روح البيان في تفسير القرآن — الصف 61:1 – الطلاق 65:12
المحتويات
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
الصف 61:1
{ سبح لله } نزهه عن كل مالايليق بجنابه العلى العظيم { مافى السموات } من العلويات الفاعلة { وما فى الارض } من السفليات القابلة آفاقا وانفسا اى سبحه جميع الاشياء من غير فرق بين موجود وموجود كما قال تعالى
وان من شىء الا يسبح بحمده
{ وهو العزيز } الغالب الذى لايكون الا مايريد { الحكيم } الذى لايفعل الا بالحكمة فلا عزيز ولاحيكم على الاطلاق غيره فلذا يجب تسبيحه قال فى كشف الاسرار من أراد يصفو له تسبيحه فليصف عن آثار نفسه قلبه ومن أراد أن يصفو له فى الجنة عيشة فليصف عن اوضار الهوى دينه
الصف 61:2
{ يا أيها الذين آمنوا } ايمانا رسميا { لم تقولون مالا تفعلون } روى ان المسلمين قالوا لو علمنا احب الاعمال الى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وانفسنا فلما نزل الجهاد كرهوه فنزلت تعبيرا لهم بترك الوفاء ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية قد حذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها معا كما فى عم وفيم ونظائرهما معناها لاى شىء تقولون نفعل مالا تفعلون من الخير والمعروف على ان مدار التعبير والتوبيخ فى الحقيقة عدم فعلهم وانما وجهه الى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم ببيان ان المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط بل الوعد به ايضا وقد كانوا يحسبونه معروفا ولو قيل لم لا تفعلون ماتقولون لفهم منه ان المنكر هو ترك الموعود فليس المراد من ماحقيقة الاستفهام لان الاستفهام من الله محال لانه عالم بجميع الاشياء بل المراد الانكار والتوبيخ علىأن يقول الانسان من نفسه مالا يفعله من الخير لانه ان اخبر أنه فعل فى الماضى والحال ولم يفعله كان كاذبا وان وعد أن يفعله فى المستقبل ولايفعله كان خلفا وكلاهما مذموم كما قال فى الكشاف هذا الكلام يتناول الكذب واخلاف الموعود وهذا بخلاف مااذا وعد فلم يف بميعاده لعذر من الاعذار فانه لا اثم عليه وفى عرآئس البقلى حذر الله المريدين أن يظهروا بدعوى المقامات التى لم يبلغوا اليها لئلا يقعوا فى مقت الله وينقطعوا عن طريق الحق بالدعوى بالباطل وايضا زجر الاكابر فى ترك بعض الحقوق ومن لم يوف بالعهود ولم يأت بالحقوق لم يصل الى الحق والحقيقة وايضا ليس للعبد فعل ولا تدبير لانه اسير فى قبضة العزة يجرى عليه احكام القدرة وتصاريف المشيئة فمن قال فعلت او أتيت او شهدت فقد نسى مولاه وادعى ماليس له ومن شهد من نفسه طاعة كان الى العصيان اقرب لان النسيان من العمى وفى التأويلات النجمية ياأيها المؤمنون المقلدون لم تذمون الدنيا بلسان الظاهر وتمدحونها بلسان الباطن شهادة ارتكابكم انواع الشهوات الحيواينة واصناف اللذات الجسمانية او تمدحون الجهاد بلسانكم وتذمونه بقلوبكم وذلك يدل على اعراضكم عن الحق واقبالكم على النفس والدنيا وهذا كبر مقتا عند الله تعالى كما قال { كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون } كبر من باب نعم وبئس فيه ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده وأن تقولوا هو المخصوص بالذم والمقت البغض الشديد لمن يراه متعاطيا لقبيح يقال مقته فهو مقيت وممقوت وكان يسمى تزوج امرأة الأب نكاح المقت وعند الله ظرف للفعل بمعنى فى علمه وحكمته والكلام بيان لغاية قبح مافعلوه اى عظم بغضا فى حكمته تعالى هذا القول المجرد فهو أشد ممقوتية ومبغوضية فمن مقته الله فله النار ومن احبه الله فله الجنة قال الكاشفى ونزد بعضى علما آيت عامست يعنى هركه سخنى كويد ونكند درين عتاب داخلست ويا آن علما نيزكه خلق رابعمل خير فرمايند وخود ترك نمايند اين سياست خواهد بود
لاتنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
واوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام ياابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستحى منى وحضرت بيغمبر عليه السلام درشب معراد ديدكه لبهاى جنين كسان بمقراض آتشبن مى بريدند
ازمن بكوى علام تفسير كوى را كردر عمل نكوشى نادان مفسر بار درخت لعم ندايم بجز عمل باعلم اكر عمل نكنى شاخ بى برى
قيل لبعض السلف حدثنا فسكت ثم قيل له حدثنا فقال لهم اتأمروننى أن اقول مالا افعل فأستعجل مقت الله قال القرطبى رحمه الله ثلاث آيات منعتنى ان اقص على الناس
أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفكسم
وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون } وقد ورد الوعيد فى حق من يترك العلم فالخوف اذا على كل منهما فى درجة متناهية فيكف على من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف واكثر الناس فى هذا الزمان هكذا والعياذ بالله تعالى قال فى اللباب ان الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة الله أن يفى به فان من التزم شيئا لزم شرعا اذا الملتزم اما نذر تقرب مبتدأ كقوله لله على صلاة او صوم او صدقة ونحوه من القرب فليزمه الوفاء اجماعا او نذر مباح وهو ماعلق بشرط رغبة كقوله ان قدم غائبى فعلى صدقة او بشرط رهبة كقوله ان كفانى الله شر كذا فعلى صدقة ففيه خلاف فقال مالك وابو حنيفة يلزمه الوفاء به وقال الشافعى فى قول لايلزم وعموم الآية حجة لنا لانها بمطلقها تتناول ذم من قال مالا يفعله على اى وجه كان من مطلق اى مقيد بشرط
الصف 61:3
{ يا أيها الذين آمنوا } ايمانا رسميا { لم تقولون مالا تفعلون } روى ان المسلمين قالوا لو علمنا احب الاعمال الى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وانفسنا فلما نزل الجهاد كرهوه فنزلت تعبيرا لهم بترك الوفاء ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية قد حذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها معا كما فى عم وفيم ونظائرهما معناها لاى شىء تقولون نفعل مالا تفعلون من الخير والمعروف على ان مدار التعبير والتوبيخ فى الحقيقة عدم فعلهم وانما وجهه الى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم ببيان ان المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط بل الوعد به ايضا وقد كانوا يحسبونه معروفا ولو قيل لم لا تفعلون ماتقولون لفهم منه ان المنكر هو ترك الموعود فليس المراد من ماحقيقة الاستفهام لان الاستفهام من الله محال لانه عالم بجميع الاشياء بل المراد الانكار والتوبيخ علىأن يقول الانسان من نفسه مالا يفعله من الخير لانه ان اخبر أنه فعل فى الماضى والحال ولم يفعله كان كاذبا وان وعد أن يفعله فى المستقبل ولايفعله كان خلفا وكلاهما مذموم كما قال فى الكشاف هذا الكلام يتناول الكذب واخلاف الموعود وهذا بخلاف مااذا وعد فلم يف بميعاده لعذر من الاعذار فانه لا اثم عليه وفى عرآئس البقلى حذر الله المريدين أن يظهروا بدعوى المقامات التى لم يبلغوا اليها لئلا يقعوا فى مقت الله وينقطعوا عن طريق الحق بالدعوى بالباطل وايضا زجر الاكابر فى ترك بعض الحقوق ومن لم يوف بالعهود ولم يأت بالحقوق لم يصل الى الحق والحقيقة وايضا ليس للعبد فعل ولا تدبير لانه اسير فى قبضة العزة يجرى عليه احكام القدرة وتصاريف المشيئة فمن قال فعلت او أتيت او شهدت فقد نسى مولاه وادعى ماليس له ومن شهد من نفسه طاعة كان الى العصيان اقرب لان النسيان من العمى وفى التأويلات النجمية ياأيها المؤمنون المقلدون لم تذمون الدنيا بلسان الظاهر وتمدحونها بلسان الباطن شهادة ارتكابكم انواع الشهوات الحيواينة واصناف اللذات الجسمانية او تمدحون الجهاد بلسانكم وتذمونه بقلوبكم وذلك يدل على اعراضكم عن الحق واقبالكم على النفس والدنيا وهذا كبر مقتا عند الله تعالى كما قال { كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون } كبر من باب نعم وبئس فيه ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده وأن تقولوا هو المخصوص بالذم والمقت البغض الشديد لمن يراه متعاطيا لقبيح يقال مقته فهو مقيت وممقوت وكان يسمى تزوج امرأة الأب نكاح المقت وعند الله ظرف للفعل بمعنى فى علمه وحكمته والكلام بيان لغاية قبح مافعلوه اى عظم بغضا فى حكمته تعالى هذا القول المجرد فهو أشد ممقوتية ومبغوضية فمن مقته الله فله النار ومن احبه الله فله الجنة قال الكاشفى ونزد بعضى علما آيت عامست يعنى هركه سخنى كويد ونكند درين عتاب داخلست ويا آن علما نيزكه خلق رابعمل خير فرمايند وخود ترك نمايند اين سياست خواهد بود
لاتنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
واوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام ياابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستحى منى وحضرت بيغمبر عليه السلام درشب معراد ديدكه لبهاى جنين كسان بمقراض آتشبن مى بريدند
ازمن بكوى علام تفسير كوى را كردر عمل نكوشى نادان مفسر بار درخت لعم ندايم بجز عمل باعلم اكر عمل نكنى شاخ بى برى
قيل لبعض السلف حدثنا فسكت ثم قيل له حدثنا فقال لهم اتأمروننى أن اقول مالا افعل فأستعجل مقت الله قال القرطبى رحمه الله ثلاث آيات منعتنى ان اقص على الناس
أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفكسم
وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون } وقد ورد الوعيد فى حق من يترك العلم فالخوف اذا على كل منهما فى درجة متناهية فيكف على من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف واكثر الناس فى هذا الزمان هكذا والعياذ بالله تعالى قال فى اللباب ان الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة الله أن يفى به فان من التزم شيئا لزم شرعا اذا الملتزم اما نذر تقرب مبتدأ كقوله لله على صلاة او صوم او صدقة ونحوه من القرب فليزمه الوفاء اجماعا او نذر مباح وهو ماعلق بشرط رغبة كقوله ان قدم غائبى فعلى صدقة او بشرط رهبة كقوله ان كفانى الله شر كذا فعلى صدقة ففيه خلاف فقال مالك وابو حنيفة يلزمه الوفاء به وقال الشافعى فى قول لايلزم وعموم الآية حجة لنا لانها بمطلقها تتناول ذم من قال مالا يفعله على اى وجه كان من مطلق اى مقيد بشرط
الصف 61:4
{ ان الله يحب الذين يقاتلون } اعدآء الله { فى سبيله } فى طريق مرضاته واعلاء دينه اى يرضى عنهم ويثنى عليهم { صفا } صف زده در برابر خصم، وهو بيان لما هو مرضى عنده تعالى بعد بيان ماهو ممقوت عنده وهذا صريح فى ان ماقالوه عبارة عن الوعد بالقتال وصفا مصدر وقع موقع الفاعل او المفعول ونصبه على الحالية من فاعل يقاتلون اى صافين انفسهم او مصفوفين والصف ان يجعل الشىء على خط مستو كالناس والاشجار { كأنهم بنيان مرصوص } حال من المستكن فى الحال الاولى والبنيان الحائط وفى القاموس البناء ضد الهدم بناه بنيا وبناءه وبنيانا وبنية وبناية والبناء المبنى والبنيان واحد لايجمع دل عليه تذكير مرصوص وقال بعضهم بنيان جمع بنيانه على حد نخل ونخلة وهذا النحو من الجمع يصح تأنيثه وتذكيره الرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه كما قال فى تاج المصادر الرص استوار بر آوردن بنا، قال ابن عباس رضى الله عنهما يوضع الحجر على الحجر ثم يرص باحجار صغار ثم يوضع اللبن عليه فيسميه اهل مكة المرصوص والمعنى حال كونهم مشبهين فى تراصهم من غير فرجة وخلل ببنيان رص بعضه الى بعض ورصف حتى صار شيأ واحدا وقال الراغب بنيان مرصوص اى محكم كأنما بنى بالرصاص يعنى كوبيا ايشان در اسحكام بنا اندريخته ازار زير كنايتست ازثبات قدم ايشان در معركه حرب وبيكديكر باز جسبيدن، وهو قول الفرآء وتراصوا فى الصلاة اى تضايقوا فيها كما قال عليه السلام
" تراصوا بينكم فى الصلاة لايتخللكم الشياطين فالرحمة فى مثل هذا المقام رحمة فلابد من سد الخلل او المحاذاة بالمناكب كالبنيان المرصوص "
ولاينافيه قول سفيان ينبغى أن يكون بين الرجلين فى الصف قدر ثلثى ذراع فذاك فىغيره كما فى المقاصد الحسنة وعن بعضهم فيه دليل على فضل القتل راجلا لان الفرسان لايصطفون على هذه الصفة كما فى الكشاف. يقول الفقير الدليل على فضل الراكب على الراجل ان له سهمين من الغنيمة وانما حث عليه السلام على التراص لان المسلمين يومئذ كانوا راجلين غالبا ولم يجدوا راحلة ونحوها الا قليلا قال سعيد ابن جبير رضى الله عنه هذا تعليم من الله للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم ولذلك قالوا لايجوز الخروج من الصف الا لحاجة تعرض للانسان او فى رسالة يرسله الامام او منفعة تظهر فى المقام المنتقل اليه كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها وفى الخروج عن الصف للمبارزة خلاف لابأس بذلك ارهابا للعدو وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال وقيل لايبرز احد لذلك لان فيه رياء او خروجا الى ما نهى الله عنه وانما تكون المبارزة اذا طلبها الكافر كما كانت فى حروب النبى عليه السلام يوم بدر وفى غزوة خيبر قال فى فتح الرحمن اما حكم الجهاد فهو فرض كفاية على المستطيع بالاتفاق اذا فعله البعض سقط عن الباقين وعند النفير العام وهو هجوم العدو يصير فرض عين بلا خلاف ففى الآية زجر عن التباطىء وحث على التسارع ودلالة على فضيلة الجهاد وروى فى الخبر انه لما كان يوم مؤتة بالضم موضع بمشارف الشام قتل فيه جعفر ابن أبى طالب وفيه كانت تعمل السيوف كما فى القاموس وكان عبدالله بن رواحة رضى الله عنه احد الآمراء الذين امرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم ياهل المجلس هذا الذى وعدكم ربكم فقاتل حتى قتل فى مسجده على حياته وجلس اليه رسول الله يوما وقال امرت أن أجلس وامر ابن رواحة أن يمضى فى كلامه كما فى كشف الاسرار ثم ان الجهاد اما مع الاعدآء الظاهرة كالكفار والمنافقين واما مع الاعدآء الباطنة كالنفس والشيطان وقال عليه السلام
" المجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله والمهاجر من هاجر الخطايا والذنوب واعظم المجاهدة فى الطاعة الصلاة لان فيها سر الفناء وتشق على النفس "
الصف 61:5
{ واذ قال موسى لقومه } كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال واذ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبى عليه السلام بطريق التلوين اى اذكر لهؤلاء المؤمنين المتقاعدين على القتال وقت قول موسى لبنى اسرآئيل حين ندبهم الى قتال الجبابرة بقوله
ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم ولاترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين
فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد عصيان حيث
قالوا ياموسى ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون
الى قوله
فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون
واصروا على ذلك وآذوه عليه السلام كل الأذية كذا فى الاشاد. يقول الفقير لاشك ان قتل الآعداء من باب التسبيح لانهم الذين قالوا اتخذ الله ولدا وعبدوا معه الاصنام فكان فى مقالتهم توسيع ساحة التنزيه ولذا بدأ الله تعالى فى عنوان السورة بالتسبيح وأشار بلفظ الحكيم الى ان القتال من باب الحكمة وانه من باب دفع القضاء بالقضاء على مايعرفه اهل الله وبلفظ العزيز الى غلبة المؤمنين المقاتلين ثم انهم كرهوا ذلك كأنهم لم يثقوا بوعد الله بالغلبة ووقعوا من حيث لم يحتسبوا فى ورطة نسبة العجز الى الله سبحانه ولذا تقاعدوا عن القتال وبهذا التقاعد حصلت الاذية له عليه السلام لان مخالفة اولى الامر اذية لهم فأشار الحق تعالى بقصة موسى الى ان الرسول حق وان الخروج عن طاعته فسق وان الفاسق مغضوب الله تعالى لان الهداية من باب الرحمة وعدمها من باب السخط والعياذ بالله تعالى من سخطه وغضبه وأليم عذابه وعقابه { ياقوم } اى كروه من، فأصله ياقومى ولذا تكسر الميم ولولا تقدير الياء لقيل ياقوم بالضم لانه حينئذ يكون مفردا معرفة فيبنى على الضم وهو ندآء بالرفق والشفقة كما هو شأن الانبياء ومن يليهم { لم تؤذوننى } جرامى رنجانيد مرا، اى بالمخالفة والعصيان فيما امرتكم به والا ذى مايصل الى الانسان من ضرر اما فى نفسه او فى جسمه او قنياته دنيويا كان او أخرويا قال فى القاموس آذى فعل الأذى وصاحبه اذى واذاة واذية ولا تقل ايذآء انتهى فلفظ الايذآء فى افواه العوام من الاغلاط وربما تراه فى عبارات بعض المصنفين { وقد تعلمون انى رسول الله اليكم } جملة حالية مؤكدة لانكار الأذية ونفى سببها وقد لتحقيق العلم لا للتوقع ولا للتقريب ولا للتقليل فانهم قالوا ان قد اذا دخلت على الحال تكون للتحقيق واذا دخلت على الاستقبال تكون للتقليل وصيغة المضارع للدلالة على استمرار العلم اى والحال انكم تعلمون علما قطعيا مستمرا بمشاهدة ماظهر بيدى من المعجزات انى مرسل من الله اليكم لأرشدكم الى خير الدنيا والآخرة ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا فى تعظيمى وتسارعوا الى طاعتى فان تعظيمى تعظيم لله واطاعتى اطاعة له وفيه تسلية للنبى عليه السلام بأن الاذية قد كانت من الامم السالفة ايضا لأنبيائهم والبلاء اذا عم خف وفى الحديث
" رحمة الله على أخى موسى لقد اوذى باكثر من هذا فصبر "
وذلك انه عليه السلام لما قسم غنائم الطائف قال بعض المنافقين هذه القسمة ماعدل فيها وما أريد بها وجه الله فتغير وجهه الشريف وقال ذلك { فلما زاغوا } الزيغ الميل عن الاستقامة والتزايغ التمايل اى اصروا على الزيغ عن الحق الذى جاء به موسى واستمروا عليه { ازاغ الله قلوبهم } اى صرفها عن قبول الحق والميل الى الصواب لصرف اختيارهم نحو الغى والضلال وقال الراغب فى المفردات اى لما فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك وقال جعفر لما تركوا او امر الخدمة نزع الله من قلوبهم نور الايمان وجعل للشيطان اليهم طريقا فأزاغهم عن طريق الحق وادخلهم فى مسالك الباطل وقال الواسطى لما زاغوا عن القربة فى العلم ازاغ الله قلوبهم فى الخلقة وقال بعضهم لما زاغوا عن العبادة ازاغ الله قلوبهم عن الارادة يقول الفقير لما زاغوا عن رسالة موسى ونبوته أزاغ الله قلوبهم عن ولايته وجمعيته فهم رأوا موسى على انه موسى لا على انه رسول نبى فحرموا من رؤية الحق تعالى { والله لايهدى القوم الفاسقين } اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ماقبله من الازاغة وموذن بعليته اى لايهدى القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق المصرين على الغواية هداية موصلة الى البغية لاهداية موصلة الى مايوصل اليها فانها شاملة للكل والمراد جنس الفاسقين وهم داخلون فى حكمهم دخولا اوليا ووصفهم بالفسق نظرا الى قوله تعالى
فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين
وقوله تعالى
فلا تأس على القوم الفاسقين
قال الامام هذه الآية تدل على عظم اذى الرسول حتى انه يؤدى الى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى انتهى، ويتبعه اذى العالمين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لان العلماء ورثة الانبياء فأذاهم فى حكم أذاهم فكما ان الانبياء والاولياء داعون الى الله تعالى على بصيرة فكذلك رسل القلوب فانهم يدعون القوى البشرية والطبيعية من الصفات البشرية السفلية الى الاخلاق الروحانية العلوية ومن ظلمة الخلقية الى نور الحقية فمن مال عن الحق وقبول الدعوة لعدم الاستعداد الذاتى ضل بالتوجه الى الدنيا والاقبال عليها فأنى يجد الهداية الى حضرة الحق سبحانه
الصف 61:6
{ واذ قال عيسى ابن مريم } اما معطوف على اذ الاولى معمول لعاملها واما معمول لمضمر معطوف على عاملها وابن هنا وفى عزيز ابن الله باثبات الالف خطا لندرة وقوعه بين رب وعبد وذكر وانثى { يابنى اسرآئيل } اى فر زندان يعقوب، ناداهم بذلك استمالة لقلوبهم الى تصديقه فى قوله { انى رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة } فان تصديقه عليه السلام اياها من اقوى الدواعى الى تصديقهم اياه اى ارسلت اليكم لتبليغ احكامه التى لابد منها فى صلاح اموركم الدينية، والدنيوية در حالتى كه باور دارنده ام من آنجيز را كه بيش منسب ازكتاب تورات يعنى قبل ازمن نازل شده ومن تصديق كرده م كه آن ازنزد خداست، وقال ابو الليث يعنى اقرأ عليكم الانجيل موافقا للتوراة فى التوحيد وبعض الشرآئع قال القاضى فى تفسيره ولعله لم يقل ياقوم كما قال موسى لانه لانسب له فيهم اذ النسب الى الآباء والا فمريم من بنى اسرآئيل لان اسرآئيل لقب يعقوب ومريم من نسله ثم ان هذا دل على ان تصديق المتقدم من الانبياء والكتب من شعائر اهل الصدق ففيه مدح لامة محمد عليه السلام حيث صدقوا الكل { ومبشرا } التبشير مرده دادن { برسول يأتى من بعدى } معطوف على مصدقا داع الى تصديقه عليه السلام من حيث ان البشارة به واقعة فى التوراة والعامل فيهما ما فى الرسول من معنى الارسل لا الجار فانه صلة للرسول والصلاة بمعزل عن تضمن معنى الفعل وعليه يدور العمل اى ارسلت اليكم حال كونى مصدقا لما تقدمنى من التوراة ومبشرا بمن يأتى من بعدى من رسول وكان بين مولده وبين الهجرة ستمائة وثلاثون سنة وقال بعضهم بشرهم به ليؤمنوا به عند مجيئه او ليكون معجزة لعيسى عند ظهوره والتبشير به تبشير بالقرءآن ايضا وتصديق له كالتوراة { اسمه احمد } اى محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن دينى التصديق بكتب الله وانبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر فذكر اول الكتب المشهورة الذى يحكم به النبيون والنبى الذى هو خاتم النبيين وعن اصحاب رسول الله انهم قالوا اخبرنا يارسول الله عن نفسك قال انا دعوة ابراهيم وبشرى عيسى ورأت امى رؤيا حين حملتنى انه خرج منها نور اضاء لها قصور بصرى فى ارض الشأم وبصرى كحبلى بلد بالشام وكذا بشر كل نبى قومه بنبينا محمد عليه السلام والله تعالى افرد عيسى عليه السلام بالذكر فى هذا الموضع لانه آخر نبى قبل نبينا فبين ان البشارة به عمت جميع الانبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت الى عيسى كما فى كشف الاسرار وقال بعضهم كان بين رفع المسيح ومولد النبى عليه السلام خمسمائة وخمس واربعون سنة تقريبا وعاش المسيح الى ان رفع ثلاثا وثلاثين سنة وبين رفعه والهجرة الشريفة خمسمائة وثمان وتسعون سنة ونزل عليه جبريل عشر مرات وامته امة مرحومة جامعة لجميع الملكات الفاضلة قيل قال الحواريون لعيسى ياروح الله هل بعدنا امة قال نعم امة محمد حكماء وعلماء ابرار واتقياء كأنهم من الفقه انبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل واحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى كتاب تلقيح الاذهان سمى من حيث تكرر حمده محمدا ومن حيث كونه حامل لوآء الحمد احمد انتهى قال الراغب احمد اشارة للنبى عليه السلام باسمه تنبيها على انه كما وجد اسمه احمد يوجد جسمه وهو محمود فى اخلاقه وافعاله واقواله وخص لفظ احمد فيما بشر به عيسى تنبيها انه احمد منه ومن الذين قبله انتهى ويوافقه مافى كشف الاسرار من ان الالف فيه للمبالغة فى الحمد وله وجهان احدهما انه مبالغة من الفاعل اى الانبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو اكثر مناقب واجمع للفضائل والمحاسن التى يحمد بها انتهى
زصد هزار محمد كه در جهان آيد يكى بمزلت وفضل مصطفى ترسد
قال ابن الشيخ فى حواشيه يحتمل أن يكون احمد منقولا من الفعل المضارع وأن يكون منقولا من صفة وهى افعل التفضيل وهو الظاهر وكذا محمد فانه منقول من الصفة ايضا وهو فى معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار فانه محمود فى الدنيا بما هدى اليه ونفع به من العلم والحكمة ومحمود فى الآخرة بالشفاعة وقال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام احمد اسم علم منقول من صفة لا من فعل وتلك الصفة افعل التى يراد بها التفضيل فمعنى احمد الحامدين لربه عز وجل وكذلك قال هو فى المعنى لانه يفتح عليه فى المقام المحمود بمحامد لم تفتح على احد قبله فيحمد ربه بها وكذلك يعقد لوآء الحمد واما محمد فمنقول من صفة ايضا وهو فى معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار فمحمد هو الذى حمد مرة بعد مرة كما ان المكرم من اكرم مرة بعد مرة وكذلك الممدح ونحو ذلك فاسم محمد مطابق لمعناه والله تعالى سماه به قبل أن يسمى به نفسه فهذا علم من اعلام نبوته اذ كان اسمه صادقا عليه فهو محمود فى الدنيا بما هدى اليه ونفع به من العلم والحكمة وهو محمود فى الآخرة بالشفاعة فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضى اللفظ ثم انه لم يكن محمدا حتى كان حمد ربه فنبأه وشرفه ولذلك تقدم اسم احمد على الاسم الذى هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال اسمه احمد ذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه تلك امة احمد فقال اللهم اجعلنى من امة احمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد لان حمده لربه كان قبل حمد الناس فلما وجد بعث كان محمدا بالفعل وكذلك فى الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التى يفتحها عليه فيكون احمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته فانظر كيف كان ترتيب هذا الاسم قبل الاسم الآخر فى الذكر وفى الوجود وفى الدنيا وفى الآخرة تلح لك الحكمة الالهية فى تخصيصه بهذين الاسمين وانظر كيف انزلت عليه سورة الحمد وخص بها دون سائر الانبياء وخص بلوآء الحمد وخص بالمقام المحمود وانظر كيف شرع له سنة وقرءآنا أن يقول عند اختتام الافعال وانقضاء الامور الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى
وقضى بينهم بالحق
وقيل
الحمد لله رب العالمين
وقال ايضا
وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين
تنبيها لنا على ان الحمد مشروع عند انقضاء الامور وسن عليه السلام الحمد بعد الاكل والشرب وقال عند انقضاء السفر آئبون تائبون لربنا حامدون ثم انظر لكونه عليه السلام خاتم الانبياء ومؤذنا بانفصال الرسالة وانقطاع الوحى ونذيرا بقرب الساعة وتمام الدنيا مع ان الحمد كما قدمنا مقرون بانقضاء الامور مشروع عندها تجد معانى اسمه جميعا وما خص به من الحمد والمحامد مشاكلا لمعناه مطابقا لصفته وفى ذكره برهان عظيم وعلم واضح على نبوته وتخصيص الله له بكرامته وانه قدم له هذه المقامات قبل وجوده تكرمة له وتصديقا لامره عليه السلام انتهى كلام السيهلى. يقول الفقير الذى يلوح بالبال ان تقدم الاسم احمد على الاسم محمد من حيث انه عليه السلام كان اذ ذاك فى عالم الارواح متميزا عن الاحد بميم الامكان فدل قلة حروف اسمه على تجرده التام الذى يقتضيه موطن عالم الارواح ثم انه لما تشرف بالظهور فى عالم العين الخارج وخلع الله عليه من الحكمة خلعة اخرى زآئدة على الخلع التى قبلها ضوعف حروف اسمه الشريف فقيل محمد على ما يقتضيه موطن العين ونشأة الوجود الخارجى ولا نهاية للاسرار والحمد لله تعالى قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى كتاب مواقع النجوم ماانتظم من الوجود شىء بشىء ولا انضاف منه شىء الى شىء الا لمناسبة بينهما ظاهرة او باطنة فالمناسبة موجودة فى كل الاشياء حتى بين الاسم والمسمى ولقد أشار أبو يزيد السهيلى وان كان اجنبيا عن اهل هذه الطريقة الى هذا المقام فى كتاب المعارف والاعلام له فى اسم النبى عليه السلام محمد واحمد وتكلم على المناسبة التى بين افعال النبى عليه السلام واخلاقه وبين معانى اسميه محمد واحمد انتهى كلام الشيخ أشار رضى الله عنه الى ماقدمناه من كلام السهيلى وقال بعض العارفين سمى عليه السلام بأحمد لكون حمده اتم واشتمل من حمد سائر الانبياء والرسل اذ محامدهم لله انما هى بمقتضى توحيد الصفات والافعال وحمده عليه السلام انما هو بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الصفات والافعال انتهى.
قال فى فتح الرحمن لم يسم بأحمد أحد غيره ولا دعى به مدعو قبله وكذلك محمد ايضا لم يسم به احد من العرب ولاغيرهم الى أن شاع قبيل وجود عليه السلام وميلاده اى الكهان والاحبار ان نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب ابناءهم بذلك رجاء أن يكون احدهم هو وهم محمد بن احيحة بن الجلاح الاوسى ومحمد بن مسلمة الانصارى محمد بن البرآء البكرى محمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمدان الجعفى ومحمد بن خزاعة السلمى فهم ستة لاسابع لهم ثم حمى الله كل من تسمى به ان يدعى النبوة او يدعيها احد له او يظهر عليه سبب يشكك احدا فى امره حتى تحققت السمتان له عليه السلام ولم ينازع فيهما انتهى. واختلف فى عدد اسماء النبى عليه السلام فقيل له عليه السلام ألف اسم كما ان لله تعالى ألف اسم وذلك فانه عليه السلام مظهر تام له تعالى فكما ان اسماءه تعالى اسماء له عليه السلام من جهة الجمع فله عليه السلام اسماء أخر من جهة الفرق على ماتقتضيه الحكمة فىهذا الموطن فمن اسمائه محمد اى كثير الحمد لان اهل السماء والارض حمدوه فى الدنيا والآخرة ومنها احمد اى اعظم حمدا من غيره لانه حمد الله تعالى بمحامد لم يحمد بها غيره ومنها المقفى بتشديد الفاء وكسره لانه أتى عقيب الانبياء وفى قفاهم وفى التكملة هو الذى قفى على اثر الانبياء اى اتبع آثارهم ومنه نبى التوبة لانه كثير الاستغفار والرجوع الى الله او لان التوبة فى امته صارت اسهل الا ترى ان توبة عبدة العجل كانت بقتل النفس او لان توبة امته كانت ابلغ من غيرهم حتى يكون التائب منهم كمن لا ذنب له لايؤاخذه به فى الدنيا ولا فى الآخرة وغيرهم يؤاخذ فى الدنيا لا فى الآخرة ومنها نبى الرحمة لانه كان سبب الرحمة وهو الوجود لقوله تعالى
" لولاك لما خلقت الافلاك "
فى كتاب البرهان للكرمانى لولاك يا محمد لما خلقت الكائنات خاطب الله النبى عليه السلام بهذا القول انتهى قيل الاولى ان يحترز عن القول بأنه لولا النبى عليه السلام لان لما خلق الله آدم وان كان هذا شيأ يذكره الوعاظ على رؤوس المنابر يرون به تعظيم محمد عليه السلام لان النبى عليه السلام وان كان عظيم المرتبة عند الله لكن لكل نبى من الانبياء مرتبة ومنزلة وخاصية ليست لغيره فيكون كل نبى اصلا لنفسه كما فى التاتار خانية.
يقول الفقير كان عليه السلام نبى الرحمة لانه هو الأمان الاعظم ماعاش و مادامت سنته باقية على وجه الزمان قال تعالى
وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون
قال امير المؤمنين على رضى الله عنه كان فى الارض امانان فرفع احدهما وبقى الآخر فاما الذى رفع فهو رسول الله عليه السلام واما الذى بقى فالاستغفار وقرأ بعد هذه الآية ومنها نبى الملحمة اى الحرب لانه بعث بالقتال فان قلت المبعوث بالقتال كيف يكون رحمة قلت كان امم الانبياء يهلكون فى الدنيا اذا لم يؤمنوا بهم بعد المعجزات ونبينا عليه السلام بعث بالسيف ليرتدعوا به عن الكفر ولا يستأصلوا وفى كونه عليه السلام نبى الحرب رحمة ومنها الماحى وهو الذى محا الله به الكفر او سيئات من اتبعه ومنه الحاشر وهو الذى يحشر الناس على قدمه اى على اثره ويجوز أن يراد بقدمه عهده وزمانه فيكون المعنى ان الناس يحشرون فى عهده اى فى دعوته من غير أن تنسخ ولا تبدل ومنها العاقب وهو الذى ليس بعده نبى لا مشرعا ولا متابعا اى قد عقب الانبياء فانقطعت النبوة قال عليه السلام
" ياعلى أنت منى بمنزلة هرون من موسى الا انه لانبى بعدى "
اى بالنبوة العرفية بخلاف النبوة التحقيقية التى هى الانباء عن الله فانها باقية الى يوم القيامة الا انه لايجوز أن يطلق على أهلها النبى لايهامه النبوة العرفية الحاصلة بمجيىء الوحى بواسطة جبرآئيل عليه السلام ومنها الفاتح فان الله فتح به الاسلام ومنها الكاف قيل معناه الذى ارسل الى الناس كافة وليس هذا بصحيح لان كافة لايتصرف منه فعل فيكون منه اسم فاعل وانما معناه الى كف الناس عن المعاصى كذا فى التكملة. يقول الفقير هذا اذا كان الكاف مشددا واما اذا كان مخففا فيجوز أن يشاربه الى المعنى الاول كما قال تعالى
يس
أى يا سيد البشر ومنها صاحب الساعة لانه بعث مع الساعة نذيرا للناس بين يدى عذاب شديد ومنه الرؤف والرحيم والشاهد والمبشر والسراج المنير وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله وقثم اى الجامع للخير ومنها، ن، اشارة الى اسم النور والناصر ومنها المتوكل والمختار والمحمود والمصطفى واذا اشتقت اسماؤه من صفاته كثرت جدا ومنها الخاتم بفتح التاء اى احسن الانبياء خلقا وخلقا فكأنه جمال الانبياء كالخاتم الذى يتجمل به اى لما اتقنت به النبوة وكملت كان كالخاتم فكأنه الذى يختم به الكتاب عند الفراغ منه واما الخاتم بكسر التاء فمعناه انه آخر الانبياء فهو اسم فاعل من ختم ومنها راكب الجمل سماه به شعيا النبى عليه السلام فان قلت لم خص بركوب الجمل وقد كان يركب غيره كالفرس والحمار قلت كان عليه السلام من العرب لامن غيرهم كما قال احب العرب لثلاث لانى عربى والقرءآن عربى ولسان اهل الجنة عربى والجمل مركب العرب مختص بهم لاينسب الى غيرهم من الامم ولايضاف لسواهم ومنها صاحب الهرواة سماه به سطيح الكاهن والهراوة بالكسر العصا فان قلت لم خص بالعصا وقد كان غيره من الانبياء يمسكها قلت العصا كثيرا ماتستعمل فى ضرب الابل وتخص بذلك كما قال به فى صفة البعير
ينوخ ثم يضرب بالهراوى فلا عرف لديه و لانكير
فركوبه الجمل وكونه صاحب هراوة كناية عن كونه عربيا وقيل هذا اشارة الى قوله فى الحديث فى صفة الحوض اذ ود الناس عنه بعصاى ومنه روح الحق سماه به عيسى عليه السلام فى الانجيل وسماه ايضا المنخنا بمعنى محمد ياخود آنكه خداى بفرستد اورا بعد ازمسيح، وفى التكملة هو بالسريانية ومنها حمياطى بالعبرانية وبر قليطس بالرومية بمعنى محمد وماذ ماذ بمعنى طيب طيب وفار قليطا مقصورا بمعنى احمد وروى فار قلبط بالباء وقيل معناه الذى يفرق بين الحق والباطل وروى ان معناه بلغة النصارى ابن الحمد فكأنه محمد واحمد وروى انه عليه السلام قال
" اسمى فى التوراة احيد لانى احيد امتى عن النار واسمى فى الزبور الماحى محا الله بى عبدة الاوثان واسمى فى الانجيل احمد وفى القرءآن محمد لانى محمود فى اهل السماء والارض "
فان قلت قال رسول الله عليه السلام
" لى خمسة اسماء "
فذكر محمدا واحمد والماحى والحاشر والعاقب وقد بلغت اكثر من ذلك قلت تخصيص الوارد لاينافى ماسواه فقد خص الخمسة اما لعلم السامع بما سواها فكأنه قال لى خمسة زائدة على ما تعلم او لفضل فيها كأنه قال لى خمسة اسماء فاضلة معظمة او لشهرتها كأنه قال لى خمسة اسماء مشهورة او لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعانى وقيل لان الموحى اليه فى ذلك الوقت كان هذه الاسماء وقيل كانت هذه الاسماء معروفة عند الامم السالفة ومكتوبة فى الكتب المتقدمة وفيه ان اسماءه الموجودة فى الكتب المتقدمة تزيد على الخمسة كما فى التكملة لابن عسكر { فلما جاءهم } اى الرسول المبشر به الذى اسمه احمد كما يدل عليه الآيات اللاحقة واما ارجاعه الى عيسى كما فعله بعض المفسرين فبعيد جدا وكون ضمير الجمع راجعا الى بنى اسرآئيل لاينافى ماذكرنا لان نبينا عليه السلام مبعوث الى الناس كافة { بالبينات } اى بالمعجزات الظاهرة كالقرءآن ونحوه والباء للتعدية ويجوز أن تكون للملابسة { قالوا هذا } مشيرين الى ماجاء به او اليه عليه السلام { سحر مبين } ظاهر سحريته بلا مرية وتسميته عليه السلام سحرا للمبالغة ويؤيده قرآءة من قرأ هذه ساحر وفى الآية اشارة الى عيسى القلب واسرآئيل الروح وبنية النفس والهوى وسائر القوى الشريرة فانها متولدة من الروح والقالب منسلخة عن حكم ابيها فدعاها عيسى القلب لعلو مرتبته عليه فلما جاءها بصور التجليات الصفاتية والاسمائية قالت هذا امر وهمى متخيل لا وجود له ظاهر البطلان وهكذا براهين اهل الحق مع المنكرين
الصف 61:7
{ ومن اظلم ممن افترى على الله الكذب } وكيست ستمكار تر از ان كس كه دروغ مى سازد بر الله، والفرق بين الكذب والافترآء أن الافترآء افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه { هو } اى والحال ان ذلك المفترى { يدعى } من لسان الرسول { الى الاسلام } الذى به سلامة الدارين اى اى الناس اشد ظلما ممن يدعى الاسلام الذى يوصله الى سعادة الدارين فيضع موضع الاجابة الافترآء على الله بقوله لكلامه الذى هو دعاء عباده الى الحق هذا سحر فاللام فى الكذب للعهد اى هو أظلم من كل ظالم وان لم يتعرض ظاهر الكلام لنفى المساوى ومن الافترآء على الله الكذب فى دعوى النسب والكذب فى الرؤيا والكذب فى الاخبار عن رسول الله عليه السلام. واعلم ان الداعى فى الحقيقة هو الله تعالى كما قال تعالى
والله يدعو الى دار السلام
بأمره الرسول عليه السلام كما قال
ادع الى سبيل ربك
وفى الحديث عن ربيعة الجرشى قال أتى نبى الله عليه السلام فقيل له لتنم عينك ولتسمع اذنك وليعقل قلبك قال فنامت عيناى وسمعت اذناى وعقل قلبى فقيل لى سيد بنى دارا فصنع مأدبة وارسل داعيا فمن أجاب الداعى دخل الدار واكل من المأدبة ورضى عنه السيد ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد قال فالله السيد ومحمد الداعى والدار الاسلام والمأدبة الجنة ودخل فى دعوة النبى دعوة ورثته لقوله أدعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى ولابد أن يكون الداعى اميرا او مأمورا وفى المصابيح فى كتاب العلم قال عوف بن مالك رضى الله عنه لايقص الا امير اومأمور او مختال رواه أبو داود وابن ماجه قوله او مختال هو المتكبر والمراد به هنا الواعظ الذى ليس بأمير ولا مأمور مأذون من جهة الامير ومن كانت هذه صفته فهو متكبر فضولى طالب للرياسة وقيل هذا الحديث فى الخطبة خاصة كما فى المفاتيح { والله لايهدى القوم الظالمين } اى لايرشدهم الى ما فيه فلاحهم لعدم توجههم اليه
الصف 61:8
{ يريدون ليطفئوا نور الله } الاطفاء الاخماد وبالفارسية فروكشتن آتش وجراغ، اى يريدون أن يطفئوا دينه او كتابه او حجته النيرة واللام مزيدة لما فيها من معنى الارادة تأكيدا لها كما زيدت لما فيها من معنى الاضافة تأكيدا لها فى لا أبا لك او يريدون الافترآء ليطفئوا نور الله وقال الراغب فى المفردات الفرق ان فى قوله تعالى
يريدون أن يطفئوا نور الله
يقصدون اخفاء نور الله وفى قوله تعالى { ليطفئوا } يقصدون امرا يتوصلون به الى اطفاء نور الله { بافواههم } بطعنهم فيه وبالفارسية بدهنهاى خود يعنى بكفتار نابسنديده وسختان بى ادبانه، مثلث حالهم بحال من ينفخ فى نور الشمس ليطفئه { والله متم نوره } اى مبلغه الى غايته بنشره فى الآفاق واعلائه جلمة حالية من فاعل يريدون او يطفئوا { ولو كره الكافرون } اتمامه ارغاما لهم وزيادة فى مرض قلوبهم ولو بمعنى ان وجوابه محذوف اى وان كرهوا ذلك فالله يفعله لا محالة قال الكشافى وكراهت ايشانرا اثرى نيست در اطفاى جراغ صدق وصواب همجون ارادت خفاش كه غير موثر است درنابودن آفتار.
شب بره خواهد كه نبود آفتاب تاببند ديده او مرزو بوم دست قدرت هر صباحى شمع مهر مى فروزد كورى خفاش شوم
وفى المثنوى
شمع حق را بف كنى تواى عجوز هم توسوزى هم سرت اى كنده بوز كمى شود دريا زبور سك نجس كى شود خورشيد از يف منطمس هركه بر شمع خدا آرد بفو شمع كى ميرد بسوزد بوز او جون تو خفاشان بسى بينند خواب كين جهان مانده يتيم از آفتاب اى بريده آن لب وحلق ودهان كه كند تعف سوى مه يا آسمان تف برويش باز كردد بى شكى تف سوى كردون نيابد مسلكى تا قيامت تف بر وبار دز رب همجون تبت بر روان بو لهب
قال ابن الشيخ اتمام نوره لما كان من اجل النعم كان استكراه الكفار اياه اى كافر كان من اصناف الكفرة غاية فى كفران النعمة فلذلك اسند كراهة اتمامه الى الكافرين فان لفظ الكافر أليق بهذا المقام واما قوله
ولو كره المشركون
فانه قد ورد فى مقابلة اظهار دين الحق الذى معظم اركانه التوحيد وابطال الشرك وكفار مكة كارهون له من اجل انكارهم للتوحيد واصرارهم على الشرك فالمناسب لهذا المقام التعرض لشركهم لكونه العلة فى كراهتهم الدين لحق قال بعضهم جحدوا ما ظهر لهم من صحة نبوة النبى عليه السلام وانكروه بالسنتهم واعرضوا عنه بنفوسهم فقيض الله لقبوله انفسا اوجدها على حكم السعادة وقلوبا زينها بأنوار المعرفة واسرارا نورها بالتصديق فبذلوا له المهج والأموال كالصديق والفاروق واجلة الصحابة رضى الله عنهم.
