تفسير ابن عرفة — القصص 28:1 – غافر 40:82
المحتويات
- القصص 28:1
- القصص 28:8
- القصص 28:13
- القصص 28:18
- القصص 28:29
- القصص 28:36
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:19
- لقمان 31:21
- لقمان 31:29
- لقمان 31:34
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:13
- السجدة 32:18
- السجدة 32:20
- السجدة 32:22
- السجدة 32:27
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:71
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:31
- سبأ 34:33
- سبأ 34:35
- سبأ 34:41
- سبأ 34:44
- سبأ 34:46
- سبأ 34:50
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:6
- فاطر 35:9
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:15
- فاطر 35:19
- فاطر 35:25
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- يس 36:3
- يس 36:9
- يس 36:21
- يس 36:25
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:32
- يس 36:34
- يس 36:36
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:41
- يس 36:43
- يس 36:60
- يس 36:67
- يس 36:70
- يس 36:77
- يس 36:81
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:4
- الصافات 37:55
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:112
- الصافات 37:137
- ص 38:1
- ص 38:4
- ص 38:26
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:35
- ص 38:37
- ص 38:42
- ص 38:47
- الزمر 39:4
- الزمر 39:6
- الزمر 39:32
- الزمر 39:53
- الزمر 39:67
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:18
- غافر 40:24
- غافر 40:38
- غافر 40:47
- غافر 40:53
- غافر 40:60
- غافر 40:66
- غافر 40:69
- غافر 40:74
- غافر 40:78
- غافر 40:82
القصص 28:1
سُورَةُ الْقَصَصِ
قال ابن عطية: السورة مكية إلا (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) فإنها نزلت في الجحفة وقت هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة.
ابن عرفة: بل هي كلها مكية كما قال الزمخشري؛ لأنه تقرر أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها سواء كان في الجحفة [أو غيرها*].
(١)
ابن عطية: والطاء من الطول، والسين من السلام، والميم من المنعم أو من الرحيم أو نحو هذا.
قال ابن عرفة: ما هذه الدلائل؟ قلنا: تضمن، فقال: بل هي التزام وبينهما ارتباط ذهني.
قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَىٰ﴾
ابن عرفة: (نَتْلُو عَلَيْكَ) أخص من (نَقُصُّ)؛ لأن نقص لم يرد في القرآن إلا مقيدا، قال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وهذا ورد غير مقيد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
تبكيت عليه، أي علا، وهو في محل التذلل والانخفاض، فلذلك قال في الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
ابن عرفة: ليس المراد حقيقة الإرادة لأنها قديمة، وإنما المراد ظهور متعلقها، فإن أريد به الإخبار بوقوع ذلك في بني إسرائيل قبل وقوعه، فهو مستقبل حقيقة، وإن أريد به الإعلام بها بوقوع ذلك بقوم موسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، فهو من العبارة عن الماضي بلفظ المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
حكى ابن العربي في سراج المريدين لما ذكر فضائل ابن فورك، أنه كان يرى الملائكة يكلمونه، وأنكره بعضهم محتجا بأن جبريل عليه السلام، قال للنبي صلى الله
القصص 28:8
عليه وعلى آله وسلم بقرب وفاته، هذا آخر مهبطي إلى الأرض، واحتج الآخرون بأنه بعض الصحابة أو بعض الملائكة.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾
قال الزمخشري: هذه اللام للتعليل، مثل: جئتك لتكرمني، لكنه مجاز؛ لأن الداعي لالتقاطه إنما هو الصحبة، ولما كانت العداوة نتيجة التقاطهم شبهه بالداعي الذي يفعل فاعل الفعل لأجله، فاستعيرت له اللام كما استعير لفظ الأسد للشجاع، ابن عرفة: هي لام الصيرورة، وكان بعضهم يقول: بل هي على أصلها حقيقة، ويقدره؛ لأن [فعل اللقط*] تارة يعتبر من حيث كونه مكتسبا للعبد، وتارة يعتبر من حيث كونه مخلوقا لله عز وجل، فعلى الأول تكون اللام للصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه؛ لأن الالتقاط أمر عارض غير مقصود، أي جعل الله تعالى التقاطهم له سببا في عداوته لهم، وجاءت العداوة هنا الثابتة مقابلة للخوف المنفي، في قوله تعالى: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي)، لأنها سبب فيه، والحزن الثابت مقابل للحزن المنفي.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾
إن قلت: هلا قال: وقالت لابنتها قصيه؟ فالجواب [من*] وجهين:
أحدهما: قال ابن عرفة: هذا من تعليق الطلب على الوصف المناسب له؛ لأن وصف الأخت يشعر بالحنان والشفقة على الأخ، بخلاف ما لو قال: وقالت لابنتها، فتذكيرها لها بأنه أخوها مذكور [**لحثها في البحث عنه].
الثاني: إن هذه الأخت يحتمل أن تكون أخته من أبيه، وهي ربيبة أمه وليست بنتها.
قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾
ولم يقل: ومنعنا المراضع، إشارة إلى أن هذا أمر قديم مقدر في الأزل، ولو قال: منعناه، لتناول الأمر الظاهر الوجودي من غير اعتبار، فتقدمه في الأزل.
قوله تعالى: (مِن قَبْلُ).
أي من قبل قصها أثره.
قوله تعالى: (يَكْفُلُونَهُ لَكُم).
في زيادة لفظه (لكم) نعمة وإخفاء لئلا يتفطنون بها، أي؛ لأن كفالته ليس فيها منفعة للكافلين.
القصص 28:13
قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
إن كان من تمام المعلوم لأم موسى عليه السلام، فيكون الأكثر بمعنى الجمع؛ لأن جميع بني إسرائيل كانوا حينئذٍ كفارا، وإن كان من كلام الله تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالأكثر على بابه؛ لأن من القبط من آمن به.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
إن قلت: ما الحكمة في تخصيص هذه الآية، بزيادة لفظة (استوى) دون آية سورة يوسف عليه السلام، فالجواب بوجهين:
الأول: قال صاحب البرهان: ؛ لأن يوسف عليه السلام باعه إخوته وهو صغير عمره خمسة عشر عاما أو عشرين عاما، ولم يمكث عند زليخا إلا أعوام يسيرة، ثم جرت قضيته معها، وقالت له: (هَيتَ لَكَ)، فغاية الأمر أن يكون في أول سن البلوغ الأشد، وهو إما عشرون، أو خمسة وعشرون، أو ثلاثون، فلذلك لم يقل فيها: (وَاسْتَوَى) وزادها في آية موسى عليه السلام.
الثاني: قال ابن عرفة: وظهر لي أن الجواب بأن يوسف عليه السلام هم بالفعل، ولم يفعل، [وموسى عليه السلام فعل*]؛ لأنه وكز القبطي وقتله فناسب وصفه بأبلغ درجات القوة، فلذلك قال فيها: (وَاسْتَوَى).
قوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا).
ابن عرفة: يحتمل أن يريد بالحكم النظر الموصل للعلم، أي آتيناه طريق العلم، والعلم يحتمل أن يريد بذلك العلمية والعملية.
قوله تعالى: ﴿هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
تواضع منه؛ لأن [المقتول حربي*] مباح الدم يعدها هو خطيئة، وليست بخطيئة، وهذه الوكزه هي، [كما*] قال فيها الإمام مالك رحمه الله: [شِبْهُ الْعَمْدِ بَاطِلٌ، وليس بخطإ، وَإِنَّمَا [هُوَ*] عَمْدٌ، قال ابن عطية: أن يعقد يده ثلاثة وسبعين من حساب اللفظ، ثم يضرب بها.
قوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾
الباء للسبب أو للقسم، وقوله تعالى: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا)، أي فلن أكون معينا للمجرمين، قال ابن عطية: احتج العلماء بها على منع خدمة الظلمة ومعونتهم، قلت:
القصص 28:18
قال شيخنا أبو الحسن المطريني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب، قال: النظر في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم.
قال ابن عرفة: يريد إن كان خائطهم كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكافر.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾
قال ابن عرفة: تقدم المجرور للاهتمام إشارة إلى أن له أثرا في الخوف، والألف واللام للعهد، وعبر في هذا الفعل؛ لأن المترقب متوقع وليس ثابت فيناسب الفعل المقتضي المتجدد.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى... (٢٠)﴾
وقال تعالى في سورة يس: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى).
قال ابن عرفة: فكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن سلمة، يقول من عنده: إنما قدم الرجل هنا تحوطا على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يناله روع أو حزن على موسى عليه السلام؛ لأنه لو قيل (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)، لأمكن أن يتوهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه جاءه جماعة كثيرون يريهم الاستخفاف منه لأجل قتله القبطي، فما يصل إلى ذكر الفاعل إلا بعد حصول الروع منه والفزع في القلب، فبدأ بذكر الرجل احترازا من هذا، كما قال تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، وأما سورة يس فأتت بعد ذكر الرسول فلا يؤثر فيها هذا التوهم [فزعا*] إذا جاء الجماعة يجيبون بالحض على إتباع الرسول، قيل لابن عرفة: هذا لَا حاجة به، بل يقال: هذه الآية وردت على الأصل، وما السؤال إلا في سورة يس.
قال ابن عرفة: روى بعض الشيوخ المعمرين أن الأمير أبا عبد الله محمد، المدعو بأبي عصيرة، كان خليفة بتونس، وكان الأمير أبو يحيى زكريا والد الأمير ابن أبي بكر خليفة بجاية، وكان كثير الأسفار، وطويل الغيبات في سفره، وكان الأخوان: عمران، وموسى ابن أسرعين أحدهما: بتونس، والآخر: ببجاية، فبعث أبو عصيرة حسينا أميراً عليهم ابن أسرعين ببجاية في غيبة الأمير أبي يحيى زكريا، فدخل إلى أخيه موسى بكتاب من عند الملك، فأمره فيه أن يخلع بيعة سلطانه ويبايع لابن عصيرة، فامتنع، وقال: والله لَا أخونه فيما أمنني عليه، فلما قدم الأمير زكريا أخذ عليه في فتحه الباب لأخيه، وكونه أدخله، ثم بعد ذلك يؤثر في قتله، فكتب بعض الحاضرين إليه براءة
القصص 28:29
صغيرة بهذا النص: (يَا مُوسَى إِن) ولم يكمل الآية، ففطن بها موسى وهرب من جنبه.
قال ابن عرفة: وذكر الغزالي في مثل هذا، إن لم يكن فيه تعرض [للتنقيص*] والاستهزاء فيما لَا يحل فهو جائز، وقد حكى فيه عياض في المدارك عن ابن العطار أنه يعلم بآيات في مثل هذا، قلت: نقل عياض عن أبي عبد الله محمد بن أحمد العطار: أنه أفتى في [فصل*] من السهو بالسجود، فقيل له: إن أصبغ بن [الفرج*] لم ير عليه سجودا، فقال (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، قال: وبلغه أن ابن [... ] لم يشهد عليه حين دعا النَّاس للشهادة [**بحرصه]، فقال: (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ﴾
قال ابن عرفة: الظاهر المراد به أقصر الأجلين؛ لأن الألف واللام إن كانت للعهد فالمعهود القريب، وهو أقصاهما، لأنهما كالضمير العائد على أقرب مذكور، وإن كان للجنس فهو إما بمعنى الكل أو أكثرهما هو المجموع وهو الأقصى، وإن أريد الكلية تناولت اقتضائهما؛ لأنه كل فرد من أفراد الأجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾
وفي الآية الأخرى (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) مع أنه خاف، فأجاب: بأن هذا الخوف أمر جبلي، فالمراد كن آمنا مما تخافه ولا تلتفت إلى ما يقع في نفسك من الجزع والهلع بوجه، قال: وفيها سؤالان:
الأول: كيف أكد الخوف بـ (إِنَّ) والمخاطب عالم بخفيات الأمور وغير منكر لذلك القول؟
الثاني: كيف خاف مع وعد الله، لقوله تعالى: (وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)؟
ثم أجاب عن الأول: بأنه أكده مراعاة لما رتب عليه، من قوله تعالى: (فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ).
الثاني: أن المراد أن (لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، فما يوحي إليك به فلا يكن في نفسك منه هلع وخوف، وأما ما لَا يرجع إلى الوحي، فلا يدخل في هذا.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾
القصص 28:36
كيف أكد القتل بأن الله أعلم بخفيات الأمور؟ فأجاب ابن عرفة: بأن التوكيد اعتبار المعطوف، وهو خوف القتل.
قوله تعالى: ﴿مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾
قال الزمخشري: [سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله. أو سحر ظاهر افتراؤه. أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله*]، زاد ابن عرفة: أو سحر اخترعته، وحيث فيه جديد مبتدأ غير معهود في السحر بوجه لم يعلم له نظير في السحر.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ﴾
قرأ ابن كثير بحذف الواو، والباقون بإثباتها.
ابن عرفة: وجهه أن من راعى كيفية اللفظ ومعناه فأثبتها.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ﴾
[أي*]: الاستكبار على شخص مع استحقار المستعلي [لمن تحته*]، وفي الأرض تنبيه على أن من هو في الأرض المحقرة الموطأة بالإقدام لَا ينبغي أن يستعلي.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ).
إما سبب، والمعنى واستكبر هو وجنوده بسبب هو غير حق، فيرجع إلى متعلق الاستكبار، وهذا صواب لأنهم إذا ذموا على الاستكبار بسبب أحرى أن يذموا على الاستكبار بغير موجب بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
قال ابن عرفة: من شرط الواقع بعد لولا أن يكون موجودا، كقولك: لولا زيد لهلكنا، وهو هنا [مقدرٍ محذُوفٍ*] [أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ.] (١).
(١) بياض، وهو خرم في المخطوطة من الآية ٤٧ في سورة القصص إلى الآية ١٦ من سورة لقمان، ولعله سقط من النَّاسخ، وذلك لأن صفحات المخطوط متتالية في الترقيم والبياض المشار إليه بمقدار مصف صفحة، وهو أقل من السقط بكثير، والله أعلم.
ومن باب الفائدة فقد رأيت أن أجبر هذا السقط من كتاب (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، لأبي العباس البسيلي التونسي (المتوفي ٨٣٠ هـ)
قال رحمه الله:
"٤٧ - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾:
"لوْلا" هُنَا حرْفُ وُجُودٍ لامتناعٍ.
فإنْ قلتَ: شرْطُ ما تدْخُلُ عليهِ أنْ يكونَ موْجوداً لَا مقدَّرَ الوجودِ، وهو في الآية مقدر الوجود.
فالجوابُ أن "لولا" هنا دخَلتْ على مقدرٍ محذُوفٍ، أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾:
العطفُ يقتضي مغايرَةَ العمَلِ للإيمانِ، إِلاَّ أنْ يُفَسَّرَ بالنوافلِ. وللمعتزِلَةِ في كونها من الإيمانِ قوْلانِ.
فإنْ قلت: الأصلُ فيما فُصِلَ بأمَّا أنْ يتقدمهُ مجملٌ كقوله: "جاءَ القومُ، أمَّا الصُّلَحَاء فأكرمتهم، وأمَّا الطُّلَحَاء فأهنتهُمْ". وَلاَ بُدَّ مِنْ صدقِ المُفَضَّل على كلِّ قسمٍ، فلا تقولُ: "جاءَ القومُ، أمَّا الكلابُ فضربتهُمْ، وأَما الَدَّوابُّ فعلفتهم"؛ ولَمْ يتقدمْ هنا غيرُ قوله تعالى (فَعَميَتْ عَلَيْهِمُ الأنبَاءُ) وهو لا يَحْسُنُ لِمَا ذكرنا.
قلت: هو تفصيلٌ لقولهِ تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسناً) الآية، أَوْ لِمفهومِ (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)؛ لأن المبعوثَ إليهم منهمْ منْ آمنَ وعملَ صالحاً، ومنهمْ منْ لمْ يومنْ.
سُورَةُ الْعَنْكَبُوت
٤ - ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾:
لمْ يقلْ "مَا يعملونَ"، لاسْتلزامِ الحكم العمَل؛ لأن الحاكمَ عاملٌ دونَ عكسٍ.
٨ - ﴿وَوَصَّيْنَا﴾:
هوَ أبلغُ مِنْ "أمَرْنَا"؛ لاقتضاءِ "وَصَّى" التَّكرارَ، بخلافِ "أَمَرَ".
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ الآية:
شبهُ احتراسٍ.
١٢ - ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾:
أي: سبيلَناَ الواضحَ البَيِّنَ لنا ولغيْرنا، ولذا لَمْ يقولوا "اتَّبعونَا" وإنْ كانوا هُمُ الحاملينَ.
﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
تأسيسٌ لقولهِ (ومَا هُمْ بحَامِلينَ)؛ لأنهمْ قالوا (ولْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ).
الزمخشري: "هذا إنْكار منهمْ للحشْرِ، فقال تعالى (وَمَا همْ بحاملينَ مِنْ خَطَايَاهُم) رَدّاً لظاهرِ قولهمْ (إنَّهُمْ لَكَاذبُونَ) في إنكارهم الحشر، بلْ هم غير حاملين خطاياهم، والحشر حق".
وفي الآية رد على ابن قتيبة أنّ الكذبَ إنما يتعلق بالماضي، وأمَّا ما يتعلق بالمستقبل فخُلْفٌ لا كذب؛ وتقريرُ الردِّ أن اللَّه كذّبهم في قولهم (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) وعلَّقوا ذلك على اتِّباعِهم سبيلَهم؛ والصحيحُ أن الكذب هو "الإخبار بالأمر على خلاف ما هو" أعمّ مِن أن يكون متَعلَّقُه ماضياً أو مستقبلا.
٢٢ - ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾:
وفي آية الشورى، لم يقل "ولا في السماء"، فقال صاحب "برهان القرآن":
"إنما قال هنا (وَلاَ فِي السَّمَاءِ)؛ لأن نمرودا صعد إلى جهة السماء، وآية الشورى ليس فيها ذلك".
ع: "وهذا يحتاج إلى خبر صحيح؛ والفرق عندي بين الآيتين قَصْدُ الإطناب في هذه، لتَقَدُّم قوله (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) فعلَّق ذلك على المشيئة التي لا كسْب للعبد فيها، فناسَبَ الإطناب؛ وأما في آية الشورى فتقدَّمَها قوله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فعلَّقَ ذلك على كسبِ أيديهم، وعقَّبه بذِكْر العَفو، فناسب ذكر الأرض خاصّة".
٥٢ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾:
الواقعُ في آياتِ القرآنِ تقديم (شهيداً) إلا في هذه الآية، ووجْه تقديم الظرف هنا أنه الأهمُّ لتقدّم ذكر المجادلة المقتضِية للبيِّنة.
٥٣ - ﴿لَجَاءَهُمُ﴾:
لم يقل "لعاجلهم" مع كونه المناسبَ لـ "يستعجلونك"، لئلا يُتَوهم أن سببَ نزول العذاب بهم هو استعجالُهم.
سُورَةُ الرُّوم
٣٠ - ﴿حَنِيفًا﴾:
فسروا الحنيفَ بالمائل، ولم يذكروا مُتَعَلَّقَ الميل، وهو باعتبار فروع الشرائع، فإنّ شريعتَنا مائلةٌ باعتبار الفروع؛ لأنّ فروعَها أخفُّ من فروع غيرِها؛ واتّفق الكلُّ على الوحدانية.
٥٥ - ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾:
هذا مُتَعَلَّق القسَم، ووجْه الرّدّ عليهم بقول الذين أوتوا العلم، أنّ المجرمين حصروا لُبْثهم في ساعة، فردُّوا عليهم بأنَّ لبثهم غيرُ محصور ولا موَقَّت، بل هو إلى يوم القيامة، وهو غيرُ معلوم.
٦٣ - ﴿الْقَوْلُ﴾:
إِنْ قلت: لِمَ جَعَلَ التذَكُّرَ علَّةً للقولِ الذي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الكلامِ؟.
قلت: إنمَا جُعِلَ علَّةً له مِنْ حيثُ كونُهُ جزءَ كلام، ومَا لَزِمَ الجزءَ لزِمَ الكُل.
٦٧ - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾:
التوبةُ هنا الإقلاعُ عنِ الشِّرْكِ، والإيمانُ التصْديقُ بنبُوةِ محمدٍ - ﷺ -، فهو تأسيسٌ.
سُورَةُ لُقْمَان
٦ - ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾:
عُدولٌ يقتضي وجود الموضوع، أي بشيء وهو غير علم، والمراد بـ "العلم" ما يستنبط بالعقل وبـ "الهدى" ما يستفاد من الغير وبـ "الكتاب" الدليل السمعي من القرآن والسنة.
٧ - ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾:
يقتضي سماعه الآيات تتلى وقوله (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا): نَفَى السماعَ النافع.
١٧ - ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:
قول ابن عطية: "يريد بعد امتثَالِه في نفسِه"، اعتزال.
٣٤ - ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾:
وجْه حُكم الحصرِ في عِلْمُ الساعَةِ تقديمُ الظرف، وفي (يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) من مفهوم (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسُب غَداً)، فإنه إذا لم يَدْرِ ما له فيه كسب، فأحْرى ما لا كسب له فيه، وهو إنزالُ الغيث". اهـ (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، لأبي العباس البسيلي. ٣/ ٣٧٥ - ٣٨٤).
لقمان 31:16
سُورَةُ لُقْمَان
قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾
قال ابن عرفة: اختلفوا هل ابتداء وصية أخرى من لقمان لولده، أو جواب عن سؤال مقدر سأله عنه ولده؛ لأنه لما أوصاه باعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته ونفي الشريك عنه، سأله عن صفاته من العلم والقدرة والإرادة، فأجابه بهذا.
وقوله تعالى: (إِنَّهَا)، قال أبو حيان: إنها ضمير القصة، وقال الزمخشري: الضمير راجع للهيئة من الإساءة والإحسان، أي الفعلة، وقال ابن عطية: المضمر للفعلة.
قال ابن عرفة: والظاهر أنه غير ماهية الشيء لتناول الجواهر والأعراض والفعلة عرض، وكذلك الهيئة والقصة.
قوله تعالى: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ).
وقال تعالى في سورة إذا زلزلت: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، ولم يقل: (مِثقَالَ حَبَّةٍ)؟ فأجيب: بأن الخطاب هنا خاص بمعنيٍّ وهو ولد لقمان، فتناسب ذكر الحبة التي هي أظهر وأجلى وأخص من الذرة، والخطاب هناك عام، فناسب تعلقه بالذرة التي هي أعم من الحبة وأخف، فإن قلت: ما أفاد لفظة مثقال؟ قلنا: الخطاب بتعلق القدرة بالحبة خاص بها، والخطاب بتعلقها بمثقالها عام فيها، وفي كل ما هو في وزنها مما ليس بحبة، فإن قلت: هلا قال: مثقال حبة خردل بالإضافة، قلنا: نص التخصيص بعد الإبهام، كقوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، ولم يقل: قواعد البيت، فإن قلت: ما أفاد، قوله (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، [وهلا قال (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)؟ *] قلنا: أما على قراءة فتكن بالتشديد فالفائدة ظاهرة، وأما على قراءة التخفيف فوجه [فائدته*] تظهر بما قال المفسرون، في قوله تعالى: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، إنه راجع إما لصفة القدرة، أو لصفة العلم، فإن كان لصفة القدرة، فيقول: ذكر الأصوليون أن الحادث قبل حدوثه لَا تعلق به قدرة بلا خلاف، وحين حدوثه فهي متعلقة به بلا خلاف وبعد حدوثه، قال في الإرشاد: اتفقوا على أنها غير متعلقة به فيكون قوله تعالى: (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ)، فمعنى إن توجد مثقال حبة، وقوله تعالى: (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ)، أي فتبقى في الصخرة.
لقمان 31:17
وقوله تعالى: (يَأتِ بِهَا اللَّهُ)، إشارة إلى تعلق القدرة في الزمن الثاني عن إيجاده، فهو إشارة إلى نفي ما يتوهم من عروض النسيان له بعد إيجاده والذهول عنه، فلا يتعلق به العلم القديم حينئذ، فقوله تعالى: (يَأتِ بِهَا اللَّهُ)، أي بعلمها الله، قال: وخفاء الشيء يكون إما لبعد مسافة، وإما لحاجب بينه وبين الناظر إليه، وإما لاختلاطه بغيره، فقوله (فِي صَخْرَةٍ)، راجع لوجود الحاجب، وقوله (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ)، راجع لبعد جهته، وقوله (أَو فِي الْأَرْضِ)، راجع لإخلاطه بغيره، أو راجع لموجود في ظلمة.
قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم كرر النداء؟ قلت: عادتهم يجيبون: بأن الوصية إن كانت في موطنين فتكريره مناسب، وإن كان في موطن واحد فكرره لوجهين:
إما تأكيد بعده القريحة واستحضارها لسماع هذه الوصية الثانية للولد، فإنه في الأولى أوصاه بأمر علمي اعتقادي، وفي الثانية أوصاه بأمر عملي، أمره بإقامة الصلاة دون غيرها من العبادات لتكررها في اليوم والليلة.
قوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
اعتزل ابن عطية هنا فقال: هذا إنما يريد به أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر. قال ابن عرفة: هذا اعتزال، ولذلك كان شيخنا ابن عبد السلام يحرر من المطالب من نظر ابن عطية، فإنه سيئ لكنه ينقل كثيرا عن الرماني، وهو [معتزلي*] فيغفل أحيانا عن كلامه، فيعتزل من حيث لَا يشعر، ومذهب أهل السنة يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان متصفا، لقوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)، قيل لابن عرفة: لعل ابن عطية لم يرد بذلك الوجوب بل الاستحباب؛ لأنه أدعى إلى القبول، قال الأخطل:
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِىَ مِثْلَهُ؍ عَارٌ عَلِيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ؍
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، قال البيضاوي: هو جزم تردد الإرادة، وقيل: توطين النفس على الفعل.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾
لقمان 31:19
الأصل أن بعد لكن اللام، هنا ليست للتعدية بل للتعليل، أي لَا تمل خدك لأجل النَّاس.
قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾
قال ابن عرفة: إنما لم يقل: واقصد في مشيك وصوتك؛ لأن المشي أقسام: مشي في غاية الضعف والبطء، ومشي في غاية السرعة والاستعجال، ومشي متوسط مقتصد، فأمر بالتوسط فيه، والصوت أحد طرفيه منتف هاهنا، وهو أضعفه وأخفى، لأن المقصود منه الإسماع، فلم يبق منه إلا القسم الثاني، وهو أعلاه وأبلغه المتناول لأقصى غاية الإجهاد، فأمره بالنقص من هذا والاتصاف بما دونه.
قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).
ولم يقل: لصوت الحمار؛ لأن ذلك خرج مخرج التقبيح، وأصوات الحمير مجمعه أشد من صوت حمار واحد.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: مثل هذا في القرآن كثير، وإنما أتى بهذا البعض منكرا دون تعيين لوجهين:
إما قصد التستر عليه، وإما قصد العموم [للتخويف*]، حتى أن كل أحد من المخالفين يظن أن الآية تتناوله، والمجادلة تتعدى باللام [وفي*]، والمجادل لله بحق، لأنه يجادل لإظهار دين الله ونصرته، والمجادل في الله مبطل، لأنه يجادل قادحا في دين الله لنصرة الإشراك بالله.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال ابن عرفة: [يستفاد منها*] أن المجادل في الشيء تارة يكون جداله بعلم استعمله واستنبطه من عقله، وتارة يأتي بدليل استفاده من غيره ممن هو مثله، كمن يستدل بدليل ذكره القاضي الباقلاني، أو غيره، وتارة يأتي بدليل سمعي: كتاب، أو سنة، استفادها من نبي معصوم، أو بلغه عنه، فالأول: راجع لقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ)، والثاني: بقوله تعالى: (وَلَا هُدًى)، والثالث: بقوله تعالى: (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ).
قوله تعالى: (مُنِيرٍ) إشارة إلى ذلك الدليل الذي من الكتاب والسنة قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، وأشار الفخر إلى بعض، قال: وفي الآية حجة من قاعدة المنطق واستعمال لفظه غير ذي الأولى، لأنها كالمعدولة المقتضية لوجود الموضوع،
لقمان 31:21
فالمعنى: ومن النَّاس من يجادل في الله بشيء هو غير علم؛ لأن المجادل في الله قابل؛ لأن يستفيد علما بعقله، كقوله: زيد غير بصير، ولم يأت به في الثاني، لأن الدليل في إبطال دين الله المستفاد من العقل أو الكتاب أو السنة منتف غير ثابت في نفس الأمر فنفيه من باب السلب، مثل الحائط لَا يبصر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾
قال الفخر: هنا الفعل أبلغ من القول.
ابن عرفة: بل بينهما عموم من وجه، فالفعل أبلغ من القول باعتبار الحصول والقول أبلغ من الفعل باعتبار المتعلق؛ لأن متعلقه أمر كلي، ومتعلق الفعل خبر، أي ولذلك العالم يُقتدَى بقوله دون فعله، فإنه يترخص في نفسه بما لَا يفتى به لغيره.
قوله تعالى: (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا).
فرق بعضهم بين [وجد وأيقن*] بأن الوجدان يكون اتفاقيا على غفلة من غير قصد ولا تقدم شهود، ومنه وجدان الضالة، واليقين يقتضي وجدان ما كان ثابتا دائما مستقرا، قال ابن عطية: الآية دالة على إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد، انظر تمامها في البقرة والعقود.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
عداه باللام، فأجاب: بأن اللام تقتضي الاختصاص والقصد إلى الشيء التي لا تقتضيه.
قال ابن عرفة: فوجه مناسبتها هنا أنه لما كان المخبر عنه فيما قبلها لم يخص به واحد بعينه بل أتى به مطلقا عقبه بحال من حصل منه مطلق استسلام لله تعالى، فإنه ممدوح ليتناول مدح من اتصف بالنص الاستسلام من باب أحرى، بخلاف قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، فأتى به خاصا لأجل ما رتب عليه من الثواب الجزيل الذي لهم في هذه القصة إلا بعضه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾
قال الظاهر في (مَنْ) أنها شرطية لَا موصولة، تقتضي وجود الموضوع.
لقمان 31:29
الثاني: إنها معطوفة على قوله تعالى: (وَمَنْ يُسْلِم) وهي شرطية من باب [لا أرينك هاهنا*]، أي لَا تتذكر أسباب الحزن على كفره، فتحزن على كفره فإِنما أنتقم لك منه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
قال ابن عطية: هذا مثل قولهم: [الذئب مغبوط بذي بطنه*]، وقولهم: ذو بطن بنت خارجة.
قال ابن عرفة: وانظر هل الحزن على فوات أمر محبوب، كقوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، أو على وقوع أمر مكروه، كقوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)، وهو الظاهر من نص هذه الآية.
قوله تعالى: [(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى... (٢٩) *]
قال الزمخشري: إن قلت: تجري لأجل، وتجري إلى أجل مسمى، فهذا من تعاقب الحرفين، قلت: كلا ولا [نسلك*] هذه الطريقة إلا بدليل؛ لأن إلى لانتهاء الغاية، واللام للاختصاص، وكل واحدة منهما لها معنى لَا تصلح فيه الأخرى، نحو: أعطيت لزيد ثوبا وسرت إلى عمرو، ومنه قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾
الخطاب لجميع الإنس والجن، وعرف القرآن في النَّاس أنهم بنو آدم، لكن الخطاب التكليفي يتناول الجميع.
قوله تعالى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ).
قال الزمخشري: لم أكد، قوله تعالى: (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، ولم تؤكد، قوله تعالى: (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) شيئا، فأجاب: بأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إليها، قوله (هُوَ)، وقوله (وَلَا مَوْلُودٌ) وهذا إنما يصدق على الوالد المباشر، بخلاف لفظ الولد، فإِنه يتناول ولد الصلب، وولد
لقمان 31:34
الولد، وكذلك قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ورد ابن عرفة الأول بأنها ليست جملة اسمية بل فعلية، فمولود من قوله: (وَلَا مَوْلُودٌ)، فاعل مقدر، ولا تجزي مولود أو هو معطوف على الجملة الفعلية، وقوله (هُوَ جَازٍ)، في موضع الصفة لمولود، أي لَا يجزي مولود بلغ الغاية في الإجزاء، والنيابة عن أبيه، والقدرة على إنقاذه من المهالك، قال: وتقدم الجواب: أنها إنما كانت الجملة الثانية دون الأولى؛ لأن الأب يوجد فيه من الرأفة والحنان على ولده ما لَا يوجد في الابن على أبيه، بدليل أن الإمام مالك رحمه الله، قال فيمن قتل ولده عمدا إنه لَا يقتل به بل تغلظ عليه الدية، بخلاف ما إذا قتل الولد أباه عمدا، فإنه يقتل به فلا يجزي عن أبيه إلا الولد الجاني حقيقة، وهذا الباب مطيع له، فدخل النفي عليه مؤكدا فنفاه ولم يحتج إلى تأكيد الأول، واكتفى فيه بمطلق الإجزاء؛ لأن إجزاء الأب عن ولده معلوم بالوجود الخارجي.
قوله تعالى: (شَيْئًا).
تأكيد للنفي إلا إنه نفى الفعل المؤكد، فالتأكيد دخل بعد النفي؛ لأن النفي دخل عليه.
قوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).
مناسب لقوله تعالى: (اتَّقُوا)، فلذلك لم يقل: [** (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)].
قوله تعالى: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
من باب [لا أرينك هاهنا*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾
أورد الطيبي سؤالا، وهو لم قال: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)، مع أنه ليس المراد الإعلام بأنه ينزل الغيث، وإنما المراد باختصاصه بعلم وقت نزول الغيث، وأجاب بوجهين:
الأول: إنه على إضمار إن، كقوله:
أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى؍ وَأَن أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْت مُخْلِدِي؍
الثاني: أن الإعلام بقدرته على تنزيل الغيث يستلزم علمه بوقته؛ لأن القادر على الشيء عالم به، ورد ابن عرفة: الأول بأنه شاذ، قال: وإنما عادتهم يجيبون بقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)، فإنه إذا [نفى*] عنها علمنا بمكتوبها الذي هو من قدرتها، فأحرى أن ينفي عنها علمها بما يكسب غيرها مما هو من جنسها، فأحرى أن ينفي عنها علمها مما اختص بالقدرة عليه خالقها.
قوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا).
قال ابن عرفة: نقلوا عن ابن الطراوة: صيغة افعل أنها مختصة بالحال، وعن الزجاج؛ أنها مختصة بالاستقبال، وعن الجمهور: أنها مشتركة بينهما، احتج ابن الطراوة بأن المستقبل لَا يخبر به إلا عن أن أو عن مبتدأ عام كقوله:
وكل أناسٍ سوفَ تدخلُ بَيْنَهُم؍ دويهيةٌ تصفرُ منها الأناملُ؍
قال: ولا يعترفن بقولك زيد يقوم غدا؛ لأن معناه ينوي أن يقوم ورد عليه [الغُبْرِيني*] وغيره بقول الشاعر:
فَلَمّا رَأَتْهُ [أُمُّنا*] هَانَ وَجْدُها،... وَقَالتْ: [أَبوكم*] هَكَذا كانَ يَفْعَلُ
قال وأما قوله معناه ينوي إلا أن يقوم إذا فمردود بهذه الآية، لأن الإنسان لَا يدري ما ينوي إلا أن [**تنفر عند درايته]، قال [الغُبْرِينِي*]: يفسره [غيره*].
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون: عن ابن الطراوة: بأن النية قسمان: صادقة، وهي التي طابقت ما آل إليه الأمر، وكاذبة، وهي [ما خالفت*] عاقبة الأمر، فالمنفي في الآية هي النية الصادقة، فهو لا يدري الآن أن ينوي ما يكسب [**غدائية] صادقة لا تتخلف، ويخرج الأمر على [وفقها*].
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ).
قيل لابن عرفة: إن قلت: ما فائدة قوله (مِنْ شَجَرَةٍ)، ولو حذف لكان أبلغ، لأنه إذا كان جميع ما في الأرض من شجر، وحجر ومدر وعظام أقلاما، وكتب بها كلمات الله تعالى فلم [تنفد بنفود*] الأقلام، فأحرى أن [لَا تنفد*] حالة كتبها بالأقلام المصنوعة من الشجر فقط، والجواب: بأنه لو لم يقل من شجرة لزم منه المحال، لأن الأرض فيها الجوهر والعرض فيلزم صيرورة العرض [كلاما*] وهو محال، وكان يلزم عليه المحال، وهو [نفود كلمات الله تعالى*]؛ لأن المحال قد يستلزم محالا، ورده ابن عرفة في مختصره المنطقي: بأنه لو استلزم المحال محالا لما صدقت قضية تقدمها كاذب، مع أنه قد تصدق وقد تكذب، فإِن قلت: هلا قال: ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام، فالجواب: أن الشجر أقرب إلى الأقلام من الحجر.
* * *
السجدة 32:4
سُورَةُ الْسَّجْدَةِ
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
قال ابن عرفة: جاءت هذه الآية موصولة غير مفصولة بحرف العطف، لأنها بيان ما قبلها، ودليل عليه من جهة أن حقيقة رسالة المرسل يستدل عليها بالمعجزة، وبما هو من فعل مرسله الخاص به وهذه منه، قال بعضهم: من حقيقتها أن السماوات ليس بينهما خرق، ولو كان بينهما خرق، لقال: ما بينهما أو لقال: وما بينهن بضمير التأنيث، فلما أتى بضمير التثنية، دل على أن المراد ما بين السماء والأرض، وأجيب: بأن الشاهد منها ما بين السماء الدنيا والأرض، ورد بأن جميعها مشاهد لقوله تعالى: في سورة نوح عليه السلام (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، فكأن قوم نوح عليه السلام لطول أعمالهم أدركوها بالرصد، وأجيب: بأن الشاهد أن في السماوات في أنفسها لَا ما بينها.
قوله تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ).
الظرف تارة يعتبر من حيث كونه محالا للفاعل، وتارة يعتبر من حيث كونه محالا للمفعول والفاعل، يقول ضربت زيدا في المسجد، وأنتما معا فيه وحده وأنت في الطريق، أو العكس، وتقول: ضربت زيدا يوم الجمعة، وأنتما معا فيه، كقوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، الظرف هنا منسوب للمفعول فقط، واليوم ليست حركة الفلك بالطلوع والغروب؛ لأن لَا يلزم الدور؛ لأن الفلك خلق فيه فاليوم سابق عليه، فالمراد مقدار حركة مقدرة، وقول ابن عطية: روي [أن الخلق ابتدئ يوم الأحد*]، وقيل: يوم السبت (١).
ابن عرفة: فتسمية هذه الأيام أمور جعلية، والمحال المقدم في حملها على حقيقتها أمر عقلي.
قوله تعالى: (وَمَا بَيْنَهُمَا).
يؤخذ منه أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ).
(١) أورد المصنف في الحاشية: الصحيح ابتداء الله تعالى الخلق يوم السبت كما رواه الإمام مسلم في صحيحه مفصلا.
السجدة 32:5
الولي: الحافظ، وهو الذي خيره بقوله: يدفع عنه بالمحاولة والرغبة، فالولي يمنعه من الملك لقوته، والشفيع: يمنعه منه بجاهه عنده ومكانته، وانظر ما تقدم في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ).
