Lafzullah

تفسير ابن عرفة — فصلت 41:5 – الرحمن 55:60

المؤلف / المصدر: أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ) — تحقيق: جلال الأسيوطي · دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-555)

المحتويات
  1. فصلت 41:5
  2. فصلت 41:14
  3. فصلت 41:17
  4. فصلت 41:20
  5. فصلت 41:35
  6. فصلت 41:47
  7. فصلت 41:53
  8. فصلت 41:54
  9. الشورى 42:13
  10. الشورى 42:21
  11. الشورى 42:23
  12. الشورى 42:29
  13. الزخرف 43:45
  14. الزخرف 43:58
  15. الزخرف 43:64
  16. الزخرف 43:65
  17. الزخرف 43:83
  18. الزخرف 43:86
  19. الدخان 44:5
  20. الجاثية 45:30
  21. الجاثية 45:33
  22. الأحقاف 46:12
  23. الأحقاف 46:16
  24. الأحقاف 46:19
  25. الأحقاف 46:28
  26. الأحقاف 46:33
  27. محمد 47:1
  28. محمد 47:5
  29. محمد 47:12
  30. محمد 47:16
  31. محمد 47:21
  32. محمد 47:24
  33. محمد 47:31
  34. محمد 47:32
  35. محمد 47:35
  36. محمد 47:36
  37. الفتح 48:1
  38. الفتح 48:18
  39. الفتح 48:21
  40. الحجرات 49:1
  41. الحجرات 49:10
  42. الحجرات 49:11
  43. الحجرات 49:12
  44. الحجرات 49:13
  45. الحجرات 49:14
  46. الحجرات 49:15
  47. الحجرات 49:16
  48. ق 50:1
  49. ق 50:7
  50. ق 50:8
  51. ق 50:12
  52. ق 50:16
  53. ق 50:17
  54. ق 50:18
  55. ق 50:21
  56. ق 50:30
  57. ق 50:35
  58. ق 50:44
  59. الذاريات 51:1
  60. الذاريات 51:12
  61. الذاريات 51:24
  62. الذاريات 51:26
  63. الذاريات 51:31
  64. الذاريات 51:36
  65. الذاريات 51:42
  66. الذاريات 51:47
  67. الذاريات 51:50
  68. الذاريات 51:56
  69. الذاريات 51:59
  70. الطور 52:1
  71. الطور 52:9
  72. الطور 52:16
  73. الطور 52:18
  74. الطور 52:20
  75. الطور 52:22
  76. الطور 52:26
  77. الطور 52:30
  78. الطور 52:33
  79. الطور 52:35
  80. الطور 52:36
  81. الطور 52:38
  82. الطور 52:44
  83. الطور 52:47
  84. النجم 53:1
  85. النجم 53:3
  86. النجم 53:7
  87. النجم 53:14
  88. النجم 53:19
  89. النجم 53:24
  90. النجم 53:27
  91. النجم 53:31
  92. النجم 53:33
  93. النجم 53:36
  94. النجم 53:40
  95. النجم 53:41
  96. النجم 53:44
  97. النجم 53:48
  98. النجم 53:57
  99. النجم 53:61
  100. القمر 54:1
  101. القمر 54:3
  102. القمر 54:5
  103. القمر 54:7
  104. القمر 54:12
  105. القمر 54:17
  106. القمر 54:23
  107. القمر 54:33
  108. القمر 54:35
  109. القمر 54:44
  110. القمر 54:47
  111. القمر 54:50
  112. القمر 54:53
  113. الرحمن 55:1
  114. الرحمن 55:6
  115. الرحمن 55:9
  116. الرحمن 55:24
  117. الرحمن 55:26
  118. الرحمن 55:31
  119. الرحمن 55:33
  120. الرحمن 55:35
  121. الرحمن 55:37
  122. الرحمن 55:39
  123. الرحمن 55:41
  124. الرحمن 55:44
  125. الرحمن 55:54
  126. الرحمن 55:60

فصلت 41:5

سُورَةُ فُصِّلَتْ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ قال ابن عرفة: هذه إشارة إلى إنكارهم الدليل العقلي الدال على وجود الله ووحدانيته. قال الشيخ: اليوم قطعة من الزمان. فإن قلنا: الزمان حركة الفلك فما معني اليومين إذ ذاك، فإن قلت: الزمان عبارة عن مقارنة حادث لحادث ولا يلزم عليه ما ذكرت، قلت: ذلك كلام خرج من قائله على غير تحصيله وإلا فيلزم إن كان زمان مضى زمان أصلا؛ لأنه قد انقضى ولم [يزل*] الحادثان، ويلزم أن نكون نحن صحابة؛ لأن زمانهم لم يزل يطلق على زمان مع حدوثنا نحن، وهذا كله باطل. قال الشيخ: وسؤال الزمخشري هنا أنه لم ينثني عمل انحصاره، قلت: فيما قاله [نظر*] بل ينبغي أن [نفسر*] الآية بغير ذلك ولا يلزم عليه سؤال، وهو أن قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) الآية ليس معطوفا على خلق الأرض وإنَّمَا ذلك كلام قديم، وثَمَّ محذوف تقديره فعل ذلك واسمها (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ). إن قلت: خطابه لهما هل هو حقيقة أم لَا؟ قلت: اقتران الأمر بذلك الطوع والكره دليل على أن كلامه لهما حقيقة، لأن الطوع والكره لَا يكون إلا من المخاطب حقيقة الموصوف بالحياة، وكذلك قوله تعالى: [(أَتَيْنَا) *] دليل على أن كلامهن حقيقة. قوله تعالى: (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) إنكار منهم للدليل السمعي الدال على وجود المعاد والدار الآخرة. قوله تعالى: (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ). إنكار للمعجزات المرسلات بالبصر، فأنكروا المعقول والمسموع والمبصر. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ ابن عرفة: علقه بالإعراض وهو أخف من التكذيب ومن التولي ليفيد العقوبة على ما فوقه من باب أحرى.

فصلت 41:14

قال: وفي الآية دليل على وجوب النظر، قال: والتعبير بلفظه أن فعلهم حتى كأنه غير واقع منهم اعتبارا بالأمر الشرعي لَا العادي مثل صاعقة [عاد وثمود*]. قال ابن عرفة: إن كانت صاعقة ثمود مثل صاعقة عاد لزم التكرار من غير فائدة، وإن كانت مخالفة لها لزم مماثلة الشيء بواحد لأمرين مختلفين وهو باطل، قال: والمثلان عند الفقه باعتبار العادة هما المتساويان في الأمور الأعمية من جميع الوجوه، وعند المتكلمين هما المتفقان في صفات النفس وإن اختلفا في الأمور الأعمية فإِن كانت هذه الصاعقة فلأنها في تشبيهها بصاعقة ثمود، وإن كانت مماثلة لأحدهما ومخالفة للأخرى فلا يصح التشبيه، قال: وتقدم الجواب بأن التعدد في التشبيه مبالغة في تأكد العذاب وتكرره، وإنه يحل ببعضهم صاعقة كصاعقة عاد، ويحل ببعضهم أخرى كصاعقة ثمود. قلت: فالمماثلة في وقوع الصاعقة من حيث كونها آية والمخالفة في صفتها. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ابن عطية: أي في أول تكليفهم، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي في آخر عمرهم. الزمخشري: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) أي من بين أيدي الأمم ومن خلفها الرسل المرسلين إليهم، أي جاءتهم رسل بعد رسل. قوله تعالى: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً). ابن عرفة: الصواب تفسير لها أي لو شاء الله إرسال الرسل لأنزل ملائكته لكنه لم ينزل فلم يرسل رسلا. ولكن كما قال أبو حيان: لما صح الاستثناء لأنه يكون التقدير: لكنه لم ينزل ملائكة فلم يرسل إلينا ملائكة، والغرض أنه كذلك وقع فلم يتم له، فالصواب أنه يرد مفعول بشاهد غير جواب لواو لازمة. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال ابن عطية: (صَرْصَرًا) هو من صر يصر إذا صوت صوتا يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح أكثر الأوقات. قال ابن عرفة: قالوا: الطباق هو موافقة اللفظ للمعنى إما في الإفراد، كقولهم: [صرصر البازي*]، [وصرصر العصفور*]، وإما في التركيب، كقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤).

فصلت 41:17

قال: (اللَّيْلِ) [مفارق*] للنهار، و (الذَّكَرَ) مفارق للأنثى، وكذا (سَعْيَكُم) متفرق مخالف بعضه لبعض. قال ابن عطية في الحديث: إن الله أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد قدر حلقة الخاتم ولو فتحوا بقدر منخر الثور لهلكت الدنيا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إن عادا كفروا لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) فعذبهم الله تعالى بأضعف شيء من العناصر لأن الريح أضعف من جنس التراب والحجر وغير ذلك من العناصر تعجيزا لهم في افتخارهم بالقوة. ابن عرفة: قال: وهنا أيام نحسات، وفي سورة القمر: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) فدل على صحتها. قال الأصوليون: في الواحد بالشخص، والواحد بالنوع، قيل لابن عرفة: هذا دليل على أن الزمان موجود لأن حلول الريح فيه دليل على أنه موجود، فقال: وكذلك هو عندنا لأنه حركات الأفلاك أو مقارنة حادث لحادث. قوله تعالى: (عَذَابَ الْخِزْيِ). مقابل لقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) لأن الخزي هو الاحتقار. قوله تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ). تعليل للفعل لأنه فعل العلة، أعني أنه ليس بفعل [للغرض*] فهو تعليل شرعي جعلي عقلي. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ قال ابن عرفة: تحامل الزمخشري هنا على أهل السنة وسماهم قدرية، فقال: ولم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة النبي ﷺ وكفى به شهيدا إلا هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ قال ابن عرفة: الظاهر لمن يقول لشخص: يا عدو الله إنه لَا يقتل لأنه إنما يقصد به المبالغة والمعصية، وربما يقوله بعضهم على جهة المدح، قيل له: مقتضى قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) إنه كافر، فقال الظاهر: إنه غير كافر. قوله تعالى: (فَهُمْ يُوزَعُونَ).

فصلت 41:20

أي يجلس أولهم حتى يجيء آخرهم وكذلك مقتضى الجمع. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ زيادة (مَا) للتأكيد أي حتى إذا جاءوها. وقيل: لتأكيد ملزومية الشرط للجزاء لأنها لتأكيد الشرط وحده. قال ابن عرفة: وحاسة البصر أفضل من حاسة السمع بدليل أن موسى عليه الصلاة والسلام أكرم بسماع الكلام الأزلي ولم [يحظ بالرؤية*]. قيل لابن عرفة: لم يكن في الأنبياء أصم، وقد كان شعيب عليه السلام أعمى فدل على أن الصمم عيب بخلاف العمى. قوله تعالى: (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى). فهدى [ثمود*] بالضلال الذي هو مقابله. قلت: هو من حذف التقابل، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)؟ ويجاب: بأنهما متساويان في الحسن، كما تقدم في قوِله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ إما ضدان أو نقيضان أو خلافان، فلا يصح أن يكونا نقيضين لأن عدم المساواة بين النقيضين معلوم بالبديهة، فهما ضدان لصحة ارتفاعهما عن الشيء الواحد فلا يكون حسنة ولا سيئة، ويحتمل أن يكون المراد لَا تستوي الحسنة ولا عدمها، وإن الحسنات في ذواتها متفاوتة فهي غير مستوية والسيئات كذلك بعضها أعظم من بعض. قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ).

فصلت 41:35

إن قلت: لم عبر بهذا ولم يقل: فإذا الذي هو عدوك؟ فالجواب: أن هذا يفيد حصول العداوة من الجانبين، وكل واحد منهما عدو لصاحبه، ولو قيل: فإذا الذي هو عدوك لَا، فإذا العداوة من أحد الجانبين فقط. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي من الصبر أو من العقل ولا يحصل ذلك إلا من اتصف بالصبر، وهذا أخص من الأول. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الزمخشري: النزغ هو النخس. ابن عرفة: وهذا على سبيل [الفرض*] كان ملزومية المقدم للتالي لَا يدل على وقوعه، مثل: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)، ولذلك أتى فيه بكلمة إن قلت: هو حقيقة، قال: أو هو مجاز، وشبهه بعضهم بطائر مؤذ أغار على بستان فلا يؤذيه ولا يقصد إذايته لعلمه أنه لَا يقبل الإذاية لكنه يمر عليه ويقصد إذايته، ويمنعه من ذلك مانع، وتارة يقصد إذايته فيؤذيه، فالأول: حالة الشيطان عليه اللعنة مع الأنبياء عليهم السلام، والثاني: حاله مع الأولياء يوسوس لهم فلا يعطونه، والثالثة: حالة مع سائر النَّاس من العصاة. قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ابن عطية: أي مما قبله من الكتب و (مِنْ خَلْفِهِ) أي مما بعده من نظر ناظر أو فكرة عاقل، أي لَا يتعلق به إبطال مبطل متقدم ولا متأخر. ابن عرفة: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) على هذا متعلق بالباطل لَا يتأتى لأن يأتي مستقبل، و (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) مأمن له، قلت: أو يكون حالا من الباطل. قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فسر بمعنيين: أحدهما: [ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم*]. الثاني: ما يقال لك من الوحي في الكتاب المنزل عليك إلا ما قد قيل للرسل في الكتب المنزلة عليهم، أو ما يقال لك من الوحي بالأحكام والشرائع إلا ما قد قيل [لغيرك*]، فالمقول له على هذا مثل ما قد قيل لغيره لأنه غير ما قد قيل لغيره.

فصلت 41:47

ابن عرفة: ويحتمل أن يراد ما يقال لك من كلمة التوحيد واعتقاد ما يجب لله وما يستحيل عليه إلا ما قد قيل لغيرك من الرسل، فالمقول على هذا نوعين: ما قيل لغيره وهو كلمة لَا إله إلا الله. قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ). ولم يقل: ذو مغفرة شاملة، كما قال تعالى (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) تغليبا للخوف على جانب الرجاء. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أما معطوف على الساعة، أي داليه يرد علم الساعة، (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ) فما موصولة فهو منحصر في علم الله، وإمَّا متصل بما بعده وما نافية. قال ابن عرفة: والثمرات بعد حصولها في الأكمام قد يدعي أحد علمها، وكذلك الحمل بعد ظهوره، وأما قبل حصول الثمرات في الكم فلا يقدر أحد أن يدعي علمها، وكذلك النطفة حين حصولها في الرحم لَا يعلم أحد لها بوجه، فلذلك أسند العلم إلى الله تعالى في حالة إمكان ادعاء العلمِ بها فأحرى في حال عدم ادعائه. قوله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ... (٥١) قال ابن عرفة: النأي عن الشيء البعد منه أقوى من الإعراض عنه، فلذلك عطفه عليه أو يكون الاعتراض من صفة المؤمن، والنأي من صفة الكافر أو هو قدر مشترك بين الجميع، وعبر هنا بالفعل مبالغة في ذمه بمطلق الإعراض، ثم عبر بالاسم، في قوله تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) مبالغة في ذمه بكثرة الإلحاح وملازمته له عند نزول الشدائد به. قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ). لأن العرض يستلزم الطول فكل عريض طويل والطويل قد لَا يكون عريضا. ابن عرفة: هذا لَا يصح، فإن الطول والعرض أمران نسبيان، فالشيء لَا بد له من طول وعرض، وكذلك الخيط لَا بد له من طول وعرض، والصواب كأن يقول: عظم العرض يستلزم الطول، والطول لَا يستلزم العرض، بدليل المفتول والحبل فإنهما طويلان قليلا العرض بخلاف [ما لو*] كان الشيء كثير العرض، فإن طوله إما أن يكون قدر عرضه، أو أعظم منه، ولا يكون أقل منه أصلا بوجه.

فصلت 41:53

قلت: وأفصح ابن عطية في سورة آل عمران (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) فقال: الطول لَا يدل على قدر العرض بل قد يكون الطويل قليل العرض كالخيط، وانظر على الذم على مجموع أو على كل واحد منهما. قيل لابن عرفة: لو كان الذم على مجموعها للزم عليه المفهوم، فقال: يكون مفهوم أحرى لأنه إذا ذم على الإعراض عند النعمة والدعاء عند الشدائد، فأحرى أن يلزم عن الإعراض عند النعمة، وعدم الدعاء عند الشدائد. قوله تعالى: (عَرِيضٍ). إشارة إلى أنه ذو دعاء لكنه يعظم دعاءه، والحاجة عند الشدائد، وفرق بين قولك: هذا الثوب ذو عرض، وهذا الثوب عريض، فعريض أبلغ فعبر في الأول، بقوله: (إِذَا أَنْعَمْنَا)، وفي الثاني بالقسم إشارة إلى المبالغة من حيث إنه يعرض عند حلول كمال النعمة به، ويصح في الدعاء عند نزول أوائل السور، وأسند النعمة إلى الله تعالى [والمس*] إلى الشر على جهة الأدب. قيل لابن عرفة: بل هو حقيقة عند المعتزلة، فقال: لَا لأنهم يقولون: إن الأمراض والعلل ليست من فعل العبد، وعطفه هنا وفي الأحقاف بالواو، قوله تعالى: (مَنْ أَضَلُّ). ابن عرفة: جوابها إما مفهوم من الأول أي من أضل هو أو من [** (حس)]، وهذا مع قوله تعالى: في الأحقاف: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ينتج أنهما مستويان في الضلال. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إن أريد بالشهادة لازمها وهو العقوبة والانتقام، فلفظ (شَيءٍ) خاص بالحادث، وإن أريد بها العلم والحضور فيعم القديم [والحادث*] وهذا خطاب للكفار والمراد به رؤساءهم، وأما العوام والأتباع فلا يعلمون ذلك حتى يقرأ عليهم عملهم بهمزة الاستفهام، قلت: بدليل حديث ابن مسعود في كتاب القدر عند مسلم اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم،

فصلت 41:54

فقال أحدهم: أترون الله يسمع إن أخفينا، وقال الثالث: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إن [أخفينا*]. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ المراد بذلك الدار الاخرة وإلا فالموت تحقيق عندهم. قوله تعالى: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ). ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها إنه لما اتصف الله تعالى بالجزاء، في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) وأنه حكم عدل ليس بظلام للعبيد، قد تتشوق النفوس لمعرفة الوقت الذي يقع فيه الجزاء، فقال: علم ذلك معروف له لَا لغيره، والألف إما للجنس فالمراد به: يعلم ساعة بعد ساعة أو [؍ ] فهي ساعة واحدة وهي [القيامة*].؍ ابن عرفة: وقد تقدم لنا في الآية سؤالان أن إلى لانتهاء الغاية وما [بعدها*] غير داخل فيما قبلها فيفيد أن رد الفعل منتهى إليه وهو غير داخل مع أنه في نفس الأمر داخل؟ وأجيب بوجهين: أحدهما: أن تكون القرينة هنا صيرته داخلا، كما قالوا في: اشتريت الشقة التي طرفها. الثاني: أن الرد ينشأ عند الثبوت والاستقرار، فالثبوت والاستقرار هو الداخل والرد غير داخل. السؤال الثاني: أن الرد يقتضي انفصاله بعد انفصال، قال تعالى (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) وكان موسى عليه السلام انفصل عن أمه ثم رجع إليها، وأجيب: بأن المراد إليه معرف علم الساعة. قوله تعالى: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا). إما لكل ثمرة كم، أو لكل ثمرة أكمام، كما في النور فإنه أولا يفتح عنه النوار ثم يلبس، فيزول عنه القشر ثم يكنز، فيزول عنه القشر الآخر. قوله تعالى: (وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ). ولم يقل: وما تضع، فأجيب: [بأن (لا) للنفي*]، والوضع متأخر عن الحمل. قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي). ابن عرفة: هذا السؤال تبكيت لهم وخزي، فلا يستحق جوابا؛ [لأنهم*] كانوا في مقام الدهش [وعدم العلم*]، أجابوا بقولهم: (آذَنَّاكَ) ولم يطلب منهم جواب بوجه، وعلى هذا لَا حاجة بسؤال الزمخشري، في قوله: [فإن قلت: آذَنَّاكَ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ *] لأنه سؤال تبكيت. قوله تعالى: (آذَنَّاكَ). أي [أعلمناك*]. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الآذان أقوى في الإعلام من العلم لأنه يقتضي الشهرة والإذاعة بذلك، قال الله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ) ومنه الآذان لأنه يرفع الصوت فهل هو إخبار عن إعلام مضى أو إنشاء، ومنه مسألة المدونة في أول كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، قال: ومن طلق زوجته، فقال له رجل: ما فعلت؟ فقال: هي طالق، فقال: إن نوى إخباره فله نيته. قوله تعالى: (لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ). السآمة هي الكسل عن الدوام على مشقة لما حصل إتعاب النفس في بعضه من أمور التكاليف فنهى عن الكسل عن ذلك، [وأراد*] الامتناع منه، واليأس أمر [عدمي*] عبارة عن تعلق النفس بالرجاء، والرجاء ضده، فهو تعلق الأمل لحصول الأمر المحبوب، والقنوط عبارة عن ظهور أثر ذلك المكلف. * * *

الشورى 42:13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا﴾ ابن عرفة: كلام متعلق الخبر مستقبلا سمي وصية، وإن كان حاليا سمي واجبا، ولما كان دينا مستقبلا عن دين نوح وغيره من الأنبياء، أطلق على الدين المؤيد إليهم به وصية، وأطلق على الدين المنزل إلينا وحي لأنه حالي ليس بعده شيء، ولما كان نوح غائبا عنا، فقال تعالى (مَا وَصَّى) بلفظ الغيبة، ثم قال: (وَالذِي أَوْحَيْنَا) بلفظ التكلم لأنه خطاب للحاضر، فغلب فيه خطاب الحاضر على الغائب فأدخل بعده فيه، فقال تعالى (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ). قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ إن قلت: نفيت الحجة مع أنها ثابتة، بقوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) قلت: معناه لَا يحاجه. فإن قلت: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ... (١٦).. حصول المحاجة منهم، فكيف نفيت عنهم؟ قلنا: المنفي عنهم إنما هي المفاعلة والمثبت إنما هو قوله: (يُحَاجُّونَ) ويفاعلون لَا يقتضي المفاعلة من الجانبين لأنك إذا قلت: تضارب اقتضى الفاعل منهما، وإذا قلت: [تضارب لم يقتضِ*] التفاعل بل حصول المعرفة [بالبادئ منهما*] واختار أن يفاعل يقتضي [المفاعلة*]، ويلزم حصول التعب والغضب، فأما في حق الكافر فصحيح، وأما في حق المؤمن فيدل على أن النظر يحرم في علم الكلام وقد قال به جمع كبير، وأيضا يلزم أن يكون الجمع في الضلال. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ). لأنها إذا كانت داحضة عنده من حيث كونه رءوفا رحيما، فأحرى أن تبطل من حيث كونه قادرا قاهرا منتقما. قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ابن عرفة: قال بعض شراح سيبويه في باب الإحالة [**فرق بين الخبر المتهافت في نفسه، وبين الخبر المتهافت، مثال الأول: سأحمل لك هذا الطعام أمس]، ومثال الثاني:

الشورى 42:21

هذه الآية لأن استعجالهم بها وطلبهم تقدمها يقتضي إيمانهم بها فهو مناقض للإخبار عنهم بأنهم كذبوا بها. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق ذمهم بكفرهم بالله عقبه ببيان أنهم ليس لهم في ذلك شبه. فإِن قلت: المطابقة تقتضي أن يقال لهم: شرعوا من الدين ما لم يشرعه الله، كما قيل: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا*]، وأجيب: بأن الإذن أعم من الشرع، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص؛ لأن الشرع يقتضي ثبوت ذلك وجعله شريعة مستمرة، والإذن يقتضي الأمر به. قوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ). ابن عرفة: عادتهم يقولون الفرق بين هذا وبين قوله: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) قال وأجيب: بالفرق بين اعتبار المستقبل من حيث نسبته للفاعل وبين اعتباره من حيث نسبته للمفعول، فقوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ) أتى فيها الخبر منصوبا للفاعل، وقوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) الخبر فيه منصوب للمفعول، أي (وَلَوْلا كَلِمَةُ) الموجبة للفصل بين النَّاس، فالفصل بين النَّاس منعزل للكلمة. قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ابن عرفة: عادتهم يقولون: ترتيب الوصف المناسب [يشعر*] بكونه علة له، فهلا أتى معبرا عنه بلفظه، فيقال: (مُشْفِقِينَ) من ظلمهم. قال: وأجيب: بأن الكسب أعم من العلم فهم لأجل ظلمهم يخافون من كل ذنب [عملوه*] وإن قل. وأورد الفخر: أن الإشفاق هو الخوف ومتعلقه مستقبل، فكيف قال وهو واقع بهم؟ وأجيب: بأنها حال مقدرة، ويحتمل أن تكون محصلة، قيل له: الضمير يعود على قوله تعالى: (مِمَّا كَسَبُوا) أي وما كسبوا واقع بهم فيرد الإشكال، فقال: [واقِعٌ بِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ وَبَالَهُ وَاقِعٌ بِهِمْ سَوَاءٌ أَشْفَقُوا أَوْ لَمْ يُشْفِقُوا*] وهم خائفون من تزايده وتراكمه عليهم شيئا بعد شيء [فيكون*] من باب عندي درهم ونصف، قالوا: [واقِعٌ بِهِمْ*] عذاب مثله وهم مشفقون من تزايده. قوله تعالى: (فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ).

الشورى 42:23

إما لكل واحد روضة، أو لكل واحد روضات، ويكون الظرف مجازا، كقولك: زيد في المدينة، وإنما هو في موضع واحد منها، فالظرف أوسع من المظروف. قوله تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ). ابن عرفة: قد ورد "أن في الجنة ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت"، فأجيب: بأنها لَا تقتضي الحصر إلا لو قيل: ليس لهم إلا ما يشاءون وما لم يكونوا [يشاءوه*]، وفي الآية دليل على أن العاصي في الجنة [لأن*] المؤمن الصالح في روضات وهي أعلى روضة فيها، كما فسره الزمخشري؛ والعاصي فيها فقط، وهذا تفسير الزمخشري. قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ). دليل على أن دخول الجنة محض تفضل من الله عز وجل. قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ قال الزمخشري: الإشارة إلى التبشير. قيل لابن عرفة: والضمير المقدر عائد على المصدر المفهوم من بشر، أي [البشرى*]. قوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا). إن قلت: هلا قيل: لَا أقبل لكم أجرا، فهو أخص من السؤال لأنه قد [يأخذ*] الأجر من غير سؤال؟ فأجيب: بأنه إنما يعدل عن ذلك لأجل الاستثناء لأنه سأل منهم تحصيل المودة القرابية. وذكر الزمخشري هنا أحاديث ولم يتعرض لها الطيبي بوجه. لكن ذكر الترمذي حديثا يرجع معناه إلى معنى بعضها، وفيه التوصية على العباس عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنه، وأن عم الرجل صنو أبيه. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ابن عرفة: المراتب ثلاثة: أدناها الكذب، وفوقها الافتراء، وأقبح منه افتراء الكذب. قوله تعالى: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ). [فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفترى عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم*]. (١) (١) من الكشاف، وعبارة الكتاب المطبوع هكذا [أي فإن يشأ أن يختم على قلب].

الشورى 42:29

ابن عطية: قيل: بالصبر على آذاهم [وقيل: ينسيك القرآن*]، وكان بعضهم يقول: الآية دليل على إبطال قولهم وصحة قول النبي صلى الله عليه وسلم، وتقريره أن كل ما أتى به الناقل منسوبا للمنقول عنه بحضرته فهو غير مفترى، إذ لو كان مفترى لأنكر عليه نسبته إليه، ولما لم ينكر نسبته إليه دل على أنه من عند الله حقيقة، لقوله: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ابن عرفة: في الدليل الدال على وحدانية الصانع، فقيل: الحدوث، وقيل: الإمكان، ويؤخذ من الآية أن الدليل على وحدانيته [هما معًا لأن (مِنْ) في*] قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ) للتبعيض فدل على أن حدوث هذه المخلوقات بعض الدلائل لَا كلها. * * *

الزخرف 43:45

سُورَةُ الزُّخْرُفِ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ قيل: إنما أُمر أن يسأل جبريل عليه السلام، أو يسأل الرسل ليلة الإسراء. ابن عرفة: الصواب أن يقال: (اسْأَلْ) أتباع الرسل [تقريرًا*] لتقيم به الحجة عليهم، وإلا فهو عالم بذلك غير محتاج إلى السؤال عنه، وسؤال جبريل والرسل لا يصح لقول [صاحب*] الجمل: إن الطلب من الأدنى إلى الأعلى هو مسألة ودعاء، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى من غيره. وقد قال بعضهم: إن السؤال يقتضي أن يكون عند المسؤول عنه علما. قيل لابن عرفة: من يسألهم عن هذا هل وقع في الموجود أم لَا؟ وقيل: الأمر بسؤالهم عن جواز هذا عقلا وهو أبلغ، فقال: تنزل بعضهم على قدر عقولهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ أورد الزمخشري فيه سؤال التناقص أو التسلسل إذ الآية الأولى ليس [قبلها*] آية، وإن كانت مما بعدها أكبر منها لزم التناقض، وأجيب: بمثل ما أجيب في قوله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) أن هذا يزيد على هذا الشيء ويزيد عليه المفضول لشيء آخر، فكذلك الآية أكبر من أختها في شيء، وأختها أكبر من أختها في شيء آخر، أو بالنسبة إلى المخاطبين، أو واحد يعتقد أن هذه أكبر. وآخر يعتقد أن هذه أكبر، وآخر معتقد العكس، فالمراد من واحدة من أخواتها بالنوع لا بالشخص؛ لأنها أكبر من التي قبلها. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي فلما [أغضبونا*]، وليس المراد حقيقة الغضب بل هو بمعنى إرادة الانتقام منهم، أو عبارة عن فعل ذلك بهم. قيل لابن عرفة: يلزم عليه أن يكون المعنى: فلما انتقمنا منهم، فقال الأول: انتقام أعم، أي فلما انتقمنا انتقمنا منهم. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي يصدوهم [عن*] عبادة محمد كما عبدت النصارى عيسى؟ وذلك لما نزل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)، ونزل قوله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) على ما فسروه هناك من أنه [كناية عن الاحتياج لأن*] الغائط والبول كان ذلك سببا لنفور المشركين عن عبادتهم وترجيحهم عبادة الأصنام على عبادة عيسى عليه السلام، قوله تعالى: [(بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ) *] ابن عرفة: أي هذا إضراب إبطال؛ لأن بقاء الكلمة في عقب إبراهيم سببا في تعلق أصله برجوعهم فهو إبطال تشبيه، فالكلمة باقية في عقب إبراهيم على أنه لم يخل زمان عن توحيد الله عز وجل، لكن بقاء ذلك لم ينفع في إيمان قريش؛ بل لم يزالوا كفارا. قال: وتقدم لنا هنا سؤال وهو هلا قال: بل متع هؤلاء وآباءهم؟ وأجيب: بأنه إخبار عن أمر ماض ويمتنع الإنباء عن مستقبل. ابن عرفة: وذكر ابن عطية في غير هذا الموضع: أن قريشا كان منهم سبعون رجلا ملك كل واحد منهم القناطير من الذهب والفضة، قال: والغاية تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها ولا [عكس*]، فالجواب: أن الإيمان بالرسول إنما هو لأجل مجيئهم بالحق فتكذيبهم بالحق الذي هو مقصد يستلزم تكذيبهم بالرسول، قال: وتقدم لنا هنا سؤال، وهو أنه قال تعالى في سورة المنافقين: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) فأجابهم بالقول الموجب، وهنا لم يخاطبهم بالموجب، فكان يقول لهم قد نزلت على النبي ﷺ وهو أعظم من كل عظيم. قال: وعادتهم يجيبون: بأنهم لو أجيبوا بذلك لأوهم أن لهم حظا في القسمة كما وافق هنا على العزة والذلة، فقيل هنا: ليس لهم حظ في القسمة كما وافق هنا على العزة والذلة، فقيل هنا: ليس للعظيم حظ في القسمة، وليس لكم قدرة على القسمة بحيث تجعلون ذلك العظيم. وأجاب بعضهم: بأنهم فهموا العظم في الدنيا باعتبار كثرة المال وكثرة اليسر [والحركة*]، وليس كذلك بل المراد العظيم القدرة عند الله. قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ). إن أريد الذكر الابتدائي، إما بالقلب أو باللسان، فالمصدر مضاف للفاعل، فالمراد [بالذكر*] القرآن [**المقول]؛ لاستحالة وقوع ذلك من الله لأنه ليس بجسم، وإن أريد الذكر الناشىء عن سببه، فالمصدر مضاف للفاعل، فالمراد [بالذكر*] القرآن، أي ومن يعش عن سماعها والاتعاظ بها.

الزخرف 43:58

قوله تعالى: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ). قال الحجاج: فرعون افتخر بملك مصر وليست [كذلك*]، وإنما المحمودة دمشق [**على مصر أقل البلاد قدرا]. وقد رد ابن طاهر على الحجاج في مقالته هذه، قيل له: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) راجع، لقوله: (لِي مُلْكُ مِصْرَ)، ولقوله تعالى: (الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) أو إلى المجموع، فقال: لَا يصح الأول، وأما الثالث فيلزم فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والثاني ظاهر قوله تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا)، كقوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي آسفوا رسلنا. قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يقتضي ذم الجدال في العلم ولا شك في ذمه، فيقتضي ذم جميع الجدال؛ لأن الآية عامة. قيل له: الجدال [المذموم*] ما كان في [... ] الحق والمخالطة فيه، فقال [هو*] طريق لهما: أعني لإظهار الحق والباطل، والذم تسلط على الأعم، فلا موجب لتخصيصه مع أنه ليس من العلم في شيء؛ لأنه يوجد عالم غير جدلي، وجدلي غير عالم، وأيضا فالعلم محله لَا يطل عليه مانع لأن محله إما العمل أو التكليف، والجدل محله استعماله قد يطل عليه مانع بأن ينسل لسانه فيبقى عدمه ووجوده شيئان فالعلم غير معروض، والجدل معروض. قال الشيخ: ومن قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ) إلى قوله: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى) فإن قلت: لم قال: تشتهيه الأنفس ولم يقل أنفسنا؟ قلت: إشارة [إلى*] التعميم، فإن [كل ما يشتهى*] هو فيها. فإن قلت: لم ذكر الأنفس والأعين دون الإسماع؟ قلنا: لأن لذة السمع أقرب إلى النفس من البصر، وجمع الأنفس جمع قلة إشارة إلى قلتها في النسبة إلى كثرة ما أعد الله لها من النعيم، ولم يجمع في القرآن جمع كثرة، إلا في قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) إشارة إلى عموم علة، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧). قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ لأنها طريق إلى لذة النفس، لأن النفس لَا لذة لها بدون العين بدليل الأعين، ولم يذكر حاسة السمع؛ [لأن النسبة إلى غيره*].

الزخرف 43:64

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [سماها*] ميراثا إشارة إلى الجمع بين هذه الآية، وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لن يدخل الجنة أحد بعمله"، فدل ذلك على أن دخول الجنة من غير عوض؛ فأشبه الميراث الذي هو عن غير عوض. فإن قلت: الآية نص في دخولها بالعمل؟ قلنا: العمل حق لله تعالى وهو الذي أقدر المكلف عليه، فلا وجود له إلا بخلق الله تعالى فليس [بعوض*] بوجه. وقول ابن عطية: إن دخولها بفضل من الله، ورفع الدرجات بالعمل باطل؛ بل الجميع بفضل الله عز وجل. قوله تعالى: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ). ابن عطية: بعض بمعنى [كل*] وضعفه، قال: وذهب الجمهور إلى أن الاختلاف في أمور كثيرة دينية ودنيوية لَا مدخل لها في الدين، والنبي إنما [يبين*] الأديان فقط. وهو بعض ما يختلف [فيه*]. ابن عرفة، يقول: الأولى في تفسير هذا أن يقال: [الاختلاف: الخوض في التناقص، وأنه*] اختلاف قضية بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي أن آية صدق أحدهما وكذب الآخر فالمختلفان أحدهما [محق والآخر مبطل*]، فالنبي إنما بعث لتبيين الحق، فإِن بينه علم بالضرورة [أن*] ما عداه باطل، وكذلك قوم عيسى عليهم السلام بعضهم يدعي أن مع الله شركاء، ويثبت له الولد والزوجة، وبعضهم يوحده وينفي عنه الشريك، فجاء عيسى عليه السلام [مُبيِّنًا*] أن الحق مع من يوحده، وهذا بعض من كل. معناه، ولأبين لكم منه ما هو الحق فيتبعونه ويترك ما سواه. قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). ابن عرفة: هذا دليل على أن من شرط الإيمان التمكن من النظر لَا نفس النظر، إذ لو كان كذلك لقال: انظروا. وأورد ابن عرفة: بأن الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أكده هنا بالضمير ولم يؤكده في سورة آل عمران ولا في سورة مريم.

