تفسير مقاتل بن سليمان — ص 38:1 – محمد 47:38
المحتويات
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:79
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
- غافر 40:84
- غافر 40:85
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:2
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
ص 38:1
سورة ص مكية، عددها ثمان وثمانون آية، كوفي
﴿ص والقرءان ذي الذكر﴾: يعني ذا البيان.
ص 38:2
﴿بل الذين كفروا﴾ بالتوحيد من أهل مكة ﴿في عزة﴾ يعني في حمية، كقوله في البقرة :﴿أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة :206] الحمية ﴿وشقاق﴾: اختلاف.
ص 38:3
ثم خوفهم، فقال جل وعز :﴿كم أهلكنا من قبلهم﴾ من قبل كفار مكة ﴿من قرن﴾ من أمة بالعذاب في الدنيا، الأمم الخالية ﴿فنادوا﴾ عند نزول العذاب في الدنيا ﴿ولات حين مناص﴾ آية يعني ليس هذا بحين قرار فخوفهم لكيلا يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم.
ص 38:4
ثم قال جل وعز :﴿وعجبوا أن جاءهم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿منذر منهم﴾ رسول منهم ﴿وقال الكافرون﴾ من أهل مكة ﴿هذا ساحر﴾ يفرق بين الاثنين ﴿كذاب﴾ آية يعنون النبي صلى الله عليه وسلم حين يزعم أنه رسول.
ص 38:5
﴿أجعل الآلهة إلها وحدا إن هذا لشيء عجاب﴾: وذلك حين أسلم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فشق على قريش إسلام عمر، وفرح به المؤمنون.
ص 38:6
﴿وانطلق الملأ منهم﴾: وهم سبعة وعشرون رجلا، والملأ في كلام العرب الأشراف منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأبي ابنا خلف، وغيرهم، فقال الوليد بن المغيرة :﴿أن امشوا﴾ إلى أبي طالب ﴿واصبروا﴾: واثبتوا علي عبادة ﴿آلهتكم﴾. نظيرها في الفرقان :﴿لولا أن صبرنا عليها﴾ [الفرقان :42] يعني ثبتنا، فقال الله عز وجل، في الجواب :﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم﴾ [فصلت :24]، فمشوا إلى أبي طالب، فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وسيدنا في أنفسنا وقد رأيت ما فعلت السفهاء وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه، فقال أبو طالب: هؤلاء قومك، يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وماذا يسألوني"؟ قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم :" أعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدن لكم بها العجم"، فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشرا معها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" قولوا لا إله إلا الله" فنفروا من ذلك، فقاموا، فقالوا: أجعل، يعني وصف محمد الآلهة إلها واحدا أن تكون الآلهة واحدا ﴿إن هذا لشيء﴾ الأمر ﴿يراد﴾.
ص 38:7
﴿ما سمعنا بهذا﴾ الأمر الذي يقول محمد ﴿في الملة الآخرة﴾ يعني ملة النصرانية، وهي آخر الملل لأن النصارى يزعمون أن مع الله عيسى ابن مريم، ثم قال الوليد :﴿إن هذا﴾ القرآن ﴿إلا اختلاق﴾: من محمد تقوله من تلقاء نفسه.
ص 38:8
ثم قال الوليد :﴿أأنزل عليه الذكر﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿من بيننا﴾ ونحن أكبر سنا وأعظم شرفا، يقول الله عز وجل لقول الوليد :﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ يقول الله تعالى :﴿بل هم في شك من ذكري﴾ يعني القرآن ﴿بل لما﴾ يعني لم ﴿يذوقوا عذاب﴾ آية مثل قوله :﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات :14]، يعني لم يدخل الإيمان في قلوبكم.
ص 38:9
﴿أم عندهم خزائن رحمة ربك﴾ يعني نعمة ربك، وهي النبوة، نظيرها في الزخرف: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك﴾ [الزخرف :32]، يعني النبوة يقول: بأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة، فيضعونها حيث شاءوا، فإنها ليست بأيديهم ولكنها بيد ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الوهاب﴾ آية الرسالة والنبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ص 38:10
ثم قال :﴿أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ يعني كفار قريش يقول: ألهم ملكهما وأمرهما، بل الله يوحي الرسالة إلى من يشاء، ثم قال :﴿فليرتقوا في الأسباب﴾: يعني الأبواب إن كانوا صادقين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم تخلقه من تلقاء نفسه، يقول الوليد: ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ الأسباب، يعني الأبواب التي في السماء، فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ص 38:11
ثم أخبر عنهم، فقال :﴿جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾: فأخبر الله تعالى بهزيمتهم ببدر، مثل قوله :﴿سيهزم الجمع﴾: القمر ببدر والأحزاب بني المغيرة، وبني أمية، وآل أبي طلحة.
ص 38:12
﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد﴾: كان يأخذ الرجل فيمده بين أربعة أوتاد، ووجهه إلى السماء، وكان يوثق كل رجل إلى سارية مستلقيا بين السماء والأرض، فيتركه حتى يموت.
ص 38:13
﴿وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة﴾: يعني غيضة الشجر، وهو المقل، وهي قرية شعيب.
يعزي النبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيب كفار مكة، كما كذبت الرسل قبله فصبروا، ثم قال :﴿أولئك الأحزاب﴾ يعني: الأمم الخالية.
ص 38:14
﴿إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب﴾: يقول: فوجب عقابي عليهم فاحذروا يا أهل مكة مثله فلا تكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فكذبوه بالعذاب في الدنيا والآخرة، فقالوا: متى هذا العذاب؟فأنزل الله عز وجل :﴿وما ينظر هؤلاء﴾
ص 38:15
﴿وما ينظر هؤلاء﴾ يعني كفار مكة يقول: ما ينظرون بالعذاب ﴿إلا صيحة واحدة﴾ يعني نفخة الأولى ليس لها مثنوية، نظيرها في يس :﴿صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون﴾ [يس :49] ﴿ما لها من فواق﴾ آية يقول: ما لها من مرد ولا رجعة.
ص 38:16
﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا﴾ وذلك أن الله عز وجل ذكر في الحاقة أن الناس يعطون كتبهم بأيمانهم وشمائلهم، فقال أبو جهل: عجل لنا قطنا، يعني كتابنا الذي تزعم أنا نعطي في الآخرة فعجله لنا ﴿قبل يوم الحساب﴾ آية يقول ذلك تكذيبا به.
ص 38:17
فأنزل الله عز وجل :﴿اصبر على ما يقولون﴾ يعني أبا جهل يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم ﴿واذكر عبدنا داود﴾ بن أشى، ويقال: ميشا، بن عويد بن فارض بن يهوذا بن يعقوب، عليه السلام ﴿ذا الأيد﴾ يعني القوة في العبادة ﴿إنه أواب﴾ آية يعني مطيع.
ص 38:18
﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾: وكان داود، عليه السلام، إذا ذكر الله ذكرت الجبال معه ففقه تسبيح الجبال.
ص 38:19
﴿والطير محشورة﴾ يعني مجموعة، وسخرنا الطير محشورة ﴿كل له أواب﴾ آية يقول: كل الطير لداود مطيع.
ص 38:20
﴿وشددنا ملكه﴾ قال: كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفا من بني إسرائيل، ثم قال :﴿وآتيناه الحكمة﴾ يعني وأعطيناه الفهم والعلم ﴿وفصل الخطاب﴾ آية يقول: وأعطيناه فصل القضاء: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
ص 38:21
﴿وهل أتاك نبأ﴾ يعني حديث ﴿الخصم إذ تسوروا المحراب﴾: وذلك أن داود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما، فوددت أنك أعطيتني من الذكر مثل ما أعطيتهما، فقال له: إني ابتليتهما بما لم أبلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل الذي ابتليتهما، وأعطيتك مثل ما أعطيتهما من الذكر، قال: نعم، قال: أعمل عملك، فمكث داود، عليه السلام، ما شاء الله عز وجل، يصوم نصف الدهر، ويقوم نصف الليل، إذا صلى في المحراب فجاء طير حسن ملون، فوقع إليه فتناوله، فصار إلى الكوة، فقام ليأخذه، فوقع الطير في بستان، فأشرف داود فرأى امرأة تغتسل فتعجب من حسنها، وأبصرت المرأة ظله فنفضت شعرها فغطت جسمها، فزاده بها عجبا ودخلت المرأة منزلها، وبعث داود غلاما في أثرها إذا هي بتسامح امرأة أدريا بن حنان، وزوجها في الغزو في بعث البلقاء الذي بالشام، مع نواب بن صوريا ابن أخت داود، عليه السلام، فكتب داود إلى ابن أخته بعزيمة أن يقدم أدريا، فيقاتل أهل البلقاء، ولا يرجع حتى يفتحها أو يقتل، فقدمه فقتل، رحمة الله عليه، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فولدت سليمان بن داود، فبعث الله عز وجل إلى داود، عليه السلام، ملكين ليستنقذه بالتوبة، فأتوه يوم رأس المائة في المحراب، وكان يوم عبادته الحرس حوله.
ص 38:22
﴿إذ دخلوا على داود ففزع منهم﴾ فلما رآهما داود قد تسوروا المحرب فزع داود، وقال في نفسه: لقد ضاع ملكي حين يدخل علي بغير أذن، ﴿قالوا﴾ فقال أحدهما لداود :﴿لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق﴾ يعني بالعدل ﴿ولا تشطط﴾ يعني ولا تجر في القضاء ﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾ آية يقول: أرشدنا إلى قصد الطريق.
ص 38:23
ثم قال :﴿إن هذا أخي﴾ يعني الملك الذي معه ﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ يعني تسعة وتسعون امرأة وهكذا كان لداود. ثم قال :﴿ولي نعجة واحدة﴾ يعني امرأة واحدة ﴿فقال أكفلنيها﴾ يعني أعطنيها ﴿وعزني في الخطاب﴾ آية يعني غلبني في المخاطبة، إن دعا كان أكثر من ناصر، وإن بطش كان أشد مني بطشا، وإن تكلم كان أبين مني في المخاطبة.
ص 38:24
﴿قال﴾ داود :﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ يعني بأخذه التي لك من الواحدة، إلى التسع والتسعين التي له ﴿وإن كثيرا من الخلطاء﴾ يعني الشركاء ﴿ليبغي بعضهم على بعض﴾ ليظلم بعضهم بعضا ﴿إلا﴾ استثناء، فقال: إلا ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ لا يظلمون أحدا ﴿وقليل ما هم﴾ يقول: هم قليل، فلما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، فلم يفطن لهما، فأحبا يعرفاه فصعدا تجاه وجهه، وعلم أن الله تبارك وتعالى ابتلاه بذلك ﴿وظن داود أنما فتناه﴾ يقول: وعلم داود أنا ابتليناه ﴿فاستغفر ربه وخر راكعا﴾ يقول: وقع ساجدا أربعين يوما وليلة ﴿وأناب﴾ آية يعني ثم رجع من ذنبه تائبا إلى الله عز وجل، ﴿وخر راكعا﴾ مثل قوله :﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ [البقرة :58] يعني ركوعا.
ص 38:25
﴿فغفرنا له ذلك﴾ يعني ذنبه، ثم أخبر بما له في الآخرة، فقال :﴿وإن له عندنا لزلفى﴾ يعني لقربة ﴿وحسن مآب﴾ آية يعني وحسن مرجع.
ص 38:26
﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ يعني بالعدل ﴿ولا تتبع الهوى﴾ فتحكم بغير حق ﴿فيضلك عن سبيل الله﴾ يقول: يستنزلك الهوى عن طاعة الله تعالى ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾ يعني عن دين الإسلام ﴿لهم عذاب شديد بما نسوا﴾ يعني بما تركوا الإيمان ﴿يوم الحساب﴾ آية.
ص 38:27
﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا﴾ يعني لغير شيء ولكن خلقتهما لأمر هو كائن ﴿ذلك ظن الذين كفروا﴾ من أهل مكة أنى خلقتهما لغير شيء ﴿ويل للذين كفروا من النار﴾آية
ص 38:28
لما أنزل الله تبارك وتعالى في "ن والقلم": ﴿إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم﴾ [القلم :34]، قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطي من الخير في الآخرة ما تعطون، فأنزل الله عز وجل :﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب، أخوي بني عبد مناف، فيهم علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، عليهم السلام، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وطفيل بن الحارث بن المطلب، وزيد بن حارثة الكلبي، وأيمن بن أم أيمن، ومن كان يتبعه من بني هاشم يقول: أنجعل هؤلاء ﴿كالمفسدين في الأرض﴾ بالمعاصي، نزلت في بني عبد شمس بن عبد مناف، في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيدة بن سعيد بن العاص، والعاص بن أبي أمية بن عبد شمس، ثم قال :﴿أم نجعل المتقين﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب في الآخرة ﴿كالفجار﴾ آية.
ص 38:29
﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ يا محمد ﴿مبارك﴾ يعني هو بركة لمن عمل بما فيه ﴿ليدبروا آياته﴾ يعني ليسمعوا آيات القرآن ﴿وليتذكر﴾ بما فيه من المواعظ ﴿أولوا الألباب﴾ آية يعني أهل اللب والعقل.
ص 38:30
﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ ثم أثنى على سليمان، فقال سبحانه: ﴿نعم العبد﴾ وهذا ثناء على عبده سليمان نعم العبد، ﴿إنه أواب﴾ آية يعني مطيع.
ص 38:31
﴿إذا عرض عليه بالعشي الصافات﴾ يعني بالصفن إذا رفعت الدابة إحدى يديها فتقوم على ثلاث قوائم، ثم قال :﴿الجياد﴾ آية يعني السراع، مثل قوله :﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ [الحج :36]، معلقة قائمة على ثلاث، وذلك أن سليمان، عليه السلام، صلى الأولى، ثم جلس على كرسيه لتعرض عليه الخيل وعلى ألف فرس كان ورثها من أبيه داود، عليه السلام، وكان أصابها من العمالقة، فعرض عليه منها تسع مائة، فغابت الشمس ولم يصل العصر. فذلك قوله :﴿فقال إني أحببت حب الخير﴾.
ص 38:32
﴿فقال إني أحببت حب الخير﴾ يعني المال، وهو الخيل الذي عرض عليه ﴿عن ذكر ربي﴾ يعني صلاة العصر، كقوله :﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور :37]، يعني الصلوات الخمس، ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ آية والحجاب جبل دون "ق" بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه.
ص 38:33
ثم قال :﴿ردوها علي﴾ يعني كروها على ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ آية يقول: فجعل يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقطعها، وبقي منها مائة فرس، فما كان في أيدي الناس اليوم فهي من نسل تلك المائة.
ص 38:34
قوله :﴿ولقد فتنا سليمان﴾ يعني بعدما ملك عشرين سنة، ثم ملك أيضا بعد الفتنة عشرين سنة، فذلك أربعين يقول: لقد ابتلينا سليمان أربعين يوما ﴿وألقينا على كرسيه﴾ يعني سريره ﴿جسدا﴾ يعني رجلا من الجن يقال له: صخر بن عفير بن عمرو بن شرحبيل، ويقال: إن إبليس جده، ويقال أيضا اسمه أسيد ﴿ثم أناب﴾ آية يقول: ثم رجع بعد أربعين يوما إلى ملكه وسلطانه، وذلك أن سليمان غزا العمالقة، فسبى من نسائهم، وكانت فيهم ابنة ملكهم، فاتخذها لنفسه فاشتاقت إلى أبيها، وكان بها من الحسن والجمال حالا يوصف فحزنت وهزلت وتغيرت، فأنكرها سليمان أن يتخذ لها شبه أبيها، فاتخذ لها صنما على شبه أبيها، فكانت تنظر إليه في كل ساعة، فذهب عنها ما كانت تجد، فكانت تكنس ذلك البيت وترشه، حتى زين لها الشيطان فعبدت ذلك الصنم بغير علم سليمان لذلك، وكانت لسليمان جارية من أوثق أهله عنده قد كان وكاها بخاتمه وكان سليمان لا يدخل الخلاء، حتى يدفع خاتمه إلى تلك الجارية، وإذا أتى بعض نسائه فعل ذلك، وأن سليمان أراد ذات يوم أن يدخل الخلاء، فجاء صخر فألقاه في البحر وجلس صخر في ملك سليمان، وذهب عن سليمان البهاء، والنور فخرج يدور في قرى بني إسرائيل، فكلما أتى سليمان قوما رجموه وطردوه تعظيما لسليمان، عليه السلام، وكان سليمان إذا ليس خاتمه سجد له كل شيء يراه من الجن والشياطين وتظله الطير، وكان خرج في ملكه في ذي القعدة، وعشر ذي الحجة، ورجع إلى ملكه يوم النحر.
وذلك قوله :﴿ولقد فتنا سليمان﴾ أربعين يوما ﴿ثم أناب﴾ يعني رجع إلى ملكه، وذلك أنه أتى ساحل البحر، فوجد صيادا يصيد السمك فتصدق منه، فتصدق عليه بسمكة، فشق بطنها، فوجد الخاتم فلبسه، فرجع إليه البهاء والنور، وسجد له كل من رآه وهرب صخر، فدخل البحر، فبعث في طلبه الشياطين، فلم يقدروا عليه حتى أشارت الشياطين على سليمان أن يتخذ على ساحل البحر، كهيئة العين من الخمر، وجعلت الشياطين تشرب من ذلك الخمر ويلهون، فسمع صخر جلبتهم، فخرج إليهم، فقال لهم: ما هذا اللهو والطرب، قالوا: مات سليمان بن داود وقد استرحنا منه، فنحن نشرب ونلهو، فقال لهم: وأنا أيضا أشرب وألهو معكم، فلما شرب الخمر فسكر، أخذوه وأوثقوه وأتى به سليمان، فحفر له حجرا، فأدخل فيه وأطبق عليه بحجر آخر، وأذاب الرصاص، فصب بين الحجرين وقذف به في البحر، فهو فيه إلى اليوم.
ص 38:35
فلما رجع سليمان إلى ملكه وسلطانه ﴿قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ آية فوهب الله عز وجل له من الملك ما لم يكن له، ولا لأبيه داود، عليهما السلام، فزاده الرياح والشياطين بعد ذلك.
ص 38:36
﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾ آية يقول: مطيعة لسليمان حيث المراد أن تتوجه توجهت له ﴿و﴾ سخرنا له
ص 38:37
﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾ آية كانوا يبنون له ما يشاء من البينان، وهو محاريب وتماثيل ويغوصون له في البحر، فيستخرجون له اللؤلؤ، وكان سليمان أول من استخرج اللؤلؤ من البحر.
ص 38:38
قال :﴿وآخرين﴾ من مردة الشياطين، إضمار ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ آية يعني موثقين في الحديد
ص 38:39
﴿هذا عطاؤنا فامنن﴾ على من شئت من الشياطين، فحل عنه ﴿أو أمسك﴾ يعني وأحبس في العمل والوثاق من شئت منهم ﴿بغير حساب﴾ آية يعني بلا تبعة عليك في الآخرة ،فيمن تمن عليه فترسله، وفيمن نحبسه في العمل.
ص 38:40
ثم أخبر بمنزلة سليمان في الآخرة، فقال تعالى :﴿وإن له عندنا لزلفى﴾ يعني لقربة ﴿وحسن مآب﴾ آية: يعني وحسن مرجع، وكان لسليمان ثلاث مائة امرأة حرة وسبع مائة سرية، وكان لداود، عليه السلام، مائة امرأة حرة وتسع مائة سرية، وكانت الأنبياء كلهم في الشدة غير داود وسليمان، عليهما السلام.
ص 38:41
﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه﴾ يعني إذ قال لربه :﴿أني مسني الشيطان﴾ يقول: أصابني الشيطان ﴿بنصب﴾ يعني مشقة في جسده ﴿وعذاب﴾ آية في ماله.
ص 38:42
﴿اركض﴾ يعني ادفع الأرض ﴿برجلك﴾ بأرض الشام، فنبعت عين من تحت قدمه فاغتسل، فيها فخرج منها صحيحا، ثم مشى أربعين خطوة فدفع برجله الأخرى، فنبعت عين ماء أخرى، ماء عذاب بارد شرب منها، فذلك قوله :﴿هذا مغتسل﴾ الذي اغتسل فيها، ثم قال :﴿بارد وشراب﴾ آية الذي أشرب منه، وكان داود يأكل سبع سنين وسبعة أشهر، وسبعة أيام وسبع ساعات متتابعات.
ص 38:43
﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم﴾ فأضعف الله عز وجل له، وكان له سبع بنين وثلاث بنات قبل البلاء، وولدت له امرأته بعد البلاء سبع بنين وثلاث بنات، فأضعف الله له ﴿رحمة﴾ يعني نعمة ﴿منا﴾، ثم قال :﴿وذكرى﴾ يعني تفكر ﴿لأولي الألباب﴾ آية يعني أهل اللب والعقل.
ص 38:44
﴿وخذ بيدك ضغثا﴾ يعني بالضغث القبضة الواحدة، فأخذ عيدانا رطبة، وهي الأسل مائة عود عدد ما حلف عليه، وكان حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة ﴿فاضرب به ولا تحنث﴾ يعني ولا تأثم في يمينك التي حلفت عليها، فعمد إليها فضربها بمائة عود ضربة واحدة فأوجعها فبرئت يمينه، وكان اسمها دنيا، ثم أثنى الله عز وجل على أيوب، فقال: ﴿إنا وجدناه صابرا﴾ على البلاء إضمار ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ آية يعني مطيعا لله تعالى، لما برأ أيوب فاغتسل كساه جبريل، عليه السلام، حلة.
ص 38:45
﴿واذكر﴾ يا محمد صبر ﴿عبادنا إبراهيم﴾ حين ألقى في النار ﴿و﴾ صبر ﴿وإسحاق﴾ للذبح ﴿و﴾ صبر ﴿ويعقوب﴾ في ذهاب بصره، ولم يذكر إسماعيل بن إبراهيم لأنه لم يبتل، واسم أم يعقوب رفقا، ثم قال :﴿أولي الأيدي﴾ يعني أولى القوة في العبادة، ثم قال :﴿والأبصار﴾ آية يعني البصيرة في أمر الله ودينه.
ص 38:46
ذكر الله تعالى هؤلاء الثلاثة إبراهيم وابنيه إسحاق ويعقوب بن إسحاق، فقال :﴿إنا أخلصناهم﴾ للنبوة والرسالة ﴿بخالصة ذكرى الدار﴾
حدثنا أبو جعفر، قال حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد، عن ابن جابر أنه سمع عطاء الخراساني في قوله :﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ قال: القوة في العبادة والبصر بالدين، ﴿إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾ يقول: وجعلناهم أذكر الناس لدار الآخرة يعني الجنة.
ص 38:47
﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ آية: اختارهم الله على علم للرسالة.
ص 38:48
﴿واذكر﴾ صبر ﴿إسماعيل﴾ هو أشوبل بن هلقانا ﴿و﴾ صبر ﴿واليسع و﴾ صبر ﴿وذا الكفل وكل من الأخيار﴾ آية اختارهم الله عز وجل للنبوة، فاصبر يا محمد على الأذى كما صبر هؤلاء الستة على البلاء.
ص 38:49
قال :﴿هذا ذكر﴾ يعني هذا بيان الذي ذكر الله من أمر الأنبياء في هذه السورة ﴿وإن للمتقين﴾ من هذه الأمة في الآخرة ﴿لحسن مآب﴾ آية يعني مرجع
ص 38:50
حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا بن رشيد، قال: حدثنا جليد، عن الحسن في قوله :﴿مفتحة لهم الأبواب﴾ قال: أيوب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، يقال: لها: انفتحي، انقفلي، تكلم فتفهم وتتكلم.
حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى :﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم :62]، قال: ليس في الجنة ليل، وهم في نور أبدا ولهم مقدار الليل بإرخاء الحجب ومقدار النهار.
ص 38:51
﴿متكئين فيها﴾: في الجنة على السرر ،﴿يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب﴾.
ص 38:52
﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ النظر عن الرجال لا ينظرن إلى غير أزواجهن لأنهن عاشقات لأزواجهن، قم قال :﴿أتراب﴾ آية يعني مستويات على ميلاد واحد بنات ثلاثة وثلاثين سنة.
ص 38:53
قال :﴿هذا﴾ الذي ذكر في هذه الآية، ذكر يعني بيان من الخير في الجنة ﴿ما توعدون ليوم الحساب﴾ آية يعني ليوم الجزاء
ص 38:54
﴿إن هذا﴾ في الجنة ﴿لرزقنا ما له من نفاد﴾ آية يقول: هذا الرزق للمتقين.
ص 38:55
ثم ذكر الكفار، فقال سبحانه :﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب﴾ آية يعني بئس المرجع ،
ص 38:56
أخبر بالمرجع، فقال :﴿جهنم يصلونها فبئس المهاد﴾ آية: ما مهدوا لأنفسهم من العذاب.
ص 38:57
﴿هذا فليذوقوه حميم﴾ يعني الحار الذي انتهى حره وطبخه ﴿وغساق﴾ آية البارد الذي قد انتهى برده، نظيرها في عم يتساءلون :﴿حميما وغساقا﴾ [النبأ :25]، فينطلق من الحار إلى البارد، فتقطع جلودهم وتتصدع عظامهم وتحرق كما يحرق في النار.
ص 38:58
﴿وآخر من شكله أزواج﴾ آية: يقول: وآخر من شكله يعني من نحو الحميم والغساق أصناف، يعني ألوان من العذاب في الحميم يشبه بعضه بعضا في شبه العذاب
ص 38:59
﴿هذا فوج مقحم معكم﴾ وذلك أن القادة في الكفر المطمعين في غزاة بدر والمستهزئين من رؤساء قريش دخلوا النار قبل الأتباع، فقالت الخزنة للقادة وهم في النار :﴿هذا فوج﴾ يعني زمرة ﴿مقتحم معكم﴾ النار إضمار يعنون الأتباع، قالت القادة :﴿لا مرحبا بهم﴾ قال الخزنة :﴿إنهم صالوا النار﴾ آية معكم.
ص 38:60
فردت الأتباع من كفار مكة على القادة :﴿قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه﴾ زينتموه ﴿لنا﴾ هذا الكفر إذ تأمروننا في سورة سبأ أن تكفر بالله، وتجعل له أندادا ﴿فبئس القرار﴾ آية يعني فبئس المستقر.
ص 38:61
قالت الأتباع :﴿قالوا ربنا من قدم لنا هذا﴾ يعني من زين لنا هذا، يعني من سبب لنا هذا الكفر ﴿فزده عذابا ضعفا في النار﴾
ص 38:62
﴿وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار﴾ آية: يعنون فقراء المؤمنين عمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسالم، ونحوهم.
ص 38:63
﴿أتخذناهم سخريا﴾ في الدنيا، نظيرها في قد أفلح :﴿أتخذناهم سخريا﴾ آية [المؤمنون :110]، ﴿أم زاغت عنهم الأبصار﴾ آية يقول: أم حارت أبصارهم عنّا فهم معنا في النار ولا نراهم.
ص 38:64
﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ آية يعني خصومة القادة والأتباع في هذه الآية، ما قال بعضهم لبعض في الخصومة، نظيرها في الأعراف، وفي "حم" المؤمن حين قالت :﴿أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف :38] عن الهدى، ثم ردت أولاهم دخول النار على أخراهم دخول النار، وهم الأتباع، وقوله :﴿إذ يتحاجون في النار﴾ إلى آخر الآية [غافر :47].
ص 38:65
﴿قل إنما أنا منذر﴾ يعني رسول ﴿وما من إله إلا الله الواحد﴾ لا شريك له ﴿القهار﴾ آية لخلقه ،
ص 38:66
ثم عظم نفسه عن شركهم، فقال سبحانه :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ فإن من يعبد فيهما، فأنا ربهما ورب من فيهما ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الغفار﴾ آية لمن تاب.
ص 38:67
﴿قل هو نبأ عظيم﴾ آية يعني القرآن حديث عظيم لأنه كلام الله عز وجل
ص 38:68
﴿أنتم﴾ يا كفار مكة ﴿عنه معرضون﴾ آية يعني عن إيمان بالقرآن معرضون.
ص 38:69
﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى﴾ من الملائكة ﴿إذ يختصمون﴾ آية يعني الخصومة حين قال لهم الرب تعالى :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالت الملائكة :﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ ﴿قال﴾ الله لهم :﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة :30] فهذه خصومتهم.
ص 38:70
﴿إن﴾ يعني إذ ﴿يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ آية يعني رسول بين
ص 38:71
﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين﴾ آية: يعني آدم، وكان آدم، عليه السلام، أول ما خلق منه عجب الذنب وآخر ما خلق منه أضفاره، ثم ركب فيه سائر خلقه، يعني عجب الذنب، وفيه يركب يوم القيامة كما ركب في الدنيا.
ص 38:73
﴿فسجد الملائكة﴾ الذين كانوا في الأرض إضمار ﴿كلهم أجمعون﴾ آية ثم استثنى من الملائكة إبليس، وكان اسمه في الملائكة الحارث، وسمى إبليس حين عصى إبليس من الخير.
ص 38:74
﴿إلا إبليس استكبر﴾ حين تكبر عن السجود لآدم، عليه السلام، ﴿وكان من الكافرين﴾ في علم الله عز وجل
ص 38:75
﴿قال يا إبليس ما منعك أن تسجد﴾: ما لك ألا تسجد ﴿لما خلقت بيدي أستكبرت﴾ يعني: تكبرت ﴿أم كنت من العالين﴾ آية: يعني من المتعظمين.
ص 38:76
﴿قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ آية: والنار تغلب الطين.
ص 38:77
﴿قال فاخرج منها﴾ يعني من الجنة ﴿فإنك رجيم﴾ آية يعني: ملعون.
ص 38:79
﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ آية يعني النفخة الثانية
ص 38:81
﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ آية يعني إلى أجل موقوت وهو النفخة الأولى.
ص 38:82
﴿قال﴾ إبليس لربه تبارك وتعالى :﴿فبعزتك﴾ يقول: فبعظمتك ﴿لأغوينهم﴾ يقول: لأضلنهم ﴿أجمعين﴾ آية عن الهدى ،
ص 38:83
ثم استثنى إبليس، فقال :﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ آية بالتوحيد، فإني لا أستطيع أن أغويهم.
ص 38:84
﴿قال﴾ الله عز وجل :﴿فالحق والحق أقول﴾ آية يقول: قوله الحق فيها تقديم، وأقول الحق يعني قول الله عز وجل.
ص 38:85
﴿لأملأن جهنم منك﴾ يا إبليس ومن ذريتك الشياطين ﴿وممن تبعك﴾ على دينك من كفار بني آدم ﴿منهم أجمعين﴾ آية يعني من الفريقين جميعا.
ص 38:86
﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ يعني من جعل ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ آية هذا القرآن من تلقاء نفسي
ص 38:87
﴿إن هو إلا ذكر﴾ يقول: ما القرآن إلا بيان ﴿للعالمين﴾.
ص 38:88
﴿ولتعلمن﴾ يعني كفار مكة ﴿نبأه﴾ يعني القرآن ﴿بعد حين﴾ هذا وعيد لهم القتل ببدر، مثل قوله في الصافات :﴿فتول عنهم حتى حين﴾ [الصافات :174] يعني القتل ببدر.
الزمر 39:1
سورة الزمر مكية إلا ثلاث آيات فيها نزلت في وحشي بن زيد وأصحابه بالمدينة وهن قوله تعالى :﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ إلى قوله :﴿وأنتم لا تشعرون﴾ [آية: الآيات: 53-54] عددها خمس وسبعون آية كوفي
﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ آية في أمره.
الزمر 39:2
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ يعني القرآن ﴿بالحق﴾ يقول: لم ننزله باطلا لغير شيء ﴿فاعبد الله﴾ يقول فوحد الله ﴿مخلصا له الدين﴾ آية يعني له التوحيد.