يقول الفقير هكذا احوال ورثة النبى عليه السلام فى كل زمان فان الله تعالى تجلى لهم بنور الازل والقدم فكرهه المنكرون وأرادوا أن يطفئوه لكن الله اتم نوره وجعل لاهل تجليه اصحابا واخوانا يذبون عنهم وينفذون امورهم الى أن يأتيهم امر الله تعالى ويقضوا نحبهم وفى الآية اشارة الى ان النفس لابد وأن تسعى فى ابطال نور القلب واطفائه لان النفس والهوى من المظاهر القهرية الجلالية المنسوبة الى اليد اليسرى والروح والقلب من المظاهر الجمالية اللطيفة المنسوبة الى اليد اليمنى كماجاء فى الحديث الربانى
" ان الله مسح يده اليمنى على ظهر آدم الأيمن فاستخرج منه ذرارى كالفضة البيضاء وقال هؤلاء للجنة ومسح يده اليسرى على ظهر آدم الأيسر فاستخرج منه كالحممة السوداء وقال هؤلاء للنار "
فلا بد للنفس من السعى فى اطفاء نور القلب وللقلب ايضا من السعى فى اطفاء نار النفس ولو كره الكافرون الساترون القلب بالنفس الزارعون بذر النفس فى ارض القلب
الصف 61:9
{ هو الذى ارسل رسوله } محمد صلى الله عليه وسلم { بالهدى } بالقرءآن او بالمعجزة فالهدى بمعنى مابه الاهتدآء الى الصراط المستقيم { ودين الحق } والملة الحنيفية التى اختارها لرسوله ولامته وهو من اضافة الموصوف الى صفته مثل عذاب الحريق { ليظهره على الدين كله } ليجعله ظاهرا اى عاليا وغالبا على جميع الأديان المخالفة له { ولو كره المشركون } ذلك الاظهار ولقد انجز الله وعده حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان الا وهومغلوب مقهور بدين الاسلام فليس المراد انه لايبقى دين آخر من الأديان بل العلو والغلبة والأديان خمسة اليهودية والنصرانية والمجوسية والشرك والاسلام كما فى عين المعانى للسجاوندى وقال السهيلى فى كتاب الامالى فى بيان فائدة كون ابواب النار سبعة وجدنا الاديان كما ذكر فى التفسير سبعة واحد للرحمن وستة للشيطان فالتى للشيطان اليهودية والنصرانية والصابئية وعبادة الاوثان والمجوسية وامم لاشرع لهم ولايقولون بنبوة وهم الدهرية فكأنهم كلهم على دين واحد أعنى الدهرية وكل من لايصدق برسول فهؤلاء ستة اصناف والصنف السابع هو من اهل التوحيد كالخوارج الذين هم كلاب النار وجميع اهل البدع المضلة والجبابرة الظلمة والمصرون على الكبائر من غير توبة ولا استغفار فان فيهم من ينفذ فيه الوعيد ومنهم من يعفو الله عنه فهؤلاء كلهم صنف واحد غير انه لايحتم عليهم بالخلود فيها فهؤلاء سبعة اصناف ستة مخلدون فى النار وصنف واحد غير مخلد وهم منتزعون يوم القيامة من اهل دين الرحمن ثم يخرجون بالشفاعة فقد وافق عدد الابواب عدد هذه الاصناف وتبينت الحكمة فى ذكرها فى القرءآن لما فيها من التخويف والارهاب فنسأل الله العفو العافية والمعافاة وفى بعض التفاسير الاشراك هو اثبات الشريك لله تعالى فى الالوهية سوآء كانت بمعنى وجوب الوجود او استحقاق العبادة لكن اكثر المشركين لم يقولوا بالاول لقوله تعالى
لئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله
فقد يطلق ويراد به مطلق الكفر بناء على ان الكفر لايخلو عن شرك مايدل عليه قوله تعالى
ان الله لايغفر ان يشرك به ويغفر مادون ذلك
فان المعلوم فى الدين انه تعالى لايغفر كفر غير المشركين المشهورين من اليهود والنصارى فيكون المراد لايغفر أن يكفر به وقد يطلق ويراد به عبدة الاصنام وغيرها فان أريد الاول فى قوله { ولو كره المشركون } يكون ايراده ثانيا لوصفهم بوصف قبيح آخر وان أريد الثانى فلعل ايراد الكافرين اولا لما ان اتمام الله نوره يكون بنسخ غير الاسلام والكافرون كلهم يكرهون ذلك وايراد المشركين ثانيا لما ان اظهار دين الحق يكون باعلاء كلمة الله واشاعة التوحيد المنبىء عن بطلان الآلهة الباطلة وأشد الكارهين لذلك المشركون والله اعلم بكلامه.
وفى التأويلات النجمية هو الذى ارسل رسول القلب الى امة العالم الاصغر الذى هو المملكة الانفسية الاجمالية المضاهية للعالم الاكبر وهو المملكة الآفاقية التفصيلية بنور الهداية الازلية ودين الحق الغالب على جميع الأديان وهو الملة الحنيفية السهلة السمحاء ولو كره المشركون الذين اشركوا مع الحق غيره وما عرفوا ان الغير والغيرية من الموهومات التى اوجدتها قوة الوهم والا ليس فى الوجود الا الله وصفاته انتهى قال الكمال الخجندى
له فى كل موجود علامات وآثار دو عالم برزمعشوقست كويك عاشق صادق
وقال المولى الجامى
كرتويى جمله در فضاى وجود هم خود انصاف ده بكو حق كو درهمه اوست بيش جشم شهود جيست بندارى هستىء من وتو
يقول الفقير هذه الكلمات المنبئة عن وحدة الوجود قد اتفق عليها اهل الشهود قاطبة فالطعن لواحد منهم بأنه وجودى طعن لجميعهم وليس الطعن الا من الحجاب الكثيف والجهل العظيم والا فالامر اظهر على البصير
الصف 61:10
{ يا أيها الذين آمنوا هل ادلكم } آيا دلالت كنم شمارا { على تجارة } سيأتى بيان معناها { تنجيكم } ان تكون سببا لانجاء الله اياكم وتخليصه وافادت الصفة المقيدة ان من التجارة مايكون على عكسها كما أشار اليها قوله تعالى
يرجون تجارة لن تبور
فان بوار التجارة وكسادها يكون لصاحبها عذابا أليما كجمع المال وحفظه ومنع حقوقه فانه وبال فى الآخرة فهى تجارة خاسرة وكذا الاعمال التى لم تكن على وجه الشرع والسنة او أريد بها غير الله { من عذاب اليم } اى مؤلم جسمانى وهو ظاهر وروحانى وهو التحسر والتضجر كأنهم قالوا كيف نعمل او ماذا نصنع فقيل { تؤمنون بالله ورسوله } مراد آنست كه ثابت باشيد برايمان كه دارين { وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم } بما لهاى خودكه زاد وسلاح مجاهدان خربد { وانفسكم } وبنفسهاى خود كه متعرض قتل وحرب شويد، قدم الاموال لتقدمها فى الجهاد او للترقى من الأدنى الى الأعلى وقال بعضهم قدم ذكر المال لان الانسان ربما يضن بنفسه ولانه اذا كان له مال فانه يؤخذ به النفس لتغزو وهذا خبر فى معنى الامر جيىء به للايذان بوجوب الامتثال فكأنه وقع فأخبر بوقوعه كما تقول غفر الله لهم جعلت المغفرة لقوة الرجاء كأنها كانت ووجدت وقس عليه نحو سلمكم الله وعافاكم الله واعاذكم الله وفى الحديث
" جاهدوا المشركين باموالكم وأنفسكم وألسنتكم "
ومعنى الجهاد بالألسنة اسماعهم مايكرهونه ويشق عليهم سماعه من هجو وكلام غليظ ونحو ذلك وأخر الجهاد بالألسنة لانه اضعف الجهاد وأدناه ويجوز أن يقال ان اللسان احد وأشد تأثيرا من السيف والسنان قال على رضى الله عنه، جراحات السنان لها التئام، ولا يلتام ماجرح اللسان فيكون من باب الترقى من الأدنى الى الأعلى وكان حسان رضى الله عنه يجلس على المنبر فيهجوا قريشا باذن رسول الله عليه السلام ثم ان التجارة التصرف فى راس المال طلبا للربح والتاجر الذى يبيع ويشترى وليس فى كلام العرب تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة واما تجاه فاصلها وجاه وتجوب وهى قبيلة من حمير فالتاء للمضارعة طمعا لنيل الفضل والزيادة فان التجارة هى معاوضة المال بالمال لطمع الربح والايمان والجهاد شبها بها من حيث ان فيهما بذل النفس والمال طمعا لنيل رضى الله تعالى والنجاة من عذابه قال الحافظ
فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد
{ ذلكم } اى ماذكر من الايمان والجهاد بقسميه { خير لكم } على الاطلاق او من اموالكم وانفسكم { ان كنتم تعلمون } اى ان كنتم من اهل العلم فان الجهلة لايعتد بافعالهم او ان كنتم تعلمون انه خير لكم حيئنذ لانكم اذا علمتم ذلك واعتقدتموه احببتم الايمان والجهاد فوق ماتحبون أنفسكم وأموالكم فتخلصون وتفلحون فعلى العاقل تبديل الفانى بالباقى فانه خير له وجاء رجل بناقة مخطومة وقال هذه فى سبيل الله فقال عليه السلام
" لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة "
بزركى فرموده كه اصل مرابحه درين تجارت اينست كه غير حق رابدهى وحق را بستانى ودر نفحات ازابى عبد الله اليسرى قدس سره نقل ميكندكه بسروى آمد وكفت سبوى روغن داشتم كه سرمايه من بود ازخانه بيرون مى آوردم بيفتادوبشكست وسرمايه من ضايع شد كفت اى فرزند سرمايه خود آن سازكه سرمايه بدرتست والله كه بدر ترا هيج نيست دردنيا وآخرت غير الله شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره فرمودكه سود تمام آن بودكه بدرش هم نبودى اشارت بمرتبه فناست درباختن سود وسرمايه در بازار شوق لقا
تاجند ببازار خودى بست شوى بشتاب كه از جام فنامست شوى ازمايه سود دوجهان دست بشوى سود توهمان به كه تهى دست شوى
ودخل فى الآية جهاد أهل البدعة وهم ثنتان وسبعون فرقة ضالة آن كافر خرابى حصن اسلام خواهد اين مبتدع ويرانى حصار سنت جويد آن شيطان در تشويش ولايت دل كوشد اين هواى نفس زيرو زبرىء دين توخواهد حق تعالى ترابر هريكى ازين دشمنان سلاحى داده تا اورابدان قهر كنى قتال باكافران بشمشيرسياست است وبامبتدعان بتيغ زبان وحجت وبا شيطان بمداومت ذكر حق وتحقيق كلمه وبا هواى نفس بتير مجاهدة وسنان رياضت اينست بهين اعمال بنده وكريده طاعات رونده جنانجه رب العزة كفت ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وقال بعض الكبار يا أيها الذين آمنوا بالايمان التقليدى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله رسوله اى تحقيقا ويقينا استدلاليا وبعد صحة الاستدلال تجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وانفسكم لان بذل المال والنفس فى سبيل الله لايكون الا بعد اليقين. واعلم ان التوحيد اما لسانى واما عيانى اما التوحيد اللسانى المقترن بالاعتقاد الصحيح فأهله قسمان قسم بقوا فى التقليد الصرف ولم يصلوا الى حد التحقيق فهم عوام المؤمنين وقسم تشبثوا بذيل الحجيج والبراهين النقلية والعقلية فهؤلاء وان خرجوا عن حد التقليد الصرف لكنهم لم يصلوا الى نور الكشف والعيان كما وصل اهل الشهود والعرفان واما التوحيد العيانى فعلى مراتب المرتبة الاولى توحيد الافعال والثانية توحيد الصفات والثالثة توحيد الذات فمن تجلى له الافعال توكل واعتصم ومن تجلى له الصفات رضى وسلم ومن وصل الى تجلى الذات فنى فى الذات بالمحو والعدم
الصف 61:11
{ يا أيها الذين آمنوا هل ادلكم } آيا دلالت كنم شمارا { على تجارة } سيأتى بيان معناها { تنجيكم } ان تكون سببا لانجاء الله اياكم وتخليصه وافادت الصفة المقيدة ان من التجارة مايكون على عكسها كما أشار اليها قوله تعالى
يرجون تجارة لن تبور
فان بوار التجارة وكسادها يكون لصاحبها عذابا أليما كجمع المال وحفظه ومنع حقوقه فانه وبال فى الآخرة فهى تجارة خاسرة وكذا الاعمال التى لم تكن على وجه الشرع والسنة او أريد بها غير الله { من عذاب اليم } اى مؤلم جسمانى وهو ظاهر وروحانى وهو التحسر والتضجر كأنهم قالوا كيف نعمل او ماذا نصنع فقيل { تؤمنون بالله ورسوله } مراد آنست كه ثابت باشيد برايمان كه دارين { وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم } بما لهاى خودكه زاد وسلاح مجاهدان خربد { وانفسكم } وبنفسهاى خود كه متعرض قتل وحرب شويد، قدم الاموال لتقدمها فى الجهاد او للترقى من الأدنى الى الأعلى وقال بعضهم قدم ذكر المال لان الانسان ربما يضن بنفسه ولانه اذا كان له مال فانه يؤخذ به النفس لتغزو وهذا خبر فى معنى الامر جيىء به للايذان بوجوب الامتثال فكأنه وقع فأخبر بوقوعه كما تقول غفر الله لهم جعلت المغفرة لقوة الرجاء كأنها كانت ووجدت وقس عليه نحو سلمكم الله وعافاكم الله واعاذكم الله وفى الحديث
" جاهدوا المشركين باموالكم وأنفسكم وألسنتكم "
ومعنى الجهاد بالألسنة اسماعهم مايكرهونه ويشق عليهم سماعه من هجو وكلام غليظ ونحو ذلك وأخر الجهاد بالألسنة لانه اضعف الجهاد وأدناه ويجوز أن يقال ان اللسان احد وأشد تأثيرا من السيف والسنان قال على رضى الله عنه، جراحات السنان لها التئام، ولا يلتام ماجرح اللسان فيكون من باب الترقى من الأدنى الى الأعلى وكان حسان رضى الله عنه يجلس على المنبر فيهجوا قريشا باذن رسول الله عليه السلام ثم ان التجارة التصرف فى راس المال طلبا للربح والتاجر الذى يبيع ويشترى وليس فى كلام العرب تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة واما تجاه فاصلها وجاه وتجوب وهى قبيلة من حمير فالتاء للمضارعة طمعا لنيل الفضل والزيادة فان التجارة هى معاوضة المال بالمال لطمع الربح والايمان والجهاد شبها بها من حيث ان فيهما بذل النفس والمال طمعا لنيل رضى الله تعالى والنجاة من عذابه قال الحافظ
فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد
{ ذلكم } اى ماذكر من الايمان والجهاد بقسميه { خير لكم } على الاطلاق او من اموالكم وانفسكم { ان كنتم تعلمون } اى ان كنتم من اهل العلم فان الجهلة لايعتد بافعالهم او ان كنتم تعلمون انه خير لكم حيئنذ لانكم اذا علمتم ذلك واعتقدتموه احببتم الايمان والجهاد فوق ماتحبون أنفسكم وأموالكم فتخلصون وتفلحون فعلى العاقل تبديل الفانى بالباقى فانه خير له وجاء رجل بناقة مخطومة وقال هذه فى سبيل الله فقال عليه السلام
" لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة "
بزركى فرموده كه اصل مرابحه درين تجارت اينست كه غير حق رابدهى وحق را بستانى ودر نفحات ازابى عبد الله اليسرى قدس سره نقل ميكندكه بسروى آمد وكفت سبوى روغن داشتم كه سرمايه من بود ازخانه بيرون مى آوردم بيفتادوبشكست وسرمايه من ضايع شد كفت اى فرزند سرمايه خود آن سازكه سرمايه بدرتست والله كه بدر ترا هيج نيست دردنيا وآخرت غير الله شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره فرمودكه سود تمام آن بودكه بدرش هم نبودى اشارت بمرتبه فناست درباختن سود وسرمايه در بازار شوق لقا
تاجند ببازار خودى بست شوى بشتاب كه از جام فنامست شوى ازمايه سود دوجهان دست بشوى سود توهمان به كه تهى دست شوى
ودخل فى الآية جهاد أهل البدعة وهم ثنتان وسبعون فرقة ضالة آن كافر خرابى حصن اسلام خواهد اين مبتدع ويرانى حصار سنت جويد آن شيطان در تشويش ولايت دل كوشد اين هواى نفس زيرو زبرىء دين توخواهد حق تعالى ترابر هريكى ازين دشمنان سلاحى داده تا اورابدان قهر كنى قتال باكافران بشمشيرسياست است وبامبتدعان بتيغ زبان وحجت وبا شيطان بمداومت ذكر حق وتحقيق كلمه وبا هواى نفس بتير مجاهدة وسنان رياضت اينست بهين اعمال بنده وكريده طاعات رونده جنانجه رب العزة كفت ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وقال بعض الكبار يا أيها الذين آمنوا بالايمان التقليدى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله رسوله اى تحقيقا ويقينا استدلاليا وبعد صحة الاستدلال تجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وانفسكم لان بذل المال والنفس فى سبيل الله لايكون الا بعد اليقين. واعلم ان التوحيد اما لسانى واما عيانى اما التوحيد اللسانى المقترن بالاعتقاد الصحيح فأهله قسمان قسم بقوا فى التقليد الصرف ولم يصلوا الى حد التحقيق فهم عوام المؤمنين وقسم تشبثوا بذيل الحجيج والبراهين النقلية والعقلية فهؤلاء وان خرجوا عن حد التقليد الصرف لكنهم لم يصلوا الى نور الكشف والعيان كما وصل اهل الشهود والعرفان واما التوحيد العيانى فعلى مراتب المرتبة الاولى توحيد الافعال والثانية توحيد الصفات والثالثة توحيد الذات فمن تجلى له الافعال توكل واعتصم ومن تجلى له الصفات رضى وسلم ومن وصل الى تجلى الذات فنى فى الذات بالمحو والعدم
الصف 61:12
{ يغفر لكم ذنوبكم } فى الدنيا وهو جواب الامر المدلول عليه بفلظ الخبر ويجوز أن يكون جوابا لشرط او لاستفهام دل عليه الكلام تقديره أن تؤمنوا وتجاهدوا او هل تقبلون وتفعلون مادللتكم عليه يغفر لكم وجعله جوابا لهل أدلكم بعيد لان مجرد الدلالة لايوجب المغفرة { ويدخلكم } فى الآخرة { جنات } اى كل واحد منكم جنة ولابعد من لطفه تعالى أن يدخله جنات بأن يجعلها خاصة له داخلة تحت تصرفه والجنة فى اللغة البستان الذى فيه اشجار متكاثفة مظلة تستر ماتحتها { تجرى من تحتها } أى من تحت اشجارها بمعنى تحت اغصان اشجارها فى اصولها على عروقها او من تحت قصورها وغرفها { الانهار } من اللبن والعسل والخمر والماء الصافى { ومساكن طيبة } اى ويدخلكم مساكن طيبة ومنازل نزهته كائنة { فى جنات عدن } اى اقامة الخلود بحيث لايخرج منها من دخلها بعارض من العوارض وهذا الظرف صفة مختصة بمساكن وهى جميع مسكن بمعنى المقام والسكون ثبوت الشىء بعد تحرك ويستعمل فى الاستيطان يقال سكن فلان فى مكان كذا استوطنه واسم المكان مسكن فمن الاول يقال سكنت ومن الثانى يقال سكنته قال الراغب اصل الطيب مايستلذه الحواس وقوله ومساكن طيبة فى جنات عدن اى طاهرة زكية مستلذة وقال بعضهم طيبتها سعتها ودوام امرها وسئل رسول الله عليه السلام عن هذه المساكن الطيبة فقال
" قصر من لؤلؤ فى الجنة فى ذلك القصر سبعون دارا من ياقوته حمراء فى كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء فى كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة قال فيعطى الله المؤمن من القوة فى غداة واحدة مايأتى على ذلك كله "
قال فى الكبير أراد بالجنات البساتين التى يتناولها الناظر لانه تعالى قال بعده { ومساكن طيبة فى جنات عدن } والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه فتكون مساكنهم فى جنات عدن ومناظرهم الجنات التى هى البساتين ويكون فائدة وصفها بأنها عدن انها تجرى مجرى الدار التى يسكنها الانسان واما الجنات الأخر فهى جارية مجرى البساتين التى قد يذهب الانسان اليها لاجل التنزه وملاقاة الاحباب وفى بعض التفاسير تسمية دار الثواب كلها بالجنات التى هى بمعنى البساتين لاشتمالها على جنات كثيرة مترتبة على مراتب بحسب استحاقاقات العالمين من الناقصين والكاملين ولذلك أتى بجنات جمعا منكرا ثم اختلفوا فى عدد الجنات المشتملة على جنات متعددة فالمروى عن ابن عباس رضى الله عنهما انها سبع جنة الفردوس وجنة عدن وجنة النعيم ودار الخلد وجنة المأوى ودار السلام وعليون فى كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على تفاوت الاعمال والعمال وروى عنه انها ثمان دار الجلال ودار القرار ودار السلام وجنة عدن وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم وقال ابو الليث الجنان اربع كما قال تعالى
ولمن خاف مقام ربه جنتان
ثم قال
ومن دونهما جنتان
فذلك جنان اربع احداهن جنة الخلد والثانية جنة الفردوس والثالثة جنة المأوى والرابعة جنة عدن وابو ابها ثمانية بالخبر وخازن الجنة يقال له رضوان وقد ألبسه الله الرأفة والرحمة كما ان خازن النار ويقال له مالك قد ألبسه الله الغضب والهيبة وميل الامام الغزالى رحه الله الى كون الجنان اربعا فلعل الجنات فى الآية باعتبار الافراد لا باعتبار الاسماء ومايستفاد من قلتها بحسب ان الجمع السالم من جموع القلة ليس بمراد فانها من الوجود الانسانى اربع جنان فالغالب فى الجنة الاولى التنعم بمقتضى الطبيعة من الاكل والشرب والوقاع وفى الثانية التلذذ بمقتضى النفس كالتصرفات وفى الثالثة التلذذ بالاذواق الروحانية كالمعارف الالهية وفى الرابعة التلذذ بالمشاهدات وذلك على أعلى اللذات لانها من الخالق وغيرها من المخلوق ان قلت لم لم تذكر ابواب الجنة فى القرءآن وانها ثمانية كما ذكرت ابواب النار كما قال تعالى
لها سبعة أبواب
قلت ان الله سبحانه انما يذكر من اوصاف الجنة مافيه تشويق اليها وترغيب فيها وتنبيه على عظم نعميها وليس فى كونها ثمانية او اكثر من ذلك او اقل زيادة فى معنى نعيمها بل لو دخلوا من باب واحد او من ألف باب لكان ذلك سواء فى حكم السرور بالدخول ولذلك لم يذكر اسم خازن الجنة اذ لا ترغيب فى ان يخبر عن اهل الجنة انهم عند فلان من الملائكة او فى كرامة فلان وقد قال
وسقاهم ربهم شرابا طهورا
ولا شك أن من حدثت عنه انه عند الملك يسقيه ابلغ من الكرامة من أن يقال هو عند خادم من خدام الملك او فى كرامة ولى من اوليائه بخلاف ذكر ابواب النار وذكر مالك فان فيه زيادة ترهيب قال سهل قدس سره اطيب المساكن ماازال عنهم جميع الاحزان واقر أعينهم بمجاورته فهذا الجوار فوق سائر الجوار وقال بعضهم ومساكن طيبة برؤية الحق تعالى فان المساكن انما تطيب بملاقاة الاحباب ورؤية العاشق جمال المعشوق ووصول المحب الى صحبة المحبوب وكذا مساكن القلوب انما تطيب بتجلى الحق ولقاء جماله جعلنا الله واياكم من اهل الوصول واللقاء والبقاء { ذلك } اى ماذكر من المغفرة وادخال الجنات المذكورة بما ذكر من الاوصاف الجميلة { الفوز العظيم } الذى لافوز ورآءه قال بعض المفسرين الفوز يكون بمعنى النجاة من المكروه وبمعنى الظفر بالبغية والاول يحصل بالمغفرة والثانى بادخال الجنة والتنعيم فيها وعظمه باعتبار انه نجاة لا ألم بعده وظفر لا نقصان فيه شانا وزمانا ومكانا لانه فى غاية الكمال على الدوام فى مقام النعيم علم ان الآية الكريمة أفادت ان التجارة دنيوية واخروية فالدنيا موسم التجارة والعمر مدتها والاعضاء والقوى رأس المال والعبد هو المشترى من وجه والبائع من وجه فمن صرف رأس ماله الى المنافع الدنيوية التى تنقطع عند الموت فتجارته دنيوية كاسدة خاسرة وان كان بتحصيل علم دينى او كسب عمل صالح فضلا عن غيرهما
" فانما الاعمال بالنيات ولكل امرىء مانوى "
ومن صرفه الى المقاصد الأخروية التى لاتنقطع ابدا فتجارته رآئجة رابحة حرية بأن يقال
فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
ولعل المراد من التجارة هنا بذل المال والنفس فى سبيل الله وذكر الايمان لكونه اصلا فى الاعمال ووسيلة فى قبول الآمال وتوصيف التجارة بالانجاء لان النجاة يتوقف عليها الانتفاع فيكون قوله تعالى { يغفر لكم } بيان سبب الانجاء وقوله { يدخلكم } بما يتعلق به بيان المنفعة الحاصلة من التجارة مع ان التجارة الدنيوية تكون سببا للنجاة من الفقر المنقطع والتجارة الأخروية تكون سببا للنجاة من الفقر الغير المنقطع قال عليه السلام
" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ "
يعنى ان نعمتى الصحة والفراغ كرأس المال للمكلف فينبغى أن يعامل الله الايمان به وبرسوله ويجاهد مع النفس لئلا يغبن ويربح فى الدنيا والآخرة ويجتنب معاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح قال الحافظ
كارى كنيم ورنه خجالت براورد روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم
وقال أيضا
كوهر معرفت اندوز كه ياخود ببرى كه نصيب دكر انست نصاب زروسيم
وقال أيضا
دلا دلالت خيرى كنم براه نجات مكن بفسق مباهات زهدهم مفروش
وقال المولى الجامى
از كسب معارف شده مشغوف زخارف در هاى ثمين داده وخر مهره خريده
وقال
جان فداى دوست كن جامى كه هست كمترين كارى درين ره بذل روح
الصف 61:13
{ واخرى } اى ولكم الى هذه النعم العظيمة نعمة اخرى عاجلة فأخرى مبتدأ حذف خبره والجملة عطف على يغفر لكم على المعنى { تحبونها } وترغبون فيها وفيه تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل وتوبيخ على محبته وهو صفة بعد صفة لذلك المحذوف { نصر من الله } بدل او بيان لتلك النعمة الاخرى يعنى نصر من الله على عدوكم قريش وغيرهم { وفتح قريب } اى عاجل عطف على نصر قال الكاشفى مراد فتح مكة است يافتح روم وفارس ابن عطا فمرمودن كه نصر توحيد است وفتح نظر بجمال ملك مجيد. وقد بين انواع الفتوح فى سورة الفتح بمقتضاه فى طريق الجهاد الاصغر وان كان تجارة رابحة الا ان اصحابها لم يتخصلوا بعد من الاعواض والاغراض فللسالك الى طريق الجهاد الاكبر تجارة أخرى فوق تلك التجارة اربح من الاولى هى نصر من الله بالتأييد الملكوتى والكشف النورى وفتح قريب الوصول الى مقام القلب ومطالعة تجليات الصفات وحصول مقام الرضى وانما سماه تجارة لان صفاتهم الظلمانية تبدل هناك بصفات الله النورانية وانما قال تحبونها لان المحبة الحقيقية لاتكون الا بعد الوصول الى مقام القلب ومن دخل مقام المحبة بالوصول الى هذا المقام فقد دخل فى اول مقام لخواص فالمعتبر من المنازل منزل المحبة واهله عبيد خلص لايتوقعون الاجرة بعملهم بخلاف من تنزل عن منزلة المحبة فانهم اجرآء يعملون للاجرة قال بعض العارفين من عبدالله رجاء للثواب وخوفا من العقاب فمعبوده فى الحقيقة هو الثواب والعقاب والحق واسطة فالعبادة لاجل تنعم النفس فى الجنة والخلاص من النار معلول ولهذا قال المولى جلال الدين الرومى قدس سره
هشت جنت هفت دوزخ بيش من هست بيدا همجوبت بيش شمن
وقال بعضهم
طاعت ازبهر جزا شرك خفيست ياخدا جوباش ويا عقبى طلب
واعلم ان من جاهد فانما يجاهد لنفسه لانه يتخلص من الحجاب فيصل الى الملك الوهاب { وبشر المؤمنين } عطف على محذوف مثل قل
ياأيها الذين آمنوا
وبشرهم يا أكمل الرسل بأنواع البشارة الدنيوية والاخروية فلهم من الله فضل واحسان فى الدارين وكان فى هذا دلالة على صدق النبى لانه اخبر عما يحصل ويقع فى المستقبل من الايام على مااخبره. وفى التأويلات النجمية يشير الى تواتر النعم وتواليها وفتح مكة القلب بعد النصر بخراب بلدة النفس وبشر المؤمنين المحبين الطالبين بالنصر على النفس فتح مكة القلب انتهى وفيه اشارة الى ان بلدة النفس انما تخرب بعد التأييد الملكوتى وامداد جنود الروح بان تغلب القوى الروحانية على القوى النفسانية كما يغلب اهل الاسلام على اهل الحرب فيخلصون القلعة من ايدى الكفار ويزيلون آثار الكفر و الشرك بجعل الكنائس مساجد وبيوت الاصنام معابد ومساكن الكفار مقار المؤمنين المخلصين والله المعين على الفتح المطلق كل حين
الصف 61:14
{ يا أيها الذين آمنوا كونوا انصار الله } اى انصار دينه جمع نصير كشريف واشراف { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } سيأتى بيانهم { من } كيستند { انصارى الى الله } قال بعض المفسرين من يحتمل ان يكون استفهاما حقيقة ليعلم وجود الانصار ويتسلى به ويحتمل العرض والحث على النصرة وفيه دلالة على ان غير الله تعالى لايخلو عن الاحتياج والاستنصار وانه فى وقته جائز حسن اذا كان لله فى الله والمعنى من جندى متوجها الى نصرة الله كما يقتضيه قوله تعالى { قال الحواريون نحن انصار الله } فان قوله عيسى لا يطابق جواب الحواريين بحسب الظاهر فان ظاهر قول عيسى يدل على انه يسأل من ينصره فكيف يطابقه جواب الحواريين بانهم ينصرون لله ايضا لاوجه لبقاء قول عيسى على ظاهره لان النصرة لاتتعدى بالى فحمل الانصار على الجند لانهم ينصرون ملكهم ويعينونه فى مراده ومراده عليه السلام نصرة دين الله فسأل من يتبعه ويعينه فى ذلك المراد ويشاركه فيه فقوله متوجها حال من ياء المتكلم فى جندى والى متعلق به لا بالنصرة والاضافة الاولى اضافة احد المتشاركين الىالآخر لما بينهما من الاختصاص يعنى الملابسة المضححة للاضافة المجازية لظهور ان الاختصاص الذى تقتضيه الاضافة حقيقة غير متحقق فى اضافة انصارى والاضافة الثانية اضافة الفاعل الى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى ان كونوا انصار الله كما كان الحواريون انصاره حين قال لهم عيسى من انصارى الى الله او قل لهم كونوا كما قال عيسى للحواريين والحواريون اصفياؤه وخلصانه من الحور وهو البياض الخالص وهم اول من آمن به وكانوا اثنى عشر رجلا قال مقاتل قال الله لعيسى اذا دخلت القرية فائت النهر الذى عليه القاصرون فاسألهم النصرة فأتاهم عيسى وقال من انصارى الى الله فقالوا نحن ننصرك فصدقوه ونصروه وقال الكاشفى وفى الواقع نصرت كردند دين عيسى رابعد از رفع وى وخلق را بخدا دعوت نمودند، فالحواريون كانوا قصارين وقيل كانوا صيادين قال بعض العلماء انما سموا حواريين لصفاء عقائدهم عن التردد والتلوين او لانهم كانوا يطهرون نفوس الناس بافادتهم الدين والعلم المشار اليه بقوله تعالى
انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا
وانما قيل كانوا قصارين على التمثيل والتشبيه وانما قيل كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس وقودهم الى الحق وقوله عليه السلام
" الزبير ابن عمتى وحواريى "
وقوله يوم الاحزاب
" من يأتينى بخبر القوم "
فقال الزبير انا فقال عليه السلام
" ان لكل نبى حواريا وحواريى الزبير "
فشبهه بهم فى النصرة وقال بعض المفسرين دل الحديث على ان الحواريين ليسوا بمختصين بعيسى اذ هو فى معنى الاصحاب الاصفياء وقال معمر رضى الله عنه كان يحمد الله لنبينا عليه السلام حواريون نصروه حسب طاقتهم وهم سبعون رجلا وهم الذين بايعوه ليلة العقبة وقال السهيلى كونوا انصار الله فكانوا انصارا وكانوا حواريين والانصار الاوس الخزرج ولم يكن هذا الاسم قبل الاسلام حتى سماهم الله به وكان له عليه السلام حواريون ايضا من قريش مثل الخلفاء الاربعة والزبير وعثمان بن مظعون وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن ابى طالب ونحوهم { فآمنت طائفة } اى جماعة وهى اقل من الفرقة لقوله تعالى
فلولا نفر من كل فرقه منهم طائفة
{ من بنى اسرائيل } اى آمنوا بعيسى واطاعوه فيما امرهم به من نصرة الدين { وكفرت طائفة } اخرى به وقاتلوه { فايدنا الذين آمنوا } اى قوينا مؤمنى قومه بالحجة او بالسيف وذلك بعد رفع عيسى { على عدوهم } اىعلى الذين كفروا وهو الظاهر فايراد العدو اعلام منه ان الكافرون عدو للمؤمنين عداوة دينية وقيل لما رفع عيسى عليه السلام تفرق القوم ثلاث فرق فرقة قالوا كان الله فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه الله اليه وفرقة قالوا كان عبدا لله ورسوله فرفعه الله وهم المؤمنون واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى { فايدنا الذين آمنوا على عدوهم } { فأصبحوا } صاروا { ظاهرين } غالبيين عالين يقال ظهرت على الحائط علوته وقال قتادة فأصبحوا ظاهرين بالحجة والبرهان كما سبق لأنهم قالوا فيما روى ألستم تعلمون ان عيسى عليه السلام كان ينام والله تعالى لاينام وانه يأكل ويشرب والله منزه عن ذلك وفى الآية اشارة الى غلبة القوى الروحانية على القوى النفسانية لان القوى الروحانية مؤمنون متنورون بنور الله متقون عما سوى الله تعالى والقوى النفسانية كافورن مظلمون بظلمة الاكوان متلوثون بالعلاقات المختلفة ولاشك ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فبنور الاسلام والايمان والتقوى والهدى يزيل ظلمة الشرك والكفر والتعلق والهوى مع ان اهل الايمان وان كانوا اقل من اهل الكفر فى الظاهر لكنهم اكثر منهم فى الباطن فهم السواد الاعظم والمظاهر الجمالية، واعلم ان الجهاد دآئم ماض الى يوم القيامة انفسا وآفاقا لان الدنيا مشتملة على اهل الجمال والجلال وكذا الوجود الانسانى مادام فى هذا الوطن فاذا صار الى الموطن الآخر فما اهل جمال فقط وهو فى الجنة واما اهل جلال فقط وهو فى النار والله يحفظنا واياكم تمت سورة الصف بعون الله تعالى فى اواسط ذى الحجة من شهور سنة خمس عشرة ومائة وألف.
الجمعة 62:1
{ يسبح لله مافى السموات ومافى الارض } جميعا من حى وجامد تسبيحات مستمرة فما فى السموات هى البدائع العلوية وما فى الارض هو الكوآئن السفلية فللكل نسبة الى الله تعالى بالحياة والتسبيح { الملك } بادشاهى كه ملك او دائمست وبى زوال { القدوس } باك از سمت عيب وصفت اختلال { العزيز } الغالب على كل ما أراد { الحكيم } صاحب الحكمة البديعة البالغة وقد سبق معانى هذه الاسماء فى سورة الحشر والجمهور على جر الملك وما بعده على انها صفات لاسم الله عز وجل. يقول الفقير بدأ الله تعالى هذه السورة بالتسبيح لما فيها من ذكر البعثة اذا خلاء العالم من المرشد معاف للحكمة ويجب تنزيه الله عنه ولما اشتملت عليه من بيان ادعاء اليهود كونهم ابناء الله واحباءه ولما ختمت به من ذكر ترك الذكر واستماع الخطبة المشتملة على الدعاء والحمد والتسبيح ونحو ذلك وفى التأويلات النجمية يعنى ينزه ذاته المقدسة مافى سموات المفهوم من مفهومات العامة ومفهومات الخاصة ومفهومات اخص الخاصة وما فى ارض المعلوم من معلومات العامة ومعلومات الخاصة ومعلومات اخص الخاصة وانما أضفنا السموات الى المفهوم واضفنا الارض الى المعلوم لفوقية رتبة الفهم على ربتة العلم وذلك قوله
ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما
ويدل على ذلك اصابة سليمان حقيقة المسألة المخصوصة بحسب نور الفهم لابحسب قوة العلم وهو العزيز الذى يعز من يشاء بخلعة نور الفهم الحكيم الذى يشرف من يشاء بحكمته بلبسه ضياء العلم
الجمعة 62:2
{ هو الذى بعث فى الاميين } جمع امى منسوب الى امة العرب وهم قسمان فعرب الحجاز من عدنان وترجع الى اسماعيل عليه السلام وعرب اليمن ترجع الى قحطان وكل منهم قبائل كثيرة والمشهور عند اهل التفسير ان الامى من لايكتب ولا يقرأ من كتاب وعند اهل الفقه من لايعلم شيأ من القرءآن كأنه بقى على ماتعلمه من امه من الكلام الذى يتعلمه الانسان بالضرورة عند المعاشرة والنبى الامى منسوب الى الامة الذين لم يكتبوا لكونه على عادتهم كقولك عامى لكونه على عادة العامة وقيل سمى بذلك لانه لم يكتب ولم يقرأ من كتاب وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله له عنه بقوله
سنقرئك فلا تنسى
وقيل سمى بذلك لنسبته الى ام القرى وفى كشف الاسرار سمى العرب اميين لانهم كانوا على نعت امهاتهم مذ كانت بلا خط ولا كتاب نسبوا الى ماولدوا عليه من امهاتهم لان الخط والقرآءة والتعليم دون ماجبل الخلق عليه ومن يحسن الكتابة من العرب فانه ايضا امى لانه لم يكن لهم فى الاصل خط ولا كتابة قيل بدئت الكتابة بالطائف تعلمها ثقيف واهل الطائف من اهل الحيرة بكسر الحاء وسكون المثناة من تحت بلد قرب الكوفة واهل الحيرة اخذوها من اهل الانبار وهى مدينة قديمة على الفرات بينها وبين بغداد عشرة فراسخ ولم يكن فى أصحاب رسول الله عليه السلام كاتب الا حنظلة الذى يقال له غسيل الملائكة ويسمى حنظلة الكاتب لانه ظهر الخط فى الصحابة بعد فى معاوية بن سفيان وزيد بن ثابت وكانا يكتبان لرسول الله عليه السلام وكان له كتاب ايضا غيرهما واختلفوا فى رسول الله عليه السلام انه هل تعلم الكتابة بآخرة من عمره اولا لعلمائنا فيه وجهان وليس فيه حديث صحيح ولما كان الخط صنعة ذهنية وقوة طبيعية صدرت بالآلة الجسمانية لم يحتج اليه من كان القلم الاعلى يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره وعدم كتابته مع علمه بها معجزة باهرة له عليه السلام اذا كان يعلم الكتاب علم الخط واهل الحرف حرفتهم وكان اعلم بكل كمال اخروى او دنيوى من اهله ومعنى الآية هو الذى بعث فى الاميين اى فى العرب لان اكثرهم لايكتبون ولا يقرأون من بين الامم فغلب الاكثر وانما قلنا اكثرهم لانه كان فيهم من يكتب ويقرأ وان كانوا على قلة { رسولا } كائنا { منهم } اى من جملتهم ونسبهم عربيا اميا مثلهم. تارسالت اوازتهمت دور باشده فوجه الامتنان مشاكلة حاله لاحوالهم ونفى التعلم من الكتب فهم يعلمون نسبه واحواله، ودر كتاب شعيا عليه لسلام مذكور است كه انى ابعث اميا فى الاميين واختم به النبيين قال الكاشفى ودر اميت آن حضرت عليه السلام نكتهاست ايجا بسه بيت اختصار ميرد
فيض ام الكتاب بروردش لقب امى ازان خدا كردش لوح تعليم ناكرفته بير همه زاسرار لوح داده خبر برخط اوست انس وجانراسر كه نخواندست خط ازان جه خطر
والبعث فى الاميين لاينافى عموم دعوته عليه السلام فالتخصيص بالذكر لا مفهوم له ولو سلم فلا يعارض المنطوق مثل قوله تعالى
وما أرسلناك الا كافة للناس
على انه فرق بين البعث فى الاميين والبعث الى الاميين فبطل احتجاج اهل الكتاب بهذه الآية على انه عليه السلام كان رسول الله الى العرب خاصة رد الله بذلك ماقال اليهود للعرب طعنا فيه نحن اهل الكتاب وأنتم اميون لاكتاب لكم { يتلو عليهم آياته } اى القرءآن مع كونه اميا مثلهم لم يعهد منه قرآءة ولا تعلم والفرق بين التلاوة والقرآءة ان التلاوة قرآءة القرءآن متتابعة كالدراسة والا وارد المظفة والقرءآة اعم لانها جمع الحروف باللفظ لا اتباعها { ويزكيهم } صفة اخرى لرسولا معطوفة على يتلو أى يحملهم على مايصيرن به ازكياء من خبائث العقائد والاعمال وفيه اشارة الى قاعدة التسليك فان المزكى فى الحقيقة وان كان هو الله تعالى كما قال بل الله يزكى من يشاء الا ان الانسان الكامل مظهر الصفات الالهية جميعا ويؤيد هذا المعنى اطلاق نحو قوله تعالى
من يطع الرسول فقد أطاع الله
{ ويعلمهم الكتاب والحكمة } قال فى الارشاد صفة اخرى لرسولا مترتبة فى الوجود على التلاوة وانما وسط بينهما التزكية التى هى عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العلمية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصلة بالعلم المترتب على التلاوة للايذان بأن كلا من الامور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر فلو روعى ترتيب الوجود لتبادر الى الفهم كون الكل نعمة واحدة وهو السر فى التعبير عن القرءآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزا الى انه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة انتهى. وقال بعضهم ويعلمهم القرءآن والشريعة وهى ماشرع الله لعباده من الاحكام او لفظه ومعناه او القرءآن والسنة كما قاله الحسن او الكتاب الخط كما قاله ابن عباس او الخير والشر كما قاله ابن اسحق والحكمة الفقه كما قاله مالك او العظة كما قاله الاعمش او كتاب احكام الشريعة واسرار آداب الطريقة حال معانيه الحكمية والحكمية ولكن تعليم حقائق القرءآن وحكمه مختص باولى الفهم وهم خواص الاصحاب رضى الله عنهم وخواص التابعين من بعدهم الى قيام الساعة لكن معلم الصحابة عموما وخصوصا هو النبى عليه السلام بلا واسطة ومعلم التابعين قرنا بعد قرن هو عليه السلام ايضا لكن بواسطة ورثة امته وكمل اهل دنيه وملته لو لم يكن سوى هذا التعليم معجزة لكفاه قال البوصيرى فى القصيدة البردية
كفاك بالعلم فى الامى معجزة فى الجاهلية والتأديب فى اليتم
اى كفاك العلم الكائن فى الامى فى وقت الجاهلية وكفاك ايضا تنبيه على الآداب لعلمه بها فى وقت اليتم معجزة { وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين } ان ليست شرطية ولا نافية بل هى المخففة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية والمعنى وان الشأن كان الاميون من قبل بعثته ومجيئه لفى ضلال مبين من الشرك وخبث الجاهلية لاترى ضلالا اعظم منه وهو بيان لشدة افتقارهم الى من يرشدهم وازاحة لما عسى يتوهم من تعلمه عليه السلام من الغير فان المبعوث فيهم اذا كانوا فى ضلال قبل البعثة زال توهم انه تعلم ذلك من احد منهم قال سعدى المفتى والظاهر ان نسبة الكون فى الضلال الى الجميع من باب التغليب والا فقد كان فيهم مهتدون مثل ورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهم ممن قال رسول الله عليه السلام فى كل منهم يبعث امة وحده. يقول الفقير هو اعتراض على معنى الازاحة المذكورة لكنه ليس بشىء فان اهتدآء من ذكره من نحو ورقة انما كان فى باب التوحيد فقط فقد كانوا فى ضلال من الشرآئع والاحكام ألا ترى الى قوله تعالى
ووجدك ضالا فهدى
مع انه عليه السلام لم يصدر منه قبل البعثة شرك ولا غيره من شرب الخمر والزنى واللغو واللهو فكونهم مهتدين من وجه لا ينافى كونهم ضالين من وجه آخر دل على هذا المعنى قوله تعالى { يتلو عليهم } الخ فان بالتلاوة وتعليم الاحكام والشرآئع حصل تزيكة النفس والنجاة من الضلال مطلقا فاعرفه
الجمعة 62:3
{ وآخرين منهم } جمع آخر بمعنى غير وهو عطف على الاميين اى بعثه فى الاميين الذين على عهده وفى آخرين من الاميين او على المنصوب فى يعلمهم اى يعلمهم ويعلم آخرين منهم وهم الذين جاؤا من العرب فمنهم متعلق بالصفة لآخرين اى وآخرين كائنين منهم مثلهم فى العربية والامية وان كان المراد العجم فمنهم يكون متعلقا بآخرين قال الكاشفى اصح اقوال آنست كه هركه باسلام در آمده ودرمى آيد بعد از وفات آن حضرت عليه السلام همه درين آخرين داخلند، فيكون شاملا لكل من اسلم وعمل صالحا الى يوم القيامة من عربى وعجمى وفى الحديث
" ان فى اصلاب رجال من امتى رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب "
ثم تلا الآية { لمايلحقوا بهم } صفة لآخرين اى لم يلحقوا بالاميين بعد ولم يكونوا فى زمانهم وسيلحقون بهم ويكونون بعدهم عربا وعجما وذلك لما ان منفى لما لابد أن يكون مستمر النفى الى الحال وأن يكون متوقع الثبوت بخلاف منفى لم فانه يحتمل الاتصال نحو
ولم اكن بدعائك رب شقيا
والانقطاع مثل
لم يكن شيأ مذكورا
ولهذا جاز لم يكن ثم كان ولم يجز لما يكن ثم كان بل يقال لما يكن وقد يكون روى سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه
" ان النبى عليه السلام قال رأيتنى أسقى غنما سودا ثم اتبعتها غنما عفرا اولها يا أبا بكر " فقال يانبى الله اما السود فالعرب واما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب فقال عليه السلام " كذلك اولها الملك يعنى جبرآئيل عليه السلام "
يقال شاة عفراء يعلو بياضها حمرة ويجمع على عفر مثل سودآء وسود وقيل لما يلحقوا بهم فى الفضل والمسابقة لان التابعين لايدركون شيأ مع الصحابة وكذلك العجم مع العرب ومن شرآئط الدين معرفة فضل العرب على العجم وحبهم ورعاية حقوقهم وفى الآية دليل على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول نفسه وبلاغه حجة لاهل زمانه ومن بلغ لقوله تعالى
ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده
{ وهو العزيز } المبالغ فى العزة والغلبة ولذلك مكن رجلا اميا من ذلك امر العظيم { الحكيم } المبالغ فى الحكمة ورعاية المصلحة ولذلك اصطفاه من بين كافة البشر
الجمعة 62:4
{ ذلك } الذى امتاز به من بين سائر الافراد وهو أن يكون نبى ابناء عصره ونبى ابناء العصور الغوابر { فضل الله } واحسانه { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية لا تأثير للاسباب فيه فكان الكرم منه صر فالا تمازجه العلل ولا تكسبه الحيل { والله ذو الفضل العظيم } الذى يستحقر دونه نعم الدنيا ونعيم الآخرة وفى كشف الاسرار { والله ذو الفضل العظيم } على محمد وذو الفضل العظيم على الخلق بارسال محمد اليهم وتوفيقهم لمابيعته انتهى. يقول الفقير وايضا { والله ذو الفضل العظيم } على اهل الاستعداد من امة محمد بارسال ورثة محمد فى كل عصر اليهم وتوفيقهم للعمل بموجب اشاراتهم ولولا اهل الارشاد والدلالة لبقى الناس كالعميان لايدرون اين يذهبون وانما كان هذا الفضل عظيما لان غايته الوصول الى الله العظيم وقال بعض الكبار { والله ذو الفضل العظيم } اذ جميع الفضائل الاسمائية تحت الاسم الاعظم وهو جامع احدية جميع الاسماء وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب اهل الدثور بالاجور فقال
" قولوا سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم "
فقالوها وقالها الأغنياء فقيل انهم شاركونا فقال { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وفى بعض الروايات
" اذا قال الفقير سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر مخلصا وقال الغنى مثل ذلك لم يلحق الغنى بالفقير فى فضله وتضاعف الثواب وان أنفق الغنى معها عشرة آلاف درهم وكذلك اعمال البر كلها "
قال الشيخ سعدى قدس سره
نقنطار زر بخش كردن زكنج نباشد جو قيراطى ازدست رنج
الجمعة 62:5
{ مثل الذين حملوا التوراة } اى علموها وكلفوا العمل بها وهم اليهود ومثلهم صفتهم العجيبة { ثم لم يحملوها } اى لم يعملوا بما فى تضاعيفها من الآيات الى من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله عليه السلام واقتنعوا بمجرد قرآءتها { كمثل الحمار } الكاف فيه زآئدة كما فى الكواشى والحمار حيوان معروف يعبر به عن الجاهل كقولهم هو اكفر من الحمير اى اجهل لان الكفر من الجهالة فالتشبيه به لزيادة التحقير والاهانة ولنهاية التهكم والتوبيخ بالبلادة اذا الحمار يذكر بها والبقر وان كان مشهورا بالبلادة الا انه لا يلائم الحمل
تعلم يافتى فالجهل عار ولا يرضى به الا حمار
{ يحمل اسفارا } اى كتبا من العلم يتعب بحملها ولا ينتفع بها ويحمل اما حال والعامل فيها معنى المثل اوصفة للحمار اذ ليس المراد معينا فان المعرف بلام العهد الذهنى فى حكم النكرة كما فى قول من قال ولقد امر على اللئيم يسبنى والاسفار جمع سفر بكسر السين وهو الكتاب كشبر واشبار قال الراغب السفر الكتاب الذى يسفر عن الحقائق اى يكشف وخص لفظ الاسفار فى الآية تنبيها على ان التوراة وان كانت تكشف عن معانيها اذا قرئت وتحقق مافيها فالجاهل لايكاد يستبينها كالحمار الحامل لها وفى القاموس السفر الكتاب الكبير او جزء من اجزآء التوراة وفى هذا تنبيه من الله على انه ينبغى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم مافيه ويعمل به لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء قال الشيخ سعدى مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب
علم جندانكه بيشتر خوانى جون عمل درتونيست تادانى نه محقق بود نه دانشمند جار بايى برو كتابى جند آن تهى معزرا جه علم وخبر كه برو هيز مست با دفتر
وقال الكاشفى
كفت ايزد يحمل اسفاره بار باشد علم كان نبود زهو علمهاى اهل دل حمالشان علمهاى اهل تن احما لشان جون بدل خوانى زحق كيرى سبق جون بكل خوانى سبه سازى ورق
وفى التأويلات النجمية يعنى مثل يهود النفس فى حمل توراة العلم والمعرفة بصحة رسالة القلب وعدم اتباع رسومه واحكامه كمثل حمار البدن فى حمله اثقال الامتعة النفسية الا قمشة الشريفة والملابس الفاخرة والطيالس الناعمة فكما ان حمار البدن لايعرفها ولا يعرف شرفها ولا كرامتها كذلك يهود النفس لاتعرف رفعة رسول القلب ولا رتبته ونعم مايحكى عن بعض الظرفاء انه حضر دعوة لطعام فلم يلتفتوا اليه واجلسوه فى مكان نازل ثم انه خرج واستعار ألبسة نفيسة وعاد الى المجلس فلما رأوه على زى الاكابر عظموه واجلسوه فوق الكل فلما حضر الطعام قال ذلك الظريف خطابا لكمه كل والكم لايدرى ماالطعام وما اللذة لكن نظر اهل الصورة مقصور على الظاهر لايرون الفضل الا بالزخارف والزين فما أبعد هؤلاء عن ادراك المعانى والحقائق { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } اى بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله على أن التمييز محذوف والفاعل المفسر له مستتر والمذكور هو المخصوص بالذم وهم اليهود الذين كفروا بما فى التوراة من الآيات الشاهدة بصحة نبوة محمد عليه السلام { والله لايهدى القوم الظالمين } الواضعين للتكذيب فى موضع التصديق او الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد باختيار الضلالة على الهداية والشقاوة على السعادة والعداوة على العناية كاليهود ونظائرهم وفيه تقبيح لهم بتشبيه حالهم بحال الحمار والمشبه بالقبيح قبيح وقد قال تعالى
ان أنكر الاصوات لصوت الحمير
فصوت الجاهل والمدعى منكر كصوت الحمار وأضل وانزل فهو ضار محض وفى الحمار نفع لانه يحمل الاثقال ويركبه النساء والرجال وقد قال فى حياة الحيوان ان اتخذ خاتم من حافر الحمار الاهلى ولبسه المصروع لم يصرع ثم ان فى الحمار شهوة زآئدة على شهوات سائر الحيوانات وهى من الصفات الطبيعية البهيمية فمن أبدلها بالعفة نجا وسلم من التشبيه المذكور وكم ترى من العلماء الغير العاملين ان اعينهم تدور على نظر الحرام ومع مالهم من النكاح يتجاوزون الى الزنى لعدم اصلاح قوتهم الشهوية بالشريعة اقوالهم لا أعمالهم واحوالهم نسأل الله العصمة مما يوجب المقت والنقمة انه ذو المنة والفضل والنعمة
الجمعة 62:6
{ قل يا أيها الذين هادوا } من هاد يهود اذا تهود أى تهودوا والتهود جهود شدن ودين جهود داشتن وبالفارسية ايشان كه جهود شديد وازراه راست بكشتيد، فان المهاداة الممايلة ولذا قال بعض المفسرين اى مالوا عن الاسلام والحق الى اليهودية وهى من الاديان الباطلة كما سبق قال الراغب الهود الرجوع برفق وصار فى التعارف التوبة قال بعضهم يهود فى الاصل من قولهم انا هدنا اليك اى تبنا وكان اسم مدح ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وان لم يكن فيه معنى المدح كما ان النصارى فى الاصل من قولهم نحن انصار الله ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم ثم ان الله تعالى خاطب الكفار فى اكثر المواضع بالواسطة ومنها هذه الآية لانهم ادخلوا الواسطة بينهم وبين الله تعالى وهى الاصنام واما المؤمنون فان الله تعالى خاطبهم فى اغلب المواضع بلا واسطة مثل ياايها الذين آمنوا لانهم اسقطوا الوسائط فأسقط الله بينه وبينهم الوسائط { ان زعمتم } الزعم هو القول بلا دليل والقول بأن الشىء على صفة كذا قولا غير مستند الى وثوق نحو زعمتك كريما وفى القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد واكثر مايقال فيما يشك فيه انتهى. فبطل ماقال بعضهم من ان الزعم بالضم بمعنى اعتقاد الباطل وبالفتح بمعنى قول الباطل قال الراغب الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء فى القرءآن فى كل موضع ذم القائلون به وقيل للمتكفل والرئيس زعيم للاعتقاد فى قولهم انه مظنة للكذب { انكم اولياء الله } جمع ولى بمعنى الحبيب { من دون الناس } صفة اولياء اى من دون الاميين وغيرهم ممن ليس من بنى اسرآئيل وقال بعضهم من دون المؤمنين من العرب والعجم يريد بذلك ما كانوا يقولون نحن ابناء الله واحباؤه ويدعون ان الدار الآخرة لهم عند الله خالصة وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا فأمر رسول الله عليه السلام بأن يقول لهم اظهارا لكذبهم ان زعمتم ذلك { فتمنوا الموت } اى فتمنوا من الله أن يميتكم من دار البلية الى دار الكرامة وقولوا اللهم أمتنا والتمنى تقدير شىء فى النفس وتصويره فيها وبالفارسية آرزوا خواستن، قال بعضهم الفرق بين التمنى والاشتهاء ان التمنى اعم من الاشتهاء لانه يكون فى الممتنعات دون الاشتهاء { ان كنتم صادقين } جوابه محذوف لدلالة ماقبله عليه اى ان كنتم صادقين فى زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فان من أيقن انه من اهل الجنة احب أن يتخلص اليها من هذه الدار التى هى قرارة اكدار ولا يصل اليها احد الا بالموت قال البقلى جرب الله المدعين فى محبته بالموت وافرز الصادقين من بينهم لما غلب عليهم من شوق الله وحب الموت فتبين صدق الصادقين ههنا من كذب الكاذبين اذ الصادق يختار اللحوق اليه والكاذب يفر منه قال عليه السلام
" من احب لقاء الله احب الله لقاءه ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه "
قال الجنيد قدس سره المحب يكون مشتاقا الى مولاه ووفاته احب اليه من البقاء اذ علم ان فيه الرجوع الى مولاه فهو يتمنى الموت ابدا
الجمعة 62:7
{ ولا يتمنونه ابدا } اخبار بما سيكون منهم وابدا ظرف بمعنى الزمان المتطاول لا بمعنى مطلق الزمان والمراد به ماداموا فى الدنيا وفى البقرة
ولن يتمنوه
لان دعواهم فى هذه السورة بالغة قاطعة وهى كون الجنة لهم بصفة الخلوص فمبالغ فى الرد عليهم بلن وهو ابلغ ألفاظ النفى ودعواهم فى الجمعة قاصرة مترددة وهى زعمهم انهم اولياء الله فاقتصر على لا كما فى برهان القرءآن { بما قدمت ايديهم } الباء متعلقة بما يدل عليه النفى اى يأبون التمنى بسبب ماعملوا من الكفر والمعاصى الموجبة لدخول النار نحو تحريف احكام التوراة وتغيير النعت النبوى وهم يعرفون انهم بعد الموت يعذبون بمثل هذه المعاصى ولما كانت اليد بين جوارح الانسان مناط عامة افاعليه عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة يعنى ان الايدى هنا بمعنى الذوات استعملت فيها لزيادة احتياجها اليها فكأنها هى { والله عليم بالظالمين } وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم فى كل امورهم اى عليم بهم وبما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصى المفضية الى افانين العذاب وبما سيكون منهم من الاحتراز عما يؤدى الى ذلك فوقع الامر كما ذكر فلم يتمن منهم احد موته وفى الحديث
" لايتمنين احدكم الموت اما محسنا فان يعش يزدد خيرا فهو خير له واما مسيئا فلعله ان يستعتب "
اى يسترضى ربه بالتوبة والطاعة وما روى عن بعض ارباب المحبة من التمنى فلغاية محبتهم وعدم صبرهم على الاحتراق بالافتراق ولا كلام فى المشتاق المغلوب المجذوب كما قال بعضهم
غافلان ازمرك مهلت خواستند عاشقان كفتند نى نى زود بان
فللتمنى اوقات واحوال يجوز باعتبار ولايجوز بآخر اما الحال فكما فى الاشتياق الغالب واما الوقت فكما أشار اليه قوله عليه لسلام
" اللهم انى اسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين فاذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنى اليك غير مفتون "
روى انه عليه السلام قال فى حق اليهود
" لو تمنوا الموت لغص كل انسان بريقه فمات مكانه ومابقى على وجه الارض يهودى "
ثم ان الموت هو الفناء عن الارادات النفسانية والاوصاف الطبيعية كما قال عليه السلام
" موتوا قبل أن تموتوا "
فمن له صدق ارادة وطلب يحب ان يموت عن نفسه ولا يبالى سقط على الموت ام سقط الموت عليه وان كان لذلك مرا فى الظاهر لكنه حلو فى الحققة وفيه حياة حقيقية وشفاء للمرض القلبى
جه خوش كفت بكروزدار وفروش شفا بايدت داروى تلخ وش
واما من ليس له صدق ارادة وطلب فانه يهرب من المجاهدة مع النفس ويشفق ان يذبح بقرة الطبيعة فهو عند الموت الطبيعى يقاسى من المرارات مالا تفى ببيانه العبارات والله الحفيظ
الجمعة 62:8
{ قل ان الموت الذى تفرون منه } ولا تجسرون على أن تتمنوه مخالفة أن تؤخذوا بوبال كفركم { فانه ملاقيكم } البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه يعنى بكيرد شمارا وشربت آن بجشيد وفرار سودى ندارده، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف اى باعتبار كون الموصوف بالموصوف فى حكم الموصول اى ان فررتم من الموت فانه ملاقيكم كأن الفرار سبب لملاقاته وسرعة لحوقه اذ لايجد الفار بركة فى عمره بل يفر الى جانب الموت فيلاقيه الموت ويستقبله وقد قيل اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة { ثم } اى بعد الموت الاضطرارى الطبيعى { تردون } الرد صرف الشىء بذاته او بحالة من احواله يقال رددته فارتد والآية من الرد بالذات مثل قوله تعالى
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه
ومن الرد الى حالة كان عليها قوله تعالى
يردوكم على ادباركم
{ الى عالم الغيب والشهادة } الذى لاتخفى عليه احوالكم اى ترجعون الى حيث لاحاكم ولا مالك سواه وانما وصف ذاته بكونه عالم الغيب والشهادة باعتبار أحوالهم الباطنة واعمالهم الظاهرة وقد سبق تمام تفسيره فى سورة الحشر { فينبئكم } بس خبر دهدشمارا { بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصى والفواحش الظاهرة والباطنة بأن يجازيكم بها. وفى التأويلات النجمية يشير الى الموت الارادى الذى هو ترك الشهوات ودفع المستلذات الذى تجتنبون منه لضعف همتكم الروحانية ووهن نهمتكم الربانية فانه ملاقيكم لايفارقكم ولكن لاتشعرون به لانهماككم فى بحر الشهوات الحيوانية واستهلاككم فى تبار مشتهياتكم الظلمانية فانكم فى لبس من خلق جديد ولا تزالون فى الحشر والنشر كا قال وجاءكم الموج من كل مكان اى موج الموت فى كل لذة شهية ونعمة نعيمة ثم تردون الى عالم الغيب غيب النيات وغيب الطويات القلبية السرية والشهادة شهادة الطاعات والعبادات فينبئكم اى فيجازيكم بما كنتم تعملون بالنية الصالحة القلبية او بالنية الفاسدة النفسية انتهى، وفيه اشارة الى انه كما لاينفع الفرار من الموت الطبيعى كذلك لاينفع الفرار من الموت الارادى لكن ينبغى للعاقل آن يتنبه لفنائه فى كل آن ويختار الفناء حبا للبقاء مع الله الملك المنان. اعلم ان الفرار الطبيعى من الموت بمعنى استكراه الطبع وتنفره منه معذور صاحبه لان الخلاص منه عسير جدا الا للمشتاقين الى لقاء الله تعالى حكى انه كان ملك الملوك أراد أن يسير فى الارض فدعا بثياب ليلبسها فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما اعجبه بعد مرات وكذا طلب دابة فلم تعجبه حتى أتى بدواب فركب احسنها فجاء ابليس فنفخ فى منخره فملأه كبرا ثم سار وسارت معه الخيول وهو لاينظر الى الناس كبرا فجائه رجل رث الهيئة فسلم فلم يرد عليه السلام فأخذ بلجام دابته فقال ارسل اللجام فقد تعاطيت امرا عظيما قال ان لى اليك حاجة قال اصبر حتى انزل قال لا الا الآن فقهره على لجام دابته قال اذكرها قال هو سر فدنا اليه فساره وقال انا ملك الموت فتغير لون الملك واضطرب لسانه ثم قال دعنى حتى ارجع الى اهلى واقضى حاجتى فأودعهم قال لا والله لاترى اهلك ومالك ابدا فقبض روحه فخر كأنه خشبة ثم مضى فلقى عبدا مؤمنا فى تلك الحال فسلم فرد عليه السلام فقال ان لى اليك حاجة اذكرها فى اذنك فقال هات فساره انا ملك الموت فقال مرحبا واهلا بمن طالت غيبته فوالله ما كان فى الارض غائب أحب الى أن القاه منك فقال ملك الموت اقض حاجتك التى خرجت لها فقال مالى حاجى اكبر عندى ولا احب من لقاء الله قال فاختر على اى حالة شئت أن اقبض روحك فقال أتقدر على ذلك قال نعم انى امرت بذلك قال فدعنى حتى اتوضأ واصلى فاقبض روحى وانا ساجد فقبض روحه وهو ساجد وفى المثنوى
بس رجال از نقل عالم شادمان وز بقايش شادمان اين كودكان جونكه آب خوش نديدآن مرغ كور بيش او كوثر نمايد آب شور
واما الفرار العقلى بمعنى استكراهه الموت او بمعنى الانتقال من مكان الى مكان فالاول منهما ان كان من الانهماك فى حظوظ الدنيا فمذموم وان كان من خوف الموقف فصاحبه معذور كما حكى ان سليمان الدارانى قدس سره قال قلت لامى أتحبين الموت قالت لا قلت لم قالت لانى لو عصيت آدميا مااشتهيت لقاءه فكيف احب لقاءه وقد عصيته وقس عليه الاستكراه رجاء الاستعداد لما بعد الموت واما الثانى منهما فغير موجه عقلا ونقلا اذا المشاهدة تشهد أن لامخلص من الموت فأينما كان العبد فهو يدرك واما الفرار من بعض الاسباب الظاهرة للموت كهجوم النار المحرقة للدور والسيل المفرط فى الكثرة والقوة وحمل العدو الغالب والسباع والهوام الى غير ذلك فالظاهر انه معذور فيه بل مأمور واما الفرار من الطاعون فما يرجحه العقل والنقل عدم جوازه، اما العقل فما قاله الامام الغزالى رحمه الله من ان سبب الوباء فى الطب الهوآء المضر واظهر طرق التداوى الفرار من المضر ولا خلاق انه غير منهى عنه الا ان الهوآء لايضر من حيث انه يلاقى ظاهر البدن من حيث دوام الاستنشاق له فانه اذا كان فيه عفونة ووصل الى الرئه والقلب وباطن الاحشاء اثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر الا بعد طول التأثير فى الباطن فالخروج من البلد لايخلص غالبا من الاثر الذى استحكم من قبل ولكنه يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقى والطيرة وغيرهما وانه لو رخص للاصحاء فى الخروج لما بقى فى البلد الا المرضى الذين اقعدهم الطاعون وانكسرت قلوبهم ولم يبق فى البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك سعيا فى اهلاكهم تحقيقا وخلاصهم منتظركما ان خلاص الاصحاء منتظر فلو اقاموا لم تكن الاقامة قاطعة لهم بالموت ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع فى اهلاك الباقين والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضا والمؤمنون كالجسد الواحد اذا اشتكى مه عضو تداعى الى الاشتكاء سائر اعضائه هذا هو الذى يظهر عندنا فى تعليل النهى وينعكس هذا فيما اذا لم يقدم بعد على البلد فانه لم يؤثر الهوآء فى باطنه وليس له حاجة اليهم، واما النقل فقوله تعالى
ألم ترى الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم
فانه انكار لخروجهم فرارا منه وتعجيب بشأنهم ليعتبر العقلاء بذلك ويتيقنوا أن لامفر من قضاء الله فالمنهى عنه هو الخروج فرارا فان الفرار من القدر لايغنى شيأ وفى الحديث
" الفار من الطاعون كالفار من الزخف والصابر فيه له اجر شهيد "
وفى الحديث
" يختصم الشهدآء والمتوفون على فراشهم الى ربنا عز وجل فى الذين يتوفون فى الطاعون فيقول الشهدآء اخواننا قتلوا كما قتلنا ويقول المتوفون اخواننا ماتوا على فراشهم كما متنا فيقول ربنا انظروا الى جراحهم فان اشبهت جراحهم جراح المقتولين فانهم منهم فاذا جراحهم قد اشبهت جراحهم ".
يقول الفقير دل عليه قوله عليه السلام فى الطاعون
" انه وخز اعدآئكم من الجن "
والوخز طعن ليس بنافذ والشيطان له ركض وهمر ونفث ونفخ ووخز والجنى اذا وخز العرق من مراق البطن اى مارق منها ولان خرج من وخزه الغدة وهى التى تخرج فى اللحم فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة فحصل التوفيق بين حديث الوخز وبين قوله عليه السلام
" غدة كغدة البعير تخرج من مراق البطن "
وباقى مايتعلق بالطاعون سبق فى سورة البقرة وقد تكفل بتفاصيله رسالة الشفاء لادوآء الوباء لابن طاش كبرى فارجع
الجمعة 62:9
{ ياأيها الذين آمنوا اذا نودى للصلاة } الندآء رفع الصوت وظهوره ونداء الصلاة مخصوص فى الشرع بالالفاظ المعروفة والمراد بالصلاة صلاة الجمعة كما دل عليه يوم الجمعة والمعنى فعل الندآء لها اى اذن لها والمعتبر فى تعلق الامر الآتى هو الاذان الاول فى الاصح عندنا لان حصول الاعلام به لا الاذان بين يدى المنبر وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان اذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فاذا نزل اقام الصلاة ثم كان ابو بكر وعمر رضى الله عنهما على ذلك حتى اذا كان عثمان رضى الله عنه وكثرت الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر فأمر بالتأذين الاول على دار له بالسوق يقال لها الزورآء ليسمع الناس فاذا جلس على المنبر اذن المؤذن الثانى فاذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه { من يوم الجمعة } بضم الميم وهو الاصل والسكون تخفيف منه ومن بيان لاذا وتفسير لها اى لا بمعنى انها لبيان الجنس على ماهو المتبادر فان وقت الندآء جزء من يوم الجمعة لايحمل عليه فكيف يكون بيانا له بل المقصود انها لبيان ان ذلك الوقت فى اى يوم من الايام اذ فيه ابهام فتجامع كونها بمعنى فى كما ذهب اليه بعضهم وكونها للتبعيض كما ذهب اليه البعض الآخر وائما سمى جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة فهو على هذا الاسم اسلامى وقيل اول من سماه جمعة كعب بن لؤى بالهمزة تصغير لأى سماه بها لاجتماع قريش فيه اليه وكانت العرب قبل ذلك تسميه العروبة بمعنى الظهور وعروبة وباللام يوم الجمعة كما فى القاموس وقان ابن الاثير فى النهاية الافصح انه لايدخلها الالف واللام وقيل ان الانصار قالوا قبل الهجرة لليهود يوم يجمعون فيه فى كل سبعة ايام وللنصارى مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلى فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا الى سعد بن زرارة رضى الله عنه بضم الزاى فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه وحين اجتمعوا ذبح لهم شاة فتعشوا وتغذوا منها لقلتهم وبقى فى اكثر القرى التى يقال فيها الجمعة عادة الاطعام بعد الصلاة الى يومنا هذا فأنزل الله آية الجمعة فهى اول جمعة فى الاسلام واما اول جمعة جمعها رسول الله عليه السلام فهى انه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول حين امتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ الاسلامى فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس واسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف فى بطن واد لهم قد اتخذ القوم فى ذلك الموضع مسجدا فخطب وصلى الجمعة وهى اول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها
" الحمد لله واستعينه واستهديه وأومن به ولا اكفره واعادى من يكفر به وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا اوصيكم بتقوى الله فان خير ما أوصى به المسلم المسلم ان يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله واحذر ماحذركم الله من نفسه فان تقوى من عمل به ومخافته من ربه عنوان صدق على مايبغيه من الآخرة ومن يصلح الذى بينه وبين الله من امره فى السر والعلانية لاينوى به الا وجه الله يكون له ذكرا عاجل امره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ماقدم وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه امدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد هو الذى صدق قوله وانجز وعده ولا خلف لذلك فانه يقول مايبدل القول لدى وما انا بظلام للعبيد فاتقوا الله فى عاجل امركم وآجله فى السر والعلانية فانه مايتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له اجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وان تقوى الله توقى مقته وتوقى عقوبته وتوقى سخطه وان تقوى الله تبيض الوجه وترضى الرب وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولاتفرطوا فى جنب الله فقد علمكم فى كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما احسن الله اليكم وعادوا اعدآءه وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة ولاحول ولاقوة الا بالله فاكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت فان من يصلح مابينه وبين الله يكفر الله مابينه وبين الناس ذلك بان الله يقضى على الناس ويقضون عليه ويملك من الناس ولايملكون منه الله اكبر ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم "
انتهت الخطبة النبوية ثم ان هذه الآية رد لليهود فى طعنهم للعرب وقولهم لنا السبت ولا سبت لكم { فاسعوا الى ذكر الله } قال الراغب السعى المشى السريع وهو دون العدو اى امشوا واقصدوا الى الخطبة والصلاة لاشتمال كل منهما على ذكر الله وما كان من ذكر رسول الله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين واتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو فى حكم ذكر الله واما ماعدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم احقاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل كما فى الكشاف وبالفارسية رغبت كنيد بدان وسعى نماييد دران.
وعن الحسن رحمه الله اما والله ماهو بالسعى على الاقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيات والخشوع والابتكار ولقد ذكر الزمخشرى فى الابتكار قولا وافيا حيث قال وكانت الطرقات فى ايام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة اى مملوءة بالمبكرين الى الجمعة يمشون بالسرج وفى الحديث
" اذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على ابواب المسجد بأيديهم صحف من فضة واقلام من ذهب يكتبون الاول فالاول على مراتبهم فاذا خرج الامام طويت الصحف واجتمعوا للخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنه ثم الذى يليه كالمهدى بقرة ثم الذى يليه كالمهدى شاة حتى ذكر الدجاجة والبيضة "
وفى عبارة السعى اشارة الى النهى عن التثاقل وحث على الذهاب بصفاء قلب وهمة لابكسل نفس وغمة وفى الحديث
" اذا اذن المؤذن اى فى الاوقات الخمسة ادبر الشيطان وله حصاص "
وهو بالضم شدة العدو وسرعته وقال حماد بن سلمة قلت لعاصم بن أبى النجود ما الحصاص قال اما رأيت الحمار اذا اصر باذنيه اى ضمهما الى رأسه ومصع بذنبه اى حركه وضرب به وعدا اى اسرع فى المشى فذلك حصاصه وفيه اشارة الى ان ترك السعى من فعل الشيطان وهذا بالنسبة الى غير المريض والاعمى والعبد والمرأة والمقعد والمسافر فانهم ليسوا بمكلفين فهم غير منادين اى لاسعى من المرضى والزمنى والعميان وقد قال تعالى { فاسعوا } واما النسوان فهن امرن بالقرار فى البيوت بالنص والعبد والمسافر مشغولان بخدمة المولى والنقل قال النصر آبادى العوام فى قضاء الحوآئج فى الجمعات والخواص فى السعى الى ذكره لعلمهم بأن المقادير قد جرت فلا زيادة ولا نقصان وقال بعضهم الذكر عند المذكور حجاب والسعى الى ذكر الله مقام المريدين يطلبون من المذكور محل قربة اليه والدنو منه واما المحقق فى المعرفة وقد غلب عليه ذكر الله اياه بنعت تجلى نفسه لقلبه { وذروا البيع } يقال فلان يذر الشىء اى يقذفه لقلة اعتداده به ولم يستعمل ماضيه وهو وذر اى اتركوا المعاملة فالبيع مجاز عن المعاملة مطلقا كالشرآء والاجارة والمضاربة وغيرها ويجوز ابقاء البيع على حقيقته ويلحق به غيره بالدلالة وقال بعضهم النهى عن البيع يتضمن النهى عن الشرآء لانهما متضايفان لايعقلان الا معا فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر واراد الامر بترك مايذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وانما خص البيع والشرآء من بينها لان يوم الجمعة يوم تجمع فيه الناس من كل ناحية فاذا دنا وقت الظهيرة يتكاثر البيع والشرآء فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول عن ذكر الله والمضى الى المسجد قيل لهم بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا الى ذكر الله الذى لاشىء انفع منه واربح وذروا البيع الذى نفعه يسير وربحه قليل { ذلكم } اى السعى الى ذكر الله وترك البيع { خير لكم } من مباشرته فان نفع الآخرة اجل وابقى { ان كنتم تعلمون } الخبر والشر الحقيقين روى انه عليه السلام خطب فقال
" ان الله افترض عليكم الجمعة فى يومى هذا وفى مقامى هذا فمن تركها فى حياتى وبعد مماتى وله امام عادل او جائر من غير عذر فلا بارك الله له ولاجمع الله شمله ألا فلا حج له ألا فلا صوم له ومن تاب تاب الله عليه "
الجمعة 62:10
{ فاذا قضيت الصلاة } التى نوديتم لها اى اديت وفرغ منها { فانتشروا فى الارض } لاقامة مصالحكم والتصرف فى حوآئجكم اى تفرقوا فيها بأن يذهب كل منكم الى موضع فيه حاجة من الحوآئج المشروعة التى لابد من تحصيلها للمعيشة فان قلت مامعنى هذا الامر فانه لو لبث فى المسجد الى الليل يجوز بل هو مستحب فالجواب ان هذا امر الرخصة لا امر العزيمة اى لاجناح عليكم فى الانتشار بعدما اديتم حق الصلاة { وابتغوا من فضل الله } اى الربح يعنى اطلبوا لأنفسكم واهليكم من الرزق الحلال بأى وجه يتيسر لكم من التجارة وغيرها من المكاسب المشروعة دل هذا المعنى سبب قوله
واذا رأوا تجارة
الخ كما سيأتى فالامر للاطلاق بعد الحظر اى للاباحة لا للايجاب كقوله
واذا حللتم فاصطادوا
وذكر الامام السرخسى ان الامر للايجاب لما روى انه عليه السلام قال
" طلب الكسب بعد الصلاة هو الفريضة بعد الفريضة "
وتلا قوله تعالى { فاذا قضيت الصلاة } وقل انه للندب فعن سعيد بن جبير اذا انصرفت من الجمعة فساوم بشىء وان لم تشتره وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم يؤمروا بطلب شىء من الدنيا انما هو عبادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة اخ فى الله وعن الحسن وسعيد بن المسيب طلب العلم قال الكاشفى وكفته اند انتشارهم در زمين مسجداست جهت رفتن بمجلس علما ومذكران، وقيل صلاة التطوع والظاهر ا ن مثل هذا ارشاد للناس الى ماهو الاولى ولاشك فى اولوية المكاسب الاخروية مع ان طلب الكفاف من الحلال عبادة وربما يكون فرضا ان الاضطرار { واذكروا الله } بالجنان واللسان جمعيا { كثيرا } اى ذكرا كثيرا او زمانا كثيرا ولاتخصوا ذكره تعالى بالصلاة. يقول الفقير انما امر تعالى بالذكر الكثير لان اللسان هو العالم الاصغر المقابل للعالم الاكبر وكل مافى العالم الاكبر فانه يذكر الله تعالى بذكر مخصوص له فوجب على اهل العالم الاصغر أن يذكروا الله تعالى بعدد أذكار اهل العالم الاكبر حتى تتقابل المرءآتان وينطبق الاجمال والتفصيل فان قلت فهل فى وسع الانسان أن يذكر الله تعالى بهذه المرتبة من الكثرة قلت نعم اذا كان من مرتبة السر بالشهود التام والحضور الكامل كما قال ابو يزيد البسطامى قدس سره الذكر الكثير ليس بالعدد لكنه بالحضور انتهى وقد يقيم الله القليل مقام الكثير كما رى ان عثمان رضى الله عنه صعد المنبر فقال الحمد لله فارتج عليه فقال ان أبا بكر وعمر رضى الله عنها كانا يعدان لهذا المقام مقالا وانكم الى امام فعال احوج منكم الى امام قوال وستأتيكم الخطب ثم نزل ومنه قال امامنا الاعظم ابو حنيفة رحمه الله ان اقتصر الخطيب على مقدار مايسمى ذكر الله كقوله الحمد لله سبحان الله جاز وذلك لان الله تعالى سمى الخطبة ذكرا له على انا نقول قوله عثمان ان ابا بكر وعمر الخ كلام ان كلام من باب الخطبة لاشتماله على معنى جليل فهو يجامع قول صاحبيه والشافعى لابد من كلام يسمى خطبة وهذا مما لا يتنبه له احد والحمد لله على الهامه وقال سعيد بن جبير رضى الله عنه الذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكر ومن لم يطعه فليس بذاكر وان كان كثير التسبيح والذكر بهذا المعنى يتحقق فى جميع الاحوال قال تعالى
رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله
والذكر الذى امر بالسعى اليه اولا هو ذكر خاص لايجامع التجارة اصلا اذا المراد منه الخطبة والصلاة امر به اولا ثم قال اذا فرغتم منه فلا تتركوا طاعته فى جميع ما تأتونه وتذرونه { لعلكم تفلحون } كى تفوزوا بخير الدارين، الحاصل ذكروى موجب جميعت ظاهر وباطن وسبب نجات دنيا وآخرتست
از ذكر خدا مباش يكدم غافل كز ذكر بود خير دو عالم حاصل ذكراست كه اهل شوق رادرهمه حال آسايش جان باشد وآرامش دل
وفى التأويلات النجمية اذا حصلت لكم يااهل كمال الايمان الذوقى العيانى صلاة الوصلة والجمعية والبقاء والفناء فسيروا فى ارض البشرية بالاستمتاع بالشهوات المباحة والاسترواح بالروآئح الفائحة والمراتعة فى المراتع الارضية وابتغوا من فضل الله من التجارات المعنوية الرابحة واذكروا نعم الله عليكم الظاهرة من الفناء من ناسوتيتكم الظلمانية والباطنة من البقاء بلاهوتيته النوارنية لعلكم تفوزون بهذه النعم الظاهرة والباطنة بارشاد الطالبين الصادقين المتوجهين الى الله بالروح الصافى والقلب الوافى قال فى الاشباه والنظائر اختص يوم الجمعة باحكام لزوم صلاة الجمعة واشتراط الجماعة لها وكونها ثلاثة سوى الامام والخطبة لها وكونها قبلها شرط وقرآءة السورة المخصوصة لها وتحريم السفر قبلها بشرطه واستنان الغسل لها والطيب ولبس الاحسن وتقليم الاظفار وحلق الشعر ولكن بعدها افضل والبخور فى المسجد والتبكير لها والاشتغال بالعبادة الى خروج الخطيب ولايسن الابراد بها ويكره افراده بالصوم وافراد ليلته بالقيام وقرآءة الكهف فيه ونفى كراهة النافلة وقت الاستوآء على قول أبى يوسف المصحح المعتمد وهو خير ايام الاسبوع ويوم عيد وفيه ساعة اجابة وتجتمع فيه الارواح وتزار فيه القبور ويأم الميت فيه من عذاب القبر ومن مات فيه اوفى ليلته امن من فتنة القبر وعذابه ولا تسجر فيه جهنم وفيه خلق آدم وفيه اخرج من الجنة وفيه تقوم الساعة وفيه يزور اهل الجنة ربهم سبحانه وتعالى انتهى واذا وقعت الوقفة بعرفة يوم الجمعة ضوعف الحج سبعين لان حج الوداع كان كذلك ذكره فى عقد الدرر واللآلى
الجمعة 62:11
{ واذا رأوا } اى علموا { تجارة } هى تجارة دحية بن خليفة الكلبى { او } سمعوا { لهوا } هو مايشغل الانسان عما يعنيه ويهمه يقال ألهى عن كذا اذا اشغله عما هو أهم والمراد هنا صوت الطبل ويقال له اللهو الغليظ وكان دحية اذا قدم ضرب الطبل ليعلم به قال الكاشفى وكاروان جون رسيدى طبل شادى زدندى، كما يرمى اصحاب السفينة فى زماننا البنادق وما يقال له بالتركى، طوب، او كانوا اذا اقبلت العير استقبلوها اى اهلها بالطبول والدفوف والتصفيق وهو المراد باللهو { انفظوا اليها } الفض كسر الشىء وتفريق بين بعضه وبعض كفض ختم الكتاب ومنه استعير انفض القوم اى تفرقوا وانتشروا كما فى تاج المصادر الانفضاض شكسته شدن وبرا كنده شدن، وحد الضمير لان العطف بأولا يثنى معه الضمير وكان المناسب ارجاعه الى احد الشيئين من غير تعيين الى ان تخصيص التجارة برد الكناية اليها لانها المقصودة وللدلالة على ان الانفضاض اليها مع الحاجة اليها والانتفاع بها اذا كان مذموما فما ظنك بالانفضاض الى اللهو وهو مذموم فى نفسه ويجوز أن يكون الترديد للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته فاذا كان الطبل من اللهو وان كان غليظا فما ظنك بالمزمار ونحو وقد يقال الضمير للرؤية المدلول عليها بقوله رأوا وقرىء اليهما على ان او للتقسيم روى ان دحية بن خليفة الكلبى قدم المدينة بتجارة من الشام كان ذلك قبل اسلامه وكان بالمدينة مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع مايحتاج اليه من بر ودقيق وزيت وغيرها والنبى عليه السلام يخطب يوم الجمعة فلما علم اهل المسجد ذلك قاموا اليه خشية أن يسبقوا اليه يعنى تابيشى كيرند از يكديكر بخريدن طعام، فما بقى معه عليه السلام الا ثمانية او احد عشر او اثنا عشر او اربعون فيهم ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وعبدالرحمن بن عوف وابو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وبلال وعبد الله بن مسعود وفى رواية عمار بن ياسر بدل عبد الله وذكر مسلم ان جابرا كان فيه وكان منهم ايضا امرأة فقال عليه السلام
" والذى نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لاضرم الله عليهم الوادى نارا "
وفى المعانى لولا الباقون لنزل عليهم الحجارة { وتركوك } حال كونك { قائما } اى على المنبر روى عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه قال كان النبى عليه السلام يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس ومن ثمة كانت السنة فى الخطبة وفيه اشعار بأن الاحسن فى الوعظ على المنبر يوم الجمعة القيام وان جاز القعود لانه والخطبة من واد واحد لاشتماله على الحمد والثناء والتصلية والنصيحة والدعاء قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ان الخطبة عبارة عن ذكر الله والموعظة للناس وكان عليه السلام مستمرا فى ذكر الله تعالى ثم لما أراد التنزل لارشاد الناس بالموعظة جلس جلسة خفيفة غايته ان ماذكره الفقهاء من معنى الاستراحة لازم لما ذكرنا وكان عليه السلام يكتفى فى الاوائل بخطبة واحدة من غير أن يجلس اما لانه لعظم قدره كان يجمع بين الوصال والفرقة او لان افعاله كانت على وفق الوحى ومقتضى امر الله فيجوز أن لايكون مأمورا بالجلسة فى الأوآئل ثم صار على قياس النسخ وايضا وجه عدم جلوسه عليه السلام فى الخطبة فى بعض الاوقات هو انه عليه السلام كان يرشد اهل الملكوت كما يرشد اهل الملك فمتى كان ارشاده فى الملكوت لا يتنزل ولايجلس ومتى كان فى الملك بأن لم يكن فى مجلس الخطبة من هو من اهل الملكوت يتنزل ويجلس مجلس الملك فان معاشر الانبياء يكلمون الخلق على قدر عقولهم ومراتبهم وكان عليه السلام متى أراد الانتقال من ارشاد اهل الملك الى ارشاد اهل الملكوت يقول
" أرحنى يابلال "
ومتى أراد التنزل من ارشاد اهل الملكوت الى ارشاد اهل الملك يقول لعائشة رضى الله عنها
" كلمينى ياحميرآء "
اعلم انه كان من فضل الاصحاب رضى الله عنهم وشأنهم أن لايفعلوا مثل ماذكر من التفرق من مجلس النبى عليه السلام وتركه قائما فذكر بعضهم وهو مقاتل بن حيان ان الخطبة يوم الجمعة كانت بعد الصلاة مثل العيدين فظنوا انهم قد قضوا ما كان عليهم وليس فى ترك الخطبة شىء فحولت الخطبة بعد ذلك فكانت قبل الصلاة كان لايخرج واحد لرعاف او احداث بعد النهى حتى يستأذن النبى عليه السلام يشير اليه بأصبعه التى تلى الابهام فيأذن له النبى عليه السلام يشير اليه بيده قال الامام السهيلى رحمه الله وهذا الحديث الذى من اجله ترخصوا لانفسهم فى ترك سماع الخطبة وان لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب رسول الله عليه السلام موجب لانه كان صحيحا. يقول الفقير هب انهم ظنوا انهم قد قضوا ما كان عليهم من فرض الصلاة فكيف يليق بهم أن يتركوا مجلس النبى عليه السلام ومن شانهم أن يستمعوا ولم يتحركوا كأن على رؤسهم الطير ولعل ذلك من قبيل سائر الهفوات التى تضمنت المصالح والحكم الجليلة ولو لم يكن الا كونه سببا لنزول هذه الآية التى هى خير من الدنيا وما فيها لكفى وفيها من الارشاد الالهى لعباده مالا يخفى { قل ماعند الله } من الثواب يعنى ثواب نماز واستماع خطبه ولزوم مجلس حضرت بيغمبر عليه السلام وما موصولة خاطبهم الله بواسطة النبى عليه السلام لان الخطاب مشوب بالعتاب { خير } بهتراست وسودمندتر { من اللهو } از استماع لهو { ومن التجارة } واز نفع تجارت فان نفع ذلك محقق مخلد بخلاف مافيهما من النفع المتوهم فنفع اللهو ليس بمحقق ونفع التجارة ليس بمخلد وما ليس بمخلد فمن قبيل الظن الزآئل ومنه يعلم وجه تقديم اللهو فان للاعدام تقدسا على الملكات قال البقلى وفيه تأديب المريدين حيث اشتغلوا عن صحبة المشايخ بخلواتهم وعباداتهم لطلب الكرامات ولم يعلموا ان مايجدون فى خلواتهم بالاضافة الى مايجدون فى صحبة مشايخهم لهو قال سهل رحمه الله من شغله عن ربه شىء من الدنيا والآخرة فقد اخبر عن خسة طبعه ورذالة همته لان الله فتح له الطريق اليه واذن له فى مناجاته فاشتغل بما يفنى عما لم يزل ولا يزال وقال بعضهم ما عند الله للعباد والزهاد غدا خير مما نالوه من الدنيا نقدا وما عند الله للعارفين نقدا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة خير مما فى الدنيا والعقبى { والله خير الرازقين } لانه موجد الارزاق فاليه اسعوا ومنه اطلبوا الرزق قال الكشافى وخداى تعالى بهترين روزى دهند كانست يعنى آنانكه وسائط ايصال رزقند وقت باشدكه بخيلى كنند وشايد نيز مصلحت وقت نداننت نقلست كه بكى ازخلفاى بعداد بهلول را كفت بياتا روزى هرروز تو مقرر كنم تاوقت متعلق بدان نباشد بهلول جواب دادكه جنين ميكردم اكر جند عيب نبودى اول آنكه توندانند كه مراجه بايد دوم نشناسى كه مراكى بايد سوم معلوم ندارى كه مرا جند بايد وحق تعالى كافل رزق منست اين همه ميداند وازروى حكمت بمن ميرساند وديكر شايد كه برمن غضب كنى وآن وظيفه ازمن باز كيرى وحق سبحانه وتعالى بكناه ازمن روزى باز نميدارد
خدايى كه اوساخت ازنيست هست بعصيان در رزق بكرس نيست از وخواه روزى كه بخشنده اوست بر آرنده كارهر بنده اوست
وقيل لبعضهم من اين تأكل فقال من خزانة ملك لايدخلها اللصوص ولا يأكلها السوس وقال حاتم الاصم قدس سره لامرأته انى أريد السفر فكم اضع لك من النفقة قالت بقدر ماتعلم انى اعيش بعد سفرك فقال وماندرى كم نعيش قالت فكله الى من يعلم ذلك فلما سافر حاتم دخل النساء عليها يتوجعن لها من كونه سافر وتركها بلا نفقة فقالت انه كان اكالا ولم يكن رزاقا قال بعضهم قوله تعالى { خير من اللهو } وقوله { خير الرازقين } من قبيل الفرض والتقدير اذ لاخيريه فى اللهو ولا رازق غير الله فكان المعنى ان وجد فى اللهو خير فماعند الله اشد خيرية منه وان وجد رازقون غير الله فالله خيرهم واقواهم قوة اولاهم عطية والرزق هو المنتفع به مباحا كان او محظورا. وفى التأويلات النجمية { والله خير الرازقين } لاحاطته على رزق النفس وهو الطاعة والعبادة بمقتضى العلم الشرعى ورزق القلب وهو المراقبة المواظبة على الاعمال القلبية من الزهد والورع والتوكل والتسليم والرضى والبسط والقبض والانس والهيبة ورزق الروح بالتجليات والتنزلات والمشاهدات والمعاينات ورزق السر برفع رؤية الغير والغيرية ورزق الخفاء بالفناء فى الله والبقاء به وهو خير رزق فهو خير الرازقين وفى المثنوى
هرجه ازيارت جدا اندازد آن مشنو آنرا كه زيان دارد زيان كربود آن سود صد در صد مكير بهر زرمكسل زكنجور اى فقير آن شنوكه جند يزدان زجر كرد كفت اصحاب نبى را كرم وسرد زانكه دربانك دهل درسال تنك جمعه را كردند باطل بى درنك تانبايد ديكران ارزان خرند زان سبب صرفه زما ايشان برند ماند بيغمبر بخلوت درنماز بادوسه درويش ثابت برنياز كفت طبل ولهو وبازركانى جو نتان ببريد از ربانى قد فضضتم نحو قمح هائما ثم خليتم نبيا قائما بهر كندم تخم باطل كاشتند وآن رسول حق را بكذا شتند صحبت او خير من لهواست ومال بين كرا بكذاشتى جشمى بمال خودنشد حرص شمارا اين يقين كه منم رزاق وخير الرزاقين آنكه كندم راز خودروزى دهد كى توكلهات را ضايع كند ازبى كندم جدا كشتى ازان كه فرستادست كندم زآسمان
وفى الاحياء يستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة اللهم ياغنى ياحميد يامبدى يا معيد يارحيم ياودود أغننى بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك فيقال من داوم على هذا الدعاء اغناه الله تعالى عن خلقه ورزقه من حيث لايحتسب وفى الحديث
" من قال يوم الجمعة اللهم اغننى بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله "
رواه انس بن مالك رضى الله عنه تمت سورة الجمعة فى ثانى صفر الخير يوم الخميس من سنة ست عشرة ومائة وألف
المنافقون 63:1
{ اذا } جون { جاءك المنافقون } اىحضروا مجلسك وبالفارسية بتوآيند دو رويان، والنفاق اظهار الايمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب فالمنافق هو الذى يضمر الكفر اعتقادا ويظهر الايمان قولا وفى المفردات النفاق الدخول فى الشرع من باب والخروج منه من باب من النافقاء احدى جحرة اليربوع والثعلب والضب يكتمها ويظهر غيرها فاذا أتى من قبل القاصعاء وهو الذى يدخل منه ضرب النافقاء برأسه فانتفق والنفق هو السرب فى الارض النافذ { قالوا } مؤكدين كلامهم بان واللام للايذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلوبهم وخلوص اعتقادهم ووفور رغبتهم ونشاطهم والظاهر انه الجواب لاذا لان الآية نظير قوله تعالى
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا
وقيل جوابه مقدر مثل أرادوا أن يخدعوك وقيل استئناف لبيان طريق خدعتهم وقيل جوابه قوله
فاحذرهم
{ نشهد } الآن او على الاستمرار { انك لرسول الله } والشهادة قول صادر عن علم حصل بشهادة بصر او بصيرة { والله يعلم انك لرسوله } اعتراض مقرر لمنطوق كلامهم لكونه مطابقا للواقع ولا زالة ايهام ان قولهم هذا كذب لقوله { والله يشهد } الخ وفيه تعظيم للنبى عليه السلام وقال ابو الليث والله يعلم انك لرسوله من غير قولهم وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله. اعلم ان كل ماجاء فى القرءآن بعد العلم من لفظة ان فهى بفتح الهمزة لكونها فى حكم المفرد الا فى موضعين احدهما { والله يعلم انك لرسوله } فى هذه السورة والثانى
قد نعلم انه ليحزنك الذى يقولون
فى سورة الانعام وانما كان كذلك فى هذين الموضعين لانه يأتى بعدهما لام الخبر فانكسرا اى لان اللام لتأكيد معنى الجملة ولا جملة الا فى صورة المكسورة وقال بعضهم اذا دخلت لام الابتدآء على خبرها تكون مكسورة لاقتضاء لام الابتدآء الصدارة كما يقال لزيد قائم وتؤخر اللام لئلا يجتمع حرفا التأكيد واختير تأخيرها الترجيح ان فى التقديم لعالميته فكسرت لاجل اللام { والله يشهد } شهادة حقة { ان المنافقين لكاذبون } اى انهم والاظهار فى موضع الاضمار لذمهم والاشعار بعلية الحكم اى لكاذبون فيما ضمنوا مقالتهم من انها صادرة عن اعتقاد وطمأنينة قلب فان الشهادة وضعت للاخبار الذى طابق فيه اللسان اعتقاد القلب اطلاقها على الزور مجاز كاطلاق البيع على الفاسد نظيره قولك لمن يقول أنا أقرأ الحمد لله رب العالمين كذبت فالتكذيب بالنسبة الى قرآئته لا بالبنسبة الى المقروء الذى هو الحمد لله رب العالمين ومن هنا يقال ان من استهزأ بالمؤذن لايكفر بخلاف من استهزأ بالاذان فانه يكفر قال بعضهم حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه فهى الاخبار بما علمه بلفظ خاص ولذلك صدق المشهود به وكذبهم فى الشهادة بقوله { والله يعلم } الخ دلت الآية على ان العبرة بالقلب والاخلاص وبخلوصه يحصل الخلاص وكان عليه السلام يقبل من المنافقين ظاهر الاسلام واما حكم الزنديق فى الشرع وهو الذى يظهر الاسلام ويسر الكفر فانه يستتاب وتقبل توبته عند ايى ولا تقبل عن ابى حنيفة والشافعى رحمهما الله قال سهل رحمه الله اقروا بلسانهم ولم يعترفوا بقلوبهم فلذلك سماهم الله منافقين ومن اعترف بقبله واقر بلسانه ولم يعمل باركانه مافرض الله من غير عذر ولا جهل كان كأبليس وسئل حذيفة من المنافق قال الذى يصف الاسلام ولا يعمل به وهم اليوم شر منهم لانهم كانوا يومئذ يكتمونه وهم اليوم يظهرونه وفى الآية اشارة الى ان المنافقين الذامين للدنيا وشهواتها باللسان المقبلين عليها بالقلب وان كانوا يشهدون بصحة الرسالة لظهور انوارها عليهم من المعجزات والكرامات لكنهم كاذبون فى شهاداتهم لاعراضهم عنه عليه السلام ومتابعته واقبالهم على الدنيا وشهواتها فحقيقة الشهادة انما تحصل بالمتابعة وقس عليه شهادة اهل الدنيا عند ورثة الرسول قال الحسن البصرى رحمه لله يا ابن آدم لايغرنك قول من يقول المرء مع من احب فانك لاتلحق الابرار الا بأعمالهم فان اليهود والنصارى يحبون انبياءهم وليسوا معهم وهذه اشارة الى ان مجرد ذلك من غير موافقة فى بعض الاعمال او كلها لاينفع كما فى احياء العلوم ولذا قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر المرء مع من احب فى الدنيا بالطاعة والأدب الشرعى وفى الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدى انتهى.
