روح البيان في تفسير القرآن — التحريم 66:1 – الحاقة 69:52
المحتويات
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
- الملك 67:1
- الملك 67:2
- الملك 67:3
- الملك 67:4
- الملك 67:5
- الملك 67:6
- الملك 67:7
- الملك 67:8
- الملك 67:9
- الملك 67:10
- الملك 67:11
- الملك 67:12
- الملك 67:13
- الملك 67:14
- الملك 67:15
- الملك 67:16
- الملك 67:17
- الملك 67:18
- الملك 67:19
- الملك 67:20
- الملك 67:21
- الملك 67:22
- الملك 67:23
- الملك 67:24
- الملك 67:25
- الملك 67:26
- الملك 67:27
- الملك 67:28
- الملك 67:29
- الملك 67:30
- القلم 68:1
- القلم 68:2
- القلم 68:3
- القلم 68:4
- القلم 68:5
- القلم 68:6
- القلم 68:7
- القلم 68:8
- القلم 68:9
- القلم 68:10
- القلم 68:11
- القلم 68:12
- القلم 68:13
- القلم 68:14
- القلم 68:15
- القلم 68:16
- القلم 68:17
- القلم 68:18
- القلم 68:19
- القلم 68:20
- القلم 68:21
- القلم 68:22
- القلم 68:23
- القلم 68:24
- القلم 68:25
- القلم 68:26
- القلم 68:27
- القلم 68:28
- القلم 68:29
- القلم 68:30
- القلم 68:31
- القلم 68:32
- القلم 68:33
- القلم 68:34
- القلم 68:35
- القلم 68:36
- القلم 68:37
- القلم 68:38
- القلم 68:39
- القلم 68:40
- القلم 68:41
- القلم 68:42
- القلم 68:43
- القلم 68:44
- القلم 68:45
- القلم 68:46
- القلم 68:47
- القلم 68:48
- القلم 68:49
- القلم 68:50
- القلم 68:51
- القلم 68:52
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
التحريم 66:1
{ يا ايها النبى لم تحرم ما احل الله لك } اصل لم لما والاستفهام لانكار التحريم وهو بالفارسية حرام كردن. كما ان الحلال حلال كردن. روى ان النبى عليه السلام خلا بسريته مارية القبطية التى اهداها اليه المقوقس ملك مصر فى يوم عائشة رضى الله عنها ونوبتها وعلمت بذلك حفصة رضى الله عنها فقال لها اكتمى على ولا تعلمى عائشة فقد حرمت مارية على نفسى وابشرك ان أبا بكر وعمر رضى الله عنهما يملكان بعدى امر امتى فأخبرت به عائشة رضى الله عنها ولم تكتم وكانا متصادقتين متظاهرتين على سائر ازواج النبى عليه السلام قال السهيلى رحمه الله امرها أن لا تخبر عائشة ولا سائر ازواجه بما رأت وكانت رأته فى بيت مارية بنت شمعون القبطية ام ولده ابراهيم المتوفى فى الثدى وهو ابن ثمانية عشر شهرا فخشى أن يلحقهن بذلك غيرة واسر الحديث الى حفصة فأفشته وقيل خلا بها فى يوم حفصة كما قال بعض اهل التفسير كان رسول الله عليه السلام يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنه استأذنت رسول الله فى زيارة ابيها فاذن لها فلما خرجت ارسل رسول الله الى ام ولده مارية القبطية قال كشف الاسرار دربيرون مدينه در نخلستان درسرايى مقام داشت كه زنان رسول نمى خواستندكه درمدينه باايشان نشيند وكاه كاه رسول خدا از بهر طهرات بيرون شدى واورا ديدى انتهى. فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكى فقال ما يبكيك فقالت انما أذنت لى من أجل هذا أدخلت امتك بيتى ثم وقعت عليها فى يومى على فراشى فلو رأيت لى حرمة وحقا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن فقال رسول الله
" أليس هى جاريتى أحلها الله لى اسكنى فهى حرام على ألتمس بذلك رضاك فلا تخبرى بها امرأة منهن "
فلما خرج رسول الله قرعت حفصة الجدار الذى بينها وبين عائشة فقالت ألا أبشرك ان رسول الله قد حرم عليه امته مارية وقد أراحنا الله منها وأخبرت عائشة بما رأت فلم تكتم فطلقها رسول الله بطريق الجزآء على افشاء سره واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة فى بيت مارية قال أبو الليث أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة مؤاخذته عليهن حتى نزلت الآية ودخل عمر رضى الله عنه على بنته حفصة وهى تبكى فقال أطلقكن رسول الله فقالت لا أدرى هو ذا معتزلا فى هذه المشربة وهى بفتح الرآء وضمها الغرفة والعلية كما فى القاموس روى انه قال لها لو كان فى آل الخطاب خير لما طلقك قال عمر فأتيته عليه السلام فدخلت وسلمت عليه فاذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر فى جنبه فقلت
" أطلقت نساءك يا رسول الله فقال لا فقلت الله اكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم وطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتبسم رسول الله وقال عمر للنبى عليه السلام لا تكترث بأمر نسائك والله معك وأبو بكر معك وأنا معك "
فنزلت الآية موافقة لقول عمر قالت عائشة رضى الله عنها لما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله فقلت يا رسول انك أقسمت أن لا تدخل علينا وانك قد دخلت فى تسع وعشرين أعدهن فقال ان الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر كذلك ونزل جبريل فقال لرسول الله عن أمر الله راجع حفصة فانها صوامة قوامة وانها لمن نسائك فى الجنة وكان تحته عليه السلام يومئذ تسع نسوة خمس من قريش عائشة بنت أبى بكر وحفصة بنت عمر وام حبيبة بنت أبى سفيان وام سلمة بنت امية وسودة بنت زمعة وغير القرشيات زينب بنت جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيى بن أخطب الخيبرية وجويرة بنت الحارث المصطلقية. ونقلست كه حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم عسل وشربت او وهرجيز كه حلو باشد دوست داشتى وقتى زينب رضى الله عنها مقدارى عسل داشت كه بعضى خويشان وى درمكه بطريق هديه فرستاده بودهركاه آن حضرت عليه السلام بخانه وى آمدى زينب شربت فرمودى وآن حضرت راد خانه وى بسبب آن توقف بيشتر واقع شدى آن حال بربعضى ازواج طاهرات كران آمد عائشه وحفصه اتفاق نمودندكه جون آن حضرت بعد از آشاميدن شربت عسل درخانه وى نزد هركدام ازمادر آيند كوييم ازتوبوى مغافير ميشنويم ومغفور بالضم صمغ درختيست كه عرفط خوانند ازدرختان باديه واكرجه شيرينست ولكن رايحه كريهه دارد وحضرت بوى خوش دوست ميداشت براى مناجات ملك وازروايح ناخوش محترزمى بود بس آن حضرت روزى شرب آشاميد ونرد هر كدام آمد از ازواج كفتند يا رسول الله ازشما رايحه مغفور مى آيد وايشان درجواب فزمودندكه مغفور نخورده ام اما درخانه زينت شربت عسل آشاميده ام كفتند جرست النحلة العرفط يعنى ان تلك النحلة اكلت العرفط وبالفارسية زنبور آن عسل ازشكوفه عرفط جريده بود والجرس خوردن منج جرارا. وفى القاموس الجرس اللحس باللسان امام زاهد رحمه الله آورده كه جون اين صورت مكرر وجود كفرت حضرت عليه السلام فر مود حرمت العسل على نفسى فوالله لا آكله ابدا واين سوكند بدان خورد تاديكر كس ويرا ازان عسل نيارد فنزلت الآية قال ابن عطية والقول الاول وهو ان الآية نزلت بسبب مارية اصح واوضح وعليه تفقه الناس فى الآية وقال فى كشف الاسرار قصة العسل اسند كما قال فى اللبابين ان هذا هو الاصح لانه مذكور فى الصحيحين انتهى وقصة مارية اشبه ومعنى الآية لم تحرم ما احل الله لك من ملك اليمين او من العسل اى تمتنع من الانتفاع به مع اعتقاد كونه حلالا لك لان اعتقاد كونه حراما بعد ما احل الله مما لا يتصور من عوام المؤمنين فكيف من الانبياء قال الفقهاء من اعقتد من عند نفسه حرمة شئ قد احله الله فقد كفر اذما أحله الله لا يحرم الا بتحريم الله اياه بنظم القرءآن او بوحى غير متلو والله تعالى انما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فى احلاله فاذا حرم العبد كان ذلك قلب المصلحة مفسدة { تبتغى مرضاة ازواجك } الابتغاء جستن.
والمرضاة مصدر كالرضى وفى بعض التفاسير اسم مصدر من الرضوان قلب واوها ألفا والازواج جمع زوج فانه يطلق على المرأة ايضا بل هو الفصيح كما قال فى المفردات وزوجة لغة رديئة وجمع الازواج مع ان من ارضاها النبى عليه السلام فى هذه القصة عائشة وحفصة رضى الله عنهما اما لان ارضاءها فى الامر المذكور ارضاء لكلهن او لان النساء فى طبقة واحدة فى مثل تلك الغيرة لانهن جبلن عليها على انه مضى ما مضى من قول السهيلى او لان الجمع قد يطلق على الاثنين او للتحذير عن ارضاء من تطلب منه عليه السلام ما لا يحسن وتلح عليه أيتهن كانت لانه عليه السلام كان حييا كريما والجملة حال من ضمير تحرم اى حال كونك مبتغيا وطالبا لرضى ازواجك والحال انهن أحق بابتغاء رضاك منك فانما فضيلتهن بك فالانكار وارد على مجموع القيد والمقيد دفعة واحدة فمجموع الابتغاء والتحريم منكر نظيره قوله تعالى
لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة
وفيه اشارة الى فضل مارية والعسل وفى الحديث
" اول نعمة ترفع من الارض العسل "
وقد بين فى سورة النحل { والله غفور } مبالغ فى الغفران قد غفر لك وستر ما فعلت من التحريم وقصدت الرضى لان الامتناع من الانتفاع باحسان المولى الكريم يشبه عدم قبول احسانه { رحيم } قد رحمك ولم يؤاخذك به وانما عاتبك محافظة على عصمتك قال الكاشفى مهربان كه كفارت سوكند توفرمدد قال فى كشف الاسرار هذا اشد ما عوتب به رسول الله فى القرءآن وقال البقلى ادب الله نبيه أن لا يستبد برأيه ويتبع ما يوحى اليه كما قال بعض المشايخ فى قوله
لتحكم بين الناس بما أراك الله
ان المراد به الوحى الذى يوحى به اليه لا ما يراه فى رأيه فان الله قد عاتبه لما حرم على نفسه ما حرم فى قصة عائشة وحفصة فلو كان الدين بالرأى لكان رأى رسول الله اولى من كل رأى انتهى كلام ذلك البعض وفيه بيان ان من شغله شئ من دون الله وصل اليه منه ضرب لاتبرأن جراحته الا بالله لذلك قال عقيب الآية والله غفور رحيم قال ابن عطاء لما نزلت هذه الآية على النبى عليه السلام كان يدعو دائما ويقول
" اللهم انى اعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك "
آزرده است كوشه نشين از وداع خلق غافل كه اتصال حقست انقطاع خلق
التحريم 66:2
{ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } الفرض هنا بمعنى الشرع والتبيين كما دل عليه لكم فان فرض بمعنى اوجب انما يتعدى بعلى والتحلة مصدر حلل بتضعيف العين بمعنى التحليل اصله تحللة كتكرمة وتعلة وتبصرة وتذكرة من كرم وعلل وبصر وذكر بمعنى التكريم والتعليل والتبصير والتذكير الا ان هذا المصدر من الصحيح خارج عن القياس فانه من المعتل اللام نحو سمى تسمية او مهموز اللام مثل جزأ تجزئة والمراد تحليل اليمين كان اليمين عقد والكفارة حل يقال حلل اليمين تحليلا كفرها اى فعل ما يوجب الحنث وتحلل فى يمينه استثنى وقال ان شاء الله وقوله عليه السلام
" لا يموت لرجل ثلاث اولاد فتمسه النار الا تحلة القسم "
اى قدر ما يقول ان شاء الله كما فى المفردات او قدر ما يبر الله قسمه فيه بقوله
وان منكم الا واردها
قال فى تاج المصدر قوله فعلته تحلة القسم اى لم أفعله الا بقدر ما حللت به يمينى أن لا أفعله ولم ابالغ ثم قيل لكل شئ لم يبالغ فيه تحليل يقال ضربته تحليلا والباب يدل على فتح الشئ ومعنى الكفارة الاطعام والكسوة او العتق او الصوم على ما مر تفصيله فى سورة المائدة ومعنى الآية شرع الله لكم تحليل ايمانكم وبين لكم ما تنحل به عقدتها من الكفارة وهى المرادة ههنا لا الاستثناء اى أن يقول ان شاء الله متصلا حتى لا يحنث فان الاستثناء المتصل ما كان مانعا من انعقاد اليمين جعل كالحل فالتحليل لما عقدته الايمان بالكفارة او بالاستثناء وبالفارسية بدرستى كه بيان كرد خداى تعالى براى شما فرو كشادن سوكند هاى شمارا بكفارت يعنى آنجه بسوكند ببنديد بكفارت توان كشاد. قال فى الهدايه ومن حرم على نفسه شيأ مما يملكه لم يصر محرما وعليه ان استباحه واقدم عليه كفارة فتحريم الحلال يمين عند أبى حنيفة رحمه الله ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فاذا حرم طعاما فقد حلف على اكله او أمة فعلى وطئها قال ابن عباس رضى الله عنهما التحريم هو اليمين فلو قال لامرأته أنت على حرام فلو نوى الطلاق طلقت وان نوى اليمين كان يمينا وان أراد الكذب لم يقع شئ وكذا لو حرم طعاما على نفسه ونوى اليمين كان يمينا خلاف للشافعى كما فى عين المعانى وقال بعضهم لم يثبت عن رسول الله عليه السلام انه قال لما احله الله هو حرام على وانما امتنع عن مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله والله لا أقربها بعد اليوم فقيل له لم تحرم ما احل الله لك اى لم تمنع منه بسبب اليمين يعنى اقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك وظاهر قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم انه كانت منه بيمين فان قلت هل كفر رسول الله لذلك قلت عن الحسن البصرى قدس سرة انه لم يكفر لانه كان مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وانما هو تعليم للمؤمنين وعن مقاتل انه اعتق رقبة فى تحريم مارية وعاودها لانه لا ينافى كونه مغفورا له أن يكفر فهو والامة سوآء فى الاحكام ظاهرا { والله مولاكم } سيدكم ومتولى اموركم { وهو العليم } بما يصلحكم فيشرعه لكم { الحكيم } المتقن فى أفعاله واحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم الا حسبما تقتضيه الحكمة.
التحريم 66:3
{ واذ اسر النبى } الاسرار خلاف الاعلان ويستعمل فى الاعيان والمعانى والسر هو الحديث المكتتم فى النفس واسررت الى فلان حديثا افضيت به اليه فى خفية فالاسرار الى الغير يقتضى اظهار ذلك لمن يفضى اليه بالسر وان كان يقتضى اخفاءه من غيره فاذا قولهم اسررت الى فلان يقتضى من وجه الاظهار ومن وجه الاخفاء والنبى رسول الله عليه السلام فان اللام للعهد واذ ظرف اى اذكر الحادث وقت الاسرار والأكثر المشهور انه مفعول اى واذكر يا محمد وقت اسرار النبى واخفائه على وجه التأنيب والتعتب او واذكروا أيها المؤمنون فالخطاب ان كان له عليه السلام فالاظهار فى مقام الاضمار بأن قيل واذ أسررت للتعظيم بايراد وصف ينبئ عن وجوب رعاية حرمته ولزوم حماية حرمه عما يكرهه وان كان لغيره عموما على الاشتراك او خصوصا على الانفراد وذكره بوصف النبى للاشعار بصدقه فى دعوى النبوة { الى بعض ازواجه } وهى حفصة رضى الله عنها تزوجها النبى عليه السلام فى شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل احد بشهرين وكانت ولادتها قبل النبوة بخمس سنين وقريش تبنى البيت وماتت بالمدينة فى شعبان سنة خمس واربعين وصلى عليها مروان بن الحكم وهو امير المدينة يومئذ وحمل سريرها وحمله ايضا أبو هريرة وقد بلغت ثلاثا وستين سنة وأبو حفص أبوها عمر رضى الله عنه كناه به رسول الله عليه السلام وحفص ولد الاسد { حديثا } قال الراغب كل كلام يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحى فى يقظته او منامه يقال له حديث والمراد حديث تحريم مارية او العسل اوامر الخلافة قال سعدى المفتى فيه ان تحريم العسل ليس مما اسر الى حفصة بل كان ذلك عند عائشة وسودة وصفية رضى الله عنهن { فلما نبأت به } اى اخبرت حفصة صاحبتها التى هى عائشة بالحديث الذى اسره اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفشته اليها { واظهره الله عليه } اى أطلع الله النبى على افشاء حفصة ذلك الحديث على لسان جبريل فالضمير راجع الى الحديث بتقدير المضاف واظهر ضمن معنى اطلع من ظهر فلان السطح اذا علاه وحقيقته صار على ظهره واظهره على السطح اى رفعه عليه فاستعير للاطلاع على الشئ وهو من باب الافعال بمعنى بررسانيدن كسى را برنهانى وديده وركردانيدن. قال الراغب ظهر الشئ اصله أن يحصل شئ على ظهر الارض فلا يخفى وبطن اذا حصل فى بطنان الارض فيحقى ثم صار مستعملا فى كل بارز للبصر والبصيرة { عرف } ألنبى حفصة والتعريف بالفارسية بيا كاهيدن { بعضه } اى بعض الحديث الذى افشته الى صاحبتها على طريق العتاب بأن قال لها ألم أك امرتك أن تكتمى سرى ولا تبديه لأحد وهو حديث الامامة روى انه عليه السلام لما عاتبها قالت والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسى فرحا بالكرامة التى خص الله بها أباها وبعض الشئ جزء منه { واعرض عن بعض } اى عن تعريف بعض تكرما وهو حديث مارية وقال بعضهم عرف تحريم الامة واعرض عن تعريف امر الخلافة كراهة أن ينتشر ذلك فى الياس وتكرما منه وحلما وفيه جواز اظهار الشيوخ الفراسة والكرامات لمريديهم لتزيد رغبتهم فى الطريقة وفيه حث على ترك الاستقصاء فيما جرى من ترك الأدب فانه صفة الكرام قال الحسن البصرى قدس سره ما استقصى كريم قط وقال بعضهم ما زال التغافل من فعل الكرام { فلما نبأها به } اى اخبر النبى حفصة بالحديث الذى أفشته بما اظهره الله عليه من انها افشت سره { قالت من انبأك هذا } من أخبرك عنى هذا تعنى افشاءها للحديث ظنت أن عائشة اخبرته وفيه تعجب واستبعاد من اخبار عائشة بذلك لانها اوصتها بالكتم ولم يقل من نبأك ليوافق ما قبله للتفنن { قال } النبى عليه السلام { نبأنى } بفتح ياء المتكلم { العليم الخبير } الذى لا يخفى عليه خافية فسكتت وسلمت ونبأ ايضا من قبيل التفنن يقال ان انبأ ونبأ يتعديان الى مفعولين الى الاول بنفسهما والى الثانى بالباء وقد يحذف الاول للعلم به وقد يحذف الجار ويتعدى الفعل الى الثانى بنفسه ايضا فقوله تعالى فلما نبأها به على الاستعمال الاول وقوله فلما نبأت به على الاستعمال الثانى وقوله من أنباك على الاستعمال الثالث وقوله العليم هو والعالم والعلامة من اسمائه سبحانه ومن أدب من علم انه سبحانه عالم بكل شئ حتى بخطرات الضمائر ووساوس الخواطر أن يستحيى منه ويكف عن معاصيه ولا يغتر بجميل ستره ويخشى بغتات قهره ومفاجأة مكره وعن بعضهم انه قال كنت جائعا فقلت لبعض معارفى انى جائع فلم يطعمنى شيأ فمضيت فوجدت درهما ملقى فى الطريق فرفعته فاذا عليه مكتوب اما كان الله عالما بجوعك حتى طلبت من غيره والخبير بمعنى العليم وقال الامام الغزالى قدس سره اذا اعتبر العلم المطلق فهو العليم مطلقا واذا أضيف الى الغيب والامور الباطنه فهو الخبير واذا أضيف الى الامور الظاهرة فهو الشهيد واذا علم العبد انه تعالى خبير بأفعاله مطلع على سره علم انه تعالى احصى عليه جميع ما عمله او اخفى فى عمله وان كان هو قد نسيه فيخجل خجلا يكاد يهلكه حكى ان رجلا تفكر يوما فقال عمرى كذا كذا سنة يكون كذا كذا شهرا يكون منها كذا كذا يوما فبلغ عمره من الايام ألوفا كثيره فقال لو لم اعص الله كل يوم الا معصية واحدة لكان فى ديوان عملى كذا كذا ألف معصية وانى فى كل يوم عملت كثيرا من المعاصى ثم صاح وفارق الدنيا يقول الفقير.
مذنبم كرجه ولى رب غفوريم كرست بمن افناده دهد از كرمش شايد دست
التحريم 66:4
{ أن تتوبا الى الله } خطاب لحفصة وعائشة رضى الله عنهما فالالتفات من الغيبة الى الخطاب للمبالغة فى الخطاب لكن العتاب يكون للاولياء كما ان العقاب يكون للاعدآء كما قيل
اذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقى العتاب
ففيه ارادة خير لحفصة وعائشة بارشادهما الى ما هو اوضح لهما { فقد صغت قلوبكما } الفاء للتعليل كما فى قولك اعبد ربك فالعبادة حق والا فالجزاء يجب أن يكون مرتبا على الشرط مسببا عنه وصغو قلبيهما كان سابقا على الشرط وكذا الكلام فى وان تظاهرا الخ والمعنى فقد وجد منكما ما يوجب التوبة من ميل قلوبكما عما يجب عليكما من مخالصة رسول الله وحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه من صغا يصغو صغوا مال واصغى اليه مال بسمعه قال الشاعر
تصغى القلوب الى اغر مبارك من آل عباس بن عبد المطلب
وجمع القلوب لئلا يجمع بين تثنيتين فى كلمة فرارا من اجتماع المتجانسين وربما جمع { وان تظاهرا عليه } باسقاط احدى التاءين وهو تفاعل من الظهر لانه اقوى الاعضاء اى تتعاونا على النبى عليه السلام بما يسوءه من الافراط فى الغيرة وافشاء سره وكانت كل منكما ظهرا لصاحبتها فيه { فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } قوله هو مبتدأ ثان جيء به لتقوى الحكم لا للحصر والا لانحصرت الولاية له عليه السلام فى الله تعالى فلا يصح عطف ما بعده عليه وقوله وجبريل عطف على موضع اسم ان بعد استكمالها خبرها وكذا قوله وصالح المؤمنين واليه مال السجاوندى رحمه الله اذ وضع علامة الوقف على المؤمنين والظاهر ان صالح مفرد ولذلك كتبت الحاء بدون واو الجمع ومنهم من جوز كونه جمعا بالواو والنون وحذفت النون بالاضافة وسقطت واو الجمع فى التلفظ لالتقاء الساكنين وسقت فى الكتابة ايضا حملا للكتابة على اللفظ نحو يمح الله الباطل ويدع الانسان وسندع الزبانية الى غير ذلك والمعنى فلن يعدم هو اى النبى عليه السلام من يظاهره فان الله هو ناصره وجبريل رئيس الملائكة المقربين قرينه ورفيقه ومن صلح من المؤمنين اتباعه واعوانه فيكون جبريل وما بعده اى على تقدير العطف داخلين فى الولاية لرسول الله ويكون جبريل ايضا ظهيرا له بدخوله فى عموم الملائكة ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله مولاه ويكون جبريل مبتدأ وما بعده عطفا عليه وظهير خبر للجميع تختص الولاية بالله قال ابن عباس رضى الله عنهما أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر رضى الله عنهما قال فى الارشاد هو اللائق بتوسيطه بين جبريل والملائكة فانه جمع بين الظهير المعنوى والظهير الصورى كيف لاوان جبريل ظهيره يؤيده بالتأييدات الالهية وهما وزيراه فى تدبير امور الرسالة وتمشية الاحكام ظاهرة ومعاون آن حضرت كه رضاى او بررضاى فرزندان خود ايثار كنند.
ولأن بيان مظاهرتهما له عليه السلام اشد تأثيرا فى قلوب بنتيهما وتوهينا لامرهما فكان حقيقا بالتقدم بخلاف ما اذا أريد به جنس الصالحين كما هو المشهور وعن بعضهم ان المراد بصالح المؤمنين الاصحاب او خيارهم وعن مجاهد هو على رضى الله عنه يقول الفقير يؤيده قوله عليه السلام يا على أنت منى بمنزلة هرون من موسى فان الصالحين الانبياء هم عليه السلام كما قال تعالى
وكلا جعلنا صالحين
وقال حكاية عن يوسف الصديق عليه السلام
وألحقنى بالصالحين
فاذا كان على بمنزلة هرون فهو صالح مثله وقال السهيلى رحمه الله لفظ الآية عام فالاولى حملها على العموم قال الراغب الصلاح ضد الفساد الذى هو خروج الشئ عن الاعتدال والانتفاع قل او كثروهما مختصان فى اكثر الاستعمال بالافعال وقوبل الصلاح فى القرءآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة وروى ان رجلا قال لابراهيم بن أدهم قدس سره ان الناس يقولون لى صالح فبم اعرف انى صالح فقال اعرض اعمالك فى السر على الصالحين فان قبلوها واستحسنوها فاعلم انك صالح والا فلا وهذا من كلم الحكمة { والملائكة } مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم وقال الكاشفى وتمام فرشتكان آسمان وزمين { بعد ذلك } اى بعد نصرة الله وناموسه الاعظم وصالح المؤمنين وفيه تعظيم لنصرتهم لانها من الخوارق كما وقعت فى بدر ولا يلزم منه افضليه الملائكة على البشر { ظهير } خبر والملائكة والجملة معطوفة على جملة فان الله هو مولاه وما عطف عليه اى فوج مظاهر له معين كأنهم يد واحدة على من يعاديه فما ذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه وما ينبئ عنه قوله تعالى بعد ذلك من فضل نصرتهم على نصرة غيرهم من حيث ان نصرة الكل نصرة الله بهم وبمظاهرتهم افضل من سائر وجوه نصرته يعنى ان نصرة الله اما نصرة ذاتية بلا آلة ولا سبب او نصرة بتوسط مخلوقاته والثانى يتفاوت بحسب تفاوت قدرة المخلوقات وقوتهم ونصرة الملائكة اعظم وابعد رتبة بالنسبة الى سائر المخلوقات على حسب تفاوت قدرتهم وقوتهم فانه تعالى مكن الملائكة على ما لم يمكن الانسان عليه فالمراد بالبعدية ما كان بحسب الرتبة لا الزمان بأن يكون مظاهرة الملائكة اعظم بالنسبة الى نصرة المؤمنين وجبريل داخل فى عموم الملائكة ولا يخفى ان نصرة جميع الملائكة وفيهم جبريل اقوى من نصرة جبريل وحده قال فى الارشاد هذا ما قالوا ولعل الانسب أن يجعل ذلك اشارة الىمظاهرة صالح المؤمنين خاصة ويكون بيان بعدية مظاهرة الملائكة تداركا لما يوهمه الترتيب من افضلية المقدم اى فى نصرة فكأنه قيل بعد ذكر مظاهرة صالح المؤمنين وسائر الملائكة بعد ذلك ظهير له عليه السلام ايذانا يعلو رتبة مظاهرتهم وبعد منزلتها وجبرا لفصلها عن مظاهرة جبريل قال بعضهم لعل ذكر غير الله مع ان الاخبار بكونه تعالى مولاه كاف فى تهديدهما لتذكير كمال رفعة شأن النبى عليه السلام عند الله وعند الناس وعند الملائكة اجمعين.
يقول الفقير ايده الله القدير هذا ما قالوا والظاهر ان الله تعالى مع كفاية نصرته ذكر بعد نفسه من كان اقوى فى نصرته عليه السلام من المخلوقات لكون المقام مقام التظاهر لكون عائشة وحفصة متظاهرتين وزاد فى الظهير لكون المقام مقام التهديد ايضا وقدم جبريل على الصلحاء لكونه اول نصير له عليه السلام من المخلوقات وسفيرا بينه وبين الله تعالى وقدم الصلحاء على الملائكة لفضلهم عليهم فى باب النصرة لان نصرة الملائكة نصرة بالفعل القالبى ونصرة الصلحاء نصرة به وبالهمة وهى اشد وما يفيد البعدية من افضلية تظاهرهم على تظاهر الصلحاء فمن حيث الظاهر اذ هم اقدر على الافعال الشاقة من البشر فاقتضى مقام التهديد ذكر البعدية وفى قوله وصالح المؤمنين اشارة الى غريبة اطلعنى الله تعالى عليها وهى ان صالحا اسم النبى عليه السلام كما فى المفردات فان قلت كيف هو ونصرة النبى لنفسه محال قلت هذه نصرة من مقام ملكيته لمقام بشريته ومن مقام جمعه لمقام فرقه ومن مقام ولايته لمقام نبوته كالتسليم فى قوله عليه السلام عليك أيها النبى ان صح انه عليه السلام قال فى تشهده ونظيره نصرة موسى عليه السلام لنفسه حين فر من القبط كما قال ففرت منكم وذلك لان فيه نصرة نفسه الناطقة لنفسه الحيوانية وفيه اشارة ايضا الى القلب والقوى الروحانية المنصورة على النفس بتأييد الله تعالى وتأييد ملك الالهام قال بعض الكبار ليس فى العالم اعظم قوة من المرأة يسر لا يعرفه الا من عرف فيم وجد العالم وبأى حركة اوجده الحق تعالى وانه عن مقدمتين فانه نتيجة والناتج طالب والطالب مفتقر والمنتوج مطلوب والمطلوب له عزة الافتقار اليه والشهوة فى ذلك غالبة فقد بان لك محل المرأة من الموجودات وما الذى ينظر اليها من الحضرة الالهية وبما ذا كانت لها القوة وقد نبه تعالى على ما خصها به من القوة بقوله وان تظاهرا الخ وما ذكر الا معينا قويا من الملائكة الذين لهم الشدة والقوة فان صالح المؤمنين يفعل بالهمة وهو اقوى من الفعل فان فهمت فقد رميت بك على الطريق فانه تعالى نزل الملائكة بعد ذكره نفسه وجبريل وصالح المؤمنين منزلة المعينين ولا قوة الا بالله وقد اخبر الشيخ افضل الدين الأحمدى قدس سره انه تفكر ذات ليلة فى قوله تعالى
وما يعلم جنود ربك الا هو
قال فقلت اين المنازع الذى يحتاج فى مقاتلته الى جنود السموات والارض وقد قال تعالى
ولله جنود السموات والارض
واذا كان هؤلاء جنوده فمن يقاتلون وما خرج عنهم شخص واحد فاذا بهاتف يقول لى لا تعجب فثمة ما هو اعجب فقلت وما هو فقال الذى قصه الله فى حق عائشة وحفصة قلت وما قص فتلا { وان تظاهرا } الخ فهذا اعجب من ذكر الجنود انتهى قال فتحرك خاطرى الى معرفة هذه العظمة التى جعل الله نفسه فى مقابلتها وجبريل وصالح المؤمنين فأخبرت بها فى واقعة فما سررت بشئ سرورى بمعرفه ذلك وعلمت من استندنا اليه ومن يقربهما وعلمت ان الله تعالى لولا ذكر نفسه فى النصرة ما استطاعت الملائكة والمؤمنون مقاومتها وعلمت انهما حصل لهما من العلم بالله والتأثير فى العلم ما اعطاهما هذه القوة وهذا من العلم الذى كهيئة المكنون فشكرت الله على ما اولى انتهى وكان الشيخ على الخواص قدس سره يقول ما أظن احدا من الخلق استند الى ما استند اليه هاتان المرأتان يقول لوط عليه السلام لو أن لى بكم قوة او آوى الى ركن شديد فكان عنده والله الركن الشديد ولكن لم يعرفه وعرفتاه عائشة وحفصة فلم يعرف قدر النساء لا سيما عائشة وحفصة الا قليل فان النساء من حيث هن لهن القوة العظيمة حتى ان اقوى الملائكة المخلوقة من انفاس العامة الزكية من كان مخلوقا من أنفاس النساء ولو لم يكن فى شرفهن الا استدعاؤهن اعظم ملوك الدنيا كهيئة السجود لهن عند الجماع لكان فى ذلك كفاية فان السجود أشرف حالات العبد فى الصلاة ولولا الخوف من اثاره امر فى نفوس السامعين يؤديهم الى امور يكون فيها حجابهم عما دعاهم الحق تعالى اليه لأظهرت من ذلك عجبا ولكن لذلك اهل والله عليم وخبير.
التحريم 66:5
{ عسى ربه } سز است وشايد بروردكار او. يعنى النبى عليه السلام { ان طلقكن } اكر طلاق دهدشمارا كه زنان اوييد. وهو شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف او متقدم اى ان طلقكن فعسى { أن يبدله } اى يعطيه عليه السلام بدلكن { ازواجا } مفعول ثان ليبدله وقوله { خيرا منكن } صفة للازواج وكذا ما بعده من قوله مسلمات الى ثيبات وفيه تغليب المخاطب على الغائبات فالتقدير ان طلقكما وغير كما او تعميم الخطاب لكل الازواج بأن يكن كلهن مخاطبات لما عاتبهما بأنه قد صغت قلوبكما وذلك يوجب التوبة شرع فى تخوفيهما بان ذكر لهما انه عليه السلام يحتمل أن يطلقكما ثم انه ان طلقكما لا يعود ضرر ذلك الا اليكما لانه يبدله ازواجا خيرا منكما وليس فى الآية ما يدل على انه عليه السلام لم يطلق حفصة وان فى النساء خيرا منهن فان تعليق الطلاق للكل لا ينافى تطليق واحدة وما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه يعنى ان هذه الخيرية لما علقت بما لم يقع لم تكن واقعة فى نفسها وكان الله عالما بأنه عليه السلام لا يطلقهن ولكن اخبر عن قدرته على انه ان طلقهن ابدله خيرا منهن تخويفا لهن كقوله تعالى
وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم
فانه اخبار عن القدرة وتخويف لهم لا ان فى الوجود من هو خير من اصحاب محمد عليه السلام قيل كل عسى فى القرءآن واجب الا هذا وقيل هو ايضا واجب ولكن الله علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن فان المذهب انه ليس على وجه الارض نساء خير من امهات المؤمنين الا انه عليه السلام اذا طلقهن لعصيانهن له وأذاهن اياه كان غيرهن من الموصوفات بهذه الصفات مع الطاعة لرسول الله خيرا منهن وفى فتح الرحمن عسى تكون للوجوب فى ألفاظ القرآن الا فى موضعين احدهما فى سورة محمد هل عسيتم اى علمتم او تمنيتم والثانى هنا ليس بواجب لان الطلاق معلق بالشرط فلما لم يوجد الشرط لم يوجد الابدال { مسلمات مؤمنات } مقرات باللسان مخلصات بالجنان فليس من قبل التكرار او منقادات انقيادا ظاهريا بالجوارح مصدقات بالقلوب { قانتات } مطيعات اى مواظبات على الطاعة او مصليات { تائبات } من الذنوب { عابدات } متعبدات او متذللات لامر الرسول عليه السلام { سائحات } صائمات سمى الصائم سائحا لانه يسيح فى النهار بلا زاد فلا يزال ممسكا الى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم فى امساكه الى أن يجيء وقت افطاره وقال بعضهم الصوم ضربان صوم حقيقى وهو ترك المطعم والمشرب والمنكح وصوم حكمى وهو حفظ الجوارح من المعاصى كالسمع والبصر واللسان والسائح هو الذى يصوم هذا الصوم دون الاول انتهى او مهاجرات من مكة الى المدينة اذ فى الهجرة مزيد شرف ليس فى غيرها كما قال ابن زيد ليس فى امة محمد سياحة الا الهجرة والسياحة فى اللغة الجولان فى الارض { ثيبات } شوهر ديدكان { وابكارا } ودحتران بكر.
والثيب الرجل الداخل بامرأة والمرأة المدخول بها يستوى فيه المذكر والمؤنث فيجمع المذكر على ثيبين والمؤنث على ثيبات من ثاب اذا رجع سميت به المرأة لانها راجعة الى زوجها ان اقام بها والى غيره ان فارقها او الى حالتها الاولى وهى انه لا زوج لها فهى لا تخلو عن الثوب اى الرجوع وقس عليها الرجل وسميت العذرآء بالبكر لانها على اول حالتها التى طلعت عليها قال الراغب سميت التى لم تفتض بكرا اعتبارا بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء ففى البكر معنى الاولية والتقدم ولذا يقال البكرة لاول النهار والباكورة للفاكهة التى تدرك اولا وسط بينهما العاطف دون غيرهما لتنا فيهما وعدم اجتماعهما فى ذات واحد بخلاف سائر الصفات فكأنه قيل ازواجا خيرا منكن متصفات بهذه الصفات المذكورة المحودة كائنات بعضها ثيبات تعريضا لغيرعائشة وبعضها ابكارا تعريضا لها فانه عليه السلام تزوجها وحدها بكرا وهو الوجه فى ايراد الواو الواصلة دون او الفاصلة لانها توهم ان الكل ثيبات او كلها ابكار قال السهيلى رحمه الله ذكر بعض اهل العلم ان فى هذا اشارة الى مريم البتول وهى البكر والى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وان الله سيزوجه عليه السلام اياهما فى الجنة كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال أبو الليث رحمه الله تكون وليمة فى الجنة ويجتمع عليها اهل الجنة فيزوج الله هاتين المرأتين يعنى آسية ومريم من محمد عليه السلام وبدأ بالثيب قبل البكر لان زمن آسية قبل زمن مريم ولان ازواج النبى عليه السلام كلهن ثيب الا واحدة وافضلهن خديجة وهى ثيب فتكون هذه القبيلة من قبيلة الفضل والزمان ايضا لانه تزوج الثيب منهن قبل البكر وفى كشف الاسرار روى عن معاذ بن جبل رضى الله عنه ان النبى عليه السلام دخل على خديجة وهى تجود بنفسها يعنى وى وفات ميكند. فقال أتكرهين ما نزل بك يا خديجة وقد جعل الله فى الكره خيرا كثيرة فاذا قدمت على ضراتك فاقريئهن منى السلام فقالت يا رسول الله ومن هن قال مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وحليمة اخت موسى فقالت بالرفاء والبنين اى اعرست ملتبسا بالرفاء وهو التئام والاتفاق والمقصود حسن المعاشرة وكان هذا دعاء الاوآئل للمعرس واحترز بالبنين عن البنات ثم نهى النبى عليه السلام عن هذا الاول وامر بأن يقول من دخل على الزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما فى خير ثم ان المراد من الابدال أن يكون فى الدنيا كما افاده قوله تعالى { ان طلقكن } لان نساء الجنة يكن ابكارا سوآء كن فى الدنيا ثيبات او ابكارا وفى الحديث
" ان الرجل من اهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء واربعة آلاف ثيبت وثمانية الاف بكر يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره فى الدنيا "
فان قلت فاذا يكون اكثر اهل الجنة النساء وهو مخالف لقوله عليه السلام
" يا معشر النساء تصدقن فانى أريتكن اكثر اهل النار "
قلت لعلم المراد بالرجل بعض الرجال لان طبقات الابرار والمقربين متفاوته كما دل عليه قوله عليه السلم
" أدنى اهل الجنة الذى له اثنتان وسبعون زوجة وثمانون ألف خادم ولا بعد فى كثرة الخادم "
لما قال بعضهم ان اطفال الكفار خدام اهل الجنة على ان الخدام لا ينحصرون فيهم بل لاهل الجنة خدام اخر فان قلت كان عليه السلام يحب الأخف الأيسر فى كل شئ فلما ذا كثر من النساء ولم يكتف منهن بواحدة او ثنتين قلت ذلك من اسرار النبوة ولذا لم يشبع من الصلاة ومن النساء روى انه عليه السلام أعطى قوة أربعين رجلا فى البطش والجماع وكل حلال يكدر النفس الا الجماع الحلال فانه يصفيها ويجلى العقل والقلب والصدر ويورث السكون باندفاع الشهوة المحركة على ان شهوة الخواص ليست كشهوة العوام فان نار الشهوة للخواص بعد نور المحبة وللعوام قبله ثم ان فى الآيات المتقدمة فوآئد منها ان تحريم الحلال غير مرضى كما ان ابتغاء رضى الزوج بغير وجهه وجه ليس بحسن ومنها ان افشاء السر ليس فى المروءة خصوصا افشاء اسرار السلاطين الصورية والمعنوية لا يعفى وكل سر جاوز الاثنين شاع اى المسر والمسر اليه او الشفتين ومنها ان من الواجب على اهل الزلة التوبة والرجوع قبل الرسوخ واشتداد القساوة ومنها ان البكارة وجمال الصورة وطلاقة اللسان ونحوها وان كانت نفاسة جسمانية مرغوبة عند الناس لكن الايمان والاسلام والقنوت والتوبة ونحوها نفاسة روحانية مقبولة عند الله وشرف الحسب أفضل من شرف النسب والعلم الدينى والأدب الشرعى هما الحسب المحسوب من الفضائل فعلى العاقل أن يتجلى بالورع وهو الاجتناب عن الشبهات والتقوى وهو الاجتناب عن المحرمات ويتزين بزين انواع المكارم والاخلاق الحسنة والاوصاف الشريفة المستحسنة.
التحريم 66:6
{ يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم } امر من الوقاية بمعنى الحفظ والحماية والصيانة اصله او قيوا كاضربوا والمراد بالنفس هنا ذات الانسان لا النفس الامارة والمعنى احفظوا وبعدوا أنفسكم وبالفارسية نكاه داريد نفسهاى خودرا ودور كنيد. يعنى بترك المعاصى وفعل الطاعت { وأهليكم } بالنصح والتأديب والتعليم اصله أهلين جمع اهل حذفت النون بالاضافة وقد يجمع على اهالى على غير قياس وهو كل من فى عيال الرجل والنفقته من المرأة والولد والأخ والاخت والعم وابنه والخادم ويفسر بالاصحاب ايضا ودلت الآية على وجوب الأمر بالمعروف للأقرب فالأقرب وفى الحديث
" رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم فى الجنة "
وفى الحديث
" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته "
وهو من الرعاية بمعنى الحفظ يعنى كلكم ملتزم بحفظ ما يطالب به من العدل ان كان وليا ومن عدم الخيانة ان كان موليا عليه وكلكم مسئول عما التزم حفظه يوم القيامة فالامام على الناس راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولد وعبد الرجل راع على مال سيده والكل مسئول وقيل أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل اهله وخص الأهلين بالنصيحة مع ان حكم الاجانب كحكمهم فى ذلك لان الاقارب اولى بالنصيحة لقربهم كما قال تعالى
قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
وقال تعالى
وانذر عشيرتك الاقربين
ولان شرآئط الامر والنهى قد لا توجد فى حق الاجانب بخلاف الاقارب لا سيما الاهل فان الرجل سلطان اهله وقال بعض اهل الاشارة فى الآية طهروا أنفسكم عن دنس محبة الدنيا حتى تكون اهاليكم صالحين بمتابعتكم فاذا رغبتم فى الدنيا فهم يشتغلون بها فان زلة الامام زلة المأمومين وقال القاشانى رحمه الله الأهل بالحقيقة هو الذى بينه وبين الرجل تعلق روحانى واتصال عشقى سوآء اتصل به اتصالا جسمانيا ام لا وكل ما تعلق به تعلقا عشقيا فبالضرورة يكون معه فى الدنيا والآخرة فوجب عليه وقايته وحفظه من النارى كوقاية نفسه فان زكى نفسه عن الهيئات الظلمانية وفيه ميل ومحبة لبعض النفوس المنغمسة فيها لم يزكها بالحقيقة لانه بتلك المحبة ينجذب اليها فيكون معها فى الهاوية محجوبا بها سوآء كانت قواه الطبيعية الداخلة فى تركيبه ام نفوسا انسانية منتكسة فى عالم الطبيعة خارجة عن ذاته ولهذا يجب على الصادق محبة الاصفياء والاولياء ليحشر معهم فان المرء يحشر مع من احب { نارا } نوعا من النار { وقودها } ما يوقد به تلك النار يعنى حطبها وبالفارسية آتش انكيزوى. فالوقود بالفتح اسم لما توقد به النار من الحطب وغيره والوقود بالضم مصدر بمعنى الانقاد وقرئ به بتقدير اسباب وقودها او بالحمل على المبالغة { الناس } كفار الانس والجن وانما لم يذكر الجن ايضا لان المقصود فى الآية تحذير الانس ولان كفار الجن تابعة لكفار الانس لان التكذيب انما صدر اولا من الانس { والحجارة } اى تتقد بها ايضا اتقاد غيرها بالحطب ففيه بيان لغاية احراقها وشدة قوتها فان اتقاد النار بالحجارة مكان الحطب من الشجرة يكون من زيادة حرها ولذلك قال عليه السلام
" ناركم جزء من سبعين جزأ من نار جهنم "
وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى حجارة الكبريت وهى اشد الاشياء حرا اذا اوقد عليها ولها سرعة الاتقاد ونتن الرآئحة وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالابدان فيكون العذاب بها اشد وقيل وقودها الناس اذا صاروا اليها والحجارة قبل أن يصيروا اليها قال الكاشفى تابتان سنكين كه كفارمى برستند. دليله قوله تعالى
انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
وقرن الناس بالحجارة لانهم نحتوها واتخذوها اربابا من دون الله يا كنجهاى زروسيم كه منشأ آن سنكست
زدوسيمند سنك زرد وسفيد اندرين سنكها مينداميد دلى ازسنك سختتربايد كه زسمكيش راحت افزايد دل ازين سنك اكرتوبرنكنى سرز حسرت بسى بسنك زنى
وقيل أراد بالحجارة الذين هم فى صلابتهم عن قبول الحق كالحجارة كمن وصفهم بقوله
فهى كالحجارة او اشد قسوة
كما قال فى التأويلات النجمية يا أيها الذينان آمنوا بالايمان العلمى قوا أنفسكم واهليكم من القوى الروحانية نار حجاب البعد والطرد التى يوقدها حطب وجود الناسين ميثاق ألست بربكم قالوا بلى وحجارة قلوبهم القاسية وهم الصفات البشرية الطبيعية الحيوانية البهيمية السبعة الشيطانية انتهى وامر الله المؤمنين باتقاء هذه النار المعدة للكافرين كما نص عليه فى سورة البقرة حيث قال
فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين
للمبالغة فى التحذير ولان الفساق وان كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فانهم تبع للكفار فى دار واحد فقيل للذين آمنوا قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مجاورة الذين اعدت لهم هذه النار اصالة ويبعد أن يأمرهم بالتوقى عن الارتداد كما فى التفسير الكبير { عليها } اى على تلك النار العظيمة { ملائكة } تلى امرهم وتعذيب اهلها وهم الزبانية التسعة عشر واعوانهم فليس المراد بعلى الاستعلاء الحسى بل الولاية والقيام والاستيلاء والغلبة على ما فيها من الامور قال القاشانى هى القوى السماوية والملكوتيه الفعالة فى الامور الارضية التى هى روحانيات الكواكب السبعة والبروج الاثنى عشر المشار اليها بالزبانية التسعة عشر وغيرها من المالك الذى هو الطبيعة الجسمانية الموكلة بالعالم السفلى وجميع القوى والملكوت المؤثرة فى الاجسام التى لو تجردت هذه النفوس الانسانية عنها ترقت من مراتبها والصلت بعالم الجبروت وصارت مؤثرة فى هذه القوى الملكونية ولكنها لما انغمست فى الامور البدنية وقرنت أنفسها بالاجرام الهيولانية المعبر عنها بالحجارة صارت متأثرة منها محبوسة فى اسرها معذبة بأيديها { غلاظ } غلاظ القلوب بالفارسية سطبر جكران.
جمع غليظ بمعنى خشن خال قلبه عن الشفقة والرحمة { شداد } شداد القوى جمع شديد بمعنى القوى لانهم اقوياء لا يعجزون عن الانتقام من اعدآء الله على ما مروا به وقيل غلاظ الاقوال شداد الافعال اقوياء على الافعال الشديده يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم اذا استرحموا لم يرحموا لانهم خلقوا من الغضب وجبلوا على القهر لا لذة لهم الا فيه فمقتضى جبلتهم تعذيب الخلق بلا مرحمة كما ان مقتضى الحيوان الاكل والشرب ما بين منكبى احدهم مسيرة سنة او كما بين المشرق والمغرب يضرب احدهم بمقمعته ضربة واحدة سبعين ألفا فيهوون فى النار { لا يعصون الله ما امرهم } اى امره فى عقوبة الكفار وغيرها على انه بدل اشتمال من الله وما مصدرية او فيما امرهم به على نزع الخافض وما موصولة اى لا يمتنعون من قبول الامر ويلتزمونه ويعزمون على اتيانه فليست هذه الجملة مع التى بعدها فى معنى واحد وقال الكاشفى
برشوت فرفته نشوند تامخالفت امربايد كرد كأعوان ملوك الدنيا يمتنعن بالرشوة
{ ويفعلون ما يؤمرون } اى يؤدون ما يؤمرون به من غير تثاقل وتوان وتأخير وزيادة ونقصان وقال القاضى لا يعصون الله ما امرهم فيما مضى ويستمرون على فعل ما يؤمرون به فى المستقبل قال بعضهم لعل التعبير فى الامر اولا بالماضى مع نفى العصيان بالمستقبل لما ان العصيان وعدمه يكونان بعد الامر وثانيا بالمستقبل لما امرهم بعذاب الاشقياء يكون مرة بعد مرة قال بعض الكبار فى هذه الآية دليل على عصمة جميع الملائكة السماوية وذلك لانهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة فيهم مطيعون بالذات بخلاف البشر والملائكة الارضية الذين لا يصعدون الا السماء فان من الملائكة من لا يصعد من الارض الى السماء ابدا كما ان منهم من لا ينزل من السماء الى الارض ابدا وفيها دليل ايضا على انه لا نهى عند هؤلاء الملائكة فلا عبادة للنهى عندهم ففاتهم اجر ترك المنهيات بخلاف الثقلين وملائكة الارض فانهم جمعوا بين اجر عبادة الامر واجر اجتناب النهى قال الكرمانى فى شرح البخارى ان قلت التروك ايضا عمل لان الاصح ان الترك كف النفس فيحتاج الى النية قلت نعم اذا كان المقصود امتثال امر الشارع وتحصيل الثواب اما فى اسقاط العقاب فلا فالتارك للزنى يحتاج فيه لتحصيل الثواب الى النية وما اشتهر ان التروك لا تحتاج اليها يريدون به فى الاسقاط يعنى لو أريد بالتروك وتحصيل الثواب وامتثال امر الشارع لابد فيها من قصد الترك امتثالا لامر الشارع فتارك الزنى ان قصد تركه امتثال الا مريثات
التحريم 66:7
{ يا أيها الذين كفروا } اى يقال لهم عند ادخال الملائكة اياهم النار حسبما امر وابه يعنى جون زبانيه كافران رابكناه دوزخ آرند ايشان آغاز اعتذار كرده داعية خلاصى نمايند بس حق تعالى باملائكة كويد يا ايها الذين كفروا { لا تعتذروا اليوم } اى فى هذا اليوم يعنى عذر مكوييد امر وزكه عذر مقبول نيست وفائده نخواهد داد. قال القاشانى اذ ليس بعد خراب البدن ورسوخ الهيئات المظلمة الا الجزآء على اعمال لامتناع الاستكمال ثمه والاعتذار بالفارسية عذر خواستن. يقال اعتذرت الى فلان من جرمى ويعدى بمن والمعتذر قد يكون محقا وغير محق قال الراغب العذر تحرى الانسان ما يمحو به وذلك ثلاثة اضرب ان يقول لم أفعل او يقول فعلت لاجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا او يقول فعلت ولا أعود ونحو ذلك وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر وليس كل عذر توبة واعتذرت اليه اتيت بعذر وعذرته قبلت عذره { انما تجزون ما كنتم تعملون } فى الدنيا من الكفر والمعاصى بعد ما نهيتم عنها اشد النهى وامرتم بالايمان والطاعة فلا عذر لكم قطعا أى حقيقة وانهى عن الاتيان بما هو عذر صورة رقى حسبانهم وفى بعض التفاسير لا تعذروا اليوم لما انه ليس لكم عذر يعتد به حتى يقبل فينفعكم وهذا النهى لهم ان كان قبل مجيئ الاعتذار منهم فيوافق ظاهر قوله تعالى
ولا يؤذن لهم فيعتذرون
وان كان بعده فيؤول هذا القول وقال لا يؤذن لهم أن يتموا اعتذارهم ولا يسمع اليه وفى التأويلات النجمية قل للذين ستروا الحق بالباطل وحجبوا عن شهود الحق فى الدنيا لا تطلبوا مشاهدة الحق فى الآخرة انما تكافأون بعدم رؤية الحق اليوم لعدم رؤيتكم له فى يوم الدنيا كما قال
ومن كان فى هذه اعمى فهو فى الآخرة اعمى واضل سبيلا
انتهى. قال بعض العارفين لا يتحسر يوم القيامة على فوات الاعمال الصالحة الا العامة اما العارفون فلا يرون لهم عملا يتحسرون على فواته بل ولا يصح الفوات ابدا انما هى قسمة عادلة يجب على كل عبد الرضى بها وقول الانسان أنا مقصر فى جنب الله هو من باب هضم النفس لا حقيقة اذ لا يقدر احد أن ينقص مما قسم له ذرة ولا يزيد عليه ذرة فلا يصح الندم الا فى عمال توهم العبد انهاله ثم فوتها وذلك لا يقوله عارف مصراع در دائره قسمت من نقطه تسلم.