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾
قال ابن عطية: عدة تأويلات فعن مجاهد وابن عباس وجماعة: [ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه، (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) خبر ذلك (فِي يَوْمٍ) من أيام الدنيا (مِقْدارُهُ) أن لو سير فيه السير المعروف من البشر (أَلْفَ سَنَةٍ)؛ لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة، وقيل: يدبر: يلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا*]، وهو اليوم عنده، فإذا [فرغت ألقى إليهم مثلها*] إلى أن ينفذ الأمور عنده لهذه المدة، ثم تصير إليه أخرى، وكلها عن مجاهد، وقيل: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في هذه الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة لشدة هوله، وهذا راجع لقوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، أي كل يوم منها ألف سنة، وعن أبي يزيد: أن الضمير في مقداره عائد على العروج، وهو الصعود، وقيل: يدبر أمر الشمس أنها [تصعد*] وتنزل في يوم، وذلك قدر ألف سنة، زاد الزمخشري [الْأَمْرَ المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرا (مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصا كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة، لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص*]، قال تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)، قيل: ينزل الوحي مع جبريل إلى الأرض ثم يصعد إليه مع ما كان من قبوله أو رده في وقت هو ألف سنة، وهي [مسافة*] الطلوع والهبوط وسرعة سير جبريل.
قال ابن عرفة: وظهر لي معناه، وأورده ابن عرفة في قوله (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)، سر الأفعال تقدير الآية لو شئنا إتيان كل نفس هداها لآتيناها هداها، فيلزم عليه أحد أمرين وهما: إما تحصيل الحاصل أو تقدم الصفة على الموصوف بيان ذلك أنه أن يراد بقوله تعالى: (شِئْنَا) الإرادة التنجيزية أو الصلاحية، فإن كان الأول وهو إيراد الإرادة التنجيزية، لزم تحصيل الحاصل، وأنه يصير المعنى حينئذ: لو أوقعنا الهداية بالفعل [لوقع الفعل*]، وإن كان الثاني وهو أن يراد الصلاحي لو تم تقدم الصفة على الموصوف، وبيانه أن الإرادة من الصفات التعليقية وهي قديمة والنفوس حادثة، فيلزم وجود التعلق الذي هو صفة في الأزل دون المتعلق، وذلك نفس تقدم الصفة على الموصوف، قلت: وهذا جواب بتقدير الإشكال المذكور في الأصل فتأمله.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾
السجدة 32:13
أي خلقا حسنا في صفته، والأعمى كذلك، وهذا إكمال نجد الصناع من الدهاقين والنجارين والخياطين يصنع بعضهم مثالا ينطبق على الصورة سواء، وآخر يصنعه غير مرتب فلا ينطبق على الصورة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: المراد لو شئنا هداية كل نفس لهديناها فتعلق المشبه بالهداية، فالهداية إن [كانت تنجيزية*] لزم عليه تحصيل الحاصل وعدم الفائدة في التركيب؛ لأنه يكون المعنى لو حصلنا هداية كل نفس بالفعل لحصلناها بالفعل، وإن كان صلاحيا لزم عليه تناهي إرادة الله تعالى، لأن متعلقاتها وهي النفوس متناهية، وما ثبت لأحد المتلازمين ثبت للآخر، فالمراد لو أردنا الأزل هداية كل نفس هدايتها بالفعل، وكل ما دخل في الوجود متناه، وهو ملزوم للإرادة، وأجيب: بأنها متعلقة بخاص، والخاص متناه بالضرورة، فلا يلزم منه تنافيها.
قوله تعالى: (هُدَاهَا).
أي هداها اللائق بها، قيل: لابن عرفة: قال (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ)، فهو المستلزم لحصول الهداية، وإنما إتيانها هداها، فقد يعطي الإنسان ولم يقبله، فقال: إنما ذلك في غير العالم، وأما العالم بخفيات الأمور فلا يعطي إلا لمن يقبل.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا﴾
النسيان [يأتي*] بمعنى الترك، قال الآمدي: منع المعتزلة إطلاق صفة الترك على الله تعالى، وأجازها أهل السنة بقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾
قال ابن التلمساني في شرح المعالم: الآية إن تحدى بها فهي معجزة، وإن لم يتحدى بها فهي آية، ولفظ الآية أعم.
قوله تعالى: (خَرُّوا سُجَّدًا).
المراد به الخشوع للسجود الفعلي حقيقة؛ لأنه غير ملازم لهم. لأنه يلزم أن لا يؤمن بها إلا من سجد بالفعل، وسجد حال مقدرة لَا محصلة؛ لأن السجود إنما هو بعد الخرور.
قوله تعالى: (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).
السجدة 32:18
ولم يقل: سبحوا بنعمة ربهم؛ لأن النعمة غير ملازمة لهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾
قال ابن عطية: نزلت في علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ لأن الوليد قال لعلي كرم الله وجهه: " [أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب: اسكت فإنك فاسق*] ".
ابن عرفة: إن صح كيف أن نقول له هذا، وهو مسلم، فأجاب: باحتمال أن تكون هذه نزلت بعد آية الحجرات وهي (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، لأنها نزلت في الوليد لما بعثه النبي صلى الله عَليه وعلى آله وسلم [إلى بني المصطلق، فقال له: إنهم لم يؤمنوا فأرسل إليهم عليا*] بن أبي طالب، فخرجوا بأجمعهم وآمنوا فنزلت الآية، وكان الوليد لما رآهم خرجوا بجماعتهم ظن أنهم يقاتلونه، وهو الذي ولاه عثمان على الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص مرة، ويقال: إن الوليد أخو عثمان - رضي الله عنه - لأمه فبقي واليا عليهم إلى أن صلى بهم الصبح أربع ركعات، وقال: إن شئتم أزيدكم، فقال ابن عباس: ما زال أمرنا في زيادة منذ وليت علينا، فإذا هو سكران فعزله عثمان، وأمر بجلده، فجلد وهو يعد أسواطه حتى بلغه أربعين، فأمره علي رضي الله عنه بالكف عنه، وقال: جلد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخمر أربعين، وأبو بكر رضي الله عنه وعمر ثمانين، فإني رأيت أن تقف على أربعين [ففعل*]، قاله أبو عمرو، في الاستيعاب، وهو خلاف ما نقله عنه الأصوليون من أن عليا كرم الله وجهه اختار في حد الخمر ثمانين، وقال: إذا شرب [سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى*] فأرى عليه [حد الضرب*] ثمانين، وذكر أنه شهد عليه رجل أنه شربها، وأخبر بأنه قاءها، فقال عثمان: ما قاءها حتى شربها.
قال ابن عرفة: ولما تقدم الكلام على المؤمن ومدحه بأخص وصفه عقبه ببيان أن مطلق الإيمان ومطلق الفسق لَا يستويان، وهو دليل على أن المراد هنا بالفسق الكفر، لأنه جعله ضد مطلق الإيمان.
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى... (١٩)﴾
قال ابن عطية: سميت جنة المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها إلى قناديل معلقة تحت ساق العرش، والعرش سقف الجنة، ولعلها تأوي إليها في الدنيا؛ لأن الشهيد تنعم روحه وجسده.
قوله تعالى: (نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
السجدة 32:20
قال ابن هشام الباهلي: مذهب أهل السنة للسبب، وعلى مذهب المعتزلة واجب، وكذلك السبب.
قوله تعالى: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾.. المبتدأ مأواهم؛ لأنه أعرف، ولأنه مقدم ولإحصاره في الخبر لَا مأوى لهم إلا النار، بخلاف العكس.
قوله تعالى: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ).
قال ابن عرفة: عادة القراء يقولون: السورة المدنية وصف فيها عذاب النار بالمذكور، وهي سورة السجدة، وفي سورة سبأ وصف فيها عذاب النار [بالمؤنث*] [فانتسبت*] هنا للعذاب، وفي سبأ للنار، وأجاب الطيبي [وابن الزبير*]، بأن النار هنا تقدم ذكرها، فالأصل جاء ذكرها مضمرا، فيقال: مأواهم النار كلها.
قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا).
وقيل لهم ذوقوا عذابها، فالظاهر هنا وقع موقع المضمر لَا ينعت، فلذلك قال (الذي كنتم به [تُكَذِّبُونَ) *]، النعت للعذاب لَا للنار، وأما سورة سبأ فقبلها (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ).
قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا).
قال بعضهم: الإعادة تقتضي أن يكون الخروج أن يكون بمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، ويجوز في لفظ الإعادة بأن يراد منها المنع من الخروج أو يكون المعنى أرادوا الخروج، وأخذوا في أسبابه، وروي عن الحسن: أنهم يصعدون من الطبقة السفلى إلى العليا، فيردون إليها.
قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾
قال الزمخشري: العذاب الأدنى عذاب الدنيا، من القتل والأسر وغيره، وعن مجاهد: هو عذاب الآخرة، زاد ابن عطية بلا خلاف.
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون معا في الدنيا فالأصغر [بسبي ذراريهم [وسلب أموالهم*]، والأكبر [سبيهم*] في أنفسهم.
قال الفخر: [وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَقْصَى وَالْعَذَابُ الْأَكْبَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْعَذَابُ الْأَصْغَرُ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَدْنَى بِالْأَكْبَرِ؟ فَنَقُولُ حَصَلَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ قَرِيبٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَلِيلٌ صَغِيرٌ وَحَصَلَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ أَيْضًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَعِيدٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَظِيمٌ كَثِيرٌ، لَكِنَّ الْقُرْبَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ الْعَاجِلَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا قَدْ يَحْتَرِزُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَرِزُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ إِذَا كَانَ آجِلًا، وَكَذَا الثَّوَابُ الْعَاجِلُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ وَيَسْتَبْعِدُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ الْآجِلَ، وَأَمَّا فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ فَالَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّخْوِيفِ بِهِ هُوَ الْعَظِيمُ وَالْكَبِيرُ لَا الْبَعِيدُ لِمَا بَيَّنَّا فَقَالَ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا الْعَذابِ الْأَدْنى لِيَحْتَرِزَ الْعَاقِلُ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ: (لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأصغر) ما كَانَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَعَدَمِ فَهْمِ كَوْنِهِ عَاجِلًا وَقَالَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ الْأَكْبَرِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَبْعَدِ الْأَقْصَى لَمَا حَصَلَ التَّخْوِيفُ بِهِ مِثْلَ مَا يَحْصُلُ بِوَصْفِهِ بِالْكِبَرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَذَابَيْنِ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ أَصْلَحُ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ الْوَصْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِيهِمَا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ*].
السجدة 32:22
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾
وفي الكهف (فَأَعْرَضَ عَنْهَا).
قال ابن عرفة: كان الطلبة يقولون: [... ]. ما أشد؟ هل ظلم من أعرض عقب التذكر بالآيات أو ظلم من أعرض بعد مهلة، وهل الإنكار على الأول أشد، والإنكار على من ظلم بعده مهلة أشد؛ لأن ظلمه أضعف فيستلزم الإنكار عليه الإنكار من باب أحرى.
قوله تعالى: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ).
قلت: أجاب الزمخشري: أنه [لما جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام*]، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة.
قال ابن عرفة: هذا يحتاج إلى دعامة، وهو أن لفظ المجرمين يتناول الإنكار عليهم وعلى غيرهم ممن قد اتصف بالإجرام المطلق.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.. هذا كقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، فالكسب هدى لهم، ومنهم المؤمن به والكافر، هذا إن أريد به عموم بني إسرائيل، إن أريد المؤمنون فقط من بني إسرائيل، فهو هدى لهم حقيقة.
قوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾
قال ابن عرفة: اليقين هو الحق لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ).
قال ابن عرفة: إنما قدم الأنعام على الأنفس مع أن الأنفس آكد؛ لأنه كذلك في الوجود الخارجي؛ لأن أول ما يأكل [من الزرع الأنعام من عصفه*] ثم بعد ذلك الإنسان [من حبه*] فجاء على الترتيب الوجودي.
السجدة 32:27
قال ابن عرفة: وقع الاعتناء هنا بأمرين بقوله تعالى: (أَوَلَم يَهْدِ لَهُم)، يشتمل على تخويف، قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوا)، يشتمل على نعمة فتخرج به زرعا، دليل على أن الزرع إنما يخلق من التراب، وقيل: من الماء، وقيل منهما معا، وكذلك اختلفوا في الجنين مماذا يخلق، [قيل: من ماء الرجل، وقيل: من ماء المرأة*]، وقيل: منهما، ولو كان إخراج الزرع من الماء لقال: فيخرج به زرعا.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾
فهو ترق.
قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾
إن أريد في مكة، فالمراد من مات من الذين كفروا، فإنه لَا ينفعه إيمانه بعد ذلك، وأما من بقي حيا فينفعه إيمانه.
قال ابن عرفة: ما ذكر الزمخشري في آخر سورة السجدة من الحديثين الذي ذكرهما كما جرت به عادته، لم يثبت منها حديث صحيح، والذي في الحديث الصحيح، خرجه الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان لا ينام حتى يقرأ (الم تَنْزِيلُ)، و (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدهِ الْمُلْكُ)، قلت: وذكره الطيبي هنا قائلا: رويناه عن أحمد والترمذى والدارمي.
* * *
الأحزاب 33:1
سُورَةُ الْأَحْزَابِ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾
قال ابن عرفة: قالوا: أكثر ما وقع في القرآن مخاطبته بصفاته فيقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)، وما وقع التعبير عنه باسم العلم إلا في نحو خمس آيات، وهو قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله سبحانه وتعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، وقوله عز وجل (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، قال: وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كثر ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو يميزه عن غيره فقط.
قوله تعالى: (اتَّقِ اللَّهَ).
إن قلت: ما فائدة أمره بالتقوى مع أنه تحصيل الحاصل، قلنا: متعلق الأمر بالشيء لمن هو متصف به، إن كان متعلقه مقولا بالتشكيك ففائدته الترقي في أجزائه، والاتصاف بإعلام، وإن لم يكن كذلك ففائدته الدوام عليها.
قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ).
قال ابن عرفة: فائدته عندي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخفض جناحيه لهم، فيوافقهم على فعل ما يصل به إلى غاية ما يباح له [فعله*] شرعا استيلافا لهم وحرصا على إيمانهم، فقيل له لَا تفعل هذا، فإِن ذلك يندرج بهم إلى طمعهم فيك، وتعلق آمالهم لطلبهم منك ما لَا يباح لك فعله شرعا، وهذا كما يطلبه منك عبدك درهما، فإن سعفته به يتجاسر عليك، ويطلب منك دينارا.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
قال الزمخشري: لو كان قلبان لكان تاما أن يفيده أحدهما من العلم، ما أفاده الآخر أو غيره، فالأول: تحصيل الحاصل، والثاني: يلزم عليه اجتماع النقيضين.
قال ابن عرفة: هذا على أن أصله أن الصفة إذا قامت بحدث أوجبت الحكم لجميع الذوات، وهو مردود بحاستي السمع والبصر واليدين، فإنه يسمع بالأذن مثل ما
الأحزاب 33:6
يسمع بالأخرى، ويضع يده الواحدة على النار ويده الأخرى على المسخن، ويجاب: بأن قوله تعالى: (مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، كان بعضهم يقول: الحكمة في إدخال (مِنْ) أن صيغ الجموع، والتثنية كلمة [كل*]، فإذا قلت: الرجال قائمون معناه: كل واحد قائم، وكذلك الزيدان قائمان، فلو قال: ما جعل الله لرجل قلبين لأوهم نفي القلب الواحد، ولذلك قال تعالى (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، فأكده بقوله (اثْنَيْنِ)، ليفيد أن المراد نفي مجموع القلبين من حيث هو مجموع لا نفي الواحد لأنها في النفس لاستغراق الجنس.
قوله تعالى: (فِي جَوْفِهِ).
قال الزمخشري: فائدته زيادة التصور المدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور [لنفسه*] جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار، وأجاب الزمخشري في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ).
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).
قال الزمخشري: إن قلت: ما معنى قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي فكنوا عن البطن بالظهر؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر، قلت: هو حديث ذكره ابن أنس عنه في كتاب التجارة بأرض الحرب، قال عن عمر: [لاَ حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا، لاَ يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا، فَيَحْتَكرونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِه كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ، فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ*]، فأباح ذلك عمر للجالب والزراع.
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) أي قول باللسان دون اعتقاد القلب.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ).
وإنما يقال: قال الله الحق، ورد عليه النواوي رحمه الله بهذه الآية.
قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
قالوا سببها ما أخرجه البخاري ومسلم من أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ*]. وعلق الحكم هنا بالنبي، وهو أعم من الرسول ليدل على تناوله للرسول من باب أحرى.
الأحزاب 33:7
قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
فيه حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه، القائل إنهم أولى بالإرث عن بيت المال.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا).
قال ابن عطية: قيل: استثناء متصل، وقيل: منفصل، وقال الزمخشري: إنه استثناء من أعم العام.
قال ابن عرفة: تقريره أن العام هم المؤمنون والوصية؛ لأن العام في الأشخاص والأزمنة أولا، والمشهور أنه مطلق فيها، واستثنى من أحوال تلك الأشخاص الوصية، فهو استثناء متصل، وتقدم لابن التلمساني شارح المعالم أن الاستثناء قسمان يصدق على إخراج ما لولاه الموجب دخوله على إخراج ما لولاه لصلح دخوله، فلو استثنى من الخاص المؤمنين أو المهاجرين لكان إخراج ما لولاه الموجب دخوله، وأما المستثنى من أحوالهم أن إخراج ما لولاه لصلح دخوله؛ لأن أحوالهم صحيحة؛ لأن يكون إرثا أو عطية، بمعنى الهبة أو بمعنى الصدقة وبمعنى الإعمار والتحسين، وقد تقرر في الأصول الفرق بين الأعم والعام، وهذا كثيرا ما يقوله الزمخشري أنه استثناء من أعم العام، وذكر مثله في هذه السورة في قوله تعالى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ)، وفي سورة يوسف في قوله تعالى: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، وتقدم نحوه، لابن عرفة في قوله تعالىَ: في سورة هود (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)، وفي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ*] ".
ابن عرفة: أي لَا تبيعوه في حال إلا في المماثلة، وقال الطيبي: إنه استثناء [مفرغ*] في الثبوت، وقاعدة [المفرغ*] إنما يكون في [المنفي*].
قوله تعالى: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا).
المسطور هو حكم الوصية وغيرها، لَا متعلق ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾
ابن عطية: [إِذْ يحتمل أن تكون ظرفا لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون إِذْ متعلقة بقوله كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، [الأحزاب: ٦]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول*].
ابن عرفة: لأجل واو العطف إذ لو كان [معمولا*] لمسطور جاء موصولا غير مفصول بحرف العطف، قال: وإذا كان العامل اذكر، فلابد من تقدير مضاف، أي
الأحزاب 33:8
اذكر حالهم إذا أخذنا، وأما ذكر الوقت نفسه، فلا يصح؛ لأنه ماض، فكيف يؤمر الآن بالذكر، إلا أن يكون مفصولا به فيكون أمر بذكره لَا بالمذكور فيه، مع أن ابن عطية جعله ظرفا، والنبي أعم من الرسول، وقيل: أخص واحتج ابن [رشد*] على كونه أخص بقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، فعطف النبي عليه، دليل على كونه أخص ورد ابن عرفة: بأنه في سياق النفي فينتج له العكس؛ لأن النفي الأخص أعم من النفي الأعم، وقد ذكر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريفا له، وروي أنه قال: "كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث"، قيل لابن عرفة: فجاء تقديمه على الأصل؛ لأنه أولهم خلقا حين أخرجوا من ظهر آدم [كالذر يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) *]، فقال: لزمك أن يكون خلق، قيل: آدم مع أنه أخرج من ظهره، قلنا: نلتزمه لما ورد أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ذرا قبل خلق آدم انتقل ذلك النور إلى ظهره، نقله عياض في الشفاء في الفصل السادس من الباب الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [كَانَتْ قُرَيْشٌ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ*].
قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).
قال ابن عرفة: وكان شيخنا ابن عبد السلام يقول: إنما كرره؛ لأن المصدر تارة يعتبر من حيث إضافته للمفعول، وتارة يعتبر من حيث إضافته للفاعل، ومثاله إذا أخذ رجلان مالا بالسواء، أخذ أحدهما نصفه منه من عند رجل عظيم، والآخر نصفه منه من عند رجل حقير، فالأخذ بالنسبة إلى المفعول مسبق، وبالنسبة إلى الفاعل متفاوت، فقوله تعالى: (مِيثَاقَهُمْ)، إما مصدر مضاف للمفعول فلذلك لم يصفه بالغلظة، اعتبارا بنسبته للفاعل، وهو الله تعالى، ولما كرره لم يعرف بـ (ال) لكونه ذكر أولا معرفا على منكر.
قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾
ذكر ابن عطية احتمال كون اللام للصيرورة، على أن الضمير في يسأل عائد على غير الله تعالى، إما على الملك أو نحوه؛ لأن لام الصيرورة تقتضي أن الفاعل جاهل بعاقبة الأمر.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾
الأحزاب 33:12
قال ابن عرفة: إن كانت للسبب فظاهر، وإن كانت للتعقيب [فبكون الله تعالى أرسل عليهم الريح وأنها كانت إثر مجيئهم*]، وأمر الملائكة أن [**يتربصوا] عليهم بقدر ما تستوفي جنودهم، ويطمعون في أخذ المؤمنين، فهو [**إنكالهم].
ابن عطية: لما أرسل عليهم الريح، قال بعضهم: سحرنا محمد.
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بموجبة ولكن سحرهم السحر الحلال، قيل له: هذا لَا يحل إطلاقه، فقال: ترى النَّاس إذا تعجبوا من شيء يقول: هذا هو السحر الحلال.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).
قرئ بتاء الخطاب، فهو وعد للمؤمنين الحفظ والنصر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، وقرئ [بياء الغيبة*] فهو وعيد للكفار بأنه يرى عملهم فيجازيهم عليه، وينتقم لكم منهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
ابن عرفة: هذا من عطف الصفات، أي وإذ يقول الموصوفون بالنفاق ومرض القلوب، أو من عطف الموصوفات فيكون المنافقون قسمين: منهم من جزم بالكفر، ومنهم من في قلبه مرض، وفي سورة المدثر (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فقدم الذين في قلوبهم مرض، قال: وعادتهم يجيبون: بأن منشأ المقالة في هذه الآية، هو الجزم بالكفر والتصميم عليه، لقولهم (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، وهذا الكفر صريح ومنشأ [المقالة*] في سورة المدثر، الشك في الإيمان لقولهم (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فروعي في كل آية منهما الأصل فيما سبق الكلام لأَجله، فقدم هنا المنافقون المصممون على الكفر، وقدم في المدثر مرضى القلوب، قيل لابن عرفة: لَا معارضة بين الآيتين، لأن المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض، فقال (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ)، أعم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾
قال ابن عرفة: هذا أخص من أن لو قيل: لَا يخلفون عن القتال، لأنهم إذا عاهدوا الله لَا ينهزموا ولا ينصرفوا عن المقاتلة، فأحرى أن لَا يتخلفوا عن حضور القتال، لتكثير السواد وإن لم يقاتلوا، أو أحرى أن لَا يتسببوا في خذلان المؤمنين
الأحزاب 33:16
وصدهم عن القتال، فخالفوهم في ذلك واتصفوا بأشد ما يناقض عهدهم، وهو السبب في فشل المؤمنين وخذلانهم.
وقوله تعالى: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ... (١٦)
قال ابن عرفة: المجرور متعلق بالفعل، وهو فررتم لَا بالفرار إما لقربه منه، وإما لأنه الأصل في العمل حسبما أشار إليه الزمخشري في (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ)، [فإن قلت: بم تعلق مِنَ الْأَرْضِ أبالفعل أم بالمصدر؟ قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل*] [يريد*] وإن ذلك إنما هو حيث يكون المصدر جاريا على ذلك الفعل، مثل (دَعَاكُمْ دَعْوَةً)، وأما هذا فإن مصدر فررتم الجاري على المفر أن يكون الفرار إلا الفرار، وما كلام الزمخشري إلا حيث تجري فتأمله، قلت: وهذا الذي ذكر غير صحيح، فإن مصدر فررتم ما هو إلا الفرار فتأمله، وإمَّا لأن الفرار مصدر معرف بالألف واللام فهو موصول فلو تعلق به لوقع الفصل بين الصلة والموصول بأجنبي، ومعناه أن تعلق الفعل لن ينفعكم الفرار من كل شيء [إن*] فررتم من الموت أو القتل، لأنهم قد يفرون لحفظ أموالهم، كما قالوا (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)، وإن تعلق بالفرار فمعناه لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم منهما، قال: ومما يرجح تعلقه بالفرار أنه إذا تعلق بـ فررتم لم [يناقض*] أول الآية آخرها، بقوله تعالى: (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)، فقد نفعكم الفرار مطلق نفع، وهو التمتع القليل، فلا يصح أن ينفي عنهم نفعه لهم مطلقا، إذا تعلق بالفرار لَا يكون فيه تناقض بوجه، فإن قلت: ما أفاد بقوله (إِنْ فَرَرْتُمْ) قلت: عادتهم يجيبون: بأن [السالبة عند المنطقيين ما تقتضي وجود الموضوع ولا عدمه*] كقولك: لَا شيء من الآدمي في هذا البيت [بمتنفس*]، فيصدق بأن يكون ليس فيه حيوان بوجه، والموجبة المعدولة تقتضي وجود الموضوع نحو: كل آدمي في هذا البيت متنفس، فيقتضي وجوده، وأنه محكوم عليه بعدم التنفس، فإما أن [تكون*] كاذبة أو يكون الآدمي ميتا، وكذلك ما لم يقل: (إنْ فَرَرْتُمْ)، [لأوهم أنهم إنما لم ينفعهم الفرار لعدم وقوعه، فلما قال: (إنْ فَرَرْتُمْ)، أفاد أنه وجد، ولم ينفعهم وجوده*].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
الولي: هو القريب الموالي، فهو أخص من الناصر؛ لأن الناصر قد يكون أجنبيا، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فلذلك عطفه عليه، وكذلك قال ابن عطية في أوائل العنكبوت.
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾
الأحزاب 33:19
كما قال الزمخشري (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)، قال: (قَدْ نَرَى) ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية كقوله:
قَدْ أتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ
والكثرة في متعلق العلم؛ لأن علم الله متحد لَا يوصف بالكثرة، ولا بالقلة.
قوله تعالى: (الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ).
المجرور إما فاعل أو مفعول، أي المعوقين الذين بهم بعضكم، والمعوقين من غيركم لبعضكم فمعكم أو معوق مثل علمت المكرم، فـ (منكم) إما حال أو مفعول، وكونه مفعولا أقرب لإقبال الخطاب صرف الذم إليهم، ومدح المؤمنين لعدم إتباعهم، وإذا كان فاعلا يكون فيه تهييج على الفرار منهم فقط وما سيقت الآية لهذا.
قوله تعالى: (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا).
عطف تفسير كقوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) فهو من عطف الصفات أو من عطف الموصوفات.
قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا).
يحتمل معنيين:
أحدهما: أن فيهم نجدة، وشجاعة، وقدرة على القتال، لكنهم يتناحلون ويظهرون الضعف والعجز.
والثاني: أنهم عاجزون عن القتال كالنساء لما يدركهم من الهلع والخور والخوف، وهو الظاهر أي من شأنهم أنهم لَا يأتون البأس ولا يستطيعونه ولا يقدرون عليه.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
هذه لنفي الماضي المقبل بزمن الحال.
قوله تعالى: (فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ).
ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد بالإحباط بتبكيتهم، وعدم اتصالهم بغرضهم في صدهم المؤمنين، وخذلانهم عن القتال، وأنهم لَا يسعفوهم بمطلوبهم في قولهم: [هَلُمَّ إِلَيْنَا*]، خلاف ما حمله عليه المفسرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ قال ابن عرفة: الفرق بين قولك: جاء زيد فأكرمته، وبين قولك: لما جاء زيد فأكرمته، أن الثاني يقتضي المبادرة بالإكرام، بخلاف الأول فإن الفاء تكون للتسبيب، ويتأخر الإكرام عن المجيء.
قوله تعالى: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
قال الزمخشري: الإشارة إلى [الخطب أو البلاء*] فالمشار إليه معنى مفهوم من السياق وجعله ابن عطية حسيا، وهو الأحزاب.
ابن عرفة: وعلى هذا يقال: كيف أشار إلى الجمع بلفظ المفرد، فيجاب بأنه قصد تقليل الجمع وتحقيره، كقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ).
قوله تعالى: (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
يحتمل أن يكون من [تمام*] كلام المؤمنين، وأن يكون من كلام الله تعالى تقريرا لكلام المؤمنين، وتحقيقا له، فإن كان من كلام الله تعالى فلا شيء فيه، وإن كان من كلام المؤمنين، [ففيه*] دليل على صحة إنكاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الخطيب القائل "مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَدْ غَوَى، حيث قال له: "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ" [لاحتمال اعتقاد التسوية بينهما في المقام*].
قوله تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).
الإيمان عند المعتزلة يزيد وينقص؛ لأن الفعل عندهم جزء من الإيمان، وعندنا فيه ثلاثة مذاهب ثالثها أنه يقبل الزيادة، ولا يقبل النقص.
ابن عرفة: والتحقيق فيه أنه باعتبار ذاته، وهو التصديق لَا يزيد ولا ينقص باعتبار عوارضه يزيد، فالإيمان من عرف الله بالدليل والبرهان المقابل للقول بالشكوك الواردة
الأحزاب 33:23
عليه في التوحيد أزيد من الإيمان من لم يعرفه بالأدلة، وفي قول ابن أبي يزيد في الرسالة، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها مسامحة توهم مذهب المعتزلة، لكن قوله فيكون فيها النقص وبها الزيادة يهدي إلى تأويله.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
قال ابن عرفة: نص ابن مالك على أن الجملة إن كانت صحيحة الترادف لما قبلها أو صحيحة التباين له أتى بها موصولة غير مفصولة بحرف العطف، وإن كانت في [مقام التوسط*] فلا بد من حرف العطف ليزيل الإشكال، قال: وظاهر كلام سيبويه، وأكثر النحويين أن الأصل تقديم المبتدأ سواء كان نكرة لها مسوغ أو معرفة، وظاهر كلام الزمخشري: أن الأصل [تأخيره*] إذا كان نكرة؛ لأنه أورد سؤالا [في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَأَجَلٌ مُسَمى عِندَهُ)، قال: [فما أوجب التقديم*؟] [فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ. فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبد كيس، وما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم؟ فأجاب: بأن في تقديمه تعظيما لشأن الساعة.*]
قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
إما أن يراد صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فيكون حقيقة بمعنى الوفاء بالعهد، وإن كان المعاهد عليه مصدوقا، فهي مجاز كقولهم: صدقني من بكره في رجل اشترى من رجل حمارا، فقال: إنه بكر، فلما رأى الإبل صوت بتصويت البكر، فقال مشتريه صدقني من بكره، قال الطيبي: يروى برفع النون [مجازا*]؛ لأنه جعل السن صادقا.
قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ).
فسر بوجهين: إما وفاء بعهده، وإما مات، فعلى الثاني لَا سؤال، وعلى الأول يشكل مع قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ)؛ لأن صدقهم دليل على [توفية جميعهم بعهده، فكيف تقسمهم إلى من وفَّى*] بعهده ومن ينتظر، فالمنتظر لم يصدق.
ابن عرفة: إلا أن يقال: إنه وفَّى بعض، وعزم [الوفاء الباقي*] فهو صادق بهذا الاعتبار.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾
قالوا: اللام للصيرورة باعتبار أن فاعل الفعل المعلل غير فاعل للعلة المستفادة، أو باعتبار الفعل المعطوف عليها وهو ويعذب المنافقين، قال: وكان بعضهم لما ذكر سبب جزاء الصادقين، ولم يذكر جزاء المنافقين، فلم يقل: ويعذب المنافقين بنفاقهم، فقال: كان يجيب بالتهيج على فعل المأمور به، واكتفى في النهي عنه بمطلق النهي، وظاهر كلام ابن عرفة أنه جعله من حذف التقابل.
الأحزاب 33:25
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الغيظ هو الغم اللاحق للنفس بوقوع مؤلم، فإِنها الأولى متعلقة بمؤلم، والثانية بوقوع، ولم يدخل فيها الحزن؛ لأن المؤلم الواقع بها غير مقصود وقوعه بها، بل هو أمر من الله تعالى كذهاب مال الإنسان بأمر من الله تعالى، وموت قريب له بخلاف ما لو ذهب ماله باغتصاب آخر له، فإن الحادث له حزن وغيظ.
قوله تعالى: (لَمْ يَنَالُوا خَيرًا).
انظر هل الخير والشر نقيضان أو بينهما واسطة، فكان بعضهم يحتج على [أنهما*] على طرفي النقيض بقول المتكلمين: الوجود خير كله، [والعدم*] شر كله، [والوجود والعدم*] نقيضان. ومنهم من قال أن بينهما واسطة.
قوله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ).
قالوا في السير: إن المؤمنين قاتلوهم بالنبل والحجارة.
ابن عرفة: وهذا قتال كيف يفهم أنهم كُفوا القتال، لكن يجاب: بأن السورة تقتضي [... ] ولا تنبيه فهي هنا للترتيب، بمعنى أنهم كفوا قتالهم بعد أن صدهم الله تعالى يفيد أنهم خائبين.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).
يحتمل له أن يريد، وكان رسول الله قويا عزيزا كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ)، وهو الأصوب؛ لأنه هو محل مخالفة الكفار، بخلاف الأول.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾
أي [عاونوهم*]، وظاهر كلام المفسرين أن المعاونة والمظاهرة مترادفان، وكان بعضهم يقول: إن المعاونة تقتضي المباشرة في السبب الذي وقعت فيه، والمظاهرة لا تقتضي ذلك، بل تصدق على من دل على الفعل، وحض عليه وإن لم يفعله من المدلول عليه.
الأحزاب 33:30
قال الزمخشري: وروي أن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، وقال ابن عطية: جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام وقت الظهر.
ابن عرفة: كذا في السير لقوله: " [لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة*] ".
ابن عطية: [ووصلها*] قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم يصلوا العصر، فلم [يخطئهم*] رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ابن عرفة: فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب.
قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
قيل لابن عرفة: كنتم أوردتم سؤالا في قوله تعالى: في سورة النحل (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، قلتم: زيادة العذاب على مثله [ملزوم لاجَتماع الأمثال في المحل الواحد وهو باطل، وهذا السؤال بعينه يرد في هذه الآية، فيقال: تضعيف العذاب ضعفين ملزوم لاجتماع الأمثال في المحل الواحد*]، [وتقدم الجواب*] عن ذلك من وجهين*]: إما أن يزاد على جواهر أجسامهم جوهر آخر تكون محلا للعذاب الزائد الأول، وإما باعتبار تطاول أزمنة العذاب وقصرها، فكانوا مثلا يعذبون في ساعة واحدة، ثم صاروا يعذبون في ساعتين، وهذا يفهم قولهم في حد الحرابة مثلا: حد العبد، فحد العبد في القذف أربعون، وحد الحر ثمانون، وكما يفهم أن صيغ هذه [... ] لكونها [... ] صنعت من زمن أطول من زمن الأخرى، وتقدم نحوه في البقرة في قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، وفي مريم (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، وفي سورة المدثر في قوله تعالى: (وَيَزدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، وهي في سورة الفتح والقتال.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
قرأ الجمهور بكسر القاف، ونافع وعاصم بفتحها، فالفتح على لغة من قال: قررت بفتح القاف في المكان.
ابن عطية: وهي لغة ذكرها أبو عبيد في التقريب المصنف، والزجاج.
ابن عرفة: ؛ قال بعضهم:
وأشار الشاطبي بقوله [وَقِرْنَ افْتَحْ اذْ نَصُّوا يَكُونَ لَهُ ثَوى؍ يَحِلُّ سِوَى الْبَصْرِيْ وَخَاتِمَ وُكِّلَا*]؍ قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الصواب أن تكون هذه الجملة في معنى الأولى مفسرة لها، فيكون أمرهن بملازمة البيوت ليس نهيا عن مطلق الخروج، بل عن الخروج المخالف للشرع، وهذا خروج التبرج، قال: فبكت عائشة على خروجها في آخر عمرها يوم الجمل في حرب معربة عن تورع منها وندم على مخالفتها الأولى في حقها رضي الله عنها وأداها اجتهادها إلى حمل الآية على هذا المعنى.
ابن عرفة: فإن قلت: مفهوم هذا النهي أن التبرج الذي لَا يبلغ تبرج الجاهلية مباح لهن، قلنا: ليس كذلك، وإنَّمَا جاء هذا من اعتقاد أن حرف النهي دخل على الفعل بعد تأكيده بالمصدر، فكان نهيا عن الأخص، وليس كذلك بل المصدر تأكيد [للذم*]، أو تعليل له، فليس هو نهيا عن التبرج المشابه لتبرج الجاهلية، بل نهي مطلق التبرج المعلل بكون جنسه أو نوعه من صفة فعل الجاهلية، فتبرج الجاهلية علة للنهي لَا تأكيد له.
قوله تعالى: (الأُولَى).
حكى البيضاوي في تفسيره (الأُولَى) قولين:
إما أنه للذي لم يسبقه غيره، أو الذي هو متبوع شأن بعده.
فقول الحكم بين عيينة: إنه ما بين آدم ونوح.
وقول ابن الكلبي: ما بين نوح وإبراهيم.
وابن عباس: ما بين نوح وإدريس.
وقول غيره: ما بين موسى وعيسى يوافق التفسير الأول، وكذلك حديث الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة".
القول في أبي بكر أول خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وفي عمر أنه أول خليفة بعد أبي بكر، وفي عثمان أنه أول خليفة بعد عمر"، ولا يقال في علي لما في الحديث، ثم يعود ملكا يوافق التفسير الثاني؛ لأنه ليس بعد علي خليفة.
قوله تعالى: (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
إما من عطف العام على الخاص، أو المراد طاعته فباعدا ما تقدم.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ).
الأحزاب 33:34
إن كان المقصود ظهور تعلق الإرادة، وهو التعلق [التنجيزي*]، فالفعل على بابه من الاستقبال، وإن كان المراد التعلق الصلاحي، فهو في معنى الماضي.
قوله تعالى: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
الطهارة عبارة عن التطهير الحسي في البدن أو غيره من نجس أو غيره، وإطلاقها على [التنظيف*] المعنوي من الآثام والذنوب مجازا.
وقال المازري أول الطهارة في شرح التلقين: بل هو حقيقة لتأكيده بالصدق في هذه الآية، قال: وبه يحتج لأهل السنة في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، يفيد وقوع الكلام منه حقيقة فكذا هذا. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
ابن عطية: هذا وعظهن بأحد وجهين:
فإما أن المراد تذكرنه [واقدرنه*] قدره وفكرن في أن مَن هذه حاله ينبغي أن [تحسن*] أفعاله.
وإما أن المراد [احفظن وكررن*] فكره على ألسنتكن وامتثلن أمر الله.