الزمر 39:3
﴿ألا لله الدين الخالص﴾ يعني التوحيد وغيره من الأديان ليس بخالص ﴿والذين اتخذوا﴾ يعني كفار العرب ﴿من دونه أولياء﴾ فيها إضمار قالوا :﴿ما نعبدهم﴾ يعني الآلهة، نظيرها في "حم عسق" :﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم﴾ [الشورى :1] وذلك أن كفار العرب عبدوا الملائكة، وقالوا: ما نعبدهم ﴿إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ يعني منزلة فيشفعوا لنا إلى الله ﴿إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه﴾ من الدين ﴿يختلفون إن الله لا يهدي﴾ لدينه ﴿من هو كاذب كفار﴾
الزمر 39:4
﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا﴾ يعني عيسى ابن مريم ﴿لاصطفى﴾ يعني لاختار ﴿مما يخلق ما يشاء﴾ من الملائكة، فإنها أطيب وأطهر من عيسى، كقوله في الأنبياء :﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا﴾ يعني ولدا، يعني عيسى ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ [الأنبياء :17] يعني من عندنا من الملائكة، ثم نزه نفسه عما قالوا من البهتان، فقال :﴿سبحانه هو الله الواحد﴾ لا شريك له ﴿القهار﴾
الزمر 39:5
ثم عظم نفسه، فقال :﴿خلق السماوات والأرض بالحق﴾ لم يخلقهما باطلا لغير شيء ﴿يكور﴾ يعني يسلط ﴿الليل على النهار ويكور النهار﴾ يعني ويسلط النهار ﴿على الليل﴾ يعني انتقاص كل واحد منهما من الآخر ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ لبني آدم ﴿كل يجري﴾ يعني الشمس والقمر ﴿لأجل مسمى﴾ يعني ليوم القيامة يدل على نفسه بصنعه ليعرف توحيده، ثم قال :﴿إلا هو العزيز﴾ في ملكه ﴿الغفار﴾ آية لمن تاب إليه.
الزمر 39:6
﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ يعني آدم، عليه السلام ﴿ثم جعل منها زوجها﴾ يعني حواء ﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ يعني وجعل لكم من أمره مثل قوله في الأعراف :﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا﴾ [الأعراف :26] يقول جعلنا، ومثل قوله :﴿وأنزلنا الحديد﴾ [الحديد :25] يقول: وجعلنا الحديد ﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ يعني الإبل والبقر والغنم ﴿ثمانية أزواج﴾ يعني أصناف، يعني أربعة ذكور، وأربعة إناث ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق﴾ يعني نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم الروح ﴿في ظلمات ثلاث﴾ يعني البطن والرحم والمشيمة التي يكون فيها الولد، ثم قال :﴿ذلكم الله﴾ الذي خلق هذه الأشياء هو ﴿ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون﴾ آية يقول: فمن أين تعدلون عنه إلى غيره.
الزمر 39:7
يقول لكفار مكة :﴿إن تكفروا﴾ بتوحيد الله ﴿فإن الله غني عنكم﴾ عن عبادتكم ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ الذين قال عز وجل: عنهم لإبليس :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر :42]، ﴿وإن تشكروا﴾ يعني توحدوا الله ﴿يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ يقول: لا تحمل نفس خطيئة أخرى ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ في الآخرة ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور﴾
الزمر 39:8
﴿وإذا مس﴾ يعني أصاب ﴿الإنسان﴾ يعني أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي ﴿ضر﴾ يعني بلاء أو شدة ﴿دعا ربه منيبا إليه﴾ يقول: راجعا إلى الله من شركه موحدا يقول: اللهم اكشف ما بي ﴿ثم إذا خوله نعمة منه﴾ يقول: أعطاه الله الخير ﴿نسي﴾ يعني ترك ﴿ما كان يدعوا إليه من قبل﴾ في ضره ﴿وجعل﴾ أبو حذيفة ﴿لله أندادا﴾ يعني شركاء ﴿ليضل عن سبيله﴾ يعني ليسترل عن دين الإسلام ﴿قل﴾ لأبي حذيفة ﴿تمتع بكفرك قليلا﴾ في الدنيا إلى أجلك ﴿إنك من أصحاب النار﴾
الزمر 39:9
ثم ذكر المؤمن، فقال سبحانه :﴿أمن هو قانت﴾ يعني مطيع لله في صلاته، وهو عمار بن ياسر ﴿آناء الليل ساجدا﴾ يعني ساعات الليل ساجدا ﴿وقائما﴾ في صلاته ﴿يحذر﴾ عذاب ﴿الآخرة ويرجوا رحمة ربه﴾ يعني الجنة كمن لا يفعل ذلك ليسا بسواء ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون﴾ إن ما وعد الله إضمار في الآخرة من الثواب والعقاب حق، يعني عمار بن يسار ﴿والذين لا يعلمون﴾ يعني أبا حذيفة ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ آية يعني أهل اللب والعقل، يعني عمار بن ياسر.
الزمر 39:10
ثم قال :﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا﴾ العمل ﴿في هذه الدنيا حسنة﴾ يعني الجنة ﴿وأرض الله واسعة﴾ يعني المدينة ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم﴾ يعني جزاءهم الجنة وأرزاقهم فيها ﴿بغير حساب﴾.
الزمر 39:11
﴿قل إني أمرت أن أعبد الله﴾ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وإلى سادة قومك يعبدون اللات والعزى ومناة، فتأخذ به، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿قل﴾ يا محمد ﴿إني أمرت أن أعبد الله﴾ يعني أن أوحد الله ﴿مخلصا له الدين﴾ آية يعني له التوحيد.
الزمر 39:12
﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ آية يعني المخلصين بتوحيد الله عز وجل
الزمر 39:13
﴿قل﴾ لهم ﴿إني أخاف إن عصيت ربي﴾ فرجعت إلى ملة آبائي ﴿عذاب يوم عظيم﴾
الزمر 39:14
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿الله أعبد مخلصا﴾ موحدا ﴿له ديني﴾
الزمر 39:15
﴿فاعبدوا﴾ أنتم ﴿ما شئتم من دونه﴾ من الآلهة ونزل فيهم أيضا :﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ [الزمر :64] ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إن الخاسرين الذين خسروا﴾ يعني غبنوا ﴿أنفسهم﴾ فصاروا إلى النار ﴿وأهليهم﴾ يعني وخسروا أهليهم من الأزواج والخدم ﴿يوم القيامة ألا ذلك﴾ يعني هذا ﴿هو الخسران المبين﴾ آية يعني البين حين لم يوحدوا ربهم يعني وأهليهم في الدنيا.
الزمر 39:16
ثم قال :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار﴾ يعني أطباق من النار فتلهب عليهم ﴿ومن تحتهم ظلل﴾ يعني مهادا من نار ﴿ذلك﴾ يقول: هذا الذي ذكر من ظلل النار ﴿يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون﴾ آية يعني فوحدون.
الزمر 39:17
﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ يعني الأوثان، وهي مؤنثة ﴿أن يعبدوها وأنابوا إلى الله﴾ يعني ورجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله عز وجل، فقال تعالى :﴿لهم البشرى﴾ يعني الجنة ﴿فبشر عباد﴾ آية فبشر عبادي بالجنة.
الزمر 39:18
ثم نعتهم، فقال :﴿الذين يستمعون القول﴾ يعني القرآن ﴿فيتبعون أحسنه﴾ يعني أحسن ما في القرآن من طاعة الله عز وجل، ولا يتبعون المعاصي مثل قوله :﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ أي من طاعته ﴿أولئك الذين هداهم الله﴾ لدينه ﴿وأولئك هم أولوا الألباب﴾ آية يعني أهل اللب والعقل حين يستمعون فيتبعون أحسنه من أمره ونهيه، يعني أحسن ما فيه من أمره ونهيه، ﴿ولا يتبعون السوء الذي ذكره عن غيرهم﴾.
الزمر 39:19
﴿أفمن حق عليه﴾ يعني وجب عليه ﴿كلمة العذاب﴾ يعني يوم قال لإبليس: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود :119] ،
الزمر 39:20
﴿أفأنت تنقذ من في النار﴾ آية ﴿لكن الذين اتقوا﴾ وحدوا ﴿ربهم لهم غرف من فوقها غرف﴾ ثم نعت الغرف، فقال: ﴿مبنية﴾ فيها تقديم ﴿تجري من تحتها﴾ تجري العيون من تحت الغرف، يعني أسفل منها ﴿الأنهار وعد الله﴾ هذا الخير ﴿لا يخلف الله الميعاد﴾ آية ما وعدهم.
الزمر 39:21
﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع﴾ يعني فجعله عيونا وركايا ﴿في الأرض ثم يخرج به﴾ بالماء ﴿زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج﴾ يعني يبيس ﴿فتراه﴾ بعد الخضرة ﴿مصفرا ثم يجعله حطاما﴾ يعني هالكا، نظيرها :﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ [النمل :18] يعني لا يهلكنكم سليمان هذا مثل ضربه الله في الدنيا كمثل النبت، بينما هو أخضر إذ تغير فيبس، ثم هلك، فكذلك تهلك الدنيا بعد بهجتها وزينتها ﴿إن في ذلك لذكرى﴾ يعني تفكر ﴿لأولي الألباب﴾
الزمر 39:22
﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ يقول: أفمن وسع الله قلبه للتوحيد ﴿فهو على نور﴾ يعني على هدى ﴿من ربه﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿فويل للقاسية﴾ يعني الجافية ﴿قلوبهم﴾ فلم تلن، يعني أبا جهل ﴿من ذكر الله﴾ يعني عن توحيد الله ﴿أولئك في ضلال مبين﴾ آية يعني أبا جهل يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس المشرح صدره بتوحيد الله كالقاسي قلبه ليسا بسواء.
الزمر 39:23
﴿الله نزل أحسن الحديث﴾ يعني القرآن ﴿كتابا متشابها﴾ يشبه بعضه بعضا ﴿مثاني﴾ يعني يثني الأمر في القرآن مرتين أو ثلاثا، أو أكثر من نحو ذكر الأمم الخالية، ومن نحو ذكر الأنبياء، ومن نحو ذكر آدم، عليه السلام، وإبليس، ومن نحوه ذكر الجنة والنار، والبعث والحساب، ومن نحو ذكر النبت والمطر، ومن نحو ذكر العذاب، ومن نحو ذكر موسى وفرعون، ثم قال :﴿تقشعر منه﴾ يعني مما في القرآن من الوعيد ﴿جلود الذين يخشون﴾ عذاب ﴿ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ يعني إلى الجنة وما فيها من الثواب، ثم قال :﴿ذلك﴾ الذي ذكر من القرآن ﴿هدى الله يهدي به﴾ يعني بالقرآن ﴿من يشاء﴾ لدينه ﴿ومن يضلل الله﴾ عن دينه ﴿فما له من هاد﴾ آية إلى دينه يقول: من أضله الله عن الهدى، فلا أحد يهديه إليه.
الزمر 39:24
وقوله تعالى :﴿أفمن يتقي بوجهه سوء﴾ يعني شدة ﴿العذاب يوم القيامة﴾ يقول: ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليس بسواء، يقول الكافر يتقي بوجهه شدة العذاب، وهو في النار مغلولة يده إلى عنقه، وفي عنقه حجر ضخم مثل الجبل العظيم من كبريت تشتعل النار في الحجر، وهو معلق في عنقه، وتشتعل على وجهه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال التي في يده وعنقه ﴿وقيل﴾ وقالت الخزنة :﴿للظالمين ذوقوا﴾ العذاب ب ﴿ما كنتم تكسبون﴾ آية من الكفر والتكذيب.
الزمر 39:25
﴿كذب الذين من قبلهم﴾ يعني قبل كفار مكة كذبوا رسلهم بالعذاب في الآخرة بأنه غير نازل بهم ﴿فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ آية وعن غافلون عنه.
الزمر 39:26
﴿فأذاقهم الله الخزي﴾ يعني العذاب ﴿في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر﴾ مما أصابهم في الدنيا ﴿لو كانوا يعلمون﴾. ولكنهم لا يعلمون.
الزمر 39:27
قوله :﴿ولقد ضربنا﴾ يعني وضعنا ﴿للناس في هذا القرءان من كل مثل﴾ من كل شبه ﴿لعلهم يتذكرون﴾ آية يعني كي يؤمنوا به.
الزمر 39:28
قال: وصفنا ﴿قرءانا عربيا﴾ ليفقهوه ﴿غير ذي عوج﴾ يعني ليس مختلفا، ولكنه مستقيم ﴿لعلهم يتقون﴾
الزمر 39:29
﴿ضرب الله مثلا﴾ وذلك أن كفار قريش دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه وإلى عبادة اللات والعزى ومناة، فضرب لهم مثلا ولآلهتهم مثلا الذين يعبدون من دون الله عز وجل، فقال :﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون﴾ يعني مختلفين يملكونه جميعا، ثم قال :﴿ورجلا سلما لرجل﴾ يعني خالصا لرجل لا يشركه فيه أحد، يقول: فهل يستويان؟ يقول: هل يستوي من عبد آلهة شتى مختلفة يعني الكفار والذي يعبد ربا واحدا يعني المؤمنين؟ فذلك قوله :﴿هل يستويان مثلا﴾ فقالوا: لا يعني هل يستويان في الشبهن.
فخصهم النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: قل ﴿الحمد لله﴾ حين خصمهم ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ آية توحيد ربهم. فذلك قوله :﴿إنك ميت...﴾
الزمر 39:30
﴿إنك ميت﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وإنهم ميتون﴾ آية يعني أهل مكة
الزمر 39:31
﴿ثم إنكم يوم القيامة﴾ أنت يا محمد وكفار مكة يوم القيامة ﴿عند ربكم تختصمون﴾
الزمر 39:32
﴿فمن أظلم ممن كذب على الله﴾ بأن له شريكا ﴿وكذب بالصدق﴾ يعني بالحق وهو التوحيد ﴿إذ جاءه﴾ يعني لما جاءه البيان هذا المكب بالتوحيد ﴿أليس في جهنم مثوى﴾ يعني مأوى ﴿للكافرين﴾
الزمر 39:33
﴿والذي جاء بالصدق﴾ يعني بالحق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالتوحيد ﴿وصدق به﴾ يعني بالتوحيد، المؤمنون صدقوا بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله :﴿أولئك هم المتقون﴾ آية الشرك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الزمر 39:34
﴿لهم ما يشاءون﴾ في الجنة ﴿عند ربهم﴾ من الخير يعني ﴿ذلك جزاء المحسنين﴾ آية يعني الموحدين
الزمر 39:35
﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا﴾ من المساوئ يعني يمحوها بالتوحيد ﴿ويجزيهم﴾ بالتوحيد ﴿أجرهم﴾ يعني جزاءهم ﴿بأحسن الذي كانوا يعملون﴾ آية يقول: يجزيهم بالمحاسن ولا يجزيهم بالمساوئ.
الزمر 39:36
﴿أليس الله﴾ يعني أما الله ﴿بكاف عبده﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم يكفيه عدوه، ثم قال :﴿ويخوفونك بالذين﴾ يعبدون ﴿من دونه﴾ اللات والعزى ومناة، وذلك أن كفار مكة، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نخاف أن يصيبك من آلهتنا اللات والعزى ومناة جنون أو خبل، قوله :﴿ومن يضلل الله﴾ عن الهدى ﴿فما له من هاد﴾ آية يهديه للإسلام.
الزمر 39:37
﴿ومن يهد الله﴾ لدينه ﴿فما له من مضل﴾ يقول: لا يستطيع أحد أن يضله ﴿أليس الله بعزيز﴾ يعني بمنيع في ملكه ﴿ذي انتقام﴾ آية من عدوه يعني كفار مكة.
الزمر 39:38
﴿ولئن سألتهم﴾ يا محمد ﴿من خلق السماوات والأرض﴾ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من خلقهما؟ قالوا: الله خلقهما ﴿ليقولن الله﴾ قال الله عز وجل لنبيه، عليه السلام :﴿قل أفرأيتم ما تدعون﴾ يعني تعبدون ﴿من دون الله﴾ من الآلهة ﴿إن أرادني الله﴾ يعني أصابني الله ﴿بضر﴾ يعني ببلاء أو شدة ﴿هل هن﴾ يعني الآلهة ﴿كاشفات ضره﴾ يقول: هل تقدر الآلهة أن تكشف ما نزل بي من النضر ﴿أو أرادني برحمة﴾ يعني بخير وعافية ﴿هل هن﴾ يعني الآلهة ﴿ممسكات رحمته﴾ يقول: هل تقدر الآلهة أن تحبس عني هذه الرحمة، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا ولم يجيبوه، قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم :﴿قل حسبي الله عليه يتوكل﴾ يعني يثق ﴿المتوكلون﴾ آية يعني الواثقون.
الزمر 39:39
﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ يعني على جديلتكم التي أنتم عليها ﴿إني عامل﴾ على جديلتي التي أمرت بها ﴿فسوف تعلمون﴾ آية هذا وعيد
الزمر 39:40
﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾ يعني يهينه في الدنيا ﴿و﴾ من ﴿ويحل﴾ يعني يجب ﴿عليه عذاب مقيم﴾ آية يقول: دائم لا يزول عنه في الآخرة.
الزمر 39:41
﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب﴾ يعني القرآن ﴿للناس بالحق فمن اهتدى﴾ بالقرآن ﴿فلنفسه ومن ضل﴾ عن الإيمان بالقرآن ﴿فإنما يضل عليها﴾ يقول: فضلالته على نفسه، يعني إثم ضلالته على نفسه ﴿وما أنت﴾ يا محمد ﴿عليهم بوكيل﴾ آية يعني بمسيطر نسختها آية السيف.
الزمر 39:42
﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ يقول: عند أجلها، يعني التي قضى الله عليها الموت، فيمسكها على الجسد في التقديم ﴿والتي لم تمت في منامها﴾ فتلك الأخرى التي يرسلها إلى الجسد ﴿فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات﴾ لعلامات ﴿لقوم يتفكرون﴾ آية في أمر البعث.
حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا أبو القاسم، قال: قال الهذيل، حدثني جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن ابن جبير، في قوله تعالى :﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ قال: تقبض أنفس الأموات وترسل أنفس الأحياء إلى أجل مسمى فلا تقبضها :﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الزمر :42].
الزمر 39:43
﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء﴾ نزلت في كفار مكة زعموا أن للملائكة شفاعة ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿أولو﴾ يعني إن ﴿كانوا لا يملكون شيئا﴾ من الشفاعة ﴿ولا يعقلون﴾ آية أنكم تعبدونهم نظيرها في الأنعام.
الزمر 39:44
﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ فجميع من يشفع إنما هو بإذن الله، ثم عظم نفسه، فقال: ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ وما بينهما من الملائكة وغيرهم عبيده وفي ملكه ﴿ثم إليه ترجعون﴾
الزمر 39:45
﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت﴾ يعني انقبضت، ويقال: نفرت عن التوحيد ﴿قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، يعني كفار مكة ﴿وإذا ذكر الذين﴾ عبدوا ﴿من دونه﴾ من الآلهة ﴿إذا هم يستبشرون﴾ آية بذكرها وهذا يوم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم بمكة، فقرأ ﴿اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ تلك الغرانيق العلى، عندها شفاعة ترتجي، ففرح كفار مكة حين سمعوا أن لها شفاعة.
الزمر 39:46
﴿قل اللهم﴾ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول :﴿فاطر السموات والأرض علم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون﴾
الزمر 39:47
﴿ولو أن للذين ظلموا﴾ يعني لمشركي مكة يوم القيامة ﴿ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء﴾ يعني من شدة ﴿العذاب يوم القيامة وبدا لهم﴾ يعني وظهر لهم حين بعثوا ﴿من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ آية في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة.
الزمر 39:48
﴿وبدا لهم سيئات ما كسبوا﴾ يعني وظهر لهم حين بعثوا في الآخرة الشرك الذي كانوا عليه حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك لقولهم ذلك في سورة الأنعام :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ الآية ﴿وحاق بهم﴾ يعني وجب لهم العذاب بتكذيبهم واستهزائهم بالعذاب أنه غير كائن، فذلك قوله :﴿ما كانوا به﴾ بالعذاب ﴿يستهزئون﴾.
الزمر 39:49
﴿فإذا مس﴾ يعني أصاب ﴿الإنسان﴾ يعني أبا حذيفة بن المغيرة ﴿ضر﴾ يعني بلاء أو شدة ﴿دعانا﴾ يعني دعا ربه منيبا يعني مخلصا بالتوحيد أن يكشف ما به من الضر ﴿ثم إذا خولناه نعمة منا﴾ يقول: ثم إذا آتيناه، يعني أعطيناه الخير ﴿قال إنما أوتيته﴾ يعني إنما أعطيت الخير ﴿على علم﴾ عندي يقول: على علم عندي، يقول: على علم علمه الله مني، يقول الله عز وجل :﴿بل هي فتنة﴾ يعني بل تلك النعمة بلاء ابتلى به ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذلك.
الزمر 39:50
﴿قد قالها الذين من قبلهم﴾ يقول: قد قالها قارون في القصص قبل أبي حذيفة: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ الآية يقول: على خير علمه الله عندي يقول الله تبارك وتعالى :﴿فما أغنى عنهم﴾ من العذاب يعني الخسف ﴿ما كانوا يكسبون﴾
الزمر 39:51
﴿فأصابهم سيئات ما كسبوا﴾ يعني عقوبة ما كسبوا من الشرك ﴿والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين﴾ آية يعني وما هم بسابقي الله عز وجل بأعمالهم الخبيثة حتى يجزيهم بها ،
الزمر 39:52
ثم وعظوا ليعتبروا في توحيده، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين فقال :﴿أولم يعلموا أن الله يبسط﴾ يعني يوسع ﴿الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ يعني ويقتر على من يشاء ﴿إن في ذلك لآيات﴾ يعني لعلامات ﴿لقوم يؤمنون﴾ آية يعني يصدقون بتوحيد الله عز وجل.
الزمر 39:53
﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ نزلت في مشركي مكة وذلك أن الله عز وجل أنزل في الفرقان :﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآية فقال وحشي، مولى المطعم بن عدي بن نوفل: إني قد فعلت هذه الخصال فكيف لي بالتوبة فنزلت فيه :﴿إلا من تاب وآمن وعملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان :70] فأسلم وحشي، فقال مشركو مكة قد قبل من وحشي توبته، وقد نزل فيه ولم ينزل فينا فنزلت في مشركي مكة :﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ يعني بالإسراف: الشرك والقتل والزنا فلا ذنب أعظم إسرافا من الشرك ﴿لا تقنطوا﴾ يقول: لا تيأسوا ﴿من رحمة الله﴾ لأنهم ظنوا ألا توبة لهم ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ يعني الشرك والقتل والزنا الذي ذكر في سورة الفرقان ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ آية لمن تاب منها
الزمر 39:54
ثم دعاهم إلى التوبة. فقال سبحانه :﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ يقول: وارجعوا من الذنوب إلى الله ﴿وأسلموا له﴾ يعني وأخلصوا له بالتوحيد، ثم خوفهم فقال: ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ آية يعني لا تمنعون من العذاب.
الزمر 39:55
﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ من القرآن ﴿من ربكم﴾ يعني ما ذكر من الطاعة من الحلال والحرام ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة﴾ يعني فجأة ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ آية حين يفجؤكم
الزمر 39:56
من قبل ﴿أن تقول نفس يا حسرتي﴾ يعني يا ندامتا ﴿على ما فرطت﴾ يعني ما ضيعت ﴿في جنب الله﴾ يعني في ذات الله يعني من ذكر الله ﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ آية يعني لمن المستهزئين بالقرآن في الدنيا.
الزمر 39:58
﴿أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة﴾ يعني رجعة إلى الدنيا ﴿فأكون من المحسنين﴾ آية يقول: فأكون من الموحدين لله عز وجل يقول الله تبارك وتعالى رد عليه
الزمر 39:59
﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ يعني آيات القرآن ﴿فكذبت بها﴾ أنها ليست من الله ﴿واستكبرت﴾ يعني وتكبرت عن إيمان بها ﴿وكنت من الكافرين﴾
الزمر 39:60
ثم أخبر بما لهم في الآخرة، فقال سبحانه :﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله﴾ بأن معه شريكا ﴿وجوههم مسودة أليس﴾ لهذا المكذب بتوحيد الله ﴿في جهنم مثوى﴾ يعني مأوى ﴿للمتكبرين﴾ آية عن التوحيد.
الزمر 39:61
﴿وينجي الله﴾ من جهنم ﴿الذين اتقوا بمفازتهم﴾ يعني بنجاتهم بأعمالهم الحسنة ﴿لا يمسهم السوء﴾ يقول: لا يصيبهم العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾
الزمر 39:62
﴿الله خلق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ آية يقول: رب كل شيء من الخلق
الزمر 39:63
﴿له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿بآيات الله﴾ يعني بآيات القرآن ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ آية في العقوبة
الزمر 39:64
﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ آية وذلك أن كفار قريش دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه فحذر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبع دينهم فقال :
الزمر 39:65
﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾ من الأنبياء ﴿لئن أشركت﴾ بعد التوحيد ﴿ليحبطن﴾ يعني ليبطلن ﴿عملك﴾ الحسن إضمار الذي كان ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ آية في العقوبة.
الزمر 39:66
ثم أخبر بتوحيده، فقال تعالى :﴿بل الله فاعبد﴾ يقول: فوحد ﴿وكن﴾ له ﴿من الشاكرين﴾ آية في نعمه في النبوة والرسالة.
الزمر 39:67
قوله تعالى :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ نزلت في المشركين، يقول: وما عظموا الله حق عظمته ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ مطويات يوم القيامة بيمنه فيها تقديم فيهما كلاهما في يمينه يعني في قبضته اليمنى، قال ابن عباس: يقبض على الأرض والسموات جميعا فما يرى طرفهما من قبضته ويده الأخرى يمين ﴿سبحناه﴾ نزه نفسه عن شركهم ﴿وتعالى﴾ وارتفع ﴿عما يشركون﴾ آية به.
الزمر 39:68
﴿ونفخ في الصور﴾ وهو القرن وذلك أن إسرافيل وهو واضع فاه على القرن يشبه البوق ودائرة رأس القرن كعرض السماء والأرض وهو شاخص ببصره نحو العرض، يؤمر فينفخ في القرن فإذا نفخ فيه :﴿فصعق﴾ يعني فمات ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ من شدة الصوت والفزع من فيها من الحيوان، ثم استثنى ﴿إلا من شاء الله﴾ يعني جبريل، وميكائيل، ثم روح جبريل، ثم روح إسرافيل، ثم يأمر ملك الموت، فيموت ثم يدعهم، فيما بلغنا أمواتا أربعين سنة، ثم يحيى الله عز وجل إسرافيل، فيأمره أن ينفخ الثانية، فذلك قوله :﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام﴾ على أرجلهم ﴿ينظرون﴾ آية إلى البعث الذي كذبوا به، فذلك قوله تعالى :﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين :6] مقدار ثلاث مائة عام
الزمر 39:69
﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ يعني بنور ساقه، فذلك قوله تعالى :﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم :42] ﴿ووضع الكتاب﴾ الذي عملوا في أيديهم ليقرءوه ﴿وجاء بالنبيين﴾ فشهدوا عليهم بالبلاغ ﴿والشهداء﴾ يعني الحفظة من الملائكة، فشهدوا عليهم بأعمالهم التي عملوها ﴿وقضي بينهم بالحق﴾ يعني بالعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾ آية في أعمالهم.
الزمر 39:70
﴿ووفيت كل نفس﴾ بر وفاجر ﴿ما عملت﴾ في الدنيا من خير أو شر ﴿وهو أعلم بما يفعلون﴾ آية يقول الرب تبارك وتعالى: أعلم بأعمالهم من النبيين والحفظة.
الزمر 39:71
﴿وسيق الذي كفروا﴾ بتوحيد الله ﴿إلى جهنم زمرا﴾ يعني أفواجا من كفار كل أمة على حدة ﴿حتى إذا جاءوها﴾ يعني جهنم ﴿فتحت أبوابها﴾ يومئذ وكانت مغلقة ونشرت الصحف وكانت مطوية ﴿وقال لهم خزنتها﴾ يعني خزنة جهنم ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ يعني من أنفسكم ﴿يتلون عليكم﴾ يعني يقرءون عليكم ﴿آيات ربكم﴾ القرآن ﴿وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ يعني البعث ﴿قالوا بلى﴾ قد فعلوا ﴿ولكن حقت﴾ يعني وجبت ﴿كلمة العذاب﴾ يعني بالكلمة يوم قال لإبليس :﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص :85] ﴿على الكافرين﴾.
الزمر 39:72
﴿قيل﴾ قالت لهم الخزنة :﴿ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها﴾ لا يموتون ﴿فبئس مثوى المتكبرين﴾ آية عن التوحيد.
الزمر 39:73
﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ يعني أفواجا ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ وأبواب الجنة ثمانية مفتحة أبدا ﴿وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ آية لا يموتون فيها.
الزمر 39:74
فلما دخلوها ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض﴾ يعني أرض الجنة بأعمالنا ﴿نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ يعني نتنزل منها حيث نشاء رضاهم بمنازلهم منها، يقول الله تبارك وتعالى :﴿فنعم أجر العاملين﴾ آية وقال في هذه السورة :﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض﴾ يعني أرض الجنة، وقال في سورة الأنبياء :﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض﴾ يعني أرض الجنة ﴿يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء :105].
الزمر 39:75
﴿وترى﴾ يا محمد ﴿الملائكة حافين من حول العرش﴾ يعني تحت العرش ﴿يسبحون بحمد ربهم﴾ يعني يذكرونه بأمر ربهم ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ آية.
وذلك أن الله تبارك وتعالى افتتح الخلق بالحمد، وختم بالحمد، فقال :﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام :1]، وختم بالحمد حين قال :﴿وقضي بينهم بالحق﴾ يعني العدل ﴿وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ [الزمر :75].
غافر 40:2
﴿تنزيل الكتاب من الله﴾ يقول: قضى تنزيل الكتاب من الله ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿العليم﴾ آية بخلقه
غافر 40:3
﴿غافر الذنب﴾ يعني من الشرك ﴿وقابل التوب شديد العقاب﴾ لمن لم يوحده ﴿ذي الطول﴾ يعني ذي الغنى عمن لا يوحده، ثم وحد نفسه جل جلاله، فقال :﴿لا إله إلا هو إليه المصير﴾ آية يعني مصير العباد إليه في الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم.
غافر 40:4
قوله :﴿ما يجادل﴾ يعني يماري ﴿في آيات الله﴾ يعني آيات القرآن ﴿إلا الذين كفروا﴾ يعني الحارث بن قيس السهمي ﴿فلا يغررك﴾ يا محمد ﴿تقلبهم في البلاد﴾ آية يعني كفار مكة يقول: لا يغررك ما هم فيه من الخير والسعة من الرزق، فإنه متاع قليل ممتعون به إلى آجالهم في الدنيا.
غافر 40:5
ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا، فلا يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال :﴿كذبت قبلهم﴾ قبل أهل مكة ﴿قوم نوح﴾ الخالية رسلهم ﴿و﴾ كذبت ﴿والأحزاب﴾ يعني الأمم الخالية رسلهم ﴿من بعدهم﴾ يعني من بعد قوم نوح ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾ يعني ليقتلوه ﴿وجادلوا﴾ يعني وخاصموا رسلهم ﴿بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ يعني ليبطلوا به الحق الذي جاءت به الرسل وجدالهم أنهم قالوا لرسلهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما نحن إلا بشر مثلكم، ألا أرسل الله ملائكة، فهذا جدالهم كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿فأخذتهم﴾ بالعذاب ﴿فكيف كان عقاب﴾ آية يعني عقابي أليس وجده حقا.
غافر 40:6
﴿وكذلك﴾ يعني وهكذا عذبتهم، وكذلك ﴿حقت كلمت ربك﴾ يقول: وجبت كلمة العذاب من ربك ﴿على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ آية حين قال لإبليس :﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص :85].
غافر 40:7
قوله :﴿الذين يحملون العرش﴾ فيها إضمار، وهم أول من خلق الله تعالى من الملائكة وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في سورة "حم عسق" :﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى :5] فاختص في "حم" المؤمن، من الملائكة حملة العرش ﴿ومن حوله﴾ يقول: ومن حول العرش من الملائكة، واختص استغفار الملائكة بالمؤمنين من أهل الأرض، فقال :﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ يقول: يذكرون الله بأمره ﴿ويؤمنون به﴾ ويصدقون بالله عز وجل بأنه واحد لا شريك له ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ حين قالوا :﴿فاغفر للذين تابوا﴾ [غافر :7].
وقالت الملائكة :﴿ربنا وسعت كل شيء﴾ يعني ملأت كل شيء من الحيوان في السماوات والأرض ﴿رحمة﴾ يعني نعمة يتقلبون فيها ﴿وعلما﴾ يقول: علم من فيهما من الخلق، وقالوا :﴿فاغفر للذين تابوا﴾ من الشرك ﴿واتبعوا سبيلك﴾ يعني دينك ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾.