التحريم 66:8
{ يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا } التوبة أبلغ وجوه الاعتذار بان يقول فعلت وأسأت وقد اقلت وفى الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الاعمال بالاعادة فمتى اجتمع هذه الاربعة فقد كملت شرائط التوبة كما فى المفردات والنصح تحرى فعل او قول فيه صلاح صاحبه والنصوح فعول من ابنية المبالغة كقولهم رجل صبور وشكور اى بالغة فى النصح وصفت التوبة بذلك على الاسناد المجازى وهو وصف التائبين وهو أن ينصحوا أنفسم بالتوبة فيأتوا بها على طريقتها وذلك أن يتوبوا من القبائح لقبحها نادمين عليها مغتمين اشد الاغتمام لارتكابها عازمين على انهم لا يعودون فى قبيح من القبائح الا أن يعود اللبن فى الضرع وكذا لو حزوا بالسيف واحرقوا بالنار موطنين أنفسم على ذلك بحيث لا يلويهم عنه صارف اصلا وعن على رضى الله عنه انه سمع اعرابيا يقول اللهم انى استغفرك وأتوب اليك فقال يا هذا ان سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين قال وما التوبة قال ان التوبة يجمعها ستة اشياء على الماضى من الذنوب الندامة وللفرآئض الاعادة اى القضاء صلاة او صوما او زكاة او نحوها ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا تعود وأن تذيب نفسك فى طاعة الله كما ربيتها فى المعصية وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصى قال سعدى المفتى والمذهب السنى انه يكفى فى تحقق التوبة الندم والعزم على أن لا يعود بخلاف اهل الاعتزال حيث يلزم فى تحققها عندهم رد المظالم وهو عندنا غير واجب فى التوبة قال بعض الكبار ما لم تكن التوبة عامة من جميع المخالفات فهى ترك لا توبة وقيل نصوحا من نصاحة الثوب بالفتح وهى بالفارسية جامعه دوختن اى توبة ترفوا خروقك فى دينك وترم خللك وفى الحديث
" المؤمن واه راقع فطوبى لمن مات على رقعه "
ومعناه أن يخرق دينه ثم يرقعه بالتوبة ونحوه استقيموا ولن تحصوا اى لن تستطيعوا أن تستقيموا فى كل شئ حتى لا تميلوا ومنه يا حنظلة ساعة فساعة ومن بلاغات الزمخشرى ما منع قول الناصح أن يروقك وهو الذى ينصح خروقك شبه فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب وقيل خالصة من قولهم عسل ناصح اذا خلص من الشمع شبه التوبة فى خلوصها بذلك وكذا تخلص قول الناصح من الغش بتخلص العسل من الخلط ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس اى تدعوهم الى مثلها لظهور اثرها فى صاحبها واستعماله الجد والعزيمة فى العمل بمقتضياتها وقال ذو النون المصرى قدس سره التوبة ادمان البكاء على ما سلف من الذنوب والخوف من الوقوع فيها وهجران اخوان السوء وملازمة اهل الجنة وقال التسترى رحمه الله هى توبة ا لسنى لا المبتدع لانه لا توبة له بدليل قوله عليه السلام حجر الله على كل صاحب بدعة أن يتوب وقال الواسطى قدس سره هى أن يتوب لا لغرض وقال الشيخ أبو عبد الله بن حفيف قدس سره طالب عباده بالتوبة وهو الرجوع اليه من حيث ذهبوا عنه والنصوح فى التوبة الصدق فيها وترك ما منه تاب سرا وعلنا وقولا وفكرا وقال القاشانى رحمه الله مراتب التوبة كمراتب التقوى فكما ان اول مراتب التقوى هو الاجتناب عن المنهيات الشرعية وآخرها الاتقاء عن الانانية والبقية فكذلك التوبة اولها الرجوع عن المعاصى وآخرها الرجوع عن ذنب الوجود الذى هو من امهات الكبائر عند اهل التحقيق
توبه جون باشد بشيمان آمدن بردرحق نو مسلمان آمدن خدمتى از سر كرفتن بانياز باحقيقت روى كردن ازمجاز
وفى التأويلات النجمية يشير الى المؤمنين الذين لم تترسخ اقدامم فى ارض الايمان ترسخ اقدام الكمل ويحثهم على التوبة الى الله بالرجوع عن الدنيا ومحتبها والاقبال على الله وطاعته توبة بحيث ترفوا جميع خروق وقعت فى ثوب دينه بسبب استيفاء اللذات الجسمانية واستقصاء الشهوات الحيوانية ويقال توبة العوام عن الزلات والخواص عن الغفلات والخواص عن رؤية الحسنات وفى الحديث
" أيها الناس توبوا الى الله فأنى أتوب اليه فى اليوم مائة مرة "
رد خل فى الناس الذكور والاناث وهى اى التوبة واجبة على الفور لما فى التأخير من الاصرار على المحرم وهو بجعل الصغيرة كبيرة وعلامة قبول التوبة أن لا يذكره الله ذنبه لان التوبة لا تبقى للذنب وجودا فمتى ذكر الغائب ذنبه فتوبته معلولة وقد تكون التوبة مقبولة عند الله ومع ذلك فلا تدفع عن العاصى العذاب كما لو تاب السارق عند الحاكم لا ترفع توبته عند حد القطع وفى حديث ما عز كفاية فانه عليه السلام قال فى حقه
" انه تاب توبة لو قسمت على اهل مدينة لوسعتهم "
ومع ذلك فلم تدفع توبته عنه الحد بل امر عليه السلام برجمه فرجم فاعرف وفى المثنوى
بود مردى بيش ازين نامش نصوح بدزد لاكئ زن اورا فتوح برد روى اوجو رخسار زنان مردئ خودرا همى كرداو نهان او بحمام زنان دلاك بود در دغا وحيله بس جالاك بود سالها مى كردد لاكى وكس بونبرد ازحال وسر آن هوس زانكة آواز ورخش زن وار بود ليك شهوت كامل وبيدار بود دختران خسروا انرا زين طريق خوش همى ماليدومى شت آن عيشق توبهامى كردو بادرمى كشيد نفس كافر توبه اش را مى دريد رفت بيش عارفى آن زشت كار كفت مارا در دعايى ياد دار سرا ودنست آن آزاد مرد ليك جون حلم خدا ببدا نكرد آن دعا ازهفت كردون در كذشت كار آن مسكين بآحر خوب كشت يك سبب انكيخت صنع ذى الجلال كه رها نيدش زنفرين ووبال اندران حمام برمى كرد طشت كوهرى از دخترشه باوه كشت كوهرى از حلقهاى كوش او ياوه كشت وهرزنى درجست وجو بس در حمام رابستند سخت تاجبو بيند اولئن دربيخ رخت رختها جستند وآن بيدا نشد درد كوهر نبزهم رسوا نشد بس بجد جستن كرفتند ازكتراف دودهان وكوش واندرهرشكاف بالك آمدكه همه عريان شويد هركه هتيد از عجوز وكرنريد يك ببك زا حاجبه جستن كرفت تابديد آيد كهر دانه شكفت آن نصوح ازترس شد درخلوتى روى زر دولب كبرد از خشيتى كفت يارب بارها بركشته ام توبها وعهدها بشكسته ام كرده ام آنهاكه ازمن مى سزيد تاجنين سيل سياهى در رسيد نوبت جستن اكر درمن رسد ره كه جان من جه سختيها كشد ابن جنين اندوه كار رامباد دامن رحمت كرفتم داد دار كرمرا اين بارستارى كنى توبه كردم من زهرنا كردنى من اكر ابن بار تقصيرى كنم بس دكر مشنودعا وكفتم درميان يا رب ويا رب بدو بانك آمد از ميان جست وجو جمله را جستيم بيش آاى نصوح كشت بهوش آن زمان بريد روح بعد آن خوف وهلاك جان يده مزدها أمدكه اينك كم شده از غريو ونعره ودستك زدن برشده حمام قد زال الحزن آن نصوح رفته بار آمد بخويش ديد جشمش تابش صدر ونريش مى حلالى خواست ازوى هركسى بوسه مى دادند بردستش بس بد كمان بوديم مارا كن حلال لحم تو خورديم اندر قيل وقال زانكه ظن جمله بروى بيش بود زانكه در قربت زجمله بيش بود كوهرار بردست او بردست وبس زملازم تربخا تون نيست كس اول اورا خواست جستن درنبرد بهر حرمت داشتش تأخير كرد تابود كانرا بيند ازد بجا اندرين مهلت رهاند خويش را بس حلاليها ازومى خواستند زبراى عذر بر مى خواستند كفت بد فضل خداى داد كر ورنه زانجم كفته شد هستم بتر آنجه كفتندم زبداز صد يكيست برمن اين كشفست اركس راشكيست آفرنيها برتو بادا اى خدا ناكهان كردى مرا ازغم جدا كر سر هرموى من كردد زبان شكر هاى تونيايد دربيان بعد ازان آمد كسى كز مرحمت دختر سلطان ما مى خواندت دختر شاهت همى خواند بيا تاسرش شويى كنون اى بارسا كفت رور ودست من بى كار شد وين نصوح توكنون بيمارشد روكسى ديكر بجوا شتاب وتفت كه مرا والله دست ازكار رفت بادل خود كفت كز حد رفت جرم ازدل من كى رود آن ترس وكرم من بمردم يك ره وباز آمدم من جشيدم تلخئ مرك وعدم تبوه كردم حقيقت باخدا نشكنم تاجان شدن ازتن جدا بعد آن محنت كرا بار دكر بارود سوى خطر الاكه خر
{ عسى ربكم } شايد بروردكار شما وفى كشف الاسرار الله برخود واجب كرد نائب را از شما { أن يكفر عنكم سيئاتكم } يسترها بل يمحوها ويبدلها حسنات { ويدخلكم جنات } جمع جنات اما لكثرة المخاطبين لان لكل منهم جنة او لتعددها لكل منهم من الانواع { تجرى من تحتها الانهار } قال فى الارشاد ورود صيغة الاطماع والترجية للجرى على سنن الكبرياء فان الملوك يجيبون بلعل وعسى ويقع ذلك ذلك موقع القطع والاشعار بأنه تفضل والتوبة غير موجبة له وان العبد ينبغى أن يكون بين خوف ورجاء وان بالغ فى اقامة وظائف العبادة. يقول الفقير التكفير اشارة الى الخلاص من الجحيم لان السيئات هى سبب العذاب فاذا زال السب زال المسبب وادخال الجنات اشارة الى التقريب لان الجنان موضع القرب والكرامة وجريان الانهار اشارة الى الحياة الأبدية لان الماء اصل الحياة وعنصرها فلا بد للانسان فى مقابلة هذه الانهار من ماء العلم ولبن الفطرة وعسل الالهام وخمر الحال فكما ان الحياة المعنوية فى الدنيا انما تحصل بهذه الاسباب فكذا الحياة الصورية فى الآخرة انما تحصل بصورها { يوم لا يخزى الله النبى } ظرف ليدخلكم والاخزآء دور كردن ورسوا كردن وخوار كردن وهلاك كردن. ومعنى هذه الكلمة يقرب بعضها من بعض كما فى تاج المصادر والنبى المعهود. يعنى روزى كه حجل نكند خداى تعالى بيغمبررا يعنى نه نفس اورا عذاب كندونه شفاعت اورا درباره عاصبان مردود سازد. قال بعض اهل التفسر يخزى اما من الخزى وهو الفضاحة فيكون تعريضا للكفرة الذين قال الله تعالى فيهم ان الخزى اليوم والسوء على الكافرين او من الخزاية بمعنى الحياء والخجل وهو الأنسب هنا بالنظر الى شأن الرسول خصوصا اذا تم الكلام فى النبى وان أريد المعنى الاول حينئذ يجوز أن يكون باعتبار أن خزى الامة لا يخلو عن انشاء خزى ما فى الرسول على ما يشعر به قوله فى دعائه اللهم لا تخزنا يوم القيامة ولا تفضحنا يوم اللقاء بعض الاشعار حيث لم يقل لا تخزنى كما قال ابراهيم عليه السلام ولا تخزنى يوم يبعثون ليكون دعاؤه عاما لامته من قوة رحمته وأدخل فيهم نفسه العالية من كمال مروءته قيل الخزى كناية من العذات لملازمة بينهما والاولى العموم لكل خزى يكون سببا من الاسباب من الحساب والكتاب والعقاب وغيرها { والذين آمنوا معه } عطف على النبى ومعه صلة لا يخزى اى لا يخزى الله معه الذين آمنوا اى يعمهم جميعا بأن لا يخزيهم او حال من الموصول بمعنى كائنين معه او متعلق بآمنوا وهو الموافق لقوله تعالى
واسلمت مع سليمان
اى ولا يخزى المؤمنين الذين اتبعوه فى الايمان كما قال
آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون
وذلك بسوء الحساب والتعبير والعتاب وذل الحجاب ورد الجواب فيحاسبهم حسابا يسيرا بل ويرفع الحساب عن بعضهم ويلاطفهم ويكشف لهم جماله ويعطى مأمولهم من الشفاعة لاقاربهم واخوانهم ونحولهم وقال داود القيصرى رحمه الله فى قوله تعالى
واسلمت مع سليمان
اى اسلام سليمان اى اسلمت كما اسلم سليمان ومع فى هذا الموضع كمع فى قوله { يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه } وقوله
وكفى بالله شهيدا
محمد رسول الله والذين معه ولا شك ان زمان ايمان المؤمنين ما كان مقارنا لزمان ايمان الرسول وكذا اسلام بلقيس ما كان عند اسلام سليمان فالمراد كما انه آمن بالله آمنوا بالله وكما انه اسلم اسلمت لله انتهى كلام القيصرى وتم الكلام عند قوله معه وفيه تعريض بمن اخزاهم الله من اهل الكفر والفسوق كما سبق واستحماد الى المؤمنين على انه عصمهم من مثل حالهم وقيل قوله والذين الخ مبتدأ خبره ما بعده من قوله نورهم الخ او خبره معه والمراد بالايمان هو الكامل حينئذ حتى لا يلزم أن لا يدخل عصاة المؤمنين النار { نورهم } اى نور ايمانهم وطاعتهم على الصراط قال فى عين المعانى نور الاخلاص على الصراط لاهل المعاملة بمنزلة الشمع ونور الصدق لارباب الاحوال بمنزلة القمر ونور الوفاء لاهل المحبة بمنزلة شعاع الشمس { يسعى } السعى المشى القوى السريع ففيه اشارة الى كمال اللمعان { بين ايديهم } اى يضيء بين ايديهم يعنى قدامهم جمع يد يراد بها قدام الشئ لتكون بين اليدين غالبا فالجمع اما باطلاقه على التثنية او بكثرة ايدى العباد { وبأيمانهم } جمع بيمين مقابل الشمال اى وعن ايمانهم وشمائلهم على وجه الاضمار يعنى جهة ايمانهم وشمائلهم او عن جميع جهاتهم وانما اكتفى بذكرهما لانهما أشرف الجهات ومن ادعيته عليه السلام
" اللهم اجعل فى قلبى نورا وفى سمعى نورا وفى بصرى نورا وعن يمينى نورا وعن شمالى نورا وأمامى نورا وخلفى نورا وفوقى نورا وتحتى نورا واجعلنى نورا "
وقال بعضهم تخصيص الأيدى والايمان لان ارباب السعادة يؤتون صحائف اعمالهم منهما كما ان اصحاب الشقاوة يؤتون من شمائلهم و ورآء ظهورهم فيكون ذلك علامة لذلك وقائدا على الصراط الى دخول الجنة وزينة لهم فيها وقال القاشانى نورهم يسعى بين أيديهم اى الذي لهم بحسب النظر والكمال العلمى وبأيمانهم اى الذى لهم بحسب العمل وكماله اذ لنور العلمى من منبع الوحدة والعلمى من جانب القلب الذى هو يمين النفس او نور السابقين منهم يسعى بين أيديهم ونور الابرار منهم يسعى بايمانهم وقد سبق تمامه فى سورة الحديد وفى الحديث
" من المؤمنين من نوره ابعد ما بيننا وبين عدن ابين ومنهم من نوره لا يجاوز قدمه "
{ يقولون } اى يقول المؤمنون وهو الظاهر او الرسول لامته والمؤمنون لانفسهم اذا طفئ نور المنافقين اشفاقا اى يشفقون على العادة البشرية على نورهم ويتفكرون فيما مضى منهم من الذنوب فيقولون { ربنا } اى بروردكارما { اتمم لنا نورنا } نكاه دار وباقى دار نورما تابسلامت بكذريم. فيكون المراد بالاتمام هو الادامة الى ان يصلوا الى دار السلام { واغفر لنا } يعنى از ظلمت كناه باك كن { انك على كل شئ قدير } من الاتمام والمغفرة وغيرهما وقيل يدعون تقربا الى الله تعالى مع تمام نورهم كقوله واستغفر لذنبك وهو مغفور له قال فى الكشاف كيف يتقربون وليست الدار دار تقرب قلت لما كانت حالهم كحال المتقربين يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة سماه تقربا وقيل يتفاوت نورهم بحسب اعمالهم فيسألون اتمامه تفضلا فيكون قوله يقولون من باب بنو افلان قتلوا زيدا وقيل السابقون الى الجية يمرون مثل البرق على الصراط وبعضهم كالريح وبعضهم حبو او زخفا واولئك الذين يقولون ربنا اتمم لنا نورنا وقال سهل قدس سره لا يسقط الافتقار الى الله عن المؤمنين فى الدنيا ولآخرة وهم فى العقبى اشد افتقار اليه وان كانوا فى دار العز والغنى ولشوقهم الى لقائه يقولون اتمم لنا نورنا. واعلم ان ما لا يتم فى هذه الدار لا يتم هناك الا ما كان متعلق النظر والهمة هنا فاعرف ثم ان الانوار كثيرة نور الذات ونور الصفات ونور الافعال ونور العبادات مثل الصلاة والوضوء وغيرهما كما قال عليه السلام فى حديث طويل
" والصلاة نور "
والسر فيه ان المصلى يناجى ربه ويتوجه اليه وقد قال عليه السلام
" ان العبد اذا قام يصلى فان الله ينصب له وجهه تلقاءه "
والله نور وحقيقة العبد ظلمانية فالذات المظلمة اذا واجهت الذات النيرة وقابلتها بمحاذات صحيحة فانها تكتسب من انوار الذات النيرة ألا ترى ان القمر الذى هو فى ذاته جسم اسود مظلم كشيف صقيل كيف يكتسب النور من الشمس بالمقابلة وكيف يتفاوت اكتسابه للنور بحسب التفاوت الحاصل فى المحاذاة والمقابلة فاذا تمت المقابلة وصحت المحاذاة كمل اكتساب النور وفى الحديث
" بشر المشائين فى الظلم الى المساجد بالنور التام فى يوم القيامة "
وفيه اشارة الى ان كل ظلمة ليست بعذر لترك الجماعة بل الظلمة الشديدة فان الاعذار التى تبيح التخلف عن الجماعة المرض الذى يبيح التيمم ومثله كونه مقطوع اليد والرجل من خلاف او مفلوجا او لا يستطيع المشى او أعمى او المطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة للصحيح وكذا الخوف من السلطان او غيره من المتغلبين وفى الحديث
" وددت انا قد رأينا اخواننا قالوا يا رسول الله ألسنا اخوانك قال انتم اصحابى واخواننا الذين لم يأتوا بعد فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من امتك يا رسول الله فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهرانى خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فانهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وانا فرطهم على الحوض "
استعار عليه السلام لأثر الوضوء من البياض فى وجه المتوضى ويديه ورجليه بنور الوضوء يوم القيامة من البياض الذى فى وجه الفرس ويديه ورجليه فان الغر جمع الاغر والغرة بالضم بياض فى جبهة الفرس فوق الدرهم والتحجيل بتقديم الحاء المهملة بياض قوآئم الفرس كلها ويكون فى رجلين ويد وفى رجلين فقط وفى رجل فقط ولا يكون فى اليدين خاصة الا مع الرجلين والدهم جمع الأدهم بمعنى الاسود فان الدهمة بالضم السواد والبهم جمع الأبهم وفرس بهيم اذا كان على لون واحد لم يشبه غيره من الالوان ومنه استعير ما روى انه يحشر الناس يوم القيامة بهما بالضم اى ليس بهم شئ مما كان فى الدنيا نحو البرص والعرج والفرط بفتحتين المتقدم لاصلاح الحوض والدلو
التحريم 66:9
{ يا ايها النبى } اى رسول خبر دهنده يا بلند قدر { جاهد الكفار } بالسيف يعنى جهادكن با كافران بشمشير { والمنافقين } بالحجة او بالوعيد والتهديد او بالقائهم بوجه قهر أو بافشاء سرهم وقال القاشانى جاهد الكفار والمنافقين للمضادة الحقيقية بينك وبينهم قيل النفاق مستتر فى القلب ولم يكن للنبى عليه السلام سبيل الى ما فى القلوب من النفاق والاخلاص الابعد اعلام من قبل الله فأمر عليه السلام بمجاهدة من علمه منافقا باعلام الله اياه باللسان دون السيف لحرمة تلفظه بالشهادتين وأن يجرى عليه احكام المسلمين ما دام ذلك الى أن يموت { واغلظ عليهم } واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة وفيه اشارة الى ان الغلظة على اعدآء الله من حسن الخلق فان ارحم الرحماء اذا كان مأمورا بالغلظة عليهم فما ظنك بغيره فهى لا تنافى الرحمة على الاحباب كما قال تعالى
أشدآء على الكفار رحماء بينهم
{ ومأواهم جهنم } سيرون فيها عذاب غليظا يعنى ومقام باز كشت كفران ومنافقان اكر ايمان نيارند ومخلص نشوند دوزخست. قال القاشانى ما داموا على صفتهم او دآئما ابد الزوال استعدادهم او عدمه { وبئس المصير } اى جهنم او مصيرهم وفيه تصريح مما علم التزاما مبالغة فى ذمهم وفيه اشارة الى نبى القلب المجاهد فى سبيل الله فانه مأمور بجهاد الكفار اى النفس الامارة بالسوء وصفاتها الحيوانية الشهوانية وبجهاد المنافقين اى الهوى المتبع وصفاته البهيمية والسبعية وبالغلظة عليهم بسيف الرياضة ورمح المجاهدة ومقامهم جهنم البعد والحجاب وبئس المصير اذ ذل الحجاب وبعد الاحتجاب اشد من شدة العذاب. يقول الفقير اذا كان الاعدآء الظاهرة يحتاجون الى الغلظة والشدة فما ظنك باعدى الاعدآء وهى النفس الامارة ففى الغلظة عليها نجاة وفى اللين هلاك ولذا قال بعض الشعراء
هست نرمى آفت جون سمور وزدرشتى مى برد جان خاربشت
وفى المثل العصا لمن عصا وقول الشيخ سعدى
درشتى ونرمى بهم در بهست جو فصاد جراح ومرهم نهست
يشير الى ان للمؤمن صفحة الجمال والجلال وبهاء الكمال فأول المعاملات الجمال لان الله تعالى سبقت رحمته ثم الجلال فلما لم تقبل الكفار الدعوة بالرفق واللين وكذا المنافقون الاخلاص واليقين امر الله تعالى نبيه عليه السلام بالغلظة عليهم ليظهر احكام كل من الاسماء المتقابلة ففيه اشارة الى ان من خلق للرحمة وهم المؤمنون الا يغضب عليهم لوا يغلظ لانه قلب الحكمة وعكس المصلحة وان من خلق للغضب وهم الكفار والمنافقون لا يرحم لهم ولا يرفق بهم لذلك ودخل فيهم اهل البدعة للغضب وهم الكفار والمنافقون لا يرحم لهم ولا يرفق بهم لذلك ودخل فيهم اهل البدعة ولذا لا يجوز أن يلقاهم السنى بوجه طلق وقد عاب الله بعض من فعل ذلك فعلى المؤمن أن يجتهد فى طريق الحق حتى يدفع كيد الأعدآء ومكر الشياطين عن الظاهر والباطن ويديم ذلك لان به يحصل الترقى الذى هو من خصائص الانسان ولذا خص الجهاد بالثقلين واما جهاد الملائكة فبالتبعية او بتكثير السواد فاعرف.
التحريم 66:10
{ ضرب الله مثلا للذين كفروا } ضرب المثل فى امثال هذه المواضع عبارة عن ايراد حالة غريبة ليعرف بها حالة اخرى مشاكلة لها فى الغرابة اى يجعل الله مثالا لحال هؤلاء الكفرة حالا ومآلا على ان مثلا مفعول ثان لضرب واللام متعلقة به { امرأة نوح وامرأة لوط } اى حالهما مفعوله الاول اخر عنه ليتصل به ما هو شرح وتفسير لحالهما ويتضح بذلك حال هؤلاء وامرأة نوح هى واعلة بالعين المهمله او والعة وامراة لوط هى واهلة بالهاء { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } بيان لحالهما الداعية لهما الى الخير والصلاة والمراد بكونهما تحتهما وكونهما فى حكمهما وتصرفهما بعلاقة النكاح والزواج وصالحين صفة عبدين اى كانتا تحت نكاح نبيين وفى عصمة رسولين عظيمين الشان متمكنتين من تحصيل خير الدنيا والآخرة وخيازة سعادتهما واظهار العبدين المراد بهما نوح ولوط لتعظيمهما بالاضافة التشريفية الى ضمير التعظيم والوصف بالصلاح والا فيكفى أن يقول تحتهما وفيه بيان شرف العبودية والصلاح { فخانتاهما } بيان لما صدر عنهما من الجناية العظيمة مع تحقق ما ينفيها من صحبة النبى والخيانة ضد الامانة فهى انما تقال اعتبارا بالعهد والامانة اى فخانتاهما بالكفر والنفاق والنسبة الى الجنون والدلالة على الاضياف ليتعرضوا لهم بالفجور لا بالبغاء فانه ما بغت امرأة نبى قط فالبغى للزوجة شد فى ايراث الانفة لاهل العار والناموس من الكفر وان كان الكفر اشد منه فى أن يكون جرما يؤاخذ به العبد يوم القيامة وهذا تصوير لحالهما المحاكية لهؤلاء الكفرة فى خيانتهم لرسول الله عليه السلام بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام من الايمان والطاعته { فلم يغنيا } الخ بيان لما ادى اليه خيانتهما اى فلم يغن النبيان { عنهما } اى عن تينك المرأتين بحق الزواج { من الله } اى من عذابه تعالى { شيئا } من الاغناء اى لم يدفعا العذاب عنهما زن نوح غرق شد بطوفان وبر سرزن لوط سنك باريد { وقيل } لهما عند موتهما او يوم القيامة وصيغة المضى للتحقق قاله الملائكة الموكلون بالعذاب { ادخلوا النار مع الداخلين } اى مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الاولياء ذكر بلفظ المذكر لانهن لا ينفردن بالدخول واذا اجتمعا فالغلبة للذكور وقطعت هذه الآية طمع من يرتكب المعصية أن ينفعه صلاح غيره من غير موافقة له فى الطريقة والسيرة وان كان بينه وبينه لحمة نسب او وصلة صهر قال القاشانى الوصل الطبيعية والاتصلات الصورية غير معتبرة فى الامور الاخروية بل المحبة الحقيقية والاتصالات الروحانية هى المؤثرة فحسب والصورية التى بحسب اللحمية الطبيعية والخلط والمعاشرة لا يتبقى لها اثر فيما بعد الموت اذ لا انساب بينهم يوم القيامة وقس عليه النسب الباطنى فان جميع القوى الخيرية والشريرة وان تولدت من بين زوجى الروح والجسد لكن الشريرة ليست من اهل الروح فى الحقيقة مثل ولد نوح فكل من السعدآء والاشقياء مفترقون فىالدارين
جه نسبت است برندى صلاح وتقويرا سماع وعظ كجا نغمه رباب كجا
التحريم 66:11
{ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } اى جعل حالها مثلا لحال المؤمنين فى ان وصلة الكفر لا تضرهم حيث كانت فى الدنيا تحت اعدآء الله وهى فى اعلى غرف الجنة والمراد آسية بنت مزاحم يقال رجل آسى وامرأة آسية من الأسى وهو الحزن قال بعض الكبار الحزن حلية الادباء ومن لم يذق طعام الحزن لم يذق لذة العبادة على انواعها او من الاسو وهو المداواة والآسى بالمد الطبيب ويقال هذا حث للمؤمنين على الصبر فى الشدة حتى لا يكونوا فى الصبر عند الشدة اضعف من امرأة فرعون التى صبرت على اذى فرعون كما سيجئ { اذ قالت } ظرف للمثل المحذوف اى ضرب الله مثلا للمؤمنين حالها اذ قالت { رب } اى بروره كار من { ابن لى } على ايدى الملائكة او بيدقدرتك فانه روى ان الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غيرواسطة وغرس شجرة طوبى بيدة { عندك بيتا فى الجنة } اى قريبا من رحمتك على ان الظرف حال من ضمير المتكلم لان الله منزه عن الحلول فى مكان او ابن لى فى اعلى درجات المقربين فيكون عند ظرفا للفعل وفى الجنة صفة لبيتا وفى عين المعانى عندك اى من عندك بلا استحقاق منى بل كرامة منك روى انها لما قالت ذلك رفعت الحجب حتى رأت بيتها فى الجنة من درة بيضاء وانتزع روحها سئل بعض الظرفاء اين فى القرءآن مثل قولهم الجار قبل الدار قال قوله ابن لى عندك بيتا فى الجنة فعندك هو المجاورة وبيتا فى الجنة هو الدار { ونجنى من فرعون } الجاهل { وعمله } الباطل اى من نفسه الخبيثة وسوء جوارها ومن عمله السيئ الذى هو كفره ومعاصيه { ونجنى من القوم الظالمين } اى من القبط التابعين له فى الظلم روى انه لما غلب موسى عليه السلام السحرة آمنت امرأة فرعون وقيل هى عمة موسى آمنت به فلما تبين لفرعون اسلامها طلب منها أن ترجع عن ايمانها فأبد فأوتد يديها ورجليها بأربعة اوتاد يعنى اوراجها ميخ كرد وربطها وألقاها فى الشمس حق تعالى ملائكة را بفرمودتا كردوى در آمده ببالها خود اورا سايه كردند. وأراها الله بيتها فى الجنة ونسيت ما هى فيه من العذاب فضحكت فعند ذلك قالوا هى مجنونة تضحك وهى فى العذاب وفى هذا بيان انها لم تمل الى معصية مع انها كانت معذبه فلتكن صوالح النساء هكذا وقال الضحاك امر بأن يلقى عليها حجر رخى وهى فى الاوتاد فقالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة فما وصل الحجر اليها حتى رفع روحها الى الجنة فالقى الحجر عليها بعد خروج فلم تجد ألما وقيل اشتاقت الى الجنة وملت من صحبة فرعون فسألت ذلك.
ودر اكثر تفاسير هست كه حق سبحانه ويرا بآسمان ابرد بجسدوى وحالا دربهشت است. كما قال الحسن البصرى قدس سره رفعت الى الجنة فهى فيها تأكل وتشرب وتنعم قال فى الكشاف وفيه دليل على ان الاستعاذة بالله والالتجاء اليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الانبياء والمرسلين وفى المثنوى
تا فرود آيد بلايى دافعى جون نباشد از تشرع شافعى جز خضوع وبندكى واضطرار اندرين حضرت ندارد اعتبار
فقدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال ابن الفارض قد سره
ويحسن اظهار التجلد للعدوى ويقبح غير العجز عند الاحبة
التحريم 66:12
{ ومريم ابنة عمران } عطف على امرأة فرعون وجمع فى التمثيل بين التى لها زوج والتى لا زوج لها تسلية للارامل وتطيبا لانفسهن وسميت مريم فى القرءآن باسمها فى سبعة مواضع ولم يسم غيرها من النساء لانها اقامت نفسها فى الطاعة كالرجل الكامل ومريم بمعنى العابدة وقد سمى الله ايضا زيدا فى القرءآن كما سبق فى سورة الاحزاب والمعنى وضرب الله مثلا للذين آمنوا حال مريم ابنة عمران والدة عيسى عليها السلام وما اوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين مع كون قومها كفارا { التى احصنت فرجها } الاحصان العفاف يعنى باز ابستادن اززشتى كما فى تاج المصادر والفرج ما بين الرجلين وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح فيه والمعنى حفظت فر جها عن مساس الرجال مطلقا حراما وحلالا على آكدالحفظ وبالفارسية آن زباكه نكاه داشت دامن خود را از حرام. وفاحشه كما فى تفسير الكاشفى قال بعضهم صانته عن الفجور كما صان الله آسية عن مباشرة فرعون لانه كان عنينا وهو من لا يقدر على الجماع لمرض او كبر سن او يصل الى الثيب دون البكر فالتعبير عن آسية بالثيب كما مر فى ثيبات لكونها فى سورة الثيب من حيث ان لها بعلا وقال السهيلى رحمة الله احصان الفرج معناه طهارة الثوب يريد فرج القميص اى لم يعلق بثوبها ريبة أى انها طاهرة الاثواب فكنى باحصان فرج القميص عن طهارة الثوب من الريبة وفروج القميص اربعة الكمان والاعلى والاسفل فلا يذهبن وهمك الى غير هذا لان القرءآن انزه معنى واوجز لفظا وألطف اشارة واحسن عبارة من أن يريد ما ذهب اليه وهم الجاهل انتهى قال فى الكشاف ومن بدع التفاسير ان الفرج هو جيب الدرع ومعنى احصنته منعته { فنفخنا فيه } الفاء للسببية والنفخ نفخ الريح فى الشئ اى فنفخنا بسبب ذلك فى فرجها على أن يكون المراد بالفرج هنا الجيب كما قال الكاشفى بس درد ميديم در كريبان جامه او وكذا السجاوندى فى عين المعانى اى فيما انفرج من جيبها وكذا ابو القاسم فى الاسئلة لم يقل فيها لان المراد بالكناية جيب درعها وهو الى التذكير اقرب فيكون قوله فيه من باب الاستخدام لان الظاهر ان المراد بلفظ الفرج العضو وأريد بضميره معنى آخر للفرج منه قوله تعالى
ومالها من فروج
وكذا يكون اسناد النفخ فى الضمير مجازيا اى نفخ جبريل بأمرنا وهو انما نفخ فى جيب درعها { من روحنا } اى من روح خلقناه بلا توسط اصل واضاف الروح الى ذاته تعالى تفخيما لها ولعيسى كقوله
وطهر بيتى
وفى سورة الانبياء
فنفخنا فيها
اى فى مريم اى احيينا عيسى فى جوفها من الروح الذى هو من امرنا وقال بعضهم احيينا فى فرجها واوجدنا فى بطنها ولدا من الروح الذى هو بامرنا وحده بلا سببية اصل وتوسل نسل على العادة العامة او من جهة روحنا جبريل لانه نفخ من جيب درعها فوصل النفخ الى جوفها او ففعلنا النفخ فيه وقرئ فيها على وفاق ما فى سورة الانبياء اى فى مريم والمآل واحد انتهى. يقول الفقير يلوح لى ههنا سر خفى وهو ان النفخ وان كان فى الجيب الا ان عيسى لما كان متولد من الماءين الماء المتحقق وهو ماء مريم والماء المتوهم وهو ما حصل بالنفخ كان النفخ فى الجيب بمنزلة صب الماء فى الفرج فالروح المنفوخ فى الجيب كالماء المصبوب فى الفرج والماء المصبوب وان لم يكن الروح عينه الا انه فى حكم الروح لانه يخلق منه الروح ولذا قال تعالى { فنفخنا فيه } اى فى الفرج سوآء قالت انه فرج القميص او العضو فاعرف ولا يقبله الا الالباء الروحانيون { وصدقت } معطوف على احصنت { بكلمات ربها } اى بالصحف المنزلة على الانبياء عليهم السلام وفى كشف الاسرار يعنى الشرآئع التى شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة ويقال صدقت بالبشارات التى بشر بها جبريل { وكتبه } اى بجميع كتبة المنزلة الشاملة للصحف وغيرها من الكتب الالهية متقدمة او متأخرة { وكانت من القانتين } اى من عداد المواظبين على الطاعة فمن للتبعيض وفى عين المعانى من المطيعين المعتكفين فى المسجد الاقصى والتذكير لتغليب المذكر فان مريم جعلت داخلة فى ذلك اللفظ مع المذكرين والاشعار بأن طاعتها لم تقتصر عن طاعات الرجال حتى عدت من جملتهم او كانت من القانتين اى من نسلهم لانها من اعقاب هرون اخى موسى عليه السلام فمن لابتدآء الغاية وعن النبى عليه السلام
" كمل الرجال كثير ولم تكمل من النساء الا اربع آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "
كان العرب لا يؤثرون على الثريد شيأ حتى سموه بحبوحة الجنة وذلك لان الثريد مع اللحم جامع بين المغدآء واللذة وسهولة التناول وقلة المؤونة فى المضع فضرب به مثلا يؤذن بأنها اعطيت مع الحسن الخلق حلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورصانة العقل والتحبب الى البعل فهى تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والاصغاء اليها وحسبك انها عقلت من النبى عليه السلام ما لم يعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال وقد قال عليه السلام فى حقها
" خذوا ثلثى دينكم من عائشة "
ولذا قال فى الأمالى
وللصديقة الرجحان فاعلم على الزهرآء فى بعض الخصال
لكن الكمال المطلق انما هو لفاطمة الزهرآء رضى الله عنها كما دل عليه الحديث المذكور وايضا دل تشبيه عائشة بالثريد على تشبيه غيرها من المذكورات باللحم وهو سيد الادام.
يقول الفقير رأيت فى بعض الليالى المنورة كأن النبى عليه السلام يقول لى عائشة ست النساء اللاتى اجتمعن ومعناه على ما الهمت وقتئذأن عائشة رضى الله عنها هى السادسة من النساء الست اللاتى اجتمعن فى نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الست من التسع متساوية فى الفضيله ومنها عائشة لكن اشتهرت عائشة بالفضل ونودى عليها بذلك وخفيت احوال الباقيات من الست لحكمة خفية الهية ولذا لم يعين لى رسول الله عليه السلام من بقيت من الست ودل الحديث على كثرة كمال الرجال وقلة كمال النساء فيما بعض عصر النبى عليه السلام وان كانت القرون متفاوتة والاعصار متباينة ولذا قال الحافظ
نشاناهل خدا عاشقيست باخد دآر كه در مشايخ شهر اين نشان نمى بينم
توقال المولى الجامى
اسرار عاشقانرا بايد زبان ديكر درداكه نيست بيدا درشهر همزبانى
والله الهادى. تمت سورة التحريم فى اوائل شهر الله رجب من الشهور المنتظمة فى سلك شهور سنة ست عشرة ومائة وألف
الملك 67:1
{ تبارك الذى بيده الملك } البركة النماء والزيادة حسبة او عقلية ونسبتها الى الله تعالى باعتبار تعاليه عما سواه فى ذاته وصفاته وافعاله يعنى ان البركة تتضمن معنى الزيادة وهى تقتضى التعالى عن الغير كما قال ليس كمثله شئ اى فى ذاته لوجوب وجوده وفى صفاته وافعاله لكماله فيهما واما قوله تخلقوا باخلاق الله فباعتبار اللوازم وبقدر الاستعداد لا باعتبار الحقيقة والكنه فان الاتصاف بها بهذا الاعتبار مخصوص بالله تعالى فأين احياء عيسى عليه السلام الاموات من احياء الله تعالى فانه من الله بدعائه فالمعجزة استجابة مثل هذا الدعاء ومظهريته له بقدر استعداده وبهذا التقرير ظهر معنى قول بعض المفسرين تزايد فى ذاته فان التزايد فى ذاته لا يكون الا باعتبار تعاليه بوجوده الواجب وتنزهه عن الفناء والتغير والاستقلال وصيغة تبارك بالدلالة على غاية الكمال وانبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها فى حق غيره سبحانه ولا استعمال غيرها من الصيغ مثل يتبارك فى حقه تبارك وتعالى واسنادها الى الموصول للاستشهاد بما فى حيز الصلة على تحقق مضمونها والموصولات معارف ولا شك ان المؤمنين يعرفونه بكون الملك بيده واما غيرهم فهم فى حكم العارفين لان الأدلة القطعية لما دلت على ذلك كان فى قوة المعلوم عند العاقل واليد مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل لما ان اثرها يظهر فى الاكثر من اليد يقال فلان بيده الامر والنهى والحل والعقد أى له القدرة الغالبة والتصرف العام والحكم النافذ قال الحكيم السنائى يد اوقدر تست ووجه بقاش
آمدن حكمش ونزول عطاش اصبعينش نفاذ حكم قدر قد مينش جلال وقهر وخطر
وفى عين المعانى اليد صلة والقدرة والمذهب انها صفة له تعالى بلا تأويل ولا تكييف والملك بمعنى التصرف والسلطنة واللام للاستغراق ولذا قال فى كشف الاسرار ملك هجده خزار عالم بدست اوست. والمعنى تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذى بقبصة قدرته التصرف الكلى فى كل الامور لا بقبضة غيره فيأمر وينهى ويعطى ويمنع ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفقر ويغنى ويمرض ويشفى ويقرب ويبعد ويعمر ويحرب ويفرق ويصل ويكشف ويحجب الى غير ذلك من شؤون العظمة وآثار القدرة الالهية والسلطنة الازلية والابدية وقال بعضهم البركة كثرة الخير ودوامه فنسبتها الى الله تعالى باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من فنون الخيرات اى تكاثر خير الذى بيده الملك وتزايد نعمه واحسانه كما قال تعالى
وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها
قال الراغب البركة ثبوت الخير الالهى فى الشئ والمبارك ما فيه ذلك الخير ولما كان الخير الالهى يصد ر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة والى هذه الزيادة أشير بما روى
" لا ينقص مال من صدقة "
وقوله
تبارك الذى جعل فى السماء بروجا
تنبيه على ما يفيضه علينا من نعمه بوساطة هذه البروج والنيرات المذكورة وكل موضع ذكر فيه لفظة تبارك فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك وفى الكواشى معنى تبارك تعالى عن صفات المحدثين وجميع المستعمل من ب ر ك وبعكسه يشتمل على معنى اى ثبت الثبوت الخير فى خزآئن الذى وقال سهل قدس سره تعالى من تعظم عن الاشباه والاولاد والاضداد واتذاد بيده الملك يقلبه بحوله وقوته يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وقيل يريد به النبوة يعز بها من اتبع ويذل بها من خالف وقال جعفر قدس سره هو المبارك على من انقطع اليه او كان له اى فانه وارث النبىعليه السلام وخليفة وقد قيل فى حقه وبارك عليه وقال القاشانى قدس سيره الملك عالم الاجسام كما ان الملكوت عالم النفوس ولذلك وصف ذاته باعتبار تصريفه فى عالم الملك بحسب مشيئته بالتبارك الذى هو غاية العظمة ونهاية الا زدياد فى العلو والبركة وباعتبار تسخير عالم الملكوت بمقتضى ارادته بالتسبيح الذى هو التنزيه كقوله
فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ
كلا بما يناسب لان العظمة والازدياد والبركة تناسب الاجسام والتنزه يناسب المجردات عن المادة وفى الآية اشارة الى ان الملك اذا كان بيده فهو المالك وغيره المملوك فلا بد للمملوك من خدمة المالك
خدمت اوكن مكروشاهان تراخدمت كنند جاكرا وباش تاسلطان ترا كردد غلام
وفى الحديث القدسى يا دنيا اخدمى من خدمنى قال فى كشف الاسرار ملك انسانيث جداست وملك دلها جدا وملك جانها جدا زير انسانيت ملك در دنيا راند انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ودل ملك در آخرت راند يحبهم ويحبونه وجان ملك درعالم حقيقت راند وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة آن عزيز راه كويد فردا كه علم كبرياى او بقيامت برايدكه لمن الملك اليوم من ازكوشه دل خويش بدستورى اودرى بر كشايم ودردى ازدردهاى او بيرون دهم تاكرد قيامت برآيد وكويم لمن الملك اكر معترضى براه آيد كويم اوكه جون ما ضعفا ومساكين دارد ميكويد لمن الملك ما جون او ملك جبارى داريم جرانكوييم لمن الملك اكر اوراجون ما بندكانست مارا جون او خمدا ونداست. ومن هذا البيان يعرف سر قول عين العارفين ابى يزيد البسطامى قدس سره الهى ملكى اعظم من ملكك اى فان ملك العبد القديم وملك الرب هو الحادث فاعرف جدا فان هذا المقام من مزالق الاقدام { وهو } تعالى وحده { على كل شئ } من الاشياء وعلى كل مقدور من الانعام والانتقال وغيرهما { قدير } مبالغ فى القدرة عليه ومنتهى الى اقصاها يتصرف فيها حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة والجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضمونها مفيدة لجريان احكام ملكه تعالى فى جلائل الامور ودقائقها قال بعضهم وهو على كل شئ قدير اى ما يمكن أن تتعلق به المشيئة من المعدومات الممكنة لان الموجود الواجب لا يحتاج فى وجوده الى شئ ويمتنع زواله ازلا وابدا والموجود الممكن لا يراد وجوده اذ هو تحصيل الحاصل والمعدوم الممتنع لا يمكن وجوده فلا تتعلق به المشيئة فتعلق القدرة بالمعدوم بالايجاد وبالموجود بالابقاء والتحويل من حال الى حال قال القاشانى وهو القادر على كل ما عدم من الممكنات يوجده على ما يشاء فان قرينة القدرة تخص الشئ بالممكن اذ تعلل القدرة به فيقال انه مقدور لانه ممكن وفى التأويلات النجمية تعالى وتعاظم فى ذاته وصفاته واسمائه وافعاله الذى بيده المطلقة الملأى السحاء سلطنة الوجود المطلق الفائض على الوجودات المقيدة وهو أى هويته المطلقة ظاهرة فى كل شئ قادرة على كل شئ.
الملك 67:2
{ الذى خلق الموت والحياة } شروع فى تحصل بعض احكام الملك وآثار القدرة والموصول بدل من الموصول الاول فلا وقف على القدير والموت عند اهل السنة صفة وجودية مضادة للحياة كالحرارة والبرودة والحياة صفة وجودية زآئدة على نفس لذات مغايرة للعلم والقدرة مصححة لاتصاف الذات بهما وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما من ان الموت والحياة جسمان وان الله خلق الموت على صورة كبش املح لا يمر بشئ ولا يجد رائحته شئ الا مات وخلق الحياة على صورة فرس انثى بلقاء وهى التى كان جبريل والانبياء عليهم السلام يركبونها خطوتها مد البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشئ ولا يجد رائحتها شئ الا حى وهى التى اخذ السامرى من اثرها قبضة فألقاها على العجل فحيى فكلام وارد على سبيل التمثيل والتصوير والا فهما فى التحقيق من قبيل الصفات لا من قبيل الاعيان هكذا قالوا وجوابه ان كون الموت والحياة صفتين وجوديتين لا ينافى أن يكون لهما صورة محسوسة كالاعيان فانهما من مخلوقات عالم الملكوت ولكل منهما صورة مثالية فى ذلك العالم بها يرى ويشاهد يشاهده من غيب عن عالم الملك وينسلخ عن البدن يؤيده قوله عليه السلام
" يذبح الموت بين الجنة والنار على صورة كبش "
ولا شك ان الذبح انما يتعلق بالاعيان وايضا ان عالم الآخرة عالم الصفة يعنى ان كل صفة باطنة فى الدنيا تتصور بصورة ظاهرة فى العقبى حسنة او قبيحة فلا شئ من المعانى الا وهو مجسم مصور فقول ابن عباس رضى الله عنه محمول على هذا نعم ان قولهم ان الحياة فرس انثى يخالف قولهم ان البراق حقيقة ثالثة لا ذكر ولانثى وقال بعضهم الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها يعنى ان الموت والحياة من باب العدم والملكة فان الحياة هى الاحساس والحركة الارادية والاضطرارية كالتنفس والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له كما قال صاحب الكشاف الحياة ما يصح بوجوده الاحساس والموت عدم ذلك ومعنى خلق الموت والحياة ايجاد ذلك المصحح واعدامه انتهى. اى ايجاد اثر الموت بقطع ضوء الروح عن ظاهر الحى وباطنه مع كونه فى غاية الاقتدار على الحركة والتقلب وبجعله جمادا كان لم تكن به حركة اصلا وكذا ايجاد اثر الحياة بنفخ الروح واضاءة ظاهر البدن وباطنه به ويجعله قادرا على التقلب بنفسه بالارادة وعدم تلك الملكلة ليس عدما محضا بل فيه شائبة الوجود والا لم يعتبر فيه المحل القابل للامر الوجودى فلذلك صح تعلق الخلق بالموت كتعلقه بالحياة وبهذا التقرير اندفع ما اعترضوا به من ان العدم حال لا يكون مخلوقا لان المخلوق حادث وعد الحوادث ازلى ولو كان مخلوقا لزم وجود ا لحوادث ازلا وهو باطل وقال بعضهم معنى خلق الموت على تقدير أن يكون الموت عبارة عن عدم الحياة قدره فان الخلق يجيئ بمعنى التقدير كما فى قوله تعالى
فتبارك الله احسن الخالقين
ولا يبعد أن يقال ان تعلق الخلق بالموت بمعنى الايجاد انما هو بتبعية تعلقه بالحياة بذلك المعنى وقدم على الحياة لان الموت فى عالم الملك ذاتى والحياة عرضية يعنى ان الموت اسبق لان الاشياء كانت مواتا ثم عرضت لها الحياة كالنطفة على ما دل عليه قوله تعالى
وكنتم امواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون
ولانه ادعى الى احساس العمل واقرب الى قهر النفوس فمن جعله نصب عينيه افلح وفى الحديث
" لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت "
وفى الارشاد الأقرب ان المراد به الموت الطارئ وبالحياة ما قبله وما بعده لظهور مداريتهما كما ينطق به ما بعد الآية ليبلوكم الخ فان استدعاء ملاحظتها لاحسان العمل مما لا ريب فيه مع ان نفس العمل لا يتحقق بدون الحياة الدنيوية انتهى. وظاهره يخالف قوله تعالى
ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا
فان المراد بهذه الحياة هى الحياة الدنيوية بقرينة النشور والقرءآن يفسر بعضه بعضا ثم ان الالف واللام فى الموت والحياة عوض عن المضاف اليه اى موتكم وحياتكم ايها المكلفون لان خلق موت غير المكلفين وحياتهم لابتلاء المكلفين لا معنى له قال بعض العارفين الموت والحياة عرضان والاعراض والجواهر مخلوقة له تعالى وأصل الحياة حياة تجليه واصل الموت موت استتاره وهما يتعاقبان فى الدنيا فاذا ارتفعت الحجب يرتفع الموت عنهم بأنهم يشاهدون عيانا بلا استتار ابدا لا يجرى عليهم طوارق الحجاب بعد ذلك قال الله تعالى بل احياء عند ربهم خلق الموت والحياة يميت قوما بالمجاهدات ويحيى قوما بالمشاهدات يميت قوما بنعت الفناء فى ظهور سطوات القدم ويحيى قوما بنعت البقاء فى ظهور انوار البقاء لولا التجلى والاستتار لم يظهر شوق المشتاقين وتفاوت درجات الشوق ولا يتبين وله العاشقين وتفاوت درجاتهم فى العشق وقال سهل قدس سره الموت فى الدنيا بالمعصية والحياة فى الآخرة بالطاعة فى الدنيا وقال الجنيد قدس سره حياة الاجسام مخلوقة وهى التى قال الله تعالى خلق الموت والحياة وحياة الله دآئمة لا انقطاع لها اوصلها الى اوليائه فى قديم الدهر الذى ليس له ابتدآء فكانوا فى علمه احياء قبل ايجاده لهم ثم اظهرهم فأعارهم الحياة المخلوقة التى احيى بها الخلق وأماتهم فى سره فكانوا فى سره بعد الوفاة كما كانوا ثم اورد عليهم حياة الأبد فكانوا احياء أبدا وقال الواسطى قدس سره من احياه الله عند ذكره فى ازله لا يموت ابدا ومن أماته فى ذلك لا يحيى ابدا وكم حى غافل عن حياته وميت غافل عن مماته { ليبولكم ايكم أحسن عملا } اللام متعلقة بخلق وظاهرها يدل على ان افعال الله معللة بمصالح العباد وانه تعالى يفعل الفعل لغرض كما ذهب اليه المعتزلة وعند اهل السنة ليس هى على ظاهرها بل معناها ان الله تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من يراعى المصالح لم يفعله الا لتلك المصلحة والغرض فمثل هذه اللام لام العلة عقلا ولام الحكمة والمصلحة شرعا وايكم مبتدأ واحسن خبره وعملا تمييزا والجملة الاسمية سادة مسد المفعول الثانى لفعل البلوى عدى اليه بلا واسطة لتضمنه معنى العلم باعتبار عاقبته والا فهو لا يتعدى بلا واسطة الا الى مفعول واحد فليس هو من قبيل التعليق المشهور الذى يقتضى عدم ايراد المفعول اصلا وقد ذكر المفعول الاول هنا وهو كم مع اختصاصه بافعال القلوب ولا من التضمين المصطلح بل مستعار لمعنى العلم البلوى الاختبار وليس هنا على حقيقته لانه انما يتصور ممن يخفى عليه عواقب الامور فالابتلاء من الله أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه فى الغيب والمعنى ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملا فيجازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت طبقات علومكم واعمالكم فان العلم غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه السلام بقوله ايكم أحسن عقلا واورع من محارم الله واسرع فى طاعة الله يعنى ربما أتم عقلا عند الله فهما لمراده فان لكل من القلب والقالب عملا خاصا به فكما ان الاول أشرف من الثانى كذلك الحال فى عمله كيف لا وعمله معرفة الله الواجبة على العباد اول كل شئ وانما طريقها النظر والتفكر فى بدآئع صنع الله والتدبر فى آياته المنصوبة فى الانفس والآفاق كما قال عليه السلام
" لاتفضلونى على يونس بن متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل اهل الارض "
قالوا وانما كان ذلك التفكر فى امر الله الذى هو عمل القلب ضرورة ان احدا لا يقدر على أن يعمل بجوارحه كل يوم مثل عمل اهل الارض كذا فى الارشاد. يقول الفقير لعل حال يونس عليه السلام اشارة الى انه عمل قالبى مفضل على عمل اهل الارض فى زمانه بخواص قلبية فان اعمال المقربين واحد منها مقابل بمائة ألف بل بغير حساب باعتبار التفاوت فى الاحسان والشهود والخلوص ولذا قال تعالى احسن فانه بعبارته اشارة الى احوال المقربين وباشارته الى احوال غيرهم من الابرار والكفار والمنافقين وذلك ان نية الانسان لا تخلو اما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيئ نية وعملا وهو حال الكفار واما أن يكون متعلقها فى لسانه هو الآخرة وفى جنانه هو الدنيا فهو أسوأنية وعملا وهو حال المنافقين واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا وهو حال الابرار واما أن يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو وجه الله تعالى فهو احسن نية وعملا وهو حال المقربين ولما كان المقصود الاعظم هو تحصيل هذا الاحسن صرح بذكره دون ذكر الحسن فانه مفهوم بطريق الاشارة وكذا غيره ولقد أصاب من قال فى تفسير الآية بابيازمايد شمارا يعنى باشما معامله آزمايند كان كند تاظاهر شودكه دردار تكليف كدام ازشما نيكو ترند ازجهت عمل يعنى اخلاص كدام بيشترست.