ابن عرفة: هذا كلام المفسرين وحمله المحدثون وحفاظ الفقهاء، على أنه أمر لهن بتبليغ ما حفظن من القرآن والسنة للناس، ومنه أخذوا جواز الشهادة على الصوت؛ لأنهن محجوبات عن الأعين، لقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لكن يجاب: بأن القرينة تنزلت منزِلة الشهادة على الصوت؛ لأنهن محجوبات عن الأعين، لقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ) المفيدة للعلم، وقوله تعالى: (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، الآيات المعجزات من القرآن والسنة (وَالْحِكْمَةِ) آية الأحكام.
قوله تعالى: (فِي بُيُوتِكُنَّ).
فائدته توكيد ومبالغة في أمرهن بتبليغه؛ لأن تلاوته في بيوتهن مظنة لاختصاصهن بسماعه عن غيرهن من النَّاس، فينبغي أن يجيب عليهن بتبليغه وجوب فرض العين، لا وجوب فرض الكفاية.
قيل لابن عرفة: بل هو مأمور بتبليغه للجميع، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، فقال: لَا بل يخرج من العهدة بتبليغه للبعض كما قال: ليبلغ الشاهد الغائب قال، وقال في قوله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ
الأحزاب 33:35
فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)، [إذ*] في ذكر بيتها ترتيب ليوسف عليه الصلاة والسلام، وتعريف بأنه كان في حكمها مع ذلك فامتنع منها بخلاف ما لو راودته في موضع هو متمكن من الهروب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقدر وجه الترتيب في هذه المعطوفات ثلاثة أمور: وهو الظاهر والأظهر، والسبب والمسبب، [والتصديق والتصور*]، فقدم الإسلام ظهوره وخفاء الإيمان، وقدم الإيمان على القنوت؛ لأنه أظهر من القنوت؛ لأن القانت هو القائم بالطاعة الدائم عليها، فيعرف إيمان الشخص بمجرد المخالطة، ولا يعلم أنه قانت إلا بالمداومة على مخالطته، ولأن القنوت مطلق الطاعة، والإسلام شرط فيها، ورتبة الشرط أن يكون متقدما على المشروط، وقدم (وَالْقَانِتِينَ) على (الصَّادِقِينَ). (وَالصَّابِرِينَ)؛ لأن الصادق هو الذي يصدق في نيته وقوله وعمله، والصابر الذي يصبر على فعل الطاعة وعلى المعاصي، فحصول وصف القنوت لهم مع الإسلام سبب في اتصافهم بالصدق والصبر لاجتناب المنهيات؛ لأنه منع نفسه من شهواتها، وكلها متعلقات الطاعة فإثباتها بعدها شبه التفسير بهذا الإجمال، ثم قال تعالى (وَالْخَاشِعِينَ)، إشارة إلى من حصلت له هذه الأوصاف لَا ينبغي له أن يثق بعمله، بل لَا يزال خائفا خاشعا؛ لأن هؤلاء على فعلهم هذا كله مهما مالوا عليه ازداد خوفهم وخشوعهم، وأخّر المتصدقين إما لأن ما قبلها أوصاف قاصرة، وهي وصف بطاعة متعدية للغير، وإما حديث أول الطهارة من صحيح مسلم عن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ من ["وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ"*]، فهو كالدليل على صحة ما تقدم من الطاعات، ورتبة الدليل أن يكون بعد المدلول، وأخر الصيام؛ لأنه أمر عدمي راجع لترك الأكل والاستمتاع، وجميع ما قبله أمر وجودية، والوجود أشرف من العدم، وقدم الصوم على حفظ الفرج؛ لأن الصوم غير دائم في زمنها، وهو النهار فقط، وحفظ الفرج ترك دائم في كل الأزمان، فالصوم أقرب إلى الوجود، وحفظ الفروج أبعد.
قلت: وتقدم عن ابن عرفة أنه إنما أخرهما عن المتصدقين؛ لأن الصدقة مظنة، ومن حصل له الغَناء هو متمكن من شهوة بطنه وفرجه، فأفاد أنهم مع ذلك يتركون شهوة بطونهم بالصوم، وشهوة فروجهم يحفظها عن المحارم، فجاء هذا شبه الاحتراس والتكميل وأخر (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ)، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من كان آخر قوله لَا إله إلا الله دخل الجنة".
قلت: وتقدم لنا أنه إنما أخره؛ لأنه كالعلة الغائبة التي قال الحكماء فيها: أول الفكرة آخر العمل، فأفاد أن فعلهم ذلك إنما كان لذكرهم الله تعالى واستحضارهم مقام الهيبة والإجلال.
قال الزمخشري: إن قلت: أي فرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين.
ابن عرفة: أراد أي فرق بين كل صنف من هذه المزدوجات من إناث وذكور على مجموع الصنف الآخر، وبين عطف إناث كل صنف على ذكوره.
فأجاب: بأن عطف الإناث على الذكور عطف ذوات، وعطف المجموع على المجموع عطف صفات، قال: معناه أن الجامعين لهذه الصفات لهم مغفرة.
ورده ابن عرفة بقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)، فليس المراد أن لَا يأخذها إلا من اجتمعت فيه هذه الأوصاف، بل كل نوع من هذه المذكورات له فيها حظ.
وكذلك قال مالك: فيمن أوصى بثلث ماله للعلماء والفقراء والمجاهدين والصلحاء، فإنه لَا يقصر على من جمع هذه الأوصاف، بل للعالم منه حظه، وإن كان غنيا غير مجاهد، وكذلك الفقير وإن لم يكن عالما ولا مجاهدا.
قيل لابن عرفة: لما رتب عليه الأجر الأخص، وهو العظيم وجب قصره على الأخص، وهو من جمع الأوصاف كلها، قال: بل هو فضل الله واسع.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، ولم يقل: وكانت من القانتات فأدخَلها في وصف الذكور وهم أشرف من الإناث، وهنا لم يكتف بقوله: إن المسلمين والمؤمنين والقانتين عن ذكر المسلمات والمؤمنات والقانتات، مع أن الجمع يتناولهن على جهة التغليب.
الأحزاب 33:36
قيل لابن عرفة: قد قال المفسرون: سبب نزولها أن نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنهن، قلن له: قد ذكر الله في كتابه الرجال ولم يذكر النساء، فنزلت الآية، فقال: التصريح بذكرهن أدخل في مقام التطمين لنفوسهن.
قوله تعالى: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً).
وقال ابن عرفة: كان بعضهم يعارضه بقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، وهذه الأوصاف كلها محصلة للثواب، فلم يبق ما يغفر.
قال: وأجيب: بأنها سبب في المغفرة فغفر له نصا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾
هذا لنفي القابلية، وهو الفرق بين قولك: ما يفعل زيد كذا، وما كان لزيد أن يفعل كذا، وهو خبر في معنى النهي، وليس بنفي ولا بخبر حقيقة؛ لأن زينب رضي الله عنها لما خطبها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لزيد امتنعت هي وأخوها عبد الله، فنزلت الآية، فأذعنت وامتثلت أمره، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنها، فيلزم عليه إما الخلف في الخبر أو كون المخالف غير مؤمن، فلذلك جعلناه نهيا، وبدأ بالمؤمن؛ لأنه لَا يلزم من امتثال ذلك امتثال المؤمنة لما ورد أن "النساء ناقصات عقل ودين".
قال ابن عرفة: وهذه الآية مما يحسن أن يذكر مثالا للعام المتفق على عدم تخصيصه، وهو من آية الأحكام.
وقد قال الفخر: عمومات القرآن مخصوصة إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بكُلَ شَيءٍ عَلِيمٌ).
فرده ابن التلمساني بعدم انحصاره في ذلك بل منه، قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، وقوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وقوله تعالى: (مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ).
قال: ونقلوا عن ابن الحاجب أنه كان يقول: الأولى تمثيلة بآية ينبني عليها حكم متفق عليه، وذلك قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، قال: نقله عنه ابن عبد السلام، فقال: اختلفوا هل يصح أن يتولى المسلم عقد نكاح المشركة من المشرك أم لَا؟ والآية محتملة لهذا.
الأحزاب 33:37
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾
قال ابن عرفة: هذا الفعل المراد به المعنى لاقترانه بـ إذ، وأتى بلفظ المضارع للتصوير.
قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ).
لا ينبغي حمله على أنه خاف فقط، بل المراد عناية خلط خوفه من الله تعالى بخوفه من النَّاس، وأمره بأن لَا يخاف إلا الله فقط غير منسوب بشيء.
قال: وكان بعضهم يقول: عقاب [المالك*] لمملوكه على عدم تصرفه في ماله اعتناء منه به، وكذلك عتاب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إخفائه ما وقع في نفسه [وحضه*] لزيد رضي الله عنه على إمساك زينب رضي الله عنها، وامتناعه من تزويجها، فإن الجميع ملك لله تعالى.
قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ).
قال ابن عرفة: احتج الأصوليون على وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما يثبت فيه خصوصية، ولولا ذلك لما احتيج إلى تعليله بنفي الحرج عن المؤمنين، ومنهم من احتج به على عدم وجوب الاقتداء.
وقال: التعليل بهذا دل على صحة الاقتداء به في هذه القضية فقط، فالخصوصية ثابتة حتى يدل الدليل على الاقتداء حسبما أشار إليه ابن الحاجب، وعلى هذا يكون من باب تخصيص العام بحكم العام.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾
أي من نقص.
قيل لابن عرفة: وكذلك ما عمل غيره من النَّاس من حرج فيما فرض الله له، أوجب الله له فيما نفى الحرج فيه، وإن كان معناه فيما قدر الله له فيدخل فيه المباح، فيكون نفي الحرج عنه لما قد يتوهم في حقه من أنه لعلو منزلته، قد لَا يفعل المباحات ويشدد على نفسه فيها كما يشاهد بعض أشراف النَّاس يتنزه عن أشياء يفعلها غيره.
قلت: وانظر قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) قوله صلى الله عليه وسلم: " [لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي*] ".
الأحزاب 33:40
قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).
معناه إما لازما ملتزما، وإما قضاء مقضيا.
قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)... (٤٠)﴾
ومَن بفتح التاء وكسرها فهو إما اسم جامد أو صفة بمعنى اسم الفاعل، كالخاتم الذي يطبع الكتابة عند كماله.
وكان بعضهم يقول في التاريخ: إذا كتبه في العشرين في الشهر يقول: الموفي عشرين، وفي الثلاثين يقول: الموفي ثلاثين والثلاثون هو نفس الشهر، فكأنه يقول: الموفي به شهر والعشرون بعض الشهر، فكأنه يقول: كتبته في اليوم الموفي عشرين من الشهر.
قال ابن عطية: ولفظ الآية مع قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا خاتم الأنبياء"، عند علماء الأمة نص صريح في أنه لَا نبي بعده.
وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب الهداية من أنه ظاهر ليس [بصريح*]، وما ذكره الغزالي في الاقتصاد وتصدى إلى إفساد عقيدة المسلمين في جهة النبوة الشريفة.
قال ابن عرفة: قال الغزالي في آخر الاقتصاد: الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يرد فيه نص قطعي، وذهب النَّظَّام إلى عدم العمل به، قال: وهو مردود بقوله: وهو (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).
قال ابن عرفة: فقوله هذا دليل على أن ختمه للنبيين إنما ثبت عنده بالإجماع.
قال: وقال الفخر غير هذا أن الأدلة الشرعية لَا تفيد الظن، فضلا عن اليقين لإمكان تأويلها، فهي عنده ظاهرة وليست نصا، وسلمه له ابن التلمساني.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾
من عطف الجمل لَا من عطف المفردات، أي ملائكته يصلون عليكم؛ لأن المقامين مختلفان.
قوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
ولم يقل: إلى الضياء مع أنه أخص من النور.
قلت: [ولو قال: إلى الضياء لما وجد في الأمة عاصٍ، ولكانت*] الدلائل الشرعية بديهية يدركها كل أحد بالضرورة.
الأحزاب 33:50
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾
ابن عطية: عن ابن زيد: أي أحللنا لك جميع النساء، وعن ابن عباس: المراد أزواجه التسع التي في عصمته.
ابن عرفة: وهذا كما يقول المنطقيون في العنوان والوصف: هل هو صادر عن الذات بالقابلية قاله الفارابي، والفعل قاله ابن سينا.
وحكى النحويون في اسم الفاعل خلافا، هل هو حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال؟ فعلى قول ابن زيد: هو مجاز فيمن هو قابل لتزويجه، ولا سؤال فيه، وعلى تأويل ابن عباس، هو حقيقة في الحال لكن فيه سؤال؛ لأنه تحصيل الحاصل، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، معصوم في اجتهاده، لَا يفعل إلا ما هو حلال له في نفس الأمر، وقد كان تزوجهن، فلا فائدة في إحلالهن له إلا على القول الثاني الذي حكاه ابن الحاجب عن بعض الملاحدة، من أنه جوز عليه الخطأ في اجتهاده.
قال: ويحتمل الجواب عنه: بأنه ليس المراد حقيقة الإحلال، بل لازمه وهو الاعتناء بهن والتشريف بذكرهن، ففي ضمنه التوصية عليهن [بالرفق*] والإكرام]، وبدليل قوله تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)، وبدليل تأكيد الإحلال.
فإن قلت: فعلى هذا يكون خبرا لَا إنشاء، اخترناهن لك واصطفيناهن عن غيرهن وحجزنا عنك ما سواهن، والله تعالى لَا يختار لنبيه إلا الطيب، كما قال تعالى (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ).
قوله تعالى: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ).
ولم يقل: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ).
[فإما أن يكون*] حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، [**أو يكون كما].
ابن عرفة: يسير في العطف خلافا، هل يشرك في الإعراب والمعنى؟ وحملنا على أنه أراد إذا قيد أحد المعطوفين يقيد في صفة أو عدمها، هل يدخل فيه الإحرام؟ لا كقولك: [جاء*] العاقل وعمرو.
فإن قلت: لم أفرد العم والخال، وجمع العمات والخالات؟ فالجواب: أن بنات العم وبنات الخال منسوبات إلى الأب، وهو واحد في جنسه ونسبه، وبنات العمات
الأحزاب 33:51
والخالات منسوبات للأم، والأولاد يختلفون، فيهم الشريف والوضيع والمتوسط [وأشرفهن من جهة أمهاتهن*]؛ لاختلاف آبائهن في النسب.
قوله تعالى: (اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ).
هذا جار على الخلاف في النعت والاستثناء إذا تعاقب جملا، هل يرجع إلى الآخرة أم لَا؟ والقرينة هنا تعين رجوعه للجميع.
قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا).
هل هو شرط في الثاني، وهو جوابه شرط في الأول، وجواب الثاني جواب لهما معا، يحتمل الأمرين والمعنى واحد كقوله تعالى: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ).
قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ).
حجة لمن يقول بوجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولولا ذلك لما كان لقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ) فائدة.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
أي لما قد تقع المخالفة بما بينه له وحدده.
قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ).
ابن عرفة: كان بعضهم يرد بها على الزمخشري في جعله قد عرف توقع مع أن التوقع هنا من الفاعل محال، فما هي إلا حرف تحقيق بخلاف قوله تعالى: (قَدْ أفلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
قالوا: وكانوا يجيبونه: بأن التوقع من المخاطب، قيل له: علم الله محقق غير متوقع، فقال: باعتبار ظهور متعلقه وإبرازه هو التعلق [التنجيزي*] لَا باعتباره في ذاته.
قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم أخر في الجملة الأولى المجرور الذي هو مفعول في المعنى وقدمه في الثانية؟ فهلا قيل: ترجي منهن من تشاء، أو يقال: تؤوي من تشاء إليك.
قال: والجواب: أن تقدم المجرور بـ إلى في الثانية تشريف له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الأحزاب 33:52
قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ).
أي أقرب لأن تقر أعينهن، فقروا أعينهن فيما حصل لهن، وعدم حزنهن على ما فاتهن؛ لأن الحزن على فوات الماضي، والخوف على توقع المستقبل ورضاهن، فما آتين إشارة إلى من حصل لها منه حظ، وحصل لغيرها أكثر منه لَا تتشوق إليه، بل ترضى بما حصل لها، وإن كان الحاصل لغيرها أكثر، [وكأنه تأسيس*] لَا تأكيد فيه بوجه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾
ابن عرفة: إن قلت: ما الفرق بينه وبيَنَ أن يقال: حرمت عليك النساء؟ فالجواب: أن نفي الحلية تقتضي رفع الإذن ابتداء ولا يستلزم المنع بعد الفعل، والتحريم يستلزم المنع ابتداء وبعد الفعل، فهذا أخف، فلذلك خوطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ).
يحتمل أمرين:
أحدهما: ولا أن تبدل بهن من نسائهم زوجات لغيرك، فيكون نهيا على ما كانت عليه الجاهلية، من أن كل من الرجلين ينزل لصاحبه عن زوجته ويتبادلا، وهو ظاهر قول عيينة بن حصين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن شئت نزلت لك عن أحسن نساء العرب جمالا.
وإن كان ابن عطية قال: ليس بمبادلة ولكنه اختص عائشة رضي الله عنها.
ابن عرفة: فيكون على هذا نهيا أخص وإطلاق الأزواج هنا حقيقة.
الثاني: أن المعنى ولا أن تبدل بهن من نساء تتزوجهن بإطلاق الأزواج، هنا مجازا باعتبار إلى الأمر.
وما حكاه ابن عطية من أنه نظر إلى أسماء بنت عميس، وأعجبته لم يرد في الصحيح، والمحل ضيق فلا ينبغي نقله.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ﴾
قال ابن عرفة: اقتضت الآية النهي عن دخول بيوت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإقامة فيها. قيل: لانتظاره بعده للاستئناس فيها بالحديث، فمقتضاها جواز دخولها للطعام، بشرط عدم فيها، ولفظها يقتضي بأنه مشروط بالإذن، وتقدم الإقامة فحينئذ يرد فيها ثلاثة أسئلة.
الأول: [... ].
الثاني: أن الدخول بإذن مشروط بعدم الإقامة قبل الطعام وبعده، وقد تأخر عنه ففيه تأخير الشرط على المشروط، وجوابه: أن الشرط متأخر ودليله متقدم، وهو عدم الضرر، فالدخول مشروط بعدم الضرر، أعني بالعزم عليه، وهذا كما قال مالك في كتاب الإيلاء فيما إذا [طلق عليه*] القاضي ثم راجع في العدة فوطئها بعد الثلاثة أشهر، فإنه لَا يقال لها [رجعة تامة*] لانتفاء الضرر.
والسؤال الثالث: أن فيه تكليف الإنسان بفعل غيره؛ لأن تأخير الطعام من فعل غير الداخلين، فيتعلق جواز دخول المأذون فيه على عدم انتظاره من باب التكليف بفعل الغير؛ لأنهم إذا دخلوا قد لَا يتهيأ حضور الطعام حينئذ، وجوابه: أنهم لا يدخلون إلا إذا علموا أن الطعام حضر أو قرب حضوره.
فإن قلت: لم جمع البيوت؟ قلت: لئلا يكون النهي خاصا ببيت زينب، إذ هي السبب في النهي.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ).
الإذاية هنا [مغايرة*] للإذاية في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لأن الأولى مقصورة، وهذه غير مقصورة.
قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا).
عبر بـ إذا دون إن؛ لأن سؤال المتاع من مصالح التكليف المرغب فيها شرعا.
ابن عطية: المتاع جميع ما يطلب من مرافق الدين والدنيا.
ابن العربي: متاعا قيل: عارية، وقيل: حاجة، وقيل: فتوى، وقيل: مصحف القرآن.
ابن عرفة: وفي التفسير بلفظ السؤال تعظيم لهن، لقول صاحب الجمل الطلب من الأدنى إلى الأعلى دعاء ومسألة. قوله تعالى: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
ظاهره ولو [كن*] ملتحفات بساتر، فإنه لَا بد من حجاب آخر يحول بينهن وبين السائل، ألا ترى إلى ما حكى ابن عطية من قول عمر رضي الله عنه لما توفيت زينب بنت جحش رضي الله عنه: لَا يشهد جنازتها إلا ذو محرم، حتى أشارت عليه أسماء بنت عميس بسترها [في النعش في القبة*].
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
إن قلت: هلا عكس العطف، إذ لو قيل: ([ذَلِكُم أَطهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ وَقُلُوبِكُمْ) *].
لكان تأسيسا؛ لأن كونه أطهر لقلوبنا، يستلزم كونه أطهر لقلوبهن من باب أحرى. لأن قلوبهن أقرب للسلامة من الإدناس من قلوب غيرهن، فكل ما ينزل عن قلوبهن يزيله عن قلوبنا.
قال: والجواب: أن ذلك من أسبابها هي، وهو جهة للفظ، فيقول: إنه قصد الاهتمام بتقديم تطهير ما هو أقرب للوقوع في الدنس على ما هو أبعد منه؛ لأن قلوب غيرهن أقرب للدنس من قلوبهن.
فإن قلت: أطهر أفعل وشرطها ألا تنبني إلا فيما يبنى منه فعل التعجب مع أنه لا ينبني إلا من الخلق التي تزيد وتنقص، وطهارة القلوب راجعة لسلامتها من الأدناس فهي أمر عدمي، والأمور العدمية لَا تزيد ولا تنقص.
قال: والجواب: أن الزيادة لأسبابها وهي وجودية للأمور المنافية للطهارة التي وقع التكليف بها شرعا، كما يقول: وجود المنافي للغيبة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقرب من وجود المنافي لها في غيره.
قلت: وأجاب بعض الطلبة: بأن المراد متعلق ذلك العدم أو إنماء ذلك إذا اتحد العدم، أما إذا تعددت الأمور العدمية فلا، كما يقال: قلب فلان الطائع أطهر من قلب فلان العاصي، تعلقت به أدناس، سلم الآخر من بعضها.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ).
الإذائة أخف من الضرر، قال الله تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)، وقال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)، فنفي [الإذاية*] يستلزم نفي الضرر مع أن هذا اللفظ يقتضي نفي الصحة والقبول [للإذاية لَا نفي وجود الإذاية*].
الأحزاب 33:55
قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾
المراد به نفي التحريم فقط، وقوله تعالى: (وَاتَّقِينَ اللَّهَ).
والتقوى فيكون عطف تأسيس لَا تأكيد، وقدم الآباء لأن حرمتهن آكد من حرمة الأبناء، وحرمة الأبناء آكد من حرمة الأخوة، بدليل أن آدم عليه السلام كان يزوج الأخ لأخته، والتي تزايدت قبله أو بعده من بطن آخر، ولم ينقل أن ابن تزوج أمه قط، فهو تدلي.
هكذا كان ابن عبد السلام يقرره، لأنه لَا يلزم من نفي الحرج عليهن في دخول من تحريمه عليهن أشد نفيه في دخوله من تحريمه أخف.
وأورد الفخر سؤالا، قال: خوطب أولا الرجال بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، ثم نفى الجناح عن النساء في دخول محارمهن عليهن، فهلا نفى الجناح عن الرجال، فيقال: لَا جناح على آبائهن ولا أبنائهن في الدخول إليهن.
وأجاب ابن عرفة: عنه بأنه اعتبر أولا حال الفاعل، وهنا حال المنفعل؛ لأن المنفعل قسمان: منه موصوف بالشدة، ومنه موصوف باللين، ونسوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من القسم الأول، بحيث لَا يتجاسر أحد محلهن إلا بإذن، فكان الدخول عليهن من فعلهن إذ لَا يتصور إلا بإذنهن، فالحرج فيه وعدمه مصروف لهن فلذلك نفى عنهن الجناح فيه.
قوله تعالى: (وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ).
ابن عرفة: العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال، فلذلك قال مالك رحمه الله في العبد: أنه لَا يرى [شعر*] سيدته إلا إذا كان وغدا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
قال ابن عرفة: لما تقدم التنبيه على تعظيم أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمر سائر الأمة بتعظيمهم، حيث نهوا أن يسألوهن إلا من وراء حجاب، وأن لا ينكحوهن من بعده، عقبه ببيان تعظيمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما هو أقوى من ذلك وأعظم، وهو صلاة الله عليه وملائكته، وقرر الفخر وجه المناسبة بغير هذا، وعلى الصلاة عليه بالوصف الأعم، وهو النبوة فيستلزم الصلاة عليه من حيث اتصافه بالأخص، وهو الرسالة من باب أحرى. ابن عطية: وما ورد عن الخطيب القائل: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"، وأجيب بوجوه منها:
قال ابن عرفة: قال [ابن هشام المصري*] على قراءة من قرأ (وَمَلائِكَتَهُ) بالرفع فهو محمول عند البصريين على الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، أي إن الله يصلي وملائكته يصلون، وليس عطفا على الموضع، و (يُصَلُّونَ) خبر عنهما لئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، والصلاة المذكورة بمعنى الاستغفار، والمحذوفة بمعنى الرحمة.
قال: والصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد، وهو العطف ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض، وأما قول الجماعة [فبعيد من*] جهات:
أحدها: الاقتضاء والاشتراك، والأصل عدمه.
الثانية: وَالثَّانِيَة أَنا لَا نَعْرِف فِي الْعَرَبيَّة فعلا [وَاحِدًا*] يخْتَلف مَعْنَاهُ باخْتلَاف الْمسند إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْإِسْنَاد حَقِيقِيًّا.
[وَالثَّالِثَة*]: أَن الرَّحْمَة فعلهَا مُتَعَدٍّ وَالصَّلَاة فعلهَا قَاصِر وَلَا يحسن تَفْسِير الْقَاصِر بالمتعدي.
[وَالرَّابِعَة*]: أنه [لَو قيل*]: [مَكَان*] [صلى عَلَيْهِ*] انعكس الْمَعْنى وَحقّ [المترادفين*] صِحَة حُلُول كل مِنْهُمَا مَحل الآخر.
قلت: ظاهر هذا أن الحذف من الأولى لدلالة الثاني عليه، وهو مذهب سيبويه، وأبطله أبو حيان في براءة.
وعادتهم يجيبون: بأن الآية في سياق الثبوت، وكلام ابن الخطيب في سياق النفي؛ لأن العصيان أمر سلبي، وهو عدم امتثال المأمورات، فيحتمل أن يكون الوعيد إنما هو لمن عصاهما من حيث الاجتماع، لَا من عصى أحدهما فقط؛ لأن المضمرات على المعروف كل لَا كلية بخلاف ما لو قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
وانظر قول عبد الوهاب في حد القياس: أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، وانتقاد النَّاس عليه أو يحتمل أن يجاب: بأن الواو للترتيب، فلذلك قال (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
الأحزاب 33:57
ونقل ابن العربي في العارضة قولا في المذهب بوجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل مجلس.
ونقل [ابن*] عرفة عن المفسر المشرقي: أنه احتج بالآية على أن الْمَلَك أشرف من بني آدم لأن [... ]. المشروف، فرده ابن عرفة: بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وبقوله ﷺ " [إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِلْعِبَادِ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيقَالُ لِأُوَيْسٍ: قِفْ فَاشْفَعْ فَيُشَفِّعُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِثْلِ عَدَدِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ يَا عُمَرُ وَيَا عَلِيُّ إِذَا أَنْتُمَا لَقِيتُمَاهُ فَاطْلُبَا إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمَا، يَغْفِرِ اللهُ تَعَالَى لَكُمَا*] مع أنها أشرف منه.
ابن عرفة: ووقع وجوب [... ] في زمن الأشياخ البخاري مختصرا منه الصلاة وكنت [... ] لم يعلم به إلا بعد انعقاد السمع، فحكم لمشتريه بأنه [... ] يرجع به على تابعه.
قال ابن عرفة: وكان ابن عبد السلام يكفي إذ يقال صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج إلى زيادة تسليما.
وكان الفقيه أبو عبد الله محمد الزبيدي أنكر ذلك، وقال: بل يحتاج إليه وكتب له براءة به فأبى أن يجيب عنها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾
قال ابن عطية: عن الجمهور [إذاية*] الله كفر، ونسبة الصاحبة والولد والشريك، ووصفه بما لَا يليق، وعن عكرمة بتصوير الصور وفعل ما لَا يفعله إلا هو، وعن فرقة: أنه على مضاف إلى يؤذون أولياء الله.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إن احتيج إلى هذا المضاف؛ لأن الفعل المتعدي على قسمين: فعل له أثر في المفعول كقتلت زيدا لو ضرب عمراً، أو فعل لا أثر له في المفعول، كعرفت زيدا وسمعت صوت عمرو، وتصورت ذات زيد، وفعل الإذاية لَا أثر هنا له، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، ولما كانت إذاية الله لَا أثر لها فيه، قابلها بالنفي الذي هو المفرد، والإبقاء وهو مجرد ترك، وإذاية الرسول فيه فقابلها بالعذاب المهين؛ لأنه جزاء عن إذايته، وإذاية الله تعالى.
قال: وجعل من يقول: إن الذين يؤذون رسول الله ورسول رسوله.
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾
الأحزاب 33:59
قال ابن عرفة: هذا هو الذي في الحديث: "إذا قلت في أخيك ما ليس فيه فقد غبته، وإذا قلت فيه ما فيه فقد اغتبته"، وهو إذايته بما اكتسب.
[كتاب*] الرجم من المدونة سئل [هَلْ يُنَكَّلُ فِي قَذْفِهِ هَؤُلَاءِ الزُّنَاةَ*]؟ فقال: [إذَا آذَى مُسْلِمًا نُكِّلَ*]، قال: وإذا علم المقذوف من تغيبه أنه وإن قاله العباد على قاذفه لخوف المعرة.
قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾
(مِنْ) للتبعيض إما في أنواع الجلاليب أو في أجزاء كل واحد منها وهو الظاهر؛ لأن كل امرأة لها جلبابان.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾
ابن عرفة: هذه كالمقيد لما قبلها، أو كالسبب مع مسببه؛ لأن قبلها (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ).
والإذاية إما في الفروع أو في الأصول الراجعة لأمور الدنيا والآخرة، فإن أريد نفي لم ينتهوا عن إذايتهم على العموم، فيتناول الفروع والأصول.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾
ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها، أنها تقرير لما لحق رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم في قومه من المشاق، فمنها إذايتهم له في بدنه [ومنها إذايتهم له بقولهم تزوج بزوجة وولده من الشبق*]، وفي إطالتهم الجلوس في بيت زينب رضي الله عنها، وفي التكلم في تسلية، وفي سؤالهم له عن الساعة، وهي ما استأثر الله بعلمه، فاليهود سألوه امتحانا.
قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ).
[لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبْلُ أَقْوَامًا ثَلَاثَةً نَظَرًا إِلَى اعْتِبَارِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: وَهُمُ الْمُؤْذُونَ اللَّهَ، وَالْمُؤْذُونَ الرَّسُولَ، وَالْمُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ مِنَ الْمُسِرِّينَ ثَلَاثَةً نَظَرًا إِلَى اعْتِبَارِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا: الْمُنَافِقُ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ سِرًّا وَالثَّانِي: الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ الَّذِي يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ بِاتِّبَاعِ نِسَائِهِ وَالثَّالِثُ:
الْمُرْجِفُ الَّذِي يُؤْذِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْإِرْجَافِ بِقَوْلِهِ غُلِبَ مُحَمَّدٌ وَسَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَيُؤْخَذُ*]، [وسألوا*] سؤال تعنت واستهزاء.
الأحزاب 33:65
قال ابن عرفة: [وانظر ما هو العدم*]، قيل: عبارة عن وقت فناء العالم الأول، وعن إنشائه النشأة الثانية بعد العدم لقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ).
قوله تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا).
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: فرق بين قولك: لعل مجيء زيد قرب، وبين قولك هل مجيء زيد يكون قريبا؟ فالأول: تقوله إذا أخذ في أسباب المجيء ولم يحضر، والثاني: تقوله إذا أراد أن يجيء ولم يسرع في أسباب المجيء، بل يكون مجيئه مستقبلا.
قيل لابن عرفة: هذا مردود بقوله [في الآية]، [(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا) *].
قوله تعالى: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
الولي هو الموالي، وقد يكون نصيرا دون وجه.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾
ابن عرفة: إن أريد الكبراء في السن، فالعطف تأسيس، وإن أريد في المنزلة والقدر فتأكيد، إلا أن يريد بالسادة من هو سيد في ذاته، وبالكبراء من أسلافه سادة، وإن لم يكن مثلهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾
التقوى عند المتقدمين هي الإيمان، وعند المتأخرين أخص منه.
وقال الإمام مالك رحمه الله في المتعة في قوله (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) و (عَلَى الْمُتقِينَ).
وقال: إن كنت متقيا [فمتع*]، فإن كانت بمعنى الإيمان فتعني الأمر بالتقوى، أما المداومة عليها كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)، [يَا أَيُّهَا*] الذين آمَنوا ظاهرا بألسنتهم آمِنوا باطنًا بقلوبكم.
قوله تعالى: (سَدِيدًا).
أي مستقيما.
كقوله:
الأحزاب 33:71
أعلِّمه الرماية كل يوم؍ فلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني؍
على روايته بالسين المهملة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
المراد من يفعل جميع الطاعات أو أكثرها، وليس المراد مطلق الطاعة، لئلا يكون فيه حجة للمرجئة القائلين: بأن مجرد النطق بالشهادتين كافٍ في دخول الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾
العرض إما الاختبار أو الإعطاء، وعرض ذلك على السماوات، إما بعد خلق التمييز فيها والإدراك، وإمَّا عرضه على ملائكتها.
قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا).
من باب تقديم المسبب على سببه، لأن الإشفاق سبب في [الإباية أو يكون الإشفاق علة وغاية*].
قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ).
هو آدم عليه السلام أو الجنس، والمراد بعضه لَا كله، وفيه أن عدم الدخول في العهدة أولا كقول مالك رحمه الله في أهل الكتاب، وترك الحكم بينهم أحب إليَّ.
قيل لابن عرفة: المراد عرضناها على الإنسان فحملها، قال: لَا بل حملها لأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ولذلك كان الشيخ ابن عبد السلام يحكي أن الفقهاء اجتمعوا في جنازة، فقال بعضهم: هذا عليه دخلنا، فقال الآخر: بل عليه أُدخلنا.
قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾
اللام للصيرورة على قراءة، (وَحَمَلَهَا).
بتخفيف اللام، وللتعليل حقيقة على قراءة التشديد في اللام.
سبأ 34:1
سُورَةُ سَبَإٍ
ذكر سيبويه في قولهم (لَهُ؍ (١).. ، في علم [**الفقهاء] أن الرفع يقتضي عموم الجنس.؍
قوله تعالى: (وَمَا فِي الْأَرْضِ).
إنما أعاد لفظ (مَا) [لمخالفة نوع*] (مَا فِي الأَرْضِ) لنوع ما في السماء.
ابن عرفة: وهذا من العام الباقي على عمومه.
فإن قلنا: إن العام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال، فسيكون قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) تأكيدا.
وإن قلنا: إنه مطلق غير عام، فيجاب بثلاثة أوجه:
الأول: جواب الزمخشري على قاعدته بأن الحمد الأول [واجبٌ*] له في الدنيا على نعم متفضل بها.
والثاني: (فِي الآخِرَةِ) على نعم واجبة الإيصال إلى مستحقها؛ لأنهم يقولون: إن الطائع يجب على الله أن يثيبه.
ورده ابن عرفة: بأنه باطل على مذهبه؛ لأنهم يقولون بوجوب رعاية الأصلح، فكيف يقولون النعم متفضل بها؟
الجواب الثاني: أنهما مختلفان باختلاف المتعلق والفاعل فحمد الآخرة أكثر لدوامه، إذ هي حياة لَا موت فيها، قال الله تعالى (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) وحمد الدنيا منقطع بموت صاحبه، ثم تموت جميع الخلائق عند النفخ في الصور.
الجواب الثالث: أنهما مختلفان باختلاف السبب، فحمد الآخرة أعظم لتبيين الحقائق فيه وصيرورة الأمر [بالنظر*] ضروريا، فالمحق يرى ما أعد الله له، وما نجاه منه عيانا، فحمده حينئذ أعظم وأجل.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لا أحصَي ثناء عليك". لَا ينبغي لنا أن نقوله كذلك، إنما نقول: [لَا يُحْصَى*] ثناءٌ عليك؛
سبأ 34:2
لأن سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو الذي اعترف بعجزه عن إحصاء الثناء عليه، مع أنه في منزلة يتوهم فيها قدرته على إحصاء الثناء عليه، إذ هو معصوم محفوظ وقع هذا فاعترف بالعجز، وإنما قال: لَا يُحْصَى ليكون النفي عاما في القائل وغيره فيكون أبلغ.
قوله تعالى: (وَهُوَ الحَكِيمُ).
قيل: المتقن، وقيل: واضع الأشياء في [محالها*]. قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا... (٢).. هذا كقوله (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى)، فيرد فيه السؤال من جهة أن العطف تأكيد، والجواب كالجواب إما أنه قصد التسوية في علمه بالنوعين، وإما الاهتمام بتقديم الأخبار، فمعرفة ما هو في مظنة الخفاء، وإما الدلالة على معرفة بالمطابقة وباللزوم.
قيل لابن عرفة: ليس هذا مثله بل هو كقوله: فلان يعلم أن زوجته حامل، ولا يعلم ما في بطنها، ويعلم ما يخرج من بطنها عند خروجه، فقال: لَا بل هو مثله.
قوله تعالى: (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا).
ولم يقل: وما يعرج إليها؛ لأنه لو قال: إليها لتوهم أن أعمال العبادة تعرج إلى سماء الدنيا فقط، والمنقول أنها تعرج إلى السماوات السبع، وتصعد إلى أعلاها.
قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).
ابن عرفة: من رحمته بهم مغفرة ذنوبهم.
قيل لابن عرفة: قال بعضهم في الفرقان أربع سور استفتحت بالحمد، وخمس بالتسبيح، وسورتان بالبركة، ولم تذكر فيه لَا حول ولا قوة إلا بالله، لما ورد أنها كنز
سبأ 34:3
من كنوز الجنة، والكنز من شأنه الخفاء، فرده ابن عرفة بقوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾
ابن عرفة: كل واحد منهما لصاحبه آتٍ؛ كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ)، لكن الصواب استناد الإتيان إلى الموجود، وهو الذين كفروا. لأن الساعة معدومة.
قوله تعالى: (عَالِم الْغَيْبِ).
ابن عرفة: لَا خلاف أن العلم القديم لَا يختلف، وفي الحادث خلاف، فإن قلنا: إنه يتفاوت بالمبالغة في العلم القديم بالنسبة إلى العلم الحادث.
وإن قلنا: لَا يتفاوت، فالمبالغة باعتبار متعلقه، فإن قلت: ما أفاد قوله (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)، مع أن (عَالِمِ الْغَيب) يكفي عنه؟ فالجواب: أن هذه المذكورات إن كانت كبيرة الجرم [فهي ظاهرة معلقة*] فعزوبها عن المخلوقات، إنما هو حالة كونها في الغيب لم تخلق ولم تظهر للوجود، فدخلت في قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيبِ)، [وإن*] كانت موجودة فعزوبها، إنما هو باعتبار رجوعها في خفية عن أعين الناظرين، [ولَا تخفى*] على الله.
قوله تعالى: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
انظر تعقب أبي حيان على الزمخشري.
