكر فهي في ثاني رتبة، وبدأ أولا بالأمر الحسي القريب، الوجود منهم ثم بالحسي العلوي الأعظم خلقه، فالمعنوي في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ؍ (٨٨).. ، فقرن الأول بالعلم، وحذفها من الثانية؍

المؤمنون 23:91

لبعدها عن الأول، ويؤخذ من الآية أن العلوم تذكيرية، وهو مذهب الفلاسفة، ومذهب الجمهور أنها إنشائية لَا تذكيرية. قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ). قال ابن عرفة: الآية حجة المقول بإمكان معرفة حقيقة ذات الله عز وجل، والقول بالعلم بها، وهما مبطلان، ذكر الخلاف فيهما ابن التلمساني شارح المعالم فأما إمكان معرفة ذات الله تعالى، فقال الفلاسفة والحكماء: أنه محال، ومذهب الجمهور جوازه، وأما وقوع ذلك في مذهب الفخر وجماعة: أنه واقع، ومذهب القاضي أبي بكر، والأشعري، وجماعة: الوقف، والوقف ما وقف حياة، أو وقف استرشاد، والسؤال بمن إنما يكون على الحقيقة، والأفلاك من حيث الجملة، اختلف فيها فقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة، ومن حيث التفصيل اتفقوا أنها أربعة وعشرون فلك. قوله تعالى: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ). قال الشهرستاني، والغزالي: الفلك عبارة عما وجد في الخارج، مما هو مشاهد الموجود، والملكوت: عبارة عما وجدوه، مما لم تشاهده، ولم يوجد. وقال ابن عرفة: الملك أعم فيطلق على ما قدر وجوده سواء وجد أو لم يوجد، والملكوت: عبارة عما وجد في الخارج، فظاهر الآية أن المستحيل لَا يصدق عليه شىء. قوله تعالى: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ). أي هو يمنع غيره ولا يمانع فيما يفعل، يقال: أجرت فلانا من فلان أي منعته منه، وهذه الجملة إما في موضع الحال، أو معطوفة، أي ومن يجير، ولأن بعضهم يرجح العطف؛ لأنه يقتضي تعديد هذه الأدلة، وتقدر الدليل أولى من إيراده. قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ يعني اتخاذ الولد أعم من نفي الولد، فيدل باللزوم عن نفي الولد. لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وما ينفي الحال، والمراد به ما وقع ودام، والقرينة هنا تدل على عموم النفي في كل الأزمنة. قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ).

المؤمنون 23:92

وقال ابن عرفة: عدل عن الاستدلال عن عدم اتخاذ الولد، إذ دليله ظاهر [على وحدانية الله تعالى*]، وفي تقرير الاستدلال بهذه الآية إشكال لاقئضائها من لوازم الإله الخلق، وهو باطل؛ لأنه يلزم عليه قدم العالم. قال ابن عرفة: الجواب عن الإشكال، أن المراد وقوع الخلق بالفعل، وتقريره في الآية أنه لو فرض تعدد الآلهة مع [ضميمة*] وقوع الخلق منهم في الوجود الخارجي للزم عليه استقلال كل واحد منهم بمخلوقه، وعلى بعضهم على بعض، واللازم باطل باللزوم مثله بيان الملازمة، أن الفرض وجود المخلوقات، فهذه المخلوفات إما أن لا تضاف خلقها لواحد منهم، وهو باطل؛ لأنه خلاف الفرض، أو يكون معدودة للجميع وهو باطل لاستلزامه اجتماع أثرين على مؤثر واحد، أو تكون مقدورة لأحدهما دون الآخر، وهو ترجيح من غير مرجح، فلم يبق إلا أن يضاف بعضها إلى هذا، فيكون مقدراً له، وبعضها إلى الآخر والبعض الذي اختص به أحدهما، إما أن يكون الآخر قادر على إيجاده، وهو تحصيل الحاصل، أو على إعدامه فيلزمه التناقض والعجز، فصح أن كل واحد منهم إله للآخر فيما اختص به عنه، وهو معنى علو بعضهم على بعض. قوله تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ). راجع إلى اتخاذ الولد والأنداد. قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ راجع إلى نسبتهم لشريك الله. قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾ يحتمل أن يكون من وعد في الخير، أو من أوعد في الشر، وهي هنا من أوعد. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ دعواه بذلك مع عصمته منه لَا يقال: إنه تحصيل الحاصل، بل هو إما من تعليمه لأمته، أو كما قال الزمخشري: إنه إظهار للتذلل والخضوع، قال: واقتران الفعل [بـ في*] دون (من)، إما مبالغة [في*] النفي؛ لأن قولك: زيد من الظالمين، فإنه يقتضي صحبته لهم أعم من أن [يكون*] شريكا لهم في الظلم، بخلاف قولك: زيد من الظالمين، فإنه يقتضي مشاركته لهم في وصفهم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾

المؤمنون 23:96

قال إمام الحرمين في الشامل: مذهب أهل السنة، صحة تعلق القدرة والإرادة بما علم الله عدم وقوعه، ومذهب غيرهم امتناع ذلك. قال ابن عرفة: والآية حجة لأهل السنة لاقتضائها عموم تعلق قدرة الله تعالى، بأن جعل نبيه مبصر الجميع، ما وعد به من أنواع المهالك في الدنيا؛ لأن الرؤية بصرية، وقد مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل استيفاء ذلك، لهلاك جمع كثير منهم ممن ارتد بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم على يدي أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما وقد نص الله تعالى على تعلق القدرة بذلك. قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ المراد إما بالخاصة، أو بالحالة، أو بالفعلة التي هي أحسن، ويتناول الحالة القاصرة والتعدية، وهو أن يدفع عجزه عن الطاعة بنشاطه وعمله، وانتقامه لنفسه بعفوه عن الجاني. قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ). هذا تسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي افرغ وسعك وقاتلهم بما في كسبك، وما سوى ذلك [مما*] لم يبلغه وسعك*] فنحن أعلم به ونجازيهم عليه، وكان بعضهم يأخذ من الآية ترجيح القول بتخفيف العقوية في المسائل التي اختلف في منتهى العقوبة فيها بالكثرة والقلة بنا، على أن المراد بالأحسن الأخف، ويحتمل أن يراد الأحسن شرعا فينعكس الأمر ويكون الأحسن الشديد. قوله تعالى: ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ إما على [أن*] لكل شيطان همزة، أو لكل شيطان همزات. قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ ئأسيس؛ لأن الحضور أعم من الهمز، وقد دعا بنفيه، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أمر وجودي أو عدمي، فإن كان عدميا، فالمراد بمجيئه مجيء [علة الموت*]، وإن كان وجوديا فهو عرض من الأعراض، كما أن الحياة عرض، وهي أمر وجودي،

المؤمنون 23:100

والمراد بمجيء الحصول، وبعد حصول الموت هو الذي يطلب الرجوع؛ لأنه على مذهبنا انتقال من دار إلى دار، لَا إعدام لبقاء النفس الناطقة، والروح فيه تطلب الرجوع البدني لدار الدنيا، فلا تسعف بذلك. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ أي من أمامهم، وعبر بلفظ الواو إشارة إلى تحقيق وقوعه، وأنه أمر واجب لَا بد منه، فهو طالب [لهم*]، كطلب من يتبع الإنسان من [خلفه*]، لأنه لَا مفر له عنه بوجه، بخلاف من هو أمامه، فإنه قد [يجيئه*] شمالا ويمينا. قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي الأنساب ثابتة أي نافعة، وإلا فالأنساب موجودة، ويحتمل أن يكون على التوزيع أو بين كل شخصين نسب، ويحتمل الجميع، لأنه قد يكون بين كل شخصين أنساب، فيكونان ابني عم وزوجان، أو أخوين، وإلا [فاللفظ*] عام للجميع، وقوله تعالى: (فَلا أَنْسَابَ)، إشارة إلى الآباء عدوهم الأصحاب، فلا يسأل أحدهما الآخر عن حاله، بل كل أحد مشغول بنفسه. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ يدل على اتصافهم بمذهب الجبرية القائلين: بأن لَا قدرة للعبد ولا كسب، لأنهم آتوا هذا عذرا لهم، أن هذا أمر قدر علينا لَا طاقة لنا به، كقول آدم لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليهما وسلم: [تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ*]، وقولهم (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا... (١٠٧) يدل على اعتقادهم أن لهم كسبا [واختيارا*]. قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال الزمخشري: وعن ابن عباس رضي الله عنهما [إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فيجابون: حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي*]. ابن عرفة: يحتمل أن يجابوا بذلك في كل مرة، أو في المرة الأخيرة، وهو وكذلك الحكم في الست دعوات إلى آخرها، قال ابن عطية: ونهيهم عن الكلام، وهم لَا يستطيعون الكلام مبالغة في المنع، [ورده*] ابن عرفة: بوجهين: الأول: أنهم يستطيعون الكلام وقد قالوا: [(يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) *] وتكلموا بغير هذا، وقد ورد الدعاء بالواجب، فكذلك النهي عما هو غير مستطاع. قوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ).

المؤمنون 23:109

كان بعض الطلبة يقول: دليل على أنه [؍ ] إذ ليس بواجب عقلا، وإنما واجب شرعا.؍ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ [إِنَّ رُؤَسَاءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَضْحَكُونَ بِالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ مِثْلِ بِلَالٍ وَخَبَّابٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ - رضي الله عنهم*] قوله تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا). ويؤخذ منه قول ترجيح، قول ابن سحنون: في إجازته قول القائل: من غير تقييد بالنسبة؛ لأن هذا إنشاء لَا خبر عن معنى والقطع فالمعتقد دوامه، وقد حكى عياض: أن رجلا ضرب الباب على ابن سحنون، فقال: كيف تقول أنا مؤمن؟ فقال: أنا مؤمن إن شاء الله فبصق في وجهه، فأصيب الرجل بلكمة واعورت أحد عينيه. قال ابن عرفة: والتحقيق أنه قصد الإعلام بحالته، فلا شيء فيه، وإن قصد الإعلام بعاقبة أمره فلا بد من الاستثناء. قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا). دليل على التوبة غير مقطوع بقبولها إلا أن يجاب فيه بصحة الدعاء بالواجب إظهار التذلل والخضوع. قوله تعالى: (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ). ولم يقل: أنت خير الغافرين؛ لأن الرحمة سبب في المغفرة، وإسناد الحكم إلى السبب أقوى من إسناده إلى سببه، ولذلك فرق الفخر بين [بُرْهَانِ اللِّمَ وبُرْهَانِ الْآنِ*]. قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي خدمة وهو بضم السين، وقرئ بكسرها، أي فعله، واستهزاء وقيل: العكس. قوله تعالى: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي). قيل: حتى [للتعليل*]، وقيل: غاية، فإن قلت: مفهوم الغاية على أن نسيانهم ذكر الله واقع لاتخاذهم المؤمنين سخريا، قلنا: واقع العموم السخرية، ويبقي أخصها، وهي السخرية الأخصية الشديدة [... ] فهو آخر مدخر. قوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وجه الحصر هنا إما باعتبار قسمهم وهم الكفار أو للمحصور فيهم فوز خاص وسائر المؤمنين حصلوا فوزا عاما.

المؤمنون 23:112

قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ قال ابن عرفة: كلام الشاطبي هنا مشكل؛ لأنه قال: [وَفي قَالَ كَمْ قُلْ دُونَ شَكٍّ وَبَعْدَهُ؍ شَفَا وَبِهَا يَاءٌ لَعَلِّيَ عُلِّلَا*]؍ فقوله: [وَبَعْدَهُ*] يوهم بأن الخلاف في (قالوا) كما هو في (قال)، وإنما قرئ [(قالُوا*] لَبِثْنَا يَوْمًا أَو بَعْضَ يَوْمٍ)، فأجيب: بأن لفظ قال يدل على أن الذي بعده مثله، فما هو إلا قال الثاني، فقال: هذا أمر مردود، لقوله في باب الإمالة: [وَكَيْفَ الثُّلاَثِيْ غَيْرَ زَاغَتْ بِمَاضِيٍ... أَمِلْ خَابَ خَافُوا طَابَ ضَاقَتْ فَتُجْمِلَا وَحَاقَ وَزَاغُوا جَاءَ شَاءَ وَزَادَ فُزْ... وَجَاءَ ابْنُ ذَكْوَانٍ وَفِي شَاءَ مَيَّلَا*] مع أن حمزة يميل [جاء*] مفردا أو مثنى أو مجموعا، قيل له: يستدل على هذا، بقوله: "وكيف الثلاثي" معناه كيف ما كان مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، وغلط ابن عطية النسبة لابن عامر أنه قرأ كنافع وليس كذلك، وإنما قرأ كابن كثير ونسب البزي أنه قرأ وهي قراءة ابن كثير من طريق البزي، وقيل: وكذلك غلط أيضا، فقال: ادعم أبو عمرو والكسائي (لَبِثْتُمْ). قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ... (١١٦)﴾ في ظاهرها حجة للمعتزلة [بوجوب*] الإعادة عقلا، فالجواب: إن معنى (أَفَحَسِبْتُمْ) بعد بعثنا الرسل إليكم أنا خلقناكم عبثا؛ بل جعلنا خلقكم مرتبطا بثوابكم أو عقابكم [بالشرط*] الشرعي العادي؛ [لا أن*] ذلك واجب على الله عقلا، بل هو واجب شرعا، وإعادتكم جائزة عقلا، وهي بالشرع واجبة، قيل لابن عرفة: فلم عطف عليه (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)؟ فقال: لأن خلقهم عبثا يستلزم عدم إعادتهم، فلذلك عطف عليه قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ) هو أبلغ من على الله. قوله تعالى: (الْمَلِكُ الْحَقُّ)، هو القادر على كل شيء، النافذ أمره في كل شيء. وصلى الله على مولانا وسيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى سائر إخوانه ساداتنا من الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين، وعلى آلهم وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، آمين. * * *