وكذا من قال أحسن الاعمال ما كان اخلص بأن يكون لوجه الله خالصا وأصوب بأن يكون موافقا للسنة اى واردا على النهج الذى ورد عن الشارع فالعمل اذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ولذا قال عليه السلام للاعرابى
" قم صل فانك لم تصل "
وكذا اذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ايضا ولذا جعل الله اعمال اهل الرياء والنفاق هباء منثورا وقول من قال من العارفين حسن العمل نسيان العمل ورؤية الفضل هو من مراتب الاخلاص فان الاخلاص سر عظيم من اسرار الله تعالى لا يناله الا الخواص وفى الاشارد ايثار صيغة التفضيل مع ان الابتلاء شامل لهم باعتبار اعمالهم المنقسمة الى الحسن والقبيح ايضا لا الى الحسن والاحسن فقط للايذان بان المراد بالذات والمقصد الاصلى من الابتلاء هو ظهور كمال احسان المحسنين مع تحقق اصل الايمان والطاعة فى الباقين ايضا لكمال تعاضد الموجبات له واما الاعراض عن ذلك فلكونه بمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن الانتظام فى سلك الغاية للافعال الالهية وانما هو عمل يصدر عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب انتهى. ثم ان المراد ايكم عمله احسن من عمل غيره ولا معنى لقول السجاوندى فى عين المعانى استفهام بمعنى الهمزة ولذا لم يعمل فيه الفعل تقديره ءأنتم احسن عملا ام غيركم انتهى فانه يشعر بأن يكون التفاوت بالنسبة الى الانسان وغيره كالملائكة ومؤمنى الجن مثلا وليس بمراد وعبارة القرءآن فى اسناد الحسن الى الانسان تدل على ان من كان عمله احسن كان هو أحسن ولو أنه ابشع الناس منظرا ومن كان عمله اسوأ كان بخلاف ذلك
رءارلست بايدند بالاى راست كه كافرهم ازروى صورت جوماست
ولم يقل اكثر عملا لانه لا عبرة بالكثرة مع القبح قالوا والحسن انما يدرك بالشرع فما حسنه الشرع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح وقال بعضهم ليبلوكم ايكم احسن اخذا من حايته لموته واحسن اهبة فى دنياه لآخرته قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما
" خذ من صحتك لسقمك ومن شبابك لهرمك ومن فراغك لشغلك ومن حياتك لموتك فانك لا تدرى ما اسمك غدا "
وسئل عليه السلام اى المؤمنين اكيس قال
" اكثرهم للموت ذكرا احسنهم له استعدادا "
فالاستعداد للموت وللآخرة بكثرة الاعمال المقارنة للاخلاص سوآء كانت صلاة او صوما او زكاة او حجا او نحوها وان كان لبعض الاعمال تفاوت بالنسبة الى البعض الآخر كالصلاة فانها معراج الشهود وفيها كسر النفس واتعاب البدن ولذا كان السلف الصالح يكثرون منها حتى ان منهم من يصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة ونحوها وكالصوم وتقليل الطعام فانه سبب لورود الحكمة الالهية الى القلب ولذا كان بعض السلف يواصلون فمنهم من يطوى ثلاثة ايام ومنهم من يطوى فوق ذلك الى سبعة الى ثلاثين الى اربعين فمن طوى اربعين يوما انفتح له باب الحكمة العظمى مع ان فى الصوم تهذيب الاخلاق ايضا فان اكثر المفاسد يجيئ من قبل الاكل والشرب فيا أيها المؤمنون سابقوا وسارعوا فالنفس مطية والدنيا مضمار والسابقون السابقون اولئك المقربون وقد قال عليه السلام
" قد سبق المفردون "
والتفريد هو تقطيع الموحد عن الانفس والآفاق وشهود الحق فى عالم الاطلاق فلا بد من السير والسلوك ثم الطيران فى هوآء الوحدة والهوية الذاتية فان به يحصل الانفصال عن منازل الاكوان السفلية الحادثة ويتحقق العروج الى عالم الوجوب والقدم نسأل الله من فضله أن يرينا وجهه الكريم انه هو البر الرحيم { وهو } اى والحال انه وحده { العزيز } الذى لا يفوته من اساء العمل { الغفور } لمن شاء منهم بالتوبة وكذا بالفضل قال بعضهم لما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه اذا علم بمخالفته قال مرغبا للمسيئ فى التوبة حتى لا يقول مثلى لا يصلح للخدمة لما لى من القاطعة واين التراب ورب الارباب الغفور الذى يستر ذنوب المسئ ويتلقى من اقبل اليه احسن تلق كما قال فى الحديث القدسى
" ومن اتانى يمشى اتيته هرولة ".
الملك 67:3
{ الذى خلق سبع سموات } ابدعها من غير مثال سبق { طباقا } صفة لسبع سموات وقولهم الصفة فى الاعداد تكون للمضاف اليه كما فى قوله
سبع بقرات سمان
لا يطرد ويجوز جعله حالا لان سبع سموات معرفة لشمولها الكل وهو مصدر بمعنى الفاعل يقال طابقه مطابقة وطباق الشئ مثل كتاب مطابقة بكسر الباء وطابقت بين الشيئين اذا جعلتهما على حذو واحد وألزقتهما والباب يدل على وضع شئ مبسوط على مثله حتى يغطيه والمعنى مطابقة بعضها فوق بعض وسماء فوق سماء غلظ كل سماء خمسمائة عام وكذا جوها بلا علاقة ولا عماد ولا مماسة فالسماء الدنيا موج مكفوف اى ممنوع من السيلان والثانية من درة بيضاء والثالثة من حديد والرابعة من نحاس او صفر والخامسة من فضة والسادسة من ذهب والسابعة من ياقوتة حمرآء وبين السابعة وما فوقها من الكرسى والعرش بحار من نور قال القاشانى نهاية كمال عالم الملك فى خلق السموات ان لا يرى احكم خلقا واحسن نظاما وطباقا منها قال الجمهور ان الارض مستدير كالكرة وان السماء الدنيا محيطة بها من كل جانب احاطة البيضة بالمح فالصفرة بمنزلة الارض وبياضها بمنزلة الماء وجلدها بمنزلة السماء غير أن خلقها ليس فيه استطاله كاستطالة البيضة بل هى مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة الخرط حتى قال مهندسوهم لو حفر فى الوهم وجه الارض لادى الى الوجه الآخر ولو ثقب مثلا بارض الاندلس لنفذ الثقب بارض الصين وان السماء الثانية محيطة بالدنيا وهكذا الى أن يكون العرش محيط بالكل والكرسى الذى هو اقربها اليه بالنسبة اليه كحلقة ملقاة فى فلاة فما ظنك بما تحته وكل سماء فى التى فوقها بهذه النسبة { ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت } استئناف والخطاب للرسول او لكل احد ممن يصلح للخطاب ووضع خلق الرحمن موضع الضمر اذا المقام مقام أن يقال فى خلقه وفى السموات على أن يكون بمعنى المخلوق والاضافة بمعنى اللام للاشعار بأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمه وتفضلا ومن لتأكيد النفى والمعنى ما ترى فيه شيئا من اختلاف واضطراب فى الخلقة وعدم تناسب بل هو مستو مستقيم قال القاشانى سلب التفاوت عنها بساطتها واستدارتها ومطابقة بعضها بعضا وحسن انتظامها وتناسبها وهو من الفوت فان كلا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما فى الآخر فلا يناسبه ولا يلائمه قال الراغب التفاوت الاختلاف فى الاوصاف كأنه يفوت وصف احدهما الآخر او وصف كل واحد منهما الآخر وجعل بعض العلماء خلق الرحمن عاما فسئل بأن المخلوقات بأسرها على غاية التفاوت لان الليل غير النهار الى غير ذلك من الاضداد ثم أجاب بأن ليس فيها تناقص او زيادة غير محتاج اليها او نقصان محتاج اليه بل الكل مستقيمة مستوية دالة على ان خالقها عالم انتهى وفى الآية اشارة الى شمول رحمته الواسعة كل شئ كما قال يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لان الموجودات كلها علوية كانت او سفلية نورانية كانت او ظلمانية روحانية كانت او جسمانية خلقت من نور الرحمن ورحمته من غير تفاوت فى الخلقة واصل الرزق
اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغماجه دشمن جه دوست
الملك 67:4
{ فارجع البصر } اى رده الى رؤية السماء حتى يتضح ذلك بالمعاينة ولا يبقى عندك شبهة ما ورجع يجيئ لازما ومتعديا يقال رجع بنفسه رجوعا وهو العود الى ما منه البدء مكانا كان او فعلا او قولا بذاته كان رجوعه او بجزء من اجزآئه او بفعل من افعاله ورجعه غيره رجعا اى رده واعاده { هل ترى } فيها { من فطور } جمع فطر كما فى القاموس وهو الشق كما قال فى تاج المصادر الفطر آفريدون وابتدا كردن وشاكفتن. يقال فطره فانفطر اى شقه فانشق والمعنى من شقوق وصدوع لامتناع خرقها والتئامها قاله القاشانى ولو كان لها فروج لفاتت المنافع التى رتبت لها النجوم المفرقة فى طبقاتها او بعضها او كمالها كما فى المناسبات فاذا لم ير فى السماء فطور وهى مخلوقة فالخالق اشد امتناعا من خواص الجسمانيات { ثم ارجع البصر كرتين } اى رجعتين اخريين وأعد النظر مرة بعد مرة فى طلب الخلل والعيب. يعنى اكرتيك نكريستن معلوم نكردد تكراركن نكريستن را. والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما فى لبيك وسعديك يريد اجابات كثيرة واعانات وفيرة بعضها فى اثر بعض وذلك لان الكلال الآتى لا يقع بالمرتين اى رجعة بعد رجعة وان كثرت قال الحسن رحمه الله لو كررته مرة بعد مرة الى يوم القيامة لم تر فيه فطور وقال الواسطى رحمه الله كرتين اى قلبا وبصر الان الاول كان بالعين خاصة والحاصل ان تكرار النظر وتجوال الفكر مما يفيد تحقيق الحائق واذا كان ذلك النظر فيها عند طلب الخروق والشقوق لا يفيد الا الكلال والحرمان تحقق الامتناع وما اتعب من طلب وجود الممتنع { ينقلب } ينصرف ويرجع وبالفارسية باز كردد { اليك } بسوى تو { البصر } جشم تو { خاسئا } اى ذليلا بعيدا محروما من اصابة ما التمسه من العيب والخلل كأنه يطردعن ذلك طرد بالصغار والذلة فقوله ينقلب مجزوم على انه جواب الامر وخاسئا حال من البصر وهو مع انه اسم فاعل من خسأ بمعنى تباعد وهرب ففيه معنى الصغار والذلة فاذا قيل خسأ الكلب خسوء افمعناه تباعد من هو انه وخوفه كأنى زجر وطرد عن مكانه الاول بالصغار وخسأ يجيى متعديا ايضا يقال خسأت الكلف فخسأ اى باعدته وطردته وزجرته مستهينا به فانزجر وذلك اذا قيل له اخسأ قال الراغب ومنه خسأ البصر أى انقبض من مهانة وفى القاموس الخاسئ من الكلاب والخنازير المبعد لا يترك أن يدنو من الناس ولا يكون خاسئا فى الآية من المتعدى الا بأن يكون بمعنى المفعول اى مبعدا { وهو حسير } اى كليل وبالغ غاية الاعياء لطول المعاودة وكثرة المراجعة وهو فعيل بمعنى الفاعل من الحسور الذى هو الاعياء كما فى تاج المصادر الحسور رنجه شدن وكندشن جسم از مسافت دور.
وقال الراغب يقال للمعي حاسر ومحسور أما الحاسر فتصور انه قد حسر بنفسه قواه واما المحسور فتصور ان التعب قد حسره وقوله تعالى وهو حسير يصح أن يكون بمعنى حاسر وبمعنى محسور انتهى والجملة حال من البصر او من الضمير المستتر فى خاسئا فيكون من قبيل الاحوال المتداخلة قال بعضهم فاذا كان الحال هذا فى بعض المصنوع فكيف عند طلب العلم بالصانع فى كماله وجلاله وجماله فكيف بمن يتفوه بالحلول والاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد
سبحانه من تحير فى ذاته سواه فهم خرد بكنه كمالش نبرد راه عمرى خرد جو جشمه ها جشمها كشاد تابر كمال كنه اله افكند نكاه ليكن كشيد عاقبتش در دوديده ميل شكل الف كه حرف نخستست ازاله
وفى التأويلات النجمية فارجع بصرك الظاهر من ظواهر الاشياء الى بصرك الباطن ومن بصرك الباطن الى بواطن الاشياء يعنى انظر باتحاد بصرك وبصيرتك الى ظواهر الاشياء وبواطنها هل ترى من شقوق الخلاف بحسب استعداد كل واحد من الموجودات لاعطائه كل ذى حق حقه ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير مبعد عن رؤية الخلل ومطالعة الزلل كما قال الامام حجة الاسلام قدس سره فى بعض كلماته ليس فى الامكان ابدع من هذا الوجود لانه لو كان ولم يظهر لكان بخلا وهو جواد ولكان عجزا وهو قادر كما قال تعالى
الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى
وقال بعضهم انما لم يكن فى الامكان ابدع مما كان اى اظهر من هذا العالم لانه ماثم الارتبتان الحق فى المرتبة الاولى وهو القدم والعالم فى الثانية وهو الامكان والحدوث فلو خلق ما خلق الى مالا يتناهى فلا يزال فى المرتبة الثانية الامكانية.
الملك 67:5
{ ولقد زينا السماء الدنيا } بيان لكون خلق السموات فى غاية الحسن والبهاء اثر بيان خلوها عن شائبة القصور وتصدير الجملة بالقسم لابراز كمال الاعتناء بمضمونها اى وبالله لقد زينا اقرب السموات الى الارض والناس وجملناها فالزين والتزيين بالفارسية آراستن. وهو ضد الشين بالفارسية معيوب كردن. والدنيا تأنيث الأدنى بمعنى الاقرب وكون السماء اقرب من سائر السموات انما هو بالاضافة الى ما تحتها من الارض لا مطلقا لان الامر بالعكس بالاضافة الى ما فوقها من العرش { بمصابيح } بجراغها. جمع مصباح وهو السراج وتنكيره للتعظيم والمدح اى بكواكب مضيئة بالليل اضاءة السرج من السيارات والثوابت تترآءى كلها مركوزة فى السماء الدنيا مع ان بعضها فى سائر السماوات لان السموات اذا كانت شفافة وأجراما صافية فالكواكب سوآء كانت فى السماء الدنيا او فى سموات اخرى فهى لا بد وان تظهر فى السماء الدنيا وتلوح منها فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح ودخل فى المصابيح القمر لانه اعظم نير يضيئ بالليل واذا جعل الله الكواكب زينة السماء التى هى سقف الدنيا فليجعل العباد المصابيح والقناديل زينة سقوف المساجد والجوامع ولا سرف وفى الخير وذكر ان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان اذا جاء العشاء يوقد فيه بسعف النخل فلما قدم تميم الدارى رضى الله عنه المدينة صحب معه قناديل وحبالا وزيتا وعلق تلك القناديل بسوارى المسجد واوقدت فقال عليه السلام
" نورت مسجدنا نور الله عليك اما والله لو كان لى ابنة لانكحتكها "
وسماه سراجا وكان اسمه الاول فتحا ثم اكثرها عمر رضى الله عنه حين جمع الناس على أبى بن كعب رضى الله عنه فى صلاة التراويح فلما رآها على رضى الله عنه تزهر قال نورت مسجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب وعن بعضهم قال امرنى المأمون ان اكتب بالاستكثار من المصابيح فى المساجد فلم أدر ما اكتب لانه شئ لم اسبق اليه فرأيت فى المنام اكتب فان فيه انسا للمتهجدين ونفيا لبيوت الله عنه وحشة الظلم فانتبهت وكتبت بذلك وفيه اشارة الى سماء القلب لدنوه منك من سماء الروح وزينة انوار المعارف والعلوم الالهية والواردات الرحمانية { وجعلناها } اى المصابيح المعبر بها عن النجوم اى بعضها كما فى تفسير ابى الليث { رجوما } جمع رجم بالفتح وهو ما يرجم به ويرمى للطرد والزجر او جمع راجم كسجود جمع ساجد { للشياطين } هم كفار الجن يخرجون الناس من النور الى الظلمات وجمع الشياطين على صيغة التكثير لكثرتهم فى الواقع فالمعنى وجعلنا لها فائدة اخرى هى رجم اعدآئكم بانقضاض الشهب المقتبسة من الكواكب لا بالكواكب نفسها فانها قارة فى الفلك على حالها فمنهم من يقتله الشهاب ومنهم من يفسد عضو من اعضائه او عقله والشهاب شعلة ساطعة من نار وهو ههنا شعلة نار تنفصل من النجم فأطلق عليها النجم ولفظ المصباح ولفظ الكوكب ويكون معنى جعلناها رجوما جعلنا منها رجوما وهى تلك الشهب ومما يؤيد ان الشعلة منفصلة من النجوم ما جاء عن سلمان الفارسى رضى الله عنه ان النجوم كلها كالقناديل معلقة فى السماء الدنيا كتعليق القناديل فى المساجد مخلوقة من نور وقيل انها معلقة بأيدى الملائكة وينصر هذا القول قوله تعالى
اذا السماء انفطرت واذا الكواكب انتثرت
لان انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة وقيل ان هذه ثقب فى السماء وينصره قول بعض المكاشفين ان الكواكب ليست مركوزة فى هذا التعين وانما هى بانعكاس الانوار فى بعض عروقه اللطيفة والذى يرى كسقوط النجم فكدفع الشمس من موضع الى موضع وهذا لا يطلع عليه الحكماء وانما يعرفه اهل السلوك انتهى وقال الفلاسفة ان الشهب انما هى اجزآء نارية تحصل فى الجو عند ارتفاع الابخرة المتصاعدة واتصالها بالنار التى دون الفلك وقد سبق بيان هذا المقام مفصلا فى اوآئل الصافات والحجر فلا نعيده والذى يلوح ان مذهب الفلاسفة قريب فى هذه المادة من مذهب اهل الحقائق ومر بيان مذهبهم فى الصافات والله اعلم بالخفيات { واعتدنا لهم } اى هيئنا للشياطين فى الآخرة بعد الاحراق فى الدنيا بالشهب ومنه العتاد اى العدة والاهبة { عذاب السعير } اى عذاب جهنم الموقدة المشعلة فالسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار اذا اوقدتها ولذلك لم يؤت بالتاء فى آخره مع انه اسم للدركة الرابعة من دركات النار السبع وهى جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية ولكن كل من هذه الاسماء يطلق على الآخر فيعبر عن النار تارة بالسعير وتارة بجهنم واخرى بآخر. واعلم ان فى كل دركة منها فرقة من فرق العصاة كعصاة اهل التوحيد والنصارى واليهود والصابئة والمجوس والمشركين والمنافقين ولم يذكروا الشياطين فى واحدة من الدركات السبع ولعلهم يقسمون على مراتب اضلالهم فيدخل كل قسم منهم مع قسم تبعه فى اضلاله فكان سببا لدخوله فى دركة من الدركات الست التحتانية جزآء لضلاله واضلاله واذية لمن تبعه فيما دعا اليه بمصاحبته ومقارنته كما قال تعالى
وترى المجرمين يومئذ مقرنين
اى مع شياطينهم وفى الآية اشارة الى شياطين الخواطر النفسانية والهواجس الظلمانية وعذابها عذاب الرد والانقلاب بغلبة الخواطر الملكية والرحمانية.
الملك 67:6
{ وللذين كفروا بربهم } من الشياطين وغيرهم وكفرهم به اما بالتعطيل او بالامساك وقال سعدى المفتى الاظهر حمله على الكفرة غير الشياطين كما يشعر به ما بعده ولئلا يلزم شبه التكرار { عذاب جهنم } اى الدركة النارية التى تلقاهم بالتجهم والعبوسة يقال رجل جهم الوجه كالح منقبض وفيه اشارة ان عذابه تعالى وانتقامه خارج عن العادة لكونه ليس بسيف ولا سوط ولا عصا ونحوها بل بالنار الخارجة عن الانطفاء وليس للكافر المعذب من الخلاص رجاء { وبئس المصير } اى جهنم وقال بعضهم جهنم من الجهنام وهى بئر بعيدة القعر ففيه اشارة الى ان اهل النار مبعدون عن جمال الله تعالى وعن نعيم الجنة محرقون فى نار البعد والقطيعة نسأل الله العافية قال فى فتح الرحمن تضمنت هذه الآية ان عذاب جهنم للكافرين المخلدين وقد جاء فى الأثر انه يمر على جهنم زمن تخفق ابوابها قد أخلتها الشفاعة فالذى فى هذه الآية هى جهنم بأسرها اى جميع الطبقات والتى فى الأثر هى الطبقة العليا لانها مقر العصاة انتهى وهو مراد من قال من كبار المكاشفين يأتى زمان تبقى جهنم خالية عن اهلها وهم عصاة الموحدين ويأتى على جهنم زمان ينبت فى قعرها الجرجير وهى بقلة.
الملك 67:7
{ اذا ألقوا } اى الذين كفروا اى فى جهنم وطرحوا كما يطرح الحطب فى النار العظيمة وفى ايراد الا لقاء دون الادخال اشعار بتحقيرهم وكون جهنم سفلية { سمعوا لها } اى لجهنم نفسها وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله { شهيقا } لانه فى الاصل صفة فلما قدمت صارت حالا اى سمعوا كائنا لها شهيقا اى صوتا كصوت الحمير الذى هو انكر الاصوات وافظعها غضبا عليهم وهو حسيسها المنكر الفظيع كما قال تعالى
لا يسمعون حسيسها
قالوا الشهيق فى الصدر والزفير فى الحلق او شهيق الحمار آخر صوته والزفير اوله والشهيق رد النفس والزفير اخراجه { وهى تفور } اى والحال انها تغلى بهم غليان المرجل بما فيها من شدة التلهب والتسعر فهم لا يزالون صاعدين هابطين كالحب اذا كان الماء يغلى به لاقرار لهم اصلا الفور شدة الغليان ويقال ذلك فى النار وفى القدر وفى الغضب وفوارات الماء سميت تشبيها بغليان القدر وفعلت كذا من فورى اى من غليان الحال وفارة المسك تشبيها به فى الهيئة كما فى المفردات قال بعضهم نطقت الآية بأن سماعهم يكون وقت الالقاء على ما هو المفهوم من اذا وعلى المفهوم من قوله وهى تفوران يكون بعده اللهم الا أن تغلى بما فيها كائنا ما كان ويؤول اذا ألقوا باذا أريد الالقاء اواذا قربوا من الالقاء بناء على ان صوت الشهيق يقتضى أن يسمع قبل الالقاء انتهى.
الملك 67:8
{ تكاد تميز من الغيظ } الجملة خبر آخر وتميز اصله تتميز بتاءين والتميز الانقطاع والانفصال بين المتشابهات والغيظ اشد الغضب يقال يكاد فلان ينشق من غيظه اذا وصف بالافراط فى الغضب والمعنى تكاد تتفرق جهنم من شدة الغضب عليهم اى يقرب أن يتمزق تركيبها. وينفصل بعضه من بعض وبالفارسية نزديكست كه باره باره شود دوزخ از شدت خشم بركافران. شبه اشتعال النار بهم فى قوة تأثيرها فيهم وايصال الضرر اليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ فى ايصال الضرر اليه فاستيعر اسم الغيظ لذلك الاستعمال استعارة تصريحية قال الامام لعل سبب هذا المجاز ان دم القلب يغلى عند الغضب فيعظم مقداره فيزداد امتلاء العروق حتى يكاد يتمزق قال فى المناسبات وكان حذف احدى التاءين اشارة الى انه يحصل افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الادراك وذلك كله لغضب سيدها وتأتى يوم القيامة تقاد الى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقود ونهاية وهى من شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم اهل المحشر وتقول لأنتقمن اليوم ممن اكل رزق الله وعبد غيره فلا يردها عنهم الا النبى صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع مع ان لكل ملك القوة مالو أمر به أن يقتلع الارض وما عليها من الجبال ويصعد بها فعل من غير كلفة وهذا كما اطفأها فى الدنيا بنفحة كما قال عليه السلام
" لقد أدنيت منى النار حتى جعلت انفثها خشية أن تشغاكم "
قال بعضهم تلك المهواة لشدة منافاتها بالطبع لعالم النور واصل فطرة النفس ليشتد غيظها على النفوس كما ان شدة منافرة الطباع بعضها بعضا تستلزم شدة العداوة والبغض المقتضية لشدة الغيظ. يقول الفقيرتقرر من هذا البيان ودل سائر الآثار الصحيحة ايضا ان جهنم لها حياة وشعور كسائر الاحياء ولذا يصدر منها كما يصدر منهم فلا حاجة الى ارتكاب المجاز عند اهل الله تعالى فى امتثال ذلك قال جعفر الطيار رضى الله عنه كنت مع النبى عليه السلام فى طريق فاشتد على العطش فعلمه النبى عليه السلام وكان خذآءنا جبل فقال عليه السلام
" بلغ منى السلام الى هذا الجبل وقل له يسقيك ان كان فيه ماء "
قال فذهبت اليه وقلت السلام عليك أيها الجبل فقال الجبل ينطق بنطق فصيح لبيك يا رسول الله فعرضت القصة فقال بلغ سلامى الى رسول الله وقل منذ سمعت قوله تعالى
فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة
بكيت لخوف أن اكون من الحجارة التى هى وقود النار بحيث لم يبق فى ماء { كلما ألقى } الالقاء بيفكندن { فيها } اى فى جهنم { فوج } جماعة من الكفرة يدفع الزبانية لهم الذين هم اغيظ عليهم من النار وهو استئناف مسوق لبيان حال اهلها بعد بيان حال نفسها { سألهم } اى ذلك الفوج وضمير الجميع باعتبار المعنى { خزنتها } اى خزنة النار وهى مالك واعوانه من الربانية بطريق التوبيخ والتقريع ليزدادوا عذابا فوق عذاب وحسرة اى ليزدادوا العذاب الروحانى على العذاب الجسمانى جمع خازن بمعنى الحافظ والموكل يعرف ذلك من قولهم بالفارسية خزينه دار.
قال فى تاج المصادر الخزن نكاه داشتن مال وسر { ألم يأتكم } اى وقالوا لهم ايها الكفرة الفجرة ألم يأتكم فى الدنيا { نذير } اى منذر يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا والانذار الابلاغ ولا يكون الا فى التخويف ويعدى الى مفعولين كما فى تاج المصادر.
الملك 67:9
{ قالوا } اعترافا بأنه تعالى قد ازاح عللهم بالكلية ببعثة الرسل وانذارهم ما وقعوا فيه وانهم لم يأتوا من قدره كما تزعم المجبرة وانما اتوا من قبل انفسهم واختيارهم خلاف ما اختار الله فأمر به واوعد على ضده { بلى } لا يجاب نفى اتيان النذير { قد جاءنا نذير } جمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المجب بها مبالغة فى الاعتراف وتحسرا على فوت سعادة التصديق وتمهيدا لبيان التفريط الواقع منهم اى قال كل فوج من تلك الافواج قد جاءنا نذير اى واحد حقيقة او حكما كانبياء بنى اسرآئيل فانهم فى حكم نذير واحد فأنذرنا وتلا عيلنا ما نزل الله عليه من آياته روى ابو هريرة رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال
" انا النذير والموت المغير "
يعنى موت عارت كنند است والساعة الموعد يعنى قيامت وعده كاهست { فكذبنا } ذلك النذير فى كونه نذيرا من جهته تعالى فان قلت هذا يقتضى أن لا يدخلها الفاسق المصر لانه لم يكذب النذير قلت قد دلت الأدلة السمعية على تعذيب العصاة مطلقا والمراد بالفوج هنا بعض من ألقى فيها وهم الكفرة كما سبق { وقلنا } فى حق ما تلاه من الآيات افراطا فى التكذيب وتماديا فى النكير بسبب الاشتغال فى الامور الدنيوية والاحكام الرسومية الخلقية { ما نزل الله } على احد { من شئ } من الاشياء فضلا عن تنزيل الآيات عليكم وقال بعضهم ما نزل الله من كتاب ولا رسول { ان انتم } اى ما انتم يا معشر الرسل فى ادعاء ان الله تعالى نزل عليكم آيات تنذر وثنا بما فيها { الا فى ضلال كبير } بعيد عن الحق والصواب وجمع ضمير الخطاب مع ان مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على امثاله مبالغة فى التكذيب وتماديا فى التضليل كما ينبئ عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه فانه ملوح بعمومه حتما.
الملك 67:10
{ وقالوا } ايضا معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع او يعقل { لو كنا } فى الدنيا { نسمع } كلاما { او نعقل } شيأ وفيه دليل على ان العقل حجة التوحيد كالسمع وقدم السمع لانه لا بد اولا من سماع ثم تعقل المسموع وقال سعدى المفتى قوله لو كنا الخ يجوز أن يكون اشارة الى قسمى الايمان التقليدى والتحقيقى اى الاستدلالى لانه يحتاج الى النظر دون التحقيقى العيانى لانه يحصل بالكشف لا العقل { ما كنا } اليوم { فى اصحاب السعير } اى فى عداد اهل النار الموقدة واتباعهم وهم الشياطين لقوله تعالى
واعتدنا لهم عذاب السعير
كأن الخزنة قالوا لهم فى تضاعيف التوبيخ ألم تسمعوا آيات ربكم من ألسنة الرسل ولم تعقلوا معانيها حتى لا تكذبوا بها فأجابوا بذلك وفى التأويلات النجمية لو كنا نسمع بأسماع قلوبنا او نعقل بعقول ارواحنا ما كنا فى اصحاب السعير ولكنا سمعنا باسماع محتومة وعقول معلولة مقفولة.
الملك 67:11
{ فاعترفوا } اضطرار حين لا ينفعهم الاعتراف وهو اقرار عن معرفة وفى عين المعانى عرفوا انفسهم بالجرم { بذنبهم } اختيارا بصرف قواهم الى سوء الاقتراف وهو كفرهم وتكذيبهم بآيات الله ورسله وقال بعضهم افرد الذنب لانه يفيد فائدة الجمع بكونه اسم جنس شامل للقليل والكثير وأريد به الكفر وهو وان كان على انواع فهو ملة واحدة فى كونه نهاية الجرم واقتضاء الخلود الابدى فى النار { فسحقا } مصدر مؤكد اما لفعل متعد من المزيد بحذف الزوائد اى فأسحقهم الله اى ابعدهم من رحمته سحقا اى اسحاقا وابعادا بسبب ذنبهم او لفعل مرتب على ذلك الفعل اى فأسحقهم الله فسحقوا اى بعدوا سحقا اى بعدا ويقال سحق الشئ مثل كرم فهو سحيق اى بعد فهو بعيد قيل هو تحقيق وقيل هو على الدعاء وهو تعليم من الله لعباده أن يدعو عليهم به كما فى التيسير ومعناه بالفارسية بس دور كرد خداى تعالى دور كردنى ايشان را از رحمت خود. قال بعضهم دعاء عليهم من الله اشعارا بان المدعو عليهم مستحقون لهذا الدعاء وسيقع عليهم المدعو به من البعد والهلاك { لاصحاب السعير } اللام للبيان كما كان فى هيت لك والمراد الشياطين والداخلون من الكفرة وفيه اشارة الى ان الله تعالى بعد اهل الحجاب من جنة القرب وقربهم من جهنم البعد.
الملك 67:12
{ ان الذين يخشون ربهم بالغيب } اى يخافون عذابه وهو عذاب يوم القيامة ويوم الموت ويوم القبر خوفا ورآء عيونهم حال كون ذلك العذاب غائبا عنهم ولم يعاينوه بعد على ان بالغيب حال من المضاف المقدر او غائبين عنه تعالى اى عن معاينة عذابه واحكام الآخرة او عن اعين الناس لانهم ليسوا كالمنافقين الذين اذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤون على انه حال من الفاعل وهو ضمير يخشون او بما خفى منهم وهو قلوبهم فالباء للاستعانة متعلقة بيخشون والالف واللام اسم موصول وكانوا يشمون من كبد أبى بكر الصديق رضى الله عنه رآئحة الكبد المشوى من شد الخوف من الله تعالى وكان عليه السلام يصلى ولصدره ازيز كأزيز المرجل من البكاء والأزيز الغليان وقيل صوته والمرجان قدر من نحاس { لهم مغفرة } عظيمة تأتى على جميع ذنوبهم ولما كان السرور انما يتم بالاعطاء قال { واجر كبير } اى ثواب عظيم فى الآخرة فضلا منه تعالى يكون لهم به من الاكرام ما ينسيهم ما قاسوه فى الدنيا من شدآئد الآلام وتصغر فى جنبه لذآئذ الدنيا وهو الجنة ونعميها. كفته انديمنى از وشدايد ومكاره يعنى مزد ثرسندكان امان باشد ازهر جه مى ترسند
لا تخافوا مزده ترسنده است هركه مى ترسد مبارك بنده است خوف وخشيت خاص دانايان بود هركه دانا نيست كى ترسان بود ترسكارى رستكارى آورد هركه درد آرد عوض درمان بود
فلا بد من العقل اولا حتى يحصل الخوف ثانيا وكان بعض الاكاسرة وكانوا اعقل الملوك يرتب واحدا يكون ورآءه بالقرب منه يقول اذا اجتمعت جنوده انت عبد لا يزال يكرر ذلك والملك يقول له كلما قاله نعم وهكذا حال من يعرف مكر النفس ويخاف الله بقلبه قال مسروق ان المخافة قبل الرجاء فان الله تعالى خلق جنة ونارا فلن تخلصوا الى الجنة حتى تمروا بالنار قال تعالى
وان منكم الا واردها
قال فضيل قدس سره اذا قيل لك اتخاف الله فاسكت فانك اذا قلت لا فقد جئت بأمر عظيم واذا قلت نعم فالخائف لا يكون على ما أنت عليه ألا ترى ان الله تعالى لما اتخذ ابراهيم عليه السلام خليلا ألقى فى قلبه الوجل حتى ان خفقان قلبه يسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير فى الهوآء وقيل لفضيل بم بلغ بك الخوف الذى بلغ قال بقلة الذنوب فللخوف اسباب واول الامر العقل السليم ثم يحصل كما له بترك العصيان وذلك ان ترك المعصية وان كان نتيجة الخوف لكن القلب يترقى فى الرقة بترك المعصية فيشتد خوفه فقاسى القلب لا يعرف الخوف لان عقله ضعيف مغلوب يقال العقل كالبعل والنفس كالزوجة والجسم كالبيت فاذا سلط العقل على النفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم كما تشتغل المرأة المقهورة بمصالح البيت فصلحت الجملة وان غلبت النفس كان سعيها فاسدا كالمرأة التى قهرت زوجها ففسدت الجملة.
مبر طاعت نفس شهوت برست كه هرساعتش قبله ديكرست كرا جامه باكست وسيرت بليد در دوزخش رانبايد كليد
الملك 67:13
{ واسروا قولكم او اجهروا به } وبنهان سازيد سخن خودرا درشان بيغمبر عليه السلام يا آشكار كنيد مرانرا. قال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت فى المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء يعنى درباب حضرت بيغمبر سخنان ناشايسته كفتندى. فيظهر الله رسوله عليها فقال بعضهم لبعض اسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فيخبره بما تقولون فقيل لهم اسروا ذلك او اجهروا به فان الله يعلمه واسرار الاقوال واعلانها مستويان عنده تعالى فى تعلق علمه والامر للتهديد لا للتكليف وتقديم السر على الجهر للايذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرون من اول الامر المبالغة فى بيان شمول علمه المحيط بجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسر ونه اقدم منه بما يجهرون به مع كونهما فى الحقيقة على السوية فان علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شئ فى نفسه علم بالنسبة اليه تعالى او لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر اذما من شئ يجهر به الا وهو او مباديه مضمر فى القلب يتعلق به الاسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية { انه عليم بذات الصدور } مبالغ فى الاحاطة بمضمرات جميع الناس واسرارهم الخفية المستكنة فى صدورهم بحيث لا تكاد تفارقها اصلا فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التى فى الصدور والمعنى انه عليم بالقلوب واحوالها فلا يخفى عليه سر من اسرارها قال القاشانى انه عليم بذات الصدور لكون تلك السرآئر عين علمه فكيف لا يعلم ضمائرهم من خلقها وسواها وجعلها مرآئى اسراره ولم يقل ذوات الصدور لارادة الجنس وذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحب حذف الموصوف واقيمت الصفة مقامه اى عليم بالمضمرات صاحبةالصدور وهى الخواطر القائمة بالقلب من الدواعى والصوارف الموجودة فيه وجعلت صاحبة الصدور بملازمتها لها وحلولها فيها كما يقال اللبن ذو الاناء ولولد المرأة وهو جنين ذو بطنها.
الملك 67:14
{ ألا يعلم } آياندادند { من خلق } اى ألا يعلم السر والجهر من اوجد بحكمته جميع الاشياء التى هما من جملتها فهو انكار ونفى لعدم احاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر ومن فاعل يعلم ويجوز أن يكون منصوبا على انه مفعول يعلم والعائد محذوف اى ألا يعلم الله من خلقه { وهو } اى والحال انه تعالى وحده { اللطيف } العالم بدقائق الاشياء يرى اثر النملة السودآء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء { الخبير } العالم ببواطنها قال القاشانى هو المحيط ببواطن ما خلق وظواهره بل هو هو فى الحقيقة باطنا وظاهرا لا فرق الا بالوجوب والامكان والاطلاق والتقييد واحتجاب الهوية بالعندية والحقيقة بالشخصية فان قلت ذكر الخبير بعد اللطيف تكرار قلت لا تكرار فيه فانه قال الامام الغزالى رحمه الله انما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك فى ايصالها الى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف فاذا اجتمع الرفق فى الفعل واللطف فى الادراك تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك فى العلم والفعل الا الله تعالى والخبير هو الذى لا يعزب عنه الاخبار الباطنة فلا يجرى فى الملك والملكوت شئ ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن الا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم لكن العلم اذا أضيف الى الخفايا الباطنة يسمى خبرة ويسمى صاحبها خبيرا قال بعضهم كنا جماعة من الفراء فأصابتنا فاقة ومجاعة فذهبنا الى ابراهيم الخواص قدس سره وقلت فى نفسى اباسط الشيخ فى احوالى واحوال هؤلاء الفقرآء فلما وقع بصره على قال لى الحاجة الى جئتنى فيها الله عليم بها ام لا فارفعها اليه فسكت ثم انصرفنا فلما وصلنا الى المنزل فتح علينا بشئ واذا علم العبد انه مطلع على سره عليم بخفى ما فى صدره يكتفى من سؤاله برفع همته اليه واحضار حاجته فى قلبه من غير أن ينطق بلسانه والله لطيف بعباده ومن لطفه بهم انه يوصل اليهم ما يحتاجون اليه بسهولة فمن قوته رغيف لو تفكر فيه يعلم كم عين سهرت فيه من اول الامر حتى تم وصلح للاكل من الحارث والباذر للبذر والحاصد والد آيس والمذرى والطاحن والعاجن والخابز ويتشعب من ذلك الآلات التى تتوقف عليها هذه الاعمال من الاخشاب والحجارة والحديد والحبال والدواب بحيث لا تكاد تنحصر وهكذا كل شئ ينعم به على عبده من مطعوم ومشروب وملبوس فيه مقدمات كثيرة لو احتاج العبد الى مباشرتها بنفسه لعجز عن ذلك ومن سنة الله سبحانه حفظ كل لطيفة فى طى كل كثيفة كصيانة الودآئع فى المواضع المجهولة ألا ترى انه جعل التراب الكثيف معدن الذهب والفضة وغيرهما من الجواهر والصدف معدن الدر والذباب معدن الشهد والدود معدن الحرير وكذا جعل قلب العبد محلا ومعدنا لمعرفته ومحبته وهو مضغة لحم فالقلب خلق لهذا لا لغيره فعلى العبد ان يطهره عن لوث التعلق بما سوى الله فان الله تعالى لطف به بايجاده ذلك القلب فى جوفه ووصف نفسه بانه لطيف خبير مطلع على ما فى الباطن فاذا كان هو المنظر الالهى وجب تخليته عن الافكار والاغيار وتحليته بأنواع المعارف والعلوم والاسرا وتجليته بتجلى الله الملك العزيز الغفار بوجوه اسمائه وصفاته بل بعين ذاته نسأل الله تعالى نواله وأن يرينا جماله.
الملك 67:15
{ هو } وحده { الذى جعل لكم } اى لمنافعكم { الارض } اختلفوا فى مبلغ الارض وكميتها فروى عن مكحول انه قال ما بين اقصى الدنيا الى ادناها مسيرة خمسمائة سنة مائتان من ذلك فى البحر ومائتان ليس يسكنها احد وثمانون فيها يأجوج ومأجوج وعشرون فيها سائر الخلق وعن قتادة انه قال الدنيا ان بسيطها من حيث يحيط بها البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ فملك السودان منها اثنا عشر الف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك العجم والترك ثلاثة آلاف فرسخ وملك العرب الف فرسخ وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان اكثر من جميع الناس وقد خرج بطليموس مقدار قطر الارض واستدارتها فى المخطى بالتقريب وهو كتاب له يذكر فيه القواعد التى يتوسل بها فى اثبات الاوضاع الفلكية والارضية بأدلتها التفصيلية قال استدارة الارض مائة الف وثمانون الف اسطاربوس وهى اربعة وعشرون الف ميل فتكون على هذا الحكم ثمانية آلاف فرسخ والفرسخ ثلاثة اميال والميل ثلاثة آلاف ذراع بالمكى والذراع ثلاثة اشبار وكل شبر اثنتان عشرة اصبعا والاصبع خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها الى بعض وعرض الشعيرة الواحدة ست شعرات من شعر بغل والاسطاربوس اربعمائة الف ذراع قال وغلظ الارض وهو قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلا يكون الفين وخمسمائة فرسخ وخمسة واربعين فرسخا وثلثى فرسخ قال فبسيط الارض كلها مائة واثنان وثلاثون الف الف وستمائة الف ميل فيكون مائتى الف وثمانية آلاف فرسخ قال صاحب الخريدة فان كان ذلك حقا فهو وحى من الحق او الهام وان كان قياسا واستدلالا فهو قريب ايضا من الحق واما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقينى الذى يقطع على الغيب به انتهى { ذلولا } اى لينة منقادة غاية الانقياد لما تفهمه صيغة المبالغة يسهل عليكم السلوك فيها لتتوصلوا الى ما ينفعكم وبالفارسية نرم ومنقادتا آسان باشد سيرشما بران. ولو جعلها صخرة خشنة تعسر المشى عليها او جعلها لينة منبتة يمكن فيها حفر الآبار وشق العيون والانهار وبناء الابنية وزرع الحبوب وغرس الاشجار ولو كانت صخرة صلبة لتعذر ذلك ولكانت حارة فى الصيف جدا وباردة فى الشتاء فلا تكون كفاتا للاحياء والاموات وايضا ثبتها بالجبال الراسيات كيلا تتمايل وتنقل بأهلها ولو كانت مضطربة متمايلة لما كانت منقادة لنا فكانت على صورة الانسان الكامل فى سكوتها وسكونها وكانت هى وحقائقها فى مقابلة القلم الأعلى والملائكة المهيمة والحاصل ان الله تعالى جعل الارض بحيث ينتفع بها وقسمها الى سهول وجبال وبرارى وبحار وانهار وعيون وملح وعذب وزرع وشجر وتراب وحجر ورمال ومدر وذات سباع وحيات وفارغة وغير ذلك بحكمته وقدرته قال سهل قدس سره خلق الله الأنفس ذلولا فمن اذلها بمخالفتها فقد نجاها من الفتن والبلاء والمحن ومن لم يذلها واتبعها اذلته نفسه واهلكته يقال دابة ذلول بينة الذل او هو بالكسر اللين والانقياد وهو ضد الصعوبة فالذلول من كل شئ المنقاد الذى يذل لك وبالضم الهوان ضد العز قال الراغب الذل ما كان عن قهر يقال ذل يذل ذلا والذل ما كان بعد تصعب وشماس من غير قهر يقال ذل يذل ذلا وجعلها البيقهى فى تاج المصادر من الباب الثانى حيث قال فى ذلك الكتاب والباب الذل خورشدن والذل رام شدن.
وكذا فى مختار الصحاح وجعل صاحب القاموس الذل ضد الصعوبة بالضم والكسر والذل بمعنى الهوان بالضم فقط والذلول فعول بمعنى الفاعل ولذا عرى عن علامة التأنيث مع ان الارض مؤنث سماعى { فامشوا فى مناكبها } الفاء لترتيب الامر على الجعل المذكور وهو أمر اباحة عند بعض اى فاسلكوا فى جوانبها وخبر فى صورة الامرعند آخرين اى تمشون فى اطرافها من حيث اى منكبى الرجل جانباه فشبه الجوانب بالمناكب واذا مشوا وساروا فى جوانبها واطرافها فقد احاطوا بها وحصل لهم الانتفاع بجميع ما فيها قال الراغب المنكب مجتمع ما يبن العضد والكتف ومنه استعير للارض فى قوله فامشوا فى مناكبها كاستعارة الظهر لها فى قوله ما ترك على ظهرها انتهى او فى جبالها وشبهت بالمناكب من حيث الارتفاع وكان لبشر بن كعب سرية فقال لها ان اخبرتنى ما مناكب الارض فأنت حرة فقالت مناكبها جبالها فصارت حرة فأراد أن يتزوجها فسال ابا الدردآء رضى الله عنه فقال دع ما يريبك الى ما لا يريبك وهو مثل لفظ التذليل ومجاوزته الغاية اى تذليل البعير لا مطلقا كما فى حواشى سعدى المفتى فان منكب البعير ارق اعضائه وانباها عن أن يطاها الراكب بقدمه فاذا جعل الارض فى الذل بحيث يتأتى ا لمشى فى مناكبها لم يبق منها شئ لم يتذلل فخرج الجواب عن وجه تخصيص المشى فى الجبال على تقدير أن يراد بالمناكب الجبال لكن من الجبال ما يتعذر سلوكها كجبل السد بيننا وبين يأجوج ومأجوج ورد فى الحديث انه تزالق عليه الارجل ولا تثبت ومنها ما يشق سلوكها وانما لم تعتبر لندرتها وقلتها وفى التأويلات النجمية هو الذى جعل لكم ارض البشرية ذلولا منقادة فخذوا من ارضها بقدر الحاجة من اعاليها واسافلها من اللذات الجسمانية المباحة لكم بحكم الشرع لتقوية ابدانكم وتهيئة اسباب طاعاتكم وعباداتكم لئلا تضعف بالكلية وتكل عن العبادة { وكلوا من رزقه } والتسموا من نعم الله تعالى فيها من الحبوب والفواكه ونحوها والامر ان كان امر اباحة فالرزق ما يكون حلالا وان كان خبرا فى صورة الامر بمعنى تأكلون فيجوز أن يكون شاملا للحرام ايضا فانه من رزقه ايضا وان كان التناول منه حراما { واليه } اى الله وحده { النشور } اى لامرجع بعد البعث فبالغوا فى شكر نعمه يقال نشر الله الميت نشرا احياه بعد موته ونشر الميت بنفسه نشورا فهو يتعدى ولا يتعدى كرجعه رجعا ورجع بنفسه رجوعا الا ان الميت لا يحيى بنفسه بدون احياء الله اذ هو محال.
الملك 67:16
{ ءامنتم } آيا ايمن شديد اى مكذبان. وهو استفهام توبيخ فالهمزة الاولى استفهامية والثانية من نفس الكلمة { من } موصولة { فى السماء } اى الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من فى السماء امره وقضاؤه وهو كقوله تعالى
وهو الله فى السموات وفى الارض
وحقيقته ءامنتم خالق السماء ومالكها قال فى الاسئلة خص السماء بالذكر ليعلم ان الاصنام التى فى الارض ليست بآلهة لا لانه تعالى فى جهة من الجهات لان ذلك من صفات الاجسام واراد أنه فوق السماء والارض فوقية القدرة والسلطنة لا فوقية الجهة انتهى على انه لا يلزم من الايمان بالفوقية الجهة فقد ثبت فانظر ماذا ترى وكن مع اهل السنة من الورى كما فى الكبريت الاحمر للامام الشعرانى قدس سره واما رفع الايدى الى السماء فى الدعاء فلكونها محل البركات وقبلة الدعاء كما ان الكعبة قبلة الصلاة وجناب الله تعالى قبلة القلب ويجوز أن تكون الظرفية باعتبار زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى فى السماء اى ءأمنتم من تزعمون انه فى السماء وهو متعال عن المكان وفى فتح الرحمن هذا المحل من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ونؤمن به ولا نتعرض لمعناه ونكل العلم فيه الى الله قوله من فى السماء فى موضع النصب على انه مفعول امنتم { أن يخسف بكم الارض } بعدما جعلها لكم ذلولا تمشون فى مناكبها وتأكلون من رزقه لكفرانكم تلك النعمة اى يقلبها ملتبسة بكم فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل اشتمال من من اى ءامنتم من فى السماء خسفه والبلاء للملابسة والخسف بزمين قرو بردن. والخسوف بزمين فروشدن. والمشهور ان الباء فى مثل هذا الموضع للتعدية اى يدخلكم ويذهبكم فيها وبالفارسية فرو برد شمارا بزمين. قال الجوهرى خسف المكان يخسف خسوفا ذهب فى الارض وخسف الله به الارض خسفا غاب به فيها وفى القاموس ايضا خسف الله بفلان الارض غيبه فيها { فاذا هى } بس آنكاه زمين ابس زفرو بردن شمابوى { تمور } قال فى القاموس المور الاضطراب والجريان على وجه الارض والتحرك اى تضطرب ذهابا ومجيئا على خلاف ما كانت عليه من الذل والاطمئنان وقال بعضهم فاذا الارض تدور بكم الى الارض السفلى وبعضهم تنكشف تارة للخوض فيها وتلتئم اخرى للتعذيب بها.