وقال ابن عرفة: الصواب أن هكذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
كقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم؍ بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ؍
قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
وجه مناسبة القراءة هنا أن (الْعَزِيزِ) هو الذي لَا يمانع، فإما أن يراد أن كلامه لا يقدر أحد على ممانعته، وإما أن يكون أشار إلى أنه لَا تهتدي إلى المطالب القلبية الخفية الممتنعة عن الإدراك إلا به، و (الْحَمِيدِ) إشارة إلى حمده هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها، وهو القرآن العظيم الهادي إلى طريق الحق.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾
سبأ 34:31
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنها نزلت تخويفا لقريش، لأنهم اتبعوا الشيطان فيما اتبعه فيه [آباؤهم*] من الكفر، وقد هلكوا وعذبوا، [فلم [يتوقعوا*] أن ينزل بهم ما نزل بآبائهم، كعبدين عصى أحدهما سيده فعذبه، ثم عصاه الآخر فهو متوقع [عذابه*]، وأطلق قول إبليس بفعله المستقبل صدقه وهو قوله (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ففيه دليل على أن من يعتقد صدقه من الأولياء إذا أخبر بشيء قبل وقوعه أن يقال فيه: صدق فلان في مقالته.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ﴾
ابن عرفة: يشار بلفظ القريب للبعيد تعظيما لأمره في قلبه، إما مدحا أو ذما، كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)، وعكسه أن يشار [بالبعيد*] للقريب تحقيرا له في بابه، مثل (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)، وكذلك هذا هم [يحتقرونه*]، واستعمل لفظ [إذا*] في المستقبل، وهو ظرف لما مضى.
وأجيب: بأنه أمر تقديري أي لو حضروا بين يديك ورأيتهم لرأيت عجبا، لأنه يخلص الفعل للماضي أو يكون المراد من مات منهم.
قال: وعدم إيمانهم بالقرآن [إما راجع لعدم التصديق لكونه معجزا*]، أو لعدم التصديق لما [تضمن*] من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فالأول عقلي، والثاني سمعي نظري.
قوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ).
القول دليل على أن البعض يطلق على النصف وأكثر منه.
قال: وعادتهم يقولون: عبر عنهم أولا بوصف الكفر (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ)، والظلم أعم من الكفر لصدقه عليه، وعلى ما دونه من الماضي، قال: وحكمة ذلك أنه أسند لهم المخاصمة والمراجعة وهي مبادئ التعنت والاختلاف، فلذلك قرنها بمطلق الظلم لَا بأخصه، فإن قلت: لم قال: [(يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) *]، بلفظ المضارع، ثم عقبه بقوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، بالماضي؟ فالجواب: إما بأن الأول مضارع لتكرره منهم وتجدده المرة بعد المرة، فلما تكرر منهم المرة بعد المرة حينئذ أجابهم أكابرهم بهذا الجواب، وإما أنه بدل وتفسير لقوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ)، وهو مضارع يفسره بالمضارع.
قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ).
قال الزمخشري، وابن عطية: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) هي الأرضة، قالا: وروي أن الجن أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا، فحسبوا ذلك النمو المقدر فوجدوه قد مات منذ سنة.
قال ابن عرفة: ما يتوهم هذا إلا لو كانت الأرضة شرعت في أكل العصا منذ سنة، ولعلها ما بدأت الأكل إلا بعد مدة طويلة.
قوله تعالى: (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)
اليمين والشمال نسبة وإضافة فاعتبر حاصل الوادي بالنسبة إلى الهابط من أعلاه، والطالع من أسفله، ويمين الإنسان في الأكثر هو اليد القوية السريعة الحركة غالبا والشمال ضدها، وقد تكون العكس فيمن يخلق شيئا، وهو الأيسر ويكون أعسر أيسر فالأعسر الذي يبطش بيساره دون يمناه، والأعسر الأيسر الذي يبطش بهما يديه جميعا وهو الأضبط.
قوله تعالى: (فَأَعْرَضُوا).
أول الآية أشد من آخرها، لأن ظاهر أوطان العقوبة نالتهم بنفس إعراضهم، فيتناول العاصي والكافر، لقوله تعالى: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ).
قوله تعالى: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ).
قال أبو حيان: المجرور بالباء هو المأخوذ المعوض وغيره.
وقال ابن عرفة: الصواب أنك تقول: بدلت الدار بالجنان، أي أخذت الدار عوضا عن الجنان، ثم قال: الحاصل أن المقدم هو العوض، والمؤخر هو المعوض قلت: [... ]. فيها عن ابن عبد السلام القاضي ما نصه قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، قال: تعقيب الحكم بالوصف المناسب ويشعر أنه علة؛ لأن كل ما في السماوات وما في الأرض مستحق للحمد.
فإن قلت: ظاهر الآية أن السماء بسيطة إذ لو كانت [كورية*] لاكتفى بقوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) عن قوله (وَمَا فِي الْأَرْضِ).
قلنا: مقام الاستدلال حقه من فيه الاستئناف فالصريح بدلالة المطابقة دون دلالة الالتزام، إذ هو أقوى منها، وإنما تقدم علمه بما يلج في الأرض على علمه بما ينزل من السماء؛ لأن النزول بمنزلة الخروج والعروج كالولوج.
قوله تعالى: (قُل بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنكُمْ).
لما نفوا الساعة بدعوى مجردة عن الدلائل، قوبلوا بدعوى مقسم عليها، وإن كان القسم لَا يثبت دعوى.
قوله تعالى: (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ).
قال ابن عرفة: بدأ هنا بالسماوات، قال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
بدأ بالسماء لأن إتيانها أعظم، فلما أراد بالثاني التخويف من العذاب بدأ بالأرض، لأنها المشاهدة في حصول العذاب، وقوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ)، دليل على أن الرؤية في قوله تعالى: (أَفَلَم يَرَوْا)، علمية لَا بصرية، قوله تعالى: (وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، المراد به العلم لَا حقيقة الكتاب، لئلا يلزم عليه التسلسلَ؛ لأن الكتاب إما أصغر أو أكبر، وكل أصغر وأكبر من كتاب فيلزم أن يكون من كتاب، وينتقل الكلام لذلك الكتاب فيتسلسل.
قوله تعالى: (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ).
قال ابن عبد السلام: هذا الترتيب على الأصل، لأنه لَا يلزم من نفي الملك في الأقوى، وهو السماء، نفي الملك في الأضعف وهو الأرض، وقوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) فعلى عكس ذلك؛ لأن ما لَا يملك مثقال ذرة فيهما كيف يكون شريكا فيهما أو ظهيرا؟ وأجاب: بأن ذلك استعظام لنقصان عقولهم، وأنهم يعتقدون الإعانة والشرك فبين من لَا يملك مثقال ذرة، فكأنه لَا يملك مثقال ذرة، الذي هو أحرى أن يكون شريكا ولا ظهيرا كيف يعبد من دون الله؟ فإن
سبأ 34:33
قلت: إذا انتفيت الشفاعة وانتفى النفع الحاصل عنهما فما أفاد قوله تعالى: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ).
قلت: هو كقوله
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي ليس ثم شفاعة ينتفع بها.
قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى).
(أو) تعني الواو [ففيه اللف والنشر*] وعلى بابها تكون من تجاهل الفارق.
قوله تعالى: (لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا).
نزلت بمكة فبل شريعة الجهاد، وسائر الأحكام، لأن هذا الأمر لم يبق بعد كذلك.
قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ).
الكلام إما وقع في إثبات الشركاء له في إثبات الله تعالى أو نفيه، حتى يضرب عن مقالتهم إلى إثباتهم، وإنما المعنى بل الوحدانية لله تعالى.
قوله تعالى: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ).
المراد به متعلقه، والوعد والوعيد بمعنى واحد بخلاف [الميعاد*].
قال: وعبر عن المراجعة [بالقول*] دون الكلام، لأن القول غير مقيد، قيل له: لم
عطف، (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا؍ (٣٣).. بالواو، والأصل في المراجعة عدم العطف، كما؍
في قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) الآية، وقد جعله ابن مالك في المصباح من البديع وأنشد عليه، فأجاب: بأن الجملة التي دخلت عليها معطوفة على كلامهم، وليست جوابا عما قبلها، فلم تدخل واو في المراجعة وبتقدير أن يكون جوابا، وأنها دخلت في المراجعة فليس بممتنع، ولم يثبت امتناعه عن القرب، والشعر الذي ذكره ابن مالك مولد، وإنما وقع ذلك في آية موسى عليه السلام مع فرعون عليه اللعنة.
قلت: هكذا ذكره السكاكي، وذلك منه قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)، قال: لما قال (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)، كأنه قيل: فما قال لهم، قال المجيب: (قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)، ثم قال (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ)، فكأنه قيل: فما قالوا له حين رأوه، كذلك قال (قَالُوا لَا تَخَف).
سبأ 34:35
قال ابن عبد السلام: قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أضاف المكر إلى الليل، وإن كان لَا يصح منه ذلك تنزيلا للمكر فيه منزلة الماكر.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)
شدد عليهم في التوبيخ، لأنهم عبدوا غير الملائكة، فإذا وبخوا على عبادة أكرم خلق الله فأحرى أن يوبخوا على ما دون الملائكة انتهى.
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافةً لِلنَّاسِ).
قال شيخنا ابن عرفة: فرد أن رسالة نوح عليه السلام عامة أيضا، ويجاب: إما بأن محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعث للإنس والجن، ورسالة نوح عليه السلام خاصة بالإنس، وأما نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم آمن به من قبله، لأن كل نبي أخبر به بخلاف نوح عليه السلام.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾
قال الزمخشري: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) بالفقر لكثرة أموالنا.
وضعفه ابن عطية قال: وإنما المراد نحن في الآخرة لكثرة أموالنا وأولادنا، إما اعتناء بنا وإكراما من الله تعالى لنا، وإكرامه لنا في الدنيا دليل على رضاه عنا، وعلى إكرامه لنا في الآخرة بعدم العذاب، فهو قياس منهم فيكون (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، نتيجة عن قولهم (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا).
وقيل: إنه استئناف [مستقل*] بنفسه فعقبه بقوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)، فيبسط الرزق ليس منحصرا في الإكرام، بل قد [يكون إملاء*]، كقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾
قال ابن عرفة: تكرير (لا) في العطف محض تأكيد، إذ لو جعلناها تأسيسا لزم عليه المفهوم، إذ لَا يلزم من نفي التقريب عن كل مرفوع منهما نفي التقرب عنهما مجتمعين.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾
سبأ 34:41
قرر عليهم عبادة الكفار لهم على جهة الاستهزاء بالكفار، فأجابوا: بأنهم كانوا يعبدون الجن إما لإتباعهم في عبادة الملائكة ووسوسة الشيطان، فكأنهم عبدوا الجن، وإما لكون الملائكة غير راضين بعبادتهم لهم. وقوله (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)
إشارة إلى الأتباع والمتبوعين، وهم رؤساؤهم وسوس لهم الشيطان فاتبعوه وآمنوا به واتبعوهم مقلدون لهم، فلم يؤمنوا بالجن قبل ذلك رؤساؤهم في ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾
الأقسام أربعة: جلب النفع والضر ودفعهما معا، وجلب النفع ودفع الضر وعكسه، والنفي متسلط على الجميع، وهل المراد بالبعض الثاني حقيقة له، فكأنه يقول: لا يملك بعضكم لغيره نفعا، أو المراد به العموم، أي لَا يملك بعضكم لإنسان بالإطلاق، أي لا يملك لنفسه ولا لغيره، وهذا أولى لعمومه، وقدم النفع على الضر لأن جلب النفع مهم، ودفع الضر أهم، وعدم الاتصاف بالمهم لَا يستلزم عدم القدرة على ما هو أهم منه، فجاء هذا على الأصل، لأن الأصل أنه لَا يملك، وعلى تقدير ابن عطية فيقال لهم: يكون معطوفا عليه (بَيِّنَاتٍ) يدل على أن القرآن لَا ينسخ [بالسُّنَّة*]، لأن النسخ بيان، والآية دلت على أنها بينة في أنصبتها.
قوله تعالى: ﴿مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾
[يرد عليه*] القول بالموجب، وهو أنه كذلك هو في نفس الأمر وهو الذي أراد، لكن وجه احتجاجهم بهذا أنه من الدليل السوفسطائي، وقد ذكر المناطقة أنه لم ترد في القرآن ولا في كلام فصيح، لكن مرادهم أنه لم يرد من كلام الله تعالى، وهذا إنما هو حكاية عن هؤلاء، وتقريره أنهم اعتقدوا أن الخروج عن ملة الآباء قبيح، لَا يحل ولا يجوز، وهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصد صدهم عن ملة آبائهم، فلذلك كفروا به وابتدءوا هم بهذه المقالة من باب إثارة الغضب كقول القائل:
يا ابن الذي طاعته عصمة؍ وحبُّه مفترض واجب؍
إن الذي شرفت من أجله؍ يزعم هذا أنه كاذب؍
قوله تعالى: (مُفْتَرًى).
إن قلت: ما فائدته، فالجواب: بين وجهين:
الأول: الإفك، قول الباطل عمدا أو سهوا، والافتراء تعمد الكذب.
سبأ 34:44
الثاني: الإفك، هو القول الباطل في [نفسه*]، وإن كان قائله صادقا في مقالته مثل أن يخبرك شخص عن [**عمرو يقام زيد]، وهو صادق في الإخبار عن عمرو، ولكن ذلك الكلام في [نفسه*] كذب، فلما قال: (مفترى)؛ أفاد أن الكلام في [نفسه*] كذب، وأن ناقله كذب أيضا على المنقول عنه في حكايته.
قوله تعالى: (لِلْحَقِّ).
الزمخشري: [لامان الجر ولام التعريف*] (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾
دلت الآية على أنهم في تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير مستندين إلى كتاب منزل، ولا إلى إخبار رسول، ولا إلى خبر تواتر، لأن الذين من قبلهم قد كذبوا، وإذا كذبوا انقطع التواتر، لأن شرطه صدق المخبرين، أما المكذبون فلا.
فإن قلت: إنهم لم يشترطوا في التواتر صدق المخبرين، بل قالوا: إن خبر الكفار البالغين عدد التواتر يفيد العلم، فالجواب: إنما ذلك إذا أخبروا عن أمر شاهدوه، وأما النقل فلا، لأن الكفار البالغين عدد التواتر نقلوا لهم ذلك عن قوم كذبوا بينهم، فلا يعتمد على قولهم بوجه لقوله (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِمْ).
وإنما احتيج إلى ذكر الثلاثة، لأن الرسول لَا يستلزم الكتاب، إذ قد يكون رسولا بغير كتاب منزل عليه.
فإن قلت: لم وصف الكتب بـ يدرسونها، مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فيبقى المفهوم، فالجواب: أن الكتب ما ينتفع بها إلا بالنظر وبالدرس وإلا فوجودها كالعدم، فهذه لازمة أو هو مفهوم خرج مخرج الغالب فلا يعتبر.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾
إن قلت: ما أفاد بعد قوله تعالى: (وَكَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، فالجواب: بوجوه:
الأول: أن هذا مقيد، والأول مطلق.
الثاني: والمراد بالأول تكذيبهم المعجزات، وبالثاني تكذيب الرسل.
(١) النص هكذا في الكشاف:
"لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وفي لما من المبادهة بالكفر: دليل على صدور الكلام عن إنكار عظيم وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمرّدون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه". اهـ الكشاف. ٣/ ٥٨٨).
سبأ 34:46
وأجاب الزمخشري: بأنه لما كان معنى قوله تعالى: (وَكَذبَ الُّذِينَ مِن قَبلِهِمْ)، [وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه: جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ونظيره*] أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: ﴿مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾
إن قلت: قدم (مَثْنَى) على (وَفُرَادَى) وكان العكس، فالجواب: أن مفعول التكذيب بالنظر والاستدلال مع الجماعة أقرب من حصوله حالة الانفراد، والآية خرجت مخرج الوعظ والتذكير، فكان تقديم الاثنين من الواحد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾
إما أن يقتضي النفي [نفى مسألة الأجر رأسا*]، [والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله تعالى قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا*]، وفي الآية دليل بجواز أخذ الأجرة على رواية الأحاديث.
وفيه خلاف حكاه ابن الصلاح، قيل: تجوز، وقيل: لَا تجوز، واختار بعض المتأخرين إن كان يشغله عن [معاشه*] فجائز، [وإلا لم يجز*]، وأما الحديث الواحد فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغه، وانظر بما تقدم في آخر سورة البقرة، ووجه الدليل من هذه الآية أن الأصل الناشئ حين يدل الدليل على التخصيص، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يتوهم سؤاله إلا عن ما هو جائز.
قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
إن أريد بالشهادة مجرد العلم والكشف والإطلاع فهو عام باق على عمومه، ويكون فيه دليل على تعلق علمه بالجزئيات والكليات، وإن أريد بها الشهادة الملزومة للمجازاة مستثنى، فلا يصح كونه بدلا، وأيضا فقد فرقوا بين العطف على مواضع أن، وبين العطف على مواضع إن واسمها، فالعطف على مواضع اسمها لَا يجوز عند الأكثر، لعدم [المجوز*]؛ لأن الرفع امتنع بدخول (إن) والعطف على موضعها هي واسمها جائز، لأن موضعها رفع، فالصواب: أن (عَلَّامُ) خبر ابتداء مضمر، أي هو علام، والمبالغة إما باعتبار كثرة معلوماته، أو باعتبار الكيفية، وأنه في [أعلى*] درجات العلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾
يحتمل أن يكون فيه حذف التقابل.
قوله تعالى: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ).
[والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ وعن ابن مسعود رضى الله عنه: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود نبعة، ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ*]
سبأ 34:50
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾
إن قلت: فيه دليل أنه عليه السلام غير مجتهد، فالجواب: أن اجتهاده راجع إلى الوحي.
قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ... (٥٢)﴾
إنشاء لا خبر.
قوله تعالى: (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
أي كيف يصح إيمانهم، والدار ليست دار تكليف، فلا ينفعهم إيمانهم بحال.
قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ... (٥٣)﴾
تدل على أول الأزمنة القبلية، فأفادت الآية أنهم ماتوا على الكفر، لأن ابتداء الغاية بحسب مآلهم، وحالهم حينئذ أمر الآخرة، فأفادت من أن ابتداء أمر الآخرة حينئذ في حقهم الكفر، وهو انتهاء أمر الدنيا، فهم ماتوا كفارا في شك، والمراد به الشك اللغوي لَا استواء الطرفين كما هو اصطلاحا، فيتناول الظن، وهو تنبيه بالأدنى عن الأعلى، لأنه إذا كان الشاك يناله هذا الوعيد فأحرى من جزم.
* * *
فاطر 35:1
سُورَةُ فَاطِرٍ
تقدم الكلام على الحمد في أول الفاتحة.
قوله تعالى: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾
لم يعتبر مفهوم العدد هنا مع أنه قوي عندهم.
الزمخشري: [(أُولِي أَجْنِحَةٍ) أصحاب أجنحة، وأولو: اسم جمع لذو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة*] انتهى، أراد مخاضا جمع خلفه، نص عليه عياض في كتاب الزكاة من الإكمال (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، مشتقة من اثنين وثلاثة وأربعة، ومنع صرفها العدل [والوصفية*].
الزمخشري: منعها تكرار العدل فيها وتقدم بيانه في النساء، قال: ولا فرق في [الوصفية بين المعدولة والمعدول عنها*]، كنسوة أربع ورجال ثلاثة، واعترض بأن شرط الوصف المانع من الصرف، أن لَا تكون مؤنثة بالتاء، وأن لَا يكون مع التأنيث؛ فلا يلزم من عدم اعتبار الصفة اعتبارها في المعدول [لفقد*] شرطها فيها.
وأجيب: بأن مراده أنه لم يجتمع فيه علتان، فليس فيه الوصف، لأن شرطه عندهم ألا يمنع الصرف إلا في أفعل فعلاء، كأحمر حمراء أو فيها مؤنثة بغير تاء، وأما الصفة التي في مؤنثها التاء الفارقة بينها وبين المذكر، فلا يمنع الصرف [فيها*] بوجه.
قيل: وكذلك أيضا عنده لَا يمنع الصرف إلا فيما كان اسما، ومثله ابن عصفور بأربعة: فإنها اسم العدد بخلاف غيره.
القرافي في شرح المحصول قال: التصريف الذي نقل عن جماعة أن الواو [ترد بمعنى (أو) *]؛ كقوله (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، انتهى.
ابن هشام: زعم قوم أن الواو تخرج من [إفادتها لمطلق الجمع*]، وتستعمل بمعنى (أو) ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معناها في التقسيم نحو الكلمة [اسْم أَو فعل أَو حرف*]، وممن ذكر ذلك ابن مالك في التحفة. والصواب أنها في ذلك على معناها الأصلي، إذ الأنواع مجتمعة في الدخول تحت الجنس، ولو كانت (أو) هي الأصل في التقسيم، لكان استعمالها فيه أكثر من استعمال الواو.
والثاني: أن معناها في الإباحة، قاله الزمخشري: وزعم أن يقال: جالس الحسن وابن سيرين، أي أحدهما وأنه لهذا قيل: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)،
فاطر 35:2
بعد ذكر ثلاثة وسبعة، لئلا يتوهم إرادة الإباحة، والمعروف من كلام النحويين أنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين كان [أمرا*] بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقا بين العطف بالواو والعطف بـ أو.
الثالث: يكون معناها في التخيير.
قاله بعضهم في قوله:
وقالوا نأتْ فاخترْ من الصَّبر والبُكا؍ فقلتُ البُكا أشفى إذاً لغليلي؍
فقال: معناه أو البكاء إذ لَا يجتمع مع الصبر، ونقول: إن الأصل فاختر من الصبر والبكاء، أي أحدهما، ثم حذف (مِن)؛ كما في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَومَهُ)، [**ويؤيده أن بها على القاف من].
وقال الشاطبي في باب البسملة، وقيل: [وَاسْكُتَنْ*]، فقال شارحوا كلامه: إفراد التخيير ثم قال محققوهم: ليس ذلك من قبل الواو، بل من جهة المعنى، وقيل: إن شئت.
قال أبو شامة: وزعم بعضهم: أن الواو تأتي للتخيير مجازا.
قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ... (٢)﴾
إن قلت: [مَا يَفْتَحِ*] ما أفاد، قلت: لأن الفتح المطلق لَا حسد فيه، وإنما يحسد في الفتح في شخص معين.
قوله تعالى: (وَمَا يُمْسِكْ).
قال شيخنا ابن عرفة: يؤخذ منه أن العدم الإضافي السابق متعلق للقدرة، وجعله بعض الأصوليين متعلقا للإرادة.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِهِ).
إن قلت: ما أفاد، وهو خص بالقسم الثاني دون [الأول*]، فالجواب: أنه إشارة إلى ما قرره المتكلمون: من أن ما أراد الله تعالى كونه فلا بد من وقوعه باتفاق بين الجميع، ولذلك لم تحتج إلى تأكيد الأول بقوله (مِنْ بَعْدِهِ)، ولم يرد وقوعه، فنحن نقول: لَا يقع أصلا وفريق من المعتزلة يقولون بصحة وقوعه، لأن العبد عندهم يخلق أفعاله، والله
فاطر 35:3
تعالى عندهم لَا يريد الشر ولا الكفر بوجه، فلذلك احتيج إلى تأكيد الثاني بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِهِ)، وما لم ترد وقوعه فنحن نقول: لَا يقع أصلا.
وجواب الفخر: بأنه إشارة إلى أن الرحمة في الآخرة لَا تزول، وأن العذاب فيها زائل منقطع، يرد بأن الآية عامة في الدنيا والآخرة، [والناس*] عام في المؤمن والكافر.
قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
من اللف والنشر المخالف، وهو قليل لأن (الْعَزِيزُ) راجع لقوله تعالى: (وَمَا يُمْسِك) إذ العزة هي الامتناع و (الْحَكِيمُ)، لقوله (مَا يَفتَحِ اللَّهُ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾
النَّاس عام في بني آدم، فإن كان ذكروا للوجوب فخص العموم بالصبيان والمجانين، وإن كان للندب فلا تخصيص.
قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ).
هذا كالنتيجة بعد المقدمتين، لأن المقدمة الأولى أفادت أن لَا معطي إلا الله، والثانية: أفادت أن لَا مانع إلا الله، فإذا ثبت اختصاصه بالمنع والإعطاء أنتج ذلك أن لا خالق إلا الله.
قوله تعالى: (يَرْزُقُكُمْ).
كالتتميم للدليل، والأولى كونه ابتدأ كلام وبعد كونه صفة لخالق لئلا يلزم عليه المفهوم، أن [ثَمَّ خالقًا لَا يرزق*].
قوله تعالى: (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وفي سورة والذاريات (رِزْقُكُم) بالحصر، والجواب: أن أصل الرزق من السماء، وتشارك فيه الأرض باعتبار النبات.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
تلقين للمخاطب بأن يصرح بنتيجة الدليل المذكور.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
من باب [لَا أرينك ها هنا*]، أي لَا تركنوا إليها فتغرقكم.
فاطر 35:6
فإن قلت: لم ذكر في الثاني ما وقع الغرور عنه، وهو الله تعالى، ولم [يذكره*] في الأول، إذ لم يقل: فلا يغرنكم بالله الحياة الدنيا، فالجواب من وجهين:
الأول: أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا كثير في لسان العرب، وإنَّمَا القليل عكسه.
الثاني: أن الحياة الدنيا إنما [تغر*] في شهواتها والمأكل والمشرب والشهوة البهيمية والملبس فقط، وأما الشيطان فإنما يغر ويوسوس في الشرك بالله والكفر، فلأجل ذلك ذكر معه اسم الله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾
وهذا من النسب الغير متعاكسه، لأنه قد يكون الإنسان [عدوا*] لشخص، ويكون الشخص ذلك صديقا له، لكن هذا ما يتأتى إلا فيمن لَا يعرف منه ذلك.
قوله تعالى: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
فإِن قلت: كيف يتأتى ذلك، مع أن هذا لَا يمكن إلا في شخص معين تراه بحيث تتحرز منه وتتحرر، وأما الشيطان فهو خفي لَا يظهر، فكيف التحرز منه؟ فالجواب: أن هذا كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن يكن خيرا فمن الله وإن يكن غير ذلك [فمن*] من الشيطان، فالإنسان مكلف بأن يزن أعماله بالميزان الشرعي، فإن رآها جارية على ما أمره الشرع به، علم أنها كلها من الله، وإن رآها مخالفة للشرع علم أن ذلك من وساوس الشيطان.
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
حزبه هم الذين انقطعوا إليه وصاروا قوة، وهم الشياطين، ويكون المراد بالشيطان إبليس لعنة الله عليه، فالمعنى أن أصدقاءه الذين لَا عداوة بينه وبينهم، إنما يدعوهم ليكونوا من أهل النار، فما [بالك*] فيمن هو عدو لهم هو يدعوهم إلى النار من باب أحرى.
فإن قلت: إذا كان حزب الشيطان بعض أصحاب السعير، فمَن البعض الآخر؟ فالجواب: أن أصحاب السعير هو وحزبه ومن تابعهم من بني آدم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾
فاطر 35:9
الهمزة للإنكار لَا للتقرير، وفيه دليل للمعتزلة القائلين: بأن [العقل*] يحسن ويقبح، وجوابه: أن المعنى ظنه حسنا من جهة الشرع، أي اعتقد أن الشرع حسنه.
وفيه دليل ما يقول الفخر: أن العاصي لَا يعصي وهو جاهل، ولا يتصور من العالم حين علمه عصيانه بوجه، فهو يظن أن الأرجح فعل المعصية لقوله تعالى: (فَرَآهُ حَسَنًا).
قوله تعالى: (حَسَرَاتٍ).
[الزمخشري*] جعله مفعولا من أجله، وهو على مذهبه إذ [شرط*] المفعول من أجله، أن يكون مفعولا لفاعل الفعل المعلل، فالحسرات إذًا من فعل النفس لَا من فعل غيرها، وهو أيضا جائز على مذهب أهل السنة القائلين بالكسب، وأما من ينفي الكسب هنا [يجري*] على هذا الإعراب على مذهبه، وتحتمل كونه حالا.
وقول الزمخشري: لَا يتعلق بـ[حسرات*]، لأنه مصدر فلا تتقدم صلته عليه، يرد بوجهين:
الأول: إن ذلك إنما هو في المصدر والمقدر بـ أن والفعل، حسبما ذكره ابن هشام شارح الإيضاح في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا).
الثاني: أن المصدر إذا ثنى وجمع بعد عن التقدير بـ أن والفعل، فلا يكون موصولا وهذا بمجموع.
قوله تعالى: ﴿الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾
أتى بالأول ماضيا، والثاني [حالا*] للتصوير، لأن الأول ليس بمشاهد، وإثارة السحاب [مشاهدة لنا*]، ولأن إرسال الرياح غير مكرر، وإثارة السحاب متكررة.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾
[**لا مفهوم].
قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ).
مجاز لأن الصعود قطع المسافة من أسفل إلى فوق، إلا أن يكون باعتبار الصحف.
قوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
فاطر 35:12
قيل: الضمير على الكلم الطيب، أي ليرفعه الكلم الطيب.
فإِن قلنا: المراد بالكلم الطيب الشهادتان فقط فظاهر.
وإن قلنا: المراد به التسبيح ونحوه فلا يتأتى إلا على مذهب المعتزلة القائلين: أن مجرد كلمة الإسلام لَا تنفع العاصي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾
حمله ابن عطية على الحقيقة، والزمخشري على المجاز.
فإن قلت: لمَ لم يذكر في الثاني عند الوصف المذكور في الأول، فتقول: ملح الأجاج صعب تناوله، فالجواب: من وجهين:
الأول: يستلزم الملح الأجاج لوصف كونه صعب التناول [الجبلي*] وأظهر من استلزام العذب الفرات، لكونه سائغا شرابه، فلذلك اكتفى به، في الثاني: دون الأول، لأنه قد يكون عذبا شرابه، ولا يسوغ شرابه لما فيه من الغثاثة، وتقرر أن اللازم بوسط نظري وبغير وسط ضروري، وباستلزام الشيء للشيء تارة يكون نظريا وتارة يكون ضروريا، ومنه الخلاف في لازم المذهب، هل هو مذهب أم لَا؟ والخلاف في تكفير المعتزلة بلازم مذهبهم.
الجواب الثاني: أن الأول أمر ملائم، والثاني أمر مؤلم، والأمور المؤلمة تكفي في التعبير بأول أوصافها، بخلاف الأمور الملائمة، فإن حصول الإقبال عليها حالة المبالغة في أوصافها، أقوى من حصوله مع عدم المبالغة.
قوله تعالى: (تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً).
إن قلت: لم ذكر في الثاني الحلية تفرد له بسببها، وهو الإخراج، وذكر في الأول الأكل دون سببه وهو الاصطياد، مع أن الحوت لَا يتوصل إلى أكله إلا بعد تكلف وموته في اصطياده، لاسيما على المذهب الشافعي القائل: بأن طافي الحوت لَا يجوز أكله، فالجواب: أن السبب في استخراج الحلية من البحر أشق على النفوس من سبب الاصطياد، لأن الاصطياد يتأتى من الأطفال والنساء وغيرهم، وأما استخراج الجوهر واللآلئ من البحر فلا [يعلمه*] إلا غواص الجواهر من النَّاس في بعض الأقطار.
حتى قال المسعودي في مروج الذهب: إنهم يجعلون على وجوههم أغشية من كروش ويغلف سائر بدنه وتثقل رجليه بحجر وتهبط إلى قعر البحر، فيمكث الأيام يرصده، [**وأما فيه عوائدها] تمكث جالسة على محل الجوهر
فاطر 35:13
استلذاذا لبرده، فإذا قامت غرف منه وجعله في قفاف، وحرك الشرائط المربوطة فيها، فيرفعها من يكون يرصده وألقى الحجر الذي في رجله، فيصعد حينئذ فوق الماء، انتهى كلامه، فذكر الأول دون سببه لسهولته حتى كأنه تحصل بلا سبب بخلاف الثاني.
قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾
أي يأخذ من الليل ويزيد في النهار، ويأخذ من النهار ويزيد في الليل، وهذا في القطر الواحد في غير الاستواء.
وقال الفخر: الإيلاج [باعتبار*] أن نفس الليل عندنا هو نهار عند قوم آخرين، وهذا باعتبار جميع الأقطار.
قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ).
هذا من اللف والنشر، إما مخالف لأن الشمس أمة النهار، أو المواقق باعتبار المولج، فالمولج فيه أولا هو النهار.
ابن عطية: اختلفوا في الألف واللام في الشمس والقمر، هل هما زائدتان أو للعهد، انتهى.
قال شيخنا: كانوا يختلفون هل يصح ورود الزائد في القرآن أم لَا؟ فقيل: يصح، وقيل: لَا يصح، لأنه معجز، فكل لفظ منه معتبر لَا زائد، والذين قالوا بالصحة، هل يصح أن يقال: زائد لغير معنى، أو ما فيه زائد إلا المعنى؟ فكلام ابن عطية مخالف لقول ابن التلمساني أن الشمس والقمر من الكل، فإذا كانا من الكل فالألف واللام فيهما للعهد لَا زائدة، لأن فائدة العهد إنما هي أنها خصصت ذلك الكل بنوع واحد مشخص.
قوله تعالى: (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).
أي ما يملكون دفع ضرر ولا جلب نفع، وهم يفتقرون إلى الله تعالى، وشرط المعبود الاستقلال بنفسه وفيه استقلال الله تعالى بجميع الكائنات، خلافا للمعتزلة بأن الغير يخلق أفعاله.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾
إن [بنينا*] أن الاستيجاب لَا يطلق إلا على الإجابة بالموافقة فبين، والمعنى ولو سمعوا لَا يجيبون إلا بنقيض ما تدعونه إليه، وإن قلنا بالإطلاق فالمعنى ولو سمعوا لا
فاطر 35:15
يردون عليكم بجواب لعدم رضاهم ما أنتم تدعون، ولا يرد في هذه الآية الإشكال الوارد في قوله تعالى: (وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لأَسْمَعَهُم)، لأن تلك استثنى فيها عن التالي، ومنه جاء الإشكال، وهنا استثناء نقيض التالي، لأن السمع في تالي الصغرى منفي وفي مقدمة الكبرى مثبت، ولما اشتملت الآية على دليلين عقلي ونقلي.
قوله تعالى: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
وهذا الكلام محمول على المعنى، لأنك إذا قلت: لَا تفعل هذا مثل عمرو ففعله منفي عن مثل عمرو، فيلزم نفي الإنباء عن مثل الخبير، وليس لذلك [بل*] المراد ولا ينبئنا أحد مثل خبير، وهذا إن أريد به الله تعالى فيتعين أن [تكون*] سالبة، والسالبة عند المنطقين ما تقتضي وجود الموضوع بوجه، بخلاف [المعدد له*] والله تعالى لَا مثل له، فلذلك كانت سالبة، لأن مثله غير موجود.
قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾
مفهوم الحصر من اللقب منتف، بل هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان الحيوان العاقل الذي به الاستقلال بنفسه إلى الله تعالى، فأحرى من دونه من الحيوانات والجمادات، فهو مفهوم موافقة لَا مخالفة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾
أي [إن يشأ*] إذهابكم يذهبكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾
فيها سؤالان:
الأول: أنه تقرر أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فهلا قيل: لَا تزر نفس وزر أخرى، لأن النفس قد تكون وازرة وقد تكون غير وازرة، فيلزم المفهوم، وجوابه: أن مفهوم (أُخْرَى) لأن النفس الوزارة هي العاصية المتحملة للذنوب، فإن كانت النفس العاصية لَا تحمل وزر غيرها فأحرى الطائعة، لأن حمل الوزر عقوبة.
الثاني: [ما الجامع بينها وبين حديث: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ"، وقوله تعالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) "*]، وجوابه: أن الحديث وتلك الآية في صناديد الكفار الذين كفروا وتسببوا في كفر أتباعهم، لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، وهذه الآية في الأتباع، ومن اختص بفعله ولم يتسبب في معصية أحد.
فاطر 35:19
قوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ).
قيل: المفعول إنما حذف لقصد العموم، فالمراد وإن تدع أحدا، وهو عام في القريب والبعيد، فما أفاد ولو كان ذا قربى.
وأجيب: بأنه نفي لما قد يوهم قربه فيذب عنه ويرعاه.
قوله تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ)
أي الإنذار النافع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾
قال شيخنا: هو قياس معنوي وهو كثير في القرآن، لأنه تمثيل لحال المؤمن والكافر، وليس القصد التفريق بينهما؛ كما يفرق بين الأعمى والبصير، وإنما القصد التنبيه على قبح الكفر وحسن الإيمان.
أبو حيان: استوى هنا [لـ فاعلَين*] انتهى، يرد بأنه من السبب لمعاكسته، فلا يطلب فاعلين، ويدل عليه قولهم استوى الماء والخشبة، والأول فاعل، والثاني مفعول، وقدم في الأولين الوصف القبيح، وعكس في [الآخرين*] ليحصل، انظر للزمخشري.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾
الاقتران المراد الإسماع النافع، لأنه عام ورد على سبب.
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ).
هذا زيادة في التقبيح، لأن الميت الذي في القبر أبعد عن الإسماع من ميت على وجه الأرض، ونفاه بلفظ الاسم، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لَا يسمع الإسماع الأخص فنفاه على حقيقته.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾
أي لهو الكفر ولذا عقبه بقوله [(بَشِيرًا وَنَذِيرًا) *].
الزمخشري: وفي حدود المتكلمين الأمة هي المصدقة بالرسول دون المبعوث إليهم، وهم المعتبر إجماعهم. انتهى.
قال شيخنا: هذا إنما علمت من قاله من المتكلمين، لكنه حسبه بقوله: وهم المعتبر إجماعهم، لأن الإجماع في حياة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، غير معتبر إلا بعد وفاته.
فاطر 35:25
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾
قيل: أفادت هذه بعد التي قبلها في معناها، أجيب: بأن [تحسر الرسل واغتمامهم إما على أنفسهم بتكذيب قومهم لهم*]، وإما على قومهم بامتناعهم عن الإيمان، وبأن الأولى تضمنت تكذيبه في نفسه، وهنا وفيما جاء به فهو أبلغ.
قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾
الأصل سود غرابيب، لكنه عكس إشارة لشدة السواد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
ابن عطية: قال بعض: الخشية رأس العلم، والصحيح العكس انتهى، بل الصواب الأول للحديث الذي ذكره.
قوله تعالى: (عَزِيزٌ غَفُورٌ).
ووجه مناسبتها أن العزة هي الامتناع، وكذلك خشية الله قليلة في أعلى المراتب و (غَفُورٌ) إشارة إلى الواصلين إليها من العلماء، لم يسلموا من تقصير اتصفوا به ونقص في أعمالهم فوصولهم بمغفرة الله وعفوه عنهم، وانظر هل يؤخذ من الآية [تقديم الأصلح الأصلح*] في إمامة الصلاة؟
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾
عبر في الأول: بالمضارع إشارة إلى سهولة مصدره، وفي الثاني: بالماضي إشارة إلى محقق وقوعه مع عدم سهولته.