النور 24:1

سُورَةُ النُّورِ قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ قال ابن عطية: سورة خبر مبتدأ، أي هذه سورة، أو هو مبتدأ و (أَنْزَلْنَاهَا) صفة، وخبره الجملة من (الزانِيَةُ وَالزانِي) ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح كونه مبتدأ خبره أنزلنا؛ لأن سيبويه لم يشترط في الابتداء بالنكرة إلا [حصول*] الفائدة، ولا شك أن الفائدة أكثر من الفائدة في قولك: رجل من بني تميم قائم، وقرئ [بنصب (سُورَةً) فأعربه الفراء حالا*] من ضمير المفعول في (أنزلنا)، قيل لابن عرفة: وأين مفسر الضمير؟ فقال: لما أنزلنا الأحكام أو الشرائع حالة كونها سورة. قال ابن عرفة: و (أَنْزَلْنَاهَا)، إن أريد إنزالها إلى سماء الدنيا، فيكون ماضيا حقيقة. ابن عطية: فرضناها بتخفيف الراء ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وقوعه. ابن عرفة: ولذلك جعل أبو زيد الدبوسي الفرض ما نشأ عن دليل قطعي، إذ هو مأخوذ من الفرض في الخشية، والوجوب ما نشأ عن دليل قلبي إذ هو بمعنى السقوط، قال تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، وقرئ بالتضعيف لتكرر الأحكام فيها ما لم تتكرر في غيرها. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). أي يفصل لكم على شبيه بما تحصل لمن تذكر شيئا نسيه أو تذكرون ما علمتم يوم [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ*]، والحكماء القائلون بأن العلوم كلها تذكيرية يحملونها على ظاهرها. وفال الفخر: هذا إشارة إلى اشتمالها على الأحكام وعلى أدلتها، فقال ابن عرفة: ليس فيها أدلة، قال: فيها أدلة. قال: وفيها من علم البيان [... ]. السرقة من الرجل أكثر، [ووقوع*] الزنا من النساء أكثر، فإن قلت: هذا يتم في السرقة ولا يتم في الزنا، لأنها نسبة إضافية، فكذا المرأة يكثر منها الزنا مرات مع رجال كثيرين، والرجل في الأكثرين مرة واحدة، قلت: أو لكثرة النساء وقلة الرجال، قال ابن عطية: وهذه الآية عامة عند الجميع، وحكم المحصنين منسوخ، واختلفوا في النَّاسخ، فقالت فرقة: النَّاسخ: السنة المتواترة. قال ابن عرفة: هذا عند الأصوليين تخصيص لَا ناسخ، لكن قالوا المخصص إذا ورد على العام بعد العمل به فهو ناسخ، وإن كان قبل العمل به فهو تخصيص، في قوله: السنة المتواترة. قال ابن عرفة: هذا عند الأصوليين مخالفا لما قال ابن الصلاح: لم يتواتر من الأحاديث غير حديثين: حديث "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". وحديث "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". والباقي أخبار آحاد.

النور 24:2

ابن عطية: وقالت فرقة: بل النَّاسخ القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه. ابن عرفة: وهو الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما ألبتَّة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ابن عرفة: هل هذا من باب وروده على النفي [عن*] غير المخاطب، مثل [لا أرينك هاهنا*] للرأفة، فالأصل أن يقال: [لَا ترأفوا بههما*]، أو يكون من باب النهي عما هو أمر جلي، فيرجع إلى ترك أسبابه. قوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). [جمعت الآية العذاب الحسي، والعذاب المعنوي*]، والطائفة اختلفوا في أقل ما يجزئ منها. ابن عطية: عن الحسن البصري عشرة، وعن ابن زيد أربعة، وعن الزهري ثلاثة، وعن عطاء، وعكرمة اثنان، وهو مشهور قول [مالك.*]؛ وعن مجاهد رجل واحد. ابن عرفة: وقيل: ستة لأنها أول العدد التام الأجزاء. قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فسره ابن عطية بأربعة أوجه: إما أن النكاح الوطء، فالزاني لَا يطأ إلا زانية، قال: ورده الزجاج بأن النكاح بمعنى الوطء، لم يرد في القرآن، وأجاب ابن عطية بوروده (حَتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، ورده ابن عرفة بأن الصحابة إنما فهموه على العقد، ولذلك لما أرادت المرأة غير المدخول بها الرجوع لزوجها الأول منعها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بقوله: "حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، فلو كان قضى في الوطء لما احتاجت إلى تفسير الآية، فإن قلت: معلوم أن الزنا لَا يكون إلا بزانية، وأن الزانية لَا يطأها إلا زان، قلنا: قد يزني الزاني بامرأة مكرهة على الزنا، فهو عام مخصوص ولا يلزم من عطف الزانية عليه تخصيصها؛ لأن الإكراه في الرجل غير مفهوم، لكن يقال: قد تكون المرأة عالمة بالزنا ويزني بها الرجل غالطا ظانا أنها زوجة، فإن قلت: لم بدأ أولا بالزانية في الجلد وبالزاني بالنكاح؟ قلنا: بدأ هنالك بالزانية لأنها هي المادة التي جاءت منها الجناية، لأنها لو لم تطع الرجل لم يطمع، والآية سيقت لعقوبة الجاني، والثانية سيقت لهذا النكاح، والرجل أصل فيه؛ لأنه هو الخاطب، وأيضا فلأن الرجل في الوطء فاعل، والمرأة منفعلة، فلذلك بدأ به. قوله تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). وكان بعضهم يفسره بأمرين: إما أنه [حكم بالتحريم*]، وإمَّا إخبار عن الواقع، أي المؤمنون الكاملون الذين منعوا أنفسهم منه فلا يقعون فيه، ولا يفعله إلا مشرك أو ضعيف الإيمان، كما قاله: "لَا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".

النور 24:4

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ابن عرفة: إنما ذكر قذف المحصنات دون قذف المحصنين؛ لأن لحوق المعرة للنساء أشد، بدليل قول الإمام مالك رحمه الله: قاذف الصبي الذي يطيق الوطء [إنه لَا يحد*]، بخلاف قاذف الصبية المطيقة للوطء، وما ذلك إلا للحوق المعرة لها. قوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً). مع أن مالكا رحمه الله، قال في الضد: إذا قذف إنه يجلد نصف الثمانين [وعقاب القاذف*] بثلاثة أمور: حسي: وهو الجلد وعدم قبول الشهادة، ومعنوي: وهو الحكم عليه بالفسق. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ منها أنه إذا شهد أربعة على الزنا أحدهم الزوج أن الثلاثة يحدون؛ لأنه ألغى شهادة الزوج، بقوله تعالى: (وَلَم يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أنْفُسُهُمْ)، فإذا ثبت إلغاؤها مع انفرادها ثبت مطلقا، وهي مسألة المدونة في [أجزاء اللعان*]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ يؤخذ منه في مسألة الغيبة فيمن حلف على طائر أنه غراب، وحلف الآخر أنها حدأة، فغاب عنهما أنهما يَدِينَانِ ولا يحنث واحد منهما، وكذلك هذان المتلاعنان؛ لأن أحدهما على الباطل مع أن الله تفضل بأن يستر عليهما، وقد جاء في حديث ماعز بن مالك والغامدية، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لهما بعد تمام اللعان: "أحدكما كاذب"، وتركهما ولم يتعرض لهما، ولم يقل لهما ذلك قبل اللعان؛ لأن لعانهما أوجب لهما [حرمة*] يبقيا مهملين من العقوبة.

النور 24:11

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ... (١١)﴾ ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن دل الدليل على الاعتناء بالمخاطب، فإنه يقال: لا تحسب زيدا قائما، وإن لم يقصد الاعتناء به، فيقال: ليس زيد قائما. قوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ وكان بعضهم يقول: إطلاق الألفاظ على مسمياتها تابع للتركيب الوجودي، ولا شك أن ظن الخير سبب في قوله: والسبب سابق على المسبب، هلا عطف بالفاء، فكان يقال: فقالوا هذا إفك، قال: لكن يجاب بأنه إذا كانت السببية ظاهرة جلية، لم يحتج إلى عطفها بالفاء، وإنما يحتاج ذلك في السببية الحقيقية. قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ابن عرفة: يؤخذ منه أن من قذفه رجل بالزنا، وعلم من نفسه صدق قاذفه، وأنه زان فلا ينبغي له السكوت عنه، بل يرفع أمره إلى الحاكم، ويقوم بحقه في ذلك حتى يجد قاذفه حد القذف بدليل قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، فكل من لم يأت بالشهادة على صحة قوله فهو عند الله كاذب، وإن كان في نفس الأمر صادقا، يؤخذ من الآية أن من رمى عائشة رضي الله عنها، وكرم وجه أبيها بذلك، فهو كافر؛ لأنه كذب بالقرآن، ومن رمى غيرها من نسائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنهن فهو فاسق؛ لأن الكل مبرءات [طاهرات*] غير أن تبرئة عائشة رضي الله عنها، وكرم وجه أبيها، وردت في القرآن بخلاف غيرها، ولم يكن هذا في زوجة نبي قط؛ لأنه مما يعيب الرجل أن تكون زوجته زانية.

النور 24:14

قوله تعالى: في امرأة نوح وامرأة لوط: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)، بأن كفرتا فقط لولا ذلك ما احتيج إلى قوله تعالى: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عرفة: إنعام الله تعالى على العبد له اعتباران: تارة يعتبر من حيث كونه واقعا فهذا يسمى تفضلا، وتارة يعتبر من حيث كونه مراداً فهذا يسمى رحمة، كذا كان بعضهم يقول: قال ابن الخطيب: الفضل باعتبار الإمهال في الدنيا، والرحمة باعتبار تخفيف العذاب في الآخرة. قوله تعالى: (لَمَسَّكُمْ). قال ابن عرفة: هذا أبلغ من أن يقول: لأصابكم، أو لأنالكم، أو لوقع بكم، لأن المس يقتضي تحقيق الإصابة. قوله تعالى: (فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ)، الإفاضة: هي استماع الحديث لإسماعه مع الإجابة ومنه المفاوضة. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال ابن عرفة: الباء للسبب، ومعناه قلتموه، والسبب مجرد سماعه من ألسنة بعضكم من غير طلب دليل على صحته والإسناد [... ]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا﴾ فعبر بالكلام والقول أعم من الكلام، والقاعدة استعمال الأعم في النفي والأخص في الثبوت، قال: فالجواب: أن الأول في معرض الذم لهم، فذموا على إشاعة مطلق القول الذي يتناول القيد الخاص، وما دونه فأحرى أن يذموا على إشاعة القول المتناول للغيب الأخص، ثم قال تعالى (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ)، فنفى، ولولا إذ سمعتم هذا القول الخاص سماعا مستكملا لشرائط السماع، قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا فأحرى إذ سمعتموه مطلق سماع، وإن لم يستكمل بعضه أن ترجعوا وتقولوا: لا نتكلم به، قيل له: إنما هذا لو قيل: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) كلاما فيكون في موضع الثبوت، وإنما أتى هنا بالكلام في سياق النفي، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم،

النور 24:19

فأجاب باسم الإشارة في قوله، بهذا يفيد مع قوله: تكلم أنه سماع كلام لَا سماع قول، فلما أثبت الأخص نفاه بقوله: ما (نَتَكَلمَ بِهَذَا). قوله تعالى: (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ). قال ابن عرفة: البهتان أن تقول في الشخص ما ليس فيه، وهو هاهنا كذلك بزيادة مخالفته للضرورة، كقولك: الواحد نصف الاثنين لوصف البهتان بالعظم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون قوله تعالى: (فِي الَّذِينَ آمَنُوا) كل أركانه. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ الرحمة أخص من الرأفة، فإذا أطعمت فقيرين أحدهما مشرف للهلاك، والآخر معه بعض زمن يصدق عليك، أنك رحمت الأول ورأفت على الثاني. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عرفة: المنكر كل ما قبحه الشرع مما اشتَّد قبحه كالزنا، وشرب الخمر فهو منكر، وما كان دون ذلك، كالغيبة ونحوها فهو فحشاء. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ قالوا: يأتل إما من الإيلاء، أو بمعنى التقصير. ابن عرفة: وهو الصواب؛ لأنه إذا كان من الإيلاء لزم عليه تكليف ما لَا يطاق، ولأن إيلاء أبي بكر كرم الله وجهه وقد وقع وما وقع لَا يرتفع، ولا بد أن يرجح النهي لدوام الإيلاء وتقريره؛ لأنه إن قاله في قسمته، فكأنه حدده وهو مجاز وإلا فسد. قوله تعالى: (أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ). والسعة من عطف الخاص على العام؛ لأن الفضل هو الزيادة في المال أعم من أن يكون فيه اتساع أم لا. قوله تعالى: (أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). قيل لابن عرفة: هذا دليل على إبطال القول بالإحباط؛ لأن مِسْطَحًا كان ممن خاض في حديث الإفك، وتولى كبره فلو كان إثمه يحبط لحصل له من ثواب الهجرة لها (والمهاجرين في سبيل الله)؛ لأنه من عطف الصفات.