الملك 67:17
{ أم أمنتم } يا ايمن شديد. وهو انتقال الى التهديد بوجه آخر { من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا } اى حجارة من السماء كما ارسلها على قوم لوط واصحاب الفيل اى ام أمنتم من فى السماء ارساله على ان قوله أن يرسل بدل من من ايضا والمعنى هل جعل لكم من هذين امان واذلا امان لكم منهما فمن معنى تماديكم فى شرككم { فستعلمون } عن قريب البتة { كيف نذير } اى انذارى عند مشاهدتكم للمنذر به أهو واقع ام لا أشديد ام ضعيف يعنى حين حققتم المنذر به تعلمون انه لا خلف لخبرى وان عذابى لشديد وانه لا دافع عنه ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ فالنذير وكذا النكير الاتى مصدران بمعنى الانذار والانكار واصالهما نذيرى ونكيرى بياء الاضافة فحذفت اكتفاء بكسر ما قبلها قال فى برهان القرءآن خوفهم بالخسف اولا لكونهم على الارض وانها اقرب اليهم من السماء ثم بالحاصب من السماء فلذلك جاء ثانيا. يقول الفقير أشارت الآية الاولى على ما ألهمت فى جوف الليل الى ان الاستتار تحت اللحاف وعدم النهوض الى الصلاة والمناجاة وقت السحر عقوبة من الله تعالى على اهل الغفلة كالخسف ولذا لما قام بعض العارفين متهجدا فأخذه البرد وبكى من العرى قيل له من قبل الله تعالى اقمناك وانمناهم فتبكى علينا يعنى ان اقامتك وانامة الغافلين نعمة لك ونقمة لهم فاشكر عليها ولا تجزع من العرى فان بلاء العرى اهون من بلاء الغفلة واشارت الآية الثانية الى نزول المطر الشديد من السماء فانه ربما يمنع المتهجد عن القيام والاشتغال بالوضوء والطهارة فيكون غضبا فى صورة الرحمة فعلى العاقل أن لا يضيع الوقت ويغتنم الفراغ قبل الشغل أيقظنا الله واياكم.
الملك 67:18
{ ولقد كذب الذين من قبلهم } اى من قبل كفار مكة من كفار الامم السالفة كقوم نوح وعاد وأضرابهم والتفات الى الغيبة لابراز الاعراض عنهم { فكيف كان نكير } اى انكارى عليهم بانزال العذاب اى كان على غاية الهول والفظاعة وهذا مورد التأكيد القسمى لا تكذيبهم فقط وانكار الله تعالى على عبده ان يفعل به امرا صعبا وفعلا هائلا لا يعرف وفى الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لقومه.
الملك 67:19
{ اولم يروا } اى اغفلوا ولم ينظروا { الى الطير } فالرؤية بصرية لانها تتعدى بالى واما القلبية فتعديتها بفى والطير يطلق على جنس الطائر وهو كل ذى جناح يسبح فى الهوآء اما لكون جمعه فى الاصل كركب وراكب او مصدره جعل اسما لجنسه فباعتبار تكثره فى المعنى وصف بصافات وفى المفردات انه جمع طائر { فوقهم } يجوز أن يكون ظرفا ليروا وأن يكون حالا من الطير أى كائنات فوقهم { صافات } حال من الطير والصف أن يجعل الشئ على خط مستو كالناس باسطات اجنحتهن فى الجو عند طيرانها فانهن اذا بسطنها صففن قوادمها صفا وقوادم الطير مقاديم ريشه وهى عشر فى كل جناح الواحدة قادمة { ويقبض } ويضممنها اذا ضربن بما جنوبهن حينا فحينا للاستظهار به على التحرك وهو الشر فى ايثار يقبضن الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على قابضات فان الطيران فى الهوآء كالسباحة فى الماء فكما ان الاصل فى السباحة مد الاطراف وبسطها فكذا الاصل فى الطيران صف الاجنحة وبسطها والقبض انما يكون تارة بعد تارة للاستظهار المذكور كما فى السابح قال ابن الشيخ ويقبض عطف على صافات لانه بمعنى وقابضات والا لما عطف الفعل على الاسم { ما يمسكهن } فى الجو وما يأخذهن عن السقوط عند الصف والقبض على خلاف مقتضى الطبع الجسمانى فانه يقتضى الهبوط الى السفل { الا الرحمن } الواسع رحمته كل شئ بأن برأهن على اشكال وخصائص وهيأهن للجرى فى الهوأء { انه بكل شئ بصير } يعلم ابداع المبدعات وتدبير العجائب والبصير هو الذى يشاهد ويرى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وهو فى حقه تعالى عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات فالبصر صفة زآئدة على علمه تعالى خلافا للقدرية فمن عرف هذه الصفة كان المراد به دوام المراقبة ومطالبة النفس بدقيق المحاسبة والمراقبة احدى ثمرات الايمان حكى ان بعض الملوك كان له عبد يقبل عليه اكثر مما يقبل على امثاله ولم يكن احسن منهم صورة ولا اكثر منهم قيمة فكانوا يتعجبون من ذلك فركب الملك يوما الى الصحرآء ومعه اصحابه وعبيده فنظر الى جبل بعيد عليه قطعه ثلج نظرة واحدة ثم اطرق فركض ذلك العبد فرسه من غير أن ينظر الملك اليه ولا أشار بشئ من ذلك ولم تعلم الجماعة لاى شئ ركض فرسه فما لبث الا ساعاة حتى عاد ومعه شئ من الثلج فقل له بم عرفت ان الملك أراد الثلج فقال لانه نظر اليه ونظر الملوك الى شئ لا يكون عبثا فقال الملك لهذا اقربه واقدمه عليكم فانكم مشغولون بأنفسكم وهو مشغول بمراقبة احوالى وفى التأويلات النجمية يشير الى طيران الارواح العلوية المخلوقة قبل الاجساد من العوالم الهيولانية وما يمسكهن الا الرحمن المشتمل على الاسم الحفيظ وبه يمسكها فى جو سماء القدرة انه بكل شئ بصير يعلم كيف يخلق الاشياء الغريبة وكيف يدبر الامور العجبة.
الملك 67:20
{ أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن } اصله ام من على ان ام منقطة مقدرة ببل المفيدة للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه من احوال الطير المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله الى التبكيت بما ذكر والالتفات للتشديد فى ذلك اوالاستفهام متوجه الى تعيين الناظر لتبكيتهم باظهار عجزهم عن تعيينه ولا سبيلى هنا الى تقدير الهمزة مع بل لان ما بعدها من الاستفهامية ولا يدخل الاستفهام على الاستفهام ومن مبتدأ وهذا خبره والموصول مع صلته صفته وايثار هذا لتحقير المشار اليه وينصركم صفة لجند بالاعتبار لفظه والجند جمع معد للحرب والمعنى بل من هذا الحقير الذى هو فى زعمكم جند لكم وعسكر وعون من آلهتكم وغيرها ينصركم عند نزول العذاب والآفات متجاوزا نصر الرحمن فمن دون الرحمن حال من فاعل ينصركم ودون بمعنى غيرأ وينصركم نصرا كائنا من دون نصره تعالى على انه نعت المصدره او ينصركم من عذاب كائن من عند الله على انه متعلق بينصركم وقد تجعل من موصولة مبتدأ وهذا مبتدأ ثانيا والمصولة مع صلته خبره والجملة صلة من بتقدير القول وينصركم وام منقطعة او متصلة والقرينة محذوفة بدلالة السياق على ان يكون المعنى الله الذى له هذه الاوصاف الكاملة والقدرة الشاملة ينصركم وينجيكم من الخسف والحصب ان اصابكم ام الذى يشار اليه ويقال فى حقه هذا الذى تزعمون انه جند لكم ينصركم من دون الله وايثار الرحمن للدلالة على ان رحمة الله هى المنجية من غضبه لا غير قال القاشانى اى من يشار اليه ممن يستعان به من الاغيار حتى الجوارح والآلات والقوى وكل ما ينسب اليه التأثير والمعونة من الوسائط فيقال هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن فيرسل ما امسك من النعم الباطنة والظاهرة او يمسك ما ارسل من النعم المعنوية والصورة او يحصل لكم ما منع ولم يقدر لكم او يمنع ما أصابكم به وقدر عليكم { ان الكافرون الا فى غرور } ان نافية بمعنى ما اى ما هم فى زعمهم انهم محفوظون من النوآئب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط او أن آلهتهم تحفظهم من بأس الله الا فى غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم فى ذلك شئ يعتد به فى الجملة والالتفات الى الغيبة للايذان باقضتاء حالهم الاعراض عنهم وبيان قبائحهم لغيرهم والاظهار فى موضع الاضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به.
الملك 67:21
{ أمن هذا الذى يرزقكم } يعطيكم الرزق { ان امسك } الرحمن وحبس { رزقه } بامساك المطر ومباديه ولو كان الرزق موجودا او كثيرا وسهل التناول فوضع الاكلة فى فمه فأمسك الله عنه قوة الابتلاع عجز اهل السموات والارض عن أن يسوغه تلك اللقمة واعرابه كاعراب ما سبق والمعنى على تقدير كون من موصولة الله الرزاق ذو القوة المتين يرزقكم ام الذى يقال فى حقه هذا الحقير المهين الذى تدعون انه يرزقكم قال بعض المفسرين كان الكفار يمتنعون عن الايمان ويعاندون الرسول عليه السلام معتمدين على شيئين احدهما اعتمادهم بمالهم وعددهم والثانى اعتقادهم ان الاوثان توصل اليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات فأبطل الله عليهم الاول بقوله اممن هذا الذى هو جند لكم الخ ورد عليهم الثانى بقوله اممن هذا الذى يرزقكم الخ { بل لجوا فى عتو ونفور } منبئ عن مقدر يستدعيه المقام كائنه قيل اثر التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا فى عتواى عناد واستكبار وطغيان ونفور اى شراد عن الحق وتباعد واعراض لمضادتهم الحق بالباطل الذى اقاموا عليه فاللجاج التمادى فى العناد فى تعاطى الفعل المزجور عنه والعتو والتجاوز عن الحد والنفور الفرار ففيه تحقير لهم واشارة الى انهم
حمر مستنفرة فرت من قسورة
يعنى كوييا ايشان خران وحشى اندر ميدكان كه كريخته باشند از شيريا از صياد ياريسمان دام يا مردم تيرانداز يا آوازهاى مختلف
كسى راكه بندار درسر بود ميندار هركزكه حق بشنود
الملك 67:22
{ افمن يمشى مكبا على وجهه اهدى } الخ مثل ضرب للمشرك والموحد توضيحا لحالهما والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حالهم وتقديم الهمزة عليها صورة انما هو لاقتضائها الصدارة واما بحسب المعنى فالامر بالعكس حتى لو كان مكان الهمزة هل لقيل فهل من يمسى مكبا ولمكب الساقط على وجهه وحقيقته صار ذا كب ودخل فى الكب وكبه قلبه وصرعه يعنى اسطقه على وجهه ولا يقال اكبه فان اكب لازم وعند صاحب القاموس لازم ومتعد ومكبا حال من فاعل يمشى والمعنى فمن يشمى وهو يعثر فى كل ساعة ويخر على وجهه فى كل خطوة لتوعر طريقه واختلال قواه اشد هداية ورشدا الى المقصد الذى يؤمه قال فى المناسبات لم يسم سبحانه لمشيانه طريقا لانه لا يستحق ذلك ولما كان ربما صادف السهل لا عن بصيرة بل عن اتفاق قال اهدى { اممن } اى اهو اهدى ام من { يمشى سويا } اى قائما سالما من الخبط والعثار { على صراط مستقيم } مستوى الاجزآء لا عوج فيها ولا انحراف وقيل المكب كناية عن الاعمى لانه لا يهتدى الى الطريق فيتعسف يعنى بى راه ميرود فيلزمه ان يكب على وجهه بخلاف البصير السوى
فرقست ميان آنكه از روى يقين باديده بينا روداندرره دين با آنكه دوجشم بسته بى دست كسى هركوشه همى رود بظن وتخمين
وقال قتادة هو الكافر اكب على معاصى الله فى الدنيا فحشره الله على وجهه الى النار فى العقبى والمؤمن استقام على امر الله فى الدنيا فحشره الله على قدميه على الجنة فى الآخرة وقيل للنبى عليه السلام وكيف يمشون على وجوههم قال ان الذى امشاهم على اقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم وفيه اشارة الى ان الله تعالى يظهر للانسان يوم القيامة ما ابطن اليوم خيرا او شرا
سيرتى كاندر وجودت غالبست هم بران تصوير حشرت واجبست
قال القاشانى افمن يمشى منتكسا بالتوجه الى الجهة السفلية والمحبة للملاذ الحسية والانجذاب الى الامور الطبيعية أهدى اممن يمشى مستويا منتصبا على صراط التوحيد الموصوف بالاستقامة التامة التى لا توصف فالجاهل المحجوب الطالب للدنيا المعرض عن المولى الاعمى عن طريق الحق مكبوب على وجه الخجلة بواسطة ظلمة الغفلة والعارف المحقق التارك للدنيا المقبل على المولى المبصر البصير لطريق الحق ماش سويا بالظاهر والباطن على طريق التوحيد الذى لا فيه امت ولا عوج.
الملك 67:23
{ قل } يا افضل الخلق { هو } تعالى وحده { الذى انشأكم } ايها الكفار كا دل عليه السباق والسياق ويندرج فيه الانسان الغافل ايضا اى انشأكم انشاء بريعا قابلا لجمع جميع الحقائق الالهية والكيانية وابتدأ خلقكم على احسن خلق بأن صوركم فأحسن صوركم { وجعل لكم السمع } واعطى لكم الاذن لتسموا آيات الله وتعملوا بمو جبها بل لتسمعوا الخطابات الغيبية من ألسنة الموجودات بأسرها فانها كلها تنطق نطق الانسان كما قال الله تعالى
وان من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
قيل لبرز جمهر من اكمل الناس قال من لم يجعل سمعه غرضا لفحشاء وقدم السمع لانه شرط النبوة ولذلك ما بعث الله رسولا اصم ولان فوآئد السمع اقوى بالنسبة الى العوام وان كانت فوآئد البصر اعلى بالنسبة الى الخواص ولان السمع مرتبة الخطاب عند انفتاح باب القلب والبصر مرتبة الرؤية ولا شك ان مرتبة الخطاب اقدم بالنسبة الى مرتبة الرؤية لان مرتبة الرؤية هى مرتبة التجلى فهى نهاية الامر ألا ترى انه عليه السلام سمع قبل النبوة صوت اسرافيل ولم ير شخصه واما بعدها فقد رأى جميع الملائكة وأم لهم ليلة المعراج عند السدرة بل ورأى الله تعالى بلا كيف فترقى من مرتبة الخطاب التى هى مرتبة الوحى الى مرتبة التجلى التى هى مرتبة الموحى { والابصار } لتنظروا بها الى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله تعالى ولتبصروا جميع مظاهره تعالى فى غاية الكمال ونهاية الاتقان { والافئدة } لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية وترتقوا فى معارج الايمان والطاعة بل لتقبلوا بها الواردات القلبية والالهامات الغيبية قال فى القاموس التوقد التحرق والتوقد ومنه الفؤاد للقلب مذكر والجمع افئدة انتهى وخص هذه الثلاثة بالذكر لان العلوم والمعارف بها تحصل كما فى الاسرار ولان القلب كالحوض حيث ينصب اليه ما حصل من طريق السمع والبصر { قليلا ما تشكرون } اى باستعمالها فيما خلت لاجله من الامور المذكورة وقليلا نعت لمحذوف وما مزيدة لتأكيد القلة اى شكرا قليلا او زمانا قليلا تشكرون وقيل القلة عبارة عن العدم قال سعدى المفتى القلة بمعنى النفى ان كان الخطاب للكفرة او بمعناها المعروف ان كان للكل يقال قلما افعل كذا اى لا أفعله قال بعضى العارفين
لو عشت ألف عام فى سجدة لربى شكر الفضل يوم لم اقض بالتمام والعام ألف شهر والشهر ألف يوم واليوم ألف حين والحين ألف عام
قال بعضهم من وظائف السمع فى الشكر العلم من العلماء والحكماء والاصغاء الى الموعظة ونصح العقلاء والتقليد لاهل الحق والصواب ورد اقوال اهل البدعة والهوى ومن وظائف الابصار فيه النظر الى المصاحف وكتب الدين ومعابد المؤمنين ومسالك المسلمين والى وجوه العلماء والصالحين والفقرآء والمساكين بعين الرحمة والتفات المحسنين الى المصنوعات ونظر اصحاب اليقين وارباب الشوق والذوق والحنين الى غير ذلك مما فيه خير
زبان آمد از بهر شكر وسباس بغيبت نكر داندش حق شناس كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش دوجشم ازبى صنع بارى نكوست زعيب برادر فروكير ودوست بهايم خموشنده وكويا بشر برا كنده كوى از بهايم بتر بنطق است وعقل آدمى زاده فاش اكر راست كويى سخن هم بدى ترا آنكه جشم ودهان دادو كوش اكر عاقلى در خلافش مكوش مكن كردن از شكر منعم مبيج كه روزبسين سربر آرى بهيج
ومن وظائف الافئدة الفكر فى جلال الله وكماله وجماله ونواله والخوف والرجاء منه والمحبة به والاشتياق الى لقائه والمحبة لانبيائه واوليائه والبغض لاعدآئه والنظر فى المسائل والدلائل والاهتمام فى حوائج العيال ونحو ذلك مما فيه فائدة
صيقلى كن دلت بنور جمال تاكه حاصل شود جميع كمال
الملك 67:24
{ قل } يا اكمل الخلق { هو الذى ذرأكم فى الارض } اى خلقكم وكثركم فيها لا غيره من الذرء وهو بالفارسية آفريدن قال فى القاموس ذرأ كجعل خلق والشئ كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين { واليه } تعالى لا الى غيره اشتراكا او استقلالا { تحشرون } حشرا جسمانيا اى تجمعون وتبعثون للحساب والجزآء شيأ فشيأ على البرزخ دفعة واحدة يوم البعث فابنوا اموركم على ذلك ختم الآية بقوله واليه تحشرون فبين ان جميع الدلائل المذكورة انما كان لاثبات هذا المطلوب.
الملك 67:25
{ ويقولون } من فرط عنادهم واستكبارهم او بطريق الاستهزآء كما دل عليه هذا فى قوله { متى هذا الوعد } اى الحشر الموعود كما ينبئ عنه قوله تعالى واليه تحشرون فالوعد بمعنى الموعد والمشار اليه الحشر وقيل ماحوفوا به من الخسف والحاصب واختيار لفظ المستقبل اما لان المقصود بيان ما يوجد من الكفار من هذا القول فى المستقبل واما لان المعنى وكانوا يقولون { ان كنتم صادقين } يخاطبون به النبى والمؤمنين حيث كانوا مشاركين له عليه السلام فى الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له وجواب الشرط محذوف اى ان كنتم صادقين فيما تخبرونه من مجيئ الساعة والحشر فبينوا وقته.
الملك 67:26
{ قل } يا اعلم الخلق { انما العلم } بوقته { عند الله } الذى قدر الاشياء ودبر الامور لا يطلع عليه غيره { وانما أنا نذير مبين } مخوف ظاهر بلغة تعرفونها ومظهر للحق كاشف عن الواقع انذركم وقوع الموعود لا محالة واما العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الانذار قال يحيى بن معاذ رضى الله عنه اخفى الله علمه فى عباده وعن عباده وكل يتبع امره على جهة الاشتباه لا يعلم ما سبق له وبما ذا يختم له وذلك قوله تعالى قل انما الخ.
الملك 67:27
{ فلما رأوه } الفاء فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترييب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأوه اى رؤية بصرية فلما رأوه نزل الامر الغير الواقع منزلة الواقع التحققه { زلفة } حال من مفعول رأو الان رأى من رؤية البصر كما اشير اليه آنفا اما بتقدير المضاف الى ذا زلفة وقرب او على انه مصدر بمعنى الفاعل اى مزدلفا وقرب الحشر هو قرب ما اعد لهم فيه { سيئت } بذكردد وزشت شود { وجوه الذين كفروا } بأن غشيتها الكآبة ورهقها القتر والذلة وخص الوجوه بالذكر لان الوجه الذى يظهر عليه اثر المسرة والمساءة ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به واصل الكلام ساءت رؤية الموعود وجوههم فكانت كوجه من يقاد الى القتل او يعرض على بعض العذاب والسياءة من ساءه الشىء يسوءه سوأ ومساءة نقيض سره كما فى تاج المصادر السوء غمكين كردن. ثم بنى للمفعول وفى القاموس ساء فعل به ما يكره فيكون متعديا ويجوز ان يكون لازما بمعنى قبح ومنه ساء مثلا وسيئ اذا قبح قال بعض المفسرين واهل اللغة ومنه الآية فالفعل فى الحقيقة مسند الى اصحاب الوجوه بمعنى ساؤوا وقبحوا قال بعضهم المحجوبين مع اعترافهم بالابدآء منكرون للاعادة فلا جرم يسوء وجوههم رؤية ما ينكرونه وتعلوها الكآبة ويأتيهم من العذاب الأليم مالا يدخل تحت الوصف { وقيل } توبيخا لهم وتشديدا لعذابهم بالنار الروحانية قبل الاحراق بالنار الجسمانية والقائلون الزبانية وايراد المجهول لكون المراد بيان المقول لا القائل { هذا } مبتدأ اشير به الى ما رأوه زلفة وخبره قوله { الذى كنتم به تدعون } اى تطلبونه فى الدنيا وتستعجلونه انكارا واستهزآء على انه تفتعلون من الدعاء والباء على هذا صلة الفعل يقال دعا بكذا اذا استدعاه وقيل هو من الدعوى اى كنتم بسبب ذكر النبى عليه السلام والمؤمنين العذاب لكم يوم القيامة تدعون ان لا بعث ولا حشر ولا عذاب فالباء للسببية ويجوز ان تكون للملابسة وعن بعض الزهاد انه تلاها فى اول الليلة فى صلاته فبقى يكررها وهو يبكىالى أن نودى لصلاة الفجر هذه معاملة العارفين جلال الله مع الله عند ملاحظة جبروته وقهره.
الملك 67:28
{ قل } يا خير الخلق { أرأيتم } اى اخبرونى خبرا انتم فى الوثوق به على ما هو كالرؤية قال بعضهم لما كانت الرؤية سببا للاخبار عبر بها عنه وقال بعضهم لما كان الاخبار قويا بالرؤية شاع أرأيت فى معنى اخبر { ان اهلكنى الله } اى اماتنى والتعبير عنه بالاهلاك لما كانوا يدعون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنون بالهلاك ويتر بصون به ريب المنون ويقولون ان امر محمد لا يتم ولا يبقى بل يزول عن قريب { ومن معى } من المؤمنين وحصل مقصودكم { او رحمنا } بتأخير آجالنا وحصل مقصودنا فنحن فى جوار رحمته متربصون لاحد الحسنيين اما أن نهلك فننقلب الى الجنة او نرحم بالنصرة والادالة للاسلام كما نرجو فانتم ما تصنعون واى راحة لكم فى موتنا واى منفعة وغايتكم الى العذاب كما قال تعالى { فمن } بس كيست آنكه او { يجير } ينجى ويخلص قال فى تهذيب المصادر الاجارة زينهار دادن. وفى القاموس اجاره انقذه وأعاذه { الكافرين من عذاب أليم } مؤلم شديد الا يلر لام اى لا ينجيكم منه احد اذا نزل بكم سوآء متنا او بقينا انما النجاة بالايمان والعمل الصالح ووضع الكافرين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر وتعليل نفى الانجاء به وقال بعضهم كيف قال ان اهلكنى الله الخ بعد ان علم انه تعالى لا يهلك الانبياء والمؤمنين قلت فيه مبالغة فى التخويف كأنه قيل نحن معاشر الانبياء والمؤمنين نخاف الله أن يأخذنا بذنوبنا فمن يمنعكم من عذابه وانتم كافرون وكيف لا تخافون وانتم بهذه المثابة من الاجرام فيكون معنى اهلكنا عذبنا بعذاب ومعنى رحمنا غفر لنا كما فى الجلالين.
الملك 67:29
{ قل يا اشفق الخلق { هو الرحمن } اى الذى ادعوكم الى عبادته مولى النعم كلها وموصلها { آمنا به } وحده لما علمنا ان كل ما سواه فاما نعمة او منعم عليه ولم نكفر به كما كفرتم على ان يكون وقوع آمنا مقدما على به تعريضا للكفار حيث ورد عقيب ذكرهم { وعليه توكلنا } فوضنا امورنا لا على غيره اصلا كما فعلتم انتم حيث توكلتم على رجالكم واموالكم لعلمنا بأن ما عداه كائنا ما كان بمعزل من النفع والضر فوقوع عليه مقدما يدل على الاختصاص { فستعلمون } يا كفار مكة عن قريب البتة عند معاينة العذاب { من } استفهامية او موصولة { هو فى ضلال مبين } منا ومنكم اى خطأ ظاهر وفى التأويلات النجمية وعلى فيضه الاتم ولطفه الاعم توكلنا بكليتنا لا على غيره فستعلمون من هو فى ضلال مبين اى من توجه اليه بالاستفاضة منها او من اعرض عنه بالانكار له.
الملك 67:30
{ قل } يا اكرم الخلق { أرأيتم } اى اخبرونى { ان اصبح } اكر كردد. فهو بمعنى صار { ماؤكم } وكان ماء اهل مكة من بئرين بئر زمزم وبئر ميمون الحضرمى { غورا } خبر اصبح وهو مصدر وصف به اى غائرا فى الارض بالكلية ذاهبا ونازلا فيه وقيل بحيث لا تناله الدلاء ولا يمكن لكم نيله بنوع حيلة كما يدل عليه الوصف بالمصدر وبالفارسية فرورفته بزمين جنانكه دست ودلو بدان نرسد. يقال غار الماء نضب والضوب فردشدن آب درزمين وفى المفردات الغور المهبط فى الارض { فمن يأتيكم } على ضعفكم حينئذ { بماء معين } جارو بالفارسية بس كيست آنكه بيارد براى شما آب جارى. من عان الماء او معن كلاهما بمعنى جرى او ظاهر للعيون سهل المأخذ يعنى تناله الايدى فهو على هذا اسم مفعول من العين بمعنى الباصرة كمبيع من البيع لعل تكرير الامر بقل لتأكيد المقول وتنشيط المقول له فان قلت كيف خص ذكر النعمه بالماء من بين سائد نعمه قلت لان الماء اهون موجوه واعز مفقود كما فى الاسئلة المقحمة. ودر آثار آمده كه بعد از تلاوت اين آيت بايد كفت كه الله رب العالمين در تفسر زاهدى رحمه الله مذكور است كه زنديقى شنيد كه معلمى شاكره خودرا تلقين مى كرد فمن يأتيكم بماء معين واو جواب دادكه يأتى به المعول والمعين قال فى القاموس المعول كمنبر الحديدة تنقر بها الجبال انتهى شبانه نابينا شد هاتفى وهو من يسمع صوته ولا يرى شخصه آواز دادكه اينك كه آب جشمه جشم توغائر شد بكوتا بمعول ومعين باز آرند نعوذ بالله من الجرآءة على الله وبيناته وترك حرمة القرءآن وآياته وانما عوقب بذهاب ماء عينيه لان الجزآء من جنس العمل وفى المثنوى
فلسفئ منطقئ مستهان مى كذشت ازسوى مكتب آن زمان جونكه بشنيد آيت اواز نا بسند كفت ما اريم آبى بر بلند تا بزخم بيل وتزئ تبر آب را آريم ازبستى زبر شب بخفت وديد او يك شير مرد زد طبانجه هردو جشمش كور كرد كفت هان زين جشمه جشم اى شقى باتبر نورى برآر ار صادقى روز برجست ودوجشمش كورديد نور فائض ازدو جشمش نابديد
وفى الحديث سورة من كتاب الله ما هى الا ثلاثون اية شفعت لرجل فأخرجته يوم القيامه من النار وادخلته الجنة وهى سورة تبارك قال فى التيسير هى ثلاثون آية وثلاثمائة وثلاث وثلاثون كلمة والف وثلاثمائة وواحد وعشرون حرفا وفى حديث اخر وردت ان تبارك الذى بيده الملك فى قلب كل مؤمن وكان عليه السلام لا ينام حتى يقرأ سورة الملك والم تنزيل السجدة وقال على رضى الله عنه من قرأها يجيئ يوم القيامة على اجنحة الملائكة وله وجد فى الحسن كوجه يوسف عليه السلام وعن ابن عباس رضى الله عنهما ضرب بعض الصحابة خباءه على قبر وهو لا يشعر أنه قبر فاذا فيه انسان يقرآ سورة الملك فأتى النبى عليه السلام فقال يا رسول الله ضربت خبائى على قبر وأنا لا اعلم انه قبر فاذا انسان يقرأ سورة الملك فقال عليه السلام
" هى المانعة اى من عذاب الله تعالى هى المنجية تنجيه من عذاب القبر "
وكانو يسمونها على عهد رسول الله عليه السلام المنجية وكانت تسمى فى التوراة المانعة وفى الانجيل الواقية قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤتى الرجل فى قبره من قبل رأسه فيقال ليس لكم عليه سبيل انه كان يقرأ على رأسه سورة الملك فيؤتى من قبل رجليه فيقال ليس لكم عليه سبيل انه كان يقوم فيقرأ سورة الملك فيؤتى من قبل جوفه فيقال ليس لكم عليه سبيل انه وعى سورة الملك اى حفظها وأو دعها فى جوفه وبطنه من قرأها فى ليلة او يوم فقد اكثر واطاب. يقول الفقير سورة الملك عند اهل الحقائق هى سور المام الذى يلى يسار القطب وينظر الى عالم الشهادة واليه الاشارت بقوله ملك الناس فسر هذه السورة فى اولها كما ان سريس فى آخرها وهو قوله تعالى
فسبحان الذى
الخ ولذا تقرأ عند المحتضر لان وقت الموت قبض الملكوت الذى هو الروح وهو بيده تعالى بقى الكلام فى قرآء الموتى فى قبورهم وهل يصلون وهل يتعلمون العلم بعد الموت فدل حديث ابن عباس رضى الله عنهما على القرآءة وكذا ما اخرج السيوطى رحمه الله عن عكرمة رضى الله عنه انه قال يعطى المؤمن مصحفا يقرأ فى القبر واخرج عن سعيد بن جبير رحمه الله انه رأى بعينه ثابتا البنانى رحمه الله يصلى فى قبره حين سقطت لبنة من قبره وكانوا يستمعون القرءآن كثيرا من قبره واخرج عنه الحسن البصرى قدس سره انه قال بلغنى ان المؤمن اذا مات ولم يحفظ القرءآن امر حفظته ان يعلموه القرءآن فى قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع اهله وذكر اليافعى رحمه الله ان مالك بن دينار ماتت له قبل توبته بنت لها سنتان فرآها فى المنام وهى تقول له يا أبت الم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله فبكى وقال يا بنية وانتم تعرفون القرءآن فقالت يا ابت نحن اعرف به منكم فكان ذلك سبب توبته ونقل الامام الشعرانى فى كتاب الجواهر له عن بعض اهل الله انه قال من اهل البرزخ من يخلق الله تعالى من همتهم من يعمل فى قبورهم بغالب اعمالهم فى الدنيا ويكتب الله لعبده ثواب ذلك العمل الى آخر البرزخ كما وقع لثابت البنانى رحمه الله فانهم وجدوا فى قبره شخصا على صورته يصلى فظنوا انه هو وانما هو مخلوق من همته وكذلك المثالات المتخيلة فى صور اهل البرزخ لاهل الدنيا فى النوم واليقظة فاذا رؤى مثال احدهم فهو اما ملك خلقه الله تعالى من همة ذلك الولى واما مثال اقامه الله تعالى على صورة لتنفيذ ما شاء الله تعالى من حوآئج الناس وغيرها فأرواح الاولياء فى البرزخ مالها خروج منه ابدا واما ارواح الانبياء عليهم السلام فانها مشرفة على وجود الدنيا والآخرة انتهى.
وقال السيوطى رحمه الله نقلا عن بعض المحققين ان رسول الله عليه السلام رأى ليلة المعراج موسى عليه السلام قائما يصلى فى قبره ورآه فى السماء السادسة فالروح كانت هناك فى مثال البدن ولها اتصال بالبدن بحيث يصلى فى قبره ويرد على المسلم عليه وهو فىالرفيق الأعلى ولا تنافى بين الامرين فان شأن الارواح غير شأن الابدان وقد مثل بعضهم بالشمس فى السماء وشعاعها فى الارض كالروح المحمدى يرد على من يصلى عليه عند قبره دآئما مع القطع بأن روحه فى أعلى عليين وهو لا ينفك عن قبره كما ورد عنه قال الامام الغزالى رحمه الله تعالى والرسول عليه السلام له الخيار فى طواف العوالم مع ارواح الصحابة رضى الله عنهم لقدر اه كثير من الاولياء وقال صدر الدين القنوى قدس سره فمن ثبتت المناسبة بينه وبين الارواح الكمل من الانبياء والاولياء الماضين اجتمع بهم متى شاء وتوجه توجها وجدانيا يقظة ومناما انتهى. تمت سورة الملك بعونه تعالى فى غرة شعبان المبارك من شهور سنة ست عشرة ومائة ألف
القلم 68:1
{ ن } اى هذه سورة ن او بحق ن وهى هذه السورة اقسم الله بها على سبيل التأكيد فى اثبات الحكم على ما عليه عادة الخلق مع ما فيه من بيان عظم شأن المقسم به والا فكما انه تعالى لا يليق القسم بشانه العالى فكذا لا يصح لغيره ان يكون مقسما به والنون حرف واحد فى الكتابة وثلاثة احرف فى التلفظ وقد قال عليه السلام
" من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف "
أراد عليه السلام بالحرف ما يتهجى به فيرجى أن يعطى الله بلفظ ن ثلاثين حسنة لانه مشتمل على التلفظ على نونين بينهما واو وقال بعضهم هو مفتاح اسم النور والناصرأ وقسم بنصرة الله المؤمنين اعتبارا بقوله تعالى
وكان حقا علينا نصر المؤمنين
وقال سهل قدس سره النون اسم من اسماء الله تعالى وذلك انه اذا اجتمعت اوائل هذه السور الثلاث الر وحم ون يكون الرحمن وقيل فيه انه اسم من اسماء النبى عليه السلام كما فى التكملة لعل هذه القائل أشار الى قوله عليه السلام
" اول ما خلق الله نورى "
فيكون النور اسمه عليه السلام فان قلت فيلزم التكرار لان القلم ايضا من اسمائه كما قال اول ما خلق الله القلم قلت التغاير فى العنوان بمنزلة التغاير فى الذات فسمى عليه السلام باعتبار نورانيته نورا وباعتبار انه صاحب القلم قلما كما سمى خالد بن وليد رضى الله عنه سيف الله المسلول لكونه صاحب سيف وقال بعضهم هو لوح من نور أو اسم نهر فى الجنة وفى المفردات النون الحوت العظيم ولذا قال عكرمة فى الآية اقسم الله بالحوت الذى لطخ سهم نمرود بدمه لان نمرود لما رمى السهم نحو السماء عاد السهم مختضبا بدم سمكة فى بحر معلق فى الهوآء فأكرم الله ذلك الحوت بأن اقسم به واحل جنسه من غير ذكاة فانه لا يحل الا ميتتان السمك والجراد وفى معناهما ما يستحيل من الاطعمة كدود الفتاح والجبن فان الاحتراز عنهما غير ممكن فاما اذا افردت واكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة ولا سبب فى تحريمه الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره وان وجد شخص لا يستقذره لا يلتفت الى خصوص طبعه فانه التحق بالخبائت لعموم الاستقذار فيكره اكله كما لو جمع المخاط وشربه كره كما فى الاحياء يقال لو أريد به معنى الحوت كانت المناسبة بين المتعاطفين كما فى ما بين كم الخليفة والف باذنجانه.
يقول الفقير المناسبة بينهما خفية لا يدركها الا اهل الحقائق وهى ان كبد الحوت غذآء اهل الجنة قبل كل شئ فيجدون بعد اكله حياة ابدية فى ابدانهم كما ان القلم يكتب به من العلوم ما فيه حياة باقية لارواحهم ولذا سمى جبريل روحا لانه كان يجيئ بالوحى الذى هو سبب لحياة القلوب والارواح فيكون ن والقلم كالماء والعلم ولا شك فى ثبوت المناسبة التامة بينهما فالقياس الذى ذكره القائل باطل وقائل الباطل جاهل وقال بعضهم هو اسم الحوت الذى احتبس يونس عليه السلام فى بطنه ولذا سماه الله تعالى ذا النون وقال بعضهم هو الحوت الذى على ظهره الارض وهو فى بحر تحت الارض السفلى اسمه ليوثا او يهموت بالياء المثناة التحتانية وفى عين المعانى ليوثا او برهوت كما قال على رضى الله عنه
مالى اراكم كلكم سكوتا واله ربى خلق البرهوتا
روى ان الله تعالى لما خلق الارض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة اى تضطرب وتميل فبعث الله ملكا فهبط حتى دخل تحت الارض فوضعها على كاهله وهو كصاحب ما بين الكتفين ثم اخرج يديه احداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب ثم قبض على الارضين السبع فضبطها فاستقرت فلم يكن لقدمى الملك قرار فأهبط الله ثورا من الجنة له اربعون ألف قرن واربعون الف قائمة فجعل قرار قدمى الملك على سنامه فلم تستقر قدماه على سنامه فبعث الله ياقوتة خضرآء من الجنة غلظها مسيرة كذا الف عام فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدما الملك وقرون الثور خارجة من اقطار الارض مشبكة الى تحت العرش ومنخر الثور فى ثقبين من تلك الياقوته الخضرآء تحت البحر فهو يتنفس فى اليوم نفسين فاذا تنفس مد البحر واذا رد النفس جزر البحر وهو ضد مد ولم يكن لقوآئمه قرار فخلق الله كمكاما من الرمل كغلظ سبع سموات وسبع ارضين فاستقر عليه قوآئم الثور ثم لم يكن للمكمكام مستقر فخلق الله حوتا يقال له برهو فوضع الكمكام على وبر الحوت والوبر الجناح الذى يكون فى وسط ظهره وذلك مزمزم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والارض مرار وانتهى ابليس لعنه الله الى ذلك الحوت فقال له ما خلق الله خلقا اعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك فهم بشئ من ذلك فسلط الله عليه بقة فى انفه فشغلته وفى رواية بعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت الى دماغه فعج الحوت الى الله تعالى منها فاذن لها فخرجت قال كعب فوالله الذى نفسى بيده انه لينظر اليها وانها لتنظر اليه ان هم بشئ من ذلك عادت كما كانت قبل وانبت الله من تلك الياقوته جبل قاف وهو من زمرده وله رأس ووجه واسنان وانبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما نبت الشجر من عروق الشجر وزعم وهب ان الحوت والثور يبتلعان من مياه الارض فى البحار فلذلك لا يؤثر فى البحار زيادة فاذا امتلأت اجوافهما من المياءه قامت القيامة وزعم قوم ان الارض على الماء والماء على الصخرة على سنام الثور والثور على كمكام من الرمل متلبدا والكمكام على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم الريح على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى وقد انتهى علم الخلائق الى الثرى ولا يعلم ما ورآء ذلك احد الا الله الذى له ما فى السموات وما فى الارض وما بينهما وما تحت الثرى وهذه الاخبار مما تزيد المرء بصيرة فى دينه وتعظيما لقدرة ربه وتحيرا فى عجائب خلقه فان صحت فما خلقها على الصانع القدير بعزيز وان تكن من اختراع اهل الكتاب وتنميق القصاص فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر كذا فى خريدة العجائب وقال فى كشف الاسرار بعض مفسران كفتند ما هيست برآب زير هفت طبقه زمين ما هى از كرانئ بار زمين خم درخم كرديد برمثل نون شدشكم بآب فروبرده وسارز مشرق برآورده وذنب از مغرب وخواست كه ازكران بارى بنالد جبريل بانك بروى زد جنان بترسيدكه كران بارئ زمين فراموش كرد وتا بقيامت نياردكه بجنبد ما هى جون بار برداشت ونناليد رب العالمين او را دو تشريف داديكى آنكه بد وقسم ياد كرد محل قسم خداوند جهان كشت ديكر تشريف آنست كه كارد ازحلق او برداشت همه جانور انرا بكارد ذبح كنند واورا نكنند تا عالميان بدانندكه هركه بار كشد رنج او ضايع نكنند اى جوانمرد اكرماهى بار زمين كشيد بنده مؤمن بار امانت مولى كشيدكه وحملها الانسان ما هى كه بار زمين برداشت از كار درعقوبت ابمن كشت جه عجب كه اكر مؤمن بار امانت برداشت از كارد قطيعت ايمن كردد { والقلم } هو ما يكتب به والواو وللقسم على التقدير الاول وللعطف على الثانى والمراد قلم اللوح كما جاء فى الخبران اول ما خلق الله القلم ونظر اليه فانشق بنصفين ثم قال له اجر بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك من الآجال والاعمال والارزاق وهو القدر الذى يجب ان يؤمن بخيره وشره ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق الى يوم القيامة وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والارض وبعدما خلق القلم خلق النون اى السمكة فدحا الارض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال وان الجبال لتفخر على الارض الى يوم القيامة وقد عرفت المناسبة بين القلم وبين النون بمعنى السمكة وفى رواية الواحدى فى الوسيط اول جيزى كه خداى تعالى بيا فريد قلم بود بس نون را بيا فريدو آن دو اتست وقلم ازان دوات نوشت آنجه بود وهست وباشدوبرين تقدير خداى تعالى قسم فرمود بدوات بقلم اعلى كه از نورست كما فى تفسير الكاشفى.
وفى القاموس النون من حروف الزيادة والدواة والحوت انتهى وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالقلم قلم الكرام الكاتبين او جنس القلم اقسم بالله بالدواة والقلم لكثرة منافعهما وعظم فوآئدهما فان التفاهم بالنطق والبيان انما يكون بين الحاضرين واما بالنسبة الى من غاب وبعد من اهل عصر واحد ومن اهل الزمان الآتى فانما يكون بالكتابة كما قال بعضهم البيان اثنان بيان لسان وبيان بنان ومن فضل بيان البنان ان ما تثبته الاقلام باق على الايام وبيان اللسان تدرسه الاعوام ولو لم يكن للقلم مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله لكفى به فضلا موجبا لتعظيمه ومن تعظيمه تعظيم برايته فتوضع حيث لا تطأها الاقدام والا اورثت الآلام وعن بعض الحكماء قوام امور الدين والدنيا بشيئين القلم والسيف والسيف تحت القلم لولا القلم لما قام دين ولا صلح عيش قال بعضهم.
ان يخدم القلم السيف الذى خضعت له الرقاب ودانت خوفه الامم كذا قضى الله للاقلام مذبريت ان السيوف لها مذأرهفت خدم
وقال بعضهم
اذا اقسم الابطال يوما بسيفهم وعدوه مما يجلب المجد والكرم كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة مدى الدهران الله اقسم بالقلم
{ وما يسطرون } ما موصولة والعائد محذوف والسطر الصف من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف وسطر فلان كذا اى كتبه سطرا سطرا وضمير الجمع لاصحاب القلم المدلول عليه بذكره والمعنى بالفارسية وديكر سوكند ياد فرمود بآنجه اصحاب قلم از آسمانيان وزمنينيان مى نويسند از كتاب وكلام درتبيان از ابن هيضم رحمه الله نقل فرمودكه نون دهنست وقلم زبان وما يسطرون آنجه حفظه بربنده مى نويسند حق تعالى بدينها سوكند فرموده. قال بعض العارفين النون نون الذات والقلم قلم الصفات وما يسطرون هى الافعال والشؤون الالهية يكتبونها على لوح القدرة والارادة حرفا حرفا. يقول الفقير فيه اشارة الى ان نون الجمع الذاتى اى دواته وهو أصل كتاب الوجود الذى هو ام الكتاب سمى بالنون لكونه مجتمع مداد مواد نقوش العالم وان شئت قلت الى نون النقطة التى هى مرتبة الاحدية وقد كان الامام على رضى الله عنه يقول فى خطبته على رؤوس الاشهاد انا نقطة باء بسم الله الذى فرطتم فيه أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ وانا العرش وأنا الكرسى وانا السموات السبع والارضون فاذا صحا وارتفع عنه تجلى الوحدة اثناء الخطبة يشرع معتذرا ويقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت الاحكام الالهية وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة ن الى العلم الاجمالى المندمج فى الاحدية الذاتية الجمعية وبالقلم الى العلم التفصيلى فى الوحدة الاسمائية وانما نسبنا الاجمالى الروحى الى ن والتفصيلى القلبى الى القلم لان هذه الدواة مشتملة بما فى بطنها على جميع الحروف المجردة والكلمات المركبة اشتمال النواة على الشجرة واندماج الشجرة المفصلة فى النواة المجملة فبالقلم يسطر على لوح القلب بالتفصيل كل ما هو فى ضمير الدواة بالاجمال فاذا فهمت المقصود فاعلم ان الله تعالى اقسم بعلمه الاجمالى الكائن فى الاحدية وبعلمه التفصيلى الثابت فى الواحدية وبالتحقيق أقسم بأحدية ذاته المطلقة وبواحدية اسمائه الجمعية اذ العلم من حيث هو عين ذاته واقسم اذا بكل ما سطر قلمه الكريم من دواته القديم من الحروف الالهية المجردة العلوية والكلمات الربانية المركبة السفلية انتهى كما قال بعض الكبار فى بيان حروف كتاب الوجود الظلى وكلماته وآياته وسوره ان الشؤون الغيبية حروفه العاليات والاعيان الثابتة العلمية كلماته التامات والحقائق الارواحية والمثالية آياته المتعاليات والصور الحسية العينية سورة الكاملات واما كتاب الوجود الحقيقى فحروفه المجردة الاسماء الذاتية الاحدية وكلماته الاسماء الصفاتية الواحدية وآياته الاسماء الافعاليته الواحدية وصوره الاسماء الاثارية المظهرية وكل منها كتاب مبين انتهى وهكذا قال بعض الكبار القلم علم التفصيل والنون علم الاجمال وتلك الحروف التى هى مظاهر تفصيل القلم مجملة فى مداد الدواة ولا تقبل التفصيل ما دامت فيها فاذا انتقل المداد منها الى القلم تفصلت الحروف به فى اللوح وتفصل العلم بها لا الى غاية واما الاجمال المعبر عنه بالنون فان النون فى الرقم نصف دآئرة محسوسة ونصف دآئرة معقولة تشعر نقطتها فى الوسط بكونه مراد التتميم الدآئرة الذاتية التى هى ظرف مداد الوجود ولذلك كان من الحروف الدورية عكسه كطرده فان النصف المحسوس ظرف مداد عالم الخلق والنف المعقول ظرف مداد عالم الامر والخط الفاصل بينهما وهو خط ألف قام بين تدوير النونين برزخ جامع وهو مستوى الصحف الالهية والكتب المتفرقة من حيطة الكتاب المحيط بالمحيطات المقول فيه ما فر طنا فى الكتاب من شئ وهو كتاب ينطوى على العلوم الجمة المنطوى عليها ايضا مداد النون وتشتمل على مائة واربع عشرة سورة كما اشتمل النون على عدد يطابقها فان النونين والواو والالف الذى انتهى اليه اسم النون مائة وثلاثة عشر وكون مسماه حرفا واحدا متمم الرابعة عشر فاعلم ذلك فانه دقيق قل أن تجده فى كلام احد انتهى وقال القاشانى ن هو النفس الكلية والقلم هو العقل الكلى والاول من باب الكناية بالاكتفاءة من الكلمه باول حروفها والثانى من باب التشبيه اذ تنتقش فى النفس صور الموت جودات بتأثير العقلى كما تنتقش الصور فى اللوح بالقلم وما يسطرون من صور الاشياء وما هياتها واحوالها المقدرة على ما تقع عليه وفاعل ما يسطرون الكتبة من العقول المتوسطة والارواح المقدسة وان كان الكاتب فى الحقيقة هو الله تعالى لكن لما كان فى حضرة الاسماء نسب اليها مجازا اقسم بهما وبما يصدر عنهما من مبادى الوجود وصور التقدير الالهى وبمدأ امره ومخزن غيره لشرفهما وكونهما مشتملين على كل الوجود فى اول مرتبة التأثير والتأثر ولمناسبتهما للمقسم عليه وهو قوله { ما انت بنعمة ربك بمجنون } جواب القسم والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير فى خبر ما وهو مجنون والعامل فيها معنى النفى والجنون حائل بين النفس والعقل وجن فلان اى أصابه الجن او اصاب جنانه او حيل بين نفسه وعقله فجن عقله ذلك كأنه قيل انتفى عنك الجنون يا محمد وأنت بريئ منه ملتبسا بنعمة الله التى هى النبوة والرياسة العامة والمراد تنزيهه عليه السلام عما كانوا بنسبونه عليه السلام اليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة مع جزمهم بأنه عليه السلام فى غاية الغايات من حصافة العقل ورزانة الرأى قال ابوحيان قوله بنعمة ربك قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة فى انتفاء الوصف الذميم عنه عليه السلام وذهب الى القسم ايضا حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته روى انه عليه السلام غاب عن خديجة رضى الله عنها الى حرآء فلم تجده فاذا هو قد طلع ووجهه متغير بلا غبار فقال له مالك فذكر نزول جبرآئيل عليه السلام وانه قال له اقرأ باسم ربك فهو اول ما نزل من القرءآن قال ثم نزل بى الى قرار الارض فتوضأ وتوضات ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال هكذا الصلاة يا محمد فذكر عليه السلام ذلك لخديجة فذهبت خديجة الى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد حالف دين قريش ودخل فى النصرانية فسألته قال ارسلنى الى محمد فأرسلته فأتاه فقال هل امرك جبرآئيل ان تدعو احد فقال لا فقال والله لئن بقيت الى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول عليه السلام ووقعت تلك الواقعة فى ألسنة كفار قريش فقالوا انه مجنون فأقسم الله تعالى على انه ليس بمجنون وهو خمس آيات من اول هذه السورة قال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما نزل قوله سبح اسم ربك وهذه الآية هى الثانية وفى التأويلات النجمية ما انت بنعمة ربك بمستور عما كان من الازل وما سيكون الى الأبد لان الجن هو الستر وما سمى الجن جنا الا لاستتاره من الانس بل انت عالم بما كان خبير بما سيكون ويدل على احاطة علمه قوله عليه السلام فوضع كفه على كتفى فوجدت بردها بين ثديى فعلمت ما كان وما سيكون قال الامام القشيرى قدس سره فى شرح الاسماء الحسنى نصرة الحق لعبده اتم من نصرة العبد لنفسه قال تعالى لنبيه عليه السلام ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون ثم انظر بما ذا سلاه وبأى شئ خفيف عليه تحمل اثقال الأذى حيث قال فسبح بحمد ربك يعنى اذا تأذيت بسماع السوءة فيك منهم فاسترح بروح ثنائك علينا ولذة التنزيه والذكر لنا فان ذلك يريحك ويشغلك عنهم ثم انه عليه السلام لما قبل هذه النصيحة وامتثل بأمر ربه تولى نصرته والرد عنه فلما قيل انه مجنون اقسم على نفى ذلك بقوله ن والقلم الخ تحقيقا لتنزيهه لما اشتغل عنهم بتنزيه ربه ثم عاب الله القادح فيه بالجنون بعشر خصال ذميمة بقوله
ولا تطع كل حلاف مهين
الى قوله
اساطير الاولين
وكان رد الله عنه وذبه اتم من رده عن نفسه حيث كان من جملة القرءآن باقيا على الألسنة الى يوم القيامة.