غافر 40:8
﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ على ألسنة الرسل ﴿و﴾ أدخل معهم الجنة ﴿ومن صلح﴾ يعني من وحد الله من الذين آمنوا ﴿من آباءهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ من الشرك ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾ آية.
غافر 40:9
ثم قال :﴿وقهم السيئات﴾ يعني الشرك ﴿ومن تق السيئات﴾ في الدنيا ﴿يومئذ فقد رحمته﴾ يومئذ في الآخرة ﴿وذلك﴾ الذي ذكر من الثواب ﴿هو الفوز العظيم﴾.
غافر 40:10
قوله :﴿إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ آية وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة ودخلوها مقتوا أنفسهم، فقالت لهم الملائكة، وهم خزنة جهنم يومئذ: لمقت الله إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى الإيمان، يعني التوحيد فكفرتم أكبر من مقتكم أنفسكم.
غافر 40:11
﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ يعني كانوا نطفا فخلقهم فهذه موتة وحياة، وأماتهم عند آجالهم، ثم بعثهم في الآخرة، فهذه موتة وحياة أخرى، فهاتان موتتان وحياتان ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ بأن البعث حق ﴿فهل إلى خروج من سبيل﴾ آية قالوا: فهل لنا كرة إلى الدنيا مثلها في "حم عسق".
غافر 40:12
قوله :﴿ذلكم﴾ المقت في التقديم إنما كان ﴿بأنه إذا دعي الله﴾ يعني إذا ذكر الله ﴿وحده كفرتم﴾ به يعني بالتوحيد ﴿وإن يشرك به تؤمنوا﴾ يعني وإن يعدل به تصدقوا، ثم قال :﴿فالحكم﴾ يعني القضاء ﴿لله العلي﴾ يعني الرفيع فوق خلقه ﴿الكبير﴾ آية يعني العظيم فلا شيء أعظم منه.
غافر 40:13
قوله تعالى :﴿هو الذي يريكم آياته﴾ يعني السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والسحاب، والليل، والنهار، والفلك في البحر، والنبت، والثمار عاما بعام ﴿وينزل لكم من السماء رزقا﴾ يعني المطر ﴿وما يتذكر﴾ في هذا الصنع فيوحد الرب تعالى ﴿إلا من ينيب﴾ آية إلا من يرجع.
غافر 40:14
ثم أمر المؤمنين بتوحيده، فقال عز وجل :﴿فادعوا الله مخلصين﴾ يعني موحدين ﴿له الدين﴾ يعني التوحيد ﴿ولو كره الكافرون﴾ آية من أهل مكة ،
غافر 40:15
ثم عظم نفسه عن شركهم، فقال عز وجل :﴿رفيع الدرجات﴾ يقول: أنا فوق السماوات لأنها ارتفعت من الأرض سبع سماوات ﴿ذو العرش﴾ يعني هو عليه، يعني على العرش ﴿يلقي الروح من أمره﴾ يقول: ينزل الوحي من السماء بإذنه ﴿على من يشاء من عباده﴾ من الأنبياء ﴿لينذر﴾ النبيون بما في القرآن من الوعيد ﴿يوم التلاق﴾ آية يعني يوم يلتقي الخالق والخلائق.
غافر 40:16
ثم ذكر ذلك اليوم، فقال :﴿يوم هم بارزون﴾ من قبورهم على ظهر الأرض مثل الأديم الممدود ﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ يقول: لا يستتر عن الله عز وجل منهم أحد، فيقول الرب تبارك وتعالى :﴿لمن الملك اليوم﴾ يعني يوم القيامة حين قبض السموات والأرض في يده اليمنى فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه :﴿لله الواحد﴾ لا شريك له ﴿القهار﴾ آية لخلقه حين أحياهم.
غافر 40:17
﴿اليوم﴾ في الآخرة ﴿تجزى كل نفس﴾ بر وفاجر ﴿بما كسبت﴾ من خير أو شر ﴿لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾ آية يفرغ الله تعالى من حسابهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ،
غافر 40:18
قوله تعالى :﴿وأنذرهم﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أنذر أهل مكة ﴿يوم الأزفة﴾ يعني اقتراب الساعة ﴿إذ القلوب لدى الحناجر﴾ وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة شخصت أبصارهم إليها فلا يطرفون وأخذتهم رعدة شديدة من الخوف فشهقوا شهقة فزالت قلوبهم من أماكنها فنشبت في حلوقهم فلا تخرج من أفواههم ولا ترج إلى أماكنها أبدا، فذلك قوله تعالى :﴿إذ القلوب﴾ يعني عند ﴿لدى الحناجر﴾ ﴿كاظمين﴾ يعني مكروبين ﴿ما للظالمين﴾ يعني المشركين ﴿من حميم﴾ يعني قريب ينفعهم ﴿ولا شفيع يطاع﴾ آية فيهم.
غافر 40:19
﴿يعلم خائنة الأعين﴾ يعني الغمزة فيما لا يحل بعينه والنظرة في المعصية ﴿وما تخفي الصدور﴾ آية يعني وما تسر القلوب من الشر
غافر 40:20
﴿والله يقضي بالحق﴾ يعني يحكم بالعدل ﴿والذين يدعون من دونه لا يقضون﴾ يعني لا يحكمون ﴿بشيء﴾ يعني والذين يعبدون من دونه لا يقضون بشيء، يعني آلهة كفار مكة ﴿إن الله هو السميع البصير﴾
غافر 40:21
ثم خوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا فيوحدوا الرب تبارك وتعالى فقال :﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم﴾ من الأمم الخالية عاد وثمود، وقوم لوط ﴿كانوا هم أشد منهم﴾ يعني من كفار مكة ﴿قوة﴾ يعني بطشا ﴿وأثارا في الأرض﴾ يعني أعمالا وملكوا في الأرض ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ فعذبهم ﴿وما كان لهم من الله من واق﴾ آية يقي العذاب عنهم.
غافر 40:22
يقول: ﴿ذلك﴾ العذاب إنما نزل بهم ﴿بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ يعني بالبيان ﴿فكفروا﴾ بالتوحيد ﴿فأخذهم الله﴾ بالعذاب ﴿إنه قوي﴾ في أمره ﴿شديد العقاب﴾ آية إذا عاقب يعني عقوبة الأمم الخالية.
غافر 40:23
قوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا موسى بآيتنا﴾ يعني اليد والعصا ﴿وسلطان مبين﴾ آية يعني وحجة بينة
غافر 40:24
﴿إلى فرعون وهامان وقارون﴾ فلما رأوا اليد والعصا قالوا ليستا من الله بل موسى ساحرن في اليد حين أخرجها بيضاء، والعصا حين صارت حية ﴿فقالوا ساحر كذاب﴾ آية حين زعم أنه رسول رب العالمين.
غافر 40:25
﴿فلما جاءهم﴾ موسى ﴿بالحق من عندنا﴾ يعني اليد والعصا آمنت به بنو إسرائيل ف ﴿قالوا﴾ أي قال فرعون وحده لقومه للملأ يعني الأشراف :﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه﴾ يعني مع موسى ﴿واستحيوا نساءهم﴾ يقول: اقتلوا أبناهم ودعوا البنات، فلما هموا بذلك حبسهم الله عنهم حين اقطعهم البحر، يقول الله عز وجل :﴿وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾ آية يعني خسار يقول: ﴿وما كيد﴾ فرعون الذي أراد ببني إسرائيل من قتل الأبناء واستحياء النساء ﴿إلا في ضلال﴾ يعني خسار.
غافر 40:26
﴿وقال فرعون﴾ لقومه القبط ﴿ذروني أقتل﴾ يقول: خلوا عني أقتل ﴿موسى وليدع ربه﴾ فليمنعه ربه من القتل ﴿إني أخاف أن يبدل دينكم﴾ يعني عبادتكم إياي ﴿أو أن يظهر في الأرض﴾ أرض مصر ﴿الفساد﴾ آية يعني بالفساد أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم كما فعلتم بقومه يفعله بكم ،
غافر 40:27
فلما قال فرعون لقومه :﴿ذروني أقتل موسى﴾.
استعاذ موسى ﴿وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر﴾ يعني متعظم عن الإيمان يعني التوحيد ﴿لا يؤمن بيوم الحساب﴾ آية يعني فرعون لا يصدق بيوم يدان بين العباد ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون﴾ يعني قبطي مثل فرعون ﴿يكتم إيمانه﴾ مائة سنة حتى سمع قول فرعون في قتل موسى، عليه السلام.
غافر 40:28
فقال المؤمن :﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ يعني اليد والعصا ﴿وإن يك﴾ موسى ﴿كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا﴾ في قوله وكذبتموه ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ من العذاب ﴿إن الله لا يهدي﴾ إلى دينه ﴿من هو مسرف كذاب﴾ آية يعني مشرك مفتن.
غافر 40:29
وقال المؤمن :﴿يا قوم﴾ لأنه قبطي مثلهم ﴿لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض﴾ يعني أرض مصر على أهلها ﴿فمن ينصرنا من بأس الله﴾ يقول: فمن يمنعنا من عذاب الله عز وجل ﴿إن جاءنا﴾ لما سمع فرعون قول المؤمن ﴿قال﴾ عدو الله ﴿فرعون﴾ عند ذلك لقومه :﴿ما أريكم﴾ من الهدى ﴿إلا ما أرى﴾ لنفسي ﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ آية يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى، بل يدلهم على سبيل الغي.
غافر 40:30
﴿وقال الذي آمن﴾ يعني صدق بتوحيد الله عز وجل ﴿يا قوم إني أخاف عليكم﴾ في تكذيب موسى ﴿مثل يوم الأحزاب﴾ آية يعني مثل أيام عذاب الأمم الخالية الذين كانوا رسلهم
غافر 40:31
﴿مثل دأب﴾ يعني مثل أشباه ﴿قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد﴾ آية فيعذب على غير ذنب.
غافر 40:32
ثم حذرهم المؤمن عذاب الآخرة، فقال :﴿ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد﴾ آية يعني يوم ينادي أهل الجنة أهل النار ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾ [الأعراف :44]، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة :﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ [الأعراف :50].
غافر 40:33
ثم أخبر المؤمن عن ذلك اليوم، فقال :﴿يوم تولون مدبرين﴾ يعني بعد الحساب إلى النار ذاهبين، كقوله :﴿فتولوا عنه مدبرين﴾ [الصافات :90] يعني ذاهبين إلى عيدهم ﴿ما لكم من الله من عاصم﴾ يعني من مانع يمنعكم من الله عز وجل ﴿ومن يضلل الله﴾ عن الهدى ﴿فما له من هاد﴾ آية يعني من أحد يهديه إلى دين الله عز وجل.
غافر 40:34
ثم وعظهم ليتفكروا، فقال :﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات﴾ ولم يكن رآه المؤمن قط، و ﴿من قبل﴾ موسى ﴿بالبينات﴾ يعني ببينات تعبير رؤيا الملك البقرات السبع بالسنين.
﴿فما زلتم في شك مما جاءكم به﴾ يعني مما أخبركم من تصديق الرؤيا ﴿حتى إذا هلك﴾ يعني مات ﴿قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك﴾ يعني هكذا ﴿يضل الله﴾ عن الهدى إضمار ﴿من هو مسرف﴾ يعني من هو مشرك ﴿مرتاب﴾ آية يعني شاك في الله عز وجل، لا يوحد الله تعالى.
غافر 40:35
قوله :﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان﴾ يعني بغير حجة ﴿آتاهم﴾ من الله ﴿كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا﴾ نزلت في المستهزئين من قريش يقول :﴿كذلك﴾ يعني هكذا ﴿يطبع الله﴾ يعني يختم الله عز وجل بالكفر ﴿على كل قلب متكبر جبار﴾ آية يعني قتال يعني فرعون تكبر عن عبادة الله عز وجل، يعني التوحيد كقوله :﴿إن تريد إلا أن تكون جبارا﴾ [القصص :19]، يعني قتالا.
غافر 40:36
﴿وقال فرعون يا همان ابن لي صرحا﴾ يعني قصرا مشيدا من آجر ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ آية ﴿أسباب السماوات﴾ يعني أبواب السماوات السبع يعني باب كل سماء إلى السابعة ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ ثم قال فرعون لهامان :﴿وإني لأظنه﴾ يعني إني لأحسب موسى ﴿كاذبا﴾ فيما يقول: إن في السماء إلها، ﴿وكذلك﴾ يقول: وهكذا ﴿زين لفرعون سوء عمله﴾ أن يطلع إلى إله موسى، قال :﴿وصد عن السبيل﴾ يقول: وصد فرعون الناس حين قال لهم: ما أريكم إلا ما أرى فصدهم عن الهدى ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ آية يقول: وما قول فرعون إنه يطلع إله موسى إلا في خسار.
قال مقاتل: فرعون أول من طبخ الآجر، وبنى به، وقال: قتل جعفر ذو الجناحين، وابن رواحة، وزيد بن حارثة، بمؤتة قتلهم غسان، وقتل خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني جذيمة سبعين رجلا.
قال مقاتل: عاد، وثمود ابنا عم، وموسى، وقارون ابنا عم، وإلياس، واليسع ابنا عم، ويحيى، وعيسى ابنا خالة.
قال مقاتل: أم عبد المطلب سلمى بنت زيد بن عدي، من بني عدي بن النجار، وأم النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب، من بني عبد مناف بن زهرة.
غافر 40:37
﴿وقال فرعون يا همان ابن لي صرحا﴾ يعني قصرا مشيدا من آجر ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ آية ﴿أسباب السماوات﴾ يعني أبواب السماوات السبع يعني باب كل سماء إلى السابعة ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ ثم قال فرعون لهامان :﴿وإني لأظنه﴾ يعني إني لأحسب موسى ﴿كاذبا﴾ فيما يقول: إن في السماء إلها، ﴿وكذلك﴾ يقول: وهكذا ﴿زين لفرعون سوء عمله﴾ أن يطلع إلى إله موسى، قال :﴿وصد عن السبيل﴾ يقول: وصد فرعون الناس حين قال لهم: ما أريكم إلا ما أرى فصدهم عن الهدى ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ آية يقول: وما قول فرعون إنه يطلع إله موسى إلا في خسار.
قال مقاتل: فرعون أول من طبخ الآجر، وبنى به، وقال: قتل جعفر ذو الجناحين، وابن رواحة، وزيد بن حارثة، بمؤتة قتلهم غسان، وقتل خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني جذيمة سبعين رجلا.
قال مقاتل: عاد، وثمود ابنا عم، وموسى، وقارون ابنا عم، وإلياس، واليسع ابنا عم، ويحيى، وعيسى ابنا خالة.
قال مقاتل: أم عبد المطلب سلمى بنت زيد بن عدي، من بني عدي بن النجار، وأم النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب، من بني عبد مناف بن زهرة.
غافر 40:38
ثم نصح المؤمن لقومه :﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد﴾ آية يعني طريق الهدى
غافر 40:39
﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾ قليل ﴿وإن الآخرة هي دار القرار﴾ آية يقول: تمتعون في الدنيا قليلا، ثم استقرت الدار الآخرة بأهل الجنة وأهل النار، يعني بالقرار لا زوال عنها.
غافر 40:40
ثم أخبر بمستقر الفريقين جميعا، فقال تعالى :﴿من عمل سيئة﴾ يعني الشرك ﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ فجزاء الشرك النار وهما عظيمان كقوله :﴿جزاء وفاقا﴾ [النبأ :26] ﴿ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾ آية يقول: بلا تبعة في الجنة فيما يعطون فيها من الخير.
غافر 40:41
ثم قال :﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ من النار إضمار يعني التوحيد ﴿وتدعونني إلى النار﴾ آية يعني الشرك
غافر 40:42
﴿تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم﴾ بأن له شريكا ﴿وأنا أدعوكم إلى العزيز﴾ في نقمته من أهل الشرك ﴿الغفار﴾ آية لذنوب أهل التوحيد.
غافر 40:43
ثم زهدهم في عبادة الآلهة، فقال :﴿لا جرم﴾ يعني حقا ﴿أنما تدعونني إليه﴾ من عبادة الآلهة ﴿ليس له دعوة﴾ مستجابة إضمار تنفعكم يقول: ليس بشيء ﴿في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله﴾ يعني مرجعنا بعد الموت إلى الله في الآخرة ﴿وأن المسرفين﴾ يعني المشركين ﴿هم أصحاب النار﴾ آية يومئذ
غافر 40:44
فردوا عليه نصيحته. فقال المؤمن :﴿فستذكرون﴾ إذا نزل بكم العذاب ﴿ما أقول لكم﴾ من النصيحة فأوعدوه، فقال :﴿وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾ آية واسمه حزبيل بن بر حيال ،
غافر 40:45
فهرب المؤمن إلى الجبال فطلبه رجلان، فلم يقدرا. فذلك قوله: ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ يعني ما أرادوا به من الشر ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ آية يقول: ووجب بآل القبط، وكان فرعون قبطيا، شدة العذاب، يعني الغرق.
غافر 40:46
قوله تعالى :﴿النار يعرضون عليها﴾ وذلك أن أرواح آل فرعون، وروح كل كافر تعرض على منازلها كل يوم مرتين ﴿غدوا وعشيا﴾ ما دامت الدنيا، ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال :﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يعني القيامة يقال :﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ آية يعني أشد عذاب المشركين.
غافر 40:47
ثم أخبر عن خصومتهم في النار، فقال :﴿وإذ يتحاجون في النار﴾ يعني يتخاصمون ﴿فيقول الضعفاء﴾ وهم الأتباع ﴿للذين استكبروا﴾ عن الإيمان، وهم القادة ﴿إنا كنا لكم تبعا﴾ في دينكم ﴿فهل أنتم﴾ يا معشر القادة ﴿مغنون عنا نصيبا من النار﴾ آية بإتباعنا إياكم.
غافر 40:48
﴿قال الذين استكبروا﴾ وهم القادة للضعفاء :﴿إنا كل فيها﴾ نحن وأنتم ﴿إن الله قد حكم﴾ يعني قضى ﴿بين العباد﴾ آية قد أنزلنا منازلنا في النار وأنزلكم منازلكم فيها.
غافر 40:49
﴿وقال الذين في النار﴾ فلما ذاق أهل النار شدة العذاب، قالوا :﴿لخزنة جهنم ادعوا ربكم﴾ يعني سلوا لنا ربكم ﴿يخفف عنا يوما﴾ من أيام الدنيا إضمار ﴿من العذاب﴾ آية.
غافر 40:50
فردت عليهم الخزنة ف ﴿قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم﴾ يعني رسل منكم ﴿بالبينات﴾ يعني بالبيان ﴿قالوا بلى﴾ قد جاءتنا الرسل ﴿قالوا﴾ قالت لهم الخزنة :﴿فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾
غافر 40:51
﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ يعني بالنصر في الدنيا الحجة التي معهم إلى العباد ﴿و﴾ نصرهم في الآخرة ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾ آية يعني الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ، ويشهدون على الكفار بتكذيبهم، والنصر للذين آمنوا: أن الله تبارك وتعالى نجاهم مع الرسل من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
غافر 40:52
ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال :﴿يوم لا ينفع الظالمين﴾ يعني المشركين ﴿معذرتهم ولهم اللعنة﴾ يعني العذاب ﴿ولهم سوء الدار﴾ آية الضلالة نار جهنم.
غافر 40:53
﴿ولقد آتينا موسى﴾ يعني أعطيناه ﴿الهدى﴾ يعني التوراة هدى من الضلالة ﴿وأورثنا﴾ من بعد موسى ﴿بني إسرائيل الكتاب﴾.
غافر 40:54
﴿هدى﴾ من الضلالة ﴿وذكرى لأولي الألباب﴾ آية يعني تفكرا لأهل اللب، والعقل.
غافر 40:55
قوله :﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ وذلك أن الله تبارك وتعالى وعد النبي متى يكون هذا الذي تعدنا؟ يقولون ذلك استهزاء وتكذيبا بأنه غير كائن، فأنزل الله عز وجل يعزي نبيه ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب، فقال :﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ في العذاب أنه نازل بهم القتل ببدر، وضرب الملائكة الوجوه والأدبار، وتعجيل أرواحهم إلى النار، فهذا العذاب ﴿واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار﴾ آية يعني وصل بأمر ربك بالغداة، يعني صلاة الغداة، وصلاة العصر.
غافر 40:56
قوله :﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم﴾ وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان يعنون الدجال، ماء البحر إلى ركبته، والسحاب فوق رأسه، فقال :﴿إن الذين يجادلون في آيات الله﴾ يعني يمارون في آيات الله، لأن الدجال آية من آيات الله عز وجل ﴿بغير سلطان أتاهم﴾ يعني بغير حجة أتتهم من الله، إضمار بأن الدجال كما يقولون، يقول الله عز وجل :﴿إن في صدورهم إلا كبر﴾ يقول: ما في قلوبهم إلا عظمة ﴿ما هم ببالغيه﴾ إلى ذلك الكبر لقولهم: إن الدجال يملك الأرض ﴿فاستعذ بالله﴾ يا محمد من فتنة الدجال ﴿إنه هو السميع﴾ لقولهم يعني اليهود ﴿البصير﴾ به.
غافر 40:57
ثم قال :﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ يعني بالناس في هذا الموضع الدجال وحده يقول: خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، يقول: هما أعظم خلقا من خلق الدجال ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ آية يعني اليهود.
غافر 40:58
ثم ضرب مثل المؤمن، ومثل الكافر، فقال تعالى :﴿وما يستوي﴾ في الفضل ﴿الأعمى﴾ يعني الكافر ﴿والبصير﴾ يعني المؤمن ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ يعني وما يستوي في الفضل المؤمن المحسن، ولا الكافر المسيء ﴿قليلا ما تتذكرون﴾
غافر 40:59
قوله :﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها﴾ يعني كائنة لا شك فيها ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ آية يعني كفار مكة أكثرهم لا يصدقون بالبعث.
غافر 40:60
﴿وقال ربكم﴾ لأهل اليمن :﴿ادعوني أستجب لكم﴾، ثم ذكر كفار مكة، فقال :﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ يعني عن التوحيد ﴿سيدخلون﴾ في الآخرة ﴿جهنم داخرين﴾ آية يعني صاغرين.
غافر 40:61
ثم ذكر النعم، فقال تعالى :﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا﴾ لابتغاء الرزق، فهذا فضله، فذلك قوله سبحانه :﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ يعني كفار مكة ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ آية ربهم في نعمه فيوحدونه.
غافر 40:62
ثم دلهم على نفسه تعالى بصنعه ليوحد، فقال :﴿ذلكم الله﴾ الذي جعل الليل والنهار وهو ﴿ربكم خالق كل شيء﴾ ثم وحد نفسه، فقال :﴿لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ آية يقول: من أين تكذبون بأنه ليس بواحد لا شريك له؟.
غافر 40:63
﴿كذلك يؤفك﴾ يعني هكذا يكذب بالتوحيد ﴿الذين كانوا بآيات الله﴾ يعني آيات القرآن ﴿يجحدون﴾.
غافر 40:64
﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم﴾ في الأرحام يعني خلقكم ﴿فأحسن صوركم﴾ ولم يخلقكم على خلقة الدواب والطير ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ يعني من غير رزق الدواب والطير، ثم دل على نفسه، فقال :﴿ذلكم الله ربكم﴾ الذي خلق الأرض والسماء وأحسن الخلق ورزق الطيبات ﴿فتبارك الله رب العالمين﴾.
غافر 40:65
﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾ ثم أمره بتوحيده، فقال تعالى :﴿فادعوه مخلصين﴾ يعني موحدين ﴿له الدين﴾ يعني له التوحيد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾.
غافر 40:66
﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله﴾ وذلك أن كفار مكة من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وجدك عبد المطلب، وإلى سادة قومك يعبدون اللات والعزى ومناة، فتأخذ به، فما يحملك على ذلك إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا، فأمروه بترك عبادة الله تعالى، فأنزل الله ﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة :﴿إني نهيت أن أعبد الذين تدعون﴾ يعني تعبدون ﴿من دون الله﴾ من الآلهة ﴿لما جاءني﴾ يعني حين جاءني ﴿البينات من ربي وأمرت أن أسلم﴾ يعني أخلص التوحيد ﴿لرب العالمين﴾.
غافر 40:67
﴿هو الذي خلقكم من تراب﴾ وذلك أن كفار مكة كذبوا بالبعث، فأخبرهم الله عن بدء خلقهم ليعتبروا في البعث، فقال تعالى :﴿هو الذي خلقكم من تراب﴾ يعني آدم، عليه السلام، ﴿ثم من نطفة﴾ يعني ذريته ﴿ثم من علقة﴾ يعني مثل الدم ﴿ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم﴾ يعني ثماني عشرة سنة، فهو في الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الأربعين سنة ﴿ثم لتكونوا شيوخا﴾ يعني لكي تكونوا شيوخا ﴿ومنكم من يتوفى من قبل﴾ أن يكون شيخا ﴿ولتبلغوا أجلا مسمى﴾ يعني الشيخ والشاب جميعا ﴿ولعلكم﴾ يعني ولكي ﴿تعقلون﴾ آية يقول: لكي تعقلوا آثار ربكم في خلقكم بأنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم.
غافر 40:68
ثم قال :﴿هو﴾ الله ﴿الذي يحي﴾ الموتى ﴿ويميت﴾ الأحياء ﴿فإذا قضى أمرا﴾ كان في علمه يعني البعث ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ فإنما يقول له كن فيكون آية مرة واحدة لا يثنى قوله.
غافر 40:69
﴿ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله﴾ يعني آيات الله القرآن أنه ليس من الله عز وجل ﴿أنى يصرفون﴾ آية يقول: من أين يعدلون عنه إلى غيره يعني كفار مكة.
غافر 40:70
ثم أخبر عنهم، فقال تعالى :﴿الذين كذبوا بالكتاب﴾ يعني بالقرآن ﴿وبما أرسلنا به رسلنا﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أرسل بالتوحيد، فأوعدهم في الآخرة. فقال :﴿فسوف يعلمون﴾ آية هذا وعيد.
غافر 40:71
ثم أخبر عن الوعيد، فقال :﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون﴾ آية على الوجوه.
غافر 40:72
﴿في الحميم﴾ يعني حر النار ﴿ثم في النار يسجرون﴾ آية يعني يوقدون، فصاروا وقودها.
غافر 40:73
﴿ثم قيل لهم﴾ قبل دخول النار، يعني تقول لهم الخزنة :﴿أين ما كنتم تشركون﴾ آية يعني تعبدون.
غافر 40:74
﴿من دون الله﴾ فهل يمنعونكم من النار يعني الآلهة، و ﴿قالوا ضلوا عنا﴾ ضلت عنا الآلهة ﴿بل لم نكن ندعو من قبل شيئا﴾ يعني لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا إن الذي كنا نعبد كان باطلا لم يكن شيئا، ﴿كذلك﴾ يعني هكذا ﴿يضل الله الكافرين﴾.
غافر 40:75
﴿ذلكم﴾ السلاسل والأغلال والسحب ﴿بما كنتم تفرحون في الأرض﴾ يعني تبطرون من الخيلاء والكبرياء ﴿بغير الحق وبما كنتم تمرحون﴾ آية يعني تعصون في الأرض.
غافر 40:76
﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾ السبع ﴿خالدين فيها﴾ لا تموتون ﴿فبئس مثوى﴾ يعني فبئس مأوى ﴿المتكبرين﴾ آية عن الإيمان.
غافر 40:77
﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كفار مكة أن العذاب نازل بهم، فكذبوه، فأنزل الله عز وجل يعزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب، فقال :﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ في العذاب أنه نازل بهم ببدر، ﴿فإما نرينك﴾ في حياتك ﴿بعض الذي نعدهم﴾ من العذاب في الدنيا القتل ببدر، وسائر العذاب بعد الموت نازل بهم، ثم قال :﴿أو نتوفينك﴾ يا محمد قبل عذابهم في الدنيا ﴿فإلينا﴾ في الآخرة ﴿يرجعون﴾ آية يعني يردون فنجزيهم بأعمالهم.
غافر 40:78
﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك﴾ يا محمد ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ ذكرهم ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية﴾ وذلك أن كفار مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية يقول الله تعالى :﴿وما كان لرسول﴾ يعني وما ينبغي لرسول ﴿أن يأتي بآية﴾ إلى قومه ﴿إلا بإذن الله﴾ يعني إلا بأمر الله ﴿فإذا جاء أمر الله﴾ بالعذاب يعني القتل ببدر فيها تقديم، ﴿قضي﴾ العذاب ﴿بالحق﴾ يعني لم يظلموا حين عفوا ﴿وخسر هنالك﴾ يعني عند ذلك ﴿المبطلون﴾ آية يعني المكذبين بالعذاب في الدنيا بأنه غير كائن.
غافر 40:79
ثم ذكرهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال سبحانه :﴿الله الذي جعل لكم الأنعام﴾ يعني الإبل والبقر ﴿لتركبوا منها ومنها تأكلون﴾ آية يعني الغنم.
غافر 40:80
﴿ولكم فيها منافع﴾ في ظهورها، وألبانها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها، ﴿ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم﴾ يعني في قلوبكم ﴿وعليها﴾ يعني الإبل والبقر ﴿وعلى الفلك﴾ يعني السفن ﴿تحملون﴾.
غافر 40:81
ثم قال :﴿ويريكم آياته﴾ لهذا الذي ذكر من الفلك والأنعام من آياته، فاعرفوا توحيده بصنعه، وإن لم تروه، ثم قال :﴿فأي آيات الله تنكرون﴾ آية أنه ليس من الله عز وجل.
غافر 40:82
ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا، فيوحدوه، فقال تعالى :﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ يعني قبل أهل مكة من الأمم الخالية يعني عادا، وثمود، وقوم لوط، ﴿كانوا أكثر منهم﴾ من أهل مكة عددا ﴿وأشد قوة﴾ يعني بطشا، ﴿وأثارا في الأرض﴾ يعني أعمالا وملكا في الأرض، فكان عاقبتهم العذاب ﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ آية في الدنيا حين نزل بهم العذاب، يقول: ما دفع عنهم العذاب أعمالهم الخبيثة.
غافر 40:83
﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ يعني بخبر العذاب أنه نازل بهم ﴿فرحوا﴾ في الدنيا يعني رضوا ﴿بما عندهم من العلم﴾ فقالوا: لن نعذب ﴿وحاق بهم﴾ يعني وجب العذاب لهم ب ﴿ما كانوا به﴾ بالعذاب ﴿يستهزئون﴾ آية أنه غير كائن.
غافر 40:84
يقول تعالى :﴿فلما رأوا بأسنا﴾ يعني عذابنا في الدنيا ﴿قالوا آمنا بالله وحده﴾ لا شريك له ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾.
غافر 40:85
يقول الله عز وجل :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ يعني عذابنا في الدنيا، يقول: لم يك ينفعهم تصديقهم بالتوحيد حين رأوا عذابنا ﴿سنت الله التي قد خلت في عباده﴾ بالعذاب في الذين خلوا من قبل يعني في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب لم ينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، فإنه رفع عنهم العذاب ﴿وخسر هنالك﴾ يقول: غبن عند ذلك ﴿الكافرون﴾ آية بتوحيد الله عز وجل، فاحذروا يا أهل مكة سنة الأمم الخالية، فلا تكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم.
فصلت 41:2
﴿تنزيل﴾ حم، يعني ما حم في اللوح المحفوظ، يعني ما قضى من الأمر، ﴿من الرحمن الرحيم﴾ آية، اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، ﴿الرحمن﴾، يعني المسترحم على خلقه، و ﴿الرحيم﴾ أرق من الرحمن، ﴿الرحيم﴾ اللطيف بهم.
فصلت 41:3
قوله :﴿كتاب فصلت آياته قرءانا عربيا﴾ ؛ ليفقهوه، ولو كان غير عربي، ما علموه، فذلك قوله :﴿لقوم يعلمون﴾ آية ما فيه.
فصلت 41:4
ثم قال: القرآن ﴿بشيرا﴾ بالجنة، ﴿ونذيرا﴾ من النار، ﴿فأعرض أكثرهم﴾، يعني أكثر أهل مكة عن القرآن، ﴿فهم لا يسمعون﴾ آية الإيمان به.