الزخرف 43:65

فأجاب أبو جعفر بن الزبير: بأن آية آل عمران ومريم تقدمها نحو عشرون آية ذكر فيها ما يدل على الربوبية والتوحيد، وهذه ليست كذلك، [فاقترنت فيها*] بزيادة الضمير. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا أبلغ، من قوله تعالى في سورة مريم (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) لأن ما لزم الأعم لزم الأخص من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أورد الزمخشري: أنه تأكيد؛ لأن إتيانها لهم بغتة يغني عنه، ثم أجاب: بأن معنى قوله تعالى: (لَا يَشْعُرُونَ) أنهم غافلين لاشتغالهم بأمور دنياهم، ويجوز أن يأتيهم بغتة وهم يظنون. ونقل الطيبي عن القاضي -يريد به البيضاوي- على عادته أنه أجاب: بأنهم قبل إتيانها لهم بغتة لَا يشعرون أنها تأتيهم بغتة. قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إن أريد به عداوة الجماعة منهم للشخص الواحد كعداوة قوم فرعون لفرعون، فالبعض صادق على الأكثر، وإن أريد به عداوة كل فرد لخليله فلا يلزم فيه ذلك. قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ إن قلت: لم نفى الخوف بالاسم والحزن بالفعل؟ قلنا: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبوا بوجهين: أحدهما: أن سبب الخوف مستقبل، والمستقبل ما يعقل فيه التجدد إذ هو غير واقع، وسبب الحزن ماض والماضي واقع حادث فيعقل فيه التجدد شيئا بعد شيء وحدوث بعد حدوث وهو أنه [كلما يتذكره الإنسان يتجدد حزنه*]. الثاني: أن الماضي متناه، والأمور المستقبلة غير متناهية، والنكرة في سياق النفي عامة، فناسبت اقترانها بغير المتناهي ليكون أبلغ في النهي، وإنَّمَا أخر النعت، ولم يقل: يا عبادي الذين آمنوا لَا خوف عليكم، ليكون أنكى للعدو وأشد حسرة عليهم في العذاب حيث يطمع ويرجو الدخول بهم في ذلك ثم [يبلس*] بعد ذلك، وفي الآية التفات بالخروج من الخطاب إلى الغيبة، إذ لم يقل: الذين آمنتم بآياتنا وكنتم مسلمين. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ قال ابن عرفة: فسروه بوجوه:

الزخرف 43:83

أحدهما: أنه من [الفرض*] على المحال لكن يرد عليه أن القياس يستثنى فيه نقيض التالي تفيد المقدم، إلا أن [... ] قال: يحتمل أن يراد (أَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ) للولد، فيكون المعنى لكن لست أول العابدين فليس للرحمن ولد. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ابن عرفة: الخوض إما الاشتغال بما لَا فائدة فيه فقط، واللعب الاشتغال بما لا فائدة فيه مع زيادة ضرر فيه، وأما الخوض المقاولة والمجادلة، قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) واللعب بالاشتغال بما لَا فائدة فيه فقط. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ﴾ قيل لابن عرفة: القاعدة أن الاسم إذا أعيد نكرة يقتضي التعدد، وبه يفهم قول عمر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)، لن يغلب عسر يسرين، مع أن الإله هنا واحد فكأن الأصل مقترنا بالألف واللام. فأجاب ابن عرفة: بأن التعدد هنا في الصفة لَا في الذات، كقولك: زيد أكل في الدار ضاحك في السوق، فهما صفتان لموصوف واحد. قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ابن عرفة: وعادتهم يقولون فيه حجة للفلاسفة القائلين بأن السماوات متلاصقة ليس بينهما خرق، إذ لو كان بينهما خرق، لقال: وما بينها، قيل لابن عرفة: لعل مراده ما بين الأرض أعلاها، وبين الأرض، وما بين الثانية بينها وبين الأرض، وما بين الثالثة وبينها وبين الأرض فثناها اعتبارا بذلك، فقال: لو أراد ذلك، لقال: وما بينهن، قال: وإنما عادتهم يجيبون: بما في سورة الطلاق (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) قيل: فلم خصت تلك الآية بالجمع وهذه بالتثنية؟ فقال: أجابوا: بأن هذه خرجت مخرج التذكير بالنعمة، فاعتبر فيها ما فضل منه النعمة إلى الإنسان وهي السماء الدنيا وما بينها وبين الأرض من الأمطار والرياح، وما ينشأ عن ذلك في الأرض من النبات والفواكه وغير ذلك، وتلك الآية خرجت مخرج الإعلام بكمال قدرة الله تعالى، فاعتبر فيها مجموع السماوات وما يكون فيها من الأمور. قيل لابن عرفة: وفي الآية دليل على نفي الجوهر المفارق، وهو قسم ثالث لا متحيز ولا قائم بالمتحيز، فليس هو في السماوات ولا في الأرض؛ بل هو خارج عنها،

الزخرف 43:86

فلو كان موجودا، لقال هنا: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وما يخرج، لأن الآية خرجت مخرج الإعلام لجميع مملوكات الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ نقل ابن عطية، عن قتادة: أن الاستثناء متصل فاستثنى من عُبِدَ من دون الله عيسى، وعزير، والملائكة. وقال مجاهد: من [المشفوع فيهم*] أي لَا يشفع الملائكة وعيسى إلا فيمن شهد بالحق. قال ابن عرفة: يحتمل عندي أن يكون منفصلا، والمراد به ما تضمنه، قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فهؤلاء لَا يملكون الشفاعة. ابن عرفة: وهذا رد عليهم في قولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا) * * *

الدخان 44:5

سُورَةُ الدُّخَانِ قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ قال ابن عرفة: جملة الإرسال متقدمة بالنسبة علي الإنذار يجري مجرى العلة فهلا قدمت في الذكر؟ فأجاب: بأن الإنذار يجري مجرى العلة القائمة المتقدمة وهنا المتأخر وجودها. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ سئل ابن عرفة عن تكرير القصة في القرآن في مواضع بألفاظ مختلفة يزيد بعضها على بعض؟ فأجاب بثلاثة أوجه: الأول: أن الأعراب كانت تأتي أفواجا فبعضهم يحضر القصة وبعضهم لم يحضرها. الثاني: أن بعض النَّاس قد لَا يحفظه كله، [فما حفظ حصل فيه القصة*] وما لَا فلا. الثالث: أن ذلك لطف من الله بنا، فبالغ في الوعظ والتذكير والتحذير رفقا بنا، فلذلك كرر ذلك لأن [مثلنا*] إذا كان له ولد [**حرامي] فإنه يزجره مرة ويعظه مرة أخرى وثالثة ورابعة، ولا يقتصر في وعظه على مرة واحدة. قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾ قال هنا في قصة موسى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ)، وقال تعالى في قصة نوح (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) مع أن سبب الدعاء فيها عدم إيمان قومهما؟ فالجواب: أن نوحا عليه السلام أول رسول بعث إلى الأرض من المؤمنين، ولم يقرر [له*] أناس فيستعين، فطلب النصر من الله ليظهر على عدوه ليرجع من يرجع ويهلك من هلك، ولما تقرر لموسى أناس لم يطلب ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ لم يقل: مقامات [مجموعا*]؛ كما جمع غيرها، يكون مقام مصدر يصدق على القليل والكثير. * * *

الجاثية 45:30

سُورَةُ الْجَاثِيَةِ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾ قال ابن عرفة: الإشارة إما إلى الإيمان والعمل الصالح، أو إلى إدخالهم في الرحمة، وكان بعضهم يرجح الثاني، بوصف الفوز، بقوله: (الْمُبِينُ) لأن حصول الفوز الأول مظنون وحصوله الثاني محقق. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ إن قلت: هلا قيل: فأجرمتم وكنتم قوما مستكبرين؟ فالجواب: الاستكبار أمر معنوي، والإجرام أمر فعلي حسي، فناسب التعبير عنه بالاسم المقتضي للثبوت. قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ قال الزمخشري: أصله [نَظُنُّ ظَنًّا*]، ومعناه إثبات الظن فقط؛ دخل حرف النفي والاستثناء ليفيد إثبات الظن ونفي ما سواه، ثم أكد نفي ما سوى الظن، بقوله تعالى: (بِمُسْتَيْقِنِينَ). وقال أبو حيان: لَا يجوز أن تقول: ما ضرب إلا ضربا لعدم الفائدة، وأجابوا بثلاثة [أوجه*]: أحدها: أنه على حذف الصفة، أي إلا ظنا ضعيفا. ابن عرفة: وأول ما ورد في مختصر أبي حيان [؍ ] أبو الفضل ابن أبي مدين، فنظرنا فيه هذه المسألة.؍ فقال بعض نحاة التونسيين حينئذ: ما [**أصر] أحد على منع هذا، وكتاب سيبويه والفارسي وأبي [... ] وابن عصفور وغيرهم [لم أرَ*] أحدا منهم منع أن يقال: ما ضرب إلا ضربا، وعلى تقدير تسليم هذا فإنما ذلك في الماضي لوقوعه على صفة واحدة وانقطعت بحيث لَا يعلم لها التغيير، وأما المضارع فيكون تغييره وتبدل صفة المقدرة الوجود لعدم. [... ] فيتطرق إليه الاختلاف والتنويع، فلما [كرر*] أفادنا كفرهم أنهم لا

الجاثية 45:33

ينقلون عن ذلك الظن، بل لَا يزالون ظانين، ومنهم من أجاب: بأن تنكيره وتنوينه يفيد التعليل. قال: وفي الآية اللف والنشر، فقولهم: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)، راجع لقوله تعالى: (وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا)، وقوله تعالى: (وَمَا نَحْنُ بمُسْتَيْقِنِينَ) راجع لقوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) قال: والعطف يدل أنه لم يجعلَ لنا منها إلا الظن، بل لم يجعل إلا لنا عدم اليقين الذي هو أعم من الظن والشك. قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [ما*] مصدرية أو موصولة، وكان بعضهم يرجح [كونها*] موصولة، لأن إضافة الأثر إلى المفعول وهو المؤثر بعد إضافته إلى الفعل، فإذا أبدت لهم سيئات الشيء الذي عملوا، فأحرى أن تبدو لهم سيئات عملهم، وإن كان [أحدهما*] يستلزم الآخر. قال: وفي الآية حسن الائتلاف، فاقتران به سيئات عملهم، واقتران حاق بـ يستهزءون، لأن البدأ عبارة عن أول ما يظهر من الشيء، و (سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) يقتضي مطلق الذنوب الناشئة عن مطلق ما اتصفوا به من العمل، والاستهزاء عبارة عن شدة ما اتصفوا به من القبيح، والحوق: الإحاطة، قلت: ومنه قولهم: الطائفة محوقة بهذا الرقم، ففرق الأشد بالأشد، والأحق بالأحق. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ قال ابن عرفة: ذكروا في المجاز أنه لَا بد له من علاقة، وإن علاقة ترجح الحمل على المجاز مع جواز الحمل على الحقيقة، قالوا: وقد تكون العلاقة توجب الحمل على المجاز مع جواز تحريم الحمل على الحقيقة، ويسمى هذا عندهم الدال البرهاني، ومنه هذه الآية؛ لأن النسيان بمعنى الذهول، فيستحيل على الله تعالى، ففسر هنا بمعنى الترك، واقترانه باليوم يمنع حمله على الحقيقة لاستحالة نسيان الأمر الحالي؛ إذ هو مرئي ومشاهد، وإنما نسي الغائب. والكاف في قوله تعالى: (كَمَا نَسِيتُمْ) للتعليل، مثل: (وَأَحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ). * * *

الأحقاف 46:12

سُورَةُ الْأَحْقَافِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً.. (١٢)﴾ قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) تقبيحهم إياه بأنه إما كذب في نفسه أو شبيه بما قبله من الأكاذيب، [والقرآن*] عينه ببيان أنه إما صدق في نفسه، وشبيه بما قبله من الكتب الصادقة الواردة على يدي الرسل. قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ نفى الخوف بالاسم، والحزن بالفعل؛ لأن سبب الخوف والأمور المستقبلة [متكررة*] غير متناهية؛ لعدم وقوعها، فتذهب النفس بها كل مذهب، وسبب الحزن ماض، والماضي متناه لانقطاعه، فعبر عن الأبلغ بالأبلغ، وعن الأخف بالأخف. قيل لابن عرفة: هذا صحيح لو كان في الثبوت، وأما في النفي فنفي الأعم أخص من نفي الأخص، وأجيب: بأنهم [ما*] قالوا هذا إلا في باب الإخبار، وهو أن الإخبار بالاسم [**أخير] من الإخبار بالفعل، والاسم هنا مخبر عنه لا مخبر به. قوله تعالى: [(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ... (١٤) *] اختلف المحدثون هل من شرط الصحبة طول الملازمة أو لَا، وظاهر الآية حجة لمن لم يشترط ذلك، لقوله تعالى: (خَالِدِينَ)، وقوله تعالى: (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون) هو جزاء شرعي تفضلي لَا أنه عقلي. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ عداه هنا بالباء، وقال تعالى في سورة النساء: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) فعداه بـ في. قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بوجهين: الأول: متعلق الوصية هنا بسيط مفرد وهو بر الوالدين فقط، ومتعلقها هناك متعدد وهي أمور كثيرة، والقاعدة أن التعدد يحتاج في حفظه إلى [وعاء*] يكون فيه، والبسيط لا يحتاج في صورته إلى ظرف كمن عنده أمتعة، فإنه [**يستعد لها مسند وقالوا: ومن عنده مقطع واحد في صورته إلى ذلك]. الثاني: أن متعلق الوصية هنا مطلوب شرعا، وهو البر ومتعلقها هناك غير مطلوب لأن الأولاد غير مطلوبين شرعا، إنما المطلوب الفصل بينهم وما يقع به الفصل وهم محل لذلك الفصل، فالوصية فيهم بالفصل بينهم بكذا وكذا. قوله تعالى: (بِوَالِدَيْهِ). ولم يقل: بأبويه إشارة لمن وقعت صفة الولادة، وتغليبا لحق الأم على حق الأب، وفيه تنبيه على أن حقها أكثر من حق الأب، فإذا أمرته أن يكلف لها بحاجة وأمره أبوه بحاجة، فإنه يجعل ثلاثة أرباع لأمه، وربعه لأبيه. قوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا). يريد مشقة الحمل من زمن الإحساس به لَا من أوله. فإِن قلت: ذكر أسباب الأمر بطاعة الأب، فقد قال في سورة البقرة (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وفي سورة الطلاق (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) فهلا قال: وأنفق عليه أبوه وكساه، فعادتهم يجيبون: بأن أسباب طاعة الأم راجعة إلى مشقة بدنها، وأسباب طاعة الأب راجعة إلى مشقة بذل المال، وجنس الأول أشرف من جنس الثاني؛ لأن حفظ النفوس آكد من حفظ الأموال، ولذلك أكد الأمر بطاعة الأم فذكر سببه لشرف جنسه، ولم يؤكد الأمر بطاعة الأب بذكر سببه. قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ). اختلفوا في حد بلوغ الأشد. فقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: عشرون، ابن عباس وقتادة: ثلاثة وثلاثون، الجمهور: ستة وثلاثون. وقال: أربعون. ابن عرفة: فعلى أنه ثمانية عشر يكون المعنى: العجز عن القيام بنفسه، وعلى أنه أكثر يكون التقدير في كامل خلقه (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ). قوله تعالى: (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً). عطف تفسير، [كقوله*] تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) واحتج علي بن أبي طالب بهذه الآية على أنَ أقل الحمل ستة أشهر، فأتت امرأة بولد لأقل من ستة أشهر فألحقه عمر بالثاني، فرد عليه عليٌّ فرجع إليه وألحقه بالأول، واستدل بهذه الآية، وكذلك حكم عمر بإقامته على امرأة

الأحقاف 46:16

حامل، فقال له علي: كيف تقيم الحد على ما في بطنها وبعد لم يكن شيئا فرجع إليه، وقال: لولا عليٌّ لهلك عمر. قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ قال ابن عرفة: تقدم لنا فيها سؤالان: الأول: (أَحْسَنَ) أفعل من، فيقتضي أن في عمله أحسن، وحسن لَا يتقبل منه إلا الأحسن، مع أن الحسن قد يتقبل؟ قال: والجواب: أن المراد بالحسن هنا [**نفس] الشيء وهو المباح، فهو غير متقبل إذ لَا ثواب فيه، قيل له: ثم حسن وأحسن منه، وأحسن منهما، كقولك: أوصى فلان [لأعلم النَّاس*]، فإنها تعطى لمن هو في الدرجة العليا من العلم لَا لمن هو أعلم من غيره بالإطلاق، وإن كان هناك من هو أعلم منه. فقال ابن عرفة: فرق بين قولك: اعط هذا لأعلم النَّاس، وقولك: أعط هذا للأعلم من النَّاس، فالأول: يقتضي أن يعطى لأعلاهم درجة في العلم، والثاني: يقتضي أن يعطى لمن هو أعلم من غيره بالإطلاق، و (مِن) في قوله: من النَّاس في موضع الحال دخلت على المفعول بل هي للتبعيض لابتداء الغاية، أي أعطيه للأعلم من غيره؛ حالة كونه من النَّاس. قيل لابن عرفة: الآية من القسم الأول: وهو مثل قوله: أعط هذا لأعلم النَّاس فيلزم أن لَا يتقبل إلا ما هو أحسن أعمالهم على التوزيع في كل زمن، فإذا عمل في صبح يوم الخميس عملين مباحا ومندوبا قبل المندوب؛ لأنه أحسن العملين، ثم إذا عمل بعد ذلك عملين مباحا وواجبا، قبل: الواجب فيهما، ثم إذا عمل مباحا وغيره قبل المطلوب دون المباح، فالمراد أنه يتقبل من كل مسلم في كل زمن أحسن ما عمل في ذلك الزمان بعينه، وليس المراد أنهم يتقبل عنهم أحسن ما عملوه، وأعمالهم كلها. السؤال الثاني: أن يتقبل إنما يتعدى بمن قال: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)، وقالت؛ (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)؟ وأجيب: بأن (عن) أفادت قبول مطلق العمل الحسن وإن كان فيه نقص ما، لأن (عن) تقتضي المجازاة [ولو عداه*] بمن لما أفادت هذا المعنى. وأجاب ابن حمدون: أنه عداه بـ في مطابقة لقوله تعالى: (وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيَئَاتِهِم) لأنه [عداه أيضا بـ[عن*]، وتضمن هذه الآية قوله تعالى: في سورة التوبة (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وكذا في الزمر.

الأحقاف 46:19

قوله تعالى: (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ). فمن هم أصحابها؟ فقال الملائكة والنبيون. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ قال ابن عرفة: اختلفوا في الإيمان هل يزيد وينقص على ثلاثة أقوال: ثالثهما: أنه يزيد ولا ينقص، ولم يذكروا ما في الكفر خلافا؛ بل هو [مسكوت عنه*]، وظاهر الآية أنه يزيد وينقص، لقوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) قيل له: إن ابن عطية قال: الدرجات قريبة في أنها للمؤمنين، وأما الكافرون فإنما لهم دركات، فقال: لَا بل لفظ الدرجات أعم بدليل قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ). قلت: وكذلك قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ). قوله تعالى: (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ). ظاهر التوفية هنا الإتيان بالمطلوب من غير زيادة عليه. قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ قيل: المراد بالطيبات المستلذات، أي الأسباب التي توصلون بها إلى سبل المستلذات في الدار الآخرة، أذهبتموها في الدنيا، أي تركتموها في الدنيا ولم تفعلوها. قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). ابن عرفة: مفهومه صحة الاستكبار بالحق، قلنا: نعم وهو كذلك وهو أن نستكبر على الظالم والجائر. فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (فِي الأَرْضِ)، قلنا: فائدته تحقير المستكبر إشارة إلى استكباره في الأرض التي توطأ بالأقدام، وتوضع فيها الأقذار والنجاسات، وقد خلق منها ويعود إليها، فكيف يستكبر فيها؟!. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ إن قلت: هلا قال: (هو مُمْطِرُنَا)، قلت: إشارة إلى أنه في نفس الأمر على خلاف اعتقادهم لأنهم اعتقدوا أنه رحمة وهو عذاب. قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾

الأحقاف 46:28

مع أن (مَسَاكِنُهُمْ) لم تدمر؟ فيجاب: بأن بقاءها خالية منهم تدمير لهم، وهو عام مخصوص. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ ابن عطية: آلهة بدل من قربانا. أبو حيان: فيه نظر. ابن عرفة: النظر أنه تناقض؛ [لأن*] اتخاذهم آلهة مناقض لعبادتهم على أنهم قربان. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ ابن عطية: العامل في [(إِذْ) *] مضمر أي اذكر. ورده أبو حيان: بأنها غير متصرفة. ابن عرفة: بأنها لَا يريد التحامل فيها بذاتها؛ بل العامل فيها أضيف إليها مما يقتضيه الكلام أي اذكر نعت (إِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ) ولا خلاف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث إلي الإنس والجن، واختلف هل بعث إلى الجن رسول منهم قبل بعثته هو إليهم، وإنَّمَا بعث إليهم من الإنس. قال: وقضايا الأمم السالفة تارة تحكي على سبيل الإنذار، كقصة عاد وثمود، وتارة تحكي على سبيل الإخبار بها في نفسها كقصة يوسف عليه السلام، وتارة على سبيل الثناء والمحمدة لفاعلها، [كقوله*] تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا). قوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ابن عرفة: تقدم لنا نظيره بوجهين: أحدهما: أن (الْحَقِّ) راجع إلى الأمور الاعتقادية، و (طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) راجع إلى الأمور الفعلية العملية. والثاني: أن الحق راجع إلى الأحكام الشرعية، والطريق المستقيم راجع لأدلتها. قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ قال ابن عرفة: استجاب يقتضي [إجابة*] الموافق فهو أخص من أجاب فهلا عبر بالأخص؟ وأجيب: بأن عطف: (وَآمِنُوا بِهِ) فلو قيل: استجيبوا لـ (دَاعِيَ اللَّهِ)

الأحقاف 46:33

لكان (وَآمِنُوا بِهِ) تأكيدا، فلما عبر بالأعم، كان قوله تعالى: (وَآمِنُوا بهِ) تأسيسا. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ ابن عرفة: فيه إيماء إلى صحة إعادة خلق الإنسان فإن الإعادة إيجاد عن عدم، وأن المعدوم يعاد بعينه؛ لأن المعاد مثله، وليس عينه؛ إذ لو كان دوام بقائه حيا موجبا لأعي الله تعالى بقاء جرم السماوات والأرض مع عظمها، فهذا يعدم ويعاد على ما هو عليه، قال: وقوله تعالى: (وَلَم يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) من باب السلب والإيجاب مثل الحائط لَا يبصر. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ نقل ابن عطية عن مقاتل: أنهم ست نوح أنه صبر على أذى قومه طويلا، وإبراهيم صبر على النار. ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما صبر إبراهيم على الرمي في المنجنيق كما في النار فإِنها صارت عليه بردا وسلاما. قوله تعالى: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ). إن قلت: هلا قال: إلا ساعة من ليل، فهو أبلغ لأن العرب إنما يؤذون بالليل؟ فالجواب: أن ساعة النهار يعقبها ظلام الليل، وساعة الليل يعقبها ضوء النهار غلبت ساعة من الليل يعقبه [المرح*] بخلاف العكس. * * *

محمد 47:1

سُورَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - (الْقِتَال) قال الزمخشري، عن مجاهد: أنها مدنية، وعن الضحاك، وسعيد بن جبير: مكية. ابن عطية: مدنية بإجماع غير أن بعضهم قال في قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) أنها نزلت بمكة وقت دخول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها عام الفتح أو سنة الحديبية. قال: وما كان مثل فهو مدني لأن المراعى في ذلك ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وما كان بعدها فمدني. وقال ابن عطية: تلك الآية إنها نزلت إثر خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة في طريق المدينة، وقيل: بالمدينة، وقيل: بمكة بعد الحديبية، وقيل؛ عام الفتح وهذا كله مدني. قيل لابن عرفة: فما [نزل*] حين الهجرة بعد خروجه من مكة وقبل وصوله إلى المدينة؟ فقال: لم ينقل ذلك، ولو نقل فالمراعى [ما بعد*] الهجرة، فبعد خروجه من مكة كل ما كان نزل عليه مدني. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابن عطية: (صَدُّوا) إما قاصر أي صدوا في أنفسهم، أو متعدٍّ أي صدوا غيرهم. ابن عرفة: فعل أنه قاصر، يقال: ما في فائدته بعد قوله تعالى: (كَفَرُوا) قال: عادتهم يجيبون: بأن الكفر قسمان: إكراه، وطوع، فأفاد قوله تعالى: (وَصَدُّوا) أن كفرهم اختياري لَا اضطراري. قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ابن عرفة: تقدم لنا سؤال: وهو أن دلالة الخاص على الخاص أقوى من دلالة العام على الخاص، فهلا قيل: اضربوا رقابهم؟ وأجيب: بأن (إذا) عند مالك [**لَا تقتضي بخلاف كلما]، فلو قيل: كذلك [لكان*] مطلقا فيصدق بلقائهم مرة واحدة، فلما أتى به عاما كان [قرينة*] في عموم الشرط تكراره. قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا). إما غاية للغاية الأولى فقط، أو غاية لها أو لما [بعدها*].

محمد 47:5

قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ). أي ليبلو المسلم بالكافر. قوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾ أما على قراءة (قاتلوا) فظاهر، [والمراد*] (سَيَهْدِيهِم) لأداء الفرائض (وَيُصْلِحُ بَالَهُم) بأفعال المندوبات، أو (سَيَهْدِيهِم) لطاعته (وَيُصْلِحُ بَالَهُم) بخير ما نقص منها أو تتميم ما بقي عليهم من أفعال البر والإعانة أو بمغفرة ذنوبهم، وأمَّا على قراءة (قُتلوا) فالمراد سيهديهم في الدار الآخرة إلى طريق الجنة بالفعل ويغفر ذنوبهم ويدخلهم الجنة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ قال ابن عرفة: المذاهب ثلاثة: مذاهب المعتزلة أن العبد يخلق أفعاله، وأهل السنة يقولون بالكسب، والجبرية يقولون إنه كالميت بين يدي الفاعل ولا فعل له [بوجه*]، والآية حجة على المجبرة؛ لأنه يلزم عليه أن يكون الشرط غير الجزاء إن ينصركم الله، قال: والجواب: باختلافهما باعتبار المتعلق، أي (إِنَّ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) في موطن (يَنْصُرْكُمُ) في مواطن أخر، مثل: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)، وإما أن الأول: باعتبار ابتداء القتال والصبر على مشقته، أي تقدموا على القتال أو تصبروا على مشقته يظفركم الله بعدوكم، فالثاني: باعتبار الظفر بالعدو أي إن يخلق لكم القدرة على القتال والصبر عليه يخلق لكم الظفر بعدوكم. قال ابن عرفة: وتقدم لنا أن القضية الشرطية المتصلة يلزمها منفصلة بالغة الخلو من نقيض مقدمها وعين تاليها، ومانع الجمع من غير مقدمها ونقيض تاليها، فمنع الخلو هنا مقصورتين، وأما منع الجمع ففيه إشكال لأنها لَا تقتضي أنه لَا يجتمع نصرهم دين الله مع عدم نصر الله مع أن ذلك قد وقع في غزوة أحد، وغزوة صفين وغيرها، إلا أن يجاب: بأن يكون النصر في الآخرة باعتبار الثواب، أو النصر مطلقا أي إن تنصروا دين الله مرة ينصركم مرة أخرى فهو مطلق يصدق على تلك المرة وعلى غيرها ويكون ذلك باعتبار الأعم الأغلب. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾

محمد 47:12

إن كان التقدير... (أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)، فالجملة موصولة غير مفصولة وتقرر أنها ما يؤتى بها مفصوله إلا لكمال الاتصال أو لكمال الانفصال، وعطف هنا بالفاء لظهور السببية، وفي غير هذه الآية قالوا أو لعدم ظهورها. قوله تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا). الكافرون من تقدم ومن تأخر ومن هو موجود في الحال، وجميع الأمثال، إما على التوزيع أو لكل كافر مثل ذلك، أو لكل كافر أمثال ذلك باعتبار التجدد شيئا بعد شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسند إدخالهم الجنة إلى نفسه تشريفا لهم، وقال في الكافرين: [... ] (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم) زيادة في [النعي*] عليهم، كما قال تعالى: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ). قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ابن عرفة: كان بعضهم يقول: كم الخبرية [لتكثير*] آحاد العدد ذاته، (وَكَأَيِّنْ) [تكثير*] له باعتبار صفته بدليل قوله تعالى هنا: (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ) فهي تكثير لها باعتبار أوصافها الشديدة. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ابن عطية، والزمخشري: أي صفة الجنة. وقال القرطبي: إن المثل بمعنى الحديث ذكره في سورة المدثر. قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ). قال ابن عطية: أي [وتنعيم أفادته المغفرة وسببته، وإلا فالمغفرة إنما هي قبل دخول الجنة*]. وقال ابن عرفة: هو عند إشارة إلى أن هذا النعيم ليس خالصا بمن [لم يقترف*] السيئات، بل هو عام يدخل فيه من خلط العمل الصالح بالسيئ. قوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ). ابن عطية: هنا سؤال: وهو أنه لَا يحتاج إلى [التشبيه*] على المخالفة بين الشيئين إلا إذا كان ممن يقارنهما، أما إذا كانت المخالفة بينهما معلومة بالبديهة فلا فائدة [بالتشبيه*]

محمد 47:16

على مخالفتهما، قال: وعادتهم يجيبون: بأن فائدة التبشير والمحمدة والثناء لقوم والتخويف والإنذار لقوم آخرين تقبيحا على الحرص على أسباب المقام الأول والبعد عن المقام الثاني، قال: وقوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) أخص من قوله: كمن هو في النار خالد، لأن إتيان الخبر مقيد بصفة أخص من إتيانه مع صفة، فقولك: زيد ضاحك في الدار ضاحكا لَا خبر بعد خبر، فوصفته بالأمرين فما يلزم منه أن يكونا مجتمعين إلى حالة واحدة. قوله تعالى: (فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ). قالوا: هو أخص من قولك: قطعت أمعاءهم. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي ومن النَّاس المستمعون هم المنافقون. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ابن عرفة: انظر هل المستقبل هو الذي يأتي للحال أو الماضي، والحال، هما اللذان يأتيان للمستقبل، قال: والصواب أن المستقبل هو الآتي للحال، فيقال: زيد أتاه أجله، ولا يقال: زيد أتى أجله، قال: ووجهه أن الماضي معدوم والمستقبل صار موجودا فالموجود هو الآتي. قيل لابن عرفة: إنما ذلك بين زمنين [**والتعاند] هنا بين الإنسان والساعة وهما موجودان، فقال: الإنسان لَا يوجد إلا في زمان، فزمانه الحالي الذي كان فيه وكان فاصلا بينه وبين الساعة صار حين إتيان الساعة معروفا، قال: وعادتهم يستشكلون الآية من ناحية الجمع بين إتيانها بغتة مع مجيء أشراطها؛ لأنها بعد مجيء أشراطها حصل لهم الشعور بها، فلم [تأتهم*] بغتة، لَا يقال: هلك زيد بغتة إلا إذا لم يكن عنده بأسباب الهلاك شعور. قيل لابن عرفة: حصل لهم العلم بها جملة لَا [بتعيين*] وقتها، فقال: إنما يصدق لفظ البغتة عليها مع العلم جملة، قيل له: قد قال تعالى في آخر الأعراف: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) وهي خطاب للمسلمين وقد حصل لهم العلم بأشراطها، فقال: لم يذكر هنالك معها مجيء أشراطها؟ قال: والجواب أنه لم يقل: فقد جاء أشراطها؛ بل حذف المفعول، وأشراطها إنما حصل بها لنا لَا للكفار، فهي للكفار بغتة حقيقة.

محمد 47:21

قيل لابن عرفة: في هذا إشكال لأن ينظرون بمعنى ينتظرون، والمنتظر قاصد، والقاصد للشيء المنتظر له لَا تأتيه بغتة؛ لأن الانتظار جاء في البغتة، وأجيب: بأن المراد فهل حالهم، قيل: إلى إتيان الساعة بغتة لأنه شبهه بمن ينتظر إتيانه بغتة. قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا). أي من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن بعض أشراطها وهو: بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وانشقاق القمر والدخان وباقيها لم يقع فهو مثل: (أتَى أَمْرُ اللَّهِ) أو يكون عاما مخصوصا. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) ومقتضاه كراهية المنافقين هذا الدين عقب بيان دوامهم على ذلك؛ إذ قد يتوهم أنهم إذا عزم الأمر لَا يدومون بل [يسمعون ويطيعون*] ظاهرا وباطنا. قال الزمخشري: والعزم بمعنى الجد. قال ابن عرفة: ليس كذلك لأن الجد في الشيء يقتضي التلبس به، والعزم إنما هو [قبل*] التلبس، [والعزم*] على الشيء إنما هو بتحصيل أكثر أسبابه، ولذلك قالوا في المسافر إذا عزم على إقامة أربعة أيام أنه يتم، وإن عزم على أقل منها فلا يتم، وتقدم الخلاف في الوجوب هل يتعلق بأول الوقت أو بآخره، واختلفوا في الواجب الموسع هل ينتقل عنه إلى بدل أم لَا؟ والبدل عندهم العزم على الفعل، وهو أن يعرض مثلا عند الزوال على أن يصلي الظهر في نصف الوقت. قوله تعالى: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ). قيل لابن عرفة: كيف يفهم هذا على قاعدة [لو نفيها إيجاب*]، وإيجابها نفي، وإنما ينتفي فيها الثاني لانتفاء الأول، فيقال: لأنهم لم يصدقوا الله فلم يكن صدقهم خيرا لهم، مع أن الصدق كله خير بالإطلاق؟ فأجاب: ابن عرفة بأنها سالبة والسالبة لا تقتضي ثبوت [الموضوع*] بوجه؛ بخلاف المعدولة. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا [نعي عليهم أوليست لكم قدرة بوجه*] بحيث لو كانت لكم ولاية وسلطنة في الأرض لما قدرتم على الفساد بوجه.

محمد 47:24

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: أفلا يتذكرون القرآن، أو أفلا يتفكرون القرآن؛ لأن التذكر والتفكر هو استحضار أمر مستقبل يتوقع مجيئه، والكفار لم يكن لهم شعور بالقرآن في وجه؛ لأنه ينزل شيئا بعد شيء. قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). ابن عرفة: جمع القلوب جمع كثرة، والأقفال جمع قلة، [والقليل*]: إذا وُزع على الكثير لَا يقوم به، قال: وعادتهم يجيبون بوجهين: أحدهما: أن كل قلب عليه أقفال. والثاني: أن أقفالا مصدر لَا جمع؛ كما هو في قراءة إقفالها بكسر الهمزة. قوله تعالى: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ ابن عرفة: هذا البعض هو الذي كانوا مخالفين لهم فيه، والبعض الآخر كانوا موافقين لهم. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). قرئت بفتح الهمزة وكسرها، فهو بالكسر مصدر، وبالفتح جمع سر، والمصدر أبلغ لأن علم المعنى يستلزم علم اللفظ المعبر به عن [ذلك*] المعنى. قوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ضمير الفاعل في (يَضْرِبُونَ) إما عائد على الملائكة وهو أظهر، أو على الكفار أي يضرب بعضهم وجه بعض. فإن قلت: قد نهى في الحديث عن الضرب في الوجه في الجهاد وغيره. ابن عرفة: وجهه أنه قد [يسبيه المسلمون فيجدونه معيبا فينقص منه*]. قلنا: إما بأن تلك عقوبة دنيوية، وهذه عقوبة أخروية، وليست الدار دار تكليف، وإما أنه من باب مطرنا السهل والجبل، والمراد به التعميم. قوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ وهو عذابه، و (اتَّبَعُوا) ما أراد وقوعه من العذاب، أو يكون المعنى اتبعوا منهيات الله تعالى الموجبات لإيقاع السخط بهم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾

محمد 47:31

رؤية ظاهرة لَا شك فيها بحيث تصفهم لغيرك، والواحد منا إذا رأى شيئا تارة يكون لو سئل عنه لوصفه لغيره؛ كأنه يشاهد، فهذا أحاط بصفته، وتارة لَا يقدر على وصفه لغيره. قوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ). هو مقتضاه، وهو نحو قول الأصوليين: لحن الخطاب، وهو عندهم دلالة اللفظ التزاما على ما لَا يستقل الحكم إلا به: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) أي فضرب فانفلق، وقد أطال أبو علي [القالي*] في الأمالي الكلام في لفظ اللحن. انظر فيه. قال ابن عرفة: فاقتضت الآية أن الله تعالى لم يريهم لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أعلمه بهم لكن جعل له علامة على معرفتهم وهو أنهم يتكلمون بمحضره كلاما يفهم منه عنهم النفاق من غير أن [يقصدوا*] به إفهامهم. قيل لابن عرفة: تقدم لنا هنا أن هذه الآية دالة على صحة الشهادة على [الخطأ*] في الكلمة الواحدة، لقوله تعالى: (فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) ولم يقل: لحن الكلام، والقول أعم من الكلام. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ). قال ابن عرفة: يدخل فيه النظر والنية كما تقدم في قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، أنه يستثنى منه النية والنظر. قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ قال ابن عرفة: هذا ترق في العلم فأظهرها العلم بالجهاد، ثم العلم بالصبر، وأخفاها العلم بالإخبار، فإن الأقوال فيها الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص

محمد 47:32

والاستعارة والتعريض والرموز، والظاهر والمأول والكنايات الظاهر والكناية الحقيقية، فالعلم بها أخفى من العلم بالصبر. قال ابن عرفة: وفيه سؤال: وهو أن قوله تعالى: [(وَنَبْلُوَ) *] معطوف على (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أو على قوله تعالى: (حَتى نَعْلَمَ) وكونه منصوبا دليل على أنه معطوف على (حَتَّى نَعْلَمَ)، فإن كان قوله: [(وَنَبْلُوَ) *] بمعنى قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) لزم أن يكون الشيء غاية لنفسه، وإن كان أخص منه لزم كون الكلي غاية للجزئي، وهو باطل عنه، والجواب: أنه خاص لَا أخص، كقولك: والعورة من السرة إلى الركبة؛ لأنه ليس المراد إظهار المطلق بل المقيد بالأقوال، أي ولنخبرنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونختبر أقوالكم. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وهذا إما على ظاهره، أو المراد (لَنْ يَضُرُّوا) رسول الله، مثل (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يبايِعُونَ اللَّهَ) و (شَيْئًا) مصدر مؤكد للنفي لا للفعل المنفي، فهو داخل بعد النفي لَا قبله. قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ تقدم الخلاف في الطاعة، هل هي موافقة الأمر وعدم مخالفته، فمن عجز عن فعل ما أمر به [مطيع*] على الثاني دون الأول. قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ). يتناول الأعمال الموجبة؛ كمن شرع في نافلة لَا يحل له أن يقطعها، ويتناول البشرية؛ كمن يتصدق بدرهم ثم آذى الفقير، أو مَنَّ به عليه، قال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ العطف بـ ثم إما نعي عليهم إشارة إلى أنهم أمهلوا وأخروا لكي ينزجروا [وينظروا*] النظر السديد فلم يؤمنوا، وإما البعد ما بين مطلق الكفر والموت على الكفر. فإن قلت: ما الفرق بين قولكم: ماتوا كافرين، وبين قولك: و (مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)؟ فالجواب: كان بعضهم يقول: الثاني أبلغ لأنه تصديق، والأول راجع لقسم التصور، لأن الثاني جملة إسنادية خبرية، والأول قيد في الجملة فهو مفرد. قوله تعالى: (فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).

محمد 47:35

مفهومه أن من لم يمت كافرا يجوز أن يغفر الله له، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) أي ليس إرجاء من هذه الآية لأنه أثبت لهم المغفرة حقيقة. قال ابن عطية: روي أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم، قال: يا رسول الله، إن حاتما كانت له أفعال برٍّ فما حاله؟ فقال: هو في النار فبكى وولى، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أبي وأبوك وأبو إبراهيم في النار"، فنزلت هذه الآية في ذلك. قال ابن عرفة: هذا لَا ينبغي أن يكون نقله بحضرة العوام، والأولى تركه والوقوف عنه، وعدم السؤال عليه لأنه ليس بأمر اعتقادي، ولا يمس الإنسان من تركه شيء على أن الحديث مذكور في المصنفات. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إما أن يكون انتقال من قصة إلى إنشاء حكم، فلا يحتاج فيه إلى مناسبة، وكان بعضهم يقرر وجه المناسبة: بأن عدم مغفرة لهم فيقتضي إبعاده لهم وإبقاءه لهم، يؤذون بفشلهم وضعفهم وتكاسلهم عن اتباع التكليف، فنهى المؤمنون عن الاتصاف بصفتها التي أوجبت لهم الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل. قوله تعالى: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ). هذا احتراز من أي أنتم الغالبون والله معينكم وناصركم عليهم ولو كنتم أقل منهم. قوله تعالى: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم). وهو مأخوذ من الوتر وهو [الدَّحْلُ*]. ابن عرفة: في صحاح الجوهري بالحاء والدال المهملتين، قال: [والدَّحِلُ: الخَدَّاعُ*]، وفي مختصر العين بالدال المهملة: هو النار، وبالذال المعجمة: هو البيت الصغير، وفي صحيح مسلم في كتاب اللباس لَا يبق في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت. قال المازري: يلزم قصر النهي على الوتر خاصة، وأجازه ابن القاسم بغير الوتر. قال عبد الوهاب: يكره للمسافر الأجراس والأوتار لحديث لَا يصحب الملائكة رفقة فيها جرس، وأما الأوتار فقد تؤدي إلى الاختناق بها [وحمل*] بعضهم النهي عن اتخاذ الأوتار الدخول.