القلم 68:2
{ ن } اى هذه سورة ن او بحق ن وهى هذه السورة اقسم الله بها على سبيل التأكيد فى اثبات الحكم على ما عليه عادة الخلق مع ما فيه من بيان عظم شأن المقسم به والا فكما انه تعالى لا يليق القسم بشانه العالى فكذا لا يصح لغيره ان يكون مقسما به والنون حرف واحد فى الكتابة وثلاثة احرف فى التلفظ وقد قال عليه السلام
" من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف "
أراد عليه السلام بالحرف ما يتهجى به فيرجى أن يعطى الله بلفظ ن ثلاثين حسنة لانه مشتمل على التلفظ على نونين بينهما واو وقال بعضهم هو مفتاح اسم النور والناصرأ وقسم بنصرة الله المؤمنين اعتبارا بقوله تعالى
وكان حقا علينا نصر المؤمنين
وقال سهل قدس سره النون اسم من اسماء الله تعالى وذلك انه اذا اجتمعت اوائل هذه السور الثلاث الر وحم ون يكون الرحمن وقيل فيه انه اسم من اسماء النبى عليه السلام كما فى التكملة لعل هذه القائل أشار الى قوله عليه السلام
" اول ما خلق الله نورى "
فيكون النور اسمه عليه السلام فان قلت فيلزم التكرار لان القلم ايضا من اسمائه كما قال اول ما خلق الله القلم قلت التغاير فى العنوان بمنزلة التغاير فى الذات فسمى عليه السلام باعتبار نورانيته نورا وباعتبار انه صاحب القلم قلما كما سمى خالد بن وليد رضى الله عنه سيف الله المسلول لكونه صاحب سيف وقال بعضهم هو لوح من نور أو اسم نهر فى الجنة وفى المفردات النون الحوت العظيم ولذا قال عكرمة فى الآية اقسم الله بالحوت الذى لطخ سهم نمرود بدمه لان نمرود لما رمى السهم نحو السماء عاد السهم مختضبا بدم سمكة فى بحر معلق فى الهوآء فأكرم الله ذلك الحوت بأن اقسم به واحل جنسه من غير ذكاة فانه لا يحل الا ميتتان السمك والجراد وفى معناهما ما يستحيل من الاطعمة كدود الفتاح والجبن فان الاحتراز عنهما غير ممكن فاما اذا افردت واكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة ولا سبب فى تحريمه الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره وان وجد شخص لا يستقذره لا يلتفت الى خصوص طبعه فانه التحق بالخبائت لعموم الاستقذار فيكره اكله كما لو جمع المخاط وشربه كره كما فى الاحياء يقال لو أريد به معنى الحوت كانت المناسبة بين المتعاطفين كما فى ما بين كم الخليفة والف باذنجانه.
يقول الفقير المناسبة بينهما خفية لا يدركها الا اهل الحقائق وهى ان كبد الحوت غذآء اهل الجنة قبل كل شئ فيجدون بعد اكله حياة ابدية فى ابدانهم كما ان القلم يكتب به من العلوم ما فيه حياة باقية لارواحهم ولذا سمى جبريل روحا لانه كان يجيئ بالوحى الذى هو سبب لحياة القلوب والارواح فيكون ن والقلم كالماء والعلم ولا شك فى ثبوت المناسبة التامة بينهما فالقياس الذى ذكره القائل باطل وقائل الباطل جاهل وقال بعضهم هو اسم الحوت الذى احتبس يونس عليه السلام فى بطنه ولذا سماه الله تعالى ذا النون وقال بعضهم هو الحوت الذى على ظهره الارض وهو فى بحر تحت الارض السفلى اسمه ليوثا او يهموت بالياء المثناة التحتانية وفى عين المعانى ليوثا او برهوت كما قال على رضى الله عنه
مالى اراكم كلكم سكوتا واله ربى خلق البرهوتا
روى ان الله تعالى لما خلق الارض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة اى تضطرب وتميل فبعث الله ملكا فهبط حتى دخل تحت الارض فوضعها على كاهله وهو كصاحب ما بين الكتفين ثم اخرج يديه احداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب ثم قبض على الارضين السبع فضبطها فاستقرت فلم يكن لقدمى الملك قرار فأهبط الله ثورا من الجنة له اربعون ألف قرن واربعون الف قائمة فجعل قرار قدمى الملك على سنامه فلم تستقر قدماه على سنامه فبعث الله ياقوتة خضرآء من الجنة غلظها مسيرة كذا الف عام فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدما الملك وقرون الثور خارجة من اقطار الارض مشبكة الى تحت العرش ومنخر الثور فى ثقبين من تلك الياقوته الخضرآء تحت البحر فهو يتنفس فى اليوم نفسين فاذا تنفس مد البحر واذا رد النفس جزر البحر وهو ضد مد ولم يكن لقوآئمه قرار فخلق الله كمكاما من الرمل كغلظ سبع سموات وسبع ارضين فاستقر عليه قوآئم الثور ثم لم يكن للمكمكام مستقر فخلق الله حوتا يقال له برهو فوضع الكمكام على وبر الحوت والوبر الجناح الذى يكون فى وسط ظهره وذلك مزمزم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والارض مرار وانتهى ابليس لعنه الله الى ذلك الحوت فقال له ما خلق الله خلقا اعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك فهم بشئ من ذلك فسلط الله عليه بقة فى انفه فشغلته وفى رواية بعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت الى دماغه فعج الحوت الى الله تعالى منها فاذن لها فخرجت قال كعب فوالله الذى نفسى بيده انه لينظر اليها وانها لتنظر اليه ان هم بشئ من ذلك عادت كما كانت قبل وانبت الله من تلك الياقوته جبل قاف وهو من زمرده وله رأس ووجه واسنان وانبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما نبت الشجر من عروق الشجر وزعم وهب ان الحوت والثور يبتلعان من مياه الارض فى البحار فلذلك لا يؤثر فى البحار زيادة فاذا امتلأت اجوافهما من المياءه قامت القيامة وزعم قوم ان الارض على الماء والماء على الصخرة على سنام الثور والثور على كمكام من الرمل متلبدا والكمكام على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم الريح على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى وقد انتهى علم الخلائق الى الثرى ولا يعلم ما ورآء ذلك احد الا الله الذى له ما فى السموات وما فى الارض وما بينهما وما تحت الثرى وهذه الاخبار مما تزيد المرء بصيرة فى دينه وتعظيما لقدرة ربه وتحيرا فى عجائب خلقه فان صحت فما خلقها على الصانع القدير بعزيز وان تكن من اختراع اهل الكتاب وتنميق القصاص فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر كذا فى خريدة العجائب وقال فى كشف الاسرار بعض مفسران كفتند ما هيست برآب زير هفت طبقه زمين ما هى از كرانئ بار زمين خم درخم كرديد برمثل نون شدشكم بآب فروبرده وسارز مشرق برآورده وذنب از مغرب وخواست كه ازكران بارى بنالد جبريل بانك بروى زد جنان بترسيدكه كران بارئ زمين فراموش كرد وتا بقيامت نياردكه بجنبد ما هى جون بار برداشت ونناليد رب العالمين او را دو تشريف داديكى آنكه بد وقسم ياد كرد محل قسم خداوند جهان كشت ديكر تشريف آنست كه كارد ازحلق او برداشت همه جانور انرا بكارد ذبح كنند واورا نكنند تا عالميان بدانندكه هركه بار كشد رنج او ضايع نكنند اى جوانمرد اكرماهى بار زمين كشيد بنده مؤمن بار امانت مولى كشيدكه وحملها الانسان ما هى كه بار زمين برداشت از كار درعقوبت ابمن كشت جه عجب كه اكر مؤمن بار امانت برداشت از كارد قطيعت ايمن كردد { والقلم } هو ما يكتب به والواو وللقسم على التقدير الاول وللعطف على الثانى والمراد قلم اللوح كما جاء فى الخبران اول ما خلق الله القلم ونظر اليه فانشق بنصفين ثم قال له اجر بما هو كائن الى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك من الآجال والاعمال والارزاق وهو القدر الذى يجب ان يؤمن بخيره وشره ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق الى يوم القيامة وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والارض وبعدما خلق القلم خلق النون اى السمكة فدحا الارض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الارض فأثبتت بالجبال وان الجبال لتفخر على الارض الى يوم القيامة وقد عرفت المناسبة بين القلم وبين النون بمعنى السمكة وفى رواية الواحدى فى الوسيط اول جيزى كه خداى تعالى بيا فريد قلم بود بس نون را بيا فريدو آن دو اتست وقلم ازان دوات نوشت آنجه بود وهست وباشدوبرين تقدير خداى تعالى قسم فرمود بدوات بقلم اعلى كه از نورست كما فى تفسير الكاشفى.
وفى القاموس النون من حروف الزيادة والدواة والحوت انتهى وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالقلم قلم الكرام الكاتبين او جنس القلم اقسم بالله بالدواة والقلم لكثرة منافعهما وعظم فوآئدهما فان التفاهم بالنطق والبيان انما يكون بين الحاضرين واما بالنسبة الى من غاب وبعد من اهل عصر واحد ومن اهل الزمان الآتى فانما يكون بالكتابة كما قال بعضهم البيان اثنان بيان لسان وبيان بنان ومن فضل بيان البنان ان ما تثبته الاقلام باق على الايام وبيان اللسان تدرسه الاعوام ولو لم يكن للقلم مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله لكفى به فضلا موجبا لتعظيمه ومن تعظيمه تعظيم برايته فتوضع حيث لا تطأها الاقدام والا اورثت الآلام وعن بعض الحكماء قوام امور الدين والدنيا بشيئين القلم والسيف والسيف تحت القلم لولا القلم لما قام دين ولا صلح عيش قال بعضهم.
ان يخدم القلم السيف الذى خضعت له الرقاب ودانت خوفه الامم كذا قضى الله للاقلام مذبريت ان السيوف لها مذأرهفت خدم
وقال بعضهم
اذا اقسم الابطال يوما بسيفهم وعدوه مما يجلب المجد والكرم كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة مدى الدهران الله اقسم بالقلم
{ وما يسطرون } ما موصولة والعائد محذوف والسطر الصف من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف وسطر فلان كذا اى كتبه سطرا سطرا وضمير الجمع لاصحاب القلم المدلول عليه بذكره والمعنى بالفارسية وديكر سوكند ياد فرمود بآنجه اصحاب قلم از آسمانيان وزمنينيان مى نويسند از كتاب وكلام درتبيان از ابن هيضم رحمه الله نقل فرمودكه نون دهنست وقلم زبان وما يسطرون آنجه حفظه بربنده مى نويسند حق تعالى بدينها سوكند فرموده. قال بعض العارفين النون نون الذات والقلم قلم الصفات وما يسطرون هى الافعال والشؤون الالهية يكتبونها على لوح القدرة والارادة حرفا حرفا. يقول الفقير فيه اشارة الى ان نون الجمع الذاتى اى دواته وهو أصل كتاب الوجود الذى هو ام الكتاب سمى بالنون لكونه مجتمع مداد مواد نقوش العالم وان شئت قلت الى نون النقطة التى هى مرتبة الاحدية وقد كان الامام على رضى الله عنه يقول فى خطبته على رؤوس الاشهاد انا نقطة باء بسم الله الذى فرطتم فيه أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ وانا العرش وأنا الكرسى وانا السموات السبع والارضون فاذا صحا وارتفع عنه تجلى الوحدة اثناء الخطبة يشرع معتذرا ويقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت الاحكام الالهية وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة ن الى العلم الاجمالى المندمج فى الاحدية الذاتية الجمعية وبالقلم الى العلم التفصيلى فى الوحدة الاسمائية وانما نسبنا الاجمالى الروحى الى ن والتفصيلى القلبى الى القلم لان هذه الدواة مشتملة بما فى بطنها على جميع الحروف المجردة والكلمات المركبة اشتمال النواة على الشجرة واندماج الشجرة المفصلة فى النواة المجملة فبالقلم يسطر على لوح القلب بالتفصيل كل ما هو فى ضمير الدواة بالاجمال فاذا فهمت المقصود فاعلم ان الله تعالى اقسم بعلمه الاجمالى الكائن فى الاحدية وبعلمه التفصيلى الثابت فى الواحدية وبالتحقيق أقسم بأحدية ذاته المطلقة وبواحدية اسمائه الجمعية اذ العلم من حيث هو عين ذاته واقسم اذا بكل ما سطر قلمه الكريم من دواته القديم من الحروف الالهية المجردة العلوية والكلمات الربانية المركبة السفلية انتهى كما قال بعض الكبار فى بيان حروف كتاب الوجود الظلى وكلماته وآياته وسوره ان الشؤون الغيبية حروفه العاليات والاعيان الثابتة العلمية كلماته التامات والحقائق الارواحية والمثالية آياته المتعاليات والصور الحسية العينية سورة الكاملات واما كتاب الوجود الحقيقى فحروفه المجردة الاسماء الذاتية الاحدية وكلماته الاسماء الصفاتية الواحدية وآياته الاسماء الافعاليته الواحدية وصوره الاسماء الاثارية المظهرية وكل منها كتاب مبين انتهى وهكذا قال بعض الكبار القلم علم التفصيل والنون علم الاجمال وتلك الحروف التى هى مظاهر تفصيل القلم مجملة فى مداد الدواة ولا تقبل التفصيل ما دامت فيها فاذا انتقل المداد منها الى القلم تفصلت الحروف به فى اللوح وتفصل العلم بها لا الى غاية واما الاجمال المعبر عنه بالنون فان النون فى الرقم نصف دآئرة محسوسة ونصف دآئرة معقولة تشعر نقطتها فى الوسط بكونه مراد التتميم الدآئرة الذاتية التى هى ظرف مداد الوجود ولذلك كان من الحروف الدورية عكسه كطرده فان النصف المحسوس ظرف مداد عالم الخلق والنف المعقول ظرف مداد عالم الامر والخط الفاصل بينهما وهو خط ألف قام بين تدوير النونين برزخ جامع وهو مستوى الصحف الالهية والكتب المتفرقة من حيطة الكتاب المحيط بالمحيطات المقول فيه ما فر طنا فى الكتاب من شئ وهو كتاب ينطوى على العلوم الجمة المنطوى عليها ايضا مداد النون وتشتمل على مائة واربع عشرة سورة كما اشتمل النون على عدد يطابقها فان النونين والواو والالف الذى انتهى اليه اسم النون مائة وثلاثة عشر وكون مسماه حرفا واحدا متمم الرابعة عشر فاعلم ذلك فانه دقيق قل أن تجده فى كلام احد انتهى وقال القاشانى ن هو النفس الكلية والقلم هو العقل الكلى والاول من باب الكناية بالاكتفاءة من الكلمه باول حروفها والثانى من باب التشبيه اذ تنتقش فى النفس صور الموت جودات بتأثير العقلى كما تنتقش الصور فى اللوح بالقلم وما يسطرون من صور الاشياء وما هياتها واحوالها المقدرة على ما تقع عليه وفاعل ما يسطرون الكتبة من العقول المتوسطة والارواح المقدسة وان كان الكاتب فى الحقيقة هو الله تعالى لكن لما كان فى حضرة الاسماء نسب اليها مجازا اقسم بهما وبما يصدر عنهما من مبادى الوجود وصور التقدير الالهى وبمدأ امره ومخزن غيره لشرفهما وكونهما مشتملين على كل الوجود فى اول مرتبة التأثير والتأثر ولمناسبتهما للمقسم عليه وهو قوله { ما انت بنعمة ربك بمجنون } جواب القسم والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير فى خبر ما وهو مجنون والعامل فيها معنى النفى والجنون حائل بين النفس والعقل وجن فلان اى أصابه الجن او اصاب جنانه او حيل بين نفسه وعقله فجن عقله ذلك كأنه قيل انتفى عنك الجنون يا محمد وأنت بريئ منه ملتبسا بنعمة الله التى هى النبوة والرياسة العامة والمراد تنزيهه عليه السلام عما كانوا بنسبونه عليه السلام اليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة مع جزمهم بأنه عليه السلام فى غاية الغايات من حصافة العقل ورزانة الرأى قال ابوحيان قوله بنعمة ربك قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد والتشديد والمبالغة فى انتفاء الوصف الذميم عنه عليه السلام وذهب الى القسم ايضا حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته روى انه عليه السلام غاب عن خديجة رضى الله عنها الى حرآء فلم تجده فاذا هو قد طلع ووجهه متغير بلا غبار فقال له مالك فذكر نزول جبرآئيل عليه السلام وانه قال له اقرأ باسم ربك فهو اول ما نزل من القرءآن قال ثم نزل بى الى قرار الارض فتوضأ وتوضات ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال هكذا الصلاة يا محمد فذكر عليه السلام ذلك لخديجة فذهبت خديجة الى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد حالف دين قريش ودخل فى النصرانية فسألته قال ارسلنى الى محمد فأرسلته فأتاه فقال هل امرك جبرآئيل ان تدعو احد فقال لا فقال والله لئن بقيت الى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ثم مات قبل دعاء الرسول عليه السلام ووقعت تلك الواقعة فى ألسنة كفار قريش فقالوا انه مجنون فأقسم الله تعالى على انه ليس بمجنون وهو خمس آيات من اول هذه السورة قال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما نزل قوله سبح اسم ربك وهذه الآية هى الثانية وفى التأويلات النجمية ما انت بنعمة ربك بمستور عما كان من الازل وما سيكون الى الأبد لان الجن هو الستر وما سمى الجن جنا الا لاستتاره من الانس بل انت عالم بما كان خبير بما سيكون ويدل على احاطة علمه قوله عليه السلام فوضع كفه على كتفى فوجدت بردها بين ثديى فعلمت ما كان وما سيكون قال الامام القشيرى قدس سره فى شرح الاسماء الحسنى نصرة الحق لعبده اتم من نصرة العبد لنفسه قال تعالى لنبيه عليه السلام ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون ثم انظر بما ذا سلاه وبأى شئ خفيف عليه تحمل اثقال الأذى حيث قال فسبح بحمد ربك يعنى اذا تأذيت بسماع السوءة فيك منهم فاسترح بروح ثنائك علينا ولذة التنزيه والذكر لنا فان ذلك يريحك ويشغلك عنهم ثم انه عليه السلام لما قبل هذه النصيحة وامتثل بأمر ربه تولى نصرته والرد عنه فلما قيل انه مجنون اقسم على نفى ذلك بقوله ن والقلم الخ تحقيقا لتنزيهه لما اشتغل عنهم بتنزيه ربه ثم عاب الله القادح فيه بالجنون بعشر خصال ذميمة بقوله
ولا تطع كل حلاف مهين
الى قوله
اساطير الاولين
وكان رد الله عنه وذبه اتم من رده عن نفسه حيث كان من جملة القرءآن باقيا على الألسنة الى يوم القيامة.
القلم 68:3
{ وان لك } بمقابلة مقاساتك ألوان الشدآئد من جهتهم وتحملك لاعباء الرسالة { لأجرا } لثوابا عظيما { غير ممنون } مع عظمه كقوله تعالى
عطاء غير مجذوذ
اى غير منقوص ولا مقطوع ومنه قيل المنون للمنية لانها تنقص العدد وتقطع المدد وبالفارسية مزدى بردوا مكه هركز انقطاع بدان راه نيابد. ويقال اجر النبى مثل اجر الامة قاطبة غير منقوص ويجوز ان يكون معناه غير مكدر عليه بسبب المنة لانه ثواب تستوجبه على عملك وليس بتفضل ابتدآء وانما تمت الفواضل لا الاجور على الاعمال كما فى الكشاف وقال الكاشفى غير ممنون منب بانهاده يعنى حق تعالى بى واسطه كسى كه ازو منت بايد داشد بتو عطا كرد. وفى اشارة الى ان انوار المكاشفات والمشاهدات غير مقطوعة لكونها سرمدية فلا يزال العارف يترقى فى الشهود فى جميع المواطن ولا ممنونة لان الفتح والفيض انما يجيئ من عند الله لا من عند غيره فالله يمن على عباده لا العباد بعضهم على بعض وقال بعضهم اجره قبول شفاعته وهى غير منقطعة عن اهل الكبائر من امته لا يخيب الله رجاءه عليه السلام فى غفرانهم جميعا بلا عتاب ولا عذاب. يقول الفقير الظاهر أن اجره عليه السلام هو الله تعالى لانه عوض له عما سواه ولذا جاء اللهم انت الصاحب فى السفر والخليفة فى الاهل والله تعالى مان لا ممنون والى هذا المقام يشير قول الصديق رضى الله عنه الله ورسوله اى ابقيت الله ورسوله حين ما قال له عليه السلام
" ما أبقيت لاهلك يا أبا بكر "
فالله تعالى عوض عن نفس الفانى عن نفسه وعن ولده وماله وهو الأجر العظيم لانه العظيم
القلم 68:4
{ وانك لعلى خلق عظيم } لا يدرك شأوه احد من الخلق ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يكاد يحتمله البشر قال بعضهم لكونك متخلقا باخلاق الله واخلاق كلامه القديم ومتأيد بالتأييد القدسى فلا تتأثر بافترآئهم ولا تتأذ بأذاهم اذ بالله تصبر لا بنفسك كما قال واصبر وما صبرك الا بالله ولا احد أصبر من الله وكلمة على للاستعلاء فدلت على انه عليه السلام مشتمل على الاخلاق الحميدة ومستول على الافعال المرضية حتى صارت بمنزلة الامور الطبيعية له ولهذا قال تعالى
قل ما اسالكم عليه من اجر وما انا من المتكلفين
اى لست تكلفا فيما يظهر لكم من اخلاقى لان المتكلف لا يدوم امره طويلا بل يرجع اليه الطبع وللانسان صورة ظاهرة لها هيئة يشاهدها البصر الذى هو فى الرأس وهى عالم الملك وهى الشكل وصورة باطنة لها سيرة يشاهدها البصيرة التى هى فى القلب وهى من عالم الملكوت وهى الخلق فكما ان لهيئته الظاهرة حسنا او قبحا صوريا باعتبار اشكالها واوضاعها وألوانها فكذلك لسيرته الباطنة حسن او قبح معنوى باعتبار شمائلها وطبائعها ومن ذلك قسموا الخلق الى المحمود والمذموم تارة والى الحسن والقبيح اخرى وكثيرا ما يطلق ويراد به المحمود فقط لانه اللائق بأن يسمى خلقا ومن هذا قوله تعالى خلق عظيم وعليه قول الامام الرازى الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الاتيان بالافعال الجميلة ونفس الاتيان بالافعال الجميلة شئ وسهولة الاتيان بها شئ آخر فالخالة التى باعتبارها تحصل تلك السهولة الخلق وسمى خلقا لانه لرسوخه وثباته صار بمنزلة الخلقة التى جبل عليها الانسان وان احتاج فى كونه ملكة راسخة الى اعتمال وطول رياضة ومجاهدة ولذا قالوا الخلق يتبدل بالمصاحبة والمعاملة فيكون الحسن قبيحا والقبيح حسنا على حال المصاحبين والمعاملين كما فى الحديث
" المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل "
وفى حديث آخر
" لا تجالسوا اهل الاهوآء والبدع فان لهم عرة كعرة الجرب "
ومن ذلك كانت مصاحبة الاخيار مستحسنة مرغبا فيها ومصاحبة الاشرار مستقبحة مرهبا عنها وكذلك يتبدل بالسعى فى اسبابه ولذلك صنف اطباء الارواح ابوابا فى علم الاخلاق لبيان ما هو صحة روحانية وما هو مرض روحانى كما ألف اطباء الاشباح فصولا فى علم الأبدان لبيان سبب كل مرض وعلاجه وانما أفرد الخلق ووصفه بالعظمة كما وصف القرءآن بالعظيم لينبه على ان ذلك الخلق الذى هو عليه السلام جامع المكارم الاخلاق أجتمع فيه شكر نوح وخلة ابراهيم واخلاص موسى وصدق وعد اسمعيل وصبر يعقوب وايوب واعتذار داود وتواضع سليمان وعيسى وغيرهما من اخلاق سائر الانبياء عليهم السلام كما قال تعالى
فبهداهم اقتده
اذ ليس هذا الهدى معرفة الله تعالى لان ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول عليه السلام ولا الشرآئع لان شريعته ناسخة لشرآئعهم ومخالفة لها فى الفروع والمراد منه الاقتدآء بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم لو كان كل منهم مختصا بخلق حسن غالب على سائر اخلاقه فلماامر بذلك فكأنه امر بجمع جميع ما كان متفرقا فيهم فهذه درجة عالية لم تتيسر لاحد من الانبياء عليهم السلام فلا جرم وصفه الله بكونه على خلق عظيم كما قال بعض العارفين.
لكل نبى فى الانام فضيلة وجملتها مجموعة لمحمد
ولم يتصف عليه السلام بمقتضى قوته النظرية الا بالعلم والعرفان والايقان والاحسان ولم يفعل بمقتضى قوته العملية الا ما فيه رضى الله من فرض او واجب او مستحب ولم يصدر منه حرام او مفسد او مكروه فكان هو الملك بل اعلى منه ويجمع هذا كله قول عائشة رضى الله عنها لما سئلت عن خلقه عليه السلام فقالت
" كان خلقه القرءآن "
ارادت به انه عليه السلام كان متحليا بما فى القرءآن من مكارم الاخلاق ومحاسن الاوصاف ومتخليا عما يزجر عنه من السيئات وسفساف الخصال وفى رواية قالت للسائل ألست تقرأ القرءآن قد افلح المؤمنون يعنى اقرأ الآى العشر فى سورة المؤمنين فذلك خلقه وفيه تنبيه للسامعين على عظام اخلاقه من الايمان الذى هو اصل الاخلاق القلبية والصلاة الى هى عماد الاخلاق البدنية والزكاة التى هى رأس الاخلاق المالية الى آخر ما فى الآيات وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى رحمه الله
بود هم بحر مكرمت هم كان كوهرش كان خلقه القرءآن وصف خلق كسى كه قرآنست خلق را نعت اوجه امكانست
وفى التأويلات النجمية كان خلقه القرءآن بل كان هو القرءآن كما قال العارف بالحقائق
انا القرءآن والسبع المثانى وروح الروح لا روح الأوانى
محمد بن حكيم الترمذى قدس سره فرموده كه هيج خلقى بزر كتراز خلق حضرت محمد عليه السلام نبوده جه زميشت خوددست باز داشت وخودرا كلى باحق كذاشت وامام قشيريى قدس سره كفته كه ازبلا منحرف شد ونه ازعطا منصرف كشت وكفته كه آن حضرت راهيج مقصد ومقصودى جز خدى تعالى نبوده كما قال الجنيد قدس سره كان على خلق عظيم لجوده بالكونين
له همم لا منتهى لكبارها وهمته الصغر اجلى من الدهر
وقال الحسين النورى قدس سره كيف لا يكون خلقه عظيما وقد تجلى الله لسره بانوار اخلاقه. يقول الفقير كان خلقه عظيما لانه مظهر العظيم فكان خلق العظيم عظيما فافهم جدا وفى تلقيح الاذهان لحضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اوتى عليه السلام جوامع الكلم لانه مبعوث لتتميم مكارم الاخلاق كما قال عليه السلام ولذلك قال الله تعالى { وانك لعلى خلق عظيم } وهو عين كونه صراط المستقيم قال صلى الله عليه وسلم
" ان لله ثلاثمائة وستين خلقه من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "
قال ابو بكر رضى الله عنه هل فى منها يا رسول الله قال
" كلها فيك يا ابا بكر وأحبها الى الله السخاء "
انتهى ولذلك كان احسن اخلاق المرء فى معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن اخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء وانما قال مع التوحيد لانه قد توجد مكارم الاخلاق والايمان كما انه قد يوجد الايمان ولا اخلاق اذ لو كان الايمان يعطى بذاته مكارم الاخلاق لم يقل للمؤمن افعل كذا واترك كذا وللمكارم آثار ترجع على صاحبها فى اى دار كان كما ورد فى حق ابى طالب قال بعض الكبار من اراده ان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يدركه من امته فلينظر الى القرءآن فانه لا فرق بين النظر فيه وبين النظر الى رسول الله فكأن القرءآن انتشاء صورة جسديه يقال لها محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب والقرءآن كلام الله وهو صفته فكأن محمدا عليه السلام خلعت عليه صفه الحق من يطع الرسول فقد اطاع الله وقال بعضهم من أراده ان يرى رسول الله فليعمل بسنته لا سيما فى مكان اميتت السنه فيه فان حياة رسول الله بعد موته هى حياة سنته ومن احياها فكأنما احيى الناس جميعا لانه المجموع الاتم الاكمل صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لم يبق بعد بعثة رسول الله سفساف اخلاق ابدا لانه صلى الله عليه وسلم أبان لنا عن مصارفها كلها من حرص وحسد وشره وبخل وخوف وكل صفة مذمومة فمن اجراها على تلك المصارف عادت كلها مكارم اخلاق وزال عنها اسم الذم قال صلى الله عليه وسلم لمن ركع دون الصف
" زادك الله حرصا ولا تعد "
وقال
" لاحسد الا فى اثنتين "
وقال
" اكثروا من ذكر الله "
وقال تعالى
فلا تخافوهم وخافون
وقال تعالى
فلا تقل لهما اف
وقال
اف لكم
وغير ذلك من الآيات ولاخبار فما امر الله باجتناب بعض الاخلاق الا لمن يعتقد انها سفساف اخلاق وجهل معنى قوله عليه السلام
" بعثت لاتمم مكارم الاخلاق "
فمن الناس من علم ومنهم من جهل فالكامل لا يرى فى العالم الا اخلاق الله تعالى التى به وجدت وفى كشف الاسرار فى تفسير الآيه عرض عليه مفاتيح العرض فلم يقبلاه ورقاه ليلة المعراج وأراه جميع الملائكة والجنة فلم يلتفت اليها قال الله تعالى
ما زاغ البصر وما طغى
ما التفت يمينا وشمالا فقال تعالى رانك لعلى خلق عظيم }. اى جوانمرد قدر آن مهتركه داند وكدام خاطر ببدايت عزو رسد صد هذار وبيست وجهار هزار نقطه نبوت كه رفتند دبر برابر درجات او كواكب بودند وبا آنكه او غائب بودهمه نور نبوت ازو كفرتند جنانكه آفتاب اكرجه غائب باشد كواكب نور ازوى كيرند ليكن جون آفتاب بيدا شود كواكب درنور او يبدا شوند همجنين همه انبيا نور ازو كرفتند ليكن جون محمد عليه السلام بعالم صورت درآمد ايشان هم كم شدند
كأنك شمس والملوك كواكب اذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وفى القصيدة البردية
فاق النبيين فى خلق وفى خلق ولم يدانوه فى علم ولا كرم فانه شمس فضل هم كواكبها يظهر انوارها للناس فى الظلم
ومن اخلاقه عليه السلام ما أشار اليه قوله
" صل من قطعك واعف عمن ظلمك واحسن الى من اساء اليك "
فانه عليه السلام ما امر امته بشئ قبل الائتمار به وفى الحديث
" ان المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار "
وروى عن على بن موسى الرضى عن ابيه موسى بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد ابن على عن ابيه على بن الحسين عن ابيه الحسين بن على عن ابيه على بن ابى طالب رضى الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" عليكم بحسن الخلق فان حسن الخلق فى الجنة لا محالة واياكم وسوء الخلق فان سوء الخلق فى النار لا محالة ".
القلم 68:5
{ فستبصر ويبصرون } يقال ابصرته وبصرت به علمة وادركته فان البصر يقال للجارحة الناظرة ولقوة القلب المدركة ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة وفى تاج المصادر الابصار ديدن بجشم وبدل. فالمعنى فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل وقال القاشانى فستبصر ويبصرون عند كشف الغطاء بالموت وقال مقاتل هذا وعيد بعذاب بدر ولذا قال الكاشفى بدان وقتكه عذاب نازل شود بر ايشان معلوم كرددكه ديوانه نومى يا ايشان. وهو الاوضح ففيه وعد لرسول الله عليه السلام بغلبه الاسلام واهله وبالانتقام من الاعداء.
القلم 68:6
{ بأيكم المفتون } اى ايكم الذى ابتلى بفتنة الجنون فأيكم مبتدأ والمفتون بمعنى المجنون خبره والباء مزيدة فى المبتدأ كما فى بحسبك زيد او بأيكم الجنون على ان المفتون مصدر بمعنى الفتون وهو الجنون كالمجلود بمعنى الجلادة والمعقول بمعنى العقل كما فى قوله حتى اذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا والباء للالصاق نحو به دآء او بأى الفريقين منكم المجنون ابفريق المؤمنين ام بفريق الكافرين اى فى ايهما يوجد من يستحق هذا الاسم فالباء بمعنى فى والمفتون مبتدأ مؤخر والامة داخلة فى خطاب فستبصر بالتبعية لا يختص به عليه السلام كالسوابق وهو تعريض بأبى جهل من هشام والوليد ابن المغيرة واضرابهما كقوله تعالى
سيعلمون غدا من الكذاب الأشر
اى أصالح عليه السلام ام قومه.
القلم 68:7
{ ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله } تعالى المؤدى الى سعادة الدارين وهام فى تيه الضلال متوجها الى ما يفضيه الى الشقاوة الأبدية وهذا هو المجنون الذى لا يفرق بين النفع والضر بل يحسب الضر نفعا فيؤثره والنفع ضرا فيهجره { وهو اعلم بالمهتدين } الى سبيله الفائزين بكل مطلوب ناحين من كل محذور وهم العقلاء المراجيح فيجزى كلا من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب والثواب واعادة هو اعلم لزيادة التقرير وفى الآية اشعار بأن المجنون فى الحقيقة هو العاصى لا المطيع واشارة الى الضال عن سبيل الوصول الى حضرة المولى بسبب محبة الدنيا والميل الى شهواتها والمهتدى الى طريق التوحيد والوحدة بنور العناية الازلية والهداية الأبدية قال بعض الكبار وهو اعلم بالمهتدين اى القابلين للتوفيق فهداة البيان هم الرسل وهادى التوفيق هو الحق تعالى فاللهادى الذى هو الله الابانة والتوفيق وليس للهادى الذى هو المخلوق الا الابانة خاصة ومن لا علم له بالحقائق بظن ان العبد اذا صدق فى الارشاد والوعظ اثر ذلك القبول فى نفوس السامعين واذا لم يصدق فى ذلك لم يؤثر وهذا من الوهم الفاسد فانه لا اقرب الى الله ولا اصدق فى التبليغ عنه ولا احب للقبول لما جاء من عند الله تعالى من الرسل لغلبة لرحمة على قلوبهم ومع ذلك فاعم القبول فيمن سمعهم بل قال الرسول الصادق فى التبليغ انى دعوت قومى ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائى الا فرارا فلما لم يعم القبول مع تحققنا هذه المهمة العظيمة من اكابر اولى العزم من الرسل علمنا ان الهمة مالها اثر جملة واحدة فى المدعو وان الذى قبل من السامعين ليس هو من اثر همة الداعى الهادى الذى هو المبلغ وانما هو قوة الاستعداد فى محل القبول من حيث ما وهبه الله تعالى فى خلقه من مزاج يقتضى له قبولا مثل هذا وامثاله وهو المزاج الخاص الذى لا يعمله الا الله الذى خلقهم عليه وهو قوله تعالى { وهو اعلم بالمهتدين } قال الشيخ سعدى قدس سره
كفت عالم بكوش جان بشنو ور نماند بكفتنش كردار باطلست آنكه مدعى كويد خفته را خفته كى كند ييدار مرد بايدكه كيرد اندر كوش ورنوشته است بند برديوار
القلم 68:8
{ فلا تطع المكذبين } اى اذا تبين عندك ما تقدم فدم على ما انت عليه من عدم طاعتهم فيما يدعونك اليه من الكف عنهم ليكفو عنك وتصلب فى ذلك امره عليه السلام بالتشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار فان هذه السورة من اوآئل ما نزل دلت الآية على ان الاطاعة للعاصى عصيان والاقتدآء بالطاغى طغيان.
القلم 68:9
{ ودوا لو تدهن } لو للتمنى والادهان فى الاصل مثل التدهين واشتقاقهما من الدهن لكن جعل عبارة عن الملاينة وترك الجد قال فى تاج المصادر الادهان مداهنت كردن. والتركيب يدل على لين وسهولة وقلة والمعنى أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم فى بعض الامور وترك الدعوة { فيدهنون } اى فهم يداهنونك حينئذ بترك الطعن كما قال الكاشفى فرمان مبر مشركان مكه راكه ترا بدين آباء دعوت مى نمايند ودوست مى دارندكه تونرمى كنى باايشان وسرزنشى نكنى برشرك ناايشان نيرجرب ونرمى كنند وبردين توطعنه نزنند. فالفاء للعطف على تدهن فيكون يدهنون داخلا فى حيز لو ولذا لا ينصب يدهنون بسقوط النون جوابا للتمنى والفعل للاستقبال او الفاء للسببية فهو مسبب عن تدهن ويجوز أن يكون الفعل للحال على معنى ودوا ادهانك فهم الان يدهنون طمعا فى ادهانك فالتسبب عن التمنى وتقدير المبتدأ لانه لولاه لكان الفعل منصوبا لاقتضاء التسبب عما فى حيز التمنىذلك قال بعضهم لا توافقهم فى الظاهر كما لا توافقهم فى الباطن فان موافقة الظاهر اثر موافقة الباطن وكذا المخالفة والا كان نفاقا سريع الزوال ومصانعة وشيكة الانقضاء واما هم فلانهماكهم فى الرذآئل وتعمقهم فى التلون والاختلاف لتشعب اهوآئهم وتفرق امانيهم يصانعون ويضمون تلك الرذيلة الى رذيلتهم طمعا فى مداهنتك معهم ومصانعتك اياهم قال بعضهم المداهنة بيع الدين بالدنيا فهى من السيئات والمداراة بيع الدنيا بالدين فهى من الحسنات ويقال الادهان الملاينة لمن لا ينبغى له ذلك وهو لا ينافى الامر بالمداراة كما قال عليه السلام
" امرت بمداراة الناس كما أمرت بالتبليغ "
قال الامام الغزالى رحمه الله فى احياء الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الاغضاء فان اغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيك من اصلاح اخيك بالاغضاء فأنت مدار وان اغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن قال ابو الدردآء رضى الله عنه انا لنبش فى وجوه اقوام وان قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة وهو مع من يخاف شره.
القلم 68:10
{ ولا تطع كل حلاف } كثير الحلف فى الحق والباطل لجهله حرمة اليمين وعدم مبالاته من الحنث لسوء عقيدته وتقديم هذا الوصف على سائر الاوصاف الزاجرة عن الطاعة لكونه أدخل فى الزجر قال فى الكشاف وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله تعالى
ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم
انتهى ودخل فيه الحلف بغير الله تعالى فانه من الكبائر واصل الحلف اليمين الذى يأخذ بعضهم من بعض بها الحلف اى العهد ثم عبر به عن كل يمين { مهين } حقير الرأى والتدبير لانه لم يعرف عظمة الله ولذا اقدم على كثرته الحلف من المهانة وهى القلة والحقارة ويجوز أن يراد به الكذاب لانه حقير عند الناس.
القلم 68:11
{ هماز } عياب طعان يعنى عيب كننده درعقب مردم ياطعنه زننده در روى باايشان. قال الحسن رحمه الله يلوى شدقيه فى اقفيه الناس وفيه اشارة الى من يعيب ويطعن فى اهل الحق فى رياضاتهم ومجاهداتهم وانزوآئهم وعزلهم عن الناس وفى الحديث
" لا يكون المؤمن طعانا ولا لعانا "
وفى حديث آخر
" طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس "
يعنى من ينظر الى عيب نفسه يكون ذلك مانعا له عن النظر الى عيب غيره وتعيبه به وذلك لا يقتضى أن لا ينهى العاصى عن معصيته اقتداء بأمر الله تعالى بالنهى عن المنكر لا اعجابا بنفسه وازدرآء لقدر غيره عند الله فاقامه العالم ببواطن الامور والهماز مبالغة هامز والهمز الطعن والضرب والكسر والعيب ومنه المهمز والمهماز بكسر الميم حديدة تطعن بها الدابة قيل لاعرابى أتهمز الفارة قال السنور يهمزها واستعير للمغتاب الذى يذكر الناس بالمكروه ويظهر عيوبهم ويكسر اعراضهم كأنه يضربهم بأذاه اياهم { مشأ بنميم } مضربه نقال للحديث من قوم الى قوم على وجه السعاية والافساد بينهم فان النميم والنميمة السعاة واظهار الحديث بالوشاية وهو من الكبائر اما نقل الكلام بقصد النصحية فواجب كما قال من قال يا موسى ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج انى لك من الناصحين وفى التعريفات النمام هو الذى يتحدث مع القوم فينم عليهم فيكشف ما يكره كشفه سوآء كرهه المنقول عنه او المنقول اليه او الثالث وسوآء كان الكشف بالعبارة او بالاشارة او بغيرهما وفى الحديث
" لا يدخل الجنة نمام "
اى ماش بالسعاية وهى بالفراسية غمز كردن. وفى التأويلات النجمية مشاء بنميم يحفظون كلام اهل الحق من هذه الطائفة الكريمة ثم يحكونه عند الجحال من اصحاب الحجب فيضحكون عليهم وينسبون ذلك الكلام الى السفسفة والسفه.
القلم 68:12
{ مناع } مبالغة مانع { للخير } اى بخيل والخير المال او مناع الناس من الخير الذى هو الايمان والطاعة والاتقان ولارباب السلوك من ارشاد الطالبين المسترشدين فذكر الممنوع منه دون الممنوع وكان للوليد ابن المغيرة عشرة من البنين وكان يقول لهم ولاقاربه من تبع منكم دين محمد لا انفعه شئ ابداء وكان الولد موسرا له تسعة آلاف مثقال فضة وكانت له حديقة فى الطائف { معتد } متجاوز فى الظلم اى يتجاوز الحق والحد بأن يظلم على الناس ويمكن حمله على جميع الاخلاق الذميمة فان جميعها تجاوز عن حد الاعتدال وفى التأويلات النجمية متجاوز فى الظلم على نفسه بانغماسه فى بحر الشهوات وانهماكه فى ظلمة المنهيات { اثيم } كثير الاثم وهو اسم للافعال المبطعة عن الثواب وقال الكاشفى بسيار كناهكار زيانكار. وفى التأويلات النجمية كثير الآثام بالركون الى الاخلاق الرديئة والرغبة فى الصفات المردودة.
القلم 68:13
{ عتل } جاف غليظ من عتله اذا قاده بعنف وغلظة قال الراغب العتل الاخذ بمجامع الشئ وجره بقهر كعتل البعير وبالفارسية كشدن بعنف وقال الكاشفى عتل يعنى سخت روى وزشت خوى انتهى. ومن كان جافيا فى المعاملة غليظ القلب والطبع بحيث لا يقبل الصفات الروحانية ولا يلين للحق اجترأ على كل معصية قال فى القاموس العتل بضمتين مشددة اللام الاكول المنيع الجافى الغليظ { بعد ذلك } اى بعدما عد من مقابحه { زنيم } دعى ملصق بالقوم وملحق بهم فى النسب وليس منهم فالزنيم هو الذى تبناه احد اى اتخذه ابنا وليس بابن له من نسبه فى الحقيقة قال تعالى
وما جعل ادعياءكم ابناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم
قال الراغب الزنيم والمزنم الزآئد فى القوم وليس منهم اى المنتسب الى قوم وهو معلق بهم لا منهم تشبيها بالزنمتين من الشاة وهما المتدليتان من اذنها ومن الحلق وفى الكشاف الزنيم من الزنمة وهى الهنة من جلد الماعز تقطع فتخلى معلقة فى حلقها لانه زيادة معلقة بغير أهله وفى القاموس الزنمة محركة شئ يقطع من اذن البعير فيترك معلقا يفعل بكرامها والظاهر من قول ابن عباس رضى الله عنهما الحقيقة حيث قال انه لم يعرف حتى قيل زنيم فعرف انه كان له زنمة اى فى حلقه ويقال كان يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها قال العتبى لا نعلم ان الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه ابدا وفى قوله بعد ذلك دلالة على ان دعوته اشد معايبه واقبح قبائحه وكان الوليد دعيا فى قريش وليس من نسبهم وسنخهم اى اصلهم ادعاه ابوه المغيرة بعد ثمان عشرة سنة من مولده يعنى وليد هزده ساله بودكه مغيره دعوى كرد كه من بدر اويم واورا بخود كرفت. فقوله بعد ذلك ههنا نظير ثم فى قوله تعالى
ثم كان من الذين آمنوا
من حيث انها للتراخى رتبة وفى الحديث
" لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظرى ولا العتل الزنيم "
فالجوظ الجموع المنوع والجعظرى الفظ الغليظ والعتل كل رحيب الجوف اكول شروب غشوم ظلم وفى الحديث
" ألا اخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو اقسم على الله لأبره الا اخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر "
وقيل بغت ام الوليد ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية فمعنى زنيم حينئذ ولدالزنى وبالفارسية حرام زاده كه بدر او معلوم نباشد قال الشاعر
زنيم ليس يعرف من ابوه بغى الام ذو حسب لئيم
در تفسير امام زاهد مذكور است كه جون حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم آيت درانجمين قريش بر وليد خواند بهر عيسى كه رسيد درخود بازيافت مكر حرام زادكى باخود كفت من سيد قريش وبدر من مردى معروفست وميدانم كه محمد دروغ نكويد جكونه اين مهم را بر سر آرم شمشير كشيده نزدما درآمد القصه بعد از تهديد بسياز ازو اقرار كشيدكه بدر تو در قصه زنان جرأتى نداشت واورا برادر زاد كان بودند جشم برميراث وى نهاده مرارشك آمد غلام فلا نرا بمزد كرفتم وتوفر زندا ويى ودليل روشن برصدق قول زن شدت خصومت وليدست وستيزه اوبآن حضرت صلى الله عليه وسلم ودرين باب كفته اند
جرم وكناه مدعى از فعل مادرست كور اخطاى مادر اوخاكسار كرد
والغالب ان النطفة اذا خبثت خبث الولد الناشئ منها ومن ثمة قال رسول الله عليه السلام
" لا يدخل الجنة ولد الزنى ولا ولده ولا ولد ولده "
كما فى الكشاف وفى الحديث
" لا تزال امتى بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى فاذا فشا فيهم ولد الزنى او السكران يعمهم الله بعذابه "
وفى حديث آخر
" ولد الزنى شر الثلاثة "
قال الرهاوى فى شرح المنار هذا فى مولود خاص لأنا قد نشاهد ولد الزنى اصلح من ولد الرشدة فى امرين الدين والدنيا ويستحق جميع الكرامات من قبول شهادته وعبادته وصحة قضائه وامامته وغير ذلك فالحديث ليس على عمومه انتهى. يقول الفقير اذا كان الرضاع بغير الطباع فان من ارتضع امرأة فالغالب عليه اخلاقها من خير وشر فما ظنك بالزنى ولا عبرة بالصلاح الظاهر والكرامات الصورية وفى الحديث
" ولدت من نكاح لا من سفاح "
وكذا سائر الانبياء عليهم السلام وجميع الاولياء الكرام قدس الله اسرارهم فالزنى اقبح من الكفر من وجه فان الله يخرج الحى من الميت اى المؤمن من الكافر بخلاف الرشيد من الزانى فولد الزنى لا يصلح للولاية الحقيقية وان كان صالح للولاية الصورية وقيل نزلت الآية فى الأخنس ابن شريف واسمه ابى وكان ثقفيا مصطلقيا فى قريش فلذلك قال زنيم لا على جهة الذم لنسبه ولكن على جهة التعريف به ذكره السهيلى قال ابن عطية وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقى الزمن لا سيما لولاة الامور قال فى فتح الرحمن ثم هذا الترتيب انما هو فى قول الواصف لا فى حصول تلك الصفات فى الموصوف والافكونة عتلا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه وفى برهان القرءآن قوله حلاف الى قوله زنيم اوصاف تسعة ولم يدخل بينها واو العطف ولا بعد السابع فدل على ان ضعف القول بواو الثمانية صحيح.
القلم 68:14
{ أن كان ذا مال وبنين } متعلق بقوله تعالى لا تطع على حذف الجار اى لا تطع من هذه مثالبه لان كان مثولا ذا مال كثير مستظهرا بالبنين.
القلم 68:15
{ اذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين } استئناف جار مجرى التعليل المنهى اى اذا تقرأ عليه آيات كلامنا القديم قال هى احاديث لانظام لها اكتتبوها كذبا فيما زعموه لقوله اكتتبها فهى تملى عليه وبالفارسية افسا نهاى بيشينيا نست. وقال السدى اساجيع الاولين اى جعل مجازاة النعم التى خولناها من المال والبنين الكفر بآياتنا قال البرد الاساطير جمع اسطورة نحوا حدوثة واحاديث وقد سبق غير هذا وفى التأويلات النجمية لا تطع الحلاف المهين الحقير فى نفسه بسبب ثروة اعماله المنسوبة الىالرياء والسمعة وبنين الاحوال المطعونة بالعجب والاعجاب اذا تتلى عليه آياتنا من الحقائق والدقائق قال أساطير الاولين ما سطره الصوفية المتقدمون وهى من ترهاتهم وخرافاتهم.
القلم 68:16
{ سنسمه على الخرطوم } اصله سنوسمه من الوسم وهو احداث السمة بالكسر اى العلامة وبالفارسية داغ كردن. والميسم بالكسر المكواة اى آلة الكى والخرطوم كزنبور الالف او مقدمه او ما ضممت عليه الحنكين كالخرطم كقنفذ كما فى القاموس والمعنى سنجعل له سمة وعلامة يعرف بها بالكى على اكرم مواضعه لغاية اهانته واذلاله اذ الانف اكرم موضع من الوجه لتقدمه له ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الانفة وقالوا الانف بالانف وحمى انفه وفلان شامخ العرنين وقالوا فى الذليل جدع انفسه ورغم انفه ولقد وسم العباس رضى الله عنه ابا عره فى وجوهها فقال له رسول الله عليه السلام
" اكرموا الوجوه فوسمها فى جواعرها "
اى فى ادبارها وفى التعبير عن الانفس بلفظ الخرطوم استهانة بصاحبه واستقباح له لانه لا يستعمل الا فى الفيل وخنزير وكلما كان الحيوان اخبث واقبح كانت الاستهانة والاستقباح اشد واكثر قيل اصاب انف الوليد جراحة يوم بدر فبقيت علامتها قال صاحب الكشف هو ضعيف فان الوليد مات قبله فلم يوسم بوسم بقى اثره مدة حياته وقال الراغب نلزمه عارا لا ينمحى عنه كما قال صاحب الكشاف هو عبارة عن ان يذله غاية الاذلال وذلك لان الوجه اكرم موضع والانف ابين عضو منه فالوسم على الانف غاية الاذلال والاهانة لان الوسم على الوجه شين فكيف اذا كان على اظهر موضع منه وكما قال العتبى وصف الله الوليد بالحلف والمهانة والهمزة والمشى بالنميمة والبخل والظلم والاثم والجفوة والدعوة فألحق به عارا لا يفارقه فى الدنيا والآخرة قال والذى يدل على هذا ما روى عن الشعبى فى قوله عتل حيث قال العتل الشديد والزنيم الذى له زنمة من الشر يعرف بها كما تعرف الشاة وقيل سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها من سائر الكفرة بأن نسود وجه غاية التسويد اذ كان بالغا فى عداوة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام اقصى مراتب العداوة فيكون الخرطوم مجازا عن الوجه على طريق ذكر الجزء وارادة الكل وفى التأويلات النجمية نكوى خرطوم استعداده بكى نار الحجاب والبعد حتى لا يشم النفحات الالهية والنسمات الربانية.
القلم 68:17
{ انا بلوناهم } يقال بلى الثوب بلى اى خلق بلوته اختبرته كأنى اخلقته من كثرة اختبارى له والبلايا اختبارات والمعنى انا ابتلينا اهل مكة بالقحط والجوع سبع سنين بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكلوا الجيف والجلود والعظام والدم لتمردهم وكفرانهم نعم الله تعالى { كما بلونا اصحاب الجنة } اى ابتلاء مثل ابتلاء اصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم واللام للعهد والكاف فى موضع النصب على انها نعت المصدر محذوف وما مصدرية والجنة البستان وبالفارسية باغ. واصحاب الجنة قوم من اهل صنعاء وفى كشف الاسرار سه برادر بودند. كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين وقال السهيلى هى جنة بضروان وضروان على فراسخ من صنعاء وفى فتح الرحمن الجنة بستان يقال له ضروان باليمين وكان اصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير وكانوا بخلاء وكان ابوهم يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقى وكان ينادى الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما اخطأ المنجل وما فى اسفل الا كداس وما اخطأه القطاف من العنب وما بقى على البساط الذى يبسط تحت النخلة اذا صرمت قال الكاشفى وده ازبك حاصل نيز برايشان قسمت كردى. فكان يجتمع لهم شئ كثير ويتزودون به اياما كثيرة فلما مات ابوهم قال بنوه ان فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الامر ونحن اولوا عيال فحلفوا فيما بينهم وذلك قوله تعالى { اذ قسموا } ظرف لبلونا والاقسام سوكند خوردن يعنى سوكند خوردند وارثان باغ كه بنهان ازفقرا { ليصر منها } الصرام والصرم قطع ثمار النخيل وبالفارسية بار خرما بريدن. من صرمه اذا قطعه اى ليقطعن ثمارها من الرطب والعنب ويجمعن محصولها من الحرث وغيره { مصبحين } اى داخلين فى الصباح مبكرين وسواد الليل باق قوله { ليصرمنها } جواب للقسم وجاء على خلاف منطوقهم ولو جاء على منطوقهم لقيل النصر منها بنون المتكلم ومصبحين حال من فاعل ليصر منها.