قوله تعالى: ﴿شَكُورٌ (٣٠)﴾
تَجَوُّزٌ لأنه تعالى هو المنعم على الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾
قيل: [ما وجه الجمع*] بينه وبين قوله تعالى: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا)؟ وأجيب: بأن عذابها يكون شديدا، فإذا خبت لَا يزال ألمها شديدا حالًّا بهم، لكنه يكون أولا يزيد فإذا خبت [يقف حاله، ولا يزيد ثم تشتعل بعد ذلك فيزداد عليهم الألم*]، فهي في نفسها تسكن لَا أن الألم النازل بهم يخفف عنهم.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).
فاطر 35:40
فيه سؤال، وهو أن المشبه لَا يقوى قوة المشبه والأول كافر، وهذا كفور، فكيف شبه جزاء الكفور بجزاء الكافر؟ ولا جواب فيه إلا أنه من عكس التشبيه كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾
حكى أبو حيان عن بعضهم: أنه بدل من الأول، ورد بأن همزة الاستفهام دخلت على الأول دون الثاني، [ويجاب*]: باحتمال كونه حذف من الثاني لدلالة الأول [عليه*].
ذكر ابن عصفور خلافا فيه يلزم معه تكرار، فأدخل على المبدل منه أم لَا؟
وحكى أبو حيان عن بعضهم أيضا: بدل جملة من جملة.
ورده أبو حيان: بأنه بدل فعل من فعل، ويجاب: بأنهم فرقوا بين بدل الفعل من الفعل، وبدل الجملة من الفعل، وهو إذا كان الفاعل في الفعلين متحدا، إما ضمير متكلم أو ضمير غائب، نحو إن قمت أكرمت زيدا فأتني، أو يكون المفعول متحدا، فإن اختلف الفاعل فيكون في أحدهما ظاهرا وفي الآخر مضمرا، أو يختلف الضمير أو يختلفا في المفعول كان بدل جملة من جملة، مثل إن قمت يخرج أبوك فأتني، وهذان الفعلان وإن اتفقا في الفاعل فهما مختلفان في المفعول.
قال أبو حيان: وأيضا فالبدل على نية تكرار العامل، وهو لم يتكرر هنا انتهى، إنما ذلك إذا كان العامل موجودا، وأما إذا لم يكن ثم عامل فليس ثم ما يكرر.
قوله تعالى: (مَاذَا خَلَقُوا).
قال شيخنا: كان وقع في زمن الأستاذ أبي زكريا يحيى بن فرج النعر نزاع [فيها*].
فقال بعضهم: إنها تقتضي التكثير، واحتج بحديث: "ماذا أنزل الليلة من خير".
وقال بعضهم: إنما يكون التقليل، واحتج بهذه الآية، وهنا إشكال وهو أنها تقتضي أن من لوازم الإله اتصافه بالخلق، مع أن مذهبنا أن الذي من لوازمه اتصافه بالقدرة وصلاحية الخلق لَا اتصافه بالخلق بالفعل، وإلا يلزم عليه قدم العالم، لأن الله تعالى في الأزل لم يخلق شيئا بالفعل، وجوابه: أن الألوهية أمر نظري لَا ضروري، والاستدلال عليها إنما يتم بأثرها، فلذلك قال (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا)، فمعناه لو كانوا آلهة لظهر لنا أثر قدرتهم، فلما لم يظهر لنا أثر قدرتهم، دل على أنهم ليسوا بآلهة.
قيل: لَا يلزم من عدم العلم بالدليل عدم العلم بالمدلول، أجيب: بأنه كذلك،
فاطر 35:41
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ولكنه يلزم من عدم العلم بالدليل عدم العلم بالمدلول.
قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
فيه سؤالان:
الأول: المستدل، يأتي أولا بما هو مستلزم لغيره، ثم يأتي بمستلزمه ولا يأتي باللازم قبل الملزوم، فيقول: إن كنت ذا مال فأعطه دينارا أو أعطه درهما، ولا يقول: إن ذا المال فأعط لزيد درهما أو دينارا؛ لأن العجز عن الدرهم يستلزم العجز عن الدينار، [وهو لَا يجوز*]، والعجز [الاستقلالي*] بالخلق، وما يلزم من ذلك عجزهم عن الخلق مع الشريك المعين لهم في ذلك.
السؤال الثاني: أن المذهب على امتناع اجتماع مؤثرين على أثر واحد، حسبما ذكر الأصوليون في مسألة [الكسب*]، حيث قالوا: هو فعل فاعل معين، وقد قرروا في دلالة التمانع امتناع ذلك، فكيف يصح الرد عليهم بعجز آلهتم عن خلق السماوات مع الشريك، والجواب: أن الاستدلال قسمان: عقلي لَا يفهمه إلا الخواص، وآخر يفهمه العوام، فالعلماء منعوا اجتماع قدرتين على مقدور واحد، والعوام يتصورون اشتراك رجلين وثلاثة في فعل.
قوله تعالى: (أَمْ آتَيْنَاهُم كِتَابًا).
هذه إشارة إلى الدليل السمعي، والأول: إشارة إلى الدليل العقلي فهم يستندوا في عبادتهم الأصنام لَا إلى عقل ولا إلى سمع، ثم عقب ذلك بالدليل السمعي الدال على وحدانية الله تعالى، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾
فيه سؤال، وهو أن الجزاء لَا يجوز كونه موافقا بشرط، لعدم الفائدة ولا مناقضا له، بل يكون مخالفا فلا يقال: إن قام زيد قام زيد، ولا إن قام زيد لم يقم زيد، وإنَّمَا يقول: إن قام زيد قام عمرو، والجواب: ليس يترتب على الشرط، والجواب: أنه ترتب على جواب مقدر، وتقديره (وَلَئِنْ زَالَتَا)، فلا راد لهما ولا مستمسك.
وحكي ابن عطية هنا أن إن تعني لو، وهو على جهة التوهم والفرض، أي وليس فرضنا إلا العكس.
وقال ابن التلمساني: إنَّ إنْ تدخل على المحقق وعدمه، واستحالته وإن غالب دخولها على المشكوك، وقد تدخل على المحقق.
فاطر 35:42
قوله تعالى: (حَلِيمًا).
لا يعجل لعقوبة الكفار.
وقوله تعالى: (غَفُورًا).
للمؤمنين المخالفين في فروع الشريعة.
قوله تعالى: ﴿أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾
أي من المحق في الأمم.
قال ابن رشد في كتاب الإيلاء [من "البيان" وفي "المقدمات"*]: إذا حلف أن لَا يطأ زوجته أكثر من ستة أشهر، فإنه مولي، وإن قال: وطئتها لأكثر من أربعة، فكل مملوك أملكه حر، فإنه إذا وطئها ينعقد عليه اليمين، ولا يكون موليا، قال: وهذا مثل ما لو قال: والله لَا آكل أحد هذين الرغيفين، فأكل أحدهما فإنه لَا يحنث، بل ينعقد عليه اليمين في الآخر، فإذا أكله حنث.
قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ... (٤٣)﴾
نفى الوجدان مع أن الأبلغ نفي التبديل زوال الشيء من أصل، وتعويضه بخلافه، [والتحويل*] تغيير حاليه بزيادة أو نقص أو تخصيص مع بقاء ذاته الأصلية، فنفى أولا تبديل السُّنَّة من الأصل، وثانيا تغيرها فهو تأسيس.
قوله تعالى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ... (٤٤)﴾
ثم أقوى منهم، إشارة إلى الاشتراك في الفسق، كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (أوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
قوله تعالى: (مِنْ شَيءٍ).
باق على عمومه بخلاف قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) استثنى منه الواجب والمستحيل، أما الواجب فاختلفوا هل يصدق على شيء أم لَا؟ وأما المستحيل.
فقال ابن التلمساني: لَا يصدق عليه لفظ شيء.
قوله تعالى: ﴿النَّاسَ... (٤٥)﴾
يحتمل الإنس فقط أو الإنس والجن.
* * *
يس 36:3
سُورَةُ (يس)
في جامع العتيبية لَا ينبغي لأحد أن يتسمى بـ ياسين.
ابن رشد: الكراهة [مراعاةً*] للخلاف، لأنه قيل: من أسماء الله تعالى، وقيل: من أسماء القرآن، فعلى هذا لَا يجوز التسمية به.
[وقال*] ابن عباس: [معناه بالحبشية يا إنسان*].
وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح به الله تعالى به [كتابه*] فعلى هذا تجوز التسمية به.
قوله تعالى: (الْحَكِيمِ).
قيل: بمعنى المحكم، فيكون فيه دليل لمن يقول بعدم وجود النسخ فيه، وينبني على كون لفظ العرب اسم جنس أو لا، وهل يصدق على البعض أو الكل؟
قوله (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)
[دلالة المعجزة*] تثبت بالعقل، ولو ثبتت بالسمع للزم عليه إثبات السمع بالسمع.
قوله تعالى: (مُسْتَقِيم).
إما صالح حسن فهو صفة مدح، أو المراد به القرب؛ لأن المستقيم أقرب من المعوج، وهو طريق قريب من الجنة لَا بعيد.
قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ... (٥)﴾
هو الذي لَا يمانع، فدلت الآية على أنهم [لَا تنفعهم*] [الشفاعة*] و (الرَّحِيمِ) في تخصيصه الرسالة بالنبي ﷺ رحمة به وبأمته.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾
إنذارهم مع الإخبار بأنهم لَا يؤمنون، ليس يبيح التكليف به اعتبارا بها عن الأمر والإلزام أن تكون التكاليف كلها لَا تطاق ولا فائدة؛ لأن المكلفين قسمان:
فمن علم الله تعالى أنه لَا يؤمن، فلا فائدة من أمره بالإيمان إذ لَا يطيقه.
ومن علم أنه يؤمن فلا فائدة في إنذاره وأمره بالإيمان إذ لَا يطيق عدمه، وضمير (هم) عائد على الأكثر أو على المجموع من حيث هو مجموع على أن الضمائر كل لا كلية.
يس 36:9
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾
وفي آية أخرى (لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ)، فتلك أعم من هذه، إلا أن يجاب بأن هذه كقولهم: ضربت الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل، أو شبه هذا على ما هو المقصود، لأن الأمام والخلف هو محل المقابلة، والحركة بخلاف اليمين والشمال.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾
أي الإنذار النافع.
فإن قلت: لم قدم السبب على سببه، لأن الخشية والخوف سبب في الطاعة والإتباع؟ فالجواب: أنه إشارة إلى تأكد الأمر بالخوف، وأن المكلف إذا أطاع واتبع لا يكتفي بطاعته ويركن إليها، بل لَا يزال خائفا خاشعا، وإن كان طائعا.
قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾
فيه دليل على القول باعتبار الكثرة، وقد اختلفوا في عدد التواتر والمشهور، أنه غير محدود ولا محصور، قيل: حد بلوغ العلم، وقيل: أربعة، وقيل: أكثر من ذلك، فهذا دليل اعتبار الكثرة في العدد، قيل: ليس المراد هنا تعدد الأشخاص، بل تعدد الأدلة والبراهين، أجيب: بأن الأدلة [إذا*] تعددت [فمرجعها*] إلى شيء واحد.
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾
مذهب هؤلاء كمن يذكر عن البراهمة في نفيهم الرسالة، وعدلوا في نفيها عن التصريح إلى الكناية إلى نفي أبلغ، زعما منهم أن البشر لَا يكون رسولا ألبتَّة، وإلا فالبشرية في اعتقادهم [إنما هم*] سواء [فالرسالة*] من الله، لَا من رسول الله.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ... (٢٠)﴾
وفي القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ)،
وأجيب: بأن تلك على الأصل، وهذه تفيد أن مجيئه من أطرافها وأعاليها، إشارة إلى استغراب ذلك، وأنه المقصود لَا كونه رجلا.
وأجاب بعضهم: بأن تقديم (رجل) في تلك لئلا يظن النبي صلى الله عليه وسلم، لسماعه أول الخطاب، أن الذي جاء هو فرعون أو غيره من أعداء موسى عليه الصلاة السلام [فيحزن*] لذلك بخلاف [هذه*] لتقدم ذكر المرسلين فيها.
قال شيخنا: هذا كان مع شيخنا أبي عبد الله بن محمد بن سلامة.
يس 36:21
قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا... (٢١)﴾
ابن عطية: فيه دليل على تحريم الأخذ للأجرة على مثل هذا. انتهى، يرد بأن الآية اقتضت مدح تاركها لَا ذم آخذها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾
يراد بالعبادة إما الاعتقاد القلبي والإنابة، أو العمل والطاعة، فيكون فيه حجة للمعتزلة القائلين: بأن شكر المنعم واجب لاقتضاء الآية، أن الاختصاص بالخلق والإعادة موجب للعبادة بالفعل، إلا أن يجاب: بأن الآية إنما اقتضت تكميل العبادة، وأن موجب العبادة كان عنده مستفادا بالسمع من شرع الأمم السالفة قبله، وأتى هذا على سبيل التكميل لذلك، لَا أنه مستقل بالوجوب، واقتضت الآية الاستدلال بالوحدانية والمعاد؛ أما الوحدانية فأمر عقلي، وأما المعاد فنحن نقول بجوازه من جهة العقل، ووقوعه من جهة السمع، والذي بقاعدة التحسين والتقبيح هو عنده واقع عقلا، وفي الآية دليل له؛ لأنه جعل [الخلق*] كالدليل على الإعادة، لأنه رتبها عليه وأتى بها بعده، والوحدانية تقرر أن دلالة المعجزة لَا تتوقف.
قلنا: عند الأكثر، [يدل*] على مجرد وجود الصانع، فالوحدانية يصح استفادتها من السمع، قيل: لو أتت الآية على أسلوب واحد، وما لكم لَا تعبدون الذي فطركم، فلم عدل عن ذلك مع أن معلوم اتصافه بالعبادة، فلا تحتاج إلى أنه يخبر بها؛ أجيب: أنه إشارة بـ إلى أنه لم يأمرهم إلا بما فعله هو في خاصة نفسه، ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل أي [وما لكم لا تعبدون الذي فطركم*].
قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ﴾
فيه المبالغة في عجزهم من وجهين:
الأول: لفظ (الرَّحْمَنُ)، أي إذا عجزوا عن دفع الضر الواقع ممن هو في مقام الرحمة فأحرى،
الثاني: تنكير (ضُر) للتنكير.
قوله تعالى: (وَلَا يُنْقِذُونِ).
الإنقاذ أعم من إغناء الشفاعة؛ لأنه لَا يكون بالمحاربة وغيرها، فنفيه أخص فهو من عطف الأخص على الأعم.
يس 36:25
فإن قلت: هو من تحصيل الحاصل، لأن مراد الله لَا بد منه، فالجواب: ليس أراد بهذه الإرادة التخصيص بالمعنى إن وقع في الضرر، ولا شك أن ما أوقعه الله تعالى بالعبد يمكن رفعه.
قوله تعالى: ﴿بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾
ولم يقل: بربي أي حالنا في عبوديته مستو، وكان حقكم الإيمان به.
قوله تعالى: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾
صيغة افعل هنا للإكرام.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾
إشارة إلى رفع الدرجات أخص من قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
قوله تبارك وتعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ... (٢٨)
أورد الفخر سؤالين:
الأول: لم قال من السماء مع أن الإنزال كله معلوم أنه من السماء؟ إذ لَا يكون إلا من فوق إلى أسفل؟ وأجيب بوجهين:
الأول: أنه قصد التعظيم والتشريف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بذكر لفظ السماء التي هي من أشرف المخلوقات وأعظمها.
الثاني: أن المراد السماء المعهودة، والإنزال إنما يتناول ما كان فوق إلى أسفل بالإطلاق.
السؤال الثاني: ذكر الفاعل هنا.
وقال: قبل (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ)، فحذف الفاعل، وجوابه: أن تلك في حبيب النجار، وهذه في حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ابن عطية: عن ابن مسعود: [أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك*] انتهى، يوم أن غيرهم احتيج إلى ذلك فيه وهو باطل، ومذهبنا أن قدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض كقدرته على خلق الذرة، وليس بينهما تفاوت أصلا، فلذا كان كلام الزمخشري هنا أحسن. وأورد الزمخشري هنا سؤالا هو: ما الفائدة في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)؟ مع أنه أغنى عنه قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ)، وأجاب: بأن معناه ما كان يصح في حكمنا أن ننزل إهلاك قوم حبيب بجند من السماء بناء على ما تقتضيه الحكمة وأوجبته المصلحة، وهو بناء على مذهبه الفاسد، وهل هو راجع إلى قاعدة التحسين والتقبيح أو لقاعدة تعليل أفعال الله تعالى؟ وهو الظاهر؛ لأن الأولى إنما يكون غالبا في الأمور الشرعية، وهذا أمر فعلي فهم يقولون: إنه يفعل للغرض، ونحن نقول: يفعل بما يشاء، ويحكم ما يريد لَا لأغراض؛ لأن ذلك إنما يكون من العاجز؛ فيفعل الأسباب الموجبة للغرض.
ولم يذكر الطيبي هنا شيئا فيبطل الجواب على مذهبنا، ويبقى السؤال واردا، فيجاب عنه بوجهين:
الأول: أن النفي في قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا)، دخل على أخص مقيد، بقوله تعالى: (مِنَ السَّمَاء)، وهو أعم وفي (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)، دخل على الأعم فهو أخص.
الثاني: أن الثاني أفاد نفي القابلية، وهي راجعة إلى الأسباب والأحوال التي اتصف بها غيره.
ابن عطية: (ما) يحتمل كونها نافية أو موصولة.
فرده أبو حيان: بأنه ليس مذهب البصريين؛ لأن مذهبهم أن (مِنْ) الزائدة لَا تدخل على الموصول، انتهى، إنما يتعقبه بمثل هذا على من لم يعرف إلا بمذهب الكوفيين، وترك مذهب البصريين، وابن عطية إنما قال: يحتمل كذا أو يحتمل كذا.
وقد قال الفارسي في (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) يجوز كون (مِنْ) و (مِنْ) الأخرى زائدتين، فتجوز الزيادة في الإيجاب.
وقال ابن جني في (لَمَا آتَيتُكُم مِن كتَابٍ)، على تشديد [(لَمَّا) *]: (مِنْ) زائدة.
وقال ابن مالك في من الداخلة على قبل وبعد: أنها زائدة؛ لأن كونها لابتداء الغاية على ما ذهب إليه الجمهور يلزم منه دخولها على الزمان، فتأولوا قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)، أي من تأسيس أول يوم.
يس 36:29
ورده السهيلي بأنه قيل: هكذا لما احتيج إلى تقدير الزمان، وأجيب: عن دخول (مِنْ) على قبل وبعد، بأنهما غير متأصلين في الظرفية، وأنهما في الأصل صفتان للزمان، إذ معنى حيث قبلك جئت زمانا قبل زمن مجيئك، فلهذا سهل ذلك.
وأيضا قلنا: أن تجعل (مِنْ) للتبعيض لَا زائدة، كما زعم، وهو أولى (مِنْ) قول المختصر: إنها نكرة موصوفة؛ لأنه إذا انتفى إنزال بعض الجند انتفى إنزال الجند من باب أحرى؛ لأن إنزال الجميع يستلزم إنزال البعض، ونفي إنزال البعض يستلزم نفي إنزال الجميع، ويحتمل أن تكون الواو في (وَمَا كُنَّا)، واو القسم، وهو راجع لما يجد قبله، أو لما بعده، ويكون الله أقسم بما كان منزلا على عدم إنزاله على قومه جندا من السماء، أو المعنى: وحق ما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة.
ابن هشام: جوز الزمخشري في (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ)، الآية.. [كَون*] المعنى: ومن الذي كنا منزلين، فجوز زيادتها مع المعرفة، وتوالي مثل هذه الضمائر، نص صاحب المثل السائر: على أنه مستقبح في كلامهم، وأنشد عليه شيوخ لها منها عليها [شواهد*]، نص أبو الإصبع على أنه متضمن.
الزمخشري: وفضل سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، [بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار*] (١).
قال الطيبي: يقع في بعض النسخ (على)، ويقع في أخرى فضلا (عن) حبيب، قال: [فعن*] تقتضي [السلب*]، وأن الثاني ليس له فضل، و (على) تقتضي ثبوت الفضلية للثاني، انتهى، وفي المعالم لو كان احتمال الاشتراك متساويا لاحتمال الانفراد لنا، أفادت الدلائل السمعية الظن فضلا عن اليقين.
قال شيخنا: ورأيت تأليفا للقرافي ذكر فيه أنه بحث، وما وجد من يعربها، ويقول: فما رأيت الشيوخ يقولون: إنها مصدر موضع الحال، بمعنى مفعول، مثل: قتلته صبرا، أي مصبورا، وكذلك قوله في المعالم: فضلا عن اليقين وإلا فلا يصح أن يقال فضلت اليقين فضلا، لما يلزم عليه من كون الظن أفضل من اليقين.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾
قرئ بنصب (صَيحَة) ورفعها.
ابن عطية: لَا يصح ذلك إلا على إن كانت تامة، انتهى.
(١) النص هكذا في الكشاف:
"ولكنّ الله فضل محمدا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعذار ما لم يوله أحدا، فمن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: وَما أَنْزَلْنا، وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك". اهـ.
يس 36:30
قال شيخنا: هذا لَا يفيده جوابا وترجيحا، وحقه أن يبطله بقولهم: إن الفعل تابع للفاعل في تذكيره وتأنيثه ما لم يفصل بينما بـ إلا، فحينئذ لَا يجوز التأنيث إلا في شاذ كقوله:
وما بقيت إلا الضلوع [الجراشع*]
قال وكنت رأيت نقدا على المعري لابن الصائغ، لما ذكر فيه قول ابن عصفور في الفاعل: إذا فصل بينه وبين الفعل فليس إلا التذكير، قال: ولم تكن جوابا عن سؤال، كقولك لمن قال: من قام من النساء؟ فتقول: ما قامت إلا هند، قال شيخنا: ويحسن أن يجاب هنا بذلك، فيقال: إن الآية جواب عن سؤال مقدر، فكأنَّ قائلا يقول: فكيف كانت أخذتهم؟ فقيل له: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيحَة)، أي إن كانت الأخذة إلا صيحة واحدة.
قيل لابن عصفور: [إنه*] ينازع في ذلك ولا يسلمه، فقال: كلام الزمخشري هنا يقتضيه بدليل قوله؛ لأن المعنى مما وقع من (إِلَّا صَيحَةً) فقدر الفاعل مذكرا فإذا تقدم عليه السؤال مؤنثا كان يعتبر مؤنثا.
قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً... (٣٠)﴾
ابن عطية: فسر بعضهم قراءة التنوين بأن الحسرة من العباد أنفسهم وهو بعيد، انتهى، وجه بعده أن التنوين ظاهره أن الحسرة منكرة ليست منهم، بل من غيرهم يتحسر عليهم، ولو كانت منهم لأتى بها مضافة دون تنوين، وأتى لفظ العباد هنا على خلاف الأصل؛ لأن غالب استعماله في الطائعين، وجاء هنا في الفاسقين، لكنه غير مضاف، ولا يقال في الفاسقين عباد الله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾
هذه الآية وعظ وتخويف وأمر نظري استدلالي.
الزمخشري: (أَلَمْ يَرَوْا)، ألم يعلموا أو هو معلق، لأن كم لَا يعمل فيها عامل قبلها، كَانَتْ لِلِاسْتِفْهَامِ أَوْ لِلْخَبَرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا الِاسْتِفْهَامُ.
ورد أبو حيان الأول بأنه قد يدخل حرف الجر، فتقول [كَمْ عَلَى: كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ*] وبكم درهم اشتريت ثوبك، انتهى، هذا لَا يليق به؛ لأن حرف الجر ليس بعامل، ألا تراهم يقولون: ما العامل في هذا المجرور وبماذا يتعلق؟ وبدليل صحة دخول حرف الجر على ما الاستفهامية، يحذف منها الألف، وما ذاك إلا لأنه ليس بعارض حقيقة. ورد أبو حيان الثاني: بأنها لَيْسَ أَصْلُهَا [الِاسْتِفْهَامَ*]، ولا يحمل عليها بوجه، وأجاب: بأنه إن كان أراد الزمخشري جعلها مأخوذة منها [إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم يروا إن زيدا لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه*] فهو لا يقوله الزمخشري بوجه، وإن أراد أنها محمولة عليها فهذا صحيح.
قال شيخنا: وقد كان بعض النَّاس يلغي على كتاب سيبويه من ناحية أنه جمع بين النحو والأصول؛ لأنه نص فيه على قياس الشبه، إذ جعل كم الخبرية محمولة على كم الاستفهامية، وهذا هو قياس الشبه.
وذكر أبو حيان في إعراب الآية ستة أوجه، فنقل عن الزمخشري أنه قال: (أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)، بدل من كم على المعنى لَا على اللفظ، أي أولم [يروا*] كثرة إهلاكنا القرون كونهم أنهم غير راجعين.
ورده أبو حيان وقال: لَا يصح أن يكون بدلا على اللفظ ولا على المعنى، أما على اللفظ فلأنه زعم أن يروا [مُعَلَّقَةٌ*]، فَيَكُونُ كَمِ اسْتِفْهَامًا، وَهُوَ مَعْمُولٌ لَأَهْلَكْنَا، وَأَهْلَكْنَا لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ، [وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى، فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ قَالَ تَقْدِيرُهُ، أَيْ عَلَى الْمَعْنَى: أَلَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَوْنَهُمْ غَيْرَ رَاجِعِينَ إِلَيْهِمْ؟ فَكَوْنُهُمْ غَيْرَ كَذَا لَيْسَ كَثْرَةَ الْإِهْلَاكِ، فَلَا يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كل، وَلَا بَعْضًا مِنَ الْإِهْلَاكِ، وَلَا يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَلَا يَكُونُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، لِأَنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى مَا أُبْدِلَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ هُنَا. لَا تَقُولُ: أَلَمْ يَرَوُا انْتِفَاءَ رُجُوعِ كَثْرَةِ إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ*]، انتهى كلامه، وهو قصور.
وقد ذكر سيبويه في باب ما يكون فيه أن بدلا من شيء غير الأول متصلا بقوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ)، وبقوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ).
قال ابن خروف في شرحه: يريد أنه بدل من المعنى، كقولك: عرفت زيد أبو من هو، أي عرفت كنية زيد أبو من هو، وكذلك هذا بدل من المعنى، انتهى، ومعنى ما قال الزمخشري؛ لأن عدم الرجوع هو بمعنى الإهلاك والكون، فيصدق على الكثرة وعدمها، وهو لَا ينافي الكثرة فيصح [لأنه بدل شيء من شيء*]، وبدليل قول الزمخشري في الوجه الذي بعده، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال، ويظهر من كلامه أن تمثيله بـ ألم يروا كثرة إهلاكنا [بدل معنى لَا بدل إعراب*]، وليس مراده البدل على هذا المعنى. قيل: بدل الاشتمال يشترك على تفسير الإعراب، [وهو أَلَمْ يَرَوُا كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا*]، وهذا يصح إضافته إذ يصح أن تقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثير أهلكنا على أن شرط الإضافة في بدل الاشتمال فيه نظر، [**هل هو نظر وفي جميع بدل الاشتمال، أو إنما هو إضافي].
قال شيخنا أبو العباس ابن القصار: ولا أعلم أحد اشترط ذلك من النحويين.
قال ابن هشام: كم على وجهين: خبرية بمعنى كثير، واستفهامية بمعنى [أي عدد*]، ويشتركان فِي خَمْسَة أُمُور الاسمية والإبهام والافتقار إِلَى التَّمْيِيز وَالْبناء وَلُزُوم التصدير، وأما قول بعضهم في (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)، أبدلت (أن) وصلتها من (كم)، فمردود بأن عامل البدل هو عامل المبدل منه، [فإن*] قدر عامل المبدل منه (يرَوا)، فكم لها الصَّدْر، ولا يعمل فيها ما قبلها، وإن قدر أهلكنا، فلا تسلط له في المعنى على [الْبَدَل*]، [وَالصَّوَاب*]: أن كم مفعول لأهلكنا، والجملة إما معمولة ليروا، على الله [أنه*] علق عن العمل في اللفظ، وأن وصلتها مفعول لأجله، وإما معترضة بين (يروا) وما سد مسد مفعوليه، وهو أن وصلتها. انتهى، وهو أيضا [قصور*].
وحمل ابن عطية أنهم بدلا من كم، وهي خبرية، والرؤية بصرية.
ورده أبو حيان بأن كم مفعول لأهلكنا، ولا يصح غيره، والبدل على نية تكرار القائل ولو سلط أهلكنا على أنهم لم يصح كلامه.
فإن قلت: يتخرج قول ابن عطية على أن كم معمولة ليروا، وليس لها صدر الكلام وهي لغة قليلة، حكاها الأخفش، فيكون أهلكنا صفة لكم، وحذف العائد جائز في الصفة كما هو جائز في الصلة، وإن كان في الصلة أكثر.
قلت: قال ابن هشام المصري: قول ابن عصفور: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا) أن (كَمْ) فاعل مَرْدُود [بِأَن كم لَهَا الصَّدْر]، وقوله: إن ذلك جاء على لغة رديئة حكاها الأخفش عن بعضهم أنه يقول: ملكت كم عبيد [فيخرجها عَن الصدرية*]، وهو خطأ عظيم [إِذْ خرج كَلَام الله سُبْحَانَهُ على هَذِه اللُّغَة*]، وإنما الفاعل على ضمير [اسم*] الله سبحانه، أو ضمير العلم أو الهدى المدلول عليه بالفعل، أَو جملَة (أهلكنا) *]، على القول بأن الفاعل يكون جملة إما مطلقا، أو [بشرط*] كونها مقترنة بما يعلق عن العمل [وَالْفِعْل قلبِي*]، نحو: [ظهر لي أَقَامَ زيد*]، [وجوز*] أبو البقاء كونه [ضمير الإهلاك*]، المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواضع التي يعود فيها الضمير على [الْمُتَأَخر*]. انتهى.
يس 36:32
وذكر أبو حيان عن الفراء: أنه أعمل يروا في الجملتين دون إبدال، قال: [وَقَوْلُهُمْ فِي الْجُمْلَتَيْنِ تَجُوزُ، لِأَنَّ أَنَّهُمْ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ هَذَا الْعَمَلِ.*]، ونقول: إنها جملة في تقدير المفرد، وأما كيفية العمل فبأن يكون كم مفعولا أولا ليروا، إذ أهلكنا صفة حذف منها العائد كما تقدم، وأنهم مفعول ثاني، [**والأذية] على هذا عليه أو يكون (يروا) مطلقا عن العمل [و*] (كم) في موضع المفعول الأول، وأنهم في موضع المفعول الثاني، وهذا إن لم يكن فيه نص، [والعبارة تقتضيه*]. الزمخشري، وفي قراءة [ابن مسعود*] (ألم يروا من أهلكنا)، قال: وهذا مما يردُّ قول أهل الرجعة.
قال الطيبي: هم القائلون بالتقبيح انتهى.
قال شيخنا: خرج البخاري في أول كتابه عن [**الجعفي] وانتقدوا عليه التخريج عنه؛ لأنه فيمن يقول بالرجعة، واختلفوا حينئذ ما معنى القول بالرجعة، قال: ولغيرهم عندي التصالح، وأما هو كقول بعض الخوارج أن عليا رضي الله عنه لم يمت، بل رفع إلى السماء، وهو في السحاب لم يزل حيا.
وقد ذكره ابن السيد في أسئلته في المسألة الثامنة والستين في قول علي رضي الله عنه حين قتل عثمان: [**ألا فإن الله قتله وأنا معه، فذكر ابن السيد أن للناس فيه تأويلات، فقيل: معناه سيقتلني ثقة، وقيل: معناه وأنا] [... ]، وقال: وتأوله [**الجذورية] بما قدره الله علينا، وذكر بعضهم، واعترض تفسير سيقتلني ثقة، وأنكره ذلك في علي رضي الله عنه، انتهى، [ومعنى التناسخ*] عند قائليه هو أن الإنسان يموت وترجع روحه في ذات أخرى، فإذا ماتت تلك الذات أجلت أيضا لذات أخرى، لكن لفظ الإهلاك هنا ما يقتضي أن استدل به الزمخشري إلا بقول بالتناسخ لَا للقول الذي ذكرناه.
وانظر استدلال الزمخشري بقول ابن عباس: بئس القوم نحن إذا أنكحنا نساءه، واقتسمنا ميراثه، فهذا لما يقضي إلا على أنه حي.
وقال الفخر: ويحتمل أن يكون الضمير في أنهم يعود على الأحياء، وفي الخبر يعود على القرون الماضية، انتهى، هو يرد بأنهم منسوبون إلى الأموات.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾
هذا كالاحتراس؛ لأنه لما نفى عنهم الرجوع، قد يتوهم عدم حشرهم [... ]
يس 36:34
وأورد الزمخشري سؤالا قال: كيف أخبر عن (كل) بـ (جميع) [ومعناهما واحد*] مع أن الفارسي نص على أنه لَا يجوز أن [**الذاهبة قاربته صاحبها]، واستشكلوا قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثنَتَينِ)، لأنه يعبر عن ضمير الاثنين بالاثنين، فلا فائدة فيه، وأنشد بعض النَّاس على الفارسي، وقال: إن الجارية مضافة، والإضافة بكونها وفي ثلاثة، فلا تدل إضافة الجارية إليه على أنها ملكه، بل قد تكون جارية، فإما جاء باعتبار الجواز فقط، ثم قال صاحبها: فأفاد أنها ملكه.
وأجاب الزمخشري عن السؤال: بأن لَا يقتضي الجمع بخلاف الجميع، وهذا قد نص عليه ابن عصفور لما ذكر أن كلا لَا يؤكد بها إلا ما [تبعض في نفسه*] إذ يقابله، قال: ولا يؤكد بها ما يستقل بمعنى الكلام بالدلالة عليه، فلا يقال: تقابل الزيدان كلاهما، إذ المفاعلة لَا تكون إلا بين اثنين، قال: بخلاف أجمع فإنها يؤكدها ذلك.
ونقل في الشرح الكبير عن أبي الحسن الأخفش، أنه أجاز أن يقال: تقاتل زيدان كلاهما فناسبا على التأكيد بالجمع بعد التأكيد.
فإن قلت: قد [فرق*] ابن عصفور بين أجمع وجميع، فأجمع لَا تقتضي الجمعية، وجميع تقتضيها، أجيب: بأن ذلك إنما هو في حالة النصب، جاء الزيدان جميعا أي مجتمعين، وأما في الرفع قد فرق بين: جاء الزيدان أجمعون، أو الجميع يصح أن ما قال الزمخشري باطل، وأن جميعا لَا تفيد الجمعية، إلا إذا انتصبت على الحال، فيبق السؤال واردا.
لكن أجاب الفخر عنه بجواب حسن، وهو إذا كان في الخبر زيادة صفة أو إضافة أو تقييد فصح أن يؤتى بلفظ المبتدأ أو معناه كقولك: [الرَّجُلُ رَجُلٌ عَالِمٌ*].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾
عرفها، ونكر الحب والنخيل والأعناب؛ لأن هذه يتجدد شيئا بعد شيء فتكون للتكثير، و (الْعُيُونِ) لما كانت تجري دائما صارت كالشيء الواحد وأخر (الْعُيُونِ) مع أنها سبب في الجنات وأصل لها؛ لأنها علة [غائية*] لَا مقصودة بالذات، بل المقصود بها الجنات، وضمير ثمرة النخيل؛ لأنه اسم جمع مذكر بخلاف (الْعُيُونِ) فإنها مؤنثة أولا، لأن النخيل المراد به الشجر والأعناب إنما المقصود ثمرها فقط، فلا يصح
يس 36:36
عود الضمير على الثمر، فيقال: ليأكلوا من فم الثمر، وأول الآية وعظ وتخويف لعموم النَّاس عوامهم وخواصهم، وهذه تذكير ونظر واستدلال لخواصهم، وأنشد أبو حيان هنا بيتا، وإنما ذكره سيبويه فى باب الضرائر.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾
اعتراض، لأنه تقدم عنها آية بذكر قدرة الله تعالى، وتأخرت عنها آية أخرى، فأتت هذه إنباء بأن فاعل ذلك مستحق للتنزيه.
وقال الفخر: وجه المناسبة أنه تقدمها (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم أَفَلا يَشكُرُونَ)، فحقهم الشكر على هذه النعم، فتركوه وزادوا في الضلال، بأن عبدوا غير الله تعالى، فأتى هذا على معنى التنزيه لله تعالى عما فعلوه، وليس في الآية تعرض لعبادتهم غير الله، بل [**وعزا] (١) فيها على عدم الشكر، ومن يشكر على قسمين: تارة يعبد الله عز وجل، وتارة يعبد غيره.
قال الفخر: واستدل بها من يقول: إن الأعمال ليست من الأرواح ولا من الأنفس، والآية اقتضت حصر المخلوقات [في*] هذين، وأجاب الفخر بالفرق بين قولك: خذ كل المال من العبيد والخدم والعروض، فهو عام مفسر بعض أفراد، وذكرها يكفي عن ذكر الباقي، انتهى، إنما ذلك فيما علم دخوله أو خروجه باتفاق، وأما المختلف فيه والمشكوك فيه، فلا بد فيه من التنصيص على دخوله أو خروجه، والأعمال مختلف فيها، فلو أريد دخولها لنص عليها، ومِن في [(مما تنبت) *]، إما للتبعيض أو لبيان الجنس.
قوله تعالى. (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)
ليست قضية حقيقية؛ لأنه تقدم ذكر النفوس وأزواجها، هي مجهولة لَا تعلم حقيقتها، ولا قضية خارجية؛ لأن بعض المتقدم ذكره موجود في الخارج، ونحن نتصوره ولا نعلمه إذ لم [نره*]، فلم يبق إلا أن تكون بين الحقيقة وهي أخص الوصف، والخارجية الذهنية، وهي أعم الوصف فيكون بينهما، فالمراد به ما هو معلوم الوجود، ولم [نره*] كما نعلم وجود أشياء في الجنة، ولم نرها، بل رأينا نظير تلك الأشياء في الدنيا لكن لَا يتم هذا على قاعدة الزمخشري؛ لأنه يقول: إن الجنة غير مخلوقة الآن.
قوله تعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾
قيل: (النَّهَارَ) زمان [مستقل*] بنفسه، وكذا (اللَّيْلُ)، فليس انسلاخ أحدهما من الآخر أولى من عكسه، أجيب: بأن مذهب أهل السنة أن الضوء ليس من طبيعة الشمس ولا من لوازمها ذهنا، وإمَّا هو أمر عادي خلقها الله تعالى عندها لَا بها. هذا
(١) النص في مفاتيح الغيب هكذا:
"وَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] وَشُكْرُ/ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَهُمْ تَرَكُوهَا وَلَمْ يَقْتَنِعُوا بِالتَّرْكِ بَلْ عَبَدُوا غَيْرَهُ وَأَتَوْا بِالشِّرْكِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ وَغَيْرُهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا فَقَالَ أَوْ نَقُولُ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْآيَاتِ وَلَمْ يَشْكُرُوا بَيَّنَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعَاقِلُ فَقَالَ: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أَوْ نَقُولُ لَمَّا بَيَّنَ الْآيَاتِ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى". اهـ (مفاتيح الغيب. ٢٦/ ٢٧٤)
يس 36:38
مذهب أهل السنة، وإذا كان كذلك ففي الجائز أن تكون الشمس في الأرض، ويبقى ضوئها عاما في الأفق والليل على سطح الأرض، ونحن نرى الضوء بالبعد في الأفق، وكون ذلك لم يقع كذلك هو انسلاخ النهار من الليل؛ لأنه قد كان الليل وسطا وضوء النهار دائر بأفق ذلك الموضع الذي فيه الليل، وقد ذكروا في كتب العينية أن الليل يحدث من ظل الأرض حين كون قرص الشمس تحتها، وأنه شكل مستدير ضوء يرى مخروط ينتهي رأسه إلى فلك عطارد وبه يكون الكسوف، وانظر هل في الآية دليل على أن لَا واسطة بين الليل والنهار؛ خلافا لمن أثبت الفضلة؟ وانظر ما تقدم في سورة آل عمران في قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾
ذكر المفسرون في مستقرها أقوالا، الظاهر منها قولان:
أحدهما: أن مستقرها، يوم القيامة، والثاني: زوالها، حكاه ابن عطية؛ لأن الغاية تكون تابعة لها مخالفا لما قبلها، ويوم القيامة تتقدم فلا يكون لها جري، وكذلك حين الزوال، وأما القول بالطلوع والغروب فلا يستقيم؛ لأنها لَا تقدم ولا تزال تجري.
وقال بعضهم: معناه أن الموضع الذي تطلع منه إذا أكملت الدورة [جارية*] فذلك هو مستقرها، والدورة عندها أربع وعشرون ساعة، فإذا استكملت بين اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة وصلت إلى مستقرها وهو كإنهاء الدورة، وابتدأت دورة أخرى، وانظر كيف يفهم حديث أَبِي ذَرٍّ في الشمس: "حتى يؤذن لها فتسجد تحت العرش مع قواعد المسبحين"، فيحتمل أن تكون الشمس في دورتها بعرض أنها تسلمت جزءا معلوما من الشمس فتسجد حينئذ، أو تقول: إن وافق المدينة لَا إن نشأت دائرته جزءا من العرش، فعندما تقرن الشمس، وتسلمت ذلك الجزء من العرش الصامت لجميع دائرة الأفق فتسجد ولا تزال متناسبة في الفصول؛ لأن الشمس لَا تخرج عن دائرة الأفق، ألا تراه أراد أيما منطقة ذلك البرج، فإن قيل في الجواب: أنها أبدا فيها جزء [ساجد*] كما هي ابتداء طالعة على قوم، وغاربة على آخرين؛ رد بأنه ينافي الحديث؛ لأن ظاهره أنها قيل: لم تكن ساجدة، وانظر كيف يفهم طلوعها من [مغربها بانقلاب*] الفلك بها، فتطلع هي والقمر والنجوم من المغرب؟ وكيف يفهم مع أنها إذا طلعت على قوم تغرب على آخرين، فإذا طلعت من مغربها في قطر تكون في قطر آخر طالعة من مشرقها، فإن أخذنا الحديث على [عمومه*] كان تصادما بعلم الغيب، وقواعد المنجمين، إلا أن نجعله خاصا بقوم، وكيف تطلع الشمس من مغربها في الجزء أو الخالدات حيث يكون ستة أشهر، والليل ستة أشهر، فيحتمل أن يكون ذلك في قومين ففي قوم تطلع على قطرين آخرين، وفي غيره تطلع على أهل القطر الآخر من المغرب، وأجيب في الأول: بأن حركة الشمس يسترها في الفلك من المغرب إلى المشرق، وحركة الفلك بعكسها من المشرق إلى المغرب، وهي تقطعه في سنة، فيمكن أن تسرع هي إذ ذاك في سيرتها حتى تسبق حركة الفلك وتضعف حركة الفلك، حتى تكون أقل من حركتها، فعند ذلك تطلع من المغرب، وهذا ما ورد في بعض الآثار، أن تلك الليلة طويلة بعد، أو نقل أبو عمرو وعثمان الصقلي عن ابن العربي الطائي: أن المراد به طلوع شمس الحياة من مغرب الأبدان، قلت: هذا لَا ينبغي اعتقاده.
وسئل الفقيه المفتي أبو عبد الله ابن السكري، كيف يتقرر الصيام بالنسبة إلى أهل الجزائر والخالدات الذين ليلهم ستة أشهر ونهارهم ستة أشهر، فقال: لعلهم لم تبلغهم الدعوة.
قال بعضهم: على الصواب أن يقال: أن الشمس لاقت جزءا من الفلك الذي هو ثلاثمائة وستون درجة، فإذا عادت إلى محاذاة ذلك الجزء فهي الدورة وبها يحسبون الليل والنهار، وكذلك لو كان زمانهم كله ليلا أو كله نهارا، واعلم أن الشمس بها [... ]. يسمى الفلك الحامل، وذلك آخر يحرك الفلك الحامل من المشرق إلى المغرب يسمى الفلك المدور، وآخر تحركه من الشمال إلى الجنوب يسمى الفلك المائل، وبه فرق الميل الكلي، وهو نقص عند أول الأزمان وهو رصد الشيخ عبد الخالق في عام أحد وسبعين وسبعمائة كحاجب ثلاث وعشرون درجة واثنان وعشرون دقيقة، وفلك آخر خارج عنها حامل لتلك الأفلاك أعلاه يسمى الأوج، وهو الذي به أوج الشمس، وأسفله يسمى الحضيض، وكل كوكب لَا بد له من أربعة أفلاك حامل ومدور ومائل وفلك الأوج، ولذلك وضع أهل العدالة يسمى ذات الخلق، واعلم أنه إذا كان بلد عرضه ستة وستون درجة؛ فالميل فيه أربعة وعشرون، فإذا كان الميل جنوبا؛ فوقت الزوال عند طلوع الشمس وبنفس طلوعها تغرب، وإن كان شماليا؛ كان ارتفاع الزوال خمسين، أو نحوه، فكان النهار طويلا جدا، وإذا تماثل عرض البلدين، واختلف طولهما فأكثرهما طولا تغرب والآخر، وإن اختلف الجمع، فإن كان أحدهما أقل عرضا وأكثر طولا فهو جنوب كمكة، وتونس، وإن كان أكثر عرضا وأقل طولا فهو شمالا.
يس 36:39
قال [... ] في زيجه: انظر حيث تكون مكة في سمت الأرجل ما هي القبلة لأهل ذلك الموضع، والظاهر أنه الخط الخارج من سمت أرجلهم وتصير جهاتهم كلها قبلة، كمن صلى في الكعبة نفسها.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾
أي قدرنا سيره منازلا.
الزمخشري: [ينزل*] منزلة كل ليلة.
ابن عطية: يقطع بعض المنزلة، انتهى.
والصواب: أنه تارة يسرع سيره ويكثره، وتارة يقل، وانتهاء سيره في اليوم خمس عشرة درجة ودقائق؛ أقل سيره إحدى عشرة درجة ودقائق، وذلك بحسب حصته، والمنازل منها كبير وصغير؛ ولكنهم جعلوا لكل منزلة ثلاثة عشر درجة، فإذا سار في اليوم خمس عشر ودقائق يقطع منزلة وسدس الأخرى بتقريب.
قوله تعالى: (كَالْعُرْجُونِ).
الزمخشري: قرئ العِرجون [كالفِرجون*] انتهى، هي جريدة يمشط بها شعر البهيمة.
الزمخشري: لو قال: كل مملوك لي قديم حر، فإنه يعتق عليه؟ قاله عنده بسنة، انتهى، هذا مذهب أبي حنيفة، لأن الزمخشري حنفي، وكلام الفخر فيها يرد على الزمخشري بالفرق بين التبتيل ويريد الوصفية يرجع فيها إلى عرف الاستعمال، فإن لم يوجد عرف نظر فناسب الاجتهاد.
قال شيخنا في مذهبنا: فيها نص إلا أنه يرجع فيها إلى الفرق، كما قلنا في الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ)، راجعة إلى سير القمر لَا للتقدير، لأن تقدير الله تعالى لَا غاية له، ولا انقضاء له بوجه.
قوله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا... (٤٠)
أي يمكن، وهو الإمكان المادي لَا العقلي؛ لأن الله تعالى أراد عدم إدراكها القمر وقدره في الأزل، وهذا هنا مجاز، لأن هذا إنما تقرر فيمن يعقل.
قوله تعالى: (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ).
عبر في الأول بالفعل وبالثاني بالاسم، إشارة إلى أن القمر أسرع سيرا من الشمس، فكأن السبقية والإدراك ملازما له فنفى عنه الملازمة، والشمس أقل سيرا من القمر، فنفى الإدراك عنها بالفعل المقتضي للتجرد.
يس 36:41
قيل: نفى أولا إدراك الشمس للقمر، ونفى ثانيا سبقية الليل للنهار، ولم ينف سبقية القمر للشمس، مع أن هذا هو المطابق للأول؟ أجيب: بأنه إذا كان أحد الشيئين سابقا على الآخر؛ فتعلق طلب المتأخر بينهما، بأن يلحق بالسابق، أكد من تعلق طلب السابق بأن يزيد في مسافة سبقيته مسافة أخرى؛ فلذلك لم يقل: ولا الليل سابق الشمس، ومعنى السبقية والإدراك في هذا أن فلك الشمس غير فلك القمر، فلا بد جعل أحدهما على الآخر، ولا يسبق أحدهما الآخر في جريه؛ فالمراد أن الشمس لا تزداد في جريها حتى تصير تقطع الفلك في أقل من عام، والقمر لَا يزداد جريه حتى يصير يقطع الفلك في أقل من شهر.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾
قال بعضهم: فيه ضمير تقديره وآية هي لهم، لأن الابتداء بالنكرة لَا يصح.
فتعقبه أبو حيان: بأنه إضمار ما لَا فائدة فيه.
ونص ابن عصفور في زيد قائم؛ أنه لَا يجوز أن تقول: التقدير زيد هو قائم إذ لا فائدة فيه، وهو خلاف ما يقول المنطقيون، فالرابطة أنها لابد من تقديرها.
ابن هشام: [الْجِهَة الْعَاشِرَة*] إخراج الكلام على خلاف الأصل، أو على خلاف الظاهر [لغير مُقْتَض كَقَوْل مكي فِي ﴿تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي﴾ الْآيَة إِن الْكَاف نعت لمصدر مَحْذُوف أَي إبطالا كَالَّذي وَيلْزمهُ أَن يقدر إبطالا كإبطال إِنْفَاق الَّذِي ينْفق وَالْوَجْه أَن يكون كَالَّذي حَالا من الْوَاو أَي لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ مشبهين الَّذِي ينْفق فَهَذَا الْوَجْه لَا حذف فِيهِ*]، [وقول*] بعض العصريين في قول ابن الحاجب: الكلمة هي لفظ [أَصله الْكَلِمَة هِيَ لفظ*].
ومثله قول ابن عصفور في شرح الجمل: إنه يجوز في زيد هو [الفاصل أن [يحذف*] مع قوله وقول غيره: إنه يجوز حذف [العائد*] [فِي نَحْو جَاءَ*] الذي هو في الدار]، لأنه لَا دليل حينئذ عليه.
قوله تعالى: (أَنَّا حَمَلْنَا).
يؤخذ جواز أن يقال: إن الله حمل فلانا، ومثله في الحديث: "لم أحملكم عليه، ولكن الله حملكم"، وامتنع النووي رحمه الله تعالى من إطلاق ذلك.
قال ابن الخطيبفوقَ الماء إنما هو بالفاعل المختار*].
قوله تعالى: ﴿مِنْ مِ: وفي الآية حجة على [الطبائعيين*] القائلين: بأن الجرم الثقيل بطبعه [ينزل*] إلى أسفل فترى [السفن*] ثقيلا، وهو بطبعه يصعد إلى فوق (١)، انتهى، هذا أمر قد شاهدوه، ولهم أن يجيبوا عنه بأن ذلك مع عدم [التعارض*]، وهنا عارض طبع الثقل طبع الهوى، [رُدَّ بإثباته، فَتَعَيَّنَ أنّ حفظَ الثّقيل ثْلِهِ... (٤٢)﴾
(مِن) لبيان الجنس.
(١) النص في مفاتيح الغيب هكذا:
"قَوْلُهُ: الْمَشْحُونِ يُفِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَهِيَ أَنَّ الْآدَمِيَّ يَرْسُبُ فِي الْمَاءِ وَيَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ فِي الْفُلْكِ وَاقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَنْ يَقُولُ الْخَفِيفُ لَا يَرْسُبُ فِي الْمَاءِ، لِأَنَّ الْخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقَالَ: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أَثْقَلُ مِنَ الثِّقَالِ الَّتِي تَرْسُبُ، وَمَعَ هَذَا حَمَلَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الْخَلَاءِ نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى جَوَازِ الْخَلَاءِ فِي الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الْمَاءِ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ". اهـ (مفاتيح الغيب. ٢٦/ ٢٨٤)
يس 36:43
قوله تعالى: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾
أي لَا مغيث ولا مستغيث وهو أبلغ؛ أي لم يبق لهم قدرة على الاستغاثة.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾
هذا استثناء يعقب جملا، وهو تفرقهم (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ)، ثلاث جمل.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
أجمعوا على أن التوبة من الكفر [مقطوع*] بقبولها، فالترجي ليس على بابه، وأيضا فهو من الله تعالى [واجب*] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
إما من كلام الله أو من كلامهم.
قوله تعالى: ﴿الْوَعْدُ... (٤٨)﴾
جعله ابن عطية بمعنى الوعيد، ويحتمل كونه على بابه على سبيل التهكم بهم. أي متى يحل بكم الخير الذي أنتم تنتظرونه من هلاكنا ونجاتكم وعذابنا ونعيمكم.
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ... (٥٠)﴾
الفاء للتسبيب، وهذا تتمة وتكميل لما قبلها؛ لأنه لَا يلزم من عجزهم بالصحة عن الخصومة عجزهم بها عن الوصية لأنها أخف.
قوله تعالى: ﴿الْأَرَائِكِ... (٥٦)﴾
الزمخشري: جمع أريكة، [وهو السرير في الحجلة*]، [وقيل: الفراش فيها*].
الطيبي: هي البيت المزينة؛ كبيت العروس انتهى.
الذي ذكره الثعلبي في فقه اللغة في الألفاظ الغريبة، قال: الكأس لَا يسمى كأسا، إلا إذا كان فيه الشراب، والمائدة لَا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها الطعام، وإلا فهو خوان، [والأريكة*] لَا تسمى كذلك إلا إذا كانت عليها الحجلة، فدل على أن الحجلة هي [الفُرُش*].
قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا﴾
الأصل تقدم النداء على الأمر، لكنه قدم الأمر هنا؛ لأن في النداء إقبالا على المنادى فبدأ بالأمر؛ لأن المقام مقام خزي لهم، وتبكيت وإعراض عنهم.
(١) في المطبوع النص هكذا:
"فهو من الله تعالى راجع ورسوله فهو واجب". اهـ
يس 36:60
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾
بدأ بالاستفهام، إما لأن له صدر الكلام أو لما ذكر قبل، وقال (يَا بَنِي آدَمَ)، ولم يقل: يا أيها النَّاس، إما إشارة إلى يوم [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ*]، أو لدخولهم في دعوة آدم عليه السلام إلى الإيمان.
وقال ابن عطية والفخر: العهد إما يوم [أَلَسْتُ*] أو على ألسنة الرسل.
قال الزمخشري: [ما ركزه فيهم من أدلة العقل*] يناسبهم على وجوب النظر عقلا.
قوله تعالى: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ).
إما حقيقة، لأن الشيطان في الأصنام، أو بمجاز باعتبار قبول وسوسته، وقدم النهي على الأمر، لأن اجتناب المنهي عنه [أولى من*] فعل المأمور به.
قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾
نسب الكلام إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل، وفي سورة النور (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ)، وفي فصلت (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ)، انظر الفخر، وأضاف الكلام إليه دون الشهادة مع أنها أشرف، فلم يقل: وشهد لنا، أو عندنا، وتقدم كلام الأيدي على شهادة الأرجل، وجواب الأول: أنه لو قال: لنا؛ لتوهم النفع بالشهادة، ولو قال: عندنا؛ لطال الكلام دون فائدة، وجواب الثاني: أن الأيدي أشرف من الأرجل، ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل؛ أي: تكلمنا أيديهم وتشهد، وتكلمنا أرجلهم وتشهد.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا﴾
فيه سؤال، وهو أن [الجملة الفعلية*] إذا أريد أن يرتب عليها مستبعد الوقوع، فإنما يؤتى فيه بمسببها لَا بنقيض سببها، فتقول: زيد فقير، فكيف يتصرف، وزيد عاجز فكيف يجاهد، ولا تقول: زيد فقير فكيف يستغني، ولا زيد عاجز فكيف يقدر وزاد هذا في الآية إن كان يقال: فأنى تبصرون، وما هو إلا كالتكرار؟ والجواب: أن الطمس على الأعين سبب في عدم الإبصار، وعدم الإبصار سبب في عدم الاهتداء، فقوله تعالى: (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)، سبب عن ما ترتب هو عليه، وهو الطمس، وهو منطو على سبب في ضمنه، وهو الاهتداء؛ لكن [يبقى*] السؤال لم عدل عن ترتيب المسبب الثاني، وهو الاهتداء على الطمس إلى المسبب الأول؟ فيجاب عنه: بأنه لو قيل: فأنى يهتدون؛ لتوهم أن لهم أبصارا ضعفا لم توصلهم إلى الاهتداء؛ فأفاد هذا
يس 36:67
أنهم لَا يبصرون شيئا ألبتَّة لَا قليلا ولا كثيرا؛ فيستلزم أنهم لَا يهتدون ألبتَّة من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾
يحتمل حقيقة فلا يستطيعون زوالا عن ذلك المسخ، وانتقالا إلى حالهم الأول، وأما المسخ بأنهم أقعدوا ومنعوا عن القيام؛ فلا يستطيعون مضيا ولا رجوعا إلى حالتهم الأولى بوجه.
فإن قلت: قد قال السكاكي: في مفعول شاء أنه يحذف ولا يذكر إلا إذا كان مستغربا لقوله:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته
وهذا مستغرب فهل ذكره؟ فالجواب: أن الفاعل هو الله تعالى، ولا يستغرب إلا ما ينسب إلى المخلوق، وأما الخالق فليس شيء عنده بغريب أصلا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
قيل: معناه وما ينبغي له أن يقوله، وقد ورد بأنه قد قال: "أنا النبي لَا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، وورد في القرآن (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)، (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى) الآية، وأجيب: بأن ذلك غير مقصود الوزن والتقفية، وشرط كونه شعرا القصد لذلك.
قال شيخنا: وهذا مما ينازع فيه الخصم، فنقول لعله قصد ذلك، وإنما الجواب: أن المعنى وما ينبغي له تعلمه، فهو وإن قاله فإنما قاله اتفاقيا من غير تعلم، وهذا مشاهد من أرباب الصنائع، أن الرامي قد يصيب الغرض في ابتداء تعلمه اتفاقيا.
كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقد سئل عن عجوز باعت واشترت على سبيل الصواب، هل يعطيها مالها، أم لَا؟ فقال: رب رمية من غير رام.
وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: المعنى وما ينبغي له أن [يتعاطى*] ما لَا علمه الله.
يس 36:70
قال شيخنا: وإما بلغ من الشعر خوفا أن يظن أن القرآن ما اشتمل عليه من البلاغة من صاغه، وإنما المذموم الإكثار من الشعر، وقد ذكر المبرد في أول كتابه الكامل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: [علّموا أولادكم العوم والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا، وروّوهم ما يجمل من الشعر*]
قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾
أي قابلا للحياة التي هي الإيمان بالفعل لَا تحصيل الحاصل.
قوله تعالى: (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ).
أي الوعد.
قوله تعالى: ﴿أَيْدِينَا... (٧١)﴾
جمعها هنا وأفردها في آية أخرى، إشارة إلى أن المراد مجازها، وهو القدرة لا حقيقتها حسبما تقدر في أصول الدين.
قوله تعالى: ﴿رَكُوبُهُمْ... (٧٢)﴾
عبر عن الركوب بالاسم، لأنه دائم، وعن الأكل بالفعل، لأنه غير دائم؛ لأنهم قد يأكلون من غيرها، وأما الركوب فلا يركبون إلا من الأنعام المذكورة.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾
إخبار عنهم أنهم زادوا مع عدم شكرهم عبادتهم غير الله.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ... (٧٥)﴾
مصدر مضاف إما للفاعل أو للمفعول، والضمير عائد عليهم أو على الأصنام؛ أي لا يستطيعون هم نصر آلهتهم، أو أن آلهتهم لَا يستطيعون نصرهم؛ هذا على أنه مضاف للمفعول، وتقدير إضافته للفاعل؛ أي لَا تستطيع آلهتهم النصر الذي نسبوه إليهم في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾
ونسبة هذا الفعل إلى القول مجاز.
قوله تعالى: (إِنَّا نَعْلَمُ).
قرئ بكسر إن وفتحها.
يس 36:77
وأورد الزمخشري: سؤالا على قراءة الفتح، وهو لزوم الكفر لاقتضائه أنه عليه الصلاة والسلام حزن لأجل علم الله تعالى بسرهم وعلانيتهم، وأجاب: بأن إنا بدل من قولهم، أو تعليل للأول، فيكون تعليلا لنفي الحزن لَا نفي حزن معلل، قيل: أو يجاب: بأنه تعليل باعتبار لازمه؛ لأن لازم علم الله تعالى سرهم وعلانيتهم، مدخلا في الحزن أم لَا؟ فإن لم يكن له مدخل فيه فباطل، لأنه يلزم عليه اعتبار لازم اللفظ دون ملزومه، ولا قائل إذ لَا يصح استعمال اللفظ دون ملزومه بوجه، وإن كان له مدخل لزم أنه يحزن بعلم الله تعالى وهو كفر.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾
المراد إما الجنس، أو أجل معين، ونرجحه.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾
والخلق إن أريد به الكامل حسا ومعنى وذاتا [وصفة*]؛ [فالمنشآت*] حقيقة، وإن أريد به لمجرد تكوينه من النطفة [فمجاز*]؛ لأنه لَا يصير خصما إلا بعد ذلك بزمان طويل، وإذا الفجائية معناها الحال لَا الاستقبال، وهي عند الزجاج ظرف زمان.
واختاره الزمخشري، وزعم أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، قال في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)، أي [فاجأكم*] الخروج في ذلك الوقت ولا يعرف هذا لغيره؛ وإنما [ناصب*] عندهم الخبر الملفوظ به، أو المقدر في نحو: فإذا الأسد، أي حاضر، وإن قدرت أنها الخبر فعاملها مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به، وهي عند الأخفش [**يعرف]، واختاره ابن مالك، وعند المبرد ظرف مكان.
واختاره ابن عصفور، وفي الآية سؤال، وهو أن سبب نزولها أن بعض الكفار أنكر الإعادة ورفع عظما رميما في يده، وقال: محال أن يرجع هذا كما كان، فما أنكر واستبعد، إلا إيجاد المعدوم، فهلا قيل (أَوَلَم يَرَ الإِنْسَانُ أَنا خَلَقنَاهُ)، بعد أن لم يكن، كما قال تعالى في سورة مريم (وَلَم يَكُ شيئًا)؟ وجوابه: أنه قصد الاستدلال على الإيجاد عن عدم سابق مع التعرض لتحقير المعاند في ذلك، وأن أصله نطفة فأنتجت الآية صحة إمكان الإعادة؛ وهذا دليل على أنهم أنكروا مكانها وصحتها لَا وقوعها بالفعل، وهو كفر، [وهذا لنفيهم عن*] الله تعالى صفة القدرة على ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾
يس 36:81
قال أبو الإصبغ: المذهب الكلامي الاحتجاج على المقصود بحجة عقلية؛ لأنه من علم الكلام، وهو إثبات أصول الدين بالبراهين ونسبت تسميته إلى الجاحظ.
وزعم ابن المعز أنه لَا يؤخذ في القرآن، وهو محشو به، ومنه قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَومُهُ)، إلى قوله تعالى: (وَتِلكَ حُجتُنَا).
وقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ... (٨١)
وقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، وقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، وتقدير القياس من [الشكل الأول*] أن يقال: الحادث منتقلٌ من حالة إلى ضدها، وكل منتقل من حالة إلى ضدها يمكن إيجاده بعد إعدامه، فالحادث يمكن إعادته الصغرى ضرورية، وبيان الكبرى أن أصل وجود الحادث من عدم وبأمر جزئي، وهو خروج نار الزناد من الشجر الأخضر الرطب، وليس هذا [بقياس تمثيلي*]؛ لأنه لَا ينتج إلا الظن، وهذا قطعي ولعدم شروطه هنا.
قوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي).
هو انتقال بين الدليل بما يتعلق بنفس المخاطب إلى دليل خارج عنه، وانتقال من دليل جلي إلى أجلى منه؛ وهو الأرتب في الاستدلال، وتقرير المعطوف عليه اتصف بالعجز [**وليس الذي]، وقال: [** (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)، فخاطبهم على سبيل التكلم]، وهنا على سبيل الغيبة، ولم يقل: أولسنا، وجوابه: أن الخطاب [لجزء*] معين، وهم كفار قريش والتكلم مناسب [للجزء*]، والخطاب هنا لجميع النَّاس فناسب الغيبة.
فإِن قلت: هلا قيل: قادر على أن يعيدهم لأنهم إنما أنكروا إيجاده المعدوم لإيجاد مثله، فالجواب: أنه تقرر في علم أصول الدين أن المثل مساو لمماثله في الحكم؛ فإذا استويا في الحكم فالقادر على المثل قادر على تماثله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾
يس 36:83
اقتضت (إنما) حصر الأمر في مضمون القضية الشرطية لَا حصر الإرادة وحدها، والخطاب بـ (كن) إما للمعدوم على تقدير وجوده، بناء على أن شيئا يطلق على المعدوم، أو خوطب حالة إيجاده لَا قبل؛ لأنه معدوم، ولا بعد لأنه تحصيل الحاصل.
قوله تعالى: ﴿مَلَكُوتُ... (٨٣)﴾
قال ناصر الدين البيضاوي في خطبة كتابه: "المطلع على مشاهدات الملك ومغيبات الملكوت": فجعل الملك راجعا إلى العلم بظواهر الأمور، والملكوت راجعا إلى العلم بخفياتها.
وقال الزمخشري: الملكوت هو الملك العظيم.
وفرق القرافي بينهما بما أشار إليه البيضاوي.
* * *
الصافات 37:1
سُورَةُ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا)
قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾
قيل: الملائكة صافات أقدامها وأجنحتها في الهوى، وقيل: الطير، وقيل: العلماء العمال يصفون أقدامهم في التهجد.
الزمخشري: وقيل: الغزاة في سبيل الله تعالى التي تصف الصفوف، وتجرد الخيل للجهاد، وتتلوا الذكر مع ذلك، لأنه لَا يشغلها عنه شاغل، كما يحكى عن علي.
قال الطيبي: إن عليا رضي الله عنه كان يمشي بين الصفوف وسيفه يقطر دما، ولا يفتر عن خطبته.
قال ابن عرفة: إنما [مراده*] ما في الحديث الصحيح أن عليا رضي الله عنه في [حديث "أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا"*] مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. ، قال: والاصطفاف هو كون الكتائب على خط مستقيم، وهل يشترط مع ذلك تلاصقها، ومقاومتهما إلى مجرد كونها على خط، وإن تباعد بعضها عن بعض، وهكذا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ).
قال ابن عرفة: وهذه المعطوفات، قيل: إن عطفها ترق، وقيل: إنه بدل، والصواب أنه ترق؛ لأن الاصطفاف يكون من الجماد وغيره، وهو قاصر غير متعد للغير، والفعل المتعدي أقوى من القاصر مع أن الزجر يكون في الخير والشر، فقد يزجر الإنسان غيره عن الخير، وقد يزجره عن الشر، بخلاف تلاوة الذكر؛ فإنه مجرد طاعة فمتعلقه ذات الخالق وصفاته، وهو بالضرورة أشرف وأبين، وإذا جعلته ترقيا كان عطفها تأسيسا، وإن كان تدليا كان العطف تأكيدا.
قال: وحكى الفخر في المعالم الخلاف هل الملائكة أفضل من البشر، أو لَا؟ وحكى في الأربعين والمحصل هل الملائكة بالإطلاق أفضل من الأنبياء أم لَا؟
قال الزمخشري: والعطف بالفاء إما على الترتيب في الوجود، كقوله:
[يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ؍ الصَّابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ*]؍
كأنه قيل: الذي صبح [فغنم فآب*].
ابن عرفة: صوابه الذي [**ورد اسم الفعل] اسم الفاعل عنه، وذكروا منه، أيفع الكلام فهو يافع، وأورش الشجر فهو وارش؛ بخلاف صبح فلم ترد فيه صابح.
الصافات 37:4
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾
الإله هو المستغني بذاته المفتقر غيره إليه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾
التزيين هو زيادة وصف في الماهية بعد كمالها، يوجب حسنها احترازا من زيادتها قبل كمالها، فإنه ليس بتزيين.
قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾
قال الزمخشري: المارد الخارج عن الطاعة، [المتملس*] منها.
وقال ابن عطية: [المارد» المتجرد للشر، ومنه شجرة مرداء لا ورق عليها*].
قال ابن عرفة: المارد هو القوي؛ فيحتمل أن يرجع إلى [قوة نفسه*]، وإلى قوته على التخيل، وإن كان في نفسه ضعيفا؛ فإن رجع إلى قوة نفسه فحفظ السماء من يستلزم حفظها من دونه من باب أحرى، وإن رجع إلى قوته إلى التخيل مما يلزم حفظ السماء منه، حفظها ممن لَا يقدر على التخيل، وإن كان في ذاته قويا هذا ينبنى على الخلاف في السماء، هل هي الآن محفوظة من جميع الشياطين، المارد، وغيره، أو من المردة فقط.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾
قال ابن عرفة: قالوا: الجملة الثالثة تارة تكون مفسرة لما قبلها، كقولك: أخذ زيد يثني على عمرو، قال: كذا وكذا، وتارة تكون أجنبية، كقولك: خطب زيد، وقال: كذا وكذا، وهذه تحتمل الأمرين، وأتت على المعنى الثاني؛ لأن قبلها (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ).
قوله تعالى: (يَتَسَاءَلُونَ).
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: السؤال طلب [قال صاحب الجمل*]. الكلام: إن دل على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا، ومع الخضوع دعاء، ومسألة، [ومع*] التساوي التماثل، قال: والجملة الثانية مفسرة له، فيلزم [أحد*] أمرين: إما تغيير الشيء بنقيضه؛ لأن الثانية خبرية؛ أو إبطال ما قاله [صاحب الجمل*]، وأجيب: بأن السؤال هنا المراد به التوبيخ، وليس بسؤال حقيقة، وقد قال المفسرون فى قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ).
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾
الصافات 37:55
زاد هنا عظاما وأسقطها في سورة (ق)، فقال تعالى (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ).
فأجاب بعضهم: بأن هذا كلام ابتدأ به المسلم، فقال (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا)، [نحيا ونُبعث*]؛ فأنكر ذلك عليه [قومُه*]، وأعاد كلامه على ما هو عليه بأداة الإنكار، والمسلَّم كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عظام بني آدم كلها تفنى إلا [عَجْب الذَّنَب*]، وهو قُدِّر بغرز إبرة؛ فلذلك قال: (عِظَامًا) في سورة (ق) حكاية عن كلام كافر ابتدأ من غير أن يتقدمه شيء.
قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾
قال المفسرون: إنما عرفه بعد مدة طويلة.
ابن عرفة: عادتهم يقولون: العطف بالفاء يقتضي التعقيب، وأجابوا: بأنه دله ولم يعرفه، ثم عرفه بعد مدة طويلة؛ كما تنظر صاحبك في السجن، فقد تبدلت سجيَّته وتغيرت حاله؛ فما تعرفه إلا بعد التأمل، وتكرار النظر.
قوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾
كان بعضهم يقول: هذا دليل على [أن*] القياس التمثيلي المستعمل في الكلام؛ لأن المعنى قاربت أن ترديني على مثل دينك؛ وقد نزل بك العذاب؛ فكان يترك في مثل ما نزل بك؛ والقسم بالتاء للتعجب.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾
أي: شاملة لنا.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى... (٥٩)﴾
ابن عرفة: ظاهر الآية يقتضي ما قال المفسرون. لأن الاستفهام بمعنى التقرير [يصير*] المنفي مثبتا، والمثبت منفيا، مثل (أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ)، فيقتضي إثبات الموت والعذاب؛ أي نحن ميتون غير الموت الأول ومعذبون، وليس المراد [ذلك*]، فلا بد من إضمار، بل المعنى: نحن مبعوثون غير ميتين غير الموت الأول ومعذبون، فلم تدخل أداة الإنكار على المنفي، بل على مثبته، ونفي العذاب يستلزم [نفي الإعادة*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾
الصافات 37:65
هذا تعليل لكونها مثبته لَا سيما إن كانت جعل بمعنى خلق، وفيه إبطال للقول بوجوب مراعاة الأصلح.
فإِن قلت: هلا قال: إنها شجرة تنبت في أصل الجحيم.
قلنا: عادتهم يجيبون: بأن النبات فيه إشعار بالماء والتراب؛ وهو أقرب للمعجزة؛ لأنه نبات أخضر رطب فيما يناقضه وهو النار.
قال ابن عرفة: وهذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع؛ فتكون على جهة من جهات جهنم فيها شجرة، أو تكون واحدة بالشخص.
قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾
الزمخشري: هذا استعارة إما لفظية أو معنوية.
قال الطيبي: اللفظية جعلك الشيء نفس الشيء وليس به، وهو أن يطلق اسم المشبه على [المشبه به*] [من غير أداة تشبيه*]، مثل: رأيت أسدا تريد رجلا كالأسد، والمعنوية جعلك الشيء للشيء وليس له، كقولك: إذا أصبحت بيد الشمال زمامها فهذا مدع أن للريح الشمال يدا، وللسحاب [زماما*]، وأيضا خفى الأول بحسن الرجوع للتشبيه، فيقال: رأيت رجلا كالأسد، وفي الثاني لَا يحسن ذلك، فقال: [... ] أما اللفظية فهي أن المطلع موضوع لحمل الشجرة مع قصد أن تكون نخلة باستعمال هنا غيرها، كالرسن، فإنه موضوع للأنف بشرط أن يكون فيه رسن، فإِذا استعمل في أنف الإنسان كان مجازا لفظيا، وللمعنوي هو أن يشبه حمل تلك الشجرة بالطلع الحقيقي تشبيها بليغا، ثم يطلق على ذلك الحمل اسم الطلع؛ فاستعير لحمل شجرة الزقوم اسم الطلع، وشبهه برءوس الشياطين، وفي المرئي بينهم بالقول.
كقول امرئ القيس:
أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي؍ وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ؍
ولم تر الغول ولا أنيابها.
فهذا حاصله.
قال ابن عرفة: وعادتهم يقررونه قبل وصول كتاب، الطيبي لنا: بأن الاستعارة على ما قال ابن مالك في استعمال اللفظ في غير موضوعه؛ كضرب من التأويل؛
الصافات 37:66
فاللفظية هي استعمال اللفظ مطلقا من غير استحضار لثبوت المعنى المجازي فيه ولا نفيه، والمعنوي إطلاق اللفظ مستحضرا فيه المعنى المجازي. كإطلاق لفظ الأسد على الرجل، فتارة يطلقه عليه غافلا عن معنى الشجاعة، وكتسمية [رجلٍ*] بكلب مع الغفلة عن استحضار صفة الذم فيه؛ فإنه لَا يكون ذما؛ فهي استعارة لفظية، وإذ أطلقت لفظ الأسد على الرجل الشجاع مستحضرا عنه المعنى الذي لأجله أطلقته عليه؛ كان استعارة معنوية، وكذلك لفظ كلب على رجل تريد به الذم، قال: وكانوا يتلونه عن مستعير فرسا طريا، وآخر يستعيرها بسرحها، ولجامها، وجهازها كله.
قوله تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾
ولم يقل: بطونهم مع أنه الأصل.
قال: وكان يجيبون: بأنه إشارة إلى واحد منهم، فملأ منها بطنه بالفعل وبطن ولده، ومن يعز عليه بالحض على الأكل منها ظانا أنها تنفعه وتنفعهم؛ فيريدون عذابا ومضرة.
قوله تعالى: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾
قال ابن عرفة: الأصل كان بعجزهم ما ينافي الألوهية من القدرة والإرادة، وأما الأكل، [فالإله*] غني عنه لَا يحتاج إليه، ثم أجاب: بأنه أتاهم على وفق دعواهم؛ لأنهم يتقربون إليهم بالذبائح يذبحونها ويعتقدون أنها تأكل.
قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾
لما خاطبهم فلم يجيبوه، قال (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ).
قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾
ابن عرفة: الصبر استحضار المؤلم وعدم التأثر له على تركه، والعفو استحضاره وعدم [الالتفات*] إليه؛ [وهذا*] أعلاها. قوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ).
وقال [قبله*] (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).
الصافات 37:112
قال صاحب البرهان: لما تقدمها (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا)، وهو أمر حسي يقتضي العلو والارتفاع، قابله بنقيضه حسا، فقال (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ)، بخلاف قوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)، فإن الكيد أمر معنوي فقابله بالمعنوي.
قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾
ابن عرفة: [الحاكم إذا حكم بحكم مستدلا له، [قرينة*] على أن الحكم مختلف فيه، ولو كان مجمعا عليه لما احتاج إلى استدلال على صحته.
وقال الفخر في أجزاء المعالم اللدنية: الدليل على أن النبي أفضل من الولي وأشرف؛ أن النبي كامل مكمل، والولي كامل فقط؛ فإن الكامل المكمل أشرف. الثاني: أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " [مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَا غَرَبَتْ، عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ*] "، فقوله: "بَعْدَ النَّبِيِّينَ"، دليل على أن النبي أشرف، وهذا لم يخالف فيه أحد.
قيل له: لعل بعض الملاحدة أو المبتدعة خالف فيه، فقال قوله تعالى: (مِنَ الصَّالِحِينَ)، قد يتوهم منه ذلك، ولولا ذلك لما كان لذكره بعد النبوة [فائدة*].
قال: وعادتهم يجيبون عنه: أن النعت تارة يكون مرادا به الثناء، وهذا يكون فيه الثاني أعلى من الأول، وتارة يراد به حقيقة ذلك الوصف، كقوله تعالى: (أَعْلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ)، وكوصفك طعاما طيبا بأنه [حسن*]، وتارة تصفه بأنه قبيح، [فهذا لحقيقة ذلك الوصف*]؛ فهو إشارة إلى أنه ممن يستحق أن يوصف بتلك الصفة.
وأجاب بعض الطلبة: بأن ذكر الصالحين تنبيه على إبراهيم لمطلوب، لقوله (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، أو يكون الصلاح مقولا بالتشكيك؛ وصلاح النبي أعلى من صلاح الولي.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾
هي زوجته، [ولوط*] هو ابن أخت إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقيل: ابن أخيه.
ابن عرفة: ولا يبعد أن يكون جمع الأمرين؛ فيكون أخوه من أبيه تزوج أخته من أمه؛ [فولد*] له لوطا عليه السلام.
الصافات 37:137
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ... (١٣٨)﴾
الأصل تقديم الليل؛ لأن العرب تؤرخ بالليل؛ لكن إنما قدم الصباح لكي ينظروا ويتأملوا من مواضعهم، فإِذا مروا عليهم بالليل تذكروا، [وما*] كانوا نظروا بالنهار.
قلت: أو لأن مرورهم بالنهار أكثر، وتأكيد بـ إن مثل:
جاءَ شقيقٌ عارضًا رُمْحَه؍ إِن بني عَمِّكَ فيهم رِمَاحُ؍
لأن حالتهم في الغفلة وعدم التذكر والاعتبار شيهة بحالة من لم تمر عليهم؛ ولا نظر لمساكنهم ولا لمصرعهم؛ فهو من نفي اللازم لنفي ملزومه فلذلك أخره.
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾
قال ابن عرفة: قال الفقيه أبو عبد الله محمد بن نزار: يوم جمعة في الكتبيين: أبِق بكسر الباء فأنكرتها عليه وأنا صغير؛ فاحتشم مني ثم أتاني في الجمعة الأخرى بصحاح الجوهري ضبطها بالفتح والكسر والفتح أشهره.
وقال الثعالبي: من فقه اللغة أن يقال: أبق إلى كذا، ولا يقال: أبق بالإطلاق، وإنما يقال مقيدا.
ص 38:1
سُورَةُ (ص)
قال ابن عطية (١): هو مفتاح أسماء الله تعالى، (ص) صادق الوعد صانع المصنوعات.
ابن عرفة: أسماء الله تعالى توقيفية؛ ولذلك استشكل النَّاس قول أصول الدين بأن الدليل على وحدانية الصانع إلا أنه يريد في القرآن معناه، ورد في القرآن في سورة الأحزاب (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، وفي سورة النمل (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).
قوله تعالى: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)
ذكروا فيه تأويلات.
قال ابن عرفة: ويحتمل عندي والقرآن المذكور على ألسنة الخلق إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فهو المعرف بالذكر الدائم بخلاف غيره من الكتب؛ فإنه لم يبق مذكورا لما وقع فيه من التغيير.
قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾
كان بعض الطلبة يورد على هذا قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزةَ فَلِلَّهِ الْعِزةُ جَمِيعًا)، وأجيب: بأن العزة المختصة بالله بمعنى الرفعة والعلو، والعزة المسندة للكافرين هي بمعنى الممانعة [والتعنت*].
قال: والفرق بين العزة والشقاق؛ أن العزة مانعة فقط، والشقاق [ممانعةٌ مع*] ومكابرة ومجاهرة بالسوء، قال: ومن كلامهم [من عزَّ بزَّ*] أي من غلب سلب.
قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾
ابن عرفة: لما تقدم التنبيه على إنعاتهم بالعزة والمكابرة، عقبه ببيان غفلتهم عن فعل مثل فعلهم نزل به العذاب والهلاك.
قوله تعالى: (فَنَادَوْا).
هذا يرد فيه ما أورد ابن عصفور في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا)، لأن النداء سابق على الإهلاك، كما أن مجيء البأس سابق أيضا عليه، والجواب كالجواب: إما أردنا إهلاكهم فنادوا، ويرد عليه ما قال [ابن هشام المصري*]: من أن الإرادة قديمة تقتضي التعقيب؛ فيلزم إما قدم العالم أو حدوث
ص 38:4
الإرادة، وإما أن يجاب بأن الإهلاك نزل أولا ببعضهم، وهم رؤساؤهم، فنادى الأتباع (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)، مستغيثين؛ أي لَا مخلص لهم؛ فلم ينفعهم ذلك، والمناص المخلص والمنجا والفرار.
قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾
الضمير عائد على قوله تعالى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لأن المتعجبين ليس هم السابقة؛ بل المعاصرون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ).
أتى بالفاعل ظاهرا غير مضمر؛ والأصل أن يقول: فقالوا؛ لأن خبر المبتدأ تارة يكون عاما صالحا لكل واحدة، وتارة يكون خاصا لَا يصح إلا لذلك المبتدأ.
قوله تعالى: (وَعَجِبُوا).
العجب يصلح أن يقع من كل أحد فأتى بفاعله مضمرا، وقوله تعالى: (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، كلام [مختلق*] لَا يصح أن ينسب لإلههم، وقولهم: (كَذَّابٌ)؛ إما أن يريدوا أنه كاذب في سحره، أو أنه عالم بالسحر كذاب في أموره على العموم، قيل له: لعل عندهم ساحر في شيء كذاب في شيء، كما قال تعالى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)، وعطف العجب هنا [بالواو*]، وفي (ق) بالفاء؛ لأن التعجب بالقول سبب على التعجب بالفعل، كقوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، بخلاف السحر والكذب؛ فإنه غير مسبب عن التعجب بالفعل.
قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾
هم الأشراف، الأصوب تعلق (منهم) بالملأ لَا بـ (انطلق) يشعر بأنهم أشراف فقط، وتعلقه بـ[(انطلق) *] يشعر بأنهم أشرافهم؛ وإن كان في غيرهم من هو أشرف منهم.
قلت: جعله عكس ما قاله البصريون في إضافة الصفة المشبهة؛ أنه في معنى الحسن الوجه.
وقال الكوفيون: إنه في معنى الحسن وجهه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾
ص 38:26
قال ابن عرفة: إن قلت: ما فائدة تأكيده بـ إنَّ والمخاطب به غير منكر له؟ قلنا: هو مستغفر، والمستغفر عادته أن يتمنى مطلوبه ويستبعد الزيادة على مطلوبه من الإحسان والإنعام، فذلك أكده بـ إنَّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾
وقال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فقدم المجرور على خليفة، فأجيب بوجهين:
الأول: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون: بأن أحد أسباب التقديم الشرف، وكان آدم عليه الصلاة والسلام حينئذ معدوما والأرض موجودة، والوجود أشرف من العدم، وأما هنا فالمخاطب داود عليه الصلاة والسلام وهو موجود، وهو أشرف من الأرض بالضرورة.
الثاني: قال بعض الطلبة: هذه الآية في معرض التشريف لداود عليه الصلاة والسلام تقدم فيها ما يقتضي التشريف وهو الخلافة، وآية البقرة خرجت مخرج الاعتناء بالأرض، فجعل [الخلافة*] الموجبة لإزالة الفساد عنها، وتغيير المناكر.
قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
ابن عرفة: انظر ما أشد هل هذه أو آية العقود في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فقالوا: تلك أشد لأنهم توعدوا على عدم الحكم بالحق، وهذا الوعيد على الحكم بالهوى، فالحكم يتناول من حكم بالباطل، ومن حكم بالحق لمفارقتها غير مقصود، فآية العقود الوعيد فيها على عدم الحكم بالحق أعم من الحكم بالباطل، أو من ترك الحكم من أصل، وهذه الآية الوعيد فيها على الحكم بالهوى؛ أعم من أن يكون بالباطل متبعا للهوى، أو بالحق متبعا.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).
ابن عرفة: قد يؤخذ منه جواز تعليل الحكم بعلتين [منتقلتين*]؛ لأن حلول العذاب بهم [يعلل*] باتباعهم الهوى المضل عن سبيل الله، ونسيانهم يوم الحساب سبب في ضلالهم، فالعلتان متداخلتان [في*] علة واحدة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾
ص 38:28
أخذ عنه نفي الجوهر المفارق؛ لأن الملائكة في السماء وهم فيما بينهما؛ فدل على أنهم في حيز.
ورده ابن عرفة: بأن الجوهر المفارق غير متحيز؛ كما أن [العرض*] غير متحيز، وكذلك النفوس البشرية عند الحكماء بعد مفارقتها للأجسام، والمراد: وما خلقنا [السماوات*] والأرض عبثا، ولا لغرض مقصود؛ بل خلقنا ذلك مصاحبا لمنفعة الخلق ومؤخرتهم لا لقصد ذلك.
قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
احتج بها الآمدي على العنبري القائل بأن الكافر غير المعاند لا [يخلد*] في النار، بخلاف المعاند فإنهم اتفقوا على أنه مخلد في نار جهنم.
والعجب من البيضاوي كيف لم يذكر غير مذهب باطل؟
ونقل نحوه عياض في الشفاء عن الغزالي، قلنا: قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة، وفي كتاب الحقائق.
قال ابن عرفة: وكلامه في كتاب الاعتقاد، كمذهب أهل السنة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾
عبر عن المؤمنين بالفعل، وعن المفسدين بالاسم؛ إشارة إلى من اتصف بمطلق الإيمان والعمل الصالح؛ مخالف لما اتصف بأبلغ الفساد، فأحرى أن مخالفة من اتصف بأبلغ العمل الصالح هذا في ظرف الإيمان، ويبقى من اتصف بمطلق الفساد في الأرض، فيجاب عنه: بأن المراد من ثبت على فساده؛ لئلا يدخل فيه من أفسد وتاب؛ فإنه من قسم من آمن.
فإن قلت: [لم قدم*] تفاوت المؤمن للمفسد، وهلا عكس، كما قيل (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لأن أسباب الفساد أكثر من أسباب الصلاح، بدليل ما تقدم في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظلُمَاتِ وَالنورَ)، قالوا: جمع الظلمات وأفرد النور؛ [لكثرة*] تشعب طرق الشرك [واتحاد*] الهدى، ونفي ما يتوهم ثبوته أو قرب ثبوته أولى، فالجواب: أنه بدأ بالمؤمنين اعتناء بهم وتشريفا لهم.
قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).
ص 38:29
إن قلت: لم عبر في (الْمُتقِينَ) بالاسم، وعبر في قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، بالفعل؟ قلت: لأن التقوى أمر اعتقادي تجدده خفي غير ظاهر، وهو أقرب للثبوت؛ فاللزوم والعمل الصالح أمر فعلي يتجدد شيئا فشيئا، وتجدده ظاهر يدرك بالحس.
فإِن قلت: هلا قيل: أم نجعل المتقين في الأرض كالفجار؟ قلنا: التقوى أمر علمي معنوي غير [مرئي بالحس*]، والعمل الصالح أمر فعلي محسوس فناسب ذكر محله، ولذلك قالوا: الإنسان له قوتان: علمية وعملية.
قوله تبارك وتعالى (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ... (٢٩)
قال ابن عرفة: النظر مطلوب في الجميع؛ والنتيجة إنما تحصل لأولي الألباب منهم، وظاهر الآية حجة لبعض المبتدعة، في [قولهم*]: إن [**المعلوم تذكرته]. وهو مذهب باطل لما يلزم عليه من قدم العالم، ويحتج بالآية من [**رجح] تنزيل القرآن على سرده، كما قال تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)؛ وتحتج لمن [يرى*] سرده، بقوله (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)؛ [**قوله: جواز العجل فيه بعد استبقاء الملك له (وَحْيُهُ) عن الله تعالى]، وكذلك حديث عائشة في [ركعتي*] الفجر: قالت: كان رسول الله ﷺ يخفف فيهما حتى نقول هل قرأ فيهما [أم لَا*]، وفي بعض [الروايات*]، أن ولد أحمد بن حنبل، قال لأبيه: أنت تسرد القرآن ولا ترتله، فقال: ما سردته حتى فهمت مواعظه وزواجره.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ... (٣٠)﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: هلا قيل: ووهبنا سليمان لداود؟ فالجواب: أنه قصد الاعتناء بداود والتشريف له؛ وأيضا إنما أخر سليمان ليعود الضمير عليه، في قوله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، والضمير إنما يعود على أقرب مذكور.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾
الفتنة الاختبار، قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ)؛ فاقتضت أن الأنبياء والأولياء يفتنون فيفتنون على دينهم، وكذلك سليمان عليه السلام وما يزيدهم ذلك إلا إيمانا وتسليما كسورة الأحزاب؛ وفي آخر سورة براءة.
ص 38:35
وما حكاه ابن عطية والزمخشري من قضية؛ [المرأة*] التي طلبت أن تحكم لأختها على خصمه فمن كلام القصاص لَا يليق ذكرها؛ والأنبياء معصومون منه، والأنسب في هذه أن تكون فتنة في [قوله*]: [لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ، يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ*].
قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا).
وقال تعالى في سورة يونس لفرعون (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، ولم يقل: بجسدك، ففرق تقطعهم بأن البدن ينطلقَ على ما كثرت أجزاؤه، ولذلك يقال: فلان بدن، وفي الحديث أن عائشة رضي الله عنها وكرم وجه أبيها قالت: فلَمَّا بَدَّنَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي فلما طعن في السن، وفرعون كان قد بلغ الغاية في السن، وأما الجسد فيصدق على الصغير الناقص الأجزاء، ولذلك قال: لم تحمل من نسائه إلا واحدة ولدت شق ولد.
قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾
نقلوا عن الحجاج، أنه قال: لقد كان حسودا.
قال ابن عطية: وهذا من فسقه.
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بل هذا من جهله؛ فإن الإنسان تارة يطلب من أن يعطيه شيئا يخصه به دون غيره، وتارة يطلب منه شيئا علم منه أنه لَا يعطيه إلا رجلا واحدا؛ فيرغب منه أن يكون هو ذلك الرجل، والأول: طلب الإعطاء والخصوصية، والثاني: طلب الإعطاء فقط؛ فلعل الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه الصلاة والسلام أن هذه الهبة لَا ينالها إلا رجل واحد يكون نوعه منحصرا في شخصيه، فرغب من الله تعالى أن يكون هو ذلك الرجل، فليس في هذا حسد؛ إنما الحسد على طلب الإعطاء والخصوصية؛ لأنه يطلب منه شيئا؛ ويحرم منه غيره.
قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾
الفاء للسبب، أي لسبب قوله (وَهَبْ لِي مُلْكا)؛ (سَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ).
قال القشيري: ومن الدليل على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أن بعض الأولياء من شبه قدرة الله تعالى على أن تحمل الريح؛ فيقطع المسافة الطويلة في الزمن القصير.
ص 38:37
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا تقديره؛ أن تأثير الفعل تارة يكون بوقوع أثره في الفاعل، وتارة بوقوع أثره في المنفعل، ويمثلونه بحائط عليه بنيته فحدث فيه اختلاف، فذهاب الخلل منه إما بإعدامه وبنائه، وإما بتخفيف الثقل الذي عليه، فالأول: تأثير في الفاعل وهو [الحامل*] للثقل، والثاني: في المنفعل وهو المحمول.
قال: وتوهم بظاهر الأثر الحاصل في الشيء المفارق، فهلا قيل: فأقدرناه على الريح؛ لأنه يكون تأثيرا في الفاعل راجع إلى ذاته؛ وأما تسخير الريح فهو تأثير في المنفعل بأمر خارق لذات الفاعل؛ وهو سليمان عليه السلام، وكذلك أيضا [عمل الحديد*] في قصة داود، في قوله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، ولم يقل: وأقدرناه على عمل الحديد، قال: والجواب: أن هداه [دعاه إلى الخالق بالتذكير بالنعمة*]، وهو أن الإنسان إذا أنعم عليه بصفة في غيره. فإنه يتوهم في كل وقت [زوالها*]، فهنا لو [وجدها*] باقية شكر الله على دوامها، بخلاف ما إذا كانت صفة له ملازمة لبدنه، فإنه قد يثق بها [ويأبى*] الشكر عليها؛ ويقبل عن تذكر زوالها؛ فتذكر زوال النعمة المفارق للبدن أقرب من تذكر زوال النعمة المخالطة للبدن.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾
قال ابن عرفة: هذا من باب مطرنا السهل والجبل، فالمراد بالبناء: من يعمل منهم العمل المرتفع على الأرض، وبالغواص: من يعمل منهم العمل المنخفض في الأرض من حفر الآبار وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾
وليس المعنى سخرنا له آخرين؛ بأن المقرن في الأصفاد غير مسخر للخدمة.
قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾
وقال تعالى في سورة الأنبياء (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، فأجيب: أن آية الأنبياء أتت في معرض الامتنان؛ فذكر النعم لأن قبلها (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)، ثم قال تعالى (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا)، ثم قال تعالى (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ
ص 38:42
مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)، وقال تعالى (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ)، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وهذه الآية خرجت مخرج ما عنى بالأنبياء لأن قبلها (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)، ثم قال (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ)، ومنهم من أجاب: بأن (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) فيما هو الأصل الأهم.
قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز التداوي للمرض، أو ترجيحه مع الإجماع على عدم وجوبه؛ إلا إذا أدى تركه إلى الإخلال بالفرض؛ فإنه يجب كمن يمنعه المؤمن من الصلاة قائما، فيجب عليه التداوي. وهنا جعل له الماء دواه.
وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره، قال: وروي أنه ذبح شاه وطبخها؛ وله جار جائع فلم يطعمه منها.
قال ابن عرفة: أما الثاني: [فخفيف*] إذ لعله لم يعلم بحاجة جاره، وأما الأول: فشديد لا يحل نقله وإسناده إلى الأنبياء.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان؛ ولا يجوز أن يسلط على أنبيائه؟ قلت: لما كانت وسوسته سببا فيما مسه من المرض نسبه إليه؛ وقد راع الأدب حيث لم [ينسبه*] إلى الله تعالى في دعائه مع أن الله تعالى فاعله.
قيل لابن عرفة: كيف وهو يقول إن العبد يخلق أفعاله، فقال: لعله ممن يقول بالاعتزال؛ ولا يقول بالتولد، وتخرج من كلام الزمخشري أنه قرئ بِنُصْبٍ، ونَصَبٍ. ابن عرفة: وهو خطأ، ولا يقرأ [**كما أخذوا الذي] ذكر ابن عطية، [وأبو*] حيان من خفض عن عاصم نصب، والقراءة المشهورة عن [الجميع (بِنُصْبٍ) *].
قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾
قال تعالى في طه (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، (قَالَ خُذهَا وَلَا تَخَف)، ولم يقل: خذها بيدك.
قال ابن عرفة: أجيب: بأن هذا من تمام النعمة على أيوب عليه السلام إشعار بأنه ردت له قوته وصحته كما كانت، فلذلك قال تعالى (وَخُذ بِيَدِكَ)؛ لأن أعضاءه كلها كانت معطلة.
قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾
ص 38:47
إشارة إلى القوة العلمية والعملية.
قوله تعالى: ﴿لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾
[**في الاصطفاء]؛ فإِن المصطفين متفاوتون في الأخيرية.
قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾
إنما عطفه بالواو تنبيها على دخول [**من دخول] زمن ذكر قبلهم تفهم في وصف الأخيرية.
قوله تعالى: ﴿هَٰذَا ذِكْرٌ﴾
كان بعضهم يقول: معناه هنا ذكر على سبيل التشريف لهذا لَا بالتعيين على سبيل العموم؛ وتشريف آخر وثواب تعميم.
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾
يؤخذ منه مرجوحية تزويج الشابة للشيخ، أو الشاب للعجوز هذا على تفسير من قال: المراد أنهن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهن.
قوله تعالى: ﴿هَٰذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾
قال أبو حيان: (معكم) ظرف متعلق بـ (مُقْتَحِمٌ)، ولا يصح أن يكون حالا من (هَذَا فَوْجٌ)، فيكون تعديا على مقتحم.
قال [**ابن عرفة: المختصر في هذا: انظر ابن عرفة] امتنع جعله حالا من (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ)، لأنه يكون المعنى: هذا فوج حالة كونه مقتحم، وعلى تلك الحالة غير مقتحم؛ لأنه قد دخل ووقع منه الاقتحام، لأنه لَا يصح أن يقول لزيد وهو معك في الدار: هذا زيد داخل الدار في الزمان والاقتحام في المكان، فتقول الخزنة لرؤساء الكفار عند وردوها هذا الفوج، وقبل دخوله عليهم (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ)، أو [يقوله بعض الطاغين*] لبعض؛ [أى: يقولون هذا. والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب لا مَرْحَباً بِهِمْ دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له: مرحبا، أى: أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا: أو رحبت بلادك رحبا، ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء.*]
الزمر 39:4
سُورَةُ الزُّمَرِ
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
ابن عطية: أي اتخاذ التشريف [والتبني*]، وأما الاتخاذ المسمى المعلوم؛ فلا يتوهم ولا يستقيم عليه الاصطفاء، قال: وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)؛ توهم اتخاذ ولد واتخاذ الاصطفاء، فأما الأول [فبالمعقول*]، وأما الثاني فبخبر الشارع.
وقال الزمخشري: أي لو أراد اتخاذ الولد لم يصح لكونه محالا، [ولم يتأت*] إلا أن يصطفي بعض خلقه ويختصهم ويقربهم؛ كما يختص الرجل ولده، وقد فعل ذلك بالملائكة فغركم ذلك وزعمتم أنهم أولاده [جهلا*] منكم.
قال ابن عرفة: فحمله ابن عطية على اتخاذ التشريف، [وحمله*] الزمخشري على اتخاذ الولد حقيقة، فكان جواب الشرط على قول الزمخشري مشكلا؛ لأن القضية الشرطية المتصلة يلزمها منفصلة مانعة الجمع من غير مقدمها، ونقيض بالهاء ومانعة الخلو من نقيض مقدمها وعين تاليها، فيدخلها نفي الملزوم مع صحة وجود اللازم، وهذا خلاف إجماع النظام، لأنه قال: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، لكونه محالا؛ [فلم يبق*] إلا أن يصطفي من خلقه ما يشاء، وقد فعل ذلك بالملائكة والأنبياء عليهم السلام مع أن (لَوْ) إذا دخلت محل نفي عاد ثبوتين وبالعكس، وهنا دخلت على ثبوتين فيعودا [نفيين*] فيعود أحدهما: وهو الأول نفيا، والثاني ثبوتا.
وأجاب شيخنا: بأن المثبت الاصطفاء الواقع من الله تعالى للأنبياء؛ لَا الاصطفاء الذي هو [التبني*] وهو المراد من اللازم، والمراد نفيه فينتفي الملزوم، وتقديره لو أراد الله اتخاذ الولد للاصطفاء اصطفاء [التبني*] واللازم باطل والملزوم مثله، قيل له: عبر في اللازم بالإرادة وفي الملزوم بالمشيئة؛ وهما معنى واحد، فأجاب: بأنه تفنن في الخطاب، قيل له: هل [يدل*] لفظ التكوير على أن السماء كورية؟ فقال: نعم؛ لأن تكويرها مع [فلكها*] عن محله محال، ومن لوازمه تكور فلكها لاستحالة تعلقها دون مكان.
فإن قلت (٥): [**معهم التكوير مع البساطة؛ لأن المراد تداخل الزمانين والباء من أحدهما للآخر]، قلت: مسلم لكن مع إشعار لفظ التكوير؛ [يريد تكويرا ككور العمامة*] بعضه على بعض.
الزمر 39:6
فإن قلت: بدأ بالليل على النهار في التكوير على العادة عند العرب، وبدأ بالشمس في التسخير، والمناسب كان الابتداء بالقمر لمقابلته الليل، لأنه فيه يظهر، فلم عدل [عن*] ذلك؟ قلت: لأن آية الشمس أبدع في النفوس بخلاف القمر.
فإن قلت (٦): إذا كان المراد من النفس آدم؛ فيكون لفظ (خلق) استعمل في حقيقته ومجازه؛ لأنه في أولاد آدم المباشرين حقيقة، وفي غيرهم مجاز، ثم إنه عبر عن الخلائق بالخلق، وعن جواب الجعل.
قلت: لأن الزمخشري كان تقدم له أنه خلق بمعنى أبرز من العدم إلى الوجود وجعل معنى صير وهو [تكوين*].
قال شيخنا: قالوا: إن حواء عليها السلام خلقت من ضلع أعوج، قال: و [... ]. الآخرة مسألة [**الخشي]، قال: وهذا خلاف مذهب أهل التشريع؛ لأنهم قالوا: لو وقع بالآخر لوجد؛ لأنه مما يدرك بالبصر ولم يدرك ولم يوجد؛ واختار التراخي في الزمان.
قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ).
كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)
(فِيهِ) الإشارة للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾
الخطاب لمن في قولكم، والمراد من هذا الكلام، في قوله تعالى: (غَنِيٌّ عَنْكُمْ)، لازمه، وهو أن الضرر الناشئ عن الكفر إنما يعود عليكم، لأن الله تعالى غني على الإطلاق؛ فكفركم إنما يعود بالوبال عليكم.
قال: والمنفي في قوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، على ظاهره من الرضى الذي هو الحب لَا الإرادة، قال: وأما الوجه الثاني في أن المراد بالعباد المؤمنين فقط، بخلاف الظاهر.
فإن قلت: [ما ذكرتموه يتلزم عليه الإضمار، وما ذكرناه يلزم عليه التخصيص*]، وهو خير من الإضمار، قلت: ذكره آخر الشكر، في قوله تعالى: (وَإِنْ تَشْكُرُوا)، يدل على الأول دون الثاني.
الزمر 39:32
فإن قلت: هل ينتفع بـ (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، في مسألة علمه بالجزئيات؟ فقلت. نعم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾
قال الشيخ ابن عبد السلام: يدخل في هذا جميع من كذب على الله من أكثر الفقهاء، إذا لم تحكم بمستند التنزيل [**وهو الداء إذا لم يستحقها].
قيل: هل في الآية دليل على تكفير من يكفر بالذنب؛ لأنه سجل عليهم بوصف الكفر، فقال: قد لَا يؤخذ ذلك وقد يؤخذ، قيل له: قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ)، وهل فيه حذف الفاعل تقديره: والذي جاءوا فيكون المراد بالذي الجنس، فقال: ما ذكرته إنما يصح إذا جاء بالموصول مجموعا، فحينئذ تؤتى بالصلة مفردة حذفا لما ذكرت، وهنا ليس كذلك فليس من ذكر الباب، وإنما المراد بالذي الجنس، دليله قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، قيل: هل يتناول العصاة أو لا؟ فقال: لَا لأنه يلزم عليه أن يكونوا موعدين بأن لهم ما [يشاءون*] عند ربهم، وذلك باطل إجماعا.
قيل له: أجمع أهل السنة على أنهم لَا بد لهم من الجنة، فقال: وأجمع المسلمون ما عدا الجبرية على دخول طائفة النار، وإلا فيلزم أن يوصف ذو الكبيرة بالرحمة، وأنه يعبد الله كأنه يراه، وذلك باطل بالإجماع.
قوله تعالى: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾
قال: لما كانوا في غاية الورع كانت تصدر منهم بعض الحسنات يعدونها سيئات، وليست بسيئة، وإنما هي حسنة، وليس المراد بقوله (أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) أسوأ السيئات، وإنما المراد التشبيه في اعتقادهم أنها سيئة.
فإن قلت: لم قال هنا (بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى في النحل (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، قلت: في النحل تقدم ذكرها، وهنا تقدم ذكر الذي في قوله (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾
[وجه نظم هذه مع التي قبلها، ما قرره الأصوليون والجدَلِيُّون، أنّ وجه الترتيب في المناظرة أن يبدأ المستدلُّ بإبطال مذهب الخصم، ثم يصحِّحُ مذهبَه، ثم إنْ كان في مقالة خصمِه تناقضٌ أو تهافتٌ بيَّنَه له؛ وعلى هذا الترتيب أتتْ هذه الآيات؛ أنكَرَ أوّلا على الكفار مُدَّعاهم، مقْرونا ذلك الإنْكارُ بالدّليل الدالِّ على بطلان تلك الدعوى، وهو قولُه (أَم اتَّخَذُوا) الآية؛ ثم ذكَر مُدَّعى المومنين مقرونا بدليل صحّته، فقاَل (قُل للَّهِ الشفَاعَةُ جَميعاً)؛ ثم أكّد دليلَ إبْطال مُدَّعَى الكفار بتناقضهم في دعْواهم فقال (وَإِذَاَ ذُكِرَ اللَّهُ)؛ وبيانُ التناقض أنهم زعموا أن تلكَ الآلهةَ تشْفع لهم عند اللَّه تعالى، والمشفوعُ عنده أعلى رتبةً من الشفيع، فالمناسبُ إذا ذُكر اللَّه وحده أن تطمئن قلوبُهم إليه، فنفورُها عند ذلك مع كونه مشْفوعا له تناقض منهم] (١).
قيل: له قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧).. ، هل كقوله في
الحديث: "لهم فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت"، بالنقيض أم لَا؟ فقال: لَا لأنه
إنما نفى ما لم يحتسبوه، وإلا فهو محسوب عند غيرهم، لأنه من جنس ما يقع منهم،
(١) تم جبر هذا السقط من كتاب (النكت والتنبيهات للبسيلي. ٣/ ٤٨٩).
الزمر 39:53
أما قوله: "فيها ما لَا عين رأت" فنقيض أنهم سيروا لهم في الآخرة ما لم يقدر أحد ولا يخطر على قلب بشر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾
حصول الغفران مطلقا، أو لمن تاب.
قال الشيخ: والظاهر أن هذا العموم مخصوص؛ لأنه إن لم يخصه يلزم [عنه*] مذهب المرجئة، قال: ومن نظر [وعقل سبب النزول أدرك*] ما قلناه من التخصيص.
قيل: لم أسقط البغتة في الأول (٥٤)؟ فقال: فيه حذف التقابل، قيل له: المفهوم من قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥).. ، هو المفهوم من قوله تعالى: (بَغتَة)، فقال: تأكيد وانتقال من [التزام المطابقة*].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
قال: الآية مخصوصة بالإجماع بالواجبات كلها، قيل له: هل ينتفع بها في مسألة خلق الأعمال؟ فقال: لَا لوجهين:
الأول: أن المخصوص هل يبقى حجة أم لَا؟ فيه خلاف، وإذا قلنا: [لا يبقي حجة*]، فالمسألة من قواعد العقائد؛ فلا يثبت بمثل هذا.
الثاني: أن المراد خالف المعنى؛ فيقتضي إن ما وجد مخلوقا فالله خالقه؛ وعلى هذا لَا دليل فيه ألبتَّة؛ لأن خلقها لله محل النزاع، والمنسوب في الآية ما هو منسوب لله.
فإِن قلت: هل يؤخذ من الآية أن المعدوم شيء أو لَا؟ قال: قلت: لَا يؤخذ؛ وإنما المراد ما وجه مخلوقا لله فالله خالقه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾
[أَوْرَدَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» سُؤَالًا، وَهُوَ أَنَّهُ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)؟ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا) [الزُّمَرِ: ٦١] أَيْ يُنَجِّي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ بِمَفَازَتِهِمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَاعْتَرَضَ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَأَنَّ لَهُ مقاليد السموات وَالْأَرْضِ. وَأَقُولُ هَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ*]
الزمر 39:67
الطول؛ لأن فيه عطف جملة اسمية على فعلية وهو قليل.
وأما الثاني: فلأن الكافرين هم بعض النَّاس [... ].
قال: والصواب أنها كلية مستقلة بنفسها، قيل له: وهل ينتفع بها الملائكة في القول بالإحباط بمجرد الردة؟ قال: إن قلنا: إن المراد من خوطب به خاصة؛ فلا يلزم ذلك إذ لَا يلزم من إحباط المخاطب مجرد الردة إحباط غيره، لأن عقوبة [المقربين أشد*]، قال: والأظهر أن المراد بقوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
يدل على تعظيمه الممكن المقدور عليه؛ المأمور هو به، أما تعظيمه حق تعظيمه؛ فلا يستطيع أحد عليه؛ ولهذا كان بعض شيخونا ينهى أن يكتب في الصدقات: الحمد الله حق حمده، والحمد لله كما يحب لجلاله؛ لأنه قد يقول ذلك ولا يعرف جلاله.
قال الفقيه أحمد بن سيدي الفقيه أبي القاسم أحمد الغبريني قال: ورد على صداق وأنا قاضي بباجية فيه أعلم بثبوته على ما هو عليه.
ابن عبد السلام ابن يوسف الهواري: فلم أجد في الصداق موجبا لذلك إلا الحمد الله حق حمده، قال ابن عبد السلام: وما حكاه عن جبريل هو تصحيف، وإنَّمَا هو جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ).
الظاهر أن النسيان ضد الشرك لَا ضد الذكر، لأن ترتيب الذم عليه أشد، والأول يرجع إلى ترك الأسباب.
قوله تعالى: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).
قال: ضم الياء أحسن من فتحها، لأن الفتح إما أن تكون اللام لام العلة، أو لام الصيرورة؛ والقسمان باطلان، أما الأول فلأن من جعل لله أندادا قد حصل في أشد الضلال في تعيبه، وجعل الله أندادا يقتضي تقدم الضلال؛ فيلزم تصيير ما سبق تصييره وذلك باطل، قيل له: ما المانع أن يكون المراد بصيرورة الضلال مداومة وجوده؟ فقال: يحتمل ويفضله قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا)، إن التمتع به المداومة. قال الشيخ: ومَن في قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)، لَا يصح أن تكون استفهاما لامتناع اجتماع حرفي الاستفهام في كلمة واحدة؛ فلا بد أن تكون من موصولة، قيل له: ما المانع من كونها منادى والهمزة حرف نداء؟ فقال: يحتمل على [... ]. وقرئ (أَمَّنْ) بالتشديد.
فإن قلت: هل البداية بالسجود يدل على أنه أشرف أحوال الصلاة؛ لأنه قدم على القيام الذي هو أول؟ قال: المراد في تفضيل العملين على غيرهما من العبادة، لقوله تعالى: (سَاجِدًا وَقَائِمًا).
قوله تعالى: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ).
قيل له: هل هو النفاق؛ لأنه كان يقول (اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، فقال: لَا نسلم لأن الأمر بالتقوى صادر منه عليه السلام، فحسن أن يقول ربكم، قيل له: يعكس عليك قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ)، وهو السلام لَا نخاطبهم بذلك، فقال: الأول على جهة الحكاية، قيل له: أيما أبلغ هذه أم قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى)، فقال الثانية لأنها أعم من أن تكون في الدنيا أو في الآخرة، قيل له: ما مناسبة قوله تعالى: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ)؟ قال: فكأن القائل يقول: فإن بعض الإحسان في بعض البلاد في العمل، فقال تعالى (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ).
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ).
قال: ظاهر كلام الزمخشري في جواز العطف؛ إنما لاختلاف الجهة دفعا للسؤال؛ والسؤال لَا يزول، ولابد الإخبار بالجملة الثانية لَا معنى له إذ هو مستفاد من الأولى بالضرورة؛ لأن عبادة الله منه مخلصا؛ لَا بد أن يكون ذلك أول الإسلام لاستحالة وقوع ذلك بدون الإسلام، فالأولى أخص؛ والثانية أعم، والأخص يستلزم الأعم، فلما ذكر اللازم الثاني، قيل له: لاختلاف الجهة، فقال: اختلافها إنما هو بالنسبة إلى اللفظ في حق غيره؛ وهذا السؤال إنما ورد من جهة المعنى، ومن جهة اختصاصه به.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ).
بوقوعها في العذاب الدائم؛ وليس لهم من الحور العين أو في الدنيا حصول. قوله تعالى: (ظُلَلٌ).
الظلل إنما يكون لدفع حرارة الشمس، وهذه تجلب قوة الحرارة.
قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ).
فإن قلت: ما معنى (مَبْنِيَّةٌ)؟ قلت: رد لما يتوهم من أنها كالدنيا من أن الغرف التي على الأرض مبنية، والتي فوقها من القصب والخوص والرؤية في الأثر بصرية.
قوله تعالى: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ).
قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا).
وقال تعالى في الحديد (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، فأجاب: بأنه لما كانت هذه الأفعال هنا مضافة إلى الله تعالى عز وجل حسن أن يقول: [(ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) *] ولما كانت في تلك غير مصرح بها حسن أن يقول: (ثُمَّ يَكُونُ)، قيل له: هل ينتفع بها من يقول: إن الإسلام والإيمان بمعنى واحد؛ لأن شرح الصدر إنما يكون ما محله القلب، وقد جعل هنا أن الإسلام محله القلب؛ لأنه مشروح له، فدل على أن المراد بالإسلام الإيمان.
قوله تعالى: (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، اختار الشيخ بالحديث الكتب الأربعة المنزلة وأحسنه القرآن و (كِتَابًا) [بدل من أحسن الحديث*].
قوله تعالى: (مُتَشَابِهًا).
أي متشابه الأجزاء من أقاصيص وأخبار.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ).
قال: هذا [تهكم*]؛ لأن الوجه في العادة إنما يتقي عنه لَا به؛ وهو هنا به لَا عنه.
قوله تعالي: (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ).
الخطاب في الدار الآخرة؛ لأنها ليست دار تكليف؛ وإنما إخبار بخلودهم.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾ [**الآية]، فيكون عذابا في عذاب؛ وجعل النَّاس كأنهم علموا أولا أشياء ثم نسوها، فضرب الأمثال؛ ومن كلامه في سورة الزمر، قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وجه مناسبتها لما قبلها؛ أن الاشتراك في الأمر المشق المؤلم أهون على النفوس من الاختصاص به، كمن ضاع له دينار ولم يضع لغيره شيء، وآخر ضاع له ولغيره، وكذلك فعل [الطاعات*].
قال: ووقوعنا من بئس القوم ابتداء أقرب إلى الإنذار به فيها والإتباع، فلذلك قال (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، ثم قال (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
قال الزمخشري: يعني أن الله تعالى أمرني أن أخلص له الدين بدليل العقل والسمع، فإن عصيت ديني لمخالفة الدليلين استوجبت عذابه.
قيل لابن عرفة: هذا اعتزال، فقال: هذا تنبيه يصدر من السني والمعتزلي، فالمجرور في قوله بدليلي العقل تعلق بالفعل، وهو (أمرني) وهو اعتزال، وإن تعلق بقوله: (أخلص) فليس باعتزال، قيل له: قد نص [الضرير*] في أرجوزته على اعتقاد وحدانية الإله واجبة بالعقل والفروع، والشرائع هي الواجبة بالسمع، لأنه قال: ما نصه فخالق الأشياء وجداني، وشاهد العقل بذلك [يشهد*].
قال ابن عرفة: هذا خطأ لأن الأصوليين حكموا الخلاف في النظر؛ فمذهب أهل السنة أنه واجب بالسمع، ومذهب أهل المعتزلة أنه واجب بالعقل على أن كلام المفسرين يمكن تأويله، فيحتمل أنه يريد به قصر معرفة ذلك في الدليل والإدراك، أو رجوعه إلى الأمر التكليفي.
قيل له: ما عمله شارحه ابن خليل في شرحه: أن السلطان وأميره إذا دعا إلى معصية؛ فإنه يجب اتباعه، قال: وهذا خطأ طرح؛ وحديث مسلم في كتاب الإعادة يرد عليه.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)،
أي الخسران الأخص، أي خسروا لذة أنفسهم ونعم أنفسهم؛ لأن خسران الشيء هو ضياعه، وأنفسهم لم تزل باقية.
قوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ). إن قلت: ظلل النار عليهم لَا لهم، فالجواب: أنه استغنى عن على بكلمة فوق، فلو أتى بعلى لكان تكراره أتى ليفيد اختصاصهم بعذاب العذاب العظيم، وإدخال من على فوق ليفيد أول مواضع الفوقية؛ فيشعر بكمال ملاصقة النار لهم من غير فاصل.
قوله تعالى: (وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ).
جعلت النار ظله باعتبار أن لهيبها يصعد إلى فوق؛ فيعلو عليهم ويصيرون تحته، أو باعتبار أن النار تدور بهم كالكرة فيصير الأعلى أسفل؛ والأسفل أعلى، فهي ظلة باعتبار ما كانت عليه، فكل جهة منها فوقهم وتحتهم وفوق آخرين.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا).
قال الزمخشري: (الطَّاغُوتَ) مبالغة؛ وقدر وجه المبالغة أنه إما مصدر المراد به الجنس، فعبر فيه عن شخص معين؛ وهو الشيطان أو غيره من معبوداتهم، الثاني: فيه القلب؛ لأن أصله [فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين*].
قال ابن عرفة: ليس في القلب مبالغة.
قوله تعالى: (وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ).
قال ابن عرفة: عادتهم أنهم يقولون: الإنابة سبب في اجتناب الطاغوت، والأصل تقديم السبب على مسببه، فكان بعضهم يجيب: بأن الانتقال من الشيء لغيره لأحد وجهين:
إما لوصف في المنتقل عنه ونحوه.
قال ابن التلمساني في باب الأوامر في المسألة الثانية عشر في اعتراضه على مذهب: [الأمر بالشيء عين النهي عن ضده*]؛ [**قد يكون مقصود الطالب أعلى الخبر الأول]؛ فيكون الطلب منه نهيا، وقد يكون مقصوده [امتثال*] الخبر الثاني فيكون الطلب فيه أمرا [مقدرا*] هنا، السبب إشغال بأن اجتنابهم الطاغوت لمحض ما فيه من المفسدة الدائمة لَا لكونهم رأوا الإنابة إلى الله أحسن منه؛ إذ الاشتراك بينهما في الحسن بوجه، فكان الابتداء به أهم وأولى.
قوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى). قدم المجرور للحصر إما للتشريف، وإما لأجل الآي، وإما باعتبار تقابله.
قوله تعالى: (يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ).
ابن عطية: قيل: هو كتاب الله.
ابن عرفة: فعلى هذا يكون في القرآن حسن وأحسن منه وفيه خلاف، هل يصح أن يقال: بعض العذاب أعظم من بعض؟ أو أوضح من بعض؟ وهو بمعنى لفظ القرآن بالعجز، وإنما معناه القديم الأزلي فلا تجوز فيه ذلك بإتقان، وإما أن يراد بأحسنه أبينه؛ وهو عند المتشابه، وأما تعليم التكاليف التي عليها الثواب عند المباح الذي لا ثواب فيه.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ).
ابن عرفة: هذا من باب إطلاق المسبب على السبب، لأن المراد: فمن دام على الكفر وضمير (عَلَيهِ) فأنت تنقله عنه وتصرفه إلى الإيمان، فالكفر سبب في العذاب، والإيمان سبب في الإبعاد.
قال ابن عطية: وأسقط الثاني في الفعل إما للفصل، مثل: حضر القاضي اليوم امرأة، وإما لتأنيث الكلمة غير حقيقي.
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: وإما لأن العذاب مذكور، فتوحي إضافة الكلمة إليه؛ لأنه الأهم المقصود بالذات.
قوله تعالى: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ).
يحتمل أن يريد من فوقها غرف لهم أيضا، كما ورد "أن أهل الجنة يرون الغرف كما ترون الكوكب الدري في السماء"، والظاهر الأول إذ به تتم النعمة، والأنهار تجري من تحت الجميع، أو تجري تحت الغرف العليا كما تجري تحت السفلى، فهو أكمل في باب النعمة.
قوله تعالى: (مَبْنِيَّةٌ).
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: بل هو إشارة إلى وجودها الآن، وأنها مخلوقة خلافا لمن أنكر ذلك.
قيل لابن عرفة: أو هذا إشارة إلى تنويعها إلى أصناف من الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، كما أن البناء في الغرف يتنوع إلى الحجر والجص والجير، فليس الحائط كله زجاجا خالصا، ولا ذهبا خالصا، وإنما هو منوع فهو أعظم وأعجب. قوله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ).
أما فيما يرجع إلى الثواب فظاهر إذ لَا خلاف فيه، وأما فيما يرجع إلى العقاب، ففيه خلاف بيننا وبين المعتزلة في المعاصي؛ فنحن نقول: إنه في المشيئة، والمعتزلة يقولون: بتخليده في نار جهنم؛ فيكون عندنا مخصوص بالمعاصي.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)
فإن قلت: لم عبر في (أَنْزَلَ) وسلكه بالماضي، وقال (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا)، فعبر بالمستقبل؟ فالجواب بوجهين:
الأول: أن إنزال الماء في الأرض سبب في إخراج النبات، فناسب جعل السبب ماضيا ومسببه مستقبلا لتأخره عنه في الوجود.
الثاني: أن الماء إذا حصل في الأرض لَا يستغرقها ولا يتغير، والنبات إذا خرج يتغير وييبس فناسب أن يعبر عن الأول بالماضى المقتضي للتحقيق والثبوت، وعن الثاني بالمستقبل المقتضي للتجدد والاختلاف.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ).
إشارة إلى اتصافه بالمقدمات والدلائل المرشدة إلى الهداية.
قوله تعالى: (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ).
إشارة إلى حصول النتيجة عن ذلك، وأنه نظر فاهتدى.
قال: وفي الآية حذف التقابل، أي فيرى له (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)، فهم على ضلال من ربهم، وأسند الشرح إلى الصدر مبالغة وتخصيصا على الاتصاف بأسباب ذلك.
قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا).
ابن عرفة: لما تقدمها (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم) عقبه ببيان أن قساوة قُلُوبِهِم أمر ذاتي لها؛ لَا بسبب غموض الذكر والقرآن الملقى إليهم؛ بل هو أحسن الحديث وأبينه.
وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية غير هذا.
ونقل الزمخشري، عن ابن مسعود: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ملوا ملة، فقالوا [حدثنا*] فنزلت. ابن عرفة: وفي هذا اللفظ [بعد*]، والصواب ما قلناه].
قوله تعالى: (مُتَشَابِهًا).
قال المفسرون: أي متماثل المعاني في الصحة والكلام والصدق، ونفع الخلق وتناسب ألفاظه.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يريد بالتشابه أن آياته متشابهات باعتبار الحفظ؛ بحيث تشتبه على من هو ضعيف الحفظ.
قوله تعالى: (مَثَانِيَ).
جمع مثنى أي مكرر ومردد لما بين من قصصه وأحكامه، أو إشارة إلى أنه مهما كرر في التلاوة يزداد حلاوة ولا يمل.
ابن عرفة: ويحتمل أن يراد به الدوام، يعني أنه محفوظ لَا يزال دائما يكرر ويقوى إلى آخر الدهر؛ بخلاف غيره من الكتب المنزلة.
قوله تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ).
الزمخشري: إن قلت: [لم ذكرت*] الجلود وحدها أولا، ثم كرر [معها*] القلوب ثانيا؟ فأجاب: بأن ذكر الخشية أولا أغنى عن ذكر القلوب؛ لأنه محلها.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقدر الجواب: بأن وجوب السبب يستلزم وجود المسبب؛ فوصف الجلود بكونها مقشعرة مسبب عن وصف القلوب بالخشية والخوف، ووصف الجلود باللين [يقتضي نفيه*] عنها، ونفي المسبب لاستلزام السبب؛ فلذلك ذكرت القلوب ثانيا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ).
قال ابن عرفة: ذكر اسم الإشارة، وإن كان مستغنى عنه؛ إشارة إلى تحقيق القرآن، [المعجز*] المشتمل على أخبار الصدق والمواعظ الحسنة، فلذلك فرقوا في باب الإيمان بين من حلف لَا آكل طعام فلان فأكله بعد انتقاله عن ملك فلان، قالوا: لا يحنث، وبين قوله: لَا أكلت هذا الطعام؛ فأكل منه أنه يحنث على كل حال.
قوله تعالى: (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ).
يؤخذ منه جواز القياس، ولاسيما القياس التمثيلي؛ لأنه تشبيه معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
إما تعليل التعليل أو تعليل بعد تعليل، فعلى الأول: المعنى رجاء أن يتذكروا؛ فيكون تذكرهم سببا في ترجي تقواهم.
وعلى الثاني: المعنى رجاء أن يحصل لهم التذكر والتقوى.
قيل لابن عرفة: فهلا عطف؟ فقال: الحكمان إذا كانا في غاية الاتصال، أو في غاية الانفصال لَا يعطفان.
قوله تعالى: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ).
قالوا إذا قلت: زيد ذو مال، فهو دليل على كثرة ماله، ومنه قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ)، ونحوه للقاضي عياض في حديث: "قد بلغ علي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال".
وقال السهيلي في الروض الأُنف في حديث هرقل في قول أبي سفيان: [هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ*] [**والانخفاض منه].
قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا).
لما تقدم أن القرآن يشتمل على ضرب الأمثال عقبه ببيان أن من حمله ذلك هذا المثل.
قوله تعالى: (فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ).
ذكر ابن عرفة كلام المفسرين، ثم قال: وكان بعضهم يحمله على أن طريق الحق واحدة، والضلال متعددة، فنسب ما أفصح به الزمخشري، في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فالمحق يتبع دليلا واحدا؛ والمبطل من نفسه [عنده*] الشهوات متعددة.
قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
إشارة إلى أن من ليس فيه [استثارة قابلة*] للعلم فجهله نعمة، لأن الحمد إنما هو على [النعم*].
قيل لابن عرفة: اختار جملة نعمة لغيره؛ لأنه نعمة به.
الزمر 39:74
فإن قلت: لم قال فيه شركاء [فعداه بـ في، و (سلما لرجل) *]: فعداه باللام، قلنا: اللام تفيد الاختصاص، وهو مناسب للمؤمن، والمشرك مناسب للظرفية؛ لأن كل واحد له فيه جزاء مظروف منه.
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ).
قال ابن عرفة: اعلم إنه تارة يكون المقصود نفي الثاني، والمقصود هنا ملزوم الشرطية، وهو أنه لَا يجتمع وجود ملكهم لما في الأرض ومثله وجه؛ مع عدم اقتدائهم به من سوء العذاب.
قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).
ابن عرفة: يحتمل أن يريد ما عظموه [حق*] تعظيمه، وهو مقتضي كلام المفسرين، ويحتمل أن ما عظموه مطلق تعظيمه؛ وهو الصواب، لقوله تعالى: في سورة الأنعام (إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) فهم أنكروا الرسالة، فلو عظموه [في مطلق التعظيم] لصدقوا الرسول الوارد عنه، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
قيل لابن عرفة: تأكيده بالمصدر دليل على أن المراد أخص تعظيم، فقال: التأكيد يشعر بأن المراد التعظيم الواجب التكميلي.
قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون: فيه سؤالا، وهو أنه ما المناسبة لتعقبه بهذا مع هذا لَا يعقب إلا بما يناقضه، فيقال: ما عظمت زيدا؛ وهو شجاع عالم محظي عند الأمير؛ فتأتي بما يناقض عدم تعظيمك له في الحال لَا في المستقبل، ولا تقول: ما عظمت زيدا وهو بعد عشرين متصف بالشجاعة والعلم والحظوة، فالمناسب كان عدم تقييد الجملة بيوم القيامة، وأجيب: بأن العلم بتحقيق وقوع ذلك في المستقبل كاف في حصول التصديق به، واتصاف فاعله بكمال القدرة؛ لأن بعثة الرسول عندنا جائزة، وقد أخبر الرسول بوقوع المعاد الدار الآخرة، وهو حاصل بالدليل السمعي، ونسب الطي للسماوات دون الأرض لعظمتها، فكبر جرمها بالنسبة إلى الأرض؛ فليس وجوب المعاد مستفاد بالدليل العقلي إلا عند المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾
ابن عرفة: قالوا: لم عطفه بالواو؟ فأجابوا: بأنه لو لم يعطفه لتوهم إنه من تمام المقاولة مع الملائكة، كأن قائلا يقول: بالذي أجابوا به الملائكة، فيقال (الْحَمْدُ
الزمر 39:75
لِلَّهِ)، فلما عطفه بالواو دل على أنه معطوف على قوله تعالى: (وَفُتِحَت أَبْوَابُهَا)، وما بينهما جملة اعتراض.
فإن قلت؛ هل قال: (صَدَقنَا) في خبره؟ فالجواب: أن الصدق في الخبر واجب، والوفاء بالعهد مختلف فيه، قيل: يجب، وقيل: لَا يلزم؛ وإذا صدق حيث لا يلزم الصدق، فأحرى أن يصدق حيث يلزم الصدق، فهو من التنبيه بالأدنى على الأعلى.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾
يحتمل أن يريد حوله في [مقعَّره*] من داخل، [أو في مخْرجه من خارج،*]، وهو الذي تقدم لنا؛ هل خارجه [الخلا والملا*]؟
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا).
كان بعضهم يأخذ من هذه الآية أن جاء لَا يصدق إلا على من مضى ووصل إلى الشيء، بخلاف قولك: مضى زيد لعمرو، فإنه يحتمل أن يكون رجع من الطريق، وبقي المعنى مستفاد من قوله (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فما أفاد جاء إلا لدخول المحل.
* * *
غافر 40:7
سُورَةُ غَافِرٍ (الْمُؤْمِن)
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ... (٧)﴾
قال الزمخشري: قيل: خلق الله تعالى خلقا يقال له: [إسرافيل*]: زاوية من زوايا العرش على كاهله.
ابن عرفة؛ إنما هذا إذا قلنا: إن السماء بسيطة، وأما إن كانت [كورية*]؛ فلا يحتاج إلى حامل، لأن الكورة تحمل بعضها بعضا، نعم إن مجموعها محتاج أن تحل بمستقر.
ابن عرفة: وهذا دليل على أن الملائكة أجسام لطيفة، وهو مذهب أهل السنة.
قوله تعالى: (وَمَنْ حَوْلَهُ).
يحتمل أن يكون حاملا ولا محمولا، أي لَا يكون ظلا؛ فيكون معطوفا على الذين يحملون العرش وخبره يسبحون.
قوله تعالى: (وَيُؤمِنُونَ بِهِ).
الزمخشري: ما فائدة قوله تعالى: (وَيُؤمِنُونَ بِهِ)؟، فأجاب: بأن فائدته إظهار شرف الإيمان والحض عليه.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بجواب آخر: وهو احتمال عود الضمير المجرور بأن على الحمد، أي ويؤمنون بحمد ربهم، بمعنى أنهم يعتقدون أنه المستحق للحمد؛ فإنا قد نجد في الدنيا بعضنا يحمد بعضا في الظاهر دون الباطن.
قوله تعالى: (رَحْمَةً وَعِلْمًا).
العلم عام، والرحمة إما عامة فما من عذاب منزل إلا وفي علم الله تعالى ما هو أعظم منه، وإما أنه مخصوص بذلك وبالغائب.
قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا).
احتج بها المعتزلة، ونحن نقول: إما أن المعاصي أقل والتوبة هنا من الكفر لقوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، وإما أن التوبة من الذنوب والمعاصي مسكوت عنه، وهذا الدعاء مقبول من البعض قطعا.
غافر 40:8
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا).
أي وجبت.
قوله تعالى: (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).
حجة لمن يقول من المحدثين: إن الصاحب هو من دام الصحبة معك، خلافا لأكثر المحدثين في قولهم: إن الصاحب من رأى النبي ﷺ وجلس معه ولو لحظة.
قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا).
[المراد*] من قريش، وشبه حالهم في عذابهم وإهلاكهم، [بحال*]: أممهم السالفة أو عام فيهم، وفي الأمم السالفة، وشبه إهلاكهم في الدنيا إهلاكهم في الآخرة الموعود بوقوعه بهم.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: إن الدعاء تحصيل الحاصل؛ لَا يجوز إذ لَا فائدة فيه؛ ووعد الله حق واجب وقوعه، وقال تعالى (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)، قال: وأجيب: بأن الدعاء يتم لمن اتصف بالتوبة، واتباع سبيل الحق والدعاء لمن أحل بعض ذلك؛ لكن يلحقه بروحه في وفاته، ويدخله الجنة التي وعد المتقين، وراعى في هذه المعطوفات السبقية في الزمان، فالأب أنسب ثم الزوجات ثم الأولاد.
وقوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
مع أن المناسب الغفور الرحيم إشارة أن هذه النعمة محض تفضل منك ولا يجب عليك شيء.
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
قال ابن عرفة: هذا احتراس أو تتميم، أما تقرير كونه احتراسا فلأنه لما تقدمها (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، فقد يتوهم مَن [وُصف الزيادة*] في الحدود، فاحترس من ذلك بما يتضمن أن من [صفته*] العدل؟ فيجزي كل نفس ما كسبت لَا يزيد عليها ولا ينقص، وأما تقدير كونه تتميما، فلأنه لما تقدم اختصاص الله تعالى يومئذ بالملك والقهر والغلبة تممه بأن السلاطين والجبابرة أذلاء محكومون، فهو ينصف المظلوم من ظالمه؛ وإن كان جبارا عنيدا، [**وخبره بما كسبت وما كسب؛ فعلى قراءة
غافر 40:18
السالكون]: المراد نجازي كل نفس بسبب كسبها الذي كسبت، فيرجع [سببه للجزاء*] وهو الثواب والعقاب، والجزاء يطلق على الإثم وهو المجزى به، وعلى المصدر، وهو [المجازاة*] وهي المحاسبة.
قوله تعالى: (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ).
مع أن الظلم منفي عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، لكن التقييد بالظرف راجع إلى النَّاس فيما بينهم، أي لَا يظلم بعضهم بعضا يوم القيامة بخلاف الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾
يحتمل أن يكون الظرف والعامل فيها ما في (الآزِفَةِ)، أي يوم الواقعة القريبة إذ الحناجر، ويكون عبر بإذ عن المستقبل بالتحقيق، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).
فإن قلت: المضاف إليه لَا يعمل، قلنا: قد عملت الجوامد، كقوله: أنا ابن جارية إذ حد النظر؛ وأحرى المضاف إليه، وجعله أبو حيان بدلا من قوله (يَوْمَ الآزِفَةِ) وأعرب (يَومَ الآزِفَةِ) مفعولا؛ فأخرجها عن الظرفية، وجعله من عمل الفعل في المفعول به لَا في الظرف.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾
يحتمل أن يريد بالقضاء الحكم فقط، ويحتمل الحكم والفعل، فيكون فيه شبهة للمعتزلة في أنه لَا يفعل القبائح؛ يحتمل أن يريد بالحق الأمر المستلزم للثواب، فحينئذ ترك هذه الشبهة، ويحتمل أن يريد به نفس الحق الذي هو ضد الباطل، وهذا إما في الدنيا والآخرة فهو الصواب، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ)، أو هو في الدنيا فقط.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾
يحتمل السير الحسي بالنظر في آثار الأمم السالفة وفي مساكنهم، وحمل السير المعنوي بالنظر في كتب التاريخ، ويؤخذ منه أن التواتر يفيد العلم، وأن العلم الحاصل عن التواتر نظري لَا ضروري؟ وفيه خلاف، قيل: إنه نظري، وقيل: إنه ضروري، وهذه الآية تدل على أنه نظري، كقوله (فَيَنْظُرُوا)، لكن هذا إن أريد به النظر بالفكر، إما أن أريد به النظر بالبصر والسير الحسي؛ فلا يؤخذ منه ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾
غافر 40:24
ابن عرفة: كررت هذه القصص في القرآن كثيرا؛ وذلك لكثرة الوفود الواردين على النبي صلى الله محليه وعلى آله وسلم؛ [فيسمعها*] قوم، ولم يسمعها آخرون، فأنزلت القصة عليه لأجلهم بلفظ آخر، إما بحسب اختلاف الأذهان والعقول، وإما لأن الإخبار بها إذا أنزلت بلفظ آخر خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يسمع من غيره، بخلاف ما لو نزلت بلفظها الأول لكان يقول بعض الصحابة ممن سمعها قبل ذلك يشارك النبي صلى الله محليه وسلم في الإخبار بها للوفود الواردين عليه.
قال: والآيات المعجزات والسلطان المبين راجع إلى التحدي بها والاحتجاج، فهو من قبيل الإرجاع، كقولك: جاءني الشيخ والرجل الصالح، أو يكون السلطان راجع إلى ظهور المعجزة إلا المقترح، قال: وليس من شرطها ظهورها أو راجع إلى نتيجتها، قوله تعالى: (لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ) يحتمل أن يكون من باب العدم والملكة؛ فهم يعبدون ولا ينفعهم، أو من باب السلب والإيجاب؛ مثل الحائط لَا يبصر فهم لَا قدرة لهم على العبادة بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾
إما أن بعضهم، قال (سَاحِرٌ)، وبعضهم قال: (كَذَّابٌ)، أو كل واحد منهم قال ذلك، وهل المراد (كَذَّابٌ) ب الإطلاق، أو كذب في سحره إشارة إلى أن سحره توبة وتقوى وليس بحقيقي؛ لأن السحر عندهم محمود، إذ هو علم من العلوم، وعلى هذا فيكون أطلق الكذب على الفعل، وقد تقدم في حديث سليمان؛ حيث كان يظهر أنه يفعل ولا يفعل، أنه يؤخذ منه عدم إطلاق الكذب على الفعل، وظاهر كلام ابن التلمساني في باب الإخبار في صحة إطلاق الكذب عليه ونحوه لابن عطية في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾
مع ما قبلها إشكال. لإيهامه أنه قبل ذلك [لم يكن جاءهم*]، كقولهم: جئت زيدا، فلما أخبرته بقصة عمرو خرج مسافرا، فمفهومه أنه قبل المجيء لم يخبره بذلك، فيلزم منه أنه يجيبهم بالحق، قيل ذلك بدليل قوله تعالى: (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذابٌ)، والجواب: إنه أولا لم يدعهم إلى الإيمان، بل أتى بالمعجزات فقط، ثم لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا ذلك، واعلم أن المبتدأ لَا يحذف إلا إذا كان الخبر لَا يصلح له؛ وكذلك هذا هو عندهم لَا يصح أن يوصف بالسحر إلا هذا الرجل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾
غافر 40:38
من باب عطف الصفات لَا الموصوفات، لئلا يلزم عليه تعدد الآلهة.
فإن قلت: هلا قال: ربنا، فيغلب ضمير المتكلم، لأنه الأصل؟ فالجواب: إنه قال (وَرَبِّكُمْ)، ليدخل فيه فرعون وقومه، ولو قال: وربنا، ما دخل فيه فرعون.
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
ابن عرفة: اتبعوني بالإيمان، كقولك: قال الصالح: اتبعوني في الصلاح.
وقال الفقيه: اتبعوني في الفقه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾
أي تمتع زائد، والتمتع أمر عرضي، والعرض لَا يبقى زمنين، والقرار وهو دائم لأن مذهبنا: أن الأجسام فانية؛ ولابد لها من مستمر، والمتاع راجع إلى نفي المانع، والقرار راجع إلى وجود المقتضي؛ لأن التمتع مانع من الزهد في الدنيا والتقشف، وكون الآخرة دار مستقر تقتضي وجود الحرص على [الأسباب الموصلة*] إليها.
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾
أي رزقا كثيرا دائما غير منقطع؛ لَا يحاسبون على كثيره بشيء.
قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول في مثل هذا، وفي قوله تعالى: (مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرسَلُونَ)، إنما المخبر بالشيء قبل وقوعه؛ تارة يخبر به لموجب ودليل عام عنده، وتارة يكون خبره لغير موجب، فإن أخبر به لموجب ثم وقع نحو ما أخبر به كان خبره صدقا، وإلا كان اتفاقيا ولم يكن صدقا، وكان يستشهد على ذلك بقول مالك رحمه الله فيمن حلف بالطلاق؛ لتمطرن السماء غدا فأمطرت؛ فإنه تطلق عليه زوجته؛ لأن ذلك أمر اتفاقي لَا دليل عليه، فمعنى الآية سيظهر لكم صدقي وتندمون على اتباعي فيه؛ وتعلمون أني إنما قلته لكم لدليل ظهر لي وخفي عنكم.
قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾
نقل ابن عطية، عن الأوزاعي، أنه قال له رجل: [إني رأيت طيورا بيضا تغدو من البحر ثم ترجع بالعشي سودا مثلها، فقال الأوزاعي: تلك هي التي في حواصلها أرواح آل فرعون يحترق رياشها وتسود بالعرض على النار*].
غافر 40:47
قيل لابن عرفة: وكيف تغدو من الغد [بيضا*]؟ فقال: لعل تلك الأرواح تنتقل من الغد إلى حواصل طيور أخرى بيض، أو لعل تلك الطيور نبت لها من الغد ريش أبيض؛ لأن ذلك خرق.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: المحاجة مفاعلة واقعة من الجانبين؛ وهي هنا واقعة من الضعفاء فقط، وأما المستكبرون فإنهم قالوا: [إِنَّا كُلٌّ فِيهَا*]، وهذا ليس باحتجاج ولا جواب مع أن قول الضعفاء أتى كالتفسير للمحاجة، قال: وتقدم الجواب بأن الجملة المفسرة إنما تأتي غير معطوفة، والعطف يقتضي المغايرة إلا في قليل، كقوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) فهذا ما خرج عن ذلك؛ فلم يفسر والآية مخاطبتهم، بل ذكر ما يقولون بعد تمامها.
قيل لابن عرفة: أو يكون قول المستكبرين: إن الله قد حكم بين العباد هو الجواب: أي حكم بمساواتكم لنا في العذاب، فلا طاقة لنا على [تخفيفه*] عنكم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾
يؤخذ منه منع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين للاستسقاء في دار الدنيا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمعاذ لما بعثه إلى اليمن [وأهلها*] كفار: "واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب".
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
ابن عطية: هذا إما عام مخصوص؛ لأن في الأنبياء من قتله قومه ولم ينصر عليهم كيحيى، وإما لأن المضرة واقعة بين وفاة من قتل منهم بالانتقام له في قومه في الدنيا.
ابن عرفة: فإن قيل: أن يحيى عليه السلام ليس برسول فالمقام باق على عمومه، قلنا: هو داخل في عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾
غافر 40:53
الأصل [أن*] يقال: وعليهم اللعنة، لكن كان بعضهم يقول: عبر باللام المقتضية للملك والاستحقاق وإشعار استحقاقهم اللعنة، كأنهم حائزون لها [حوز المالك لها*].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ﴾
ابن عرفة: هو [التوراة*] وأسباب الرشاد.
قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ).
عبر بالوراثة؛ لأن بني إسرائيل طوائف تنتقل فيهم التوراة من جيل إلى جيل، فكان بعضهم يرثها عن بعض.
ابن عطية: والوراثة في حق الصدر الأول منهم مجاز.
ابن عرفة: بل حقيقة؛ لأنهم ورثوها عن موسى عليه السلام؛ وصاروا بعد موته هم القائمين بها؛ وعنهم أخذها أولادهم.
قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾
إن أريد به حقيقة الذكر؛ فيكون من باب ضربته الظهر والبطن، فالأمر بالتسبيح عام في كل الأزمنة، وإن أريد به الصلوات الخمس؛ فيكون على ظاهره وحقيقته، واختلفوا، ما الأفضل: فالصحيح أن الفكر في أوقاته المعينة في الحديث أفضل من قراءة القرآن في غير ذلك الوقت أفضل من الذكر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾
قال ابن عرفة: فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (أَتَاهُم)، مع أنه مستغن عنه؟
قال: عادتهم يجيبون: بأن السلطان المراد به الموجب، أي بغير شبهة توجب لهم عذر.
قيل لابن عرفة: السلطان هو الدليل لَا الشبهة، فقال: بل المراد به هنا الموجب، ومنهم من أجاب: بأن المراد الدليل النقلي والعقلي، فقوله تعالى: (بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُم) إشعار نفي الدليل السمعي، وقوله تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ)، إشعار بنفي الدليل العقلي، فدل على أن كفرهم [عناد*].
قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ).
قال ابن عرفة: إن قلت: لم كرر (لَا) في قوله تعالى: (وَلَا الْمُسِيءُ (٥٨).. ، ولم يذكرها في قوله تعالى: (وَالْبَصِيرُ)؟
غافر 40:60
قال: عادتهم يجيبون: بأن عدم مساواة الأعمى والبصير ظاهرة لَا تخفى على أحد، وعدم مساواة المسيء للصالح خفية لَا يدركها إلا من اطلع على حالهما معا، فلذلك كرره.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
قال: عادتهم يقولون: القرآن كله [قول الله تعالى*] فتخصيصه بنسبته إليه لَا بد له من فائدة، وهي الاعتناء بهذا، [وأن سُؤلك*] لَا يسوغ تركه، وقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، ولفظ الأمر فيه زيادة الإشعار بتأكد الطلب.
قال ابن عطية: ومعناه إن شئت ذلك.
قال ابن عرفة: لَا حاجة إلى تقييده بالمشيئة، لأن هذه الشرطية مطلقة كما تقدم لنا في الجواب عن الإشكال الوارد في قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ)، قال: وبيان ذلك أن القائل لزوجته: [إن دخلت الدار*] فأنت طالق، فلا تطلق [بالدخول*] إلا مرة واحدة، ولا يتكرر عليه الطلاق بدخولها مرارا، فالمطلق يصدق وقد وجدنا بعض [الداعين*] يستجاب، فتصدق الشرطية بذلك، أو يجاب: بأن كل داع يستجاب له، ومن لَا يستجاب له لم يكن أخلص النية، أو استجيب له بإدخال الثواب باستجابة الدعاء وحفظه الليل والنهار ونقصه، والخبر هو المبتدأ لكن أفاد بما ذكر معه من الأوصاف، وقدم هنا صفة الخلق على كلمة التوحيد، وعكس في الأنعام لتقدم ذكر المخلوقات هنا.
قوله تعالى: ﴿فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾
استغراب وتعجب من صرفهم على الإيمان به، ثم قال: كذلك [يؤفك*] على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، و [يؤفك*] حكاية حال ماضية، أي كذلك فعل الذين من قبلهم.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾
ابن عرفة: انظر هل يؤخذ أنها [كورية*]، وأنها كالقبة، فهي [نصف*] دائرة، لكن يقال: لو كانت نصف دائرة لانكشف عنه دورانها.
قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ).
قالوا: الإنسان هو أحسن الحيوانات خلقا، كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
غافر 40:66
فإن قلت: إنه غير عام فإن فيه الأعرج والأحدب والأعمى، قلنا: أحكام الخلق لها اعتبارات، فإن اعتبر بالنسبة إلى المفعول فيرد ما قلتموه، وإن اعتبر بالنظر إلى الفاعل فإِنه عام؛ لأنه فعل كله بحكم متقن دال على [اتصاف*] فاعله بالقدرة والإرادة وصفات الكمال، وتفاوته لَا يقدح في إبداعه، ويحتمل أن يقال: إن كل أحدب هو أحسن من غيره من الحيوانات، فمن هو أحدب وأعمى من النَّاس أحسن من أعمى من غيره.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: التعبير عن المنع عن الشيء بلفظ النهي يشعر بأن المكلف بذلك كان ملتبسا به قبل النهي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعبد آلهتهم قط، وفرق بين قولك: لَا تفعل كذا، وبين قولك: نهيتك من فعل كذا، فالأول: يقتضي المنع المطلق، والثاني: يقتضي المنع مما أنت فاعله.
قال: والجواب: أن النهي عن المنتهي يقتضي اتصاف أمثاله به، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان بين أظهر المشركين فنهي عن أن يتصف بصفاتهم، قال: وعادة الشيوخ يذكرون سؤالا موردا في حسن الائتلاف؛ وهو لم [أسند*] لفظ العبادة ولفظ الدعاء لآلهتهم، وهلا قال: أن أعبد الذين تعبدون، أو يقول: أن أدعو الذين تدعون، أو يقول: إن الذين تعبدون فما السر في ذلك؟
قال: فأجابوا: بأن المراد بالعبادة الخضوع، أي نهيت أن أخضع للذين [دعوتموهم*] آلهة، والخضوع يستلزم أن يدعوهم آلهة بل هو أعم، فناسب إسناد النهي للأعم المطلق؛ لكونه يستلزم النهي عما فوق من باب [أحرى*]، فاستعمل الأخص في الثبوت والأعم في النهي.
فإن قلت: قوله تعالى: (لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي)، مفهومه أنه كان متصفا بذلك قبل مجيء البينات؟ فالجواب: بأن النهي له والمراد غيره، وإما أن يراد بالبينات مطلق الوحي المنزل عليه وعلى من قبله من الأمم، ولا شك أنه كان حين بلوغه متشرعا بشريعة إبراهيم صلى الله عليه وعلى آلهما وسلم، وإنما يرد السؤال لو قلنا: المراد لما حضر زمن إرساله ونزول الوحي عليه.
قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
غافر 40:69
المراد بالإسلام العملي الراجع للصلاة والصوم والزكاة، والأول أمر عملي اعتقادي، والنهي عما تقدم إما بالشرع أو بالعقل أو بهما، فيرجع إما للحكم فهو شرعي، أو للدليل فهو عقلي أو لهما معا.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق التنبيه على كمال الله تعالى بالقدرة، وأخرج عالم الإنسان من العدم للوجود، وتصويره ونقله من حال إلى حال، ثم نقل إلى حالة العدم، واتصافه بالحياة والوحدانية عقبه بذم حالة المجادلين في آيات الله مع وضوحها، وآيات الله إما القرآن وإما المعجزات.
ابن عرفة: ، وتقدم في الآية سؤالا قد خفي ظهوره، وهو أن الجملة المتضمنة لمعنى إذا؛ عقبت بالإنكار، فإنما يريد فيها نقيض لازم ذلك المعنى، ولا يتكرر فيها عين لازمه، تقول: أحسنت إليك فكيف تكفرني، ولا تقول: أحسنت إليك فكيف تشكرني، لأن الشكر من لوازم الإحسان والإنكار هنا تسلط على صرفهم عن الآية وهو عين لازم المجادلة فيها، قال: والجواب: أن ذلك إذا كان هو العجب بأمر خارجي عن المعنى الأول، فحينئذ تؤتى فيه بعين اللازم، كقولك: من لم يعلم إنتاج الشكل الأول فكيف يدرك بعقله إنتاج الشكل الثاني، وهنا التقدير كيف تجادلون فيها وأنى يصرفون عن المانع من خبر الذم.
قلت: وقال ابن عطية في قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي كيف تصرفون عن طريق النظر والهدى.
وقال الزمخشري: كيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان.
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
وفيه الفاء للتعقيب وسوف للتنفيس، فكيف صح الجمع بينهما؟ فالجواب: إن التعقيب لذات الشيء، والتنفيس للعليم بذلك، وفرق بين كون الأغلال في أعناقهم وعلمهم قبل نزوله بهم ليس كعلمه بعد حلوله بهم.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَاسِلُ... (٧١)﴾
بالخفض.
ابن عطية: على [النصب*]، أي إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، مثل: أدخلت القلنسوة في رأسي.
غافر 40:74
قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا أنه على ظاهره وليس على القلب، والمراد أن الأغلال في السلاسل، والسلاسل في أعناقهم، فالأغلال في أعناقهم، وقد أراني الفقيه أبو سعيد الغبريني أثر القيد في عبد تهادت ساقه [**طرفا] لهم، وهم يجرونها.
قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾
قال ابن عطية: فدعوا إلى الكذب وهذا من أشد الاختلاط وأبين الفساد.
وقال الزمخشري: أي شيئا، أي نبين لهم أنهم لم يكونوا شيئا، كما تقول: حسبت أن فلانا شيئا، فإذا هو ليس بشيء.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ).
ابن عرفة: مثل ضلال الأصنام وغيبتهم عنهم في الآخرة، يضل الله الكافرين في الدنيا [حين*] طلبوا الآلهة وطلبتهم الآلهة [لم يتعارفوا*].
قلت: والمعنى على ما قال ابن عطية، أي مثل ضلالهم في الآخرة بكذبهم في إنكارهم عبادتهم الأصنام فضلهم الله في الدنيا لعبادتهم لها.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
ابن عرفة: [يوجب*] أن الفرح بغير الحق كبيرة لترتب العقاب الأبدي عليه.
فإِن قلت: العقاب عليه وعلى المدح بعاقله هل هو على كل واحد منهما بانفراد؟ قال: وانظر هل الفرح بغير المباح داخل في ذلك أم لَا؟ قلنا: تجري على الخلاف في المباحِ هل هو حكم شرعي أو لَا؟ وتقدم [نظيره*] في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا).
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
قال ابن سلامة في شرح أسماء الله الحسنى: صرح مسلم أن النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يصلي، يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض" الحديث، وفيه: "أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق والساعة حق"، فلما ذكر ذات الله وصفاته عرف الحق بالألف
غافر 40:78
واللام، ولما ذكر لقاء الله والجنة والنار نكر الحق ليظهر الفرق والله أعلم مبين ذاته وأفعاله، وأنه الحق الذي لم يكن لغيره وإن كان حقا سواه قائما هو به وبإثباته لولي.
ابن عرفة: أراد أنه عرف الحق الذي هو صفة ذات وصفة نفس، لأن الوعد هو الكلام وكلام الله نفسي لَا لفظي لكن ترد عليه تنكيرا في هذه الآية.
قوله تعالى: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ).
قال ابن عرفة: هذه شرطية متضمنة مانعة الخلو من غير مقدمها ونقيض تاليها، أي فإما نرينك قبل وفاتك وبعض الذي نعدهم أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا يرجعون فتنتقم لك منهم على كل حال لهم، قوله تعالى:
(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؍ (٧٨).. أي إلا بأمر الله أو لَا يخلق الله القدرة على ذلك.؍
قوله تعالى: (قُضِيَ بِالْحَقِّ).
راجع إما للحكم أو التنفيذ، والمراد به تنفيذ الحكم الواقع أزلا وهو إظهاره.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾
قال الزمخشري: [الإبل خاصة*].
وقال ابن عطية؛ هي الأزواج الثمانية.
وقال الطبري: إن الأنعام في هذه: يعم البقر، والإبل، والغنم، والخيل، والبغال، والدواب، وغير ذلك.
ويحكي ابن [رشد*] في البيان قولا: بأن الأنعام يدخل تحتها الظباء.
قوله تعالى: (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا).
كان بعضهم يقول للفعل لأنه فعل للعلة لأن الله تعالى لَا يفعل [للغرض*]، لكن أفعاله معللة شرعا.
قوله تعالى: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).
هذا من عطف العام على الخاص لأن المركوب خاص ببعض النَّاس، وخاص بالإبل والأكل عام في جميع النَّاس، وعام في جميع الأنعام.
قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾
من عطف الخاص على العام؛ لأن المنافع خاصة في جميعها من الصوف والوبر وغيره.
غافر 40:82
قوله تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾
راجع إلى الملائكة، وقوله (وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) للكيفية وشدة القوة تارة يظهر آثارها، وتارة لَا يظهر لها أثر، ويؤخذ منه أن التواتر يفيد العلم لأنا نشاهد آثار من مضى وأعمالهم وآنيتهم ولا نعلم إنها آثارهم إلا بخبر التواتر.
قوله تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ).
إما نفي أو استفهام على سبيل الإنكار والعجب.
قوله تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾
حكى الزمخشري فيه [وجوها: منها: أنه على طريق التهكم في قوله تعالى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ: وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب*].
* * *