فصلت 41:5
﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾، وذلك أن أبا جهل بن هشام، وأبا سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، دخلوا على علي بن أبي طالب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قولوا: لا إله إلا الله" فشق ذلك عليهم، ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة﴾، يقولون: عليها الغطاء، فلا تفقه ما تقول، ﴿وفي آذاننا وقر﴾، يعني ثقل، فلا تسمع ما تقول، ثم إن أبا جهل بن هشام جعل ثوبه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب، ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾، يعني ستر، وهو الثوب الذي رفعه أبو جهل، ﴿فاعمل﴾ يا محمد لإلهك الذي أرسلك، ﴿إننا عاملون﴾ آية لآلهتنا التي نعبدها.
فصلت 41:6
ثم قال تعالى :﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة :﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ ؛ لقولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعمل أنت لإلهك، ونحن لآلهتنا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿فاستقيموا إليه﴾ بالتوحيد، ﴿واستغفروه﴾ من الشرك، ثم أوعدهم إن لم يتوبوا من الشرك، فقال :﴿وويل للمشركين﴾ آية، يعني كفار قريش.
فصلت 41:7
﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾، يعني لا يعطون الصدقة، ولا يطعمون الطعام، ﴿وهم بالآخرة﴾، يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿هم كافرون﴾ آية بها بأنها غير كائنة.
فصلت 41:8
ثم قال :﴿إن الذين آمنوا﴾، يعني صدقوا بالتوحيد، ﴿وعملوا الصالحات﴾ من الأعمال، ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ آية، يعني غير منقوص في الآخرة.
فصلت 41:9
﴿قل أئنكم لتكفرون﴾ بالتوحيد، و ﴿بالذي خلق الأرض في يومين﴾ يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم قال :﴿وتجعلون له أندادا﴾، يعني شركا، ﴿ذلك﴾ الذي خلق الأرض في يومين هو ﴿رب العالمين﴾ آية، يعني الناس أجمعين.
فصلت 41:10
ثم قال :﴿وجعل فيها رواسي من فوقها﴾، يعني جعل الجبل من فوق الأرض أوتادا للأرض ؛ لئلا تزول بمن عليها، ﴿وبارك فيها﴾، يعني في الأرض، والبركة الزرع والثمار والنبت وغيره، ثم قال :﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾، يقول: وقسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم، ﴿سواء للسائلين﴾ آية، يعني عدلا لمن يسأل الرزق من السائلين.
فصلت 41:11
﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾، قبل ذلك، ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا﴾ عبادتي ومعرفتي، يعني أعطيا الطاعة طيعا، ﴿أو كرها﴾، وذلك أن اله تعالى حين خلقهما عرض عليهما الطاعة بالشهوات واللذات، على الثواب والعقاب، فأبين أن يحملنها من المخافة، فقال لها الرب: ائتيا المعرفية لربكما والذكر له، على غير ثواب ولا عقاب، طوعا أو كرها، ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ آية، يعني أعطيناه طائعين.
فصلت 41:12
﴿فقضاهن سبع سماوات﴾، يقول: فخلق السماوات السبع، ﴿في يومين﴾، الأحد والاثنين، ﴿وأوحى﴾، يقول: وأمر ﴿في كل سماء أمرها﴾ الذي أراده، قال :﴿وزينا السماء الدنيا﴾، يقول: لأنها أدنى السماوات من الأرض، ﴿بمصابيح﴾، يعني الكواكب، ﴿وحفظا﴾ بالكواكب، يعني ما يرمي الشياطين بالشهاب﴾ ؛ لئلا يستمعوا إلى السماء، يقول :﴿ذلك﴾ الذي ذكر من صنعه في هذه الآية، ﴿تقدير العزيز﴾ في ملكه، ﴿العليم﴾ آية بخلقه.
فصلت 41:13
﴿فإن أعرضوا﴾ عن الإيمان، يعني التوحيد، ﴿فقل أنذرتكم صاعقة﴾ في الدنيا، ﴿مثل صاعقة عاد وثمود﴾ آية، يقول: مثل عذاب عاد وثمود، وإنما خص عادا وثمود من بين الأمم ؛ لأن كفار مكة قد عاينوا هلاكهم باليمن والحجر. قال مقاتل: كل من يموت من عذاب، أو سقم، أو قتل، فهو مصعوق.
فصلت 41:14
ثم قال :﴿إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم﴾، يعني من قبلهم ومن بعدهم، فقالوا لقومهم :﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾، يقول: وحدوا الله، ﴿قالوا﴾ للرسل: ﴿لو شاء ربنا لأنزل ملائكة﴾، فكانوا إلينا رسلا، ﴿فإنا بما أرسلتم به﴾، يعني بالتوحيد، ﴿كافرون﴾ آية لا نؤمن به.
فصلت 41:15
﴿فأما عاد فاستكبروا﴾، يعني فتكبروا عن الإيمان وعملوا ﴿في الأرض بغير الحق﴾، فخوفهم هود العذاب، ﴿وقالوا من أشد منا قوة﴾، يعني بطشا، قال: كان الرجل منهم ينزع الصخرة من الجبل لشدته، وكان طوله اثنا عشر ذراعا، ويقال: ثمانية عشر ذراعا، وكانوا باليمن في حضر موت، ﴿أولم يروا﴾، يقول: أو لم يعلموا ﴿أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾، يعني بطشا، ﴿وكانوا بآياتنا﴾، يعني بالعذاب، ﴿يجحدون﴾ آية أنه لا ينزل بهم ،
فصلت 41:16
فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم. فذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلنا﴾، فأرسل الله ﴿عليهم ريحا صرصرا﴾، يعني باردة، ﴿في أيام نحسات﴾، يعني شدادا، وكانت ريح الدبور فأهلكتهم، فذلك قوله :﴿لنذيقهم﴾، يعني لكي نعذبهم، ﴿عذاب الخزي﴾، يعني الهوان، ﴿في الحياة الدنيا﴾، فهو الريح، ﴿ولعذاب الآخرة أخرى﴾، يعني أشد وأكثر إهانة من الريح التي أهلكتهم في الدنيا، ﴿وهم لا ينصرون﴾ آية، يعني لا يسمعون من العذاب.
قال عبد الله: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: الصرصر، الريح الباردة التي لها صوت.
فصلت 41:17
ثم ذكر ثمود، فقال :﴿وأما ثمود فهديناهم﴾، يعني بينا لهم، ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾، يقول: اختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فأخذتهم صاعقة﴾، يعني صيحة جبريل عليه السلام، ﴿العذاب الهون بما كانوا يكسبون﴾ آية، يعني يعملون من الشرك.
فصلت 41:18
ثم قال :﴿ونجينا الذين آمنوا﴾، يعني صدقوا بالتوحيد من العذاب الذي نزل بكفارهم، ﴿وكانوا يتقون﴾ آية الشرك.
فصلت 41:19
قوله :﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون﴾ آية، نزلت في صفوان بن أمية الجمحي، وفي ربيعة، وعبد باليل ابني عمرو الثقفيين [......]، إلى خمس آيات، ويقال: إن الثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وفرقد بن ثمامة، وأبو فاطمة، ﴿فهم يوزعون﴾، يعني يساقون إلى النار، تسوقهم خزنة جهنم.
فصلت 41:20
﴿حتى إذا ما جاءوها﴾، يعني النار وعاينوها، قيل لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون في الدنيا؟ قالوا عند ذلك :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام :23] فختم الله على أفواههم، وأوحى إلى الجوارح فنطقت بما كتمت الألسن من الشرك، فذلك قوله :﴿شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم﴾ وأيديهم، وأرجلهم، ﴿بما كانوا يعملون﴾ آية من الشرك.
فصلت 41:21
فلما شهدت عليهم الجوارح، ﴿وقالوا لجلودهم﴾، قالت الألسن للجوارح :﴿لم شهدتم علينا﴾، يعني الجوارح، قالوا: أبعدكم الله، إنما كنا نجاحش عنكم، فلم شهدتم علينا بالشرك، ولم تكونوا تتكلمون في الدنيا، ﴿قالوا﴾، قالت الجوارح للألسن :﴿أنطقنا الله﴾ اليوم، ﴿الذي أنطق كل شيء﴾ من الدواب وغيرها، ﴿وهو خلقكم أول مرة﴾ يعني هو أنطقكم أول مرة من قبلها في الدنيا، قبل أن ننطق نحن اليوم، ﴿وإليه ترجعون﴾ آية، يقول: إلى الله تردون في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم، في التقديم.
فصلت 41:22
وذلك أن هؤلاء النفر الثلاثة كانوا في ظل الكعبة يتكلمون، فقال أحدهما: هل يعلم الله ما تقول؟ فقال الثاني: إن خفضنا لم يعلم، وإن رفعنا علمه، فقال الثالث: إن كان الله يسمع إذا رفعنا، فإنه يسمع إذا خفضنا، فسمع قولهم عبد الله بن مسعود، فأخبر بقولهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله في قولهم :﴿وما كنتم تستترون﴾، يعني تستيقنون، وقالوا: تستكتمون، ﴿أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم﴾ يعني حسبتم، ﴿أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾ آية، يعني هؤلاء الثلاثة، قول بعضهم لبعض: هل يعلم الله ما نقول؟ لقول الأول والثاني والثالث، يقول: حسبتم ﴿أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾.
فصلت 41:23
﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم﴾، يقول: يقينكم الذي أيقنتم بربكم وعلمكم بالله بأن الجوارح لا تشهد عليكم، ولا تنطق، وأن الله لا يخزيكم بأعمالكم الخبيثة، ﴿أرداكم﴾، يعني أهلككم سوء الظن، ﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾ آية بظنكم السيئ، كقوله لموسى :﴿فتردى﴾ [طه :16]، يقول فتهلك، ﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾، يعني من أهل النار.
فصلت 41:24
﴿فإن يصبروا﴾ على النار، ﴿فالنار مثوى لهم﴾، يعني فالنار مأواهم، ﴿وإن يستعتبوا﴾ في الآخرة، ﴿فما هم من المعتبين﴾ آية، يقول: وإن يستقيلوا ربهم في الآخرة، فما هم من المقالين، لا يقبل ذلك منهم.
فصلت 41:25
ثم قال :﴿وقيضنا لهم﴾ في الدنيا ﴿قرناء﴾ من الشياطين، يقول: وهيأنا لهم قرناء في الدنيا، ﴿فزينوا لهم﴾، يقول: فحسنوا لهم، كقوله :﴿كذلك زين﴾ [يونس :12]، يقول: حسن ﴿ما بين أيديهم﴾، يعني من أمر الآخرة، وزينوا لهم التكذيب بالبعث والحساب والثواب والعقاب أن ذلك ليس بكائن، ﴿و﴾ زينوا لهم ﴿وما خلفهم﴾ من الدنيا، فحسنوه في أعينهم، وحببوها إليهم حتى لا يعملوا خيرا، ﴿وحق عليهم القول﴾، يعني وجب عليهم العذاب، ﴿في أمم﴾، يعني مع أمم، ﴿قد خلت من قبلهم﴾، يعني من قبل كفار مكة، ﴿من﴾ كفار ﴿الجن والإنس﴾ من الأمم الخالية، ﴿إنهم كانوا خاسرين﴾ آية.
فصلت 41:26
﴿وقال الذين كفروا﴾، يعني الكفار، ﴿لا تسمعوا لهذا القرءان﴾ [آية:.....]، إلى ثلاث آيات، هذا قول أبي جهل، وأبي سفيان لكفار قريش، قالوا لهم: إذا سمعتم القرآن من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فارفعوا أصواتكم بالأشعار والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم قولهم فيسكتون، فذلك قوله :﴿والغوا فيه﴾ بالأشعار والكلام، ﴿لعلكم تغلبون﴾ آية، يعني لكي تغلبونهم فيسكتون.
فصلت 41:27
فأخبر الله تعالى بمستقرهم في الآخرة، فقال :﴿فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا﴾، يعني أبا جهل وأصحابه، ﴿ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون﴾ آية من الشرك.
فصلت 41:28
﴿ذلك﴾ العذاب ﴿جزاء أعداء الله النار﴾، يعني أبا جهل وأصحابه، ﴿لهم فيها دار الخلد﴾ لا يموتون، ﴿جزاء بما كانوا بآياتنا﴾، يعني بآيات القرآن، ﴿يجحدون﴾ آية أنه ليس من الله تعالى، وقد عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في قوله، ونزل في أبي جهل بن هشام، وأبي بن خلف :﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون...﴾ [فصلت :40] الآية.
فصلت 41:29
﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس﴾ ؛ لأنهما أول من أقاما على المعصية من الجن إبليس، ومن الإنس ابن آدم قاتل هابيل رأس الخطيئة، ﴿نجعلهما تحت أقدامنا﴾، يعني من أسلف منا في النار، ﴿ليكونا من الأسفلين﴾ آية في النار.
فصلت 41:30
ثم أخبر عن المؤمنين، فقال :﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾، فعرفوه، ﴿ثم استقاموا﴾ على المعرفة، ولم يرتدوا عنها، ﴿تتنزل عليهم الملائكة﴾ في الآخرة من السماء، وهم الحفظة، ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ آية، وذلك أن المؤمن إذا خرج من قبره، فينفض رأسه، وملكه قائم على رأسه يسلم عليه، فيقول الملك للمؤمن: أتعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا الذي كنت أكتب عملك الصالح، فلا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، وذلك أن الله وعدهم على ألسنة الرسل في الدنيا الجنة.
فصلت 41:31
وتقول الحفظة يومئذ للمؤمنين :﴿نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا﴾، ونحن أولياؤكم اليوم ﴿وفي الآخرة ولكم فيها﴾، يعني في الجنة، ﴿ما تشتهي أنفسكم ولكن فيها ما تدعون﴾ آية، يعني مما تتمنون.
فصلت 41:32
هذا الذي أعطاكم الله كان ﴿نزلا من غفور رحيم﴾.
فصلت 41:33
قوله :﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله﴾، يعني التوحيد، ﴿وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾ آية، يعني المخلصين، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
فصلت 41:34
قوله :﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾، وذلك أن أبا جهل كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي مبغضا له، يكره رؤيته، فأمر بالعفو والصفح، يقول: إذا فعلت ذلك، ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة﴾، يعني أبا جهل، ﴿كأنه ولي﴾ لك في الدين، ﴿حميم﴾ آية لك في النسب، الشفيق عليك.
فصلت 41:35
ثم أخبر نبيه، عليه السلام :﴿وما يلقاها﴾، يعني لا يؤتاها، يعني الأعمال الصالحة، العفو والصفح، ﴿إلا الذين صبروا﴾ على كظم الغيظ، ﴿وما يلقاها﴾، يعني لا يؤتاها، ﴿إلا ذو حظ عظيم﴾ آية نصيبا وافرا في الجنة، فأمره الله بالصبر، والاستعاذة من الشيطان في أمر أبي جهل.
فصلت 41:36
﴿وإما ينزغنك﴾، يعني يفتننك في أمر أبي جهل والرد عنه، ﴿من الشيطان نزغ﴾ يعني فتنة، ﴿فاستعذ بالله إنه هو السميع﴾ بالاستعاذة، ﴿العليم﴾ آية بها، نظيرها في حم المؤمن :﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر :56]، وفي الأعراف أمر أبي جهل.
فصلت 41:37
﴿ومن آياته﴾ أن يعرف التوحيد بصنعه، وإن لم تروه، ﴿الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾، يعني الذي خلق هؤلاء الآيات، ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ آية، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يومئذ، فقال كفار مكة عند ذلك: بل نسجد للات، والعزى، ومناة.
فصلت 41:38
يقول الله تعالى :﴿فإن استكبروا﴾ عن السجود لله، ﴿فالذين عند ربك﴾ من الملائكة، ﴿يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون﴾ آية، يعني لا يملون من الذكر له والعبادة، وليست لهم فترة ولا شآمة.
فصلت 41:39
﴿ومن آياته﴾ أن يعرف التوحيد بصنعه، وإن لم تروه، ﴿أنك ترى الأرض خاشعة﴾ متهشمة غبراء لا نبت فيها، ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء﴾، يعني على الأرض المطر، فصارت حية، فأنبتت، و ﴿اهتزت﴾ بالخضرة، ﴿وربت﴾، يقول: وأضعفت النبات، ثم قال: ﴿إن الذي أحياها﴾ بعد موتها، ﴿لمحي الموتى﴾ في الآخرة، ليعتبر من يشك في البعث، ﴿إنه على كل شيء قدير﴾ آية، من البعث وغيره.
فصلت 41:40
قوله :﴿إن الذين يلحدون في آياتنا﴾، يعني أبا جهل، يميل عن الإيمان بالقرآن، بالأشعار والباطل، ﴿لا يخفون علينا﴾، يعني أبا جهل، وأخبر الله تعالى بمستقره في الآخرة، فقال :﴿أفمن يلقى في النار خير﴾، يعني أبا جهل، خير ﴿أم من يأتي آمنا يوم القيامة﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لكفار مكة :﴿اعملوا ما شئتم﴾، هذا وعيد، ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ آية، من الشرك وغيره.
فصلت 41:41
﴿إن الذين كفروا﴾، يعني أبا جهل، ﴿بالذكر لما جاءهم﴾، يعني به القرآن حين جاءهم، وهو أبو جهل وكفار مكة، ﴿وإنه لكتاب عزيز﴾ آية، يقول: وإنه لقرآن منيع من الباطل، فلا يستذل ؛ لأنه كلام الله.
فصلت 41:42
﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه﴾، يقول: لا يأتي القرآن بالتكذيب، بل يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت قبله: التوراة، والإنجيل، والزبور، ثم قال :﴿ولا﴾ يأتيه الباطل ﴿من خلفه﴾، يقول: لا يجيئه من بعده كتاب يبطله فيكذبه، بل هو ﴿تنزيل﴾، يعني وحي، ﴿من حكيم﴾ في أمره، ﴿حميد﴾ آية عند خلقه.
فصلت 41:43
ثم قال :﴿ما يقال لك﴾ يا محمد من التكذيب بالقرآن أنه ليس بنازل عليك، ﴿إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ من قومهم من التكذيب لهم أنه ليس العذاب بنازل بهم، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على الأذى والتكذيب، ﴿إن ربك لذو مغفرة﴾، يقول: ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى الوقت، حين سألوا العذاب في الدنيا، وإذا جاء الوقت، ﴿وذو عقاب﴾، فهو ذو عقاب ﴿أليم﴾ آية، يعني وجيع، كقوله :﴿إن تكونوا تألمون﴾ [النساء :104]، إن كنتم تتوجعون.
فصلت 41:44
قوله :﴿ولو جعلناه قرءانا أعجميا﴾، وذلك أن كفار قريش كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على يسار أبي فكيهة اليهودي، وكان أعجمي اللسان، غلام عامر بن الحضرمي القرشي يحدثه، قالوا: ما يعلمه إلا يسار ابر فكيهة، فأخذه سيده فضربه، وقال له: إنك تعلم محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال يسار: بل هو يعلمني، فأنزل الله عز وجل :﴿ولو جعلناه قرءانا أعجميا﴾، يقول: بلسان العجم، ﴿لقالوا﴾، لقال كفار مكة :﴿لولا فصلت﴾، يقول: هلا بينت ﴿آياته﴾ بالعربية حتى نفقه ونعلم ما يقول محمد، ﴿أعجمي﴾، ولقالوا: إن القرآن أعجمي أنزل على محمد، ﴿و﴾ وهو ﴿وعربي قل﴾ نزله الله عربيا لكي يفقهوه، ولا يكون لهم علة، يقول الله تعالى :﴿هو للذين آمنوا هدى﴾ من الضلالة، ﴿وشفاء﴾ لما في القلوب للذي فيه من التبيان، ثم قال :﴿والذين لا يؤمنون﴾ بالآخرة، يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿في آذانهم وقر﴾، يعني ثقل، فلا يسمعون الإيمان بالقرآن، ﴿وهو عليهم عمى﴾، يعني عموا عنه، يعني القرآن، فلم يبصروه ولم يفقهوه، ﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ آية إلى الإيمان بأنه غير كائن ؛ لأنهم صم عنه، وعمي، وفي آذانهم وقر.
فصلت 41:45
قوله :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾، يقول: أعطينا موسى التوراة، ﴿فاختلف فيه﴾، يقول: فكفر به بعضهم، ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾، وهي كلمة الفصل بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى، يعني يوم القيامة، يقول: لولا ذلك الأجل، ﴿لقضي﴾، يعني بين الذين آمنوا وبين الذين اختلفوا وكفروا بالكتاب، لولا ذلك الأجل، لنزل بهم العذاب في الدنيا، ﴿بينهم وإنهم لفي شك منه﴾، يعني من الكتاب، ﴿مريب﴾ آية، يعني أنهم لا يعرفون شكهم.
فصلت 41:46
ثم قال :﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء﴾ العمل، ﴿فعليها﴾، يقول: إساءته على نفسه، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾.
فصلت 41:47
﴿إليه يرد علم الساعة﴾، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن الساعة، فإن كنت رسولا كما زعمت علمتها، وإلا علمنا أنك لست برسول، ولا نصدقك، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يعلمها إلا الله، أرد علمها إلى الله"، فقال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: فإن كنت رددت علمها، يعني علم الساعة إلى الله، فإن الملائكة والخلق كلهم ردوا علم الساعة، يعني القيامة، إلى الله عز وجل، ﴿و﴾ يعلم ﴿وما تخرج من ثمرات من أكمامها﴾، يعني من أجوافهما، يعني الطلع، ﴿و﴾ يعلم ﴿وما تحمل من أنثى﴾ ذكرا أو أنثى، سويا وغير سوي، يقول :﴿ولا تضع إلا بعلمه﴾، يقول: لا تحمل المرأة الولد، ولا تضعه إلا بعلمه، ﴿ويوم يناديهم أين شركائي قالوا أذناك﴾، يقول: أسمعناك، كقوله :﴿وأذنت لربها﴾ [الانشقاق :2]، يقول: سمعت لربها، ﴿ما منا من شهيد﴾ آية يشهد بأن لك شريكا، فتبرءوا يومئذ من أن يكون مع الله شريك.
فصلت 41:48
يقول :﴿وضل عنهم﴾ في الآخرة، ﴿ما كانوا يدعون﴾، يقول: يعبدون، يقول: ما عبدوا في الدنيا ﴿من قبل وظنوا﴾، يعني وعلموا، ﴿ما لهم من محيص﴾ آية، يعني من فرار من النار.
فصلت 41:49
﴿لا يسئم الإنسان﴾، يقول: لا يمل الكافر، ﴿من دعاء الخير﴾، يقول: لا يزال يدعو ربه الخير والعافية، ﴿وإن مسه الشر﴾، يعني البلاء وشدة، ﴿فيئوس﴾ من الخير، ﴿قنوط﴾ آية من الرحمة.
فصلت 41:50
ثم قال :﴿ولئن أذقناه رحمة منا﴾، يقول: ولئن آتيناه خير وعافية، ﴿من بعد ضراء مسته﴾، يعني بعد بلاء وشدة أصابته، ﴿ليقولن هذا لي﴾، يقول: أنا أحق بهذا، يقول :﴿وما أظن﴾، يقول: ما أحسب ﴿الساعة قائمة﴾، يعني القيامة كائنة، ثم قال الكافر :﴿ولئن رجعت إلى ربي﴾ في الآخرة إن كانت آخرة، ﴿إن لي عنده للحسنى﴾، يعني الجنة كما أعطيت في الدنيا، يقول الله تعالى :﴿فلننبئن الذين كفروا بما عملوا﴾ من أعمالهم الخبيثة، ﴿ولنذيقنهم من عذاب غليظ﴾ آية، يعني شديد لا يقتر عنهم، وهم فيه مبلسون.
فصلت 41:51
ثم قال :﴿وإذا أنعمنا على الإنسان﴾ بالخير والعافية، ﴿أعرض﴾ عن الدعاء، فلا يدعو ربه، ﴿ونئا بجانبه﴾، يقول: وتباعد بجانبه عن الدعاء في الرخاء، ﴿وإذا مسه الشر﴾، بلاء أن شدة أصابته، ﴿فذو دعاء عريض﴾ آية، يعني دعاء كبير يسأل ربه أن يكشف ما به من الشدة في الدعاء، ويعرض عن الدعاء في الرخاء.
فصلت 41:52
﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة :﴿أرأيتم إن كان﴾ هذا القرآن ﴿من عند الله ثم كفرتم به﴾، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك، أما وجد الله رسولا غيرك، وأنت أحقرنا، وأنت أضعفنا ركنا، وأقلنا جندا، أو يرسل ملكا، إن هذا الذي جئت به لأمر عظيم، يقول الله :﴿من أضل﴾، يقول: فلا أحد أضل، ﴿ممن هو في شقاق بعيد﴾ آية، يعني في ضلال طويل.
فصلت 41:53
ثم خوفهم، فقال :﴿سنريهم آياتنا﴾، يعني عذابنا، ﴿في الآفاق﴾، يعني في البلاد ما بين اليمن والشام، عذاب قوم عاد، وثمود، وقوم لوط، كانوا تمرون عليهم، ثم قال :﴿و﴾ نريهم العذاب ﴿وفي أنفسهم﴾، فهو القتل ببدر، ﴿حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، يعني أن هذا القرآن الحق من الله عز وجل، ﴿أولم يكف بربك﴾ شاهدا أن هذا القرآن جاء من الله عز وجل، ﴿أنه على كل شيء شهيد﴾ آية، كقوله في الأنعام :﴿قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ [الأنعام :19].
فصلت 41:54
﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم﴾، يعني في شك من البعث وغيره، ﴿ألا إنه بكل شيء محيط﴾ آية.
الشورى 42:1
سورة الشورى
سورة حم عسق، مكية، عددها خمسون وثلاث آيات كوفي
﴿حم عسق﴾ في أمر العذاب يا محمد، فيها تقديم، إليك وإلى الأنبياء من قبلك، فمن ثم قال :﴿كذلك يوحي إليك﴾ يا محمد
الشورى 42:2
سورة الشورى
سورة حم عسق، مكية، عددها خمسون وثلاث آيات كوفي
﴿حم عسق﴾ في أمر العذاب يا محمد، فيها تقديم، إليك وإلى الأنبياء من قبلك، فمن ثم قال :﴿كذلك يوحي إليك﴾ يا محمد
الشورى 42:3
﴿كذلك يوحي إليك﴾ يا محمد، ﴿وإلى الذين من قبلك﴾ من الأنبياء أنه نازل بقومهم إذا كذبوا الرسل، ثم عظم نفسه، فقال له: يا محمد، إنما ذلك بوحي ﴿الله العزيز﴾ في ملكه، ﴿الحكيم﴾ آية في أمره.
الشورى 42:4
﴿له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي﴾، يعني الرفيع فوق خلقه، ﴿العظيم﴾ آية، فلا أكبر منه.
الشورى 42:5
﴿تكاد السماوات يتفطرون من فوقهن﴾، يعني يتشققن من عظمة الرب الذي هو فوقهن، ثم قال :﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم﴾، يعني يصلون بأمر بهم، ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾، ثم بين في حم المؤمن، أي الملائكة هم، فقال :﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾، ثم بين لمن يستغفرون، فقال :﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر :7]، يعني المؤمنين، فصارت هذه الآية منسوخة، نسختها الآية التي في حم المؤمن، ثم قال :﴿ألا إن الله هو الغفور﴾ لذنوبهم، ﴿الرحيم﴾ آية بهم.
الشورى 42:6
قوله :﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء﴾، يعبدونها من دون الله، ﴿الله حفيظ عليهم﴾، يعني رقيب عليهم، ﴿وما أنت عليهم﴾ يا محمد، ﴿بوكيل﴾ آية، يعني بمسيطر.
الشورى 42:7
﴿وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا﴾ ليفقهوا ما فيه، و ﴿لتنذر﴾، يعني ولكني تنذر بالقرآن يا محمد ﴿أم القرى﴾، وهي مكة، وإنما سميت أم القرى ؛ لأن الأرض كلها دحيت من تحت الكعبة، قال: ﴿و﴾ لتنذر يا محمد بالقرآن ﴿ومن حولها﴾، يعني حول مكة من القرى، يعني قرى الأرض كلها، ﴿و﴾ لكي ﴿وتنذر﴾ بالقرآن ﴿يوم الجمع﴾، يعني جمع أهل السماوات، وجمع أهل الأرض، ﴿لا ريب فيه﴾، يعني لا شك فيه في البعث أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ آية، يعني الوقود، ثم لا يجتمعون أبدا.
الشورى 42:8
قال :﴿ولو شاء الله لجعلهم﴾، يعني كفار مكة، ﴿أمة واحدة﴾، يعني على ملة الإسلام وحدها، ﴿ولكن يدخل من يشاء في رحمته﴾، يعني في دينه الإسلام، ﴿والظالمون﴾، يعني مشركي مكة، ﴿ما لهم من ولي﴾، يعني من قريب ينفعهم في الآخرة، ﴿ولا نصير﴾ آية، يعني ولا مانع يمنعهم من العذاب، عذاب النار.
الشورى 42:9
قوله :﴿أم اتخذوا من دونه﴾ من الملائكة ﴿أولياء﴾، يعني آلهة، وهم خزاعة وغيرهم يعبدونها، ﴿فالله هو الولي﴾، يعني الرب، ﴿وهو يحي الموتى﴾ في الآخرة، ﴿وهو على كل شيء﴾ من البعث وغيره، ﴿قدير﴾.
الشورى 42:10
قوله :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾، وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن بعضهم، فقال الله تعالى: إن الذي اختلفتم فيه، فإني أرد قضاءه إلي، وأنا أحكم فيه، ثم دل على نفسه بصنعه، فقال :﴿ذلكم الله﴾، الذي يحيى الموتى، ويميت الأحياء، هو أحياكم، وهو الله ﴿ربي عليه توكلت﴾، يعني به أثق، ﴿وإليه أنيب﴾ آية، يقول: إليه أرجع.
الشورى 42:11
قوله :﴿فاطر السماوات والأرض﴾، يعني خالق السماوات والأرض، ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾، يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجا، يعني الحلائل لتسكنوا إليهن، ﴿ومن الأنعام أزوجا﴾، يعني ذكورا وإناثا، ﴿يذرؤكم فيه﴾، يقول: يعيشكم فيه فيما جعل من الذكور والإناث من الأنعام، ثم عظم نفسه، فقال :﴿ليس كمثله شيء﴾ في القدرة، ﴿وهو السميع﴾ لقول كفار مكة، ﴿البصير﴾ آية بما خلق.
الشورى 42:12
﴿له مقاليد السماوات﴾، يعني مفاتيح بلغة النبط، ﴿مقاليد السماوات﴾، المطر، ﴿والأرض﴾، يعني النبات، ﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾، يقول: يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويقتر على من يشاء، ﴿إنه بكل شيء﴾ من البسط والقتر، ﴿عليم﴾.
الشورى 42:13
قوله :﴿شرع لكم من الدين﴾، يقول: بين لكم، ويقال: سن لكم آثار الإسلام، والمن هاهنا صلة، ك ﴿ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك﴾، فيه تقديم، ﴿وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين﴾، يعني التوحيد، ﴿ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين﴾، يقول: عظم على مشركي مكة، ﴿ما تدعوهم إليه﴾ يا محمد ؛ لقولهم :﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص :5]، يعني التوحيد، ثم اختص أولياءه، فقال :﴿الله يجتبي إليه﴾، يقول: يستخلص لدينه، ﴿من يشاء و﴾ هو ﴿ويهدي إليه﴾ إلى دينه، ﴿من ينيب﴾ آية، يعني من يراجع التوبة.
الشورى 42:14
ثم قال :﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾، يعني البيان، ﴿بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك﴾، ولولا كلمة الفصل التي سبقت من ربك في الآخرة يا محمد في تأخير العذاب عنهم، ﴿إلى أجل مسمى﴾، يعني به القيامة، ﴿لقضي بينهم﴾، بين من آمن وبين من كفر، ولولا ذلك لنزل بهم العذاب في الدنيا، حين كذبوا واختلفوا، ثم قال :﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم﴾ قوم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أورثوا الكتاب من بعدهم، اليهود، والنصارى من بعد أنبيائهم، ﴿لفي شك منه﴾ يعني من الكتاب الذي عندهم، ﴿مريب﴾.