القلم 68:18
{ ولا يستثنون } اى لا يقولون ان شاء الله وتسميته استثناء مع انه شرط من حيث ان مؤداه مؤدى الاستثناء فان قولك لأخرجن ان شاء الله ولا اخرج الا ان شاء الله بمعنى واحد والجملة مستأنفة او حال بعد حال لعل ايراده بعد ايراد اقسامهم على فعل مضمر لمقصودهم مستنكر عند ارباب المروة واصحاب الفتوة لتقبيح شأنهم بذكر السببين لحرمانهم وان كان احدهما كافيا فيه لكن ذكر الاقسام على امر مستنكر اولا وجعل ترك الاستثناء حالا منه يفيد اصالته وقوته فى اقتضاء الحرمان والاظهر ان المعنى ولا يستثنون حصة المساكين اى لا يميزونها ولا يخرجونها كما كان يفعله أبوهم وقال أبو حيان ولا ينثنون عما عزموا عليه من منع المساكين قال فى تاج المصادر الاستثناء ان شاء الله كفتن واستثنا كردن. والباب يدل على تكرير الشئ مرتين او جعله شيئين متواليين او متباينين والاستثناء من قياس الباب وذلك ان ذكره يثنى مرة فى الجملة ومرة فى التفصيل لانك اذا قلت خرج الناس ففى الناس زيد وعمرو فاذا قلت الا زيدا فقد ذكرت زيدا مرة اخرى ذكرا ظاهرا انتهى قال الراغب الاستثناء ايراد لفظ يقتضى رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدم او يقتضى رفع حكم اللفظ كما هو فمن الاول قوله تعالى
قل لا اجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة
ومن الثانى قوله لأفعلن كذا ان شاء الله وعبده عتيق وامرأته طالق ان شاء الله.
القلم 68:19
{ فطاف عليها } اى على الجنة اى احاط باه { طائف } بلاء طائف كقوله واحيط بثمره وذلك ليلا اذلا يكون الطائف الا بالليل وايضا دل عليه ما بعده من ذكر النوم وكان ذلك الطائف نارا نزلت من السماء فأحرقتها { من ربك } مبتدئ من جهته تعالى قال الراغب الطوف الدوران حول الشئ ومنه الطائف لمن يدور حول البيت حافظا ومنه استعير الطائف من الجن والخيال والخادم وغيرها قال تعالى فطاف الخ تعريضا بما نالهم من النائبة انتهى { وهم نائمون } غافلون عما جرت به المقادير او غافلون عن طوافه بالنوم الذى هو اخو الموت وبالفارسية وايشان خفتكان بودند. والنوم استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد اليه او ان يتوفى الله النفس من غير موت اى ان يقطع ضوء الروح عن ظاهر الجسد دون باطنه او النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل وكل هذه التعريفات صحيحة.
القلم 68:20
{ فأصبحت } بس كشت جنت ايشان با آن بلا { كالصريم } فعيل بمعنى مفعول اى كالبستان الذى صرمت ثماره لم بحيث لم يبق فيها شئ لان النار السماوية أحرقتها وقيل كالليل لان الليل يقال له الصريم اى لصارت سودآء كالليل لاحتراقها.
القلم 68:21
{ فتنادوا } اى نادى بعضهم بعضا { مصبحين } حال كونهم داخلين فى الصباح.
القلم 68:22
{ أن اغدوا } اى اغدو على ان مفسرة او بان اغدوا على انها مصدرية اى اخرجوا غدوة واول النهار وبالفارسية بامداد بيرون اييد { على حرثكم } بستانكم وضيعتكم وفى كشف الاسرار دران بستان هم زرع بودهم درخت انكور انتهى. يقول الفقير فالحرث يجوز أن يراد به الحاصل مطلقا وان يراد به الزرع خصوصا لانه اعز شئ يعيش به الانسان وتعدية الغدو بعلى لتضمنه معنى الاقبال والاستيلاء وقال بعضهم انه يتعدى بعلى كما فى القاموس غدا عليه غدوا وغدوة بالضم واغتدى بكر قال الراغب الحرث القاء البذر فى الارض وتهيئتها للزرع ويسمى المحروث حرثا قال تعالى ان اغدوا على حرثكم { ان كنتم صارمين } قاصدين للصرم وقطع الثمرة وجمع المحصول اى فاغدوا فجوابه محذوف.
القلم 68:23
{ فانطلقوا } فمضوا اليها وبالفارسية بس برفتند بجانب باغ { وهم يتخافتون } التخافت بايكديكر بنهان راز كفتن. اى يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة والسر كيلا يسمع احد ولا يدخل عليهم.
القلم 68:24
{ ان لا يدخلنها } اى الجنة { اليوم عليكم مسكين } من المساكين فضلا عن ان يكثروا وبالفارسية امروزبر شما يعنى درباغ شمادرويشتى تابهره بكيرد واز حصه ماكم نكردد. وان مفسرة لما فى التخافت من معنى القول بمعنى اى لا يدخلنها تفسيرا لما لا يتخافنون والمسكين هو الذى لا شئ له وهو أبلغ من الفقير والمراد بنهى المسكين عن الدخول المبالغة فى النهى عن تمكينه من الدخول كقولهم لا ارينك ههنا فان دخول المسكين عليهم لازم لتمكينهم اياه من الدخول كما ان رؤية المتكلم المخاطب لازم لحضوره عنده فذكر اللام لينتقل منه الى الملزوم.
القلم 68:25
{ وغدوا } مشوا بكرة وبالفارسية وبامداد برفتند { على حرد } الحرد المنع عن حدة وغضب يقال نزل فلان حريدا اى ممتنعا من مخالطة القوم وحاردت السنة منعت قطرها والناقة منعت درها وحرد غضب { قادرين } حال مقدرة من فاعل غدوا فان القدرة مع الفعل عند اهل الحق والمعنى وخرجوا اول الصباح على امتناع من ان يتناول المساكين من جنتهم حال كونهم قادرين على نفعهم او على الاجتناء والصرم بزعمهم فلم يحصل الا النكد والحرمان وفى الكشاف وغدوا قادرين على نكد لا غير عاجزين عن النفع يعنى انهم عزموا ان ينكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها الاعلى النكد والحرمان وذلك انهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة.
القلم 68:26
{ فلما رأوها } بس آن هنكام كه ديدندباغ رابخلاف آنجه كذاشنه بودند { قالوا } اى قال بعضهم لبعض { انا لضالون } اى طريق جنتناو ماهى بهالما رأوا من هلاكها.
القلم 68:27
{ بل نحن محرمون } قالوه بعدما تأملوها ووقفوا على حقيقة الامر وانها هى مضربين عن قولهم الاول اى لسنا ظالمين بل نحن محرومون حرمنا خيرها ومنعنا نفعها بجنايتنا على انفسنا بسوء نيتنا وهى ارادة حرمان المساكين وقصد منع حق الفقراء.
القلم 68:28
{ قال اوسطهم } اى رأيا اوسنا وفى الكشاف أعدلهم وخيرهم من قولهم فلان من وسطة قومه واعطنى من وسطات مالك ومنه قوله تعالى امة وسطا وقال الكاشفى كفت فاضلتر ايشان ازروى عقل با بكتربسن يا صائب تربراى. قال الراغب الوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان كالجواد الذى بين البخل والسرف فيستعمل استعمال القصد المصون عن الافراط والتفريط فيمدح به نحو السوآء والعدل ونحو
وكذلك جعلناكم امة وسطا
وعلى ذلك قال اوسطهم وتارة يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم كالخير والشر ويكنى به عن الرذل نحو قولهم وسط بين الرجال تنبيها على انه قد خرج من حد الخير { ألم اقل لكم لولا تسبحون } لولا تذكرون الله بالتسبيح والتهليل وتتوبون اليه من خبث نيتكم وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا اليه من هذه العزيمة الخبيثة من فوركم وسارعوا الى حسم شرها قبل حلول النقمة فعصوه فعيرهم وفى الآية دليل على ان العزم على المعصية مما يؤاخذ به الانسان لانهم عزموا على ان يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم ونظيرها قوله تعالى
ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم
وعلى هذا قوله تعالى
وذروا ظاهر الاثم وباطنه
والعزم قوة قصد الفعل والجزم به والمحققون على انه يؤاخذ به واماالهم وهو ترجيح قصد الفعل فمرفوع.
القلم 68:29
{ قالوا } معترفين بالذنب والاعتراف به يعد من التوبة { سبحان ربنا } ننزه ربنا عن كل سوء ونقصان سيما عن ان يكون ظالما فيما فعل بنا { انا كنا ظالمين } بقصد حرمان المساكين اتباعا لشح النفس كأنهم قالوا نستغفر الله من سوء صنيعنا ونتوب اليه من خبث نيتنا حيث قصدنا عدم اخراج حق المساكين من غلة بستاننا ولو تكلموا بهذه الكلمة قبل نزول العذاب لنجوا من نزوله لكنهم تكلموا بها بعد خراب البصرة.
القلم 68:30
{ فأقبل بعضهم على بعض } بس روى آوردند بعضى ازايشان بربعضى ديكر { يتلاومون } اللوم الملامة وبالفارسية نكوهيدن يعنى خوار داشتن. اى يلوم بعضهم بعضا على ما فعلوا فان منهم من اشار بذلك ومنهم من استصوبه ومنهم من سكت راضيا به ومنهم من انكره بالفارسية اين آنرامى كفت توجنين انديشيدى وآن عذرمى آوردكه توهم بدين رضاى بودى.
القلم 68:31
{ قالوا } يعنى بكناه خود اعتراف نمودند وازروى نياز كفتند { يا ويلنا } اى واى بزمان ودر دزدكى { انا كنا طاغين } متجاوزين حدود الله تعالى وبالفارسية أزحد برندكان دركنهكارى كه درويشانرا محروم ساختيم.
القلم 68:32
{ عسى ربنا } شايد بروردكار ماكه ازكرم اواميد واريم { ان يبدلنا } ان يعطينا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة { خيرا منها } بهترى ازان باغ { انا الى ربنا راغبون } راجون العفو طالبون الخير والى لانتهاء الرغبة لان الله منتهى رجائهم وطلبهم او التضمنها معنى الرجوع والا فالمشهور ان تتعدى الرغبة بكلمة فى اوعن دون الى روى انهم تعاقدوا وقالوا ان بدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله وتضرعوا اليه فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها قالوا ان الله أمر جبريل ان يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزعر من ارض الشام اى موضع قليل النبات ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها وقال ابن مسعود رضى الله عنه ان القوم لما اخلصوا وعرف الله منهم الصدق ابدلهم جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا قال أبو خالد اليمانى دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الاسود القائم يعنى دران باغ خوشه انكور ديدم برابر مردى سياه برباى ايستاده محققان كفته اندهركه ببلايى مبتلاكردد ومثال او عرضة تلف شودوا وتأمل نمايدوداندكه باستحقاق برونارل شده بس بكناه اعتراف نموده بحضرت عزت بازكشت كندبهترو خوشتر از آنجه ازوباز ستده بدودهد جنانجه بوستان حيوان بعوض باغ ضروانى وبيرومى قدس سره ازين معنى خبر ميدهد آنجا ميفرمايد
اولم خم شكست وسركه بريخت من نكويم كه اين زيانم كرد صدخم شهد صافى ازبى آن عوضم داد وشادمانم كرد
وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من اهل الجنة ام من اهل النار فقال لقد كلفتنى تعبا وعن الحسن رحمه الله قول أصحاب الجنة انا الى ربنا راغبون لا أدرى ايمانا كان ذلك منهم او على حد ما يكون من المشركين اذا أصابتهم الشدة فتوقف فى امرهم والا كثرون على انهم تابوا وأخلصوا حكاه القشيرى قدس سره. يقول الفقير لان كان ذلك القول منهم على حد ما يصدر من المضطر فابدال الله اياهم جنة خيرا من جنتهم يكون من قبيل الاستدراج وان كان عن توبة واخلاص فذلك الابدال من آثار تحقيق التوبة ونتائج الاخلاص فان للاخلاص ثمرات عجيبة وعن الشيخ أبى الربيع المالقى رحمه الله قال سمعت بامرأة من الصالحات فى بعض القرى اشتهر أمرها وكان من دأبنا ان لا نزور امرأة فدعت الحاجة الى زيارتها للاطلاع على كرامة اشتهرت عنها وكانت تدعى بفضة فنزلنا القرية التى هى بها فذكر لنا ان عندها شاة تحلب لبنا وعسلا فاشترينا قدحا جديدا لم يوضع فيه شئ فمضينا اليها وسلمنا عليها ثم قلنا لها نريد أن نرى هذه البركة التى ذكرت لنا عن هذه الشاة التى عندكم فأعطتنا الشاة فحلبناها فى القدح فشربنا لبنا وعسلا فلما رأينا ذلك سألناها عن قصة الشاة فقالت نعم كانت لنا شويهة ونحن قوم فقرآء ولم يكن لنا شئ فحضر العيد فقال لى زوجى وكان رجلا صالحا نذبح هذه الشاة فى هذا اليوم فقلت له لا نفعل فانه قد رخص لنا فى الترك والله يعلم حاجتنا اليه فاتفق ان استضاف بنافى ذلك اليوم ضيف ولم يكن عندنا قراه فقلت له يا رجل هذا ضيف وقد أمرنا باكرامه فخذ تلك الشاة فاذبحها قالت فخفنا ان يبكى عليها صغارنا فقلت له اخرجها من البيت الى ورآء الجدار فاذبحها فلما اراق دمها قفزت شاة على الجدار فنزلت الى البيت فخشيت ان تكون قد انفلتت منه فخرجت لانظرها فاذا هو سلخ الشاة فقلت له يا رجل عجبا وذكرت له القصة فقال لعل الله قد ابدلنا خيرا منها وكانت تلك الشاة تحلب اللبن والعسل ببركة اكرامنا الضيف ثم قالت يا اولادى ان شويهتنا هذه ترعى فى قلوب المريدين فاذا طابت قلوبهم طاب لبنها وان تغيرت تغير لبنها فطيبوا قلوبكم قال اليافعى عنت بالمريدين نفسها وزوجها ولكن اطلقت لفظا ظاهره العموم مع ارادة التخصيص تسترا وتحريضا للمريدين على تطييب قلوبهم اذ بطيب القلوب يحصل كل طيب محبوب من الانوار والاسرار ولذة العيش بمنادمة الملك الغار والمعنى لما طابت قلوبنا طاب ما عندنا فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم ولو لم يكن الامر كذلك بل المراد عموم المريدين لكان بطيب اللبن من سائر الغنم ولو خبث قلبهما لما نفعهما طيب قلوب المريدين واذا طاباهما لم يضرهما خبث قلوب المريدين.
القلم 68:33
{ كذلك العذاب } جملة من مبتدأ وخبر مقدم لافادة القصر والالف واللام للعهد أى مثل الذى بلونا به اهل مكة واصحاب الجنة عذاب الدنيا وفى كشف الاسرار كذلك افعل بامتك اذا لم تعطف اغنياؤهم على فقرآئهم بأن امنعهم القطر وارسل عليهم الجوآئح وأرفع البركة من زروعهم وتجارتهم ففيه وعيد لمانعى الزكاة والصدقة باهلاك المال وانزال العذاب باى طريق كان
مكن بدكه بدبينى اى يارينك نيايد زتخم بدى بارنيك كسى نيك بيند بهر دوسراى كه نيكى رساند بخلق خداى
{ ولعذاب الآخرة اكبر } اعظم واشد وبالفارسية بزركتراست جه اين عذاب زوال يابد وآن باقى باشد { لو كانوا يعلمون } انه اكبر لاحترزوا عما يؤديهم اليه ويطرحهم ويرميهم عليه.
القلم 68:34
{ ان للمتقين } اى من الكفر والمعاصى { عند ربهم } اى فى الآخرة وذكر عند للتشريف والتكريم وذلك لانه لا ملك فيها حقيقة وصورة الا لله فكأنها حاضرة عنده تعالى يتصرف فيها كيف يشاء والافمحال كون عندية الجنة بالنسبة الى الله تعالى مكانية وهى ظرف معمول للاستقرار الذى تعلق به للمتقين ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف منصوب على الحالية من المنوى فى قوله للمتقين ولا يجوز ان يكون حالا من جنات لعدم العامل والاظهر ان معنى عند ربهم فى جوار القدس فالمراد عندية المكانة المنزهة عن الجهة والتحيز لا عندية المكان كما فى قوله تعالى
عند مليك مقتدر
اذ للمقربين قرب معنوى من الله تعالى قال الراغب عند لفظ موضوع للقرب فتارة يستعمل فى المكان وتارة يستعمل فى الاعتقاد نحو عندى كذا وتارة فى الزلفى والمنزلة كقوله تعالى
بل احياء عند ربهم
وعلى ذلك قيل الملائكة المقربون { جنات النعيم } جنات ليس فيها الا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال كما عليه نعيم الدنيا واستفيد الحصر من الاضافة اللامية الاختصاصية فانها تفيد اختصاص المضاف اليه.
القلم 68:35
{ افنجعل المسلمين كالمجرمين } كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها فاذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا ان صح انا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالنا وحالهم الامثل ما هى فى الدنيا والا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا واقصى امرهم أن يساوونا فردهم الله تعالى والهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى انحيف فى الحكم فنجعل المؤمنين كالكافرين فى حصول النجاة والوصول الى الدرجات فالمراد من المجرمين الكافرون على ما دل عليه سبب النزول وهم المجرمون الكاملون الذين اجرموا بالكفر والشرك والا فالاجرام فى الجملة لا ينافى الاسلام نعم المسلم المطيع ليس كالمسلم الفاسق ففيه وعظ للعاقل وزجر للمتبصر ثم قيل لهم بطريق الالتفات لتأكيد الرد وتشديده.
القلم 68:36
{ ما لكم كيف تحكمون } تعجبا من حكمهم واستبعادا له وايذانا بأنه لا يصدر عن عاقل وما استفهامية فى موضع الرفع بالابتدآء والاستفهام للانكار اى لانكار ان يكون لهم وجه مقبول يعتد به فى دعواهم حتى يتمسك به ولكم خبرها والمعنى اى شئ ظهر لكم حتى حكمتم هذا الحكم القبيح كأن امر الجزآء مفوض اليكم فتحكمون فيه بما شئتم ومعنى كيف فى اى حال أفى حال العلم ام فى حال الجهل فيكون ظرفا او أعالمين ام جاهلين فيكون حالا وفى التأويلات النجمية افنجعل المتقين لاحكام الشريعة وآداب الطريقة ورموز الحقيقة كالكاسبين للاخلاق الرديئة والاوصاف الرذيلة المخالفة للشريعة والطريقة والحقيقة ما لكم كيف تحكمون بهذا الظلم الصريح والقول القبيح.
القلم 68:37
{ ام لكم } اى بل ألكم وبالفارسية آياشماراست { كتاب } نازل من السماء { فيه } متعق بقوله { تدرسون } اى تقرأون قال فى المفردات درس الشئ معناه بقى اثره ودرست العلم تناولت اثره بالحفظ ولما كان تناول ذلك بمداومة القرءآة عبر عن ادامة القرءآة بالدرس.
القلم 68:38
{ ان لكم فيه لما تخيرون } تخير الشئ واختياره اخذ خيره قال الراغب الاختيار طلب ما هو خير فعله وقد يقال ما يراه الانسان خيرا وان لم يكن خيرا وفى تاج المصادر التخير بركزيدن. والمعنى ما تتخيرونه وتشتهونه واصله ان لكم بالفتح لانه مدروس فيكون مفعولا واقعا موضع المفرد فلا يكسر همزة ان ولكم لما جيئ باللام كسرت فان لام الابتدآء لا تدخل على ما هو فى حيز أن المفتوحة وهذه اللام للابتدآء داخلة على اسم ان والمعنى تدرسون فى الكتاب ان لكم ما تختارونه لأنفسكم وأن يكون العاصى كالمطيع بل ارفع حالا منه فأئتوا بكتاب ان كنتم صادقين ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله تعالى
وتركنا عليه فى الآخرين سلام على نوح فى العالمين
فيكون الموقع من مواقع كسر ان لعدم وقوعها موقع المفرد حكاه الله فى القرءآن بصورته والفرق بين الوجهين ان المدروس فى الاول ما انسبك من الجملة وفى الثانى الجملة بلفظها وقوله فيه لا يستغنى عنه بفيه اولا فقد يكتب المؤلف فى كتابه ترغيبا للناس فى مطالعته فى هذا الكتاب كذا وكذا قال سعدى المفتى لك أن تمنع كون الضمير للكتاب بل الظاهر انه ليوم القيام المعلوم بدلالة المقام.
القلم 68:39
{ ام لكم أيمان علينا } قوله علينا صفة أيمان وكذا بالغة اى عهود مؤكدة بالايمان { بالغة } اى متناهية فى التوكيد والصحة لان كل شئ يكون فى نهاية الجودة وغاية الصحة يوصف بأنه بالغ يقال لفلان على يمين بكذا اذا ضمنت وكفلت له به وحلفت له على الوفاء به اى بل أضمنا لكم او أقسمنا بايمان مغلظة فثبت لكم علينا عهود مؤكدة بالايمان { الى يوم القيامة } متعلق بالمقدر فى لكم اى ثابتة لكم الى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم يومئذ ونعطيكم ما تحكمون او ببالغة او ايمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهى اليه وافرة لم تبطل منها يمين الى ان يحصل المقسم عليه الذى هو التحكيم واتباعنا لحكمهم { ان لكم لما تحكمون } جواب القسم لان معنى ام لكم ايمان علينا ام اقسمنا لكم كما سبق.
القلم 68:40
{ سلهم } امر من سأل يسأل بحذف العين وهمزة الوصل وهو تلوين للخطاب وتوجيه له الى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسقاطهم عن رتبة الخطاب اى سلهم مبكتا لهم يعنى بيرس اى محمد مشركانرا كه { ايهم } كدام ايشان { بذلك } الحكم الخارج عن العقول { زعيم } اى قائم يتصدى لتصحيحه كما يقوم زعيم القوم باصلاح امورهم فقوله بذلك متعلق بزعيم والزعيم بمعنى القائم بالدعوى واقامة الحجة عليها قال الراغب قوله زعيم اما من الزعامة اى الكفالة او من الزعم بالقول وهو حكاية قول يكون مظنة للكذب وقيل للمتكفل والرئيس زعيم للاعتقاد فى قولهم انه مظنة للكذب.
القلم 68:41
{ ام لهم } آياايشا نرست { شركاء } يشاركونهم فى هذا القول ويذهبون مذهبهم { فليأتوا بشركائهم } بس بكو بياريد شريكان خود. فالباء للتعدية ويجوز أن تكون للمصاحبة { ان كانوا صادقين } فى دعواهم اذلا اقل من التقليد يعنى انه كما ليس لهم دليل عقلى فى اثبات هذا المذهب وهو التسوية بين المحسن والمسيئ كما قال ما لكم كيف تحكمون ولا دليل نقلى وهى كتاب يدرسونه ولا عهود موثقة بالايمان فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول حتى يقلدوهم وان كان التقليد لا يفلح من تشبث بذيله فثبت ان ما زعموا باطل من كل الوجوه وفيه اشارة الى ان اللائق بالحاكم تحرى الصواب بقدر الوسع فيما ليس بحاضر عنده وان حكم بلا تحر فلا يخلو عن خطأ وان اصاب مصل صلى فى ارض لم يعلم القبلة فيها فانه ان صلى بتحر فصلاته صحيحة وان اخطأ القبلة وان صلى فيها بغير تحر فغير صحيحة وان اصابها واذا كان الحكم بلا تحر خطأ فكيف الحكم بشئ والأدلة قائمة بخلافه.
القلم 68:42
{ يوم يكشف عن ساق } يوم منصوب باذكر المقدر وعن ساق قائم مقام الفاعل ليكشف والمراد يوم القيامة اى اذكر يوم يشتد الامر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل فى ذلك ولا كشف ولا ساق ثمة كما تقول للاقطع الشحيح يده مغلولة ولا يد ثمة ولا غل وانما هو مثل فى البخل بأن شبهت حال البخيل فى عدم تيسر الانفاق له بحال من غلت يده وكذا شبهت حال من اشتد عليه الامر فى الموقف بالمخدرات اللاتى اشتد عليهن الامر فاحتجن الى تشمير سوقهن فى الهرب بسبب وقوع امر هائل بالغ الى نهاية الشدة مع انهن لا يخرجن من بيوتهن ولا يبدين زينتهن لغير محارمهن لغاية خوفهن وزوال عقلهن من دهشتهن وفرارهن لخلاص انفسهن فاستعمل فى حق اهل الموقف من الاشقياء ما يستعمل فى حقهن من غير تصرف فى مفردات التركيب بل التصرف انما هو فى الهيئة التركيبية فكشف الساق استعارة تمثيلية فى اشتداد الامر وصعوبته قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحه فالساق التى كشف لهم عبارة عن امر عظيم من اهوال يوم القيامة تقول العرب كشفت الحرب عن ساقها اذا عظم امرها وتقول لمن وقع فى امر عظيم شديد يحتاج فيه الى جهد ومقاساة شمر عن ساقك وكذلك التفت الساق بالساق اى دخلت الاهوال والامور العظام بعضها فى بعض يوم القيامة وقيل ساق الشئ اصله الذى به قوامه كساق الشجر وساق الانسان فان ساق الشجر مثلا اصله والاغصان تنبت على ذلك الاصل وتقوم به فالمعنى حينئذ يوم يكشف عن اصل الامر فتظهر حقائق الامور واصولها بحيث تصير عيانا وتنكيره على الوجه الاول للتهويل لان يوم القيامة يوم يقع فيه امر فظيع هائل منكر خارج عن المألوف وعلى الثانى للتعظيم { ويدعون } اى الكفار والمنافقون { الى السجود } توبيخا وتعنيفا على تركهم اياه فى الدنيا وتحسيرا لهم على تفريطهم فى ذلك لا على سبيل التكليف والتعبد لان يوم القيامة لا يكون فيه تعيد ولا تكليف وسيأتى غير هذا { فلا يستطيعون } لزوال القدرة الحقيقية عليه وسلامة الاسباب والآلات وفيه دلالة على انهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك ابن مسعود رضى الله عنه تعقم اصلا بهم اى ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثنى عند الرفع والخفض فيبقون قياما على حالهم حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على تفريطهم وفى الحديث
" وتبقى اصلابهم طبعا واحدا "
اى فقارة واحدة. ودرخبرست كه بشت كافر ومنافق جوق سرون كاويك مهره شود كأن سفافيد الحديد فى ظهورهم عن ابى بردة عن ابى موسى رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" اذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه فى الدنيا فذهب كل قوم الى ما كانوا يعبدون فى الدنيا ويبقى اهل التوحيد فيقال لهم كيف بقيتم فيقولون ذهب الناس فيقولون ان لنا ربا كنا نعبده فى الدنيا ولم نره فيقال تعرفونه اذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال لهم كيف ولم تروه قالوا لا يشبهه شئ فيكشف لهم الحجاب فينظرون الى الله تعالى فيخرون له سجدا ويبقى اقوام ظهورهم مثل صياصى البقر فيريدون السجود ولا يستطيعون كقوله تعالى { يوم يكشف } الخ يقول الله يا عبادى ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى فى النار "
قال ابو بردة فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال والله الذى لا اله الا هو أحدثك ابوك بهذا الحديث فحلفت له بثلاث ايمان فقال عمر ما سمعت من اهل التوحيد حديثا هو أحب الى من هذا الحديث وفى تفسير الفاتحة للفنارى رحمه الله يتجلى الحق فى ذلك اليوم فيقول لتتبع كل امة ما كانت تعبد حتى تبقى هذه الامة وفيها منافقوها فيتجلى لهم الحق فى ادنى صورة من الصور التى كان يتجلى لهم فيها قبل ذلك فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فيقول لهم جل وعلا هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم فيتحول لهم فى الصورة التى عرفوه فيها بتلك العلامة فيقولون أنت ربنا فيأمرهم بالسجود فلا يبقى من كان يسجد لله الا سجد ومن كان يسجد اتقاء ورياء جعل ظهره طبقة نحاس كلما أراد ان يسجد خر على قفاه وذلك قوله تعالى يوم يكشف الخ وقال ايضا يكون على الاعراف من تساوت كفتا ميزانه فهم ينظرون الى النار وينظرون الى الجنة ومالهم رجحان بما يدخلهم احدى الدارين فاذا دعوا الى السجود وهو الذى يبقى يوم القيامة من التكليف يسجدون فيرجح ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة انتهى. وكفته اندكه دران روزنورى عظيم بنمايد وخلق بسجده در افتند. فيكون كشف الساق عبارة عن التجلى الالهى كما ذهب اليه البعض وفى الحديث
" يوم يكشف عن ساق "
قيل عن نور عظيم يخرون له سجدا كما فى كشف الاسرار وفيه ايضا عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال
" يأخذ الله عز وجل للمظلوم من الظالم حتى لا يبقى مظلمة عند احد حتى انه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء فاذا فرغ من ذلك نادى مناد ليسمع الخلائق كلهم ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى احد عبد شيئا من دون الله الا مثلت له آلهته بين يديه ويجعل الله ملكا من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملكا من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم فيتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى ثم تلويهم آلهتهم الى النار وهم الذين يقول الله لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون واذا لم يبق الا المؤمنون وفيهم المنافقون قال الله لهم ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون فيقولون والله ما لنا اله الا الله وما كنا نعبد غيره فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون به انه ربهم فيخرون سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه وتجعل اصلابهم كصياصى البقر ثم يضرب الصراط بين ظهرانى جهنم "
انتهى. واعلم ان حديث التحول مجمع عليه وهو من آثار الصفات الالهية كرؤيته فى المنام فى الصورة الانسانية والا فالله تعالى بحسب ذاته منزه عن الصورة وما يتبعها ومن مشى على المراتب لم يعثر ثم ان الآية دلت على جواز ورود الامر بتكليف ما لا يطاق والقدرية لا يقولون بذلك ففيها حجة عليهم كما فى اسئلة المقحمة لكن ينبغى أن يعلم ان المراد بما لا يطاق هو المحال العادى كنظر الاعمى الى المصحف ولا نزاع فى تجويز التكليف به وكذا المحال العارضى كايمان أبى جهل فانه صار محالا بسبب عارض وهو اخبار الله تعالى بانه لا يؤمن وقد أجاز الاشاعرة التكليف به ومنعه المعتزلة واما المحال العقلى وهو الممتنع لذاته كاعدام القديم فلم يذهب الى جواز التكليف به احد.
القلم 68:43
{ خاشعة ابصارهم } حال من مرفوع يدعون على ان ابصارهم مرتفع به على الفاعلية ونسبة الخشوع الى الابصار لظهور اثره فيها والا فالاعضاء ايضا خاشعة ذليلة متواضعه بل الخاشع فى الحقيقه هو القلب لكونه مبدأ الخشوع وقال الكاشفى يعنى خداوندان ابصار سر دربيش افكنده وشر منده باشد. قال ابو الليث وذلك ان المسلمين اذا رفعوا رؤوسهم من السجود صارت بيضاء كالثلج فيما نظر اليهم اليهود والنصارى والمنافقون وهم الذين لم يقدروا على السجود حزنوا واغتموا واسودت وجوههم كما قال تعالى { ترهقهم } تلحقهم وتغشاهم فان الرهق غشيان الشئ الشئ { ذلة } شديدة تخزيهم كأنه تفسير لخشوع ابصارهم يقال ذل يذل ذلا بالضم وذلة بالكسر وهو ذليل يعنى خوار { وقد كانوا } فى الدنيا { يدعون } دعوة التكليف { الى السجود } اى اليه والاظهار فى الموضع الاضمار لزيادة التقرير او لان المراد به الصلاة او ما فيها من السجود وخص السجود بالذكر من حيث انه اعظم الطاعات قال بعضهم يدعون بدعوة الله صريحا مثل قوله تعالى
فاسجدوا لله واعبدوا
او ضمنا مثل قوله تعالى
اقيموا الصلاة
فان الدعوة الى الصلاة دعوة الى السجدة وبدعوة رسول الله عليه السلام صريحا كقوله عليه السلام
" اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا الدعاء "
قالوا اى السجود او ضمنا كقوله عليه عليه السلام
" صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة اموالكم واطيعوا اذا امركم تدخلوا جنة ربكم "
وبدعوة علماء كل عصر ومن اعظم الدعوة الى السجود اذان المؤذنين واقامتهم فان قولهم حى على الصلاة دعوة بلا مرية فطوبى لمن اجاب دعوتهم بطوع لا باكراه امتثالا لقوله تعالى اجيبوا داعى الله والجملة حال من ضمير يدعون { وهم سالمون } حال من مرفوع يدعون الثانى اى اصحاء فى الدنيا سلمت اعضاؤهم ومفاصلهم من الآفات والعلل متمكنون من ادآء السجدة وقبول الدعوة اقوى تمكن اى فلا يجيبون اليه ويابونه وانما ترك ذكره ثقة بظهوره وبالفارسية وايشان تندرست بودند وقادر بران جون فرصت فوت كردند درين روز جز حسرت وندامت بهره ندارند
مده فرصت از دست كر بايدت كه كوى سعادت زميدان برى كه فرصت عزييزست جون فوت شد بسى دست حسرت بدندان برى
وفى الآية وعيد لمن ترك الصلاة المفروضة او تخلف عن الجماعة المشروعة قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقنى مرافقتك فى الجنة فقال اعنى بكثرة السجود وكان السلف يعزون انفسهم ثلاثة ايام اذا فاتهم التكبير الاول وسبعة اذا فاتهم الجماعة قال ابو سليمان الدارانى قدس سره أقمت عشرين سنة ولم أحتلم فدخلت مكة فأحدثت بها حدثا فما اصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة وقال الشيخ ابو طالب المكى قدس سره فى قوت القلوب ولا بد من صلاة الجماعة سيما اذا سمع التأذين او كان فى جوار المسجد وحد الجوار أن يكون بينه وبين المسجد مائة دار واولى المساجد التى يصلى فيها اقربها اليه الا أن يكون له نية فى الا بعد لكثرة الخطى او لفضل امام فيه فالصلاة خلف العالم الفاضل افضل او يريد اى يعمر بيتا من بيوت الله بالصلاة فيه وان بعد وقال سعيد ابن المسيب رحمه الله من صلى الخمس فى جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة وقال ابو الدردآء رضى الله عنه حالفا بالله تعالى من احب الاعمال الى الله ثلاثة امر بصدقة وخطوة الى صلاة جماعة واصلاح بين الناس وفى الآية اشارة الى انه يرفع الحجاب ويبقى المحجوبون فى حجاب انا نيتهم ويشتد عليهم الامر ويدعون الى الفناء فى الله فلا يستطيعون لافساد استعدادهم الفطرى بالركون الى الدنيا وشهواتها ذليلة ابصارهم متحيرة لذهاب قوتها النورية تلحقهم ذلة الحجاب وهو ان الاحتجاب وقد كانوا فى زمان استعدادهم يدعون الى سجود الفناء بترك اللذات والشهوات وهم نائمون فى نوم الغفلة لا يرفعون له رأسا الفساد استعداد مزاجهم بالعلل النفسانية والامراض الهيولانيه.
القلم 68:44
{ فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث } من منصوب للعطف على ضمير المتكلم او على انه مفعول معه وهو مرجوح لا مكان العطف من غير ضعف اى واذا كان حالهم فى الآخرة كذلك فدعنى ومن يكذب القرءآن وخل بينى وبينه ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل على فى الانتقام منه فانى عالم بما يستحقه من العذاب ويطيق له وكافيك امره يقال ذرنى واياه يريدون كله الى فانى اكفيك قال فى فتح الرحمن وعيد ولم يكن ثمة مانع ولكنه كما تقول دعنى مع فلان اى سأعاقبه والحديث القرءآن لان كل كلام يبلغ الانسان من جهة السمع او الوحى فى يقظته او منامه يقال له حديث { سنستدرجهم } يقال استدرجه الى كذا اذا استنزله اليه درجة درجة حتى يورطه فيه وفى تاج المصادر الاستدراج اندك اندك نزديك دانيدن خداى بنده را بخشم وعقوبت خود. والمعنى سنستزلهم الى العذاب درجة فدرجة بالاحسان وادامة الصحة وازدياد النعمة حتى نوقعهم فيه فاستدراج الشخص الى العذاب عبارة عن هذا الاستنزال والاستدناء { من حيث لا يعلمون } اى من الجهة الى لا يشعرون انه استدراج وهو الانعام عليهم لانهم يحسونه ايثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين وهو سبب لهلاكهم وفى الحديث
" اذا رأيت الله ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم انه مستدرج وتلا هذه الآية "
وقال امير المؤمنين رضى الله عنه من وسع عليه دنياه فلم يعلم انه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله وروى ان رجلا من بنى اسرآئيل قال يا رب كم اعصيك ولم أنت لا تعاقبنى فأوحى الله الى نبى زمانه ان قل له كم من عقوبة لى عليك وان لا تشعر كونها عقوبة ان جمود عينك وقساوة قلبك استدراج منى وعقوبة لو عقلت قال بعض المكاشفين من المكر الالهى بالعبد أن يرزق العلم ويحرم العمل به او يرزق العمل ويحرم الاخلاص فيه فمن علم اتصافه بهذا من نفسه فليعلم انه ممكور به واخفى ما يكون المكر الالهى فى المتأولين من اهل الاجتهاد وغيرهم ومن يعتقد أن كل مجتهد مصيب يدعو الناس على بصيرة وعلم قطعى وكذلك مكر الله بالخاصة خفى مستور فى ابقاء الحال عليهم وتأييدهم بالكرامات مع سوء الأدب الواقع منهم فتراهم يتلذذون باحوالهم ويهجمون على الله فى مقام الادلال وما عرفوا ما ادخر لهم من المؤاخذات نسأل الله العافية وقال بعض العارفين مكر الله فى نعمه اخفى منه فى بلائه فالعاقل من لا يأمن مكر الله فى شئ وأدنى مكر بصاحب النعمة الظاهرة او الباطنة انه يخطر فى نفسه انه مستحق لتلك النعمة وانها من اجل اكرامه خلقت ويقول ان الله ليس بمحتاج اليها فهى لى بحكم الاستحقاق وهذا يقع فيه كثيرا من لا تحقيق عنده من العارفين لان الله انما خلق الاشياء بالاصالة لتسبح بحمده واما انتفاع عباده بها فبحكم التبعية لا بالاول وقال بعض المحققين كل علم ضرورى وجده العبد فى نفسه من غير تعمل فكر فيه ولا تدبر فهو عطاء من الله لوليه الخاص بلا واسطة ولكن لا يعرف ان ذلك من الله الا الكمل من الرجال ويحتاج صاحب مقام الفتوح الى ميزان دقيق لانه قد يكون فى الفتوح مكر خفى واستدراج ولذلك ذكره تعالى فى القرآن على نوعين بركات وعذاب حتى لا يفرح العاقل بالفتح قال تعالى
ولو أن اهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
وقال تعالى
فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد
وتأمل قول قوم عاد هذا عارض ممطرنا لما حجبتهم العادة فقيل لهم بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم. واعلم ان كل فتح اعطاك أدبا وترقيا فليس هو بمكر بل عناية من الله لك وكل فتح اعطى العبد أحوالا وكشفا واقبالا من الحق فليحذر منه فانه نتيجة عجلت فى غير موطنها فينقلب صاحبها الى الدار الآخرة صفر اليدين نسأل الله اللطف قال أبو الحسين رضى الله عنه المستدرج سكران والسكران لا يصل اليه ألم فجع المعصية الا بعد افاقته فاذا افاقوا من سكرتهم خلص ذلك الى قلوبهم فانزعجوا ولم يطمئنوا والاستدراج هو السكون الى اللذات والتنعم بالنعمة ونسيان ما تحت النعم من المحن والاغترار بحلم الله تعالى وقال أبو سعيد الخرازقدس سره الاستدراج فقدان اليقين فالمستدرج من فقد فوآئد باطنه واشتغال بظاهره واستكثر من نفسه حركاته وسعيه لغيبوبته عن المنه وقال بعضهم بالاستدراج تعرف العقوبة ويخاف المقت وبالانتباه تعرف النعمة ويرجى القرب.
القلم 68:45
{ وأملى لهم } الاملاء مهلت دادن. اى وامهلهم باطالة العمر وتأخير الاجل ليزدادوا اثما وهم يزعمون ان ذلك لارادة الخير بهم { ان كيدى } اى اخذى بالعذاب { متين } قوى شديد لا يطاق ولا يدفع بشئ وبالفارسية وبدرستى كه عقوبت من محكم است بهر جيزى دفع نشود وكرفتن من سخت است كس را طاقت آن نباشد. وفى الكشاف سمى احسانه وتمكينه كيدا كما سماء استدراجا لكونه فى صورة الكيد حيث كان سببا للتورط فى الهلكة ووصفه بالمتانة لقوة اثر احسانه فى التسبب للهلاك قال بعضهم الكيد اظهار النفع وابطان الضر للمكيد وفى المفردات الكيد ضرب من الاحتيال وقد يكون محمودا ومذموما وان كان يستعمل فى المذموم اكثر وكذلك الاستدراج والمكر ولكون بعض ذلك محمودا قال تعالى
كذلك كدنا ليوسف
قال بعضهم أراد بالكيد العذاب والصحيح انه الامهال المؤدى الى العذاب انتهى وفى التعريفات الكيد ارادة مضرة الغير خفية وهو مل الخلق الحيلة السيئة ومن الله التدبير بالحق لمجاازة اعمال الخلق.
القلم 68:46
{ ام تسألهم } آيا مبطلى از ايشان برابلاغ وارشاد ودعوت ايمان وطاعت. وهو معطوف على قوله ام لهم شركاء { اجرا } دنيويا { فهم } لاجل ذلك { من مغرم } اى من غرامة مالية وهى ما ينوب الانسان فى ماله من ضرر لغير جناية منه { مثقلون } مكلفون حملا ثقيلا فيعرضون عنك اى لا تسأل منهم ذلك فليس لهم عذر فى اعراضهم وفرارهم.
القلم 68:47
{ ام عندهم الغيب } اى اللوح او المغيبات { فهم يكتبون } منه ما يحكمون من التسوية بين المؤمن والكافر ويستغنون به عن علمك.
القلم 68:48
{ فاصبر لحكم ربك } وهو امهالهم وتأخير نصرتك عليهم { ولا تكن } فى التضجر والعجلة بعقوبة قومك وبالفارسية مباش در دلتنكى وشتاب زدكى. { كصاحب الحوت } اى يونس عليه السلام يعنى يونس كه صبر نكرد براذيت قوم وبى فرمانى الهى ازميان قوم برفت تابشكم ماهى محبوس كشت { اذ نادى } داعيا الى الله فى بطن الحوت بقوله لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين { وهو مكظوم } مملوء غيظا وغما يقال كظم السقاء اذا ملأه وسد رأسه وبالقيد الثانى قال تعالى والكاظمين الغيظ بمعنى الممسكين عليه وعليه قول النبى صلى الله عليه وسلم
" من كظم غيظا وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه امنا وايمانا "
والجملة حال من ضمير نادى وعليها يدور النهى لانها عبارة عن الضجرة والمغاضبة المذكورة صريحا فى قوله وذا النون اذ ذهب مغاضبا لا على الندآء فانه امر مستحسن ولذلك لم يذكر المنادى واذا منصوب بمضاف محذوف اى لا يكن حالك كحاله وقت ندآئه اى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاصبة فتبتلى ببلائه وهو التقام الحوت او بنحو ذلك قال بعضهم فاصبر لحكم ربك بسعادة من سعد وشقاوة من شقى ونجاة من نجا وهلاك من هلك ولا تكن كصاحب الحوت فى استيلاء صفات النفس عليه وغلبة الطيش والغضب للاحجتاب عن حكم الرب حتى ردعن جناب القدس الى مقر الطبع فالتقمه حوت الطبيعة السفلية فى مقام النفس وابتلى بالاجتنان فى بطن حوت الرحم.
القلم 68:49
{ لولا ان تداركه } ناله وبلغه ووصل اليه وبالفارسية اكرنه آتست كه دريافت اورا { نعمة } رحمة كائنة { من ربه } وهو توفيقه للتوبة وقبولها منه وحسن تذكير الفعل للفصل بالضمير وان مع الفعل فى تأويل المصدر مبتدأ خبره مقدر بمعنى ولولا تدارك نعمة من ربه اياه حاصل { لنبذ } اى طرح من بطن الحوت فان النبذ القاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد به { بالعراء } اى بالارض الخالية من الاشجار قال الراغب العرآء مكان لا سترة به { وهو مذموم } مليم مطرود من الرحمة والكرامة لكنه رحم فبنبذ غير مذموم بل سقيما من جهة الجسد ومليم من ألام الرجل بمعنى اتى ما يلام عليه ودخل فى اللوم فان قلت فسر المذموم بالمليم وقد اثبته الله تعالى بقوله فالتقمه الحوت وهو مليم اجيب على ذلك التفسير بأن الالامه حين الالتقام لا تستلزم الا لامة حين النبذاذ التدارك نفاها فالتفت على ما هو حكم لولا الامتناعية كما اشير اليه فى تصوير المعنى آنفا وهو حال من مرفوع نبذ عليها يعتمد جواب لولا لانها هى المنفية لا النبذ بالعرآء كما فى الحال الاولى لانه نبذ غير مذموم بل محمود.
القلم 68:50
{ فاجتباه ربه } عطف على مقدراى فتداركته نعمة ورحمة من ربه فجمعه اليه وقربه بالتوبة عليه بأن در اليه الوحى وارسله الى مائة ألف او يزيدون يقال جبيت الماء فى الحوض جمعته والحوض الجامع له جابيه والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء وقيل اجتنباه ان صح انه لم يكون نبيا قبل هذه الواقعة ومن انكر الكرامات والارهاص لا بد ان يختار القول الاول لان احتباسه فى بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكون ارهاصا ولا كرامة لا بد أن يكون معجزة وذلك يقتضى ان يكون رسولا قبل هذه الواقعة { فجعله من الصالحين } من الكاملين فى الصلاح بأن عصمه من ان يفعل فعلا يكون تركه اولى روى انها نزلت بأحد حين هم رسول الله عليه السلام ان يدعو على المنهزمين فتكون الآية مدينة وقيل حين اراد أن يدعو على ثقيف. حق تعالى فرمودكه صبركن وآن دعا در توقف داركه كارها بصبر نيكوشود
كارها ازصبر كردد دلبسند خرم آن كزصبرباشد بهره مند جون درافتادى بكر داب حرج صبركن ولاصبر مفتاح الفرج
دلت الآيات على فضيلة الصبر وعلى ان ترك الاولى يصدر من الانبياء عليهم السلام والا لما كان يونس عليه السلام مليما وعلى ان الندم على ما فرط من العبد والتضرع الى الله لذلك من وسائل الاكرام وعلى ان توفيق الله نعمة باطنة منه وعلى ان الصلاح درجة عالية لا ينالها الا اهل الاجتباء وعلى ان فعل العبد مخلوق لله لدلالة قوله فجعله من الصالحين على ان الصلاح انما يكون بجعل الله وخلقه وان كان للعبد مدخل فيه بسبب الكسب بصرف ارادته الجزئية والمعتزلة يأولونه تارة بالاخبار بصلاحه وتارة باللطف له حتى صلح لكنه مجاز والاصل هو الحقيقة.