محمد 47:36

قال ابن عطية: وقيل: مأخوذ من الوتر وهو الفرد، أي أنه أفردكم من ثواب أعمالكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول إذا قلت: هذا الثوب أسود فتارة تريد الحقيقة بمعنى أنه لَا بياض فيه بوجه، وتارة تطلقه مجازا بمعنى أن بعضه أسود وإن كان بعضه أبيض، فقوله (الدُّنْيَا) إن كان على معنى الأول فهي حياة لَا حظ فيها للآخرة بل هي كلها مشغولة بالأمور الدنيوية فقط، فالوصف بالدنيا [للحصر*] والقصر على شهواتها، وإن كان على المعنى الثاني فهي حياة دنيوية وإن خالطها بعض أسباب الآخرة فوصفها بالدنيا مجازا، [واللعب*] كان بعضهم يقول: هو الاشتغال بما لَا فائدة فيه مطلقا، كلعب الأطفال واللهو والاشتغال مما يسلي النفس ويلهيها عما نالها من الغم والهم والحزن، كلعب المسجونين، وقدم في الأعراف والعنكبوت اللهو على اللعب، وفي غيرها عكس ذلك بحسب الوقائع، فإن كان حال [الإنسان*] حين نزول الآية عليه مشغولا بما لَا فائدة فيه كالأطفال قدم اللعب، وإن كان العكس قدم اللهو. قوله تعالى: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ). قيل لابن عرفة: مفهومه (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) مع أنه لَا أجر لهم هنالك بوجه، فقال: السالبة لَا [تقتضي*] وجود الموضوع بوجه، قيل له: يبقى مفهوم آخر وهو أنه إن لم يؤمنوا [ولم يتقوا*] سألهم أموالهم، يقال: مال الحربي غير محرم، أو تقول: الكفار مخاطبون بالفروع. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ يؤخذ منه صحة ما قاله الأصوليون من أن الغيرين يصدقان على المثلين. قيل لابن عرفة: كيف هذا وقد ورد في الحديث: " [لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ*] ". فأجاب بمفهوم: قوله تعالى: (تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) معا. * * *

الفتح 48:1

سُورَةُ الْفَتْحِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قالوا: التأكيد بـ (إِنَّا) إما لأن المخاطب منكر أو عليه [مخايل*] الإنكار، فإن لم يكن منكرا فالأظهر عليه [مخايل الإنكار*]، فالتأكيد لمجرد التعظيم والتفخيم لهذه الآية، وأجمعوا على أن السورة مدنية، وإنما اختلفوا في محل نزولها، وحاصل الجميع أنها نزلت بعد الهجرة. قوله تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ قال: الذنب ما استلزم الذم والعتب أو العقوبة، وعذابه بمعنى المؤاخذة وعدم المؤاخذة يبطل لازمه فيبطل الذنب فلا ذنب هنالك ونظيره، قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وليست الدار دار تكليف فليس فيها ذنب يغفر؛ بل هو راجع لعدم المؤاخذة بما يفعلون، فهو دليل لما قلناه. وقيل: المغفرة تطلق على ستر المعصية بمعنى الحفظ منها، وعلى ستر المرتب عليها بمعنى التجاوز عنه. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ إشارة إلى شدة ثبوتها واستقرارها في القلب؛ لأن الإنزال يقتضي الثبوت لَا سيما من موضع مرتفع بعيد. قوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ). احتج بها الفخر على أن الإيمان يزيد وينقص، وأجيب: بأن زيادته بحسب متعلقات، يزيد بزيادة الأعمال، قال: المزيد غير المزيد عليه وليس مثله، بدليل قوله تعالى: (مَعَ إِيمَانِهِمْ) ولم يقل: إلى إيمانهم، كما في التوبة (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ). قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ مع أن تكفير السيئات سابق على دخول الجنة؟ وأجيب: بأن المراد تكفيرها سترها، فمعناه يستر عنهم سيئاتهم حتى لَا يرونها ولا يتأسفوا عليها. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾

الفتح 48:18

السين للاستقبال أو التحقيق، فإِن قلت: هلا قال: (الْمُخَلِّفُونَ) لأن العبارة باسم الفاعل أبلغ في الذم؟ والجواب: أنه قصد التنبيه على الاستغناء عنهم، وأن الله تعالى خلقهم، كما قال تعالى (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) وإن كان التخلف في ظاهر الحال منهم فهو في الباطن منسوب إلى المؤمنين بمعنى أنهم تركوهم ولم ينالوهم. قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ). فيه سؤالان: الأول: قال في آل عمران: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) قلب القول للأفواه كما لا لَلألسنة؟ فالجواب: أن قولهم هنالك أكثر وأعظم وأشنع لأنهم قالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، وبدليل قول الله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكتُمُونَ) فدل على كثرة قولهم، فنسب الكثير للأفواه إذ هي أوسع من الألسنة. الثاني: قالوا يؤخذ من الآية الرد على إمام الحرمين، في قوله: إن الْكَلَام فِي [الْفُؤَاد*] وَإِنَّمَا؍ جعل اللّسانُ على الْفُؤَاد دَلِيلا؍ وردوا عليه بأن ابن العربي إنما يحتج بقوله: فيما ينطق فيه بطبعه من رفع ونصب وخفض، أما ما يحكم فيه فلا، وأجيب: بأن هذا حكم على اللغة والعربي إذا تكلم بكلمة ويقول: معناها عندي كذا، فالمرجع لقوله على وجه الدليل من الآية، أن الله تعالى قال (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير في [(لَيْسَ)] عائد على القول، فلولا أن ذلكَ القول قابل لأن يكون قال (فِي قُلُوبِهِمْ) والضمير عائد على المذكور، والمذكور إنما هو القول، قال: ونسبها لقول اللسان مع أن مخارج الحروف غير منحصرة في اللسان لكنه هو أعمها. قوله تعالى: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا). يقال: بفتح الضاد وضمها، وهما راجعان لمعنى واحد، أحدهما حسِّي والأخرى معنوي. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

الفتح 48:21

ابن عطية: كان سبب هذه الآية كذا وكذا، ثم قال: وحيث جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على يده، وقال: "هذه عن عثمان وهو خير من يد عثمان". قال ابن عرفة: أراد بذلك إزالة النقص المتقدم بحق عثمان من كونه لم يحضر ولم يبايع، فمعناه أن بيعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه خير من بيعته هو لنفسه مباشرة. فإن قلت: وإنما بايعوا على الموت وعثمان قد شاع عندهم حينئذ موته، فكيف يبايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه على الموت وهو يعتقد أنه ميت؟ قلنا: قد يكون سبب البيعة [إثر سماعهم*] الخبر بموت عثمان، ثم في أثناء الأمر ورد [**يحيونه]. قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ فيها حجة على المجبرة القائلين: بأن العبد لَا قدرة له ولا كسب لأجل نفي القدرة عنهم في هذه، فمفهومه ثبوت القدرة لهم على غيرها، وإلا فلا فائدة لتخصيص هذه بنفي القدرة، والمراد غنيمة أخرى أو نعمة أخرى. ابن عرفة: أي غنيمة مغايرة الأولى، أو غنيمة مغايرة لها، أو سابقة عنها في الزمان، كقوله: [... ]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن القدم الإضافي متعلق به القدرة، وتقدم لنا مثله في قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) قيل [لا حجة فيه؛ لاحتمال*] أن يرجع إلى الإرادة، فقال: والإرادة مؤثرة؛ لأن من شأنها الاختصاص. قيل له: الأشهر عندهم أنها غير مؤثرة، قال: وعادتهم يقولون: الآية خرجت مخرج الامتنان والنعمة في كف أيدي الكفار عن المسلمين ظاهرة، وأما كف أيدينا عنهم ففيه عكس النعمة، وأجيب: بأن المراد لازم ذلك وهو إسلامهم فبإسلامهم وانقيادهم [حصل*] كف أيدينا عنهم؛ لَا بالعجز عن قتالهم. * * *

الحجرات 49:1

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية دالة على حرمة الاجتهاد بحضرته عليه السلام؛ لأن معنى التقدم في غيبة [... ]. قوله تعالى: ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قال: وكذا مثله في القدْر أو دونه. قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ حال من المنادي. قوله تعالى: (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ). قال ابن عرفة: يعود على ضمير (الَّذِينَ) فتبين أن المراد بالذين مدلوله الضمير فلا يكون مدلوله الأول داخلا في النداء. قوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ عداه بحتى دون إلى؛ لأن معنى حتى المراد به حقيقته وظهوره، وفي إلى الانتهاء إليه فقط. قوله تعالى: ﴿فَاسِقٌ بِنَبَإٍ... (٦)﴾ قال ابن عرفة: النبأ أخص من الخبر، فإذا رتب التبين على الأخص المخبر به فأحرى الأعم الذي لَا يتحفظ في نقله. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ عبر هنا بالرسول وفيما قبل هذا بالنبي؛ لأن المراد هنا شرف الرسالة، وشرف النبي تبعا لها وبقاء التعظيم في ذاته، ولما كانت المحبة قد تزول ولا تدوم أخبر تعالى بأنه مزين راسخ لَا يزول، فهو تأسيس، ولهذا عبر مع التزيين بـ[(في) *]، ومع حبب بـ (إلى) إشعارا بهذا. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال ابن عرفة: في الآية استشهاد واستشكال، أما الاستشهاد فيدل على أن الفسق لا يسلب صدق الإيمان على صاحبه، كقوله تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى) مع إطلاق الإيمان عليها، وأما الاستشكال فهو في الجمع بينهما وبين قوله

الحجرات 49:10

عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، والآية دلت على عدم تكفيره بالقتل، الجواب: أن الحديث مأول فيمن استحل [ونحوه*] لَا يدل على الكفر. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ قال ابن عرفة: الأخوة إما باعتبار الحكم فظاهر، وإن كانت باعتبار [وجوده*] الخارجي فكان بعضهم يقدره بأنه تمثيل لأن الأجنبي يكون بالاشتراك في الإيمان أو في أحدهما، وهو هنا بالاشتراك في كلمة الشهادتين فهي تمثيل، كقوله: زيد أسد، والأول كقوله: زيد قائم. قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). ولم يقل: لعلكم تفلحون إشارة إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، فالأمر بالصلح [إنما*] بالتراحم بينهم والشفقة والحنان ليكون ذلك سببا في رحمة الله لهم.

الحجرات 49:11

قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قال ابن عطية: [يَسْخَرْ معناه: يستهزئ*]، والاستهزاء أخف من السخرية، فالاستهزاء عدم المبالاة به مع استحضاره، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ). قال: ورأيت نحوه للسهيلي في الروض الأنف، قلت: قال الزمخشري: في قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) هو بالضم والكسر مصدر كالسخر إلا في باب النسب بزيادة قوة في الفعل كما فعل بالخصوصية والخصوص. عن الكسائي والفراء: أن الكسر من الهمزة والمضموم من السخرية والعبودية والأول مذهب الخليل وسيبويه. قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ). ابن عرفة: هذا إما تعليل للنهي أو نفي للفعل المعلل، فهو إما راجع للإسخار، أي لَا تسخروا بقوم لتكونوا خير منهم ولا تسخروا بقوم، وعلى الثاني حمله الزمخشري وغيره، والقوم الرجال. قيل لابن عرفة: يخرج منه سخرة الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فالصواب جعل القوم صادق على الرجال والنساء. وقال ابن عرفة مرة أخرى: للقائل أن يقول لَا يصح فغير القوم على الذكور لدلالة قوله تعالى: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) لئلا يلزم عليه عدم استيفاء الآية للأقسام الممكنة فيها، وهي أربعة: رجال من رجال، ونساء من نساء، ورجال من نساء، ونساء من رجال، فإن خصصنا القوم بالذكور خرج الأخيران، فإِن جعلناه شاملا لهم وللإناث شمل الجميع ويكون قوله تعالى: (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) تأكيدا وهو أولى من كونه تأسيسا المستلزم لعدم كمال الفائدة. قوله تعالى: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ). نقل الزمخشري: هنا عن الحسن أنه قال في الحجاج أتانا أخيفش أعيمش إلى آخره. قال ابن عرفة: هذا لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لَا غيبة في فاسق". قيل لابن عرفة: هذا لَا يصح لأن القاضي عياض حمل الحديث على غيبة الفاسق فيما كان به فاسقا، يقال: ظلم في كذا بأفعاله الكسبية؛ لَا بصفاته الخلقية التي لم يكن بها فاسقا، فقال يصح ذلك بمعنى أبدا المانع جهالة عن الفسق، كما قال: "أشد النَّاس عذابا يوم القيامة الشيخ الزاني، والعالم المستكبر، والأمير الكذاب"، لأن الداعي لهم إلى الفسق معدوم في حقهم، قال: [ولمز الإنسان على غيره*] من باب لمزه نفسه. ابن عطية: لأنه يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص وقد تكون اللمز بالقول وبالإشارة، والهمز لَا يكون إلا باللسان وهو مشبه بالهمز [بالعود*]. قيل لأعرابي: أتهمز الفأرة، فقال: الهر همزها. انتهى. ذكر هذا ليستدل به على أن الهمز يكون بالفعل، ومعنى قوله أتهمز الفأرة، أي تقول: بالهمز، فأجابه الأعرابي مستخفا به؛ لأن الهر يهمزها، وهمز الهر لها بالفعل. وما ذكر ابن عطية: من أن سبب نزول الآية [؍ ] بما يكره ضعيف؛ لأنه مسرع فيبعد أن يترك ردا عليه.؍ ابن عطية: [كأن المؤمنين كنفس واحدة*] فإِذا لمز أحدهم صاحبه فكأنه لمز نفسه، انتهى. والمراد النهي عن سبب اللمز، أي لَا تفعلوا من المعايب ما يكون سببا في لمزكم، فإِن فعلتم ذلك فكأنكم لمزتم أنفسكم بفعلكم سببه فإِنه من إطلاق اسم المسبب وهو اللمز على سببه وهي العيوب. الزمخشري: وعن الحسن رضي الله عنه في ذكر الحجاج: [أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول: يا أبا سعيد يا أبا سعيد، وقال لما مات: اللهم أنت أمته فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي*]. انتهى. ابن عرفة: وهذه غيبة لكن في فاسق وقد ورد "لَا غيبة في فاسق" إذا تظاهر بالمعاصي فلا تحرم غيبته، ولقد سئل بعضهم عمن حلف بالطلاق أن الحجاج من أهل النار، فقال: قل له يبقى مع زوجته فلان غفر الله للحجاج، فهو راحم به إذا بقي مع زوجته في الحرام وهي سيئة من سيئات عبد الملك بن مروان. قوله تعالى: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ). فسره الزمخشري بثلاثة أوجه: أحدها: استقباح ما بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويمنعه، وهذا توقيف على مذهبه في أن الفاسق كافر وليس بمؤمن، ولو صدر هذا الكلام من سني

الحجرات 49:12

لأمن فيه التأويل، وقد قال بعض النَّاس فيمن تأول كلام الفارسي في رهبانية ابتدعوها على مذهب أهل السنة: أنه [لو سمع*] تأويله لبصق في وجهه. قال: الوجه الثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول [للمتحول*] عن التجارة إلى الفلاحة بئس الحرفة الفلاحة بعد التجارة، انتهى. أراد بئس الانتقال من الإيمان إلى الفسوق، وهذا على مذهبه أيضا؛ لأن الفاسق عنده كافر، ولذلك [... ]. بالانتقال من التجارة إلى الفلاحة؛ لأنه سلب عنه اسم التجارة ووصفه بالفلاحة، ونحن نقول: المراد بئس الانتقال من الإيمان الخالص الكامل إلى الإيمان المخالط. وظاهر كلام الزمخشري أن التاجر أحسن من الفلاح، وقال غيره: الفلاح أحسن لما يحصل من الأخروي فيما يصنع ويؤكل، والتاجر لَا يخلوا من تطفيف في الوزن أو حيف أو زيادة في الثمن بخلاف الفلاح، وكان أكثر أهل المدينة فلاحين، وأكثر أهل مكة تجارا، وظاهر الآية أن التحدث في النَّاس بالمعايب، وذكر ما لهم حرجه تسقط شهادة المتكلم بذلك لأن الآية دلت على أنه من الكبائر لأن الكبائر ما توعد على [فعلها*]. قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ إن قلت: لم قيل: (اجْتَنِبُوا) بلفظ الأمر، ولم يقل: لَا تظنوا بلفظ النهي، لأن اجتناب [المنهي*] أشد من فعل المأمور، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ*]، ولأن النهي عند الأكثرين للتحريم بخلاف الأمر فإن فيه خلافا، فالجواب: أنه لو قيل: لَا تظنوا كان النهي عاما في جميع الظن، والمراد إنما هو [بعض*] الظنون، فأتى فيه بلفظ الأمر وفي ضمنه النهي، لأن مادة الاجتناب تدل عليه، وعلق النهي بأكثر الظن لَا بجميعه، ولأن لفظ افعل أحق في التكليف من صيغه لَا تفعل، والظنون منها الجائز والمحرم والواجب والمندوب والمحرم بعضها... ، فلذلك قرنه بأخف العبارات. ابن عطية: قال سلمان الفارسي: إني لأعد [عُراق*] قدري مخافة الظن، انتهى، أراد أنه يختم على [**البومة مخافة أن يظن بمن تكلف بها ظن السوء وهو أولى من عدة اللحم]، فإنه قد يظن أنه قطع له من كل لحمة طرفا. قال: وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير من سوء الظن، انتهى، أراد أن وضع الشيء عند الأمين غير مطبوع عليه أطيب لنفسه ما لو ختم عليه، ووصفه عنده أمانة. الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين كثير حين جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة؟ قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية وإن في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تعيين لئلا [يجترئ*] أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل، وتمييز بين حقه وباطله بإمارة بينه مع استشعار [للتقوى*]، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظن [منوطا*] بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظن متصف بالكثرة مجتنبا، [وما اتصف منه بالقلة*] مرخصا فيه، انتهى. تقديره أن الكثير المعرف بالألف واللام كل يقتضي اجتناب كثير الجمع بغير الجمعية، وقوله: كثير الظن يفيد تعلق الكلية بالكثير، فيقتضي اجتناب الكثير مع تتبع الأفراد، كما تقول لرجل: أكرم الكثير من الضيوف، فلا يلزمه إلا إكرام الجماعة الكثيرين المجتمعين لأن الألف واللام [لتكثير الجنس*]، ولو قلت له: أكرم كثيرا من الضيف فأتاه ضيف واحد أو ضيفان [لزمه*] إكرامهما، ثم كذلك لَا يزال مطلوبا بإكرام ما زاد عليهما إلى أن يبلغ حد الكثرة، بخلاف الأول فإنه لَا يلزمه إكرام الضيف الواحد ولا الاثنين، قيل: يؤخذ من الآية أنه إذا اختلط شاة محرمة بشاة محللة أنه يحرم الجميع، ووجه الاستدلال أنه حرم الكثير [لأجل*] تحريم القليل، فالاجتناب معلل، بقوله تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، أجيب: بأن الآية لم تتضمن اجتناب على الظن لكون بعضه إثما، وإنما تتضمت اجتناب بعضه، وتعلق النهي بالبعض المجتنب لكونه إثما، فالمراد بقوله تعالى: (بَعْضَ الظَّنِ) ذلك البعض المجتنب، فالمعنى إن كثيرا من الظن إثم فهو تعليل للكثير المجتنب لَا للظنون التي بعضها مجتنب وبعضها غير مجتنب، والظن الذي في مصلحة واجبة أو مندوبة غير مراد في الآية وإنما تناولت الآية ظنونا متماثلة في عدم المصلحة الأخروية، وزاد أحدهما بكونه إثما، فالكثير بعض ذلك ظن الذنب لَا مصلحة فيه وهو المعلل بكونه إثما وهو المأمور باجتنابه وما عداه جائز لَا إثم فيه، وفي آخر جامع التنبيه حدثني أشهب، عن نافع بن عمر الجمحي، عن أبي مليكة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لَا يحل لامرئٍ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوء وهو يجد لها في شيء من الخير" مصدر ابن رشد هذا صحيح يشهد له، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ). قوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا). ابن عطية: لَا تجسسوا: أي: [لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس واجتزوا بالظواهر الحسنة*]، انتهى. قال شيخنا: ووقع النظر بين فقهاء الزمان في بعض قضاة المغرب كان يرد الديار على النَّاس يتجسس عليهم فمن رأى عنده أمارة المعصية من شرب الخمر ونحوه عاقبه، فاختلف في ذلك الفقهاء فمنهم من خطأه وجعله من التجسس المنهي عنه، ومنهم من صوب فعله [لغلبة*] الفساد على النَّاس، والصواب فيه أن من اشتهر بذلك فالتجسس عليه مطلوب وواجب، ومن هو مستور الحال فلا يحل التجسس عليه، وهؤلاء الذين يغتابون النَّاس في حقائق الفقهاء لم أرهم كذلك قديما وحديثا، والصواب فيه أنه إن [اغتاب*] من هو في نسبة الشهادة أو القضاء أو الإمامة أو خطة من الخطط الشرعية فلا بأس للفقيه أن يسمع ذلك ويصغي إليه، وحيث تتقرر عنده عدالة ذلك الشخص المقول فيه ذلك أو [جرحه*] فيقدمه في تلك الخطة أو يؤخره عنها سواء كان ذلك الفقيه السامع للغيبة قاضيا أو غيره؛ لأنه قد يستشار معه، ويقلد في الأمور ولا يحل سماع ذلك إلا لمن هو بتلك المنزلة، ومن ليس كذلك إذا سمع ذلك فليخرج ويتركه، وأما غيبة من ليس فيه قابلية الخطة فلا يحل سماعها لأحد بوجه. ابن عطية: وحكى الزهراوي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: "الغيبة أشد من الزنا لأن الزاني يتوب الله عليه والذي يغتاب فلا يتاب عليه حتى يستحل"، انتهى. قال شيخنا: هذا الحديث لم يصح، وقيل: الزنا أشد من الغيبة بثلاثة أوجه: الأول: إمكان التحلل في الغيبة بخلاف الزنا فإِنه إذا ولدت منه فنسب ذلك الولد ثابت لَا يرتفع. الثاني: أن الغيبة حق لآدمي والزنا حق لله وحق الله [آكد*]. الثالث: أن الغيبة استثنى منها بعض العلماء بعض الصور فأجازوها بخلاف الزنا فإنه يحرم مطلقا. ابن عطية: [ولم يبح*] في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح [في الشهود*]، [وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم*]، انتهى، ولما عرف عياض في المدارك بالشيخ العابد أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي السجستاني، قال: قال أبو الحسن القابسي: لما خرجنا عنه هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت: أعطيتموها لصبي لم [يقم*] لها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق: قد [اغتبته*]؟ فقلت له: وصفته بحاله، وفي السنة ما يبيح ذلك، وهو قوله عليه السلام للتي شاورته في النكاح: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ"، فقال لي: لا حجة فيها لأن المستشار مؤتمن، وأيضا فإِنما شاورته لتنكح في أنه يدخلها في النكاح أو يصرفها عنه، ومسلما ليست كذلك؛ بل في السنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتاه طبيبان وكانا نصرانيين فلما خرجا، قال: "لولا أن يكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب". قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيين قبل ذلك، ثم قال لي: أرأيت هذا الصبي لو سمعك لكان توجهه نفسه، وإنما كان أحب إليك [تجده*] في صحيفتك أولا، فقلت: له صدقت، انتهى. قال شيخنا ابن عرفة: يحتمل أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزئ منهما المحتمل [للفرض*]، وزاد أحدهما بأمور تكميلية لَا يضر تركها ولا ينقص من معرفة العلاج والمعاناة، فزاد بعلم الطبيعيات، فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، وأما حيث يكون المرجوح منهما لَا يحصل المقصود منه في التطبيب، فالظاهر أن التعريف بذلك ليس بغيبة. قوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا). الهمزة للإنكار على غير المخاطبين؛ لأن المخاطبين لم يفعلوا ذلك، وهذا من [**الخطاب الشعري]. الفخر، وفيه معنى آخر وهو أن [الِاغْتِيَابَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ مَيْتًا، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْمُضْطَرُّ إِذَا وَجَدَ لَحْمَ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ وَلَحَمَ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ فَلَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْآدَمِيِّ، فَكَذَلِكَ الْمُغْتَابُ إِنْ وَجَدَ لِحَاجَتِهِ مَدْفَعًا غَيْرَ الْغِيبَةِ فَلَا يُبَاحُ لَهُ الِاغْتِيَابُ*]، انتهى. لو أريد هذا المعنى لقيل: أيأكل أحدكم، والذي في الآية إنما هو: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ) والمضطر يأكل الميتة وهو كاره لها غير محب لها، فصدق نفي المحبة مطلقا مع الاختيار والاضطرار. الفخر، (مَيْتًا) حَالٌ [عَنِ اللَّحْمِ أَوْ عَنِ*] الْأَخِ.

الحجرات 49:13

فَإِنْ قِيلَ اللَّحْمُ لَا يَكُونُ مَيْتًا، قُلْنَا بَلَى، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهو ميت»، انتهى. قلت: وبدليل اختلاف الفقهاء في العظام هل يحلها الحياة أم لَا؟ واختار المازني في الجوزق أنها يحلها الحياة بدليل وجود الإحساس والتالي بها والطب يقتضي ذلك [فحلول الحياة فيها*]؛ دليل على اتصافها بالموت. ابن عطية: وقال الرماني كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهية الغيبة يدعوا إليها [العقل*] وهو أحق أن يجاب لأنه [بصير عالم*]، والطبع أعمى جاهل، انتهى. قلت: هذا اعتزال عقل عنه، ابن عطية: لأنه [بناه*] على قاعدة التحسين والتقبيح حكَّم العقل وجعله [يحسن ويقبح*]، ومذهبنا بطلا ذلك. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ). يحتمل أن يكون ردعا عن الغيبة، كأنه قيل: إن الوصف الذي وقعت به الغيبة في الشخص المخبر عنه معروض للزوال بالتوبة فتنقلب الغيبة مباهتة، ولهذا [صدَّره*] بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ). قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ ابن عطية: يحتمل أن يريد بالذكر والأنثى آدم وحواء فيكونا شخصين، ويحتمل أن يكونا كليين واقعين على ما [تناسل*] منه كل واحد منا؛ لأن كل إنسان له أب وأم، انتهى. قيل: يترجح الثاني لأنه حقيقة والأول مجاز، قيل: بل الأول أولى بوجهين: أحدهما: أنه مفيد إذ [إنه*] إخبار بمغيب بخلاف الثاني. الوجه الثاني: أن الآية رد على من يريد [التنقص*] بأخيه تقرير كونهما متساويبن في الأبوين، وعلى الثاني قد [... ] أحدهما [... ] أشرف، و (من) للتبعيض كما هي في حديث و"لست من دد ولا دد مني" ومعناه ليست من الغناء واللهو ولا هو مني إبعاد [لنفسه*] عن اللعب والغناء. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ). ذكر القاضي عياض في الشعب والقبيلة في كتاب النكاح من التنبيهات ورتبها كما رتبها ابن عطية والزمخشري، هنا. الزمخشري: والشعب [الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع، العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.*]، انتهى. قلت: أعلاها خزيمة، وأخصها العباس، والقبيلة متقدمة على الشعب في الوجود، والشعب متقدم عليها في التسمية، وبيان ذلك أن أباك وأمك متقدمان عليك في الوجود، ولكن اسم الأبوة والأمومة ما صدق عليهما إلا بعد ما تزايد لها الولد فكانا موجودين دون وصف الأبوة [والأمومة*]، وكذلك القبيلة أول وجود خزيمة لم تكن يقال لها قبيلة ثم لما تزايد لها الأولاد والأحفاد صارت قبيلة، ثم لما كثروا وانتشروا صارت شعبا، ثم لما امتدت فروعهم واشتهروا صارت عمارة، ثم تزايدوا في الكثرة فصارت فصيلة، وإذا كانت القبيلة متقدمة في الوجود، فكان الأصل أن يقدم في الذكر لكن الشعب أهم من القبيلة والقبيلة أخص منه؛ لأن مسمى الشعب وأفراده، وأجاب لكثر من مسمى القبيلة، وتقرر أن المعرفات يبدؤوا فيها بالأعم ثم الأخص. وقال: (وَجَعَلْنَاكُم) ولم يقل: وخلقناكم؛ لأن الشعب والقبيلة لم يكونا في أصل الخلقة؛ بل هما صفتان عارضتان، فناسب لفظ جعل بمعنى صير. قوله تعالى: (لِتَعَارَفُوا). إشارة إلى أن الاختلاف بينهم إنما ليعرف هو بعضهم بعضا لَا لكون بعضهم أشرف وأحسن من بعض. قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُم عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم). في المدونة في كتاب النكاح الأول، قيل: [أَرَأَيْتَ إنْ رَضِيَتْ بِعَبْدٍ*] قال: قد قال [مالك*] " [أَهْلُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ*] "، [وقيل*]: إن بعض هؤلاء فَرَّقُوا بَيْنَ عَرَبِيَّةٍ وَمَوْلًى فاستعظم ذلك، وقال: (إِنَّ أَكرَمَكُم عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: والحديث الصحيح الذي فيه، قال: " [فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا*"] اعتبر فيه

الحجرات 49:14

الكفاءة الظاهرة الدنيوية، وهذه الآية اعتبر فيها الكفاءة في الدين خاصة، انتهى. والحديث الذي ذكر في البخاري. وقال عياض في التنبيهات: جواب ابن القاسم في المسألة يحتمل، وظاهره الجواز، وكذا أطلق أبو محمد، عن ابن القاسم إجازة ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ابن القاسم لَا يخالف غيره في عدم الإجازة، واستدل بمسألة ما إذا رضي الولي بزوج ثم طلقها ثم أرادت مراجعته أنه ليس له منعها إلا أن يحدث فيه فسق ظاهر أو [... ] أو يظهر أنه عبد ولم أسمع العبد [من مالك*]. قلت: لأنه [لم يرضَ*] به أولا إلا ظنا منه أنه حر، وقد منع المراجعة واعتبر رضى الولي. وقال آخرون: إن رضيَ به أولا فلا كلام له، قال: واستدل أيضا بمسألة تزويج العبد ابنة سيده برضاه ورضاها، واشتراطه الرضى فيها يدل على أن لكل واحد منهما [... ]، ووقع في كلام الفخر هنا: أن سام ابن نوح أبو الأعاجم. وقال الزمخشري في سورة الصافات: سام أبو العرب وفارس والروم، وحام [أبو السودان*] ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج. قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ابن عطية: قال أبو حاتم، عن ابن [عباس*]، سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلا يقرأ: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) بغير همزة، فرد عليه بهمز وقطع. انتهى، صوابه أنه قرأها: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) (١) على صورة ألف الوصل فهي قراءة ورش بنقل الحركة، وقد سئل مالك رحمه الله في التنبيه في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم في كتاب الصلاة عن [النَّبْرِ*] في القرآن في الصلاة، فقال: إني لأكرهه وما يُعجبني [ذلك*]. ابن رشد يريد بالنبر إظهار الهمز، وروي أنه أتى [بأسير*] يُرْعَدُ فقال: ["أدْفُوهُ"*] يريد ["أدفئوه"*] من [الدفء*]، فذهبوا به فقتلوه فَوَدَاهُ من عنده، ولو أراد قتلَه لقال: دافوه أو دافوا عليه، ولهذا المعنى كان جاريا بقرطبة قديما لَا يقرأ الإمام في الصلاة إلا برواية ورش. قال: ويحتمل أن يريد بالنبر [الترجيع*] الذي يحدث في الصوت معه نبرا، [والتحقيق*] الكثير في [الهمزات*]. قوله تعالى: (آمَنَّا). (١) قال البسيلي: "صوابه: يقرأ "قالتَ العُرْبُ"؛ وما نَقَلَهُ فهى قراءةُ ورش بنقل الحركة. اهـ (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد. ٣/ ٥٥٥). خبرا (آمَنَّا) بدليل تكذيبهم فيه، وفيه دليل لجواز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن دون استثناء؛ خلافا لمن قال: لَا بد من زيادة إن شاء الله، وتقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران. الزمخشري: الإيمان هو التصديق مع الثقة، وطمأنينة النفس، انتهى، هذه غفلة عن مذهبه؛ لأن مذهب المعتزلة أنه مشروط بالأعمال الصالحة، وأراد بالطمأنينة، كمال التصديق القلبي مع السلامة من [إباية*] النطق بالشهادتين عند التمكن من ذلك. قال شيخنا ابن عرفة: هو كاف ولا أعلم فيه [خلافا*]، فإِن من آمن وأمكنه النطق فلم ينطق ولم يدعه أحد إلى النطق حتى مات، فهو مؤمن وإن دُعي إلى النطق فامتنع، فهذا هو الكافر العنادي. وقد قال في العتبية في كتاب الطهارة في سماع موسى، من ابن القاسم في النصراني: يغتسل ويصب السنة في الغسل ثم يُسلم بعد ذلك، أنه لَا يجزئه الغسل، فإِن اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه، ثم أسلم بعد ذلك أجزأه. ابن رشد: لأنه إذا اعتقد الإسلام بقلبه فهو مسلم عند الله حقيقة؛ إلا أننا لَا نحكم له بحكم الإسلام حتى يظهره لنا بلسانه لنجري عليه في الدنيا [أحكامه*]، ولو اخترمته المنية قبل أن يتلفظ بكلمة التوحيد بعد أن اعتقدها لكان عند الله مؤمنا، إلا أن الذي لَا يتكلم يصح إيمانه لأنه من أقفال القلوب. ابن العربي في تأليفه في أصول الدين المسمى بالمتوسط، وفي سراج المريدين، وفي العارضة أجمعوا أنه لَا بد من النطق بالشهادتين بين، وأن الاعتقاد القلبي غير كافٍ من القادر على النطق. قال شيخنا: ولا أعلم أحدا [حكى*] ذلك غيره، قد قال ابن زيد في الرسالة: وإن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، فقال: يريد الإيمان الكامل والذي عليه السنة أنه يكفى في حصول الإيمان مجرد التصديق بالشهادتين والمعاد بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الجملة وشرط الأكثرون استحضار المعاد مع الشهادتين وما عداه يكفي فيه التصديق الجملي، وأما النطق بالشهادتين هو عمل من الأعمال، ولم يشترط العمل مع الإيمان إلا المعتزلة. وحكى ابن العربي فيمن آمن وعصى: بترك الفروع قولين لأهل السنة فأكفرهم لا يسميه كافرا، وبعضهم سماه كافرا؛ لكن غير مخلد في النار، وهو عند المعتزلة مخلد فيها، وهذا خلاف لفظي راجع إلى مجرد التسمية، وهذا هو قول [عجيب*] في التكفير بترك الصلاة وحدها دون ما سواها من قواعد الإسلام؛ لأنها مما علم وجوبها بالضرورة. وحكي عن الحكم بن عتيبة: أنه أضاف إليها الزكاة وخطؤه في ذلك، وعلى قول الأكثرين بالفرق بين الإسلام والإيمان لَا إشكال في الآية، وعلى قول الأقلين؛ لأن الإيمان الشرعي مشروط بفعل الطاعات يرجعان إلى شيء واحد، فكيف رد عليهم بأن قيل لهم: قولوا أسلمنا لكن القول مرغوب عنه، والحديث الصحيح في مسلم يرد عليه. حكى القاضي عياض في المدارك، عن أبي محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن [التبَّان*]: أنه أخرج رأسه من الطاق ليلة عاشوراء فرأى خلقا كثيرا مجتمعين للتبرك فبكى، فسئل عن موجب بكائه، فقال: والله ما أخشى عليهم من الذنوب لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى أن يشكوا في كفر بني عبيد فيدخلوا النار لأن الشك في الكفر كفر، انتهى. قال شيخنا: وهذا كما قال: ولقد كنت جالسا عند الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد ابن سلامة فوقع جزء رسم له المهلة فجاءه رسول صاحب الجزء بدينار ناقص فرده عليه، وقال: ما هذا التشكك، فقال الرسول: يا سيدي، هذا حق واجب، فأنكر عليه غاية الإنكار وألزمه الكفر باعتقاد وجوب الحرام، أو شكه فيه واستحلاله له، وما زال يؤنبه ويكرر حتى تاب من ذلك الاعتقاد ورجع إلى الحق، انتهى. ونص كلام ابن العربي في المتوسط: ولما كان الإيمان أمرا باطنا لَا يعلمه إلا الباطن جعل الشارع عليه علامات، وقضى الرب سبحانه وتعالى بأن لَا يكون مؤمنا إلا باستخدام اللسان كاستخدام القلب، فمن العلامة الإقرار بالشهادتين، فمن اعتبرها بقلبه وعبر عنها بلسانه فهو مؤمن عند الله وعندنا، ومن أقر بها بلسانه دون قلبه فهو المنافق. وذهب الكرامية إلى أنه مؤمن حقا، وهو أفسد من أن يتكلم عليه، ومن اعتقد ذلك بقلبه ولم يصدق به لسانه [فمؤمن عندنا*] إذ [حال*] بينه وبين النطق [جهل*] أو عذر وهي مسألة اجتهادية هذا أظهر الأقوال فيها، لأن الأمة أجمعت على أن ذا العذر الذي لا يستطيع النطق مؤمن باعتقاده التسليم، فلو اعتقد الحق وعاند بالامتناع من النطق هو كافر؛ إذ الإجماع منعقد على اشتراط النطق بالشهادتين في العصمة الدنيوية والأخروية جميعا، ومن الطاعات تجرد الاعتقاد عن سجود الصنم أو نحوه]، أو [الاستخفاف*] بحق الرسول أو بشيء من الشريعة. قال بعضهم: أو أكل لحم الخنزير ولا يقوى عنده إلا أن يأكله مستحلا فيستوي في ذلك [هو*] وسائر المحرمات، وجعل بعضهم من ذلك فعل الصلاة، فمن تعمد تركها كفر، تناقضوا فيه، والقول فيه بعيد، ومن أصحابنا من قال: الإيمان هو جميع الطاعات في رسمها ونقلها، ووردت إطلاقات الشرع بذلك وهو مجاز يرجع إلى الاعتقاد بتأويل لما قام عليه من الدليل، وهو ما قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه وهو الحق عندي والأوائل امتنعوا منه، انتهى. وقال الشيخ أبو الحسن [عليٌّ*] المتيطي في أواخر تأليفه إذا شهد الشهادتين وقف على شرائع الإسلام وحدوده، فإن أجاب: تم إسلامه، وإن أبى لم يقبل إسلامه وترك على دينه، ولا يعد مرتدا، [**أو أن يوقف على شرائعه حين أسلم، ولا] [... ] ولا صلى حتى رجع عن الإسلام، فالمشهور أن يشدد عليه ويؤدب، فإن تمادى مرتدا ترك ولا يقتل؛ لأن الإسلام قول وعمل، وقاله مالك وابن القاضي وغيرهما، وبه أخذ ابن عبد الحكم وعليه العمل والقضاء. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب يقتل [... ] بتأكد سواء رجع عن قرب أو بعد، قال: وإن اغتسل بإسلامه ولم يصل إلا أنه حسن إسلامه، ثم رجع فإنه يؤمر بالصلاة فإن صلى وإلا قتل. وقال ابن القاسم: لَا يقتل حتى يصلي ولو ركعة، فإذا صلى ثم تركها أدب، فإن لم يصل قتل، وإن ثبت أن إسلامه كان عن إكراه أو خوف، فله الرجوع إلا أن يثبت بقاؤه مسلما بعد زوال الخوف والإكراه، فصلى صلاة فما فوقها، وإن أسلم صغيرا ثم رجع قبل البلوغ وعنده توعد وأدب ولا يبلغ به القتل، انتهى. ابن القطان أجمعوا على أنه إذا نطق بالشهادتين، قال: [أبرأ من*] كل دين خالف هذا الدين أنه يكون مسلما، وإذ ارتد عن ذلك [**متصل] بعد أن يدعى إلى الإيمان، انتهى. وهذا خلاف ما قال المتيطي، وفي التهذيب في كتاب النكاح الثالث ما نصه قال ربيعة في الكافر: ينكح مسلمة ويزعم مسلم فلما خشي الظهور عليه أسلم وقد بنى بها فلها الصداق ويفرق بينهما، وإن رضي أهل المرأة، إن رجع إلى الكفر قتل؛ لأنه بتزوجه يعد ملتزما لشرائع الإسلام، فإن قلت: يلزم على هذا إذا نطق بالشهادتين وصلى ثم ارتد، قلت: التزويج فيه حق للغير، فقد التزم شرائع الإسلام لذلك الغير بخلاف الصلاة. قوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ).

الحجرات 49:15

ليس بتكرار لأنه قوله: (لَمْ تُؤمِنُوا)، نفي لماض منقطع، وقوله (وَلَمَّا يَدْخُلِ) نفي لماض متصل بالحال فهو أبلغ. وقال الفخر: الأول نفي للإيمان الكسبي، والثاني نفي للإيمان الإلهامي الذي يقع بقلب المؤمن من قبل أن يكفر، أي [كيف تقولون*] آمنا وما آمنتم إيمانا كسبيا، ولا يدخل الإيمان في قلوبكم إلهاما من غير فعلكم فلا إيمان لكم. الزمخشري: ما في (لَمَّا) من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. فأبطله أبو حيان بأن (لَمَّا) لنفي قد فعل فهي تنفي التوقع، ويجاب: بأنها لنفي الفعل الذي كان متوقعا وقوعه لَا لنفي التوقع فلم يزل التوقع ثابتا متعلقا بالمستقبل. قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ). قيل: لم أتى بـ (إن) دون [إذا*] مع أن القاعدة أن الفعل إذا كان [محققا*] وقوعه فالمناسب له (إذا)، وإن كان [محققا*] عدمه أتى بـ إن؟ أجيب بوجهين: الأول: أنه أشار إلى كمال استغناء الله تعالى عنهم. الثاني: أنه يستحيل عليهم [جعل*] طاعتهم في حيز المحال، وإخراجها عن حيز الإمكان، فضلا عن أن تكون محققة الوقوع، ورد هذا بأن الزمخشري ذكر فيما تقدم أنهم آمنوا بعد ذلك. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [ارتاب مطاوع رابه*] فارتاب فهو مرتاب عليه، فالارتياب أخص لأنه لَا يكون إلا مطاوعا، والريبة تكون ابتداء وتكون بعد تقدم سببها، فيرد السؤال وهو أن نفي الريبة أبلغ، ومثله وقع بين الشيخ ابن عبد السلام وابن الحباب، في قول ابن الحاجب ينقسم. فقال ابن الحباب: انقسم المطاوع لَا يكون إلا فيما يقبل القسمة وما لَا فلا، والجواب: أنه قصد الرفق بالمؤمنين لأن كل واحد منهم لَا يخلوا من خطور ريبة بقلبه، فمنهم من يسأل حتى يهتدي إلى الصواب، ومنهم من يدوم على ذلك حتى توجب تلك الريبة عنده ارتيابا في الإيمان فيكفر، فنفى هذا الثاني دون الأول؛ لأن الأول حصلت عنده الريبة ثم زالت، ولم توجب عنده ارتيابا في الإيمان.