الشورى 42:15
قوله :﴿فلذلك فادع﴾، يعني إلى التوحيد، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ادع أهل الكتاب إلى معرفة ربك، إلى هذا التوحيد، ﴿واستقم﴾، يقول: وامض، ﴿كما أمرت﴾ بالتوحيد، كقوله في الزمر :﴿فاعبد الله﴾ [الزمر :2]، ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ في ترك الدعاء، وذلك حين دعاه أهل الكتاب إلى دينهم.
ثم قال :﴿وقل﴾ لأهل الكتاب :﴿آمنت﴾، يقول: صدقت، ﴿بما أنزل الله من كتاب﴾، يعني القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، ﴿وأمرت لأعدل بينكم﴾، بين أهل الكتاب في القول، يقول: أعدل بما آتاني الله في كتابه، والعدل أنه دعاهم إلى دينه، قوله :﴿الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكن أعمالكم﴾، يقول: لنا ديننا الذي نحن عليه، ولكن دينكم الذي أنتم عليه، ﴿لا حجة﴾، يقول: لا خصومة، ﴿بيننا وبينكم﴾ في الدين، يعني أهل الكتاب، نسختها آية القتال في براءة، ﴿الله يجمع بيننا﴾، في الآخرة، فيجازينا بأعمالنا، ويجازيكم، ﴿وإليه المصير﴾.
الشورى 42:16
﴿والذين يحاجون﴾، يعني يخاصمون، ﴿في الله﴾، فهم اليهود، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا للمسلمين: ديننا أفضل من دينكم، ونبينا أفضل من نبيكم، يقول :﴿من بعد ما استجيب له﴾، يعني لله في الإيمان، ﴿حجتهم داحضة﴾، يقول: خصومتهم باطلة حين زعموا أن يدنهم أفضل من دين الإسلام، ﴿عند ربهم وعليهم غضب﴾ من الله، ﴿ولهم عذاب شديد﴾.
الشورى 42:17
﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق﴾، يقول: لم ينزله باطلا لغير شيء، ﴿والميزان﴾، يعني العدل، ﴿وما يدريك﴾ يا محمد، ﴿لعل الساعة قريب﴾ آية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة وعنده أبو فاطمة بن البحتري، وفرقد بن ثمامة، وصفوان بن أمية، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: متى تكون الساعة؟ تكذيبا بها، فقال الله تعالى :﴿وما يدريك لعل الساعة﴾، يعني القيامة، ﴿قريب﴾.
الشورى 42:18
﴿يستعجل بها﴾ بالساعة، ﴿الذين لا يؤمنون بها﴾، يعني لا يصدقون بها، هؤلاء الثلاثة نفر، أنها كائنة ؛ لأنهم لا يخافون ما فيها، ﴿والذين آمنوا مشفقون منها﴾، يعني بلال وأصحابه، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم بها، يعني بالساعة ؛ لأنهم لا يدرون على ما يهجمون منها، ﴿ويعلمون أنها الحق﴾ الساعة أنها كائنة، ثم ذكر الذين لا يؤمنون بالساعة، فقال :﴿ألا إن الذين يمارون في الساعة﴾، يعني هؤلاء الثلاثة، يعني يشكون في القيامة، ﴿لفي ضلال بعيد﴾ آية، يعني طويل.
الشورى 42:19
﴿الله لطيف بعباده﴾، البر منهم والفاجر، لا يهلكهم جوعا حين قال :﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا﴾ [الدخان :15]، ﴿يرزق من يشاء وهو القوي﴾ في هلاكهم ببدر، ﴿العزيز﴾ آية في نقمته منهم.
الشورى 42:20
﴿من كان يريد﴾ بعمله الحسن، ﴿حرث الآخرة﴾، يقول: من كان من الأبرار يريد بعمله الحسن ثواب الآخرة، ﴿نزد له في حرثه﴾، يعني بلالا وأصحابه حتى يضاعف له في حرثه، يقول: في عمله، ﴿ومن كان﴾ من الفجار، ﴿يريد﴾ بعمله ﴿حرث الدنيا﴾، يعني ثواب الدنيا، ﴿نؤته منها وما له في الآخرة﴾، يعني الجنة لهؤلاء الثلاثة، ﴿من نصيب﴾ آية، يعني من حظ، ثم نسختها :﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء :18].
الشورى 42:21
قوله :﴿أم لهم شركاء شرعوا﴾، يقول: سنوا، ﴿لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، يعني كفار مكة، يقول: ألهم آلهة يبينوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ثم قال :﴿ولولا كلمة الفصل﴾ التي سبقت من الله في الآخرة أنه معذبهم، يقول: لولا ذلك الأجل، ﴿لقضي بينهم﴾، يقول: لنزل بهم العذاب في الدنيا، ﴿وإن الظالمين﴾، يعني المشركين، ﴿لهم عذاب أليم﴾ آية، يعني وجيع.
الشورى 42:22
ثم أخبر بمستقر المؤمنين والكافرين في الآخرة، فقال :﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا﴾ من الشرك، ﴿وهو واقع بهم﴾، يعني العذاب، في التقديم، ثم قال :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات﴾، يعني بساتين الجنة، ﴿لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك﴾ الذي ذكر من الجنة، ﴿هو الفضل الكبير﴾.
الشورى 42:23
ثم قال :﴿ذلك الذي﴾، ذكر من الجنة، ﴿يبشر الله عباده الذين آمنوا﴾، يعني صدقوا، ﴿وعملوا الصالحات﴾، من الأعمال، ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾، يعني على الإيمان جزاء، ﴿إلا المودة في القربى﴾، يقول: إلا أن تصلوا قرابتي، وتتبعوني، وتكفوا عني الأذى، ثم نسختها :﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ :47]، قوله :﴿ومن يقترف حسنة﴾، يقول: ومن يكتسب حسنة واحدة، ﴿نزد له فيها حسنا﴾، يقول: نضاعف له الحسنة الواحدة، عشرا فصاعدا، ﴿إن الله غفور﴾، لذنوب هؤلاء، ﴿شكور﴾ آية، لمحاسنهم القليلة، حين يضاعف الواحدة عشرا فصاعدا.
الشورى 42:24
قوله :﴿أم يقولون﴾ كفار مكة إن محمدا، ﴿افترى على الله كذبا﴾، حين زعم أن
القرآن من عند الله، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم تكذيبهم إياه، يقول الله تعالى :﴿فإن يشاء الله يختم على قلبك﴾، يقول: يربط على قلبك، فلا يدخل في قلبك المشقة من قولهم بأن محمدا كذاب مفتر، ﴿ويمح الله﴾ إن شاء ﴿الباطل﴾ الذي يقولون أنك كذاب مفتر، من قلبك، ﴿ويحق﴾ الله ﴿الحق﴾، وهو الإسلام، ﴿بكلماته﴾، يعني القرآن الذي أنزل عليه، ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ آية، يعني القلوب، يعلم ما في قلب محمد صلى الله عليه وسلم من الحزن من قولهم بتكذيبهم إياه.
الشورى 42:25
قوله :﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات﴾، يقول: ويتجاوز عن الشرك الذي تابوا، ﴿ويعلم ما تفعلون﴾ آية من خير أو شر.
الشورى 42:26
﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون﴾ من أهل مكة، ﴿لهم عذاب شديد﴾ آية، لا يفتر عنهم.
الشورى 42:27
قوله :﴿ولو بسط الله الرزق﴾، يعني ولو وسع الله الرزق، ﴿لعباده﴾، في ساعة واحدة، ﴿لبغوا﴾، يعني لعصوا، ﴿في الأرض﴾، فيها تقديم، ﴿ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير﴾ آية بهم.
الشورى 42:28
﴿وهو الذي ينزل الغيث﴾، يعني المطر الذي حبس عنهم بمكة سبع سنين، ﴿من بعد ما قنطوا﴾، يعني من بعد الإياسة، ﴿وينشر رحمته﴾، يعني نعمته ببسط المطر، ﴿وهو الولي﴾، ولي المؤمنين، ﴿الحميد﴾ آية عند خلقه في نزول الغيث عليهم.
الشورى 42:29
﴿ومن آياته﴾، أن تعرفوا توحيد الرب وصنعه، وإن لم تروه، ﴿خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة﴾، يعني الملائكة في السماوات والخلائق في الأرض ،
﴿وهو على جمعهم﴾ في الآخرة، ﴿إذا يشاء قدير﴾.
الشورى 42:30
قوله :﴿وما أصابكم من مصيبة﴾، يعني المؤمنين من بلاء الدنيا وعقوبة من اختلاج عرق، أو خدش عود، أو نكبة حجر، أو عثرة قدم، فصاعدا إلا بذنب، فذلك قوله :﴿وما أصابكم من مصيبة﴾ ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ من المعاصي، ﴿ويعفوا عن كثير﴾ آية، يعني ويتجاوز عن كثير من الذنوب، فلا يعاقب بها في الدنيا.
حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: قال أبو صالح: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما عفا الله عنه فهو أكثر"، وقال: بلغني أنه قال، يعني النبي صلى الله عليه وسلم :" ما عفا الله عنه، فلم يعاقب به في الآخرة"، ثم تلا هذه الآية :﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء :123]، قال: هاتان الآيتان في الدنيا للمؤمنين.
الشورى 42:31
قوله تعالى :﴿وما أنتم بمعجزين﴾، يعني بسابقي الله هربا، ﴿في الأرض﴾ بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها، ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾، يعني قريب ينفعكم، ﴿ولا نصير﴾ آية، يقول: ولا مانع يمنعكم من الله جل وعز.
الشورى 42:32
﴿ومن آياته﴾، أن تعرفوا توحيده بصنعه، وإن لم تروه، ﴿الجوار في البحر كالأعلام﴾ آية، يعني السفن تجري في البحر بالرياح كالأعلام، شبه السفن في البحر كالجبال في البر.
الشورى 42:33
وقال :﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره﴾، قائمات على ظهر الماء، فلا تجري، ﴿إن في ذلك﴾ الذي ترون، يعني السفن إذا جرين وإذا ركدن، ﴿لآيات﴾، يعني لعبرة، ﴿لكل صبار﴾، يقول: كل صبور على أمر الله، ﴿شكور﴾ آية لله تعالى في هذه النعمة.
الشورى 42:34
ثم قال :﴿أو يوبقهن﴾، يقول: وإن يشأ يهلكهن، يعني السفن، ﴿بما كسبوا﴾، يعني بما عملوا من الشرك، ﴿ويعف﴾، يعني يتجاوز، ﴿عن كثير﴾ آية، من الذنوب، فينجيهم من الغرق والهلكة.
الشورى 42:35
قال :﴿ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ آية، قال: ويعني من فرار.
الشورى 42:36
﴿فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا﴾، تتمتعون بها قليلا، ﴿وما عند الله خير﴾ مما أوتيتم في الدنيا، ﴿وأبقى﴾ وأدام ﴿للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ آية، يعني وبربهم يثقون.
الشورى 42:37
ثم نعتهم، فقال :﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم﴾، يقول: كل ذنب يختم بنار، ﴿والفواحش﴾، ما يقام فيه الحد في الدنيا، ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ آية، يعني يتجاوزون عن ظلمهم، فيكظمون الغيظ ويعفون، نزلت في عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن فرط بن رازح بن عدي بن لؤي حين شتم بمكة، فذلك قوله :﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾، يعني يتجاوزوا عن الذين ﴿لا يرجون أيام الله...﴾ [الجاثية :13].
الشورى 42:38
وقال :﴿والذين استجابوا لربهم﴾، في الإيمان، ﴿وأقاموا الصلاة﴾، يقول: وأتموا الصلوات الخمس، نزلت في الأنصار، داوموا عليها، ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، قال: كانت قبل الإسلام، وقبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، إذا كان بينهم أمر، أو أرادوا أمرا، اجتمعوا فتشاوروا بينهم، فأخذوا به، فأثنى الله عليهم خيرا، ثم قال :﴿ومما رزقناهم﴾ من الأموال، ﴿ينفقون﴾ آية في طاعة الله.
الشورى 42:39
قال :﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾، يعني الظلم، ﴿هم ينتصرون﴾ آية، يعني المجروح ينتصر من الظالم، فيقتص منه.
الشورى 42:40
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، أن يقتص منه المجروح كما أساء إليه، ولا يزيد شيئا، ﴿فمن عفا﴾، يعني فمن ترك الجارح ولم يقتص، ﴿وأصلح﴾ العمل كان العفو من الأعمال الصالحة، ﴿فأجره على الله﴾، قال: جزاؤه على الله، ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ آية، يعني من بدأ بالظلم والجراءة.
الشورى 42:41
ثم قال :﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾، يقول: إذا انتصر المجروح، فاتص من الجارح، ﴿فأولئك ما عليهم﴾، يعني على الجارح، ﴿من سبيل﴾ آية، يعني العدوان، حين انتصر من الجارح.
الشورى 42:42
﴿إنما السبيل﴾، يعني العدوان، ﴿على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾، يقول: يعملون فيها بالمعاصي، ﴿أولئك لهم عذاب أليم﴾ آية، يعني وجيع.
الشورى 42:43
ثم بين أن الصبر والتجاوز أحب إلى الله، وأنفع لهم من غيره، ثم رجع إلى المجروح، فقال :﴿ولمن صبر﴾ ولم يقتص، ﴿وغفر﴾ وتجاوز، ف ﴿إن ذلك﴾ الصبر والتجاوز، ﴿لمن عزم الأمور﴾ آية، يقول: من حق الأمور التي أمر الله عز وجل بها.
الشورى 42:44
قوله تعالى :﴿ومن يضلل الله﴾ عن الهدى، ﴿فما له من ولي﴾، يقول: ومن يضلل الله عن الهدى، فما له من قريب يهديه إلى دينه، ﴿من بعده﴾، مثلها في الجاثية، قال: ﴿وترى الظالمين﴾، يعني المشركين، ﴿لما رأوا العذاب﴾ في الآخرة، ﴿يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾ آية، يقول: هل إلى الرجعة إلى الدنيا من سبيل.
الشورى 42:45
﴿وتراهم يعرضون عليها﴾، يعني على النار واقفين عليها، ﴿خاشعين﴾، يعني خاضعين، ﴿من الذل﴾ الذي نزل بهم، ﴿ينظرون من طرف خفي﴾، يعني يستخفون بالنظر إليها يسارقون النظر، ﴿وقال الذين آمنوا﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وقالها في الزمر، ﴿إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم﴾، يعني غبنوا أنفسهم، فصاروا إلى النار، ﴿و﴾ خسروا ﴿وأهليهم يوم القيامة﴾، يقول: وغبنوا أهليهم في الجنة، فصاروا لغيرهم، ولو دخلوا الجنة أصابوا الأهل، فلما دخلوا النار حرموا فصار ما في الجنة والأهلين لغيرهم، ﴿ألا إن الظالمين﴾، يعني المشركين، ﴿في عذاب مقيم﴾ آية، يعني دائم لا يزول عنهم، مثلها في الروم.
الشورى 42:46
﴿وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله﴾، يقول: وما كان لهم من أقرباء يمنعونهم من الله، ﴿ومن يضلل الله﴾ عن الهدى، ﴿فما له من سبيل﴾ آية إلى الهدى.
الشورى 42:47
قوله :﴿استجيبوا لربكم﴾ بالإيمان، يعني التوحيد، ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مرد له﴾، يعني لا رجعة لهم، إذا جاء يوم القيامة لا يقدر أحد على دفعه، ﴿من الله﴾، ثم أخبر عنهم يومئذ، فقال :﴿ما لكم من ملجأ يومئذ﴾، يعني حرزا يحرزكم من العذاب، ﴿وما لكم من نكير﴾ آية من العذاب.
الشورى 42:48
﴿فإن أعرضوا﴾ عن الهدى، ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾، يعني رقيبا، ﴿إن عليك إلا البالغ﴾ يا محمد، ﴿وإنا إذا أذقنا الإنسان﴾، يقول: إذا مسسنا، وفي قراءة ابن مسعود: وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها، يعني المطر، ﴿منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة﴾، يعني كفار مكة، يعني قحط في المطر، ﴿بما قدمت أيديهم﴾ من الكفر، ﴿فإن الإنسان كفور﴾ آية، فيها تقديم، لنعم ربه في كشف الضر عنه، يعني الجوع وقحط المطر، نظيرها في الروم.
الشورى 42:49
ثم عظم نفسه، فقال :﴿لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء﴾ في الرحم، ﴿يهب لمن يشاء إناثا﴾، يعني البنات، ﴿ويهب لمن يشاء الذكور﴾ آية، يعني البنين، ليس فيهم أنثى.
الشورى 42:50
﴿أو يزوجهم﴾، يقول: وإن يشأ نصفهم، ﴿ذكرانا وإناثا﴾، يعني يولد له مرة بنين وبنات، ذكورا وإناثا، فنجعلهم له، ﴿ويجعل من يشاء عقيما﴾، لا يولد له، ﴿إنه عليم﴾ بخلقه، ﴿قدير﴾ آية في أمر الولد والعقم وغيره.
الشورى 42:51
قوله :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا﴾، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت صادقا، كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى يعمل الله ذلك بك، فقال الله لهم: لم أفعل ذلك بموسى، وأنزل الله تعالى :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾، يقول: ليس لنبي من الأنبياء أن يكلمه الله ﴿إلا وحيا﴾، فيسمع الصوت فيفقه، ﴿أو من وراء حجاب﴾، كما كان بينه وبين موسى، ﴿أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه﴾، يقول: أو يأتيه مني بوحي، يقول: أو يأمره فيوحى، ﴿ما يشاء إنه علي﴾، يعني رفيع فوق خلقه، ﴿حكيم﴾ آية في أمره.
فقالوا للنبي: من أول المرسلين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أول المرسلين آدم، عليه السلام"، فقالوا: كم المرسلين؟ قال :" ثلاثمائة وخمسة عشر جماء الغفير"، ومن الأنبياء من يسمع الصوت فيفقه، ومن الأنبياء من يوحى إليه في المنام، وإن جبريل ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب البياض مكفوفة بالدر والياقوت، ورجلاه مغموستان في الخضرة.
الشورى 42:52
قوله تعالى :﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾، يعني الوحي بأمرنا، كما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك حين ذكر الأنبياء من قبله، فقال :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا﴾، إلى آخر الآية.
قوله :﴿ما كنت تدري ما الكتاب﴾ يا محمد قبل الوحي، ما الكتاب، ﴿ولا الإيمان ولكن جعلناه﴾، يعني القرآن، ﴿نورا﴾، يعني ضياء من العمى، ﴿نهدي به﴾، يعني بالقرآن من الضلالة إلى الهدى، ﴿من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ آية، يعني إنك لتدعو إلى دين مستقيم، يعني الإسلام.
الشورى 42:53
﴿صراط الله﴾، يقول: دين الله، ﴿الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾، خلقه وعبيده، وفي قبضته، ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾ آية، يعني أمور الخلائق في الآخرة تصير إليه، فيجزئهم بأعمالهم، والله غفور لذنوب العباد، رحيم بهم.
قال مقاتل: سيد الملائكة إسرافيل، وهو صاحب الصور، وسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وسيد الشهداء هابيل بن آدم، وسيد المؤذنين بلال بن رباح، وسيد الشهور شهر رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد السباع الأسد، وسيد الطير النسر، وسيد الأنعام الثور، وسيد الوحش الأيل، وسيد البلاد مكة، وسيد البقاع بكة، وسيد البيوت الكعبة، وسيد البحور بحر موسى، وسيد الجبال طور سيناء، وسيد المجالس ما استقبل به القبلة، وسيد الصلاة صلاة المغرب.
الزخرف 43:2
﴿والكتاب المبين﴾ آية، يعني البين ما فيه.
الزخرف 43:3
﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ ؛ ليفقهوا ما فيه، ولو كان غير عربي ما عقلوه، ﴿لعلكم﴾، يقول: لكي، ﴿تعقلون﴾ آية ما فيه.
الزخرف 43:4
ثم قال :﴿وإنه في أم الكتاب﴾، يقول لأهل مكة: إن كذبتم بهذا القرآن، فإن نسخته في أصل الكتاب، يعني اللوح المحفوظ، ﴿لدينا لعلي﴾، يقول: عندنا مرفوع، ﴿حكيم﴾ آية، يعني محكم من الباطل.
الزخرف 43:5
قوله :﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا﴾، يقول لأهل مكة: أفنذهب عنكم هذا القرآن سدى لا تسألون عن تكذيب به، ﴿أن كنتم قوما مسرفين﴾ آية، يعني مشركين.
الزخرف 43:7
﴿وما يأتيهم من نبي﴾، ينذرهم العذاب، ﴿إلا كانوا به﴾، يعني بالعذاب، ﴿يستهزئون﴾ آية بأنه غير نازل بهم.
الزخرف 43:8
﴿فأهلكنا﴾ بالعذاب ﴿أشد منهم بطشا﴾، يعني قوة، ﴿ومضى مثل﴾، يعني شبه، ﴿الأولين﴾ آية في العقوبة، حين كذبوا رسلهم، يقول: هكذا أمتك يا محمد في سنة من مضى من الأمم الخالية في الهلاك.
الزخرف 43:9
﴿ولئن سألتهم﴾، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لئن سألت كفار مكة :﴿من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز﴾ في ملكه، ﴿العليم﴾ آية بخلقه.
الزخرف 43:10
ثم دل على نفسه بصنعه ليوحد، فقال :﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا﴾، يعني فرشا، ﴿وجعل لكم فيها سبلا﴾، يعني طرقا تسلكونها، ﴿لعلكم تهتدون﴾ آية، يقولك لكي تعرفوا طرقها.
الزخرف 43:11
﴿والذي نزل من السماء ماء بقدر﴾، وهو المطر، ﴿فأنشرنا به بلدة ميتا﴾، يقول: فأحيينا به، يعني بالماء، بلدة ميتا لا نبت فيها، فلما أصابها الماء أنبتت، ﴿كذلك﴾، يقول: هكذا ﴿تخرجون﴾ آية من الأرض بالماء كما يخرج النبت.
الزخرف 43:12
ثم قال :﴿والذي خلق الأزواج كلها﴾، يعني الأصناف كلها، ﴿وجعل لكم من الفلك﴾، يعني السفن، ﴿و﴾ من ﴿والأنعام﴾، يعني الإبل والبقر، ﴿ما تركبون﴾ آية، يعني الذي تركبون.
الزخرف 43:13
﴿لتستووا﴾ يعني لكي تستووا، ﴿على ظهوره﴾، يعني ذكورا وإناثا من الإبل، ﴿ثم﴾ قال: لكي ﴿تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾، على ظهورها، يعني يقولون: الحمد لله، ﴿و﴾ لكي ﴿وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا﴾، يعني ذلل لنا هذا المركب، ﴿وما كنا له مقرنين﴾ آية، يعني مطيقين.
الزخرف 43:14
﴿و﴾ لكي تقولوا :﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ آية، يعني لراجعون.
الزخرف 43:15
قوله :﴿وجعلوا له﴾، يقول: وصفوا له ﴿من عباده﴾ من الملائكة، ﴿جزءا﴾، يعني عدلا، هو الولد، فقالوا: إن الملائكة بنات الله تعالى، يقول الله :﴿إن الإنسان﴾ في قوله ﴿لكفور مبين﴾ آية، يقول: بين الكفر.
الزخرف 43:16
يقول الله تعالى ردا عليهم :﴿أم﴾ يقول :﴿اتخذ﴾ الرب لنفسه ﴿مما يخلق بنات﴾، فيها تقديم واستفهام اتخذ مما يخلق من ﴿من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف :18] بنات؟ ﴿وأصفاكم بالبنين﴾ آية، يقول: واختصكم بالبنين.
الزخرف 43:17
ثم أخبر عنهم في التقديم، فقال :﴿وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا﴾، يعني شبها، والمثل زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى، ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى﴾ [النحل :58]، ﴿ظل وجهه مسودا﴾، يعني متغيرا، ﴿وهو كظيم﴾ آية، يعني مكروب.
الزخرف 43:18
﴿أومن ينشأ في الحلية﴾، يعني ينبت في الزينة، يعني الحلي مع النساء، يعني البنات، ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ آية، يقول: هذا الولد الأنثى ضعيف قليل الحيلة، وهو عند الخصومة والمحاربة غير بين ضعيف عنها.
الزخرف 43:19
ثم أخبر عنهم، فقال :﴿وجعلوا﴾، يقول: ووصفوا ﴿الملائكة الذين هم عبد الرحمن إناثا﴾ ؛ لقولهم: إن الملائكة بنات الله، يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم :﴿أشهدوا خلقهم﴾؟ فسئلوا، فقالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" فما يدريكم أنها إناث؟"، قالوا: سمعنا من آبائنا، وشهدوا أنهم لم يكذبوا، وأنهم إناث، قال الله تعالى :﴿ستكتب شهادتهم﴾ بأن الملائكة بنات الله في الدنيا، ﴿ويسألون﴾ آية عنهما في الآخرة حين شهدوا أن الملائكة بنات الله.
الزخرف 43:20
﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾، يعني الملائكة، يقول الله تعالى :﴿ما لهم بذلك من علم﴾، يقول: ما يقولون إلا الكذب إن الملائكة إناث، ﴿إن هم إلا يخرصون﴾ آية، يكذبون.
الزخرف 43:21
﴿أم آتيناهم﴾، يقول: أعطيناهم، ﴿كتابا من قبله﴾، من قبل هذا القرآن بأن يعبدوا غيره، ﴿فهم به مستمسكون﴾ آية، فإنا لم نعطهم.
الزخرف 43:22
﴿بل قالوا﴾، ولكنهم قالوا :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ آية، نزلت في الوليد بن المغيرة، وصخر بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، كلهم من قريش.
الزخرف 43:23
﴿وكذلك﴾، يقول: وهكذا ﴿ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير﴾، يعني من رسول فيما خلا، ﴿إلا قال مترفوها﴾، يعني جباريها وكبراءها: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾، يعني على ملة، ﴿وإنا على آثارهم مقتدون﴾ آية بأعمالهم كما قال كفار مكة.
الزخرف 43:24
﴿قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ من الدين، ألا تتبعوني؟ فردوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ف ﴿قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ آية، يعني بالتوحيد كافرون.
الزخرف 43:25
ثم رجع إلى الأمم الخالية، فيها تقديم، ثم قال :﴿فانتقمنا منهم﴾ بالعذاب، ﴿فانظر كيف كان عاقبة المكذبين﴾ آية بالعذاب، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية ؛ لئلا يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم.
الزخرف 43:26
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه﴾ آزر، ﴿وقومه إنني براء مما تعبدون﴾.
الزخرف 43:27
ثم استثنى الرب نفسه ؛ لأنهم يعلمون أن الله ربهم، فقال :﴿إلا الذي فطرني﴾، يقول: خلقني، فإني لا أتبرأ منه، ﴿فإنه سيهدين﴾ آية لدينه.
الزخرف 43:28
قوله تعالى :﴿وجعلها كلمة باقية﴾، لا تزال ببقاء التوحيد، ﴿في عقبه﴾، يعني ذريته، يعني ذرية إبراهيم، ﴿لعلهم﴾، يعني لكي ﴿يرجعون﴾ آية من الكفر إلى الإيمان، يقول: التوحيد إلى يوم القيامة، يبقى في ذرية إبراهيم، عليه السلام، ﴿لعلهم يرجعون﴾، يقول: لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان.
الزخرف 43:29
قوله :﴿بل متعت هؤلاء﴾ يعني كفار مكة، ﴿آباءهم حتى جاءهم الحق﴾، يعني القرآن، ﴿ورسول مبين﴾ آية، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بين أمره.
الزخرف 43:30
﴿ولما جاءهم الحق﴾، يعني القرآن، ﴿قالوا هذا﴾ القرآن ﴿سحر وإنا به كافرون﴾ آية، لا نؤمن به، نزلت في سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعتبة وشيبة.
الزخرف 43:31
ثم قال الوليد بن المغيرة: لو كان هذا القرآن حقا، لأنزل علي، أو علي أبي مسعود الثقفي، واسمه عمرو بن عمير بن عوف جد المختار.
فأنزل الله تعالى في قول الوليد بن المغيرة :﴿وقالوا لولا﴾، يعني هلا، ﴿نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ آية، القريتان مكة والطائف، وكان عظمة أن الوليد عظيم أهل مكة في الشرف، وأبا مسعود عظيم أهل الطائف في الشرف.
الزخرف 43:32
يقول الله تعالى :﴿أهم يقسمون رحمت ربك﴾، يقول: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، ولكنها بيدي أختار من أشاء من عبادي للرسالة، ثم قال :﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾، يقول: لم نعط الوليد وأبا مسعود الذي أعطيناهما من الغني لكرامتها على الله، ولكنه قسم من الله بينهم، ثم قال :﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض دراجات﴾، يعني فضائل في الغني ﴿ليتخذ بعضهم﴾، يعني الأحرار، ﴿بعضا﴾، يعني الخدم، ﴿سخريا﴾، يعني العبيد والخده سخره الله لهم، ﴿ورحمت ربك﴾، يعني الجنة، ﴿خير مما يجمعون﴾ آية، يعني الأموال، يعني الكفار.
الزخرف 43:33
ثم ذكرهم هوان الدنيا عليه، فقال :﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا﴾، يعني ملة واحدة، يعني على الكفر، يقول: لولا أن ترغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق، ﴿لمن يكفر بالرحمن﴾، لهوان الدنيا عليه، ﴿لبيوتهم سقفا من فضة﴾، يعني بالسقف سماء البيت، ﴿ومعارج عليها يظهرون﴾ آية، يقول: درجا على ظهور بيوتهم يرتقون.
الزخرف 43:34
﴿و﴾ لجعلنا ﴿لبيوتهم أبوابا﴾ من فضة، ﴿وسررا عليها يتكئون﴾ آية، يعني ينامون.
الزخرف 43:35
﴿وزخرفا﴾، يقول: وجعلنا كل شيء لهم من ذهب، ﴿وإن كل ذلك﴾، يقول: وما كل الذي ذكر، ﴿لما﴾ إلا ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يتمتعون فيها قليلا، ﴿والآخرة﴾، يعني دار الجنة، ﴿عند ربك للمتقين﴾ آية خاصة لهم.
الزخرف 43:36
قوله :﴿ومن يعش عن ذكر﴾، يقول: ومن يعم بصره عن ذكر ﴿الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ آية في الدنيا، يقول: صاحب يزين لهم الغي.
الزخرف 43:37
﴿وإنهم﴾، وإن الشياطين، ﴿ليصدونهم عن السبيل﴾، يعني سبيل الهدى، ﴿ويحسبون﴾، ويحسب بنو آدم، ﴿أنهم مهتدون﴾ آية، يعني على هدى.
الزخرف 43:38
﴿حتى إذا جاءنا﴾ ابن آدم وقرينه في الآخرة جعلا في سلسلة واحدة، ﴿قال﴾ ابن آدم لقرينه، يعني شيطانه :﴿يا ليت﴾، يتمنى، ﴿بيني وبينك بعد المشرقين﴾، يعني ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء، أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة، ﴿فبئس القرين﴾ آية، يقول :فبئس الصاحب معه في النار في سلسلة واحدة.
الزخرف 43:39
يقول الله تعالى :﴿ولن ينفعكم اليوم﴾ في الآخرة الاعتذار، ﴿إذ ظلمتم﴾، يقول: إذ أشركتم في الدنيا، ﴿إنكم﴾ وقرناءكم من الشياطين ﴿في العذاب مشتركون﴾.
الزخرف 43:40
يقول :﴿أفأنت تسمع الصم﴾ الذين لا يسمعون الإيمان، يعني الكفار، ﴿أو تهدي العمي﴾ الذين لا يبصرون الإيمان، ﴿ومن كان في ضلال مبين﴾ آية، نزلت في رجل من كفار مكة، يعني بين الضلالة.
الزخرف 43:41
قوله :﴿فإما نذهبن بك﴾، يقول: فنميتك يا محمد، ﴿فإنا منهم﴾، يعني كفار مكة، ﴿منتقمون﴾ آية بعدك بالقتل يوم بدر.
الزخرف 43:42
﴿أو نرينك﴾ في حياتك، ﴿الذي وعدناهم﴾ من العذاب ببدر، ﴿فإنا عليهم مقتدرون﴾.
الزخرف 43:43
﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك﴾ من القرآن، ﴿إنك على صراط مستقيم﴾ آية، يعني دين مستقيم.
الزخرف 43:44
﴿وإنه لذكر لك﴾، يقول: القرآن لشرف لك، ﴿ولقومك﴾، ولمن آمن منهم، ﴿وسوف تسألون﴾ آية في الآخرة عن من يكذب به.