فاذا كانت المحبة المجردة بهذه المثابة فما ظنك بالنفاق الذى هو هدم الاس والاصل وبناء الفرع فلا اعتداد بدعوى المنافق ولا بعمله وفى التأويلات القاشانية المنافقون هم المذبذبون الذين يجذبهم الاستعداد الاصلى الى نور الايمان والاستعداد العارضى الذى حدث برسوخ الهيئات الطبيعية والعادات الرديئة الى الكفر وانما هم كاذبون فى شهادة الرسالة لان حقيقة معنى الرسالة لايعلمها الى الله والراسخون فى العلم الذين يعرفون الله ويعرفون بمعرفته رسول الله فان معرفة الرسول لاتمكن الا بعد معرفة الله وبقدر العلم بالله يعرف الرسول فلا يعلمه حقيقة الا من انسلخ عن علمه وصار عالما بعلم الله وهم محجوبون عن الله بحجب ذواتهم وصفاتهم وقد اطفأوا نور استعدادتهم بالغواشى البدنية والهيئات الظلمانية فانى يعرفون رسول الله حتى يشهدوا برسالته انتهى قال الشيخ ابو العباس معرفة الولى اصعب من معرفة الله فان الله معروف بكماله وجماله وحتى متى يعرف مخلوقا مثله يأكل كما يأكل ويشرب كما يشرب
المنافقون 63:2
{ اتخذوا } اى المنافقون { ايمانهم } الفاجرة التى من جملتها ماحكى عنهم لان الشهادة تجرى مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد وبه استشهد ابو حنيفة رحمه الله على أن اشهد يمين واليمين فى الحلف مستعار من اليمين التى بمعنى اليد اعتبارا بما يفعله المحالف والمعاهد عنده واليمين بالله المصادقة جائزة وقت الحاجة صدرت من النبى عليه السلام كقوله والله والذى نفسى بيده ولكن اذا لم يكن ضرورة قوية يصان اسم الله العزيز عن الابتذال { جنة } اى وقاية وترسا عما يتوجه اليهم من المؤاخذة بالقتل والسبى او غير ذلك واتخاذها جنة عبارة عن اعدادهم وتهيئتهم لها الى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة لاعن استعمالها بالفعل فان ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لابد أن يكون قبل المؤآخذة وعن سببها ايضا كما يفصح عنه الفاء فى قوله { فصدوا عن سبيل الله } يقال صده عن الامر صدا اى منعه وصرفه وصد عنه صدودا اى اعرض والمعنى فمنعوا وصرفوا من أراد الدخول فى الاسلام بأنه عليه السلام ليس برسول ومن أراد الانفاق فى سبيل الله بالنهى عنه ما سيحكى عنهم ولاريب فى أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل واصل الجن ستر الشىء عن الحاسة يقال جنه الليل واجنه والجنان القلب لكونه مستورا عن الحاسة والمجن والجنة الترس الذى يجن صاحبه والجنة كل بستان ذى شجر يستر بأشجاره الارض { انهم ساء ما كانوا يعملون } اى ساء الشىء الذى كانوا يعملونه من النفاق والصد والاعراض عن سبيله تعالى فى ساء معنى التعجب وتعظيم امرهم عند السامعين
المنافقون 63:3
{ ذلك } القول الشاهد بأنهم اسوأ لناس اعمالا وبالفارسية اين حكم حق ببدى أعمال ايشان { بأنهم } اى بسبب انهم { آمنوا } اى نطقوا بكلمة الشهادة كسائر من يدخل الاسلام { ثم كفروا } اى ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله من قولهم ان كان مايقوله محمد حقا فنحن حمير وقولهم فى غزوة تبوك أيطمع هذا الرجل أن يفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات فثم للتراخى او كفروا سرا فثم للاستبعاد ويجوز أن يراد بهذه الآية اهل الردة منهم كما فى الكشاف { فطبع الله على قلوبهم } ختم عليها يعنى مهر نهاده شد، حتى تمرنوا على الكفر واطمأنوا به وصارت بحيث لايدخلها الايمان جزآء على نفاقهم ومعاقبة على سوء افعالهم فليس لهم ان يقولوا ان الله ختم على قلوبنا فكيف نؤمن والطبع أن يصور الشىء بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم وهو أعم من الختم واخص من النقش كما فى المفردات { فهم لايفقهون } حقيقة الايمان ولا يعرفون حقيقته اصلا كما يعرفه المؤمنون والفقه لغة الفهم واصطلاحا علم الشريعة لانه الاصل فيما يكتسب بالفهم والدراية وان كان سائر العلوم ايضا لاينال الا بالفهم دل الكلام على ان ذكر بعض مساوى العاصى عند احتمال الفائدة لايعد من الغيبة المنهى عنها بل قد يكون مصلحة مهمة على ماروى عنه عليه السلام اذكروا الفاجر بما فيه كى يحذره الناس وفى المقاصد الحسنة ثلاثة ليست لهم غيبة الامام الجائر والفاسق المعلن بفسقه والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته وقال القاشانى ذلك بسبب انهم آمنوا بالله بحسب بقية نور الفطرة والاستعداد ثم كفروا اى ستروا ذلك النور بحجب الرذآئل وصفات نفوسهم فطبع على قلوبهم برسوخ تلك الهيئات وحصول الرين من المسكوبات فحجبوا عن ربهم بالكلية فهم لايفهمون منعى الرسالة ولا علم التوحيد والدين
المنافقون 63:4
{ واذا رأيتهم } وجون به بينى منافقا نراجون ابن ابى وامثال او، الرؤية بصرية { تعجبك اجسامهم } بشكفت آرد ترا اجسام ايشان، لضخامتها ويروقك منظرهم لصباحة وجوههم واصله من العجب والشىء العجيب هو الذى يعظم فى النفس امره لغرابته والتعجب حيرة تعرض للنفس بواسطة ما يتعجب منه { وان يقولوا } وجون سخن كويند { تسمع لقولهم } لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم واللام صلة وقيل تصغى الى قولهم وكان ابن ابى جسيما صبيحا فصيحا يحضر مجلس رسول الله عليه السلام فى نفر من امثاله وهم رؤساء المدينة وكان عليه السلام ومن معه يعجبون بهياكلهم ويسمعون الى كلامهم وان الصباحة حسن المنظر لايكون الا من صفاء الفطرة فى الاصل ولذا قال عليه السلام
" اطلبوا الخير عند حسان الوجوه "
اى غالبا وكم من رجل قبيح الوجه قضاء للحوائج قال بعضهم
يدل على معروفه حسن وجهه ومازال حسن الوجه احد الشواهد
وفى الحديث
" اذا بعثتم الى رجلا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم "
ثم لما رأى عليه السلام غلبة الرين على قلوب المنافقين وانطفاء نور استعدادهم وابطال الهيئات الدنية العارضية خواصهم الاصلية ايس منهم وتركهم على حالهم وروى عن بعض الحكماء انه رأى غلاما حسنا وجهه فاستنطقه لظنه ذكاء فطنته فما وجد عنده معنى فقال ما احسن هذا البيت لو كان فيه ساكن وقال آخر طشت ذهب فيه خل { كأنهم خشب مسندة } فى حيز الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف اى هم كأنهم او كلام مستأنف لامحل له والخشب بضمتين جميع خشبة كأ كم واكمة او جمع خشب محركة كأسد واسد وهو ماغلظ من العيدان والاسناد الامالة ومسندة للتكثير فان التسنيد تكثير الاسناد بكثرة المحال اى كأنها أسندت الى مواضع والمعنى بالفارسية كويا ايشان جو بهاى خشك شده ا ند بديوار بازنهاده، شبهوا فى جلوسهم فى مجالس رسول الله مستندين فيها بخشاب منصوبة مسندة الى الحائط فى كونهم اشباحا خالية عن العلم والخير والانتفاع ولذا اعتبر فى الخشب التنسيد لان الخشب اذا انتفع به كان فى سقف او جدار او غيرهما من مظان الانتفاع فكما ان مثل هذا الخشب لانفع فيه فكذا هم لانفع فيهم وكما ان الروح النامية قد زالت عنهم فهم فى زوال استعداد الحياة الحقيقية والروح الانسانى بمثابتها. يقول الفقير فيه اشارة الى ان الاستناد فى مجالس الاكابر او فى مجالس العلم من ترك الأدب ولذا منع الامام مالك رحمه الله هرون من الاستناد حين سمع منه الموطأ حكى ان ابراهيم بن ادهم قدس سره كان يصلى ليلة فأعيى فجلس ومد رجليه فهتف به هاتف اهكذا تجالس الملوك وكان الحريرى لايمد رجليه فى الخلوة ويقول حفظ الأدب مع الله احق وهذا من أدب من عرف معنى الاسم المهيمن فان من عرف معناه يكون مستحييا من اطلاعه تعالى عليه ورؤيته له وهو المراقبة عند اهل الحقيقة ومعناه علم القلب باطلاع الرب ودلت الآية وكذا قوله عليه السلام
" انه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لايزن عند الله جناح بعوضة "
على ان العبرة فى الكمال والنقصان بالاصغرين اللسان والقلب لا بالاكبرين الرآس والجلد فان الله تعالى لاينظر الى الصور والاموال بل الى القلوب والاعمال فرب صورة مصغرة عند الله بمثابة الذهب والمؤمن لايخلو من قلة او علة او ذلة ولاشك ان بالقلة يكثر الهم الذى يذيب اللحم والشحم وكذا بالعلة يذوب البدن ويطرأ عليه الذبول وفى الحديث
" مثل المؤمن مثل السنبلة يحركها الريح فتقوم مرة وتقع اخرى ومثل الكافر مثل الارزة لاتزال قائمة حتى تنقر "
قوله الارزة بفتح ألهمزة وبرآء مهملة ساكنة ثم زاى شجرة يشبه الصنوبر يكون بالشأم وبلاد الارمن وقيل هو شجر الصنوبر والانقعار، ازبن بركنده شدن يعنى مثل منافق مثل صنوبر براست كه بلند واستوار بر زمين تاكه افتادن وازبيخ بر آمدن، وفيه اشارة الى ان المؤمن كثير الابتلاء فى بدنه وماله غالبا فيكفر عن سيئاته والكافر ليس كذلك فيأتى بسيئاته كاملة يوم القيامة { يحسبون } يظنون { كل صيحة } كل صوت ارتفع فان الصيحة رفع الصوت وفى القاموس الصوت بأقصى الطاقة وهو مفعول اول ليحسبون والمفعول الثانى قوله { عليهم } اى واقعة علهيم ضارة، ومراد از صيحة هر فريادى كه برآيد وهرآوازى كه درمدينه بركشند. وقال بعضهم اذا نادى مناد فى العسكر لمصلحة او انفلتت دابة او انشدت ضالة او وقعت جلبة بين الناس ظنوه ايقاعا بهم لجبنهم واستقرار الرعب فى قلوبهم والخائن خائف وقال القاشانى لان الشجاعة انما تكون من اليقين من نور الفطرة وصفاء القلب وهم منغمسون فى ظلمات صفات النفوس محتجبون باللذات والشهوات كأهل الشكوك والارتياب فلذلك غلب عليهم الجبن والخور انتهى وفى هذا زيادة تحقر لهم وتخفيف لقدرهم كما قيل اذا رأى غير شىء ظنه رجلا وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم مايهتك استارهم ويبيح دماءهم واموالهم { هم العدو } اى هم الكاملون فى العداوة الراسخون فيها فان اعدى الاعادى العدو المكاسر الذى يكاسرك وتحت ضلوعه دآء لايبرح بل يلزم مكانه ولم يقل هم الاعدآء لان العدو لكونه بزنة المصادر يقع على الواحد وما فوقه { فاحذرهم } اى فاحذر أن تثق بقولهم وتميل الى كلامهم او فاحذر مما يلتهم لاعدآئك وتخذيلهم اصحابك فانه يفشون سرك للكفار { قاتلهم الله } دعاء عليهم وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم ويخزيهم ويميتهم على الهوان والخذلان كما قال ابن عباس رضى الله عنهما اى لعنهم قال سعدى المفتى ولا طلب هناك حقيقة بل عبارة الطلب للدلالة على ان اللعن عليهم مما لابد منه قال الطيبى يعنى انه من اسلوب التجريد كقرآءة ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله
ومن كفر فامتعه
ياقادر ويجوز أن يكون تعليما للمؤمنين بأن يدعوا عليهم بذلك ففيه دلالة على ان للدعاء على اهل الفساد محلا يحسن فيه فقاتل الله المبتدعين الضالين المضلين فانهم شر الخصماء واضر الاعدآء وايراده فى صورة الاخبار مع انه انشاء معنى للدلالة على وقوعه ومعنى الانشاء بالفارسية هلاك كناد خداى ايشانرا يالعنت كنادج برايشانن وقال بعضهم اهلكهم وهو دعاء يتضمن الاقتضاء والمنابذة وتمنى الشر لهم ويقال هى كلمة ذم وتوبيخ بين الناس وقد تقول العرب قاتله الله مااشعره فيضعونه موضع التعجب وقيل احلهم محل من قاتله عدو قاهر لكل معاند { انى يؤفكون } تعجيب من حالهم اى كيف يصرفون عن الحق والنور الى ماهم عليه من الكفر والضلال والظلمة بعد قيام البرهان من الافك بفتح الهمزة بمعنى الصرف عن الشىء لان الافك بالكسر بمعنى الكذب. قال فى التأويلات النجمية اذا رأيتهم من حيث صورهم المشكلة تعجبك اجسام اعمالهم المشوبة بالرياء والسمعة الخالية عن ارواح النيات الخالصة الصافية وان يقولوا قولا بالحروف والاصوات مجردا عن المعانى المصفاة تصغ الى قولهم المكذوب المردود كان صورهم المجردة عن المعنى المخيلة صورتها القوة الخالية بصورة الخشب المسندة الى جدار الوهم لا روح فيها ولامعنا يحسبون كل صيحة صاح بها صور القهر واقعة عليهم لضعف قلوبهم بمرض النفاق وعلة الشقاق هم الكاملون فى العداوة الذاتية والبغضاء الصفاتية فاحذرهم بالصورة والمعنى قاتلهم الله بالخزى والحرمان والسوء والخذلان أنى يعدلون عن طريق الدين الصدق
المنافقون 63:5
{ واذا قيل لهم } عند ظهور جنايتهم بطريق النصيحة، در معالم آورده كه بعد از نزول اين آيتها قوم ابن أبى ويرا كفتندابن آيتها درباره تونازل شده برو نزديك رسول خداى تابراى توآمر زش طلبد آن منافق كردن تاب داد وكفت مرا كفتند ايمان آور آوردم تكليف كرديد كه زكاة مال بده دادم همين مانده است كه محمد را سجده مى بايد كرد آيت آمدكه، واذا قيل لهم { تعالوا } اصله تعاليوا فأعل بالقلب والحذف الا ان واحد الماضى تعالى باثبات الالف المقلوبة عن الياء المقلوبة عن الواو الواقعة رابعة وواحد الامر تعالى بحذفها وقفا وفتح اللام واصل معنى التعالى الارتفاع فاذا امرت منه قلت تعالى وتعالوا فتعالوا جمع امر الحاضر فى صورة الماضى ومعناه ارتفعوا فيقوله من كان فى مكان عال لمن هو اسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمم يعنى ثم استعمل فى كل داع يطلب المجيىء فى المفرد وغيره لما فيه من حسن الأدب اى هلموا وائتوا وبالفارسية بياييد باعتذار، ومن الأدب أن لا يقال تعالى فلان او تعاليت يافلان او أنا او فلان متعال باى معنى أريد لانه مما اشتهر به الله فتعالى الله الملك الحق { يستغفر لكم رسول الله } بالجزم جواب الامر اى يدع الله لكم ويطلب منه أن يغفر بلطفه ذنوبكم ويستر عيوبكم وهومن اعمال الثانى لان تعالوا يطلب رسول الله مجرورا بالى اى تعالوا الى رسول الله ويستغفر يطلب فاعلا فاعمل الثانى ولذلك رفعه وحذف من الاول اذ التقدير تعالوا اليه { لووا رؤسهم } يقال لوى الرجل راسه اماله والتشديد للتكثير لكثرة المحال وهى الرؤوس قال فى تاج المصادر التلوية نيك بيجانيدن اى عطفوها استكبارا جنانجة كسى ازمكر وهى روى بتابد وقال القاشانى لضراوتهم بالامور الظلمانية فلا يألفون النور ولا يشتاقون اليه ولا الى الكمالات الانسانية لمسخ الصورة الذاتية { ورأيتهم يصدون } من الصدوود بمعنى الاعراض اى يعرضون عن القائل او عن الاستغفار وقال الكاشفى اعراض ميكنند ازرفتن بخدمت حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم وذلك لانجذابهم الى الجهة السفلية والزخارف الدنيوية فلا ميل فى طباعهم الى الجهة العلوية والمعانى الاخروية وفى المثنوى
صورت رفعت بود افلاك را معنىء رفعت روان باك را صورت رفعت براى جسمهاست جسما دربيش معنى اسمهاست
{ وهم مستكبرون } عن ذلك لغلبة الشيطنة واستيلاء القوة الوهمية واحتجابهم بالانانية وتصور الخيرية وفى الحديث
" اذا رأيت الرجل لجوجا معجبا برأيه فقد تمت خسارته "
المنافقون 63:6
{ سوآء عليهم أستغفرت لهم } كما اذا جاؤك معتذرين من جناياتهم وفى كشف الاسرار كان عليه السلام يستغفر لهم على معنى سؤاله لهم بتوفيق الايمان ومغفرة العصيان وقيل لما قال الله
ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم
قال عليه السلام
" لأزيدن على السبعين "
فأنزل الله { سواء } الخ وهو اسم بمعنى مستو خبر مقدم وعليهم متعلق به ومابعده من المعطوف عليه والمعطوف مبتدأ بتأويل المصدر لاخراج الاستفهام عن مقامه فالهمزة فى أستغفرت للاستفهام ولذا فتحت وقطعت والاصل ءاستغفرت فحذفت همزة الوصل التى هى الف الاستفعال للتخفيف ولعدم اللبس { ام لم تستغفر لهم } كما اذا أصروا على قبائحهم واستكبروا عن الاعتذار والاستغفار { لن يغفر الله لهم } ابدا لاصرارهم على الفسق ورسوخهم فى الكفر وخروجهم عن دين الفطرة القيم { ان الله لايهدى القوم الفاسقين } الكاملين فى الفسق الخارجين عن دآئرة الاستصلاح المنهمكين فى الكفر والنفاق او الخارجين عن دآئرة المحقين الداخلين فى دآئرة الباطلين المبطلين وفى الآية اشارة الى عدم استعدادهم لقبول الاستغفار لكثافة طباعهم المظلمة وغلظة جبلتهم الكدرة ولو كان لهم استعداد لقبوله لخرجوا عن محبة الدنيا ومتابعة النفس والهوى الى موافقة الشرع ومتابعة الرسول والهدى ولما بقوا فى ظلمة الشهوات الحيوانية والاخلاق البهيمية والسبعية قال الحافظ
عاشق كه شدكه يار بحالش نظر نكرد اى خواجه دردنيست وكرنه طبيب هست
ومنه يعلم ان الجذبة من جانب المرشد وان كان لها تأثير عظيم لكن اذا كان جانب المريد خاليا عن الارادة لم ينفعه ذلك ألا ترى ان استغفار النبى عليه السلام ليس فوقه شىء مع انه لم يؤثر فى الهداية واصل هذا عدم اصابة رشاش النور فى عالم الارواح ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور حكى ان شيخا مر مع مريد له خدمه عشرين سنة على قرية فيها شيخ كان يضرب الطبل فأشار اليه الشيخ فطرح الطبل وتبعه حتى اذا كانوا على ساحل البحر ألقى الشيخ سجادته على البحر وقعد عليها مع الطبال وبقى المريد العتيق فى الساحل يصيح كيف ذلك فقال الشيخ هكذا قضاء الله تعالى
المنافقون 63:7
{ هم الذين يقولون } اى للانصار وهو استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم او لعدم مغفرته تعالى لهم وهو حكاية نص كلامهم { لاتنفقوا } لاتعطوا النفقة التى يتعيش لها { على من عند رسول الله } يعنون فقرآء المهاجرين وقولهم رسول الله اما للهزء والتهكم او لكونه كاللقب له عليه السلام واشتهاره به فلو كانوا مقرين برسالته لما صدر عنهم ما صدر ويجوز أن ينطقوا بغيره لكن الله تعالى عبر به اكراما له واجلالا { حتى ينفضوا } اى يتفرقوا عنه ويرجعوا الى قبائلهم وعشائرهم وقال الكاشفى تا متفرق كردند غلامان بزد خواجكان روند وبسران بدران بيوندند، والانفضاض شكسته شدن وبراكنده شدن، وانما قالوه لاحتجابهم بأفعالهم عن رؤية فعل الله وبما فى ايديهم عما فى خزآئن الله فيتوهمون الانفاق منهم لجهلهم { ولله خزآئن السموات والارض } رد وابطال لما زعموا من ان عدم انفاقهم يؤدى الى انفضاض الفقرآء من حوله عليه السلام ببيان ان خزآئن الارزاق بيد الله خاصة يعطى من يشاء ويمنع من يشاء ومن تلك الخزآئن المطر والنبات قال الراغب قوله تعالى { ولله خزآئن السموات والارض } اشارة منه الى قدرته تعالى على مايريد ايجاده او الى الحالة التى اشير اليها بقوله عليه السلام
" فرغ ربكم من الخلق والاجل والرزق "
والمراد من الفراغ اتمام القضاء فهو مذكور بطريق التمثيل يعنى اتم قضاء هذه الكليات فىعلمه السابق والخزائن جمع خزانة بالكسر كعصائب وعصابة وهيى ما يخزن فيه الاموال النفيسة وتخفظ وكذا المخزن بالفتح وقد سبق فى قوله تعالى
وان من شىء الا عندنا خزآئنه
{ ولكن المنافقين لايفقهون } ذلك لجهلهم بالله وبشؤونه ولذلك يقولون من مقالات الكفر مايقولون
خواجه بنداردكه روزى اودهد لاجرم براين وآن منت نهد زان سببها او يكى شد بس اكر كم شود هستند اسباب دكر حكم روزى بر سببها مى نهد بى سببها نيز روزى ميد هد
قال رجل لحاتم الاصم رحمه الله من اين تأكل قال من خزانة ربى فقال الرجل أيلقى عليك الخبز من السماء فقال لو لم تكن الارض له فيها خزآئن لكان يلقى على الخبز من السماء خلق الله فى الارض الاسباب ومنها فتح الابواب قال بعض الكبار مراعاة حق ام الولد من الرضاع اولى من مراعاة ام الولادة لان ام الولادة حملته على جهة الامانة فكون فيها وتغذى بدم طمثها من غير ارادة لها فى ذلك فما تغذى الا بما لو لم يخرج منها لأهلكها وامرضها فللجنين المنة على امه فى ذلك واما المرضعة فانما قصدت برضاعه حياته وابقاءه ولهذا المعنى الذى اشرنا اليه جعل الله المرضعة لموسى ام ولادته حتى لايكون لامرأة عليه فضل غير امه فلما كبر وبلغ اقامة الحجة عليه جعله الله كلا على بنى اسرآئيل امتحانا له فقلق من تغير الحال عليه وقال يارب اغننى عن بنى اسرآئيل فأوحى الله اليه أما ترضى ياموسى أن افرغك لعبادتى واجعل مؤونتك على غيرك فسكت ثم سأل ثانيا فأوحى الله اليه لايليق بنبى أن يرى فى الوجود شيئا لغير سيده فكل من رزق ربك ولا منة لاحد عليك فسكت ثم سأل ثالثا فأوحى الله اليه ياموسى اذا كانت هذه شكاسة خلقك على بنى اسرآئيل وأنت محتاج اليهم فكيف لو أغنيتك عنهم فما سأل بعد ذلك شيئا فالله تعالى يوصل الرزق على عبده بيد من يشاء من عباده مؤمنا او كافرا وكل ذلك من الحلال الطيب اذا لم يسبق اليه خاطرة او تعرض ما ولا منة لاحد عليه وانما يمن الجاهل وابتلاؤه تعالى لاوليائه بالفقر ليس من عدم قدرته على الاعطاء والاغناء من عدم محبته لهم وكرامتهم عنده بل هو من انعامه عليهم ليكونوا ازهد الناس فى الدنيا وأفر اجرا فى الآخرة ولذا قال عليه السلام فى حق فقرآء المهاجرين
" يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا "
وكان عليه السلام يستفتح بصعاليك المهاجرين اى فقرآئهم لقدرهم وقبولهم وجاههم عند الله تعالى على ان الاغنياء ان خصوا بوجود الارزاق فالفقرآء خصوا بشهود الرزاق وهو خير منه وصاحبه انعم فمن سعد بوجود الرزاق لم يضره مافاته من وجود الارزاق قال الجنيد قدس سره خزآئنه فى السموات الغيوب وخزآئنه فى الارض القلوب فما انفصل من الغيوب وقع الى القلوب وما انفصل من القلوب صار الى الغيوب والعبد مرتهن بشيئين تقصير الخدمة وارتكاب الزلة وقال الواسطى قدس سره من طالع الاسباب فى الدنيا ولم يعلم ان ذلك يحجبه عن التوفيق فهو جاهل. وفى التأويلات النجمية ولله خزآئن الارزاق السماوية من العلوم والمعارف والحكم والعوارف المخزونة لخواص العباد يرزقهم حيث يشاء ولله خزآئن الارزاق الارضية من المأكولات والمشروبات والملبوسات والخيول والبغال المخزونة لعوام العباد ينفق عليهم من حيث لايحتسبون ولكن المنافقين بسبب افساد استعداداتهم وعدم نورانيتهم وغلبة ظلمانيتهم مايفهمون الاسرار الالهية والاشارات الربانية
المنافقون 63:8
{ يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل } روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقى بنى المصطلق وهم بطن من خزاعة على المريسيع مصغر مرسوع وهو ماء لهم فى ناحية قديد على يوم من فرغ بالضم موضع من اضخم اعراض المدينة وهزمهم وقتل منهم واستاق ألفى بعير وخمسة آلاف شاة وسبى مائتى اهل بيت او اكثر وكانت فى السبى جويرية بن الحارث سيد بن المصطلق أعتقها النبى عليه السلام وتزوجها وهى ابنة عشرين سنة ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد الغفار رضى الله عنه وهو أجير لعمر رضى الله عنه يقود فرسه وسنان الجهنى المنافق حليف ابن ابى رئيس المنافقين واقتتلا فصرخ جهجاه بالمهاجرين وسنان بالانصار فاعان جهجاه جعال بالكسر من فقرآء المهاجرين ولطم سنانا فاشتكى الى ابن أبى فقال لجعال وأنت هناك قال ماصحبنا محمدا الا لنلطم والله مامثلنا ومثلهم الا كما قيل سمن كلبك يأكلك اما والله لئن رجعنا من هذا السفر الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل عنى بالاعز نفسه وبالاذل جانب المؤمن فاسناد القول المذكور الى المنافقين لرضاهم به ثم قال لقوله ماذا فلعتم بأنفسكم احللتموهم بلادكم وقاسمتموهم اموالكم أما والله لو امسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقباكم ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فسمع بذلك زيد بن ارقم وهو حدث فقال أنت والله الذليل القليل المبغض فى قومك ومحمد فى عز من الرحمن وقوة من المسلمين فقال ابن أبى اسكت فانما كنت ألعب فأخبر زيد رسول الله بما قال ابن أبى فتغير وجه رسول الله فقال عمر رضى الله عنه دعنى يارسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال
" اذا ترغم انوفا كثيرة بيثرب " يعنى المدينة ولعل تسميته لها بذلك ان كان بعد النهى لبيان الجواز قال عمر رضى الله عنه فان كرهت أن يقتله مهاجرى فائمر به انصاريا فقال " اذا تحدث الناس أن محمدا يقتل اصحابه " وقال عليه السلام لابن أبى " أنت صاحب الكلام الذى بلغنى " قال والله الذى أنزل عليك الكتاب ماقلت شيأ من ذلك وان زيدا لكاذب فقال الحاضرون شيخنا وكبيرنا لاتصدق عليه كلام غلام وعسى أن يكون قد وهم فروى ان رسول الله قال له " لعلك غضبت عليه " قال لا قال " فلعله اخطأك سمعك " قال لا قال " لعله شبه عليك " قال لا فلما نزلت هذه الآية لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك اذنه وقال " وفت اذنك ياغلام ان الله صدقك وكذب المنافقين "
ورد الله عليهم مقالتهم بقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } اى ولله الغلبة والقوة ولمن اعزه من رسوله والمؤمنين لا لغيرهم كما ان المذلة والهوان للشيطان وذويه من المنافقين الكافرين. وعن بعض الصالحين وكان فى هيئة رثة ألست على الاسلام وهو العز الذى لاذل معه والغنى الذى لافقر معه وعن الحسن بن على رضى الله عنهما ان رجلا قال له ان الناس يزعمون ان فيك تيها اى كبرا فقال ليس ذلك بتيه ولكنه عزة وتلا هذه الآية وقال بعض الكبارمن كان فى الدنيا عبدا محضا كان فى الاخرة ملكا محضا ومن كان فى الدنيا يدعى الملك الشىء ولو من جوارحه نقص من ملكه فى الآخرة بقدر ما ادعاه فى الدنيا فلا اعز فى الآخرة ممن بلغ فى الدنيا غاية الذل فى جناب الحق ولا اذل فى الآخرة ممن بلغ فى الدنيا غاية العزة فى نفسه ولو كان مصفوعا فى الاسواق ولا أريد بعز الدنيا أن يكون من جهة الملوك فيها انما أريد أن يكون صفته فى نفسه العزة وكذا القول فى الذلة وقال الواسطى رحمه الله عزة الله أن لايكون شىء الا بمشيئته وارادته وعزة المرسلين انهم آمنون من زوال الايمان وعزة المؤمنين انهم آمنون من دوام العقوبة وقال عزة الله العظمة والقدرة وعزة الرسول النبوة والشفاعة وعزة المؤمنين التواضع والسخاء والعبودية دل عليه قوله عليه السلام
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر "
اى لا افتخر بالسيادة بل افتخر بالعبودية وفيها عزتى اذ لاعزة الا فى طاعة الله ولا ذل الا فى معصية الله وقال بعضهم عزة الله قهره من دونه وعزة رسوله بظهور دينه على سائر الأديان كلها وعزة المؤمنين باستذلالهم اليهود والنصارى كما قال
وأنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين
يقول الفقير أشار تعالى بالترتيب الى ان العزة له بالاصالة والدوام وصار الرسول عليه السلام مظهرا له فى تلك الصفة ثم صار المؤمنون مظاهر له عليه السلام فيها فعزة الرسول بواسطة عزة الله وعزة المؤمنين بواسطة عزة الرسول سوآء أعاصروه عليه السلام ام أتوا بعده الى ساعة القيام وجميع العزة لله لان عزة الله له تعالى صفة وعزة الرسول وعزة المؤمنين لله فعلا ومنة وفضلا كما قال القشيرى قدس سره العز الذى للرسول وللمؤمنين هو لله تعالى حلقا وملكا وعزه سبحانه له وصفا فاذا العزة كلها لله وهو الجمع بين قوله تعالى
من كان يريد العزة فلله العزة جميعا
وقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ومن أدب من عرف انه تعالى هو العزيز أن لايعتقد لمخلوق اجلالا ولهذا قال عليه السلام
" من تواضع لغنى لاجل غناه ذهب ثلثا دينه "
قال أبو على الدقاق رحمه الله انما قال ثلثا دينه لان التواضع يكون بثلاثة اشياء بلسانه وبدنه وقلبه فاذا تواضع له بلسانه وبدنه ولم يعتقد له العظمة بقلبه ذهب ثلثا دينه فان اعتقدها بقلبه ايضا ذهب كل دينه ولهذا قيل اذا عظم الرب فى القلب صغر الخلق فى العين ومتى عرفت انه معز لم تطلب العز الا منه ولايكون العز الا فى طاعته قال ذو النون قدس سره لو أراد الخلق أن يثبتوا لأحد عزا فوق مايثبته اليسير طاعته لم يقدروا ولو ارادوا أن يثبتوا لاحد ذلة اكثر مما يثبته اليسير من ذلته ومخالفته لم يقدروا حكى عن بعضهم انه قال رأيت رجلا فى الطواف وبين يديه خدم يطردون الناس ثم رأيته بعد ذلك على جسر بغداد يتكفف ويسأل فحدقت النظر اليه لأتعرفه هل هو ذلك الرجل اولا فقال لى مالك تطيل النظر الى فقلت انى اشبهك برجل رأيته فى الطواف من شأنه كذا وكذا فقال انا ذاك انى تكبرت فى موضع يتواضع فيه الناس فوضعنى فى موضع يترفع فيه الناس { ولكن المنافقين لايعلمون } من فرط جلهلهم وغرورهم فيهذون مايهذون ولعل ختم الآية الاولى بلا يفقهون والثانية بلا يعلمون للتفنن المعتبر فى البلاغة مع ان فى الاول بيان عدم كياستهم وفهمهم وفى الثانى بيان حماقتهم وجهلهم وفى برهان القرءآن الاول متصل بقوله
ولله خزآئن السموات والارض
وفيه غموض يحتاج الى فطنة والمنافق لا فطنة له والثانى متصل بقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون } ان الله معز أوليائه ومذل اعدآئه روى ان عبد الله ابن أبى لما أراد أن يدخل المدينة اعترضه ابنه عبدالله بن عبدالله بن ابى وكان مخلصا وسل سيفه ومنع أباه من الدخول وقال لئن لم تقر لله ولرسوله بالعز لأضربن عنقك فقال ويحك افاعل أنت قال نعم فلما رأى منه الجد قال أشهد ان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال عليه السلام لابنه
" جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا "
ولما كان عليه السلام بقرب المدينة هاجت ريح شديدة كادت تدفن الراكب فقال عليه السلام
" مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة "
اى لاجل ذلك عصفت الريح فكان كما قال مات فى ذلك اليوم زيد بن رفاعة وكان كهفا للمنافقين وكان من عظماء بنى قينقاع وكان ممن اسلم ظاهرا والى ذلك أشار الامام السيكى فى تائيته بقوله
وقد عصفت ريح فأخبر انها لموت عظيم فى اليهود بطيبة
ولما دخلها ابن ابى لم يلبث الا اياما قلائل حتى اشتكى ومات واستغفر له رسول الله وألبسه قميصه فنزل لن يغفر الله له وروى انه مات بعد القفول من غزوة تبوك قال بعض الكبار ما أمر الله عباده بالرفق بالخلق والشفقة الا تأسيا به تعالى فيكونون مع الخلق كما كان الحق معهم فينصحونهم ويدلونهم على كل مايؤدى الى سعادتهم وليس بيد العبد الا التبليغ قال تعالى
ماعلى الرسول الا البلاغ
فعلى العارف ايضاح هذا الطريق الموصل الى هذا المقام والافصاح عن دسائسه وليس بيده اعطاء هذا المقام فان ذلك خاص بالله تعالى قال تعالى
انك لاتهدى من احببت
فوظيفة الرسل والورثة من العلماء انما هو التبليغ بالبيان والافصاح لاغير ذلك وجزاؤهم جزاء من أعطى ووهب والدال على الخير كفاعل الخير. وفى التأويلات النجمية ولله العزة اى القوة لله الاسم الاعظم ولرسول القلب المظهر الاتم الاعم ولمؤمنى القوى الروحانية ولكن منافقى النفس والهوى وصفاتهما الظلمانية الكدرة لايعلمون لاستهلاكهم فى الظلمة وانغماسهم فى الغفلة
المنافقون 63:9
{ ياأيها الذين آمنوا } ايمانا صادقا { لاتلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله } فى الصحاح لهيت عن الشىء بالكسر ألهى لهيا ولهيانا اذا سلوت وتركت ذكره واضربت عنه وفى القاموس لها كدعا سلا وغفل وترك ذكره كتلهى وألهاء اى شغله ولهوت بالشىء بالفتح ألهو لهوا اذا لبعت به والمعنى لايشغلنكم الاهتمام بتدبير امورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكره تعالى من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود ففى ذكر الله مجاز اطلق المسبب وأريد السبب قال بعضهم الذكر بالقلب خوف الله وباللسان قرآءة القرءآن والتسبيح والتهليل والتمجيد والتكبير وتعلم علم الدين وتعليمه وغيرها وبالابدان الصلاة وسائر الطاعات والمراد نهيهم عن التلهى بها اى عن ترك ذكر الله بسبب الاشتغال بها وتوجيه النهى اليها للمبالغة بالتجوز بالسبب عن المسبب كقوله تعالى
فلا يكن فى صدرك حرج
وقد ثبت ان المجاز ابلغ وقال بعضهم هو كناية لان الانتقال من لاتلهكم الى معنى قولنا لاتلهوا انتقال من اللازم الى الملزوم وقد كان المنافقون بخلاء باموالهم ولذا قالوا لاتنفقوا على من عند رسول الله ومتعززين بأولادهم وعشائرهم مشغولين بهم وباموالهم عن الله وطاعته وتعاون رسوله فنهى المؤمنون أن يكونوا مثلهم فى ذلك { ومن يفعل ذلك } اى التلهى بالدنيا والاشتغال بما سواه عنه ولو فى اقل حين { فاولئك هم الخاسرون } اى الكاملون فى الخسران حيث باعوا العظيم الباقى بالحقير الفانى قال الكاشفى مقتضاى ايمان آنست كه دوستى خداى تعالى غالب بود بردوستى همه اشيا تاحدى كه اكر تمام نوال دنيا ومجمع نعم آخرت بروى عرض كنند بنظر در هيج كدام ننكرد
جشم دل ازنعيم دو عالم به بسته ايم مقصود ماز دنيى وعقبى تويى وبس
وفى الحديث
" ماطعلت الشمس الا بجنبيها ملكان يناديان ويسمعان الخلائق غير الثقلين ياايها الناس هلموا الى ربكم ماقل وكفى خير مما كثر والهى "
وفى الآية اشارة الى كمل ارباب الايمان الحقيقى الشهودى يقول الله لهم لاتشغلكم رؤية أموال اعمالكم الصالحة من الصلاة والزكاة والحج والصوم ولا اولاد الاحوال التى هى نتيجة الاعمال من المشاهدات والمكاشفات والمواهب الروحانية والعطايا الربانية عن ذكر ذاته وصفاته واسمائه وظهوره فى صورة الاعمال والاحوال ومن يفعل ذلك فانما يشغل بالخلق ويحتجب بالنعمة عن المنعم فاولئك هم الخاسرون خسروا رأس مال التجارة وما ربحوا الا الخسران وهو حجاب عن المشهود الحقيقى قال بعضهم فى الآية بيان ان من لم يبلغ درجة التمكين فى المعرفة لايجوز له الدخول فى الدنيا من الاهل والمال الولد فانها شواغل قلوب الذاكرين عن ذكر الله ومن كان مستقيما فى المعرفة وقرب المذكور فذكره قائم بذكر الله اياه فيكون محفوظا من الخطرات المذمومة والشاغلات الحاجبة واما الضعفاء فلا يخرجون من بحر هموم الدينا فاذا باشرت قلوبهم الحظوظ والشهوات لايكون ذكرهم صافيا عن كدورات الخطرات وقال سهل قدس سره لايشغلكم اموالكم ولا اولادكم عن ادآء الفرآئض فى اول مواقيتها فان من شغله عن ذكر الله وخدمته عرض من عروض الدنيا فهو من الخاسرين
المنافقون 63:10
{ وأنفقوا ممارزقناكم } اى بعض ما أعطيناكم تفضلا من غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخال للآخرة يعنى حقوق واجب را اخراج نماييد، فالمراد هو الانفاق الواجب نظرا الى ظاهر الامر كما فى الكشاف ولعل التعميم اولى وانسب بالمقام { من قبل أن يأتى احدكم الموت } بأن يشاهد دلائله ويعاين اماراته ومخايله وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما تقدم والتشويق الى ما تأخر ولم يقل من قبل ان يأتيكم الموت فتقولوا اشارة الى ان الموت يأتيهم واحدا بعد واحد حتى يحيط بالكل { فيقول } عند تيقنه بحلوله { رب } اى آفريد كار من { لولا اخرتنى } هلا امهلتنى فلولا للتحضيض وقيل لا زآئدة للتأكيد ولو للتمنى بمعنى لو أخرتنى { الى اجل قريب } اى امد قصير وساعة اخرى قليلة وقال ابو الليث ياسيدى ردنى الى الدنيا وابقنى زمانا غير طويل وفى عين المعانى مثل ما اجلت لى فى الدنيا { فأصدق } تاتصدق كنم وزكاة ادا نمايم، وهو بقطع الهمزة لانها للتكلم وهمزته مقطوعة وبتشديد الصاد لان اصله أتصدق من التصدق فأدغمت التاء فى الصاد وبالنصب لانه مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء فى جواب التمنى فى قوله { لولا اخرتنى } { واكن من الصالحين } بالجزم عطفا على محل فأصدق كأنه قيل ان أخرتنى اصدق واكن وفيه اشارة ا لى ان التصدق من اسباب الصلاح والطاعة كما ان تركه من اسباب الفساد والفسق والفرق بين التصدق والهداية ان التصدق للمحتاج بطريق الترحم والهداية للحبيب لاجل المودة ولذا كان عليه السلام يقبل الهدية لا الصدقة فرضا كنت او نفلا وعن ابن عباس رضى الله عنهما من كان له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه او مال يبلغه الى بيت الله فلم يحج يسأل عند الموت الرجعة فقال رجل اتق الله ياابن عباس انما سألت الكفار الرجعة قال ابن عباس رضى الله عنما انى اقرأ عليك هذا القرءآن فقال
ياأيها الذين آمنوا
الى قوله { فأصدق واكن من الصالحين } فقال الرجل ياابن عباس وما يوجب الزكاة قال مائتا درهم فصاعدا قال فما يوجب الحج قال الزاد والراحلة فالآية فى المؤمنين واهل القبلة لكن لاتخلو عن تعريض بالكفار وان تمنى الرجوع الى الدنيا لايختص بالكافر بل كل قاصر مفرط يتمنى ذلك قال بعض العلماء فى الآية دلالة على وجوب تعجيل الزكاة لان اتيان الموت محتمل فى كل ساعة وكذا غيرها من الطاعات اذا جاء وقتها لعل الاولى استحبابه فى اغلب الاوقات ولذا اختار بعض المجتهدين اول الوقت عملا بقوله عليه السلام
" اول الوقت رضوان الله "
اى لان فيه المسارعة الى رضى الله والاهتمام بالعمل اذ لايدرى المرء أن يدرك آخر الوقت
المنافقون 63:11
{ ولن يؤخر الله نفسا } اى ولن يمهلها مطيعة وعاصية صغير او كبيرة { اذا جاء اجلها } اى آخر عمرها او انتهى ان أريد بالاجل الزمان الممتد من اول العمر الى آخره يعنى جون عمر بآخر رسيد جيزى بران نيفزايند وازان كم نكنند قال الشيخ سعدى
كه يك لحظه صورت نه بندد امان جو بيمانه برشد بدور زمان
واستنبط بعضهم عمر النبى عليه السلام من هذه الآية فالسورة رأس ثلاث وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن فى فقده قال بعضهم الموت على قسمين اضطرارى وهو المشهور فى العموم والعرف وهو الاجل المسمى الذى قيل فيه اذا جاء اجلهم لايستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون والموت الآخر موت اختيارى وهو موت فى الحياة الدنيا وهو الاجل المقضى فى قوله
ثم قضى اجلا
ولايصح للانسان هذا الموت فىحياته الا اذا وحد الله تعالى توحيد الموتى الذين انكشفت لهم الأغطية وان كان ذلك الكشف فى ذلك الوقت لايعطى سعادة الا لمن كان فى العامة عالما بذلك فاذا انكشف الغطاء يرى ما علم عينا فهو سعيد فصاحب هذا التوحيد ميت لاميت كالمقتول فى سبيل الله نقله الله الى البرزخ لاعن موت فالشهيد مقتول لاميت وكذلك هذا المعتنى به لما قتل نفسه فى الجهاد الاكبر الذى هو جهاد النفس رزقه الله تعالى حكم الشهادة فولاه النيابة فى البرزخ فى حياته الدنيا فموته معنوى وقتله مخالفة نفسه { والله خبير بما تعملون } فماجازيكم عليه ان خيرا فخير وان شرا فشر فسارعوا فى الخيرات واستعدوا لما هو آت القاشانى قضية الايمان غلبة حب الله على محبة كل شىء فلا تكن محبتهم ومحبة الدنيا من شدة التعلق بهم وبالاموال غالبة فى قلوبكم على محبة الله فتحجبون بهم عنه فتصيرون الى النار فتخسرون نور الاستعداد الفطرى باضاعته فيما يفنى سريعا وتجردوا عن الاموال بانفاقها وقت الصحة والاحتياج اليها لتكون فضيلة فى نفسكم وهيئة نورية لها فان الانفاق انما ينفع اذا كان عن ملكة السخاء وهيئة التجرد فى النفس فاما عند حضور الموت فالمال للوارث لا له فلا ينفعه انفاقه وليس له الا التحسر والندم وتمنى التأخير فى الأجل بالجهل فانه لو كان صادقا فى دعوى الايمان وموقنا بالآخرة لتيقن ان الموت ضرورى وانه مقدر فى وقت معين قدره الله فيه بحكمته فلا يمكن تأخره ولتدارك امره قبل حلول المنية فانه لايدرى المرء كيف تكون العاقبة ولذا قيل لاتغتر بلباس الناس فان العاقبة مبهمة
مسكين دل من كرجة فراوان داند در دانش عاقبت فرومى ماند
وفى الحديث
" لأن يتصدق المرء فى حياته بدرهم خير من أن يتصدق بمائة عند موته "
وقال عليه السلام
" الذى يتصدق عند موته او يعتق كالذى يهدى اذا شبع "
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رجل يارسول الله اى الصدقة أعظم أجرا قال
" ان تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولاتهمل حتى اذا بلعت الحلقوم "
قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان يعنى اهمال نكنى تا آن زمان كه جان بحلقوم رسد كويى فلان را اين وفلانرا اين باشد وخود از ان فلان شود به مرك تو روى الامام الغزالى رحمه الله عن عبدالله المزنى انه قال جمع رجل من بنى اسرآئيل مالا كثيرا فلما أشرف على الموت قال لبنيه ائتونى بأصناف أموالى فأتى بشىء كثير من الخيل والابل والدقيق وغيره فلما نظر اليها بكى عليها تحسرا فرأه ملك الموت وهو يبكى فقال مايبكيك فوالذى خولك ماخولك ما أنا بخارج من منزلك حتى أفرق بين روحك وبدنك قال فالمهلة حتى أفرقها قال هيهات انقطع عنك المهلة فهلا كان ذلك قبل حضور أجلك فقبض روحه قال السلطان ولد قدس سره
بكذار جهان را كه جهان آن تونيست وين دم كه همى زنى بفرمان تونيست كرمال جهان جمع كنى شاد مشو ورتيكه بجان كنى جان آن تونيست
وفى الآية اشارة الى انفاق الوجود المجازى الخلقى بالارادة الروحانية لنيل الوجود الحقيقى من غير أن يأتى الموت الطبيعى بلا ارادة فيموت ميتة جاهلية من غير حياة أبدية لان النفس لم تزل جاهلة غير عارفة بربها ولا شك ان الحياة الطبيعية انما هى فى معرفة الله وهى لاتحصل الا بموت النفس والطبيعة وحياة القلب والروح فمن لمن يكن على فائدة من هذا الموت الارادى بتمنى الرجوع الى الدنيا عند الموت الطبيعى لتصدق الوجود المجازى بالارادة والرغبة والكون من الصالحين لقبول الوجود الحقيقى وكل من كان مستعدا لبذل الوجود الاضافى لقبول الوجود الاطلاقى وجاء زمانه باستيفائه احكام الشريعة الزهرآء واستقصائه آداب الطريقة البيضاء لايمكن له الوقفة على الحجاب والاحتجاب كما اذا جاء زمان نفخ الروح فى الجنين باستكمال المدة يشتعل بنور الروح البتة اللهم الا ان تعرض آفة تمنعه عن ذلك والله خبير بما تعملون من بذل الوجود الامكانى ونيل الوجود الواجبى الحقانى كما قال تعالى
اذا وقعت الواقعة0 ليس لوقعتها كاذبة
جعلنا الله واياكم من الباذلين وجوده والمستفيضين منه تعالى فضله وجوده وأن يختم لنا بالخير بان يوفقنا للاعراض عن الغير تمت سورة المنافقين بعون الله المعين فى اوآئل شهر ربيع الاول من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف
التغابن 64:1
{ يسبح لله ما فى السموات } من الروحانيات { وما فى الارض } من الجسمانيات اى ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه تنزيها مستمرا والمراد ان تسبيح الاشارة الذى هو الدلالة فتعم ما كل حى وجماد أو تسبيح العبارة الذى هو أن يقول سبحان الله فتعمهما ايضا عند اهل الله وعن بعضهم سمعت تسبيح الحيتان فى البحر المحيط يقلن سبحان الملك القدوس رب الاقوات والارزاق والحيوانات والنباتات ولولا حياة كل شئ من رطب ويابس ما اخبر عليه السلام انه يشهد للمؤذن وكم بين الله ورسوله مما جميع الملخوقات عليه من العلم بالله والطاعة له والقيام بحقه فآمن بعضهم وصدق وقيل ما اضافه الله الى نفسه وما أضاف اليه رسوله وتوقف بعضهم فلم يؤمنوا ولم يسمعوا وتأولوا الامر بخلاف ما هو عليه وقصدهم بذلك أن يكونوا من المؤمنين وهم فى الحقيقة من المكذبين لترجحيهم حسهم على الايمان بما عرفه لهم ربهم لما لم يشاهدوا ذلك مشاهدة عين وعن بعض العارفين فى الاية اى يسبح وجودك بغير اختيارك وأنت غافل عن تسبيح وجودك له وذلك ان وجودك قائم فى كل لمحة بوجوده يحتاج الى الكينونة بتكوينه اياه ابن قلبك ولسانك اذا اشتغل بذكر غيرنا وفى الحقيقة لم يتحرك الوجود الا بأمره ومشيئته وتلك الحركة اجابة داعى القدم فى جميع مراده وذلك محض التقديس ولكن لا يعرفه الا العارف بالوحدانية { له الملك } الدائم الذى لا يزول وهو كمال القدرة ونفاذ التصرف وبالفارسية مروراست بادشاهى كه ارض وسما وما بينهما بيافريد { وله الحمد } اى حمد الحامدين وهو الثناء بذكر الاوصاف الجميلة والافعال الجزيلة وتقديم الجار والمجرور للدلالة على تأكيد الاختصاص وازاحة الشبهة بالكلية فان اللام مشعر بأصل الاختصاص قدم او اخرأى له الملك وله الحمد لا لغيره أذ هو المبدئ لكل شئ وهو القائم به والمهيمن عليه المتصرف فيه كيف يشاء وهو المولىلاصول النعم وفروعها ولوا انه انعم بها على عباده لما قدر أحد على ادنى شئ فالمؤمنون يحمدونه على نعمه وله الحمد فى الاولى والآخرة واما ملك غيره فاسترعاء من جنابه وتسليط منه وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده فللبشر ملك وحمد من حيث الصورة لا من حيث الحقيقة
باغير او اضافت شاهى بود جنان بريك دوجوب باره زشطرنج نام شاه
{ وهو على كل شئ قدير } لان نسبة ذاته المقتضية للقدرة الى الكل سوآء فهو القادر على الايجاد والاعدام والاسقام والابرآء والاعزاز والاذلال والتبييض والتسويد ونحو ذلك من الامور الغير المتناهية قال بعضهم قدرة الله تصلح للخلق وقدرة العبد تصلح للكسب فالعبد لا يوصف بالقدرة على الخلق والحق لا يوصف بالقدرة على الكسب فمن عرف انه تعالى قادر خشى من سطوات عقوبته عند مخالفته وامل لطائف نعمته ورحمته عند سؤال حاجته لا بوسيلة طاعته بل بكرمه ومنته وفى التأويلات النجمية ينزه ذاته المسبحة المقدسة عن الامثال والاضداد والاشكال والانداد ما فى السموات القوى الروحانية وما فى ارض القوى الجسمانية له ملك الوجود المطلق وله الحمد على نعمة ظهوره فى الوجود المقيد وهويته المطلقة قادرة على ظهورها بالاطلاق والتقييد وهى فى عينها منزهة عنهما وهما نسبتان اعتباريتان.
التغابن 64:2
{ وهو الذى خلقكم } خلقا بديعا حاويا لجميع مبادى الكمالات العلمية والعملية ومع ذلك { فمنكم كافر } اى فبعضكم او فبعض منكم مختار للكفر كاسب له حسبما تقتضيه خلقته ويندرج فيه المنافق لانه كافر مضمر وكان الواجب عليكم جميعا ان تكونوا مختارين للايمان شاكرين لنعمة الخلق والايجاد وما يتفرع عليها من سائر النعم فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنهم منه بل تشعبتم شعبا وتفرقتم فرقا قال فى فتح الرحمن الكفر فعل الكافر والايمان فعل المؤمن والكفر والايمان اكتساب العبد لقول النبى عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة وقوله فطرة الله التى فطر الناس عليها فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته فالمؤمن بعد خلق الله اياه يختار الايمان لان الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه والكافر بعد خلق الله اياه يختار الكفر لان الله تعالى قدر عليه ذلك وعلمه منه وهذا طريق اهل السنة انتهى وفى الآية رد للدهرية والطبيعية فانهم ينكرون خالقية الله تعالى والخالق هو المخترع للاعيان المبدع لها حكى ان سنيا ناظر معتزليا فى مسألة القدرة فقطف المعتزلى تفاحة من شجرة وقال للسنى أليس انا الذى قطفت هذه فقال له السنى ان كنت الذى قطفتها فردها على ما كانت عليه فأفحم المعتزلى وانقطع وانما ألزمه بذلك لان القدرة التى يحصل بها الايجاد لا بد أن تكون صالحة للضدين فلو كان تفريق الاجزآء بقدرته لكان فى قدرته وصلها ومن أدب من عرف انه سبحانه هو المنفرد بالخلق والايجاد أن لا يجحد كسب العبد ولا يطوى بساط الشرع فى الابتلاء بالامر والنهى ولا يعتقد ان للعبد على الله حجة بسبب ذلك حكى ان بعض الاكابر تعجب من تجاسر الملائكة فى قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ثم قال ما عليهم شئ هو أنطقهم فبلغ قوله يحيى بن معاذ الرازى رضى الله عنه فقال صدق هو انطقهم ولكن انظر كيف أفحمهم بين بذلك ان مجرد الخلق من جهة الحق لا يكون عذرا للعبيد فى سقوط اللوم عنهم { ومنكم مؤمن } مختار للايمان كاسب له ويندرج فيه مرتكب الكبيرة الغير التائب والمبتدع الذى لا تفضى بدعته الى الكفر وتقديم الكفر عليه لانه الا نسب بمقام التوبيخ والأغلب فيما بينهم ولذا يقول الله فى يوم الموقف يا آدم أخرج بعث النار يعنى ميز اهلها المبعوث اليها قال وما بعث النار اى عدده قال الله من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعون وفى التنزيل ولكن اكثر الناس لا يؤمنون وقليل من عبادى الشكور والايمان اعظم شعب الشكر روى ان عمر رضى الله عنه سمع رجلا يقول اللهم اجعلنا من القليل فقال له عمر ما هذا الدعاء فقال الرجل انى سمعت الله يقول وقليل من عبادى الشكور فانما ادعو أن يجعلنى من ذلك القليل فقال عمر كل الناس اعلم من عمر.
يقول الفقير هذا القول من عمر من قبيل كسر النفس واستقصار العلم والمعرفة واستقلالهما على ما هو عادة الكمل فلا ينافى كماله فى الدين والمعرفة حتى يكون ذلك سببا لجرحه فى باب الخلافة كما استدل به الطوسى الخبيث على ذلك فى كتاب التجريد له وفى الحديث
" الا ان ابن آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا "
ومن هنا قال بعضهم قوم طلبوه فخذلهم وقوم هربوا منه فأدركهم. ابراهم خواص قدس سره كفت درباديه وقتى بتجريد مى رفتم بيرى راديدم كوشه نشسته وكلاهى برسر نهاده وبزارى وخوارى مى كريست كفتم يا هذا توكيستى كفت من ابو مره ام كفتم جرامى كريى كفت كيست بكريستن سزا وارتراز من جهل هزار سال يدان دركاه خدمت كرده ام ودرافق اعلى ازمن مقدم تركس نبودا كنون تقدير الهى وحكم غيبى نكر كه مرابجه روز آورد آنكه كفت اى خواص نكر تابدين جهد وطاعت خويش غره نباشى كه بعنايت واختيار اوسست نه بجهد وطاعت بنده بمن يك فرمان آمدكه آدم راسجده كن نكردم وآدم را فرمان آمدكه ازان درخت مخور خورد ودركار آدم عنايت بود عذرش بنهادند وزلت اودر حساب نياوردند ودركار من عنايت نيود طاعت ديرينه من زلت شمردند
من لم يكن للوصال اهلا فكل احسانه ذنوب
ومن هنا يعرف سر قول الشيخ سعدى
هركه در سايه عنايت اوست كنهش طاعتست ودشمن دوست
{ والله بما تعلمون } مطلقا { بصير } فيجازيكم بذلك فاختاروا منه ما يجديكم من الايمان والطاعة واياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان قال القاسم رحمه الله خاطبهم مخاطبة حال كونهم ذرا فسماهم كافرين ومؤمنين فى ازله واظهرهم حين اظهرهم على ما سماهم وقدر عليهم فأخبر بأنه علم ما يعملونه من خير وشر. واعلم ان الله تعالى يعلم لكنه يحلم ويقدر لكنه يغفر الا ان من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ومن اقعده جده لم ينفعه كده قيل ان بعض الاكابر بلغه أن يهوديا أوصى أن يحمل من بلده اذا مات ويدفن فى بيت المقدس فقال ايكابر الازل أما علم انه لو دفن فى فراديس العلى لجاءت جهنم بأنكالها وحملته الى نفسها والناس على اربعة اقسام اصحاب السوابق وهم الذين تكون فكرتهم ابدا فيما سبق لهم من الله لعلمهم ان الحكم الازلى لا يتغير باكتساب العبيد واصحاب العواقب وهم الذين يكفرون ابدا فيما يختم به امرهم فان الامور بخواتمها والعاقبة مستورة ولهذا قيل لا يغرنكم صفاء الاوقات فان تحتها غوامض الآفات واصحاب الوقت وهم الذين لا يتفكرون فى السوابق ولا فى اللواحق اى العواقب بل يشتغلون بمراعاة الوقت وادآء ما كلفوا من احكام ولهذا قيل العارف ابن وقته وقيل الصوفى من لا ماضى له ولا مستقبل وفى المثنوى
صوفى ابن الوقت باشد اى رفيق نيست فردا كفتن از شرط طريق
والقسم الرابع هم الذين غلب عليهم ذكر الحق فهم مشغولون بشهود الوقت عن مراعاة الوقت وفى الآية اشارة الى هويته المطلقة عن النسب والاضافات خلقكم اى تجلى لتعيناتكم الجنسة والنوعية والشخصية من غير تقييد وانحصار فمنكم اى فمن بعض هذه التعينات كافر يستر الحق المطلق بالحق المقيد ويقول بالتفرقة دفعا لطعن الطاعن ومن بعض هذه التعينات مؤمن يؤمن بظهور الحق فى الخلق ويستر الخلق بالحق ويقول بالجمعية تأنيسا للمكاشفين بالحقائق والله بما تعملون بصير من ستر الحق بالخلق دفعا للطاعن ومن ستر الخلق بالحق تأنيسا للطالب الواجد.
التغابن 64:3
{ خلق السموات والارض بالحق } اى بالحكمة البالغة المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية والمراد السموات السبع والارضون السبع كما يدل عليه التصريح فى بعض المواضع قال تعالى خلق سبع سموات طباقا وقال تعالى الله الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن فان قلت ما وجه عدم ذكر العرش والكرسى فى امثال هذه المواضع مع عظم خلقهما قلت انهما وان كانا من السماء لان السماء هو الفلك والفلك جسم شفاف محيط بالعلم وهما اوسع الافلاك احاطة الا ان آثارهما غير ظاهرة مكشوفة بخلاف السموات والارض وما بينهما فانها أقرب الى المخاطبين المكلفين ومعلوم حالها عندهم مكشوفة آثارها ومنفعتها ولهذا قالوا ان الشمس تنضج الفواكه والقمر يلونها والكواكب تعطيها الطعم الى غير ذلك مما لا يتناهى على ان التغيرات فيها اظهر فهى على عظم القدرة أدل وقد قال تعالى كل يوم هو فى شأن واكثر هذه الشؤون فى عالم الكون والفساد الذى هو عبارة عن السموات والارض اذ هما من العنصريات بخلاف العرش والكرسى فانهما من الطبيعات ولهذا لا يفنيان { وصوركم فأحسن صوركم } الفاء للتفسير اى صوركم احسن تصوير وخلقه فى أحسن تقويم واودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها جميع الكمالات البارزة والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته وجعلكم انموذج جميع مخلوقاته فى هذه النشأة فلكم جمال الصورة وأحسن الاشكال ولذا لا يتمنى الانسان أن يكون صورته على خلاف ما هو عليه لكون صورته أحسن من سائر الصور ومن حسن صورته امتداد قامته وانتصاب خلقته واعتدال وجوده ولا يقدح فى حسنه كون بعض الصور قبيحا بالنسبة الى بعض لان الحسن وهو الجمال فى الخلق والخلق على مراتب كما قالت الحكماء شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان ولكم ايضا جمال المعنى وكمال الخصال
بدرون تست مصرى كه تويى شكر ستانش جه غمست اكرزبيرون مدد شكر ندارى شده غلام صورت بمثال بت برساتن توجو يوسفى وليكن سوى خود نظرندارى بخدا جمال خود راجو در آينه بينى بت خويش هم توباشى بكسى كذرندارى
والمعتدبه هو الحسن المعنوى لان الله خلق آدم على صورته اى على الصورة الالهية التى هى عبارة عن صفاته العليا واسمائه الحسنى والا فالحسن الصورى يوجد فى الكافر أيضا
ره راست بايدنه بالى راست كه كافرهم ازروى صورت جوماست
نعم قد يوجب سيرة حسنة وخلق حميد فى الكافر كعدل انوشروان مثلا لكن المعتد به ما يكون مقارنا بالايمان الذى هو احسن السير قال بعض الكبار كل من كان فيه صفة العدل فهو ملك وان كان الحق تعالى ما استخلفه بالخطاب الالهى فان من الخلفاء من أخذ المرتبة بنفسه من غير عهد الهى اليه بها وقام بالعدل فى الرعايا استنادا الى الحق كما قال عليه السلام ولدت فى زمن الملك العادل يعنى كسرى فسماه ملكا ووصفه بالعدل ومعلوم ان كسرى فى ذلك العدل على غير شرع منزل لكنه نائب للحق من ورآء الحجاب وخرج بقولنا وقام بالعدل فى الرعايا من لم يقم بالعدل كفرعون وامثاله من المنازعين لحدود الله والماغالبين لجنابه بمغالبة رسله فان هؤلاء ليسوا بخلفاء الله تعالى كالرسل ولا نوابا له كالملوك العادلة بل هم اخوان الشياطين قال الحسين رحمه الله أحسن الصور صورة اعتقت من ذل كن وتولى الحق تصويرها بيده ونفخ فيها من روحه وألبسها شواهد النعت وحلاها بالتعليم شفاها واسجد لها الملائكة المقربين واسكنها فى جواره وزين باطنها بالمعرفة وظاهرها بفنون الخدمة والجمع فى قوله فاحسن صوركم باعتبار الانواع لان صورة الرومى ليست كصورة الهندى الى غير ذلك والافراد وهو ظاهر { واليه المصير } اى والى الله الرجوع فى النشأة الاخرى لا الى غيره استقلالا او اشتراكا فأحسنوا سرآئركم باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له حتى يجازيكم بالانعام لا بالانتقام فكم من صورة حسناء تكون فى العقبى شوهاء بقبح السريرة والسيرة وكم من صورة قبيحة تكون حسناء بحسنهما
جه غم زمنقصت صورت اهل معنى را جوجوان زروم بود كوتن ازحبش مى باش
وقد ثبت ان ضرس الكافر يوم القيامة مثل جبل احد وان غلظ جسده مسافة ثلاثة ايام وانه يسوء خلقه فتغلظ شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السلفى حتى تضرب سرته وان اهل الجنة ضوء وجوههم كضوء القمر ليلة البدر او على أحسن كوكب درى فى السماء وهم جرد مرد مكحلون ابناء ثلاثة وثلاثين فطوبى لاهل اللطافة وويل لاهل الكثافة. اعلم ان الله تعالى خلق سموات الكليات وارض الجزئيات بمظهرية الحق وظهوره فيهما بحسب استعداد الكل لا بحسبه وتجلى فى مظاهر صور الانسان بحسبه اى بجمع الاسماء والصفات ولذا قال تعالى { فأحسن صوركم } اى جعل صوركم احدية جمع جميع المظهريات الجامعة لجميع المظاهر السماوية العلوية والارضية السفلية كما قال عليه السلام " ان الله خلق آدم على صورته " يعنى اورد الاسم الجامع فى عنوان الخلق اشارة الى تلك الجميعة فكان مصير الانسان الى الهوية الجامعة لجميع الهويات لكن حصل التفاوت بين افراده بحسب التجلى والاستتار والفعل والقوة فليس لاهل الحجاب أن يدعى كمالات اهل الكشف للتفاوت المذكور فيا عجبا من انسان خفى عليه ما دفن فى ارض وجوده من كنز الهى غيبى من نال اليه لم يفتقر ابدا وكيف قنع بقشر مع امكان تحصيل اللب وكيف اقام فى الحضيض مع سهولة العروج الى الاوج
جه شكرهاست درين شهركه قانع شده اند شاهبازان طريقت بمقا مكسىم
التغابن 64:4
{ يعلم ما فى السموات والارض } من الامور الكلية والجزئية والاحوال الجلية والخفية { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } اى ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الامور والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لانه الذى يدور عليه الجزآء ففيه تأكيد للوعد والوعيد وتشديد به لهما قال فى برهان القرآن انما كرر ما فى اول السورة لاختلاف تسبيح اهل الارض واهل السماء فى الكثرة والقلة والبعد والقرب من المعصية والطاعة وكذلك اختلاف ما تسرون وما تعلنون فانما ضدان ولم يكرر ما فى السموات والارض لان الكل بالاضافة الى علم الله جنس واحد لا يخفى عليه شئ { والله عليم بذات الصدور } اى هو محيط بجميع المضمرات المستكنة فى صدور الناس بحيث لا تفارقها اصلا فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه وبالفارسية وخداى تعالى داناست بآنجه درسينهاست ازخواطر وافكار. وانما قيل لها ذات الصدور وصاحبتها لملابستها لها وكونها مخزونة فيها ففى الآية ترق من الاظهر الى الاخفى لانه عالم بما فى السموات وما فى الارض وبما يصدر من بنى آدم سرا وعلنا وبما لم يصدر بعد بل هو مكنون فى الصدور واظهار الجلالة للاشعار بعلية الحكم وتأكيد استقلال الجملة قبل وتقديم القدرة على العلم لان دلالة المخلوقات على قدرته بالذات وعلى علمه بما فيها من الاتفاق والاختصاص ببعض الجهات الظاهرة مثل كون السماء فى العلو والارض فى السفل او الباطنة مثل أن يكون السماء متحركة والارض ساكنة اى غير ذلك فان للمتكلمين مسلكين فى اثبات العلم الاول ان فعله تعالى متقن اى محكم خال عن وجوه الخلل ومشتمل على حكم ومصالح متكثرة وكل من فعله متقن فهو عالم والثانى انه فاعل بالقصد والاختيار لتخصيص بعض الممكنات ببعض الانحاء ولا يتصور ذلك الا مع العلم وفى قوله { وما تسرون } اشارة الى علماء الظاهر من الحكماء والمتكلمين والى علومهم الفكرية النظرية وما يسرون فيها من عقائدهم الفاسدة ومقاصدهم الكاسدة وفى قوله { وما تعلنون } اشارة الى علماء الباطن من المشايخ والصوفية والى معارفهم ومواجيدهم الذوقية الكشفية وما يظهرون منها من الكرامات وخوارق العادات والله عليم بصدور عمل كل واحد من صدور قلوبهم بحسب الرياء والاخلاص والحق والباطل.
التغابن 64:5
{ ألم يأتكم } أيها الكفرة والالف للاستفهام ولم للجحد ومعناه التحقيق { نبأ الذين كفروا } اى خبر قوم نوح ومن بعدهم من الامم المصرة على الكفر { من قبل } اى قبلكم فيكون متعلقا بكفروا او قبل هذا الوقت او هذا العصيان والمعاداة فيكون ظرفا لألم يأتكم { فذاقوا وبال امرهم } عطف على كفروا والذوق وان كان فى التعارف للقليل لكنه مستصلح للكثير والوبال الثقل والشدة المترتبة على امر من الامور والوبل المطر الثقيل القطار مقابل الطل وهو المطر الخفيف وامرهم كفرهم فهو واحد الامور عبر عنه بذلك للايذان بأنه امر هائل وجناية عظيمة والمعنى فذاقوا فى الدنيا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم من الضرر والعقوبة واحسوه احساس الذآئق المعطوم يعنى بس جشيدن كران بارئ خود ودشوارئ سر انجام خويش وضرر كفر وعقوبت اودردنيا بغرق وريح صرصر وعذاب يوم الظلة وامثال آن. وفى ايراد الذوق رمز الى ان ذلك المذوق العاجل شئ حقير بالنسبة الى ما سيرون من العذاب الآجل ولذلك قال تعالى { ولهم } فى الآخرة { عذاب أليم } اى مؤلم لا يقادر قدره وفيه اخبار بأن ما أصابهم فى الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم والا لم يعذبوا فى الآخرة بخلاف المؤمنين فان ما أصابهم فى الدنيا من الآلام والاوجاع والمصائب كفارة لذنوبهم على ما ورد فى الاخبار الصحيحة.
التغابن 64:6
{ ذلك } اى ما ذكر من العذاب الذى ذاقوه فى الدنيا وما سيذوقونه فى الآخرة { بأنه } اى بسبب ان الشان { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } اى بالمعجزات الظاهرة والباء اما للملابسة او للتعدية { فقالوا } عطف على كانت { ابشر } آيا آدميان مثل ما { يهدوننا } راه نمايند مارا. اى قال كل قوم من المذكورين فى حق رسولهم الذى اتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك ابشر وآدمى مثلنا يهدينا ويرشدنا الى الدين او الى الله والتقرب منه كما قالت ثمود ابشرا منا واحدا نتبعه انكروا أن يكون الرسول بشرا ولم ينكروا أن يكون المعبود حجرا وقد أجمل فى الحكاية فأسند القول الى جميع الاقوام وأريد بالبشر الجنس فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب والامر فى قوله تعالى
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا
وارتفاع بشر على انه فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده فيكون من باب الاشتغال وهو اولى من جعله مبتدأ وما بعده خبرا لان اداة الاستفهام تطلب الفعل ظاهرا او مضمرا قال القاشانى لما حجبوا بصفات نفوسهم عن النور الذى هو به يفضل عليهم بما لا يقاس ولم يجدوا منه الا البشرية انكروا هدايته فان كان كل عارف لا يعرف معروفه الا بالمعنى الذى فيه فلا يوجد النور الكمالى الا بالنور الفطرى ولا يعرف الكمال الا الكامل ولهذا قيل لا يعرف الله غير الله وكل طالب وجد مطلوبه بوجه ما والا لما امكنه التوجه نحوه وكذا كل مصدق بشئ فانه واحد للمعنى المصدق به بما فى نفسه من ذلك المعنى فلما لم يكن فيهم شئ من النور الفطرى اصلا لم يعرفوا منه الكمال فأنكروه ولم يعرفوا من الحق شيأ ولم يحدث فيهم طلب حتى يحتاجوا الى الهداية فأنكروا الهداية وقال بعضهم العارفين معرفة مقام الاولياء أصعب من الممكن من معرفة الله تعالى لان الله تعالى معروف بكماله وجماله وجلاله وقهره بخلاف الولى الكامل فانه ملآن من شهود الضعف يأكل ويشرب ويبول مثل غيره من الخلق ولا كرامة له تظهر الا بأن يناجى ربه وانى للخلق معرفة مقامه و والله لو كشف للخلق عن حقيقة الولى لعبد كما عبد عيسى عليه السلام ولو كشف لهم عن مشرقات نوره لانطوى نور الشمس والقمر من مشرقات نور قلبه ولكن فى ستر الحق تعالى لمقام الولى حكم واسرار وأدنى ما فى الستر أن لا يتعرض احد لمحاربة الله تعالى اذا آذاهم بعد أن عرفهم انهم اولياء الله فكان ستر مقامهم عن الخلق رحمة بالخلق وفتحا لباب اعتذار من آذاهم من غالب الخلق فان الاذى لم يزل من الخلق لهم فى كل عصر لجهلهم بمقامهم { فكفروا } اى بالرسل بسبب هذا القول لانهم قالوه استصغارا لهم ولم يعلموا الحكمة فى اختيار كون الرسل بشرا { وتولوا } عن التدبير فيما اتوا به من البينات وعن الايمان بهم { واستغنى الله } اى اظهر استغناءه عن ايمانهم وطاعتهم حيث اهلكهم وقطع دابرهم ولوا غناه تعالى عنهما لما فعل ذلك وقال سعدى المفتى هو حال بتقدير قد وهو بمعنى غنى الثلاثى والمراد كمال الغنى اذا لطلب يلزمه الكمال { والله غنى } عن العالمين فضلا عن ايمانهم وطاعتهم { حميد } يحمده كل مخلوق بلسان الحال ويدل على اتصافه بالصفات الكمالية او يحمده اولياؤه وان امتنع اعداؤه والحمد هو ذكر اوصاف الكمال من حيث هو كمال ومن عرف انه الحميد فى ذاته وصفاته وافعاله شغله ذكره والثناء عليه فان العبد وان كثرت محامده من عقائده واخلاقه وافعاله واقواله فلا يخلو عن مذمة ونقص الا النبى عليه السلام فانه محمد واحمد ومحمود من كل وجه وله المحمدة والكمال وفى الاربعين الادريسية يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه قال السهروردى رحمه الله من داومه يحصل له من الاموال مالا يمكن ضبطه.
التغابن 64:7
{ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } الزعم ادعاء العلم فمعنى أزعم زيدا قائما أقول انه كذا ففى تصدير الجملة بقوله ازعم اشعار بأنه لا سند للحكم سوى ادعائه اياه وقوله به ويتعدى الى مفعولين تعدى العلم وقد قام مقامهما ان المخففة مع ما فى حيزها فأن مخففة لاناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله والمراد بالموصول كفار مكة اى زعموا وادعوا ان الشان لن يبعثوا بعد موتهم ابدا ولن يقاموا ويخرجوا من قبورهم وعن شريح رضى الله عنه لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا قال بعض المخضرمين لابنه هب لى من كلامك كلمتين زعم وسوف انتهى. ويكره للرجل ان يكثر لفظ الزعم وامثاله فانه تحديث بكل ما سمع وكفى بذلك كذبا واذا أراد أن يتكلم تكلم بما هو محقق لا بما هو مشتبه بذلك يتخلص من أن يحدث بكل ما سمع فيكون معصوما من الكذب كذا فى المقاصد الحسنة { قل } ردا لهم وابطالا لزعمهم باثبات ما نفوه { بلى } اى تبعثون فان لا يجاب النفى الذى قبله وقوله { وربى لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم } اى لتحاسبن وتجزون بأعمالكم جملة مستقلة داخلة تحت الامر واردة لتأكيد ما أفاده كلمة بلى من اثبات البعث وبيان تحقق امر آخر متفرع عليه منوط به ففيه تأكيد لتحقق البعث بوجهين فقوله وربى قسم لعل اختياره ههنا لما ان فى البعث اظهار كمال الربوبية المفيدة لتمام المعرفة وايثار دوام التربية بالنعم الجسمانية الظاهرة والنعم الروحانية الباطنة وقوله { لتبعثن } اصله لتبعثون حذفت واوه لاجتماع الساكنين بمجيئ نون التأكيد وان كان على حده طلبا للخفة واكتفاء بالضمة وهو جواب قسم قبله مؤكد باللام المؤكدة للقيم وثم لتراخى المدة لطول يوم القيامة او لتراخى الرتبة وظاهر كلام اللباب أن يكون وربى قسما متعلقا بما قبله قد تم الكلام عنده وحسن الوقف عليه ويجعل تبعثن بما عطف عليه جواب قسم آخر مقدر مستانف لتأكيد الاول لعل فائدة الاخبار بالقسم مع ان المشركين ينكرون الرسالة كما ينكرون البعث ابطال لزعمهم بالتشديد والتأكيد ليتأثر من قدر الله له الانصاف وتتأكد الحجة على من لم يقدر له وكان محروما بالكلية { وذلك } اى ما ذكر من البعث والجزآء { على الله يسير } اى سهل على الله لتحقق القدرة التامة وقبول المادة واذا كان الامر كذلك.
التغابن 64:8
{ فآمنوا } بصرف ارادتكم الجزئية الى اسباب حصول الايمان { بالله } الباعث من القبور المجازى على كل عمل ظاهر أو مستور { ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم الذى اخبر عن شؤون الله تعالى وصفاته { والنور الذى انزلنا } اى انزلناه على رسولنا وهو القرءآن فانه بأعجازه بين بنفسه. انه حق نازل من عند الله مبين لغيره ومظهر للحلال و الحرام كما ان النور كذلك والالتفات الى نون العظمة لابراز كمال العناية { والله بما تعملون } من الامثتال بالامر وعدمه { خبير } فمجمازيكم عليه.
التغابن 64:9
{ يوم يجمعكم } ظرف لتنبئون وما بينهما اعتراض او مفعول لا ذكر الظاهر ان الخطاب لمن خوطب اولا بقوله ألم يأتكم { ليوم الجمع } ليوم يجمع فيه الاولون والآخرة من الجن والانس واهل السماء والارض اى لاجل ما فيه من الحساب والجزآء وهو يوم القيامة فاللام للعهد اى جمع هذا اليوم عن النبى عليه السلام اذا جمع الله الاولين والآخرين جاء مناد ينادى بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم اهل الجمع اليوم من اولى بالكرم ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانوا يحمدون الله فى البأساء والضرآء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا الى الجنة ثم يحاسب سائر الناس وقيل المراد جمع الله بين العبد وعمله وقيل بين الظالم والمظلوم او بين كل نبى وامته { ذلك } اليوم { يوم التغابن } تفاعل من الغبن وهو أن تخسر صاحبك فى معاملة بينك وبينه بضرب من الاخفاء والتغابن أن يغبن بعضهم بعضا ويوم القيامة غبن بعض الناس بعضا بنزول السعدآء منازل الاشقيا لو كانوا سعدآء وبالعكس وفيه تهكم لان نزولهم ليس بغبن ان كون نزول الاشقياء منازل السعدآء من النار لو كانوا اشقياء غبنا باعتبار الاستعارة التهكمية والا فهم بنزولهم فى النار لم يغبنوا اهل الجنة وفى الحديث
" ما من عبد يدخل الجنة الا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار الا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة "
وتخصيص التغابن بذلك اليوم للايذان بأن التغابن فى الحقيقة هو الذى يقع فيه مالا يقع فى امور الدنيا فاللام للعهد الذى يشار به عند عدم المعهود الخارجى الى الفرد الكامل اى التغابن الكامل العظيم الذى لا تغابن فوقه قال القاشانى ليس التغابن فى الامور الدنيوية فانها امور فانية سريعة الزوال ضرورية الفناء لا يبقى شئ منها لاحد فان فات شئ من ذلك أو أفاته احد ولو كان حياته فانما فات او افيت ما لزم فواته ضرورة فلا غبن ولا حيف حقيقة وانما الغبن والتغابن فى افاته شئ لو لم يفته لبقى دآئما وانتقع به صاحبه سرمدا وهو النور الكمالى والاستعدادى فتظهر الحسرة والتغابن هناك فى اضاعة الربح ورأس المال فى تجارة الفوز والنجاة كما قال
فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين
فمن اضاع استعداده او اكتسب منه شيأ ولم يبلغ غايته كان مغبونا بالنسبة الى الكمال التام وكأنما ظفر ذلك الكامل بمقامه ومرامه وبقى هذا متحسرا فى نقصانه انتهى. وقال الراغب يوم التغبن يوم القيامة لظهور الغبن فى المبايعة المشار اليها بقوله
ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله
وبقوله
ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
وقوله
الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
فلعلهم غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوا من ذلك جميعا وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقالوا تبدوا الاشياء بخلاف مقاديرها فى الدنيا وقال بعضهم يظهر يومئذ غبن الكافر بترك الايمان وغبن المؤمن بتقصيره فى الاحسان واذا دخل العارف الجنة ورآه صاحب الحال فانه يراه كما يرى الكوكب الدرى فى السماء فيتمنى أن يكون له مثل مرتبة العارف فلا يقدر عليها فيتحسر على تفويته اسباب ذلك فى الدنيا وقد ورد لا يتحسر اهل الجنة فى الجنة الا ساعة مرت بهم لم يذكرو الله فيها قيل اشد الناس غبنا يوم القيامة ثلاثة نفر عالم علم الناس فعملوا بعلمه وخالف هو علمه فدخل غيره الجنة بعلمه ودخل هو النار بعمله وعبد أطاع الله بقوة مال سيده وعصى الله سيده فدخل العبد الجنة بقوه مال مالكه ودخل مالكه النار بمعصية الله وولد ورث مالا من ابيه وأبوه شح به وعصى الله فيه فدخل أبوه ببخله النار ودخل هو بانفاقه الخير الجنة
بخور اى نيك سيرت وسره مرد كان نكون بخت كرد كرد ونخورد
وفى الحديث
" لا يلقى الله احد الا نادما ان كان مسيئا ان لم يحسن وان كان محسنا ان لم يزدد "
وقال بعض العارفين لا يجوز الترقى فى الآخرة الا فى مقام حصله المكلف فى هذه الدار فمن عرف شيئا وتعلقت همته بطلبه كان له اما عاجلا واما آجلا فان ظفر به فى حياته كان ذلك اختصاصا واعتناء وان لم يظفر به فى حياته معجلا كان مدخرا له بعد المفارقة يناله ثم ضرورة لازمة ومن لم يتحقق بمقام فى هذا الموطن لم يظفر به ثم ولذلك سمى يوم التغابن لانقطاع الترقى فيه فاعلم ذلك. وقال بعضهم الغبن كل الغبن أن لا يعرف الصفاء فى الكدورة واللطف فى صورة القهر فتوحش عن الحق بالتفرقة وهو فى عين الجمع والانس وايضا يقع الغبن لمن كان مشغولا بالجزآء والعطاء ورؤية الاعواض واما من كان مشغولا بمشاهدة الحق فقد خرج عن حد الغبن وايضا يقع الكل فى الغبن اذا عاينوا الحق بوصفه وهم وجدوه اعظم وأجل مما وجدوه فى مكاشفاتهم فى الدنيا فيكونون مغبونين حيث لم يعرفوه حق معرفته ولم يعبدوه حق عبادته وان كانوا لا يعرفونه ابدا حق معرفته واى غبن اعظم من هذا اذ يرونه ولا يصلون الى حقيقة وجوده. وقال ابن عطاء رحمه الله تغابن اهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلى وقال بعض الكبار يوم شهود الحق فى مقام الجمعية يوم غبن اهل الشهود والمعرفة على اهل الحجاب والغفلة فانهم فى نعيم القرب والجمع واهل الحجاب فى جحيم البعد والفراق { ومن يؤمن بالله } بالصدق والاخلاص بحسب نور استعداده { ويعمل صالحا } اى عملا صالحا بمقتضى ايمانه فان العمل انما يكون بقدرالنظر وهو اى العمل الصالح ما يبتغى به وجه الله فرضا او نقلا روى ان ابراهيم بن ادهم رحمه الله أراد ان يدخل الحمام فطلب الحمامى الاجرة فتأوه وقال اذا لم يدخل احد بيت الشيطان بلا أجره فانى يدخل بيت الرحمن بلا عمل { يكفر } اى يغفر الله ويمح { عنه سيئاته } يوم القيامة فلا يفضحه به { ويدخله } بفضله وكرمه لا بالايجاب { جنات } على حسب درجات اعماله { تجرى من تحتها } اى من تحت صورها واشجارها { الانهار } الاربعة { خالدين فيها } حال من الهاء فى يدخله وحد أولا حملا على لفظ من ثم جمع حملا على معناه { ابدا } نصب على الظرف وهو تأكيد للخلود { ذلك } اى ما ذكر من تكفير السيئات وادخال الجنات { الفوز العظيم } الذى لا فوز ورآءه لانطوآئه على النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجل الطيبات فيكون أعلى حالا من الفوز الكبير لانه يكون بجلب المنافع كما فى سورة البروج والفوز العظيم فى الحقيقة هو الانخلاع عن الوجود المجازى والتلبس بلباس الوجود الحقيقى وذلك موقوف على الايمان الحقيقى الذوقى والعمل الصالح المقارن بشهود العامل فان نور الشهود حينئذ يستر ظلمات وجوده الاضافى وينوره بنور الوجود الحقيقى ويدخله جنات الوصول والوصال التى تجرى من تحتها الانهار مملوءه من ماء المعارف والحكم.
التغابن 64:10
{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } تصريح بما علم التزاما والمراد بالآيات اما القرءآن او المعجزات فان كلا منهما آية لصدق الرسول { اولئك اصحاب النار } اى اهلها اما بمعنى مصاحبوها لخلودهم فيها او مالكوها تنزيلا لهم منزلة الملاك للتهكم حال كونهم { خالدين فيها } اى ابدا بقرينة المقابلة { وبئس المصير } اى النار كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن وانما قلنا كأن لان الواو يمانع الحمل على البيان كما عرف فى المعانى وفى الآية اشارة الى المحجوبين عن الله المحرومين من الايمان الحقيقى به بأن يكون ذلك بطريق الذوق والوجدان لا بطريق العلم والبرهان المكذبين آيات الله الظاهرة فى خواص عبادة بحسب التجليات فانهم اصحاب نار الحجاب وجحيم الاحتجاب على الدوام والاستمرار وبئس المصير هذه النار فعلى العاقل أن يجتهد حتى يكشف الله عمى قلبه وغشاوة بصيرته فيشاهد آثار الله وآياته فى الانفس والآفاق ويتخلص من الحجاب على الاطلاق ففى نظر العارفين عبرة وحكمة وفى حركاتهم شأن ومصلحة حكى ان أبا حفص النيسابورى رحمه الله خرج مع اصحابه فى الريبيع للتنزه فمر بدار فيها شجرة مزهرة فوقف ينظر اليها معتبرا فخرج من الدار شيخ مجوسى فقال له يا مقدم الاخيار هل تكون ضيفا لمقدم الاشرار فقال نعم فدخلوا وكان معهم من يقرأ القرءآن فلما فرغ قال لهم المجوسى خذوا هذه الدراهم واشتروا بها طعاما من السوق من اهل ملتكم لانكم تتنزهون عن طعامنا ففعلوا فلما أرادوا الخروج قال المجوسى للشيخ لا افارقك بل اكون احد اصحابك ثم اسلم هو واولاده ورهطه وكانوا بضع عشرة نفسا فقال أبو حفص لأصحابه اذا خرجتم للتنزه فاخرجوا هكذا.
جون نظر ميداشت ارباب شهود مؤمن آمد بى نفاق اهل جحود
التغابن 64:11
{ ما } نافية ولذا زاد من المؤكدة { أصاب } الخلق يعنى نرسد بهيج كس { من مصيبة } من المصائب الدنيوية فى الابدان والأولاد والأموال { الا باذن الله } استثناء مفرغ منصوب المحل على الحال اى ما أصاب مصيبة ملتبسة بشئ من الاشياء الا باذن الله اى بتقديره وارادته كأنها بذاتها متوجهة الى الانسان متوقفة على اذنه تعالى ان تصيبه وهذا لا يخالف قوله تعالى فى سورة الشعرآء
وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير
اى بسبب معاصيكم ويتجاوز عن كثير منها ولا يعاقب عليها اما اولا فلان هذا القول فى حق المجرمين فكم من مصيبة تصيب من أصابته لامر آخر من كثرة الأجر للصبر وتكفير السيئات لتوفيه الأجر الى غير ذلك وما أصاب المؤمنين فمن هذا القبيل واما ثانيا فلان ما أصاب من ساء بسوء فعله فهو لم يصب الا باذن الله وارادته ايضا كما قال تعالى
قل كل من عند الله
اى ايجادا وايصالا فسبحان من لا يجرى فى ملكه الا ما يشاء وكان الكفار يقولون لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب فى اموالهم وابدانهم فى الدنيا فبين الله ان ذلك انما يصيبهم بتقديره ومشيئته وفى اصابتها حكمة لا يعرفها الا هو منها تحصيل اليقين بأن ليس شئ من الامر فى يديهم فيبر أون بذلك من حولهم وقوتهم الى حول الله وقوته ومنها ما سبق آنفا من تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصبر عليها والرضى بقضاء الله الى غير ذلك ولو لم يصب الانبياء والاولياء محن الدنيا وما يطرأ على الاجسام لافتتن الخلق بما ظهر على أيديهم من المعجزات والكرامات على ان طريان الآلام والاوجاع على ظواهرهم لتحقق بشريتهم لا على بواطنهم لتحقق مشاهدتهم والانس بربهم كأنهم معصومون محفوظون منها لكون وجودها فى حكم العدم بخلاف حال الكفار والاشرار نسأل العفو والعافية من الله الغفار. وفى الآية اشارة الى اصابة مصيبة النفس الامارة بالاستيلاء على القلب والى اصابة مصيبة القلب السيار بالغلبة على النفس فانهما باذن تجلية القهرى للقلب الصافى بحسب الحكمة او باذن تجلية اللطفى الجمالى للنفس الجانية بحسب النقمة { ومن يؤمن بالله } يصدق به ويعلم انه لا يصيبه مصيبة الا باذن الله والاكتفاء بالايمان بالله لانه الاصل { يهد قلبه } عند اصابتها للثبات والاسترجاع فيثبت ولا يضطرب بأن يقول قولا ويظهر وصفا يدل على التضجر من قضاء الله وعدم الرضى به ويسترجع ويقول انا الله وانا اليه راجعون ومن عرف الله واعتقد انه رب العالمين يرضى بقضائه ويصبر على بلائه فان التربية كما تكون بما يلائم الطبع تكون بما يتنفر عنه الطبع وقيل يهد قلبه اى يوفقه لليقين حتى يعلم ان ما أصابه لم يكن ليخطئه وما اخطأه لم يكن ليصيبه فيرضى بقضائه ويسلم لحكمه وقيل يهد قلبه اى يلطف به ويشرحه لازدياد الطاعة والخير وبالفارسية الله راه نما يددل اورا به بسند كارى ومزيد طاعت.
وقال ابو بكر الوراق رحمه الله ومن يؤمن بالله عند الشدة والبلاء فيعلم انها من عدل الله يهد قلبه الى حقائق الرضى وزوآئد اليقين وقال أبو عثمان رحمه الله من صحح ايمانه بالله يهد قلبه لاتباع سنن نبيه عليه السلام وعلامة صحة الايمان المداومة على السنن وملازمة الاتباع وترك الآرآء والاهوآء المضلة وقال بعضهم ومن يؤمن بالله تحقيقا يهد قلبه الى العمل بمقتضى ايمانه حتى يجد كمال مطلوبه الذى امن به ويصل الى محل نظره وقال بعضهم ومن يؤمن بالله بحسب ذاته نور قلبه بنور المعرفة باسمائه وصفاته اذ معرفة الذات تستلزم معرفة الصفات والاسماء من غير عكس وباعتبار سبق الهداية ولحوقها فان الايمان بالله انما هو بهداية سابقة وهداية القلب انما هى هداية لاحقة يندفع توهم ان الايمان موقوف على الهداية فاذا كانت هى موقوفة عليه كما تفيده من الشرطية لما ان الشرط مقدم على المشروط لدار فان للهداية مراتب تقدما وتأخرا لا تنقطع ولذلك ندعو الله كل يوم ونقول مرارا اهدنا الصراط المستقيم بناء على ان فى كل عمل نريده صراطا مستقيما يوصل الى رضى الله تعالى وقيل انه مقلوب ومعناه من يهد قلبه يؤمن بالله. وروى فى يهد سبع قراآت المختار من السبع يهد مفردا غائبا راجعا ضميره الى الله مجزوم الآخر ليكون جواب الشرط المجزوم من الهداية وقرئ نهد بالنون على الالتفات منها ايضا ويهد مجهولا برفع قلبه على انه قائم مقام الفاعل منها ايضا ويهد بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ورفع قلبه ايضا بمعنى يهتد كقوله تعالى آمن لا يهدى الا أن يهدى ويهدأ من باب يسأل ويهدا بقلبها ألفا ويهد بحذفها تخفيفا فيهما والمعنى يطمئن ويسكن الى الحق { والله بكل شئ } من الاشياء التى من جملتها القلوب واحوالها كتسليم من انقاد لامره وكراهة من كرهه وكآفاتها وخلوصها من الآفات { عليم } فيعلم ايمان المؤمن وخلوصه ويهدى قلبه الى ما ذكر.
التغابن 64:12
{ واطيعوا الله } اطاعة العبد لمولاه فيما يأمره { واطيعوا الرسول } اطاعة الامة لنبيها فيما يؤديه عن الله اى لا يشغلنكم المصائب عن الاشتغال بطاعته والعمل بكتابه وعن الاشتغال بطاعة الرسول واتباع سنته وليكن جل همتكم في السرآء والضرآء العمل بما شرع لكم قال القاشانى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول على حسب معرفتكم بالله وبالرسول فان اكثر التخلف عن الكمال والوقوع فى الخسران والنقصان انما يقع من التقصير فى العمل وتاخر القدم لا من عدم النظر كرر الامر للتأكيد والايذان بالفرق بين الطاعتين فى الكيفية وتوضيح مورد التولى فى قوله { فان توليتم } اى اعرضتم عن اطاعة الرسول { فانما على رسولنا البلاغ المبين } تعليل للجواب المحذوف اى فلا بأس عليه اذما عليه الا التبليغ المبين وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه واظهار الرسول مضافا الى نون العظمة فى مقام اضماره لتشريفه عليه السلام والاشعار بمدار الحلم الذى هو كون وظيفته عليه السلام محض البلاغ ولزيادة تشنيع التولى عنه وفى التأويلات النجمية أطيعوا الله بتهيئة الاسباب بمظهرية ذاته وصفاته واطيعوا الرسول بتحصيل القابلية لمظهرية احكام شريعته الظاهرة وآداب طريقته الباطنة فان اعرضتم عن تهيئة الاسباب والاستعداد وتصفية هذين الامرين الكليين بالاقبال على الدنيا والاستهلاك فى بحر شهواتها فانما على رسولنا البلاغ المبين وعليكم العذاب المهين.
التغابن 64:13
{ الله لا اله } فى الوجود { الا هو } جملة من مبتدأ وخبر اى هو المستحق للعبودية لا غير وهو القادر على الهداية والضلالة لا شريك له فى الارشاد والاضلال وليس بيد الرسول شئ من ذلك { وعلى الله } اى عليه تعالى خاصة دون غيره لا استقلالا ولا اشتراكا { فليتوكل المؤمنون } فى تثبيت قلوبهم على الايمان والصبر على المصائب واظهار الجلالة فى موضع الاضمار للاشعار بعلية التوكل والامر به فان الالوهية مقتضية للتبتل اليه تعالى بالكلية وقطع التعلق عما سواه بالمرة وفى الآية بعث لرسول الله وللمؤمنين وحث لهم على الثبات على التوكل والازدياد فيه حتى ينصرهم على المكذبين وعلى من تولى عن الطاعة وقبول احكام الدين. واعلم ان التوكل من المقامات العالية وهو اظهار العجز والاعتماد على الغير وفى الحدآئق التوكل هو الثقة بما عند الله واليأس مما فى أيدى الناس وظاهر الامر يفيد وجوب التوكل مع انه غير موجودفى اكثر الناس فيلزم أن يكونوا عاصين ولعل المأمور به هو التوكل العقلى وهو أن يعتقد العبد انه ما من مراداته الدنيوية والاخروية الا وهو يحصل من الله فيثق به فى حصوله ويرجو منه وان كانت النفس تلتفت الى الغير وتتوقع منه نظرا الى اعتقاد سببيته والله مسبب الاسباب واما التوكل الطبيعى الذى لا يكون ثقة صاحبه طبعا الا بالله وحجه ولا اعتماده الا عليه فى جميع مقاصده مع قطع النظر عن الاغيار كلها رأسا فهو عسير قلما يوجد الا فى الكمل من الاولياء كما حكى عن بشر الحافى رحمه الله انه جائه جماعة من الشأم وطلبوا منه أن يحج معهم فقال نعم ولكن بثلاثة شروط أن لا نحمل معنا شيأ ولا نسأل احدا ولا نقبل من احد شيأ فقالوا اما الاول والثانى فنقدر عليه اما الثالث فلا نقدر فقال أنتم الذين تحجون متوكلين على زاد الحاج وقيل من ادعى التوكل ثم شبع فقد حمل زادا وعن بعضهم انه قال حججت اربع عشرة مرة حافيا متوكلا وكان يدخل الشوك فلا اخرجه لئلا ينقص توكلى وعن ابراهيم الخواص رحمه الله بينما أنااسير فى البادية اذ قال لى اعرابى يا ابراهيم التوكل عندنا فاقم عندنا حتى يصح توكلك أما تعلم ان رجاءك دخول بلد فيه اطعمة يحملك ويقويك اقطع رجاءك عن دخول البلدان فتوكل فاذا كان رجاء دخول البلدان مانعا عن التوكل التام فما ظنك بالاقامة فى بلاد خصبة ولذا اوقع الله التوكل على الجلالة لانها جامعة لجميع الاسماء فالتوكل عليه توكل تام والتوكل على الاسماء الجزئية توكل ناقص فمن عرف الله وكل اليه اموره وخرج هو من البين ومن جعل الله وكيله لزمه ايضا أن يكون وكيلا لله على نفسه فى استحقاق حقوقه وفرآئضه وكل ما يلزمه فيخاصم نفسه فى ذلك ليلا ونهارا أى لا يفتر لحظة ولا يقصر طرفة فان الاوقات سريعة المرور خاك دردستش بودجون بادهنكام اجل. هركه اوقات كرامى صرف آب وكل كند.
التغابن 64:14
{ يا أيها الذين آمنوا } ايمانا خالصا { ان من ازواجكم } جمع زوج يعم الحليل والحليلة وسيجئ ما فى اللباب { واولادكم } جمع ولد يعم الابن والبنت { عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله وان لم يكون لهم عداوة ظاهرة فان العدو لا يكون عدوا بذاته وانما يكون عدوا بفعله فاذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا ولا فعل اقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة او يخاصمونكم فى اموار الدنيا واشد المكر ما يكون فى الدين فان ضرره اشد من ضرر ما يكون فى الدنيا وجاء فى الخبر ليس عدوك الذى لقيته فقتلته وآجرك الله على قتله ولكن اعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك وامرأتك تضاجعك على فراشك وولدك من صلبك قدم الازواج لانها مصادر الاولاد ولانها لكونها محل الشهوات ألصق بقلوب الناس وأشد اشغالا لهم عن العبودية ولذا قدمها الله تعالى فى قوله
زين للناس حب الشهوات من النساء
وفى الالباب ان قوله { ان من ازواجكم } يدخل فيه الذكر فكما ان الرجل تكون زوجته وولده عدوا له كذلك المرأة يكون زوجها عدوا لها بهذا المعنى فيكون الخطاب هنا عاما على التغليب ويحتمل أن يكون الدخول باعتبار الحكم لا باعتبار الخطاب { فاحذروهم } الحذر احتراز عن مخيف والضمير للعدو فانه يطلق على الجمع قال بعضهم احذروهم اى احفظوا أنفسكم من محبتهم وشدة التعلق والاحتجاب بهم ولا تؤثروا حقوقهم على حقوق الله تعالى وفى الحديث
" اذا كان امرآؤكم خياركم واغنياؤكم اسخياءكم وامركم شورى بينكم اى ذا تشاور لا يتفرد احد برأى دون صاحبه فظهر الارض خير لكم من بطنها واذا كان امراؤكم شراركم واغنياؤكم بخلاءكم وامركم الى نسائكم فبطن الارض خير لكم من ظهرها "
وفى الحديث
" شاوروهن وخالفوهن "
وقد استشار النبى عليه السلام ام سلمة رضى الله عنها كما فى قصة صلح الحديبية فصار دليلا لجواز استشارة المرأة الفاضلة ولفضل ام سلمة ووفور عقلها حتى قال امام الحرمين لا نعلم امرأة اشارت برأى فأصابت الا ام سلمة كذا قال وقد استدرك بعضهم ابنة شعيب فى امر موسى عليهما السلام حكى ان خسرو كان يحب اكل السمك فكان يوما جالسا فى المنظرة وشيرين عنده اذ جاء صياد ومعه سمكة كبيرة فوضعها بين يديه فأعجبته فأمر له بأربع آلاف درهم فقالت شيرين بئس ما فعلت لانك اذا أعطيت بعد هذا احدا من عسكرك هذا القدر احتقره وقال أعطانى عطية الصياد فقال خسرو لقد صدقت لكن يقبح على الملوك أن يرجعوا فى عطياتهم فقالت شيرين تدعو الصياد وتقول له هذه السمكة ذكر او انثى فان قال ذكر فقل انما أردنا انثى وان قال انثى فقل انما أردنا ذكرا فنودى الصياد فعاد فقال له الملك هذه السمكة ذكر أو انثى فقال هذه السمكة خنثى فضحك خسرو من كلامه وامر له بأربعة آلاف درهم اخرى فقبض ثمانية آلاف درهم ووضعها فى جراب معه وحملها على كاهله وهم بالخروج فوقع من الجراب درهم واحد فوضع الصياد الجراب وانحنى على الدرهم فأخذه والملك وشيرين ينظران اليه فقالت شيرين للملك أرأيت الى خسة هذا الرجل وسفالته سقط منه درهم واحد فألقى عن كاهله ثمانية آلاف درهم وانحنى على ذلك الدرهم وأخذه ولم يسهل عليه أن يتركه فغضب الملك وقال لقد صدقت يا شيرين ثم امر باعادة الصياد فقال يا دنيئ الهمة لست بانسان ما هذا الحرص والتهالك على درهم واحد فقبل الصياد الارض وقال انى لم ارفع ذلك الدرهم لخطره عندى وانما رفعته عن الارض لان على احد وجهيه اسم الملك وعلى الآخر صورته فخشيت أن يأتى احد بغير علم فيضع عليه قدمه فيكون ذلك استخفافا بالملك وصورته فتعجب خسرو من كلامه فأمر له بأربعة آلاف درهم اخرى وكتب وصية للناس بأن لا تطيعوا النساء اصلا ولا تعملوا برأيهن قطعا وحكى ان رجلا من بنى اسرآئيل أتى سليمان عليه السلام وقال يا نبى الله أريد أن تعلمنى لسان البهائم فقال سليمان ان كنت تحب ان تعلم لسان البهائم أنا اعلمك ولكن اذا اخبرت احدا تموت من ساعتك فقال لا اخبر احدا فقال سليمان قد علمتك وكان للرجل ثور وحمار يعمل عليهما فى النهار فاذا امسى ادخل عليهما علفا فحط العلف بين يديهما فقال الحمار للثور اعطنى الليلة عشاءك حتى يحسب صاحبنا انك مريض فلا يعمل عليك ثم انى أعطيك عشائى فى الليلة القابلة فرفع الثور رأسه من علفه فضحك الرجل فقالت امرأته لم تضحك قال لا شئ فلما جاءت الليلة القابلة أعطى الرجل للحمار علفه وللثور علفه وقال الثور اقضنى السلف الذى عندك فانى أمسيت مغلوبا من الجوع والتعب فقال له الحمار انك لا تدرى كيف كان الحال قال الثور وما ذاك قال ان صاحبنا البارحة ذهب وقال لجزار ثورى مريض اذبحه قبل أن يعجف فاصبر الليلة وأسلفنى ايضا عشاءك حتى اذا جاءك الجزاء صباحا وجدك عجيفا ولا يذبحك فتنجو من الموت ولو تعشيت يمتلئ بطنك فيخشى عليك أن يحسبك سمينا فيذبحك انى أرد لك ما أسفلتنى الليلتين فرفع رأسه عن علفه ولم يأكل فضحك الرجل فقالت المرأة لم تضحك اخبرنى والا طلقنى فقال الرجل اذا اخبرتك بما ضحكت اموت من ساعتى فقالت لا أبالى فقال ائتينى بالدواة والقرطاس حتى اكتب وصيتى ثم اخبر ثم اموت فناولته فبينما هو يكتب اذ طرحت المرأة كسرة من الخبز الى الكلب فسبق الديك واخذها بمنقاره قال الكلب ظلمتنى قال الديك صاحبنا يريد الموت فتكون انت شبعانا من وليمة المأتم ولكن نحن نبقى فى مبيتا الى ثلاثة ايام لا يفتح لنا الباب وان يمت برضى امرأته ابعده الله واسخطه فان لى تسع نسوة لا تقدر واحد منهن أن تسأل عن سرى ولو كنت أنا مكانه لأضربنها حتى تموت او تتوب وبعد ذلك لا تسأل عن سر زوجها فأخذ الرجل عصا ولم يزل يضربها حتى ثابت من ذلك
زنى راكه جهلست وبارساتى بلا برسر خود نه زن خواستى
وافادت من التبعيضية فى قوله { ان من ازواجكم } الخ ان منها ما ليس بعدو كما قال عليه السلام
" الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة وقال عليه السلام ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان امرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها أبرته وان غاب عنها نصحته فى نفسها وما له "
فاذا كانت المرأة على هذه الاوصاف فهى ميمونة مباركة والا فهى مشئومة منحوسة.
كرا خانه آباد وهمخوا به دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست
{ وان تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بامور الدنيا او بامور الدين لكن مقارنة للتوبة { وتصفحوا } يترك التثريب والتعبير يقال صفحت عن فلان اذا أعرضت عن ذبنه والتثريب عليه { وتغفروا } باخفائها وتمهيد عذرها { فان الله غفور رحيم } يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم وهذا كقوله
وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا
نزلت فى عوف بن مالك الا شجعى رضى الله عنه كان ذا اهل وولد وكان اذا أراد الغزو بكوه ورققوه وقالوا الى من تدعنا فيرق ويقيم. وأراد الخطيئة وهو شاعر مشهور سفرا فقال لامرأته
عدى السنين لغيبتى وتصبرى وذرى الشهور فانهن قصار
فأجابته
واذكر صبابتنا اليك وشوقنا وارحم بناتك انهن صغار
وقيل ان ناسا من المؤمنين أرادوا الهجرة من مكة فثبطهم ازواجهم واولادهم فزينوا لهم القعود قيل قالوا لهم اين تذهبوا وتدعون بلدكم وعشيرتكم واموالكم فغضبوا عليهم وقالوا لئن جمعنا الله فى دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخير فحثوا على أن يعفوا عنهم ويردوا اليهم البر والصلة قال القاشانى وان تعفوا بالمداراة وتصفحوا عن جرآئمهم بالحلم وتغفروا جناياتهم بالرحمة فلا ذنب ولا حرج انما الذنب فى الاحتجاب بهم وافراط المحبة وشدة التعلق لا فى مراعاة العدالة والفضيلة ومعاشرتهم بحسن الخلق فانه مندوب بل اتصاف بصفات الله فان الله غفور رحيم فعليكم بالتخلق باخلاقه وفى الحث على العفو والصفح اشارة الى أن ليس المراد من الامر بالحذر تركهم بالكلية والاعراض عن معاشرتهم ومصاحبتهم كيف والنساء من اعظم نعم الجنة وبها نظام العالم فانه لولا الازواج لما وجد الانبياء والاولياء والعلماء والصلحاء وقد خلق المخلوقات لاجلهم ومن الله على عباده تذكير النعمة حيث قال
خلق لكم من أنفسكم ازواجا
وهذا كما روى عنه عليه السلام انه كان يقول
" اتقوا الدنيا والنساء "
فان الامر بالاتقاء انما هو للتحذير عما يضر فى معاشرتها لا للترك بالكلية فكما ان الدنيا لا تترك بالكلية ما دام المرء حيا وانما يحذر من التعلق بها ومحبتها الشاغلة عن محبة الله تعالى فكذا النساء ولأمر ما حبب الله اليه عليه السلام النساء وقال عليه السلام
" اذا مات الانسان انقطع عنه عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له "
كما سبق بيانه فى سورة النجم فقد حث عليه السلام على وجود الولد الصالح ولم يعده من الدنيا بل عده من الخير الباقى فى الدنيا وبه يحصل العمر الثانى وفى الآية اشارة الى أن النفوس الامارة واللوامة واولادها وهى صفات تلك النفوس واخلاقها الشهوانية عدو للانسان يمنعه عن الهجرة الى مدينة القلب فلا بد من الحذر عن متابعتها ومخالتطها بالكلية وتصرفاتها فى جميع الاحوال وأن تعفو عن هفواتهم الباطلة الواقعة منهم فى بعض الاوقات لكونهم مطية لكم وتصفحوا بعد التوبيخ والتعيير وتغفروا بأن تستروا ظلمتهم بنور ايمانكم وشعاع معرفة قلوبكم فان الله غفور ساتر لكم يستر بلطفه رحيم بكم بافاضة رحمته عليكم جعلنا الله واياكم من اهل تقواه ومغفرته وتغمدنا بأنواع رحمته.
التغابن 64:15
{ انما اموالكم واولادكم فتنة } بلاء ومحنة يوقعونكم فى الاثم والعقوبة من حيث لا تحتسبون وقال الكاشفى آز مايش است تا ظاهر كرددكه كدام از ايشان حق را برايشان ايثار ميكند وكدام دل درمال ولد بسته از محبت الهى كرائه ميكيرد. وجيئ بانما للحصر لان جميع الاموال والاولاد فتنة لانه لا يرجع الى مال او ولد الا هو مشتمل على فتنة واشتغال قلب وتأخير الاولاد من باب الترقى من الأدنى الى الأعلى لان الاولاد ألصق بالقلوب من الاموال لكونهم من اجزاء الآباء بخلاف الاموال فانها من توابع الوجود وملحقاته ولذا جعل توحيد الافعال فى مقابلة الفناء عن الاولاد وتوحيد الذات فى مقابلة الفناء عن النفس { والله عنده اجر عظيم } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الاموال والاولاد والتدبير فى مصالحهم زهدهم فى الدنيا بان ذكر عيبها ورغبهم فى الآخرة بذكر نعيمها وعن ابن مسعود رضى الله عنه لا يقولن احدكم اللهم اعصمنى من الفتن فانه ليس احد منكم يرجع الى مال وولد الا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل اللهم انى اعوذ بك من مضلات الفتن نظيره ما حكى عن محمد ابن المنكدر رحمه الله انه قال قلت ليلة فى الطواف اللهم اعصمنى واقسمت على الله تعالى فى ذلك كثيرا فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول لى انه لا يفعل ذلك قلت لم قال لانه يريد أن يعصى حتى يغفر وهذا من الاسرار المصونة والحكم المسكوت عنها وفى مشكاة المصابيح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب اذ جاء الحسن والحسين رضى الله عنهما عليهما قميصان احمران يمشيان ويعثران فنزل عليه السلام من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال
" صدق الله انما اموالكم واولادكم فتنة نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم اصبر حتى قطعت حديثى "
ورفعتهما ثم اخذ عليه السلام فى خبطته قال ابن عطية وهذه ونحوها هى فتنة الفضلاء فاما فتنة الجهال الفسقة فمؤدية الى كل فعل مهلك يقال ان اول ما يتعلق بالرجل يوم القيامة اهله واولاده فيوقفونه بين يدى الله تعالى ويقولون يا ربنا خذ بحقنا منه فانه ما علمنا ما نجهل وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم فيقتص لهم منه وتأكل عياله حسناته فلا يبقى له حسنة ولذا قال عليه السلام
" يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له اكل عياله حسناته "
وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات وهو دود يقع فى الطعام والثوب وغيرهما ومن ثم ترك كثير من السلف المال والاهل رأسا واعرضوا عنهما بالكلية لان كل شئ يضل عن الله فهو مشئوم على صاحبه ولذا كان عليه السلام يقول فى دعائه
" اللهم من أحبنى وأجاب دعوتى فأقلل ماله وولده ومن أبغضنى ولم يجب دعوتى فاكثر ماله وولده "
وهذا للغالب عليهم النفس واما قوله عليه السلام فى حق انس رضى الله عنه
" اللهم أكثر ماله وولده وبارك فيما أعطيته فهو لغيره "
التغابن 64:16
{ فاتقوا الله ما استطعتم } اى ابذلوا فى تقواه جهدكم وطاقتكم قال بعضم اى ان علمتم ذلك وانتصحتم به فاتقوا ما يكون سببا لمؤاخذة الله اياكم من تدبير امورهما ولا ترتكبوا ما يخالف امره تعالى من فعل او ترك وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى
اتقوا الله حق تقاته
لما اشتد عليهم بان قاموا حتى ورمت اقدامهم وتقرحت جباههم فنزلت تيسيرا لعباد الله وعن ابن عباس رضى الله عنهما انها آية محكمة لا ناسخة فيها لعله رضى الله عنه جمع بين الآيتين بأن يقول هنا وهنالك فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم واجتهدوا فى الاتصاف به بقدر طاقتكم فانه لا يكلف الله نفسا الا وسعها وحق التقوى ما يحسن أن يقال ويطلق عليه اسم التقوى وذلك لا يقتضى أن يكون فوق الاستطاعة وقال ابن عطاء رحمه الله هذا لمن رضى عن الله بالثواب فاما من لم يرض عنه الا به فان خطابه فاتقوا الله حق تقاته أشار رضى الله عنه الى الفرق بين الابرار والمقربين فى حال التقوى فقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } ناظر الى الابرار وقوله تعالى
اتقوا الله حق تقاته
ناظر الى المقربين فان حالهم الخروج عن الوجود المجازى بالكلية وهو حق التقوى وقال القاشانى فاتقوا الله فى هذه المخالفات والآفات فى مواضع البليات مااستطعتم بحسب مقامكم ووسعكم على قدر حالكم ومرتبتكم قال السرى قدس سره المتقى من لا يكون رزقه من كسبه. ودر كشف الاسرار آورده كه دريك آيت اشارت ميكند بواجب امر ودرديكرى بواجب حق جون واجب امر بيامد واجب حق را رقم نسخ بركشيد زيراكه حق بنده راكه مطالبت كند بواجب امر كند تافعل اودر دائره عفو داخل تواندشد واكراورا بواجب حق بكيرد طاعت ومعصيت هزار ساله آنجا يكرنك دارد
بى نيازى بين واستغنانكر خواه مطرب باش وخواهى نوحه كر
اكرهمه انبيا واولياء بهم آيند آن كيست كه طاقت آن داردكه بحق اوجل جلاله قيام نمايد ياجبوا حق اوباز دهد امر او متناهيست اما حق او متناهى نيست زيرا كه بقاى امر ببقاى تكليف است وتكليف درد نياست كه سراى تكليف است اما بقاى حق ببقاى ذاتست وذات متناهى نيست بس حق متناهى نيست واجب امر برخيزداما واجب حق برتخبزد دنيا دركذرد ونوبت امر باوى در كذرد اما نوبت حق نفر كز در نكذرد امروز هركسى را سودايى درسرست كه درا مر مى نكرند انبيا ورسول بنبوت ورسالت خونش مى نكرند فرشتكان بطاعت وعبادت خود مى نكرند مؤحدان ومجتهدان ومؤمنان ومخلصان بتوحيد وايمان واخلاص خويش مى نكرند فردا جون سرادقات حق ربوبيت باز كشند انبيا باكمال حال خويش حديث علم خود طى كنند كويند لا علم لنا ملائكة ملكوت صومعه اى عبادت خود آتش درزنند كه ما عبد ناك حق عبادتك عارفان وموحدان كيوند ما عرفناك حق معرفتك { واسمعوا } مواعظه { واطيعوا } اوامره { وانفقوا } مما رزقكم فى الوجوه التى امركم بالانفاق فيها خالصا لوجهه عن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد انفاق الزكاة والظاهر العموم وهو مندرج فى الاطاعة ولعل افراده بالذكر لما ان الاحتياج اليه كان اشد حينئذ وان المال شقيق الروح ومحبوب النفس ومن ذلك قدم الاموال على الاولاد فى المواضع حتى قال الامام الغزالى رحمه الله انه قد يكون حب المال من اسباب سوء العاقبة فانه اذا كان حب المال غالبا على حب الله فحين علم محب المال ان الله يفرقه عن محبوب عقد فى قلبه البغض لله نعوذ بالله من ذلك وهذا كما ترى ان احدا اذا احب دنياه حبا غالبا على حب ابنه فلو قصد الابن أن يأخذها منه لأبغض الابن واحب هلاكه { خير لانفسكم } خبر لكان المقدر جوابا للاوامر اى يكن خيرا لأنفسكم او مفعول لفعل محذوف اى ائتوا وافعلوا خيرا لأنفسكم واقصدوا ما هو أنفع لها وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الاوامر وبيان لكون الامور المذكورة خيرا لأنفسهم من الاموال والأولاد وما هم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا { ومن يوق شح نفسه } اى ومن يقه الله ويعصمه من بخل نفسه الذى هى الرذيلة المعجونة فى طينة النفس وقد سبق بيانه فى سورة الحشر وبالفارسية وهركه نكاه داشت ازبخل نفس خود يعنى حق خدا يرا امساك نكند ودر راه وى بذل مى نمايد.
وهو مجهول مجزوم الآخر بمن الشرطية من الوقاية المتعدية الى المفعولين وشح مفعول ثان له باق على النصب والاول ضمير من القائم مقام الفاعل { فاولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مرام وفى الحديث
" كفى بالمرء من الشح أن يقول آخذ حقى لا اترك منه شيئا "
وفى حديث الاصمعى أتى اعرابى قوما فقال لهم هذا فى الحق او فيما هو خير منه قالوا وما خير من الحق قال التفضل والتغافل افضل من اخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة روى عن النبى عليه السلام انه كان يطوف بالبيت فاذا رجل متعلق باستار الكعبة وهو يقول
" برحمة هذا البيت الا غفرت لى "
وقال عليه السلام
" وما ذنبك صفه لى "
قال هو اعظم من ان اصفه لك قال
" ويحك ذنبك اعظم ام الارضون "
قال بل ذنبى يا رسول الله قال
" ويحك ذنبك اعظم ام الجبال "
قال بل ذنبى يا رسول الله قال
" فذنبك اعظم ام السموات "
قال بل ذنبى قال
" فذنبك اعظم ام العرش "
قال بل ذنبى اعظم قال
" فذنبك اعظم ام الله "
قال بل الله اعظم واعلى قال
" ويحك صف لى ذنبك "
قال يا رسول الله انى ذو ثروة من المال وان السائل ليأتينى ليسألنى فكأنما يستقبلنى بشعله من النار فقال عليه السلام
" عنى "
يعنى دورشو ازمن. لا تحرقنى بنارك فهو الذى بعثنى بالهداية والكرامة لو قمت بين الركن والمقام ثم بكيت ألفى عام حتى تجرى من دموعك الانهار وتسقى بها الاشجار ثم مت وأنت لئيم لكبك الله فى النار اما علمت ان البخل كفر وان الكفار فى النار ويحك أما علمت ان الله يقول
ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه
{ ومن يوق شح نفسه فأولئك المفلحون }
فروماند كاترا درون شادكن زروز فرو ماندكى ياد كن نه خواهنده بر در ديكران بشكرانه خواهنده ازدر مران
وفى الآية اشارة الى ان الانفاق على الغير علما او مالا انفاق على نفسك بالحقيقة كنفس واحدة لانتفاء الغيرة فى الاحدية وان من وفق لانفاق الوجود المجازى فى الله فاز بالموجود الحقيقى من الله تعالى.
التغابن 64:17
{ ان تقرضوا الله } بصرف اموالكم الى المصارف التى عينها وبالفارسية اكر فرض دهيد خدا يرا يعنى صرف كنيد در آنجه فرمايد. وذكر القرض تلطف فى الاستدعاء كما فى الكشاف قال فى اللباب القرض القطع ومنه المقراض لما يقطع به وانقرض القوم اذا هلكوا وانقطع اثرهم وقيل للقرض قرض لانه قطع شئ من المال هذا اصل الاشتقاق ثم اختلفوا فيه فقيل اسم لكل ما يلتمس الجزآء عليه وقيل أن يعطى احد شيأ ليرجع اليه ثم قيل لفظ القرض هنا حقيقة على المعنيين وقيل مجاز على الثانى لان الراجع ليس مثله بل بدله واليه يميل ما فى الكشاف فى سورة البقرة اقراض الله مثل لتقديم العمل الذى يطلب ثوابه لعله الوجه فيكون بقرض استعارة تصريحية تبعية وقوله { قرضا حسنا } تصريحية اصليه اى مقرونا بالاخلاص وطيب النفس قال سهل رضى الله عنه القرض الحسن المشاهدة بقلوبكم لله فى اعمالكم كما قال ان تعبد الله كأنك تراه وقرضا ان كان بمعنى اقراضا كان نصبه على المصدرية وان كان بمعنى مقرضا من النفقة كان مفعولا ثانيا لتقرضوا لان الاقراض يتعدى الى مفعولين ففى التعبير عن الانفاق بالاقراض وجعله متعلقا بالله الغنى مطلقا والتعبير عن النفقة بالقرض اشارة الى حسن قبول الله ورضاه والى عدم الضياغ وبشارة باستحقاق المنفق ببركة انفاقه لتمام الاستحقاق { يضاعفه لكم } من المضاعفة بمعنى التضعيف اى التكثير فليس المفاعلة هنا للاشتراك اى يجعل لكم اجره مضاعفا ويكتب بالواحد عشرة وسبعين وسبعمائة واكثر بمقتضى مشيئته على حسب النيات والاوقات والمحال { ويغفر لكم } ببركة الانفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب { والله شكور } يعطى الكثير بمقابلة اليسير من الطاعة او يجازى العبد على الشكر وهو الاعتراف بالنعمة على سبيل الخضوع فسمى جزآء الشكر شكرا او الله شكور بمعنى انه كثير الثناء على عبده بذكر افعاله الحسنة وطاعته فالشكر الثناء على المحسن بذكر احسانه وهذا المعنى مختار الامام القشيرى رحمه الله والشكور مبالغة الشاكر والشاكر من له الشكر سئل بعضهم من اشكر الشاكرين فقال الطاهر من الذنوب يعد نفسه من المذنبين والمجتهد فى النوافل بعد أدآء الفرآئض يعد نفسه من المقصرين والراضى بالقليل من الدنيا يعد نفسه من الراغبين والقاطع بذكر الله دهره يعد نفسه من الغافلين والراغب فى العمل يعد نفسه من المفلسين فهذا اشكر الشاكرين ومن ادب من عرف انه تعالى شكور أن يجد فى شكره ولا يفتر ويواظب على حمده ولا يقصر والشكر على اقسام شكر بالبدل وهو ان الا تستعمل جوارحك فى غير طاعته وشكر بالقلب وهو ان لا تشغل وشكر قلبك بغير ذكره ومعرفته وشكر باللسان وهو أن لا تستعمله فى غير ثنائه ومدحته وشكر بالمال وهو أن لا تنفقه فى غير رضاه ومحبته
نفس مى نيارم زد از شكر دوست كه شكرى نه دانم كه درخورد اوست عطا بيست هر موى از وبر تنم جكونه بهر موى شكرى كنم
واحسن وجوه الشكر لنعم الله أن لا تستعملها فى معاصيه بل فى طاعته وخاصية اسم الشكور التوسعة ووجود العافية فى البدن وغيره بحيث لو كتبه من به ضيق فى النفس وتعب فى البدن اعياء اشد الاعياء وثقل فى الجسم وتمسح به وشرب منه برئ باذن الله تعالى وان تمسح به ضعيف البصرعلى عينيه وجد بركة ذلك ويكتب احدى واربعين مرة { حليم } لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم بالبخل والامساك ونحوهما فيحلم حتى يظن الجاهل انه ليس يعلم ويستر حتى يتوهم الغافل انه ليس يبصر. قال الامام الغزالى رحمه الله الحليم هو الذى يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الامر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظه ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى
ولو يؤاخذه الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة
حكى ان ابراهيم عليه السلام لما رأى ملكوت السموات والارض رأى عاصيا فى معصيته فقال اللهم أهلكه فأهلكه الله ثم رأى آخر فدعا عليه فأهلكه الله ثم رأى آخر فدعا عليه فأهلكه الله ثم رأى رابعا فدعا عليه فأوحى الله اليه ان قف يا ابراهيم فلو اهلكنا كل عاص رأيناه لم يبق احد من الخلق ولكنا بحلمنا لا نعذبهم بل نمهلهم فاما أن يتوبوا واما أن يصروا فلا يفوتنا شئ قيل الحلم حجاب الآفات وقيل الحلم ملح الاخلاق. وشتم الشعبى رجل فقال ان كنت كاذبا غفر الله لك وان كنت صادقا غفر الله لى وكان الاحنف يضرب به المثل فى الحلم وهو يقول انى صبور ولست بحليم والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لا يأمن العقوبة فى صفة الصبور كما يأمنها فى صفة الحليم يعنى ان الصبور يشعر بانه يعاقب فى الآخرة بخلاف الحليم كما فى المفاتيح والتخلق بالاسم الحليم انما هو بأن يصفح عن جنايات الناس ويسامح لهم فيما ياملونه به من السيئات بل يجازيهم بالاحسان تحقيقا للحلم والغفران وفى الاربعين الادريسية يا حليم ذا الأناة فلا يعادله شئ من خلقه قال السهروردى رحمه الله من ذكره كان مقبول القول وافر الحرمة قوى الجاش بحيث لا يقدر عليه سبع ولا غيره والأناة على وزن القناة وهو التثبت والوقار.
التغابن 64:18
{ عالم الغيب والشهادة } خبر بعد خبر أى لا يخفى عليه خافية وقال الكاشفى ميداند آنجه ظاهر ميكنند از تصدق وانجه بنهان ميدارند دردلها از ريا واخلاص. وقد سبق الكلام عليه فى اواخر سورة الحشر ولعل تقديم الغيب لان عالم الغيب اعم والعلم به اتم { العزيز والحكيم } البالغ فى القدرة والحكمة وقال الكاشفى غالبست انتقام تواند كشيد از كسى كه صدقه او خالص نبود حكم كننده بكرامت آنهارا كه ازروى صدق تصدق نمايند. والحكم سابق فالعبرة به لا بالصورة ولذا رد بلعم بن باعور وقبل كلب اصحاب الكهف قال ابو على الدقاق قدس سره لما صرفوا ذلك الكلب ولم ينصرف أنطقه الله تعالى فقال لم تصرفوننى ان كان لكم ارادة فلى ايضا ارادة وان كان خلقكم فقد خلقنى ايضا فازدادوا بكلامه يقينا ولم سمعوا كلامه اتفقوا على استصحابه معهم الا انهم قالوا يستدل علينا بآثار قدمه فالحيلة أن تحمله بالحيلة فحمله الاولياء على اعناقهم وهم يمشون لما ادركه من العناية الازلية وكذا لم يكن فى الملائكة اكبر قدرا ولا اجل خطرا من ابليس الا ان الحكم الازلى بشقاوته كان خفيا عن العباد فلما ظهر فيه الحكم الازلى لعنه من عرفه ومن لم يعرفه
كليد قدر نيست دردست كس تواناى مطلق خدايست وبس ززنبور كرد اين حلاوت بديد همانكس كه در مار زهر آفريد خدايا بغفلت شكستيم عهد جه زور آورد باقضا دست جهد جه بر خيزد از دست تدبيرما همين نكته بس عذر تقصيرما همه هرجه كردم توبرهم زدى جه قوت كندبا خداى خودى نه من سرز حكمت بدرمى روم كه حكمت جنين مى رود بر سرم
وقال الحافظ الشيرازى رحمه الله
نفش مستورى ومستى نه بدست من وتست آنجه سلطان ازل كفت بكن آن كردم
وقال ايضا
درين جمن نكنم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم ميد هندمى رويم
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ما من مولود يولد الا فى شبابيك رأسه مكتوب خمس آيات من سورة التغابن "
يعنى يست هيج مولودى كه مولودمى شود مكركه در مشبكهى سرش مكتوبست بنج آيت از سوره تغابن. والشبابيك جمع شباك بالضم كزنار مثل خفافيش وخفاش او جمع شباكة بمعنى المشبك وهو ما تداخل بعضه فى بعض وفى الحديث
" من قرأ سورة التغبان رفع عنه موت الفجاءة "
وهى بالمدمع ضم الفاء وبالقصر مع فتح الفاء البغتة دون تقدم مرض ولا سبب. تمت سورة التغابن بالتيسير من الله والتعاون فى تاسع شهر ربيع الآخر من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف.
الطلاق 65:1
{ يا ايها النبى اذا طلقتم النساء } التطليق طلاق دادن يعنى عقده نكاح راحل كردن وكشادن. قال فى المفردات اصل الطلاق التخلية من وثاق ويقال اطلقت البعير من عقاله وطلقته وهو طالق وطلق بلا قيد ومنه استعير طلقت المرأة اذا خليتها فهى طالق اى مخلاة عن حبالة النكاح انتهى والطلاق اسم بمعنى التطليق كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم وفى ذلك قالوا المستعمل فى المرأة لفظ التطليق وفى غيرها لفظ الاطلاق حتى لو قال اطلقتك لم يقع الطلاق ما لم ينو ولو قال طلقتك وقع نوى او لم ينو والمعنى اذا اردتم تطليق النساء المدخول بهن المعتدات بالاقرآء وعزمتم عليه بقرينة فطلقوهن فان الشئ لا يترتب على نفسه ولا يؤمر أحد بتحصيل الحاصل ففيه تنزيل المشارف للشئ منزلة الشارع فيه والاظهر انه من ذكر السبب وارادة المسبب وتخصيص الندآء به عليه السلام مع عموم الخطاب لأمته ايضا لتحقيق انه المخاطب حقيقة ودخولهم فى الخطاب بطريق استتباعه عليه السلام اياهم وتغليبه عليهم ففيه تغليب المخاطب على الغائب والمعنى اذا طلقت انت وامتك وفى الكشاف خص النبى بالندآء وعم بالخطاب لان النبى امام امته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان افعلوا كيت وكيت اظهارا التقدمه واعتبارا لترؤسه وانه لسان قومه فكأنه هو وحده فى حكم كلهم لصدورهم عن رأيه كما قال البقلى اذا خاطب السيد بان شرفه على الجمهور اذ جمع الجميع فى اسمه ففيه اشارة الى سر الاتحاد وفى كشف الاسرار فيه اربعة اقوال احدها انه خطاب للرسول وذكر بلفظ الجمع تعظيما كما يخاطب الملوك بلفظ الجمع والثانى انه خطاب له والمراد امته والثالث ان التقدير يا أيها النبى والمؤمنون اذا طلقتم فحذف لان الحكم يدل عليه والرابع معناه يا أيها النبى قل للمؤمنين اذا طلقتم انتهى. يقول الفقير هذا الاخير انسب بالمقام فيكون مثل قوله يا أيها النبى قل لازواجك قل للمؤمنين قل للمؤمنات ولان النبى عليه السلام وان كان اصيلا فى المأمورات كما ان امته اصيل فى المنهيات الا ان الطلاق لما كان ابغض المباحات الى الله تعالى كما سيجيئ كان الاولى أن يسند التطليق الى امته دونه عليه السلام مع انه عليه السلام قد صدر منه التطليق فانه طلق حفصة بنت عمر رضى الله عنهما واحدة فلما نزلت الآية راجعها وكانت علامة كثيرة الحديث قريبا منزلتها من منزلة عائشة رضى الله عنهما فقيل له عليه السلام راجعها فانها صوامة قوامة وانها من نسائك فى الجنة حكاه الطبرى وفى الحديث بيان فضل العلم وحفظ الحديث ومحبة الله الصيام والقيام وكرامة اهلهما عنده تعالى.
وآورده اندكه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما زن خودرا درحال حيض طلاق اد حضرت رسالت فرمود تارجوع كندو آنكاه كه از حيض باك شود اكرخواهد طلاق دهدو درين باب آيت آمد. والقول الاول هو الامثل والاصح فيه انه بيان لشرع مبتدأ كما فى حواشى سعدى المفتى { فطلقوهن لعدتهن } العدة مصدر عده يعده وسئل رسول الله عليه السلام متى تكون القيامة قال
" اذا تكاملت العدتان "
اى عدة اهل الجنة وعدة اهل النار اى عددهم وسمى الزمان الذى تتربص فيه المرأة عقيب الطلاق او الموت عدة لانها تعد الايام المضروبة عليها وتنتظر أوان الفرج الموعود لها كما فى الاختيار والمعنى فطلقوهن مستقبلات لعدتهن متوجهات اليها وهى الحيض عند الحنفية فاللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام والمرأة اذا طلقت فى طهر يعقب القرء الاولى من اقرآئها فقد طلقت مستقبلة عدتها والمراد أن يطلقن فى طهر لم يقع فيه جماع ثم يخلين حتى تنقضى عدتهن وهذا احسن الطلاق وأدخله فى السنة وابعده من الندم لانه ربما ندم فى ارسال الثلاث دفعة فالطلاق السنى هو ان يكون فى طهر لم يجامعها فيه وان يرفق الثلاث فى الاطهار الثلاثة وأن يطلقها حاملا فانها اذا على طهر ممتد فتطليقها حلال وعلى وجه السنة والبدعى على وجوه ايضا منها أن يكون فى طهر جامع فيه لما فيه من تطويل العدة ايضا على قول من يجعل العدة بالاطهار وهو الشافعى حيث ان بقية الطهر لا تحتسب من العدة ومنها ما كان فى الحيض او النفاس لما فيه من تطويل العدة ايضا على قول من يجعل العدة بالحيض وهو ابو حنيفة رحمه الله لان بقية الحيض لا تحتسب الا أن مما لا يلزمها العدة بالإقراء فان طلاقها لا يتقيد بزمان دون زمان ومنها ما كان بجمع الثلاث اى ان يطلقها ثلاثا دفعة او فى طهر واحدة متفرقة ويقع الطلاق المخالف للسنة فى قول عامة الفقهاء وهو مسيئ بل آثم ولذا كان عمر رضى الله عنه لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا الا اوجعه ضربا وطلق رجل امرأته ثلاثا بين يديه عليه السلام فقال
" اتلعبون بكتاب الله وانا بين اظهركم "
اى مقيم بينكم وفيه اشارة الى ان ترك الأدب فى حضور الاكابر افحش ينبغى أن يصفع صاحبه اشد الصفع وقال الشافعى اللام فى لعدتهن متعلقة بطلقوهن لانها للتوقيت بمعنى عند أوفى فيكون المعنى فى الوقت الذى يصلح لعدتهن وهو الطهر وقال ابو حنيفة رحمه الله الطلاق فى الحيض ممنوع بالاجماع فلا يمكن جعلها للتوقيت فان قلت قوله اذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الاقرآء واليائسات والصغائر والحوامل فكيف صح تخصيصه بذوات الاقرآء المدخول بهن قلت لا عموم ثمة ولا خصوص ولكن النساء اسم جنس للاناث من الانس وهذه الجنسية معنى قائم فى كلهن وفى بعضهن فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل فطلقوهن لعدتهن علم انه اطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض فان قلت الطلاق موقوف على النكاح سابقا او لاحقا والنكاح موقوف على الرضى من المنكوحة او من وليها فيلزم أن يكون الطلاق موقوفا على الرضى بالنكاح وهو واقع غير باطل لا موقوفا على الرضى نفسه الى هو الباطل الغير الواقع فتكفر.
واعلم ان النكاح والطلاق امران شرعيان من الامور الشرعية العادية لهما حسن موقع وقبح موقع بحسب الاحوال والاوقات وقد طلق عليه السلام حفصة رضى الله عنه تطليقة واحدة رجعية كما سبق وكذا تزوج سودة بنت زمعة بمكة بعد موت خديجة رضى الله عنها وقبل العقد على عائشة رضى الله عنها ثم طلقها بالمدينة حين دخل عليها وهى تبكى على من قتل من اقاربها يوم بدر فاستشفعت الى النبى عليه السلام ووهبت يومها لعائشة فراجعها فان قلت كيف فعل رسول الله ذلك وقد قال
" ابغض الحلال الى الله الطلاق "
وقال عليه السلام
" يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الارض احب اليه من العتاق ولا خلق الله شيئا ابغض اليه من الطلاق "
وذلك لان النكاح يؤدى الى الوصال والطلاق يؤدى الى الفراق والله يحب الوصال ويبغض الفراق لا شمس ليوم الفراق ولا نهار لليلة القطيعة. رابعه عدويه كفته كه كفر طعم فراق دارد وايمان لذت وصال. وقس عليه الانكار والاقرار. وآن طعم واين لذت فرادى قيامت بديد آيدكه دران صحراى هببت وعرصه سياست قومى را كويند فراق لا وصال وقمى راكويند وصال لا نهاية له
سوختكان فراق همى كويند فراق او ززمانى هزار روز آرد بلاى اوزشبى هم هزار سال كند افروختكان وصال همى كويند سرابرده وصلت كشيد روزنواخت بطبل رحلت برزد فراق يار دوال
وفى الحديث
" تزوجوا ولا تطلقوا فان الطلاق يهتز منه العرش "
وعنه عليه السلام
" لا تطلقوا النساء الا من ريبة فان الله لا يحب الذواقين والذواقات "
وعنه عليه السلام
" ايما امرأة سألت زوجها طلاقا فى غير ما باس فحرام عليها رائحة الجنة "
قلت يحتمل أن يكون فى ذلك حكمة لا نطلع عيلها بعد ان علمنا انه عليه السلام نبى حق لا يصدر منه ما هو خلاف الحق وقد دل الحديث الآخر ان النهى انما يكون عما لاوجه فيه وأن يكون لاظهار جواز الطلاق والرجعة منه كما وجهوا بذلك ما وقع من غلبة النوم عليه وعلى اصحابه ليلة التعريس الى أن طلعت الشمس وارتفعت بمقدار فان بذلك علم شرعية القضاء وأن يصلى بالجماعة وأن يصدر منه عليه السلام الاحاديث المذكورة بعد ما وقع قضية حفصة وسودة رضى الله عنهما وان يكون من قبيل ترك الاولى وقد جوزوا ذلك للانبياء عليهم السلام فان قلت لعل ما فعله اولى من وجه وان كان ما امر الله به اولى من وجه آخر قلت لا شك ان ما امر الله به كان ارجح وترك الارجح ترك الاولى هذا ولعل ارجحية المراجعة فى وقت لا تقتضى ارجحية ترك الطلاق على فعله فى وقت آخر لان فى كل وقت احتمال ارجحية امر الله اعلم.
يقول الفقير امده الله القدير ان النبى عليه السلام كان قد حبب اليه النساء لما يحب فى النكاح من ذوق القربة والوصلة فالنكاح اشارة الى مقام الجمع الذى هو مقام الاولوية كما دل عليه قوله عليه السلام
" أرحنى يا بلال "
والطلاق اشارة الى مقام الفرق الذى هو مقام النبوة كما دل قوله عليه السلام
" كلمينى يا حميراء "
فالاول وصل الفصل والثانى فصل الوصل وان كان عليه السلام قد جمع بين الفصل والوصل والفرق والجمع فى مقام واحد وهو جمع الجمع كما دل عليه قوله تعالى
ألم نشرح لك صدرك
{ واحصوا العدة } الاحصاء دانستن وشمردن برسبيل استقصاء. اى واضبطوها بحفظ الوقت الذى وقع فيه الطلاق واكملوها ثلاثة اقرآء كوامل لا نقصان فيهن اى ثلاث حيض كما عند الحنفية لان الغرض من العدة استبرآء الرحم وكماله بالحيض الثلاث لا بالاطهار كما يغسل الشئ ثلاث مرات لكمال الطهارة والمخاطب بالاحصاءهم الازواج لا الزوجات ولا المسلمون ولا يلزم تفكيك الضمائر ولكن الزوجات داخلة فيه بالالحاق وقال ابو الليث امرالرجال بحفظ العدة لان فى النساء غفلة فربما لا تحفظ عدتها واليه مال الكاشفى حيث قال وشمار كنيد اى مردان عدت زنانرا كه ايشان ازضبط عاجزند يا ازا حصاى آن غافل. فالزوج يحصى ليتمكن من تفريق الطلاق على الاقرآء اذا أراد أن يطلق ثلاثا فان ارسال الثلاث فى طهر واحد مكروه عند أبى حنيفة واصحابه وان كان لا بأس به عند الشافعى وأتباعه حيث قال لا اعرف فى عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح وليعلم بقاء زمان الرجعة ليراجع ان حدثت له الرغبه فيها وليعلم زمان وجوب الانفاق عليه وانقضائه وليعلم انها هل تستحق عليه أن يسكنها فى البيت اوله أن يخرجها وليتمكن من الحاق نسب ولدها به وقطعه عنه قالوا وعلى الرجال فى بعض المواضع العدة منها انه اذا كان للرجل اربع نسة فطلق احداهن لا يحل له أن يتزووج بامرأة اخرى ما لم تنقض عدتها ومنها انه اذا كان له امرأة ولها اخت فطلق امرأته لا يحل له أن يتزوج باختها ما دامت فى العدة ومنها انه اذا اشترى جارية لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة ومنها انه ان تزوج حربية لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة ومنها انه اذا بلغ المرأة وفاة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الاول فهى امرأته لانها كانت منكوحته ولم يعترض شئ من اسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق ولكن لا يقربها حتى تنقضى عدتها من النكاح الثانى ووجوب العدة لا يتوقف على صحة النكاح اذا وقع الدخول بل تجب العدة فى صورة النكاح الفاسد ايضا على تقدير الدخول ومنها انه اذا تزوج حربية مهاجرة الى دارا بأمان وتركت زوجها فى دار الحرب فلا تحل له ما لم يستبرئها بحيضة عند الامامين وقال ابو حنيفة لا يجب عليه العدة ومنها انه اذا تزوج امرأة حاملا لا يحل له ان يطأها حتى تضع الحمل ومنها انه اذا تزوج بامرأة وهى حائض لا يحل له ان يقربها حتى تتطهر من حيضها ومنها انه اذا تزوج بامرأة نفساء لا يحل له ان يقربها حتى تتطهر من نفاسها ومنها انه اذا زنى بامرأة ثم تزوجها لا يحل له ان يقربها ما لم يستبرئها بحيضة { واتقوا الله ربكم } فى تطويل العدة عليهن والاضرار بهن بايقاع طلاق ثان بعد الرجعة فالامر بالتقوى متعلق بما قبله وفى وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للامر ومبالغة فى ايجاب الاتقاء والتقوى فى الاصل اتخاذ الوقاية وهى ما يقى الانسان مما يكرهه ويؤمل ان يحفظه ويحول بينه وبين ذلك المكروه كالترس ونحوه ثم استعير فى الشرع لاتخاذ ما يقى العبد بوعد الله ولطفه من قهره ويكون سببا لنجاته من المضار الدآئمة وحياته بالمنافع القائمة وللتقوى فضائل كثيرة ومن اتقى الله حق تقواه فى جميع المراتب كوشف بحقائق البيان فلا يقع له فى الاشياء شك ولا ريب { لا تخرجوهن } بيرون كنيد زنان مطلقه { من بيوتهن } من مساكنهن التى يسكنها قبل العدة اى لا تخرجوهن من مساكنكم عند الفراق الى ان تنقضى عدتهن وانما اضيفت اليهن مع انها لا زواجهن لتأكيد النهى ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها املاكهن وفى ذكر البيوت دون الدار اشارة الى ان اللازم على الزوج فى سكناهن ما تحصل المعيشة فيه لان الدار ما يشتمل البيوت { ولا يخرجن } ولو باذن منكم فان الاذن بالخروج فى حكم الاخراج ولا اثر عندنا لاتفاقهما على الانتقال لان وجوب ملازمة مسكن الفراق حق الشرع ولا يسقط باسقاط العبد كما قال فى الكشاف فان قلت ما معنى الاخراج وخروجهن قلت معنى الاخراج اى لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن او لحاجة لهم الى المساكن وان لا يأذنوا لهن فى الخروج اذا طلبن ذلك ايذانا بأن اذنهم لا اثر له فى دفع الحظر ولا يخرجن بأنفسهن ان اردن ذلك انتهى فان خرجت المعتدة لغير ضرورة او حاجة اثمت فان وقعت ضرورة بأن خافت هدما او حرقا لها ان تخرج الى منزل آخر وكذلك ان كانت لها حاجة من بيع غزل او شرآء قطن فيجوز لها الخروج نهارا لا ليلا كما فى كشف الاسرار { الا ان يأتين بفاحشة مبينة } اى الزنى فيخرجن لاقامة الحد عليهن ثم يعدن وبالفارسية مكر بيارند كردار ناخوش كه روشن كننده حالزنان بود دربد كردارى.
وقال بعضهم مبينة هنا بالكسر لازم بمعنى بين متبينة كمين من الابانة بمعنى بين والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال وهو الزنى فى هذا المقام وقيل البذآء بالمد وهو القول القبيح واطالة اللسان فانه فى حكم النشوز فى اسقاط حقهن فالمعنى الا ان يبذون على الازواج واقاربهم كالأب والأخ فيحل حينئذ اخراجهن وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو كل معصية وهو استثناء من الاول اى لا تخرجوهن فى حال من الاحوال الا حال كونهن آتيات بفاحشة او من الثانى للمبالغة فى النهى عن الخروج ببيان ان خروجها فاحشة اى لا يخرجن الا اذا ارتكبن الفاحشة بالخروج يعنى ان من خرجت اتت بفاحشة كما يقال لا تكذب لا ان تكون فاسقا يعنى ان تكذب تكن فاسقا { وتلك } الاحكام { حدود الله } التى عينها لعباده والحد الحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط احدهما بالآخر { ومن يتعد } اصله يتعدى فحذفت اللام بمن الشرطية وهو من التعدى المتعدى بمعنى التجاوز أى ومن يتجاوز { حدود الله } حدوده المذكورة بأن أخل بشئ منها على ان الاظهار فى حيز الاضمار لتهويل امر التعدى والاشعار بعلية الحكم فى قوله تعالى { فقد ظلم نفسه } اى اضربها قال البقلى قدس سره ان الله حد الحدود بأوامره ونواهيه لنجاة سلاكها فاذا تجاوزوا عن حدوده يسقطون عن طريق الحق ويضلون فى ظلمات البعد وهذا اعظم الظلم على النفوس اذ منعوها من وصولها الى الدرجات والقربى قال بعضهم التهاون بالامر من قلة المعرفة بالآمر فلا بد من الخوف او الرجاء او الحياء او العصمة فى علم الله فهى اسباب اربعة لا خامس لها حافظة من الوقوع فيما لا ينبغى فمن ليس له واحد من هذه الاسباب وقد وقع فى المعصية وظلم النفس فالكامل يعطى نفسه حقها ظاهرا وباطنا ولا يظلمها حكى ان معروف الكرخى قدس سره رأى جارية من الحور العين فقال لمن انت يا جارية فقالت لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان وكان قد برد له كوز ماء ليشربه فتناولت الحورآء الكوز فضربت به الارض فكسرته قال السرى السقطى رحمه الله ولقد رأيت قطعه فى الارض لم ترفع حتى عفا عليها التراب فكانت الحورآء لمعروف حين امتنع من شرب الماء المبرد وكانت جزآء له فى اعطائه نفسه حقها فان فى جسده من يطلب ضد الجارية ونحوها فلا بد من اعطاء كل ذى حق حقه { لا تدرى } تعليل لمضمون الشرطية اى فانك ايها المتعدى لا تدرى عاقبة الامر وقال بعضهم لا تدرى نفس { لعل الله } شايد خدى تعالى { يحدث } يوجد فى قلبك فان القلوب بين اصبعين من اصابع الله يقلبها كيف يشاء والحدوث كون الشئ بعد ان لم يكن عرضا كان ذلك او جوهرا او احداثه ايجاده { بعد ذلك } الذى فعلت من التعدى { امرا } يقتضى خلاف ما فعلته فيبدل ببغضها محبة وبالاعراض عنها اقبالا اليها ولا يتسنى تلافيه برجعة او استئناف نكاح فالامر الذى يحدث الله تعالى ان يقلب قلبه عما فعله بالتعدى الى خلافه فالظلم عبارة عن ضرر دنيوى يلحقه بسبب تعديه ولا يمكن تداركه او عن مطلق الضرر الشامل للدنيوى والاخروى ويخص التعليل بالدنيوى ليكون احتراز الناس منه اشد واهتمامهم بدفعه اقوى وفى الآية دلالة على كراهة التطليق ثلاثة بمرة واحدة لان احداث الرجعة لا يكون بعد الثلاث ففى الثلاث عون للشيطان وفى تركها رغم له فان الطلاق من اهم مقاصده كما روى مسلم من حديث جابر رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" ان عرش ابليس على البحر فيبعث سراياه "
اى جنوده واعوانه من الشياطين
" فيفتنون الناس فاعظمهم عنده الاعظم فتنة يجيئ احدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجيئ احدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويقول نعم انت "
اى نعم المضل او الشرير انت فيكون نعم بكسر النون فعل مدح حذفا لمخصوص به او نعم انت ذاك الذى يستحق الاكرام فيكون بفتح النون حرف ايجاب.
الطلاق 65:2
{ فاذا بلغن } بس جون برسدزنان { اجلهن } اى شارفن آخر عدتهن وهى مضى ثلاث حيض ولو لم تغتسل من الحيضة الثالثة وذلك لانه لا يمكن الرجعة بعد بلوغهن آخر العدة فحمل البلوغ على المشارفة كما قال فى المفردات البلوغ والبلاغ الانتهاء الى اقصى القصد والمبتغى مكانا كان او زمانا او أمرا من الامور المقدرة وربما يعبر به عن المشارفة عليه وان لم ينته اليه مثل فاذا بلغن الخ فانه للمشارفة فانها اذا انتهت الى اقصى الاجل لا يصح للزوج مراجعتها وامساكها والاجل المدة المضروبة للشئ { فأمسكوهن } اى فأنتم بالخيار فان شئتم فراجعوهن والرجعة عند ابى حنيفة تحصل بالقول وكذا بالوطئ واللمس والنظر الى الفرج بشهودة فيهما { بمعروف } بحسن معاشرة وانفاق لائق وفى الحديث
" اكمل المؤمنين احسنهم خلقا وألطفهم بأهله "
او فارقوهن
يا جدا شويد از ايشان وبكذاريد { بمعروف } بايفاء الحق واتقاء الضرار بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة { وأشهدوا } كواه كيريد. اى عند الرجعة والفرقة قطعا للتنازع اذ قد تنكر المرأة بعد انقضاء العدة رجعته فيها وربما يموت احدهما بعد الفرقة فيدعى الباقى منهما ثبوت الزوجية لاخذ الميراث وهذا امر ندب لا وجوب { ذوى عدل } تثنية ذا منصوب ذو بمعنى الصاحب اى أشهدوا اثنين { منكم } اى من المسلمين كما قال الحسن او من احراركم كما قاله قتادة يكونان عادلين لا ظالمين ولا فاسقين والعدالة هى الاجتناب عن الكبائر كلها وعدم الاصرار على الصغائر وغلبة الحسنات على السيئات والالمام من غير اصرار لا يقدح فى العدالة اذ لا يوجد من البشر من هو معصوم سوى الانبياء عليهم السلام كذا فى الفروع { واقيموا الشهادة } ايها الشهود عند الحاجة خالصة { لله } تعالى وذلك ان يقيموها للمشهود له وعليه لا لغرض من الاغراض سوى اقامة الحق ودفع الظلم فلو شهد لغرض لا لله برئ بها من وبال كتم الشهادة لكن لا يثاب عليها لان الاعمال بالنيات والحاصل ان الشهادة امانة فلا بد من تأدية الامانة كما قال تعالى
ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات الى اهلها
فلو كتمها فقد خان والخيانة من الكبائر دل عليه قوله تعالى
ومن يكتمها فانه آثم قلبه
{ ذلكم } اشارة الى الحث على الشهادة والاقامة او على جميع ما فى الآية من ايقاع الطلاق على وجه السنة واحصاء العدة والكف عن الاخراج والخروج والاشهاد واقامة الشهادة بادآئها على وجهها من غير تبديل وتغيير { يوعظ به } الوعظ زجر يقترن بتخويف { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } اذ هو المنتفع به والمقصود تذكيره ولم يقل ذلكم توعظون به كما فى سورة المجادلة لتهييج المؤمنين على الغيرة فان من لا غيرة له لا دين له ومن مقتضى الايمان بالله مراعاة حقوق المعبودية والربوبية وباليوم الآخر الخوف من الحساب والعذاب والرجاء للفضل والثواب فالمؤمن بهما يستحيى من الخالق والخلق فلا يترك العمل بما وعظ به ودلت الآية على ان للانسان يومين اليوم الاول هو يوم الدنيا واليوم الآخر هو يوم الآخرة واليوم عرفا زمان طلوع الشمس الى غروبها وشرعا زمان طلوع الفجر الثانى الى غروب الشمس وهذان المعنيان ليسا بمرادين هنا وهو ظاهر فيكون المراد مطلق الزمان ليلا او نهارا طويلا كان او قصيرا وذلك الزمان اما محدود وهو زمان الدنيا المراد باليوم الاول او غير محدود وهو زمان الآخرة المراد باليوم الآخر الذى لا آخر له لتأخيره عن يوم الدنيا وجوزوا ان يكون المراد من اليوم الآخر ما يكون محدود ايضا من وقت النشور الى ان يستقر الفريقان مقرهما من الجنة والنار فعلى هذا يمكن ان يكونا مستعارين من اليومين المحدودين بالطلوع والغروب اللذين بينهما زمان نوم ورقدة ويراد بما بين ذينك الزمانين زمان القرار فى القبول قبل النشور كما قال تعالى حكاية
من بعثنا من مرقدنا
وعلى هذا يقال ليوم الآخرة غد كما مر فى اواخر سورة الحشر قال بعض الكبارعلمك باليقظة بعد النوم وعلمك بالبعث بعد الموت والبرزخ واحد غير ان للبرزخ بالجسم تعلقا فى النوم لا يكون بالموت وكما تستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه فهو امر مستقر فالعاقل يسعى فى اليوم المنقطع اليوم لا ينقطع ويحيى على الايمان والعمل ليكون موته ونشره عليهما { ومن يتق الله } فى طلاق البدعة فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فى الاشهاد وغيره من الامور { يجعل له مخرجا } مصدر ميمى اى خروجا وخلاصا مما عسى يقع فى شأن الازواج من الغموم والوقوع فى المضايق ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب وبالفارسية بيرون شدن. وقال بعضهم هو عام اى ومن يتق الله فى كل ما يأتى وما يذر يجعل له خروجا من كل ضيق يشوش البال ويكدر الحال وخلاصا من غموم الدنيا والآخرة فيندرج فيه ما نحن فيه اندراجا أوليا وعن النبى عليه السلام انه قرأها فقال
" مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة "
وفى الجلالين
" من الشدة الى الرخاء ومن الحرام الى الحلال ومن النار الى الجنة "
او اسم مكان بمعنى يخرجه الى مكان يستريح فيه وفى فتح الرحمن يجعل له مخرجا الى الرجعة وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه سئل عمن طلق امرأته ثلاثا او ألفا هل له من مخرج فقال لم يتق الله فلم يجعل له مخرجا بانت منه بثلاث والزيادة اثم فى عنقه ويقال المخرج على وجهين احدهما ان يخرجه من تلك الشدة والثانى ان يكرمه بالرضى والصبر فانه من قبيل العافية ايضا كما قال عليه السلام
" واسأل الله العافية من كل بلية "
فالعافية على وجهين احدهما ان يسأله أن يعافيه من كل شئ فيه شدة فان الشدة انما يحل اكثرها من اجل الذنوب فكأنه سأل ان يعافيه من البلاء ويعفو عنه الذنوب التى من اجلها تخل الشدة بالنفس والثانى انه اذا حل به بلاء ان لا يكله الى نفسه ولا يخذله وان يكلأه ويرعاه وفى هذه المرتبة يصير البلاء ولاء والمحنة منحة والمقت مقة والألم لذة والصبر شكرا ولا يتحقق بها الا الكمل.
الطلاق 65:3
{ ويزرقه } بعد ذلك الجعل { من حيث لا يحتسب } من ابتدآئية متعلقة بيرزقه اى من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه فيوفى المهر ويؤدى الحقوق ويعطى النفقات قال فى عين المعانى من حيث لا يرتقب من الخان او يعتد من الحساب
از سببها بكذر وتقوى طلب تاخدا روزى رساند بى سبب حق رجابى بحشدت رزق حلال كه نباشد در كمان ودر خيال
وقال عليه السلام
" انى لاعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله "
فما زال يقرأها ويعيدها وعنه عليه السلام
" من اكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب "
وروى ان عوف بن مالك الاشجعى رحمه الله اسر المشركون ابنه سالما فأتى رسول الله فقال اسر ابنى وشكا اليه الفاقة فقال عليه السلام اتق الله واكثر لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم ففعل فبينما هو فى بيته اذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الابل غفل عنها العدو فاستقاها فنزلت وقال الكاشفى عوف بازن خود بقول حضرت عليه السلام عم نمودند ابدك فرصتى رابسر عوف ازاهل شرك خلاص يافته وجهار هزار كوسفند ايشانرا رانده بسلامت بمدينه آمد واين آيت نزل شدكه هركه تقوى ورزد روزى حلال يابد. وفى عين المعانى فأفلت ابنه بأربعة آلاف شاة وبالامتعة وفى الجلالين واصاب ابلا لهم وغنما فساقها الى ابيه. آورده اندكه درروز كار خلافت عمر رضى الله عنه مردى بيامد وازعمر توليت عمل خواست تادر ديوان خلافت عاملباشد عمر كفت قرآن دانى كفت ندانم كه نيا موخته ام عمر كفت ما عمل بكسى ندهيم كه قرآن نداند مردباز كشت وجهدى وربح عظيم برخود نهاد در تعلم قرآن بطمع آنكه عمر اورا عمل دهد جون قرآن بيا موخت ويدد كرفت بركات قرآن وخواندن ودانستن اورا بدان جاى رسانيدكه دردل وى نه حرص ولايت ماندنه تقاضاى دبدار عمر بس روزى عمر اورا ديد كفت يا هذا هجرتنا اى جوانمرد جه افتاد كه بيكبار كى هجرت ما اختيار كردى كفت يا امير المؤمنين نونه اران مردان باشى كه كسى وادارد كه هجرت تواخيار كند ليكن قرآنبياموختم وجنان توانكردل كشتم كه از خلق واز عمل بى نياز شدم عمر كفت آن كدام آيت است كه ترابدن دركاه بى نيازى دركشيد كفت آن آيت كه درسورة الطلاق است
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
واعلم ان كل واحد من الضيق والرزق يكون دنيويا واخرويا جسمانيا وروحانيا وان أعسر الضيق ما يكون اخرويا واوفر الرزق ما يكون روحانيا فمن يتق الله حق التقوى يجعل له مخرجا من مضار الدارين ويرزقه من منافعهما فان قيل ان أتقى الاتقياء هم الانبياء والاولياء مع ان اكثرهم ابتلى بالمشقة الشديدة والفاقة المديدة كما قال عليه السلام
" اشد الناس بلاء الانبياء والاولياء ثم الامثل فالامثل "
اجيب بأن اشد الشدة وامد المدة ما يكون اخرويا وهم مأمونون من ذلك بلطف الله وكرمه الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون واما ما اصابهم فى الدنيا باختيارهم للأجر الجليل وبغير اختبار للصبر الجميل فله غاية حميدة ومنفعة عظيمة والله عليم حكيم بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال بعضهم شكا اليه عيله السلام بعض الصحابة الفاقة فقال عليه السلام
" دم على الطهارة يوسع عليك الرزق "
فقال كم من مستديم للطهارة لا ريب له كفايته فضلا عن أن يوسع عليه ويوحه بأن تخلف الا كالتوسيع مثلا لمانع لا ينافى الاقتضاء اى اقتضاء العلة لمعلولها واثرها اما عند القائلين بتخصيص العلة فظاهر واما عند غيرهم فيجعل عدم المانع جزء العلة ومن المانع الغفلة وغلبة بعض الجنايات وعند غلبة احد الضدين لا يبقى للآخر تأثير. يقول الفقير والذى يقع فى قلبى ان اصحاب الطهارة الدآئمة مرزوقون بأنواع الرزق المعنوى والغذآء الروحانى من العلوم والمعارف والحكم والحقائق والتضييق لبعضهم فى الرزق الصورى والغذآء الجسمانى انما هو لتطبيق الفقر الظاهر بالباطن والفقر الباطن هو الغنى المطلق لقوله عليه السلام
" اللهم أغننى بالافتقار اليك "
فأصحاب الطهارة الدآئمة مرزوقون ابدا اما ظاهرا وباطنا معا واما باطنا فقط على ان لاهلها مراتب من حيث البداية والنهاية ولن ترى من اهل النهاية محروما من الرزق مطلقا الا نادرا والله الغنى وفى التأويلات النجمية ومن يتق الله اى يجعل ذاته المطلقة جنة ذاته وصفاته وافعاله تعالى جنة افعاله باضافة الاشياء كلها خلقا وايجادا الى ذاته وصفاته وافعاله يجعل له مخرجا من مضايق ذاته وصفاته وافعاله الى وسائع ذاته وصفاته وافعاله ويرزقه من حيث لا يحتسب من فيض اسمه الوهاب على طريق الوهب لا على طريق الكسب والاجتهاد { ومن يتوكل على الله } التوكل سكون القلب فى كل موجود ومفقود وقطع القلب عن كل علاقة والتعلق بالله فى جميع الاحوال { فهو } اى الله تعالى { حسبه } بمعنى محسب اى كاف يعنى كافى المتوكل فى جميع اموره ومعطيه حتى يقول حسبى فان قلت اذا كان حكم الله فى الرزق لا يتغير فما معنى التوكل قلت معناه ان المتوكل يكون فارغ القلب ساكن الجاش غير كاره لحكم الله فلهذا كان التوكل محمدوا قال عليه السلام
" لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا "
ومعناه تذهب اول النهار خماصا اى ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار بطانا اى ممتلئة البطون وليس فى الحديث دلالة على القعود على الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق وهو قوله تغدو تروح وانما التوكل بعد الحركة فى امر المعاش كتوكل الزارع بعد القاء الحب فى الارض وكان السلف يقولون اتجروا واكتسبوا فانكم فى زمان اذا احتاج احدكم كان اول ما يأكل دينه وربما رأوا رجلا فى جماعة جنازة فقالوا له اذهب الى دكانك وفى المثنوى
كر توكل ميكنى دركاركن كشت كن بس تكيه بر جباركن رزمز الكاسب حبيب الله شنو از توكل درسبب كاهل مشو
واما الذين قعدوا عن الحركة والكسب وهم الكمل فطريقتهم صعبة لا يسلكها كل ضامر فى الدين ودل الحديث المذكور على ان التوكل الحقيقى ان لا يرجع المتوكل الى رزق معين وغذآء موظف كالطير حتى لا ينتقض التوكل اللهم الا ان يكون من الكمل فان المعين وغيره سوآء عندهم لتعلق قلوبهم بالله لا بغيره وفى التأويلات النجمية ومن يتوكل فى رزق نفسه من الاحكام الشرعية وفى رزق قلبه من الواردات القلبية وفى رزق روحه من العطايا والمنح الالهية الروحانية فالله الاسم الاعظم حسبه من حيث الاسماء الكافية او التوكل نفسه حسبه فيكون الضمير راجعا الى التوكل { ان الله بالغ امره } بالاضافة اى منفذ امره ومتم مراده وممضى قضائه فى خلقه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه الا ان من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له اجرا وفى التأويلات النجمية ان الله بالغ امره فى كل مأمور بما هو منتهاه واقصاه وقرئ بتنوين بالغ ونصب امره اى يبلغ ما يريد ولا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب كما قال الكاشفى رساننده است كار خودرا بهر جاخواهد يعنى آنجه مراد حق سبحانه باشد از وفوت نشود. وقرئ بالغ امره على الفاعلية اى نافذ امره وفى القاموس امر الله بلغ اى بالغ نافذ يبلغ اين اريد به { قد جعل الله لكل شئ } من الشدة والرخاء والفقر والغنى والموت والحياة ونحو ذلك { قدرا } اى تقديرا متعلقا بنفس ذاته وبزمانه وقومه وبجميع كيفياته واوصافه وانه بالغ ذلك المقدر على حب ما قدره وبالفارسية اندازه كه ازان درنكذرداو. مقدارا وحدا معينا او وقتا واجلا ونهاية ينتهى اليه لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يتأتى تغييره يعنى بامقدارى از زمانكه بيش وبس نيقتد وفى التأويلات النجمية اى رتبة وكما لا يليق بذلك الشئ وقال القاشانى ومن يتوكل على الله بقطع النظر عن الوسائط والانقطاع اليه من الوسائل فهو كافيه يوصل اليه ما قدر له ويسوق اليه ما قسم لاجله من انصبة الدنيا والآخرة ان الله يبلغ ما أراد من امره لا مانع له ولا عائق فمن تيقن ذلك ما خاف احدا ولا رجا وفوض امره اليه ونجا قد عين الله لكل امر حدا معينا ووقتا معينا فى الازل لا يزيد بسعى ساع ولا ينتقص بمنع مانع وتقصير مقصر ولا يتأخر عن وقته ولا يتقدم عليه والمتيقن لهذا الشاهد له متوكل بالحقيقة انتهى وفى المفردات تقدير الله الاشياء على وجهين احدهما باعطاء القدرة والثانى أن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة وذلك ان فعل الله ضربان ضرب اوجده بالفعل ومعنى ايجاده بالفعل انه ابدعه كاملا دفعة لا يعتريه الكون والفساد الى ان يشاء ان يغنيه او يبدله كالسموات وما فى فيها ومنه ما جعل اصوله موجودة بالفعل واجزائه بالقوة وقدره على وجه لا يتأتى غير ما قدر فيه كتقديره فى النواة ان ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون وتقدير منى الآدمى ان يكون منه الانسان دون سائر الحيوان فتقدير الله على وجهين احدهما بالحكم منه ان يكون كذا ولا يكون كذا اما على سبيل الوجوب واما على سبيل الامكان وعلى ذلك قوله تعالى { قد جعل الله لكل شئ قدرا } والثانى باعطاء القدرة عليه انتهى والآية بيان لوجوب التوكل عليه وتفويض الامر اليه لانه اذا علم ان كل شئ من الرزق وغيره لا يكون الا بتقدير الله وتوقيته لا يبقى الا التسليم للقدر والتوكل قال الكاشفى بناى اين آيت برتقوى وتوكلست تقوى نفحه بوستان قربست واز رتبه معيت خبر دهدكه ان الله مع الذين اتقوا وتوكل رائحه كلزار كفايتست واز بوى ريحان محبت رسدكه ان الله يحب المتوكلين وبى اين دوصفت قدم در طريق تحقيق نتوان نهاد
الطلاق 65:4
{ واللائى } من الموصولات جمع التى يعنى آن زنان كه { يئسن من المحيض من نسائكم } اللاتى دخلتم بهن لكبرهن ويبسهن وقدروه بستين سنة وبخمس وخمسين فلو رأته بعد ذلك لا يكون حيضا قوله يئسن فعل ماض واليأس القنوط ضد الرجاء يقال يئس من مراده ييأس يأسا وفى معناه أيس يأيس يأسا واياسا لا ايسا وفاعلهما آيس لا يائس يقال امرأة آيس اذا كان يأسها من الحيض دون آيسة لان التاء انما زيدت فى المؤنث اذا استعلمت الكلمة للمذكر ايضا فرقا بينهما واذا لم تستعمل له فأى حاجة الى الزيادة ومن ذلك يقال امرأة حائض وطالق وحامل بلا تاء اذا كان حملها من الولد واما اذا كان يأسها وحملها من غير الحيض وحمل الولد يقال آيسة وحاملة وفى المغرب اليأس انقطاع الرجاء واما الا ياس فى مصدر الآيسة من الحيض فهو فى الاصل ايئاس على افعال حذفت منه الهمزة التى هى عين الكلمة تخفيفا والمحيض الحيض وهو فى اللغة مصدر حاضت الانثى فهى حائض وحائضة اى خرج الدم من قبلها ويكون للأرنب والضبع والخفاش كما ذكره الجاحظ وفى القاموس حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهى حائض وحائضا من حوآئض وحيض سال دمها والمحيض اسم ومصدر قيل ومنه الحوض لان الماء يسيل اليه والحيضة المرة انتهى وفى الشرع دم ينفضه رحم امرأة بالغة لاداء بها ولا اياس لها اى يجعلها الشارع منقطعة الرجاء عن رؤية الدم ومن الاولى لابتدآء الغاية ومتعلقة بالفعل قبلها والثانية للتبيين ومتعلقة بمحذوف { ان ارتبتم } من الارتياب بالفارسية بشك شدن. اى شككتم واشكل عليكم حكمهن لانقطاع دمهن بكبر السن وجهلتم كيف عدتهن { فعدتهن ثلاثة اشهر } فقوله واللائى يئسن الخ مبتدأ خبره فعدتهن وقوله ان ارتبتم اعتراض وجواب الشرط محذوف اى ارتبتم فيه فاعلموا انها ثلاثة أشهر كذا قالوا والأشهر جمع شهر وهو مدة معروفة مشهورة باهلال الهلاك او باعتبار جزء من اثنى عشر جزأ من دوران الشمس من نقطة الى تلك النقطة قال فى القاموس الشهر العدد المعروف من الايام لانه يشهر بالقمر { واللآئى } وآن زنان كه { لم يحضن } اى ما رأين الدم لصغرهن اى فعدتهن ايضا كذلك فحذف ثقة بدلالة ما قبله عليه والشابة التى كانت تحيض فارتفع حيضها بعذر من الاعذار قبل بلوغها سن الآيسات فعند أبى حنيفة والشافعى لا تنقضى عدتها حتى يعادوها الدم فتعتد بثلاثة اقرآء او تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة اشهر وضع السجاوندى الطاء الدالة على الوقف الملطق على وضعه وقانونه فى لم يحضن لانقطاعه عما بعده وكان الظاهر أن يضع الميم الدالة على اللازم لان المتبادر الاتصال الموهم معنى فاسدا العله نظر الى ظهور عدم حمل التى لم تحض لصغرها { وأولات الاحمال } واحدتها ذات بمعنى صاحبة والاحمال جمع حمل بالفتح بالفارسية بار.
والمراد الحبل اى الثقل المحمول فى الباطن وهو الولد فى البطن والمعنى وذوات الاحمال من النساء والحبالى منهن { اجلهن } اى منتهى عدتهن { أن يضعن حملهن } سوآء كن مطلقات او متوفى عنهن ازواجهن فلو وضعت المرأة حملها اى ولدت وحطت ما فى بطنها يعنى ازبالا بزير آورد. بعد طلاق الزوج او وفاته بلحظة انقضت عدتها وحلت للازواج فكيف بعد ساعة او يوم او شهر وقد نسخ به عموم قوله تعالى
والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بأنفسهن اربعة اشهر وعشرا
لتراخى نزوله عن ذلك وقد صح ان سبيعة بنت الحارث الاسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام فقال
" قد حللت فتزوجى "
{ ومن يتق الله } فى شأن احكامه وحقوقه { يجعل له من امره يسرا } اى يسهل عليه امره ويوفقه للخير ويعصمه من لمعاصى والشر بسبب التقوى فمن للبيان قدم على المبين للفواصل او بمعنى فى
الطلاق 65:5
{ ذلك } المذكور من الاحكام وافراد الكاف مع ان الخطاب للجمع كما يفصح عنه ما بعده لما انها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضى لا لتعيين خصوصية المخاطبين { امر الله } حكمه الشرعى { انزله } من اللوح المحفوظ { اليكم } الى جانبكم وقال ابو الليث انزله فى القرآن على نبيكم لتستعدوا للعمل به فاياكم ومخالفته { ومن يتق الله } بالمحافظة على احكامه { يكفر عنه سيئاته } يسترها لرضاه عنه باتقانه وبالفارسية بيوشد خدى تعالى از وبديهاى ويرا. وربما يبدلها حسنات { ويعظم له اجرا } بالمضاعفة وبالفارسية وبزرك ساز دبراى او مزدرا يعنى اورامزد زياده دهدر آخر. قال بعضهم يعطيه اجرا عظيما اى اجر كان ولذلك نكر فالتنكير للتعميم المنبئ عن التتميم قال فى برهان القرآن امر بالتقوى فى احكام الطلاق ثلاث مرات وعد فى كل مرة نوعا من الجزآء فقال اولا يجعل له مخرجا يخرجه مما دخل فيه وهو يكرهه ويهيئ له محبوبه من حيث لا يأمل وقال فى الثانى يسهل عليه الصعب من امره ويفتح له خيرا من طلقها والثالث وعد عليه الجزآء بأفضل الجزآء وهو ما يكون فى الآخرة من النعماء.
الطلاق 65:6
{ أسكنوهن من حيث سكنتم } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى فى شان المعتدات فقيل اسكنوهن من حيث سكنتم اى بعض مكان سكناكم والخطاب للمؤمنين المطلقين { من وجدكم } اى من وسعكم اى مما تطيقونه يعنى مسكن ايان بقدر طاقت وتواناى خويش سازيد والوجد القدرة والغنى يقال افتقر فلان بعد وجده وهو عطف بيان لقوله من حيث سكنتم وتفسير له وفى عين المعانى ومن لتبيين الجنس لما فى حيث من الابهام انتهى واعترض عليه ابو حيان بأنه لم يعهد فى عطف البيان اعادة العامل انما عهد ذلك فى البدل فالوجه جعله بدلا قال قتادة ان لم يكن الا بيت واحد اسكنها فى بعض جوانبه قال صاحب اللباب ان كانت الدار التى طلبها فيها ملكه يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها وان كانت باجرة فعليه الاجرة وان كانت عارية فرجع المعير فعليه ان يكترى لها دارا تسكنها قال فى كشف الاسرار واما المعتدة من وطئ الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب او خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وان كانت حاملا { ولا تضاروهن } اى ولا تقصدوا عليهن الضرر فى السكنى بأى وجه كان فان المفاعلة قد لا تكون للمشاركة وبالفارسية ورنج مرسانيد مطلقات را { لتضيقوا عليهن } فى المسكن ببعض الاسباب من انزال من لا يوافقهن او يشغل مكانهن او غير ذلك وتلجئوهن الى الخروج وبالفارسية براى آنكه تنك كردانيد برايشان مساكن ايشان. وفيه حث المروءة والمرحمة ودلالة على رعاية الحق السابق حتى يتيسر لها التدارك فى امر المعيشة من تزوج آخر أو غيره { وان كن } اى المطلقات { اولات حمل } ذوات حبل وبالفارسية خدواندبار. يعنى حاملة واولات منسوب بالكسر على قانون جمع المؤنث وتنوين حمل للتعميم يعنى اى حمل كان قريب الوضع او بعيده { فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } فيخرجن من العدة وتتخلصوا من كلفة الاحصاء ويحل لهن زوج غيركم ايا شئن فالبائن بالطلاق اذا كانت حاملا لها النفقة والسكنى بالانفاق واما البائن الحائل اى غير الحامل فتستحق النفقة والسكنى عند أبى حنيفة كالحامل الى أن تنقضى عدتها بالحيض او بالاشهر خلافا للثلاثة واما المتوفى عنهن ازواجهن فلا نفقة لهن من التركة ولا سكنى بل تعتد حيث تشاء وان كن اولات حمل لوقوع الاجماع على ان من اجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة او ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذا المتوفى عنها الحامل وهو قول الاكثرين قال ابو حنيفة تجب النفقة والسكنى لكل مطلقة سوآء كانت مطلقة بثلاث او واحدة رجعية او بائنة ما دامت على العدة اما المطلقة الرجعية فلانها منكوحة كما كانت وانما يزول النكاح بمضى العدة وكونه فى معرض الزوال بمضى العدة لا يسقط نفقتها كما لو آلى وعلق طلاقها بمضى شهر فالمطلقة الرجعية لها النقة والسكنى بالاجماع واما المبتوتة فعندنا لها النفقة والسكنى ما دامت فى العدة لقوله تعالى { اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } اذا المعنى اسكنوا المعتدات مكانا من المواضع التى تسكنونها وأنفقوا عليهن فى العدة من سعتكم لما قرأ ابن مسعود رضى الله عنه اسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم وعند الشافعى لها السكنى لهذه الآية ولا نفقة لها الا أن تكون حاملا لقوله تعالى { وان كن اولات حمل } الخ فان قلت فاذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة فما فائدة الشرط فى قوله { وان كن اولات حمل } الخ قلت فائدته ان مدة الحمل ربما طالت فظن ظان ان النفقة تسقط اذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم كما فى الكشاف { فان أرضعن لكم } الرضاع لغة شرب اللبن من الضرع او الثدى وشريعة شرب الطفل حقيقة او حكما لللبن خالص او مختلط غالبا من آدمية فى وقت مخصوص والارضاع شيردادن يعنى هؤلاء المطلقات ان ارضعن لكم ولدا من غيرهن او منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية وعلاقة النكاح قال لكم ولم يقل اولادكم لما قال تعالى
والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة
فالاب يجب عليه ارضاع الولد دون الام وعليه أن يتخذ له ظئرالا اذا تطوعت الام بارضاعه وهى مندوبة الى ذلك ولا تجبر عليه ولا يجوز استئجار الام عند أبى حنيفة رحمه الله ما دامت زوجة معتدة من نكاح { فآتوهن اجورهن } على الارضاع ان طلبن او رجون فان حكمهن فى ذلك حكم الاظئآر حينئذ قال فى اللباب فان طلقها فلا يجب عليها الارضاع الا أن لا يقبل الولد ثدى غيرها فيلزمها حينئذ فان اختلفا فى الاجر فان دعت الى اجرة المثل وامتنع الأب الا تبرعا فالام اولى بأجر المثل اذ لا يجد الأب متبرعة وان دعا الأب على اجر المثل وامتنعت الام لتطلب شططا فالأب اولى به فان اعسر الأب بأجرتها اجبرت على ارضاع ولدها انتهى ان قيل ان الولد للأب فلم لا يتبعه فى الحرية والرقية بل يتبع الام لانها اذا كانت ملكا لغير الأب كان الولد ملكا له وان كان الأب حرا واذا كانت حرة كان الولد حرا وان كان الأب رقيقا اجيب أن الفقهاء قالوا فى وجهه رجح ماء الام على ماء الأب فى الملكية لان ماءها مستقر فى موضع وماء الأب غير معلوم أفادت هذه المسألة ان الماليكة تغلب الوالدية والتحقيق ان الاحكام شرعية لا عقلية والعلم عند شارعها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { وائتمروا } ايها الآباء والامهات { بينكم } ميان يكدركر دركار فرزند { بمعروف } اى تشاوروا وحقيقته ليأمر بعضكم بعضا بجميل فى الارضاع والأجر وهو المسامحة ولا يكن من الاب مماكسة ولا من الام معاسرة لانه ولدهما معا وهما شريكان فيه فى وجوب الاشفاق عليه فالائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور يقال ائتمر القوم وتأمروا اذا امر بعضهم بعضا يعنى الافتعال قد يكون بمعنى التفاعل وهذا منه { وان تعاسرتم } يقال تعاسر القوم اذا تحروا تعسير الامر اى تضايقتم وبالفارسية واكر دشوار كنيد ومضايقه نماييد اى بدر ومادر رضاع ومزد دادن يعنى شوهر از اجرا باكند يازن شيرندهد { فسترضع له } اى للأب كما فى الكشاف وهو الموافق لقوله فان ارضعن لكم او للصبى والولد كما فى الجلالين وتفسير الكاشفى ونحوهما وفيه ان الظاهر حينئذ أن يقول فسترضعه { اخرى } اى فستوجد ولا تعوز مرضعة اخرى غير الام ترضعه يعنى مرددايه كيرد براى رضيع خود ومادررا باكراه واجبار نفر مايد.
وفيه معاتبة للام على المعاسرة كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى سيقضيها غيرك تريد ان تبقى غير مقضية فأنت ملوم قال سعدى المفتى ولا يخلو عن معاتبة الأب ايضا حيث اسقط فى الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الاشارة الى انه ان ضويقت الام فى الاجر فامتنعت من الارضاع لذلك فلا بد من ارضاع امرأة اخرى وهى ايضا تطلب الأجر فى الأغلب الا كثر والام اشفق واحن فهى به اولى وبما ذكرنا يظهر كمال الارتباط بين الشرط والجزاء.
الطلاق 65:7
{ لينفق } لام الامر { ذو سعة } خداوند فراخى وتوانكرى { من سعته } ازغناى خود يعنى بقدر تواناى خويش برمطلقه ومرضعة نفقه كنيد. ومن متعلقة بقوله لينفق { ومن قدر عليه رزقه } اى ضيق وكان بمقدار القوت وبالفارسية وهركه تنك كرده شده است برو روزى او يعنى فقير وتنكدست است. ومن هذا المعنى اشتق الا قدراى القصير العنق وفرس اقدر يضع حافر رجله موضع حافريده وقوله تعالى
وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره
اى ما يليق بحاله مقدرا عليه { فلينفق مما آتاه الله } وان قل اى لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه ويطيقه { لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها } من المال جل او قل فانه تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها وبالفارسية وتكليف نفر مايد خداى تعالى هيج تنى رامكر آنجه بدو عطا كرده است ازمال يعنى تكليف مالا يطاق نفر ما يد. وقد اكد ذلك بالوعد حيث قال { سيجعل الله بعد عسر يسرا } اى عاجلا او آجلا اذ ليس فى السين دلالة على تعين زمان وكل آت قريب ولو كان الآخرة وبالفارسية زود المعسر اليس وفرج الله فان الانتظار عبادة وفيه تطييب لقلب المعسر وترغيب له فى بذل مجهوده ووعد لفقرآء ذلك الوقت بفتح ابواب الرزق عليهم او لفقرآء الازواج ان انفقوا ما قدرو عليه ولم يقصروا. يقول الفقير لا بعد فى ذلك من حيث ان القرءآن ليس بمحصور ولا التفات فى مثل هذه المقام الى سوق الكلام قال البقلى سيجعل الله بعد ضيق الصدر من الاهتمام بالرزق وانفاقه سعة الصدر ويسر السخاء والطمأنينة والرضى بالله وايضا سيجعل الله بعد عسر الحجاب للمشتاقين يسر كشف النقاب فى التأويلات النجمية يعنى كل ذى سعة مأمور بانفاق ما يقدر على انفاقه فالخفى المنفق عليه من جانب الحق ينفق على الروح من سعته والروح ينفق على السر من سعته والسر ينفق على القلب من سعته والقلب ينفق على النفس من سعته والنفس ينفق على الصدر من سعته والصدر ينفق على الجسم من سعته ومن قدر عليه رزقه من الفيوض الالهية فلينفق مما آتاه الله بحسب استعداده لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها فى استعدادها الازلى وقابليتها الغيبية سيجعل الله بعد عسر انقطاع الفيض يسر اتصال الفيض.
الطلاق 65:8
{ وكأين من قرية } بمعنى كم الخبرة فى كونها للتكثير والقرية اسم للموضع الى يجتمع فيه الناس والمعنى وكثير من اهل قرية وبالفارسية وبسيار ازاهل ديهى وشهرى. فهو من حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه ثم وصفه بصفته او من المجاز العقلى والاسناد الى المكان وهذه الآية تحذير للناس عن المخالفة فى الاحكام المذكور وتأكيد لايجابها عليهم { عتت عن امر ربها ورسله } قال فى المفردات العتو النبو عن الطاعة وفى القاموس عتا عتو وعتيا وعتيا استكبر وجاوز الحد فهو عات وعتى انتهى والعتو لا يتعدى بعن وانما عدى بها لتضمينه معنى الاعراض كأنه قيل اعرضت عن امر ربها وامر رسل ربها بسبب التجاوز عن الحد فى التكبر والعناد وفى ايراده صفة الرب توبيخ لهم وتجهيل لما ان عصيان العبيد لربهم ومولاهم طغيان وجهل بشأن سيدهم ومالكهم وبمرتبة انفسهم ودوام احتياجهم اليه فى التربية قوله وكأين مبتدأ ومن قرية بيان له وعتت خبر المبدأ { فحاسبناها حسابا شديدا } اى ناقشناها فى الحساب وضيقنا عليها فى الدنيا واخذناها بدقائق ذنوبها وجرآئمها من غير عفو بنحو القحط والجوع والامراض والاوجاع والسيف وتسليط الاعدآء عليها وغير ذلك من البلايا مقدما معجلا على استئصالهم وذوقها العذاب الاكبر لترجع الى الله تعالى لان البلاء كالسوط للسوق فلم تفعل ولم ترفع رأسا فابتلاها الله بما فوق ذلك كما قال { وعند بناها عذابا نكرا } اى منكرا عظيما هائلا متنفرا عنه بالطبع لشدته وايلامه او غير متوقع فانهم كانوا لا يتوقعونه ولو قيل لهم لما يصدقونه والقهر الغير المتوقع اشد ألما واللطف الغير المتوقع اتم لذة وبالفارسية وعذاب كرديم ايشانرا عذابى جنانكه نديده بودند ونشناخته. وهو العذاب العاجل بالاستئصال بنحو الاغراق والاحراق والريح والصيحة فالنكر الامر الصعب الذى لا يعرف والانكار ضد العرفان. يقول الفقير اضاف الله المحاسبة والتعذيب الى نفسه مع ان سببهما كان العتو عن امره وامر رسله لان الرسل كانوا فانين فى الله فاتخذوا الله وكيلا فى جميع امورهم وتركوا التصرف والتعرض للقهر ونحوه وذلك انهم قد بعثوا بعد رسوخهم ولهذا صبروا على تكذيب امم لهم ولو بعثوا قبل الرسوخ ربما بطشوا بمن كذبهم واهلكوه وقس عليهم احوال الكمل من الاولياء.
الطلاق 65:9
{ فذاقت } بس بجشيديد اهل آن ديه { وبال امرها } اى ضرر كفرها وثقل عقوبة معاصيها اى احسته احساس الذآئق المطعوم { وكان عاقبة امرها خسرا } هائلا لا خسر ورآؤه يعنى زيانكارى وكدام زيان ازان بدتركه ازحيات ومنافع آن محروم شدند وبعقوبات مبتلى كشتند. فتجارتهم خسارة لا ربح فيها لتضييعهم بضاعة العمر والصحة والفراغ بصرفها فى المخالفات قال فى المفردات الخسر والخسران انتقاض رأس المال وينسب الى الانسان فيقال خسر فلان والى الفعل فيقال خسرت تجارته ويستعمل ذلك فى القنيات الخاريجة كالمال والجاه فى الدنيا وهو الاكثر وفى النفسية كالصحة والسلامة والعقل والايمان والثواب وفى الآية اشارة الى اهل قرية الوجود الانسانى وهو النفس والهوى وسائر القوى فانها اعرضت عن حكم الروح فلم تدخل فى حكم الشريعة وكذا عن متابعة امر القلب والسر والخفى فعذبت بعذاب الحجاب واستهلكت فى بحر الدنيا وشهواتها ولذاتها وكان عاقبة امرها خسران الضلالة ونيران الجهالة.
الطلاق 65:10
{ اعد الله لهم } مع ذلك فى الآخرة ولام لهم لام التخصيص لا لام النفع كما فى قولهم دعا له فى مقابلة دعا عليه { عذابا شديدا } اى قدره فى علمه على حسب حكمته او هيأ اسبابه فى جهنم بحيث لا يوصف كنهه فهم اهل الحساب والعذاب فى الدنيا والآخرة لا فى الدنيا فقط فان ما اصابهم فى الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم لعدم رجوعهم عن الكفر فعذبوا بعذاب الآخرة ايضا وهذا المعنى من قوله فحاسبناها الى هنا هو اللائق بالنظم الكريم هكذا ألهمت به حين المطالعة ثم وجدت فى تفسير الكواشى وكشف الاسرار وأبى الليث والاسئلة المقحمة ما يدل على ذلك والحمد لله تعالى فلا حاجة الى ان يقال فيه تقديما وتأخيرا وان المعنى انا عذبناها عذابا شديدا فى الدنيا ونحاسبها حسابا شديدا فى الآخر على ان لفظ الماضى للتحقيق كأكثر ألفاظ القيامة فان فيه وفى نحوه تكلفا بينا على ما ارتكبه من يعد من اجلاء المفسرين ودل قوله فى الاثر
" حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا "
على ان المحاسبة عامة لما فى الدارين وان المراد بها فى بعض المواضع هو التضييق والتشديد مطلقا { فاتقوا الله يا أولى الالباب } اى اعتبروا بحال الامم الماضين من المنكرين المعاندين وما نزل بهم من العذاب والوبال فاتقوا الله اوامره ونواهيه ان خلصت عقولكم من شوب الوهم فان اللب هو العقل الخالص من شوآئب الوهم وذلك بخلوص القلب من شوآئب صفات النفس والرجوع الى الفطرة الاولى واذا خلص العقل من الوهم والقلب من النفس كان الايمان يقينا فلذلك وصفهم بقوله { الذين آمنوا } اى الايمان التحققى اليقينى العيانى الشهودى وفيه اشارة الى ان منشأ التقوى هو الخلوص المذكور ولا ينافى ذلك زيادة الخلوص بالتقوى فكم من شئ يكون سببا لاصل شئ آخر ويكون سببا فى زيادته وقوته على ذلك الآخر وبكمال التقوى يحصل الخروج من قشر الوجود المجازى والدخول فى لب الوجود الحقيقى والاتصاف بالايمان العيانى قال بعضهم الذين آمنوا حقا وصدقا ويجوز أن يكون صفة كاشفة لا مقيدة فانه لا يليق أن يعد غير المؤمنين من اولى الالباب اللهم الا أن يراد باللب العقل العارى عن الضعف بأى وجه كان من البلادة والبله والجنون وغيرها فتخصيص الامر بالتقوى بالمؤمنين من بينهم لانهم المنتفعون انتهى والظاهر ان قوله { الذين آمنوا } مبتدأ خبره قوله تعالى { قد انزل الله اليكم } والخطاب من قبيل الالتفات { ذكرا } هو النبى عليه السلام كما بينه بأن ابدل منه قوله { رسولا } وعبر عنه بالذكر لمواظبته على تلاوة القرآن او تبليغه والتذكير به وعبر عن ارساله بالانزال بطريق الترشيح اى للتجوز فيه عليه السلام بالذكر او لانه مسبب عن انزال الوحى اليه يعنى ان رسول الله شبه بالذكر الذى هو القرآن لشدة ملابسته به فأطلق عليه اسم المشبه به استعارة تصريحية وقرن به ما يلائم المستعار منه وهو الانزال ترشيحا لها او مجازا مرسلا من قبيل اطلاق اسم السبب على المسبب فان انزال الوحى اليه عليه السلام سبب لارساله وقال بعضهم ان التقدير قد انزل الله اليكم ذكرا يعنى القرءآن وارسل اليكم رسولا يعنى محمدا عليه السلام لكن الايجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول وقد دل عليه القرينة وهوقوله انزل نظيره قوله علفتها تبنا وماء باردا اى وسقيتها ماء باردا فيكون الوقف فى ذكرا تاما بخلافه اذا كان بدلا وقال القاشانى قد انزل الله اليكم ذكرا اى فرقانا مشتملا على ذكر الذات والصفات والاسماء والافعال والمعاد رسولا اى روح القدس الذى انزله به فأبدل منه بدل الاشتمال لان انزال الذكر هو انزاله بالاتصال بالروح النبوى والقاء المعانى فى القلب { يتلو } يقرأ ويعرض { عليكم } يا اولى الالباب او يا ايها المؤمنون { آيات الله } اى القرءان { مبينات } اى حال كون تلك الآيات مبينات ومظهرات لكم ما تحتاجون اليه من الاحكام اومبينات بالفتح بمعنى واضحات لاخفاء فى معانيها عند الاهالى اولا مرية فى اعجازها عند البلغاء المنصفين وانما يتلوها او انزله { ليخرج } الرسول ويخلص او الله تعالى قال بعضهم اللام متعلقة بأنزل لا بقوله يتلو لان يتلو مذكورعلى سبيل التبعية دون انزل { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الموصول عبارة عن المؤمنين بعد انزاله والا فاخراج الموصوفين بالايمان من الكفر لا يمكن اذ لا كفر فيهم حتى يخرجوا منه اى ليحصل لهم الرسول ما هم عليه الآن من الايمان والعمل الصالح باخراجهم عما كانوا عليه أو ليخرج الله من علم او قدر انه سيؤمن ولم يقل ليخرجكم اظهار لشرف الايمان والعمل الصالح وبيانا لسبب الاخراج وحثا على التحقق بهما { من الظلمات الى النور } اى من الضلالة الى الهدى ومن الباطل الى الحق ومن الجهل الى العلم ومن الكفر الى الايمان ومن الشهبات الى الدلالات والبراهين ومن الغفلة الى اليقظة ومن الانس بغير الله الى الانس بالله على طبقاتهم ودرجاتهم فى السعى والاجتهاد بعناية الله تعالى وفى التأويلات النجمية ليخرج الذين آمنوا بالايمان العلمى وعملوا الصالحات بمقتضى العلم الظاهر لا بمقتضى الحال من ظلمات التقييد بالاعمال والاحوال الى نور الاطلاق برؤية فاعلية الحق فى الاشياء انتهى.
يقول الفقير انما جمع الظلمات لتراكمها وتكاثفها ولكثرة اسبابها وانواعها ولذا قال تعالى
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر
اى شدآئدهما فانها كالظمات وكذا الاعمال السيئة ظلمات يوم القيامة كما ورد فى حق الظلم { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } خالصا من الرياء والتصنع والغرض وهو استئناف لبيان شرف الايمان والعمل الصالح ونهاية امر من اتصف بهما تنشيطا وترغيبا لغير اهلهما لهما قال بعض الكبار لو كان الايمان بذاته يعطى مكارم الاخلاق لم يقل للمؤمن افعل كذا واترك كذا وقد توجد مكارم الاخلاق بدونه وللايمان وللمكارم آثار ترجع على اصحابها فى اى دار كان كما ورد فى حق أبى طالب فانه قال العباس رضى الله عنه يا رسول الله ان أبا طالب
" كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال نعم ولولا انا كان فى الدرك الاسفل من النار "
وكما رؤى ابو لهب فى المنام وهو يمص ماء من ابهامه ليلة الاثنين لعتقه بعض جواريه حين بشرته بولادة رسول الله عليه السلام وكما قيل انه عليه السلام لما عرج به اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام
" ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار "
فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كما فى انيس الوحدة وجليس الخلوة فاذا كانت المكارم بهذه المرتبة بلا ايمان فكيف مع ايمان وعطف العمل الصالح من الصلاة والزكاة وغيرهما على الايمان الذى هو تصديق القلب عند المحققين والتصديق مع الاقرار عند البعض يفيد المغايرة على ما هو المذهب الاصح وهو كاف فى دخول الجنة بوعد الله وكرمه فى القول الحق المثبت بالادلة القوية فذكر العمل الصالح بعده للاهتمام والحث عليه اخبارا بأن اهله يدخلون ابتدآء بلا حساب او بحساب يسير { يدخله جنات تجرى من تحتها } اى من تحت قصورها او اشجارها { الانهار } الاربعة المذكورة فى سورة محمد عليه السلام { خالدين فيها } مقيمين فى تلك الجنات دآئمين فيها وهو حال من مفعول يدخله والجمع باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها { ابدا } ظرف زمان بمعنى دآئما غير منقطع فيكون تأكيدا للخلود لئلا يتوهم ان المراد به المكث الطويل المنقطع آخرا { قد احسن الله له رزقا } حال اخرى منه وفيه معنى التعجب والتعظيم لما رزقه الله المؤمنين من الثواب لان الجملة الخبرية اذا لم يحصل منها فائدة الخبر ولا لازمها تحمل على التعجب اذا اقتضاه المقام كأنه قيل ما احسن رزقهم الذى رزقهم الله وما اعظمه فرزقا ظاهره المفعولية لأحسن والتنوين للتعظيم لاعداده تعالى فيها ما هو خارج عن الوصف او للتكثير عددا لما فيه مما تشتهيه الانفس من الرزق والانفس او مددا لان اكلها دآئم لا ينقطع ولا يعد فى أن يكون له بمعنى اليه ويكون رزقا تمييزا بمعنى قد هيأ له واعد ما يحسن اليه به من جهة الرزق قال بعض الكبار الجزآء على الاعمال فى حق العارفين من عين المنة فهو جزآء العمل لا جزآء العامل فافهم قال فى الاسئلة المقحمة الظاهر ان الرزق الحسن مال فى قدر الكفاية بلا زيادة تطغى ولا حاجة تنسى.
يقول الفقير هذا التفسير ليس فى محله لان المراد رزق الآخرة كما دل عليه ما قبل الآية لا رزق الدنيا وفى التأويلات النجمية ومن يؤمن بالله ايمانا حقيقيا عينيا ويعمل عملا صالحا منزها عن رؤيته مقدسا عن نسبته الى العامل المجازى يدخله جنات المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمحاضرات من غير الفترة الحجابية قد احسن الله له رزقا فرزق الروح بالتفريد ورزق القلب بالتجريد ورزق السر بالتوحيد ورزق الخفى بالفناء والبقاء.
الطلاق 65:11
{ اعد الله لهم } مع ذلك فى الآخرة ولام لهم لام التخصيص لا لام النفع كما فى قولهم دعا له فى مقابلة دعا عليه { عذابا شديدا } اى قدره فى علمه على حسب حكمته او هيأ اسبابه فى جهنم بحيث لا يوصف كنهه فهم اهل الحساب والعذاب فى الدنيا والآخرة لا فى الدنيا فقط فان ما اصابهم فى الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم لعدم رجوعهم عن الكفر فعذبوا بعذاب الآخرة ايضا وهذا المعنى من قوله فحاسبناها الى هنا هو اللائق بالنظم الكريم هكذا ألهمت به حين المطالعة ثم وجدت فى تفسير الكواشى وكشف الاسرار وأبى الليث والاسئلة المقحمة ما يدل على ذلك والحمد لله تعالى فلا حاجة الى ان يقال فيه تقديما وتأخيرا وان المعنى انا عذبناها عذابا شديدا فى الدنيا ونحاسبها حسابا شديدا فى الآخر على ان لفظ الماضى للتحقيق كأكثر ألفاظ القيامة فان فيه وفى نحوه تكلفا بينا على ما ارتكبه من يعد من اجلاء المفسرين ودل قوله فى الاثر
" حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا "
على ان المحاسبة عامة لما فى الدارين وان المراد بها فى بعض المواضع هو التضييق والتشديد مطلقا { فاتقوا الله يا أولى الالباب } اى اعتبروا بحال الامم الماضين من المنكرين المعاندين وما نزل بهم من العذاب والوبال فاتقوا الله اوامره ونواهيه ان خلصت عقولكم من شوب الوهم فان اللب هو العقل الخالص من شوآئب الوهم وذلك بخلوص القلب من شوآئب صفات النفس والرجوع الى الفطرة الاولى واذا خلص العقل من الوهم والقلب من النفس كان الايمان يقينا فلذلك وصفهم بقوله { الذين آمنوا } اى الايمان التحققى اليقينى العيانى الشهودى وفيه اشارة الى ان منشأ التقوى هو الخلوص المذكور ولا ينافى ذلك زيادة الخلوص بالتقوى فكم من شئ يكون سببا لاصل شئ آخر ويكون سببا فى زيادته وقوته على ذلك الآخر وبكمال التقوى يحصل الخروج من قشر الوجود المجازى والدخول فى لب الوجود الحقيقى والاتصاف بالايمان العيانى قال بعضهم الذين آمنوا حقا وصدقا ويجوز أن يكون صفة كاشفة لا مقيدة فانه لا يليق أن يعد غير المؤمنين من اولى الالباب اللهم الا أن يراد باللب العقل العارى عن الضعف بأى وجه كان من البلادة والبله والجنون وغيرها فتخصيص الامر بالتقوى بالمؤمنين من بينهم لانهم المنتفعون انتهى والظاهر ان قوله { الذين آمنوا } مبتدأ خبره قوله تعالى { قد انزل الله اليكم } والخطاب من قبيل الالتفات { ذكرا } هو النبى عليه السلام كما بينه بأن ابدل منه قوله { رسولا } وعبر عنه بالذكر لمواظبته على تلاوة القرآن او تبليغه والتذكير به وعبر عن ارساله بالانزال بطريق الترشيح اى للتجوز فيه عليه السلام بالذكر او لانه مسبب عن انزال الوحى اليه يعنى ان رسول الله شبه بالذكر الذى هو القرآن لشدة ملابسته به فأطلق عليه اسم المشبه به استعارة تصريحية وقرن به ما يلائم المستعار منه وهو الانزال ترشيحا لها او مجازا مرسلا من قبيل اطلاق اسم السبب على المسبب فان انزال الوحى اليه عليه السلام سبب لارساله وقال بعضهم ان التقدير قد انزل الله اليكم ذكرا يعنى القرءآن وارسل اليكم رسولا يعنى محمدا عليه السلام لكن الايجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول وقد دل عليه القرينة وهوقوله انزل نظيره قوله علفتها تبنا وماء باردا اى وسقيتها ماء باردا فيكون الوقف فى ذكرا تاما بخلافه اذا كان بدلا وقال القاشانى قد انزل الله اليكم ذكرا اى فرقانا مشتملا على ذكر الذات والصفات والاسماء والافعال والمعاد رسولا اى روح القدس الذى انزله به فأبدل منه بدل الاشتمال لان انزال الذكر هو انزاله بالاتصال بالروح النبوى والقاء المعانى فى القلب { يتلو } يقرأ ويعرض { عليكم } يا اولى الالباب او يا ايها المؤمنون { آيات الله } اى القرءان { مبينات } اى حال كون تلك الآيات مبينات ومظهرات لكم ما تحتاجون اليه من الاحكام اومبينات بالفتح بمعنى واضحات لاخفاء فى معانيها عند الاهالى اولا مرية فى اعجازها عند البلغاء المنصفين وانما يتلوها او انزله { ليخرج } الرسول ويخلص او الله تعالى قال بعضهم اللام متعلقة بأنزل لا بقوله يتلو لان يتلو مذكورعلى سبيل التبعية دون انزل { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الموصول عبارة عن المؤمنين بعد انزاله والا فاخراج الموصوفين بالايمان من الكفر لا يمكن اذ لا كفر فيهم حتى يخرجوا منه اى ليحصل لهم الرسول ما هم عليه الآن من الايمان والعمل الصالح باخراجهم عما كانوا عليه أو ليخرج الله من علم او قدر انه سيؤمن ولم يقل ليخرجكم اظهار لشرف الايمان والعمل الصالح وبيانا لسبب الاخراج وحثا على التحقق بهما { من الظلمات الى النور } اى من الضلالة الى الهدى ومن الباطل الى الحق ومن الجهل الى العلم ومن الكفر الى الايمان ومن الشهبات الى الدلالات والبراهين ومن الغفلة الى اليقظة ومن الانس بغير الله الى الانس بالله على طبقاتهم ودرجاتهم فى السعى والاجتهاد بعناية الله تعالى وفى التأويلات النجمية ليخرج الذين آمنوا بالايمان العلمى وعملوا الصالحات بمقتضى العلم الظاهر لا بمقتضى الحال من ظلمات التقييد بالاعمال والاحوال الى نور الاطلاق برؤية فاعلية الحق فى الاشياء انتهى.
يقول الفقير انما جمع الظلمات لتراكمها وتكاثفها ولكثرة اسبابها وانواعها ولذا قال تعالى
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر
اى شدآئدهما فانها كالظمات وكذا الاعمال السيئة ظلمات يوم القيامة كما ورد فى حق الظلم { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } خالصا من الرياء والتصنع والغرض وهو استئناف لبيان شرف الايمان والعمل الصالح ونهاية امر من اتصف بهما تنشيطا وترغيبا لغير اهلهما لهما قال بعض الكبار لو كان الايمان بذاته يعطى مكارم الاخلاق لم يقل للمؤمن افعل كذا واترك كذا وقد توجد مكارم الاخلاق بدونه وللايمان وللمكارم آثار ترجع على اصحابها فى اى دار كان كما ورد فى حق أبى طالب فانه قال العباس رضى الله عنه يا رسول الله ان أبا طالب
" كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال نعم ولولا انا كان فى الدرك الاسفل من النار "
وكما رؤى ابو لهب فى المنام وهو يمص ماء من ابهامه ليلة الاثنين لعتقه بعض جواريه حين بشرته بولادة رسول الله عليه السلام وكما قيل انه عليه السلام لما عرج به اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام
" ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار "
فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كما فى انيس الوحدة وجليس الخلوة فاذا كانت المكارم بهذه المرتبة بلا ايمان فكيف مع ايمان وعطف العمل الصالح من الصلاة والزكاة وغيرهما على الايمان الذى هو تصديق القلب عند المحققين والتصديق مع الاقرار عند البعض يفيد المغايرة على ما هو المذهب الاصح وهو كاف فى دخول الجنة بوعد الله وكرمه فى القول الحق المثبت بالادلة القوية فذكر العمل الصالح بعده للاهتمام والحث عليه اخبارا بأن اهله يدخلون ابتدآء بلا حساب او بحساب يسير { يدخله جنات تجرى من تحتها } اى من تحت قصورها او اشجارها { الانهار } الاربعة المذكورة فى سورة محمد عليه السلام { خالدين فيها } مقيمين فى تلك الجنات دآئمين فيها وهو حال من مفعول يدخله والجمع باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها { ابدا } ظرف زمان بمعنى دآئما غير منقطع فيكون تأكيدا للخلود لئلا يتوهم ان المراد به المكث الطويل المنقطع آخرا { قد احسن الله له رزقا } حال اخرى منه وفيه معنى التعجب والتعظيم لما رزقه الله المؤمنين من الثواب لان الجملة الخبرية اذا لم يحصل منها فائدة الخبر ولا لازمها تحمل على التعجب اذا اقتضاه المقام كأنه قيل ما احسن رزقهم الذى رزقهم الله وما اعظمه فرزقا ظاهره المفعولية لأحسن والتنوين للتعظيم لاعداده تعالى فيها ما هو خارج عن الوصف او للتكثير عددا لما فيه مما تشتهيه الانفس من الرزق والانفس او مددا لان اكلها دآئم لا ينقطع ولا يعد فى أن يكون له بمعنى اليه ويكون رزقا تمييزا بمعنى قد هيأ له واعد ما يحسن اليه به من جهة الرزق قال بعض الكبار الجزآء على الاعمال فى حق العارفين من عين المنة فهو جزآء العمل لا جزآء العامل فافهم قال فى الاسئلة المقحمة الظاهر ان الرزق الحسن مال فى قدر الكفاية بلا زيادة تطغى ولا حاجة تنسى.
يقول الفقير هذا التفسير ليس فى محله لان المراد رزق الآخرة كما دل عليه ما قبل الآية لا رزق الدنيا وفى التأويلات النجمية ومن يؤمن بالله ايمانا حقيقيا عينيا ويعمل عملا صالحا منزها عن رؤيته مقدسا عن نسبته الى العامل المجازى يدخله جنات المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمحاضرات من غير الفترة الحجابية قد احسن الله له رزقا فرزق الروح بالتفريد ورزق القلب بالتجريد ورزق السر بالتوحيد ورزق الخفى بالفناء والبقاء.
الطلاق 65:12
{ الله الذى } الخ مبتدأ وخبر اى الملك القادر الذى { خلق سبع سموات } بيافريد فت آسمان بعضى بالاى بعض. نكرها للتعظيم المفيد لكمال قدرة صانعها او لكفايته فى المقصود من اثبات قدرته الكاملة على وفق حكمته الشاملة وذلك يحصل باخبار خلقه تعالى سبع سموات من غير نظر الى التعيين { ومن الارض } اى وخلق من الارض { مثلهن } اى مثل السموات السبع فى العدد والطباق وبالفارسية وبيافريد از زمين مانند آسمانها بعضى درتحت بعض. فقوله مثلهن منصوب بفعل مضمر بعد الواو دل عليه الناصب لسبع سموات وليس بمعطوف على سبع سموات لانه يستلزم الفصل بين حرف العطف وهو صرف واحد وبين المعطوف بالجار والمجرور وصرح سيبويه وابو على بكراهيته فى غير موضع الضرورة واختلف فى كيفية طبقات الارض فالجمهور على انها سبع ارضين طبقا بعضها فوق بعض بين كل ارض وارض مسافة كما بين السماء والارض وفى كل ارض سكان من خلق الله وقال الضحاك مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتوق وفرجة اى سوآء كان بالبحار او بغيرها بخلاف السموات قال القرطبى والاول الاصح لان الاخبار دالة عليه كما روى البخارى وغيره من ان كعبا حلف بالذى فلق البحر لموسى
" ان صهيبا حدثه ان النبى عليه السلام لم ير قرية يريد دخولها الا قال حين يراها اللهم رب السموات السبع وما اظللن ورب الارضين السبع وما اقللن ورب الشياطين وما اضللن ورب الرياح وما اذرين نسألك من خير هذه القرية وخير اهلها وخير من فيها ونعوذ بك من شرها وشر اهلها وشر من فيها "
روى شيبان ابن عبد الرحمن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة رضى الله عنه قال بينهما النبى عليه السلام جالس اذا أتى عليهم سحاب فقال
" هل تدرون ما هذا العنان "
قالوا الله ورسوله اعلم قال
" هذه زوايا الارض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه "
ثم قال
" هل تدرون ما الذى فوقكم "
قالوا الله ورسوله اعلم قال
" فانها الرقيع سقف محفوظ وبحر مكفوف "
ثم قال
" هل تدرون ما بينكم وبينها "
قالوا الله ورسوله اعلم قال
" فوقها العرش وبينه وبين السماء كبعد ما بين سماءين او كما قال "
ثم قال
" هل تدرون ما تحتكم "
قالوا الله ورسوله اعلم قال
" الارض وتحتها ارض اخرى بينهما خمسمائة عام "
ثم قال
" والذى نفس محمد بيده لو أنكم ادلتم بحبل لهبطتم على الله "
ثم قرأ عليه السلام
هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم
كما فى خريدة العجائب وفى المقاصد الحسنة
" لو أنكم وليتم بحبل الى الارض السفلى لهبط على الله "
فسره بعض اهل العلم فقال انما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه فى كل مكان وهو على العرش كما وصف فى كتابه انتهى. قال شيخنا معناه ان علم الله شمل جميع الاقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول فى الاماكن فالله سبحانه كان قبل أن يحدث الاماكن انتهى كلام المقاصد الحسنة قال بعض العارفين فيه اشارة الى انه ما من جوهر فى العالم العلوى والسفلى الا وهو مرتبط بالحق ارتباط الرب بالمربوب وفى الحديث
" اجتمع املاك عند الكعبة واحد نازل من السماء وواحد صاعد من الارض السفلى وثالث من ناحية المشرق ورابع من ناحية المغرب فسأل كل واحد صاحبه من اين جئت فكلهم قالوا من عند الله "
ثم نرجع ونقول فالارض بعضها فوق بعض وغلظ كل ارض مسيرة خمسمائة عام وكذا ما بينهما على ما دل عليه حديث ابى هريرة وفى الحديث
" من اخذ من الارض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع ارضين "
قال ابن الملك وفيه اشعار بأن الارض فى الآخرة ايضا سبع طباق وفى الكواشى قيل ما فى القرءآن آية تدل على ان الارضين سبع الا هذه الآية وان ما يبن كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وكذا غلظ كل سماء والارضون مثل السموات فكما ان فى كل سماء نوعا من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويحمدونه فكذا لكل ارض اهل على صفة وهيئة عجيبة ولكل ارض اسم خاص كما ان لكل سماء اسما خاصا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان نافع بن الازرق سأله هل تحت الارضين خلق قال نعم قال فما الخلق قال اما ملائكة او جن وعن عطاء بن يسار فى هذه الآية فى كل ارض آدم كآدمكم ونوح مثل نوحكم وابراهيم مثل ابراهيمكم وعيسى كعيساكم قالوا معناه ان فى كل ارض خلق الله لهم سادة يقومون عليهم مقام آدم ونوح وابراهيم وعيسى فينا قال السخاوى فى المقاصد الحسنة حديث الارضون سبع فى كل ارض من الخلق مثل ما فى هذه حتى آدم كآدمكم وابراهيم كابراهيمكم وهو مجهول ان صح نقله عن ابن عباس رضى الله عنهما على انه اخذه عن الاسرآئيليات اى اقاويل بنى اسرآئيل مما ذكر فى التوراة او اخذه من علمائهم ومشايخهم كما فى شرح النخبة وذلك وامثاله اذا لم يخبر به ويصح سنده الى معصوم فهو مردود على قائله انتهى كلام المقاصد مع تفسير الاسرائيليات وقال فى انسان العيون قد جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى { ومن الارض مثلهن } قال سبع ارضين فى كل ارض نبى كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وابراهيم كابراهيمكم وعيسى كعيساكم رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الاسناد وقال البيهقى اسناده صحيح لكنه شاذ بالمرة اى لانه لا يلزم من صحة الاسناد صحة المتن فقد يكون فيه مع صحة اسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف قال الجلال السيوطى ويمكن أن يؤول على ان المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن انبياء البشر ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبى الذى يبلغ عنه هذا كلامه وحينئذ كان لنبينا عليه السلام رسول من الجن اسمه كاسمه ولعل المراد اسمه المشهور وهو محمد فليتأمل انتهى ما فى انسان العيون ونظير هذا المقام قول حضرة الشيخ الشهير بافتاده خطابا لحضرة محمود الهدائى قدس سرهما الآن عوالم كثيرة يتكلم فيها محمود وافتاده كثير قال فى خريدة العجائب وليس هذا القول اى خبر فى كل ارض آدم الخ بأعجب من قول الفلاسفة ان الشموس شموس كثيرة والاقمار اقمار كثيرة ففى كل اقليم شمس وقمر ونجوم وقالت القدماء الارض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الاقاليم لا على المطابقة والمكابسة واهل النظر من المسلمين يميلون الى هذا القول ومنهم من يرى ان الارض سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقى حكى الكلبى عن ابى صالح عن ابى عباس رضى الله عنهما انها سبع ارضين متفرقة بالبحار يعنى الحائل بين كل ارض وارض بحار لا يمكن قطعها ولا الوصول الى الارض الاخرى ولا تصل الدعوة اليهم وتظل الجميع السماء قال الماوردى وعلى هذا اى وعلى انها سبع ارضين وفى كل ارض سكان من خلق الله تختص دعوة الاسلام بأهل الارض العليا دون من عداهم وان كان فيهن من يعقل من خلق وفى مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان احدهما انهم يشاهدون السماء من كل جانب من ارضهم ويستمدون الضياء منها وهذا قول من جعل الارض مبسوطة والثانى انهم لا يشاهدون السماء وان الله خلق لهم ضياء يشاهدونه وهذا قول من جعل الارض كرة قال سعدى المفتى وقد تؤول الآية تارة بالاقاليم السبعة اى فتكون الدعوة شاملة لجميعها وتارة بطبقات العناصر القوابل بالنسبة الى الاثيريات فهى ارضها التى ينزل عليها منها الصور الكائنة وهى النار الصرفة والطبقة الممتزجة من النار والهواء المسماة كرة الاثير التى فيها الشهب وذوات الاذناب وغيرها وطبقة الزمهرير وطبقة النسيم وطبقة الصعيد والماء المشحونة بالنسيم الشاملة للطبقة الطينية التى هى السادسة وطبقة الارض الصفرة عند المركز وان حملناها على مراتب الغيوب السبعة المذكورة من غيب القوى والنفس والعقل والسر والروح والخفى غيب الغيوب اى عين جمع الذات فالارضون هى الاعضاء السبعة المشهورة وفى التأويلات النجمية هى طبقات القوب من الصدر والقلب والفؤاد والروع والشغاف والمهجة والروح واراضى النفوس وهى النفس الأمارة واللوامة والملهمة والمطمئنة والنفس المعدنية
والنباتية والحيوانية { يتنزل الامر } اى امر الله واللام عوض عن المضاف اليه { بينهن } اى بين السموات السبع والارضين السبع والظاهران الجملة استئنافية للاخبار عن شمول جريان حكمه ونفوذ امره فى العلويات والسفليات كلها فالامر عند الاكثرين القضاء والقدر بمعنى يجرى قضاؤه وينفذ حكمه بين السماء السابعة التى هى اعلى السموات وبين الارض السابعة التى هى اسفل الارضين ولا يقتضى ذلك أن لا يجرى فى العرش والكرسى لان المقام اقتضى ذكر ما ذكره والتخصيص بالذكر لا يقتضى التخصيص بالحكم كذ قالوا يقول الفقير تحقيق هذا المقام يستدعى تمهيد مقدمة وهى انه استوى الامر الارادى الايجادى على العرش كما استوى الامر التكليفى الارشادى على الشرع الذى هو مقلوب العرش والتجليات الايجادية الامرية المتنزلة بين السموات السبع والارضين السبع موقوفة على استوآء امر تمام حصول الاركان الاربعة على العرش وتلك الامور الاربعة هى الحركة المعنوية الاسمائية والحركة النورية الروحانية والحركة الطبيعية المثالية والحركة الصورية الحسية وهى حركة العرش فالعرش مستوى امره الايجادى لا مستوى نفسه تعالى عن ذلك ومنه ينزل الامر الالهى بينهن وهى التجليات الالهية الدنيوية والبرزخية والحشرية والنيرانية والجنانية وكلها تجليات وجودية اشير اليها بقوله تعالى
كل يوم هو فى شأن
وبقوله
يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها
واما التجليات الشهودية فما كانت وتكون فى الدنيا والآخرة لقلوب اهل الكمال وارواحهم واسرارهم من الانبياء العظام والاولياء الكرام فمعنى الآية يتنزل امر الله بالايجاد والتكوين وترتيب النظام والتكميل بين كل سماء وارض من جانب العرش العظيم ابدا دآئما لان الله تعالى لم يزل ولا يزال خالقا فى الدنيا والآخرة فيغنى ويعدم عوالم ويوجد ويظهر عوالم اخرى لا نهاية لشؤونه فهو كل يوم وآن فى امر وشأن بحسب مقتضيات استعدادات اهل العصر وموجبات قابليات اصحاب الزمان { لتعلموا ان الله على كل شئ قدير } متعلق بخلق او يتنزل او بما يعلمهما اى فعل ذلك لتعملوا ان من قدر على ما ذكر قادر على كل شئ ومنه البعث للحساب والجزاء فتطيعوا امره وتقبلوا حكمه وتستعدوا لكسب السعادة والخلاص من الشقاوة واللام لام المصلحة والحكمة لان فعله تعالى خال عن العبث روى عن الامام الاعظم انه قال ان هذه الآية من أخوف الآيات فى القرءآن لا لام الغرض فانه تعالى منزه عن الغرض اذ هو لمن له الاحتياج والله غنى عن العالمين { وان الله قد احاط بكل شئ علما } كما أحاط به قدرة لاستحالة صدور الافاعيل المذكورة ممن ليس كذلك والاحاطة العلم البالغ وبالفارسية وبدرستى كه فرارسيده است بهمه جيزازروى علم يعنى علم وقدرت او محيط است بهمه اشيا از موجودات علمى وعينى هيج جيز ازدائره علم وقدرت او خارج نيست
رمزيست زسر قدرتش كن فيكون بادانش او يكيست بيرون ودرون درغيب وشهادة ذره نتوان يافت از دائره قدرت وعلمش بيرون
ويجوز أن يكون العامل فى اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الامر اى اوحى ذلك وبينه لتعلموا بما ذكر من الامور التى تشاهدونها والتى تتلقونها من الوحى من عجائب المصنوعات انه لا يخرج عن علمه وقدرته شئ ما اصلا قوله علما نصب على التمييز اى أحاط علمه بكل شئ كما فى عين المعانى أو على المصدر المؤكد لان المعنى وان الله قد علم كل شئ علما كما فى فتح الرحمن قال البقلى قدس سره لو كان للانسان قدرة المعرفة كالارواح لم يخاطبه بالعلل والاستدلال ليعلم برؤية الاشياء وجود الحق وكان كالارواح فى الخطاب بلا علة فى تعريف نفسه اياها يقول ألست بربكم اذ هناك خطاب وشهود وتعريف بغير علة فلما علم عجزه وهو فى عالم الجسم عن حمل واردات الخطاب الصرف أحاله الى الشواهد بقوله خلق سبع سموات الخ وليس بعارف فى الحقيقة من عرفه بشئ من الاشياء او سبب من الاسباب فمن نظر الى خلق الكون يعرف انه ذو قدرة واسعة وذو احاطة شاملة ويخاف من قهره ويذوب قلبه بعلمه فى رؤية اطلاع الحق عليه قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته وفى هذه الآية الكريمة غوامض من اسرار القرءآن مكنونة ويدل عليه قول ابن عباس رضى الله عنهما لما سئل عن هذه الآية وقال لو فسرتها لقطعوا حلقومى ورجمونى والمعنى الذى أشار اليه رضى الله عنه مما لا يعبر عنه ولا يشار اليه ولكن يذاق.