الحجرات 49:16

وحكى عياض في الإكمال في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، وقال: لئن قدر الله تعالى عليَّ ليعذبني عذابا شديدا، في تكفير من شك في الصفات قولين، وكذلك حكى الأصوليون في تكفير من جحد الصفات أصلا قولين متفقين على مسألة اختلف فيها القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين وهي هل الإيمان بالله مشروعا مشروطا بالايمان بصفاته أم لَا؟ وقدم الأمر إلا على الأنفس لأنه كذلك في الوجود الخارجي، ولأن الجهاد بالأموال هو الأعم الأغلب لأن كثير يبدل ماله دون نفسه. قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). نظير قوله تعالى في الأعراب: (قُل لَمْ تُؤمِنُوا) أي قل لهم: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وأنتم الكافرون. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ لما تضمن الكلام السابق تكذيبهم في قولهم: (آمَنَّا) [تبعه*] ببيان أنهم على تقدير صدقهم في ذلك فإِخبارهم به لمن هو عالم بضمائر هم تحصيل الحاصل، وهل هذا يشكل قول الإمام مالك رحمه الله في كتاب الأيمان والنذور من المدونة من حلف لرجل [إنْ عَلِمَ أَمْرَ كَذَا وَكَذَا لَيُخْبِرَنَّهُ أَوْ لَيُعْلِمَنَّهُ ذَلِكَ فَعَلِمَاهُ جَمِيعًا*] لم يبر حتى يعلمه أو يخبره، مع أنه تحصيل الحاصل. قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ). تأسيس لتناوله الظرف والمظروف وشموله الموجود والمعدوم شيء. قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ إن كان [للإضراب*] عن قولهم فهو إبطال، وإن كان حق مقول [للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم*] فهو انتقال. فإِن قلت: هلا قيل: بل أنت تمن عليهم؛ لأن مقاولتهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قلت: في إسناد المن إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إيحاش. لأنه مستقبح بخلاف إسناده إلى الله تعالى لأنه خالق الأشياء وفاعلها حقيقة فلا يصح [نسبة*] الشيء إليه. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذا أخص بما قبله لأن (بَصِيرٌ) أحق من يعلم، فإِن قلت: لم عبر عن صفة العلم بالفعل وعن صفة البصر بالاسم؟ قلت: لأن العلم في الشاهد معلوم دوامه وثبوته وأنه لَا يتبدل، فلم يحتج فيه إلى التعبير بالاسم الدال على الثبوت، لأنه معلوم أنه إذا لم يتبدل في الشاهد فأحرى الغائب، وغير في (بَصِيرٌ) بالاسم الدال على الثبوت إشارة إلى أنه في الغائب مخالف للشاهد؛ لأن من أبصر شيئا في الشاهد لَا يدوم نظره إليه بخلاف علمه إياه. * * *

ق 50:1

سُورَةُ (ق) قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ... (١)﴾ قال: مكي (وَالْقُرْآنِ) قَسَمٌ جوابه قبله وهو ما دلت عليه (ق) والتقدير والقرآن المجيد لقضي الأمر، انتهى، تقديم جواب القسم عليه ممتنع لكنه جعله دليل عن الجواب لَا أنه نفس الجواب. قوله تعالى: ﴿بَلْ... (٢)﴾ إضراب انتقال قبل تمام المنتقل عنه إلا أن يكون الجواب مقدم. قوله تعالى: (أَنْ جَاءَهُمْ). مفعول من أجله، فإن قلت: قد تقرر في المنطق أن التعجب لازم الإنسان بغير وسط فلا يقال: تعجبت لأجل كذا، قلت: التعجب زيادة في وصف الفاعل خفى سببها فنفس التعجب بغير واسطة؛ لكنه لَا بد له من سبب ولا يسمى ذلك السبب واسطة. قوله تعالى: (فَقَالَ الْكَافِرُونَ). العطف بالفاء إشارة لمبادرتهم بالإنكار وتعجبهم الأول شك وارتياب، والثاني استهزاء وتصميم على كفرهم. قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ رد على قولهم: (أَئِذَا كُنَّا) ولم يقرر المفسرون وجه الرد، وتقريره أن إعادة الشيء تنبيه من شرطها قدرة الصانع وعلمه وكونه سبحانه وتعالى قادرا معلوم له بالضرورة لَا ينازعون فيه فبين لهم اتصافه بالعلم، ولما كان العلم بما ينقص في المستقبل أبلغ من العلم بما انتقص في الماضي [قيل (تنقص) دون نقصت*]. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ لما تضمن الكلام السابق أنهم في أمر ملتبس مختلط قد يتوهم أن هذه الضلالة لعدم وضوح الدلائل التي تهديهم إلى طريق الحق، فأتى بهذه الآية شبه الاحتراس والتقدير [أغفلوا*] فلم ينظروا، وتقدير المعطوف عليه قبل الهمزة أولى من جهة المعنى لأن المقصود [إنكار*] عدم النظر وتوبيخهم عليه، وأما الغفلة فهي ثابتة مقدرة، ولكنه عند النحويين مقدر بعد الهمزة.

ق 50:7

قوله تعالى: (إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ). قالوا: فوق إما حال أو ظرف، ويرد كونها حالا فإِن من شرطها الانتقال، فإِن قلت: هي هنا في حكم المنتقلة. قالوا: في خلق الله تعالى الزرافة يديها أطول من رجليها إنها حال غير منتقلة لكنها في حكم المنتقلة؛ لأنها كانت قابلة لأن تخلق على غير تلك الصفة، قلت: لَا يمكن ذلك هنا؛ لأن السماء من حيث كونها سماء غير قابلة لأن تكون أسفل، ولا جواب عنه إلا بما قال ابن هشام، وغيره: من أن الأولى عدم اشتراط الانتقال في الحال، [ويرد*] أيضا على كونه شرطا أنهم شرطوا في الظرف كونه محلا للفاعل وفعله، فإِذا قلت: جلست فوق زيد، فالقول فيه محل لك ولجلوسك، والسماء هنا ليست محلا للناظر بل لنظره فقط، وجوابه: أن ذلك في الفعل الذي لَا يطلب مفعولا، وأما الفعل الذي يتعدى فقد يكون الظرف محلا لفاعله، وقد لَا يكون، فإن قلت: قد تقرر في مبادئ العربية أن قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا غير مفيد، فما أفاد قوله تعالى: (فَوقَهُم)، قلت: هو إشارة إلى تمكن كل واحد منهم من النظر إليها، وهو أبلغ من قوله تعالى: (أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) لأنهم وبخوا هنا على [عدم النظر*] مع تمكنهم منه في محالهم دون تكلف وسير، وهذا هو الذي يقوله الأصوليون: إن المعقولات فرع المحسوسات. قوله تعالى: (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ). الفخر. هنا احتج بها الحكماء القائلون: بأنها ليست قابلة للخرق، والجواب: أن الآية أفادت إمكان الخرق فيها، فلذلك احتيج إلى نفيه، انتهى. فصار أمره أنه بطل استدلالهم بها فقط، ونحن نقول الآية حجة عليهم لَا لهم، وأفادت أنها قابلة للخرق، ولولا ذلك لما احتيج إلى نفي الخرق؛ لأن المحال لَا يحتاج إلى نفيه. فإِن قلت: قد ثبت أن للسماء أبوابا، قلت: لها أبواب تفتح وتغلق، وليس فيها خرق [بوجه*]، وجمع خروق فروج، إشارة إلى كثرة الأفلاك التي فوقها والكواكب بحيث [لو تصورت*]، فما يكفي في رؤيتها خرق [واحد*] في السماوات بل [انشقاقات*]، وخروق جملة ليكون تحت كل واحد خرق يظهر منه. قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾

ق 50:8

قيل: يؤخذ من الآية فيمن حلف أن لَا يستقر في أرض أنه يستقر على الجبال ولا يحنث؛ لدلالة الآية على أنها ليست من الأرض؛ اعتبارا بمجرد اللفظ دون اعتبار العرف العادي. وصوب ابن عطية هنا مذهب من يقول: إنها بسيطة. قال الشيخ: والصحيح أنها عندهم [كورية*]، وعليه تبنى مذاهب المنجمين. قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾ مفعول من أجله وهو بين على مذهبنا لاتحاد الفاعل، ولا يجري على مذهب المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله. وقال أبو العز: المقترح لما حكى القول بأن النظر بخروج أشعة من العين إلى المنظور، نرد هذا القول بأن الناظر [إذا قلب*] حدقته، فيرى نصف كثرة العالم وما عسى أن تبلغ من أشعة عينه من كثرة العالم، قال: وإنما النظر إدراك يخلقه الله تعالى للناظر عند تقليب الحدقة، انتهى. على تنازعه في رؤية الناظر نصف كثرة العالم بل يقول: يرى خلقا كثيرا خاصة لَا أنه نصف كثرة العالم بوجه. فإِن قلت: لم قيل: إلى السماء فوقهم؟ ولم يقل: إلى الأرض تحتهم، كيف مددناها؟ قلت: لأن السماء بعيدة هنا لَا نشاهدها إلا بعد تقليب الحدقة إلى فوق، بخلاف الأرض فإنا لَا نحتاج في رؤيتها إلى تكلف تقليب الحدقة إلى فوق. قوله تعالى: ﴿بَاسِقَاتٍ... (١٠)﴾ حال مقدرة. قوله تعالى: (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ). إن كانت حالا متداخلة فهي [مجملة وإلا مقدرة*] كالأولى. ابن عطية: [«الطلع» أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نَضِيدٌ، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد*]، انتهى؛ [الكفرى*] [**مواظف] الذي فيه العرجون، ووصف في الآية اسم الجنس بالجمع وهو جائز، ونص [الآبذي*] في شرح الجزولية، وابن مالك في التسهيل على جواز وصف اسم الجمع واسم الجنس بالفرد، وهو جائز، ونص المبرد في المقتضب على جواز جمع التكسير بالمفرد. قوله تعالى: ﴿بَلْدَةً... (١١)﴾

ق 50:12

أفرد البلدة وجمع (جَنَّاتٍ) لما يقوله الزمخشري في غير ما [موضع*]: إن الأشياء الظاهرة المعلومة بالضرورة يكفي فيها التنبيه على واحد منها؛ بخلاف الأمور الخفية، ولما كان نبات الربيع من غير استنبات، ونبات الجنات بالاستنبات، فالأول ظاهر في كل موضع أنه من الماء خاصة؛ بخلاف ما كان بالاستنبات، فإن السبب في نباته الماء والاستنبات ووصف البلدة بـ (مَيْتًا) مع أنه معلوم من مادة الإحياء إشارة إلى ما سبقت الآية لأجله من الاستدلال على جواز إحياء الموتى وإعادتهم، وإخبار الشارع بوقوع ذلك يوجب التصديق به. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ الزمخشري: هو تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخويف كفار قريش، انتهى. ويحتمل كونه تسلية للمؤمنين وإزالة ما يوسوس به إليهم الشيطان من كفر غيرهم من قريش، فبينت الآية أن كل نبي آمن به قوم، وكفر به آخرون، وفي الآية رد على ابن قتيبة بأن القبيلة تقتضي الاشتراك في التكذيب، والأمم السالفة إنما كذبوا بالرسالة، وهذه الآية رد على من كذب بالمعاد، وهو أمر مستقبل فأطلق عليه لفظ التكذيب فهو كذب لَا خلف، وجوابه: أنهم كذبوا بالرسالة، ومن لوازم ذلك التكذيب بالمعاد فأطلق التكذيب وهو الرسالة ودخل المعاد في ضمنه. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قرئ "ليكة" و"الأيكة"، ابن عطية: الألف واللام من "الأيكة" غير معرفتين لأن أيكة اسم علم كطلحة، يقال: أيكة وليكة فهي كالألف واللام في الشمس والقمر، وفي الصفات الغالبة قال: وفي هذا نظر، انتهى. أراد بالنظر أن ليكة عَلَم، فالألف واللام فيه زائدتان؛ كما هي في الزيد [والْعَمْرو*] [في قوله:*] [بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِو مِنْ أَسِيرِهَا*]، [بخلافهما في*] الشمس والقمر، فإن الألف واللام فيهما للتعريف لأنهما كانا نكرتين. قوله تعالى: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ). قول أبي حيان: إفراد الضمير على لفظ كل لأن مفرد الفخر إن كانت الألف واللام في الرسل للعهد، فيكون على التوزيع أي كل أمة كذبت رسولها ويكون تكذيبها رسولها واحدا، فقد كذب جميع الرسل لاتفاقهم على الأمر بتوحيد الله تعالى، وإن كان للجنس أن المراد جميع الرسل، فالتكذيب للجميع مطابقة لعجزنا عن الإعادة. قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ... (١٥)﴾

ق 50:16

إضراب انتقال، فإن قلت: يكون [إبطالا*] [**للآتي قولهم] وهي نفي الإعادة، قلت: أبطلته همزة الإنكار. قوله تعالى: (مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ). الزمخشري: إن قلت: لم عرفوا (الْخَلْقِ الأَوَّل) دون الثاني؟ فأجاب: بأن التنكير لتعظيم الخلق الجديد إشارة إلى أنه خلق له بيان عظيم وحال شديد يجب أن يهتم ويخاف ويبحث عنه، انتهى. إن قلت: يلزم على هذا بطلان القياس في الآية، فإنه إذا كان الخلق الثاني أعظم من الأول [لما*] يلزم من القدرة على الأول القدرة على الثاني، قلت: إنما جعله أعظمها باعتبار ما يعرض له من العذاب والنعيم، وما يرى فيه من الأهوال؛ لَا باعتبار الجرم والكبر والصغر، وقد يجاب [بوجه آخر*] وهو ما قال عمر رضي الله عنه، في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) لن يغلب العسر يسرين، وفسره النَّاس بأن التعريف يقتضي الوحدة والتنكير يقتضي التعدد، فعرف الأول لأنه أول لم يسبقه مثله فهو واحد، ونكر الثاني لأنه مسبوق بخلق آخر قبله مثله. فإن قلت: هذا المعنى مستفاد من وصفه بجديد، قلت: الوصف بجديد أتى ردا على من يقول بقدم العالم، فأفاد أن العالم جديد ليس بقديم؛ لَا أنه مسبوق بخلق آخر قبل. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قلَّ ما تجد آية في القرآن ذكر فيها وصف القدرة إلا مع وصف العلم وبالعكس، وهو إشارة إلى إسناد كل [المعلومات*] إلى الله تعالى، ففيه إبطال الطبيعة لأن الذي يفعل بالطبيعة لَا يحتاج إلى العلم بل القدرة تكفيه، فإن قلت: لم أقسم على ذلك مع أنهم مقرون به، قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، قلت: من لوازم الإقرار بذلك الإقرار بالمعاد ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. أبو حيان: الواو في (ونعلم) للحال، وأبطله المختصر بأن المضارع لَا يقع حالا بالواو إلا قليلا، كقوله: قمت وأمك، ويبطل أيضا بلزوم المفهوم الباطل وهو معنى اشتراط الانتقال في الحال، وقال: (تُوَسْوِسُ) بلفظ المستقبل فليس إلا السوس فأين الموسوس؟ قلت: الجواب: من توسوس بلفظ المستقبل وجهين: الأول: أن ابن يونس نقل عن ابن حبيب: أن الروح والنفس ما داما في الجسد هما شيئان فإذا خرجا منه صارا شيئا واحدا، فنقول: أن النفس توسوس الروح.

ق 50:17

الثاني: إن هذا السؤال إنما يرد على تفسير الزمخشري حيث جعل (ما) مصدرية فيعود الضمير في به على الإنسان، ولنا أن نجعلها موصولة بمعنى الذي والضمير في به عائد عليها، والتقدير ويعلم الشيء الذي توسوسه به [نفسه*] أي الذي تتحدث به نفسه، ويكون المراد الخواطر التي يخطر لنفس أو يراد بالنفس الشهوة، وإنها توسوس العقل عند المتكلمين علوم ضرورية فلا يقبل أن يخاطب النفس، وفي سورة طه: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) فالسر أظهر من الوسوسة؛ لأنه كلام النفس أو كلام اللسان سرا، والوسوسة ما في القلب فيحتمل أن تكون الوسوسة هي المرادة من السر، أو يكون الأول الجهر، والثاني: دونه وهو السر، والثالث أخفى منهما وهو الوسوسة. قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). تنبيه على كمال تعلق علم الله تعالى بجميع الكائنات وأنك كما تفهم علم الواحد منا بأحوال من هو في المسافة منه بمنزلة (حَبْلِ الْوَرِيدِ) الذي هو في عنقك، كذلك وينبغي أن يعتقد في علم الله تعالى. فإِن قلت: القرب بالنسبة إلى الله تعالى مجاز وفي (حَبْلِ الْوَرِيدِ) حقيقة فيلزم عليه استعمال اللفظة الواحدة في حقيقتها [ومجازها*]، وهو ممتنع عند الأصوليين نص عليه الفخر، وابن التلمساني في المسألة الخامسة من الباب الأول، قلت: في الكلام حذف مضاف أي من قرب (حَبْلِ الْوَرِيدِ) فيكون القرب المضمر حقيقة والمظهر مجازا. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ الزمخشري: العامل فيه أقرب؛ لأن معاني الأفعال قد تعمل، انتهى، وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح خلافا عمل أفعل من ذكر ذلك، في قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ). ابن عطية: ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرا، أي ذكر (إِذْ يَتَلَقَّى)، قال: ويحسن هذا؛ لأنه أخبر خبرا مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار أخبر [بتلك*] الأحوال التي تصدق هذا الخبر، فمنها (إِذْ يَتَلَقَّى) المتلقيان، ومنها مجيء سكرة الموت والنفخ في الصور، ومجيء (كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ)، انتهى. وهو حسن؛ لأنه إذا كان يعلم الوسوسة حين التلقي فيكون نفيا لما يتوهم من أنه إنما [يصل*] إلى علم ذلك من جهة الملائكة الحفظة فإذا

ق 50:18

أعلمه حين يلقى الحفظة له كان دليلا على أنه غني عنهم، فإِن قلت: ما أفاد: (يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) وهو كقولك: تضارب فيَّ المتضاربان؟ قلت: تفيد إما بتقييده باليمين والشمال، وإما بأن ذلك إنما يكون غير [مقيد*] إن لو كان المراد أن كل واحد يلقى صاحبه، وليس المراد الإخبار بلقاء كل واحد منهما صاحبه؛ بل بلقائهما معا المكلف. قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ ذكر القول دون الفعل؛ لأنه أكثر، فإذا [أحصى*] القول فأحرى الفعل، فإِن قلت: هذا [لا يتناول*] حديث النفس، ولو قيل: ما يصدر من قول لتناوله، والعبد إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، وإن هم بسيئة فلم يعملها ولم يوطن نفسه عليها لم تكتب، فإِن وطن نفسه عليها كتبت عليه سيئة، قلت: هذا راجع إلى العمل لَا إلى القول. قوله تعالى: (رَقِيبٌ عَتِيدٌ). يحتمل أن يكون صفتين لموصفين، فيكون ملك الشمال رقيبا أي مراقبا عليه؛ لأنه يكتب السيئات، وملك اليمين عتيدا أي حافظا يحفظ له ما يصدر عنه من الحسنات فيكتبها ولا يضيعها، ويحتمل أن يكونا صفتين لموصوف واحد. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ حكى الفخر في [المحصول*]: الخلاف في الموت هل هو أمر وجودي أو أمر عدمي؟ واحتج لمن قال: إنه وجودي، بقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، وأجيب: بأن يكون خلق بمعنى قدَّر، والتحاكم في هذا إلى اللغة هل ورد خلق بمعنى قدَّر؟ وفي الآية رد على الفلاسفة [والطبائعيين*] القائلين بأن هذه الأجسام بطبعها فانية لَا تقبل البقاء لما فيها من العفونات، إذ لو كانت كذلك لما احتيج إلى نفي نفع [المحيد*] من ذلك، ولما احتيج إلى زيادة (بالحق)، وجعل الموت سكرة تشبيها له بالسكر من الخمر؛ لأنه يغيب العقل والحواس. قال الإمام الغزالي رحمه الله: ولا يذوق من شدة مرارة الموت إلا لمن سوى الأنبياء والأولياء، قال: وأما الأنبياء والأولياء فتألمهم بمفارقة النفوس لأبدانهم كما يتألم المحب بمفارقة محبوبه؛ لأن نفوسهم كانت [زكية*] شريفة وخالطت [... ] شرف بها، فعند انفصالها يتألم من الانفصال والمفارقة لَا بسبب الوجع الذي يجده من الانفصال والمفارقة، انتهى. ويرد هذا ما ورد في حديث مسلم: أن رجلا رأى النبي صلى الله

ق 50:21

عليه وعلى آله وسلم يوعك، فسأله، فقال: [أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ"*]. قوله تعالى: [(مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) *] الزمخشري: [ومحل (مَعَها سائِقٌ) النصب على الحال*] من (كل) لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، انتهى، أراد أنه تخصص فصارت إضافية محضة؛ لأنه كما يجوز الابتداء به إذ هو في معنى العموم، كذلك صح إتيان الحال من المضاف إليه. وتعقبه أبو حيان غير صحيح. ابن عطية: وقرأ طلحة بن مصرف بالحاء مثقلة، أبو حيان: وقرئ [مَعَهَا*] بإدغام العين في الهاء، انتهى. وقال ابن عصفور في شرحه الصغير: لَا تدغم العين في الهاء إلا بعد تحويل الحرفين بقول في [... ] لأنك لو قلبت العين هاء لكنت قلبت [... ] في الفم إلى جنس [... ] في الحلق وذلك لَا يجوز ولو قلبت الحاء عينا لاجتمع لك عينان، وذلك ثقيل لأن العين قريبة من الهمزة، فكما أن اجتماع الهمزتين ثقيل فكذلك العينان، فلذلك لم تدغم الهاء في العين، قال: وإذا أريد إدغامها قلبا معا حائين وأدغمت الحاء في الحاء. قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ابن عطية: هو كقول [الزجاج: يا حارسي اضربا عنقه*]، ابن هشام في [**شرح الشذور] ابن دريد. يستدل بكلام الحجاج في اللسان لَا في الأديان. قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ظاهر الآية وجوب إبقاء الوعيد، كما [يقوله المعتزلة*]؛ لأنها عامة في الكفار والعصاة، والسبب خاص، والعام إذا أورد على سبب فالمشهور بقاؤه على عمومه ولا يقصر على سببه، فإِما أن نقول: عمومه مخصوص، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، وإما أن نقول هذه الآية في الكفَار وليست في العصاة. قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). الزمخشري: ما معناه أن ذلك كيف قال: (بِظَلَّامٍ)، ولم يقل: بظالم مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم؟ ثم أجاب بوجهين: الأول: أن الظلم باعتبار التعلق، فيقال: ما زيد بظالم لغيره لأنه عبد واحد، وما زيد بظلام لعبيده، فتبالغ في النفي لأنهم عبيد كثيرون، فالمبالغة باعتبار المتعلق، انتهى، يلزم عليه سبب النفي المفهوم وهو أن لَا يكون ظالما لمجموع عبيده فيكون ظالما لبعضهم. قال: الجواب الثاني: أن الكبير العظيم من النَّاس إذا اتصف بقليل الذم فهو في حقه عظيم، فلو تصور الظاهر من الله تعالى لما كان عظيما، قال الشاعر: [الْعَيْب فِي الخامل المغمور مغمور؍ وعيب ذِي الشّرف الْمَذْكُور مَذْكُور*]؍ كفوفة الظّفر تخفى من مهانتها؍ ومثلها في سواد العين مشهور؍ انتهى. وقال امرئ القيس: يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه؍ ليقتلني والمرء ليس بقتَّال؍ معناه: لَا يقدر على قتلي إلا من هو قتال لَا من هو قاتل، فلا يقتلني إلا من اتصف بأبلغ القتل وأعلى درجاته، وهذا الذي يطمع نفسه بقتلي لم يبلغ إلى أن يوصف بقتال. وقال [الآبذي*] في شرح الجزولية: فإن قيل: يظهر من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أن فعالا ليس للمبالغة إذ لو كان كذلك لاقتضى مفهومه إثبات قليل الظلم، فالجواب: أن التكثير في الفعل على وجهين: أحدهما: أن يكون المفعول جماعة، تقول: جرحت الزيدين ولم يتكرر الفعل في كل واحد، والآية من هذا، والمراد من أن تكون كررته في المفعول، تقول: جرحت زيدا، ولما خفي هذا على الحريري. قال في درة الفؤاد: له الصفة المذمومة قليلها في حق العظيم كثير، كقوله: العيب في العالم المحقور محقور، والصحيح ما تقدم، انتهى، بل الصحيح ما قال الحريري

ق 50:30

بدليل ما خرجه مسلم: ["ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ"*] والظلم فسره بعض المتكلمين بأنه وضع الشيء في غير محله. وقال آخرون: هو التصرف في ملك الغير، قال بعضهم: وإنما يضع الشيء في غير محله جاهل، فالظلم لَا يقع إلا من جاهل. وقال الأكثرون: يصدر من العالم والجاهل، [واحتج*] الأولون بأن وضع الشيء في غير محله يقتضي ترجيح المرجوح وجعل الراجح مرجوحا، وهذا جهل لَا علم، وأما على الوجه الآخر فيتوجه مطلقا؛ لأن جميع الخلق ملك لله تعالى، فإِن قلت: كون الظلم وضع الشيء في غير محله مع منع اتصاف الله تعالى بذلك إنما يجري على مذهب المعتزلة في قاعدة التحسين والتقبيح، لأن وضع الشيء في غير محله قبيح، قلت: إذا وضع الله تعالى شيئا في أي محل كان، فهو محله [**إجزاء] [إذ لَا يوجد شيء في غير محله*]، [ووجوده*] أشد عشقا. قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ابن عطية، عن الرماني، تقوله: (خَزَنَتُهَا) ابن عطية: وكونها هي القائلة أظهر، انتهى، حقه أن يبين أن قول الرماني مخالف لمذهب أهل السنة؛ لأن مذهبهم عدم اشتراط الحياء والهيبة في الكلام، ومذهب المعتزلة اشتراط ذلك. قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾ الزمخشري: (بِالْغَيْبِ) حال من المفعول أي خشيه وهو غائب [لم يعرفه،*] لم يعرفه، وكونه معاقبا إلا بطريق الاستدلال. فتعقبه أبو علي عمر بن خليل السُّكُوني بأن فيه سوء أدب من جهة إطلاقه على الله تعالى لفظ الغيبة، وإطلاقه عليه لفظ مفعول، وتعقبه غير لازم إذ لم يزل إمام الحرمين، وغيره يقولون: قياس الغائب على الشاهد بالجوامع الأربعة فهو إطلاق معهود عند الأصوليين، ويحتمل أن يكون المراد أنه يخشاه حالة كونه غائبا عن النَّاس وهي حالة الانفراد والانقطاع. والزمخشري: (مَنْ خَشِيَ) بدل بعد بدل تابع لكل فألزمه أبو حيان تعدد الأبدال، قال: وهو غير جائز عندهم، انتهى، ووجه المنع أن البدل على نية الطرح عن جهة المعنى، فلا تتعدد المبدلات، واختاره [ابن بابشاذ*] في مقدمته، والإبدال أنه ليس على نية الطرح فعلى هذا يصح [تعدد*] الإبدال، وقد يجري ذلك على الخلاف في تعدد الحال وخبر المبتدأ بغير حرف عطف، فمنع الفارسي، وابن عصفور، والمحققون [تعدد*]

ق 50:35

الحالات إلا أن بدل الغلط والبداء والنسيان، قال: وينضاف إليها رابع، وهو أن يقصد الإخبار عن رؤية زيد وعمرو على أن يبتدئ بذكر رؤية زيد ثم تضرب [عنه*]، وتذكر رؤية عمرو من غير بدء يلحقك في ذلك، وهو كالعطف في المعنى، وقد حكي عن العرب: أكلت خبزا لحما تمرا، فحمله بعض النحويين على حذف حرف العطف، والأولى [عطفه على هذا النوع*]، وحذف حرف العطف ضعيف ولو جاز حذفه لجاز، اختصم زيد وعمرو ولا [يقوله أحد*]، وقد حمل عليه ابن خروف، قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)، فقال: (النَّارِ) بدل إضراب من الأخدود، وجعله الفارسي بدل اشتمال، انتهى، وهذا نص في صحة تعدد الأبدال. الزمخشري: ويجوز أن يكون بدلا من موصوف: (أَوَّابٍ حَفِيظٍ) ولَا يجوز أن يكون في حكم (أَوَّابٍ) و (حَفِيظٍ) لأن من لَا يوصف به ولَا يوصف من بين سائر الموصلات إلا بالذي [وحده*]، انتهى. يريد بقوله في حكم (أَوَّابٍ) أي صفة لأواب، ونقل ابن حيان في شرح تسهيل الفوائد لابن مالك، عن الزجاج: أنه أجاز وقوع (مَن) صفة. قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ابن عطية: وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [بل ما أطلعتهم عليه*]، وروي عن جابر، أن المزيد النظر إلى وجه الله عز وجل، انتهى، (بل) من ألفاظ الاستثناء بمعنى دع. قال الترمذي: معنى الحديث سوى ما أطلعتم عليه، وقيل: دع ما أطلعتم. قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ لم يقل: أبطش منهم مع أنه ثلاثي يصح [بناء*] أفعل منه، فما الحكمة في ذلك؟ وجوابه: أنه قصد التنبيه على اتصاف المفعول بشدة البطش؛ لأن أفعل من تقتضي الشركة في مادة الفعل، وتقدم نحو هذا للزمخشري في سورة البقرة في: (أَو أَشَدُّ قَسْوَةً). قوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾

ق 50:44

[عود*] الضمير على (السَّمَاوَاتِ) بمعنى الكلية والنوع، فيدخل ما بين كل سماء وسماء، ويكون ذكر [ما عدا*] الأولى والأخيرة من السماوات مرتين بالمطابقة وبالتضمين أو الفرد. قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ مقابل لقولهم: ذلك [رَجْعٌ بَعِيدٌ*] وهو جارٍ على الأمثل في استعمال الأخص في الثبوت، والأعم في النفي؛ لأن كلامهم يجري مجرى النفي، وقد استعمل فيه الرجع المطلق الذي هم من كونهم مجتمعين أو مفترقين، وقيل في الجواب ذلك حشر؛ لأن الحشر عبارة عن إعادتهم بقيد الاجتماع فهو أخص من الأول، فأفاد الإعادة وزيادة، فإن قلت: المطابق لقولهم ذلك حشر علينا قريب، فالجواب من وجهين: الأول: أن القريب أعم من كونه سهلا أو صعبا، ويسير يفيد القرب، وزيادة. الثاني: أن المراد بالبعد في كلامهم الاستحالة لَا بعد المسافة، وضد الاستحالة الإمكان. * * *

الذاريات 51:1

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ قال ابن عرفة: أكد (وَالذَّارِيَاتِ) بالمصدر ولم يذكر مفعولها، وذكر مفعول الحاملات ولم يؤكدها بالمصدر، فما السر في ذلك؟ قال: والجواب: أن الحمل لما كان حامله محسوسا مشاهدا حصل العلم بمحمول ما بالإطلاق، ولما كانت القرابة في شدة المحمول وقوته، صرح بمفعول يناسبه، وهو العظيم الثقل، فيستلزم قوة حامله، ولما كان لقاء الذاريات صالحا للقوة، والفعل أكده بالمصدر ليفيد أنها بالقوة والفعل. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أخذ من هنا بعضهم [أن*] اللازم في قول القائل: أنت طالق فأنت طالق فأنت طالق واحدة، وتقريره أن هذه الألفاظ مقتضيات للطلاق، وألفاظ القسم مقتضيات للجواب، والأصل تعدد المقتضي لتعدد المقتضى، فلما اكتفى [بهذا*] القسم هنا بجواب واحد؛ لزم كذلك في الطلاق، قال: والجواب: عن هذا بأن اقتضاء القسم للجواب أمر لغوي لفظي، لأن عند قوله تعالى: (فَالْحَامِلاتِ) [لو لم يأت*] الجواب لما أفاد شيئا. قال ابن عرفة: [فائدة اقتضاء الطلاق*] لزوال العصمة أمر شرعي، بدليل أنه لو سكت عند قوله أولا أنت طالق لترتب الحكم عليه بالطلاق، ولو سكت عند قوله: (وَالذَّارِيَاتِ) (فَالْحَامِلاتِ) ولم يأت الجواب لما أفاد شيئا. قال ابن عرفة: وفي هذه الآية رد على من يقول لَا يلزم المجتهد أن يحفظ من القرآن إلا [آيات*] الأحكام لاحتمال استنباط هذه الحكم، أعني لزوم واحدة الطلاق، فهذا الوجه وهو حكم شرعي وعدم حرمة اليمين بغير الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ لا شك في وقوع الموعود به للزومية صدق الوعد سمعا، فما السر في التصريح به. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾.. ولم يقل: إنكم لذو قول مختلف مع أن ذو تدل على اتصاف القائل باختلاف القول حقيقة، فإنما عدل إلى اللفظ في الدال على ظرفية القول للقائل لأنه يلتزم اختلاف القائلين في القول، ويلزم التناقض بقوله: مختلف فهو أبلغ في القرابة، ولذلك أكده باللام [ولو*] أريد مجرد الاختلاف لما كان فيه قرابة؛ لأن مطلق اختلاف القول معلوم عندهم.

الذاريات 51:12

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ ابن عرفة: السؤال على قسمين: سؤال استرشاد، وسؤال لفت واستهزاء، فالأول: يستدعي الجواب، والثاني: لَا يستدعيه وهذه الآية من الثاني، فلذلك عدل عن الجواب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ وجمع الجنات وأفردها في سورة التوبة، فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فالجواب: عن الأول أن آية الطور تقدمها: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)، فناسب تعقيبه بنقيضه وهو النعيم، وعن الثاني أنهم باعوا أنفسهم في مرضاة الله تعالى، فأقل ما يصدق عليه جنة، وكان أبلغ في مدحهم فناسب إفرادها، وأما هنا فلما كانوا في غاية [الإتيان*] بالتكاليف ناسب الجمع. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ هذا تعليل [آخر*]؛ أي المتقون في جنات ذات عيون لتقواهم وإحسانهم، قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا سؤالا وهو ما السر في ذكر القبلية مع أن لفظة (كانوا) يدل عليها. قال: والجواب: إن كان يدل على اقتران الفعل بالجملة في الماضي، وهي ظاهرة في الدوام فيحتمل عدمه، [فلما لم يقبل ذلك*] أفاد أن يكون في كون قبلية سابقة، وإنَّمَا قال: (وَبِالأَسْحَارِ... (١٨).. ولم يقل: وفي الأسحار؛ لأن الفاء تفيد أن الأسحار من وقت تحققها ظرفا للاستغفار، ولا تدل على أن الاستغفار يكون منهم قبلها بيسير، والباء تفيد الإلصاق وأفادتها [للاستغفار*] أبلغ. قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ وقال تعالى في سأل سائل (حَقٌّ مَعْلُومٌ)، قال: والجواب أنه لما صدر في سأل سائل بذم الإنسان في كونه (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا)، وأخرج منهم المسلمين بمدحهم فناسب ذلك الإطناب بذكر المعلومية أو ما تبرئه الذمة، وهنا لم يصدر بمدحهم في كل الأحوال وارتفاع درجتهم حتى كان أموالهم كلها للسائل لم يخص معلوما فكان عدم ذكره أبلغ، فقال: كذا كان يمشي لنا. قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾

الذاريات 51:24

ابن عرفة: كان يمشي لنا ما السر في تخصيص جواب القسم بنطقهم، ولم يقل: مثل ما أنكم تسمعون أو تبصرون أو تعقلون؟ فالجواب: بها ذكر في اللوامع أن النطق الذي هو مشتق من المنطق خلق في الداخل ونطق في الخارج، والداخل كان المراد به الذات وذات كل أحد الشعور بها وإدراكها ضروري بديهي، فصار التشبيه بها في غاية إفادة التحقيق للقسم له بالمقسم عليه، أي هو حق مثل: (مَا أَنَّكُمْ) أنتم بخلاف غيره فإِنه لَا يفيد هذا المعنى. قوله تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ﴾ فيه سؤالان: الأول: لم قال هنا: (حَدِيثُ)، وفي سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ)؟ وجوابه: أن تلك فيها غرابة فناسب التعبير بالنبأ. الثاني: لم أتى بهذه الجملة غير معطوفة وعطف تلك؟ وجوابه: أن تلك تقدم ذكر بعضها بخلاف هذه. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ... (٢٥)﴾ قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه عبر بالاسم المقتضي للثبوت، وسلام الملائكة بالنقل فجرى على أسلوب قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)، انتهى، ويعترض هذا التأكيد فإن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر المفيد إزالة الشك من الحديث، [فناب*] التأكيد مناب الثبوت الذي زاد به سلام إبراهيم فاستويا فليس أحدها أبلغ من الآخر، وجوابه: أن التأكيد بالمصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث في الخبر لأنه غير مشاهد، فإذا قلت: قام زيد، احتمل الحقيقة والمجاز، فأتى بالمصدر لرفع المجاز وتعيين إرادة الحقيقة، وأما الإنشاء فلا يزيد المصدر فيه، وذلك أن الإنسان إذا [قال:*] بعت لزمه البيع، وليس فيه مجاز، وهذه الآية السلام فيها من قبيل الإنشاء لَا من قبيل الخبر، فلم يزد فيها المصدر زيادة؛ فبقى الأمر على ما كان عليه من اقتضاء الفعل التجدد والاسم الثبوت، فسلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبلغ من سلام الملائكة، فإن قلت: المصدر إنما يفيد إزالة الشك عن الحديث فهو يفيد تحقيق وقوع السلام منهم على ما هو عليه، وهو مدلول عليه بلفظ الفعل المقتضي للتجدد، فكان قبل المصدر

الذاريات 51:26

محتملا؛ لأن يكونوا أرادوا السلام حقيقة، أو معنى آخر يقاربه، وعلى تقدير أن يريدوه فهو سلام لمجرد [... ] فأزال المصدر الاحتمال الأول وبقي الثاني، قلت: التأكيد بالمصدر يزيل الشك عن الحديث فقط، والأمر أن يصيره كلام إبراهيم ويقوم مقام الثبوت فيه، فلما كان أبلغ فلا جواب عنه إلا ما قلنا، وتقدم في سورة هود تمام الكلام في هذا. الفخر في سورة براءة عند قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) في قول الرجل لغيره: (سلام عليك) لطائف، قال: ذكرتها وإن كان لا يناسب ذكرنا هذا الموضع خشية أن تضيع. قال: قوله: (سَلامٌ) نكرة فيها معنى التعظيم الابتداء به؛ لأن في الكلام حذف صفتها، أي سلام تام كامل والخبر عليكم، أو هو صفة لسلام والخبر مقدر أي [كأئن*]، وقد يترجح حذف الخبر لقصد التهويل والتعظيم، وجوابه وعليكم السلام على عكس الترتيب الأول، وسببه قول سيبويه: إنهم يقدمون الاسم وأيضا فلدلالة على الحصر فيكون الجواب أبلغ، لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)، وأما [مقول الرجل لغيره السلام عَليك معرفا*]، فالسلام لفظ مفرد يحلى بالألف واللام لَا يفيد إلا أصل الماهية ولا إشارة له بالأحوال العارضة لها، فإذًا كان التنكير أبلغ، وكذلك حيث ما جاء لفظ السلام من الله تعالى ورد منكرا، وإنما ورد معرفا من قول [عيسى*] صلى الله على نبينا محمد وعليه وسلم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ)، وكذا اختار الشافعي في التشهد تنكير السلام، قال: وسبب مشروعية السلام بين المتلاقيين ليحصل به لكل واحد منهما اعتقاد سلامته من الآخر؛ لأن الأصل في طبع الجيران الشر على الصحيح، ودفع الشر أهم وآكد من جلب الخير، قلت: ومنه قول المتنبي: الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ فإن تجِدْ؍ ذا عِفَّةٍ [فلِعلَّةٍ*] لا يظْلِمُ؍ قال: وقوله: (عليكم) تقتضي مخاطبة جماعة، وذلك أن الإنسان لَا يخلو عن الحفظة من الملائكة وأرواح مجانسة له. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ يدل على أن هذا العجل كان مشويا [... ] منه أهله، وأنه كان من عادته تهيئة الطعام [**برسم] من يرد عليه، أو أتاهم بما كان معدا لأهله. قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾

الذاريات 51:31

ذكر هنا الخوف منه، وقال في موسى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فلم يذكر صفة الخوف فيه؛ لأن قائلا لَا تخف هنا الملائكة، وهناك الله تعالى فناسب عدم ذكر المخوف منه وعدم الامتثال به. قوله تعالى: (بِغُلَامٍ عَلِيمٍ). دليل على شرف العلم، ونقل ابن العربي في سراج المريدين، عن ابن فورك: أنه رأى الملائكة، ونقل أبو نعيم في الحلية، عن سفيان الثوري، أن الملك خاطبه في حكاية الحية، قال كاتبه، وخبر ابن عم والدي وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد أبو فارس عبد العزيز البسيلي: أنه [كان*] حين يقوم إلى صلاته بالليل يرى أن الملائكة تدخل عليه بيته وتسلم عليه في صفة طيور ذوي أجنحة. قلت: ولما توفي رحمه الله صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان عام أربعة وثمانين وسبع مائة رأيت كأني بين السماء والأرض وإذا برقعة هابطة من السماء، فيها مكتوب بخط بين: عبد العزيز البسيلي من أهل الجنة ودفن رحمه الله بمقبرة خالد أبو إسحاق إبراهيم البسيلي. قال لي شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني: لم أر أحدا في زماننا على طريق السلف الصالح غيره. قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ قدم المقول للمخاطب على ندائه؛ لأنه المقصود بالذات، ولما فهم من القرائن أنهم نزلوا للعذاب عبر بالخطب، وقال: (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) فعبر بالوصف الأعم فيهم وفي بني آدم، ولم يقل: أيها الملائكة فعبر بالوصف الأخص؛ لأن وصف الرسالة عند الله تعالى فيه تشريف وتعظيم، ولأن فيه إيماء إلى المرسل إليهم. قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ تنكير (قَوْمٍ) إما تعظيما لوصف الإجرام، أو ليفيد عموم تعلق العذاب بكل من اتصف بصفاتهم، لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب في النكرة يفيد قوة الشعور بما به ذلك الوصف للحكم أكثر من إفادته له في المعرفة. قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾

الذاريات 51:36

لم يقل: لنرمي عليهم حجارة؛ لاقتضاء مادة الرمي كونه بقصد، وقوة الإرسال تقتضي أن يكون عن غير قصد، فهو إشارة إلى أنهم قوم لَا [يُؤْبَهُ بهم*]، يشهد لهذا التفريق ما ذكره الفقهاء في رمي [الجمار*] وإرسالها. وفي المدونة قال ابن القاسم: إن وضع الحصاة وضعا أو طرحها لم يجزه. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ... (٣٦)﴾ أتى بدلالة الاقتضاء، ولم يقل: غير أهل بيت تشريفا للبيت، قيل على مذهب أهل السنة: أن الإيمان والإسلام متغايران يلزم أن يكون المخرج غير المخرج منه واللازم باطل فالملزوم مثله، إذ لَا يجوز أن يقول: أخرجنا من فيها من النَّاس فما وجدنا فيها غير البقر، وأجيب: بأنهما متغايران تغاير الأعم والأخص، كقولك: زيد عالم وزيد عليم، فتقول: أخرجت العلماء فما وجدت فيها إلا العليم أو العلامة، قيل: هذا في المثال يصح حيث يخرج شيء ويبقى شيء، وأما هنا فالمخرج منه إذ لم يبق فيها أحد من المؤمنين، أجيب: باحتمال أن يكون فيها بيوت جملة مؤمنين، لكنهم متفاوتون، بعضهم مؤمنون مسلمون، وبعضهم مؤمنون فقط، فأخرجوا في جماعة الأيك، فإِن قلت: لعل المراد أنهم كانوا منقسمين إلى مؤمن وكافر ولم يكن فيهم منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بل إنكارهم الكل كانوا متظاهرين بالمخالفة، قلت: هذا بعيد لأن العبرة بالباطن لَا بالظاهر. قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَىٰ﴾ كررت قصة موسى عليه السلام في القرآن [لتكرار سؤال اليهود*] إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ). [قدم*] ذكر فرعون على السلطان المبين؛ لأنه المقصود بالتخويف به. أبو حيان: وهذا مثل: علفتها تبناً وماء باردا أي وسقيتها ماء، انتهى، يريد لأن مدينة قوم لوط تركت بحيرة مالحة يراه النَّاس اليوم على طريق الشام إلى الحجاز فتركت فيها آية، ولم يترك موسى عليه السلام آية بل جعل آية، فجاء التقدير: وجعلنا في موسى آية، مثل وسقيتها ماء. قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾

الذاريات 51:42

سلك في أول الآية مسلك التسلية بذكر اسم النبي، وإنما ذكر قومه الذي نزلت بهم العقوبة، وظاهر هذه الآية أن عاد أهلكت، خلاف ما يقتضيه قوله تعالى: في فصلت (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ). قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ إما على حذف الصفة، أي من شيء منهم ومن أنعامهم، أو عام مخصوص بالمخالفة؛ لأنهم مسلمون. قوله تعالى: (إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ). إن قلت: هلا قيل: جعلته رميما فهو أبلغ؟ قلت: الرميم هو الحالة التي يؤول إليها العظم والنبات، والمقصود هنا أن الريح أهلكتهم في الحال، لَا أنها صيرتهم إلى [الحال التي تؤول*] بهم إلى الرميم، ولم يقل: جعلته رميما [لاحتمال*] أمرين: أحدهما حقيقة، وهو أنهم صاروا في الحال رميما. والثاني: مجاز، وهو أنها أماتتهم فصاروا إلى حالة يؤول أمرهم فيها إلى الرميم، فلما قال: (كَالرَّمِيمِ) أفاد نفي احتمال ذلك المجاز، وأنهم في الحال شبهوا الرميم الذي تفتت من عظم وإنبات بطول القدم والمكث. قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ ما بعد حتى داخل فيما قبلها، فالحين جواز زمنه التمتع. قوله تعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ دليل على أن النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأنهم كلفوا تكليفا عاما في الأمر والنهي، أو يقال: إن جميع ما كلفوا به نهي وسمي أمرا. قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ إن قلت: لما أخرت قصة نوح عليه السلام مع تقدم زمانه على أزمان أهل القصص المتقدمة؟ قلت: لأن رسالته لما كانت عامة لأهل الأرض حقت به تلك القصص كما حقت النبوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قلت: لم علل هلاك قومه بنسفهم ولم يعلل إهلاك غيرهم؟ قلت: لتطاول زمانه وشدة مقاساته قومه. فإِن قلت على قراءة حفص: إن كانت الواو للترتيب بطل قول الأصوليين، إن قولك: جاء زيد وعمرو قبله تناقض، وإن لم تكن للترتيب فما أفاد من قبل، قلت: إما أن يقول هي للترتيب في الذكر وإنَّمَا يلزم التناقض، وإن لم تكن للترتيب فما أفاد

الذاريات 51:47

(مِنْ قَبْلُ)، قلت: أما إذا كانت ظاهرة فيصح التصريح، بخلاف الظاهر فلا تناقض أو تقول: إنها ليست للترتيب، وذكر القبلية ليعلم إذ لَا يعلم ذلك عقلا والتاريخ فما اشتمل عليه القرآن العظيم. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ برهان ودليل بعد الوعظ والتخويف، فإن قلت: لم أفرد السماء والمناسب باعتبار الفهم الجمع؛ لأنه إذا كان خلق السماوات بقوة فأحرى السماء الواحدة، قلت: الآية إنما سيقت لبيان أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وأن ذلك دليل على كمال اتصافه بالقدرة والقوة الشديدة، فإذا كان خلق السماء الواحدة دليل على اتصافه بالقوة الشديدة، فأحرى أن يدل على ذلك خلق السماوات كلها، وقرئ برفعِ السماء والواو على ذلك [واو*] الحال لَا عاطفة، كما قال سيبويه في قوله تعالى: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) والمعنى أن قوم نوح أهلكوا حالة وجود الدليل الدال على كمال قدرة الله تعالى وشدة بطشه. ووقع في كلام القاضي الباقلاني ما يدل على أن السماء [كورية*]، لأنه لما دخل بلاد الروم رسولا عن الملك ناظره بعض النصارى، فقال له: كيف تزعمون أن القمر انشَّق لنبيكم ودخل نصفه تحت الأرض وبقي نصفه في السماء لو كان كذلك لرآه كل أفق؟ فقال له القاضي: يلزمكم هذا في المائدة التي نزلت على نبيكم هل انفردتم برؤيتها أو رآها جميع أهل الأرض، فانقطع الرومي، فقال له القاضي أبو بكر: الجواب: ما قلته أنك كما تشاهد كسوف الشمس والقمر في قطر دون قطر، وفي موضع صلاة الظهر وفي آخر وقت صلاة العصر، وكذلك يتصور اختصاص رؤية انشقاق بقطر دون قطر، انتهى. وهذا إنما يتم له على أن السماء [كورية*] وكذا الأرض، وأقوى أدلة المنجمين على أنها [كورية*] اختلاف أزمان الكسوف في الأقطار، [فتكسف*] الشمس عند باب تونس مثلا في أول النهار وفي أقصى المغرب بعد مضي ساعتين أو ثلاثا، ولو كانت بسيطة لزم استواء الجميع في وقت رؤية الكسوف، والأرض أصلها [كورية*] لكن [تتحدب*] بأشياء وضعت على أجنابها كما تؤخذ الكرة فتصير مثمنة أو مربعة فتتحدب. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ المراد بذلك النقيضان كالحركة والسكون، والاجتماع والاقتران، والحياة والموت، والإسلام والكفر، والغَناء والفقر.

الذاريات 51:50

فإن قلت: فيه دليل لأهل السنة في أن الكفر مخلوق لله عز وجل ومراد له في كل شيء، قلت: إنما يتم ذلك لو قيل: وكل شيء مخلوق منه زوجان فنحن خلقناه، أو يقال: وكل شيء خلقنا زوجين مخلوقان لله تعالى، والآية إنما دل عمومها على أنه لم يقل شيئا منفردا؛ بل مع زوج مناظر له، فإن قلت: فلم يخلق الإسلام منفردا بل مع الكفر [المناقض*] له؟ قلت: المعتزلي يقول: إن العبد مستقل بفعله فلم يخلق له الإسلام ولا الكفر. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). الزمخشري: [إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه*]، انتهى، هذا اعتزال، فإنهم يقولون: إن الله تعالى أراد من جميع الخلق الإسلام، ونحن نقول: لو أراد ذلك لما وقع منهم كفر، ومعنى التذكر إما لأن التعدد مظنة الافتقار والحاجة في الشاهد فيتذكر أن الله تعالى غني بذاته؛ إذ هو واحد لَا ثاني له، أو لأن التعدد من لوازم الحادث والقديم واحد لَا يتعدد. قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ راجع إلى الإقرار بوجوده (وَلَا تَجْعَلُوا) راجع إلى الإقرار بوحدانيته وهو من باب الإتيان بالنتيجة عقب الدليل. فإن قلت: يؤخذ منه أن ارتباط الدليل بالمدلول غير عقلي وإلا لما احتيج إلى ذكر ذلك؟ قلت: بل نقول إنه عقلي لكن من النَّاس [من يمعن*] النظر ويستجد القريحة فيصل إلى الوجه الذي منه يدل الدليل، وآخر لَا يفعل ذلك. وفسر الزمخشري هنا الآية على صريح مذهبه، والآية تدل أن لفظ الإله كلي كما يقوله المنطقيون. قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ). ليس مدلول ذلك في الموضعين واحدا كما قال بعض المعبرين؛ لأن الأول: إنذار من المعاصي وعذابها غير دائم، والثاني: إنذار من الإشراك وعذابه دائم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ... (٥٢)﴾ في هذه الآية دليل لمن يقول: إن اتحاد المعلول يوجب اتحاد العلة؛ لأنه جعل إليهم على الكفر معلولا باستوائهم الكل في الطغيان لَا بوصية بعضهم لبعض. قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ... (٥٥)﴾

الذاريات 51:56

احتراس بعد قوله: (فَتَوَلَّ) بمعنى أن توليه إنما هو بمعنى عدم [**التمالك عليهم] لا محض المشاركة بين أن التذكر ينفع لمن حصل له الإيمان بمعنى إقامة حدوده، وطاعاته، وفروع تكاليفه، ويحتمل المراد من سيحصل له الإيمان، والأول أظهر،... (٥٦).. ثم أكد الأمر بالتذكير بكون الجن والإنس خلقوا للعبادة لَا غير، وظاهر الآية مشكل لأنهم خلقوا لغير ذلك عقلا إذ فيهم كثير من العصاة، والدليل الظني السمعي إذا خالف الدليل العقلي يجب تأويله عند المحققين، فاضطر المفسرين إلى تأويل الآية فذكروا [وجوها*]. فإِن قلت: في الآية دليل المعتزلة في تعليل أفعال الله تعالى، قلت: التعليل قسمان، تعليل بمعنى أن الفعل مقصود به الفرض، ولو لم يكن لما حصل ذلك الفرض، فهذا عندنا لَا يجوز في حق الله تعالى لاستلزامه النقص والافتقار، وتعليل بمعنى ربط الأسباب بمسبباتها، ولو شاء أن يقع دونها لوقعت؛ [فهذا*] جائز في حق الله تعالى وهو المراد في الآية. الزمخشري: فإن قلت: لو أراد العبادة منهم لكانوا كلهم عبادا، قلت: إنما أراد منهم أن [يعبدوه*] مختارين للعبادة لَا مضطرين إليها؛ لأنه خلقهم [ممكنين*] فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أراد على [القسر*] والإلجاء لوجدت من جميعهم عبادة، انتهى. هذا السؤال مشكل، وجوابه مشكل والعجب من الطيبي كيف لم يتعرض لذلك، لأن هذا السؤال إنما يتوجه على مذهب أهل السنة إذ هو باطل عند المعتزلة والمورد للسؤال إنما يأتي فيه بما هو باطل عنده فيورده على معنى الشبهة على مذهبه. والزمخشري: لَا يقول أنه لو أراد العبادة لكانوا كلهم عبادا، وإنما يقوله أهل السنة فكيف نورد عين مذهبه بسؤال على مذهبه، وإنما كان نورده أن لو كان مخالفا لمذهبه فيورده شبهة على مذهبه، ثم أجاب الزمخشري: بجواب غير مطابق للسؤال لأن الإرادة عندهم إنما تتعلق بفعل المريد، والعبد عندهم [يخلق*] أفعاله وفعله الاختياري مخلوق له، فهو غير مراد الله؛ بخلاف فعله القسري الإلجائي. فإِن قلت: لم عدل في الآية عن صريح الحقيقة إلى المجاز، ولم يقل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا) لأكلفهم العبادة؟ قلت: تهييجا على العبادة وعلى الاتصاف بها بالفعل. ابن العربي في سراج المريدين في اسم العابد خفيت هذه الآية على المبتدعة وأهل السنة، فقال بعض المبتدعة: أراد منهم العبادة ففعلوا ما أرادوا.

الذاريات 51:59

وقال أهل السنة: إن كان خلقهم ليعبدوه فقد وجد من لَا يعبده ولا يصح أن يكون في خبره خلف، وأيضا فإِنه غني عن عبادتهم، وظاهر الآية أنه خلقهم لما هو غني عنهم، قال: والمعنى الصحيح في الآية: (لِيَعْبُدُونِ) أي لتجري أفعالهم على مقتضى قضائي فيكون فعل العبد على مقتضى حكم المولى، وقد فهم بعض الصالحين هذا، فقيل له: ما أراد الله من الخلق؟ فقال: ما هم عليه، قال: والغافلون ظنوا أن العبادة في الآية بمعنى الطاعة، ورأوا بعض الخلق عصاة فطلبوا [للآية معنى غير معناها*]، فخلطوا، ولو فهموا معنى السجود، في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا). قال: كافر يكفر بلسانه وجوارحه كلها مؤمنة، نعم ولسانه الكاذب شاهد لله عليه ما بدله، وقال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، فأضافهم إلى نفسه مما وهبهم من الحفظة، وأطال الكلام في ذلك بما هذا حاصله، فإن قلت: هلا قيل: وما أريد منهم إطعاما، كما قال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِزْقٍ)، قلت: قصد التمثيل بحال الخلق في الشاهد لأن الرزق في الشاهد دائم، والإطعام إنما يكون شيئا بعد شيء ووقتا دون وقت، فهو متجدد والرزق دائم. قوله تعالى: ﴿ذَنُوبًا... (٥٩)﴾ أي [حظًّا*]، وظاهر استعمال الأدباء له أنه خاص بالشر، ويصح أن يكون مشتركا بينه وبين الخير، ومنه حديث الموطأ: " [أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى بول الأعرابي*]، وفي البخاري ومسلم في فضائل عمر: "فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ"، ويؤخذ من الآية أن الصحبة تصدق بمطلق المشاركة في الوصف، والمتحدثون مطبقون على منع ذلك وإنما اختلفوا، فمنهم من يطلقها على المشاركة في الزمان ويجعل الصحابي من عاصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن لم يره، ومنهم من يقيد ذلك بالرؤية فإن هذه لغة وذلك اصطلاح، قلت: بل هذا عرف فيصح فيمن اتصف بالكفر والعصيان يقال: هذا صاحب فرعون. قوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ... (٦٠)﴾ هو واحد بالنوع، فصدق على كل ما فسره به المفسرون، وعبر بالكفر الذي هو أخص ومنعهم؛ لأنه رتب عليه الوعيد الأخص. * * *

الطور 52:1

سُورَةُ الطُّورِ قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ ابن عطية: قال بعض اللغويين: الطور اسم لكل جبل أجرد لَا ينبت [شجرا*]. وقال مجاهد: الطور الجبل [بالسريانية*]، انتهى. إن [أرادها عُرِّبت*] فحق، وإن [أرادها*] لم تزل سريانية فباطل، والظاهر أن المراد بالكتاب القرآن؛ لأن القسم بالشيء تعظيم له، وإذا تعلق التعظيم بواحد من أمور متعددة قد احتملها اللفظ فالأولى [الحمل*] على أعظمها وأشرفها، ولا شك أن القرآن له من التعظيم والشرف بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالإعجاز ما ليس لغيره. قال الزمخشري: وقيل: إنه القرآن ونكر؛ لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، وقال في تلك الآية: نكرت (نَفْسٍ) لأحد وجهين: أحدهما: أن يريد نفس خاصة وهي نفس آدم عليه الصلاة والسلام كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس والتنكير لإرادة الخصوص؛ لأن ما به التعظيم نظير ما قال تعالى في سورة الفجر (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، ويرد بأن التنكير فيها إنما هو [للإبهام*] والشيوع لَا للخصوص. ويجاب: بأن التعظيم يقتضي الخصوص؛ لأن ما به التعظيم خاص بالمعظم، وكذا التنكير لإرادة التعظيم، ثم وصف ما سوى الطور؛ لأن الطور علم لَا اشتراك فيه. فإن قلت: وكذا الكتاب علم، قلت: لَا يلزم من الوصف هو الاشتراك للموصوف بدليل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ ابن عطية: هو السماء والسقف طول في انحناء، ومنه أسقف النصارى، وهو عالمهم، انتهى، ظاهره أنها عنده [كورية*]، وفي وصفه بالمرفوع إشارة إلى أنه العرش لأنه فوق كل مخلوق، وما تحته من السماوات بالنسبة إليه [مخوضة*] لَا مرفوعة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾

الطور 52:9

إشارة إلى تغليظ العذاب وشدته، وأنه إذا كان بتحقق وقوعه مع استحضار مقام التربية والحنان والشفقة، فأحرى مع استحضار مقام الجبروت والعزة والقوة والانتقام. وقال الفخر: ذكر الرب إشارة إلى أن المكلف لَا يزال طامعا في رحمة الله راجيا عفوه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ قال مكي: العامل فيه (واقع) ولا يصح أن يعمل فيه (ما له من دافع). قال أبو حيان: ولم يبين له وجها، انتهى. توجيهه أن القضية السالبة عند المنطقيين لَا تقتضي وجود الموضوع ولا إمكان وجوده. فإذا قلت: ليس زيد بقائم أمكن أن يكون جالسا وأن يكون معدوما، فأثبت أولا وقوع العذاب بالإطلاق أعم من أن يكون في ذلك أو غيره، ثم أخبر أنه ليس له [دافع*] في ذلك اليوم، ونفي [الدافع أعم من وجود المدفوع*] في ذلك اليوم وهو العذاب أو عدم وجوده، وإذا كان العامل فيه أن عذاب ربك لواقع اقتضت الآية إثبات وقوع العذاب في ذلك اليوم، وفي الآية رد على [الطبائعيين*] القائلين بأن هذه السماوات لَا تقبل الانفطار ولا الزوال، بدليل [تأكيد*] تمور بالمصدر فدل على أنه حقيقة لَا مجاز. فإن قلت: قدم هنا السماء على الجبل، وعكس في أول السورة فقدم الجبل على السماء؛ لأنه قدم الطور على السقف؟ فالجواب: بما أجاب به ابن مالك، في قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)، قال: العادة أن الإنسان إذا [أحسَّ] بأمر مهول مخوف فأول ما ينظر إلى جهة فوق ثم ينظر إلى أسفل، وهذه الآية جرت مجرى التخويف فابتدأ فيها بما [ينظر*] إليه الإنسان أولا، واليوم يحتمل أن يراد به اليوم المعهود والذي هو دورة أو نصف دورة، والمقدار الحالي من الزمان كما أراد زهير في قوله: وأعلم علم اليوم، فيكون المراد مقدار زمن المور والسير، والظاهر الأول ليكون اليوم أوسع من ذلك يسعه ويسع غيره. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ بدل من اليوم الأول، إما بدل شيء من شيء إن كان الأول بمعنى الدورة أو نصف الدورة، وإما بدل بعض من كل إن كان الأول بمعنى المقدار من الزمان، ويكون الأول أوسع زمنا من الثاني. قوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَٰذَا﴾

الطور 52:16

أي يقال لهم: (أَفَسِحْرٌ)، والمعطوف عليه مضموم، والتقدير أنتم مقيمون على إنكار [أفهذا*] سحر أم أنتم مقرون أنكم كنتم لَا تبصرون. قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا﴾ صيغة أفعل هنا للإهانة، قال ابن التلمساني: وفي (فَاصْبِرُوا) التسوية. الزمخشري: فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه، بقوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قلت: لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فاما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة فلا فائدة فيه، انتهى، تقرير السؤال أن المشاهد في الدنيا أن الصابر على البلاء أحسن حالا من الذي لم يصبر، فمساواة الصبر لعدمه سبب في مدح الصابر لَا في التخفيف عليه في العذاب ولا في تشديده عليه، فأجاب: بأنه قد يتوهم أن الصبر سبب في المكافأة عليه بتخفيف العذاب، فقال: إنما تجزون عملكم موجب، ويحتمل أيضا أن يجاب بأن قوله تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تعليل للحكم بمساواة الصابر لغير الصابر في العذاب، والسؤال إنما يرد إذا جعلناه تعليلا للمساواة، وتعليل الحكم بالمساواة لأنا نجد بعض النَّاس يصيبه الألم فيعظم قلقه ولا يصبر، وآخر يصبر على الشدائد العظام فيكون ذلك سببا لحقة الألم عنه وهو أحسن حالا من الأول، فأخبر الله تبارك وتعالى أن هؤلاء عوقبوا بأمرين بالعذاب، ويجعل صبرهم مساويا لعدم صبرهم في أنه لَا فائدة تنشأ عنه، ومعنى (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي جزاء عملكم، وفيه من الترك فعلي، وهي مسألة اختلف فيها في الأصول والفروع. قال الفخر في المعالم: مذهب المعتزلة أن الترك فعل، ويلزم منهم عليه الكفر، وهو أن البارئ عز وجل [بكون*] الأزل فاعلا فيلزم عليه قدم العالم، [وعدم حدوثه*] [وحرر*] في كتاب القيد من ذلك مسائل كثيرة، وعبر في تعملون بلفظ للتصوير. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ الزمخشري: أي في (جَنَّاتٍ)، (و) أي (نَعِيمٍ) بمعنى الكمال في الصفة، أو في جنات ونعيم مخصوص بالمتقين، انتهى، أراد أنه إذا صدق مقيدا صدق مطلقا، كما قال المنطقيون في سفينة من حجراتها يصدق عليها سفينة، وقوله (فِي جَنَّاتٍ)

الطور 52:18

مجاز لأنهم الآن ليسوا فيها إذ الخطاب للكفار أو للمتقين في الدنيا، وعطف (نَعِيمٍ) من عطف الصفات، كقولك: أعجبني زيد وحسنه. فإِن قلت: لم قال هنا: (وَنَعِيمٍ)، وفي الذاريات (وَعُيُونٍ)، فالجواب: أنه تقدم هنا ذكر العذاب فناسب تعقيبه بذكر النعيم بخلاف تلك. قوله تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ... (١٨)﴾ الأرجح كون الواو للحال؛ لأن كونها للحال سلم من تقديم جلب الملائم على دفع المؤلم، وإن كان المعنى إنهم لَا يدخلون النار بوجه فيكون المراد بالمتقين المعنى الأخص [والأعم*] المراد به الأعم، أو المراد بالجحيم طبقات من طبقات جهنم. قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [ظاهره حقيقته*]، وحمله الفخر على التنعيم المعنوي وهو نزعة فلسفية، وفي الآية سؤال وهو أن الأمر الخارجي مقدم على الأمر [التكميلي*]، وجاءت الآية على العكس فقدم فيها التفكه الجاري مجرى الأمر التكميلي على الأكل والشرب الجاري مجرى الضروري، وجوابه أن المعنى كما تقدم أنهم يخالطون بأن يقال: (كُلُوا) زيادة في تفكههم والأكل حاصل لهم قبل التفكه وهو أعم من أكل التفكه والأكل ضروري. قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). نص في صدق العمل على القول والفعل، كقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، وجعل ابن عطية الزيادة في الدرجات باعتبار العمل ونفس دخول الجنة فضلا من الله تعالى، وهو [تحكم*]، وهلا كان الأمر بالعكس، فإِن قلت الحديث: "لن يدخل الجنة

الطور 52:20

بعمله" هنا معناه نفي استقلال العمل بإيجابه دخول الجنة بل به مع كونه فضلا من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ... (٢٠)﴾ جاء على هذا الترتيب الوجودي في الدين؛ لأن أهم الأمور على الإنسان الأكل والشرب، ونص الأطباء على أن الوطء عقب ذلك في غاية [القوة*]. للبدن فهم يأكلون ثم يستريحون باتكاء ثم ينالون من أزواجهم، وقوله تعالى: (عَلَى سُرُرٍ) إما على التوزيع أو على كل واحد سرر. قوله تعالى: (بِحُورٍ عِينٍ). ابن عطية: قرئ بالإضافة، والحور هي البيضاء الشديدة [بياض العين والشديدة سوادها*]، انتهى. فهو من إضافة الأعم إلى الأخص ومن إضافة الموصوف لصفته، وفي سورة الأحزاب (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) [فعداه*] بنفسه، وعدَّ أبو حيان: هذا الفعل من أخوات اختار واستغفر، ذكر ذلك في سورة الأعراف، وفي آخر سورة يونس. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال بعضهم: المراد (الَّذِينَ آمَنُوا): المتقون المتقدم ذكرهم المتصفون بأخص الإيمان لَا بأعمه، ولو كان المراد الأعم لزم الترجيح من غير مرجح، والثاني باطل فالمقدم مثله بيان لملازمة أن المعنى المجهول عليه للإلحاق وهو الإيمان، فإذا فرض مساواته للتقوى فليس إلحاق الذرية بالآباء بأولى من العكس. فإذا قلنا: الإيمان أعم من التقوى لم يلزم الترجيح من غير مرجح لأن الأخص أقوى، وجوابه: لَا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجح بل المرجح سبقية إيمان الآباء لأن زمن إسلام الجميع غير متحد وأيضا للآباء شرف التقدم في الوجود وفي جامع التنبيه في سماع أصبغ، وعن ابن القاسم في ولد المسلمين يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل، قال: ما سمعت فيه شيئا إلا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ) وأرجو أن يجعله الله منهم، فأما من أسلم وجرى عليه القلم ثم أصيب بعد ذلك، فقال بعض أهل العلم والفضل: يطبع على عمله بمنزلة من قد مات. ابن رشد ما رجاه ابن القاسم من إلحاقهم بآبائهم، يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته وإن لم يبلغها في العمل ليقر بهم عينه"، ثم قرأ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ) الآية. ابن العربي في أحكام القرآن: فأما اتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه، وأما تبعيته لأمه فاختلف فيه العلماء أو [اضطرب فيه قولهم*]، والصحيح أنه في الدين تبيع من أسلم من أبويه، للحديث الصحيح عن ابن عباس، أنه قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين من المؤمنين" [وذلك أن أمَّه أسلمتْ قبل أبيه العباس، فتبِع أمَّه في الدِّين"*]. ["هذا خلافُ ما في كتاب الديات من "المدونة"، قال فيه: "مَن أسلمتْ تحت نصراني ففي جنينِها ما في جنينِ النصرانية، وذلك نصفُ عُشُرِ ديةِ أبيه"*] انتهى. وظاهر الآية إلحاقُ جميع الذرية [وإنْ بَعُدُوا، لقوله (ذُرِّياتِهِمْ) بالجمع،*]، وأفرد في قوله: (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) وهذا في الدار الآخرة، وليس في الآية دليل على أن المرء يلحق الأكرم [والأرفع*] من جهة جدِّه لأمه في الدنيا. وقال بعضهم: الآية تدل على عدم الولد بالأب في الدين لأنها اقتضت أن الولد لا يلحق بالأب بمجرد الإيمان بل [بإيمان*] عظيم؛ لأن التنكير في الإيمان للتعظيم. قوله تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). احتراس من مثل مذهب المرجئة؛ لأنه لما ألحقت الذرية بالآباء في الثواب فقد يتوهم المتوهم أنه لَا يضر مع ذلك من المعاصي فأتى بهذا الكلام احتراسا، وكان المناسب أن يقول: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) فعدل عنه لما ذكرنا، ويحتمل كونه من [المرسل التمثيلي*] لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، وفي سورة المدثر (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) فإن كان الزمان واحداً فهذا عام مخصوص بتلك، وإن كان مختلفا فيكون زمان هذه متقدما فيكون في الحشر وعند الحساب ومرتهنين بأعمالهم، ثم بعد ذلك يدخل بعضهم الجنة، وبعضهم النار.

الطور 52:22

وقال بعضهم: إن هذه الآية تدل على أن الذرية [الملْحَقين بالآباء*] هم الذين آمنوا وماتوا على الإيمان وهم غير عاصين أو عاصين تائبين، وأما غير التائبين فإنهم لا يلحقون بآبائهم بل (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). فإِن قلت: هل تدل الآية على الكسب الذي ينسبه أهل السنة للعبد؟ قلت: لَا لأن الكسب هنا مما يذكرونه، فإِن قلت: لم عدل عن صريح المطابقة فلم يقل بما عمل رهين، كما قال تعالى (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) فالجواب: أن العمل أعم والكسب أخص، [ولَا يطلق إلا على عمل المكلف*]، ولما كان الأول اتصافا [وتقريرا لنعم الله*] وفضله على العبد ذكر العمل الذي هو أعم، إذ هو أبلغ في مقام الامتنان ولما كان الثاني في معرض التهديد علقه بالأخص. قوله تعالى: ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ جاء هذا مطلقا، وفي سورة الواقعة (وَلَحْمِ طَيْرٍ)، فيحتمل هذا الإطلاق [أن*] يقيد بتلك، وفي ذكر الفاكهة، واللحم أنه جاء بأن طعام الجنة إنما هو للتفكه، لأنه لَا يطلب اللحم والفاكهة، إلا من شبع وأراد التفكه. فإِن قلت: هلا قيل: ممن يشتهى، فهو أعم وأبلغ، قلت: المراد حصول مرادهم في كل شيء. قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ إن قلت: ذكر التنازع في شرب الخمر دون الأكل، قلت: لأن عادة [العرب بيسارة*] الأكل دون شرب الخمر، فذكر التنازع في الخمر المقتضي للاستنكار منها دون الطعام والماء جريا على المألوف، والتنازع أن يطلب كل واحد من صاحبه الكأس ليشرب منها، ثم لما كان التنازع قد يؤدي التشاجر بين النداء ما في الدنيا احترز منه، بقوله تعالى: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، ولذا قيده إلى التنازع، بقوله: فيها دون ما قبله، فلم يقل: وأمددناهم فيها، إشارة إلى مخالفة حال الآخرة، لحال الدنيا، وأن التنازع السالم عن اللغو والقائم إنما هو في الجنة، وتنازعهم إنما هو في الخمر، لَا في الكأس، فهو من باب تسمية المحل باسم الحال فيه. قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾

الطور 52:26

حمله ابن عطية على الإقبال الحسي، والصواب حمله على الإقبال المعنوي، لأن الأول فيه كلفة عليهم باعتبار القيام والمشي. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا﴾ (إِنَّا) تفسير لـ يتساءلون، فيكون السؤال [إما*] مجازا لأنه طلب، وهذا خبر، وإما تفسير للازم السؤال وهو الجواب، ويؤخذ من الآية جواز التحدث على الطعام. قال ابن عبد البر في جامع "الاستذكار": إنه مستحب، قال: [وتركه من فعل [المجوس*]، وكذا قال المحقق النووي: رحمه الله في الأذكار وحجة الإسلام الغزالي رحمه الله: أنه مستحب انتهى، ويتحدث بما يناسب لَا بما [لا يُكَدِّرُ الأكلَ مما يُستَقْذر"*]، وإذا رأى لَا يذكر له حديث "المؤمن يأكل في معيٍّ واحد". قوله تعالى: (فِي أَهْلِنَا). إن قلت: ما أفاد؟ قلت: لأن الكون في الأهل مظنة الغفلة والذهول، ولفظة (كان). ذكر ابن الصفار: أنها تقتضي الدوام لذاتها. وذكر ابن خروف: أنها لَا يلازمها الدوام. وكذا قال الباجي: إنها قد ترد للدوام. قال [الباجي*] في كشف الحقائق: إنها قد ترد لله للدوام وتأكيدهم ذلك، بأن مع أنه لَا منكر حينئذٍ [... ]، إما لأن ترتب ذلك التعبير جزاء عن السبب الذي قدموه في الدنيا مستبعدا؛ لكثرة النعيم بالنسبة إليه، وإما للبون بين حالتي الدنيا والآخرة، وأنهم لكثرة أموال الآخرة يذهلون عن جميع ما [كانوا*] عملوه في الدنيا. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ﴾ قيل: فما فائدة الإتيان بالفاءين مع أن مدلول فعل الأمر بدونهما يرد [مدلولهما*]؟ وأجيب: بأنه لما تيسرت أحوال الفعل بالنسبة إلى المادة، وحال الفاعل كان الفاءان مسببين عن هاتين الحالتين، أما كون المادة ميسرة، فهو أن أسباب الهداية كانت [للنبي*] صلى الله عليه وعلى آله وسلم سهلة، كأنه طبع على ذلك، وأما حال الفاعل فهو كمال العلم، والعقل، ولذا نفى [عنه الكهانة والجنون*]، لَا على الخبر، والنعم قسمان: نعم

الطور 52:30

رفع المفاسد، ونعم جلب المصالح، ونعم الدفع [أعظم*] وآكد من نعم الجلب، وهي المذكورة في الآية فعدم الجنون [راجع*] إلى الدنيا، وعدم الكهانة راجع إلى الدين. قوله تعالى: ﴿أَمْ... (٣٠)﴾ أبو حيان: منفصلة، وحكى فيها ابن الصائغ ثلاثة أقوال: المشهور فيها تقدر بـ بل والهمزة، وذهب الكسائي إلى أنها تقدر بـ بل خاصة، وذهب فيه غيره إلى أنها [تقدر*] بالهمزة خاصة. قوله تعالى: (نَتَرَبَّصُ بِهِ). خصص التربص هنا بوصف الشعر، وفي آية أخرى بقي على وصف الجنون في قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)، وهذا كلام من [خبر علم المناظرة*]. قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ﴾ لم يقل: فإني بكم؛ كما قالوا به إشارة لعدم المبالاة بهم، أتى (مع) المقتضية للمشاركة لهم في تربصهم به، ويكون من باب القول بالموجب، والمعنى أقول موجبه [**ولكن] تربصكم بانتظاركم ما يسوؤكم. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ الفخر: (أَمْ) هنا متصلة بعطف المتصلة عليها، إذ لَا يصح تقديرها بـ بل انتهى، راعى المعنى، وغفل عن قواعد النحو، فإن المتصلة لَا يليها إلا المفرد، وهذان بعدهما الجملة فهما منفصلتان، تقدر أن بـ بل والهمزة، وإنما يلزم ما قاله عند من يقدره بـ بل فقط، لأنه يفسد المعنى حين إذ وأما على تقدير بل والهمزة فيهما، فالمعنى صحيح لأنا لم نثبت لهم بل الاستفهام في معنى النفي، ومعنى الأول: أنهم جاهلون جهلا مركبا، أو جهلا بسببها، ثم قال (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)، أي كافرون طغيانا وعنادا. فقول الزمخشري المنقول أشد من الكذب انتهى، بيان قوله أشد أن الكذب [الخلف*] فيه من جهة واحدة، [والخلف*] في المنقول من وجهين يتناوله أن القائل: حدثني زيد بكذا الحديث يرويه زيد، ولكنه لم يحدث به هو كاذب، فإن قاله في حديث لم يروه زيد، بل إنما رواه عمرو فهو منقول على زيد، لأنه كذب في أمرين: هما نسبته إليه ما لم يروه، وفي تقوله عليه أنه حدثه به، ولم يحدثه به.

الطور 52:33

قوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ عام مخصوص، لأن منهم من آمن، وإن أريد به من حضر في دار الندوة، فهو باق على عمومه. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ في فصاحته وإعجازه، قال شيخنا رأيت للمعري تواليفا وأشعارا في غاية الفصاحة، ورأيت له تأليفا في معارضة القرآن في غاية السقوط والغثاثة، ويكاد ألا يكون من قوله، عارض فيه السور التي في المفصل ومن نظر [معارضة*] سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، يستهزئ، وهذه ضحلة، وذكر إمام الحرمين في الإرشاد معارضة القرآن، وعد منها سورا، ونقل في المعارضة كلاما يكاد أن لَا يقوله ناقل. وقال المازري في كتاب الفضائل من العلم: في حديث أنس، جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربعة كلهم من الأنصار، معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، لَا يتوهم من لفظ الحديث شبهة للملاحدة المنكرين لتواتر القرآن، وقد اعتمد عليه بعض المتنصرة، وصنف تصنيفا في كثير من الآيات والأحاديث زعم تناقضها. وحكي أن المازري: كان يوما بمجلس تدريس وبه طاقة يدخل شعاع الشمس، فإذ شيء في تلك منع منها دخول الشعاع، فرفع المازري رأسه فإذا هو سفر فنظره، فوجده الكتاب المسمى بالواضح، الذي أشار إليه في المعلم، فسأل عنه، فقيل: إنه كان ينصر بعض من كان يقرأ العلم، ووضع هذا الكتاب، فشوش على النَّاس، فأراد المازري أن يضع عليه رداء وتوقف عن ذلك لأن نصرانيا كان يتقرب من أمير بلده، وهو المعري، فخاف على نفسه منه، لأنه لم يرد ذلك ثم بعد ذلك أمره الأمير يحيى بن المعز، أن يضع عليه تأليفا، وقال: أنا أضمن لك ردك الأمير ففعل، وسماه زجر النابح في الرد على الكتاب المترجم بالواضح، وإنَّمَا قال المترجم: تبرأ من الإخبار بوضوحه، كذا نص عليه، وللشيخ أبي إسحاق بن عبد الرفيع رد على كتاب المنتصر المذكور فإنه لما رأى المازري أحال عليه في شرح التلقين في المعلم، وصرح به في شرح الجوزقي تشوفت نفسه إلى الوقوف عليه قال: فما وجدت إليه سبيلا بإفريقية، فأرسل إلى بلاد المشرق، فبعث له بأصل المنتصر دون رد المازري، [فنهض*] الشيخ إلى الجواب بأن يذكر الآيات المشكلة في الظاهر، وتفسيره تفسيرا يدفع الاعتراض، ولا يذكر لفظ المعترض تنزها منه، وهذه طريقة شيخنا ابن

الطور 52:35

عرفة: في تفسيره للقرآن، وذكر لنا هذه الحكاية في تفسير قتل موسى للقبطي في سورة القصص. وحكى ابن عطية: عياض في الشفاء القول بالصرفة وعد أنهم قادرون على معارضته، ثم صرفوا من ذلك، ولكنه شاذ وصرفهم عنه ببعثه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن نظر خطب الفصحاء الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لَا يجد فيها ما يبلغ إلى نظم القرآن وإعجازه وفصاحته بوجه، وظاهر هذه الآية أنهم أمروا أن يأتوا بآية أو بعض آية [لقول مثله*]؛ خلافا للأصوليين القائلين بأنهم لم يؤمروا ببعض آية. وقول بعضهم: إن أقل ما أمروا به سورة، يرد بأن السورة مطلقة في جميع السور، فيصدق على البقرة، وكذا قولهم أن أقل ما أمروا به آية، لأن الآية مطلقة تصدق على [آية الدَّين*]، وهي كثيرة؛ بل أقل ما أمروا به بفعل آية، وقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ). قال القاضي عياض: الإنسان كثيرا ما يستطيع العبارة عن ما يريده ولا يقدر على العبارة عما يطلب منه إلا القليل من النَّاس، فعجز الكفار عن الإتيان بمثله مفترى على أي معنى يريدونه لَا على معنى تقدم وسبق، مع أنه أهون، فدل على اتصالهم بغاية العجز انتهى، ولهذا لما قدم الحريري صاحب المقامات على بغداد ذكر له أمرها وقائع وأخبارا وأمورا، وطلب أن يدخلها في ترسلات يكتب فيها إلى البلاد فعسر عليه ذلك، ثم إنه أنشأ ذلك، فلما استكمله وعرضه على الأمير، بمحضر الكتاب وأهل الإنشاء، سقط من أعينهم واحتقروه لقبح ما جاء به عندهم، لأنه لما أنشأ المقامات إنشاء على معان نقلها من عند نفسه، وهذه إنشاءات على معان طلبت منه، فلا يقدر عليها إلا الإمام النحرير. وقول الفخر في الآية دليل على من يقول أن القرآن مخلوق، لأنهم دعوا إلى الإتيان بمثله، يرد بأن المعجزة من شرطها عندنا الحدوث، والإعجاز لَا يقع إلا بالحادث، فلا دليل في الآية، وتحقيق ذلك أن القراءة مخلوقة، والقرآن قديم، ومنهم من [**أطلق الخلق على القرآن بمحضر القوم سدا للذريعة]، وهو مذهب عبد الله بن محمد الذهلي، شيخ البخاري، ومنهم من لم ير بذلك بأسا، وهو مذهب مسلم والبخاري، ومن أجله [**لما مع الذهلي القضية المشهورة]، ذكرها الخطيب في تاريخ بغداد. قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾

الطور 52:36

ابن عطية: قيل: [أم خلقوا خلق الجماد من غير حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه*]، أي هم أحياء وبلا أرواح لتصميمهم على الكفر، وعدم إنابتهم واعتبارهم، وقيل: [أم خلقوا لغير علة*] انتهى، هذا اعتزال أغفله ابن عطية، فإِن الله سبحانه وتعالى لَا يفعل شيئا لعلة ولا لغرض. فإِن قلت: أطلق العلة على البارئ جل وعلا، والمراد (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ) موجد أي من غير خالق، قلت: لَا يصح تسمية البارئ سبحانه علة، والصحيح أن المعنى من غير خالق، لأنهم لما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن وأداموا على تكذبيهم لم يكن تكذيبهم راجعا إلى الرسالة، بل إلى ما تتوقف عليه، وهو وجود المرسل، فرد عليهم ذلك بأنه يلزمهم أن يكونوا خلقوا من غير خالق لذاته، ولا خالق استقلالا، ولا خالق لَا لغيره، فنفي الخالق لذاته بقوله (مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ)، واستقلالا بقوله (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، أي مستقلون بخلقهم أنفسهم، والخالق لغيره بقوله (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، أي ألم يخلقهم أحد؛ بل أخلقوا أنفسهم، قيل: أخلقوا غيرهم، وقد تقرر أن المتقدمين يجعلون صحة الرسالة متوقفة على وجود المرسل ووحدانيته، والمتأخرون يجعلونها متوقفة على وجوده فقط، وهو اختيار الفخر، والمقترح فيثبتون الوحدانية بالسمع. وقوله تعالى: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). وقال الشيخ ابن عبد السلام: إضراب إبطال وأبطل الملزوم بثبوت اللازم، لأن لازم قولهم أنهم هم الخالقون. وقال الشيخ ابن عبد السلام: المعنى أم خلقوا لغير شيء، ولا تكون من لابتداء الغاية، لأنهم خلقوا من غير شيء، لإيجادهم عن العدم. قوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ إن قلت: اليقين أخص من العلم، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، [قال*] لا قيل: لَا يفعلون، فالجواب: [إنما*] اليقين المراد به: العلم الضروري، ومعناه من العلم النظري ينبني على [مقدمات ضرورية*] وهو لَا يسلب عنهم العلم الضروري، فأحرى أن ينتفي عنهم العلم النظري بعدم اهتدائهم، لكونهم في مقام من لَا يميز ولا يفعل، ولو نظروا في أنفسهم، وفي خلق السماوات والأرض التي إدراكها وحدوثها وتغيرها ضروري لحصل لهم العلم بأن لها خالقا ومحدثا، وأنه موجود، فلما تركوا ذلك صاروا كالجاحدين لوجود الصانع، فجحدوا ما هو معلوم بالضرورة؛ لأن دعواهم أنهم هم الخالقون لأنفسهم، أشنع من دعوى خلقهم أنفسهم نفي الخالق لهم

الطور 52:38

بالأصالة، وادعوا أنهم خلقوا السماوات والأرض، أشنع من دعوى خلقهم أنفسهم، لأن خلقهم أنفسهم أمر نظري؛ بدليل مخالفة المعتزلة في بعض ذلك، لقولهم: إن العبد يخلق أفعاله، ودعوى أنهم خلقوا السماوات والأرض يعلم كل عاقل بطلانها للضرورة، إذ لم يخالف في ذلك أحد. فإن قلت: لم يقل أحد بنفي الخلائق أصلا؟ قلت: ذكر ابن الخليل في مناظرته أن الباقلاني رأى بعض الدهرية وناظرهم. قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ أسند الاستماع أولا إلى جميع الكفار، [وأخرى*] إلى بعضهم؛ لأن جميعهم يطلب الاستماع، فلا يصل إليه [إلا*] بعضهم، وإنَّمَا الحاصل لهم إنما هو استماع إن حصل لا علم. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ أتى بضمير الغيبة [لخسة*] المعادل له، وإلا فالأصل التكلم، وظاهر الآية تشريف مقام الجلالة عليهم. وقال ابن عطية: الآية تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتفضيل [له*] عليهم. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ عبر أولا بلفظ المغرم بالنسبة إلى مقامهم واعتقادهم بطلان ما أتاهم به، ويؤخذ عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن فيه إهلاك بالمغرم، لأن بعض النَّاس يتعذر عليه ما يعطي للمعلم. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ عبر بالاسم الظاهر، ولم يقل [فهم المكيدون*] ليفيد العموم في كل من اتصف بصفاتهم؛ وليخرج بذلك من أسلم منهم، [فلا يكون مكيدا*]. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ هم [مقرون*] بوجود الله [المقر بوجود*] نعمته، فلما ادعوا الشريك كان من لوازم ذلك نفي الآلهة، ويؤخذ منه أن لازم المذهب مذهب. قوله تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

الطور 52:44

تأكيد نفي الشريك، والظاهر في ترتيبه هذه المعطوفات، أنه على حسب الواقع منهم في التقديم والتأخير، وكرر (أم) هنا في خمسة عشر موضعا، وهي إما أن كلها جمل مستقلة، وإمَّا معطوفة، وقول من قال فيها وفيها بعيد. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ هو إشارة إلى قوله في سورة الإسراء (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا)، فأخبر قوله تعالى: أنهم لَا يصدقون، ولو فعل لهم ذلك ولقالوا فيه (سَحَابٌ مَرْكُومٌ). ونقل السفاقسي هنا عن أبي البقاء: (إن) بمعنى (لو) وتعقبه فإنها لم ترد بمعناها بوجه، ونقل شهاب الدين الحلبي في شرح ألفية ابن مالك: أنها ترد بمعناها، واحتج بحديث البخاري في الإحسان، قال: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قال: وذلك لأن (إن) هنا ملغاة لم تنصب، نقله عن قول ابن مالك: أن لو حمل على أن في الشرطية، وأن تحمل على لو في الإلغاء، ولم يذكر هذا ابن هشام المصري في كتابه [مغني اللبيب*]. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا﴾ ابن عطية: [هذه مشاركة منسوخة بآية السيف*] انتهى، قيل: هذا [في*] سياق الثبوت، وهو مطلق يصدق بأدنى الأزمنة، وأجيب بأن أبا حنيفة، وغيره يقولون: إنه عام، وأيضا فالغاية تدل على عمومه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ﴾

الطور 52:47

قيل: إنما توهموا أن كيدهم يغني عنهم في الدنيا، وأما الآخرة فلم تخطر ببال لأنهم يجحدونها، ولا ينتفي إلا ما يدعيه الخصم، فكيف نفى عنهم الانتفاع بكيدهم في الآخرة؟ أجيب: بأن النفي على قسمين: تارة يتعلق بما هو ثابت باعتبار دعوى الخصم، وتارة يتعلق بما يقتضي الحال ثبوته، والنفي هنا تعلق [بالثاني*] لَا بالأول، لأنهم [لا*] ينتفعون به إلا في الآخرة. قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ أي قريب الوقوع لَا أخف، كما قال الفخر: إذ لَا يناسب مقام الوعيد والإنذار. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). (الأكثر) إما على بابه أو بمعنى الجميع، وعاقبهم على الجهل لتمكنهم من العلم. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الحكم قسمان: أحدهما: الإرادة القديمة الأزلية. والثاني: متعلقها وآثارها. قوله تعالى: (بِأَعْيُنِنَا). جمع هنا الأعين، وفي سورة طه (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، والجواب: أن الخطاب [هناك*] لموسى صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم، والخطاب هنا لنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والجمع زيادة في حفظه وتعليمه. وقال الزمخشري: جمع الأعين هنا لإضافتهما إلى ضمير الجمع، وأفردها في طه، لأن الإضافة إلى مفرد. * * *

النجم 53:1

سُورَةُ النَّجْمِ قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ ذكر ابن عطية: نزولها، وأجاد الطيبي نفي بعضهم. الزمخشري: فسأله عن العامل في إذا، فقال له: مقدر أي أقسم بالنجم إذا هوى، فقال له: فعل القسم حال، وإذا ظرف لما يستقبل فيتناقضان، فأجاب الزمخشري: بثلاثة أوجه: الأول: أن العامل مضاف مقدر، أي وهوى النجم إذا هوى. والثاني: أن تكون إذا مجرورة عن الزمان [كقولهم*]: أينك إذا احمر البسر، أي وقت احمراره. والثالث: أن المستقبلات باعتبار علم الله تعالى كلها ماضية انتهى، الجواب الأول: يرد بعدم الفائدة والصواب، أن يقدروا حركة النجم إذا هوى، لأن الحركة أعم من الهوى، فحينئذ يكون، قوله تعالى: (إِذَا هَوَى)، مفيدا، وأما جوابه الثاني: يرد بأن الاستقبال في المثال يتصور بخلافه في الآية. ولما ذكر [الآبذي*] في شرح الجزولية: أن إذا لَا يستعمل إلا في المقطوع بوقوع المعلوم وقت وقوعه، مثله في المثال المذكور، وأما الثالث: فيرد بالفرق بين علم الله تعالى بالشيء وبين وجود الشيء كما قالوا: في (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) جعله ماضيا لتحققه، ثم قال: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وإنما الجواب بما قاله ابن مالك: في قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُم)، أن إذا ظرف زمان لما مضى، لأن نزول الآية كان بعد وقوع ذلك في الوجود، فرد عليه: بأنه يلزمه التناقض فإن إذا ظرف لما مضى وانقطع، وفعل الحال مناقض للماضي المنقطع، فيجعل هنا إذا للحال كما جعلها ابن مالك للمعنى، وليس من القياس في اللغة. قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ الزمخشري: الضلال ضد الهدى، والغي ضد الرشاد، انتهى، فيؤول الأمر إلى أنهما بمعنى واحد، وليس كذلك، فالصحيح ما فسره ابن عطية، فالضلال [نسيانه*] وغلطه، أي ما خبركم به عن الله فهو خبر صحيح، وليس بخبر غير منوي ولا مقصود بوجه، إذ لَا يفعل ذلك إلا مجنون، والغي أن يقصد الإخبار بشيء لَا مصلحة فيه ولا

النجم 53:3

منفعة، بل فيه المفسدة، أي ما أخبركم عن الله لقصد مفسدة بل لقصد المنفعة والهداية، وفرق السهيلي بين صاحب وذو بأن صاحب، إنما يضاف إلى ما هو أشرف منه فتقول: أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب أبو هريرة وذو إنما تضاف إلى ما هو أشرف منه، قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)، وقال (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)، وهذه الآية ترد عليه في ذكر صاحبكم، [أنها*] للعلة أي هو بين أظهركم ورُبِّيَ ببلدكم وفي صحبتكم فإنكم عالمون به، وما جربتم عليه [كذبا قط*]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ غير بلفظ المستقبل وما قبله بالمعنى، فالجواب: أنه إن كان المراد لزوم الشيء أو جعله كالثابت اللازم، أو المحقق الوقوع أتى به ماضيا، [أو بلفظ (أو) وما يراد به التصوير، والتحديد*] يؤتي به مضارعا إشارة إلى ثبوت الضلال وتحققه وتجدد النطق به مرة بعد مرة، لأن نفي الضلال ضده ثبوت الهداية، وهي لازمة مطلقا بخلاف النطق، فإنه تارة ينطق، وتارة [يسكت*]. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ قيل: يدل على أنه عليه الصلاة والسلام، غير مجتهد، أجيب: بوجهين: الأول: الضمير عائد على القرآن، وهو منحصر في الوحي لَا اجتهاد فيه. والثاني: سلمنا عوده على جميع ما يأتي به من قرآن وغيره، [لكن عمله باجتهاده مستند*] إلى الوحي، لأنه أوحي إليه الإذن في العمل باجتهاد. قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ إن قلت: هلا قيل: علمه العليم فهو أنسب من شديد القوى، لأن الكلام في العلم لَا في القوة، قلت: هو إشارة إلى أنه كلام معجز. قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ... (٦)﴾ تأسيس لأن الوصف به [يفيد*] المبالغة والكثرة، حسبما ذكر عياض في الإكمال في حديث الوصية في قول سعد بن أبي وقاص: "وأَنَا [ذُو*] مَالٍ " فأفاد شديد القوى المبالغة في ذوات القوة، وأفاد ذو مرة المبالغة في عددها وكثرة آحادها. قوله تعالى: (فَاسْتَوَى).

النجم 53:7

قيل: جبريل، وقيل: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: الله تعالى، وهو مشكل لاقتضائه المكان فمنهم من تأوله، ومنهم من وقف فسأل ابن التلمساني في مثل هذا من وقف أنها أمور علمية اعتقادية، والأمور العلمية لَا يكتفى بغلبة الظن والتأويل، إنما ينتج الظن لكنا نقطع بنفي ما يوجب النقص. قوله تعالى: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ﴾ الزمخشري: هو أفق الشمس فملأ الأفق انتهى، يريد سمت الرأس، لكن عبارته قلقة. قوله تعالى: ﴿دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ تدلى أخص من دنا لوجهين: الأول: أن تدلى خاصة بالتحرك من فوق إلى أسفل، والدنو يكون بالهبوط وبالصعود، وفي سائر الجهات. الثاني؛ أن التدلي في العرف إنما يكون لما هو قريب، [فلذا قدم الدنو*] على التدلي، أو أدنى قيل: بمعنى بل وأورد أنها للإضراب فهو إما إبطال أو انتقال، وكلاهما مشكل، فإن كلامه تعالى حق وصدق لَا إبطال فيه ولا انتقال، أجيب: بأن كلا الأمرين المنتقل عنه وإليه حق الإبطال بناء على ما يليق بالمقام على ما جرت به عادة العرب في تعاليها في نهاية الأوصاف. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ﴾ في قوله سبحانه وتعالى (إِلَى عَبْدِهِ) إشارة إلى أن النبوة والرسالة محض تفضيل، وقوله تعالى: (مَا أَوْحَى)، مبالغة في الوحي فلذلك [أبهم*]. قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ لما تضمن الكلام السابق تحقيق وقوع الرؤية، أي هذا إنكار [لإنكار*] قريش ذلك. فإن قلت: تمارونه من المماراة، والمفاعلة ما تكون إلا من الجانبين، فكيف تسلط الإنكار على الجانبين مع أنه عليه السلام محق؟ فالجواب: من وجهين: الأول: أن الماضي منه مارى على وزن فاعل، وهذا الوزن البادئ فيه بالفعل هو الفاعل فتسلط الإنكار على ضمير الفاعل البادئ [بالمماراة*]. الثاني: الإنكار تسلط على مماراتهم فقط لأنها في الباطل، الفخر: أي ليس يزول يقينه، ويشكك بتشكيكم، ومن تيقن شيئا فقد يكون، بحيث لَا يزول يقينه بتشكيك

النجم 53:14

المشكك، وقد يكون بحيث يزول، أي كيف يجادلونه فيما رآه على وجه لَا شك فيه انتهى، الشك من صفة الناظر والتشكيك من صفة المناظر، فإِن قلت: هلا قيل: على ما أرى، فهو أبلغ لأنهم إذا وبخوا على المماراة فيما [مضى*] وانقطع فأحرى أن يوبخوا على إنكار ما هو حاضر حالي مشاهد له بخلاف العكس، ومع أن القضية ماضية، فالجواب: إنه قصد في الآية الإيماء إلى القياس الخفي على الجلي، وهو أن جعلت رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك، وهو ماضي كرؤيته شيء مشاهد محقق فيه، فمماراتهم فيه كالمماراة فيما هو مشاهد في الحال، فأنكر عليهم المماراة في رؤيته الحاضرة، إشارة إلى ذلك، وكأنه قيل: رؤيته الخفي الماضي كرؤيته الجلي الحاضر، فالمماراة فيه تستلزم المماراة فيما حاضر، واللازم باطل فالملزوم مثله. فإِن قلت: أو يجاب بأنه إشارة إلى ما ذكروا في القصة من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كشف بصره، فرأى بيت المقدس، فكان يخبرهم بصفاته، وأحواله فيخبرهم حالة الرؤية، قيل ذلك: احتجاج منه وترجيح لصحة ما أخبرهم به من رؤية جبريل أو عمره لَا أنه هو عين ما أخبرهم به، أو يجاب بأنه للتصوير. قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ﴾ إن كان المرئي جبريل فواضح، وإن كان الله تعالى فالعندية راجعة للرائي لا للمرئي، وانتقد القرافي على الفخر ابن الخطيب في تسمية كتابه [المحصول*]، لأن فعله لا يتعدى إلا بحرف جر، ومثله [لا يتأتى*] منه اسم المفعول إلا مصحوبا بالمجرور، فكان يقول المحصول فيه، وجوابه أن ذلك في نظر الكلام، وأما في التسمية فيجوز لأنه يصح تسمية الإنسان ببعض الاسم، فأحرى أن يسمى باسم المفعول غير مصحوب بحرف الجر، كما سميت هذه الشجرة سدرة المنتهى، ولم يقل المنتهى إليها. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ﴾ ولم يقل: إذ يغشاها لئلا يتوهم عود الضمير إلى الجنة، ولأن البناء الظاهر لفخامته. قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾

النجم 53:19

لم يقل: ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إشارة أن ذلك المرئي [... ]. نفسه، بحيث أن لو كشف عن بصر كل أحد من النَّاس، قال شيخنا: نقلت أيضا من خطه ما طغى ليس بتكرار، لأن الزيغ إدراك بعض المرئي، وميل البصر عن إدراك باقيه، والطغيان إدراك الشيء أكثر مما هو عليه، أو أكثر مما هو في عدده انتهى، وتكرير [لفطة*] (ما) لوجهين: الأول: أن عدم ذكرها يوهم ثبوت المعطوف. الثاني: إفادة [نفيهما*] مجتمعين ومفترقين، كما قال السهيلي. قوله (أَفَرَأَيْتُمُ... (١٩).. ، ابن عطية: هي من رؤية العين، أي أفأبصرتم، أبو حيان: أي أفعلتم، ومفعولها الأول (اللَّاتَ)، والثاني: (أَلَكُمُ الذكَرُ وَلَهُ الأنْثَى)، الطيبي: قال الزجاج: إن المعنى أخبروني عن اللات والعزى ومناة أهن كسائر المخلوقات، أو لهن [خصوصية*] انتهى، والمعطوف عليه بالفاء مقدر تقديره على قول الزجاج: أنظرتم وتأملتم فرأيتم اللات والعزى ومناة، أي فأخبروني عن هذه الجمادات، وعلى قول ابن عطية: أعرفتم ما دلت عليه هذه المخلوقات فأبصرتم اللات، الطيبي: والأخرى ليست تأنيث آخر، لأنه لَا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس الأول في اللفظ، تقول: رأيت رجلا ورجلا آخر، وعالما وعالما آخر، ولا تقول: رأيت رجلا وثورا آخر، قال: هو مجازا لَا حقيقة. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ أي اختصاصكم بالذكور، وإن كان قسمة فهي أفادت قسمة [جائرة*]، فإن قلت: ما أفادت إذا قلت الدلالة على الجزاء، فإن قلت: الجزاء من فعل المخاطب، كقولك لمن قال: [آتيك غدا*]: إذا أكرمك، فالجواب: من فعل المتكلم كقولك: لمن قال: آتيك إذا تجدني، قلت: وقد يكون الجزاء من فعل المتكلم، كقولك لمن قال: آتيك غدا [تصب*] خيرا، وكذلك هنا جوزوا على فعلهم بالتهديد [... ] بأنها قسمة ضيزى. فإِن قلت: هذا كما يقول ابن الحاجب: مسلكان على [الشرك*] فقبح عليهم [نسبتهم*] الأولاد إلى الله، ثم على [فرض*] تسليم ذلك جدلا، فإنما حقهم كان أن ينسبوا إليه الأشرف لَا الأدنى. قوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ... (٢٣).. ، قالوا: يحتمل أن يعود الضمير على مجرد الأسماء المتقدمة، أو عليها من حيث مدلولاتها، فالمعنى أن هذه

النجم 53:24

الأسماء اخترعتموها، وليست لها مسميات حقيقية، أو المعنى إلا [أسماء*] اخترعتموها من غير إسناد منكم إلى برهان، ولا دليل شرعي ولا عقلي، وعلى الثاني يكون على حذف مضاف، أي إن هي إلا ذوات أسماء، الأول أشنع عليهم، وفائدة التأكيد بـ أنتم زيادة في القبيح عليهم، وإلا فالفصل بالمفعول قائم مقام التأكيد، وفي الآية حجة لمن يقول إن الاسم غير المسمى، وقال ابن الخطيب: لو كان الاسم غير المسمى للزم عليه حدوث أسماء الله تعالى؛ لأنها لم تكن في الأزل، لأن المراد بالاسم على هذا اللفظ. انتهى، الاسم يطلق ويراد به المعنى المدول عليه، أعني الصفة، كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، أي الصفات الحسنى، وقوله (سَمَّيْتُمُوهَا)، يدل على [أن*] الأسماء اصطلاحية. قوله تعالى: (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ). لم يقل: [وما تهوى أنفسهم*]، إشارة إلى اتباعهم هوى نفوسهم ونفوس آبائهم، كما قال تعالى (سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)، وهذا أشد عليهم وأشنع. قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى). ذمنهم على اتباعهم هواهم مع وجود الهادي لهم، وهو أقبح من اتباع الهوى حالة عدم المرشد إلى الحق. قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ ابن عطية: معطوف على (وما تهوى الأنفس)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ)، اعتراض. انتهى، بل هو معطوف على (ولقد جاءهم)، والمعنى بل يتبع الإنسان أمنيته مع وجود الوازع والهادي له إلى الحق. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ وجه مناسبتها أنها رد على الكفار في اتخاذهم الأصنام، وقولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فقيل: إن الملائكة من أشرف المخلوقات، ومع هذا فلا تغني شفاعتهم شيئا، إلا بإذن الله، فمفهومها إذن بعضهم يشفعون، وتغني شفاعتهم، والثابت في نفس الأمر أنه لَا يغني شفاعة أحد من الملائكة بوجه فهلا قيل: وكل الملائكة لَا تغني شفاعتهم، فهو أبلغ، وأجاب: بأن المقصود الرد عليهم في قولهم: هذه الأصنام تشفع، وذلك يحصل ببيان أن ملكا من الملائكة لَا تقبل شفاعته، فاكتفى بذلك، ولم يقل ما منهم أحد، لأنه أقرب إلى المنازعة فيه، من قوله كثير، مع أن المقصود حاصل به. انتهى هذا السؤال، إنما يرد إذا جعلنا الإذن في قوله (إِلَّا مِنْ

النجم 53:27

بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ)، راجعا إلى الإغناء، فليزم عليه أن يكون بمعنى الملائكة يعني غير إذن، ولنا أن نقول: الإذن إنما هو راجح إلى الشفاعة فكثير من الملائكة لَا يشفعون إلا بإذن، وباقيهم، وهم أيضا بأنه إذا سلب إغناء الشفاعة عن الكثير من العالم العلوي، مع كونه مظنة للقبول، فأحرى عن معبودهم الأرضي. قوله تعالى: (لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). راجح للشافع والمشفوع فيه، [ويرجع*] لمعنى الكلام والإرادة، فالإذن الكلام والرضى للإرادة، وقال ابن العربي: المشيئة مرادفة للرضى والإرادة، وأفاد من بعد أول أزمنة العبودية فيقتضي شدة [امتثالهم*] وسرعة مبادرتهم بنفس الإذن، لأنك إذا قلت: جاء زيد بعد عمرو يحتمل أن يكون بينهما مهلة طويلة أو قصيرة، فإذا قلت: جاء زيد من بعد عمرو فالمعنى جاء عقبه في أول أزمنة البعدية، الزمخشري: يعني أن الملائكة لو شفعوا بأجمعهم لأحد لن تغني شفاعتهم عنه شيئا، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن لهم في الشفاعة لمن يشاء ويرضاه أهلا لمن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم؟ انتهى، هذا الاعتزال فيه؛ بل هو موجبه [حمل*] السني على مذهبه، فالشفاعة عند المعتزلي في تعجيل الحساب وعلو الدرجات في الجنة به، وعندنا يجيء فيهما وفي خروج طائفة من النار. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أكد بـ (إِنَّ) مع أنهم لَا يخالفون في صدور ذلك منهم، لأنهم لما وردت الآية للإنكار عليهم والتقبيح لفعلهم، فهم معرض الإنكار لذلك، وقال: (لَا يُؤْمِنُونَ)، ولم يقل: يؤمنوا إشارة إلى أن هذا الوعيد إنما يتناول من ختم عليه بالكفر منهم. قوله تعالى: (تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى). لم يقل: يسمون الملائكة إناثا؛ لأنهم ما سموهم إناثا، وإنما سموهم بأسماء الإناث، فقالو هم بنات الله. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.. أي الظن الباطل، (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). أي لَا يكفي الظن في الأمور الاعتقادية العلمية، ابن التلمساني: النظر والاستدلال في الأمور الاعتقادية فرض [كفاية*] ونحوه، ونقل المسيلي في التذكرة عن الغزالي: وفي كلام الغزالي في الاقتصاد ما يدل عليه، وقال الإسفراييني، وابن العربي، والباجي: إن النظر فرض عين على كل، واختلف هؤلاء فالأكثرون على أنه ليس [يشترط*] في الصحة

النجم 53:31

الإيمان، فالمقلد عندكم عاص عندهم بعدم النظر، وهو من حقيقة، وقيل: [إنه*] شرط في صحة الإيمان، والآية حجة لمن يقف على تأويل الآيات والأحاديث الموهمة فنقول: يعتقد أن الوجه المحال غير مراد، لأن التأويل لَا [يحصل*] علما، وإنما ينتج النظر عن ذكرنا هذه الإضافة إما للفعل أو للمفعول. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ إن قلت: لم عدل عن المطابقة، فلم يقل: ليجزي الذي أساءوا بإساءتهم. كما قال تعالى (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، قلت: لأن العمل أعم من الإساءة، وتعليق الحكم بالعقوبة على الأعم أبلغ من تعليقه على الأخص، بخلاف الثواب؛ لأن الإساءة المطلوب نفيها، فكان ذلك من باب النفي، والإحسان المطلوب ثبوته، فصار ذلك من باب الثبوت، وإلا بلغ استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، ويجاب أيضا: بأن السيئات مذمومة شرعا، فكره إعادتها بلفظ الخاص بها، وأعيدت باللفظ الأعم، والحسنات مندوب إليها، فاستعملت بأخص لفظها، ابن عطية: راجح لقوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ)، الآية، وما بينهما اعتراض. انتهى، ووجه إفادة تحقيق [المجازاة*] إنما هي ممن هو مالك لجميع الأشياء، فينتصف من الظالم للمظلوم، ولا يعجزه شيء، والذين أساءوا مخصوص بالصغائر، لأنها مغفورة باجتناب الكبائر، ومخصوص بالتوبة من الكبائر، ومخصوص بالكافر يسلم، أو نقول إنه غير مخصوص، بل يتناول هذه الأشياء عموم قوله تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، ومن مجازاتهم بالحسنى مغفرة الكفر وذنوب الكبائر بالتوبة والصغائر باجتناب الكبائر، فإن قلت: عبر عن إحسان الذين أحسنوا بالفعل الماضي، وحين فسر بقوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) عبر بالمضارع، قلت: المراد بالدوام على الإحسان وتجدده وعدم انقطاعه، والإحسان من قبل المشكك أعلاه في الحديث "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" وأوسطه ما في الآية. قوله تعالى: ﴿وَالْفَوَاحِشَ... (٣٢)﴾ يحتمل أن يراد بها السبع الموبقات، فيكون من عطف الخاص على العام، ووقف الشيخ عز الدين عن التفريق بين الصغيرة والكبيرة، وفرق غيره بينهما بأن الكبيرة ما رتب الشارع على فعله حد شرعيا من ضرب أو سجن أو نحوه، أو ما لُعِن فاعله، أو ما توعدهم عليه، والصغيرة ما عدا ذلك، قال الشيخ عز الدين: وإذا وجدت غير هذا فانظر عقوبته، فإن كانت مساوية [لهذه*] الثلاثة فهي كبيرة، [وإلا*] فهي صغيرة، انظر ابن عطية في سورة النساء في قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ). قوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ). وجه مناسبتها لما قبلها أن الواحد منا في الشاهد إذا عفى عن ظالمه، فإِنما يعفوا عنه عالما بجهله بحقيقة ما فعل، ولو تحقق ذلك لما عفى عنه، فأشار إلى أنه تعالى واسع المغفرة، مع كمال علمه بحقائق الأمور، وتفاصيلها، وأعلم هي على بابها من المشاركة، أو هما متباينان، فإِن قلت: [إذ أنشأكم*] معمول (أعلم) ولا مشاركة حينئذ، قلت: الملائكة يتشاركون، فإن قلت: كيف والملائكة تقول: أي رب مضغة، أي رب علقة، أما الرزق ما الأجل وشقي، أو سعيد، وذكر أو أنثى، قلت: كل علم إنما هو [بخلق الله تعالى*]، فالملك يسأله ويعلمه حينئذ. قوله تعالى: (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ). إفادة الإشارة إلى تطور الخلق بعد آدم في الأرحام، وفيه مبالغة في تعلق علم الله بالخفي، فإن قلت: هلا علق علمه تعالى في الظهور فهو أخفى، وقال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، وهي حالة لم [يدَّعِ أحدٌ*] مشاركة في العلم؛ بخلاف حالة كون الإنسان في بطن أمه، فإن بعض أهل [العلم*] يزعم أنه يعلم كونه ذكرا أو أنثى، ويعلم هيئته التي هو عليها، والجنين [**ما يصير] في البطن حتى يكون في الظهر، قلت: أخبر عن تعليق علم الله تعالى بحالة ابتداء الإنسان، ولتلك الحالة ثلاثة أمور: حالة الإنشاء، وحالة كون النطفة، وحالة انتقالها إلى البطن، فأخبر بتعليق علمه بأول ابتداء وآخره، ليفيد عموم التعلق بما بينهما [كقولهم*]: مطرنا السهل والجبل، لَا فائدة إلى الإحاطة. قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ). استثنوا منها التعديل، قالوا: وينبغي للإنسان أن يخبر نفسه، وذكروا الخلاف في التزكية، هل تكون في السر والعلانية؟ أو في السر فقط؟ أو في العلانية فقط؟ قال: في كتاب الأقضية من المدونة ولا [يقضي*] بشهادة الشهود حتى يسئل عنهم في السر أو

النجم 53:33

في العلانية، قال [ابن رشد*] في [الشهادات*] إذا رفع الشهود شهادتهم بالتزكية فمذهب المدونة أنه يقتصر على التزكية الظاهرة، وقال مطرف وابن الماجشون: لَا يقضي حتى يسأل في السر، واختاره أبو الحسن اللخمي، قال: لأن النَّاس [لا يبغون*] أن [يزكوا في العلانية، خشية العداوة*]. قوله تعالى: (بِمَنِ اتَّقَى). لم يقل: بالأتقى؛ ليفيد عموم التعلق بحصول [من*] حصل مطلق التقوى، وفي الآية إيماء إلى الإنسان لَا ينبغي له أن يظهر نفسه بين يدي [من هو أعلم منه*]. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ﴾ بمعنى أخبرني، وتقدير المعطوف أعلمت الذي تولى، فأخبرني عن حاله، والهمزة للتنبيه أو للاستفهام حقيقة، لأنه في حق الله تعالى محال، وقيل: نعت لمصدر محذوف، المفعول محذوف ويترجح الأول [... ]، لأن المصدر كونه نعتا للمفعول، بأنه يلزم من كون المعطي قليلا كون الإعطاء قليلا ولا ينعكس، لأنه قد يعطي الشيء الكثير في مرة واحدة، قلت: هذا مقابل بعكسه، لأنه يعطي الشيء القليل في مرات متعددة، وعبر بالأكثر تشبيها بحال البهيمة التي منعتها كدا الأرض من المشي، وأضرت بحافرها. قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أي أعند المحتمل عليه؟ وهو الذي أعطى القليل وأكد في المحتمل، وهو الذي أخذ القليل، أي أعلم الغيب فتيقن أن ذلك محمل عنه إثم كفره وردته، يغني عنه وينفعه تحمله، قال ابن فورك: والغيب هو العلم النظري الذي لم ينصب عليه دليل، وأما العلم الضروري، أو النظري الذي ينصب عليه دليل فليس بغيب. قوله تعالى: (فَهُوَ يَرَى). [الرؤية*] تحتمل أن يكون علمية، أو بصرية، فمعنى العلمية عنده طرف الغيب وأسبابه؛ فهو يعلم الغيب، كما علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الوحي وغيره، ومعنى البصرية فهو تيقن الغيب وتبصره وشاهده، فإن قلت: هذا أمر أخروي مستقبل ليس بحاصل في الحال، قيل: المراد التنبيه على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله

النجم 53:36

وسلم على ذلك، يقينا علما مشابها لعلم من يبصره، وينظر إليه، أو أقوى، لأن البصر يعرض له التخيلات والشكوك، أبو حيان: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، فلو عطف الفعل على الفعل لصح رفعه ونصبه على جواب الاستفهام، السفاقسي: لا حاجة إلى ارتكاب وضع الجملة الاسمية موضع الفعلية، بل هي معطوف على قوله (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)، فهي داخلة في خبر الإنكار، وليس المراد هنا إثبات الرؤية له. انتهى، يرد بأن الرفع على إضمار المبتدأ، أو التقدير، فهو يرى، فلا فرق بين الضمير، وعدم ذكره؛ لأنه مراد، وإنَّمَا قالوا: إن الفعل، إن عطف على الجملة الاستفهامية كان ثبوتا، وإن عطف الفعل على الفعل كان دخلا تحت الإنكار، مثل: ما تأتينا فتحدثنا. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ قال الحريري: أم هنا مظنة؛ لأنها لأحد الشيئين، لأنه ليس عنده علم الغيب، لكنه أُخبر بما في صحف موسى، إما على لسان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة أو تصريحا، أو لما أمره نبينا لزمه حكم ما في شريعة موسى وغيره، لأن من لوازم الإنكار أن يكون ذلك تبييناً لما في صحف موسى، انتهى، هو قولك: إذ [... ] ذو خصومة، في أنها واقعة في غير محلها. قوله تعالى: ﴿مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ... (٣٧)﴾ قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ ابن عطية: [وأنث الوازرة؛ إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها*]. انتهى. فإن قلت: على أن الثناء للمبالغة، يرد السؤال لأنه لَا يلزم من عدم حمل النفس الثقيلة وزر غيرها، عدم حمل النفس [الخفيفة*] وزر غيرها، قلت: هذا مشترك الإلزام في عدم المبالغة أيضا، لأنه لَا يلزم من كون النفس المتصفة بمطلق وزر عين الغير، عدم حمل النفس التي لَا وزر لها، الوزر عن الغير، وجوابك عنه جوابنا نحن، والجواب عن السؤالين، أن تقول: المفهوم في الآية مفهوم موافقة، وهو أن حمل الوزر على قسمين: حمل تكليفي، وحمل اختياري، [فلا يلزم السؤال*] إلا لو كان الحمل في الآية تكليفيا، وإنما هو في الآية اختياري، ولا شك أنه إذا كانت النفس المذمومة ذات الأوزار غير متمكنة من فعل ما تريد من حمل الوزر عن الغير، مع حقارتها وذمها، وكونها أهلا لذلك، فأحرى أن لَا تتمكن منه النفس الشريفة التي لَا وزر لها بوجه، ابن عطية: قال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه

النجم 53:40

الأمة فلها سعي غيرها. انتهى، يرد بأن الأول [خبر*]، والخبر لَا ينسخ، كما رد ابن عطية قول ابن عباس: أنها منسوخة، بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)، الآية وهذا عام باق على عمومه، فإن قلت: هو مخصوص بالعاقلة، لَا تحمل الدية وهي ناشئة عن الوزر، قلت: لَا وزر فيها، لأنها إنما تجب على قتل الخطأ، وقد جاء في الحديث "رفع عن أمتي خطأها ونسيانها"، فإن قلت: على القول بأن الآية نزلت في عثمان مع عبد الله ابن أبي سرح رضي الله عنه قبل إسلام عبد الله، كيف صح الاستدلال بها مع وجود الخلاف في شرع من قبلنا، هو شرع لنا أم لَا؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنه أنكر على عثمان اتباعه لعبد الله بن أبي سرح في أمر هو باطل في شريعتهم. الثاني: أن الأصل عدم النسخ، وأن شرع من قبلنا شرع لنا، حتى يرد ما ينسخه. ووزر وأخرى مفعول لَا مصدر لئلا يلزم عليه تحصيل الحاصل، إذ لَا يصح أن يقال: لا تقوم قيام زيدا، ولا يقوم أحد قيام أحد، ولا يفعل أحد فعل أحد، فالمعنى أن ذنب كل واحد لَا يحمله عنه غيره، وأن لَا تزر جعلوه مبتدأ [مضمرا*]، أي هو أن لَا تزر، والظاهر أنه مبتدأ [وخبره مجرور*]، وتقديره منه أن لَا تزر؛ لأن ذلك ليس هو كل ما في صحف موسى بل بعضه، فيحتاج أن يكون عاما مخصوصا، أو عموما على جهة المجاز، وعلى ما قلناه لَا يحتاج إلى ذلك، الزمخشري: فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت، والحج عنه وله ثوابه؟ قلت: فيه جوابان: أحدهما: أن يسعى غيره لما لَا ينفعه إلا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا، ولذلك الثواب كان سعي غيره كأنه سعي نفسه، لكونه تسبب في ذلك بالإيمان. الثاني: أن سعي غيره لَا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو [بحكم الشرع*] كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه انتهى، الأول: حسن، والثاني: غير صحيح، لأنه إذا تصدق نوى به الغير. قوله تعالى: ﴿سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ الفاعل المحذوف، إما ضمير عائد إلى الله تعالى، أو على الإنسان، فإن قلت: على أنه الإنسان يحتاج إلى إضمار مضاف إلى سوف يرى، هو آخر سعيه، قلت: لا يحتاج لهذا إلا على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السنة، فهو يرى سعيه

النجم 53:41

وجزاء سعيه، لأن كل موجود عندنا يصح أن يرى، فيرى ذاته وصفاتها وعملها الذي كانت تعمل في الدنيا، وجزاؤه. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [الأوفي عام*] في الثواب والعقاب، فيجب تخصيصه عندنا [بالمشيئة، أي إن شاء، لأن العاصي عندنا في المشيئة*]؛ خلافا لمن يقول: بوجوب إنفاذ الوعيد. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ تقديم المجرور للاهتمام وللحصر لحصوله مع عدم تقديمه، لأن ابن هشام في شرح الإيضاح وغيره: نصوا على أن المبتدأ لَا يكون إلا أخص من الخبر، أو مساويا له، ويكون أعم منه بوجه، ولذلك قالوا في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، أن التكبير مبتدأ وتحليلها خبره، لأنه أعم منه، والمنتهى هنا ليس إلا [لله*] ولا يتوهم أنه لغيره، وهو أخص أو مساو فهو المبتدأ أو المبتدأ انحصر في الخبر، وذكروا الخلاف في المضمرات، هل هي كلية أو جزئية، واختاروا أن ضمير المتكلم والمخاطب جزئيان، قال ابن مالك: فإن أريد بالمضمر الشيوع، أو كان الكلام يدل عليه، فهو كلي. انتهى، وبهذا [فإنه*] يصلح أن يقال: الكل مخاطب (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، واستعمال لفظ الرب هنا تغليبا لجانب الرحمة والإحسان. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ هذا وما بعده تفسير، لقوله (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، لأن ذلك لما تضمن افتقار الجميع إليه بيَّن أحوال المفتقرين العارضة لهم، وهي إما خاصة كالضحك والبكاء، وعرض عام كالموت والإحياء، أو لازم للماهية كالخلق المخلوق، ما دام مخلوقا، وقدم الضحك تغليبا لجانب الرحمة، ويحتمل أن يريد بالضحك والبكاء حقيقتهما، ومطلق [الحزن*] من باب حالة الالتزام أو هو مجاز على سبيل الاستعارة، الزمخشري: أي خلق القوة على الضحك والبكاء انتهى، إن قلت: هذا اعتزال بناء على مذهبه، في أن العبد يخلق أفعاله، وهو يوافقنا في الداعي أنه خلق الله، قلت: عادة الشيوخ أنهم [لا*] يحملون على الاعتزال، إلا ما منع فيه، وأما المحتمل الذي يوجهه السني على مذهبه والمعتزل على مذهبه، فلا، وهذا منه، بل فسر الزمخشري أولى، لأن الآية حينئذ تكون عامة تتناول ما إذا كان الإنسان غير ضاحك ولا باك، ووجود الضحك عند التعجب، والبكاء عند الحزن، [فنقول نحن*]: إنه أمر عادي خلقه الله تعالى عند ذلك لَا به، وتقول المعتزلة: إنه أمر عادي من قبل العبد وطبعه.

النجم 53:44

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ يدل على الموت أمر وجودي، وهو مذهبنا خلافا للمعتزلة، وهذا بناء على أن العدم الإضافي لَا يصح كونه أثراً للقدرة، وأما على القول بصحة [كونه*] أثرا لها، فلا يتم الاحتجاج بالآية، وإنما يتم الاحتجاج بقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ)، لأن خلق لَا يتعلق إلا بالوجود. وقال الفخر: في الكلام تقديم وتأخير، أي أحيا وأمات، ولا يحتاج إليه، لأن الواو لَا ترتب، وقدم الموت مع أنه هو لم [يخالف*] ما سبق من تقديم الملائم، إما لرءوس الآي، وإما لأن الدنيا سجن للمؤمن، والخطاب للمؤمنين، فهو ملائم. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ السهيلي: لم يؤت في هذه بضمير الفصل كما أتى به فيما قبلها، لأن بعض الجهال قد نسب تلك الأفعال لغير الله تعالى، كقول النمرود (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وأما هذا فلم يدعه أحد. انتهى، تقريره أنه سلك في الآية المتقدمة طريق الحصر بالبناء على المضمر، فقال: وأنه هو كذا، ولم يفعل ذلك هنا، والجواب: أنه لما وقع الخلاف بين النَّاس في مدلول تلك الآيات، فالمعتزلة يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، فيخلق الضحك والبكاء، وفرقة أخرى ينكرون الآخرة والبعث، وفرقة أخرى قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر، وأنكروا أن الموت والحياة مخلوقان لله تعالى، [احتيج*] في ذلك لأداة الحصر، بخلاف خلق الذكر والأنثى، فإنه لم يخالف فيه أحد، والحاصل أن الآيات المتقدمة مجرد دعوى مقرونة بدليلها، وهو خلق الضدين الذكر والأنثى، إذ لم يخالف أحد في الجمع بين الضدين، أنه ليس من فعل العبد بوجه، حسبما قال الضرير في نظمه: "ورد قول الطبعي الجاحد" بقوله [(تُمْنَى) *]، واحد؛ ولذلك خلق الله تغير الضدين الذكر والأنثى من نطفة واحدة، إذا تمنى، فإن قلت: وله كذا الضحك والبكاء ضدان، وقد جمع بينهما في آن واحد، قلت: فرق بين الجمع بين الصفات، وبين الجمع بينهما في الذوات، فالأول: أخف يمكن أن يدعى بخلاف الثاني، فإنه أضعف فما يلزم من دعوى ذلك في الصفات، ودعواه في الذوات، وخلق هنا ماضٍ بمعنى المستقبل، لأن إذا لما يستقبل. الآية عامة مخصوصة بآدم، وحواء، وعيسى عليهم السلام. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾

النجم 53:48

إما أن يكون المراد إيجاب ذلك شرعا بإيجاب إياه على نفسه لَا عقلاً كما فسره به الزمخشري على مذهبه، أو إشارة إلى كمال القدرة. قوله تعالى: ﴿أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ قيل: الغنى وجود والفقر عدم، والعدم سابق على الوجود، فلم أخر في اللفظ؟ أجيب: بأن الغنى هي الحالة التي يدعي فيها الفعل، وأما الفقر فلم يدع أحد أنه من فعله. قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ﴾ أي فما أبقى لهم باقية، [إن*] كان من عطف المفردات فيعود إلى الكل، وإن كان من الجمل فيدخله الخلاف في القيود والصفات، إذا تعقبت جملا، هل يرجع إلى الكل، أو إلى الأخيرة، [وحكوا*] عن الحجاج أنه عبر بكونه [ثقفيا*]، وثقيف من ثمود، فاحتج بهذه الآية الدالة على أن ثمودا استؤصلوا ولم يبق منهم باقية، ووجه الدليل أنه إن كان ثمود كلهم كفارا، فكلهم مهلكون بمقتضى هذه الآية، فلا عقب لهم، وإن كان بعضهم مسلمين، وقد أهلك الكفار [وفثقيف من [... ] المسلمين، فلا معرة عليه في كونه ثقفيًّا، فان قلت: لم قدم [عادًا*] على ثمود على قوم نوح مع تأخرهم عليهم في الزمان؟ قلت: إنهم أقرب باعتبار بقاء آثارهم، قال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بمَا ظَلَمُوا). قوله تعالى: ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ﴾ قيل: المناسب في باب العقوبة تعليق الحكم بالوصف الأعم [فلم*] علقه هنا بالأخص، وهو [**مسلما أظلم] ولا يلزم من كون الاتصاف بالأخص سببا في العقوبة؛ كون الاتصاف بالأعم لذلك لعدم المساواة، وهل عطف الطغيان على الظلم من عطف الأخص على الأعم؟ أو العكس، وهل الظلم تجاوز الحد إلى الغير؟ والطغيان مطلق التجاوز، أو الظلم يصدق على تعدي الحدود [ولزوم*] الطغيان إنما يصدق فيما كثر من ذلك، وكون قوم نوح أظلم باعتبار ابتدائهم الظلم، لأنهم أول من كفر برسوله. قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ﴾ الائتفاك قلب الإناء أعم من أن يكون من فوق إلى أسفل، أو مع بقائه على سطح الأرض، [فقوله*]: (أَهْوَى)، إشارة إلى أن [مدائن*] لوط من فوق إلى أسفل، وهو لازم لارتفاعها عن سطح الأرض بين القلب. قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾

النجم 53:57

جعل الزمخشري: الآلاء للقدر [المشترك*] بين النعم والنقم، قال: وسماها كلها آلاء لما في النعم من المواعظ في الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو في قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، انتهى، ذلك مرتب على شرط محال؛ بخلاف هذا. قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ سماه قوم كالسكاكي، وغيره [جناسًا للمشابهة*]، فإِن قلت: [ظاهره*] تحصيل الحاصل، لأن المعنى قريب القريبة فالجواب: أن الألف واللام في الآزفة للعهد، أي قريب الحالة الموسود المعبر عنها في هذا الكتاب، وفي غيره بالقريبة، وهي الساعة. قوله تعالى: ﴿كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ أي نفس كاشفة أو قدرة كاشفة، وهذا الكشف بوجهين: إما المبين لوقتها، وهو [راجع لباب المعلم والمزيل لها، وهو راجع لباب القدرة*]. قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ﴾ ولم يقل: أفمن هذا القرآن؟ [لأن*] نفس القرآن يلزم الإعجاز، ولفظ الحديث لا يلزمه، فإذا وبخوا على تعجبهم منه لَا مع استحضار كونه قرآنا فأحرى أن يوبخوا في تعجبهم منه مع استحضار ذلك، أي لو قدرنا أنه كسائر الحديث الذي يتكلمون به فمنكم عدم التعجب منه، فأحرى أن لَا يتعجبون منه، وهو مباين [لجنس كلامهم*]، ولذلك أورد الفخر في المحصول في شبهاته سؤالا فقال: القرآن حديث، وكل حديث هو كذا، فالقرآن كذا،... (٦٠).. وقدم التعجب على الضحك، لأن التعجب أعم، قد يكون معه ضحك وقد لَا، وفي الآية سؤلان: الأول: الضحك سبب عن التعجب، فكان الأصل أن يقرن [بالفاء*]، وجوابه: أن السببية إذا كانت عليه لم يحتج لذلك. الثاني: توبيخهم إما أن يكون على المجموع، أو على كل فرد فرد، فإِن كان المراد الثاني لزم عليه تناول التوبيخ لمن قرأ القرآن، ولم يبك ولا تباكى وليس كذلك، قال (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا)، ولم يقل: وابكوا، [وإن*] كان الأول لزم التكرار، وجوابه: أن يكون [وَلَا تَبْكُونَ*] حالا من قوله (وَتَضْحَكُونَ)، فإِن قلت: يلزمك [تحصيل الحاصل*]، لأن الضحك مناف للبكاء، فالجواب من وجهين:

النجم 53:61

الأول: أنه تأكيد مثل (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا). الثاني: أنه تنبيه على البكاء، مطلوب منكم أنكم [إذا سمعتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا*]. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ليس بتكرار؛ بل هو استئناف، أي: وأنتم من شأنكم ودينكم أنكم سامدون * * *

القمر 54:1

سُورَةُ الْقَمَرِ قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ... (١)﴾ أخص من قرب، فيدل على المبالغة في القرب، وذكر ابن عطية، عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد مالت الشمس، فقال: " [ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم*] "، فقال عليه السلام: إني [لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم*] "، وذكر هذا السهيلي: وبينه، وذكر المسعودي: حديثا أن عمر الدنيا ستة آلاف ونيف، ولكنه لم يصح. قوله تعالى: (وَانْشَقَ الْقَمَرُ). ذكر ابن خليل في مناظرته إن صحت أن القاضي أبا بكر الباقلاني، بعثه أمير زمانه رسولا لبعض بلاد الروم، فجرى في بعض مناظرته معهم، أن قالوا له: انفرادكم برؤية انشقاق القمر، بحيث لم يره معكم غيركم، ما موجبه؟ ثم قال: في المحراب إنا نجد القمر حين الانكساف يراه أهل قطر دون غيرهم، فيكون الليل عند قوم، والنهار عند آخرين، وهو بناء على [أن*] السماء [كورية*] فكذا حين انشقاق القمر، كان ذلك عند الروم [نهارا لبعد بلادهم*]، عن بلاد قريش، انتهى، وأجاب ابن فورك: باحتمال أن يكون ستره الغيم في بلاد الروم حينئذ، وهذا شاهد، فإنا نجد الغيم يستر عين الشمس عن بعض المواضع دون بعض. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ إن قلت: رؤيتهم ذلك، وإعراضهم محقق، فلم أتى بـ (إِنْ) دون إذا؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن هذه الآية خارقة للعادة، ومن لوازم ذلك [عزيتها وندرتها*]، وكلمة إذا دالة على محقق الوقوع، ومن لوازم التحقق كون التحقق أمرا عاديا مألوفا ثابتا محققا، فلذلك أتى بـ (إِنْ) الدلالة على عدم التحقق [ليبقي القرابة أو النذور*] على ظاهرها مفهومين من اللازم. والوجه الثاني: أن القصد النهي عن الاعتراض، وذم الاتصاف به، وجعله بعيدا في حيز المحال، وعدم الإمكان، لأن سياق الآية استبعاد وقوع الإعراض معهم مع رؤيتهم الآية، وتنكير (آية) في سياق الشرط للعموم، كما ذكر ابن يونس في كتاب السلم الأول عن [**ابن عباس]: في قوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ)، هذا

القمر 54:3

مجمع الدين كله، وهذه الجملة وما بعدها من الجملة في غاية النعي عليهم وتقبيح أحوالهم، فالجملة الأولى: دالة على عدم كمال عدم انقيادهم، والثانية: دالة على دوامهم وملازمتهم، والثانية سؤاله على أنهم لَا شبهة لهم إلا محض التكذيب، والعناد، واتباع الهوى. قوله تعالى: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ). تقدم الكلام في السحر في سورة البقرة، وحذف المبتدأ لما يقول ابن مالك: أن الخبر لَا يصلح إلا له، فهولاء جعلوا اسم السحر لَا يصلح إلا لتلك الآية. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا... (٣)﴾ إن قلت: لم عبر عن تكذيبهم بالماضي، وعن إعراضهم بالمضارع، قلت: لتجدد إعراضهم بتجدد الآيات، وأما تكذيبهم واتباعهم أهواءهم، فاللازم منهم ثابت لا ينفك عنهم، وهو حال من الضمير في [يعرضوا*] لَا معطوف لئلا يلزم التكرار، وعطف الشيء على نفسه، وعطف الماضي على المضارع. قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ). إن أريد التوزيع، [وأن كل*] واحد تبع هوى نفسه فظاهر، وإن أريد كل واحد اتبع هوى غيره، فلا بد أن يكون على البدلية لَا على المعية، وإلا لزم الجمع بين [النقيضين*]، لأن لهم أهواء مختلفة، ويكون فيه إشارة إلى كثرة تقلباتهم وعدم استقرارهم على شيء واحد، ويؤخذ من الآية مع ما تقرر من القواعد، أن من اتبع هوى نفسه فيما دون ذلك، يتناوله بعض هذا الوعيد. قوله تعالى: (مُسْتَقِرٌّ). أي ثابت، فإن أريد الثبوت في نفس الأمر باعتبار ذات الشيء ومادته، فاسم الفاعل للحال، وإن أريد الثبوت في العلم والاعتقاد فهو الاستقبال، باعتبار ظهوره جاز ذلك في الدار الآخرة، وتبين المحق من المبطل، وللأمر ثلاثة استقرارات، استقرار في النفس خاصة، واستقرار في الاعتقاد والعلم خاصة، واستقرار باعتبارهما معا، كقولنا الله عالم يعلم، فهذا أمر ثابت في نفس الأمر في الحال، وأما اعتبار الاعتقاد فهو ثابت عندنا خلافا للمعتزلة، فليس بمستقر عندهم، وقول المعتزلة: الله عالم، لَا يعلم أمر ثابت في الاعتقاد عندهم لَا عندنا، فليس [بمستقر*] في الاعتقاد في الحال، بل في المستقبل باعتبار تبين ذلك ظهور حقيقة إبطاله. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾

القمر 54:5

نظرهم في هذه الموجودات يفيدهم ثلاثة أمور، [... ] واتصافه بصفات الكمال، ومن جملة ذلك كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وفي ضمن هذه جواز بعثة الرسل. قوله تعالى: (مُزْدَجَرٌ). الظاهر والأرجح كونه اسم مكان لَا اسم مصدر، لأن قولك هذا الموضع محل الياقوت، أبلغ من قولك: في هذا موضع ياقوت، كذلك قولك هذا البناء محل للازدجار أبلغ من قولك: هذا البناء للازدجار. قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ كونه خبر مبتدأ أحسن من كونه بدلا من مزدجر، لأن مزدجرا أخص منه، وبدل الأعم من الأخص ممنوع عندهم، حسبما ذكره في قول امرئ القيس: كأنِّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلُوا؍ لدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ؍ قوله تعالى: (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، الأولى: أنها جمع نذر لَا جمع نذير، ليكون آخر الآية موافقا لأولها، لأن أولها في الإيتاء، وهي معنى من المعاني، فيكون آخرها كذلك، واعلم أن حصول الشبع عند الأكل عندنا أمر عادي، واستلزم العلم للعالمية أمر عقلي، وأما استلزام الدليل للمدلول فمذهب الجمهور أنه عقلي، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: أنه عادي، والآية حجة للأشعري لقوله (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، والفاء [للتعقيب، واقتضت*] نفي كون ألا يناسبها في الازدجار. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ التول قسمان: حسي، وليس هو أمرا وهنا الآية [... ]. ضد الألف واللام، لأنهما لَا يجتمعان أيضا، فإِذا كانت الألف واللام لَا تجتمع مع ضد الياء، وهو التنوين [**فهذا الألف واللام؛ لأنهما يلزم أن يكون مجتمع مع الياء، لأن ضد الضد ليس بضد]. قوله تعالى: (شَيْءٍ نُكُرٍ). أنكر النكرات، فأتى به هنا قصدا للعموم والتعظيم، وكذا أنكر شيء تنكره العقول، والموجودات قسمان: فمنها ما ينكر، ومنها ما لَا ينكر، كالنار فإِنا نجد

القمر 54:7

[**السمندل] يدخل فيها فلا تضره، وغيره إذا دخل تحرقه، فأشار هنا أن ذلك أمر مهول تنكره العقول كلها. قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا... (٧)﴾ ابن عطية: ذكر أن رجلا من [المتطوعة*]، قال قبل أن يستشهد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النوم فسألته عن خشعا، وخاشعا، فقال: خاشعا بالألف. انتهى، [المرائي*] النومية لَا يثبت بها حكم، لأن [التحمل من شروطه العقل والرأى غير عاقل*]، وقد ذكر ابن سهل في أحكامه منها كثيرا، وأنه سأل عن مسائل، وأجيب عنها، وحكى جابر لاستفتاء في المرأى حكايات، وحكى أن رجلا أتى سيدنا الشيخ الصالح أبا عبد الله محمد المغربي، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النوم، وقال: ارض لفلان، وقل له: يعطيك دينارا فأعطاه إياه، ثم إن بعض الفقهاء قال له مثل ذلك، فقال له: ذلك الفقيه، قال لي: أنا في اليقظة، لا تعطه شيئا [فأخبر*] بذلك الشيخ الصالح المغربي، فقال: إنما أعطيه الدنيا لكلامه، ولو صح عندي ما قال لبالغت في الإعطاء، وحكى النحويون: أن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له: أنت قلت: الحياء خير كله بالقصر، فقال: لا ثم رآه ثاني مرة، فسأله مثل ذلك، فأجابه بمثل ذلك، فأخبر بذلك بعض العلماء، فقال له: الحياء بالقصر، هو فرج الناقة، وإنما في الحديث: الحياء بالمد، فرآه الثالثة وسأله، أنت قلت: الحياء خير كله، قال: نعم، وقال ابن [رشد*]: ما ورد من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من رآني فقد رآني حقا"، إنما معناه من رآني على الصفة التي أنا عليها، الموصوفة في الكتب. قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾ نسب القول إليهم دون غيرهم، لأنه عليهم أشد. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخويف وإنذار لقريش، واحتج بنظائرها على إثبات القياس، لأن قوم نوح أهلكوا لأجل تكذيبهم، فلذلك هؤلاء. في الآية ثلاثة أسئلة، الأول: ما أفاد قوله تعالى: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، مع أن الأول يغني عنه، وأجابه من ثلاثة أوجه:

القمر 54:12

الأول: أفاد الأول التكذيب المطلق لكل ما جاءت به الرسل، والثاني تكذيبهم لنوح عليه السلام. والثاني: قال الفخر: التكذيب، والثاني كالعلة والبرهان على الأول، كما تقول كذبت زيدا فكذبت صادقا لصدق علمه في التوبيخ والوعيد، وكذلك قوله تعالى: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا). الثالث: أفاد الأول تكذيبهم للأمر بالدليل العقلي، وأفاد الثاني تكذيبهم لما ثبت بالدليل السمعي، لأن المحدثات كلها دالة على وجود الصانع، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ومن جملة ذلك، بعثة الرسل فنوح عليه السلام إنما أتى بمقتضى الدليل العقلي، وهو أول من بعث لأهل الأرض، فقال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)، أي كذبوا بما أثبته العقل، ثم فقال (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، إشارة إلى تكذيبهم بالمعجزات الدالة على صدقه، فكذبوا بالدليل السمعي. السؤال الثاني: ما أفاد قوله تعالى: (قَبْلَهُم) مع أنه معلوم أن قوم نوح قبلهم، وأجابه أنه أفاد التنبيه على مشاركتهم لهم في التكذيب والكفر. السؤال الثالث: لما قدم الظرف على الفاعل، والأصل (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح) وأجاب: أنه قصد الاهتمام بما أضيف إليه الظرف، وهو ضمير قريش، فهو أبلغ في التخويف والإنذار. قوله تعالى: [فَالْتَقَى الْمَاءُ (١٢) *]. المانع أنه امتزج بعضه ببعض، لأن الأجسام عندنا لا تتداخل بوجه فهي ملاقاة. قوله تعالى: (عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ). الأمر هنا بمعنى [الشأن*]، ويحتمل أن يكون ضد النهي، لأن المحدثات إنما تتوقف على القدرة، والإرادة والعلم خاصة بلا خلاف، وأما توقفها على الكلام سمعا، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنها تتوقف مع ذلك على الكلام، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، [**وأنكر بذلك قوله]، فعلى قول القاضي يكون الأمر في الآية ضد النهي. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾

القمر 54:17

إن قلت: كيف هي آية لقريش، مع أنها لم تشاهد؟ قلت: نقلت إليها [تواترا*]، أو أن نقلها الكفار، لأن التواتر يصح في خبر الكافر، وخبر المسلم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قال الأصفهاني في شرح ابن الحاجب الإعجاز في القرآن في كل آية آية منه، وفي غيره من الكتب الإعجاز في المجموع من حيث كونه منزلا من عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ إن قلت: كيف أتى به هنا قبل تمام القصة؟ وأتى به فيما سبق، وفيما بعد تمام القصة، فالجواب: أن الإهلاك بالغرق أمر معهود أكثري، والإهلاك بالريح نادر الوقوع. وقوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، أولا قوم نوح، وأعيدت هذه ليفيد أن عادا أنذرو إهلاك قوم نوح، فلم يعقلوا فأهلكوا، ولذلك قريش ينذرون بهلاك هؤلاء فإن لم يفعلوا يهلكوا. قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ذكر ابن عطية: أن أبا بشر الدولابي قال: روى أبو جعفر المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر*]، قال شيخنا: وبعض الفقهاء إلى اليوم يتوخاه ويجتنب العمل فيه، وروي أن القمر كان منحوسا بزحل، فإن قلت: التاريخ بالشهر العربي حادث، لم يكن في زمن عاد، فكيف قال: أهلكوا في [آخر أربعاء*] من الشهر العربي؟ قلت: [صادف أنه*] آخر الشهر العربي باعتبار نقص القمر وزيادته، لأنهم إذ ذاك علموا أنها آخر الشهر العربي، قوله تعالى: (مُسْتَمِرٌّ)، لأن العمل في [**المظروف المجرور في بعضه]. قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ... (٢٠)﴾ لم يقل: تنزعهم إشارة إلى أنها من شأنها أنها تنزع كل النَّاس، ولو [قيل*] تنزعهم لتوهم خصوصا، فهؤلاء لكونهم قليلين، ولو كانوا كثيرين لم تنزعهم، وكذلك لو كان

القمر 54:23

أقوى منهم لم تستطع أن تنزعه، وأتت هذه القصص [معطوف بعضها على بعض*]، لأن كل واحد منها لم تقترن مع الأخرى في زمان. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أكدت قصة نوح بتكرار الفعل، وهو (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، وقصة عاد يذكر قوله (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، في أولها وآخرها، وأكدت هذه بقوله تعالى: (بِالنُّذُرِ)، وتلك لم يذكر فيها متعلق [التكذيب*]، بل جاءت مطلقة، لأن التكذيب بالمعجزات أخف من التكذيب بالمواعظ، والإنذارات. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ هذا بما للعلة بالأمور العادية، وقوله تعالى: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا... (٢٥) [**خاطبه عامية]، لأن الأول دعوى، وهذه دليل عليها، وهو أنهم استدلوا بأمرين: أحدهما: اختصاصه بالرسالة من [بينهم*]، [ولم يُرسَل هو إليهم*]. والثاني: نسبتهم إليه الكذب [والأشر*]، مع أنه تقرر أن من صفات الله عز وجل الإرادة، وأنه من حقيقتها الترجيح من غير مرجح، فمن يعتقد هذا فلا يقول: إن الموجب لتخصيص هذا بصفة دون هذا الشخص الآخر، والإضراب بـ بل انتقال، وقولهم كذاب دعوى، ودليل مرتب على الأول أي بل هو كذاب في دعواه الرسالة، وأسر كونه وضع نفسه في غير تهيئة عندهم ومن نزل نفسه غير منزلها فهو أسر مخاصم وسجل عليهم بذكر ثلاثة أمور قبيحة، وهي: هلا كان من غير [جنسنا، ولئن كان فلم اختص دوننا*]، ونحن أفضل منه، فهو ترجيح بلا مرجح، ولكن سلمنا بشريته فأكثره معتبر، ويقع بها الترجيح، لأن البينة ترجح بالكثرة، ونحن أولى بهذا الترجيح، ولأن [إخبار*] الأكثر يحصل العلم ويضعف احتمال الكذب؛ بخلاف خبر الواحد، فإِن قلت: لم قدم الذكر هنا، وأخَّره في سورة (ص)؟ قلت: المقصود بالإنكار في هذه كون الموحي إليه [**ليس يزعم لَا في نفسه] وفي سورة (ص)، لما تضمن ما نص الله تعالى عنهم في قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ)، مقصود إنكارهم وتكذيبه وطعنهم في نفسه أولا قد قدم الذكر. قوله تعالى: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ لم لم يذكر المسند إليه هنا كما ذكره في قوله تعالى: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ)، لا سيما إن جعلنا من موصولة لَا استفهامية. [... ] قوله تعالى: ﴿فَعَقَرَ (٢٩)﴾

القمر 54:33

ظاهره أن العاقر واحد، وفي سورة الشعراء (فَعَقَرُوهَا)، فأسند الفعل للجميع، والجواب: أن المباشر واحد، وسائرهم معين له، وفاعل السبب فكأن جميعهم فاعل لذلك. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾ الأصل تعدي كذب إلى المكذب بنفسه، فيقال: كذبت زيدا. (بِالنُّذُرِ) [بمعنى الإنذار*]، الذي هو المصدر [وهو*] جمع [نذير*]، ويكون من باب [**انحناء للكل]. قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ وفي الذاريات (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً)، والجمع بينهما بما أجاب الزمخشري: في قوله تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وفي آية أخرى (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، قال: شبهها بالحية لسرعة حركتها، وبالثعبان في كبر جرمها، وكذا هنا عبر بالحجارة لكبر جرمها، والحصباء لتزامنها وتداخلها، لأن الحجارة الكبيرة لَا تهبط متزامنة، كما تهبط الحصباء. قوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ). استثناهم من المرسل عليهم، ولم يستثنهم من قوم لوط، الجواب: أن ذلك متلازم، فإن تكذيبهم في سبب إرسال الحاصب عليهم، ولما أخرجوا من المرسل عليهم الحاصل بسبب وصف التكذيب تضمن إخراجهم معا، أي من المكذبين والمعذبين، وذكر أبو أحيان وجهين في اتصال الاستثناء وانفصاله، فإن جعلناه مخرجا من قوم من ضمير عليهم جاء الاتصال، وقال بعضهم: هو منفصل، وإن كان على تقدير اتصاله، الزمخشري: لأن هؤلاء ليسوا مشاركين لهم في الوصف، فكأنهم جنس آخر، فهو منفصل، وإن كان على تقدير اتصاله، الزمخشري: يحتمل الاستثناء الاتصال، والمراد أنه أرسل على جميعهم العذاب فأهلك الكافرون، وبقي آل لوط، ويحتمل الانفصال، والمراد أنه أرسل على هؤلاء حالة انفصال المؤمنين عنهم انتهى، جعل الاتصال والانفصال راجعين إلى الدخول في معنى العامل، وعندهم راجح إلى

القمر 54:35

الدخول فيما تعلق به العامل، كقولك: جاء القوم إلا زيدا، فهو داخل في القوم، وجاء القوم إلا حمارا، فهو خارج من القوم. قوله تعالى: (نَجَّيْنَاهُمْ). يدل على الاستثناء من الإثبات ليس بنفي كقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)، وإلا لم يفد إلا أن يجاب بأنه ذكر امتنانا أو تبيينا، لو كان الإنجاء. قوله تعالى: (بِسَحَرٍ). هل المراد به أول الليل، أو آخره بعد الصبح بناء على الأخذ بأوائل الليل الأسماء أو آخرها لكن قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً)، يدل على أن الإنجاء آخر الليل، وانظر سر تنكير (سَحَرٍ) وتعريفه، ويحتمل كونه للتعظيم، كما قاله الزمخشري في (وَلَيَالٍ عَشْرٍ). قوله تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ مصدر لَا مفعول من أجله، لأن أفعال الله غير معللة، وهو دليل لأهل السنة في أن إنجاء آل لوط ليس واجبا، بل [محض نعمة وتفضل من الله*]، ولو شاء [عذاب الطائع، ومنع العاصي لفعل*] [فإن*] [... ]. إما بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو يكون [لاعتبار*] الأزمان، وتكرار إنذارهم، وكأنه متعدد. قوله تعالى: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ... (٤٢)﴾ ليس هو [كقولك*] ضربته ضرب الأمير؛ لاستحالة المعنى لتعدد الضربين في المثال، لأن المعنى ضربا مماثلا لضرب الأمير، والأخذ هنا متحد. قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَٰئِكُمْ﴾ هذا كما قال الفخر في القياس التمثيلي أن الدليل على [صحته*] قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، وتقريره في الآية أن يقال لقريش: أنتم تشاركون أولئك القوم في الكفر والتعنت، ومن شارك أحدا في ذنب فهو بصدد أن ينزل به ما نزل [بمماثله*] يلائم القياس التمثيلي، فلا محيد لكم عن ذلك إلا أن يظهر الفارق بين الفرع والأصل، أو نص على وجود الحكم في صورته، كما قالوا: في

القمر 54:44

[الغرر*] أنها مستثناة من أصل ممنوع لأجل النص على جوازها مع أن القياس يقتضي منعها، لأنها من بيع الثمر قبل [بدو*] صلاحه، فقيل: لهؤلاء أنتم خير من أولئك، أعني أشد منهم قوة بحيث تقدرون على مدافعة العذاب النازل بكم، وممانعته إن ثبتت في الصحف المنزلة برائتكم من النار وخلوصكم من العقوبات فأنتم مطمئنون من العذاب، فلا يمنع القياس التمثيلي إلا أحد هذين الأمرين، ولا شيء منهما بموجود عندكم [... ]. من أولئك، وجوابه: أن خير يستلزم أشد دون عكس الثاني، أن المضاف غير المضاف إليه، وهو منه متحد، لأن جميعهم كفار، وجوابه: أن المخاطب وهو المضاف إليه الرؤساء والمضاف الأتباع، أي لَا أبايعكم أيها الكفرة خص من الأتباع السالفة الكفرة الذين نزل بهم العذاب. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ الذين حكوا في السير أنه إنما قال: ذلك أبو جهل [ولن يكون*] قاله جميعهم، وخص أبو جهل بالذكر لشهرته أو لعظم [قدره*] عندهم، أو ذكر أبو جهل لابتكاره لهذه المقالة، وابتدائه بها، وأخبر عن الجميع لاتباعهم إياه فيها، فإن قلت: هلا قيل: جميعا منتصر فلم بني على الضمير؟ فالجواب: من وجهين: إما أنه لمجرد الربط مثل: [**هم يعرشون الليل كالمرة]، وإما ليفيد الاجتماع والانتصار، ولو قيل: جميعا منتصر لأفاد الانتصار، ولو في [حال*] التباعد والاقتران، [فقولهم*]: (نحن) أفاد إتيانهم واجتماعهم حالة النصرة. قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ الزمخشري: هذا من موضع واحد، موضع الجمع كبيت سيبويه: كلوا في بعض بطنكم تعفوا؍ فإن زمانكم زمن خميص؍ ورد أبو حيان: فالبيت حسن ذلك فيها الفصل، وهنا لَا معطي فصل للنهي، بل الرد عليه من ذلك أن ذلك إنما جعله سيبويه من القليل، لأن إضافة الواحد إلى مزيج الجمع فيه قبح لفظي معنوي لاستحالة اشتراك المضاف إليه الذي هو مجموع في مصدره المضاف، بخلاف الآية ليست فيها إضافة، فانتفى فيها القبح اللفظي، وبقي المعنوي، فالمعنى مراد به الجمع كما قالوا في غير هذا إنه [... ]، والواحد بالنوع لا بالشخص، كقول الحوفي: وأقل ميراث الابن سدسان، ونصف سدس، [يوجه*] إفراد

القمر 54:47

الدبر هنا، وجمعه في قوله تعالى: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)، أنهم تولوا هنا منزلة رجل واحد في النزل فيكون أبلغ، والمراد في تلك توجيه النهي لكل فرد، وأيضا استعمل هنا الأخص في الثبوت، واستعمل هناك الأعم في باب النهي، وهو معنى النفي. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ هذا من تسمية الشيء بما يدل إليه، لأنهم ليسوا الآن في سعر، بل صائرون إليه، فإِن قلت: هو في استعمال اللفظ الواحد في حقيقته، [ومجازه، وهو في السعر*] حقيقة وفي الضلال مجاز، ولأن كونهم في الضلال باعتبار الحصول الحالي. حدثني ابن أبي الموالي: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ["سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ، لَعَنَهُمُ اللهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ يُذِلُّ بِهِ مَنْ أَعَزَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيُعِزُّ بِهِ مَنْ أَذَلَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ"*]، ابن رشد: اللعن هو الطرد والإبعاد من الرحمة، ومن لعنه فقد استوجب النار لبعده من الرحمة، والفيء. [إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ... (٤٩) *] من قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر، يفسره الظاهر، والآية على هذا حجة على المعتزلة، فإِن أفعالنا شيء فهي مخلوقة لله تعالى لدخولها في عموم كل شيء، قال: ومحتمل أن يكون العامل فيه قدرنا، ويكون خلقناه صفة بشيء، فلا يكون حينئذ دليلا على بطلان قول المعتزلة، قال: ومن قرأ بالرفع فذكر ابن عطية: فيه وجهان: أحدهما: أن كل شيء مبتدأ وخلقنا وخبره، وعلى هذا يكون حجة على المعتزلة. والثاني: أن كل شيء مبتدأ وخلقناه صفة بشيء، وبقدر خبر أي كل شيء مخلوق لنا فهو يقدر، وعلى هذا يكون حجة للمعتزلة، وأورد الفخر سؤالا: كيف صح جعل كل شيء مبتدأ وهو نكرة؟ وأجاب: بأن فيه معنى العموم، وقالوا: والنصب في الآية أرجح لأن الرفع يوهم أن يكون خلقناه صفة فيتوهم أن مفهومه أن بعض الأشياء غير مخلوق، ولا مقدر، ابن عطية: قال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قوما (يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم)، لأنهم كانوا يكذِّبون بالقدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله، وإني لأراهم، فلا أدري لشيء مضى قبلنا، أو شيء بقي، وقال أبو

القمر 54:50

هريرة: خاصمت قريش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القدر فنزلت الآية، انتهى، القدرية ليسوا مذكورين في السير، إذ لم يحدث أمرهم إلا بعد ذلك، وعليه قالوا إن بعض القدرية أنكر عليه أبو حنيفة مذهبه، وقال: إنه حادث لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو بدعة، فقال له القدري: إن لم تسكت أسألك عن حديث كذا، فسكت لأن أبا حنيفة لم يكن في حفظ الحديث بتلك المنزلة، وكان بعضهم سأل القاضي أبا بكر الباقلاني عن القدرية، أكانوا في الزمن الأول أو لا، فقال: لم يكونوا فيه، فقال: فإِذًا كل واحد منهم مخالف للإبداع. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ يحتمل أن يريد الثاني أو الكلام، وهو قوله (كُنْ فَيَكُونُ)، والخلق موقوف على الحياة والقدرة والإرادة عقلا، وأما الكلام فمتوقف عليه عندنا سمعا لقوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وواحدة إشارة لعدم الفصل بين الكلام والأمثال لسرعة التكوين. قوله تعالى: (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ). تمثيل بأقرب ما يمكن في الأمور الجليات، وإلا فالعقل يهدي إلى أنه أسرع من ذلك وأقرب، وفي آية أخرى (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، [فأضافه*] وهنا فصله عن الإضافة، فالجواب: بما قال الزمخشري: في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، أن فيه التفسير بعد الإبهام، واستدل على إثبات القدرة بالاتحاد في قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وبالإعدام في قوله (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، واتعاظ الإنسان بهلاك صاحبه، أو قريبه أقرب من اتعاظه بهلاك الأجنبي، وأكد هذا لأن المخاطب عليه مخايل الإنكار كما قال تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ). قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾

القمر 54:53

جعله المفسرون التفاتا، أي لكل شيء فعلتموه، ويكون هذا عاما في قريش، ومَن قبلهم، وغلب فيه المخاطب على الغائب، ويحتمل أن يكون المراد كل شيء فعله هؤلاء [يكون محصى*] عليهم [فعوقبوا*] بالإهلاك، [**وإحصاء]، أي الغير ليعذبوا عليها في الآخرة، والعدم الإضافي داخل في هذا على القول بصحة كونه [أثرا للقدرة*]، ونصوا على أن الترك فعل [**الضرر، فمن منع إنما فعل ما يكن به عن نفسه موته إعطائه] فهو داخل في الآية على هذا. قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ ليفيد التساوي بينهما، وأن تعلق علمه كتعلق علمه بالكبير، وجعلوا هذه تأكيدا لما قبلها، ويحتمل التأسيس بأن يكون هذه راجعة لإحصاء الأقوال، وما قبلها [لإحصاء الأفعال*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ مقابل لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ)، قوله تعالى: (وَنَهَرٍ) قرئ بضم الهاء على أنه جمع، وبفتحها على أنه اسم جنس، ويكون واحد بالنوع، كقول الفراء ولا يرث عند مالك إلا جدتان، ليس المراد الجدتين بالشخص بل النوع. قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ موصوف إما باعتبار أنه لَا قبيح فيه ولا منكر، وإما باعتبار أنه حق في نفسه لا كذب. * * *

الرحمن 55:1

سُورَةُ الرَّحْمَنِ -جَلَّ جَلَالُهُ- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ قال ابن عطية: [هي مكية فيما قال الجمهور من الصحابة والتابعين. وقال نافع بن أبي نعيم وعطاء وقتادة وكريب وعطاء الخراساني عن ابن عباس: هي مدنية، نزلت عند إباية سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*]، قال ابن عطية: الأول أصح، وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة (وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)، قلت: وأظن ابن عرفة، قال عن بعضهم: أن سؤال سهيل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، [يدل على*]: أنه أعجمي وليس عربي، قال ابن عرفة: وهذا تردد ويقابل بضرره، لأن سهيلا إنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي هو أفصح [الناس فكلمه به هو وعلي بن أبي طالب*] دليل على أنه عربي، فإنكار سهل له إما محض تعنت، وإما لأنه فهم عنهما أنهما ذكراه، وتقدمه [... ] عليه، فلذلك أنكر ما قالا، قال ابن عرفة: وذكروا أن الرحمن من المجاز الذي ليست له حقيقة، حسبما ذكره ابن الحاجب، [وقال*]: وفي استلزام المجاز حقيقة خلاف العكس المستلزم لو لم يستلزم [**العربي الوضع عن الفائدة]، الثاني: لو استلزم لكان نحو قامت الحرب على ساق وشابت له الليل حقيقة، وهو شريك الإلزام للزوم الوضع، والحق أن المجاز للمفرد، ولا مجاز في التركيب، ولو قيل: لو استلزم لكان نحو الرحمن حقيقة، [**ونحو عيسى كان قريبا]، ونص إمام الحرمين والأصوليون: على أنه مختص بالله تعالى لَا يوصف به غيره، ونص أبو [... ] في أجوبته، والفارسى في شرح الشاطيبة أن المختص بالله تعالى إنما هو مجموع (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال ابن عرفة: وما شبه ذكر هذه الأشياء بغير صفة الرحمن، وما يقولونه: من أن الوجود خير كله، والعدم شر كله، على أنه قد يرد عليه أن النار شر صورة، وهي شر لَا خير فيجاب عنه: بأنه إنما تضر لانعدام ضررها المعادل لها، وهو الماء والبرد، فالشر في انعدام ضدها لَا في نفس وجودها، فمن رحمة الله تعالى بالإنسان وإرادة الخير له أنه أوجده وعلمه القرآن، وأتت هذه مفصولة بغير حرف عطف، لأن كل جملة منها مستقلة بالدلالة على كمال قدرة الله تعالى وعظمته وجلاله بخلاف ما بعدها. قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾

الرحمن 55:6

قدمت الشمس على القمر لأنها أعظم جرما، وضوء القمر مستمد من ضوء الشمس باعتبار العادة، والأمر التجريبي من الكسوفات، وغيرها لَا بالطبيعة كما يقول أولئك، وعلم الكسوفات ليس من الغيب في شيء، قال ابن عطية: قال ابن زيد: لولا الليل والنهار لم يدرك أحد كيف يحسب شيئا، قال ابن عطية: يريد من مقادير الزمان، قال ابن عرفة: فإِن قلت: أهل الجنة لَا ليل عندهم ولا نهار، فكيف [صحت النسبة إلينا في الدنيا*]، فقال: الليل عندنا نحن لأنا مكلفون بالأعمال، وأهل الجنة ليسوا مكلفين بشيء، ونجد [الإنسان*] في الدنيا إذا كان منهمكا في شهواته ولذاته، يذهل عن الأوقات ولا يعرف ليلا ولا نهارا، فأهل الجنة مشغولون بلذاتهم وتنعماتهم، لأن الدار ليست دار تكليف بوجه، قيل لابن عرفة: هلا كانت الشمس إذا وصلت حد المغيب ترجع حين ترجع إلى حد المغيب، فيعلم بذلك الأوقات، فقال: هذا ممكن ومعرفة ذلك بالليل والنهار، أمكن وأجل، وقال الغزالي: ما في الإمكان أبدع مما كان، يعني أن خلق هذا العالم لَا يمكن أن يكون أحسن من هذه الصفة التي هي مخلوق عليها، وسبقه لذلك عبد العزيز بن مكي في الحياة وألزموه النَّاس على هذا الكفر، وأنكره ابن العربي عليه وغلطه في ذلك، ذكره في سراج المريدين، وأنكره عليه أيضا أهل الأندلس، وكان ابن حمد نص على حرق الإحياء لأجل ذلك. قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [إن قلت: الآية المتقدمة قدم العلم على الإنسان لما يرجع لذاته*]، ولما هو خارج عنه، وهذه ليس [فيها*] إنعام ولا امتنان، وإنما هي إخبار عن كمال افتقار كل الحوادث إليه، فأجاب ابن عرفة: بأن [فيه*] إيماء وتذكيرا بدلالة أخرى، لأن من جملة النعم التي أنعم بها على الإنسان [العلم*]، وهو مسلوب عن النبات والجمادات، فإذا كانت تسجد وتضع له فأحرى الإنسان. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ قال ابن عرفة: قلت: ما الحكمة في رفعها مع أنه معلوم إذ لَا فائدة في قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، فالجواب: من وجهين: الأول: أن في الآية وعظا وتكليفا، والوعظ رفعه السماء إذ هو دليل على اتصافه بالقدرة وشدة البطش والتكليف، فوضع الميزان وهو العدل في الأرض. الثاني: أنه دليل على رفعها بغير عمد، كما قال تعالى (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَهَا)، بخلاف ما قيل، والسماء يحتمل أن يكون الرفع لها

الرحمن 55:9

أعمدتها كما هي الكرة لذلك، وكان بعضهم يقول: تضمنت الآية أمرين: اعتقادي عقلي، وشرعي تكليفي، قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، إيماء وإشارة إلى التذكير بالآيات السماوية الدالة على الوحدانية، والإيمان بها. قوله تعالى: (وَوَضَعَ). راجع إلى التذكير إلى الأمور الشرعية التكليفية، قال ابن عطية: قيل: هو الميزان حقيقة، وقيل: المراد الأخص منه، وهو الكيل إما بالميزان، أو بالكيل، وقيل: المراد الأعم، وهو مطلق [العدل*]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ تأكيد المقام الوعظ والتكليف، وتخسروا من خسر، قال أبو حيان: وقرأ [الجمهور*] بضم التاء من أخسر، أي نقص، وقرأ زيد بن علي بفتح التاء من خسر يعني أخسر [كجبر وأجبر*]، وحكى ابن جني عن بلا فتح التاء والسين مضارع خسِر بكسر السين، وخرجها الزمخشري: على أن التقدير في الميزان محذوف الجار ونصب، ورد بأنه قدح متعدٍّ بنفسه، كقوله تعالى: (خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)، (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، فلا حاجة إلى تقدير حذف الجر. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ وقال ابن عطية: الفخار [الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم*]، وقال الزمخشري: [الفخار*] الطين المطبوخ بالنار، وهو [الخزف*]، قال ابن عرفة: تفسير الزمخشري أحسن، وأما تفسير ابن عطية، فيجيء فيه [تشبيه*] الشيء بنفسه، أو يلزم عليه أن تكون الطينة التي خلق منها آدم عليه السلام ليست طيبة الرائحة؛ بل منتنة، قال الفخر ابن الخطيب: إن كل إنسان مخلوق من التراب، لأن أصله من النطفة، والنطفة [مكونة*] عن الغذاء، والغذاء من النبات، والنبات من التراب، ورده ابن عرفة: بأن المراد أصل الخلق، وهذه فروع عنه، قال ابن عرفة: وسيقت الآية لبيان والاستدلال على وجود الصانع وقدرته، وأن الإنسان يستحضر أول مرة [تكونه وانتقاله من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى وجود*]. قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾ قال ابن عرفة: جمع الآلاء مع أنها نعمة واحدة، وهي نعمة الإيجاد والإبراز من العدم، قال: وأجيب بوجهين:

الرحمن 55:24

الأول: السؤال ما يرد إلا على قول من يقول: إن الموجود مشترك بين الجميع، وليس هو غير الموجود، وأما على القول بأن الوجود عين الموجود، فيكون لكل واحد وجود مفرد يخصه، فتعددت الموجودات فهي حينئذ [... ] متعددة، وهو الصحيح. الجواب الثاني: أنه من عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة كيفية الإيجاد، قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)، إذا كان قائلا على أن يخلق على صورة حمار، قال ابن عرفة: وكرر هذا اللفظ في هذه السورة لأمرين: إما لأن كل واحدة نعمة راجعة لما قبلها، فهي تأسيس لَا تأكيد، وإمَّا بأنها تأكيد كذا قال ابن عطية، وقال القرافي في شرح المحصول في اللغات، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أجمع الأدباء على أن التأكيد، لَا يكون أكثر من ثلاث مرات، وقال في شرح [؍ ] اتفقوا على كذا، ولم يقيده بالأدباء.؍ وقال ابن عرفة: إنما ذلك في المتواليات، وأما حيث يقع الفصل فيحسن تكرار التأكيد خشية نسيان المخاطب، وذهوله بالفاصل عن استحضار مدلوله التأكيد، قال: فما ورد في سورة الرحمن، إنما هو تأسيس لَا تأكيد، قلت: وقال ابن السيد: في [سؤالاته*]، وأما قوله في آخر كل آية من هذه السورة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، فاعترضه الملحدون بأن الآلاء النعم، فكان يجب أن لَا يذكر إلا بعد ما فيه نعمة مع أنها ذكرت بعد قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ)، قال: والجواب عنه: أن من أنذرك وخوفك من عاقبة ما تصير إليه فقد أنعم عليك ألا تراه، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقد علمنا أنه [... ] لمن آمن، وقدم لمن كفر فحصل الإنذار رحمة كما جعل البشير، وكذلك قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) وقوله تعالى: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)، فيه إنعام على الخلق، حين علمهم ما كانوا يجهلونه، وحذرهم ما يمرون إليه، وقد جعل الله التحذير مرادفة، بقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) انتهى. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ... (٢٤)﴾ قال ابن عطية: قال مجاهد: ما له شراع فهو من المنشآت، وما ليس له شراع فليس من المنشآت، قال ابن عرفة: الشراع القلع، وما يشبه الأعلام، إلا إذا كانت بالقلاع، فيظهر من بعيد كالجبل، وحينئذ فيكون فيها كمال الاتعاظ، وأفاد أن هذا

الرحمن 55:26

الخلق ملك الله تعالى ففيها رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله وبالتولد، وأن صنعة النجارة متولدة عن فعل العبد، وفعل العبد مخلوق للعبد. قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الضمير عائد على الأرض، واستثنى بعضهم من هذه الأرواح بأنها باقية بقاء الله عز وجل، وعجْب الذَّنَب لما ورد في الحديث: "إنه يفنى من ابن آدم كل جسده إلا عجْب ذَنَبه"، والذَّنَب وهو قدر مغرس الإبرة، ولهذا يقف بعض الفراعنة، قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ)، ومنها ما يبقى، فإن قلت: لم عبر بـ (مَنْ) وهلا عبر بما فإنها أعم لوقوعها على ما لَا يعقل، فالجواب: أنهم ما خالفوا إلا في بقاء من يعقل، لأن الفلاسفة يقولون: إن علم الإنسان لَا يفنى، وأنه لَا يزال باقيا، فإن قلت: لم عبر بالاسم في قوله تعالى: (فَانٍ)، وبالفعل في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، والعكس أولى، فإن البقاء وصف ثابت، والفناء متجدد، فالجواب: أنهم لما خالفوا في الفناء أتى بلفظ الاسم المقتضي للثبوت، والبقاء الثابت لَا يحتاج إلى التغيير فيه بالاسم، وفيه إشارة إلى تصحيح مذهب من يقول إن العرض ما يبقى زمنين، وأنه في كل وقت ينعدم، ويأتي غيره، قال ابن عرفة: المراد البقاء العقلي الذاتي، وهو من خواص القديم، وأما البقاء الشرعي السمعي فيكون من الحوادث كنعيم الجنة، وعذاب أهل النار، فإنه دائم غير منقطع، واعتزال الزمخشري في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، فقال: ومعناه الذي محله الموجودون عن التشبيه بخلقه، وعن أفعالهم، والذي يقال له: ما أجلك وما أكرمك. أو من عنده الجلال والإكرام [للمخلصين*] من عباده، قال ابن عرفة: ونحن نقول مسنده إلى الله تعالى قبحها وحسنها، والجميع حسن عقلا، ولذلك قوله في الصفات. قوله تعالى: (ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ). فسره الزمخشري: بثلاثة أوجه: الأولان: لأن فيه شبه الإضافة إلى الفاعل، والأخير فيه شبه الإضافة إلى المفعول، وعقبه بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، لأن التشبيه على استحضار بقاء الله تعالى واتصافه بالجَلال والإكرام نعمة وتفضيلا، قيل له: وكذلك الفناء لحديث: "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، [وَجَنَّةُ*] الْكَافِرِ"، فقال: لَا يحتاج إلى هذا ومناسبتها مع آخر الآية يكفي ويكون في أول الآية وعظ وتخويف، وفي آخرها نعمة وامتنان. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ... (٢٩)﴾ وقال أبو حيان: هو استئناف، وقيل: حال من الوجه، والعامل فيه (يبقي) وهو بعيد، قال ابن عرفة: لأن السؤال في الدنيا، وحينئذ لم يكن ثم مخلوق، بل يكونوا فنوا وماتوا كلهم، قلت: وأجاب الفخر: بأن السؤال من الملائكة بعد فناء أهل الأرض يقولون: ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يشاء، ثم يموتون بعد ذلك، فإن قلت: إن السؤال في الدار الآخرة، قلنا: الآية إنما جاءت لبيان كمال الخضوع والافتقار، والسؤال النافع إنما هو في الدنيا لَا في الآخرة، قال ابن عرفة: وجاهدا على الاصطلاح الذي قال الحوفي في الجمل: إن الطلب إن كان من الأدنى إلى الأعلى فهو سؤال ويسميه الآخرون دعاء. قوله تعالى: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ). إن كان المراد بالسؤال بلسان الحال، وهو الخضوع والافتقار، فتكون من عامة في العاقل وغيره، والجمادات وغلب من يعقل ولاسيما على القول، بأن الأعراض لَا تبقي زمنين، وكل جوهر في كل زمن مفتقر الإمداد بالعرض، وإن كان المراد السؤال بلسان المقال، فيكون المراد العاقل حقيقة وتبادل غير العاقل باللزوم، لأن السؤال يستلزم الافتقار والحاجة، وإذا كان العاقل مفتقرا محتاجا مع إمكان توهم قدرته على الضر والنفع، [فأحرى*] غير العاقل. قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). قال الزمخشري: يسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم، قال ابن عرفة: هذا اعتزال، لأن الملائكة معصومون فهم محتاجون إلى السؤال في الأمر الدنيوي، قال ابن عرفة: ولم يزل الشيوخ يخطئون من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، قال قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) كانا عاملين بالسحر، ولم يعملا به لأن الملائكة معصومون. قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). قال ابن عرفة: هذا تقرر في أصول الدين أن الزمان تارة يضاف إلى [خاص]، لأن الله تعالى يستحيل عليه الزمان، قال ابن عطية: قال النقاش: إن سبب [هذه*] الآية قول اليهود إن الله استراح يوم السبت، فلا ينفذ فيه شيئا، قال ابن عرفة: اليهود هم [... ]، لأن الرحمة من عوارض الأجسام، وهذه الآية ترد على اليهود، فإِن المراد باليوم الوقت، وإذا كان في كل وقت، وإن دق في شأن، فأحرى أن يكون في يوم السبت في

الرحمن 55:31

شأن، قيل لابن عرفة: [فقبل أن يخلق الزمان*]، فقال: الشؤون هي الحوادث، فقيل: خلق الزمان ثم [الشؤون*]، قال: وهذه المسألة غلط فيها الإمام فخر الدين في [المحصول*]، لأنه قال في الركن الثاني في تقسيم الموجودات ما نصه: قال المتكلمون: معنى كون الله قد [... ] قدر لنا أزمنة لَا نهاية لها لكان الله موجودا معها بأسرها، [ومما يعزز*] ذلك أنه لو اعتبر الزمان في ماهية الحديث وانعدم لكان ذلك الزمان إما قديما، أو حادثا، فإن كان قديما مع أنه ليس في زمان، فقد صار القدم معقولا من غير اعتبار الزمان، وإذا عقل تلك في موضع فلم يعقل في كل موضع، فإِن كان حادثا لم يعتبر في حدوثه زمان آخر لاستحالة أن يكون للزمان زمان آخر، وإذا عقل الحدوث في نفس الزمان من غير اعتبار زمان قليل معه في سائر المواضع، انتهى، قال ابن عرفة: قوله لكان الله موجودا معها غلط فاحش، ولم يقل أحد من المتكلمين، بل قالوا: إن الله موجود قبلها، ولو قدر قبلها زمان فالله تعالى موجود قبله، وتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية له، ونعوذ بالله من زلة العالم، وقوله: إذا عقل إذ [... ] في كل موضع لَا نسأله، ومن أين نأخذه، قال ابن عرفة: والصواب أنه لَا يقارن الزمان لَا في الوجود، ولا في التقدير بوجه، وما أحسن قول الإمام المهدي في عقيدته حيث قال: لَا يقال: متى كان، ولا أين كان، ولا كيف كان، ولا مكان دبر الزمان، ولا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، قال: ولذلك غلطه الفخر في المعالم في المسألة الخامسة من الباب الأول التي أولها حكم [صريح العقل*]، بأن كل موجود، إما واجب لذاته، أو ممكن لذاته [... ]، ابن التلمساني: هنالك في شرحه، فقال: على أثناء كلامه، ولما اعتقد الفخر صحة الجملة التي ذكرها، أو استعمل نظرة المتقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى استشعر النقص بصفات الله تعالى، فقال: مرة هذا مما نستخير الله فيه، [وجزم أخرى*]، وصرح بكلمة لم يسبق إليها، فقال: هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته، وهو ظاهر قول الفلاسفة: فالسر أن العالم ممكن باعتبار ذاته واجب بوجوب مقتضية، ونعوذ بالله من زلة العالم، انتهى. قال ابن عرفة: وقرر في علم المنطق أن الأسرار ثلاثة كل [كقولك*] كل أعضاء الإنسان بدون، وكلي كذلك إنسان نوع من أنواع الحيوان، وكلية كقولك: كل إنسان شخص موجود في زمان ما، وهذا في الآية كلية، ولما حكى الشاشي قضية امرأة عثمان، وأن عبد الرحمن استوثق من علي، ومن عثمان ثم بايع عثمان، فمد عليٌّ يده، وهو يقول (كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾

الرحمن 55:33

هذا الوعظ والتخويف كما يقول أحدنا لصاحبه سنترك [... ]، ونتفرغ إليك، فهو داخل في باب الوعظ والتخويف، [والإله*] قيل: لَا يشغله شأن عن شأن [**قبله]، إشارة إلى أنه لَا يخفي عنه خافية ولا يعجزه شيء، قيل لابن عرفة: فهو دليل على القاضي أبي بكر الباقلاني القائل: [**بأن بلغ مطلقا لَا يبعث] فقال: المشهور أنه يبعث، فقال: المشهور أنه يبعث، أو نقول: بأن [... ] مخصوصة به وبمن ليس له ذنب، قيل له: ما حكمه تعقبه بالآلاء، أو النعمة فيه، فقال: هذه غاية النعمة، لأنك إذا زجرت مخاطبك عن فعل، وخوفته بالعقاب عليه، ثم قلت له: سنفرغ إليك بنفس الانتقام منك، يكون أقمع وادعى إلى الانزجار عما هو بصدده. قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ قال ابن عرفة: جعله ابن عطية نفوذاً معنويا ذهنيا، باستعمال [الفكر*] في السماوات والأرض ليتوصل بذلك إن تحصيل المعلوم، فتكون الآية إلى الأمر الدنيوي، وجعله الزمخشري نفوذا حسيا باعتبار الهروب والسير والشيء فيها، فيكون أمرا آخر، وبإحالة إنذار من عذاب الآخرة، قال ابن عرفة: ويكون جملة على الأمرين إن كان النفوذ للقدر المشترك بينهما، فهو الذهاب الحسي والمعنوي، ويصح هنا لأنه في سياق النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، لأن الآية في معنى نفي الاستطاعة عنهم، وإن كان المراد بالنفوذ الأمر الأخص بكل [واحد من ذينك تحسين*]، فيكون لفظا مشتركا فيجيء فيه تعميم اللفظ المشترك، لكنه في سياق النفي فهو أخف من الإثبات، قال ابن عرفة: قيده بالاستطاعة، ولم يقل إن قدرتم، مع أن القدرة أعم لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ففاعل الشيء بمشقة قادر غير مستطيع، فأما أن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، قيل له: يبقي القدرة مع مشقة، فقال. يقول: أنهما متساويان، والقدرة أخص. قوله تعالى: (مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). قال: من لابتداء الغاية وانتهائها، قيل: إن كان النفوذ الحسي فظاهر، وإن أريد النفوذ المعنوي فلا مبدأ له ولا منتهى له، لأن مبدأه من النظر في السماوات والأرض الحسية، ومنتهاه الأمور المعنوية، وهي من غير كرة، فقال ابن عرفة: هي منفية من باب أحرى، لأنهم إذا عجزوا بعدم القدرة عن النظر في الأمر الحسي فقط، فهو شيء واحد، فأحرى أن يعجزوا عن النظر الحسي والمعنوي (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)، فقدم الإنس على الجن،

الرحمن 55:35

فأجاب ابن عرفة: بتعجيز الفصاحة في الكلام والبلاغة، وأكثر ما عهدت من الإنس وهذه تعجيز فالقدرة والقوة وأكثر ما عهد ذلك من الجن. قوله تعالى: (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ). إن أريد الأمر المعنوي فالسلطان حجة، والدليل المعنوي، وإن أريد الحسي والسلطان الملك، والدليل الحسي. قوله تعالى: (لَا تَنْفُذُونَ). في موضع الحال، قيل لابن عرفة: يلزم عليه المفهوم، فيكون مفهومه أنهم لا يعجزون عنه حالة نفوذهم، فقال: السالبة الجزئية عندهم دائمة بالإطلاق، يقول: لا شيء من الإنسان حمار، قال: ووجه تعقيبها بالآلاء، لأن العاجز عن القيام إذا بطل لنفسه، وكونه قادرا على القعود يستحضر أنه لو كانت قدرته على القعود مستندة لنفسه أقدر على القيام، فدل على أنه لَا حكم، وأن الله تعالى هو الذي أقدره على القعود فحمد الله تعالى على تلك النعمة، وكذلك استحضارهم العجز والقصور عن ذلك سبب في حصول الاتعاظ لهم، والانزجار، وهذه فائدة عظيمة، قيل لابن عرفة: فعلم المنجمين هل هو من هذا؟ فقال: إنما مستندهم فيه لأمور عادية [**تجر بعينه، أو يقول إنه عيب فهو منفي بالآية]. قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ قيل لابن عرفة: الضمير جمعه أولا، فقال: (إن استطعتم أن تنفذوا... فانفذوا) وثناه ثانيا، فقال: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا)، فأجاب: بأنه أراد أولا الأشخاص، وهي كثيرة، وثانيا نوعي الجن والإنس، ووجهه أن التعجيز لأشخاصهم، وكل واحد لَا يستطيع النفوذ وإرسال النار على مجموعهم لَا على فرد، لأن فيهم الصالحون والأنبياء فيكون الأول كلية، والثاني كل، قيل لابن عرفة: يلزمك على هذا المفهوم في الأول، إذ لا يلزم من عجز كل فرد عن النفوذ، فقال ابن عرفة: الكلية تستلزم الكل، قيل له: الكلية لا تستلزم الكل، فقال: هذا يستلزم أليس عندنا أن السالبة الكلية ناقضها الموجبة الجزئية، فإذا قلت: [أي شيء من الإنسان حجر*] لزم أن لَا يكون مجموع الإنسان حجرا، قيل له: [**هذا في ذلك يقال]، وقد يقول لَا شيء من بني تميم يرفع الصخرة العظيمة، فلا يلزم الكلية [للكل*]، لأن مجموعهم رفعها، قال ابن عرفة: كون الآية من المقال الأول الذي يستلزم فيه الكلية [للكل*]، وأجاب بعض الطلبة: بأن القضية [هكذا*] في الآية كانت كلا فدخل السلب عليها فنفاها باعتبار الكلية، والكل بخلاف قولك: الإنسان يرفع الصخرة العظيمة، فإنه كل يدخل السلب عليه فنفى

الرحمن 55:37

الكلية، قيل لابن عرفة: إن كان المرسل إليه لزم الإرسال المقصود به الجميع، فكيف يكون المقصود به الجمع، ويقع البعض قرب البعض، فقال: إما كون من الله تعالى ومن يقصد منه إلا البعض، أو يكون أمر الله مَلكا بإرسال العذاب عليهم وقصد الملك بإرسال الجميع، ووقع العذاب بالبعض دون البعض. قوله تعالى: (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ). قيل: لونه أخضر، قال ابن عرفة: ولذلك نجده [في لونه*]: إذا عمله في [**النار يظهر تارة لوقته]، وتارة لخضره. قوله تعالى: (وَنُحَاسٌ). قيل: هو الدخان، قال ابن عرفة: كانوا في العهود القديمة في تونس يسمون سوق الغلالين الذي بخارج باب قرطبة سوق النحاس، لكثرة الدخان فيه. قوله تعالى: (فَلا تَنْتَصِرَانِ). قيل لابن عرفة: انتصر مطاوع انتصره، فانتصر فيستلزم الطلب بنفي استلزام الطلب من الجانبين، وهو حصول النصرة عن طلب من الجانبين فتبقى النصرة على غير طلب غير منفية، فقال ابن عرفة: تنفى من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ الفاء للتعقيب، فإن قلت: لم أفرد السماء، وعرف القرآن جمعها، فأجاب ابن عرفة: بأن السماوات مختلف فيها، فمذهب أهل السنة أنها مفترقة بعضها من بعض، وبينها [**نصا، وخللا كثيرا]، ومذهب المعتزلة أنها متلاصقة مختلطة، فلو قال: إذ شقت السماوات لتوهم انشقاقها بانفصال بعضها من بعض، وأجاب بعض الطلبة: بأن المراد السماء المعهودة التي نحن نشاهدها، وهي سماء الدنيا، ورده ابن عرفة: بأن هذا إخبار عن حال الآخرة لَا عن حال الدنيا، وأجاب غيره: بأن إفرادها إشارة إلى أنه إذا كان انشقاق الواحدة منها أمرا [مهولًا مفزعًا*]، فأحرى المجموع وشبهها بالوردة في الإنسان، لأنه مناسب للون النار التي يقع بها العذاب حينئذ، قال ابن عرفة: وانظر هل التشبيه راجع [إلى الوردة*]، فهل المراد أنها مشبهة بالوردة ولونها، [أو أنها*] مشبهة بالوردة المشابهة للدهان، يحتمل الأمرين، فإِن قلت: هذا قياس على الفروع، وهو ممنوع عندهم، قلت: إنما ممنوع في القصة، وأما في الأصول فهو جائز، ويكون القياس على الفرع حتى [**نشر الفرع]، قيل له: هلا شبهه بالدهان من غير قياس، ولا فائدة،

الرحمن 55:39

إذن في تشبهها بالوردة، فقال: شبهه بالوردة المشابهة للدهان، ولو اقتصر على تشبهها بالوردة، لأفاد الاحمرار فقط، وذكر الدهان يفيد الاحمرار والرطوبة. قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ﴾ التنوين عوض لها من انشقت، أو من كونها وردة، قيل لابن عرفة: هما متلازمان فقال: بل بينهما مختلف، بدليل عطفهما بالفاء، قال: ويحتمل أن يريد المجموع، أي فيومئذ يرجع ذلك كله، قال: وهذا نظير مسألة وردت من بجاية في مفقود، أخذ القاضي فيه بمذهب ابن القاسم، أنه معمر سبعين سنة، وأثبتوا أن عمره يزيد على السبعين، وحكم القاضي بموته فورثه ابن عم له موجود حينئذٍ، ثم وجد له ابن عم آخر أقرب من الأول، وادعى أن أباه حيا عند بلوغ المفقود سبعين، وأنه يحجب هذا ابن العم الموجود الآن، وأثبت ذلك بالبينة، وطلب الاختصاص بميراث ابن عم أبيه، فهل يرث المفقود ابن عم الموجود حين بلوغه السبعين؟ أو ابن عم الموجود حين الحكم [بموته*]، والمسألة وقعت نظيرتها في كتاب العتق الأول من المدونة فيما إذا أعتق نصف عبده، ثم فُقِدَ السيد، لم يعتق باقيه في ماله، [وأوقف ما رق منه؛ كأنها في ماله إلى أمد لَا يجيء بمثله، فإذا بلغ تلك المدة جعلنا ماله لورثته حينئذٍ، فتكون لوارثه يومئذ إلا أن تثبت وفاته قبل ذلك، فيكون لوارثه يوم صحة ثبوته*]، وظاهرها أن ماله لابن عمه الأول (١)، لكن أجاب ابن عرفة: بأن ثبوته حينئذ يحتمل أن يكون عوضا من جملة [جعلنا يوم الحكم لَا من جملة بلوغ تلك المدة*]. قوله تعالى: (إِنْسٌ). قال الزمخشري: أي بعض الإنس، أو بعض الجن، قال: وهذا يحتمل أن يكون البعض الآخر، يسأل ولا يسأل، لأنه قد تفرد في علم المنطق، أن ليس بعض قد تكون مبالغة كلية، فيقتضي السلب الكلي، قيل: لو أراد هذا لأخرج الآية عن ظاهرها، ولم يقل: معناه بعض النَّاس، فقال: فسره بذلك ليفيد الجواب: عن سبب نسبه الضمير في قوله تعالى: (رَبِّكُمَا)، قيل له: يفيد هنا أن يقول المراد لَا نسأل [أحدا*] من الإنس عن ذنبه، فقال: كلامه محتمل للتعبيرين، قال: وما لَا ذنب له [تتناوله الآية، ويكون كقوله*]: "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ" قال الزمخشري في قوله (كَالدِّهَانِ)، فقال: هو من الكلام الذي يسمى التجريد كقوله: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ؍ تَحْوِي الْغَنائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ؍ قال ابن عرفة: أراد أنه جزء من الوردة يعني الدهان فقط، ومثله ابن مالك بقوله: (١) نص المسألة في المدونة هكذا: "أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقَ رَجُلٌ نِصْفَ عَبْدِهِ وَالْعَبْدُ جَمِيعُهُ لَهُ ثُمَّ فُقِدَ الْمُعْتِقُ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَالُ الْمَفْقُودِ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ السِّنِينَ مَا لَا يَجِيءُ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ تِلْكَ الْمُدَّةَ جَعَلْنَا مَالَهُ لِوَارِثِهِ يَوْمَئِذٍ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ جَعَلْنَا مَالَهُ لِلَّذِينَ كَانُوا يَرِثُونَهُ يَوْمَ مَاتَ، فَهَذَا الْمُعْتَقُ أَرَى أَنْ يُوقَفَ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ يَكُونُ هَذَا النِّصْفُ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا النِّصْفُ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ مِنْ الْعَبْدِ لَمْ يَرِثْ الْمَالَ قُلْتُ: وَلَا يُعْتِقُهُ فِي مَالِهِ؟ قَالَ: لَا، لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَحَيٌّ هَذَا الْمَفْقُودُ أَمْ مَيِّتٌ فَلَا يُعْتَقُ فِي مَالِهِ بِالشَّكِّ". اهـ.

الرحمن 55:41

[... ] ومثلوه أيضا بقوله تعالى: (جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ). قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال الفخر [**في مقاربة المعقول]: المعرفة من باب التصورات، والعلم من باب التصديقات، وكذلك قال ابن الأنباري في شرح البرهان، والقرافي في شرح المحصول، ورد ابن عرفة: بأن القائل: عرفت زيدا حسن، أن يقال له: صدقت أو كذبت وقد فرق المنطقيون بين التصور والتصديق، فجعلوا الصدق والكذب من عوارض التصديق لَا من عوارض التصور، قيل لابن عرفة: إن ابن العربي جعل العلم والمعرفة شيئا واحدا، ذكر ذلك في شرح الأسماء الحسنى فأنكر ابن عرفة، وقال: خالفت فيه النَّاس النحويون والأصوليون، فإنهم قالوا: لَا يصح خلق المعرفة على الله تعالى؛ لأنها توهم تقدم الجهل، وأنه كان العلم أولا ثم عرض عنه [سهوا ونسيانا*]، ثم في المعرفة بعد ذلك، وعليه قال صاحب الجمل في قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم)، لَا تعرفونهم الله يعلمهم، وهذا من حيث الإطلاق فقط، قال ابن عرفة: ففي الآية مأخذان فرعي وأصولي، أما الفرعي فالاكتفاء في أداء الشهادة بالصفة، وهو أن الشاهد إذا رأى شهادته وخطه وعاين صفات المشهود عليه، وقابلها مع ما في الوثيقة، فعلم أنه هو الذي شهد عليه، وأنه يؤدي شهادته، ويقوم بها، ووجه الدليل من الآية أنها اقتضت كون المعرفة بالسيماء سببا في الأخذ بالنواصي والأقدام، قيل لابن عرفة: السيماء هنالك لَا [تتشابه*] على الملائكة، وفي الدنيا تجد الصفات متشابهة، وكثير من النَّاس تتفق صفاتهم، فقال: بين إدراك المشابهة صفة المشهود عليه، وبين حصول العلم له بعد إدراكها أنه هو الذي كان شهد عليه فما كلامه فيه إلا بعد حصول العلم بذلك، وأما قبله فلا خلاف، أنه لَا يحل له، أو لشهادته، قال: وإنما الجواب: أن الدار ليست دار تكليف دار الدنيا، وأما الأصولي فهو التعريف بالخاصة، وقد ذكروا ذلك في المعرفات، والصحيح عندهم جوازه، ونقل ابن الحاجب وغيره عن تفسير السمرقندي منع التعريف بالمفرد، أما الجنس وحده أو خاصة وحدها، قال: والمتقدمون لم يكونوا يعرفون بذلك، وإنَّمَا يعرفون بالمركب من الجنس والخاصة، واختاره ابن الشيرازي شارح ابن الحاجب، والكل على خلافه، لأنهم ذكروا في المعرفات الرسم الناقص. قوله تعالى: ﴿هَٰذِهِ جَهَنَّمُ﴾

الرحمن 55:44

أي يقال لهم: هذه جهنم، فالمشار إليه حسي حاضر في الوجود، ويحتمل أن يكون حاضرا في الذهن، ولا يحتاج تقدير القول. قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾ أي بين [نارها*] وبين حميم. قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ يحتمل أن يكون كلية، أو [كلًّا*]، أي لكل الخائفين جنتان، أو لكل واحد جنتان، وهذا [وجه*] ووجه الأول أن يكون كليا، [وتثْنيةُ (جَنَّتَان) باعتبار*] النوع، وإلا فالجنات أكثر من ذلك، وعلى الثاني تكون جنتان [للشخص*]، فيكون لكل واحد جنتان لا يشاركه فيهما غيره، قال ابن عطية: فإضافة القرب فيهما معنوية، أي تهويل ومهابة، كقولك: عبد الخليفة وعبد الحجاج، فالإضافة تكسب المضاف إليه، مهابة أو [تحقيرا*]، قال ابن عرفة: واسم الرب دليل على أنه إذا خاف مع استحضاره وصف الحال، فأحرى مع استحضاره غيره، قال ابن عرفة: وعندي في الآية حذف تقديره، ولمن خاف هول مقام ربه، قال: فإن قلت: لما عبر بالفعل؟ فهلا قال: وللخائف مقام ربه؟ قال قلت: هذا إدخال في باب الرجاء والطمع، إشارة إلى حصول ذلك، لمن اتصف بمطلق الخوف لَا مبالغة. قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ مع أن سمى العين لَا تصدق [إلا على الجارية*]، والماء الراكد ليس بعين، إشارة إلى أن المراد تجريان حيث يريدون، فذكر الفعل دليل على هذا القدر. قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ قال ابن عرفة: يحتمل أن يراد أن طعام أهل الجنة كله فاكهة، ويحتمل أن يكون اكتفى يذكر الفاكهة عن ذكر الطعام والشراب المحصل للقوت، قيل له: إن أهل الجنة ليس فيها ألم حيث يحتاج فيها إلى الطعام المحصل للقوت، فقال: يحتمل أن يكون نفي الألم لملازمة الطعام والشراب، كما نجد بعض النَّاس في الدنيا لَا يذوق في عمره ألم الجوع. قوله تعالى: (زَوْجَانِ). قال الزمخشري: ثناهما باعتبار القرابة والكثرة، فأحدهما أكثر معهود في الدنيا، والآخر غريب لم يكن بمعهود في الدنيا، وإلا فقد نجد في الدنيا من كل فاكهة

الرحمن 55:54

أزواجا، قال ابن عرفة: ويكون التنبيه للكثرة مثل (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)، قيل لابن عرفة: هذه الآية تدل على أن الأفنان في قوله تعالى: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)، جمع فن، فتكون تلك أخبرت عن الأغصان، وهذه عن الفاكهة التي في الأغصان، ولو كانت جمع فن للزم عليه التكرار من هذه. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ﴾ قال ابن عرفة: الاتكاء في الفراش على المرفقة لَا على الفراش، لكن لما كانت المرفقة موضوعة على الفراش استلزمتها، وهذه من لذات الآخرة، وهي في الشرع في الدنيا مكروه حالة الأكل، وقال الغزالي في الإحياء: يجوز الاتكاء في حالة التفكه، ولا يجوز في حالة أكل كل الطعام القوت، واحتج برواية نقلها عن علي وغيره، وإن كانت أدلة الإحياء ورواياته فيها الصحيح، وغيره. قوله تعالى: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ). قال أبو حيان: قرئ (وجنى) بالإمالة، قال ابن عرفة: وهذا الذي ذكروا أنها إمالة، ابن عرفة: [**لا تسمع الإمالة إلا في الراء والنون]. قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قاصرات أطرافهن على أزواجهن، أو قاصرات أطراف أزواجهن عليهم. قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ). قيل لابن عرفة: ما أفاد (قبلهم)، فقال: لاحتمال أن يكون صاحب المنزلة العليا اقتضها، أعني الحور العين، وعرض الأعلى منها، ودفعت هي لمن دونه في المنزلة، فأفاد هذا الاحتمال لكونه. قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). قال ابن عرفة: انظر قول الله عز وجل، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، فإن المحكوم له هناك أخص وهي كونه من المأوى، وأجاب بعضهم: بأن في تلك الآية تكرمة، فحاصله أنه هناك يرجع إلى الكمية، وهنا إلى الكيفية، لكنه يرد هنا سؤال، وهو لم حكم له هناك بالكمية، وهو هنا بالكيفية؟ قوله تعالى: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ).

الرحمن 55:60

الظاهر عندي أنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن بكمال حسنهن، لَا ما ذكره المفسرون من كونهن مقصورات على الأزواج، ولا يلزم من قصرهن عليهم كمال حسنهن، فإِن المرأة الشوهاء قاصرة على زوجها مع انتفاء الحسن عنها، [بل*] المعنى أنهن يقصرن طرف أزواجهن عليهن بحسنهن، بحيث لَا يبقى للزوج تشوق إلى غيرهن. قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ). قيل لابن عرفة: النفي الماضي تحقيقا أو تقديرا، فما فائدة قولهم [قَبْلَهُمْ) *]: فائدته تشريف الأزواج والاعتناء بهم أولا فوقع الإطناب بتشريفهم ثانيا. قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ قال ابن عرفة: قدرها بعضهم على أنها تأكيد وزيادة تنصيص في النعم، لأنه قد تقدم (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، موصوفان بأنهما ذواتا أفنان، فإِن فيهما عينان وزيادة تنصيص في النعم، لَأنه قد تقدم بأن ذلك كله إحسان من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ قال بعضهم: لَا نسلم أنه من عطف خاص على عام، بل من باب عطف مخالفان، فإن الفاكهة ما يتفكه به، والنخل المعطوف المراد به الشجر لَا ثمرها. * * *