الزخرف 43:45
ثم قال :﴿وسئل من أرسلنا﴾، يعني الذين أرسلنا إليهم، ﴿من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ آية، يقول: سل يا محمد مؤمني أهل الكتاب هل جاءهم رسول يدعوهم إلى غير عبادة الله؟.
الزخرف 43:46
قوله :﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾، اليد والعصا، ﴿إلى فرعون وملإيه فقال إني رسول رب العالمين﴾ آية.
الزخرف 43:47
﴿فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون﴾ آية، استهزاء وتكذيبا.
الزخرف 43:48
يقول الله تعالى :﴿وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾، يعني اليد بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس، يغشى البصر، فكانت اليد أكبر من العصا، وكان موسى، عليه السلام، بدأ بالعصا، فألقاها وأخرج يده، فلم يؤمنوا، يقول الله تعالى :﴿وأخذناهم بالعذاب﴾، يعني الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والسنين، ﴿لعلهم يرجعون﴾ آية، يعني لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان.
الزخرف 43:49
﴿وقالوا﴾ لموسى: ﴿يا أيه الساحر ادع لنا ربك﴾، يقول: سل ﴿لنا ربك﴾، فلم يفعل، وقال: تسموني ساحرا، وقال في سورة الأعراف :﴿ادع لنا ربك﴾ [الأعراف :134]، ﴿بما عهد عندك﴾ أن يكشف عنا العذاب، ﴿إننا لمهتدون﴾ آية، يعني مؤمنين لك، وكان الله تعالى عهد إلى موسى، عليه السلام، لئن آمنوا كشف عنهم، فذلك قوله :﴿بما عهد عندك﴾، إن آمنا كشف عنا العذاب.
الزخرف 43:50
فلما دعا موسى ربه كشف عنهم، فلم يؤمنوا، فذلك قوله :﴿فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾آية الذي عاهدوا عليه موسى، عليه السلام :﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن﴾ [الأعراف :134]، فلم يؤمنوا.
الزخرف 43:51
قوله :﴿ونادى فرعون﴾ القبطي، ﴿في قومه﴾ القبط، وكان نداؤه أنه ﴿قال يا قوم أليس لي ملك مصر﴾ أربعين فرسخا في أربعين فرسخا، ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ من أسفل مني، ﴿أفلا﴾، يعني فهلا، ﴿تبصرون﴾ آية، ألهم جنان وأنهار مثلها.
الزخرف 43:52
ثم قال فرعون :﴿أم أنا خير﴾، يقول: أنا خير، ﴿من هذا﴾، يعني موسى، ﴿الذي هو مهين﴾، يعني ضعيف ذليل، ﴿ولا يكاد يبين﴾ آية حجته، يعني لسانه ؛ لأن الله تعالى كان أذهب عقدة لسانه في طه، حين قال :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه :27]، قال الله تعالى :﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ [طه :36].
الزخرف 43:53
ثم قال فرعون :﴿فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب﴾، يقول: فلا ألقى عليه ربه الذي أرسله، ﴿أسورة من ذهب﴾، إن كان صادقا أنه رسول، ﴿أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ آية، يعني متعاونين يعينونه على أمره الذي بعث إليه.
الزخرف 43:54
﴿فاستخف قومه﴾، يقول: استفز قومه القبط، ﴿فأطاعوه﴾ في الذي قال لهم على التكذيب، حين قال لهم :﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر :29]، فأطاعوه في الذي قال لهم، ﴿إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ آية، يعني عاصين.
الزخرف 43:55
﴿فلما أسفونا﴾، يعني أغضبونا، ﴿انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾ آية، لم ينج منهم أحد.
الزخرف 43:56
﴿فجعلناهم سلفا﴾، يعني مضوا في العذاب، ﴿ومثلا للآخرين﴾ آية، يعني عبرة لمن بعدهم.
الزخرف 43:57
قوله :﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا﴾، والمثل حين زعموا أن الملائكة بنات الله، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، وفي المسجد العاص بن وائل السهمي، والحارث وعدي ابنا قيس، كلهم من قريش، من بني سهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء :98]، إلى آيتين، ثم خرج إلى باب الصفا، فخاض المشركون في ذلك، فدخل عبد الله بن الزبعري السهمي، فقال: تخوضون في ذكر الآلهة، فذكروا له ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم ولآلهتهم، فقال عبد الله بن الزبعري: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا، أم لنا ولآلهتنا ولجميع الأمم وآلهتهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" بل هي لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ولآلهتهم".
فقال عبد الله: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي، وتثنى عليه وعلى أمه خيرا، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما، وعزيز يعبد، والملائكة تعبد، فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون معهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"لا"، فقال عبد الله: أليس قد زعمت أنها لنا ولآلهتنا ولجميع الأمم وآلهتهم؟ خصمتك ورب الكعبة، فضجوا من ذلك، فأنزل الله تعالى :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾، يعني الملائكة، وعزير، وعيسى، ومريم، ﴿أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء :101]، وأنزل: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا﴾ ﴿إذا قومك منه يصدون﴾ آية، يعني يضجون تعجبا لذكر عيسى، عليه السلام، عبد الله بن الزبعري وأصحابه هم هؤلاء النفر.
الزخرف 43:58
﴿وقالوا أألهتنا خير أم هو﴾، يعني عيسى، وقالوا: ليس آلهتنا إن عذبت خيرا من عيسى بأنه يعبد، يقول الله تعالى: بل هو ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾، يقول: ما ذكروا لك عيسى إلا ليجادلوك به، ﴿بل هم قوم خصمون﴾ آية.
الزخرف 43:59
﴿إن هو إلا عبد﴾، يعني عيسى، عليه السلام، يقول: ما هو إلا عبد، ﴿أنعمنا عليه﴾ بالنبوة، ﴿وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ آية، يقول الله تعالى: حين ولد من غير أب، يعني آية وعبرة ليعتبروا.
الزخرف 43:60
قوله :﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ آية مكانكم، فكانوا خلفا منكم.
الزخرف 43:61
ثم رجع في التقديم إلى عيسى، فقال :﴿وإنه لعلم للساعة﴾، يقول: نزوله من السماء علامة للساعة، ينزل على ثنيه أفيق، وهو جبل ببيت المقدس، يقال له: أفيق، عليه ممصرتان، دهين الرأس، معه حربة، يقتل بها الدجال، يقول: نزول عيسى من السماء علامة للساعة، ﴿فلا تمترن بها﴾، يقول: لا تشكوا في الساعة، ولا في القيامة أنها كائنة، قوله :﴿واتبعون هذا صراط مستقيم﴾.
الزخرف 43:62
ثم قال :﴿ولا يصدنكم الشيطان﴾ عن الهدى، ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ آية، يعني بين.
الزخرف 43:63
﴿ولما جاء عيسى﴾، يعني بني إسرائيل، ﴿بالبينات﴾، يعني الإنجيل، ﴿قال﴾ لهم: ﴿قد جئتكم بالحكمة﴾، يعني الإنجيل، فيه بيان الحلال والحرام، ﴿ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه﴾، من الحلال والحرام، فبين لهم ما كان حرم عليهم من الشحوم، واللحوم، وكل ذي ظفر، فأخبرهم أنه لهم حلال في الإنجيل، غير أنهم يقيمون على السبت، ﴿فاتقوا الله﴾ ولا تعبدوا غيره، ﴿وأطيعون﴾ آية فيما آمركم به من النصيحة، فإنه ليس له شريك.
الزخرف 43:64
﴿إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه﴾، يعني وحدوه، ﴿هذا﴾، يعني هذا التوحيد، ﴿صراط﴾، يعني دين ﴿مستقيم﴾.
الزخرف 43:65
﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾، في الدين، والأحزاب هم: النسطورية، والماريعقوبية، والملكانية، تحازبوا من بينهم في عيسى، عليه السلام، فقالت النسطورية: عيسى ابن الله، وقالت الماريعقوبية: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت الملكانية: إن الله ثالث ثلاثة، ﴿فويل للذين ظلموا﴾، يعني النصارى الذين قالوا في عيسى ما قالوا، ﴿من عذاب يوم أليم﴾ آية، يعني يوم القيامة، وإنما سماه أليما لشدته.
الزخرف 43:66
ثم رجع إلى كفار قريش، فقال :﴿هل ينظرون إلا الساعة﴾، يعني يوم القيامة، ﴿أن تأتيهم بغتة﴾، فجأة، ﴿وهم لا يشعرون﴾ آية بجيئتها.
الزخرف 43:67
ثم قال :﴿الأخلاء﴾ في الدنيا، ﴿يومئذ﴾ في الآخرة، ﴿بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ آية، يعني الموحدين، نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وعقبة بن أبي معيط، قتلا جميعا، وذلك أن عقبة كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إلى حديثه، فقالت قريش: قد سبأ عقبة وفارقنا، فقال له أمية بن خلف: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تتفل في وجهه، حتى يعلم قومك أنك غير مفارقهم، ففعل عقبة ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أما أنا لله على لئن أخذتك خارجا من الحرم لأهريقن دمك"، فقال له: يا ابن أبي كبشة، ومن أين تقدر علي خارجا من الحرم، فتكون لك مني السوء، فلما كان يوم بدر أسر، فلما عاينه النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نذره، فأمر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فضرب عنقه، فقال عقبة: يا معشر قريش، ما بالي أقتل من بينكم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" بتكذيبك الله ورسوله"، فقال: من لأولادي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لهم النار".
الزخرف 43:68
ولما كان يوم القيامة، وقع الخوف، فقال :﴿يا عباد لا خوف عليكم﴾، يقول: رفع الله الخوف عن المؤمنين، ﴿اليوم﴾، يعني يوم القيامة، ﴿ولا أنتم تحزنون﴾ آية، فإذا سمعوا النداء رفعوا رءوسهم.
الزخرف 43:69
فلما قال :﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ آية، يقول: الذين صدقوا بالقرآن وكانوا مخلصين بالتوحيد، نكس أهل الأوثان والكفر رءوسهم، ثم نادى: الذين آمنوا وكانوا يتقون المعاصي، فلم يبق صاحب كبيرة إلا نكس رأسه.
الزخرف 43:70
ثم قال :﴿ادخلوا الجنة﴾ يا أهل التوحيد، ﴿أنتم وأزواجكم﴾، يعني وحلائلكم، ﴿تحبرون﴾ آية، يعني تكرمون وتنعمون.
الزخرف 43:71
﴿يطاف عليهم﴾ بأيدي الغلمان، ﴿بصحاف من ذهب وأكواب﴾ من فضة، يعني الأكواب التي ليس لها عرى مدورة الرأس في صفاء القوارير، ثم قال :﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ آية لا تموتون.
الزخرف 43:74
ثم قال :﴿إن المجرمين﴾، يعني المشركين المسرفين، ﴿في عذاب جهنم خالدون﴾ آية، يعني لا يموتون.
الزخرف 43:75
﴿لا يفتر عنهم﴾، العذاب طرفة عين، ﴿وهم فيه﴾، يعني في العذاب، ﴿مبلسون﴾ آية، يعني آيسون من كل خير مستيقنين بكل عذاب، مبشرين بكل سوء، زرق الأعين، سود الوجوه.
الزخرف 43:76
ثم قال :﴿وما ظلمناهم﴾، فنعذب على غير ذنب، ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾.
الزخرف 43:77
﴿ونادوا﴾ في النار: ﴿يا ملك﴾، وهو خازن جهنم، فقال :ماذا تريدون؟ قالوا: ﴿ليقض علينا ربك﴾، فيسكت عنهم مالك، فلا يجيبهم مقدار أربعين سنة، ثم يوحي الله تعالى إلى مالك بعد أربعين أن يجيبهم، فرد عليهم مالك :﴿قال إنكم ماكثون﴾ آية، في العذاب، يقول: مقيمون فيها.
الزخرف 43:78
فقال مالك :﴿لقد جئناكم بالحق﴾ في الدنيا، يعني التوحيد، ﴿ولكن أكثركم للحق كارهون﴾.
الزخرف 43:79
قوله :﴿أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون﴾ آية، يقول: أم أجمعوا أمرا، وذلك أن نفرا من قريش، منهم: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن وشيبة ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البحتري بن هشام، وأمية بن أبي معيط، وعيينة بن حصن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، بعد موت أبي طالب، اجتمعوا في دار الندوة بمكة ليمكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم سرا عند انقضاء المدة، فأتاهم إبليس في صورة شيخ كبير، فجلس إليهم، فقالوا له: ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا؟ قال عدو الله: أنا رجل من أهل نجد، وقدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة ريحكم، فأردت أن أسمع حديثكم، وأشير عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من بينكم.
فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد، ليس من أهل مكة، فلا بأس عليكم منه، فتكلموا بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو البحتري بن هشام، من بني أسد بن عبد العزي: أما أنا، فأرى أن تأخذوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فتجعلوه في بيت وتسدوا عليه بابه، وتجعلوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت، فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكمك صغو، قد سمع به من حولكم، تحبسونه في بيت، وتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عنه، ويفسد جماعتكم، ويسفك دماءكم، قالوا: صدق والله الشيخ.
فقال هشام بن عمرو، من بني عامر بن لؤى: أما أنا، فأرى أن تحملوه على بعير، فتخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم، فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل قد أفسد عليكم جماعتكم، وتبعه طائفة منكم، فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك بالله أن يميل بهم عليكم، فقال أبو جهل: صدق والله الشيخ.
فقال أبو جهل بن هشام: أما أنا، فأرى أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذون من كل بطن منهم رجلا، فتعطون كل رجل منهم سيفا، فيضربونه جميعا، فلا يدري قومه من يأخذون به، وتؤدي قريش ديته، فقال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لكما.
قال: فتفرقوا عن قول أبي جهل، فنزل جبريل، عليه السلام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما ائتمروا به، وأمره بالخروج، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ليلته إلى الغار، وأنزل الله تعالى في شرهم الذي أجمعوا عليه :﴿أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون﴾، يقول: أم أجمعوا أمرهم على محمد صلى الله عليه وسلم بالشر، فإنا مجمعون أمرنا على ما يكرهون، فعندها قتل هؤلاء النفر ببدر.
الزخرف 43:80
يقول :﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم﴾ الذي بينهم، ﴿ونجواهم﴾ الذي أجمعوا عليه ليثبتوك في بيت، أو يخرجوك من مكة، أو يقتلوك، ﴿بلى﴾ نسمع ذلك منهم، ﴿ورسلنا﴾ الملائكة الحفظة، ﴿لديهم﴾، يعني عندهم ﴿يكتبون﴾.
الزخرف 43:81
﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن كان للرحمن ولد﴾، يعني ما كان للرحمن ولد، ﴿فأنا أول العابدين﴾ آية، وذلك أن النضر بن الحارث، من بني عبد الدار بن قصي، قال: إن الملائكة بنات الله، فأنزل الله عز وجل :﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن كان للرحمن ولد﴾، يعني ما كان للرحمن ولد، ﴿فأنا أول العابدين﴾، يعني الموحدين من أهل مكة بأن لا ولد.
الزخرف 43:82
ونزه الرب نفسه عما كذبوا بالعذاب :﴿سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون﴾ آية، يعني عما يقولون من الكفر بربهم، يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة، وذلك أن الله تعالى وعدهم في الدنيا على ألسنة الرسل أن العذاب كائن نازل بهم.
الزخرف 43:83
﴿فذرهم﴾، يقول: خل عنهم، ﴿يخوضوا﴾ في باطلهم، ﴿ويلعبوا﴾، يعني يلهوا في دنساهم، ﴿حتى يلقوا يومهم﴾ في الآخرة، ﴿الذي يوعدون﴾ آية العذاب فيه.
الزخرف 43:84
ثم قال :﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾، فعظم نفسه عما قالوا، فقال: وهو الذي يوحد في السماء، ويوحد في الأرض، ﴿وهو الحكيم﴾ في ملكه، الخبير بخلقه، ﴿العليم﴾ آية بهم.
الزخرف 43:85
ثم عظم نفسه عن شركهم، فقال :﴿وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة﴾، يعني القيامة، ﴿وإليه ترجعون﴾ آية، يعني تردون في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
الزخرف 43:86
﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾، يقول: لا نقدر الملائكة الذين يعبدونهم من دون الله الشفاعة، وذلك أن النضر بن الحارث ونفرا معه، قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، وهم أحق بالشفاعة من محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله :﴿ولا يملك﴾، يقول: ولا يقدر، ﴿الذين يدعون من دونه﴾، وهم الملائكة، ﴿الشفاعة﴾، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله على الشفاعة لأحد، ثم استثنى، فقال :﴿إلا من شهد بالحق﴾، يعني بالتوحيد من بني آدم، فذلك قوله :﴿وهم يعلمون﴾ آية أن الله واحد لا شريك له، فشفاعتهم لهؤلاء.
الزخرف 43:87
قوله :﴿ولئن سألتهم من خلقهم﴾، يعني أهل مكة كفارهم، ﴿ليقولن الله﴾، وذلك أنه لما نزلت في أول هذه السورة :﴿خلق السماوات والأرض﴾، نزلت في آخرها: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :" من خلقكم ورزقكم وخلق السماوات والأرض؟"، فقالوا: الله خالق الأشياء كلها، وهو خلقنا، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ﴿فأنى يؤفكون﴾ آية، يقول: من أين يكذبون بأنه واحد لا شريك له، وأنتم مقرون أن الله خالق الأشياء وخلقكم، ولم يشاركه أحد في ملكه فيما خلق؟ فكيف تعبدون غيره؟.
الزخرف 43:88
فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب، ﴿وقيله يا رب إن هؤلاء﴾، يعني كفار مكة، ﴿قوم لا يؤمنون﴾ آية، يعني لا يصدقون، وذلك أنه لما قال أيضا في الفرقان :﴿إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾ [الفرقان :30]، قال الله تعالى يسمع قوله، فيها تقديم: ﴿يا رب إن هؤلاء﴾، يعني كفار مكة، ﴿قوم لا يؤمنون﴾، يعني لا يصدقون بالقرآن أنه من الله عز وجل.
الزخرف 43:89
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿فاصفح عنهم﴾، يعني فأعرض عنهم، فيها تقديم، ﴿وقل سلام﴾، أردد عليهم معروفا، ﴿فسوف يعلمون﴾ آية، هذا وعيد، حين ينزل بهم العذاب، فنسخ آية السيف الإعراض والسلام، وذكر وعيدهم، وفي حم المؤمن، فقال: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ [غافر :71، 72].
الدخان 44:2
﴿والكتاب المبين﴾ آية، يعني البين ما فيه.
الدخان 44:3
﴿إنا أنزلناه﴾، يعني القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى السفرة من الملائكة، وهم الكتبة، وكان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدر، فينزل الله عز وجل من القرآن إلى السماء الدنيا، على قدر ما ينزل به جبريل، عليه السلام، في السنة إلى مثلها من العام المقبل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ﴿في ليلة مباركة﴾، وهي ليلة مباركة.
قال: وقال مقاتل: نزل القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى السفرة في ليلة واحدة ليلة القدر، فقبضه جبريل صلى الله عليه وسلم من السفرة في عشرين شهرا، وأداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وسميت ليلة القدر ليلة مباركة، لما فيها من البركة والخير، ثم قال :﴿إنا كنا منذرين﴾ آية، يعني بالقرآن.
الدخان 44:4
﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ آية، يقول: يقضي الله في ليلة القدر كل أمر محكم من الباطل ما يكون في السنة كلها إلى مثلها من العام المقبل من الخير، والشر، والشدة، والرخاء، والمصائب.
الدخان 44:5
يقول الله تعالى :﴿أمرا من عندنا﴾، يقول: كان أمرا منا، ﴿إنا كنا مرسلين﴾ آية، يعني منزلين هذا القرآن.
الدخان 44:6
أنزلناه ﴿رحمة من ربك﴾، لمن آمن به، ﴿إنه هو السميع﴾ لقولهم، ﴿العليم﴾ آية به.
الدخان 44:7
﴿رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ بتوحيد الرب تعالى.
الدخان 44:8
وحد نفسه، فقال :﴿لا إله إلا هو يحي ويميت﴾، يقول: يحيى الموتى، ويميت الأحياء، هو ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾.
الدخان 44:9
﴿بل هم﴾، لكن هم، ﴿في شك﴾ من هذا القرآن، ﴿يلعبون﴾ آية، يعني لاهون عنه.
الدخان 44:10
قوله :﴿فارتقب﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله عز وجل على كفار قريش، فقال :" اللهم أعني عليهم بسبع سنين كسني يوسف"، فأصابتهم شدة، حتى أكلوا العظام، والكلاب، والجيف، من شدة الجوع، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء الدخان من الجوع، فذلك قوله :﴿فارتقب﴾، يقول: فانتظر يا محمد، ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾.
الدخان 44:11
﴿يغشى الناس﴾، يعني أهل مكة، ﴿هذا﴾ الجوع، ﴿عذاب أليم﴾ آية، يعني وجيع.
الدخان 44:12
ثم إن أبا سفيان بن حرب، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، والمطعم بن عدي، وسهيل بن عمرو، وشيبة بن ربيعة، كلهم من قريش، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، استسق لنا، فقالوا :﴿ربنا اكشف عنا العذاب﴾، يعني الجوع، ﴿إنا مؤمنون﴾ آية، يعني إنا مصدقون بتوحيد الرب وبالقرآن.
الدخان 44:13
﴿أنى لهم الذكرى﴾، يقول: من أين لهم التذكرة، يعني الجوع الذي أصابهم بمكة، ﴿وقد جاءهم رسول﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿مبين﴾ آية، يعني هو بين أمره، جاءهم بالهدى.
الدخان 44:14
﴿ثم تولوا عنه﴾، يقول: ثم أعرضوا عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى الضلالة، ﴿وقالوا معلم مجنون﴾ آية، قال ذلك عتبة بن أبي معيط: إن محمدا مجنون، وقالوا: إنما يعلمه جبر غلام عامر بن الحضرمي، وقالوا: لئن لم ينته جبر غلام عامر بن الحضرمي، فأوعدوه لنشترينه من سيده، ثم لنصلينه حتى ينظر هل ينفعه محمد أو يغني عنه شيئا، ﴿بل هم في شك يلعبون﴾، يقول: بل هم من القرآن في شك لاهون ،
الدخان 44:15
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :" اللهم اسقنا مغيثا عاما، طبقا مطبقا، غدقا ممرعا مريا، عاجلا غير ريث، نافعا غير ضار"، فكشف الله تعالى عنهم العذاب. فذلك قوله: ﴿إنا كاشفوا العذاب﴾، يعني الجوع، ﴿قليلا﴾ إلى يوم بدر، ﴿إنكم عائدون﴾ آية إلى الكفر، فعادوا، فانتقم الله منهم ببدر فقتلهم.
فذلك قوله :﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ ،
الدخان 44:16
﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾، يعني العظمى، فكانت البطشة في المدينة يوم بدر، أكثر مما أصابهم من الجوع بمكة، فذلك قوله :﴿إنا منتقمون﴾ آية بالقتل، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل الله أرواحهم إلى النار.
الدخان 44:17
﴿ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون﴾ بموسى صلى الله عليه وسلم حتى ازدروه، كما ازدرى أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه ولد فيهم فازدروه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم فتنة لهم، كما كان موسى صلى الله عليه وسلم فتنة لفرعون وقومه، فقالت قريش: أنت أضعفنا وأقلنا حيلة، فهذا حين ازدروه، كما ازدروا موسى، عليه السلام، حين قالوا :﴿ألم نربك فينا وليدا﴾ [الشعراء :18]، فكانت فتنة لهم، من أجل ذلك ذكر فرعون دون الأمم، نظيرها في المزمل :﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا﴾ [المزمل :15].
قوله :﴿ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون﴾ كما فتنا قريشا بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهما ولدا في قومهما، ﴿وجاءهم رسول كريم﴾ آية، يعني الخلق، كان يتجاوز ويصفح، يعني موسى حين سأل ربه أن يكشف عن أهل مصر الجراد والقمل.
الدخان 44:18
فقال موسى لفرعون :﴿أن أدوا إلي عباد الله﴾، يعني أرسلوا معي بني إسرائيل، يقول: وخل سبيلهم، فإنهم أحرار ولا تستعبدهم، ﴿إني لكم رسول﴾ من الله، ﴿أمين﴾ آية فيما بيني وبين ربكم.
الدخان 44:19
﴿وأن لا تعلوا على الله﴾، يعني لا تعظموا على الله أن توحدوه، ﴿إني آتيكم بسلطان مبين﴾ آية، يعني حجة بينة، كقوله: ألا تعلوا على الله، يقول: ألا تعظموا على الله، ﴿إني آتيكم بسلطان مبين﴾، يعني حجة بينة، وهي اليد والعصا، فكذبوه، فقال فرعون في حم المؤمن :﴿ذروني أقتل موسى﴾ [غافر :26].
الدخان 44:20
فاستعاذ موسى، فقال :﴿وإني عذت بربي وربكم﴾، يعني فرعون وحده، ﴿أن ترجمون﴾ آية، يعني أن تقتلون.
الدخان 44:21
﴿وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون﴾ آية، يقول: وإن لم تصدقوني، يعني فرعون وحده، ﴿فاعتزلون﴾ فدعا موسى ربه في يونس، فقال :﴿ونجنا برحمتك من القوم الكافرين﴾ [يونس :86]، يعني نجني وبني إسرائيل، وأرسل العذاب على أهل مصر.
الدخان 44:22
قوله تعالى :﴿فدعا ربه أن هؤلاء﴾، يعني أهل مصر، ﴿قوم مجرمون﴾ آية، فلا يؤمنون، فاستجاب الله له.
الدخان 44:23
فأوحى الله تعالى إليه :﴿فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون﴾ آية، يقول: يتبعكم فرعون وقومه.
الدخان 44:24
﴿واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون﴾، وذلك أن بني إسرائيل لما قطعوا البحر، قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: فرق لنا البحر كما كان، فإننا نخشى أن يقطع فرعون وقومه آثارنا، فأراد موسى، عليه السلام، أن يفعل ذلك، كان الله تعالى أوحى إلى البحر أن يطيع موسى، عليه السلام، فقال الله لموسى :﴿واترك البحر رهوا﴾، يعني صفوفا، ويقال: ساكنا، ﴿إنهم﴾، إن فرعون وقومه ﴿جند مغرقون﴾ آية، فأغرقهم الله في نهر مصر، وكان عرضه يومئذ فرسخين.
الدخان 44:25
فقال الله تعالى :﴿كم تركوا﴾ من بعدهم، يعني فرعون وقومه، ﴿من جنات﴾، يعني بساتين، ﴿وعيون﴾ آية، يعني الأنهار الجارية.
الدخان 44:26
﴿وزروع ومقام كريم﴾ آية، يعني ومساكن حسان.
الدخان 44:27
﴿ونعمة﴾ من العيش، ﴿كانوا فيها فاكهين﴾ آية، يعني أرض مصر معجبين.
الدخان 44:28
﴿كذلك﴾، يقول: هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر، ثم قال :﴿وأورثناها﴾، يعني أرض مصر، ﴿قوما آخرين﴾ آية، يعني بني إسرائيل، فردهم الله إليها بعد الخروج منها.
الدخان 44:29
ثم قال :﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾، وذلك أن المؤمن إذا مات بكى عليه معالم سجوده من الأرض، ومصعد عمله من السماء أربعين يوما وليلة، ويبكيان على الأنبياء ثمانين يوما وليلة، ولا يبكيان على الكافر، فذلك قوله :﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ ؛ لأنهم لم يصلوا لله في الأرض، ولا كانت لهم أعمال صالحة تصعد إلى السماء ؛ لكفرهم، ﴿وما كانوا منظرين﴾ آية، لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى عذبوا بالغرق.
الدخان 44:30
﴿ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين﴾ آية، يعني الهوان، وذلك أن بني إسرائيل آمنت بموسى وهارون، فمن ثم قال فرعون :﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم﴾ [غافر :25]، فلما هم بذلك، قطع الله بهم البحر مع ذرياتهم وذراريهم، وأغرق فرعون ومن معه من القبط، ﴿ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين﴾، يعني الهوان من فرعون من قتل الأبناء، واستحياء النساء، يعني البنات، قبل أن يبعث الله عز وجل موسى رسولا، مخافة أن يكون هلاكهم في سببه من فرعون للذي أخبره به الكهنة أنه يكون، وأنه يغلبك على ملكك.
الدخان 44:31
ثم قال :﴿من فرعون إنه كان عاليا﴾ عن التوحيد، ﴿من المسرفين﴾ آية، يعني من المشركين.
الدخان 44:32
ثم رجع إلى بني إسرائيل، فقال :﴿ولقد اخترناهم على علم﴾ علمه الله عز وجل منهم، ﴿على العالمين﴾ آية، يعني عالم ذلك الزمان.
الدخان 44:33
﴿وآتيناهم﴾، يقول: وأعطيناهم، ﴿من الآيات﴾ حين فلق البحر وأهلك عدوهم فرعون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، والحجر والعمود والتوراة، فيها بيان كل شيء، فكل هذا الخير ابتلاهم الله به، فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله :﴿وآتيناهم من الآيات﴾ ﴿ما فيه بلاء مبين﴾ آية، يعني النعم البينة، كقوله :﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ [الصافات :106]، يعني النعم البينة.
الدخان 44:34
قوله :﴿إن هؤلاء ليقولون﴾ آية، يعني كفار مكة.
الدخان 44:35
﴿إن هي إلا موتتنا الأولى﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم :" إنكم تبعثون من بعد الموت"، فكذبوه، فقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، ﴿وما نحن بمنشرين﴾ آية، يعني بمبعوثين من بعد الموت.
الدخان 44:36
ثم قال :﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ آية، أنا نحيا من بعد الموت، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال في الرعد: يا محمد، إن كنت نبيا فابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا، منهم قضي بن كلاب، فإنه كان صادقا، وكان إمامهم، فنسألهم فيخبرونا عن ما هو كائن بعد الموت، أحق ما تقول أم باطل؟ إن كنت صادقا بأن البعث حق، نظيرها في الجاثية قوله :﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية :24]، وما البعث بحق.
الدخان 44:37
فخوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال :﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ ؛ لأن قوم تبع أقرب في الهلاك إلى كفار مكة، ﴿والذين من قبلهم﴾ من الأمم الخالية، ﴿أهلكناهم﴾ بالعذاب، ﴿إنهم كانوا مجرمين﴾ آية، يعني مذنبين مقيمين على الشرك منهمكين عليه.
الدخان 44:38
قوله :﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ آية، يعني عابثين لغير شيء، يقول: لم أخلقهما باطلا، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن.
الدخان 44:39
﴿ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم﴾، يعني كفار مكة، ﴿لا يعلمون﴾ آية، أنهما لم يخلقا باطلا.
الدخان 44:40
ثم خوفهم، فقال :﴿إن يوم الفصل﴾، يعني يوم القضاء، ﴿ميقاتهم﴾، يعني ميعادهم، ﴿أجمعين﴾.
الدخان 44:41
﴿يوم﴾، يعني يوم القيامة، يقول: يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون، وهم يوم الجمعة، هذه الأمة وسواهم من الأمم الخالية، ثم نعت الله تعالى ذلك اليوم، فقال: ﴿يوم﴾ ﴿لا يغني مولى عن مولى شيئا﴾، وهم الكفار، يقول: يوم لا يغني ولي عن وليه. يقول لا يقدر قريب لقرابته الكافر شيئا من المنفعة، ﴿ولا هم ينصرون﴾ آية، يقول: ولا هم يمنعون من العذاب.
الدخان 44:42
ثم استثنى المؤمنين، فقال :﴿إلا من رحم الله﴾ من المؤمنين، فإنه يشفع لهم، ﴿إنه هو العزيز﴾ في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم، ﴿الرحيم﴾ آية بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية.
الدخان 44:43
الزقوم يعنون التمر والزبد، زعم ذلك عبد الله بن الزبعري السهمي، وذلك أن أبا جهل قال لهم: إن محمدا يزعم أن النار تنبت الشجر، وإنما النار تأكل الشجر، فما الزقوم عندكم؟ فقال عبد الله بن الزبعري: التمر والزبد، فقال أبو جهل بن هشام: يا جارية، ابغنا تمرا وزبدا، فقال: تزقموا.