النور 24:26

قوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا). قال ابن عرفة: العفو عمن قصد الجناية عمدا كان أو خطأ، والصفح بالمتعمد، بدليل قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، فإذا شككت في تعدي رجل عليك ثم تركته فهذا عفو، وإذا تحققت ذلك ثم تركته فهذا صفح. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ والمراد الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، والفعلات الخبيثات للرجال الخبيثين. قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ). قال: عادتهم يوردون: سؤالا، وهو أن تبرئتهم من هذا يقتضي عدم [احتياجهم للمغفرة*]، فيناقض قوله تعالى: (لَهُم مَغفِرَةٌ)، فأجيب بأنه يغفر لهم لثبوت ما يثبت بسبب رميهم مما هم برآء منه، وإما بأن قوله لهم يقتضي الحصر وخصوص هذه المغفرة الخاصة المعنى لهم بها وحدها، ولذلك قدم المجرور. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... (٣٥)﴾ قال ابن عرفة: ذكر القاضي ابن عبد السلام أنهم اجتمعوا للشهادة في ميدان في حقيقة هذه الآية، فامتنع الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع من الشهادة عنه حتى يذكر الآية كلها قال [باقي الآيةِ صفةٌ لـ (مصباح) *]. قال ابن عرفة: وهذا عندي مستحسن لَا واجب. قوله تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ ولم يقل: أمر الله أن ترفع، فالجواب: إن كان المطلق محبوبا للنفس، فيقال فيه: (أَذِنَ) لأنها بنعتها تطلبه وتفعله، والإذن خاص مما ترغب النفس في فعله، والأمر عام فيه وفيما تكرهه النفس وتعظيم هذه البيوت مما تفعله النفوس وتحرص عليه. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ إن قيل: ظاهره أنهم يثابون على الأحسن لَا على الحسن، فالجواب هنا: إن قلنا: إن المباح حسن فظاهر؛ لأن ما فوقه مندوب، وإن قلنا: إنه ليس بحسن، فيكون تهييجا على الاتصاف بأعلى الطاعة، فوعدهم بالثواب على أعلاها دون أدناها.

النور 24:39

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ هذه اتباعهم المقلدين، لأنهم يظنون أن كبارهم على شيء كما يظن الناظر إلى السراب أنه ماء فلا يجده شيئا. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ هذه في آلهتهم ورؤسائهم المتنوعين، لأنهم في الظلمات لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه حق، فإذا هم يمشون في الظلمات لَا دليل لهم بوجه. قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ نقل ابن عرفة هنا كلام المفسرين، ثم قال: والظلم من معنى الآية أن الشيء بما يثبت بعد نفي الجرم بثبوت نقيضه، أو نفي الشك في ثبوت نقيضه، أو نفي لازم نقيضه، فقوله تعالى: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، راجع لنفي ثبوت الإيمان، وقوله تعالى: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هذا ظلم الكفر لَا ظلم المعصية المذكور، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ يحتمل أن يكون [نفس الْحُلُم*]، أو بلغوا أن يحتلموا في النوم، والظاهر الأول، لأن البلوغ [يقتضي*] قطع المسافة، وهذا يستدعى الزمان، فإِن قلت: لمَ لم يقيد استئذان المماليك بالعتق، كما قيد استئذان الأطفال بالبلوغ؟ فالجواب: أن الأطفال إن بلغوا فلا يزالون أولادا وقرابة، والمماليك إذا أعتقوا صاروا أجانب. قوله تعالى: (كَمَا اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم)، المراد من قبلهم في الزمان؛ لأن الذين قبلهم في الزمان الأطفال، ولم يكونوا يستأذنون، وإنما المراد [القبلية*] في ذكر بيان الحكم، أي استأذن الذين تقدم بيان حكمهم قبل هؤلاء، والكاف للسبب أو للتعليل، مثل: وأحسن كما أحسن الله إليك. قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ). وقال: بعدها وقبلها (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ)، وأجيب بوجهين: الأول: قال ابن عرفة: هذه خاصة بالأطفال، والتي قبلها عامة في العبيد والأطفال، فأتى منها بالآيات مطلقا غير مقيد بالإضافة وهذه خاصة، فعبر فيها بلفظ خاص، ومنهم من أجاب بأن الخطاب للبالغين فأسند الحكم فيه لله تعالى تخويفا لهم وتشديدا عليهم.

النور 24:61

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ يحتمل أن يراد في التخلف عن الجهاد، ويحتمل أن يراد في الأكل من كل جهة، ويحتمل أن يراد نفي الحرج عمن يأكل مع الأعمى، وله أن يجعل يده في الإناء، فيكون إما على حذف مضاف، أي ليس على مُجالس الأعمى حرج، أو تكون على التعليل كما قال ابن مالك، أي ليس لأجله حرج. قوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ). نفي الحرج عن الإنسان في الأكل من البيوت معلوم، فما فائدته إلا التساوي بينه وبين نفي الحرج عن الأكل من بيت الآباء مع أن طاعة الأم آكد لتكرار [دخولَ الأبناءِ إياها*]؛ لأن النفقة واجبة على الآباء، وقدم العمة؛ لأن الحضانة لها عند الإمام مالك رحمه الله دون الخالة، فإن قلت: أفرد الصديق وجمع غيره، قلت: إنما أفرده لقلته أو أراد به الجنس. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يحتمل أن يراد مطلق الإيمان، والكاملون الإيمان، وهو [الأعم*]؛ لأن الخبر عندهم أعم من المبتدأ؛ لأن في المحصور؛ لأنه أخص بقول: إنما العالم زيد، والخبر هنا مقيد بتوقيفهم على استئذانه، إذا كانوا معه على أمر جامع، فدل على أن المراد الكاملون في الإيمان، ولا يلزم منه أن يكون أويس القرني منهم، لأنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يكن معه حتى يستأذنه. قوله تعالى: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ). لا يؤخذ منه أنه مجتهد؛ لأن هذا اجتهاد في محل الحكم لَا اجتهاد في إثبات حكم شرعي، كما استأذنه بعضهم في التخلف عن الجهاد، [فإن بدا له عذر يمنعه ويبيح له التخلف فيأذن له*]. قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ والنهي للتحريم والمصدر مضاف إما للمفعول، أي دعاؤكم للرسول، وهو أن الداعي إذا دعا يقول: السلام عليك يا رسول الله، ولا يقول: السلام عليك يا محمد، فأمروا بالتأدب معه أو مضاف للفاعل، أي لَا تجعلوا دعاء الرسول لكم إلى أمر من الأمور كدعاء بعضكم لبعض بحيث تمتثلوا أمره تارة، وتخالفوه أخرى، فإن قلت: ما فائدة قوله (بَينَكُم)، [والأصل عدمه*]؛ لأن النهي على المطلق [أولى*] من النهي المقيد؟ فالجواب: أنهم إذا نهوا عن مخالفة أمره فيما بينهم، أي في حال غيبته عنهم، فأحرى أن ينهوا عن مخالفة أمره فيما بينهم وبينه، أي بحضرته معهم، فيعلق النهي بالأخص؛ ليدل على ما عداه من باب أحرى. * * *

الفرقان 25:1

سُورَةُ الْفُرْقَانِ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ... (١)﴾ قال ابن عرفة: كلام أبي حيان يقتضي أن (تَبَارَكَ) مطاوع بارك، وكان بعضهم يرده بأن فعل المطاوعة [فاعله مغاير لفاعل فعله الأصلى*]، مثل: كسرته فانكسر، فالفاعل منها مختلف وهو هنا متحد، مثل: علا فتعالى، وقال: وأجيب: بأنه مختلف باعتبار اعتقاد المعتقد لَا باعتبار ما في نفس الأمر. قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وجه مناسبتها لما قبلها أن تنزيل الفرقان عليه معجزة، منزل منزلته صدق عبدي، ومن شرط المرسِل أن يكون غنيا عن غيره موصوفا بالملك العام، والعزة عن الولد والشريك والإنصاف بالقدرة والإرادة. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إن قلت: كيف هذا وقد قالوا: (هَؤُلاءِ شفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالجواب بوجهين: الأول: من شرط الإله اختصاصه بالعبادة، فإذا شارك معه غيره فيها فكأنهم عبدوا شريكه من دونه. الثاني: أن ذكر الذين شركوه معه فيه عبدوا [؍ ] فيه من دون الله.؍ قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [التغيظ معنوي*]، هو غير مسموع، كأنهم لما عبدوا الأصنام واتبعوا الشيطان صاروا كأنهم ملكا لهم، فاحترس عن ذلك بقوله: (عِبَادِي)، بخلاف قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ)؛ لأنه إضافة تشريف. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ إن قلت: ما يفعل زيد كذا، نفيت الفعل، فإن قلت: ما كان لزيد أن يفعل كذا، نفيت القابلية للفعل، وإذا قلت: ما ينبغي له أن يفعل كذا، نفيت الفعل وجعلته محالا، وإذا قلت: ما كان ينبغي لزيد أن يفعل كذا، فهو أشد المحال وأبلغه، لأنك جعلت فعله كالمحال.

الفرقان 25:19

قوله تعالى: (حَتى نَسُوا الذِّكرَ) يوهم [أنه بالتمتع ارتفع نسيان الذكر*]؛ لاقتضاء الآية مخالفة ما بعدها لما قبلها. قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ يحتمل بالصرف البرهان [الصارف*] لهم عن اعتقاد الباطل، وبالنص تصحيح أقوالهم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا... (٢١)﴾.. ، أبلغ من قوله: الذين يعتقدون عدم لقاءنا، لأن الأول يحتمل التكذيب باللقاء والشك فيه، وعدم الرجاء أبلغ من الجميع، لأنه لَا مطمع فيه بوجه. قوله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا)، لف ونشر، والاستكبار راجع لإنزال الملائكة عليهم، [والعتو*] لمطلب الرؤية، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ فأجاب الزمخشري: بأنهم أضمروا الاستكبار في أنفسهم، وهو الكفر والفساد، كما قال تعالى (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ). قال ابن عرفة: أو يجاب بأن المراد لقد استكبروا استكبارا راجعا إلى رؤياهم حيث جعلوا لها مسموعا على غيرها، وقد قال الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) فهم مخلوقون لله فلا يمتنع أن يخص بعض خلقه بالنبوة والرسالة دون بعض. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ... (٣١)﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: لم عطف، وكذلك هنا بالواو ولم يعطفها في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، قال: فكانوا يجيبون بأن الواو تقتضي الموافقة على ثبوت ما قبلها حسبما أشار إليه، في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُم كَلْبُهُم)، فقالوا ثم إن هذا القول هو الصحيح، وهو أنهم سبعة ولا شك أن اتخاذهم القرآن مهجورا أمر ثابت صحيح، وتنزيل القرآن جملة واحدة غير ثابت، فلذلك عطف الأول دون الثاني، وأجيب: بأن كذلك الثانية دخلت في الجملة وهي تعليل وسبب لما قبلها، فلذلك لم يعطف بخلاف الأولى، قال ابن عطية: وروي عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " [من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول هذا اتخذني مَهْجُوراً افصل يا رب بيني وبينه*] ".

الفرقان 25:33

قوله تعالى: ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالحقيقة، والمعنى، وقوله تعالى: (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، راجع للفظ، وكيفية دلالته على المعنى. قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال: كان بعضهم يفسره: بأن طريقتهم التي يمشون عليها على وجوههم إلى جهنم صعبة المسلك. وقوله تعالى: (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، إشارة إلى بعدها، فهي بعيدة واعرة صعبة المسلك. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾.. ، ظاهره أن هارون عليه السلامِ غير رسول، بل هو تابع لموسى عليه السلام، وظاهر قوله تعالى: [(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) *] أنه رسول لكن الرسالة مقولة بالتشكيك، قال: قصة موسى تكررت في القرآن لتكرر اليهود عليه ومنهم [؍ ] فلذلك كررت بألفاظ مختلفة.؍ قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال ابن عرفة: هذه عندي دليل لمن يقول إن العقل لم يخلو من سمع، وأجيب: بأنها إنما دلت على ضرب المثل لمن ذكر [من القرون*] الذين بينهم، ويعني من قبل نوح، ومن قبل المذكورين، [وابن عرفة*] إنما يحتج كذلك، بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ... (٤٠).. ، قال: ومنهم من قال إن مطر مصدر على حذف الزوائد، ومنهم من جعله اسم مصدر بخلاف قولك: أمطرت إمطارا فإنه مصدر بلا خلاف، وكذلك عذبته عذابا بخلاف قولك: تعذيبا. قوله تعالى: (أَفَلَم يَكُونُوا يَرَوْنَهَا). أي أغَفلوا فكأنهم لم يرونها.

الفرقان 25:42

قوله تعالى: (بَلْ كَانُوا). إضراب انتقال، ولا بد أن يكون المنتقل إليه أبلغ من المنتقل عنه، قال: وعادتهم يقررون الأبلغية قلنا: بأن حصول النتيجة بأحد أمرين: إما عن اللازم مقدمة، بمعنى أن المقدمة استلزمت نتيجة، أو عن قياس تمثيلي فكونها عن لازم مقدمة أقوى من كونها عن قياس تمثيلي، قال: فقوله تعالى: (أفَلَم يَكُونُوا يَرَونَهَا)، راجع للقياس التمثيلي، وهو أن مشاهدتهم [آباءهم*] المهلكين وآثارهم مع [أن*] الله تعالى [أوجدهم*] من عدم، ثم أهلكهم، وهو كذلك أنهم وجدوا من عدم وحالهم كحالهم في العصيان ألا ترى أن [ابن الحاجب*] استدل على إثبات القياس، بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، والثاني: أن هلاكهم بعد إيجادهم من عدم يستلزم اتصاف الله تعالى بالقدرة والإرادة، فدل على صحة قدرته على إعادتهم للحشر والنشر والحساب. قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ شهادة منهم له بأنه قد أبلغ وسعه في تبليغ ما أمر به حتى قارب إضلالهم عن آلهتهم ولم يضلهم عنها، ومن قارب فعل الشيء ولم يفعله هو على نوعين: إما لعجزه عن طريق فعله، وإما لمانع وجده فيه يمنعه من فعله، والعجز هنا منتف فطريق الوجود، والمانع منهم يمنعهم من الضلال عن آلهتهم، فكذلك لولا أن صبرنا عليها، لأنها لَا تلزم إلا حيث يكون الكلام محتملا، تكون إن نافية ومخففة من الثقيلة، فيلزم اللام المخففة فرقا بينهما وبين النافية، والكلام هنا صريح أنها مخففة. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ قال الزمخشري: فيه تقديم وتأخير، أي: اتخذ هواه [آلهه*] وقدم لفظ الآلهة اعتناء به. ابن عرفة: الصواب ألا تقديم فيه بوجه؛ لأن المقدم في هذا التركيب منفي بثبوت المؤخر، كقولك: اتخذ زيد نومه مهجده، أي انسلخ عن نومه وصيره تهجدا، فهذا مدح، ولو عكستها تقول: اتخذ زيد تهجده نومه، أي انسلخ عن تهجده وصيره نوما، وكذلك قولك: اتخذ زيد تجارته عبادة فهذا مدح، ولو عكست لصار ذما، فالمراد هنا أنه انسلخ عن الآلهة وعبادته إلى اتباع هواه، ولو قال: اتخذ هواه آلهه لصار مدحا من ناحية أنه انسلخ عن هواه إلى عبادة آلهه، قيل لابن عرفة: إنما حمله الزمخشري على أنه جعل هواه حاكما عليه، فقال: إنما المعنى ما قلت لكم وهو الصواب، وكذلك

الفرقان 25:44

قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، نقله من الاختصاص، بتسميه إبراهيم إلى الاختصاص بالخليل. قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا). معطوف على مقدر، أي أنت تصده عن ذلك فتكون عليه وكيلا. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ أم بمعنى بل والإضراب بها انتقال وتقدم، أن الانتقال إنما يكون من الشيء إلى شيء أبلغ منه في بابه إما مدح أو ذم، وبيان الأبلغية هنا أن الأول: ذم لهم بخطابهم في أمر تصديقي، وهو اتخاذهم آلهتهم هواهم، والثاني: ذم لهم بخطاياهم في التصور وهو أفج من الخطأ في التصديق، فإن قلت: [كيف عاند*] بين السمع والعقل وليسا بضدين؛ لأن السمع طريق للعقل، قلنا: أوجه المعاندة أن السمع أمر حسي، والعقل أمر وجداني. قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ). فرق كون الإنسان لَا يتصور حدوث العالم، وبين كونه يحكم بقدم العالم، فكونهم لَا يسمعون ولا يعقلون راجع لاتصافهم بقدم التصور القابل للزوال، وكونهم كالأنعام راجع لتصور النقيض الذي لَا يقبل الزوال، وهو الجهل المركب والأول بسيط. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ الضمير المفعول عائد على [مَاءً*] وتصرفه، إما أنزلناه بالفعل، أو بقدر، فالاتعاظ إنما هو بـ أنزلناه، فكان ابن عبد السلام يقول: هذا مصحح لما يقول المنطقيون من أن النتيجة ما تنشأ إلا عن مقدمتين فصاعدا؛ لأن تصديقه إنما هو بتنويعه، فالتذكر إنما حصل بتنوعه وتعدد أقسامه، فإن قلت: هلا قيل: صرفناه لهم، قال: عادتهم يجيبون: بأنه [إخبار*] بكمال خيبتهم؛ لأن تصريفه لهم فيه متعة لهم، مع أنهم حصل لهم بتصريفه نقيض ذلك، فلذلك قال بينهم. قوله تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا). [ولم يقل: فأبى أكثرهم*]، لأن العدول عن الضمير إلى الظاهر تأكيد في نسبة الكفر إليهم.

الفرقان 25:51

قال الزمخشري: وعن [ابن عباس*]: ما من عام أقل مطر من عام، بل الأعوام كلها متساوية، وإنما يختلف مجمل إنزال المطر، ينزل في بعض البلاد دون بعض، ويقل في بعض ويكثر في بعض. قال ابن عرفة: وهذا ما يمكن أن يقوله ابن عباس باجتهاده، وإنما هو مستند فيه إلى حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل لابن عرفة: قد قال الزمخشري: إنه تلا هذه الآية، فكأنه استدل بها على ما قال، فقال ابن عرفة: لَا دليل فيها بوجه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا﴾ أي لو شئنا، راحتك لبعثنا، ولكن أردنا تعبك في ذلك ليعظم لك الأجر والثواب. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ليس المراد النهي عن طاعتهم، فيما يأمرونه، وإنَّمَا المراد النهي عن طاعتهم في لازم ذلك، كأنهم يأمرونهم باتباع آلهتهم، ومن لازم ذلك كفه عن جهادهم، وعن دعائهم إلى الإيمان بالله ورسوله. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ البناء على الضمير للاختصاص، والإتيان بالموصول في الخير تأكيد في الاختصاص؛ لأن قولك: وهو الذي فعل كذا يفيد الاختصاص. قال ابن عرفة: فإن ابن عبد السلام حكى عن بعضهم في هذا، وفي قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أنه كان يستشكل الآية، ويقول أولها مناقض لآخرها، فإن قوله تعالى: (مَرَجَ) يعني اختلاطهما، وقوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) يقتضي افتراقهما، قال: [وأجيب*]: بأن افتراقهما بالذات لكون المالح لَا يزال عذبا، واختلاطهما بالحس والمشاهدة، وقد ذكروا أن في تضمنه واد يصب فيه البحر المالح أحيانا فلا يغيره، ويصب هو في البحر أحيانا فلا يغيره، قال: وعادتهم يقولون: الأصل يقال: لقيت رجلين أحدهما صالح والإتيان باسم الإشارة فرع عن اسم الظاهر، فلما قال: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، وكذلك في سورة القصص: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ

الفرقان 25:54

وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ)، قال: والجواب: أنه إن أريد التقسيم بالأمور العرضية فيؤتى باسم الإشارة، وإن أريد التعرض بالأمور الذاتية، فيقال: أحدهم كذا والآخر كذا، كما في حديث عبد الله بن عمر: " [فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ*] ". قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أي كان [ولم يزل*]، فإن أريد القدرة الصالحة فالمراد الدوام، وإن أريد القدرة الإيجادية فلا دوام لئلا يلزم قدم العالم.

الشعراء 26:18

سُورَةُ الشُّعَرَاءِ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: ما وجه الربط بين هذه وبين قوله: (فِينَا)، قلت: أفاد الترتيب، تارة يكون للتعليم، وتارة يكون للاستخدام، فتربيته لنتخذه خديما فهذه نقمة، وتارة تكون نعمة، وهو أن يريه محبته وشفقته عليه، ولم يدخلها على ما بعد؛ لأنه يحنث عنه بالمخالفة، فإن قلت: ما أفاد قوله: (مِنْ عُمُرِكَ)، دلنا: لفظ العمر نعمة؛ لأنه مأخوذ من العمرى المذكورة في الفقه، فإنها هبة المنافع، وذلك نعمة، فإن قلت: هلا قال: ولبثت فينا من عمرك أعواما، فهو داخل في باب النعمة والامتنان، قلت: لفظ العمر تغني عنه. قوله تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ الظاهر أن الكفر فيه الإيمان، وحكى الآمدي وابن الحاجب عن المعتزلة امتناع اتصاف النبي بالكفر قبل النبوة وبعدها عقلا، وجوز عليهم ذلك أهل السنة عقلا، قالوا: لكنه لم يقع، وزعم فرعون أنه وقع، وهذا لَا أذكره بمحضر العوام، وهكذا هنا فإن الله تعالى عاصم من يريد بنبوته من كل بدع، ومن بعض الصغائر، وهي صغائر [الخسة*] فما بال الكفر، وهذا على أصل مذهبه. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ قال سيبويه: (إِذًا) جواب وجزاء، قال ابن الصفار: فهم الشلوبين على أنه شرط وجواب، فأخذ الجزاء بمعنى الشرط، فقوله: إِذًا أكرمك، لمن قال: أنا أزورك، معناه: إن تزرني أكرمك، قال في هذه الآية معناه: إن كنت فعلتها فأنا ضال، فلزمه إثبات الضلال لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، وأجاب: بأن المعنى قوله: (وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، بالنعم فقال موسى عليه السلام: إن كنت كافرا بأنعمك فأنا ضال، أي جاهل بأن الوكزة تقتل القبطي، ورده ابن الصفار، بأن الكفر إذا ذكر مطلقا فهو ضد الإيمان، وإن أريد به [غيره*] قيد له، وكذلك إنما هو على هذا المعنى، ولو سلمناه ففيه عكس المعنى؛ لأنه إذا كان فعله ذلك كافرا بالنعمة عليه فليس من الضالين بل من المبين، وهذا [بناء*] على شرط وجواب، وقال: [لا يحتاج*] إلى هذا بل مراد سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق، وذلك لَا يجتمع فيه بل هي تصديق لما مضى عدة في المستقبل، فقولك: نعم لمن قال: فعلت كذا تصديق، ولمن قال: افعله عدة، وكذلك إذا قال: أنا أزورك، فيقول: إِذًا أكرمك فهو جواب وجزاء، وإذا

الشعراء 26:21

قلت: لم أنا أكرمك، فهذا جواب خافيه، والآية لَا إشكال فيها على هذا؛ لأنه يقول: إذا فعلت وأنا جاهل فيكون قبيحا له واعتذارا بالجهل. [انتهي كلامه*]. قال ابن عرفة: عادتهم يفرقون بين نعم وإذا، وإن الجائية لازمة لإذا لَا تفارقها، وإنما اختلفوا في كونها جزاء بخلاف نعم، فإنها تارة تكون عدة وتارة تكون تصديقا، قال: وقول ابن الصفار لو كان كما قال الشلوبين لكان [... ] بإعادتهم يردون عليه بوجهين: الأول: مقصودة باعتبار حالها لَا باعتبار ما لها، ولذلك قال الفقهاء فيها: إذا ضرب الأب ولده يلكزه حتى مات أنه يقتص منه، خلاف غير الأب حتى أن بعض الطلبة يغلط ويقول: اللكزة لَا يقتص منها، إذا آلت إلى القتل، وليس كذلك، فقصد موسى الضربة ولم يقصد القتل. والثاني: أجاب بعض الطلبة: بأنه قصد القتل وظن أنه الحكم، ثم تبين له الحكم بخلاف ذلك. قال ابن عرفة: وعادتهم يقررون كونها جزاء، فإنها جزاء عن استغاثة من استغاثة من استغاثه، لقوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)، فهي جزاء من استغاثة المستغيث له، قلت: قال صاحبنا ابن القصار: قوله واعتذاره بالجهل جزاء مشكل أن الجزاء غير الفعل، وهو هنا نفس الفعل، والمراد بالضالين إما المخاطبين والنَّاسين والذاهلين عن الصواب، وهذه معان متقاربة. قوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ... (٢١)﴾ الآن [نبوته*] ورسالته كان في زمن واحد. قوله تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال الجوهري في الصحاح: التعبد الاستعباد، وهو أن يتخذه عبدا، وكذلك الاعتبار، وفي الحديث: "ورجل اعتبد محررا"، قلت: أي اتخذ عبدا وهو حر والاعتبار مثله، قال الشاعر: علام تعبدني قومي وقد كثرت؍ فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان؍ قال ابن عرفة: وكذلك التعبد، قال الشاعر: تعبدني غير ابن سعد قطعته؍ وغير ابن سعد لي مطيع ومقطع؍

الشعراء 26:23

أي اتخذني عبدا، وكان النَّاس يرونه عبدا مطيعا لأمري. قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ إن قلت: لو أعاد الفاعل ظاهرا أو هو من تمام جملة تقدم ذكره فيها بدليل قوله: تقدم حرف العطف، قلنا: لقرابة مقالة القبح، ولذلك يقول ابن الحاجب: قالوا كذا، ويقول سيبويه: زعم الخليل فى قوله: انفرد به في الحسن والقبح. قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ). وقال تعالى في طه: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى). قال ابن عرفة: السؤال بـ (مَنْ) عن الحقيقة باعتبار المعقول منها، والسؤال بـ (ما) عن الحقيقة على الإطلاق والإبهام. قال ابن عرفة: والحكماء قالوا: لَا يجوز إدراك [حقيقة الذات*] الكريمة والعلم، لأن ذلك [إما*] ضروري أو نظري، فلو كان ضروريا لعلمه كل، والنظري يعلم إما بالحد أو بالرسم، والحد مركب من الجنس والفصل، فيلزم عليه تركيب الذات الكريمة وهو محال، والرسم لَا [يفيد*] إدراك الحقيقة بوجه، ومذهب أكثر المتكلمين بأن إدراكها جائز عقلا غير واقع، قال ابن الخطيب في المطالب العالية: روي أن بعض الزنادقة قد أنكر الصانع عند جعفر بن محمد الصادق، فقال له جعفر: ما حرفتك؟ قال: التجارة، فقال: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: نعم، هاجت مرة رياح هائلة فكسرت السفينة، وغرق النَّاس، فتعلقت ببعض ألواحها وبقيت في ملاطم الأمواج حتى اندفعت إلى الساحل، قال له: فلما [ذهبت*] هذه الأشياء عنك أسلمت نفسك إلى الهلاك، أم كنت ترجوا النجاة؟ فقال: كنت أرجو النجاة، فقال: ممن كنت ترجوها؟ فسكت، فقال جعفر: من إلهك الذي كنت ترجو، هو الذي سلمك من الغرق، وهو مأخوذ من قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وكان أبو حنيفة شديداً على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة في قتله، بينما هو قاعد في مسجده يوما إذ هجم عليه جماعة بسيوفهم مسلولة وهموا بقتله، فقال: أجيبوا عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مملوءة بالأحمال والأثقال، أخذتها أمواج متلاطمة وأرياح مختلفة، وهي تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها، هل يجوز ذلك بالعقل؟ فقالوا: لَا، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يا سبحان الله، إذا لم يجز هذا، فكيف تجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وسعة أطرافها

الشعراء 26:30

من غير مانع ولا حافظ؟! فسكتوا، وقال: صدقت، وقال: هذا مأخوذ من قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدِ تَرَوْنَهَا)، ومن قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ)، قال: وسئل الإمام الشافعي رضي الله عنه عن الدليلَ على [وُجُودِ الصَّانِعِ*] فقال: [ورق*] الفرصاد وطعمها ولونها وطيبها وريحها، تأكلها الدود فيخرج الإبريسم، ويأكلها النحل فيخرج [منه*] العسل، [وَتَأْكُلْهُ الظِّبَاءُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْمِسْكُ*]، ويأكلها سائر الحيوانات، [فَتُلْقِيهِ بَعْرًا وَرَوَثًا*] (١)، قلت: الفرصاد هو التوت، فالذي دبر هذه الأحكام هو الله سبحانه وتعالى، قال: وسأل هارون الرشيد مالكا رضي الله عنه، فاستدل باختلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت النبات، قال تعالى (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، قال: وسئل أبو نواس عن هذا، فقال: تَأَمَّلْ في رِيَاضِ الرِّوضِ وانظر؍ إلَى آثارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ؍ عُيُونٍ مِنْ لجينٍ شاخصاتٍ؍ بأحداقٍ كما الذَّهَب السَّبيك؍ عَلَى قَضِيبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِداتٍ؍ بأَنَّ اللهَ ليسَ لَهُ شَرِيك؍ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾ قال الزمخشري: في هذه الآية دليل بها أنه لَا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله تعالى لمدعي النبوة، [والحكيم*] لَا يصدِّق الكاذب، ومن العجب أن مثل فرعون عليه اللعنة لَا يخفى عليه هذا، ويخفى على ناس من أهل القبلة [حيث*] جوزوا [القبيح*] على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين [بالمعجزة*]. قال ابن عرفة: تقديره لو لم [يجزم*] العقل بحسن وبقبح؛ لصح صدور المعجزة على يد الكاذب، واللازم باطل والملزوم مثله، وأجاب الطيبي عن ذلك بأن قال: استقرأنا المعجزات كلها فوجدناها لَا تظهر إلا على يد الصادق. قال ابن عرفة: هذا الكلام دليل على ضعفه في أصول الدين، حيث لم يرد على الزمخشري إلا بالاستقراء، قال: والجواب عن كلام الزمخشري بوجهين: الأول: منع الملازمة؛ لأن دلالة المعجزة أن تنزلت منزلة صدق عبدي وظهورها على يد الكاذب كذب، فيلزم وقوع [الخلف*] في خبره تعالى، وهو باطل وإن لم يتنزل منزلة صدق عبدي فدلالتها إما عقلية أو عادية، والدلالة العقلية في العلوم العادية. الجواب الثاني: [بمنع*] الملازمة؛ لأن ظهور المعجزة على يد الكاذب يوجب [تباين الشيء بالشيء*]، وذلك باطل. (١) النص هكذا عند ابن كثير: "سُئِلَ عَنْ وُجُودِ الصَّانِعِ، فَقَالَ: هَذَا وَرَقُ التُّوتِ طَعْمُهُ وَاحِدٌ تَأْكُلُهُ الدُّودُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْإِبْرَيْسِمُ، وَتَأْكُلُهُ النَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْعَسَلُ، وَتَأْكُلُهُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ وَالْأَنْعَامُ فَتُلْقِيهِ بَعْرًا وَرَوَثًا، وَتَأْكُلْهُ الظِّبَاءُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْمِسْكُ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.". اهـ (تفسير ابن كثير. ١/ ١٩٧).

الشعراء 26:32

قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ قال ابن عرفة: الرمي والطرح والإلقاء بمعنى واحد [ومن لغات القرآن الإلقاء*]؛ لأنه أبلغ في الدلالة على القصد، قال: وحمل الخبر على المبتدأ يكون على سبيل [المواطأة*]، مثل الإنسان عالم، ويكون على سبيل [التشبيه*] مثل: أبو يوسف، أبو حنيفة، والآية محتملة للثلاثة، قيل لابن عرفة: ليس فيها على سبيل المواطأة؛ لأن العصا ليست ثعبانا موجه، فقال: تدعى المواطأة باعتبار العصاة الملقاة [وهي ثعبان*]. قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ عبر بالنزع دون الإخراج، إشارة إلى أنه ينزل نفسه منزلة من فارق يده لشدة مخالفة [لونها للوْنِهِ*]. قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ). قال: [وذَكَر في الأول ما لَمْ يذْكرْ في الثاني وبالعكس، فيحتملُ كونُهُ منْ حذْف التَّقابُلِ*]، أي ["ألقَى عَصاهُ فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ لَلنَّاظرينَ، ونزَعَ يدَهُ فإذا هي بيضاءُ للناظرينَ مبينةٌ"*]، ومما يؤكد هذا أن المنطقيين ذكروا أنه لَا بد من الفاعل، [**والقائل لكرسي مثل خشبة فاعل، ونجاره فاعل]، وقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ)، صفة للفاعل، وقوله تعالى: (لِلنَّاظِرِينَ) صفة للفاعل الثاني؛ لأن الثعبان جرم كبير يدركه البصر؛ فلذلك قرن الأول بقوله تعالى: (مُبِينٌ)، والثاني بالنظر، والمعجزة أمر محسوس خارجي للعادة، والسحر أمر وهم محسوس، وقوله تعالى: (لِلنَّاظِرِينَ)، يشمل الحسي والمعنوي القلبي، فيكون من استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا. قوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ نص هذه المقالة لفرعون وحده، وقال في الأعراف (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [نسبها*] للملأ دون فرعون، فأجاب أبو جعفر ابن الزبير: بأن المقابلة في تلك الآية وقعت بين موسى مع فرعون وقومه، وهنا وقعت بين موسى عليه السلام وفرعون فقط، وقال: [هنا*] [يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِ*]، وأسقطها في الأعراف، فأجاب: بأن القائل هنا فرعون، [وهو أحنق عليه من الملأ بجمعهم وأعظمهم بغضا له وكراهة لما جاء به موسى فأكد بقوله "بسحره"*] (١)، وهناك قالها الملأ من القوم؛ فلذلك لم يبالغوا في قولهم. قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١) العبارة في المطبوع هكذا: "مراده ابن عرفة: يستحيل في قومه صالح في مقالته"، والتصويب من (ملاك التأويل. ١/ ٢١٥).

الشعراء 26:36

قال الزمخشري: هو في غاية [الإذلال*] من فرعون والانخفاض لَا سيما على مذهب المعتزلة، لأنهم يشترطون في الأمر [العلو*]، وخصوصيته ترجع إلى المتكلم بالأمر، وأهل السنة إنما [شرطوا الاستعلاء*] وخصوصيته ترجع إلى نفس الأمر. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ وقال ابن عرفة: إنما عبر بلفظ الإرجاء دون غيره دون لفظ التأخير والنظرة، مع أنهما مترادفان؛ لأن في مادة الإرجاء ما يدل على حصول الطمع؛ لأن الإنسان ما يترجى إلا ما يطمع في حصوله، قلت: ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله: إن الطائع يترجى دخول الجنة، والعاصي يتمنى دخولها. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾ قال ابن عرفة: عوائد الطلبة يقولون: إن المعجزة هي ظهور الأمر الخارق للعادة في الخارج وفي نفس الأمر، والسحر هو الأمر الوهمي المخالف لما في نفس الأمر، وجاءت هذه على عكس هذه القاعدة، لأنها إذا كانت بيضاء للناظرين فقط، فبياضها وهمي مخالف لما في نفس الأمر، وإن كان معجزة فهي بيضاء فقط؛ لأن بياضها موقوف على الناظرين من هولهم، ولما في نفس الأمر، قلت: لعل المراد بالناظرين النظر المعنوي، وهو التدبر فيها والتفكر في دلالتها. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ قال ابن عطية: [روى البزي وفليح عن ابن كثير شد التاء وفتح اللام وشد القاف (تَّلَقَّفُ)، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يجلب همزة الوصل وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة كما لا تدخل على أسماء الفاعلين*]، مع أنه لم يقرأ بذلك إلا في الوصل. قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ قال الزمخشري: فاعل ألقي هو الله تعالى [بما خوّلهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة*] ولك أن لَا تقدر فاعلا؛ لأن (أُلْقِيَ) بمعنى خروا وسقطوا. قال ابن عرفة: يريد أنهم ألقوا أنفسهم، وهذا يناسب مذهبه في أن الغالب خلق أفعاله. قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ انظر كيف [العلم*] كله حسن حتى السحر؛ لأن علمهم هو الذي هداهم إلى إيمانهم بموسى عليه الصلاة والسلام، والعالم إن كتم مِن علمه شيئا يختص به مما لا يجب له [**ليماريه على المعلم]، وحكي عن الشيخ أبي علي ناصر ابن البخاري: أنه كان

الشعراء 26:49

يقرئ ابن الحاجب [... ] فيه زيادات، فلما مات وجد عنده شرحه للشيرازي وفيه تلك الزيادات، ولقد دخلت على شيخنا ابن الحاجب في [**مرضه]، فجعلت أنظر في كتبه فمنعني من استيفاء النظر فيها، قال: لأن الشيخ يمتاز عن طلبته [بزيادات لأحراهم بها*]. قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قال ابن عرفة: كان [ابن*] عبد السلام ينقد على البرادعي في قوله في التهذيب [ويؤمر الْجُنُب*] بالوضوء قبل الغسل، فإن أخره بعده أجزأه، ويقال: إنما في أصل المدونة فإن غسل قبل وضوئه أجزأه، فظاهره أنه الغسل، وإن لم يؤمن [الحدث، فإن الوضوء*] أعم من الغسل، فبدل أبو سعيد اللفظ بلفظ لَا يدل على هذا، لأنك إذا قلت: جاء زيد قبل عمرو فإنه يقتضي الإخبار بمجيء زيد فقط، أعم من أن يكون عمرو جاء بعده ولم يجئ من أصل، ونظيره، قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) إذ لَا يقع بعد الطلاق مس، وكذلك قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)، لكن تلك الآية في جواب الشرط، والشرط لَا يدل على وقوع الشيء، ولا إمكان وقوعه، وهذه الآية من ذلك المعنى، لأن فرعون عليه اللعنة لم يقصد الإذن لهم بوجه لَا قبل الإيمان ولا بعده. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ لأن الموجب (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)، فالجواب: أنه أفاد الوعد بالنظرة مطلقا سواء اتبعهم أو لم يتبعهم؛ لأن الوعد بالنظرة إذا كان مطلقا غير مقيد بالإتباع لا تحصل الطمأنينة لإمكان كونه في نفس الآية يقدر بعدم الاتباع، فإذا هم ينصرون عليهم، وإن اتبعوهم، قيل لابن عرفة: سواء متعد، فإذا دخلت عليه الهمزة صار متعديا بنفسه، فلم جمع بين الهمزة والباء، فقال: ذكر الجوهري في [سرى وأسرى بمعنى واحد*]، وقال السهيلي: في أول سورة الإسراء ذكروا أنهما غير متعدين، وهو غير صحيح، وإنما زعموا ذلك لعدم ذكر مفعول أسرى مع أنه مقدر تقديره: (سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى)، أي بعبده، إلى أن قال: (لَيلا)، سلمنا أنه متعد لكن الباء هنا ليست للتعدية، فلذلك صح الجمع بينهما. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾

الشعراء 26:59

الشرذمة تقليل لهم باعتبار العدد. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ شبه حالتهم المعقولة بحالتهم المحسوسة. قوله تعالى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ... (٦٣).. ، ولم يقل فضرب فانفلق، وكذلك في سورة البقرة (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ)، وفيِ الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ)، ولم يقل: فضرب، وفي طه (أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩)﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، فذكر فعل المطاوع في طه، ولم يذكره في الآخر، قال: فعادتهم يجيبون: بأنه إن كان الحادث عن الضرب مما يعهد في الخارج صدوره منه لم يحتج إلى إبراز الفعل المطاوع، كالحجر يعهد عادة بخلاف صيرورة [الأجسام*]، [فإن*] انقلاب الأجسام غير معهود، وكان بعضهم يضمر في الآية فعلين [أي: ضربَهُ وفلقَهُ فانفلق*]؛ لأن فعل المطاوعة يفيد تقدم فعل عليه فهو مطاوع له، وقال تعالى (اضرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ). ينفلق فضربه فانفلق. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً﴾ الإشارة إلى المجموع باعتبار الكلي والكلية، فهل كل جزء من ذلك أو مجموع ذلك آية؟ قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ قال أبو حيان: أجاز الْحَوْفِيُّ: أن يكون (الَّذِي) مبتدأ، و [(فَهُوَ يَهْدِينِ)] ابْتِدَاءٌ [وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي*]، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، ورد بأن الموضع هنا خاص، فليس فيه معنى الشرط، فليس نظير الذي يأتيني فله درهم، وأيضا فليس الفعل الذي هو (خَلَقَ) لَا يُمْكِنُ فِيهِ [تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ*] إلى إبراهيم عليه السلام، قلت: وكذا قال أبو حيان، في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) إن الفاء إنما تدخل في خبر الموصول إذا كان عائداً وفيه معنى التعليل، وعادتهم يردون عليه بهذه الآية؛ لأنه ليس يعلم وليس الخلق علة في الهداية، [وإلا*] لزم عليه مذهب المعتزلة في [أن*] خالق لجميع النَّاس عندهم منزه عن فعل القبيح وإرادته، ونحن نقول: خلق جميعهم ليهدي بعضهم ويضل بعضهم؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى، وأجيب: بأن المراد الذي خلقني على هذه الصفة الخاصة فهو يهديني، فذلك الخلق الخاص سبب في الهداية، وانظر

الشعراء 26:105

ما تقدم في سورة قد أفلح، في قوله تعالى: (ثَقُلَتْ مَوَازينُهُ). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ إنما جمع المرسلين بناء على أن آدم عليه الصلاة والسلام رسول، وكذلك إدريس عليه السلام رسول، وهو سابق على نوح عليه السلام، ولأنهم إذا كذبوا نوحا فقد كذبوا المرسلين، لأنهم جاءوا بمثل ما جاء به نوح عليهم السلام، ولأن المعجزات متحدة، فتكذيبهم لمن جاء بشيء منها تكذيب للجميع، [وجمعه*] باعتبار تفسير حالاته، فهو في حالة يدعوهم إلى الله بشيرا، وفي حالة يدعوهم إلى الله نذيرا مخوفا، كقوله: [فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها؍ يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك*]؍ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.. ، ولم يقل: ما أقبل منكم عليه أجرا، فهو أعم؛ لأن الدعاء إلى الله تعالى وطلب الامتثال له يقتضي التشوف للأجر على ذلك، فلهذا قال: (وَمَا أسْأَلُكُم). قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ أي أنؤمن لك حالة كونك اتبعك أراذل النَّاس؟ فلا يرضى بحالهم في الإيمان بك. قوله تعالى: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وتقرير هذا الجواب بوجهين: الأول: أنكم وقفتم مع الأمر العادي الدنيوي في كون قومي المتبعين [لي*] متصفين بأرذل الصنائع، وأنا وقفت مع العادي [الديني*]، لأنهم وإن كانوا أرذل في الظاهر، فهم أخيار في الباطن؛ لاتصافهم بالإيمان والعمل الصالح. الوجه الثاني: أنه تقرر في [العقول أن الأمرين إن تساويا*] يستحيل ترجيح أحدهما على الآخر، وهؤلاء رجحوا المرجوح؛ كأنهم رجحوا الاتصاف بأرذل الصنائع على أشرفها، فاختار الحياكة، والحجامة، والجزارة، وهي أرذل الصفات فلا عقل له، فكيف يتبع من لَا عقل له؟ فأجابهم نوح عليه السلام: بأنهم لعل لهم علما بالسبب المرجح لذلك غيره، أي: وما علمي بسبب ما كانوا يعملون، فما رجحوا علم ذلك إلا لسبب خفي ظهر لهم ولم يظهر لكم. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾

الشعراء 26:165

التكذيب إما لحكم بعدم مطابقة الخبر للمخبر عنه، أو عدم الحكم بالمطابقة، وينبني على هذا أن الشاك هل هو مكذب أم لَا؟ وفي الآية إشكال: وهو أن التكذيب لا يصح أن يكون متعلقه (أَلَا تَتَّقُونَ)؛ لأنه طلب غير محتمل للصدق والكذب، ولا يصح أن يرجع لقوله تعالى: (إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ)؛ لأنه تعليل لذلك الطلب وتابع له، وليس مقصود بالذات، والجواب أنهم كذبوه في دعوى الرسالة المستلزم لتكذيبهم في كل ما جاء به. قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ... (١٦٦)﴾ قيل لشيخنا ابن عرفة: هذا استفهام في معنى الإنكار عليهم، فإن تسلط الإنكار على كل واحد من المحتملين لزم عليه مخالفة القاعدة الشرعية، وهي اعتقاد وجوب النكاح لأجل ذمه على تركه، والذم على الترك من خصائص الوجوب، وإن تسلط على مجموع الجملتين [يفيد*] الجملة الجمعية، لزم عليه مخالفة القاعدة الشرعية، وهي اعتقاد وجوب النكاح لأجل ذمهم إن كان كون الثاني منصوبا فنحذف النون، مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وأجاب ابن عرفة: باختيار الأول، ويكون الذم على ترك وطء الأزواج التي انعقد عليهن النكاح؛ لأن ذلك يصير حقا لهن عليهم فهو واجب، ونقول: بأن النكاح كان واجبا عليهم، لأنهم تركوه وهم واجدون الطول، قادرون على [**تزويج الحرام] وقد وقعوا في الزنا واللواط، وإما بأن نقول تسلط الإنكار على الجملة الأولى فقط، وهو أحد وجهين: الرفع: من جواب الاستفهام أنه على الاستئناف، لكن فيه حذف الجملة الخبرية على الطلبية، وهو ممتنع عند أهل علم البيان، وأجازه جماعة من النحويين، قال ابن أبي الربيع: والصحيح منعه، قلت: هذا الجواب مجموع من كلام شيخنا ابن عرفة، وصاحبنا ابن القصار. قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ)، قال ابن عرفة: إنما هو في الخبر ومتعلقه هنا أمرا، لكن الجواب أن تكذيبهم له في دعوى الرسالة يستلزم عدم اشتمالهم أمره. قوله تعالى: (نَافَةٌ لَهَا شِرْبٌ). فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، أي لها شرب يوم معلوم، ولكم شرب يوم معلوم.

الشعراء 26:181

قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ عبر عن الأول بالوفاء؛ لأنه الزيادة للقدر الواجب إذ هو محتاج إلى محاولة وتكلف مما [لا يتوصل فيه إلى تحقيق الخروج من العهدة إلا بالزيادة*] من القدر الواجب بخلاف القسطاس، فإنه يمكن فيه بتحقيق الخروج من العهد من غير زيادة. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ قال الزمخشري: أي على مثل هذه الحال من الكفر به، ومعناه في قلوبهم فلا يتغير وأعماهم عليه بوجه، قال: فإن قلت: كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى نفسه، وهو منزه عن القبائح؟ قلنا: أراد الدلالة على تمكنه في قلوبهم، وإنه أمر [جبلوا عليه*]. قال ابن عرفة: وعلى مذهبنا لَا يحتاج إلى هذا السؤال. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾ من باب نفي الشيء بإيجابه، أي حتى يروا العذاب فيؤمنوا فلا ينفعهم إيمانهم. قوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: إن فيها تناقضا؛ لأنهم إذا رأو العذاب لم يكن إتيانهم بغتة؛ لأن البغتة هو إتيان الشيء على [غفلة*] من غير شعور به، قال: وأجيب بأنهم يرونه بعيدا منهم فيظنون أنه غير واقع بهم فينزل بهم بغتة، أي يراد بإتيانه لهم بغتة، بمعنى أنهم لَا يرونه حتى ينزل بهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) قال ابن عرفة: تنزل بعض من نزل؛ لأنه يقتضي تكلف الفعل بمشقة، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، لكنه هنا يستلزمه من باب أحرى، لأنه إذا نفى تنزيلهم لهم بمشقة فأحرى بغير مشقة، لأنهم إذا لم يقدروا عليه بمشقة فأحرى بغير مشقة. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أي وما يمكنهم فعله في أنفسهم، (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ)، أي: ولا يجدون معينا على فعله، فالأول: يقتضي فعل قبولهم بفعله [بخاصة*] أنفسهم، والثاني: اقتضى تعين قبولهم بفعله [بمعينٍ*] عليه.

الشعراء 26:213

قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ هو من باب السلب، مثل: الحائط لَا يبصر لَا من باب العدم والملكة، مثل: زيد لا يبصر. قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ أي هنا (تَنَزَّلُ) هذا مضارعا، وقال قبله، (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) فأتى به ماضيا، قال: والجواب: أن الماضي معلوم لكونه [مشاهدا مرئيا*]، والمستقبل غير معلوم، فلذلك أتى به في جملة الاستفهام المقتضية للجهل بالمسئول عنه. * * *

النمل 27:2

سُورَةُ النَّمْلِ قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ ابن عرفة: لف ونشر، فمن حيث كونه قرآنا معجزا هو هدى، ومن حيث كونه كتابا مشتملا على البشارة والنذارة هو بشرى للمؤمنين. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ من عطف الصفات. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ وقال المفسرون: معناه تؤتى وتعطى. قال ابن عرفة: بل هو أخص من ذلك، فإن التلقي فيه الإيماء لتقدم سبب له في ذلك. قوله تعالى: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). إشارة إلى كمال قربه منه قرب [منزلة ومكانة*]، فإن قلت: الحكمة تستلزم العلم بخلاف العكس، فهلا قال: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)، فيكون تأسيسا، ثم أجاب ابن عرفة: بأنه قصد التشبيه على وصفه بالعلم مرتين: بالمطابقة وباللزوم. قوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ وقال تعالى في القصص (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ)، فإن كانت قصتان في موطنين [فلا سؤال*]، والظاهر أنها قصة واحدة، لكن الجواب: أن المخالفة بين الخبرين: تارة ترجع إلى نفس الخبر، وتارة ترجع إلى لازمه، مثال الأول: قد [قرئ*] في هذا البيت، ثم تقول: قرأ في البيت سورة يس، فهذا لَا تناقض فيها، لأنها مخالفة بالعموم والخصوص، وتارة تقول: قد [قرئ*] في هذا البيت لكن لَا يسمع، ويقول آخر: قد [قرئ*] في هذا البيت ليسمع، فهذا [تناقض*] ولا شك أن آية سورة النمل محققة لدخول [اليقين*]، وآية القصص [محققة لدخول الترجي*] بـ لعل. قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾

النمل 27:10

قال الزمخشري: [الهاء في إِنَّهُ يجوز أن يكون ضمير الشأن*]، والثاني، [وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله، يعنى: أنّ مكلمك أنا، والله بيان لـ أنا*]، ورده أبو حيان: بأن الفعل إذا حذف لَا يصح عود الضمير عليه بوجه، ونودي لما بني للمفعول حذف فاعله، وأجاب بعض الطلبة: بقوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ)، وقوله تعالى: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) عائد على القائلين، وحذف الفاعل، في قوله تعالى: (قُتِلَ)، فقال ابن عرفة: هذا في جملة أخرى، فظاهر كلام أبي حيان جوازه، وقول الزمخشري: [يعنى: أنّ مكلمك أنا*]، أي المناسب لمذهبه، أن يقول: أنا مناديك أنا؛ لأنه ينفي الكلام القديم. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ الاهتزاز أوائل الحركة. قوله تعالى: (كَأَنَّهَا جَانٌّ). قال ابن عرفة: بهذه الآية يقع الجمع بين قوله تعالى: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، وبين قوله تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، فشبهها بالثعبان في عظم جرمها، وبالحية، وإن كانت صغيرة الجرم في سرعة حركتها، فهو استعارة، أو يقال: إنها في أول حالها حية، ثم عظمت وصارت ثعبانا. قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام يردد في هذا أن هذه قضية كلية، أي كل مرسل لَا يخاف، والقضية الأولى [موجبة جزئية*]، وهو قوله تعالى: (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)، فدل على أنه خاف، قال: وتقدم الجواب بوجهين: إما أنه لم يكن حينئذ رسولا، وإنما أرسل بعد ذلك. وإما أنه ليس المراد نفي الخوف؛ لأنه أمر [جِبلِّي*] لَا يقدر الإنسان على دفعه، وإنما المراد لازمه، أي كن آمنا مطمئنا، فإن رسلي يؤمَّنون من كل ما يخافون. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾

النمل 27:15

قيل: إن (إِلا) بمعنى الواو، وكما قالوا في قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ). قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ). ثم بدل لظلمه حسنا، ويؤخذ من الآية، أن قاتل النفس في المشيئة، ورده ابن عرفة بأن هذه عامة، وآية القتل خاصة، والخاص يقضي على العام. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا... (١٥)﴾ [قال*] القاضي ابن عبد الرفيع: قال الفقيه أبو عبد الله محمد [**إنه كان مقصور القرى بالتنوين في الأصل]. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ابن عرفة: قالوا: إذا قلت: مشيت حتى إذا لقيت زيدا يقتضي أول الملاقاة، بخلاف قولك: مشيت حتى لقيت زيدا، قيل له: فسره ابن عطية بوجهين: أحدهما أنهم أتوا على جميع الوادي، وقطعوا مسافاته، فقال: هذا لَا يحمل على ظاهره ولا بد من تأويله؛ لأن النملة حذرت صواحباتها منه، فدل على أنهم حينئذ لم يكونوا قط مواشيا من الوادي، ولو أتوا عليه لما بقي للتحذير منهم فائدة. قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ هذا إما من الفقاد كما يتفقد السلطان حالة رعيته، وإما من الفقدان وهو عدم الوجدان، ونقل ابن عطية أن نافع بن الأزرق قد سمع ابن عباس يقول: إن الهدهد نظر إلى باطن الأرض ورأى الماء من كذا كذا إقامة، فقال له: كيف يشاهد باطن الأرض ولا يرى الفخ، فقال: [إذا جاء القدر عمي البصر*]. قال ابن عرفة: إنما جوابه يرى الفخ والحب الذي فيه، وجهل ما فيه من [الحيلة*] ولا يرى ما عاقبة أمره. قال ابن عرفة: والظاهر أن المراد جميع جنس الهدهد؛ لأنه هدهد واحد بدليل ما حكوا أن أحد الهداهد كلم حبر بلقيس، وأعلم به نزل إليه [رئيس الهداهد*] وسلطانها، فأخبره بذلك أيضا لتحقق الخبر، فالظاهر أن جميع الهداهد مضت معه، فلذلك جلا موضعها، ودخلت منه الشمس انفرد يقول، وقالا: مصدر معطوف على علما، أي آتينا داود وسليمان علما، وقالا: الحمد له، قال: فقلت وقوله تعالى: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا)، أتى بالموجب ثم بالمانع.

النمل 27:28

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يحتمل أن يكون من النظر أو من الانتظار. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو: هلا قال: فانظر ماذا يجيبون؟ فإن الجواب للكتاب أخص من الرجوع، قال: وعادتهم يجيبون: بأن [الكاتب*] إن كان له اعتناء بالمبعوث إليه، [وأراد*] بعين الكتاب [الاعتبار*]، ونزل منزلة [المساوي له*] في درجته، سمي ما يصدر عنه بعد قراءة كتابه جوابا، [وإن [أراد*] بعين [الصغار والاحتقار*] جعله في رتبة الرسول الحامل للكتاب، وكان جوابه إنما هو الرسول، فسمي ما يصدر منه له مراجعة، وكذا سليمان عليه السلام حال بلقيس وملكها بالنسبة إلى ملكه، فجعل جوابها [كأنه*] لرسوله؛ [لا له]. قوله تعالى: ﴿فِي أَمْرِي... (٣٢)﴾ أي في شأني. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ جمعتهم إما باعتبار الملوك الماضية، وإمَّا باعتبار ما يأتي، وإمَّا باعتبار إنما لم يكن على تقدير أن لو كان كيف كان يكون. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ جمعتهم إما لرجوع الضمير للملوك، وإمَّا تعظيما لسليمان، وإمَّا اعتبارا به وبخاصته. قوله تعالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ وقرئ (وما آتاني الله خير). قال الزمخشري: والفرق بين العطف بالفاء والواو، أن الإنكار تارة يتسلط على السببية، كقولك: لَا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإن أردت تجهيله في الكتب عطفته بالفاء؛ لأنه تارة يكون يشرب اللبن ظانا أنه ماء، فإذا هو لبن فهذا جهل السبب، وتارة يعلم أنه لبن ويجهل أنه إذا اجتمع في البطن مع السمك يضر، فهذا جهل السببية، وكذلك تقول: تعطي زيدا الدراهم وهو غني، فإن كان المعطي يجهل أنه غني فهو جاهل للسببية، وإن علم أنه غني، وجهل أن الغنى مانع من إعطاء الزكاة له فهذا يجهل السببية.

النمل 27:38

ابن عرفة: قال: وإن كان السبب أقوى من إنكار السببية، فهذا كالجهل المركب بخلاف العكس فلذلك عطفه في الآية بالفاء دون الواو. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال ابن عرفة: عبر بلفظ الملأ ولم يقل: يا أيها الجند؛ لأن الملأ هم الأشراف، وهو إنما خاطب بذلك من له قوة وعلم، ولفظ الملأ يشمل من جمع الأمرين ومن اتصف بأحدهما، ولم يتناول رعاع النَّاس بوجه. قوله تعالى: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا). إشارة إلى أنه علم أن فيهم من يأتيه بعرشها، وإنما طلب منهم تنبيه فقط، ولو قال: هل فيكم من يأتيني بعرشها لكان شاكا، هل فيهم من يقدر على الإتيان به أم لَا؟ قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ ابن عرفة: قالوا: هذا يقتضي ذم الدعوى، وكل مدع فدعواه توقع إلا إذا كان لدعواه موجب، كقول يوسف عليه السلام (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، فإن موجب ذلك القيام بالحكم الشرعي ليوصل كل ذي حق لما حقه. قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ قال الأصوليون من أهل الفقه: أفعال الله غير معللة، وما ورد من تعليلها، فإنما هو باعتبار الربط العادي، وأحكامه فيها قولان: هل هي معللة أم لَا؟ ولهذا قال ابن الحاجب: مسألتان على التنزيل، أي على النزل مع الخصم إلى مذهبه في قاعدة التحسين والتقبيح. قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ قال الأصوليون: إذا كان إسقاط بعض الألفاظ لَا يخل بالمعنى فإثباته حشو لا فائدة له، فحينئذ يقول: ما أفاد قوله لها؟ قلنا: أفاد أن تنكيره إنما هو لمن ينكر بعرف، ويحيط به بأنها نكرة لها لأنها أعرف النَّاس به. قوله تعالى: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ). وليس هو بمعنى التفكر، وإنما المراد [نختبر أو نعلم أو ننتظر اهتداءها*]، وأم هنا متصلة، وهي التي يقع بعدها المفرد، أو ما هو في قوته، فإن قلت: قال ننظر أتهتدي أم لَا، كما تقدم السؤال، في قوله تعالى: (أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، لكن

النمل 27:42

الجواب هنا عكس الجواب هناك، وهو أن تلك الآية خرجت مخرج التشديد على الهدهد، وهذه خرجت مخرج التلطف ببلقيس أنه هنا بمجرد كذبة واحدة يحصل في ملأ الكاذبين، والجواب هنا: أي في هذه العبارة رفق بها وتلطف، قال: لأن الحكم إذا كان موقوفا على أمرين متفاوتين، فإن كان جانب الذم فيها أشد وأرجح يحصل منها مطلق اهتداء ويتصف بأقبح ما يكون، فخرجت هذه الآية مخرج التلطف والتخفيف عليها. قوله تعالى: ﴿قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ﴾ ولم يقل: هذا عرشك. قال الزمخشري: لئلا يكون تلقينا وتفهيما، وقال ابن عرفة: بل هو إشارة إلى أن السؤال عن مثل الشيء أخف على المسئول من السؤال عن ذات الشيء نفسه؛ لأنه أقرب إلى المعرفة، فيجد كثيرا من يقول: هذا مثل زيد، ولا يجد من يقول: هو زيد. قوله تعالى: (قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ). انظر هل المعنى كان هذا هو عرشي أو كان عرشي هو، هذا الظاهر الثاني لمشاكلة السؤال؛ لأن المعنى أعرشك مثل هذا؟ قالت: كان عرشي مثله. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قال ابن عرفة: السؤال بالهمزة عن ذات الفعل، والسؤال بقوله: لم عن علة الفعل وسببه، فما السر في العدول عن الهمزة إلى اللام؟ وأجاب بأنه تقدم. قوله تعالى: (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ). ومن [نصب*] نفسه منصب المخاصمة، فهو عارف بالحجة، لذلك سألهم عن علة الاستعجال ودليله لَا عن نفسه. قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي تعلمون أنها فاحشة. وقال الفخر؛ العالم لَا تصدر منه معصية أصلا، فإذا عصى فهو جاهل؛ لأنه يرجح المرجوح، وترجيح المرجوح جهل، فلذلك قال لهم لوط عليه السلام (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون)، قال: والإطناب بـ بل إضراب انتقال، والانتقال في باب الذم، إنما يكون على أمر خفيف إلى ما هو أشد منه، وقدر بعضهم الأشدية هنا بأن الضرب عنه رافع

النمل 27:59

للقوة الحسية العملية، وهي منقطعة عن ذلك الفعل، والثاني: راجع للقوة العلمية، وهي دائمة؛ لأن العلم بالشيء دائم، والعمل به منقطع غير دائم. قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأكثرون على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومثل هذا في القرآن، وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغ لفظه لأمته وبالعمل به، وعرف الحمد بالألف واللام لجنسيته. قوله تعالى: (الَّذِينَ اصْطَفَى). أي اصطفى خاصا؛ لأن عموم الاصطفاء يصدق على الطائع وعلى العاصي، قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ). قوله تعالى: ﴿أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ قال ابن عرفة: كرر هذه اللفظة تنبيها لها على أن القدرة على الخلق فالاختراع صفة خاصة بالله تعالى بمنزلة تبيين الشيخ للتلميذ واختار أنها صفة معنوية، وأن الله تعالى ليست له صفة تخصه سبحانه وتعالى. قوله تعالى: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). أي ما يمكنكم وما ينبغي لكم ذلك، وهذا استدلال على وحدانية الله تعالى بالحدوث، وفيه أربعة مذاهب للأصوليين: أحدها: أن دليلها لوحدانية الإمكان، الثاني: دليلها الحدوث، الثالث: بها والحدوث شرط، الرابع: هما والحدوث شرط. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ إن أريد أنها ذات قرار في نفسها فلا كلام، وإن أريد أنها قرار لغيرها أي محل الاستقرار عليها، فهي حال مقدرة؛ لأن الحكماء قالوا: إن المعمور البعض، لأن الاستقرار على أقلها وأكثرها غير معمور، فهي حياة الخلق حال مقدرة، أو يقال: إنها ليست حالا مقدرة، لأن الحكماء قالوا: إن المعمور منها أقلها وأكثرها يستحيل عمارته، فبعضه لشدة برده، وبعضه لشدة حره، إلا أن يجاب بما قال الفخر الرازي: إن الأرض على الماء، وفيها قولان: قيل: ساكنة، وقيل: إنها متحركة وليست بساكنة، فقد تبدل جهاتها فيصير غير المعمور فيها معمورا.

النمل 27:63

قوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا). قال ابن عرفة: بين إما ظرف وإلا مفعول، وهل البين بنفسه هو الحاجز، أو شيء آخر يحل فيه، وكان بعضهم يرجح الأول خوف التسلسل وتداخل الأجسام؛ لأنه إذا كان الحاجز بينهما شيئا آخر فما الحاجز بين ذلك الشيء وبينهما، فإِن كان شيء آخر فتسلسل الأمر، وإن لم يكن ثم حاجز لزم تداخل الأجسام وعدم الحاجز قرئ في كمال الفرد. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قال ابن عرفة: عادة الطلبة يقولون: لأي شيء أعاد المسند إليه هنا ولم يعده، في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا). ولم يقل: ومن جعل خلالها أنهارا، وقال: وتقدم الجواب بأن المعطوفات في الأولين منحصرة في نوع واحد؛ لأن الهداية راجعة إلى القوة العلمية، وإرسال الرياح راجع إلى أثر القدرة. قوله تعالى: (عَمَّا يُشرِكُونَ). إنما ذكر الإشراك هنا، بقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، فالإنسان في لجج البحار يستحضر مقام التوحيد، ويلقي اعتقاد التشريك، فناسب أن يعقب بتنزيه الله على نقيض ذلك. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ... (٦٤)﴾ ابن عرفة: هو على تقدير مضمر، أي ثم يميته ثم يعيده، وأورد الزمخشري: أنهم ينكرون الإعادة، فكيف ينكر عليهم عدم الإيمان ممن يعيدهم؟ وأجاب: بأن الدلائل الدالة على الإعادة قائمة عليهم. قال ابن عرفة: وإذا بنينا على هذا الجواب يكون في الآية حجة على المعتزلة، لأنا أجمعنا نحن وهم على جواز الإعادة عقلا، واختلفنا في وجوب وقوعها، فهم قالوا: إنها واجبة عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين عندهم، ونحن نقول: وقوعها واجب بالسمع، وهو إخبار الشارع بوقوعها لَا بالعقل. قوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ).

النمل 27:65

إنما تم تقدير ذلك مع ظهور الدلائل العقلية على وجوب الإعادة، قيل لابن عرفة: يلزمك أن يكون ابتداء الخلق واجبا عقلا، ولم يقل به أحد، فقال: قد تقرر أن الثاني من الشرطيات لازم للأول، ولا يلزم من وقوعه وقوع الأول. قال ابن عرفة: إلا أن يجاب بالإعادة راجعة للأعراض على القول، بأن العرض لا يبقى زمانين إلا أن يقال: إنه لَا يعاد بعينه بل [يُعدم*] ويخلق مثله إلا على قول من يجيز [إعادة*] المعدوم بعينه، والخلق المراد به المخلوق. قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ). قال الزمخشري: برهانكم على نفي الإعادة، فإن قلت: لنا في الشيء لَا يطلب بإقامة الدليل على نفيه، قلت: النفي على قسمين: نفي لما يثبت، فهذا لَا يطلب صاحبه بدليل. ونفي لما قام الدليل على ثبوته، فهذا يطلب صاحبه بالدليل. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قالوا: سبب نزولها أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن وقت القيامة التي وعدهم بها. قال ابن عرفة: الألف واللام في الغيب للعهد، أي الغيب المسئول عنه، أو هو عام المراد به الخصوص، فهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم المغيبات، ولا يخفى عليه منها شيء فأخبر الله تعالى أنه لَا يعلم إلا ما علمه الله، وإن هذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحد فيكون فيه حجة لأحد القولين، بأن الكرامة لَا تتعلق بعلم ذلك، ولا يطلع عليه ولي، ويحتمل أن يقال الغيب على نوعين: غيب ينصب عليه دليل وإمارة، وغيب لم ينصب عليه دليل، فالأول: كمن يمشي في طريق لَا يخبرها فيعلم مواضع الماء وقربه من بعد النبات. والثاني: كدفين في الأرض لَا يخبرها إلا الشق، فإنه لَا دليل له على موضعه، وهذا من الغيب الذي ينصب عليه دليل، وذكر ابن عرفة إعراب الزمخشري واستشكاله الآية، والسؤال الذي أورده وقرره، فإنه من المذهب الذي يؤتى فيه بالحكم مقرونا بدليل، قال: وحاصله أن المراد نفي علم ذلك عمن سوى الله، ولا يحتاج إلى إثبات العلم به لله تعالى، فإنهم لم يخالفوا به، قال: ويحتمل أن يكون من في السماوات والأرض مفعولا للعلم والغيب، إما حال منه بناء على القول بصحة إثبات الحال معرفة، وأما بدل منه بدل اشتمال؛ لأن الغيب مشتمل على من في السماوات والأرض

النمل 27:66

ومفعول بأن، ويعلم على بابه وعلى إعراب الزمخشري بمعنى المعرفة، والمعنى قل لا يعلم المخلوق في السماوات والأرض غيبه، أي الذي اشتمل عليه الغيب إلا الله، فإن قلت: بدل اشتمال لَا بد فيه من الضمير، قلنا: الألف واللام نابت مناب الضمير تقديره غيبه أو الغيب منه كما قدروه في صورة فالرجل الحسن الوجه، أي قل لَا يعلم غيب المخلوق في السماوات والأرض إلا الله، أي لَا يعلم المغيبات إلا الله من أمر المخلوقين إلا الله، وهذا أحسن من إعراب الزمخشري، وأبي حيان لما يلزم في إعرابها من المجاز، قلت: وذكرت هذا لصاحبنا الأستاذ أبي العباس ابن القصار فاستحسنه قال: لكن ظاهر اللفظ في حقيقته ولا يحتاج إليه؛ لأن سيبويه أجاز أن يقول: ما رأيت زيدا إلا عمرا، مع أن عمرا ليس خبر ومن زيد لكنه على نية طرح الأول، أي ما رأيت إلا عمراً، فالمعنى هنا: قل لَا يعلم الغيب إلا الله. قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). الشعور هو مبادئ العلم، ثم أضرب عنه، بقوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ)، فالأول: اقتضى نفي النظر عنهم، والثاني: اقتضى أنهم نظروا نظرتهم إلى عدم معرفة وقتها، وإنَّمَا لهم ظنون كاذبة أو هم في شك منها، والشاك غير حاكم بشيء فهم جاهلون لها جهلا بسيطا. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ حاكمون بترجيح المرجوح منها، جاهلون بها جهلا مركبا، لأن الناظر تارة ينظر نظرة إلى الشك واستواء الطرفين عنده، وتارة يحكم بترجيح الراجح وهذا عالم، وتارة يحكم نصهم على ترجيح المرجوح، فهذا وهم وجهل مركب، وأفاد الإضراب بـ بل أنهم أولا جاهلون، فليس بها شعور ألبتَّة، بل انتقلوا إلى النظر الموصل للعلم بها، ثم نظروا أو أداهم النظر إلى الشك فيها لم بعد ذلك قطعوا وصمموا على إنكار الإعادة، فكانوا بحيث تنفع فيهم الموعظة ويطمع في رجوعهم، ثم انتقلوا إلى حالة اليأس منهم والقطع بعدم رجوعهم، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار الأنواع، فمنهم جاهل، ومنهم عالم معاند، ومنهم شاك، ومنهم مصمم على إنكار البعث والإعادة. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا من إيقاع الظاهر موقع المضمر. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾

النمل 27:73

قال الزمخشري: لم قال في قد أفلح: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ)، وقال هنا: (هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ)، ثم أجاب بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الفرض المقصود، فهنا دل على إيجاد البعث هو المقصود في الآخر المقصود إيجاد المبعوث. قال ابن عرفة: فإن قيل: لم خصصت تلك بتقديم نحن، وهذه بتقديم هذا؟ قال: فعادتهم يجيبون: بأن تلك ذكر أحوال الكفار؛ لأن قبلها: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، ثم قال (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، وهذه تقدم فيها أوصاف البعث، لقوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، (أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا)، (أَمَّنْ يَهْدِيكُم فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ إن أريد به العموم [فالأكثر عليه*]، والكافر على هذا منعم عليه باعتبار ما له في الدنيا، وإن أريد بالنَّاس الكفار والأكثر المراد به الجميع. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾ إن قلت: هلا قال: ما تعلن ألسنتهم وما يسترون، فيكون تأسيسا؛ لأن العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بخلاف العكس، قال: والجواب: أنه قصد التنبيه على كمال إحاطة علم الله تعالى، وإن السماوات إن تعددت فعلمه بما فيها كلها كعلمه بما في السماء الواحدة ولا فرق بينهما. قوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ إما حقيقة فهي مكتوبة في اللوح المحفوظ، وهو عبارة عن كمال إحاطة علمه بذلك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ لأنهم يختلفون في أمر جلي، أو أمر خفي، فهو يقص عليهم الأمر الخفي. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾

النمل 27:78

إما أن يراد الصائر إلى الإيمان كما قال الزمخشري، في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، وهو هدى للمؤمنين حقيقة باعتبار انتقالهم به من مقام إلى مقام أعلى منه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعدله، وليس المراد الحكم؛ لأنه لَا يقال: يضرب بضربة. قال ابن عرفة: الإضافة إلى الضمير يرفع هذا الإشكال، أي بمحكمه اللائق به، كما قال تعالى في (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، وكذلك (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أقْفَالُهَا). قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ). أي العزيز الذي لَا يمانع ولا يدرى وجه حكمه، العليم بخفيات الأمور. قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل هو استحضار الحاضر ونسبة الحوادث كلها إلى الله عز وجل، ونقل بعض الطلبة عن بعضهم: أن التوكل هو الوثوق بالمظنون، وترك الحركة والأمثال على السكون. ابن عرفة: والأول أصوب وهو قسمان: ابتدائي وانتهائي، فبدئه لَا ينافي الأسباب العادية، ومنتهاه وهو الطريق الموصوفة ينافي الاشتغال بالأسباب العادية. ابن عرفة: وعطفه بالفاء لإفادة السببية، إشارة إلى أنه لما كان طريق الإيمان لا يمانع ولا يناط بحكمه أمر بالتوكل على الله والتفويض إليه في الأمور، ويحتمل أن يقال لما تقدم. قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ). عقبه بما يفيد إفراده والاعتماد عليه في الأمور، فالذي يفيد انفراده بذلك، هو قوله تعالى: (الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)، وهذه تفيد الاعتماد عليه في الأمور، قال بعضهم: وحاسة السمع أشرف من حاسة البصر، بدليل أنها لم يسلبها نبي بخلاف البصر، فإن قيل: ما أفاد قوله تعالى: (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، قلنا: الأصم إذا كان فبأولئك يشير إليه فيهم عنك بالإشارة، بخلاف ما إذا صيرك خلفه، فإنه لَا يسمع ولا يرى، فوصف الكفار بأقبح صفات المخالفة، وعدم الانقياد إلى الحق، فلا يلزم منه أن يقال: نهى

النمل 27:81

النبي عن الحض مقيد بصفة لَا تعم؛ إذ مفهومه ثبوته لامتثالها مما لم يقيد بتلك الصفات. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ويحتمل أن يكون دليلا على أن الإيمان أخص من الإسلام؛ لأن معناه فالمؤمنون بآياتنا مسلمون، أي الحكم عليهم بالإيمان يستلزم عليهم الحكم بالإسلام. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ المراد بالقول متعلقه، ومدلوله، وهو ما وعدوا به من أشراط الساعة، ومن ذلك خروج الدابة، فلا بد أن يكون المعنى وإذ وقت وقوع القول عليهم أخرجنا لهم الدابة، والقول يقع عليهم ولهم؛ لأن فيهم المؤمن والكافر لكن روعي مقام التخويف والإنذار قال: وعوائد الطلبة يقولون: لما عبر في الأول بالقول وبالثاني بالكلام، وهلا قيل: وإذا وقع الكلام عليهم، أو يقال: أخرجنا لهم دابة تقول لهم، قال: وتقدم الجواب بأن القول بسيط والكلام مركب؛ لأنه أخص، والقول أعم، والشرط بسيط، والمشروط مركب؛ لأنه يستلزم الشرط، والشرط لَا يستلزم المشروط، فناسبت أن يجعل القول البسيط شرطا، والكلام المركب شرطا. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ابن عرفة: فيها حذف التقابل وتقرير أن في سورة القصص (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فجعل السماع من خاصية الليل، والإبصار من خاصية النهار، والتقدير: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله، فحذف من الأول نقيض ما ذكر في الثاني، ومن الثاني نقيض ما ذكره في الأول، وعبر عن السكون بالفعل، وعن الإبصار بالأصم؛ لأن الإبصار لازم النهار، والسكون غير لازم الليل، وليس من فعله، ألا ترى أن الصالحين لَا يسكنون بالليل، بل يقومونهم وهو نهارهم، ولذلك خرج الترمذي حديثا: "إن رجلا دخل على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنها فقدمت له طعاما، فقال: إني صائم، فقالت له: ألك زوجة؟ فقال: نعم، بل زوجتان سوداء وبيضاء، وانصرفت ثم وصفته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هو الخضر عليه الصلاة والسلام، والزوجتان: الليل والنهار"، قوله تعالى: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

النمل 27:87

قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن خليل: وفيها دليل على إبطال القول بإثبات الجوهر المقارن، وهو موجود لَا متحيز ولا قائم بالمتحيز، وجعل من ذلك الملائكة والجن؛ لأن المفسرين قالوا: المراد بقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام، فهم من في السماوات والأرض فجعلها خبرا، فقال ابن عرفة: يلزمه هذا في العرض؛ لأنه ليس بمتحيز، مع أنك تقول: رأيت في هذا البعث وفيه الجوهر والعرض القائم به. ابن عرفة: فإن قلت: ضل فيها على ابن عصفور؛ لأنه منع الاشتمال المحمول، فقال: لَا يجوز، فقال: رأيت القوم إلا رجالا، فشرط في المستثنى أن يكون معلوما، قال: والجواب: أن هذا معلوم عند المتكلم، وأما الممتنع الاستثناء بالجملة المتكلم، وأيضا فمن الموصولة معرفة، وفرق بين المعلوم والمعين، فاستثناء غير المعين جائزا إذا كان معلوما عند المتكلم. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ قال: يحتمل أن يكون (وَهِيَ تَمُرُّ) حالا من فاعل تحسبها، أي تحسبها جامدة حال مرورها كالسحاب، فيكون الناظر إليها لَا يشعر بمرورها كالسحاب، ويحتمل أن يكون يشعر بذلك فيحسبها أولا جامدة، ثم يتأمل فيها فيجدها تمر مر السحاب فهو يعتقد الأمرين. قوله تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ). يؤخذ منه إطلاق هذه الصفة على الله تعالى، وقد أطبق المتكلمون على وصفه بها، فقالوا: باب الكلام في إثبات العلم بوجود الصانع. قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ أي فله خير من ثوابها، قلت: لفظ (خَيْرٌ) إما فعل أو أفعل من، أي فله ثواب أفضل من ثوابها، ومن إما سببية أو لابتداء الغاية فله ثواب سببها، أو ثواب ابتدائها منها، وهل هذا كقولك: زيد [خير من*] صديقه [... ]، أو كقولك: زيد [خير من*] عدوه [... ]. * * *