القلم 68:51
{ وان } مخففة واللام دليلها { يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم } يقال الزلقه ازل رجله يعنى لمغزانيد { لما سمعوا الذكر } لما ظرفية منصوبة بيزلقونك والمعنى انهم من شدة عداوتهم لك ينظرون اليك شزرا اى نظر الغضبان بمؤخر العين بحيث يكادون يزلون قدمك فيرمونك وقت سماعهم القرءآن وذلك لاشتداد بغضهم وحسدهم عند سماعه من قولهم نظر الى نظرا يكاد يصرعنى اى لو أمكنه بنظره الصرع لفعله اوانهم يكادون يصيبونك بالعين قال فى كشف الاسرار الجمهور على هذا القول روى انه كان فى بنى اسد عيانون والعيان والمعيان والعيون شديد الاصابة بالعين وكان الواحد منهم اذا اراد ان يعين شيأ يتجوع له ثلاثة ايام ثم يتعرض له فيقول تالله ما رأيت احسن من هذا فيتساقط ذلك الشئ وكان الرجل منهم ينظر الى الناقة السمينة او البقرة السمينة ثم يعينها ثم يقول للجارية خذى المكتل والدرهم فأتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع فتنحر والحاصل انه لا يمر به شئ فيقول فيه لم ار كاليوم مثله الاعانه وكان سببا لهلاكه وفساده فسأل الكفار من قريش من بعض من كانت له هذه الصفة ان يقول فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت مثله ولا مثل حججه. تابر توجمال آن حضرت بآسيب عين الكمال از ساحت عالم محو سازد. فقال فعصمه الله تعالى وقال الكاشفى حق تعالى براى عصمت وى از جشم بداين آيت را فرستاد. قال الحسن البصرى قدس سره دوآء الاصابة بالعين ان تقرأ هذه الآية كما قال الحافظ
حضور مجلس انس است دوستان جمعند وان يكاد بخوانيد ودر فراز كنيد
وفى الاسرار المحمدية قد قيل ان فى هذه الآية خاصية لدفع العين تعليقا وغسلا وشربا انتهى وفى الحديث
" العين حق "
اى اثرها فى المعين واقع قالوا ان الشئ لا يعان الا بعد كماله وكل كامل فانه يعقبه النقض بقضاء ولما كان ظهور القضاء بعد العين اضيف ذلك اليها ولما خاف يعقوب عليه السلام على اولاده من العين لانهم كانوا اعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة وكانواولد رجل واحد قال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب بمتفرقة فأمرهم ان يتفرقوا فى دخولها لئلا يصابوا بالعين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين
" فيقول اعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة "
ويقول هكذا كان يعوذ ابراهيم اسمعيل واسحق عليهم السلام وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال دخلت على رسول الله عليه السلام فى اول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت اليه آخر النهار فوجدته معافى فقال
" ان جبريل اتانى فرقانى فقال بسم الله ارقيك من كل شئ يؤذيك ومن كل عين حاسد الله يشفيك "
قال عليه السلام
" فأفقت "
والرقية بالفارسية افسون كردن. يقال رقاه الراقى رقيا ورقية اذا عوذه ونفث فى عوذته قالوا وانما تكره الرقية اذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ولعله يدخله سحر او كفر واما ما كان من القرءآن او شئ من الدعوات فلا بأس به كما فى المغرب للمطرزى ولا تختص العين بالانس بل تكون فى الجن ايضا وقيل عيونهم انفذ من اسنة الرماح وعن ام سلمة رضى الله عنها
" ان النبى عليه السلام رأى فى بتيها جارية تشتكى وفى وجهها صفرة فقال استرقوا لها فان بها النظرة "
وأراد بها العين اصابتها من الجن كما فى شرح المصابيح وفى الحديث
" لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين "
اى لو كان شئ مهلكا او مضرا بغير قضاء الله وقدره لكان العين اى اصابتها لشدة ضررها وعنه عليه السلام
" ان العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر "
ومما يدفع العين ما روى ان عثمان رضى الله عنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين اى سودوا نقرة ذقنه قالوا ومن هذا القبيل نصب عظام الرؤوس فى المزارع والكروم ووجهه ان النظر الشؤم يقع عليها اولا فتنكر سورته فلا يظهر اثره ومن الشفاء من العين ان يقال على ماء فى اناء نظيف ويسقيه منه ويغسله عنس عابس بشهاب قابس رددت العين من المعين عليه والى احب الناس اليه فارجع البصر هل ترى من فطور والفاتحة وآية الكرسى وست آيات الشفاء وهى ويشف صدور قوم مؤمنين شفاء لما فى الصدور فيه شفاء للناس وننزل من القرءآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين واذا مرضت فهو يشفين قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء. ومن الشفاء ان يؤمر العائن فيغتسل او يتوضأ بماء ثم يغتسل به المعين قيل وجه اصابة العين ان الناظر اذا نظر الى شئ واستحسنه ولم يرجع الى الله والى رؤية صنعه قد يحدث الله فى المنظور علة بجناية نظره على غفلة ابتلاء لعباده ليقول المحق انه من الله وغيره من غيره فيؤاخذ الناظر لكونه سببها ووجهها بعض بأن العائن قد ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك او يفسد كما قيل مثل ذلك فى بعض الحيات قال فى الاسرار المحمدية ذوات السموم تؤثر بكيفياتها الخبيثة الكامنة فيها بالقوة فمتى قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية ومنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر فى اسقاط الجنين ومنها ما يؤثر فى طمس البصر ومنها ما يؤثر فى الانسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية بل بعضه بالمقابلة والرؤية كما اشتهر عن نوع من الافاعى انها اذا وقع بصرها على الانسان هلك فهو من هذا الجنس ولا يستبعد ان تنبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه اى ثقبه كالفم والمنخر والاذن فيتضرر به واذا كانت النفوس مختلفة فى جواهرها وماهياتها لم يمتنع ايضا وبه يحصل الجواب عمن انكر اصابة العين وقال انها لا حقيقة لها لان تأثير الجسم فى الجسم لا يعقل الا بواسطة المماسة ولا مماسة ههنا فامتنع حصول التأثير انتهى وعقلاء الامم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع امر العين ولا تنكره وبعض النفوس لا تحتاج الى المقابلة بل بتوجه الروح ونحوه يحصل الضرر فربما يوصف الشئ للاعمى فتؤثر نفسه فيه بالوصف من غير مقابلة ورؤية واذا قتلت ذوات السموم بعد لسعها خف اثر لسعها لان الجسد تكيف بكيفية الاسم وصار قابلا للانحراف فما دامت حية فان نفسها تمده بامتزاج الهوآء بنفسها وانتشاق الملسوع به قال الجاحظ علماء الفرس والهند واطباء اليونانيين ودهاة العرب واهل التجربة من المعتزلة وحذاق المتكلمين كانوا يكرهون الاكل بين يدى السباع يخافون عيونها لما فيها من النهم والشره لما ينحل عند ذلك من اجوافها من البخار الرديئ وينفصل من عيونها ما اذا خالط الانسان نقصه وافسده وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والاشربة على رؤوسهم مخافة العين وكانوا يأمرون اتباعهم قبل ان يأكلوا ان يطردوا الكلب والسنور او يشغلوه بما يطرح له ومن هذا يعرف بعض اسرار قوله عليه السلام من اكل وذو عينين ينظر اليه ولم يواسه ابتلا بدآء لا دوآء له وفائدة الرقى ان الروح اذا تكيفت به وقويت واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الا ثر الذى حصل من النفوس الخبيثة والخواص الفاسدة فأزالته والحاصل ان الرقية بما ليس بشرك مشروعة لكن التحرز من العين لازم وانه واجب على كل مسلم اعجبه شئ ان يبرك ويقول تبارك الله احسن الخالقين اللهم بارك فيه فانه اذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ومن عرف باصابة العين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره قال بعض العلماء يأمره الامام بلزوم بيته وان كان فقيرا رزقه ما يقوم به معاشه ويكف اذاه عن الناس وقيل ينفى والاحتياط الامر بلزوم بيته دون الحبس والنفى وبهذا التقرير يعرف حال المجذومين ولذا اتخذوا لهم فى بعض البلاد مكانا مخصوصا بحيث لا يخالطون الناس ولا يشار كونهم فى محلاتهم وذكر الجاحظ ان اعجب ما فى الدنيا ثلاثة البوم لا تظهر بالنهار خوفا ان تصيبها العين لحسنها قال فى حياة الحيوان ولما تصور فى نفسه انه احسن الحيوان لم يظهر الا بالليل والثانى الكركى لا يطا الارض بقدميه بل باحداهما فاذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا ان تخسف الارض والثالث الطائر الذى يقعد على سواقى الماء من الانهار يعرف بمالك الحزين شبيه الكركى لا يشبع من الماء خشية ان يفنى فيموت عطشا ففى الاول اشارة الى ذم العجب وفى الثانى الى مدح الخوف وفى الثالث الى قدح الحرص فليعتبر العاقل من غير العاقل والسعيد من وعظ بغيره واخذ الاشارة من كل شئ نسأل الله البصيرة التامة بمنه { ويقولون } لغاية حيرتهم فى امره عليه السلام ونهاية جهلهم بما فى القرءآن من بدائع العلوم ولتنفير الناس عنه والا فقد علموا انه اعقلهم { انه } عليه السلام { لمجنون } الظاهر أنه مثل قولهم يا أيها الذى نزل عليه الذكر انك لمجنونوقال الكاشفى بدرستى كه اين مرد ديو كرفته يعنى بااوجنى است كه اورا تعليم ميدهند.
كما قال الوليد ابن المغيرة معلم مجنون يعنى يأتيه رئى من الجن فيعلمه وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه عليه السلام رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع برهانه فقيل { وما هو الا ذكر للعالمين } على انه حال من فاعل يقولون مفيدة لغاية بطلان قولهم وتعجيب للسامعين من جرآءتهم على التفوه بتلك العظيمة اى يقولون ذلك والحال ان القرءآن ذكر للعالمين من الجن والانس اى تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون اليه من امور دينهم فأين من انزل عليه ذلك وهو مطلع على اسراره طرا ومحيط بجميع حقائقه خبرا مما قالوا فى حقه من الجنون اى انه من اول الامور على كمال عقله وعلو شأنه فمن نسب اليه القصور فانما هو من جهله وجنته فان الفضل لا يعرفه الا ذووه
اذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصحيح مسفر
وقيل معناه شرف وفضل لقوله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وفيه اشارة الى الالهام فانه ذكر لصاحبه ولمن اعتقده واقتدى به اذا الآثار باقية الى يوم القيامة وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه ذكرا وشرفا للعالمين لا ريب فيه
اى شرف جمله عالم بتو روشنى ديده عالم بتو
وفيه اشارة الى سادات امته واركان دينه. تمت سورة نون بعونه خالق القلم وما يسطرون فى الخامس والعشرين يوم الاثنين من شعبان من سنة ست عشرة بعد المائة.
القلم 68:52
{ وان } مخففة واللام دليلها { يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم } يقال الزلقه ازل رجله يعنى لمغزانيد { لما سمعوا الذكر } لما ظرفية منصوبة بيزلقونك والمعنى انهم من شدة عداوتهم لك ينظرون اليك شزرا اى نظر الغضبان بمؤخر العين بحيث يكادون يزلون قدمك فيرمونك وقت سماعهم القرءآن وذلك لاشتداد بغضهم وحسدهم عند سماعه من قولهم نظر الى نظرا يكاد يصرعنى اى لو أمكنه بنظره الصرع لفعله اوانهم يكادون يصيبونك بالعين قال فى كشف الاسرار الجمهور على هذا القول روى انه كان فى بنى اسد عيانون والعيان والمعيان والعيون شديد الاصابة بالعين وكان الواحد منهم اذا اراد ان يعين شيأ يتجوع له ثلاثة ايام ثم يتعرض له فيقول تالله ما رأيت احسن من هذا فيتساقط ذلك الشئ وكان الرجل منهم ينظر الى الناقة السمينة او البقرة السمينة ثم يعينها ثم يقول للجارية خذى المكتل والدرهم فأتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع فتنحر والحاصل انه لا يمر به شئ فيقول فيه لم ار كاليوم مثله الاعانه وكان سببا لهلاكه وفساده فسأل الكفار من قريش من بعض من كانت له هذه الصفة ان يقول فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت مثله ولا مثل حججه. تابر توجمال آن حضرت بآسيب عين الكمال از ساحت عالم محو سازد. فقال فعصمه الله تعالى وقال الكاشفى حق تعالى براى عصمت وى از جشم بداين آيت را فرستاد. قال الحسن البصرى قدس سره دوآء الاصابة بالعين ان تقرأ هذه الآية كما قال الحافظ
حضور مجلس انس است دوستان جمعند وان يكاد بخوانيد ودر فراز كنيد
وفى الاسرار المحمدية قد قيل ان فى هذه الآية خاصية لدفع العين تعليقا وغسلا وشربا انتهى وفى الحديث
" العين حق "
اى اثرها فى المعين واقع قالوا ان الشئ لا يعان الا بعد كماله وكل كامل فانه يعقبه النقض بقضاء ولما كان ظهور القضاء بعد العين اضيف ذلك اليها ولما خاف يعقوب عليه السلام على اولاده من العين لانهم كانوا اعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة وكانواولد رجل واحد قال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب بمتفرقة فأمرهم ان يتفرقوا فى دخولها لئلا يصابوا بالعين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين
" فيقول اعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة "
ويقول هكذا كان يعوذ ابراهيم اسمعيل واسحق عليهم السلام وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال دخلت على رسول الله عليه السلام فى اول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت اليه آخر النهار فوجدته معافى فقال
" ان جبريل اتانى فرقانى فقال بسم الله ارقيك من كل شئ يؤذيك ومن كل عين حاسد الله يشفيك "
قال عليه السلام
" فأفقت "
والرقية بالفارسية افسون كردن. يقال رقاه الراقى رقيا ورقية اذا عوذه ونفث فى عوذته قالوا وانما تكره الرقية اذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ولعله يدخله سحر او كفر واما ما كان من القرءآن او شئ من الدعوات فلا بأس به كما فى المغرب للمطرزى ولا تختص العين بالانس بل تكون فى الجن ايضا وقيل عيونهم انفذ من اسنة الرماح وعن ام سلمة رضى الله عنها
" ان النبى عليه السلام رأى فى بتيها جارية تشتكى وفى وجهها صفرة فقال استرقوا لها فان بها النظرة "
وأراد بها العين اصابتها من الجن كما فى شرح المصابيح وفى الحديث
" لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين "
اى لو كان شئ مهلكا او مضرا بغير قضاء الله وقدره لكان العين اى اصابتها لشدة ضررها وعنه عليه السلام
" ان العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر "
ومما يدفع العين ما روى ان عثمان رضى الله عنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين اى سودوا نقرة ذقنه قالوا ومن هذا القبيل نصب عظام الرؤوس فى المزارع والكروم ووجهه ان النظر الشؤم يقع عليها اولا فتنكر سورته فلا يظهر اثره ومن الشفاء من العين ان يقال على ماء فى اناء نظيف ويسقيه منه ويغسله عنس عابس بشهاب قابس رددت العين من المعين عليه والى احب الناس اليه فارجع البصر هل ترى من فطور والفاتحة وآية الكرسى وست آيات الشفاء وهى ويشف صدور قوم مؤمنين شفاء لما فى الصدور فيه شفاء للناس وننزل من القرءآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين واذا مرضت فهو يشفين قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء. ومن الشفاء ان يؤمر العائن فيغتسل او يتوضأ بماء ثم يغتسل به المعين قيل وجه اصابة العين ان الناظر اذا نظر الى شئ واستحسنه ولم يرجع الى الله والى رؤية صنعه قد يحدث الله فى المنظور علة بجناية نظره على غفلة ابتلاء لعباده ليقول المحق انه من الله وغيره من غيره فيؤاخذ الناظر لكونه سببها ووجهها بعض بأن العائن قد ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك او يفسد كما قيل مثل ذلك فى بعض الحيات قال فى الاسرار المحمدية ذوات السموم تؤثر بكيفياتها الخبيثة الكامنة فيها بالقوة فمتى قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية ومنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر فى اسقاط الجنين ومنها ما يؤثر فى طمس البصر ومنها ما يؤثر فى الانسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية بل بعضه بالمقابلة والرؤية كما اشتهر عن نوع من الافاعى انها اذا وقع بصرها على الانسان هلك فهو من هذا الجنس ولا يستبعد ان تنبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه اى ثقبه كالفم والمنخر والاذن فيتضرر به واذا كانت النفوس مختلفة فى جواهرها وماهياتها لم يمتنع ايضا وبه يحصل الجواب عمن انكر اصابة العين وقال انها لا حقيقة لها لان تأثير الجسم فى الجسم لا يعقل الا بواسطة المماسة ولا مماسة ههنا فامتنع حصول التأثير انتهى وعقلاء الامم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع امر العين ولا تنكره وبعض النفوس لا تحتاج الى المقابلة بل بتوجه الروح ونحوه يحصل الضرر فربما يوصف الشئ للاعمى فتؤثر نفسه فيه بالوصف من غير مقابلة ورؤية واذا قتلت ذوات السموم بعد لسعها خف اثر لسعها لان الجسد تكيف بكيفية الاسم وصار قابلا للانحراف فما دامت حية فان نفسها تمده بامتزاج الهوآء بنفسها وانتشاق الملسوع به قال الجاحظ علماء الفرس والهند واطباء اليونانيين ودهاة العرب واهل التجربة من المعتزلة وحذاق المتكلمين كانوا يكرهون الاكل بين يدى السباع يخافون عيونها لما فيها من النهم والشره لما ينحل عند ذلك من اجوافها من البخار الرديئ وينفصل من عيونها ما اذا خالط الانسان نقصه وافسده وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والاشربة على رؤوسهم مخافة العين وكانوا يأمرون اتباعهم قبل ان يأكلوا ان يطردوا الكلب والسنور او يشغلوه بما يطرح له ومن هذا يعرف بعض اسرار قوله عليه السلام من اكل وذو عينين ينظر اليه ولم يواسه ابتلا بدآء لا دوآء له وفائدة الرقى ان الروح اذا تكيفت به وقويت واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الا ثر الذى حصل من النفوس الخبيثة والخواص الفاسدة فأزالته والحاصل ان الرقية بما ليس بشرك مشروعة لكن التحرز من العين لازم وانه واجب على كل مسلم اعجبه شئ ان يبرك ويقول تبارك الله احسن الخالقين اللهم بارك فيه فانه اذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ومن عرف باصابة العين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره قال بعض العلماء يأمره الامام بلزوم بيته وان كان فقيرا رزقه ما يقوم به معاشه ويكف اذاه عن الناس وقيل ينفى والاحتياط الامر بلزوم بيته دون الحبس والنفى وبهذا التقرير يعرف حال المجذومين ولذا اتخذوا لهم فى بعض البلاد مكانا مخصوصا بحيث لا يخالطون الناس ولا يشار كونهم فى محلاتهم وذكر الجاحظ ان اعجب ما فى الدنيا ثلاثة البوم لا تظهر بالنهار خوفا ان تصيبها العين لحسنها قال فى حياة الحيوان ولما تصور فى نفسه انه احسن الحيوان لم يظهر الا بالليل والثانى الكركى لا يطا الارض بقدميه بل باحداهما فاذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا ان تخسف الارض والثالث الطائر الذى يقعد على سواقى الماء من الانهار يعرف بمالك الحزين شبيه الكركى لا يشبع من الماء خشية ان يفنى فيموت عطشا ففى الاول اشارة الى ذم العجب وفى الثانى الى مدح الخوف وفى الثالث الى قدح الحرص فليعتبر العاقل من غير العاقل والسعيد من وعظ بغيره واخذ الاشارة من كل شئ نسأل الله البصيرة التامة بمنه { ويقولون } لغاية حيرتهم فى امره عليه السلام ونهاية جهلهم بما فى القرءآن من بدائع العلوم ولتنفير الناس عنه والا فقد علموا انه اعقلهم { انه } عليه السلام { لمجنون } الظاهر أنه مثل قولهم يا أيها الذى نزل عليه الذكر انك لمجنونوقال الكاشفى بدرستى كه اين مرد ديو كرفته يعنى بااوجنى است كه اورا تعليم ميدهند.
كما قال الوليد ابن المغيرة معلم مجنون يعنى يأتيه رئى من الجن فيعلمه وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه عليه السلام رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع برهانه فقيل { وما هو الا ذكر للعالمين } على انه حال من فاعل يقولون مفيدة لغاية بطلان قولهم وتعجيب للسامعين من جرآءتهم على التفوه بتلك العظيمة اى يقولون ذلك والحال ان القرءآن ذكر للعالمين من الجن والانس اى تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون اليه من امور دينهم فأين من انزل عليه ذلك وهو مطلع على اسراره طرا ومحيط بجميع حقائقه خبرا مما قالوا فى حقه من الجنون اى انه من اول الامور على كمال عقله وعلو شأنه فمن نسب اليه القصور فانما هو من جهله وجنته فان الفضل لا يعرفه الا ذووه
اذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصحيح مسفر
وقيل معناه شرف وفضل لقوله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وفيه اشارة الى الالهام فانه ذكر لصاحبه ولمن اعتقده واقتدى به اذا الآثار باقية الى يوم القيامة وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه ذكرا وشرفا للعالمين لا ريب فيه
اى شرف جمله عالم بتو روشنى ديده عالم بتو
وفيه اشارة الى سادات امته واركان دينه. تمت سورة نون بعونه خالق القلم وما يسطرون فى الخامس والعشرين يوم الاثنين من شعبان من سنة ست عشرة بعد المائة.
الحاقة 69:1
{ الحاقة } هى من اسماء القيامة من حق يحق بالكسر اذا وجب وثبت لانها يحق اى يجب مجيئها ويثبت وقوعها كما قال تعالى
ان الساعة آتية لا ريب فيها
فالاسناد حقيقى وقال الراغب فى المفردات لانها يحق فيها الجزآء فالاسناد مجاذى كنهاره صائم ونحو.
الحاقة 69:2
{ ما الحاقة } الاصل ما هى اى اى شئ هى فى حالها وصفتها فان ما قد يطلب بها الصفة والحال فوضع الظاهر موضع المضمر تأكيدا لهولها كما يقال زيد ما زيد على التعظيم لشأنه فقوله الحاقة مبتدأ وما مبتدأ ثان وما بعده خبره والجملة خبر للمبتدأ الاول والرابط تكرير المبتدأ بلفظه هذا ما ذكروه فى اعراب هذه الجملة ونظائرها ومقتضى التحقيق أن تكون ما الاستفهامية خبرا لما بعدها فان مناط الفائدة بيان أن الحاقة امر بديع وخطب فظيع كما يفيده كون ما خبرا لا بيان ان امرا بديعا الحاقة كما يفيده كونه مبتدأ وكون الحاقة خبرا كذا فى الارشاد.
الحاقة 69:3
{ وما أدراك } من الدراية بمعنى العلم يقال دراه ودرى به اى علم به من باب رمى وأدراه به اعلمه قال فى تاج المصادر الدراية والدرية والدرى دانستن ويعدى بالباء وبنفسه قال سيبويه وبالباء اكثر قوله ما مبتدأ وادراك خبره ولا مساغ ههنا للعكس والمعنى واى شئ اعلمك يا محمد وبالفارسية وجه حيز دانا كردانيدترا { ما الحاقة } جملة من مبتدأ وخبر فى موضع المفعول الثانى لأدراك والجملة الكبيرة تأكيد لهول الساعة وفظاعتها ببيان خروجها عن دآئرة علم المخلوقات على معنى ان اعظم شأنها ومدى هولها وشدتها بحيث لا يكاد تبلغه دراية احد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهى اعظم من ذلك واعظم فلا يتسنى الاعلام قال بعضهم ان النبى عليه السلام وان كان عالما بوقوعها ولكن لم يكن عالما بكمال كيفيتها ويحتمل أن يقال له عليه السلام اسماعا لغيره وفى التأويلات النجمية يشير بالحاقة الى التجلى الاحدى الاطلاقى فى مرءآة الواحدية المفنى للكل كما قال لمن الملك اليوم لله الواحد القهار بقهر سطوات انوار الاحدية جميع ظلمات التعينات الساترة اطلاق الذات المطلقة وسمى بالحاقة لثبوته فى ذاته وتحققه فى نفسه.
الحاقة 69:4
{ كذبت ثمود } قوم صالح من الثمد وهو الماء القليل الذى لا مادة له { وعاد } قوم هود وهى قبيلة ايضا وتمنع كما فى القاموس { بالقارعة } من جملة اسماء الساعة ايضا لانها تقرع الناس اى تضرب بفنون الافزاع والاهوال اى تصيبهم بها كأنها تقرعهم بها والسماء بالانشقاق والانفطار والارض والجبال بالدك والنسف والنجوم بالطمس والانكدار ووضعت موضع ضمير الحاقة للدلالة على معنى القرع فيها زيادة فى وصف شدتها فان فى القارعة ما ليس فى الحاقة من الوصف يقال اصابتهم قوارع الدهر أى اهواله وشدآئده قيل منها قوارع القرءآن للآيات التى تقرأ حين الفزع من الجن والانس لقرع قلوب المؤمنين بذكر جلال الله والاستمداد من رحمته وحمايته مثل آية الكرسى ونحوها وفى الآية تخويف لاهل مكة من عاقبة تكذيبهم بالبعث والحشر.
الحاقة 69:5
{ فاما ثمود } وكانوا عربا منازلهم بالحجر بين الشأم والحجاز يراها حجاج الشأم ذهابا وايابا { فاهلكوا } اى اهلكهم الله لتكذيبهم فأخبر عن الفعل لانه المراد دون الفاعل لانه معلوم { يالطاغية } اى بالصيحة التى جاوزت عن حد سائر الصيحات فى الشدة فرجفت منها الارض والقلوب وتزلزلت فاندفع ما يرى من التعارض بين قوله تعالى
فأخذتهم الرجفة
وبين قوله تعالى
فأخذتهم الصيحة
والقصة واحدة وفى الآية اشارة الى اهل العلم الظاهر المحجوبين عن العلوم الحقيقية فانهم اهل العلم القليل كما ان ثمود اهل الماء القليل فلما كذبوا فناء اهل العلم الباطن من طريق السلوك اهلكهم الله بصاعقة نار البعد والاحتجاب فليس لهم صلاح فى الباطن وان كان لهم صلاح فى الظاهر وذلك لانهم لم يتبعوا صالحا من الصلحاء الحقيقيين فبقوا فى فساد النفس.
الحاقة 69:6
{ واما عاد } وكانت منازلهم بالاحقاف وهى الرمل بين عمان الى حضرموت واليمن وكانوا عربا ايضا ذوى بسطة فى الخلق وكان اطولهم مائة ذراع واقصرهم ستين واوسطهم ما بين ذلك وكان رأس الرجل منهم كالقبة يفرخ فى عينيه ومنخره السباع وتأخيره عن ثمود مع تقدمهم زمانا من قبيل الترقى من الضال الشديد الى الاضل الاشد { فأهلكوا بريح } هى الدبور لقوله عليه السلام
" نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور "
{ صرصر } اى شديدة الصوت لها صرصرة فى هبوبها وهى بالفارسية بانك كردن بازوجرغ وآنجه بدان ماند. او شديدة البرد تحرق ببردها النبات والحرث فان الصر بالكسر شدة البرد { عاتية } مجاوزة للحد فى شدة العصف كانها عتت على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها والرياح مسخرة لميكائيل تهب باذنه وتنقطع باذنه وله اعوان كأعوان ملك الموت روى انه ما يخرج من الريح شئ الا بقدر معلوم ولما اشتد غضب الله على قوم عاد أصابتهم ريح خارجة عن ضبط الخزان ولذلك سميت عاتية او المعنى عاتية على عاد فلم يقدروا على ردها بحيلة من استتار ببناء او لياذ بجبل او اختفاء فى حفرة فانها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم.
الحاقة 69:7
{ سخرها عليهم } التسخير سوق الشئ الى الغرض المختص به قهرا والمسخر هو المقيض للفعل والمعنى سلط الله تلك الريح الموصوفة على قوم عاد بقدرته القاهرة كما شاء الظاهر أنه صفة اخرى ويقال استئاف لدفع ما يتوهم من كونها باتصالات فلكية مع انه لو كان كذلك لكان بتسببه وتقديره فلا يخرج من تسخيره تعالى { سبع ليال } منصوب على الظرفية لقوله { سخرها } انث العدد لكون الليالى جمع ليلة وهى مؤنث فتبع مفرد موصوفة يقال ليل وليلة ولا يقال يوم ويومة وكذا نهارة وتجمع الليلة على الليالى بزيادة الياء على غير القياس فيحذف ياؤها حالة التنكير بالاعلال مثل الاهالى والاهال فى جمع اهل الاحالة النصب نحو قوله تعالى
سيروا فيها ليالى واياما آمنين
لانه غير منصرف والفتح خفيف { وثمانية ايام } ذكر العدد لكون الايام جمع يوم وهو مذكر { حسوما } جمع حاسم كشهود جمع شاهد وهو حال من مفعول سخرها بمعنى حاسمات عبر عن الريح الصرصر بلفظ الجمع لتكثرها باعتبار وقوعها فى تلك الليالى والايام وقال بعضهم صفة لما قبله كما قال الكاشفى روزها وشبهاى متوالى. والمعنى على الاول حال كون تلك الريح متتابعات ما خفق هبوبها فى تلك المدة ساعة حتى اهلكتهم تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم فى اعادة الكى على دآء الدابة مرة بعد أخرى حتى ينحسم وينقطع الدم كما قال فى تاج المصادر الحسم يريدون وييوسته داغ كردن. فهو من استعمال المقيد فى المطلق اذ الحسم هو تتابع الكى او نحسات حسمت كل خير واستأصلته او قاطعات قطعت دابرهم والحاصل ان تلك الرياح فيها ثلاث حيثيات الاولى تتابع هبوبها والثانية كونها قاطعة لكل خير ومستأصلة لكل بركة اتت عليها والثالثة كونها قاطعة دابرهم فسميت حسوما بمعنى حاسمات اما تشبيها لها بمن يحسم الدآء فى تتابع الفعل واما لان الحسم فى اللغة القطع والاستئصال وسمى السيف حساما لانه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته وهى كانت ايام برد العجوز من صبيحة الاربعاء لثمان بقين من شوال ويقال آخر أسبوع من شهر صفر الى غروب الاربعاء الآخر وهو آخر الشهر وعن ابن عباس رضى الله عنه برفعه آخر أربعاء فى الشهر يوم نحس مستمر وانما سميت عجوزا لان عجوزا من عادتوارت فى سرب اى فى بيت فى الارض فانتزعتها الريح فى اليوم الثامن فأهلكتها وقيل هى ايام العجز وهى آخر الشتاء ذات برد ورياح شديدة فمن نظر الى الاول قال برد العجوز ومن نظر الى الثانى قال برد العجز وفى روضة الاخبار رغبت عجوز الى اولادها أن يزوجوها وكان لها سبعة بنين فقالوا الى أن تصبرى على البرد عارية لكل واحد منا ليلة ففعلت فلما كانت فى السابعة ماتت فسميت تلك الايام ايام العجوز واسماء هذه الايام الصن وهو بالكسر اول ايام العجوز كما فى القاموس والصنبر وهى الريح الباردة والثانى من ايام العجوز كما فى القاموس والوبر وهو ثالث ايام العجوز والمعلل كمحدث وهو الرابع من ايامها ومطفىء الجمر وهو خامس ايام الجعوز او رابعها كما فى القاموس وقيل مكفئ الظعن اى مميلها وهو جمع ظعينه وهو الهودج فيه امرأة ام لا والآمر والمؤتمر قال فى القاموس آمر ومؤتمر آخر ايام العجوز قال الشاعر
كسع الشتاء بسبعة غبر ايام شهلتنا من الشهر فاذا انقضت ايام شهلتنا بالصن والصنبر والوبر وبآمر واخيه مؤتمر ومعلل وبمطفئ الجمر ذهب الشتاء موليا هربا وأتتك موقدة من الحر
قال فى الكواشى ولم يسم الثامن لان هلاكهم واهلاكها كان فيه وفى عين المعانى ان الثامن هو مكفئ الظعن ثم قال فى الكواشى ويجوز انها سميت ايام العجوز لعجزهم عما حل بهم فيها ولم يسم الثامن على هذا لاهلاكهم فيه والذى لم يسم هو الاول وان كان العذاب واقعا فى ابتدآئه لان ليلته غير مذكورة فلم يسم اليوم تبعا للتلة لان التاريخ يكون بالليالى دون الايام فالصن ثانى الايام الثمانية اول الايام المذكورة لياليها انتهى. يقول الفقير سر العدد أن عمر الدنيا بالنسبة الى الانس سبعة ايام من ايام الآخرة وفى اليوم الثامن تقع القيامة ويعم الهلاك ثم فى الليالى السبع اشارة الى الليالى البشرية الساترة للصفات السبع الالهية التى هى الحياة والعلم والارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وفى الايام اشارة الى الايام الكاشفات للصفات الثمان الطبيعية وهى الغضب والشهوة والحقد والحسد والبخل والجبن والعجب والشره التى تقطع امور الحق واحكامه من الخيرات والمبرات يعنى قاطعات كل خير وبر وقال القاشانى واما عاد المغالون المجاوزون حد الشرآئع بالزندقة والاباحة فى التوحيد فأهلكوا بريح هوى النفس الباردة بجمود الطبيعة وعدم حرارة الشوق والعشق العاتية اى الشديدة الغالبة عليهم الذاهبة بهم فى اودية الهلاك سخرها الله عليهم فى مراب الغيوب السبع التى هى لياليهم لاحتجابهم عنها والصفات الثمان الظاهرة لهم كالايام وهى الوجود والحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والتكلم على ما ظهر منهم وما بطن تقطعهم وتستأصلهم { فترى } يا محد او يامن شأنه أن يرى ويبصر ان كنت حاضرا حينئذ { القوم } اى قوم عاد فاللام للعهد وبالفارسية بس توميديدى قوم عاد را اكر حاضر مى بودى { فيها } اى فى محال هبوب تلك الريح او فى تلك الليالى والايام ورجحه ابو حيان للقرب وصراحة الذكر { صرعى } موتى جمع صريع كقتلى وقتيل حال من القوم لان الروية بصرية ولصريع بمعنى مصروع اى مطروح على الارض ساقط لان الصرع الطرح وقد صرعوا بموتهم { كأنهم } كوبيا ايشان ازعظم اجسام { اعجاز نخل } بيخهاى درخت خرما اند.
الكاف فى موضع الحال اما من القوم على قول من جوز حالين من ذى حال واحد او من المنوى فى صرعى عند من لم يجوز ذلك اى مصروعين مشبهين باصول نخل كما قال فى القاموس العجز مثلثة وكندس وكتف مؤخر الشئ واعجاز النخل اصولها انتهى والنخل اسم جنس مفرد لفظا وجمع معنى واحدتها نخلة { خاوية } اصل الخوى الخلاء يقال خوى بطنه من الطعام اى خلا والمعنى متأكلة الاجواف خالتتها لا شئ فيها يعنى انهم متساقطون على الارض امواتا طوالا غلاظا كأنهم اصول نخل مجوفة بلا فروع شبهوا بها من حيث ان ابدانهم خوت وخلت من ارواحهم كالنخل الخاوية وقيل كانت الريح تدخل من افواهم فتخرج ما فى اجوافهم من ادبارهم فصاروا كالنخل الخاوية ففيه اشارة الى عظم خلقهم وضخامة اجسادهم ولذا كانوا يقولون من اشد منا قوة والى الذ الريح ابلتهم فصاروا كالنخل الموصوفة وفيه اشارة الى ان اهل النفس موتى لا حياة حقيقية لهم لانهم قائمون بالنفس لا بالله كما قال كأنهم خشب مسندة كأنهم أعجاز نخل اى اقوياء بحسب الصورة لا معنى فيهم ولا حياة ساقطة عن درجة الاعتبار والوجود الحقيقى اذ لا تقوم بالله والى ان النفس وصفاتها مجوفة ليس لها بقاء انما هو بفيض الروح يعنى ان الذى رش عليه من رطوبة الروح حى باذن الله وصلح قابلا للصفات الالهية والامات وفسد.
الحاقة 69:8
{ فهل ترى لهم من باقية } الاستفهام لانكار الرؤية والباقية اسم كالبقية لا وصف والتاء للنقل الاسمية ومن زآئدة وباقية مفعول ترى اى ما ترى منهم بقية من صغارهم وكبارهم وذكورهم واناثهم غير المؤمنين ويجوز أن يكون صفة موصوف محذوف بمعنى نفس باقية او مصدرا بمعنى البقاء كالكاذبة والطاغية والبقاء ثبات الشئ على الحالة الاولى وهو يضاد الفناء
مقرراست كه بودند برزمانه بسى شهان تخت نشين خسروان شاه نشان جوعاصفات قضا ازمهب قهر وزيد شدند خاك وازان خاك نيزنيست نشان
فعلى العاقل أن يجتهد حتى يبقى فى الدنيا بالعمر الثانى كما دل عليه قوله تعالى حكاية عن ابراهيم الخليل عليه السلام
واجعل لى لسان صدق فى الآخرين
على ان الحياة الباقية الحقيقية هى ما حصلت بالتجلى الالهى والفيض المآلى الكلى نسأل الله سبحانه أن يفيض علينا سجال فيضه وجوده بحرمة اسمائه وصفاته ووجوب وجوده.
الحاقة 69:9
{ وجاء فرعون } اى فرعون موسى افرده بالذكر لغاية علوه واستكباره { ومن قبله } ومن تقدمه من الكفرة غير عاد وثمود فهو من قبيل التعميم بعد التخصيص ومن صولة وقبل نقيض بعد وقرأ ابو عمرو ويعقوب والكسائى قبله بكسر القاف وفتح الباء بمعنى ومن معه من القبط من اهل مصر فى { والمؤتفكات } اى قرى قوم لوط اى اهلها لانها عطفت على ما قبلها من فرعون ومن قبله يقال افكه عن الشئ اى قلبه وائتفكت البلدة بأهلها اى انقلبت والله تعالى قلب قرى قوم لوط عليهم فهى المنقلبات بالخسف وهى خمس قريات صعبة وصعده وعمره ودوماسدوم وهى اعظم القرى ثم هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم للتتميم لان قوم لوط اتوا بفاحشة ما سبقهم بها من احد من العالمين { بالخاطئة } الباء للملابسة والتعدية وهو الاظهر اى بالخطأ او بالغفلة او الافعال ذات الخطأ العظيم التى من جملتها تكذيب البعث والقيامة فالخاطئة على الاول مصدر كالعاقبة وعلى الاخيرين صفة لمحذوف والبناء للنسبة على التجريد والاظهر انه من المجاز العقلى كشعر شاعر.
الحاقة 69:10
{ فعصوا رسول ربهم } اى فعصى كل امة رسولهم حين نهاهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح فالرسول هنا بمعنى الجمع لان فعولا وفعيلا يستوى فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجمع فهو من مقابلة الجمع بالجمع المستدعية لانقسام الآحاد على الاماد فالاضافة ليست للعهد بل للجنس { فأخذهم } اى الله تعالى بالعقوبة اى كل قوم منهم { اخذة رابية } اى زآئدة فى الشدة على عقوبات سائر الكفار أو على القدر المعروف عند الناس لما زادت معاصيهم فى القبح على معاصى سائر الكفرة أغرق من كذب نوحا وهم كل اهل الارض غير من ركب معه فى السفينة وحمل مدائن لوط بعد ان نتقها من الارض على متن الريح بواسطة من امره بذلك من الملائكة ثم قلبها واتبعها الحجارة وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذى ليس فى الارض ما يشبهه واغرق فرعون وجنوده ايضا فى بحر القلزم او فى النيل وهكذا عوقب كل امة عاصية بحسب اعمالهم القبيحة وجوزيت جزآء وفاقا وفى كل ذلك تخويف لقريش وتحذير لهم عن التكذيب وفيه عبرة موقظة لأولى الالباب يقال ربا الشئ يربوا اذا زاد ومنه الربا الشرعى وهو الفضل الذى يأخذه آكل الربا زآئدا على ما أعطاه
الحاقة 69:11
{ انا لما طغى الماء } المعهود وقت الطوفان اى جاوز حده المعتاد حتى ارتفع على كل شئ خمسمائة ذراع وقال بعضهم ارتفع على ارفع جبل فى الدنيا خمسة عشر ذراعا او حده فى المعاملة مع خزانه من الملائكة بحيث لم يقدروا على ضبطه وذلك الطغيان ومجاوزة الحد بسبب اصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصى ومبالغتهم فى تكذيبه فيما اوحى اليه من الاحكام التى جملتها احوال القيامة فانتقم الله منهم بالاغراق { حملناكم } ايها الناس اى حملنا آباءكم وانتم فى اصلابهم فكأنكم محمولون باشخاصكم وفيه تنبيه على المتة فى الحمل لان نجاة آبائهم سبب ولادتهم { فى الجارية } يعنى فى سفينة نوح لان من شأنها أن تجرى على الماء والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء الى انقضاء ايام الطوفان لا مجرد رفعهم الى السفينة كما يعرب عنه كلمة فى فانها ليست بصلة للحمل بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله اى رفعناكم فوق الماء وحفظناكم حال كونكم فى السفينة الجارية بأمرنا وحفظنا من غير غرق وخرق وفيه تنبيه على ان مدار نجاتهم محض عصمته تعالى وانما السفينة سبب صورى.
الحاقة 69:12
{ لنجعلها } اى لنجعل الفعلة التى هى عبارة عن انجاء المؤمنين واغراق الكافرين { لكم تذكرة } عبرة ودلالة على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته فضمير لنجعلها الى المفعلة والقصة بدلالة ما بعد الآية من الوعى وقال الكاشفى نا كردانيم آن كشتى را براى شمايندى وعبرتى درنجات مؤمنا وهلاك كافران وفى كشف الاسرار تا آنرا يادكارى كنيم تاجهان بود. وقد ادرك السفينة اوآئل هذه الامة وكان ألوحها على الجودى { وتعيها } اى تحفظها وبالفارسية ونكاه دارداين بندرا. والوعى أن تحفظ العلم ووعيت الشئ فى نفسك يقال وعيت ما قلته ومنه ما قال عليه السلام
" لا خير فى العيش الا لعالم ناطق ومستمع واع "
والايعاء أن تحفظه فى غير نفسك من وعاء يقال اوعيت المتاع فى الوعاء منه ما قال عليه السلام لا سماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما
" لا توعى فيوعى الله عليك "
ارضخى ما استطعت وقال الشاعر
الخير يبقى وان طال الزمان به والشر أخبث ما اوعيت من زاد
{ اذن واعية } اى اذن من شأنها أن تحفظ مايجب حفظه بتذكره والتفكر فيه ولا تضيعه بترك العمل به يقال الوعى فعل القلب ولكن الآذان تؤدى الحديث الى القلوب الواعية فنعتت الآذن بنعت القلوب وفى البستان
وكرنيستى سعى جاسوس كوش خبركى رسيدى بسلطان هوش
والتنكير والتوحيد حيث لم يقل الآذان الواعية للدلالة على قلتها وان من هذا شأنه مع قلته يتسبب لنجاة الجم الغفير وادامة نسلهم يعنى ان من وعى هذه القصة انما يعيها ويحفظها لاجل أن يذكرها للناس ويرغبهم فى الايمان المنجى ويحذرهم عن الكفر المردى فيكون سببا للنجاة والادامة المذكورتين قال فى الكشاف الاذن الواحدة اذا وعت وعقلت عن الله فهى السواد الاعظم عند الله وان ما سواها لا يبالى بهم وان ملأ وا ما بين الخافقين وفى الحديث
" افلح من جعل الله له قلبا واعيا "
وعن النبى عليه السلام انه قال لعلى رضى الله عنه عند نزول هذه الآية سألت الله أن يجعلها اذنك يا على قال على فما نسيت شيأ بعد وما كان لى ان أنسى اذ هو الحافظ للاسرار الالهية وقد قال ولدت على الفطرة وسبقت الى الايمان والهجرة وفى رواية اخذ بأذن على بن ابى طالب وقال هى هذه ذكره النقاش
كرجه ناصح را بود صدداعيه بندرا اذنى ببايد واعيه كرنبودى كوشهاى غيب كير وحى ناوردى زكردون يك بشير
قال بعضهم تلك آذان اسمعها الله فى الازل خطابه فهى واعية تعى من الحق كل خطاب وعن أبى هريرة انه قيل لى انك تكثر رواية الاحاديث وغيرك لا يروى مثلك فقلت ان المهاجرين والانصار كان شغلهم عمل اموالهم وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله وأقنع بقوتى وقال عليه السلام يوما من الايام انه لن يبسط احد ثوبه حتى اقضى مقالتى ثم يجمع اليه ثوبه الاوعى ما اقول فبسطت نمرة على حتى اذا قضى مقالته جمعتها الى صدرى فما نسيت من مقالته عليه السلام شيأ وفيه اشارة الى تأثير حسن المقال وفائدته والا لكان دعاؤه عليه السلام كافيا فى وعيه كما وقع لأمير المؤمنين رضى الله عنه.
الحاقة 69:13
{ فاذا نفخ فى الصور نفخة واحدة } شروع فى بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها اثر بيان عظم شأنها باهلاك مكذبيها والنفخ ارسال الريح من الفم وبالفارسية دميدن. والصور قرن من نور أوسع من السموات ينفخ فيه اسرافيل بأمر الله فيحدث صوت عظيم فاذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ثم يموتون الا من شاء الله والمصدر المبهم هو الذى يكون لمجرد التأكيد وان كان لا يقام مقام الفاعل فلا يقال ضرب ضرب اذ لا يفيد امرا زآئدا على مدلول الفعل الا انه حسن اسناد الفعل فى الآية الى المصدر وهو النفخة لكونها نفخا مقيدا بالوحدة والمرة لا نفخا مجردا مبهما والمراد بها ههنا النفخة الاولى التى لا عندها حيوان الا مات ويكون عندها خراب العالم لما دل عليه الحمل والدك الآتيان وفى الكشاف فان قلت هما نفختان فلم قيل واحدة قلت معناه انها لا تثنى فى وقتها انتهى يعنى ان حدوث الامر العظيم بالنفخة وعلى عقبها انما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة لا من حيث انه نفخ فنبه على ذلك بقوله واحدة وفى كشف الاسرار ذكر الواحدة للتأكيد لان النفخة لا تكون الا واحدة.
الحاقة 69:14
{ وحملت الارض والجبال } اى قلعت ورفعت من اماكنها بمجرد القدرة الالهية او بتوسط الزلزلة والريح العاصفة فان الريح من قوة عصفها تحمل الارض والجبال كما حملت ارض وجود قوم عاد وجبال جمالهم مع هوادجها { فدكتا دكة واحدة } اى فضربت الجملتان جملة الارضين وجملة الجبال اثر رفعها بعضها ببعض ضربة واحدة بلا احتياج الى تكرار الضرب وتثنية الدق حتى تندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا والا فالظاهر فدككن دكة واحدة لاسناد الفعل الى الارض والجبال وهى امور متعددة ونظيره قوله تعالى
ان السموات والارض كانتا رتقا
حيث لم يقل كن والدك ابلغ من الدق وفى الصحاح الدك الدق وقد دكه اذا ضربه وكسره حتى سواه بالارض وبابه رد وفى المفردات الدك الارض اللينة السهلة ودكت الجبال دكا اى جعلت بمنزلة الارض اللينة ومنه الدكان.
الحاقة 69:15
{ فيومئذ } اى فحينئذ وهو منصوب بقوله { وقعت الواقعة } هى من اسماء القيامة بالغلبة لتحقق وقوعها وبهذا الاعتبار اسند اليه وقعت اى اذا كان الامر كذلك قامت القيامة التى توعدون بها او نزلت النازلة العظيمة التى هى صيحة القيامة وهو جواب لقوله فاذا نفخ فى الصور ويومئذ بدل من اذا كرر لطول الكلام والعامل فيهما وقعت.
الحاقة 69:16
{ وانشقت السماء } وآسمان برشكافت ازطرف مجره. يعنى انفرجت لنزول الملائكة لامر عظيم أراده الله كما قال يوم تشقق السماء بالعمام ونزل الملائكة تنزيلا اوبسبب شدة ذلك اليوم وهو معطوف على وقعت { فهى } اى السماء { يومئذ } ظرف لقوله { واهية } ضعيفة مسترخية ساقطة القوة جدا كالغزل المنقوض بعدما كانت محكمة مستمسكة وان كانت قابلة للخرق والالتئام يقال وهى البناء يهى وهيا فهو واه اذا ضعف جدا قال فى القاموس وهى كوعى وولى تخرق وانشق واسترخى رباطه وفى المفردات الوهى شق فى الاديم والثوب ونحوهما.
الحاقة 69:17
{ والملك } اى الخلق المعروف بالملك وهو أعم من الملائكة ألا ترى الى قولك ما من ملك الا وهو شاهد اعم من قولك ما من ملائكة { على ارجائها } اى جوانب السماء جمع رجى بالقصر وهى جملة حالية ويحتمل ان تعطف على ما قبلها كذا قالوا المعنى تنشق السماء التى هى مساكنهم فيلجأون الى اكنافها وحافاتها قالوا وقوفهم لحظة على ارجائها وموتهم بعدها فان الملائكة يموتون عند النفخة الاولى لا ينافى التعقيب المدلول عليه بالفاء وقد يقال انهم هم المستثنون بقوله الا من شاء الله اى ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الارض الا الملائكة ونحوهم قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة فاذا وهت السماء نزلت ملائكتها على ارجائها فيرون اهل الارض خلقا عظيما اضعاف ما هم عليه عددا فيتخيلون ان الله نزل فيهم لما يرون من عظم الملائكة مما لم يشاهدوه من قبل فيقولون افيكم ربنا فيقول الملائكة سبحان ربنا ليس فينا وهو آت فيصطف الملائكة صفا مستديرا على نواحى الارض محيطين بعالمى الانس والجن وهؤلاء هم عمار السماء الدنيا ثم ينزل اهل السماء الثانية بعدما يقبضها الله ايضا ويرمى بكوكبها فى النار وهو المسمى كاتبا وهم اكثر عددا من اهل السماء الدنيا فيقول الخلائق افيكم ربنا فيفزع الملائكة فيقولون سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت فيفعلون فعل الاولين من الملائكة يصطفون خلفهم صفا ثانيا مستديرا ثم ينزل اهل السماء الثالثة ويرمى بكوكبها المسمى زهرة فى النار فيقبضها الله بيمينه فيقول الخلائق افيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت فلا يزال الامر هكذا سماء بعد سماء حتى ينزل اهل السماء السابعة فيرون خلقا اكثر من جميع من نزل فيقول الخلائق افيكم ربنا فيقول الملائكة سبحان ربنا قد جاء ربنا وان كان وعد ربنا لمفعولا فيأتى الله فى ظلل من الغام والملائكة على المجنبة اليسرى منهم ويكون اتيانه اتيان الملك فانه يقول ملك يوم الدين وهو ذلك اليوم فسمى بالملك ويصطف الملائكة عليه سبعة صفوف محيطة بالخلائق فاذا ابصر الخلائق جهنم لها فوران وغيظ على الجبابرة المتكبرين يفرون بأجمعهم منها لعظم ما يرونه خوفا وفزعا وهو الفزع الاكبر الا الطائفة التى لا يحزنهم الفزع الاكبر فتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون فهم الآمنون مع النبيين على انفسهم غير ان النبيين يفزعون على اممهم للشفقة التى جبلهم الله عليها للخق فيقولون فى ذلك سلم سلم وكان قد أمر أن ينصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم فى الموقف فيجلسون عيلها آمنين مبشرين وذلك قبل مجيئ الرب تعالى فاذا فر الناس خوفا من جهنم يجدون الملائكة صفوفا لا يتجاوزونهم فتطردهم الملائكة وزرعة الملك الحق سبحانه وتعالى الى الحشر فيناديهم انبياؤهم ارجعوا ارجعوا او ينادى بعضهم بعضا فهو قول الله تعالى فيما يقول رسول الله عليه السلام
" انى اخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم "
انتهى. يقول الفقير دل هذا البيان على ان المراد بالوهى سقوط السماء على الارض التى تسمى بالساهرة وان نزول الملائكة على ارجاء السماء لا يكون يوم يقوم الناس من قبورهم بالنفخة الثانية وان ذكر فى اثناء النفخة الاولى كما دل عليه ما بعد الآية من حمل العرش والارض اللذين انما يكونان بعد النفخة الثانية وان معنى نزولهم طرد الخلق ونحوه كما قال تعالى
لا تنفذون الا بسلطان
اى لا تقصدون مهربا الا وهناك لى اعوان ولى به سلطان { ويحمل عرش ربك } وهو الفلك التاسع وهو جسم عظيم لا يعلم عظمه الا الله تعالى لانه فى الآفاق بمنزلة لقلب فى الانفس والقلب اوسع شئ لما وسع الله كما فى الحديث وكان عرش الرحمن والفائدة فى ذكر العرش عقيب ما تقدم ان العرش بحاله خلاف السماء والارض ولذلك لا يفنى وايضا له وجه آخر سيأتى وعن على بن الحسن رضى الله عنهما قال ان الله خلق العرش رابعا لم يخلق قبله الا ثلاثة الهوآء والقلم والنور ثم خلق العرش من انوار مختلفة من ذلك نور أخضر منه اخضرت الخضرة ونور أصفر منه اصفرت الصفرة ونورأحمر منه احمرت الحمرة ونور أبيض وهو نور الانوار ومنه ضوء النهار قال بعض الكبار الانوار الاربعة على عدد المراتب الاربع فاذا اعطى الانوار يعطى فى مرتبة الطبيعة نورا اسود وفى مرتبة النفس نورا احمر وفى مرتبة الروح نورا اخضر وفى مرتبة السر نورا ابيض { فوقهم } اى فوق الملائكة الذين هم على الارجاء او فوق الثمانية اى يجملون العرش فوق انفسهم فالمحمول لا يلزم ان يكون فوق الحامل فقد يكون فى يده وقد يكون فى جيبه فكل واحد من قوله فوقهم ويومئذ ظرف لقوله يحمل حينئذ واما على التقدير الاول فالظاهر أن فوقهم حال من ثمانية قدمت عليها لكونها نكرة { يومئذ } اى يوم القيامة { ثمانية } من الملائكة عن النبى عليه السلام هم اليوم اربعة فاذا كان يوم القيامة ايدهم الله باربعة اخرى فيكون ثمانية قال بعض العلماء الاربعة اللاحقة اشارة الى الأئمة الاربعة الذين هم أبو حنيفة والشافعى ومالك واحمد لانهم اليوم حملة الشرع فاذا كان يوم القيامة انقلب الشرع والعرش فيكونون من حملته حكما وروى ثمانية املاك ارجلهم فى تخوم الارض السابعة والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون قال عليه السلام
" اذن لى ان احدث عن ملك من حملة العرش من شحمة اذنه الى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول سبحانك حيث كتت "
قال يحيى بن سلام يبلغنى ان اسمه زوقيل وعن الحسن البصرى قدس سره ثمانية اى ثمانية آلاف وعن الضحاك ثمانية صفوف لا يعلم عددهم الا الله يقول الفقير الانسب هو الاول لكونه أدخل فى العظمة والهيبة واظهار والقدرة ولان الاركان اربعة كاركان الكعبة واركان القلب اذ فى يمين القلب الروح والسر وفى يساره النفس والطبيعة وباعتبار الظاهر والباطن يحصل ثمانية آلاف اذا لالف تفصيل الواحد بحيث لا تفصيل ورآءه الا باعتبار التضعيف والله اعلم ومر فى اوآئل سورة حم المؤمن بعض ما يتعلق بهذا المقام فلا نعيده وفى التأويلات النجمية يشير الى عرش الذات الحاملة للصفات الثمانية الذاتية الغيبية التى هى مفاتيح الغيب الموصوفة بحمل ذوات الصفات والصفات تحمل ظهورات الصفات فافهم.
الحاقة 69:18
{ يومئذ } العامل فيه قوله { تعرضون } على الله اى تسألون وتحاسبون عبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر لتعرف احوالهم يقال عرض الجند اذا امرهم عليه ونظر ما حالهم والخطاب عام للكل على التغليب روى ان فى يوم القيامة ثلاث عرضات فاما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ واما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك بشماله وهذا العرض وان كان بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم اسما لزمان متسع يقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب وادخال اهل الجنة الجنة واهل النار النار صح جعله ظرفا للكل كما تقول جئت عام كذا وانما كان مجيئك فى وقت واحد من اوقاته وذهب المشبهة من حمل العرش والعرض الى كونه تعالى محمولا حاضرا فى العرش واجيب بانه تمثيل لعظمة الله بما يشاهد من احوال السلاطين يوم بروزهم للقضاء العام فيكون المراد من اتيانه تعالى فى ظلل من الغمام اتيان امره وقضائه واما حديث التحول فمحمول على ظهوره تعالى فى مرتبة الصفات ولا مناقشة فيه لان النبى عليه السلام رآه ليلة المعراج فى صورة شاب امرد لان الصورة الانسانية اجمع الصور ومثله الرؤيا المنامية والله تعالى منزه فى ذاته عن اوصاف الجسمانيات { لا تخفى منكم خافية } حال من مرفوع تعرضون ومنكم كان فى الاصل صفة لخافية قدم للفاصلة فتحول حالا اى تعرضون غير خاف عليه تعالى فعلة خفية اى سر من اسراركم وانما العرض لافشاء الحال والمبالغة فى العدل وغير خاف يومئذ على الناس كقوله تعالى
يوم تبلى السرائر
فقوله منكم يتعلق بما قبله وما بعده على التجاذب قال فى الكشاف خافية اى سريرة وحال كانت تخفى فى الدنيا بستر الله عليكم والسر والسريرة الذى يكتم ويخفى فتظهر يوم القيامة احوال المؤمنين فيتكامل بذلك سرورهم وتظهر احوال غيرهم فيحصل الحزن والافتضاح ففى الآية زجر عظيم عن المعصية لتأديها الا الافتضاح على رؤوس الخلائق فقلب الانسان ينبغى ان يكون بحال لو وضع فى طبق وأدير على الناس لما وجد فيه ما يورث الخجالة وهو صفة اهل الاخلاص والنصيحة.