الدخان 44:44
﴿طعام الأثيم﴾ آية، يعني الآثم بربه، فهو أبو جهل بن هشام، وفي قراءة ابن مسعود: طعام الفاجر.
الدخان 44:45
﴿كالمهل﴾، يعني الزقوم أسود غليظ كدردى الزيت، ﴿يغلي في البطون﴾.
الدخان 44:46
﴿كغلي الحميم﴾ آية، يعني الماء الحار بلسان بربر وأفريقية
الدخان 44:47
يقول الله عز وجل للخزنة :﴿خذوه﴾، يعني أبا جهل، ﴿فاعتلوه﴾، يقول: فادفعوه على وجهه، ﴿إلى سواء الجحيم﴾ آية، يعني وسط الجحيم، وهو الباب السادس من النار.
الدخان 44:48
ثم قال :﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾ آية، أبي جهل، وذلك أن الملك من خزان جهنم يضربه على رأسه بمقمعة من حديد، فينقب عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره، فيقع في بطنه.
الدخان 44:49
ثم يقول له الملك :﴿ذق﴾ العذاب أيها المتعزز المتكرم، يوبخه ويصغره بذلك، فيقول :﴿إنك﴾ زعمت في الدنيا، ﴿أنت العزيز﴾، يعني المنيع، ﴿الكريم﴾ آية، يعني المتكرم.
قال: فكان أبو جهل يقول في الدنيا: أنا أعز قريش وأكرمها.
الدخان 44:50
فلما ذاق شدة العذاب في الآخرة، قال له الملك :﴿إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ آية، يعني تشكون في الدنيا أنه غير كائن، فهذا مستقر الكفار
الدخان 44:51
ثم ذكر مستقر المؤمنين، فقال :﴿إن المتقين في مقام أمين﴾ آية، في مساكن آمنين من الخوف والموت.
الدخان 44:52
﴿في جنات وعيون﴾ آية، يعني بساتين وأنهار جارية.
الدخان 44:53
﴿يلبسون من سندس وإستبرق﴾، يعني الديباج، ﴿متقابلين﴾ آية في الزيارة.
الدخان 44:54
﴿كذلك وزوجناهم بحور﴾، يعني بيض الوجوه، ﴿عين﴾ آية، يعني حسان العيون.
الدخان 44:55
ثم أخبر عنهم، فقال :﴿يدعون فيها بكل فاكهة﴾ من ألوان الفاكهة، ﴿آمنين﴾ آية من الموت.
الدخان 44:56
﴿لا يذوقون فيها الموت﴾ أبدا ﴿إلا الموتة الأولى﴾ التي كانت في الدنيا، ﴿ووقاهم﴾، يعني الرب تعالى، ﴿عذاب الجحيم﴾.
الدخان 44:57
ذلك الذي ذكر في الجنة كان ﴿فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم﴾ آية، يعني الكبير، يعني النجاة العظيمة.
الدخان 44:58
قوله :﴿فإنما يسرناه بلسانك﴾، يعني القرآن، يقول: هوناه على لسانك، ﴿لعلهم﴾، يقول: لكي ﴿يتذكرون﴾ آية، فيؤمنوا بالقرآن، فلم يؤمنوا به.
الدخان 44:59
يقول الله تعالى :﴿فارتقب﴾، يقول: انتظر بهم العذاب، ﴿إنهم مرتقبون﴾ آية، يعني منتظرون بهم العذاب.
الجاثية 45:2
﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز﴾ في ملكه، ﴿الحكيم﴾ آية في أمره.
الجاثية 45:3
﴿إن في السماوات والأرض﴾، وهما خلقان عظيمان، ﴿لآيات للمؤمنين﴾ آية، يعني المصدقين بتوحيد الله عز وجل.
الجاثية 45:4
﴿وفي خلقكم﴾، يعني وفي خلق أنفسكم إذ كنتم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما لحما، ثم الروح، ﴿وما يبث من دابة﴾، يقول: وما يخلق من دابة، ﴿آيات لقوم يوقنون﴾ آية بتوحيد الله.
الجاثية 45:5
﴿و﴾ في ﴿واختلاف الليل والنهار﴾، وهما آيتان، ﴿وما أنزل الله من السماء من رزق﴾، يعني المطر، ﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾، فأنبتت، ﴿وتصريف الرياح﴾ في الرحمة والعذاب، ففي هذا كله ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ آية، بتوحيد الله عز وجل.
الجاثية 45:6
ثم رجع إلى أول السورة في التقديم، فقال :﴿تلك آيات الله﴾، يعني تلك آيات القرآن، ﴿نتلوها عليك﴾ يا محمد، ﴿بالحق﴾، فإن لم يؤمنوا بهذا القرآن، ﴿فبأي حديث بعد الله﴾، يعني بعد توحيد الله، ﴿و﴾ بعد وما ﴿آياته﴾، يعني بعد آيات القرآن، ﴿يؤمنون﴾ آية، يعني يصدقون.
الجاثية 45:7
﴿ويل لكل أفاك﴾، يعني كذاب، ﴿أثيم﴾ آية، يقول آثم بربه، وكذبه النضر بن الحارث القرشي، من بني عبد الدار.
الجاثية 45:8
﴿يسمع آيات الله تتلى﴾، يعني القرآن، ﴿عليه ثم يصر مستكبرا﴾، يعني يصر يقيم على الكفر بآيات القرآن، فيعرض عنها متكبرا، يعني عن الإيمان بآيات القرآن، ﴿كأن لم يسمعها﴾، يعني آيات القرآن وما فيه، ﴿فبشره بعذاب أليم﴾ آية، يعني وجيع، فقتل ببدر.
الجاثية 45:9
ثم أخبر عن النضر بن الحارث، فقال :﴿وإذا علم من آياتنا شيئا﴾، يقول: إذا سمع من آيات القرآن شيئا، ﴿اتخذها هزوا﴾، يعني استهزاء بها، وذلك أنه زعم أن حديث القرآن مثل حديث رستم واستفنذباز، ﴿أولئك لهم﴾، يعني النضر بن الحارث وأصحابه، وهم قريش، ﴿عذاب مهين﴾ آية، يعني القرآن في الدنيا يوم بدر.
الجاثية 45:10
ثم قال :﴿من ورائهم جهنم﴾، يعني النضر بن الحارث، يقول: لهم في الدنيا القتل ببدر، ومن بعده أيضا لهم جهنم في الآخرة، ﴿ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا﴾، يقول: لا تغني عنهم أموالهم التي جمعوها من جهنم شيئا، ﴿ولا﴾ يغني عنهم من جهنم، ﴿ما اتخذوا من دون الله أولياء﴾، يقول: ما عبدوا من دون الله من الآلهة، ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ آية، يعني كبير ؛ لشدته.
الجاثية 45:11
﴿هذا هدى﴾، يقول: هذا القرآن بيان يهدي من الضلالة، ﴿والذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿بآيات ربهم﴾، يعني القرآن، ﴿لهم عذاب من رجز أليم﴾ آية، يقول: لهم عذاب من العذاب الوجيع في جهنم.
الجاثية 45:12
ثم ذكرهم النعم، فقال :﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه﴾، يقول: لكي تجري السفن في البحر، ﴿بأمره﴾، يعني بإذنه، ﴿ولتبتغوا﴾ ما في البحر، ﴿من فضله﴾، يعني الرزق، ﴿ولعلكم﴾، يعني ولكي، ﴿تشكرون﴾ آية الله في هذه النعم فتوحدوه.
الجاثية 45:13
﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾، يعني من الله، ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ آية في صنع الله فيوحدونه.
الجاثية 45:14
﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾، يعني يتجاوزوا، نزلت في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وذلك أن رجلا من كفار مكة شتم عمر بمكة، فهم عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز، فقال :﴿قل للذين آمنوا﴾، يعني عمر، ﴿يغفروا﴾، يعني يتجاوزوا، ﴿للذين لا يرجون أيام الله﴾، يعني لا يخشون عقوبات الله مثل عذاب الأمم الخالية، ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى :40]، يقول: فجزاؤه على الله، ثم نسخ العفو والتجاوز آية السيف في براءة :﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة :5]، قوله: ﴿ليجزي﴾ بالمغفرة، ﴿قوما بما كانوا يكسبون﴾ آية، يعني يعملون من الخير.
الجاثية 45:15
﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء﴾ العمل ﴿فعليها﴾، يقول: إساءته على نفسه، ﴿ثم إلى ربكم ترجعون﴾ آية في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم.
الجاثية 45:16
قوله :﴿ولقد آتينا﴾، يعني أعطينا، ﴿بني إسرائيل الكتاب﴾، يعني التوراة، ﴿والحكم﴾، يعني الفهم الذي في التوراة والعلم، ﴿والنبوة﴾، وذلك أنه كان فيهم ألف نبي، أولهم موسى، وآخرهم عيسى، عليهم السلام، ﴿ورزقناهم﴾، يعني الحلال من الرزق، المن والسلوى، ﴿من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ آية، يعني عالمي ذلك الزمان بما أعطاهم الله من التوراة فيها تفصيل كل شيء، والمن والسلوى، والحجر، والغمام، وعمودا كان يضيء لهم إذا ساروا بالليل، وأنبت معهم ثيابهم لا تبلى، ولا تخرق، وظللنا عليهم الغمام، وفضلناهم على العالمين في ذلك الزمان.
الجاثية 45:17
ثم قال :﴿وآتيناهم﴾ آيات ﴿بينات﴾ واضحات، ﴿من الأمر﴾، يعني أبين لهم في التوراة الحلال، والحرام، والسنة، وبيان ما كان قبلهم، ثم اختلفوا في الدين بعد يوشع بن نون، فآمن بعضهم وكفر بعضهم، ﴿فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾، يعني البيان، ﴿بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ آية، يعني في الدين يختلفون.
الجاثية 45:18
قوله :﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر﴾، يعني بينات من الأمر، وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ملة أبيك عبد الله، وجدك عبد المطلب، وسادة قومك، فأنزل الله :﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر﴾، يعني بينة من الأمر، يعني الإسلام، ﴿فاتبعها﴾، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اتبع هذه الشريعة، ﴿ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ آية توحيد الله، يعني كفار قريش، فيستزلونك عن أمر الله.
الجاثية 45:19
قوله تعالى :﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين﴾، يوم القيامة، يعني مشركي مكة، ﴿بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين﴾ آية الشرك.
الجاثية 45:20
﴿هذا﴾ القرآن ﴿بصائر للناس﴾، يقول: هذا القرآن بصيرة للناس من الضلالة، ﴿و﴾ هو ﴿وهدى﴾ من الضلالة، ﴿ورحمة﴾ من العذاب لمن آمن به، ﴿لقوم يوقنون﴾ آية بالقرآن أنه من الله تعالى.
الجاثية 45:21
﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾، وذلك أن الله أنزل أن للمتقين عند ربهم في الآخرة جنات النعيم، فقال كفار مكة، بنو عبد شمس بن عبد مناف بمكة، لبني هاشم ولبني عبد المطلب بن عبد مناف للمؤمنين منهم: إنا نعطى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون، فقال الله تعالى :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾، يعني الذين عملوا الشرك، يعني كفار بني عبد شمس، ﴿أن تجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ من بني هاشم، وبني المطلب، منهم: حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وعمر بن الخطاب، ﴿سوءا محياهم﴾ في نعيم الدنيا، ﴿و﴾ سواء ﴿ومماتهم﴾ في نعيم الآخرة، ﴿ساء ما يحكمون﴾ آية، يقول: بئس ما يقضون من الجور حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين، في الآخرة الدرجات في الجنة ونعيمها للمؤمنين، والكافرون في النار يعذبون.
الجاثية 45:22
قوله :﴿وخلق الله السماوات والأرض بالحق﴾، يقول: لم أخلقهما عبثا لغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن، ﴿ولتجزى﴾، يقول: ولكي تجزى ﴿كل نفس بما كسبت﴾، يعني بما عملت في الدنيا من خير أو شر، ﴿وهم لا يظلمون﴾ آية في أعمالهم، يعني لا ينقصون من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم.
الجاثية 45:23
قوله :﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، يعني الحارث بن قيس السهمي اتخذ إلهه هوى، وكان من المستهزئين، وذلك أنه هوى الأوثان فعبدها، ﴿وأضله الله على علم﴾ علمه فيه، ﴿وختم﴾، يقول: وطبع، ﴿على سمعه﴾، فلا يسمع الهدى، ﴿و﴾ على ﴿وقلبه﴾، فلا يعقل الهدى، ﴿وجعل على بصره غشاوة﴾، يعني الغطاء، ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾ إذ أضله الله، ﴿أفلا﴾، يعني أفهلا ﴿تذكرون﴾ آية فتعتبروا في صنع الله فتوحدونه.
الجاثية 45:24
﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾، يعني نموت نحن ويحيا آخرون، فيخرجون من أصلابنا، فنحن كذلك، فما نبعث أبدا، ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾، يقول: وما يميتنا إلا طول العمر، وطول اختلاف الليل والنهار، ولا نبعث، يقول الله تعالى :﴿وما لهم بذلك من علم﴾ بأنهم لا يبعثون، ﴿إن هم﴾، يقول: ما هم ﴿إلا يظنون﴾ آية، ما يستيقنون، وبالظن تكلموا على غيرهم أنهم لا يبعثون.
الجاثية 45:25
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿بينات﴾، يعني واضحات من الحلال والحرام، ﴿ما كان حجتهم﴾ حين خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في الرعد، حين قالوا: سير لنا الجبال، وسخر لنا الرياح، وابعث لنا رجلين أو ثلاثة من قريش من آبائنا، منهم قصي بن كلاب، فإنه كان صدوقا، وكان إمامهم، فنسألهم عما تخبرنا به أنه كائن بعد الموت، فذلك قوله تعالى :﴿ما كان حجتهم﴾ ﴿إلا أن قالوا﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم :﴿ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ آية، هذا قول أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ابعث لنا رجلين أو ثلاثة إن كنت من الصادقين بأن البعث حق.
الجاثية 45:26
قال الله تعالى :﴿قل﴾ لهم يا محمد :﴿الله يحييكم﴾، حين كانوا نطفة، ﴿ثم يميتكم﴾ عند آجالكم، ﴿ثم يجمعكم إلى يوم القيامة﴾ أولكم وآخركم، ﴿لا ريب فيه﴾، يقول: لا شك فيه، يعني البعث أنه كائن، ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ آية أنهم يبعثون في الآخرة.
الجاثية 45:27
ثم عظم الرب نفسه عما قالوا: أنه لا يقدر على البعث، فقال :﴿ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة﴾، يعني يوم القيامة، ﴿يومئذ يخسر المبطلون﴾ آية، يعني المكذبين بالبعث.
الجاثية 45:28
﴿وترى كل أمة جاثية﴾ على الركب عند الحساب، يعني كل نفس، ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها﴾ الذي عملت في الدنيا من خير أو شر، ثم يجزون بأعمالهم، فذلك قوله :﴿اليوم﴾، يعني في الآخرة، ﴿تجزون ما كنتم تعملون﴾ آية في الدنيا.
الجاثية 45:29
﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ﴾ من اللوح المحفوظ، ﴿ما كنتم تعملون﴾ آية قبل أن تعملونها.
حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الهذيل، عن مقاتل، قال: قال ابن عباس: لا تكون نسخة إلا من كتاب.
الجاثية 45:30
﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته﴾، يعني في جنته، ﴿ذلك﴾ الدخول، ﴿هو الفوز المبين﴾.
الجاثية 45:31
﴿وأما الذين كفروا﴾، فيقول لهم الرب تعالى :﴿أفلم تكن آياتي﴾، يعني القرآن، ﴿تتلى عليكم﴾، يقول: تقرأ عليكم، ﴿فاستكبرتم﴾، يعني تكبرتم عن الإيمان بالقرآن، ﴿وكنتم قوما مجرمين﴾ آية، يعني مذنبين مشركين.
الجاثية 45:32
قوله :﴿وإذا قيل إن وعد الله حق﴾، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :" إن البعث حق" ﴿والساعة﴾، يعني القيامة، ﴿لا ريب فيها﴾، يعني لا شك فيها أنها كائنة، ﴿قلتم﴾ يا أهل مكة :﴿ما ندري ما الساعة إن نظن﴾، يعني ما نظن ﴿إلا ظنا﴾ على غير يقين، ﴿وما نحن بمستيقنين﴾ آية بالساعة أنها كائنة.
الجاثية 45:33
﴿وبدا لهم﴾، يقول: وظهر لهم في الآخرة، ﴿سيئات﴾، يعني الشرك، ﴿ما عملوا﴾ في الدنيا حين شهدت عليهم الجوارح، ﴿وحاق﴾، يقول: ووجب العذاب، ﴿بهم ما كانوا به﴾ بالعذاب ﴿يستهزئون﴾ آية أنه غير كائن.
الجاثية 45:34
وقال لهم الخزنة في الآخرة :﴿وقيل اليوم ننساكم﴾، يقول: نترككم في العذاب، ﴿كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾، يقول: كما تركتم إيمانا بهذا اليوم، يعني البعث، ﴿ومأواكم النار وما لكم من ناصرين﴾ آية، يعني مانعين من النار.
الجاثية 45:35
﴿ذلكم بأنكم﴾، يقول: إنما نزل بكم العذاب في الآخرة بأنكم ﴿اتخذتم آيات الله﴾، يعني كلام الله، ﴿هزوا﴾، يعني استهزاء، حين قالوا: ساحر، وشاعر، وأساطير الأولين، ﴿وغرتكم الحياة الدنيا﴾ عن الإسلام، ﴿فاليوم﴾ في الآخرة، ﴿لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون﴾
الجاثية 45:36
قوله :﴿فلله الحمد﴾، يقول: الشكر لله، ﴿رب السماوات ورب الأرض رب العالمين﴾ يعني القيامة.
الجاثية 45:37
﴿وله الكبرياء﴾، يعني العظمة، ﴿في السماوات والأرض وهو العزيز﴾ في ملكه، ﴿الحكيم﴾ آية، في أمره، ﴿وله الكبرياء﴾، يعني العظمة، والسلطان، والقوة، والقدرة في السماوات والأرض، ﴿وهو العزيز﴾ في ملكه، ﴿الحكيم﴾ في أمره الذي حكم.
الأحقاف 46:2
﴿تنزيل الكتاب﴾ يقول قضاء نزول الكتاب يعني القرآن ﴿من الله العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ آية في أمره.
الأحقاف 46:3
﴿ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح ﴿إلا بالحق﴾ لم أخلقهما باطلا لغير شيء خلقتهما لأمر هو كائن، ثم قال: ﴿وأجل مسمى﴾ يقول خلقتهم لأجل مسمى ينتهي إليه، يعني يوم القيامة، فهو الأجل المسمى.
ثم قال :﴿والذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿عما أنذروا﴾ في القرآن من العذاب ﴿معرضون﴾ آية فلا يتفكرون.
الأحقاف 46:4
﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿أرأيتم ما تدعون﴾ يعني تعبدون ﴿من دون الله﴾ من الآلهة، يعني الملائكة ﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ يعني الأرض كخلق الله إن كانوا آلهة، ثم قال :﴿أم لهم﴾ يقول: ألهم ﴿شرك﴾ مع الله ﴿في﴾ ملك ﴿السماوات﴾ كقوله :﴿ما لهم فيهما من شرك﴾ [سبأ :22] ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ يقول: أو رواية "تعلمونها" من الأنبياء قبل هذا القرآن بأن له شريكا ﴿إن كنتم صادقين﴾ آية يعني اللات والعزى ومناة بأنهن له شركاء.
الأحقاف 46:5
﴿ومن أضل ممن يدعوا﴾ يقول: فلا أحد أضل ممن يعبد ﴿من دون الله﴾ من الآلهة ﴿من لا يستجيب له﴾ أبدا إذا دعاء يقول: لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا ﴿إلى يوم القيامة﴾.
ثم قال :﴿وهم عن دعائهم غافلون﴾ آية يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها في الدنيا.
الأحقاف 46:6
ثم أخبر في الآخرة، فقال :﴿وإذا حشر الناس﴾ في الآخرة يقول: إذا جمع الناس في الآخرة ﴿كانوا لهم أعداء﴾ يقول كانت الآلهة أعداء لمن يعبدها ﴿وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ آية يقول: تبرأت الآلهة من عبادتهم إياها، فذلك قوله :﴿فكفى بالله شهيدا﴾ إلى قوله :﴿لغافلين﴾ في يونس [الآية :29].
الأحقاف 46:7
قوله :﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ يعني القرآن ﴿بينات﴾ يقول: بيان الحلال والحرام ﴿قال الذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿للحق لما جاءهم هذا سخر مبين﴾ آية. يقول: القرآن حين جاءهم قالوا: هذا سحر مبين.
الأحقاف 46:8
﴿أم يقولون افتراه﴾ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك؟ أيعجز الله أن يبعث نبيا غيرك؟ وأنت أحقرنا وأصغرنا وأضعفنا ركنا وأقلنا حيلة، أو يرسل ملكا، إن هذا الذي جئت به لأمر عظيم، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ لهم: يا محمد ﴿إن افتريته﴾ من تلقاء نفسي ﴿فلا تملكون لي من الله شيئا﴾ يقول: لا تقدرون أن تردوني من عذابه ﴿هو أعلم بما تفيضون فيه﴾ يقول: الله أعلم بما تقولون في القرآن ﴿كفى به شهيدا﴾ يقول: فلا شاهد أفضل من الله ﴿بيني وبينكم﴾ بأن القرآن جاء من الله ﴿وهو الغفور﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿الرحيم﴾ آية حين لا يعجل عليهم بالعقوبة. وأنزل في قوله كفار مكة أما وجد الله رسولا غيرك.
الأحقاف 46:9
قوله تعالى :﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿ما كنت بدعا من الرسل﴾ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بأول رسول بعث، قد بعث قبلي رسل كثير ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ أيرحمني وإياكم، أو يعذبني وإياكم ﴿إن أتبع﴾ يقول: ما أتبع ﴿إلا ما يوحي إلي﴾ من القرآن، يقول: إذا أمرأت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لم أمر به ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ آية، يعني نذير بين هي منسوخة نسختها :﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ إلى آخر الآيات.
الأحقاف 46:10
﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به﴾ وذلك أن خمسين رجلا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن سلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود :" ألستم تعلمون أن عبد الله بن سلام سيدكم وأعلمكم؟" قالوا: بلى ومنه نقتبس، وإنا لا نؤمن بك حتى يتبعك عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سلام يسمع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم إن اتبعني عبد الله بن سلام وآمن بي أفتؤمنون بي؟" فقال بعضهم: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فمن أعلمكم بعد عبد الله بن سلام"، فأتاه، فقال :" أنت أعلم اليهود"، فقال عبد الله: أعلم مني، قال :" فمن أعلم اليهود بعد عبد الله؟" فسكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أنت أعلم اليهود بعد عبد الله"، قال: كذلك يزعمون، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فإني أدعوكم إلى الله وإلى عبادته ودينه"، قالوا: لن نتبعك وندع دين موسى، فخرج عبد الله بن سلام من الستر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هذا عبد الله قد آمن بي"، فجادلهم عبد الله بن سلام مليا، فجعل يخبرهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته في التوراة، فقال ابن صوريا: إن عبد الله بن سلام شيخ كبير قد ذهب عقله ما يتكلم إلا بما يجئ على لسانه، فذلك قوله :﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به﴾.
﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ يعني عبد الله بن سلام ﴿على مثله﴾ يعني على مثل ما شهد عليه يامين بن يامين، كان أسلم قبل عبد الله بن سلام وكان يامين من بني إسرائيل من أهل التوراة ﴿فآمن﴾ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: فأمن ﴿واستكبرتم﴾ يقول صدق ابن سلام بالنبي صلى الله عليه وسلم واستكبرتم أنتم عن الهدى عن الإيمان يعني اليهود ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ آية يعني اليهود إلى الحجة مثلها في براءة.
الأحقاف 46:11
ثم رجع إلى كفار مكة فقال :﴿وقال الذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿للذين آمنوا﴾ لخزاعة :﴿لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ وذلك أنهم قالوا لو كان الذي جاء به محمد حقا: أن القرآن من الله ما سبقونا يقول ما سبقنا إلى الإيمان به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وإذ لم يهتدوا﴾ هم ﴿به فسيقولون هذا﴾ القرآن ﴿إفك﴾ يعني كذب ﴿قديم﴾ آية من محمد صلى الله عليه وسلم.
الأحقاف 46:12
يقول الله تعالى :﴿ومن قبله كتاب موسى﴾ ومن قبل هذا القرآن كذبوا بالتوراة لقولهم "إنا بكل كافرون" في القصص [القصص :48]، ثم قال: ﴿إماما﴾ لمن اهتدى به ﴿ورحمة﴾ من العذاب لمن اهتدى به ﴿وهذا﴾ القرآن ﴿كتاب مصدق﴾ للكتب التي كانت قبله ﴿لسانا عربيا﴾ يقول أنزلناه قرآنا "عربيا" ليفقهوا لما فيه ﴿لينذر﴾ بوعيد القرآن ﴿الذين ظلموا﴾ من كفار مشركي مكة ﴿و﴾ هذا القرآن ﴿وبشرى﴾ ما فيه من الثواب لمن آمن به ﴿للمحسنين﴾ آية يعني الموحدين.
الأحقاف 46:13
﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾ فعرفوا ﴿ثم استقاموا﴾ على المعرفة بالله ولم يرتدوا عنها ﴿فلا خوف عليهم﴾ من العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ آية من الموت، ثم أخبر بثوابهم فقال :
الأحقاف 46:14
﴿أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها﴾ لا يموتون ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾
الأحقاف 46:15
قوله :﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾ يعني برا بهم نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، ابن أبي قحافة، وأم أبي بكر بن أبي قحافة واسمها أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ يعني حملته في مشقة ووضعته في مشقة ﴿وحمله﴾ في البطن تسعة أشهر ﴿وفصاله﴾ من اللبن واحدا وعشرين شهرا فهذا ﴿ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده﴾ ثماني عشرة سنة ﴿وبلغ أربعين سنة﴾ فهو في القوة والشدة من ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فلما بلغ أبو بمر أربعين سنة، صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿قال رب أوزعني﴾ يقول ألهمني ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي﴾ بالإسلام ﴿وعلى والدي﴾ يعني أبا قحافة بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، ثم قال :﴿و﴾ ألهمني ﴿وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي﴾ يقول واجعل أولادي مؤمنين فأسلموا أجمعين نظيرها أجمعين نظيرها في المؤمن قوله :﴿ومن صلح من آبائهم﴾ [غافر :8] يقول: من آمن، ثم قال أبو بكر :﴿إني تبت إليك﴾ من الشرك ﴿وإني من المسلمين﴾ آية يعني من المخلصين بالتوحيد.
الأحقاف 46:16
ثم نعت المسلمين فقال :﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا﴾ يقول: نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم، والكفار يجزيهم بإساءتهم ويبطل إحسانهم لأنهم عملوا ما ليس بحسنة، ثم رجع إلى المؤمنين، فقال :﴿ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ ولا يفعل ذلك بالكافر ﴿في﴾ يعني مع ﴿أصحاب الجنة وعد الصدق﴾ يعني وعد الحق وهو الجنة ﴿الذي كانوا يوعدون﴾ آية وعدهم الله، تعالى، الجنة في الآخرة على ألسنة الرسل في الدنيا.
الأحقاف 46:17
وقوله :﴿والذي قال لوالديه﴾ فهو عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمه رومان بنت عمرو بن عامر الكندي دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه :﴿أف لكما﴾ يعني قبحا لكما الرديء من الكلام ﴿أتعدانني أن أخرج﴾ من الأرض يعني أن يبعثني بعد الموت ﴿وقد خلت القرون من قبلي﴾ يعني الأم الخالية فلم أرى أحدا منهم يبعث، فأين عبد الله بن جدعان؟ وأين عثمان بن عمرو؟ وأين عامر بن عمرو؟ كلهم من قريش وهم أجداده، فلم أر أحدا منهم أتانا، فقال أبواه: اللهم اهده، اللهم أقبل بقبلة إليك، اللهم تب عليه، فذلك قوله :﴿وهما يستغيثان الله﴾ يعني يدعوان الله له بالهدى، أن يهديه ويقبل بقلبه، ثم يقولان :﴿ويلك آمن﴾ صدق بالبعث الذي فيه أجزاء الأعمال ﴿إن وعد الله حق فيقول﴾ عبد الرحمن ﴿ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ آية ما هذا الذي تقولان إلا كأحاديث الأولين.
الأحقاف 46:18
وكذبهم بقول الله، تعالى :﴿أولئك﴾ النفر الثلاثة ﴿الذين﴾ ذكرهم عبد الرحمن ﴿حق عليهم القول﴾ يقول: وجب عليهم العذاب ﴿في أمم﴾ يعني مع أمم ﴿قد خلت من قبلهم من﴾ من كفار ﴿الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين﴾.
الأحقاف 46:19
وقوله تعالى :﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ يعني فضائل بأعمالهم ﴿وليوفيهم﴾ مجازة ﴿أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ آية في أعمالهم.
الأحقاف 46:20
وقوله :﴿ويوم يعرض الذين كفروا﴾ يعني كفار مكة ﴿على النار﴾ حين كشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها يعني كفار مكة فيقال لهم :﴿أذهبتم طيباتكم﴾ يعني الرزق والنعمة التي كنتم فيها ﴿في حياتكم الدنيا﴾ ولم تؤدوا شكرها ﴿واستمتعتم بها﴾ يعني بالطيبات فلا نعمة لكم ﴿فاليوم تجزون﴾ في الآخرة بأعمالكم الخبيثة ﴿عذاب الهون﴾ يعني عذاب الهوان ﴿بما كنتم تستكبرون﴾ يعني بما كنتم تتكبرون ﴿في الأرض﴾ عن الإيمان فتعلمون فيها ﴿بغير الحق﴾ يعني بالمعاصي ﴿وبما كنتم تفسقون﴾ آية يعني تعصون.
الأحقاف 46:21
وقوله :﴿واذكر﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿أخا عاد﴾ في النسب وليس بأخيهم في الدين، يعني هود النبي، عليه السلام، ﴿إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ والأحقاف الرمل عند دك الرمل باليمن في حضر موت ﴿وقد خلت﴾ يعني مضت ﴿النذر من بين يديه﴾ يعني الرسل من بين يديه ﴿ومن خلفه﴾ يقوله قد مضت الرسل إلى قومهم من قبل هود، كان منهم نوح، عليه السلام، وإدريس جد أبي نوح، ثم قال ومن بعد هود، يعني قد مضت الرسل إلى قومهم :﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ يقول لم يبعث الله رسولا من قبل هود، ولا بعده إلا أمر بعبادة الله، جل وعز، ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ آية في الدنيا لشدته.
الأحقاف 46:22
﴿قالوا﴾ اليهود :﴿أجئتنا لتأفكنا﴾ يعني لتصدنا وتكذبنا ﴿عن﴾ عباده ﴿آلهتنا فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب ﴿إن كنت من الصادقين﴾ آية بأن العذاب نازل بنا، فرد عليهم هود :
الأحقاف 46:23
﴿قال إنما العلم عند الله﴾ يعني نزول العذاب بكم علمه عند الله إذا شاء أنزله ﴿وأبلغكم ما أرسلت به﴾ إليكم من نزول العذاب بكم ﴿ولكني أراكم قوما تجهلون﴾ آية العذاب.
الأحقاف 46:24
﴿فلما رأوه﴾: العذاب ﴿عارضا مستقبل أوديتهم﴾ والعارض بعذ السحابة التي لم تطبق السماء التي يرى ما فيها من المطر ﴿قالوا﴾ لهود :﴿هذا عارض ممطرنا﴾ لأن المطر كان حبس عنهم وكانت السحابة إذا جاءت من قل ذلك الوادي مطروا، قال هود: ليس هذا العارض ممطركم ﴿بل هو﴾ ولكنه ﴿ما استعجلتم به ريح﴾ لكم ﴿فيها عذاب أليم﴾ آية يعني وجيع لقولهم لهود :﴿فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [الأعراف :70].
الأحقاف 46:25
وكان استعجالهم حين قالوا: يا هود ﴿فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [الأعراف :7]، وكانوا أهل عمود سيارة في الربيع فإذا هاج العمود رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة آدم بن شيم بن سام بن توح، وكانوا أصهاره، وكان طول أحدهم اثني عشر ذراعا، وكان فيهم الملك، فلما كذبوا هودا حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين فلما دنا هلاكهم أوحى الله إلى الخزان، خزان الريح أن أرسلوا عليهم من الريح مثل منخر الثور.
فقالت الخزان: يا رب، إذا تنسف الريح الأرض ومن عليها، قال: أرسلوا عليهم مثل خرق الخاتم، يعني على قدر حلقة الخاتم، ففعلوا فجاءت ريح باردة شديدة تسمى الدبور من وراء كاوك الرمل وكان المطر يأتيهم من تلك الناحية فيما مضى فمن ثم: قالوا هذا عارض ممطرنا، فعمد هو فخط على نفسه، وعلى المؤمنين خطا إلى أصل شجرة ينبع من ساقها عين فلم يدخل عليهم من الريح إلا النسيم الطيب، وجعلت الريح شدتها تجئ بالطعن بين السماء والأرض، فلما رأوا أنهار ريح قالوا: يا هود إن ريحك هذا لا تزيل أقدامنا، وقالوا: من أشد منا قوة، يعني بطشا فقاموا صفوفا فاستقبلوها بصدورهم فأزالت الريح أقدامهم، فقالوا: يا هود، إن ريحك هذه تزيل أقدامنا فألقتهم الريح لوجوههم ونسفت عليهم الرمل حتى إنه يسمع أنين احدهم من تحت الرمل، فذلك قوله :﴿أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت :15]، وقال لهم هود حين جاءتهم الريح إنها :﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ يعني تهلك كل شيء من عاد بأمر ربهما من الناس والأموال والدواب، بإذن ربها يقول الله، تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ بالشجر ولم يبق لهم شيء ﴿كذلك﴾ يقول هكذا ﴿نجزي﴾ بالعذاب ﴿القوم المجرمين﴾ آية بتكذيبهم وهاجت الريح غدوة وسكنت بالعشي اليوم الثامن عند غروب الشمس، فذلك قوله :﴿سخرها عليهم سبع ليال﴾ [الحاقة :7] يعني كامة دائمة متتابعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، ثم بعث الله طيرا سودا فالتقطتهم حتى ألقتهم في البحر".
الأحقاف 46:26
ثم خوف كفار مكة فقال :﴿ولقد مكناهم﴾ يعني عادا ﴿فيما إن مكناكم﴾ يا أهل مكة ﴿فيه﴾ يعني في الذي أعطيناكم في الأرض من الخير والتمكن في الدنيا، يعني مكناكم في الأرض يا أهل مكة ﴿وجعلنا لهم﴾ في الخير والتمكين في الأرض ﴿سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ يعني القلوب كما جعلنا لكم أهل مكة ﴿فما أغنى عنهم﴾ من العذاب ﴿سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء﴾ يقول لم تغن عنهم ما جعلنا من العذاب ﴿إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾ يعني عذاب الله تعالى، ﴿وحاق بهم﴾ يعني ووجب لهم سور العذاب ب ﴿ما كانوا به﴾ يعني العذاب ﴿يستهزئون﴾ آية هذا مثل ضربه الله لقريش حين قالوا: إنه غير كائن.
الأحقاف 46:27
قوله :﴿ولقد أهلكنا﴾ بالعذاب ﴿ما حولكم من القرى﴾ يعني القرون قوم نوح، وقوم صالح، وقوم لوط، فأما قوم لوط فهم بين المدينة والشام، وأما عاد فكانوا باليمن.
قوله :﴿وصرفنا الآيات﴾ في أمور شتى يقول: نبعث مع كل نبي إلى أمته آية ليست لغيرهم ﴿لعلهم﴾ يقول لكي ﴿يرجعون﴾ آية من الكفر إلى الإيمان فلم يتوبوا فأهلكهم الله بالعذاب.
الأحقاف 46:28
قوله :﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة﴾ يقول فهلا منعتهم آلهتهم من العذاب الذي نزل بهم ﴿بل ضلوا عنهم﴾ يعني بل ضلت عنهم الآلهة فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم ﴿وذلك إفكهم﴾ يعني كذبهم بأنها آلهة ﴿وما كانوا يفترون﴾ آية في قولهم من الشرك.
الأحقاف 46:29
قوله :﴿وإذ صرفنا إليك﴾ يعني وجهنا إليك يا محمد ﴿نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾ فقرأ من الجن تسعة نفر من أشراف الجن وساداتهم من أهل اليمن من قرية يقال لها: نصيبين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبطن نخلة يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ﴿فلما حضروه﴾ فلما حضروا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿قالوا﴾ قال بعضهم لبعض :﴿أنصتوا﴾ للقرآن، وكادوا أن يرتكبوه من الحرص، فذلك قوله :﴿كادوا يكونون عليه لبدا﴾ [الجن :9]، ﴿فلما قضي﴾ يقول فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ﴿ولوا﴾ يعني انصرفوا ﴿إلى قومهم﴾ يعني الجن ﴿منذرين﴾ آية، يعني مؤمنين.
الأحقاف 46:30
﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا﴾ محمدا صلى الله عليه وسلم يتلوه ﴿كتابا﴾ يعني يقرأ محمد صلى الله عليه وسلم كتابا، يعني شيئا عجبا، يعني قرآنا ﴿أنزل﴾ على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿من بعد موسى﴾ عليه السلام، وكانوا مؤمنين بموسى ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ يقول يصدق كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الكتب التي أنزلت على الأنبياء ﴿يهدي﴾ يعني يدعو كتاب محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إلى الحق﴾ يعني إلى الهدى ﴿وإلى طريق مستقيم﴾ آية يعني يدعوا إلى الدين المستقيم وهو الإسلام فلما أتوا قومهم قالوا لهم :
الأحقاف 46:31
﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾ يقول أجيبوا محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان وصدقوا به ﴿يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ آية يعني ويؤمنكم من عذاب وجيع.
الأحقاف 46:32
﴿ومن لا يجب داعي الله﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان ﴿فليس بمعجز في الأرض﴾ يقول فليس بسابق الله فيقول هربا في الأرض حتى يجزيه بعمله الخبيث ﴿وليس له من دونه أولياء﴾ يعني ليس له أقرباء يمنعونه من الله، عز وجل ﴿أولئك﴾ الذين لا يجيبون إلى الإيمان. ﴿في ضلال مبين﴾ آية يعني بين هذا قول الجن التسعة فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الذين أنذروا مع التسعة تكلمه سبعين رجلا من الجن من العام المقبل فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وأمرهم ونهاهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليل قبل أن يلقاهم لأصحابه :" ليقم معي منكم رجل ليس في قلبه مثقال حبة خردل من شك" فقام عبد الله بن مسعود ومعه إداوة فيها نبيذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود :" قم مكانك"، وخط النبي صلى الله عليه وسلم خطا، وقال :" لا تبرح حتى أرجع إليك إن شاء الله، ثم قال: إن سمعت صوتا أو جلبة أو شيئا يفزعك فلا تخرج من مكانك" فوقف عبد الله حتى أصبح، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم الشعب، وقال له :" لا تخرج من الخط فإن أنت خرجت اختطفت الليلة"، وأنطلق النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن ويعلمهم ويؤدبهم واختصم رجلا منهم في دم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعوا أصواتهم فسمع ابن مسعود الصوت فقال: والله لآتينه فلعل كفار قريش أن يكونوا مكروا به فلما أراد الخروج من الخط ذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج ووقف عبد الله حتى أصبح، والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب يعلمهم ويؤدبهم حتى أصبح فانصرف الجن وأتى النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود فقال عبد الله: يا نبي الله، ما زلت قائما حتى رجعت إلي، وقد سمعت أصواتا مرتفعة حتى هممت بالخروج فذكرت قولك فأقمت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" اختصموا في قتلى لهم كانوا أصابوها في الجاهلية فقضيت بينهم، ثم قال: أمعك طهورا؟" قال: نعم، نبيذ في إداوة، فقال :" ثمرة طيبة وماء طهور عذب، صب علي" فصب عليه ابن مسعود، فتوضأ منه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يصليا أقبل الرجلان اللذان اختصما في الدم حتى وقفا عليه رآهما النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنهما رجعا يختصمان في الدم، فقال :" ما لكما ألم أقض بينكما؟" قالا: يا رسول الله، إنا جئنا نصلي معك ونقتدي بك فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وقام ابن مسعود والرجلان من الجن وراء النبي صلى الله عليه وسلم فصلوا معه فذلك قوله :﴿أنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبد﴾ [الجن :19] من حبهم إياه، ثم انصرفوا من عنده مؤمنين فلم يبعث الله، عز وجل، نبيا إلى الإنس والجن قبل محمد صلى الله عليه وسلم. فقالوا: يا رسول الله، مر لنا برزق حتى نتزود في سفرنا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم فإن لكم أن يعود العظم لحما والبعر حبا هذا لكم إلى يوم القيامة فلا يحل للمسلم أن يستنجي بالعظم ولا بالبعر، ولا بالرجيع، يعني رجيع الدواب، ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والأنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مسعود: لقد رأيت رجالا مستنكرين طولا سودا كأنهم من أزد شنوءة لو خرجت من ذلك الخط لظننت أني سأختطف.
الأحقاف 46:33
قوله :﴿أولم يروا﴾ يقول أو لم يعلموا ﴿أن الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ نزلت في أبي خلف الجمحي عمد فأخذ عظما حائلا نخرا فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أتعدنا إذا بليت عظامنا، وكنا رفاتا أن الله يبعثنا جديدا، وجعل يفت العظم ويذريه في الريح، ويقول: يا محمد، من يحيى هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: يحيى الله هذا، ثم يميتك، ثم يبعثك في الآخرة ويدخلك النار"، فأنزل الله، تعالى يعظه ليعتبر في خلق الله فيوحده، أو لم يروا أن الله، أو لم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، لأنهم مقرون أن الله الذي خلقهما وحده.
﴿ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى﴾ في الآخرة، وهما أشد خلقا من خلق الإنسان بعد أن يموت ولم يعي بخلقهن إذ خلقهن، يعني عن بعث الموتى نظيرها في يس، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿بلى﴾ يبعثهم ﴿إنه على كل شيء﴾ من البعث وغيره ﴿قدير﴾ آية فلما كفر أهل مكة بالعذاب أخبرهم الله بمنزلتهم في الآخرة ،
الأحقاف 46:34
فقال :﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار﴾ يعني إذا كشف الغطاء عنها لهم فنظروا إليها.
فقال الله لهم :﴿أليس هذا﴾ العذاب الذي ترون ﴿بالحق قالوا بلى وربنا﴾ أنه الحق.
﴿قال﴾ الله تعالى :﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ آية بالعذاب بأنه غير كائن.
الأحقاف 46:35
قوله :﴿فاصبر﴾ يا محمد على الأذى والتكذيب يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر ﴿كما صبر أولوا العزم﴾ يعني أولو الصبر ﴿من الرسل﴾ يعني إبراهيم، وأيوب، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، عليهم السلام.
نزلت هذه الآية يوم أحد فأمره أن يصبر على ما أصابه ولا يدعو على قومه مثل قوله :﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ [طه :115]، ثم ذكر له صبر الأنبياء وأولى العزم من قبله من الرسل على البلاء منهم إبراهيم، خليل الرحمن عليه السلام، حين ألقى في النار، ونوح، عليه السلام على تكذيب قومه وكان يضرب حتى يغشى عليه، فإذا أفاق، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون شيئا، وإسحاق في أمر الذبح، ويعقوب في ذهاب بصره من حزنه على يوسف حين ألقى في الجب والسجن، وأيوب، عليه السلام، في صبره على البلاء.
ويونس بن متى، عليه السلام، في بطن الحوت، وغيرهم صبروا على البلاء، ومنهم اثنا عشر نبيا ببيت المقدس، فأوحى الله تعالى إليهم أني منتقم من بني إسرائيل بما صنعوا بيحيى بن زكريا فإن شئتم أن تختاروا أن أنزل بكم النقمة وأنجى بقية بني إسرائيل وإن كرهتم أنزلت النقمة والعقوبة بهم وأنجيتكم فاستقام رأيهم على أن ينزل بهم العقوبة، وهو اثنا عشر وينجي قومهم فدعوا ربهم أن ينزل بهم العقوبة وينجى بني إسرائيل فسلط عليهم ملوك أهل الأرض فأهلكوهم فمنهم من نشر بالمنشار، ومنهم من سلخ رأسه ووجهه، ومنهم من رفع على الخشب، ومنهم من أحرق بالنار، ومنهم من شدخ رأسه وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر هؤلاء فإنه قد نزل بهم ما لم ينزل بك.
ثم قال :﴿ولا تستعجل لهم﴾ وذلك أن كفار مكة، حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب سألوه متى هذا الوعد الذي تعدنا يقول الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تستعجل لهم بالعذاب ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا﴾ في الدنيا ولم يروها ﴿إلا ساعة من نهار﴾ يوم واحد من أيام الدنيا ﴿بلاغ﴾ يعني تبليغ فيها يقول هذا الأمر بلاغ لهم فيها ﴿فهل يهلك﴾ بالعذاب ﴿إلا القوم الفاسقون﴾ آية يعني العاصون لله، عز وجل، فيما أمرهم من أمره ونهيه ويقال هذا الأمر هو بلاغ لهم
محمد 47:1
سورة محمد
مدنية، عددها ثمان وثلاثون آية كوفية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الذين كفروا﴾ بتوحيد الله، يعني كفار مكة ﴿وصدوا﴾ الناس ﴿عن سبيل الله﴾ يقول: منعوا الناس عن دين الله الإسلام ﴿أضل أعمالهم﴾ آية يقول: أبطل الله أعمالهم، يعني نفقتهم في غزوة بدر ومسيرهم ومكرهم أبطل الله ذلك كله في الآخرة، أبطال أعمالهم التي عملوا في الدنيا لأنها كانت في غير إيمان نزلت في اثني عشر رجلا من قريش، وهم المطعمون من كفار مكة في مسيرهم إلى قتال النبي صلى الله عليه وسلم ببدر منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام، وشيبة وعتيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البحتري بن هشام، وربيعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.
محمد 47:2
ثم ﴿والذين آمنوا﴾ يعني صدقوا بتوحيد الله ﴿وعملوا الصالحات﴾ الصالحة ﴿وآمنوا﴾ يعني وصدقوا ﴿بما نزل على محمد﴾ صلى الله عليه وسلم من القرآن ﴿وهو الحق﴾ يعني القرآن ﴿من ربهم كفر عنهم﴾ يقول: محا عنهم ﴿سيئاتهم﴾ يعني ذنوبهم الشرك وغيرها بتصديقهم ﴿وأصلح بالهم﴾ آية يقول: أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق، نزلت بني هاشم وبني عبد المطلب.
محمد 47:3
ثم رجع إلى الاثني عشر المطعمين يوم بدر فيها تقديم ﴿ذلك﴾ يقول: هذا الإبطال كان ﴿بأن الذين كفروا﴾ بتوحيد الله ﴿اتبعوا الباطل﴾ يعني عبادة الشيطان.
ثم قال :﴿وأن الذين آمنوا﴾ يعني صدقوا بتوحيد الله ﴿اتبعوا الحق من ربهم﴾ يعني به القرآن ﴿كذلك﴾ يقول: هكذا ﴿يضرب الله للناس أمثالهم﴾ آية حين أضل أعمال الكفار، وكفر سيئات المؤمنين، ثم علم المؤمنين كيف يصنعون بالكفار؟
محمد 47:4
فقال :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا﴾ من مشركي العرب بتوحيد الله تعالى ﴿فضرب الرقاب﴾ يعني الأعناق ﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ يعني قهرتموهم بالسيف وظهرتم عليهم ﴿فشدوا الوثاق﴾ يعني الأسر ﴿فإما منا بعد﴾ يعني عتقا بعد الأسر فيمن عليهم ﴿وإما فداء﴾ يقول: فيفتدى نفسه بما له ليقوى به المسلمون على المشركين، ثم نسختها آية السيف في براءة، وهي قوله :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة :5]، يعني مشركي العرب خاصة.
﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ يعني ترك الشرك، حتى لا يكون في العرب مشرك، وأمر ألا يقبل منهم إلا الإسلام، ثم استأنف، فقال :﴿ذلك﴾ يقول هذا أمر الله في المن والفداء. حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الهذيل، قال: قال مقاتل: إذا أسلمت العرب وضعت الحرب أوزارها، وقال في سورة الصف :﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ [الصف :14] بمحمد حين أسلمت العرب.
فقال :﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم﴾ يقول: لانتقم منهم ﴿ولكن ليبلوا﴾ يعني يبتلى بقتال الكفار ﴿بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني قتلى بدر ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ آية يعني لن يبطل أعمالهم الحسنة.
محمد 47:5
﴿سيهديهم﴾ إلى الهدى، يعني التوحيد في القبر ﴿ويصلح بالهم﴾ آية يعني حالهم في الآخرة.
محمد 47:6
﴿ويدخلهم الجنة عرفها لهم﴾ آية يعني عرفوا منازلهم في الجنة، كما عرفوا منازلهم في الآخرة، يذهب كل رجل إلى منزله.
محمد 47:7
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله﴾ يقول: إن تعينوا الله ورسوله حتى يوحد ﴿ينصركم﴾ يقول: يعينكم ﴿ويثبت أقدامكم﴾ آية للنصر فلا تزول عند الثبات.
قوله :" إن تنصروا الله" حتى يوحد "ينصركم" على عدوكم "ويثبت أقدامكم" فلا تزول عند اللقاء عن التوحيد.
قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" نصرت بالرعب مسيرة شهر"، فما ترك التوحيد قوم إلا سقطوا من عين الله، وسلط الله عليهم السبي ،
محمد 47:8
﴿والذين كفروا فتعسا لهم﴾ يعني فنكسا لهم وخيبة، يقال: وقحا لهم عند الهزيمة ﴿وأضل أعمالهم﴾ آية يعني أبطلها.
محمد 47:9
﴿ذلك﴾ الإبطال ﴿بأنهم كرهوا﴾ الإيمان ب ﴿ما أنزل الله﴾ من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم يعني الكفار الذين قتلوا من أهل مكة ﴿فأحبط أعمالهم﴾ آية لأنها لم تكن في إيمان ،
محمد 47:10
ثم عرف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا. فقال :﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ يعني كفار مكة ﴿فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ من كفار الأمم الخالية عاد وثمود وقوم لوط ﴿دمر الله عليهم﴾ بألوان العذاب، ثم قال :﴿وللكافرين﴾ من هذه الأمة ﴿أمثالها﴾ آية يقول: مثل عذاب الأمم الخالية.
محمد 47:11
﴿ذلك بأن الله﴾ يقول: هذا النصر ببدر في القديم إنما كان بأن الله ﴿مولى الذين آمنوا﴾ يقول: ولي الذين صدقوا بتوحيد الله عز وجل حين نصرهم ﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ آية يقول: لا ولي لهم في النصر ،
محمد 47:12
ثم ذكر مستقر المؤمنين والكافرين في الآخرة. فقال :﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ يعني البساتين تجري من تحتها الأنهار ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون﴾ لا يلتفتون إلى الآخرة ﴿كما تأكل الأنعام﴾ يقول: ليس لهم هم إلا الأكل والشرب في الدنيا، ثم قال :﴿والنار مثوى لهم﴾ آية يقول: هي مأواهم ،
محمد 47:13
ثم خوفهم ليحذروا. فقال :﴿وكأين﴾ يقول: وكم ﴿من قرية﴾ قد مضت فيما خلا كانت ﴿هي أشد قوة﴾ يعني أشد بطشا وأكثر عددا ﴿من قريتك﴾ يعني مكة ﴿التي أخرجتك﴾ يعني أهل مكة حين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى الأمم الخالية في التقديم.
فقال :﴿أهلكناهم﴾ بالعذاب حين كذبوا رسلهم ﴿فلا ناصر لهم﴾ آية يقول: فلم يكن لهم مانع يمنعهم من العذاب الذي نزل بهم.
محمد 47:14
قوله :﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ يعني على بيان من ربه وهو النبي صلى الله عليه وسلم ﴿كمن زين له سوء عمله﴾ الكفر ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ آية نزلت في نفر من قريش، في أبي جهل بن هشام، وأبي حذيفة بن المغيرة المخزوميين، فليسا بسواء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مصيرة إلى الجنة، وأبو حذيفة، وأبو جهل مخلدان في النار.
محمد 47:15
ثم قال :﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ الشرك، يقول: شبة الجنة في الفضل، والخير كشبة النار في الشدة وألوان العذاب، ثم ذكر ما أعد لأهل الجنة من الشراب، وما أعد لأهل النار في الشدة وألوان العذاب، ثم ذكر ما أعد لأهل الجنة من الشراب، وما أعد لأهل النار من الشراب.
فقال :﴿فيها﴾ يعني في الجنة ﴿أنهار من ماء غير أسن﴾ يقول: لا يتغير كما يتغير ماء أهل الدنيا فينتن ﴿وأنهار من لبن لم يتغير طعمه﴾ كما يتغير لبن أهل الدنيا عن حاله الأولى فيمخض ﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ لا يصدون عنها، ولا يسكرون كخمر الدنيا تجري لذة للشاربين ﴿وأنهار من عسل مصفى﴾ ليس فيها عكر، ولا كدر كعسل أهل الدنيا، فهذه الأنهار الأربعة تفجر من الكوثر إلى سائر أهل الجنة.
قوله :﴿ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة﴾ لذنوبهم ﴿من ربهم﴾ فهذا للمتقين الشرك في الآخرة، ثم ذكر مستقر الكفار، فقال :﴿كمن هو خالد في النار﴾ يعني أبا جهل بن هشام، وأبا حذيفة المخزوميين وأصحابهما في النار ﴿وسقوا ماء حميما﴾ يعني شديد الحر الذي قد انتهى حره تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السماوات والأرض ﴿فقطع﴾ الماء ﴿أمعاءهم﴾ آية في الخوف من شدة الحر.
محمد 47:16
﴿ومنهم﴾ يعني من المنافقين ﴿من يستمع إليك﴾ يعني إلى حديثك بالقرآن يا محمد ﴿حتى إذا خرجوا من عندك﴾ منهم رفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو، وحليف بني زهرة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الجمعة، فعاب المنافقين وكانوا في المسجد فكظموا عند النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجوا، يعني المنافقين، من الجمعة.
﴿قالوا للذين أوتوا العلم﴾ وهو الهدى، يعني القرآن، يعني عبد الله بن مسعود الهذلي ﴿ماذا قال﴾ محمد ﴿آنفا﴾ وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفقهوه، يقول الله تعالى :﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ يعني ختم الله على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ آية في الكفر.
محمد 47:17
ثم ذكر المؤمنين فقال :﴿والذين اهتدوا﴾ من الضلالة ﴿زادهم هدى﴾ بالمحكم الذي نسخ الأمر الأول ﴿وآتاهم تقواهم﴾ آية يقول: وبين لهم التقوى، يعني عملا بالمحكم حتى علموا بالمحكم.
محمد 47:18
ثم خوف أهل مكة، فقال :﴿فهل ينظرون إلا الساعة﴾ يعني القيامة ﴿أن تأتيهم بغتة﴾ يعني فجأة ﴿فقد جاء أشراطها﴾ يعني أعلامها، يعني انشقاق القمر وخروج الدجال وخروج النبي صلى الله عليه وسلم فقد عاينوا هذا كله، يقول :﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ آية فيها تقديم يقول: من أين لهم التذكرة والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها؟
محمد 47:19
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك و﴾ لذنوب المؤمنين والمؤمنات، يعني المصدقين بتوحيد الله والمصدقات ﴿وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم﴾ يعني منتشركم بالنهار ﴿ومثواكم﴾ آية يعني مأواكم بالليل.
محمد 47:20
﴿ويقول الذين آمنوا﴾ يعني صدقوا بالقرآن ﴿لولا نزلت سورة﴾ وذلك أن المؤمنين اشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: هلا نزلت سورة؟ يقول الله تعالى :﴿فإذا أنزلت سورة محكمة﴾ يعني بالمحكمة ما فيها من الحلال والحرام ﴿وذكر فيها القتال﴾ وطاعة الله والنبي صلى الله عليه وسلم، وقول معروف حسن فرج بها المؤمنون، فيها تقديم.
ثم ذكر المنافقين، فذلك قوله :﴿رأيت الذين في قلوبهم مرض﴾ يعني الشك في القرآن منهم عبد الله بن أبي، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو ﴿ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت﴾ غما وكراهية لنزول القرآن يقول الله تعالى :﴿فأولى لهم﴾ آية فهذا وعيد.
محمد 47:21
﴿طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر﴾ يعني جد الأمر عند دقائق الأمور ﴿فلو صدقوا الله﴾ في النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ﴿لكان خيرا لهم﴾ آية من الشرك.
محمد 47:22
﴿فهل عسيتم﴾ يعني منافقي اليهود ﴿إن توليتم أن تفسدوا في الأرض﴾ بالمعاصي ﴿وتقطعوا أرحامكم﴾ آية قال: وكان بينهم وبين الأنصار قرابة.
محمد 47:23
﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم﴾ فلم يسمعوا الهدى ﴿وأعمى أبصارهم﴾ آية فلا يبصروا الهدى.
محمد 47:24
﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ يقول: أفلا يسمعون القرآن ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ آية يعني الطبع على القلوب.
محمد 47:25
ثم ذكر اليهود، فقال :﴿إن الذين ارتدوا﴾ عن إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد المعرفة ﴿على أدبارهم﴾ يعني أعقابهم كفارا ﴿من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم يبين لهم في التوراة أن نبي ورسول ﴿الشيطان سول لهم﴾ يعني زين لهم ترك الهدى، يعني إيمانا بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿وأملي﴾ الله ﴿لهم﴾ آية.
محمد 47:26
﴿ذلك﴾ فيها تقديم وأمهل الله لهم حين قالوا: ليس محمد بنبي، فلم يعجل عليهم، ثم انتقم منهم حين قتل أهل قريظة، وأجل أهل النضير، يقول ذلك الذي أصابهم من القتل والجلاء ﴿بأنهم قالوا للذين كرهوا﴾ يعني تركوا الإيمان، يعني المنافقين ﴿ما نزل الله﴾ من القرآن ﴿سنطيعكم في بعض الأمر﴾ قالت اليهود للمنافقين في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو بعض الأمر، قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فذلك قوله :﴿والله يعلم إسرارهم﴾ آية يعني اليهود والمنافقين.
محمد 47:27
ثم خوفهم، فقال :﴿فكيف إذا توفتهم الملائكة﴾ يعني ملك الموت وحده ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ آية عند الموت.
محمد 47:28
﴿ذلك﴾ الضرب الذي أصابهم عند الموت ﴿بأنهم اتبعوا ما أسخط الله﴾ من الكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وكرهوا رضوانه﴾ يقول: وتركوا رضوان الله في إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿فأحبط أعمالهم﴾ آية التي عملوها في غير إيمان ،
محمد 47:29
ثم رجع إلى عبد الله بن أبي، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو. فقال :﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض﴾ يعني الشك بالقرآن، وهم المنافقون ﴿أن لن يخرج الله أضغانهم﴾ آية يعني أن لن يظهر الله الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين.
محمد 47:30
﴿ولو نشاء لأريناكهم﴾ يعني لأعلمناكم، كقوله :﴿بما أراك الله﴾ [النساء :105]، يعني بما أعلمك الله ﴿فلعرفتهم بسيماهم﴾ يعني بعلامتهم الخبيثة ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ يعني في كذبهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يخف على النبي صلى الله عليه وسلم منافق بعد هذه الآية.
ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد، فقال :﴿والله يعلم أعمالكم﴾ آية من الخير والشر.
محمد 47:31
﴿ولنبلونكم﴾ بالقتال، يعني لنبتلينكم، معشر المسلمين بالقتال ﴿حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ يعني كي نرى من يجاهد منكم ﴿و﴾ من يصبر من ﴿والصابرين﴾ على أمر الله ﴿ونبلوا أخباركم﴾ آية يعني ونختبر أعمالكم.
محمد 47:32
ثم استأنف ﴿إن الذين كفروا﴾ يعني اليهود ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾ يعني عن دين الله الإسلام ﴿وشاقوا الرسول﴾ يعني وعادوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ﴿من بعد ما تبين لهم﴾ في التوراة ﴿الهدى﴾ بأنه نبي رسول، يعني بالهدى أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ف ﴿لن يضروا الله﴾ يقول: فلن ينقصوا الله من ملكه وقدرته ﴿شيئا﴾ حين شاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وصدوا الناس عن الإسلام إنما يضرون أنفسهم ﴿وسيحبط﴾ في الآخرة ﴿أعمالهم﴾ آية التي عملوها في الدنيا.
محمد 47:33
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وذلك أن أناسا من أعراب بني أسد بن خزيمة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتيناك بأهلينا طائعين عفوا بغير قتال وتركنا الأموال والعشائر، وكل قبيلة في العرب قاتلوك حتى أسلموا كرها، فلنا عليك حق، فاعرف ذلك لنا، فأنزل الله تعالى في الحجرات :﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ إلى آيتين [الحجرات: 17، 18]. وأنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ بالمن ولكن أخلصوها لله تعالى.
محمد 47:34
﴿إن الذين كفروا﴾ بتوحيد الله ﴿وصدوا﴾ الناس ﴿عن سبيل الله﴾ يعني عن دين الإسلام ﴿ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾ آية وذلك أن المسلم كان يقتل ذا رحمه على الإسلام، فقالوا: يا رسول الله، أين آباؤنا وإخواننا الذين قاتلوا فقتلوا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هم في النار"، فقال رجل من القوم: أين ولده وهو عدي بن حاتم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" في النار"، فولى الرجل وله بكاء فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" ما لك"؟ فقال: يا نبي الله، أجدني أرحمه وأرثى له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" فإن والدي ووالد إبراهيم وولدك في النار، فليكن لك أسوة في، وفي إبراهيم خليله"، فذهب بعض وجده. فقال: يا نبي الله، وأين المحاسن التي كان يعملها؟ قال :" يخفف الله عنه بها من العذاب، فأنزل الله فيهم"، "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم".
محمد 47:35
ثم قال :﴿فلا تهنوا﴾ يقول: فلا تضعفوا ﴿وتدعوا﴾ يعني نبدؤهم بالدعاء ﴿إلى السلم﴾ يقول: فلا تضعفوا وتدعوا العرب إلى الصلح والموادعة ﴿وأنتم الأعلون﴾ يقول: وأنتم الغالبون عليهم، وكان هذا يوم أحد يقول: ﴿والله معكم﴾ في النصر يا معشر المؤمنين لكم ﴿ولن يتركم﴾ يقول: ولن يبطلكم ﴿أعمالكم﴾ آية الحسنة.
محمد 47:36
﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ يقول: وإن تصدقوا بالله وحده لا شريك له، وتتقوا معاصي الله ﴿يؤتكم أجوركم﴾ في الآخرة يعني جزاءكم في الآخرة أعمالكم ﴿ولا يسألكم أموالكم﴾ آية.
محمد 47:37
ثم نزلت بعد ﴿إن يسئلكموها﴾ يعني الأموال فنسخت هذه الآية، ولا يسألكم أموالكم، ثم قال :﴿فيحفكم﴾ ذلك يعني كثرة المسألة ﴿تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾ آية يعني ما في قلوبكم من الحب للمال والغش والغل، ولكنه فرض عليكم يسيرا.
محمد 47:38
ثم قال :﴿ها أنتم هؤلاء﴾ معشر المؤمنين ﴿تدعون لتنفقوا﴾ أموالكم ﴿في سبيل الله﴾ يعني في طاعة الله ﴿فمنكم من يبخل﴾ بالنفقة في سبيل الله ﴿ومن يبخل﴾ بالنفقة ﴿فإنما يبخل﴾ بالخير والفضل ﴿عن نفسه﴾ في الآخرة لأنه لو أنفق في حق الله أعطاه الله الجنة في الآخرة ﴿والله الغني﴾ عما عندكم من الأموال ﴿وأنتم الفقراء﴾ إلى ما عنده من الخير والرحمة والبركة ﴿وإن تتولوا﴾ يقول: تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي ﴿يستبدل﴾ بكم ﴿قوما غيركم﴾ يعني أمثل منكم وأطوع لله منكم ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ آية في المعاصي بل يكونوا خيرا منكم وأطوع.
"وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم" يعني الأنصار.