الحاقة 69:19
{ فاما } تفصيل لاحكام العرض { من } موصولة { اوتى كتابه } اى مكتوبه الذى كتبت الحفظة فيه تفاصيل اعماله { بيمينه } تعظيما له لان اليمين يتيمن بها والباء بمعنى فى او للالصاق وهو الاوجه والمراد منهم الابرار فان ال مقربين لا كتاب لهم ولا حساب لهم لمكانتهم من الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه عليه السلام قال
" اول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الامة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس "
قيل له فأين أبو بكر فقال
" هيهات زفته الملائكة الى الجنة "
يقول الفقير لعل هذا مكافاة له حين اخذ سيفه بيده وخرج من دار الارقم وهو يظهر الاسلام على ملأ من قريش فبسيفه ظهر الاسلام فرضى الله عنه وعن مجيه وفى الحديث اثبب احد فانما عليك نبى والصديق وشهيدان وكان عليه رسول عليه السلام وأبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فتحرك فقاله دل الحديث على انه رتبة أبى بكر فوق رتبة غبره لان الصديقية تلى النبوة { فيقول } فرحا وسرورا فانه لما اوتى كتابه بمينه علم انه من الناجين من النار ومن الفائزين بالجنة فأحب ان يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله { هاؤم اقرأوا كتابيه } اى خذوا يا اهل بيتى وقرابتى واصحابى كتابى وتناولوه اقرأوا كتابى زيرا در اينجا عملى نيست كه از اظهار آن شرم دارم ودر تببان آورده كه اين كتاب ديكر است بغير كتاب اعمل كه نوشته ودراو بشارت جنت است وبس جه كتاب حفظ ميان بنده وخدا وندست وكسى آنرانه بيند ونه خواند. وفى الخبر حسنات المؤمن فى ظاهر كتابه وسيئاته فى باطنه لا يراها الا هو فاذا انتهى يرى مكتوبا فقد غفر تهالك فاقلب فيرى فى الظاهر قد قبلتها منك فيقول من فرط السرور هاؤهم اقرأوا كتابيه اى هلموا اصحابى كما فى عين المعانى يقال هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء يا امرأة بكسرها وهؤما يا رجلان او يا امرأتان وهؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة بمعنى خذ خذا خذوا خذى خذا خذن ومفعوله محذوف وكتابى مفعول اقرأ والا اقرب العاملين فهو أقوى لكونه بمنزلة العلة القربية واصله هاؤم كتابى اقرأوا كتابى فحذف الاول لدلالة الثانى عليه ونظيره آتونى افرغ عليه قطرا والهاء للوقف والاستراحة والسكت تثبت بالوقف وتسقط فى الوصل كما هو الاصل فى هاء السكت لانها انما جيئ بها حفظا للحركة اى لتحفظ حركة الموقوف عليه اذلو لاها لسقطت الحركة فى الوقف فتثبت حال الوقف اذ لا حاجة اليها حال الوصل فلذلك كان حقها ان تثبت فى الوقف وتسقط فى الوصل الا ان القرآء السبعة اتفقوا فى كل المواضع على اثباتها وقفا ووصلا اجرآء للوصل مجرى الوقف واتباعا لرسم الامام فانها ثابتة فى المصحف فى كل المواضع وهى كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه وماهيه فى القارعة وما كان ثابتا فيه لا بد أن يكون مثبتا فى اللفظ الا ان حمزة اسقط الهاء من ثلاث كلم وصلا وهى ماليه وسلطانيه وماهيه واثبتها وقفا على الاصل ولم يعمل بالاصل فى كتابيه وحسابيه وأثبتها فى الحالين جمعا بين اللغتين وتبين من هذا التقرير ان المستحب ايثار الوقف اتباعا للوصل وان اثباتها وصلا انما هو لاتباع المصحف قال فى القاموس هاء السكت هى اللاحقة لبيان حركة او حرف نحو ماهية وها هناه واصلها ان يوقف عليها وربما وصلت بنية الوقف انتهى وهذه الهاء لا تكون الا ساكنة وتحريكها لحن اى خطأ لانه لا يجوز الوقف على المتحرك وهاء السكت فى القرءآن فى سبعة مواضع فى لم يتسنه وفى فبهداهم اقتده وفى كتابيه وفى حسابيه وفى ماليه وفى سلطانيه وفى ماهيه واما الهاء التى فى القاضية وهى هاوية وخاوية وثمانية وعالية ودانية وامثالها فللتأنيث فيوقف عليهن بالهاء يوصلن بالتاء.
الحاقة 69:20
{ انى ظننت انى ملاق حسابيه } الحساب بمعنى المحاسبة وهو عد اعمال العباد فى الآخرة. خيرا وشرا للمجازاة اى علمت وايقنت انى مصادف حسابى فى ديوان الحساب الالهى وانى احاسب فى الآخرة يعنى دانستم وايمان آوردم كه مرا حساب خواهند كرد وآنرا آماده ومتهيئ شدم. قال الراغب الظن اسم لما يحصل من امارة ومتى قويت ادت الى العلم ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد التوهم انتهى ومنه يعلم قول من قال سمى اليقين ظنا لان الظن يلد اليقين انتهى وانما فسر الظن بالعلم لان البعث والحساب مما يجب بهما الايمان ولا ايمان بدون اليقين قال سعدى المفتى وفيه بحث فايمان المقلد ذو اعتبار وصرحوا بأن الظن الغالب الذى لا يخطر معه احتمال النقيص يكفى فى الايمان ثم انه يجوز أن يكون المراد ما حصل له من حسابه اليسير ولا يقين به لوجوب ان يكون المؤمن بين الخوف والرجاء والمراد انى ظننت انى ملاق حسابى على الشدة والمناقضة لما سلف منى من الهفوات والآن ازال الله عنى ذلك وفرج همى انتهى. يقول الفقير هذا عدول عما عليه ظاهر القرءآن فان الظن فى مواضع كثيرة منه بمعنى اليقين كما فى قوله تعالى حكاية قال الذين يظنون انهم ملاقوا الله وهم المؤمنون بالآخرة وفى قوله تعالى وظن داود انما فتناه اى علم وايقن بالعلامة القوية قال القاضى ولعل التعبير عن العلم بالظن للاشعار بانه لا يقدح فى الاعتقاد وما يهجس فى النفس من الخطرات الى لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا يعنى ان الظن استعير للعلم الاستدلالى لانه لا يخلو عن الخطرات والوساوس عند الذهول عما قاد اليه من الدليل للاشعار المذكور واما العلوم الضرورية والكشفية فعارية عن الاضطراب وفى الكشاف وانما اجرى الظن مجرى العلم لان الظن الغالب يقام مقام العلم فى العادات والاحكام ويقال اظن ظنا كاليقين ان الامر كيت وكيت.
الحاقة 69:21
{ فهو } اى من اوتى كتابه بيمينه { فى عيشة } نوع من العيش وهو بالفتح وكذا العيشة والمعاش والمعيش والعيشوشة بالفارسية زيستن. قال بعض العلماء اذا كسر العين من العيش يلزمه التاء كما فى عيشة والعيش الحياة المختصة بالحيوان وهو اخص من الحياة لان الحياة تقال فى الحيوان وفى البازى وفى الملك ويشتق منه المعيشة لما يتعيش منه قال عليه السلام
" لا عيش الا عيش الآخرة "
{ راضية } ذات رضى يرضاها من يعيش فيها على النسبة بالصيغة فان النسبة نسبتان نسبة بالحرف كمكى ومدنى ونسبة بالصيغة كلابن وتامر وبمعنى ذى لبن وذى تمر ويجوز أن يجعل الفعل لها وهو لصاحبها فيكون من قبيل الاسناد المجازى ومآل الوجهين كون العيشة مرضية والى ما ذكرنا يرجع قول من قال راضية فى نفسها فكأنها لرغادتها قد رضيت بما هى فيه مجازا او بمعنى مرضية كماء دافق اى مدفوق انتهى وفى التأويلات النجمية راضية هنيئة مريئة صافية عن شوآئب الكدر طائرة عن نوآئب الحذر وبالفارسية در زندكانى باشد بسنديده صافى از كدورت ومقرون بحرمت وشحمت. وذلك اى كون العيشة مرضية لاشتمالها على امور ثلاثة الاول كونها منفعة صافية عن الشوآئب والثانى كونها دآئمة لا يترقب زوالها وانقطاعها والثالث كونها بحيث يقصد بها تعظيم من رضى بهاوا كرامه والا يكون استهزآء واستدراجا وعيشة من اعطى كتابه بيمينه جامعة لهذه الامور فتكون مرضيا بها كمال الرضى قال ابن عباس رضى الله عنهما يعيشون فلا يموتون ويصحون فلا يمرضون وينعمون فلا يرون بؤسا ابدا.
الحاقة 69:22
{ فى جنة عالية } مرتفعةالمكان لانها فى السماء كما ان المنار سافلة لانها تحت الارض او الدرجات او الابنيه والاشجار فيكون عالية من الصفات الجارية على غير من هى له وهو بدل من عيشة باعادة الجار ويجوز كونه متعلقا بعيشة راضية اى يعيش عيشا مرضيا فى جنة عاليه.
الحاقة 69:23
{ قطوفها } ثمراتها جمع قطف بالكسر وهو ما يقطف ويجتنى بسرعة والقطف بالفتح مصدر قال سعدى المفتى اعتبار السرعة فى مفهوم القطف محل كلام قال ابن الشيخ معنى السرعة قطع الكل بمرة وفى القاموس القطف بالكسر العنقود واسم للثمار المقطوفة انتهى فلا حاجة الى أن يقال غلب هنا فى جميع ما يجتنى منى الثمر عنبا كان او غيره { دانية } من الدنو وهو القرب اى قريبة من مريديها. يعنى خوشه هاى آن ازدست جيننده نزديك. ينالهاالقائم والقاعد والمضطجع من غير تعب وقيل لا يتأخر ادراكها انتهى واذا أراد أن تدنو الى فيه دنت بخلاف ثمار الدنيا فان فى قطفها وتحصيلها تعبا ومشقة غالبا وكذا لا تؤكل الا بمزاولة اليد. يقول الفقير اشجار الجنة على صورة الانسان يعنى ان اصل الانسان رأسه وهى فى طرف العلو ورجله فرعه مع انها فى طرف السفل فكذلك اصول اشجار الجنة فى طرف العلو واغصانها متدلية الى جانب السفل ولذا لايرون تعبا فى القطف على ان نعيم الجنة تابع لارادة المتنعم به فيصرف فيه كيف يشاء من غير مشقة.
الحاقة 69:24
{ كلوا واشربوا } باضمار القول والجمع بعد قوله فهو باعتبار المعنى والامر امر امتنان واباحة لا امر تكليف ضرورة ان الآخرة ليست بدارتكليف وجمع بين الاكل والشرب لان احدهما شقيق الآخر فلا ينفك عنه ولذا لم يذكر هنا الملابس وان ذكرت فى موضع آخر يقال لمن اوتى كتابه بيمينه كلوا من طعام الجنة وثمارها واشربوا من شرابها مطلقا { هنيئا } اكلا وشربا هنيئا اى سائغا لا تنغيص فيه فى الحلقوم وبالفارسية خوردنى وآشاميدنى كوارنده. وجعل الهنيئ صفة لهما لان المصدر يتناول المثنى ايضا من هنؤ الطعام والشراب وهنئ يهنأ ويهنؤ ويهنئ هناءة وهناء اى صار هنيئا سائغا فهو هنيئ ومنه اليهنئ المشتهر فى اللسان التركى فى اللحم المطبوخ ويستعمله العجم فالخاء المعجمة بدل الهاء كما قال فى المثنوى
وين بزاز بهرميان روزرا يخنئ باشدشه فيروزرا
واسناد الهناءة الى الاكل والشرب مجاز للمبالغة لانها للمأكول والمشروب وقولهم هنيئا عند شرب الماء ونحوه بمعنى صحة وعافية لان السائغ محظوظ منه بسبب الصحة والعافية غالبا { بما اسلفتم } بمقابلة ما قدمتم من الاعمال الصالحة او بدله او بسببه ومعنىالاسلاف فى اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالاقراض ومنه يقال اسلف فى كذا اذا قدم فيه ماله { فى الايام الخالية } اى الماضية فى الدنيا وعن مجاهد ايام الصيام فيكون المعنى كلوا واشربوا بدل ما امسكتم عن الاكل والشرب لوجه الله فى ايام الصيام لا سيما فى الايام ا لحارة وهو الاولى لان الجزآء لا بدوان يكون من جنس العمل وملائما له كما قال بعض الكبار لم يقل اشهدوا ولا اسمعوا وانما جوزوا من حيث عملوا ونظيره فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وقوله ان تسخروا منافانا نسخر منكم ونظائر ذلك ورؤى بعضهم فى المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال رحمنى وقال كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب فلم يقل كل يا من قطع الليل تلاوة واشرب يا من ثبت يوم الزحف فان هذا ما لا تعطيه الحكمة كما فى مواقع النجوم وروى يقول الله يا اوليائى طالما نظرت اليكم فى الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الاشربة وغارت اعينكم وخمصت بطونكم فكونوا اليوم فى نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما اسفلتم فى الايام الخالية. قوله قلصت من الباب الثانى يقال قلص الظل اى نقص والماء اى ارتفع فى البئر والشفة اى انزوت والثوب اى انزوى بعد الغسل ومصدر الجميع القلوص والتركيب يدل على انضمام شئ بعضه الى بعض وخمصه الجوع خمصا ومخمصة من الباب الاول يعنى باريك ميان كرد ويرا كرسنكى. وفيه اشارةالى ايام الازل الخالية عن الاعمال والعلل والاسباب اى كلوا من نعيم الوصال واشربوا من شراب الفيض بما اسلفه الله لكم فى الازل والقدم من العناية اذ بتلك العناية قمتم مع الحق فى جميع الاحوال.
جون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست آن به كه كارخود بعنايت رها كنند
الحاقة 69:25
{ واما من اوتى كتابه بشماله } تحقيرا له لان الشمال يتشاءم بها بان تلوى يسراه الى خلف ظهره فيأخذه بها ويرى ما فيه من قبائح الاعمال { فيقول } تحزنا وتحسرا وخوفا مما فيه وهو من قبيل الألم الروحانى الذى هو أشد من الألم الجسمانى { يا } هؤلاء يا معشر المحشر { ليتنى } كاشكى من. وهو تمن للمحال { لم اوت } متكلم مجهول من الايتاء بمعنى لم اعط { كتابيه } هذا الذى جمع جميع سيئاتى.
الحاقة 69:26
{ ولم ادر } متكلم من الدراية بمعنى العلم { ما حسابيه } لما شاهد من سوء العاقبة وبالفارسية كاشكى ندانستمى امروز جيست حساب من جه حاصلى نيست مرانرا جزعذاب وشدت ومحنت. فما استفهامية معلق بها الفعل عن العمل ويجوز أن تكون موصولة بتقدير المبتدأ فى الصلة.
الحاقة 69:27
{ يا ليتها } تكرير للتمنى وتجديد للتحسر أى يا ليت الموتة التى متها وذقتها وذلك ان الموتة وان لم تكن مذكورة الا انها فى حكم المذكور بدلالة المقام { كانت القاضية } اى القاطعة لامرى وحياتى ولم ابعث بعدها ولم ألق ألقى ما يتمنى عند مطالعة كتابه ان تدوم عليه الموتة الاولى وانه لا يبعث للحساب ولا يلقى ما اصابه من الخجالة وسوء العاقبة ويجوز ان يكون ضمير ليتها لما شاهد من الحالة اى يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التى قضت على يتمنى ان يكون بدل تلك الحالة الموتة القاطعة للحياة لما انه وجد تلك الحالة امر من الموت فتمناه عندها وكان فى الدنيا اشد كراهية للموت قال الشاعر
وشر من الموت الذى ان لقيته تمنيت منه الموت والموت اعظم
الحاقة 69:28
{ ما اغنى عنى } اى لم يدفع عنى شيأ من عذاب الآخرة على ان ما نافية والمفعول محذوف { ماليه } اى الذى كان لى فى الدنيا من المال والاتباع على ان ما موصولة واللام جارة داخلة على ياء المتكلم ليعم مثل الاتباع فانه اذا كان اسما مضافا الى ياء المتكلم لم يعم وفى الكشاف ما اغنى نفى واستفهام على وجه الانكار اى اى شئ اغنى عنى ما كان لى من اليسار انتهى حتى ضيعت عمرى فيه اى لم ينفعنى ولم يدفع عنى شيأ من العذاب فما استفهامية منصوبة المحل على انها مفعول اغنى. يقول الفقير الظاهر أن مالية هو المال المضاف الى ياء المتكلم اى لم يغن عنى المال الذى جمعته فى الدنيا شيأ من العذاب بل ألهانى عن الآخرة وضرنى فضلا عن ان ينفعنى وذلك ليوافق قوله تعالى
ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا
وقوله
وما يغنى عنه ماله اذا تردى
وقوله
ما اغنى عنه ماله وما كسب
ونظائر ذلك فما ذهب اليه اكثر اهل التفسير من التعميم عدول عما ورد به ظاهر القراءن.
الحاقة 69:29
{ هلك عنى سلطانيه } قال الراغب السلاطة التمكن من القهر ومنه سمى السلطان والسلطان يقال فى السلاطة نحو قوله تعالى
فقد جعلنا لوليه سلطانا
وقد يقال الذى السلاطة وهو الاكثر وسميت الحجة سلطانا وذلك لما لحق من الهجوم على القلوب لكن اكثر تسلطه على اهل العلم والحكمة من المؤمنين وقوله { هلك عنى سلطانيه } يحتمل السلطانين انتهى والمعنى هلك عنى ملكى وتسلطى على الناس وبقيت فقير ذليلا اوضلت عنى حجتى كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ومعناه بطلت حجتى التى كنت احتج بها عليهم فى الدنيا وبالفارسية كم كشت ازمن حجتى كه دردنيا جنك دران زده بودم. ورجح هذا المعنى بأن من اوتى كتابه بشماله اختصاص له بالملوك بل هو عام لجميع اهل الشقاوة. يقول الفقير قوله تعالى
ما اغنى عنى ماليه
يدل على الاول على ان فيه تعريضا بنحو الوليد من رؤساء قريش واهل ثروتهم ويجوز أن يكون المعنى تسلطى على القوى والآلات فعجزت عن استمالها فى العبادت وذلك لان كل احد كان له سلطان على نفسه وماله وجوارحه يزول فى القيامة سلطانه فلا يملك لنفسه نفعا.
الحاقة 69:30
{ خذوه } حكاية لما يقول الله يومئذ لخزنة النار وهم الزبانية الموكلون على عذابه والهاء راجع الى من الثانى اى خذوا العاصى لربه { فغلوه } بلا مهلة اى اجمعوا يديه الى عنقه بالقيد والحديد وشدوه به يقال غل فلان وضع فى عنقه اويده الغل وهو بالضم الطوق من حديد الجامع لليد الى العنق المانع عن تحرك الرأس وبالفتح دست باكردن بستن. وفى الفقه وكره جعل الغل فى عنق عبده لانه عقوبة اهل النار وقال الفقيه ان فى زماننا جرت العادة بذلك اذا خيف من الاباق كمال فى الكبرى بخلاف التقييد فانه غير مكروه لانه سنة المسلمين فى المتمردين.
الحاقة 69:31
{ ثم الجحيم صلوه } دل التقديم على التخصيص والمعنى لا تصلوه اى لا تدخلوه الا الجحيم ولا تحرقوه الا فيها وهى النار العظمى ليكون الجزآء على وفق المعصية حيث كان يتعظم على الناس قال سعدى المفتى فيكون مخصوصا بالمتعظمين وفيه بحث انتهى وقد مر جوابه.
الحاقة 69:32
{ ثم فى سلسلة } من نار وهى حلق منتظمة كل حلقة منها فى حلقة والجار متعلق بقوله فاسلكوه والفاء ليست بمانعة عن التعلق { ذرعها } طولها وبالفارسية كزان. والذراع ككتاب ما يذرع به حديدا او قضيبا وفى المفردات الذراع العضو المعروف ويعبر به عن المذروع والممسوح يقال ذراع من الثوب والارض والذرع بيمودن. قوله ذرعها مبتدأ خبره قوله { سبعون } والجملة فى محل الجر على انها صفة سلسلة وقوله { ذراعا } تمييز { فاسلكوه } السلك هو الادخال فى الطريق والخيط والقيد وغيرها ومعنى ثم الدلالة على تفاوت ما بين العذابين الغل وتسلية الجحيم وما بينهما وبين السلك فى السلسلة فى الشدة لاعلى تراخى المدة يعنى ان ثم اخرج عن معنى المهلة لاقتضاء مقام التهويل ذلك اذ لا يناسب التوعد يتفرق العذاب قال ابن الشيخ ان كلمتى ثم والقاء ان كانتا لعطف جملة فاسلكوه لزم اجتماع حرفى العطف وتواردهما على معطوف واحد ولا وجه له فينبغى ان يكون كلمة ثم لعطف مضمر على مضمر قبل قوله خذوه اى قيل لخزنة النار خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم قيل لهم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه فيكون الفاء لعطف المقول على المقول مع افادة معنى التعقيب وكلمة ثم لعطف القول على القول مع الدلالة على ان الامر الاخير أشد وأهول مما قبله من الاوامر مع تعاقب المأمور بها من الاخذ وجعل يده مغلولة الى عنقه وتصلية الجحيم وسلكهم اياه السلسلة الموصوفة والمعنى فأدخلوه فيها بأن تلفوها على جسده وتجعلوه محاطا به فهو فيما بينهما مرهق مضيق عليه لا يستطيع حراكا ما كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان اهل النار يكونون فىالسلسلة كما يكون الثعلب فى الجلبة والثعلب طرف خشبة الرمح الداخل فى الجلبة السنان وهى الدرع وذلك انما يكون رهقا اى غشية وبالفارسية بس در آريد اورادران يعنى درجسد او بيجد محكم تاحركت نتواند كرد. وتقديم السلسلة على السلك كتقديم الجحيم على التصلية فى الدلالة على الاختصاص والاهتمام بذكر ألوان ما يعذب به اى لا تسلكونه الا فى هذه السلسلة لانها أفظع من سائر مواضع الارهاق فى الجحيم وجعلها سبعين ذراعا ارادة لوصف بالطول كما قال ان تستغفر لهم سبعين مرة يريد مرات كثيرة لانها اذا طالت كان الارهاق اشد فهو كناية عن زيادة الطول لشيوع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة فى التكثير وقال سعدى المفتى الظاهر انه لا منع من الحمل على ظاهره من العدد قال الكاشفى يعنى بذراع ملك كه هرذراعى هفتاد باعست وهرباعى ازكوفه تامكه. وقال بعض المفسرين هى بالذراع المعروفة عندنا وانما خوطبنا بما نعرفه ونحصله وقال الحسن قدس سره الله اعلم بأى ذراع هى وعن كعب لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها ولو وضعت منها حلقة على جبل لذاب مثل الرصاص تدخل السلسلة فى فيه وتخرج من دبره ويلوى فضلها على عنقه وجسده ويقرن بها بينه وبين شياطنه.
يقول الفقير هذا يقتضى ان يكون ذلك عذاب الكافر لان جسده يكون فى العظم مسيرة ثلاثة ايام وضرسه مثل جبل احد على ما جاء فى الحديث وعن النبى عليه السلام قال لو أن رضراضة اى صخرة قدر رأس الرجل وفى رواية لو أن رضرضة مثل هذه واشار الى صخرة مثل الجمجة سقطت من السماء الى الارض وهى خمسمائة عام لبلغت الارض قبل الليل ولو أنها ارسلت من رأس السلسلة لسارت اربعين خريفا الليل والنهار قبل ان تبلغ اصلها وقعرها قال الشراح اللام فى السلسلة فى هذا الحديث للعهد اشارة الى السلسلة التى ذكرها الله فى قوله ثم فى سلسلة الخ روى ان شابا قد حضر صلاة الفجر مع الجماعة خلف واحد من المشايخ فقرأ ذلك الشيخ سورة الحاقة فلما بلغ الى قوله تعالى
خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه
صاح الشاب وسقط وغشى عليه فلما اتم الشيخ صلاته قال من هذا قالوا هو شاب صالح خائف من الله تعالى وله والدة عجوز ليس لها غيره قال الشيخ ارفعوه واحملوه حتى نذهب به الى امه ففعلوا ما امر به الشيخ فلما رأت امه ذلك فزعت واقبلت وقالت ما فعلتم بابنى قالوا ما فعلنا به شيأ الا انه حضر الجماعة وسمع آية مخوفة من القرءآن فلم يطق سماعها فكان هكذا بأمر الله فقالت اية آية هى فاقرأوها حتى اسمع فقرأها الشيخ فلما وصلت الآية الى سمع الشاب شهق شهقة اخرى خرجت معها روحه بأمر الله فلما رأت الام ذلك خرت ميتة وفى التأويلات النجمية قوله { ثم فى سلسلة } الخ يشير الى كثرة اخلاقه السيئة واوصافه الرديئة واحكام طبيعته الظلمانية اذ هى يوم القيامة كلها سلاسل العذاب واغلال الطرد والحجاب.
الحاقة 69:33
{ انه } بدرستى كه اين كس. كأنه قيل ماله يعذب بهذا العذاب الشديد فاجيب بانه { كان لا يؤمن بالله العظيم } وصفه تعالى بالعظم للايذان بانه المستحق للعظمة فحسب فمن نسبها الى نفسه استحق اعظم العقوبات.
الحاقة 69:34
{ ولا يحض على طعام المسكين } الحض الحث على الفعل بالحرص على وقوعه قال الراغب الحض التحريك كالحث الا ان الحث يكون بسير وسوق والحض لا يكون بذلك واصله من الحث على الحضيض وهو قرار الارض والمعنى ولا يحث اهله وغيرهم على اعطاء طعام يطعم به الفقير فضلا عن ان يعطى ويبذل من ماله على ان يكون المراد من الطعام العين فاضمر مثل اعطاء او بذل لان الحث والتحريض لا يتعلق بالاعيان بل بالاحداث واضيف الطعام الى المسكين من حيث ان له الية نسبة أو المعنى ولا يحثهم على اطعامه على ان يكون اسما وضع موضع الاطعام كما يوضع العطاء موضع الاعطاء فالاضافة الى المفعول وذكر الحض دون الفعل ليعلم ان تارك الحض بهذه المنزلة فيكفي بتارك الفعل يعنى يكون ترك الفعل اشد فى ان يكون سبب المؤآخذة الشديدة وجعل حرمان المسكين قرينة للكفر حيث عطفه عليه للدلالة على عظم الجرم ولذلك قال عليه السلام
" البخل كفر والكافر فى النار "
فتخصيص الامرين بالذكر لما ان اقبح العقائد الكفر واشنع الرذآئل البخل والعطف للدلالة على ان حرمان المسكين صفة الكفرة كما فى قوله تعالى
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
فلا يلزم ان يكون الكفار مخاطبين به بالفروع وفى عين المعانى وبه تعلق الشافعى فى خطاب الكفار بالشرائع ولا يصح عندنا لان توجيه الخطاب بالامر ولا امر ههنا على انه ذكر الايمان مقدما وبه نقول انتهى وقال ابن الشيخ فيه دليل على تكليف الكفار بالفروع على معنى انهم يعاقبون على ترك الامتثال بها كعدم اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والانتهاء عن الفواحش والمنكرات لا على معنى انهم يطالبون بها حال كفرهم فانهم غير مكلفين بالفروع بهذا المعنى لانعدام اهلية الادآء فيهم لان مدار اهلية الادآء هو استحفاق الثواب بالادآء ولاثواب لاعمال الكفار واهلية الوجوب لا تستلزم اهلية الادآء كما تقرر فى الاصول انتهى والحاصل ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤآخذة لا غير وعن أبى الدردآء رضى الله عنه انه كان يحض امرأته على تكثير المرق لاجل المساكين وكان يقول خلعنا نصف السلسلة بالايمان افلا نخلع نصفها الآخر بالاطعام والحض عليه
جوى بازدارد بلاى درشت عصايى شنيدى كه عوجى بكشت كسى نيك بيند بهردوسراى كه نيكى رساند بخلق خداى
الحاقة 69:35
{ فليس له اليوم } وهو يوم القيامة { ههنا } اى فى هذا المكان وهو مكان الاخذ والغل { حميم } اى قريب نسبا او ودا يحميه ويدفع عنه ويحزن عليه لان اولياءه يتحامونه ويفرون منه كقوله
ولا يسأل حميم حميما
وقال فى عين المعانى قريب يحترق له قلبه من حميم الماء وقال القاشانى لاستيحاشه من نفسه فكيف لا يستوحش غيره منه وهو من تتمة ما يقال للزبانية فى حقه اعلاما بانه محروم من الرحمة وحثالهم على بطشه.
الحاقة 69:36
{ ولا طعام الا من غسلين } قال فى القاموس الغسلين بالكسر ما يغسل من الثوب ونحوه كالغسالة وما يسيل من جلود أهل النار والشديد الحر وشجر فى النار انتهى والمعنى ولا طعام الا من غسالة اهل النار وما يسيل من ابدانهم من الصديد والدم بعصر قوة الحرارة النارية وبالفارسية زردابه وريمى كه ازتنهاى ايشان ميرود روى انه لو وقعت قطرة منه على الارض لأفسدت على الناس معايشهم يقال للنار دركات ولكل دركة نوع طعام وشراب وسيجيئ وجه التلفيق بينه وبين قوله
ليس لهم طعام الا من ضريع
فى الغاشية وهو فعلين من الغسل فالياء والنون زائدتان وفى الكواشى او نونه غير زائدة وهو شجر فى النار وهو من اخبث طعامهم والظاهر ان الاستثناء متصل ان جعل الطعام شاملا للشراب كما فى قوله تعالى
ومن لم يطعمه فانه منى
فانهم فسروه بمن لم يذقه من طعم الشئ اذا اذاقه مأكولا كان او مشروبا.
الحاقة 69:37
{ لا يأكله الا الخاطئون } صفة غسلين والتعبير بالاكل باعتبار ذكر الطعام اى لا يأكل ذلك الغسلين الا الآثمون اصحاب الخطايا وهم المشركون كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما وقد جوز أن يراد بهم الذين يتخطون الحق الى الباطل ويعدون حدود الله من خطئ الرجل من باب علم اذا تعمد الخطأ اى الذنب فالخاطئ هو الذى يفعل ضد الصواب متعمدا لذلك والمخطئ هو الذى يفعله غير متعمد أى يريد الصواب فيصير الى غيره من غير قصد كما يقال المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وفى عين المعانى الخاطئون طريق التوحيد وفى التأويلات النجمية ولا يحض مساكين الاعضاء والجوارح بالاعمال الصالحات والاقوال الصادقات والاحوال الصافيات فليس له اليوم ههنا من يعينه ويؤنسه لان المؤنس ليس الا الاعمال والاحوال ولا طعام لنفسه الميشومة الا غسالة اعماله وافعاله القبيحة الشنيعة لا يأكله الا المتجاوزون عن اعمال الروح والقلب القاصدون مراضى النفس والهوى متبعون للشهوات الجمسانية واللذات الحيوانية.
الحاقة 69:38
{ فلا اقسم } اى فأقسم على ان لا مزيدة للتأكيد واما حمله على معنى نفى الاقسام لظهور الامر واستغنائه عن التحقيق بالقسم فيرده تعيين المقسم به بقوله بما الخ وقال بعضهم هو جملتان والتقدير وما قاله المكذبون فلا يصح اذ هو قول باطل ثم قال اقسم { بما تبصرون وما لا تبصرون } قسم عظيم لانه قسم بالاشياء كلها على سبيل الشمول والاحاطة لانها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر فالمبصر المشاهدات وغير المبصر المغيبات فدخل فيهما الدنيا والآخرة والاجسام والارواح والانس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة وغير ذلك مما يكون لائقا بأن يكون مقسما به اذ من الاشياء ما لا يليق بأن يكون مقسما به واليه الاشارة بقول القاشانى اى الوجود كله ظاهرا وباطنا وبقول ابن عطاء آثار القدرة واسرارها وبقول الشيخ نجم الدين بما تبصرون من المشهودات والمحسوسات بابصار الظواهر ومالا تبصرون من المغيبات ببصائر البواطن يعنى بالمظاهر الاسمائية والمظاهر الذاتية وبقول الحسين اى بما اظهر الله لملائكته والقلم واللوح وبما اختزن فى علمه ولم يجر القلم به ولم تشعر الملائكة بذلك وما اظهر الله للخلق من صفاته وأراهم من صنعه وأبدى لهم من علمه فى جنب ما اختزن عنهم الا كذرة فى جنب الدنيا والآخرة ولو أظهر الله ما اختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن حمله وقال الشيخ أبو طالب المكى قدس سره فى قوت القلوب اذا كان العبد من اهل العلم بالله والفهم عنه والسمع منه والمشاهدة له شهد ما غاب عن غيره وابصر ما عمى عنه سواء كما قال تعالى { فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون }.
الحاقة 69:39
{ فلا اقسم } اى فأقسم على ان لا مزيدة للتأكيد واما حمله على معنى نفى الاقسام لظهور الامر واستغنائه عن التحقيق بالقسم فيرده تعيين المقسم به بقوله بما الخ وقال بعضهم هو جملتان والتقدير وما قاله المكذبون فلا يصح اذ هو قول باطل ثم قال اقسم { بما تبصرون وما لا تبصرون } قسم عظيم لانه قسم بالاشياء كلها على سبيل الشمول والاحاطة لانها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر فالمبصر المشاهدات وغير المبصر المغيبات فدخل فيهما الدنيا والآخرة والاجسام والارواح والانس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة وغير ذلك مما يكون لائقا بأن يكون مقسما به اذ من الاشياء ما لا يليق بأن يكون مقسما به واليه الاشارة بقول القاشانى اى الوجود كله ظاهرا وباطنا وبقول ابن عطاء آثار القدرة واسرارها وبقول الشيخ نجم الدين بما تبصرون من المشهودات والمحسوسات بابصار الظواهر ومالا تبصرون من المغيبات ببصائر البواطن يعنى بالمظاهر الاسمائية والمظاهر الذاتية وبقول الحسين اى بما اظهر الله لملائكته والقلم واللوح وبما اختزن فى علمه ولم يجر القلم به ولم تشعر الملائكة بذلك وما اظهر الله للخلق من صفاته وأراهم من صنعه وأبدى لهم من علمه فى جنب ما اختزن عنهم الا كذرة فى جنب الدنيا والآخرة ولو أظهر الله ما اختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن حمله وقال الشيخ أبو طالب المكى قدس سره فى قوت القلوب اذا كان العبد من اهل العلم بالله والفهم عنه والسمع منه والمشاهدة له شهد ما غاب عن غيره وابصر ما عمى عنه سواء كما قال تعالى { فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون }.
الحاقة 69:40
{ انه } اى القرءآن { لقول رسول } وقوله قول الحق كما قال وما ينطق عن الهوى وكما قال فأجره حتى يسمع كلام الله وفى كشف الاسرار أضاف القول اليه لانه لما قال قول رسول اقتضى مرسلا وكان معلوما ما أن يقرأه كلام مرسله وانما هو مبلغه فالاضافة الاختصاصية الى رسول الله تدل على اختصاص القول بالرسول من حيث التبليغ ليس الا اذ شأن الرسول التبليغ لا الاختراع وقد يأتى القول فى القرءآن والمراد به القرآءة قال الله تعالى
حتى تعلموا ما تقولون
اى ما تقرأوا فى صلاتكم { كريم } على الله تعالى يعنى بزر كوار نزدخداى تعالى. وهو النبى عليه السلام ويدل عليه مقابلة رسول بشاعر وكاهن لان المعنى على اثبات انه رسول لا شاعر ولا كاهن ولم يقولوا لجبريل شاعر ولا كاهن وقيل هو جبريل اى هو قول جبريل الرسول الكريم وما هو من تلقاء محمد كما تزعمون وتدعون انه شاعر أو كاهن فالمقصود حينئذ اثبات حقية القرءآن وانه من عند الله والحاصل ان القرءآن كلام الله حقيقة اظهره فى اللوح المحفوظ وكلام جبريل ايضا من حيث انه انزله من السموات الى الارض وتلاه على خاتم النبيين وكلام سيد المرسلين ايضا من حيث انه اظهره للخلق ودعا الناس الى الايمان به وجعله حجة لنبوته.
الحاقة 69:41
{ وما هو بقوله شاعر } كما تزعمون تارة قال الكاشفى جمانجه ابو جهل ميكويد وسبق معنى الشعر فى يس { قليلا ما تؤمنون } ايمانا قليلا تؤمنون بالقرءآن وكونه كلام الله او بالرسول وكونه مرسلا من الله والمراد بالقلة النفى اى لا تؤمنون اصلا كقولك لمن لا يزورك قلما تأتينا وانت تريد لا تأتينا اصلا. يقول الفقير يجوز عندى أن تكون قلة الايمان باعتبار قلة المؤمن بمعنى ان القليل منكم يؤمنون وقس عليه نظائره.
الحاقة 69:42
{ ولا بقول كاهن } كما تدعون ذلك تارة اخرى قال الكاشفى جنانجه عقبة بن ابى معيط كمان ميبرد. كرر القول مبالغة فى ابطال اقاويلهم الكاذبة على القرءآن الحق والرسول الصادق والكاهن هو الذى يخبر عن الكوآئن فى مستقبل الزمان ويدعى معرفة الاسرار ومطالعة علم الغيب وفى كشف الاسرار الكاهن هو الذى يزعم ان له خدما من الجن يأتونه بضرب من الوحى وقد انقطعت الكهانة بعد نبينا محمد عليه السلام لان الجن حبسوا ومنعوا من الاستماع انتهى وقال الراغب فى المفردات الكاهن الذى يخبر بالاخبار الماضية الخفية بضرب من الظن كالعراف الذى يخبر بالاخبار المستقبلة على نحو ذلك ولكون هاتين الصناعتين مبنيتين على الظن الذى يخطئ ويصيب قال عليه السلام
" من أتى عرافا او كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما انزل الله على محمد "
ويقال كهن فلان كهانة اذا تعاطى ذلك وكهن اذا تخصص بذلك وتكهن تكلف ذلك انتهى وفى شرح المشارق لابن الملك العراف من يخبر بما اخفى من المسروق ومكان الضالة والكاهن من يخبر بما يكون فى المستقبل وفى الصحاح العراف الكاهن { قليلا ما تذكرون } اى تذكرا قليلا او زمانا قليلا تتذكرون اى لا تتذكرون اصلا قال الكاشفى اندكى بندميكيريد يعنى بندكيرنمى شويد وفى كشف الاسرار اندك بندمى بذيريد ودرمى باييد وفى تاج المصادر التذكر ياكردن ويا ياد آوردن وبندكرفتن ومذكرشدن كلمه كه مؤنث بود. وقال بعضهم المراد من الايمان القليل ايمانهم واستيقانهم بأنفسهم وقد جحدوا بألسنتهم لا معنى النفى وقال بعضهم ان كان المراد منه الايمان الشرعى فالتقليل للنفى وان كان اللغوى فالتقليل على حاله لانهم كانوا يصدقون ببعض احكام القرءآن كالصلة والخير والعفاف ونحوها ويكذبون ببعضها كالوحدة والحقانية والبعث ونحوها وعلى هذا التذكر قيل ذكر الايمان مع نفى الشاعرية والتذكر مع نفى الكاهنية لما ان عدم مشابهة القرءآن الشعر امر بين لا ينكره الا معاند فلا مجال فيه لتوهم عذر لترك الايمان فلذلك وبخوا عليه وعجب منه بخلاف مباينته للكهانة فانها تتوقف على تذكر احواله عليه السلام ومعانى القرءآن المنافية لطريقة الكهنة ومعانى اقوالهم فالكاهن ينصب نفسه للدلالة على الضوآئع والاخبار بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرا ويأخذ جعلا على ذلك ويقتصر على من يسأله وليس واحد منها من دأبه عليه السلام والحاصل ان الكاهن من يأتيه الشياطين ويلقون اليه من اخبار السماء فيخبر الناس بما سمعه منهم وما يلقيه عليه السلام من الكلام مشتمل على ذم الشياطين وسبهم فكيف يمكن أن يكون ذلك بالقاء الشياطين فانهم لا ينزلون شيأ فيه ذمهم وسبهم لا سيما على من يلعنهم ويطعن فيهم وكذا معانى ما يلقيه عليه السلام منافية لمعانى اقوال الكهنة فانهم لا يدعون الى تهذيب الاخلاق وتصحيح العقائد والاعمال المتعلقة بالمبدأ والمعاد بخلاف معانى قوله عليه السلام فلو تذكر أهل مكة معانى القرءآن ومعانى اقوال الكهنة لما قالوا بأنه كاهن وفى برهان القرءآن خص ذكر الشعر بقوله ما تؤمنون لان من قال القرءآن شعر ومحمد عليه السلام شاعر بعدما علم اختلاف آيات القرءآن فى الطول والقصر واختلاف حروف مقاطعه فلكفره وقلة ايمانه فان الشعر كلام موزون مقفى وخص ذكر الكهانة بقول ما تذكرون لان من ذهب الى ان القرءآن كهانة وان محمدا عليه السلام كاهن فهو ذاهل عن ذكر كلام الكهان فانه اسجاع لا معانى تحتها واوضاع تنبو الطباع عنها ولا يكون فى كلامهم ذكر الله انتهى قال المولى ابو السعود فى الارشاد وانت خبير بأن ذلك ايضا مما لا يتوقف على تأمل قطعا انتهى اى فتعليلهم بالفرق غير صحيح وفيه ان الانابة شرط للتذكر كما قال تعالى
وما يتذكر الامن ينيب
والكافر ليس من اهل الانابة وايضا ما يذكر الا اولوا الالباب اى اولوا العقول الزاكية والقلوب الطاهرة والكافر ليس منهم فليس من اهل التذكر ولا شك ان كون الشئ امرا بينا لا ينافى التذكر ألا ترى الى قوله تعالى
أإله مع الله قليلا ما تذكرون
مع ان شواهد الالوهية ظاهرة لكل بصير باهرة عند كل خبير على انه يظهر من تقريراتهم انه لا بد من التذكر فى نفى الكهانة لخفاء امرها فى الجملة بالنسبة الى الشعر والعلم عند الله العلام.
الحاقة 69:43
{ تنزيل } اى هو منزل فعبر عن المفعول بالمصدر مبالغ { من رب العالمين } نزله على لسان جبريل تربية للسعدآء وتبشيرا لهم وانذارا للاشقياء كما قال تعالى
نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين
وقال تعالى
ومبشرا ونذيرا
الحاقة 69:44
{ ولو تقول علينا بعض الاقاويل } كما يتقوله الشعرآء اى ولو ادعى محمد علينا شيأ لم نقله كما تزعمون كما قال تعالى
ام يقولون تقوله بل لا يؤمنون
وفى ذكر البعض اشارة اى ان القليل كاف فى المؤاخذة الآتية فضلا عن الكثير سمى الافترآء تقولا وهو بناء التكلف لانه قول متكلف كما قال صاحب الكشاف التقول افتعال القول لان فيه تكلفا من المفتعل وسميت الاقوال المفتراة اقاويل تحقيرا لها لان صيغة افعولة انما تطلق على محقرات الامور وغرائبها كالاعجوبة لما يتعجب منه والاضحوكة لما يضحك منه وكان الاقاويل جمع اقوولة من القول وان لم يثبت عن نقله اللغلة ولم يكن اقوولة مستعملا لكن كونه على صور جمع افعولة كاف فى التحقير ويؤيدانه ليس جمع الاقوال لزوم أن لا يعاقب بما دون ثلاثة اقوال فالاقاويل ههنا بمعنى الاقوال لا انه جمعه وفى حواشى ابن لشيخ الظاهر ان الاقاويل جمع اقوال جمع قول كأناعيم جمع انعام جمع نعم.
الحاقة 69:45
{ لأخذنا منه } حال من قوله { باليمين } اى بيمينه وقال سعدى المفتى هو من باب ألم نشرح لك فى التفصيل بعد الاجمال.
الحاقة 69:46
{ ثم لقطعنا منه الوتين } اى نياط قلبه بضرب عنقه والنياط عرق ابيض غليظ كالقصبة علق به القلب اذا انقطع مات صاحبه وفى المفردات الوتين عرق يسقى الكبد اذا انقطع مات صاحبه ولم يقل لاهلكناه او لضربنا عنقه لانه تصوير لاهلاكه بافظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه فانه اذا أراد أن يوقع الضرب فى قفاء اخذ بيساره واذا اراد أن يوقعه فى جيده وأن يكفحه بالسيف اى يواجهه وهو أشد من المصبور لنظره الى السيف اخذ بيمينه فلذا خص اليمين دون اليسار وفى المفردات لاخذنا منه باليمين اى منعناه ودفعناه فعبر عن ذلك بالاخذ باليمين كقولك خذ بيمين فلان انتهى وقيل اليمين بمعنى القوة فالمعنى لانتقمنا بقوتنا وقدرتنا وقيل المعنى حينئذ لأخذنا منه اليمين وسلبنا منه القوة والقدرة على التكلم بذلك على ان الباء صلة اى زآئدة وعبر عن القوة باليمين لان قوة كل شئ فى ميامنه فيكون من قبيل ذكر المحل وارادة الحال او ذكر الملزوم وارادة اللازم.
الحاقة 69:47
{ فما منكم } ايها الناس { من احد عنه } اى عن القتل او المقتول وهو متعلق بقوله { حاجزين } دافعين وهو وصف لاحد فانه عام لوقوعه فى سياق النفى كما فى قوله عليه السلام
" لم تحل الغنائم لاحد اسود الرأس غيرنا "
فمن احد فى موضع الرفع بالابتدآء ومن زآئدة لتأكيد النفى ومنكم خبره والمعنى فما منكم قوم يحجزون عن المقتول او عن قتله واهلاكه المدلول عليه بقوله ثم لقطعنا منه الوتين اى لا يقدر على الحجز والدفع وهذا مبنى على اصل بنى تميم فانهم لا يعلمون ما لدخولها على القبلتين وقد يجعل حاجزين خبرا لما على اللغة الحجازية ولعله اولى فتكون كلمة ما هى المشبهة بليس فمن احد اسم ما وحاجزين منصوب على انه خبرها ومنكم حال مقدم وكان فى الاصل صفة لاحد وفى الآية تنبيه على ان النبى عليه السلام لو قال من عند نفسه شيأ او زاد أو نقص حرفا واحدا على ما اوحى اليه لعاقبه الله وهو اكرم الناس عليه فما ظنك بغيره ممن قصد تغيير شئ من كتاب الله او قال شيأ من ذات نفسه كما ضل بذلك بعض الفرق الضالة.
الحاقة 69:48
{ وانه } اى القرءآن { لتذكرة } موعظة وبالفارسية بنديست { للمتقين } لمن اتقى الشرك وحب الدنيا فانه يتذكر بهذا القرءآن وينتفع به بخلاف المشرك ومن مال الى الدنيا وغلبه حبها فانه يكذب به ولا ينتفع وفى تاج المصادر التذكير والتذكرة باياد دادن وحرف را مذكر كردن. ومنه الحديث فذكروه اى فأجلوه لان فى تذكير الشئ اجلالا له.
الحاقة 69:49
{ وانا لنعلم ان منكم مكذبين } اى ان منكم ايها الناس مكذبين بالقرءآن فنجازيهم على تكذيبهم قال مالك رحمه الله ما اشد هذه الآية على هذه الامة وفيه اشارة الى مكذبى الالهام ايضا فانهم ملتحقون بمكذبى الوحى لان الكل من عند الله لكن اهل الاحتجاب لا يبصرون النور كالاعمى فكيف يقرون.
الحاقة 69:50
{ وانه } اى القرءآن { لحسرة } ونداءة يوم القيامة { على الكافرين } المكذبين له عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين المصدقين به وفى الدنيا ايضا اذا رأوا دولة المؤمنين ويجوز أن يرجع الضمير الى التكذيب المدلول عليه بقوله مكذبين.
الحاقة 69:51
{ وانه } اى القرءآن { لحق اليقين } اى لليقين الذى لا ريب فيه فالحق واليقين صفتان بمعنى واحد أضيف احدهما الى الآخر اضافة الشئ الى نفسه كحب الحصيد للتأكيد فان الحق هو الثابت الذى لا يتطرق اليه الريب وكذا اليقين قال الراغب فى المفردات اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية واخواتهما يقال علم اليقين عين اليقين حق اليقين وبينها فرق مذكور فىغير هذا الكتاب انتهى وقد سبق الفرق من شرح الفصوص فى آخر سورةالواقعة فالرجع وقال الامام معناه انه حق يقين اى حق لا بطلان فيه ويقين لا ريب فيه ثم أضيف احد الوصفين الى الآخر للتأكيد وقال الزمخشرى لليقين حق اليقين كقولك هو العالم حق العالم وجد العالم ويراد به البليغ الكامل فى شأنه وفى تفسير القاشانى محض اليقين من غير شوب شئ آخر وقال الجنيد قدس سره حق اليقين ما يتحقق العبد بذلك معرفة بالحق وهو أن يشاهد الغيوب كمشاهدته للمرئيات مشاهدة عيان ويحكم على المغيبات ويخبر عنها بالصدق كما اخبر الصديق الاكبر فى مشاهدة النبى عليه السلام حين سأله ماذا أبقيت لنفسك قال الله ورسوله فأخبر عن تحققه بالحق وانقطاعه عن كل ما سوى الله ووقوفه على الصدق معه ولم يسأله النبى عليه السلام عن كيفيته ما أشار اليه لما عرف من صدقه وبلوغه المنتهى فيه ولما سأل عليه السلام حارثة كيف اصبحت قال اصبحت مؤمنا حقا فأخبر عن حقيقة ايمانه فسأله عليه السلام عن ذلك لما كان يجد فى نفسه من عظيم دعواه ثم لما اخبر لم يحكم له بذلك فقال عرفت فالزم اى عرفت الطريق الى حقيقة الايمان فالزم الطريق حتى تبلغ اليه وكان يرى حال أبى بكر رضى الله عنه مستورا من غير استخبار عنه ولا استكشاف لما علم من صدقه فيما ادعى وهذا مقام حق اليقين واليقين اسم للعلم الذى زال عنه اللبس ولهذا لا يوصف علم رب العزة باليقين.
الحاقة 69:52
{ فسبح باسم ربك العظيم } اى فسبح الله بذكر اسمه العظيم بأن تقول سبحانه الله تنزيها له عن الرضى بالتقول الله وشكرا على ما أوحى اليك فمفعول سبح محذوف والباء فى باسم ربك للاستعاذة كما فى ضربته بالسوط فهو مفعول ثان بواسطة حرف الجر على حذف المضاف والعظيم صفة الاسم ويحتمل أن يكون صفة ربك ويؤيده ما روى ان رسول الله عليه السلام قال لما نزلت هذه الآية اجعلوها فى ركوعكم فالتزم ذلك جماعة من العلماء كما فى فتح الرحمن وقال فى التأويلات النجمية نزه وقدس تنزيها فى عين التشبيه اسم ربك اى مسمى ربك اذا لاسم عين المسمى عند أرباب الحق واهل الذوق وقال القاشانى نزه الله وجرده عن شوب الغير بذلك الذى هو اسمه الاعظم الحاوى للاسماء كلها بان لا يظهر فى شهودك تلوين من النفس او القلب فحتجب برؤية الاننينية او الاثانية والا كنت مشبها لا مسبحا روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال خرجت يوما بمكة متعرضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد سبقنى الى المسجد فجئت فوقفت ورآءه فافتتح سورة الحاقة فلما سمعت سردالقرءآن قلت فى نفسى انه لشاعر كما يقول قريش حتى بلغ الى قوله
انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين
ثم مر حتى انتهى الى آخر السورة فأدخل الله فى قلبى الاسلام. تمت سورة الحاقة بعون الله تعالى فى السابع عشر من شهر رمضان من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف