Lafzullah

روح البيان في تفسير القرآن — المعارج 70:1 – المدثر 74:56

المؤلف / المصدر: إسماعيل حقي البروسوي (ö. 1137h/1725)

المحتويات
  1. المعارج 70:1
  2. المعارج 70:2
  3. المعارج 70:3
  4. المعارج 70:4
  5. المعارج 70:5
  6. المعارج 70:6
  7. المعارج 70:7
  8. المعارج 70:8
  9. المعارج 70:9
  10. المعارج 70:10
  11. المعارج 70:11
  12. المعارج 70:12
  13. المعارج 70:13
  14. المعارج 70:14
  15. المعارج 70:15
  16. المعارج 70:16
  17. المعارج 70:17
  18. المعارج 70:18
  19. المعارج 70:19
  20. المعارج 70:20
  21. المعارج 70:21
  22. المعارج 70:22
  23. المعارج 70:23
  24. المعارج 70:24
  25. المعارج 70:25
  26. المعارج 70:26
  27. المعارج 70:27
  28. المعارج 70:28
  29. المعارج 70:29
  30. المعارج 70:30
  31. المعارج 70:31
  32. المعارج 70:32
  33. المعارج 70:33
  34. المعارج 70:34
  35. المعارج 70:35
  36. المعارج 70:36
  37. المعارج 70:37
  38. المعارج 70:38
  39. المعارج 70:39
  40. المعارج 70:40
  41. المعارج 70:41
  42. المعارج 70:42
  43. المعارج 70:43
  44. المعارج 70:44
  45. نوح 71:1
  46. نوح 71:2
  47. نوح 71:3
  48. نوح 71:4
  49. نوح 71:5
  50. نوح 71:6
  51. نوح 71:7
  52. نوح 71:8
  53. نوح 71:9
  54. نوح 71:10
  55. نوح 71:11
  56. نوح 71:12
  57. نوح 71:13
  58. نوح 71:14
  59. نوح 71:15
  60. نوح 71:16
  61. نوح 71:17
  62. نوح 71:18
  63. نوح 71:19
  64. نوح 71:20
  65. نوح 71:21
  66. نوح 71:22
  67. نوح 71:23
  68. نوح 71:24
  69. نوح 71:25
  70. نوح 71:26
  71. نوح 71:27
  72. نوح 71:28
  73. الجن 72:1
  74. الجن 72:2
  75. الجن 72:3
  76. الجن 72:4
  77. الجن 72:5
  78. الجن 72:6
  79. الجن 72:7
  80. الجن 72:8
  81. الجن 72:9
  82. الجن 72:10
  83. الجن 72:11
  84. الجن 72:12
  85. الجن 72:13
  86. الجن 72:14
  87. الجن 72:15
  88. الجن 72:16
  89. الجن 72:17
  90. الجن 72:18
  91. الجن 72:19
  92. الجن 72:20
  93. الجن 72:21
  94. الجن 72:22
  95. الجن 72:23
  96. الجن 72:24
  97. الجن 72:25
  98. الجن 72:26
  99. الجن 72:27
  100. الجن 72:28
  101. المزمل 73:1
  102. المزمل 73:2
  103. المزمل 73:3
  104. المزمل 73:4
  105. المزمل 73:5
  106. المزمل 73:6
  107. المزمل 73:7
  108. المزمل 73:8
  109. المزمل 73:9
  110. المزمل 73:10
  111. المزمل 73:11
  112. المزمل 73:12
  113. المزمل 73:13
  114. المزمل 73:14
  115. المزمل 73:15
  116. المزمل 73:16
  117. المزمل 73:17
  118. المزمل 73:18
  119. المزمل 73:19
  120. المزمل 73:20
  121. المدثر 74:1
  122. المدثر 74:2
  123. المدثر 74:3
  124. المدثر 74:4
  125. المدثر 74:5
  126. المدثر 74:6
  127. المدثر 74:7
  128. المدثر 74:8
  129. المدثر 74:9
  130. المدثر 74:10
  131. المدثر 74:11
  132. المدثر 74:12
  133. المدثر 74:13
  134. المدثر 74:14
  135. المدثر 74:15
  136. المدثر 74:16
  137. المدثر 74:17
  138. المدثر 74:18
  139. المدثر 74:19
  140. المدثر 74:20
  141. المدثر 74:21
  142. المدثر 74:22
  143. المدثر 74:23
  144. المدثر 74:24
  145. المدثر 74:25
  146. المدثر 74:26
  147. المدثر 74:27
  148. المدثر 74:28
  149. المدثر 74:29
  150. المدثر 74:30
  151. المدثر 74:31
  152. المدثر 74:32
  153. المدثر 74:33
  154. المدثر 74:34
  155. المدثر 74:35
  156. المدثر 74:36
  157. المدثر 74:37
  158. المدثر 74:38
  159. المدثر 74:39
  160. المدثر 74:40
  161. المدثر 74:41
  162. المدثر 74:42
  163. المدثر 74:43
  164. المدثر 74:44
  165. المدثر 74:45
  166. المدثر 74:46
  167. المدثر 74:47
  168. المدثر 74:48
  169. المدثر 74:49
  170. المدثر 74:50
  171. المدثر 74:51
  172. المدثر 74:52
  173. المدثر 74:53
  174. المدثر 74:54
  175. المدثر 74:55
  176. المدثر 74:56

المعارج 70:1

{ سأل سائل بعذاب واقع } من السؤال بمعنى الدعاء والطلب يقال دعا بكذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى يدعون فيها بكل فاكهة اى يطلبون فى الجنة كل فاكهة والمعنى دعا داع بعذاب واقع نازل لا محالة سوآء طلبه او لم يطلبه اى استدعاه وطلبه ومن التوسعات الشائعة فى لسان العرب حمل النظير على النظير وحمل النقيض على النقيض فتعدية سأل بالباء من قبيل التعدية بحمل النظير على النظير فانه نظير دعا وهو يتعدى بالباء لا من قبيل التعدية بالتضمين بأن ضمن سأل معنى دعا فعدى تعديته كما زعمه صاحب الكشاف لان فائدة التضمين على ما صرح به ذلك الفاضل فى تفسير سورة النحل اعطاء مجموع المعنيين ولا فائدة فى الجمع بين معنى سأل ودعا لان احدهما يغنى عن الاخر والمراد بهذا السائل على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما واختاره الجمهور هو النضر بن الحارث من بنى عبد الدار حيث قال انكارا واستهزآء اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب أليم وصيغة الماضى وهو واقع دون سيوقع للدلالة على تحققق وقوعه اما فى الدنيا وهو عذاب يوم بدر فان النضر قتل يومئذ صبرا واما فى الآخرة وهو عذاب النار وعن معاوية انه قال لرجل من اهل سبأ ما اجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال اجهل من قومى قومك قالوا لرسول الله عليه السلام حين دعاهم الى الحق ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء ولم يقولوا ان كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له وقيل السائل هو الرسول عليه السلام استعجل بعذابهم وسأل ان يأخذهم الله اخذا شديدا ويجعله سنين كسنى يوسف وان قوله تعالى سأل سائل حكاية لسؤالهم المعهود على طريقة قوله تعالى يسألونك عن الساعة وقوله تعالى متى هذا الوعد ونحوهما اذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين لا ما دعا بها النضر فالسؤال بمعناه وهو التفتيش والاستفسار لان الكفرة كانوا يسألون النبى عليه السلام واصحابه انكارا واستهزآء عن وقوعه وعلى من ينزل ومتى ينزل والباء بمعنى عن كما فى قوله تعالى فاسأل به خبيرا اى فاسأل عنه لان الحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض باتفاق العلماء وعن الامام الواحدى ان الباء فى بعذاب زائدة للتأكيد كما فى قوله تعالى وهزى اليك بجذع النخلة اى عذابا واقعا كقولك سألته الشئ وسألته عن الشئ.

المعارج 70:2

{ للكافرين } اى عليهم فاللام بمعنى على كما فى قوله تعالى وان اسأتم فلها ان فعليها او بهم فاللام بمعنى الباء على كما فى قوله وان اسأتم فلها اى فعليها او بهم فاللام بمعنى الباء على ما ذهب بعضهم فى قوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله اى بأن يعبدوا الله او على معناه اى نازل لاجل كفرهم ومتعلقه على التقادير الثلاثة هو واقع قال بعض العارفين بهذا وصف اهل الامل والظن الكاذب الذين يظنون انهم يتركون فى قبائح اعمالهم وهم لا يعذبون { ليس له } اى لذلك العذاب { دافع من الله } اى من جهته تعالى اذا جاء وقته واوجيب الحكمة وقوعه { ذى المعارج } صفة لله لانه من السماء المضاءة مثل فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا ونحوهما والمعارج جمع معرج بفتح الميم هنا بمعنى مصعد وهو موضع الصعود قال الراغب العروج ذهاب فى صعود والمعارج المصاعد ومعنا ذى المعارج بالفارسية خداوند درجهاى بلند است. والمراد الافلاك التسعة المرتبة بعضها فوق بعض وهى السموات السبع والكرسى والعرش.

المعارج 70:3

{ للكافرين } اى عليهم فاللام بمعنى على كما فى قوله تعالى وان اسأتم فلها ان فعليها او بهم فاللام بمعنى الباء على كما فى قوله وان اسأتم فلها اى فعليها او بهم فاللام بمعنى الباء على ما ذهب بعضهم فى قوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله اى بأن يعبدوا الله او على معناه اى نازل لاجل كفرهم ومتعلقه على التقادير الثلاثة هو واقع قال بعض العارفين بهذا وصف اهل الامل والظن الكاذب الذين يظنون انهم يتركون فى قبائح اعمالهم وهم لا يعذبون { ليس له } اى لذلك العذاب { دافع من الله } اى من جهته تعالى اذا جاء وقته واوجيب الحكمة وقوعه { ذى المعارج } صفة لله لانه من السماء المضاءة مثل فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا ونحوهما والمعارج جمع معرج بفتح الميم هنا بمعنى مصعد وهو موضع الصعود قال الراغب العروج ذهاب فى صعود والمعارج المصاعد ومعنا ذى المعارج بالفارسية خداوند درجهاى بلند است. والمراد الافلاك التسعة المرتبة بعضها فوق بعض وهى السموات السبع والكرسى والعرش.

المعارج 70:4

{ تعرج الملائكة } المأمورون بالنزول والعروج دون غيرهم من المهيمين ونحوهم لان من الملائكة من لا ينزل من السماء اصلا ومنهم من لا يعرج من الارض قطعا { والروح } اى جبريل افرده بالذكر لتميزه وفضله كما فى قوله تعالى تنزل الملائكة والروح فقد ذكر مع نزولهم فى آية وعروجهم فى اخرى { اليه } اى يعرجون من مسقط الامر الى عرشه والى حيث تهبط منه اوامره كقول ابراهيم عليه السلام انى ذاهب الى ربى اى الى حيث امرنى ربى بالذهاب اليه فجعل عروجهم على العرش عروجا الى الرب لان العرش مجلى صفة الرحمانية فمنه تبتدأ الاحكام والى حيث شاء الله تعالى تهبط الملائكة بأعمال بنى آدم الى الله تعالى والروح اليهانا ظرفى ذلك المشهد { فى يوم } متعلق بتعرج كألى { كان مقداره خمسين الف سنة } مما يعده الناس كما صرح به قوله تعالى فى يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون وقوله خمسين خبر كان وهو من باب التشبيه البليغ والاصل كمقدار مدة خمسين الف سنة. واعلم ان تحقيق هذه الآية يستدعى تمهيد مقدمه وهى ان المبروج اثنا عشرعلى ما افاده هذا البيت وهو قوله جون حمل جون ثور وجون جوزاء وسرطان واسد سنبله ميزان وعقرب قوس وجدى ودلو وحوت وكان مبدأ الدولة العرشية من الميزان ومنه الى الحوت اوجد الله فيه الارواح السماوية والصور الاصلية الكلية التعينة فى جوف العرش ولكل برج يوم مخصوص به ومدة هذه البروج السته وهى الميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت احد وعشرون الف سنة ومن الحمل الى برج السنبلة فى الحكم خمسون الف سنة ومدة دور السنبلة سبعة آلاف سنة وهى الآخرة وفى اول هذه الدورة التى هى دور السنبلة بموجب الامر الالهى الموحى به هناك ظهر النوع الانسانى وبعث نبينا عليه السلام فى الالف الآخر من السبعة وفى الاجزآء البرزخية بين احكام دور السنبلة ودور الميزان المختص بالآخرة فانه اذا تم دور البروج الاثنى عشر ينتقل الحكم الى الميزان وهو زمان القيامة الكبرى فأخذنا كفة الالف الاولى للدنيا فى الدولة المحمدية والكفة الآخرى للآخرة والحشر اى أخذنا النصف الاول من الف الميزان الثانى لهذه النشأة والنصف الاخير منه للنشأة الآخرة ولهذا استقرت الاخبار فى قيام الساعة وامتدادها الى خمسمائة سنة بعد الالف وهى النصف الاول من الالف الثانى من الميزان الثانى ولم يتجاوز حد الدنيا ذلك عند أحد من علماء الشريعة فبعث النبى عليه السلام فى زمان امتزاج الدنيا بالآخرة كالصبح الذى هو اول النهار المشرع ومنه الى طلوع الشمس نظر الزمان الذى هو من المبعث الى قيام الساعة فكما يزداد الضوء بعد طلوع الفجر بالتدريج شيأ بعد شئ كذلك ظهور احكام الآخرة من حين المعث يزداد الى زمان طلوع الشمس من مغربها كما أشار عليه السلام اليه بقوله " بعثت انا والساعة كفرسى رهان " وبقوله لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل عذبة سوطه وحتى يحدثه فخذه بما يصنع اهله بعده وكذا يسمع جمهور الناس فى آخر الزمان نطق الجمادات والنباتات والحيوانات على ما ورد فى الاخبار الصحيحة فلليوم مراتب واحكام. فيوم كالآن وهو أدنى ما يطلق عليه الزمان ومنه يمتد الكل وهو المشار اليه بقوله تعالى كل يوم هو فى شأن فسمى الزمن الفرد يوما لان الشان يحدث فيه وهو اصغر الازمان وأدقها والسارى فى كل الادوار سريان المطلق فى المقيد. ويوم كألف سنة وهو اليوم الالهى ويوم الاخرة كمال قال تعالى وان يوما عند ربك كألف سنة وقال يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج اليه فى يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون ويوم كخمسين الف سنة والى مالا يتناهى كيوم اهل الجنة فلاحد لا كبر الايام يوقف عنده فهذا اليوم الذى كان مقداره خمسين الف سنة هو يوم المعراج ويوم القيامة ايضا. درفتوحات آورده كه هراسمى را ازاسماء الهيه روزيست خاص كه تعلق بدوداردودر قرآن در روزاز انها مذكوراست يوم الرب كه هزار سالست ويوم ذى المعارج كه بنجاه هزار سالست. وكل الف سنة دورة واحدة تقع فيها القيامة الصغرى لاهل الدنيا بتبديل الاحكام والشرآئع وانواع الهياكل والنفوس وكل سبعة آلاف سنة دورة لنوع خاص كالانسان وكل خمسين الف سنة دورة ايضا تقع فيما القيامة الكبرى فيفنى العالم واهله وكان عروج الملائكة من الارض الى السماء ونزولهم من السماء الى الارض لاجرآء احكام الله وانفاذ امره فى مدة البروج الستة الآخر التى هى الحمل والثور والجوزآء والسرطان والاسد والسنبلة وهى خمسون الف سنة كما سبق وعند العارفين يطلق على نزول الملائكة العروج ايضا وان كانت حقيقة العروج انما هى لطالب العلو وذلك لان لله تعالى فى كل موجود تجليا ووجها خاصا به يحفظه فنزول الملائكة وعروجهم دآئما الى الحق لعدم تحيزه وكل ما كان اليه فهو عروج وان كان فى السفليات لانه هو العلى الأعلى فهو صفة علو على الدوام وجعلت اجنحة الملائكة للهبوط عكس الطائر عبرة ليعرف كل موجود عجزه وعدم تمكنه من تصرفه فوق طاقته التى اعطاها الله له فالملائكة اذا نزلت نزلت بجناحها واذا علت علت بطبعها والطيور بالعكس فاعلم ذلك وكذلك يكون عروجهم ونزولهم اى يقع فى اليوم الطويل الذى هو يوم القيامة لاجرآء احكام الله على ما شاء وانفاذ امره على مقتضى علمه وحكمته وهو مقدار خمسين الف سنة من سنى الدنيا ودل على مدة هذا اليوم قوله عليه السلام " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها الا اذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها فى نار جهنم اى مرة ثانية ليشتد حرها فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت اعيدت له اى لكيه الى نار جهنم فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله اما الى الجنة اى ان لم يكن له ذنب سواه او كان ولكن الله عفا عنه واما الى النار اى ان كان على خلاف ذلك " رواه مسلم وروى ان للقياءة خمسين موقفا يسأل العبد فى كل منها عن امر من امور الدين فان لم يقدر على الجواب وقف فى كل موقف بمقدار اليوم الالهى الذى هو الف سنة ثم لا ينتهى اليوم الى ليل اى يكون وقت اهل الجنة كالنهار ابدا ويكون زمان اهل النار كالليل ابدا اذ كما لا ظلمة لاهل النور كذلك لا نور لاهل الظمة وفيه تذكير للعاقل على ان يوم القيامة اذا كان اوله مقدار خمسين الف سنة فماذا آخره ثم هذا الطول فى حق الكافر والعاصى لا المؤمن والمطيع لما روى ابو سعيد الخدرى رضى الله عنه انه قيل لرسول الله عليه السلام ما أطول هذا اليوم فقال عليه السلام " والذى نفسى بيده انه ليخفف على المؤمن حتى يكون اخف من صلاة مكتوبة يصليها فى الدنيا " وفى التمثيل بالصلاة اشارة الى وجه آخر لسر العدد وهو ان الكافر اضاع الصلاة وهى فى الاصل خمسون صلاة فكأنه عذب بكل واحدة منها الف سنة ولهذا السر يكلف يوم القيامة بالسجود لا بغيره ولا يلزم من وجود هذا اليوم بهذا الطول ومن عروج الملائكة فى اثنائه الى العرش أن يكون ما بين اسفل المعالم واعلى سرادقات العرش مسيرة خمسين الف سنة لان المراد بيان طول اليوم عروج الملائكة ونزولهم فى مثل هذا اليوم الى العرش ومنه لتلقى امره وتبليغه الى محله مرار او كرارا لابيان طول المعارج لان ما بين مركز الارض ومقعر السماء مسيرة خمسمائة عام وتخن كل واحدة من السموات السبع كذلك فيكون المجموع تسعة آلاف الى العرش اى بالمنظرالظاهرى والا فهى ازيد من ذلك بل من كل عدد متصور كما ستجيئ الاشارة اليه وقول من قال جعل ما بين الكرسى والعرش كما بين غيرها غير موجه لما فى الحديث الصحيح ان فى الجنة مائةدرجة اعدها الله للمجاهدين فى سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والارض فيكون بين الكرسى الذى هو صحن الجنة وبين العرش الذى هو سقف الجنة خمسمائة سنة مائة مرة اولها من ارض الكرسى الى الدرجة السافلة من العرش فيكون المجموع مقدار خمسين الف سنة تأمل تعرف ان كلامه ليس بصحيح من وجوه الاول ان المراد فى هذا المقام بيان الطول من اسفل العالم الى اعلاه وانه مقدار خمسين الف سنة لا من صحن الجنة الى سقفها لانه على ما ذكره من المسافة بين العرشين يزيد على ذلك المقدار بالنظر الى اسفل العالم زيادة بينة فلا يحصل المقصود والثانى ان مراد النبى عليه السلام من التمثيل بما بين السماء والارض ليس التحديد بل بيان مجرد السعة وطول الامتداد بما لا يعرفه الا الله كما يقتضيه المقام والثالث ان الحديث الذى اورده لا يدل على ان نهاية الدرجة الاخيرة من تلك الدرجات منتهية الى الدرجة السافلة من العرش بل هو ساكت عنه فيجوز أن يكون المقدار ازيد مما ذكره لان طبقات المجاهدين متفاوتة على ان سقف الجنة وان كان هو عرش الرحمن لكن المراد به ذروته وهى التى ينتهى دونها عالم التركيب وهى موضع قدم النبى عليه السلام ليلة المعراج وما بين اسفل الجنة من محدب الكرسى الى اعلاها من تلك الذروة التى هى محدب العرش لاحد له يعرف على ما سيجئ فى سورة الاعلى ان شاء الله تعالى فاذا تحققت هذا البيان الشافى فى الآية الكريمة وهو الذى أشار اليه الحكماء الالهية فدع عنك القيل والقال الذى قرره اهل المرآء والجدال فمنه ان قوله فى يوم بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على منهاج التمثيل والتخييل والمعنى من الارتفاع بحيث لو قدر قطعها فى ذلك لكان ذلك الزمان مقدار خمسين الف سنة من سنى الدنيا انتهى وفيه ان كونه محمولا على التمثيل انما يظهر اذا فسرت المعارج بغير السموات وهو خلاف المقصود ومنه ان معناه تعرج الملائكة والروح الى عرشه فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة اى يقطعون فى يوم من ايام الدنيا ما يقطعه الانسان فى خمسين الف سنة لو فرض ذلك القطع وذلك لغاية سرعتهم وقوتهم على الطيران وبالفارسية اكر يكى ازبنى آدم خواهدكه سير كنداز دنيا تا آنجا كه محل امر ملائكه است وايشان بيكروز ميررند او بدين مقادر سال تواند رفت انتهى. وفيه ان سير الملائكة لحظى فيصلون من أعلى الاوج الى اسفل الحضيض فى آن واحد فتقدير سيرهم باليوم المعلوم فى العرف غير واضح ومنه ان اليوم فى الآية عبارة عن اول ايام الدنيا الى انقضائها وانها خمسون ألف سنة لا يدرى احد كم مضى وكم بقى الا الله تعالى انتهى وفيه ان ايام الدنيا تزيد على ذلك زيادة بينة كما لا يخفى على اهل الاخيار وعندى انها ثلاثمائة وستون ألف سنة بمقدار ايام السنة دل عليه قوله ان عمر الانسان جامعة من جمع الأخرة وقد سلفناه فى موضعه ومنه ان المراد باليوم هو يوم من ايام الدنيا يعرج فيه الامر من منتهى اسفل الارضين الى منتهى اعلى السموات ومقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة واما اليوم الذى مقداره ألف سنة كما فى سورة الم السجدة فباعتبار نزول الامر من السماء الى الارض وباعتبار عروجه من الارض الى السماء فللنزول خمسمائة وكذا للصعود والمجموع ألف وفيه انه زاد فى الطنبور نغمة اخرى حيث اعتبر العروج من اسفل الارضين ليطول المسافة وظاهر انه لا يتم المقصود بذلك ومنه ان المراد تصعد الحفظة باعمال بنى آدم كل يوم الى محلى قربته وكرامته وهو السماء فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سنى الدنيا لو صعد فيه غير الملك لان الملك يصعد من منتهى امر الله من اسفل السفل الى منتهى امره من فوق السماء السابعة فى يوم واحد ولو صعد فيه بنوا آدم لصعدوا فى خمسين ألف سنة انتهى وفيه ما فى السابق من تقدير اليوم فى حق الملائكة مع ان قصر الصعود على الصعود بمجرد العمل قصور لانه شان الملائكة الحافظين والآية مطلقة عامة لهم ولغيرهم من المدبرات ومنه ان قوله فى يوم متعلق بواقع على أن يكون المراد به يوم القيامة والمعنى يقع العذاب فى يوم طويل مقداره خمسون الف سنة من سنى الدنيا فتكون جملة قوله تعرج الملائكة معترضة بين الظرف ومتعلقه انتهى وفيه انه من ضيق العطن لانه لا مانع من ارادة يوم القيامة على تقدير تعلقه بتعرج ايضا على ما عرف من تقديرنا السابق فان قلت لما ذا وصف الله ذاته فى مثل هذا المقام بذى المعارج قلت للتنبيه على ان عروج الملائكة على مصاعد الافلاك ونزولهم منها انما هو للامر الالهى كما قال تعالى يتنزل الامر بينهن ومن امره ايصال اللطف الى اوليائه وارسال القهر على اعدآئه ففيه تحذيرللكفار من عقوبة السماء النازلة بواسطة الملائكة كما وقعت للامم الماضية المكذبة وزجر لهم عما يؤدى الى المحاسبة الطويلة يوم القيامة هذا ما تيسر لى فى هذا المقام والعلم عند الله العلام وفى التأويلات النجمية فى ذى المعارج اى يصعد بتعذيب اهل الشهوات واللذات مرتبة فوق مرتبة ومصعدا فوق مصعد من معرج نفوسهم الى معرج قلوبهم ومنه الى معرج سرهم ومنه الى معرج روحهم يعذبهم فى كل مرتبة عذابا اشد من اول وفى قوله تعالى تعرج الخ اى تعرج الخواطر الروحانية خصوصا خاطر جبريل الروح فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة من ايام الله وهى ايام السماء التى تحت حيطة الله الاسم الجامع فافهم قال القاشانى ذى المعارج اى المصاعد وهى مراتب الترقى من مقام الطبائع الى مقام المعادن بالاعتدال ثم الى مقام النبات ثم الى الحيوان ثم الى الانسان فى مدارج الانتقالات المترتبة بعضها فوق بعض ثم فى منازل السلوك بالانتباه واليقظة والتوبة والانابة الى آخر ما أشار اليه اهل السلوك من منازل اليقين ومناهل القلب فى مراتب الفناء فى الافعال فى الذات مما لا يحصى كثرة فان له تعالى بازآء كل صفة مصعدا بعد المصاعد المتقدمة على مقام والصفات الى الفناء الفناء فى الصفات تعرج الملائكة من القوى الارضية والسمائية فى وجود الانسان والروح الانسانى الى حضرته الذاتية الجامعة فى القيامة الكبرى فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة وهو يوم من ايام الله العلى بالذات ذى المعارج العلى وهى الايام الستة السرمدية من ابتدآء الازل الى انتهاء الازل الى انتهاء الابد واما اليوم المقدار بألف سنة فى قوله وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون فهو يوم من ايام الرب المدبر الذى وقت به العذاب وانجاز الوعد فى قوله ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده والتدبير فى قوله يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج اليه فى يوم كان مقدار الف سنة مما تعدون وذلك اليوم الاخير من الاسبوع الذى هو مدة الدنيا المنتهية بنبوة الخاتم صلى الله عليه وسلم والذى قال فيه ان استقامت امتى فلها يوم وان لم تستقم فلها نصف يوم مع قوله بعثت انا والساعة كهاتين فهذه يوم من ايام الربوبية والتدبير واما اليوم الذى هو من الايام الالوهية فهو مقدار ابتداء الربوبية باسماء الله الغير المتناهية التى تندرج معها لا تناهيها فى الاسماء السبعة وهى الحى العالم القادر المريد السميع البصير المتكلم ولكل من هذه السبعة ربوبية مطلقة بالنسبة الى ربوبيات الاسماء المندرجة تحته ومقيده بالنسبة الى ربوبية كل واحد من اخوانه الى انتهائها بالتجلى الذاتى وكما ان هذا اليوم المذكور سبع من ايام الدنيا فمدة الدنيا سبع من ذلك اليوم الالهى الحاصل من ضرب ايام الدنيا فى عدد اسماء الربوبية وهى تسع واربعون سنة وآخرة اول الخمسين الذى هو يوم واحد من ايام الله وهو يوم القيامة الكبرى.

المعارج 70:5

{ فاصبر } يا محمد { صبرا جميلا } لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله فان العذاب يقع فى هذه المدة المتطاولة التى تعرج فيها الملائكة والروح وعن الحسن الصبر الجميل هو المجاملة فى الظاهر وعن ابن بحر انتظار الفرج بلا استعجال وهو متعلق بسأل لان السؤال كان استهزآء وتعنت وتكذيب بالوحى وذلك ما يضجره عليه السلام او كان عن تضجر واستبطاء للنصر والمعونة.

المعارج 70:6

{ انهم } اى اهل مكة { يرونه } اى العذاب الواقع اى يزعمونه فى رأيهم { بعيدا } اى يستبعدونه بطريق الاحالة كما كانوا يقولون ائذا متنا وكنا ترابا الآية من يحيى العظام وهى رميم فلذلك يسألون به وسبب استبعادهم عدم علمهم باستحقاقهم اياه يقول المرء لخصمه هذا بعيد ردا لوقوعه وامكانه.

المعارج 70:7

{ ونراه } اى نعلمه { قريبا } لعلمنا باستحقاقهم اياه بحسب استعدادهم اى هينا فى قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر فالمراد بالبعد هو البعد من الامكان وبالقرب هو القرب منه وقال سهل رحمه الله انهم يرون المقضى عليهم من الموت والبعث والحساب بعيدا لبعد آمالهم ونراه قريبا فان كل كائن قريب والبعيد مالا يكون وفى الحديث ما الدنيا فيما مضى وما بقى الا كثوب شق باثنين وبقى خيط واحد ألا وكان ذلك الخيط قد انقطع قال الشاعر هل الدنيا وما فيها جميعا سوى طل يزول مع النهار ما همجو مسافريم درزير درخت جون سايه برفت زود بردار درخت ومن عجب الايام انك قاعد على الارض فى الدنيا وأنت تسير فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم قعود والقلوب تطير

المعارج 70:8

{ يوم تكون السماء كالمهل } وهو ههنا خبث الحديد ونحوه مما يذاب على مهل وتدريج او دردى الزيت لسيلانه على مهل لثخانته وعن ابن مسعود كالفضة المذابة فى تلونها او كالقير والقطران فى سوادهما ويوم متعلق بقريبا اى يمكن ولا يتعذر فى ذلك اليوم اى يظهر امكانه والا فنفس الامكان لا اختصاص له بوقت او متعلق بمضمر مؤخرأى يوم تكون السماء كالمهل يكون من الاحوال والاهوال مالا يوصف.

المعارج 70:9

{ وتكون الجبال كالعهن } العهن الصوف المصبوغ قال تعالى كالعهن المنفوش وتخصيص العهن لما فيه من اللون كما ذكر فى قوله تعالى فكانت وردة كالدهان والمعنى وتكون الجبال كالصوف المطبوغ ألوانا لاختلاف ألوان الجبال منها جدد بيض وحمر وغرابيب سود فاذا بست وطيرت فى الجو اشبهت العهن المنفوش اذا طيرته الريح قال فى كشف الاسرار اول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم تصير هباء منثورا.

المعارج 70:10

{ ولا يسأل حميم حميما } اى لا يسأل قريب قريبا عن احواله ولا يكلمه لابتلاء كل منهم بما يشغله عن ذلك واذا كان الحال بين الأقارب هكذا فكيف يكون بين الأجانب والتنكير للتعميم.

المعارج 70:11

{ يبصرونهم } استئناف كأنه قيل لعله لا يبصره فكيف يسأل عن حاله فقل يبصرونهم والضمير الاول لحميم اول والثانى للثانى وجمع الضميرين لعموم الحميم لكل حميمين لا لحميمين اثنين قال فى تاج المصادر التبصير بينا كردن. والتعريف والايضاح ويعدى الى المفعول الثانى بالباء وقد تحذف الباء وعلى هذا يبصرونهم انتهى يعنى عدى يبصرونهم بالتضعيف الى ثان وقام الاول مقام الفاعل والشائع المتعارف تعديته الى الثانى بحرف الجر يقال بصرته به وقد يحذف الجار واذا نسبت الفعل للمفعول به حذفت الجار وقلت بصرت زيدا وما فى الآية من هذا القبيل والمعنى يبصر الاحماء الاحماء يعنى بينا كرده شوند ايشان بخويشان خود. فلا يخفون عليهم ولا يمنعهم من التسأول الا تشاغلهم بحال انفسهم وليس فى القيامة مخلوق الا وهو نصب عين صاحبه فيبصر الرجل أباه وأخاه واقرباءه وعشيرته ولكن لايسأله ولا يكلمه لاشتغاله بما هو فيه قال ابن عباس رضى الله عنهما يتعارفون ساعة ثم يتنا كرون { يود المجرم } اى يتمنى الكافر وقيل كل مذنب { لو } بمعنى التمنى فهو حكاية لودادتهم { يفتدى } فدادهد. وهو حفظ الانسان عن التائبة بما يبذل عنه { من عذاب يومئذ } اى من العذب الذى ابتلوا به يوم اذ كان الامر ما ذكر وهو بكسر الميم لاضافة العذاب اليه وقرئ يومئذ بالفتح على البناء للاضافة الى غير متمكن { ببنيه } اصله بنين سقطت نونه بالاضافة وجمعه لان كثرتهم محبوبة مرغوب فيها.

المعارج 70:12

{ وصاحبته } زوجته التى يصاحبها { واخيه } الذى كان ظهيرا له ومعينا والجملة استنئاف لبيان ان اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ الى حيث يتمنى أن يفتدى بأقرب الناس اليه واعلقهم بقلبه ويجعله فدآء لنفسه حتى ينجو هو من العذاب فضلا عن أن يهتم بحاله ويسأل عنها كأنه قيل كيف لايسأل مع تمكنه من السؤال فقيل يود الخ.

المعارج 70:13

{ وفصيلته } وهى فى الاصل القطعة المفصولة من الجسد وتطلق على الآباء الأقربين وعلى الاولاد لان الولد يكون مفصولا من الابوين فلما كان الولد مفصولا منهما كانا مفصولين منه ايضا فسمى فصيلة لهذا السبب والمراد بالفصيلة فى الآية هو الآباء الاقربون والعشيرة الادنون لقوله وبنيه { التى تؤويه } أوى الى كذا انضم اليه وآواه غيره كما قال تعالى آوى اليه اخاه اى ضمه الى نفسه فمعنى تؤويه تضمه اليها فى النسب او عند الشدآئد فيلوذ بها وبالفارسية وخويشان خودرا كه جاى داده اند اورا دردنيانزد خود يعنى بناكاه وى بود اند.

المعارج 70:14

{ ومن فى الارض جميعا } من الثقلين والخلائق ومن للتغليب { ثم ينجيه } عطف على يفتدى اى يود لو يفتدى ثم ينجيه الافتدآء. وثم لاستبعاد الانجاء يعنى يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم فى فدآء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه وفيه اشارة الى مجرم الروح المنصبغ بصبغة النفس فانه يود أن يفتدى من هول عذاب يوم الفراق والاحتجاب مبنى القلب وصفاته وصاحبة نفسه واخى سره وفصيلته اى توابعه وشيعته ومن فى ارض بشريته جميعا من القوى الروحانية والجسمانية ثم ينجيه هذا الافتدآء ولا ينفعه لفساد الاستعداد وفوات الوقت.

المعارج 70:15

{ كلا } ردع للمجرم عن الودادة وتصريح بامتناع انجاء الافتدآء اى لا يكون كما يتمنى فانه بهيئته الظلمانية الحاصلة من الاجرام استحق العذاب فلا ينجو منه وفى الحديث يقول الله لأهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك ما فى الارض من شئ اكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول اردت منك اهون من هذا وأنت فى صلب آدم ان لا تشرك بى وعن القرطبى ان كلا يكون بمعنى الردع وبمعنى حقا وكلا الوجهين جائز ان هنا فعلى الثانى يكون تمام الكلام ينجيه فيوقف عليه ويكون كلا من الجملة الثانية التى تليه والمحققون على الاول ومن ذلك وضع السجاوندى علامة الوقف المطلق على كلا { انها } اى النار المدلول عليها بذكر العذاب والمراد جهنم { لظى } وهو علم للنار وللدرك الثانى منها منقول من اللظى بمعنى اللهب الخالص الذى لا يخالطه دخان فيكون فىغاية الاحراق لقوة حرارته النارية بالصفاء وهو خبر ان بمعنى مسماة بهذا الاسم ويجوز أن يراد اللهب الخالص على الاصل فيكون خبرا بلا تأويل كما قال الكاشفى بدرستى كه آتش دوزخ كه مجرم ازوفدا دهد زبانه ايست خالص وفى كشف الاسرار آن آتشى است زبانه زن.

المعارج 70:16

{ نزاعة للشوى } نزع الشئ جذبه من مقره وقلعه والشوى الاطراف اى الاعضاء التى ليست بمقتل كالايدى والارجل ونزاعة على الاختصاص للتهويل اى اعنى بلظى جذابة للاعضاء الواقعة فى اطراف الجسد وقلاعة لها بقوة الاحراق لشدة الحرارة ثم تعود كما كانت وهكذا ابدا والشوى جمع شواة وهى جلدة الرأس يعنى ان النار تنزع جلود الرأس وتقشر ما عنه وذلك لانهم كانوا يسعون بالاطراف للاذى والجفاء ويصرفون عن الحق الاعضاء الرئيسة التى تشتمل عليها الرأس خصوصا العقل الذى كانوا لا يعقلون به فى الرأس.

المعارج 70:17

{ تدعو من ادبر } اى عن الحق ومعرفته وهو مقابل اقبل ومعنى تدعو تجذب الى نفسها وتحضر فهو مجاز عن احضارهم كأنها تدعوهم فتحضرهم قال الكاشفى زبانه ميزند وكافر رابخود ميكشد ازصدساله ودويست ساله راه جنانجه مقناطيس آهن راجذب ميكند. وتقول لهم الى الى يا كافر ويا منافق ويا زنديق فانى مستقرك او تدعو الكافرين والمنافقين بلفظ فصيح باسمائهم ثم تلتقطهم كالتقاط الطير الحب ويجوز ان يخلق الله فيها كلاما كما يخلقه فى جلودهم وايديهم وارجلهم وكما خلقه فى الشجرة او تدعو زبانيتها على حذف المضاف او على الاسناد المجازى حيث اسند فعل الداعى الى المدعو اليه { وتولى } اى اعرض عن الطاعة لان من اعرض يولى وجهه وفى التأويلات النجمية من ادبر عن التوجه الى الحق بموافقات الشريعة ومخالفات الطبيعة وتولى عن الاقبال على الآخرة والادبار عن الدنيا وقال القاشانى بمناسبة نفسه للجحيم انجر اليها اذ الجنس الى الجنس يميل ولظى نار الطبيعة السفلية ما استدعيت الا المدبر عن الحق المعرض عن جناب القدس وعالم النور المقبل بوجهه الى معدن الظلمة المؤثر لمحبة الجواهر الفانية السفلية المظلمة فانجذب بطبعه الى مواد النيران الطبيعية واستدعته وجذبته الى نفسها للجنسية فاحترق بنارها الروحانية المستولية على الافئدة فكيف يمكن الانجاء منها وقد طلبها بداعى الطبع ودعاها بلسان الاستعداد.

المعارج 70:18

{ وجمع } المال حرصا وحبا للدنيا { فأوعى } فجعله فى وعاء وكنزه ولم يؤد زكاته وحقوقه الواجبة فيه وتشاغل به عن الدين وتكبر باقتنائه وذلك لطول امله وانعدام شفقته على عباد الله والا ما ادخر بل بذل وفى جمع الجمع ومع الادبار والتولى تنبيه على قباحة البخل وخساسة البخيل وعلى انه لا يليق بالمؤمن وفى الخبر يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه يذبح بين يدى الله وهو بالفارسية بره. فيقول له اعطيتك وخولتك وانعمت عليك فما صنعت فيقول رب جمعته وثمرته وتركته اكثر ما كان فارجعنى آتك به كله فاذا هو عبد لم يقدم خيرا فيمضى به الى النار وفى الخبر بصق عليه السلام يوما فى كفه ووضع عليها اصبعه فقال " يقول الله لابن آدم تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه حتى اذا سويتك وعدلتك ومشيت بين بردين وللارض منك وئيد " يعنى زمين را ازتو آواز شديد بود. فجمعت ومنعت حتى اذا بلغت التراقى قلت اتصدق وأنى لو ان الصدقة وفى التأويلات النجمية جمع الكمالات الانسانية من الاخلاق الروحانية والاوصاف الرحمانية ولم ينفق على الطلاب الصادقين العاشقين والمحبين المشتاقين بطريق الارشاد والتعليم والتسليك.

المعارج 70:19

{ ان الانسان } اى جنس الانسان { خلق } حال كونه { هلوعا } مبالغة هالع من الهلع وهو سرعة الجزع عند مس المكروه بحيث لا يستمسك وسرعة المنع عند مس الخير يقال ناقة هلواع سريعة السير وهو من باب علم وقد فسره احسن تفسير على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله تعالى { اذا } ظرف لجزوعا { مسه الشر } اى اصابه ووصل اليه الفقر او المرض او نحوهما { جزوعا } مبالغة فى الجزع مكثرا منه لجهله بالقدر وهو ضد الصبر وقال ابن عطاء الهلوع الذى عند الموجود يرضى وعند المفقود يسخط وفى الحديث " شر ما اعطى ابن آدم شح هالع وجبن خالع " فالهالع المحزن يعنى اند وهكين كننده. والخالع الذى يخلع قلبه قال بعض العارفين انما كرهت نفوس الخلق المرض لانه شاغل لهم ادآء ما كلفوا به من حقوق الله تعالى اذ الروح الحيوانى حين يحس بالألم يغيب عن تدبير الجسد الذى يقوم بالتكليف وانما لم تكره نفوس العارفين الموت لما فيه من لقاء الله تعالى فهو نعمة ومنه ولذلك ما خير نبى فى الموت الا اختاره.

المعارج 70:20

{ ان الانسان } اى جنس الانسان { خلق } حال كونه { هلوعا } مبالغة هالع من الهلع وهو سرعة الجزع عند مس المكروه بحيث لا يستمسك وسرعة المنع عند مس الخير يقال ناقة هلواع سريعة السير وهو من باب علم وقد فسره احسن تفسير على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله تعالى { اذا } ظرف لجزوعا { مسه الشر } اى اصابه ووصل اليه الفقر او المرض او نحوهما { جزوعا } مبالغة فى الجزع مكثرا منه لجهله بالقدر وهو ضد الصبر وقال ابن عطاء الهلوع الذى عند الموجود يرضى وعند المفقود يسخط وفى الحديث " شر ما اعطى ابن آدم شح هالع وجبن خالع " فالهالع المحزن يعنى اند وهكين كننده. والخالع الذى يخلع قلبه قال بعض العارفين انما كرهت نفوس الخلق المرض لانه شاغل لهم ادآء ما كلفوا به من حقوق الله تعالى اذ الروح الحيوانى حين يحس بالألم يغيب عن تدبير الجسد الذى يقوم بالتكليف وانما لم تكره نفوس العارفين الموت لما فيه من لقاء الله تعالى فهو نعمة ومنه ولذلك ما خير نبى فى الموت الا اختاره.

المعارج 70:21

{ واذا } ظرف لمنوعا { مسه الخير } اى السعة او غيرهما { منوعا } مبالغا فى المنع والامساك لجهله بالقسمة وثواب الفضل وللصحة مدخل فى الشح فان الغنى قد يعطى فى المرض مالا يعطيه فى الصحة ولذا كانت الصدقة حال الصحة افضل. ودرلباب ازمقاتل نقل ميكندكه هلوع جانوريست دربس كوه قاف كه هروز هفت صحرا ازكياء خالى ميكند يعنى همه حشايش آنرامى خورد وآب هفت دريا مى آشامد ودر كرما وسرما صبر ندارند وهرشب درانديشه آنست كه فردا جه خواهد خورد بس حق سبحانه وتعالى آدمى را دربى صبرى وانديشه روزى بدين دابه تشببه ميكند جانور براكه بجز آدميست معده جو برشد سبب بى غميست آدميست آنكه نه سيرى برد برسر سيرى غم روزى خورد خورد همه عمر جه بيش وجه كم روزئ هرروزه زخوان كرم وزره حرص واملش همجنان هيج غمى نيست بجز فكرنان والاوصاف الثلاثة وهى هلوعا وجزوعا ومنوعا احوال مقدرة لان المراد بها ما يتعلق به الذم والعقاب وهو ما يدخل تحت التكليف والاختيار وذلك بعد البلوغ او محققة لانها طبائع جبل الانسان عليها كما قال المتنبى لظلم من شيم النفوس فان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم ولا يلزم ان لا تفارقه بالمعالجات المذكورة فى كتب الاخلاق فانها كبرودة الماء ليست من اللاوزم المهيئة للوجود بل انما حصولها في بوضع الله تعالى وخلقه وهو يزيلها ايضا بالاسباب التى سببها اذا أراد فان قيل فيلزم ان يكون له هلع حين كان فى المهد صبيا قلنا نعم ولا محذور الا يرى انه كيف يسرع الى الثدى ويحرص على الرضاع ويبكى عند مس الألم ويمنع بما وسعه اذا تمسك بشئ فزوحم فيه قال الراغب فان قيل ما الحكمة فى خلق الانسان على مساوى الاخلاق قلنا الحكمة فى خلق الشهوة ان يمانع نفسه اذا نازعته نحوها ويحارب شيطانه عند تزيينه المعصية فيستحق من الله مثوبة وجنة انتهى يعنى كما انه ركب فيه الشهوة ركب فيه العقل الرادع وحصلت الدلالة الى الصراط السوى من الشارع قال بعض العارفين الشح فى الانسان امر جبلى لا يمكن زواله ولكن يتعطل بعناية الله تعالى استعماله لا غير فلذلك قال ومن يوق شح نفسه فأثبت الشح فى النفس الا ان العبد يوقاه بفضل الله وبرحمته وقال ان الانسان خلق هلوعا الخ واصل ذلك كله ان الانسان استفاد وجوده من الله فهو مفطور على الاستفادة لاعلى افادة فلا تعطيه حقيقته ان يتصدق او يعطى احدا شيأ ولذلك ورد الصدقة برهان يعنى دليل ان هذا الانسان وقى بها شح النفس. يقول الفقير وعليه المزاح المعروف وهو أن بعض العلماء وقع فى الماء فكاد يغرق فقال له بعض الحاضرين يا سلطانى ناولنى يدك فقيل لا تقل هكذا فانه اعتاد الاخذ لا الاعطاء بل قل خذ بيدى وقال بعضهم الغضب والشره والحرص والجبن والبخل والمحسد وصف جبلى فى الانسان والجان وما كان من الجبلة فمحال ان يزول الا بانعدام الذات الموصوفة به ولهذا عين الشارع صلى الله عليه وسلم لهذه الامور مصارف فقال لا حسد الا فى اثنتين وامر بالغضب لله لا حمية جاهلية وقال ولا تقل لهما اف ثم مدح من قال اف لكم ولما تعبدون من دون الله وقال ولا تخافوهم ثم قال وخافون فالكل يستعملون هذه الصفات استعمالا محمودا وكثير من الفقرآء يظنون زوال هذه الصفات منهم حين يعطل الله استعمالها فيهم وليس كذلك. يقول الفقير ومنه يعلم صحة قول من قال ان النفس لامارة بالسوء وان كانت نفس الانبياء على ما اسلفناه فى سورة يوسف والحاصل ان اصول الصفات باقية فى الكل لبقاء المحاربة مع النفس اذا لا يحصل الترقى الا بالمحاربة والترقى مستمر الى الموت فكذا المحاربة المبنية على بقاء اصول الصفات فأصل النفس امارة لكن لا يظهر اثرها فى الكاملين كما يظهر فى الناقصين فاعلم ذلك قال القاشانى ان النفس بطبعها معدن الشر ومأوى الرجس لكونها من عالم الظلمات فمن مال اليها بقلبه واستولى عليه مقتضى جبلته وخلقته ناسب الامور السفلية واتصف بالرذآئل التى اردأها الجبن والبخل المشار اليهما بقوله واذا مسه الشر الخ لمحبة البدن ما يلائمه وتسببه فى شهواته ولذاته وانما كانا اردأ لجذبهما القلب الى اسفل مراتب الوجود وفى التأويلات النجمية يشير الى هلع الانسان المستعد لقبول الفيض الالهى ساعة فساعة ولحظة فلحظة وعدم صبره عن بلوغه الى الكمال فانه لا يزال فى طريق السلوك يتعلق باسم من الاسماء الالهية ويتحقق به ويتخلق ثم يتوجه الى اسم آخر الى ان يستوفى سلوك جميع الاسماء اذا مسه الشر الفترة الواقعة فى الطريق يجزع ويضطب ويتقلقل ولا يعلم ان هذه الفترة الواقعة فى طريقه سبب لسرعة سلوكه وموجب لقوة سيره وطيرانه واذا مسه الخير من المواهب الذاتية والعطايا الاسمائية يمنع من مستحقيه ويبخل على طالبيه.

المعارج 70:22

{ الا المصلين } استثناء من الانسان لانه فى معنى الجمع للجنس وهذا الاستثناء باعتبار الاستمرار أى ان المطبوعين على الصفات الرذيلة مستمرون عليها الا المصلين فانهم بدلو تلك الطبائع واتصفوا باضدادها.

المعارج 70:23

{ الذين هم } تقديم هم يفيد تقوية الحكم وتقريره فى ذهن السامع كما فى قولك هو يعطى الجزيل قصدا الى تحقيق انه يفعل اعطاء الجزيل { على صلاتهم دائمون } لا يشغلهم عنها شاغل فيواظبون على ادآئها كما روى عن النبى عليه السلام انه قال " افضل العمل ادومه وان قل " وقالت عائشة رضى الله عنها كان عمله ديمة قدم الصلاة على سائر الخصال لقوله عليه السلام " اول ما افترض الله على امتى الصلوات الخمس واول ما يرفع من اعمالها الصلوات واول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فان صلحت فقد افلح وانجح وان فسدت فقد خاب وخسر وانها آخر ما يجب عليه رعايته فانه يؤخر الصوم فى المرض دون الصلاة " الا ان لا يقدرعلى التميم والايماء ولذا ختم الله الخصال بها كما قال والذين هم على صلاتهم يحافظون وكان آخر ما اوصى به عليه السلام الصلاة وما ملكت ايمانكم وفى الآية اشارة الى صلاة النفس وهى التزكية عن المخالفات الشرعية وصلاة القلب وهى التصفية عن الميل الى الدنيا وشهواتها وزخارفها وصلاة السر وهى التخلية عن الركون الى المقامات العلية والمراتب السنية وصلاة الروح وهى بالمكاشفات الربانية والمشاهدات الرحمانية والمعاينات الحقانية وصلاة الخفى وهى بالفناء فى الحق والبقاء به فالكمل يداومون على هذه الصلوات.

المعارج 70:24

{ والذين } اى والا الذين { فى امولهم حق معلوم } اى نصيب معين يستوجبونه على انفسهم تقربا الى الله تعالى واشفاقا على الناس من الزكاة المفروضة الموظفة.

المعارج 70:25

{ للسائل } اى للذى يسأل ومن كان له قوت يوم لا يحل له السؤال واما حكم الدافع له عالما بحاله فكان القياس ان يأثم لانه اعانة على الحرام لكنه يجعله هبة ولا اثم فى الهبة للغنى وله ان يرده برد جميل مثل ان يقول آتاكم الله من فضله { والمحروم } الذى لا يسأل اما حياء او توكلا فيظن انه غنى فيحرم وفيه اشارة الى احوال الحقائق والمعارف الحاصلة من راس مال الاعمال الصالحة والاحوال الصادقة ففيها حق معلوم للسائل وهو المستعد للسلوك والاجتهاد فينبغى ان يفيض عليه ويرشده الى طلب الحق والمحروم هو المرمى الساقط على ارض العجز بسبب الاهل والعيال والاشتغال باسبابهم فيسليهم ويطيب قلوبهم برحمة الله وغفرانه ويفيض عليهم من بركات انفاسه الشريفة لئلا يحرم من كرم الله وفيضه.

المعارج 70:26

{ والذين يصدقون بيوم الدين } اى باعمالهم حيث يتعبون انفسهم فى الطاعات البدنية والمالية طمعا فى المثوبة الاخروية بحيث يستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزآء فمجرد التصديق بالجنان واللسان وان كان ينجى من الخلود فى النار لكن لا يؤدى الى ان يكون صاحبه مستثنى من المطبوعين بالاحوال المذكورة قال القاشانى والذين يصدقون من اهل اليقين البرهانى او الاعتقاد الايمانى باحوال الآخرة والمعاد وهم ارباب القلوب المتوسطون.

المعارج 70:27

{ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } خائفون على انفسهم مع مالهم من الاعمال الفاضلة استقصارا لها واستعظاما لجنابه تعالى قال الكاشفى وعلامت ترس الهى اجتناب از ملاهى ومناهيست. وقال الحسن يشفق المؤمن ان لا تقبل حسناته وتقديم من يحسن ان يكون للحصر امتثالا لأمره تعالى فارهبون مع جواز أن يكون للتقوية.

المعارج 70:28

{ ان عذاب ربهم غير مأمون } كه عذاب خداوند ايشان نه آنست كه ازان ايمن باشند. وهو اعتراض مؤذن بانه لا ينبغى لاحد أن يأمن عذابه تعالى وان بالغ فى الطاعة والاجتهاد بل يكون بين الخوف والرجاء لانه لا يعلم احد عافيته قال القاشانى والذين هم الخ اى اهل الخوف من المبتدين فى مقام النفس السائرين عنه بنور القلب لا لوافقين معه او المشفقين من عذاب الرحمان والحجاب فى مقام القلب من السالكين او فى مقام المشاهدة من التلوين فانه لا يؤمن الاحتجاب ما بقيت بقية كما قال ان عذاب ربهم غير مأمون ومن العذاب اعجاب المرء بنفسه فانه من الموبقات الموقعات فى عذاب نار الجحيم وجحيم العقاب نسأل الله العافية.

المعارج 70:29

{ والذين هم لفروجهم } فرج الرجل والمرأة سوءآتهما اى قبلهما عبر به عنها رعاية للأدب فى الكلام وأدب المرء خير من ذهبه والجار متعلق بقوله { حافظون } من الزنى متعففون عن مباشرة الحرام فان حفظ الفرج كناية عن العفة.

المعارج 70:30

{ الا على } بمعنى من كما فى كتب النحو { ازوجهم } نسائهم المنكوحات { او ما ملكت ايمانهم } من الجوارى فى اوقات حلها كالطهر من الحيض والنفاس ومضى مدة الاستبرآء عبر عنهن بما اجرآء لهن لمملوكتيهن مجرى غير العقلاء او لانوثتهن المنبئة عن القصور وايراد ما ملكت الايمان يدل على المراد من الحافظين هنا الذكور وان كان الحفظ لازما للاناث ايضا بل اشد لانه لازم عليهن على عبيدهن وان كانوا مما ملكت ايمانهن ترجيحا لجانب الذكور فى صيانة عرضهم { فانهم } اى الحافظين { غير ملومين } على عدم حفظها منهن اى غير معيوبين شرعا فلا يؤاخذون بذلك فى الدنيا والآخرة وبالفارسية بجاى سرزنش نيستند. وفيه اشعار بأن من لم يحفظ تكفيه ملامة اللائمين فكيف العذاب.

المعارج 70:31

{ فمن ابتغى } بس هركه طلب كندبراى نفس خود { ورآء ذلك } الذى ذكر وهو الاستمتاع بالنكاح وملك اليمين وحد النكاح اربع من الحرآئر ولاحدا لملك اليمين { فاولئك } المبتغون { هم العادون } المتعدون لحدود الله الكاملون فى العدوان المتناهون لانه من عدا عليه اذا تجاوز الحد فى الظلم ودخل فيه حرمة وطئ الذكران والبهائم والزنى وقيل يدخل فيه الاستمناء ايضا روى ان العرب كانوا يستمنون فى الاسفار فنزلت الآية وفى الحديث ومن لم يستطع اى التزوج فعليه بالصوم استدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء لانه عليه السلام ارشد عند العجز عن التزوج الى الصوم الذى يقطع الشهوة فلو كان الاستمناه مباحا لكان ا لارشاد اليه اسهل وقد أباح الاستمناه طائفة من العلماء وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لاجل تسكين الشهوة جائز وفى رواية الخلاصة الصائم اذا عالج ذكره حتى امنى يجب عليه القضاء ولا كفارة عليه ولا يحل هذا الفعل خارج رمضان ان قصد قضاء الشهوة وان قصد تسكين شهوته ارجو أن لا يكون عليه وبال وفى بعض حواشى البخارى والاستمناء باليد حرام بالكتاب والسنة قال الله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون } الى قوله { فاولئك هم العادون } اى الضالون المتجاوزون من الحلال الى الحرام قال البغوى الآية دليل على ان استمناء باليد حرام قال ابن جريج سألت ابن عطاء عنه فقال سمعت ان قوما يحشرون حبالى واظنهم هؤلاء وعن سعيد بن جبير عذاب الله امة كانوا يعبثون بمذاكيرهم والواجب على فاعله التعزيز كما قال بعضهم نعم يباح عند أبى حنيفة واحمد اذا خاف على نفسه الفتنة وكذلك يباح الاستمناء بيد امرأته وجاريته لكن قال القاضى حسين مع الكراهة لانه معنى العزل وفى التاتار خانية قال أبو حنيفة احسبه ان يتجور رأسا برأس. يقول الفقير من اضطر الى تسكين شهوته فعليه ان يدق ذكره بحجر كما فعله بعض الصلحاء المتقين حين التوقان صيانة لنفسه عن الزنى ونحوه والحق احق ان يتبع وهو العمل بالارشاد النبوى الذى هو الصوم فان اضطر فالعمل بما ذكرناه اولى واقرب من افعال اهل الورع والتقوى.

المعارج 70:32

{ والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } لا يخلون بشئ من حقوقها والامانة اسم لجنس ما يؤتمن عليه الانسان سوآء من جهة البارى تعالى وهى امانات الدين التى هى الشرآئع والاحكام او من جهة الخلق وهى الودآئع ونحوها والجمع بالنظر الى اختلاف الانواع وكذا العهد شامل لعهد الله وعهد الناس وهو ما عقده الانسان على نفسه لله او لعباده وهو يضاف الى المعاهد والمعاهد فيجوز هنا الاضافة الى الفاعل والمفعول وقال الجنيد قدس سره الامانة المحافظة على الجوارح والعهد حفظ القلب مع الله على التوحيد والرعاية القيام على الشئ بحفظه واصلاحه وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيانة عند ائتمان والكذب عند التحديث والغدر عند المعاهدة والفجور عند المخاصمة من خصال المنافق. اكرمى بايد ازآتش امانت فرومكذار قانون امانت بهر عهدى كه مى بندى وفاكن رسوم حق كزارى را اردا كن قال بعض الكبار كل من اتصف بالامانة وكتم الاسرار سمع كلام الموتى وعذابهم ونعيمهم كما سمعت البهائم عذاب اهل القبور لعدم النطق وكذلك يسمع من اتصف بالامانة كلام اعضائه له فى دار الدنيا لانها حية ناطقة ولذلك تستشهد يوم القيامة فتشهد ولا يشهد الا عدل مرضى بلا شك وفى التأويلات النجمية يشير الى الامانة المعروضة على السموات والارض والجبال وهى كمال المظهرية وتمام المضاهاة الالهية والى عهد ميثاق ألست بربكم قالوا بلى ورعاية ذلك العهد أن لا يخالفة بالمخالفات الشرعية والموفقات الطبيعية وقال بعضهم والذين هم لأمانتهم التى استودعوها بحسب الفطرة من المعارف العقلية وعهدهم الذى اخذ الله ميثاقه منهم فى الازل راعون بأن لم يدنسوا الفطرة بالغواشى الطبيعية والاهوآء النفسانية.

المعارج 70:33

{ والذين هم بشهاداتهم } الباء متعلق بقوله { قائمون } سوآء كانت للتعدية ام للملابسة والجمع باعتبار انواع الشهادة اى مقيمون لها بالعدل ومؤدونها فى وقتها احياء لحقوق الناس فالمراد بالقيام بالشهادة ادآؤها عند الاحكام على من كانت هى عليه من قريب او بعيد شريف او وضيع قال عليه السلام " اذا علمت مثل الشمس فاشهد " والا فدع وتخصيصها بالذكر مع اندرجها فى الامانات لابانة فضلها لان فى اقامتها احياء الحقوق وتصحيحها وفى كتمها وتركها تضييعها وابطالها وفى الاشباه اذا كان الحق يقوم بغيرها او كان القاضى فاسقا او كان يعلم انها لا تقبل جاز الكتمان وفى فتح الرحمن تحمل الشهادة فرض كفاية وادآؤها اذا تعين فرض عين ولا يحل اخذ اجرة عليها بالاتفاق فاذا طلبه المدعى وكان قريبا من القاضى لزمه المشى اليه وان كان بعيد اكثر من نصف يوم لا يأثم بتخفه لانه يلحقه الضرر وان كان الشاهد يقدر على المشى فأركبه المدعى من عنده لا تقبل شهادته وان كان لا يقدر فأركبه لا بأس به ويقتصر فىالمسلم على ظاهر عدالته عند أبى حنيفة رحمه الله الا فى الحدود والقصاص فان طعن الخصم فيه سأل عنه وقال صاحباه يسأل عنهم فى جميع الحقوق سرا وعلانية وعليه الفتوى وجعل بعضه شهادة التوحيد داخلة فيها كما قال سهل رحمه الله قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا اله الا الله فلا يشركون به فى شئ من الافعال والاقوال وقال القاشانى فى الآية اى يعملون بمقتضى شاهدهم من العلم فكل ما شهدوه قاموا بحكمه وصدروا عن حكم شاهدهم لا غير.

المعارج 70:34

{ والذين هم على صلاتهم يحافظون } تقديم على صلاتهم يفيد الاختصاص الدال على ان محافظتهم مقصورة على صلاتهم لا تتجاوز الى امور دنياهم اى يراعون شرآئطها ويكملون فرآئضها وسننها ومستحباتها وآدابها ويحفظونها من الاحباط باقتران الذنوب فالدوام المذكور اولا يرجع الى انفس الصلوات والمحافظة على احوالها وفى المفردات فيه تنبيه على انهم يحفظون الصلاة بمراعاة اوقاتها واركانها والقيام بها فى غاية ما يكون من الطوق فان الصلاة تحفظهم بالحفظ الذى نبه عليه فى قوله ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وفى الحديث " من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وابى بن خلف " وهو الذى ضربه النبى عليه السلام فى غزوة أحد برمح فى عنقه فمات منه فى طريق مكة وكان اشد واطغى من أبى جهل دل عليه كونه مقتولا بيد النبى عليه السلام ولم يقتل عليه السلام بيده غيره وبعض العلماء جعل المحافظة شاملة للادامة على ما هو الظاهر من قوله تعالى حافظوا على الصلوات فيكون من قبيل التعميم بعد التخصيص لتتميم الفائدة وللاشعار بأن الصلاة اول ما يجب على العبد ادآؤه بعد الايمان وآخر ما يجب عليه رعايته بعده كما سبق. وكفتم انددوام تعلق بفرائض دارد ومحافظت بنوافل. والحاصل ان فى تكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها اولا وآخرا باعتبارين للدلالة على فضلها واناقتها على سائر الطاعات وتكرير الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات ايذانا بأن كل واحدة من تلك الصفات حقيق بأن يفرد لها موصوف مستقل لشأنها الخطير ولا يجعل شئ منها تتمة للاخرى قال بعضهم دلت هذه الآية على ان التغاير المفهوم من العطف ليس بذاتى بل هو اعتبارى اذا لا يخفى انه ليس المراد من الدآئمين طائفة والمحافظين اخرى فالمقصود مدح المؤمنين بما كانوا عليه فى عهد رسول الله من الاخلاق الحسنة والاعمال المرضية ففيه ترغيب لمن يجيئ منهم الى يوم القيامة وترهيب عن المخالفة قال فى برهان القرآءن قوله الا المصلين عد عقيب ذكرهم الخصال المذكورة اول سورة المؤمنين وزاد فى هذه السور والذين هم بشهاداتهم قائمون لانه وقع عقيب قوله والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون واقامة الشهادة امانة يؤديها اذا احتاج اليها صاحبها لاحياء حق فهى اذا من جملة الامانة فى سورة المؤمنين وخصت هذه السورة بزيادة بيانها كما خصت باعادة ذكر الصلاة حيث يقول { والذين هم على صلاتهم يحافظون } بعد قوله الا المصلين الذى هم على صلاتهم دآئمون انتهى وقال القاشانى والذين هم على صلاة القلب وهى المراقبة يحافظون او صلاة النفس على الظاهر وفى فتح الرحمن واتفق القرآء على الافراد فى صلاتهم هنا وفىالانعام بخلاف الحرف المتقدم فى المؤمنين لانه لم يكتنفها فيهما ما كنفها فى المؤمنين قبل وبعد من عظيم الوصف المتقدم وتعظيم الجزآء فى المتأخر فناسب لفظ الجمع ولذلك قرأ به اكثر القرآء ولم يكون ذلك فى غيرها فناسب الافراد.

المعارج 70:35

{ اولئك } المصوفون بما ذكر من الصفات الفاضلة { فى جنات } اى مستقرون فى جنات لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها { مكرمون } بالثواب الابدى والجزآء السرمدى اى سيكونون كذلك فكأن الا كرام فيها واقع لهم الآن وهو خبر آخر أو هو الخبر وفى جنات متعلق به قدم عليه لمراعاة الفواصل او بمضمر هو حال من الضمير فى الخبر أى مكرمون كأنيين فى جنات.

المعارج 70:36

{ فمال الذين } اى فمال بال الذين { كفروا } وحرموا من الاتصاف بالصفات الجليلة المذكورة وما استفهامية للانكار فى موضع رفع بالابتدآء والذين كفروا خبرها واللام الجارة كتبت مفصولة اتباعا لمصحف عثمان رضى الله عنه قال فى فتح الرحمن وقف ابو عمرو والكسائى بخلاف عنه على الالف دون اللام من قوله فمال هؤلاء فى النساء ومال هذا الكتاب فى الكهف ومال هذا الرسول فى الفرقان وفمال الذين فى سأل ووقف الباقون فى فمال على اللام اتباعا للخط بخلاف عن الكسائى قال ابن عطية ومنعه قوم جملةلانها حرف جرف فهى بعض المجرور هذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس واما ان اختار احد الوقف فيما ذكرناه ابتدآء فلا انتهى { قبلك } حال من المنوى فى للذين كفروا اى فمالهم ثابتين حولك { مهطعين } حال من التكن فى قبلك من الاهطاع وهو الاسراع اى مسرعين نحوك مادى اعناقهم اليك مقبلين بابصارهم عليك.

المعارج 70:37

{ عن اليمين وعن الشمال عزين } الجار متعلق بعزين لانه بمعنى مفترقين وعزين حال بعد حال من المنوى فى للذين اى فرقاشتى وبالفارسية كروه كروه حلقه زدكان. جمع عزة وهى الفرقة من الناس واصلها عزوة من العزو بمعنى الانتماء والانتساب كأن كل فرقة تعتزى الى غير من تعتزى اليه الاخرى اما فى الولادة او فى المظاهرة فهم مفترقون كان المشركون يتحلقون حول رسول الله حلقا حلقا وفرقا فرقا ويستهزئون بكلامه ويقولون ان دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت

المعارج 70:38

{ أيطمع } الطمع نزوع النفس الى الشئ شهوة له واكثر الطمع من جهة الهوى { كل امرئ } هرمردى { منهم } اى من هؤلاء المهطعين { أن يدخل جنة نعيم } بالايمان اى جنة ليس فيها الا التنعم المحض من غير تكدر وتنغص.

المعارج 70:39

{ كلا } ردع لهم عن الطمع الفارغ اى اتركوا هذا الطمع واقطعوا مثل هذا الكلام وبالفارسية نه اينجنين است وكافرانرا دربهشت راه نيست آن. قيل كيف يكون الطمع وهم قالوا ذلك استهزآء أجيب بأن الله عليم بأحوالهم فلعل منهم من كان يطمع والا فيكون المراد من الردع قطع وهم الضعفاء عن احتمال صدق قولهم لعل وجه ايراد يدخل مجهولا من الادخل دون يدخل معلوما من الدخول مع انه الظاهر فى رد قولهم لندخلنها اشعار بأنه لا يدخل من يدخل الا بادخال الله وامره للملائكة به وبأنهم محرومون من شفاعة تكون سببا للدخول وبأن اسناد الدخول اخبارا وأنشاء انما يكون للمرضى عنهم والمكرمين عند الله بايمانهم وطاعتهم كقوله تعالى اولئك يدخلون الجنة وقوله ادخلوا الجنة وفى تنكير جنة اشعار بأنهم مردودون من كل جنة وان كانت الجنان كثيرة وفى توصيفها بنعيم اشعار بأن كل جنة مملوءة بالنعمة وان من طرد من راحة النعيم وقع فى كدر الجحيم وفى ايراد كل اشعار بأن من آمن منهم بعد قولهم هذا وأطاع الله ورسوله حق له الطمع وتعميم للردع لكل منهم كائنا من كان ممن لم يؤمن { انا خلقناهم مما يعلمون } كما قال ولقد علمتم النشأة الاولى وهو كلام مستأنف ومن ذلك وضع السجاوندى علامة الطاء على كلا لتمام الكلام عنده قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته تعالى على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزآء واستهزآئهم برسول الله وبما نزل عليه من الوحى وادعائهم دخول الجنة بطريقة السخرية وينشئ بدلهم قوما آخرين فان قدرته تعالى على ما يعلمون من النشاة الاول من حال النطفة ثم العلقة ثم المضغة حجة بينة على قدرته تعالى على ذلك كما تفصح عنه الفاء الفصيحة فى قوله تعالى فلا أقسم وفى التأويلات النجمية انا خلقناهم من الشقاوة الازلية للعداوة الأبدية باليد اليسرى الجلالية القهرية كيف ينزلون مكان من خلقهم من السعادة الأزلية للمحبة الأبدية باليد اليمنى الجالية اللطفية هذا مما يخالف الحكمة الالهية والارادة السرمدية ولا عبرة بالنطفة والطين لاشتراك الكل فيهما وانما العبرة بالاصطفائية والخاصية فى المعرفة فمن عرف الله كان فى جوار الله لان ترابه من تراب الجنة فى الحقيقة وروحه من نور الملكوت ومن جهله كان فى بعد عنه لانه من عالم النار فى الحقيقة وكل يرجع الى اصله

المعارج 70:40

{ فلا أقسم } اى أقسم كما سبق نظائره وقال الكاشفى فلا بس نه جنانست كه كفار ميكويند اقسم سوكند ميخورم { برب المشارق والمغارب } جمع المشارق والمغارب اما لان المراد بهما مشرق كل يوم من السنة ومغربه فيكون لكل من الصيف والشتاء مائة وثمانون مشرقا ومغربا وبالفارسية بآفريدكار مشرقها كه آفتاب دارد وهر روز از نقطه ديكر طلوع مينمايد وبخداوند مغربها كه آفتاب راهست وهرورز بنقطه ديكر غروب ميكند او مشرق كل كوكب ومغربه يعنى مراد مشارق ومغارب نجومست جه هريك ازايشان رامحل شروق وغروب ازدائرة افق نقطه ديكرست. او المراد بالمشرق ظهور دعوة كل نبى وبالمغرب موته أو المراد انواع الهدايات والخذلانات { انا لقادرون } جواب القسم.

المعارج 70:41

{ على أن نبدل خيرا منهم } اى نبدلهم حذف المفعول الاول للعلم به وخيرا مفعوله الثانى بمعنى التفضيل على التسليم اذ لا خير فى المشركين او نهلكهم بالمرة حسبما تقتضيه جناياتهم ونأتى بدلهم بخلق آخرين ليسوا على صفتهم ولم تقع هذا التبديل وانما ذكر الله ذلك تهديدا لهم لكى يؤمنوا وقيل بدل الله بهم الانصار والمهاجرين { وما نحن بمسبوقين } بمغلوبين ان أردنا ذلك لكن مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة اقتضت تأخير عقوباتهم وبالفارسية يعنى كسى برماييشى نتواند كرفت اكراراده امرى كنيم ومغلوب نتوان ساخت دراظهار آن. وقيل عاجزين لان من سبق الى شئ عجز.

المعارج 70:42

{ فذرهم } فخلهم وشأنهم { يخوضوا } ويشرعوا فى باطلهم الذى من جملته ما حكى عنهم وهو جواب الامر وهو تهديد لهم وتوبيخ كقوله اعملوا ما شئتم { ويلعبوا } فى الدنيا بالاشتغال بما لا ينفعهم وأنت مشتغل بما أمرت به وهذه الآية منسوخة بالسيف { حتى يلاقوا } من الملاقاة بمعنى المعاينة { يومهم } هو يوم البعث عند النفخة الثانية والاضافة لانه يوم كل الخلق وهم منهم او لان يوم القيامة يوم الكفار من حيث العذاب ويوم المؤمنين من جهة الثواب فكأنه يومان يوم للكافرين ويوم للمؤمنين { الذين يوعدون } الآن او على الاستمرار وهو من الوعد كقولهم متى هذا الوعد ويجوز أن يكون من الايعاد وهو بالفارسية بيم كردن.

المعارج 70:43

{ يوم يخرجون من الاجداث } بدل من يومهم ولذا حمل على يوم البعث جمع جدث وهو القبر { سراعا } حال من مرفوع يخرجون جمع سريع كظراف جمع ظريف اى مسرعين الى جانب الداعى وصوته وهو اسرافيل ينادى على الصخرة كما سبق { كأنهم الى نصب } حال ثانية من المرفوع وهو كل ما نصب فعبد من دون الله وعن ابن عمر رضى الله عنهما هو شبكة يقع فيها الصيد فيسارع اليه صاحبه واحد الانصاب كما قال تعالى وما ذبح على النصب وكان للعرب حجارة تبعدها وتذبح عليها وقال الاخفش جمع نصب كرهن ورهن والانصاب جمع الجمع { يوفضون } من الايفاض وهو بالفارسية شتافتن. واصله متعد أى يسرعون أيهم يستمله اولا وفيه تهجين لحالهم الجاهلية وتهكم بهم بذكر جهالتهم الى اعتادوها من الاسراع الى مالا يملك نفعا ولا ضرا.

المعارج 70:44

{ خاشعة ابصارهم } حال من فاعل يوفضون وابصارهم فاعلها على الاسناد المجازى يعنى وصفت ابصارهم بالخشوع مع انه وصف الكل لغاية ظهور آثاره فيها والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعون ما يتوقعون من العذاب { ترهقهم ذلة } هو ايضا حال من فاعل يوفضون اى تغشاهم ذلة شديدة وحقارة عظيمة وهو بالفارسية خوارى ونكونارى { ذلك } اليوم المذكور الذى سيقع فيه الاحوال الهائلة وهو مبتدأ خبره قوله { اليوم الذى كانوا يوعدون } اى يوعدونه فىالدنيا على ألسنة الرسل وهم يكذبون به فاندفع توهم التكرار لان الوعد الاول محمول على الآتى والاستمرارى كما مر وهذا الوعد محمول على الماضى بدلالة لفظ كان وفى الذلة اشارة الى ذلة الأنانية فانهم يوم يخرجون من الاجداث يسارعون الى صور تناسب هيئاتهم الباطنة فيكون أهل الأنانية فى انكر الصور بحيث يقع المسخ على ظاهرهم وباطنهم كما وقع لابليس بقوله أنا خير منه فكما ان ابليس طرد من مقام القرب ورهقته ذلة البعد فكذا من فى حكمه من الانس ولذا كان السلف يبكون دما من الاخلاق السيئة لا سيما ما يشعر بالانانية من آثار التعيين فان التوحيد الحقيقى هو أن يصير العبد فانيا عن نفسه باقيا بربه فاذا لم يحصل هذا فقد بقى فيه بقية من الناسوتية وكل اناء يرشح بما فيه فطوبى لمن ترشح منه الحق لا النفس والله أسأل أن يكرمنى به واياكم تمت سورة المعارج بعون خالق الداخل والخارج فى العاشر من شوال سنة ست عشرة ومائة وألف.

نوح 71:1

{ انا أرسلنا نوحا الى قومه } مر سر نون العظمة مرارا والارسال يقابل بالامساك يكون للتسخير كارسال الريح والمطر ببعث من له اختيار نحو ارسال الرسل وبالتخلية وترك المنع نحوانا أرسلنا الشياطين على الكفارين قال قتادة ارسل نوح من جزيرة فذهب اليهم ونوح اسمه عبد الغفار عليه السلام سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه او هو سريانى معناه الساكن لان الارض طهرت من خبث الكفار وسكنت اليه وهو اول من اوتى الشريعة فى قول واول اولى العزم من الرسل على قول الاكثرين واول نذير على الشرك وكان قومه يعبدون الاصنام واول من عذبت امته وهو شيخ المرسلين بعث ابن اربعين سنة او ثلاثمائة وخمسين او اربعمائة وثمانين ولبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان تسعين سنة قال بعض من تصدى للتفسير فيه دلالة على انه لم يرسل الى اهل الارض كلهم لانه تعالى قال الى قومه فلو ارسل الى الكل لقيل الى الخلق او ما يشابهه كما قيل لرسول الله وما أرسلناك الا كافة للناس ولقول رسول الله " كان النبى يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة " ثم قال ان قيل فما جريمة غير قومه حتى عممهم فى الدعاء عليهم كما قال لا تذر على الارض من الكافرين ديارا افانه اذا لم يرسل اليهم لم يكن كلهم مخالفا لامره وعاصيا له حتى يستحقوا الدعاء بالاهلاك أجيب بأنه يحتمل انه تحقق ان نفوس كفرة زمانه على سجية واحدة يستحقون بذلك أن يدعى عليهم بالاهلاك ايضا انتهى وفيه نظر لانه قال فى انسان العيون فى قوله عليه السلام وكان كل نبى انما يرسل الى قومه اى جميع اهل زمنه او جماعة منهم خاصة ومن الاول نوح عليه السلام فانه كان مرسلا لجميع من كان فى زمنه من أهل الارض ولما اخره بأنه لا يؤمن منهم الا من آمن معه وهم اهل السفينة وكانواثمانين اربعين رجلا واربعين امرأة او كانوا اربعمائة كما فى العوارف وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذى كان به هلاك جميع أهل الارض الا من آمن ولو لم يكن مرسلا اليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له فى عبادة الاصنام لقوله تعالى وما كنا معذبين اى فى الدنيا حتى نبعث رسولا وقول بعض المفسرين ارسل الى آل قابيل لا ينافى ما ذكر لانه يجوز أن يكون آل قابيل اكثر أهل الارض وقتئذ وقد ثبت ان نوحا عليه السلام اول الرسل اى لمن يعبد الاصنام لان عبادة الاصنام اول ما حدثت فى قومه وارسله الله اليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون اول الرسل آدم ارسله الله الى اولاده بالايمان به تعالى وتعليم شرآئعه فان قلت اذا كانت رسالة نوح عامة لجميع اهل الارض كانت مساوية لرسالة نبينا عليه السلام قلت رسالة نوح عليه السلام عامة لجميع أهل الارض فى زمنه ورسالة نبينا محمد عليه السلام عامة لجميع من فى زمنه ومن يوجد بعد زمنه الى يوم القيامة فلا مساواة وحينئذ يسقط السؤال وهو أنه ليم يبق بعد الطوفال الا مؤمن فصارت رسالة نوح عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذى حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثه بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا عليه السلام { أن } اى { انذر قومك } خوفهم بالنار على عبادة الاصنام كى ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا بالله وحده فان مفسرة لما فى الارسال من معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل اليها الفعل اى بأن أنذرهم وجعلت صلتها امرا كما فى قوله تعالى وأن أقم وجهك لان مدار وصلها بصيغ الافعال دلالتها على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية فى الموصول الاسمى انما هو للتوصل الى وصف المعارف بالجمل وهى لا توصف الا بالجمل استوايا فى صحة الوصل بها فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الامر والنهى والمضى والاستقبال كأنه قيل أرسلناه بالانذار كذا فى الارشاد وقال بعض العارفين الانبياء والاولياء فى درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرج من نور الجلال وبعضهم من نور الجمال وبعضهم من نور العظمة وبعضهم من نور الكبرياء فمن خرج من نور الجمال اورث قومه البسط والانس ومن خرج من نور العظمه اورث قومه الهيبة والجلال وكان نوح مشكاة نور عظمة الله ولذلك أرسله الى قومه بالانذار فلما عصوه أخذهم بالقهر { من قبل أن يأتيهم } من الله تعالى { عذاب أليم } عاجل كالطوفان والغرق او آجل كعذاب لآخرة لئلا يبقى لهم عذر ما اصلا كام قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والاليم بمعنى المؤلم او المتألم مبالغة والألم جسمانى وروحانى والثانى اشد كأنه قيل فما فعل نوح عليه السلام فقيل { قال } لهم { يا قوم } اى كروه من واصله يا قومى خاطبهم باظهار الشفقة عليهم وارادة الخير لهم وتطيبا لهم { انى لكم نذير } منذر من عاقبة الكفر والمعاصى وافرد الانذار مع كونه بشيرا ايضا لان الانذار أقوى فى تأثير الدعوة لما ان اكثر الناس يطيعون اولا بالخوف من القهر وثانيا بالطمع فى العطاء واقلهم يطيعون بالمحبة للكمال والجمال. يقال الفقير الظاهر ان الانذار أول الامر كما قال تعالى لنبينا عليه السلام قم فأنذر والتبشير ثانى الامر كما قال تعالى وبشر المؤمنين فالانذار يتعلق بالكافرين والتبشير بالمؤمنين وان امكن تبشير الكفار بشرط الايمان لا فى حال الكفر فانهم فى حال الكفر انما يستحقون التبشير التهكمى كما قال تعالى فبشرهم بعذاب أليم { مبين } موضح لحقيقة الامر بلغة تعرفونها او بين الانذار.

نوح 71:2

{ انا أرسلنا نوحا الى قومه } مر سر نون العظمة مرارا والارسال يقابل بالامساك يكون للتسخير كارسال الريح والمطر ببعث من له اختيار نحو ارسال الرسل وبالتخلية وترك المنع نحوانا أرسلنا الشياطين على الكفارين قال قتادة ارسل نوح من جزيرة فذهب اليهم ونوح اسمه عبد الغفار عليه السلام سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه او هو سريانى معناه الساكن لان الارض طهرت من خبث الكفار وسكنت اليه وهو اول من اوتى الشريعة فى قول واول اولى العزم من الرسل على قول الاكثرين واول نذير على الشرك وكان قومه يعبدون الاصنام واول من عذبت امته وهو شيخ المرسلين بعث ابن اربعين سنة او ثلاثمائة وخمسين او اربعمائة وثمانين ولبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان تسعين سنة قال بعض من تصدى للتفسير فيه دلالة على انه لم يرسل الى اهل الارض كلهم لانه تعالى قال الى قومه فلو ارسل الى الكل لقيل الى الخلق او ما يشابهه كما قيل لرسول الله وما أرسلناك الا كافة للناس ولقول رسول الله " كان النبى يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة " ثم قال ان قيل فما جريمة غير قومه حتى عممهم فى الدعاء عليهم كما قال لا تذر على الارض من الكافرين ديارا افانه اذا لم يرسل اليهم لم يكن كلهم مخالفا لامره وعاصيا له حتى يستحقوا الدعاء بالاهلاك أجيب بأنه يحتمل انه تحقق ان نفوس كفرة زمانه على سجية واحدة يستحقون بذلك أن يدعى عليهم بالاهلاك ايضا انتهى وفيه نظر لانه قال فى انسان العيون فى قوله عليه السلام وكان كل نبى انما يرسل الى قومه اى جميع اهل زمنه او جماعة منهم خاصة ومن الاول نوح عليه السلام فانه كان مرسلا لجميع من كان فى زمنه من أهل الارض ولما اخره بأنه لا يؤمن منهم الا من آمن معه وهم اهل السفينة وكانواثمانين اربعين رجلا واربعين امرأة او كانوا اربعمائة كما فى العوارف وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذى كان به هلاك جميع أهل الارض الا من آمن ولو لم يكن مرسلا اليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له فى عبادة الاصنام لقوله تعالى وما كنا معذبين اى فى الدنيا حتى نبعث رسولا وقول بعض المفسرين ارسل الى آل قابيل لا ينافى ما ذكر لانه يجوز أن يكون آل قابيل اكثر أهل الارض وقتئذ وقد ثبت ان نوحا عليه السلام اول الرسل اى لمن يعبد الاصنام لان عبادة الاصنام اول ما حدثت فى قومه وارسله الله اليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون اول الرسل آدم ارسله الله الى اولاده بالايمان به تعالى وتعليم شرآئعه فان قلت اذا كانت رسالة نوح عامة لجميع اهل الارض كانت مساوية لرسالة نبينا عليه السلام قلت رسالة نوح عليه السلام عامة لجميع أهل الارض فى زمنه ورسالة نبينا محمد عليه السلام عامة لجميع من فى زمنه ومن يوجد بعد زمنه الى يوم القيامة فلا مساواة وحينئذ يسقط السؤال وهو أنه ليم يبق بعد الطوفال الا مؤمن فصارت رسالة نوح عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذى حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثه بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا عليه السلام { أن } اى { انذر قومك } خوفهم بالنار على عبادة الاصنام كى ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا بالله وحده فان مفسرة لما فى الارسال من معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل اليها الفعل اى بأن أنذرهم وجعلت صلتها امرا كما فى قوله تعالى وأن أقم وجهك لان مدار وصلها بصيغ الافعال دلالتها على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية فى الموصول الاسمى انما هو للتوصل الى وصف المعارف بالجمل وهى لا توصف الا بالجمل استوايا فى صحة الوصل بها فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الامر والنهى والمضى والاستقبال كأنه قيل أرسلناه بالانذار كذا فى الارشاد وقال بعض العارفين الانبياء والاولياء فى درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرج من نور الجلال وبعضهم من نور الجمال وبعضهم من نور العظمة وبعضهم من نور الكبرياء فمن خرج من نور الجمال اورث قومه البسط والانس ومن خرج من نور العظمه اورث قومه الهيبة والجلال وكان نوح مشكاة نور عظمة الله ولذلك أرسله الى قومه بالانذار فلما عصوه أخذهم بالقهر { من قبل أن يأتيهم } من الله تعالى { عذاب أليم } عاجل كالطوفان والغرق او آجل كعذاب لآخرة لئلا يبقى لهم عذر ما اصلا كام قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والاليم بمعنى المؤلم او المتألم مبالغة والألم جسمانى وروحانى والثانى اشد كأنه قيل فما فعل نوح عليه السلام فقيل { قال } لهم { يا قوم } اى كروه من واصله يا قومى خاطبهم باظهار الشفقة عليهم وارادة الخير لهم وتطيبا لهم { انى لكم نذير } منذر من عاقبة الكفر والمعاصى وافرد الانذار مع كونه بشيرا ايضا لان الانذار أقوى فى تأثير الدعوة لما ان اكثر الناس يطيعون اولا بالخوف من القهر وثانيا بالطمع فى العطاء واقلهم يطيعون بالمحبة للكمال والجمال. يقال الفقير الظاهر ان الانذار أول الامر كما قال تعالى لنبينا عليه السلام قم فأنذر والتبشير ثانى الامر كما قال تعالى وبشر المؤمنين فالانذار يتعلق بالكافرين والتبشير بالمؤمنين وان امكن تبشير الكفار بشرط الايمان لا فى حال الكفر فانهم فى حال الكفر انما يستحقون التبشير التهكمى كما قال تعالى فبشرهم بعذاب أليم { مبين } موضح لحقيقة الامر بلغة تعرفونها او بين الانذار.

نوح 71:3

{ ان اعبدوا الله } متعلق بنذير اى بأن اعبدوا الله والامر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من افعال القلوب والجوارح { واتقوه } يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات { واطيعوا } يتناول امرهم بطاعته فى جميع المأمورات والمنهيات والاعتقاديات العمليات وفى التأويلات النجمية اى فى اخلاقى وصفاتى وافعالى واعمالى واقوالى واحوالى انتهى وهذا وان كان داخلا فى الامر بعبادة الله وتقواه الا انه خصه بالذكر تأكيدا فى ذلك التكليف ومبالغة فى تقريره قال بعضهم اصله واطيعونى بالياء ولم يقل واطيعوه بالهاء مع مناسبته لما قبله يعنى اسند الا طاعة الى نفسه لما ان اطاعة الرسول اطاعة الله كما قال تعالى من يطع الرسول فقد اطاع الله وقال تعالى واطيعوا الرسول فاذا كانوا مأمورين باطاعة الرسول فكان للرسول ان يقول واطيعون وايضا ان الاجابة كانت تقع له فى الظاهر.

نوح 71:4

{ يغفر لكم } جواب الامر { من ذنوبكم } اى بعض ذنوبكم وهو ما سلف فى الجاهلية فان الاسلام يجب ما قبله لا ما تأخر عن الاسلام فانه يؤآخذ به ولا يكون مغفورا بسبب الايمان ولذلك لم يقل يغفر لكم ذنوبكم بطى من التبعيضية فانه يعم مغفرة جميع الذنوب ما تقدم منها وما تأخر وقيل المراد ببعض الذنوب بعض ما سبق على الايمان وهو مالا يتعلق بحقوق العباد { ويؤخركم } بالحفظ من العقوبات المهلكة كالقتل والاغراق والاحراق ونحوها من اسباب الهلاك والاستئصال وكان اعتقادهم ان من اهلك بسبب من هذه الاسباب لم يمت بأجله فخاطبهم على المعقول عندهم فليس يريد أن الايمان يزيد فى آجالهم كذا فى بعض التفاسير { الى اجل مسمى } معين مقدر عند الله والاجل المدة المضروبة للشئ قال فى الارشاد وهو الامد الاقصى الذى قدره الله لهم بشرط الايمان والطاعة صريح فى ان لهم اجلا آخر لا يجاوزونه ان لم يؤمنوابه وهو المراد بقوله تعالى { ان اجل الله } وهو ما قدر لكم على تقدير بقائكم على الكفر وهو الاجل القريب المطلق الغير المبرم بخلاف الاجل المسمى فانه البعيد المبرم واضيف الاجل هنا الى الله لانه المقدر والخالق اسبابه واسند الى العباد فى قوله اذا جاء اجلهم لانهم المبتلون المصابون { اذا جاء } وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر { لا يؤخر } فبادروا الى الايمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه الذى هو بقاؤكم على الكفر فلا يجيئ ويتحقق شرط التأخير الى الاجل المسمى فتؤخروا اليه فالمحكوم عليه بالتأخير هو الاجل المشروط بشرط الايمان والمحكوم عليه بامتناعه هو الاجل المشروط بشرط البقاء على الكفر فلا تناقض لانعدام وحدة الشرط ويجوز أن يراد به وقت اتيان العذاب المذكور فى قوله تعالى من قبل ان يأتيهم عذاب أليم فانه اجل موقت له حتما { لو كنتم تعلمون } شيأ لسارعتم الى ما امرتكم به او لعلمتم ان الاجل لا تأخير فيه ولا اهمال وفيه اشارة الى انهم ضيعوا اسباب العلم وآلات تحصيله بتوغلهم فى حب الدنيا وطلب لذاتهم حتى بلغوا بذلك الى حيث صاروا كأنهم شاكون فى الموت روزى كه اجل در آيد ازبيش وبست شك نيست كه مهلت ندهديك نفست يارى نرسد دران دم از هيج كست برباد شود جمله هوا وهوست

نوح 71:5

{ قال } اى نوح مناجيا لربه وحا كياله وهو أعلم بحال ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال فى تلك المدد الطوال بعد ما بذل فى الدعوة غاية المجهود وجاوز فى الانذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل { رب } اى بروردكارمن { انى دعوت قومى } الى الايمان والطاعة { ليلا ونهارا } فى الليل والنهار أى دآئما من غير فتور ولا توان فما ظرفان لدعوة أراد بهما الدوام على الدعوة لان الزمان منحصر فيهما وفى كشف الاسرار بشبها درخانهاى ايشان وبروزها در انجمنهاى ايشان. وكان يأتى باب احدهم ليلا فيقرع الباب فيقول صاحب البيت من على الباب فيقول أنا نوح قل لا اله الا الله.

نوح 71:6

{ فلم يزدهم دعائى الا فرارا } مما دعوتهم اليه وفى التأويلات النجمية من متابعتى ودينى وما أنا عليه من آثار وحيك والفرار بالفارسية كريختن. وهو مفعول ثان لقوله لم يزدهم لانه يتعدى الى مفعولين يقال زاده الله خيرا وزيده فزاد وازداد كما فى القاموس واسناد الزيادة الى الدعاء مع انها فعل الله تعالى لسببيته لها والمعنى ان الله يزيد الفرار عند الدعوة الصرف المدعو اختياره اليه.

نوح 71:7

{ وانى كلما دعوتهم } اى الى الايمان وفى التأويلات النجمية كلما دعوتهم بلسان الامر مجردا عن انضام الارادة الموجبة لوقوع المأمور فان الامر اذا كان مجردا عن الارادة لا يجب ان يقع المأمور به بخلاف ما اذا كان مقرونا بالارادة فانه لا بد حينئذ من وقوع المأمور به { لتغفر لهم } بسببه { جعلوا اصابعهم فى آذانهم } اى سدوا مسامعهم من استماع الدعوة فالجعل المذكور كناية عن هذا السد ولا مانع من الحمل على حقيقته بأن يدخلوا اصابعهم فى ثقب آذانهم قصدا الى عدم الاستماع { واستغشوا ثيابهم } الاستغشاء جامه بسر در كشيدن. كما فى تاج المصادر مأخوذ من الغشاء وهو الغطاء وفى الاصل اشتمال من فوق ولما كان فيه معنى الستر استعمل بمعناه واصل الاستغشاء طلب الغشى اى الستر لكن معنى الطلب هنا ليس بمقصود بل هو بمعنى التغطى والستر وانما جيئ بصيغته التى هى السين للمبالغة والثياب جمع ثوب سمى به لثوب الغزل اى رجوعه الى الحالة التى قدر لها والمعنى وبالغوا فى التغطى بثيابهم كأنهم طلبوا منها ان تغشاهم اى جميع اجزآء بدنهم آلة الابصار وغيرها لئلا يبصروه كراهة النظر اليه فان المبطل يكره رؤية المحق للتضاد الواقع بينهما وقس عليهما المتكبر والكافر والمبتدع بالنسبة الى المتواضع والمؤمن والسنى اولئلا يعرفهم فيدعوهم. يقول الفقير هذا الثانى ليس بشئ لان دعوته على ما سبق كانت عامة لجميع من فى الارض ذكورهم واناثهم والمعرفة ليست من شرط الدعوة واشتباه الكافر بالمؤمن مدفوع بأن المؤمن كان اقل القليل معلوما على كل حال على ان التغطى من موجبات الدعوة لان بذلك يعلم كونه من اهل الفرار اذ لم يكن فى ذلك الزمان حجاب وقال بعضهم ويجوز ان يكون التغطى مجازا عن عدم ميلهم الى الاستماع والقبول بالكلية لان من هذا شأنه لا يسمع كلامه غيره { وأصروا } اى اكبوا واقاموا على الكفر والمعاصى وفى قول القلوب الاصرار يكون بمعنى ان يعقد بقلبه انه متى قدر على الذنب فعله اولا يعقد الند ولا التوبة منه واكبر الاصرار السعى فى طلب الاوزار وفى تاج المصادر الاصرار برجيزى باستادن وكوش راست كردن است. يقال اصر الحمار على العانة وهى القطيع من حمر الوحش اذا ضم اذنيه الى رأسه واقبل عليها يكدمها ويطردها استعير للاقبال على الكفر والمعاصى والاكباب عليهما بتشبيه الاقبال المذكور باصرار الحمار على العانة يكدمها ويطردها ولو لم يكن فى ارتكاب المعاصى الا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة فكيف والتشبيه فى سوء حاله وهو حال الكدم والطرد للسفاد { واستكبروا } تعظموا عن اتباعى وطاعتى واخذتهم العزة فى ذلك { استكبارا } شديدا لانهم قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون قال بعض العارفين من اصر على المعصية اورثته التمادى فى الضلالة حتى يرى قبيح اعماله حسنا فاذا رآه حسنا يتكبر ويعلو بذلك على اولياء الله ولا يقبل بعد ذلك نصيحتهم قال سهل قدس سره الاصرار على الذنب يورث النفاق والنفاق يورث الكفر.

نوح 71:8

{ ثم انى دعوتهم } دعوة { جهارا } اى اظهرت لهم الدعوة يعنى آشكارا در محافل ايشان. والجهر ظهور الشئ بافراط لحاسة البصر أو حاسة السمع.

نوح 71:9

{ ثم انى اعلنت لهم واسررت لهم اسرارا } اشارة الى ذكر عموم الحالات بعد ذكر عموم الاوقات اى دعوتهم تارة بعد تارة ومرة غب مرة على وجوه متخالفة واساليب متفاوتة وثم لتفاوت الوجوه فان الجار اشد من الاسرار والجمع بينهما اغلظ من الافراد والاعلان ضد الاسرار يقال اسررت الى فلان حديثا افضيت به اليه فى خفية اى من غير اطلاع احد عليه وجهرت به اظهرته بحيث اطلع عليه الغير ويجوز ان يكون ثم لتراخى بعض الوجوه عن بعض بحسب الزمان بأن ابتدأ بمناصحتهم ودعوتهم فى السر فعاملوه بالامور الاربعة وهى الجعل والتغطى والاصرار والاستكبار ثم ثنى بالمجاهرة بعد ذلك فلما لم يؤثر جمع بين الاعلان والاسرار أى خلط دعاءه بالعلانية بدعاء السر فكما كلمهم جميعا كلمهم واحدا واحدا سرا وقال بعضهم اشكارا كردم مر بعضى ايشانرا يعنى باشكارا آوز برداشتم وباعلاى صوت دعوت كردم وبارز كفتم مر بعضى ديكر از ايشانرا. وفى بعض التفاسير ان نوحا عليه السلام لما آذوه بحيث لا يوصف حتى كانوا يضربونه فى اليوم مرات عيل صبره فسأل الله ان يواريه عن ابصارهم بحيث يسمعون كلامه ولا يرونه فينالونه بمكروه ففعل الله ذلك به فدعاهم كذلك زمانا فلم يؤمنوا فسأل ان يعيده الى ما كان وهو قوله اعلنت لهم واسررت لهم اسرارا وقال القاشانى ثم انى دعوتهم جهارا اى نزلت عن مقام التوحيد ودعوتهم الى مقام العقل وعالم النور ثم انى اعلنت لهم بالمعقولات الظاهرة واسررت لهم فى مقام القلب بالاسرار الباطنة ليتو صلوا اليها بالمعقول.

نوح 71:10

{ فقلت } لهم عقيب الدعوة عطف على قوله دعوت { استغفروا ربكم } اطلبعوا المغفرة منه لأنفسكم بالتوبة عن الكفر والمعاصى قبل الفوت بالموت { انه } تعالى { كان غفارا } للتائبين بجعل ذنوبهم كأن لم تكن والمراد من كونه غفارا فى الازل كونه مريدا للمغفرة فى وقتها المقدر وهو وقت وجود المغفور له وفى كشف الاسرار كان صلة اليه ورؤية التقصير فى العبودية الندم على ما ضاع من ايامهم بالغفلة عن الله وفى الحديث " من اعطى الاستغفار لا يمنع المغفرة " لانه تعالى قال استغفروا ربكم انه كان غفارا ولذا كان على رضى الله عنه يقول ما ألهم الله عبدا الاستغفار وهو يريد ان يعذبه وعن بعض العلماء قال الله تعالى ان أحب عبادى الى المتحابون بحبى والمعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالاسحار اولئك الذين اذا اردت اهل الارض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم والغفار ابلغ من الغفور وهو من الغافر واصل الغفر الستر والتغطية ومنه قيل لجنة الرأس مغفر لانه يستر الرأس والمغفرة من الله ستره للذنوب وعفوه عنها بفضله ورحمته لا بتوبة العباد وطاعتهم وانما التوبة والطاعة للعبودية وعرض الافتقار وفى بعض الاخبار عبدى لو أتيتنى بقراب الارض ذنوبا لغفرتها لك ما لم تشرك بى حكى ان شيخا حج مع شاب فلما احرم قال لبيك اللهم لبيك فقيل له لا لبيك فقال الشاب للشيخ ألا تسمع هذا الجواب فقال كنت اسمع هذا الجواب منذ سبعين سنة قال فلاى شئ تتعب نفسك فبكى الشيخ فقال فالى اى باب التجئ فقيل له قد قبلناك همه طاعت آرند ومسكين نياز بياتا بدركاه مسكين نواز جوشاخ برهنه برآريم دست كه بى برك ازين بيش نتوان نشست

نوح 71:11

{ يرسل السماء } اى المطر كما قال الشاعر اذا نزل السماء بارض قوم وقال بعضهم اى ماء السماء فحذف المشاف { عليكم } حال كونه { مدرارا } اى كثير الدرور اى السيلان والانصاب وبالفارسية فرو كشايد برشما باران بى در بى وبيهنكام. وفى الارسال مبالغة بالنسبة الى الانزال وكذا المدرار صيغة مبالغة ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث كقولهم رجل او امرأة معطار ويرسل جواب شرط محذوف اى ان تستغفروا يرسل السماء وفى قول النحاة فى مثله انه جواب الامر وهو ههنا استغفروا تسامح فى العبارة اعتمادا على وضوح المراد وكسر اللام بالوصل لتحرك الساكن به كأن قوم نوح تعللوا وقالوا ان كنا على الحق فكيف نتركه وان كنا على الباطل فكيف يقبلنا بعدما عكفنا عليه دهرا طويلا نأمرهم الله بما يمحق ما سلف منهم من المعاصى ويجلب عليهم المنافع وهو الاستغفار ولذلك وعدهم بالعوآئد العاجلة التى هى اوقع فى قلوبهم من المغفرة وأحب اليهم اذا النفس حريصة بحب العاجل ولذلك جعلها جواب الامر بأن قال يرسل السماء الخ دون المغفرة بأن قال يغفر لكم ليرغبوا فيها ويشاهدوا ان اثرها وبركتها ما يقاس عليه حال المغفرة فالاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات كما ان المعصية سبب لخراب العالم بظهور اسباب القهر الالهى وقيل لما كذبوه بعد تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر واعقم ارحام نسائهم اربعين سنة وقيل سبعين سنة فوعدهم ان آمنوا ان يرزقهم الله الخصب ويدفع عنهم ما كانوا فيه. يقول الفقير هذا القول هو الموافق للحكمة لان الله تعالى يبتلى عباده بالخير والشر ليرجعوا اليه ألا ترى الى قريش حيث ان الله جعل لهم سبع سنين كسنى يوسف بدعاء النبى عليه السلام ليرجعوا عما كانوا عليه من الشرك فلم يرفعوا له رأسا.

نوح 71:12

{ ويمددكم باموال وبنين } اى يوصل اليكم ويعط لكم المدد والقوة بهما كما قال الله تعالى ويزدكم قوة الى قوتكم { ويجعل لكم } اى وينشئ لكم { جنات } بساتين ذوات اشجار واثمار { ويجعل لكم } فيها { انهارا } جارية تزينها بالنبات وتحفظها عن اليبس وتفرح القلوب وتسقى النفوس كان الظاهر تقديم الجنات والانهار على الامداد لكونهما من توابع الارسال وانما اخرهما لرعاية رأس الآية وللاشعار بأن كلا منهما نعمة الهية على حدة وعن الحسن البصرى قدس سره ان رجلا شكا اليه الجدب فقال استغفر الله وشكا اليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع ارضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح اتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون انواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا له الآية قال فى فتح الرحمن ولذلك شرع الاستغفار فى الاستسقاء وهو الدعاء بطلب السقيا على وجه مخصوص فاذا اجدبت الارض وقحط المطر سن الاستسقاء بالاتفاق ومنع ابو حنيفة واصحابه من خروج اهل الذمة ولم يمنعوا عند الثلاثة ولم يختطلوا بالمسلمين ولم يفردوا بيوم وقد سبق بعض تفصيله فى سورة البقرة.

نوح 71:13

{ ما لكم لا ترجون لله وقارا } انكار لان يكون لهم سبب ما فى عدم رجائهم لله تعالى وقارا على ان الرجاء بمعنى الاعتقاد اى الظن بناء على انه اى الرجاء انما يكون بالاعتقاد وأدنى درجته الظن والوقار فى الاصل السكون والحلم وهو ههنا بمعنى العظمة لانه يتسبب عنها فى الاغلب ولا ترجون حال من ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى الاستقرار فى لكم والله متعلق بمضمر وقع حالا من وقارا ولو تأخر لكان صفة له والمعنى اى سبب حصل لكم واستقر حال كونكم غير معتقدين لله عظمة موجبة لتعظيمه بالايمان والطاعة له اى لا سبب لكم فى هذا مع تحقق مضمون الجملة الحالية وبالفارسية جيست شمارا كه ايمدنداريد يعنى نمى شناسيد مرخدايرا عظمت وبزركوارى واعتقاد نمى كنيد تابترسيد ازنا فرمانئ او. وفى كشف الاسرار هذا الرجاء بمعنى الخوف والوقار العظمة اى لا تخافون لله عظمة وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما لكم لا تخشون منه عقابا ولا ترجون منه ثوابا بتوقيركم اياه وفى التأويلات النجمية مالكم لا تطلبون ولا تكسبون من اسم الله الاعظم ما يوقركم عنده بالتخلق بكل اسم تحته حتى تصيروا بسبب تحققكم بجميع اسمائه الداخلة فيه مظهره ومجلاه.

نوح 71:14

{ وقد خلقكم اطوارا } يقال فعل كذا طورا ابعد طور أى تارة بعد تارة وعدا طوره اى تجاوز حده وقدره والمعنى والحال انكم على حالة منافية لما أنتم عليه بالكلية وهى انكم تعلمون انه تعالى خلقكم وقدركم تارات اى مرات حالا بعد حال عناصر ثم اغذية ثم اخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم انشأكم خلقا آخر فان التقصير فى توقير من هذه شؤونه فى القرة القاهرة والاحسان التام مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل وقال بعضهم هى اشارة الى الاطوار السبعة المذكورة فى قوله ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جلعناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين فهذه هى التارات والاحوال السبع المترتب بعضها على بعض كل تارة أشرف مما قبلها وحال الانسان فيها احسن مما تقدمها جون صورت وبت نه نكارند بكشمير جون قامت توسرونه كارند بكشور كرنفش توبيش بت آزر بنكارند ازشرم فروريزد نقش بت آزر وقيل خلقكم صبيانا وشبانا وشيوخا وقيل طوالا وقصارا واقوياء وضعفاء مختلفين فى الخلق والخلق كما قال تعالى واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقيل خلقهم اطوارا حين أخرجهم من ظهر آدم للعهد ثم خلقهم حين اذن بهم ابراهيم عليه السلام للحج ثم خلقهم ليلة اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم فأراه اياهم وقال بعض اهل المعرفة خلقكم اطوارا من اهل المعرفة ومن اهل المحبة ومن اهل الحكمة ومن اهل التوحيد ومن اهل الشوق ومن اهل العشق ومن اهل الغناء ومن اهل البقاء ومن اهل الخدمة ومن اهل المشاهدة خلق طور الارواح القدسية من نور الجبروت وطور العقول الهادية العارفة من نور الملكوت وطور القلوب الشائقة من معادن القربة وطور اجسام الصديقين من تراب الجنة فكل طور يرجع الى معدنه من الغيب.

نوح 71:15

{ ألم تروا } يا قومى والاستفهام للتقرير والرؤية بمعنى العلم لعلهم علموا ذلك بالسماع من اهله او بمعنى الابصار والمراد مشاهدة عجائب الصنع الدال على كمال العلم والقدرة { كيف خلق الله سبع سموات } حال كونها { طباقا } اى متطابقا بعضها فوق بعض كما سبق فى سورة الملك اتبع الدليل الدال على انه يمكن ان يعيدهم وعلى انه عظيم القدرة بدلائل الانفس لان نفس الانسان أقرب الاشياء اليه ثم اتبع ذلك بدلائل الآفاق فقال { وجعل القمر فيهن نورا } اى منور الوجه الارض فى ظلمة الليل ونسبته الى الكل مع انه فى السماء الدنيا لان كل واحدة من السموات شفافة لا يحجب ما ورآءها فيرى الكل كأنها سماء واحدة ومن ضرورة ذلك أن يكون ما فى واحدة منها كأنه فى الكل على انه ذهب ابن عباس وابن عمر ووهب بن منبه رضى الله عنهم الى ان الشمس والقمر والنجوم وجوهها مما يلي السماء وظهورها مما يلي الارض وهو الذى يقتضيه لفظ السراج لان ارتفاع نوره فى طرف العلو ولولا ذلك لأحرقت جميع ما فى الارض بشدة حرارتها فجعلها الله نورا وسراجا لأهل الارض والسموات فعلى هذا ينبغى أن يكون تقدير ما بعده وجعل الشمس فيهن سراجا حذف لدلالة الاول عليه { وجعل الشمس } هى فى السماء الرابعة وقيل فى الخامسة وقال عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنهما فى الشتاء فى الرابعة وفى الصيف فى السابعة ولو أضاءت من الرابعة او من السماء الدنيا لم يطق لها شئ كما قال فى المثنوى آفتابى كزوى اين عالم فروخت اندكى كربيش آيد جمله سوخت { سراجا } من باب التشبيه البليغ اى كالسراج يزيل ظلمة الليل عند الفجر ويبصر أهل الدنيا فى ضوئها الارض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت فى ضوء السراج ما يحتاجون الى ابصاره وليس القمر بهذه المثابة انما هو نور فى الجملة. وحضرت رسول صلى الله عليه وسلم بجهت آن جراغ كفته كه كما قال تعالى وسراج منيرا نوروى تاريكئ كفر ونفاق را ازعرصه روى زمين زائل كردانيد. جراغ دل جشم جشم وجراغ جان رسول الله كه شمع ملت است ازبرتواحكام اورخشان درين ظلمت سرا كرنه جراغ افروختى شرعش كجا كس راخلاصى بودى ازتاريكئ طغيان والسراج اعراق عند الناس من الشمس بوجه الشبه الذى هو ازالة ظلمة الليلى لانهم يستعملونه فى الليل فلا يرد أن يقال ان نور القمر عرضى مستفاد من الشمس كضوء السراج فتشبه القمر بالسراج اولى من يشببه الشمس به وايضا انه من تشبيه الأعلى بالأدنى وقال حضرت الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الأربعين حديثا الضياء هو امتزاج النور بالظلمة وليس فى ذات القمر ما يمتزج بالشمس حتى يسمى الناتج بينهما ضياء ولهذا سمى الحق القمر نورا دون الشمس المشبهة بالسراج لكونه ممدودا من الشجرة المباركة المنفى عنها الجهات وانها الحضرة الجامعة للاسماء والصفات.

نوح 71:16

{ ألم تروا } يا قومى والاستفهام للتقرير والرؤية بمعنى العلم لعلهم علموا ذلك بالسماع من اهله او بمعنى الابصار والمراد مشاهدة عجائب الصنع الدال على كمال العلم والقدرة { كيف خلق الله سبع سموات } حال كونها { طباقا } اى متطابقا بعضها فوق بعض كما سبق فى سورة الملك اتبع الدليل الدال على انه يمكن ان يعيدهم وعلى انه عظيم القدرة بدلائل الانفس لان نفس الانسان أقرب الاشياء اليه ثم اتبع ذلك بدلائل الآفاق فقال { وجعل القمر فيهن نورا } اى منور الوجه الارض فى ظلمة الليل ونسبته الى الكل مع انه فى السماء الدنيا لان كل واحدة من السموات شفافة لا يحجب ما ورآءها فيرى الكل كأنها سماء واحدة ومن ضرورة ذلك أن يكون ما فى واحدة منها كأنه فى الكل على انه ذهب ابن عباس وابن عمر ووهب بن منبه رضى الله عنهم الى ان الشمس والقمر والنجوم وجوهها مما يلي السماء وظهورها مما يلي الارض وهو الذى يقتضيه لفظ السراج لان ارتفاع نوره فى طرف العلو ولولا ذلك لأحرقت جميع ما فى الارض بشدة حرارتها فجعلها الله نورا وسراجا لأهل الارض والسموات فعلى هذا ينبغى أن يكون تقدير ما بعده وجعل الشمس فيهن سراجا حذف لدلالة الاول عليه { وجعل الشمس } هى فى السماء الرابعة وقيل فى الخامسة وقال عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنهما فى الشتاء فى الرابعة وفى الصيف فى السابعة ولو أضاءت من الرابعة او من السماء الدنيا لم يطق لها شئ كما قال فى المثنوى آفتابى كزوى اين عالم فروخت اندكى كربيش آيد جمله سوخت { سراجا } من باب التشبيه البليغ اى كالسراج يزيل ظلمة الليل عند الفجر ويبصر أهل الدنيا فى ضوئها الارض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت فى ضوء السراج ما يحتاجون الى ابصاره وليس القمر بهذه المثابة انما هو نور فى الجملة. وحضرت رسول صلى الله عليه وسلم بجهت آن جراغ كفته كه كما قال تعالى وسراج منيرا نوروى تاريكئ كفر ونفاق را ازعرصه روى زمين زائل كردانيد. جراغ دل جشم جشم وجراغ جان رسول الله كه شمع ملت است ازبرتواحكام اورخشان درين ظلمت سرا كرنه جراغ افروختى شرعش كجا كس راخلاصى بودى ازتاريكئ طغيان والسراج اعراق عند الناس من الشمس بوجه الشبه الذى هو ازالة ظلمة الليلى لانهم يستعملونه فى الليل فلا يرد أن يقال ان نور القمر عرضى مستفاد من الشمس كضوء السراج فتشبه القمر بالسراج اولى من يشببه الشمس به وايضا انه من تشبيه الأعلى بالأدنى وقال حضرت الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الأربعين حديثا الضياء هو امتزاج النور بالظلمة وليس فى ذات القمر ما يمتزج بالشمس حتى يسمى الناتج بينهما ضياء ولهذا سمى الحق القمر نورا دون الشمس المشبهة بالسراج لكونه ممدودا من الشجرة المباركة المنفى عنها الجهات وانها الحضرة الجامعة للاسماء والصفات.

نوح 71:17

{ والله أنبتكم من الارض نباتا } اى انباتا عجيبا وانشأكم منها انشاء غريبا بواسطة انشاء أبيكم آدم منها او انشأ الكل منها من حيث انه خلقهم من النطف المتولدة من النبات المتولد من الارض استعير الانبات للانشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الارض لانهم اذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات ووضع نباتا موضع انباتا على انه مصدر مؤكد لأنبتكم بحذف الزوآئد ويسمى اسم مصدر دل عليه القرية الآتية وهى قوله ويخرجكم اخراجا وقال بعضهم نباتا حال لا مصدر ونبه بذلك ان الانسان من وجه نبات من حيث ان بدأه ونشأته من التراب وانه ينمو نموه وان كان له وصف زآئد على النبات والنبات ما يخرج من الارض سوآء كان له ساق كالشجر او لم يكن كالنجم لكن اختص فى التعارف بما لا ساق له بل اختص عند العامة بما يأكله الحيوان وقال بعض اهل المعرفة والله أنبتكم من الارض نباتا اى جعل غذآءكم الذى تنمو به اجسادكم من الارض كما جعل النبات ينمو بالماء بواسطة التراب فغذآء هذه النشأة ونموها بما خلقت منه.

نوح 71:18

{ ثم يعيدكم فيها } اى فى الارض بالدفن عند موتكم { ويخرجكم } منها عند البعث والحشر { اخراجا } محققا لا ريب فيه وذلك لمجازاة الاولياء ومحاسبة الاعدآء ولم يقل ثم يخرجكم بل ذكر بالواو الجامعة اياها مع يعيدكم رمزا الى ان الاخراج مع الاعادة فى القبر كشئ واحد لا يجوز أن يكون بعضها محقق الوقوع دون بعض وفى التأويلات النجمية والله أنبت من ارض بشريتكم نبات الاخلاق والصفات ثم يعيدكم فى تلك الارض بالبقاء بعد الفناء بطريق الرجوع الى احكام البشرية بالله لا بالطبع والميل الطبيعى ويخرجكم اى ويظهركم ويغلبكم على التصرف فى العالم بالله لا بكم ولا بقدرتكم واستطاعتكم

نوح 71:19

{ والله } كرر الاسم الجليل للتعظيم والتيمن والتبرك { جعل لكم } اى لمنافعكم { الارض } سبق بيانها فى سورة الملك وغيرها { بساطا } مبسوطة متسعة كالبساط والفراش تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم فى بيوتكم قال أبو حيان ظاهره ان الارض ليست كرية بل هي مبسوطة قال سعدى المفتى وانما هو فى التقلب عليها على ما فسروه انتهى وقد مر مرارا ان كرية الارض لانتا فى الحرث والغرس ونحو هما لعظم دآئرتها كما يظهر الفرق بين بيضة الحمامة وبيضة النعامة.

نوح 71:20

{ لتسلكوا } من السلوك وهو الدخول لا من السلك وهو الادخال { منها سبلا فجاجا } اى طرقا واسعة جمع سبيل وفج وهو الطريق الواسع فجر دهنا لمعنى الواسع فجعل صفة لسبلا وقيل هو المسلك بين الجبلين قال فى المفردات الفج طريق يكتنفها جبلان ويستعمل فى الطريق الواسع ومن متعلقة بما قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ اى لتسلكوا متخذين من الارض سبلا فتصرفوا فيها مجيئا وذهابا او بمضمر هو حال من سبلا اى كائنة من الارض ولو تأخر لكان صفة لها ثم جعلها بساطا للسلوك المذكور لا ينافى غيره من الوجوه كالنوم والاستراحة والحرث والغرس ونحوها ثم السلوك اما جسمانى بالحركة الاينية الموصلة الى المقصد واما روحانى بالحركة الكيفية الموصولة الى المقصود ولكل منها فوآئد جليلة كطلب العلم والحج والتجارة وغيرها وكتحصيل المحبة والمعرفة والانس ونحوها وقال القاشانى والله جعل لكم ارض البدن بساطا لتسلكوا منها سبل الحواس فجاجا اى خروقا واسعة او من جهتها سبل سماء الروح الى التوحيد كما قال امير المؤمنين رضى الله عنه سلونى عن طرق السماء فانى أعلم بها من طرق الارض أراد الطرق الموصلة الى الكمال من المقامات والاحوال كالزهد والعبادة والتوكل والرضى وامثال ذلك ولهذا كان معراج النبى عليه السلام بالبدن.

نوح 71:21

{ قال نوح } أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه فهو بذل من قال الاول ولذا ترك العطف اى قال منا جياله تعالى { رب } اى بروردكار من { انهم عصونى } داموا على عصيانى ومخالفتى فيما امرتهم به مع ما بالغت فى ارشادهم بالعظة والتذكير { واتبعوا من لم يزده ماله وولده الا خسارا } اى استمروا على اتباع رؤسائهم الذين ابطرتهم اموالهم وغرتهم اولادهم وصارت تلك الاموال والاولاد سببا لزيادة خسارهم فى الآخرة فصاروا سوة لهم الخسار وفى وصفهم بذلك اشعار بأنهم انما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الاموال والاولاد لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع كما قالت قريش لولا نزل هذا القرءآن على رجل من القريتين عظيم فجعلوا الغنى سببا مصححا للاتباع ودل الكلام على ان ازدياد المال والولد كثيرا ما يكون سببا للهلاك الروحانى ويورث الضلال فى الدين اولا والاضلال عن اليقين ثانيا قال ابن الشيخ المفهوم من نظم الآية ان اموالهم واولادهم عين الخسار وان ازديادهما انما هو ازدياد خسارهم والامر فى الحقيقة كذلك فانهما وان كانا من جملة المنافع المؤدية الى السعادة الأبدية بالشكر عليهما وصرفهما الى وجوه الخير الا انهما اذا اديا الى البطر والاغترار وكفران حق المنعم بهما وصارا وسيلتين الى العذاب المؤبد فى الآخرة صارا كأنهما محض الخسار لان الدنيا فى جنب الآخرة كالعدم فمن انتفع بهما فى الدنيا خسر سعادة الآخرة وصار كمن اكل لقمة مسمومة من الحلوى فهلك فان تلك اللقمة فى حقه هلاك محض اذ لا عبرة لانتفاعه بها فى جنب ما ادت اليه توغافل درانديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال

نوح 71:22

{ ومكروا } عطف على صلة من لان المكر الكبار يليق بكبرآئهم والجمع باعتبار معناها والمكر الحيلة الخفية وفى كشف الاسرار المكر فى اللغة غاية الحيلة وهو من فعل الله تعالى اخفاء التدبير { مكرا كبارا } اى كبيرا فى الغاية وقرئ بالتخفيف والاول ابلغ منه وهو أبلغ من الكبير نحو طوال وطوال وطويل ومعنى مكرهم الكبار احتيالهم فى منع الناس عن الدين وتحريشهم لهم على اذية نوح قال الشيخ لما كان التوحيد اعظم المراتب كان المنع منه والأمر بالشرك اعظم الكبائر فلذا وصفه الله بكونه مكرا كبارا.

نوح 71:23

{ وقالوا } اى الرؤساء للاتباع والسفلة { لا تذرن آلهتكم } اى لا تتركوا عبادتها على الاطلاق الى عبادة رب نوح ومن عطف مكروا على اتبعوا يقول معنى وقالوا وقال بعضهم لبعض فالقائل ليس هو الجمع { ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } جرد الاخرين عن حرف النفى اذ بلغ التأكيد نهايته وعلم ان القصد الى كل فرد فرد لا الى المجموع من حيث هو مجموع والمعنى ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوصا فهو من عطف الخاص على العام خصوصا بالذكر مع اندراجها فيما سبق لانها كانت اكبر اصنامهم وأعظم ما عندهم وقد انتقلت هذه الاصنام بأعيانها عنهم الى العرب فكان ود لكلب بدومة الجندل بضم دال دومة ولذلك سمت العرب بعبد ود وقال الراغب الود صنم سمى بذلك اما لمودتهم له او لاعتقادهم ان بينه وبين البارى تعالى مودة تعالى عن ذلك وكان سواع لهمدان بسكون الميم قبيلة باليمين ويغوث لمذحج كمجلس بالذال المعجمة وآخره جيم ومنه كانت العرب تسمى عبد يغوث ويعول لمراد وهو كغراب او قبيلة سمى به لانه تمرد ونسر لحمير بكسر الحاء وسكون الميم بوزن درهم موضع عربى صنعاء اليمن وقيل انتقلت اسماؤها اليهم فاتخذوا امثالها فعبدوها اذ يبعد بقاء اعيان تلك الاصنام كيف وقد خربت الدنيا فى زمان الطوفان ولم يضعها نوح فى السفينة لانه بعث لنفيها وجوابه ان الطوفان دفنها فى ساحل جدة فلم تزل مدفونة حتى اخرجها اللعين لمشركى العرب نظيره ما روى ان آدم عليه السلام كتب اللغات المختلفة فى طين وطبخه فلما أصاب الارض الغرق بقى مدفونا ثم وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب اسمعيل عليه السلام الكتاب العربى وقيل هى اسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح وقيل من اولاد آدم ماتوا فحزن الناس عليهم حزنا شديدا واجتمعوا حول قبورهم لا يكادون يفارقونها وذلك بأرض بابل فلما رأى ابليس فعلهم ذلك جاء اليهم فى صورة انسان وقال لهم هل لكم أن أصور لكم صورهم اذا نظرتم اليها ذكرتموهم واستأنستم وتبركتم بهم قالوا نعم فصور لهم صورهم من صفر ورصاص ونحاس وخشب وحجر وسمى تلك الصور بأسمائهم ثم لما تقادم الزمن وانقرضت الآباء والابناء وابناء الابناء قال لمن حدث بعدهم ان من قبلكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فى زمان مهلابيل بن قيتان ثم صارت سنة فى العرب فى الجاهلية وذلك اما باخراج الشيطان اللعين تلك الصور كما سبق او بانه كان لعمرو بن لحى وهو اول من نصب الاوثان فى الكعبة تابع من الجن فقال له اذهب الى جدة وائت منها بالآلهة التى كانت تعبد فى زمن نوح وادريس وهى ودالخ فذهب وأتى بها الى مكة ودعا الى عبادتها فانتشرت عبادة الاصنام فى العرب وعاش عمر وبن لحى ثلاثمائة واربعين سنة ورأى من ولده وولد ولد ولده الف مقاتل ومكث هو وولده فى ولاية البيت خمسمائة سنة ثم انتقلت الولاية الى قريش فمكثوا فيها خمسمائة اخرى فكان البيت بين الاصنام ألف سنة وذكر الامام الشعرانى ان اصل وضع الاصنام انما هو من قوة التنزيه من العلماء الاقدمين فانهم نزهوا الله عن كل شئ وامروا بذلك عامتهم فلما رأوا ان بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الاصنام وكسوها الديباج والحلى والجواهر وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذى غاب عن عقولهم وغاب عن اولئك العلماء ان ذلك لا يجوز الا باذن من الله تعالى هنا كلامه قال السهيلى ولا أدرى من اين سرت لهم تلك الاسماء القديمة أمن قبل الهند فقد ذكر عنهم انهم كانوا المبدأ فى عبادتهم الاصنام بعد نوح ام الشيطان ألهمهم ما كانت عليه الجاهلية الاولى قبل نوح وفى التكملة روى تقى بن مخلد أن هذه الاسماء المذكورة فى السورة كانوا ابناء آدم عليه السلام من صلبه وأن يغوث كان اكبرهم وهى اسماء سريانية ثم وقعت تلك الاسماء الى أهل الهند فسموا بها اصنامهم التى زعموا انها على صور الدارارى السبعة وكانت الجن تكلمهم من جوفها فافتتنوا بها ثم ادخلها الى ارض العرب عمرو بن لحى بن قمعة بن الياس بن مضر فمن قبله سرت الى ارض العرب وقيل كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر وهو طائر عظيم لانه ينسر الشئ ويقتلعه وفى التأويلات النجمية لا تتركن عبودية آلهتكم التى هى ود النفس المصورة بصورة المرأة وسواع الهوى المصور بصورة الرجل ويغوث الطبيعة المشكلة بشكل الأسد ويعوق الشهوة المشكلة بصورة الفرس ونسر الشره المصور بصورة النسر وقال القاشانى اى معبوداتكم التى عكفتم بهواكم عليها من ود البدن الذى عبدتموه بشهواتكم وأحييتموه وسواع النفس ويغوث الاهل ويعوق المال ونسر الحرص.

نوح 71:24

{ وقد أضلوا } اى الرؤساء والجملة حالية { كثيرا } اى خلقا كثيرا او اضل الاصنام كقوله تعالى رب انهن اضللن كثيرا من الناس جمعهم جمع العقلاء لعدهم آلهة ووصفهم بأوصاف العقلاء { ولا تزد الظالمين } بالاشتراك فان الشرك ظلم عظيم اذ أصل الظلم وضع الشئ فى غير موضعه فهل شئ اسوأ فى هذا من وضع اخس المخلوق وعبادته { الا ضلالا } الجملة عطف على قوله تعالى رب انهم عصونى اى قال رب انهم عصونى وقال ولا تزد الظالمين الا ضلالا قالوا ومن الحكاية لا من المحكى او من كلام الله لا من كلام نوح فنوح قال كل واحد من هذين القولين من غير ان يعطف احدهما على الآخر فحكى الله احد قوليه بتصديره بلفظ قال وحكى قوله صاخر بعطفه على قوله الاول بالواو النائبة عن لفظ قال فلا يلزم عطف الانشاء على الاخبار ويجوز عطفه على مقدر اى فاخذلهم قالوا وحينئذ من المحكى والمراد بالضلال هو الضيام والهلاك والضلال فى تمشية مكرهم وترويجه مصالح دنياهم لا فى امر دينهم حتى لا يتوجه انه انما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله فى أن يزيد ضلالهم وان هذا الدعاء يتضمن الرضى بكفرهم وذلك لا يجوز فى حق الانبيا ءوان كان يمكن أن يجاب بأنه بعدما اوحى اليه انه لا يؤمن من قومك الا من قد آمن وان المحذور هو الرضى المقرون باستحسان الكفر ونظيره دعاء موسى عليه السلام بقوله واشدد على قلوبهم فمن احب موت الشرير بالطبع على الكفر حتى ينتقم الله منه فهذا ليس بكفر فيؤول المعنى الى أن يقال ولا يزد الظالمين الا ضلالا وغيا ليزدادوا عقابا كقوله تعالى انما نملى لهم ليزدادوا اثما وقوله انى أريد أن تبوء باثمى واثمك فتكون من اصحاب النار قالوا دعا نوح الابناء بعد الآباء حتى بلغوا سبعة قرون فلما ايس من ايمانهم دعا عليهم.

نوح 71:25

{ مما خطيئاتهم } اى من اجل خطيئات قوم نوح واعمالهم المخالفة للصواب وهى الكفر والمعاصى وما مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم قوله مما خطيئاتهم فانه يدل على ان اغراقهم بالطوفان لم يكن الا من اجل خطيئاتهم تكذيبا لقول المنجمين من ان ذلك كان لاقتضاء الاوضاع الفلكية اياه ونحو ذلك فانه كفر لكونه مخالفا لصريح هذه الآية ولزيادة ما الابهامية فائدة غير التوكيد وهى تفخيم خطيئاتهم اى من اجل خطيئاتهم العظيمة ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة وجعل خطيئاتهم بدلا منها والخطيئات جمع خطيئة وقرأ ابو عمر وخطاياهم بلفظ الكثرة لان المقام مقام تكثير خطيئاتهم لانهم كفروا ألف سنة والخطيئات لكونه جمع السلامة لا يطلق على ما فوق العشرة الا بالقرينة والظاهر من كلام الرضى ان كل واحد من جمع السلامة والتكثير لمطلق الجمع من غير نظر الى القلة والكثرة فيصلحان لهما ولذا قيل انهما مشتركان بينهما واستدلوا عليه بقوله تعالى ما نفدت كلمات الله { اغرقوا } فى الدنيا بالطوفان لا بسبب آخر وفيه زجر لمرتكب الخطايا مطلقا { فادخلوا نارا } تنكير النار اما لتعظيمها وتهويلها او لانه تعالى اعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار والمراد اما عذاب القبر فهو عقيب الاغراق وان كانوا فى الماء فان من مات فى ماء او نار او اكلته السباع او الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب عن الضحاك انهم كانوا يغرقون من جانب اى بالابدان ويحرقون من جانب اى بالارواح فجمعوا بين الماء والنار كما قال الشاعر الخلق مجتمع طورا ومفترق والحادثات فنون ذات اطوار لا تعجبن لأضداد اذا اجتمعت فالله يجمع بين الماء والنار او عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لاغراقهم لاقترا به وتحققه لا محالة واتصال زمانه بزمانه كما دل عليه قوله من مات فقد قامت قيامته على ان النار اما نصف نار وهى للارواح فى البرزخ واما تمام نار وهى للارواح والاجسام جميعا بعد الحشر وقس على الجحيم النعيم { فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا } اى يجد أحد منهم لنفسه واحدا من الانصار ينصرهم على من اخذهم بالقهر والانتقام وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله وبأنها غير قادرةعلى نصرهم وتهكم بهم ومن دون الله حال متقدمة من قوله انصارا والجملة الاستئنافية الى هنا من كلام الله اشعارا بدعوة اجابة نوح وتسلية للرسول عليه السلام واصحابه وتخويفا للعاصى من العذاب واسبابه.

نوح 71:26

{ وقال نوح } بعدما قنط من اهتدآئهم قنوطا تاما بالامارات الغالبة وباخبار الله تعالى { رب } اى بروردكار من { لا تذر على الارض } لا تترك على الارض { من الكافرين } بك وبما جاء من عندك متقدمة من قوله { ديارا } احدا يدور فى الارض فيذهب ويجيئ اى فأهلكهم بالاستئصال والجملة عطف على نظيرها السابق وقوله تعالى مما خطيئاتهم الخ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للايذان من اول الامر بان ما اصابهم من الاغراق والاحراق لم يصبهم الا لأجل خطيئاتهم التى عددها نوح وأشار الى استدراكهم للاهلاك لاجلها لما انها حكاية لنفس الاغراق والاحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الاحوال والاقوال والا لأخر عن حكاية دعائه هذا وديار من الاسماء المستعملة فى النفى العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم اى احد وساكن وهو فيعال من الدور او من الدار اصله ديوار وقد فعل به ما فعل باصل سيد فمعنى ديار على الاول احد يدور فى الارض فيهب ويجيئ وعلى الثانى احد ممن ينزل الدار ويسكنها وأنكر بعضهم كونه من الدور ان وقال لو كان من الدور ان لم يبق على وجه الارض جنى ولا شيطان وليس المعنى على ذلك وانما المعنى اهلك كل ساكن دار من الكفار أى كل انسى منهم. يقول الفقير جوابه سهل فان المراد كل من يدور على الارض من امة الدعوة ليس الجن والشيطان منها اذ لم يكن نوح مبعوثا الى الثقلين وليس ديار فعالا من الدار والا لقيل دوار لان اصل دار دور فقلبت واوه ألفا فلما ضعفت عينه كان دوار بالواو الصحيحة المشددة اذ لا وجه لقلبها ياء.

نوح 71:27

{ انك ان تذرهم } عليها كلا او بعضا ولا تهلكهم بيان لوجه دعائه عليهم واظهار بأنه كان من الغيرة فى الدين لا لغلبة غضب النفس لهواها { يضلوا عبادك } عن طريق الحق قال بعضهم عبادك المؤمنين وفيه اشعار بأن الاهل لان يقال لهم عباد اهل الايمان انتهى وفيه نظر بل المراد يصدوا عبادك عن سبيلك كقوله تعالى وصدوا عن سبيل الله دل عليه انه كان الرجل منهم ينطلق بابنه الى نوح فيقول له احذر هذا فانه كذاب وان ابى حذرنيه واوصانى بمثل هذه الوصية فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك { ولا يلدوا } ونزايند { الا فاجرا } الفجر شق الشئ شقا واسعا كفجر الانسان الكسر وهو بالكسر اسم لسد النهر وما سد به النهر والفجور شق ستر الديانة { كفارا } مبالغا فى الكفر والكفران قال الراغب الكفار ابلغ من الكفور وهو المبالغ فى كفران النعمة والمعنى الا من سيفجر ويكفر فالوجه ارتفاعهم عن وجه الارض والعلم لك فوصفهم بما يصيرون اليه بعد البلوغ فهو من مجاز الاول وكأنه اعتذار مما عسى رد عليه من ان الدعاء بالاستئصال مع احتمال ان يكون من اخلافهم من يؤمن منكر وانما قاله بالوحى لقوله تعالى فى سورة هود واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فان قلت هذا اذا كان دعاء نوح متأخرا عن وحى تلك الآية وذلك غير معلوم قلت الظاهر ان مثل هذا الدعاء انما يكون فى الاواخر بعد ظهور امارات النكال قال بعضهم لا يلد الحية الا الحية وذلك فى الاغلب ومن هناك قيل اذا طاب اصل المرء طابت فروعه ونحوه الولد سر أبيه قال بعضهم فى توجيهه ان الولد اذا كبر انما يتعلم من اوصاف أبيه او يسرق من طباعه بل قد يصحب المرء رجلا فيسرق من طباعه فى الخير والشر. يقول الفقير معناه فيه ما فيه اى من الجمال والجلال فقد يكون الجمال الظاهر فى الأب باطنا فى الابن كما كان فى قابيل بن آدم حيث ظهر فيه ما بطن فى أبيه من الجلال وكان الامر بالعكس فى هابيل بن آدم وكذا الامر الى يوم القيامة فى الموافقة والمخالفة وقال بعض الكبار اعتذار نوح يوم القيامة عند طلب الخلق الشفاعة منه بدعوته على قومه انما هو لما فيها من قوله ولا يلدوا الا فاجرا كفارا لا نفس دعائه عليه من حيث كونه دعاء انتهى اشار الى ان دعاء نوح كان بالامارات حيث جربهم قريبا من ألف سنة فلم يظهر منهم الا الكفر والفجور ولو كان بالوحى لما اعتذار كما قال القاشانى مل من دعوة قومه وضجر واستولى عليه الغضب ودعا ربه لتدمير قومه وقهرهم وحكم بظاهر الحال ان المحجوب الذى غلب عليه الكفر لا يلد الا مثله فان النطفة التى تنشأ منها النفس الخبيثة المحجوبة وتتربى بهيئتها المظلمة لا تقبل الا مثلها كالبذر الذى لا ينبت الا من صنفه وسبخه وغفل عن ان الولد سر أبيه اى حاله الغالبة على الباطن فربما كان الكافر باقى الاستعداد صافى الفطرة نقى الاصل بحسب الاستعداد الفطرى وقد استولى على ظاهره العادة ودين آبائه وقومه الذين نشأ بينهم فدان بدينهم ظاهرا وقد سلم باطنه فيلد المؤمن على حال النورية كولادة أبى ابراهيم عليه السلام فلا جرم تولد من تلك الهيئة الغضبية الظلمانية التى غلبت على باطنه وحجبته فى تلك الحالة عما قال مادة ابنه كنعان وكان عقوبة لذنب حاله انتهى ويدل على ما ذكر من ان دعاءه اليس مبنيا على الوحى ما ثبت ان النبى عليه السلام شبه رضى الله عنه فى الشدة بنوح وأبا بكر رضى الله عنه فى اللين بابراهيم قال بعض العارفين فى قوله تعالى وما ارسلناك الا رحمة للعالمين فى هذه الآية عتاب لطيف فانها نزلت حين مكث يدعو على قوم شهرا مع ان سبب ذلك الدعاء انما هو الغيرة على جناب الله تعالى وما يستحقه من الطاعة ومعنى العتاب انى ما ارسلتك سبابا ولا لعانا وانما بعثنك رحمة اى لترحم مثل هؤلاء الذين دعوت عليهم كأنه يقول لو كان بدل دعائك عليهم الدعاء لهم لكان خيرا فانك اذا دعوتنى لهم ربما اجبت دعاءك فوفقتهم لطاعتى فترى سرور عينك وقرتها فى طاعتهم لى واذا لعنتهم ودعوت عليهم واجبت دعاءك فيهم لم يكن من كرمى ان آخذهم الا بزيادة طغيانهم وكثرة فسادهم فى الارض وكل ذلك انما كان بدعائك عليهم فكأنك امرتهم بالزيادة فى الطغيان الذى اخذناهم به فتنبه رسول الله عليه السلام لما ادبه به ربه فقال ان الله ادبنى فأحسن تأديبى ثم صار يقول بعد ذلك اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وقام ليلة كاملة الى الصباح بقوله تعالى ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم لا يزيد عليها فأين هذا من دعائه قبل ذلك على رعل وذكوان وعصية وعلى صناديد قريش اللهم عليك بفلان اللهم عليك بفلان فاعلم ذلك فاقتد بنبيك فى ذلك والله يتولى هداك وقال بعض اهل المعرفة نوح جون از قوم خود برنجيد بهلاك ايشان دعا كرد ومصطفى عليه السلام جون از قوم برنجيد بشفقت كفت اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون. واعلم انه لا يجوز ان يدعى على كافر معين لانا لا نعلم خاتمته ويجوز على الكفار والفجار مطلقا وقد دعا عليه السلام على من تحزب على المؤمنين وهذا هو الاصل فى الدعاء على الكافرين.

نوح 71:28

{ رب اغفر لى } ذنوبى وهى ما صدر منه من ترك الاولى { ولوالدى } ذنوبهما ابو ملك بن متوشلخ على وزن الفاعل كمتد حرج او هو بضم الميم والتاء المشددة المضمومة وفتح الشين المعجمة وسكون اللام وروى بعضهم الفتح فى الميم وامه سمخا بنت انوش كانا مؤمنين قال ابن عباس رضى الله عنه لم يكفر لنوح أب ما بينه وبين آدم وفى اشراق التواريخ امه قسوس بنت كابيل وفى كشف الاسرار هيجل بنت لاموس ابن متوشلخ بنت عمه وكانا مسلمين على ملة ادريس عليه السلام وقيل المراد بوالديه آدم وحوآء عليهما السلام { ولمن دخل بيتى } اى منزلى وقيل مسجدى فانه بيت اهل الله وان كان بيت الله من وجه وقيل سفينتى فانها كالبيت فى حرز الحوآئج وحفظ النفوس عن الحر والبرد وغيرهما { مؤمنا } حال كون الداخل مؤمنا وبهذا القيد خرجت امرأته واعلة وابنه كنعان ولكن لم يجزم عليه السلام بخروجه الا بعد ما قيل له انه ليس من اهلك { وللمؤمنين والمؤمنات } بى او من لدن آدم الى يوم القيامة. وكفته اندمراد ابن امت مرحومه اند. خص اولا من يتصل به نسبا ودينا لانهم اولى واحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات وفى الحديث " ما الميت فى القبر الا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب او أخ او صديق فاذا لحقته كانت أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الارض امثال الجبال وان هدية الاحياء الى الاموات الاستغفار لهم " { ولا تزد الظالمين الا تبارا } اى هلاكا وكسرا وبالفارسية مكرهلاكى بسختى. والتبردقاق الذهب قال فى الاول ولا نزد الظالمين الا ضلالا لانه وقع بعد قوله وقد أضلوا كثيرا وفى الثانى الاتبار الانه وقع بعد قوله لا تذر على الارض الخ فذكر فى كل مكان ما اقتضاه وما شاكل معناه والظاهر انه عليه السلام اراد بالكافرين والظالمين الذين كانوا موجودين فى زمانه. متمكنين فى الارض ما بين المشرق والمغرب فمسئوله ان يهلكهم الله فاستجيب دعاؤه فعمهم الطوفان بالغرق وما نقل عن بعض المنجمين من انه أراد جزيرة العرب فوقع الطوفان عليهم دون غيرهم من الآفاق مخالف لظاهر الكلام وتفسير العلماء وقول اصحاب التواريخ بأن الناس بعد الطوفان توالدوا وتناسلوا وانتشروا فى الاطراف مغاربها ومشارقها من اهل السفينة دل الكلام على الظالم اذا ظهر ظلمه وأصر عليه ولم ينفعه النصح استحق ان يدعى عليه وعلى اعوانه وانصاره قيل غرق معهم صبيانهم ايضا لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وامهاتهم بارآء هلاك اطفالهم الذين كانوا اعز عليهم من انفسهم قال عليه السلام يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى وعن الحسن انه سئل عن ذلك فقال علم الله برآءتهم فأهلكهم بغير عذاب وكم من الصبيان من يموت بالغرق والحرق وسائر اسباب الهلاك وقبل اعقم الله ارحام نسائهم وايبس اصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين او سبعين سنة فلم يكن معهم صبى ولا مجنون حين غرقوا لان الله تعالى قال وقوم نوح لما كذبوا الرسل اغرقناهم ولم يوجد التكذيب من الاطفال والمجانين وفى الاسئلة المقحمة ولو أهلك الاطفال بغير ذنب منهم ماذا يضر فى الربوبية أليس الله يقول قل فمن يملك من الله شيأ ان أراد أن يهلك المسيح بن مريم وامه ومن فى الارض جميعا يقول الفقير الظاهر هلاك الصبيان مع الآباء والامهات لان نوحا عليه السلام ألحقهم بهم حيث قال ولا يلدوا الا فاجرا كفارا اذ من سيفجر ويكفر فى حكم الفاجر والكافر فلذلك دعا على الكفار مطلقا عموما بالهلاك لاستحقاق بعضهم له بالاصالة وبعضهم بالتبعية ودعا للمؤمنين والمؤمنات عموما وخصوصا بالنجاة لان المغفور ناج لا محالة وروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه كان اذا قرأ القرءآن بالليل فمر بآية يقول لى يا عكرمة ذكرنى هذه الآية غدا فقرأ ذات ليلة هذه الآية اى رب اغفر لى الخ فقال يا عكرمة ذكرنى هذه غدا فذكرتها له فقال ان نوحا دعا بهلاك الكافرين ودعا للمؤمنين بالمغفرة وقد اسجتيب دعاؤه على الكافرين فاهلكوا وكذلك استجيب دعاؤه فى المؤمنين فيغفر الله للمؤمنين والمؤمنات بدعائه. ورد عن بعض الصحاب رضى الله عنهم انه قال نجاة المؤمنين بثلاثة اشياء بدعاء نوح وبدعاء اسحق وبشفاعة محمد عليه السلام يعنى المذنبين وفى التأيلات النجمية رب اغفر لى ولوالدى من العقل الكلى والنفس الكلى ولمن دخل بيتى مؤمنا من الروح والقلب وللمؤمنين من القوى الروحانية والمؤمنات من النفوس الداخلة تحت نور الروح والقلب بسبب نور الايمان ولا تزد الظالمين النفس الكافرة والهوى الظالم الا تبارا هلاكا بالكلية بالفناء فى الروح والقلب وعلى هذا التأويل يكون دعاء لهم لا دعاء عليهم انتهى وقال القاشانى رب اغفر لى اى استرنى بنورك بالفناء فى التوحيد ولروحى ولنفسى اللذين هما أبوا لقلقت ولمن دخل بيتى اى مقامى فى حضرة القدس مؤمنا بالتوحيد لعلمى اولا رواح الذين آمنوا ونفوسهم فبلغهم الى مقام الفناء فى التوحيد ولا تزد الظالمين الذين نقصوا حظهم بالاحتجاب بظلمة نفوسهم عن عالم النور الا تبارا اهلاكا بالغرق فى بحر الهيولى وشدة الاحتجاب انتهى فيكون دعاء عليهم كما لا يخفى. تمت سورة نوح بعون من بيده الفتوح يوم الاربعاء الرابع والعشرين من شوال من سنة ست عشرة ومائة والف.

الجن 72:1

{ قل } يا محمد لقومك { اوحى الى } اى ألقى على بطريق الوحى واخبرت باعلام من الله تعالى والايحاء اعلام فى خفاء وفائدة اخباره بهذه الاخبار بيان انه رسول الثقلين والنهى عن الشرك والحث على التوحيد فان مع تمردهم وعدم مجانستهم اذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم. { استمع } اى القرءآن اوطه او اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه والاستماع بالفارسية نيوشيدن. والمستمع من كان قاصدا للسماع مصغيا اليه والسامع من اتفق سماعه من غير قصد اليه فكل مستمع سامع من غير عكس { نفر من الجن } جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة وبالفارسية كروهى كه ازده كتر وازسه بيشتر بودند. قال فى القاموس النفر ما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع انفار وفى المفردات النفر عدة رجال يمكنهم النفر الى الحرب بالفارسية بيرون شدن. والجن واحده جنى كروم ورومى ونحوه قال ابن عباس رضى الله عنهما انطلق رسول الله عليه السلام فى طائفة من اصحابه الى سوق عكاظ فأدركهم وقت صلاة الفجر وهم بنخلة فأخذ هو عليه السلام يصلى باصحابه صلاة الفجر فمر عليهم نفر من الجن وهم فى الصلاة فلما سمعوا القرءآن استمعوا له وفيه دليل على انه عليه السلام ولم ير الجن حينئذ اذ لو رآهم لما اسند معرفة هذه الواقعة الى الوحى فان ما عرف بالمشاهدة لا يستند اثباته الى الوحى وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قرآءته فسمعوها فأخبره الله بذلك وقد مضى ما فيه من التفصيل فى سورة الاحقاف لا نعيده والجن اجسام رقاق فى صورة تخالف صورة الملك والانس عاقلة كالانس خفية عن ابصارهم لا يظهرون لهم ولا يكلمونهم الا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية او الهوآئية ويدل على الاول مثل قوله تعالى وخلق الجان من مارج من نار فان المشهور ان المركابت كلها من العناصر فما يغلب فيه النار فنارى كالجن وما يغلب فيه الهوآء فهوآئى كالطير وما يغلب فيه الماء فمائى كالسمك وما يغلب فيه التراب فترابى كالانسان وسائر الحيوانات الارضية واكثر الفاسفة ينكرون وجود الجن فى الخارج واعترف به جمع عظيم من قدمائهم وكذا جمهور أرباب الملل المصدقين بالانبياء قال القاشانى ان فى الوجود نفوسا ارضية قوية لا فى غلظ النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة ادراكها ولا على هيئات النفوس الانسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالاجرام الكثيفة الغالب عليها الارضية ولا فى صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوى وتتجرد او تتعلق ببعض الاجرام السماوية متعلقة باجرام عنصرية لطيفة غلبت عليهم الهوآئية او النارية او الدخانية على اختلاف احوالها سماها بعض الحكماء الصور المعلقة ولها علوم وادراكات من جنس علومنا وادرركاتنا ولما كانت قريبة بالطبع الى الملكوت السماوى امكنها ان تتلقى من عالمها بعض الغيب فلا يستبعد أن ترتقى افق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة اى النفوس المجردة ولما كانت ارضية ضعيفة بالنسبة الى القوى السماوية تأثرت تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وادراك مداها من العلوم ولا ينكر أن تشتعل اجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك او تنزجر عن الارتقاء الى الافق السماوى فتتسفل فانها امور ليست بخرجة عن الامكان وقد اخبر عنها اهل الكشف والعيان الصادقون من الانبياء والاولياء خصوصا اكملهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهى فى الوجود الانسانى لاستتارها فىغيب الباطن { فقالوا } لقومهم عند رجوعهم اليهم { انا سمعنا قرءآنا } اى كتابا مقروأ على لسان الرسول { عجبا } مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة والعجيب ما خرج عن حد اشكاله ونظائره والمعنى بدعيا مباينا لكلام الناس فى حسن النظم ودقة المعنى وقال البقلى كتابا عجيبا تركبه وفيه اشارة الى انهم كانوا من اهل اللسان قال عيزار بن حريث كنت عند عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فأتاه رجل فقال له كنا فى سفر فاذا نحن بحية جريحة تتشحط فى دمها اى تضطرب فان الشحط بالحاء المهملة لاضطراب فى الدم فقطع رجل منا قطعة من عمامته فلفها فيها فدفنها فلما امسينا ونزلنا أتانا امرأتان من احسن نساء الجن فقالتا ايكم صاحب عمر واى الحية التى دفنتموها فأشرنا لهما الى صاحبهما فقالتا انه كان آخر من بقى من استمع القرءآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين كافرى الجن ومسلميهم قتال فقتل فيهم فان كنتم اردتم به الدنيا ثوبناكم اى عوضناكم فقلنا لا انما فعلنا ذلك لله فقالتا احسنتم وذهبتا يقال اسم الذى لف الحيه صفوان بن معطل المرادى صاحب قصة الافك والجنى عمرو بن خابر رحمه الله.

الجن 72:2

{ يهدى الى الرشد } الى الحق والصواب وصلاح الدين والدنيا كما قال عليه السلام اللهم ألهمنى رشدى اى الاهتدآء الى مصالح الدين الدنيا فيدخل فيه التوحيد والتنزيه وحقيقة الرشد هو الوصول الى الله تعالى قال بعضهم الرشد كالقفل خلاف الغى يقال فى الامور الدنيوية والاخروية والرشد كالذهب يقال فى الامور الاخروية فقط { فآمنا به } اى بذلك القرءآن ومن ضرورة الايمان به الايمان بمن جاء به ولذا قال بعضهم داخل اندر دعوت اوجن وانس تاقيامت امتش هر نوع وجنس اوست سلطان وطفيل اوهمه اوست شاهنشاه وخيل اوهمه { ولن نشرك } بعد اليوم البتة اى بعد علمنا الحق { بربنا احدا } حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد اى لا نجعل احدا من الموجودات شريكا له اعتقادنا ولا نعبد غيره فان تمام الايمان انما يكون بالبرآءة من الشرك والكفر كما قال ابراهيم عليه السلام انى بريئ مما تشركون فلكونه قرءآنا معجزا بديعا موجب الايمان به ولكونه يهدى الى الرشد موجب قطع الشرك من اصله والدخول فى دين الله كله فمجموع قوله فآمنا به ولن نشرك بربنا احدا مسبب عن مجموع قوله انا سمعنا قرءآنا عجبا يهدى الى الرشد ولذا عطف ولن نشرك بالواو مع ان الظاهر الفاء.

الجن 72:3

{ وانه تعالى جد ربنا } بالفتح وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بأن فى احد عشر موضعا عطف على انه استمع فيكون من جملة الكلام الموحى به على ان الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل اوحى الى كيت وكيت وهذه العبارات فاندفع ما قيل من انك لوعطفت وانا ظننا وانا سمعنا وانه كان رجال وانا لمسنا وشبه ذلك على أنه استمع لم يجز لانه ليس مما اوحى اليه وانما هو امر اخبروا به عن انفسهم انتهى ومن قرأ بالكسر عطف على المحكى بعد القول وهو الاظهر لوضوح اندراج الكل تحت القول وقيل فى الفتح والكسر غير ذلك والاقرب ما قلناه والمعنى وان الشأن ارتفع عظمة ربنا كما تقول فى الثناء وتعالى جدك اى ارتفع عظمتك وفى اسناد التعالى الى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم جد فلان فى غنى اى عظم تمكنه او سلطانه لان الملك والسلطنة غاية العظمة او غناه على انه مستعار من الجد الذى هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سوآء استعمل بمعنى الملك والسلطان او بمعنى الغنى فان الجد فى اللغة كما يكون بمعنى العظمة وبمعنى أب الاب وأب الام يكون بمعنى الحظ والبخت يقال رجل مجدود اى محظوظ شبه سلطان الله وغناء الذاتيان الازليان ببخت الملوك والاغنياء فأطلق اسم الجد عليه استعارة { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } بيان لحكم تعالى جده كأنه قيل ما الذى تعالى عنه فقيل ما اتخذ أى لم يختر لنفسه لكمال تعاليه زوجة ولا بنتا كما يقول الظالمون وذلك انهم لما سمعوا القرءآن ووفقوا للتوحيد والايمان تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه فى اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه لعظمته ولسلطانه او لغناه فان الصاحبة تتخذ للحاجة اليها والولد للتكثير وابقاء النسل بعد فوته وهذه من لوازم الامكان والحدوث وايضا هو خارج عن دآئرة التصور والادراك فكيف يكيفه احد فيدخل تحت جنس حتى يتخذ صاحبة من صنف تحته او ولدا من نوع يماثله وقد قالت النصارى ايضا المسيح ابن الله واليهود عزيرا ابن الله وبعض مشركى العرب الملائكة بنات الله ويلزم من كون المسيح ابن الله على ما زعموا ان تكون مريم صاحبة له ولذا ذكر الصحابة يعنى ان الولد يقتضى الام التى هى صاحبة الاب الوالد واشار بالصحابة الى النفس وبالولد الى القلب فيكون الروح كالزوج والاب لهما وهو فى الحقيقة مجرد عن كل علاقة وانما تعلق بالبدن لتظهر قدرة الله وايضا ليستكمل ذاته من جهة الصفات.

الجن 72:4

{ وانه } اى الشأن { كان يقول سفيهنا } اى جاهلنا هو ابليس او مردة الجن فقوله سفيهنا للجنس والظاهر ان يكون ابليس من الجن كما قال تعالى كان من الجن ففسق عن امر ربه والسفه خفة الحلم ونقيضه او الجهال كما فى القاموس وقال الراغب السفه خفة فى البدن واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل وفى الامور الدنيوية والاخروية والمراد به فى الآية هو السفه فى الدين الذى هو السفه الاخروى كذا فى المفردات { على الله } متعلق بيقول اورد على لان ما قالوه عليه تعالى لا له { شططا } هو مجاوزة الحد فى الظلم وغيره وفى المفردات الافراط فى البعد اى قولا ذا شطط اى بعد عن القصد ومجاوزة الحد أو هو شطط فى نفسه لفرط بعده عن الحق فوصف بالمصدر للمبالغة والمراد الصاحبة والولد اليه تعالى وفى الآية اشارة الى ان العالم الغير العامل فى حكم الجاهل فان ابليس كان من اهل العلم فلما لم يعمل بمقتضى علمه جعل سفيها جاهلا لا يجوز التقليد له فالاتباع للجاهل ومن فى حكمه اتباع للشيطان والشيطان يدعو الى النار لانه خلق منها.

الجن 72:5

{ وانا ظننا ان } مخففة من الثقيلة اى ان الشان { لن تقول الانس والجن على الله كذبا } اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم اى كنا نظن ان الشان والحديث لن يكذب على الله احد ابدا ولذلك اتبعنا قوله وصدقناه فى ان لله صاحبة وولدا فلما سمعنا القرءآن وتبين لنا الحق بسببه علمنا انهم قد يكذبون عليه تعالى وكذا مصدر مؤكد لتقول لانه نوع من القول واشار بالانس الى القوى الروحانية والجن الى القوى الطبيعية وقال القاشانى انس الحواس الظاهرة وجن القوى الباطنة فتوهمنا ان البصر يدرك شكله ولونه والاذن تسمع صوته والوهم والخيال يتوهمه ويتخيله حقا مطابقا لما هو عليه قبل الاهتدآه والتنور بنور الروح فلعمنا من طريق الوحى الوارد على القلب بواسطة روح القدس ان لسنا فى شئ من ادراكه فليس له شكل ولا لون ولا صوت ولا هو داخل فى الوهم والخيال وليس كلام الله من جنس الكلام المصنوع المتلقف بالفكر والتخيل والمستنتج من القياسات العقلية او المقدمات الوهمية والتخيلية فليس الله من قبيل المخلوق جنسا او نوعا او صنفا او شخصا فكيف يكون له صاحبة وولد.

الجن 72:6

{ وانه } اى وان الشان { كان } فى الجاهلية { رجال } كائنون { من الانس } خبر كان قوله { يعوذون } العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به { برجال من الجن } فيه دلالة ان للجن نساء كالانس لان لهم رجالا ولذا قيل فى حقهم انهم يتوالدون لكنهم ليسوا بمنظرين كابليس وذريته قال اهل التفسير كان الرجل من العرب اذا امسى فى واد قفر فى بعض مسايره وخاف على نفسه يقول اعوذ بسيد هذا الوادى من شر سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت فى امن وجوار حتى يصبح فاذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الانس والجن وذلك قوله تعالى { فزادوهم } عطف على يعوذون والماضى للتحقق اى فزاد الرجال العائذون الانسيون الجن { رهقا } مفعول ثان لزاد اى تكبرا وعتوا وسفها فان الرهق محركة يجيئ على معان منها السفه وركوب الشر والظلم قال فى آكام المرجان وبهذا يجيبون المعزم والراقى باسمائهم واسماء ملوكهم فانه يقسم عليهم باسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الانس ما يحملهم على ان يعطوهم بعض سؤالهم وهم يعلمون ان الانس أشرف منهم واعظم قدرا فاذا خضعت الانس لهم واستعاذت بهم كان بمنزلة اكابر الناس اذا خضع لهم أصغرهم يقضون لهم حاجاتهم او المعنى فزاد الجن العائذين غيا بأن اضلوهم حتى استعاذوا بهم واذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا ان ذلك من الجن فازدادوا رغبة فى طاعة الشياطين وقبول وساوسهم والفاء حينئذ لترتيب الاخبار واسناد الزيادة الى الانس والجن باعتبار السببية وروى عن كردم بن ابى السائب الانصارى رضى الله عنه انه قال خرجت مع أبى الى المدينة فى حاجة وذلك اول ما ذكر النبى عليه السلام بمكة فأدانى المبيت الى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعى يا عامر الوادى جارك فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان ارسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل فى الغنم ولم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله بمكة وانه كان رجال الخ قال مقاتل كان اول من تعوذ بالجن قوم من اهل اليمن ثم من حنيفة ثم فشا ذلك فى العرب فلما جاء الاسلام عوذوا بالله وتركوهم وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه انه قال اذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل اعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد انتهى أشار بذلك الى ما رواه البيهقى فى الشعب ان دانيال طرح فى الجب وألقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص اليه فأتاه رسول فقال يا دانيال فقال من انت قال أنا رسول ربك اليك أرسلنى اليك بطعام فقال الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره وروى ابن ابى الدنيا ان بخت نصر ضرى اسدين وألقاهما فى جب وجاء بدانيان فألقاه عليهما فلم يضراه وذكر قصته فلما ابتلى دانيال بالسباع جعل الله الاستعاذة به فى ذلك تمنع الشر الذى لا يستطاع كما فى حياة الحيوان فعلم من ذلك ان الاستعاذة بغير الله مشروعة فى الجملة لكن بشرط التوحيد واعتقاد التأثير من الله تعالى قال القاشانى فى الآية اى تستند القوى الظاهرة الى القوى الباطنة وتتقوى بها فزاوهم غشيان المحارم واتيان المناهى بالدواعى الوهمية والنوازع الشهوية والغضبية والخواطر النفسانية.

الجن 72:7

{ وانهم } اى الانس { ظنوا كما ظننتم } ايها الجن على انه كلام مؤمنى الجن للكفار حين رجعوا الى قومهم منذرين فكذوهم او الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة على انه كلام الله تعالى { ان لن يبعث الله احدا } ان هى المخففة والجملة سادة مسد مفعولى ظنوا واعمل الاول على ما هو مذهب الكوفيين لان ما فى كما ظننتم مصدرية فكان الفعل بعدها فى تأويل المصدر والفعل أقوى من المصدر فى العمل والظاهر ان المراد بعثة الرسالة اى لن يبعث الله أحدا بالرسالة بعد عيسى او بعد موسى يقيم به الحجة على الخلق ثم انه بعث اليهم محمدا عليه السلام خاتم النبيين فآمنوا فافعلوا أنتم يا معشر الجن مثل ما فعل الانس وقيل بعد القيامة اى لن يبعث الله احدا بعد الموت للحساب والجزآء. يقول الفقير فيه اشارة الى أهل الغفلة من الانس والجن فانهم يظنون بالله ظن السوء ويقولون ان الله لا يبعث احدا من نوم الغفلة بل يبقيه على حاله من الاستغراق فى اللذات والانهماك فى الشهوات ولا يدرون ان الله تعالى يبعث من فى القبور مطلقا ويحيى اجسادهم وقلوبهم وارواحهم بالحياة الباقية لان اهل النوم لانقطاع شعورهم لا يعرفون حال اهل اليقظة وفيه اثبات العجز لله تعالى والله على كل شئ قدير.

الجن 72:8

{ وانا لمسنا السماء } اى طلبنا بلوغ السماء لاستماع ما يقول الملائكة من الحدوث او خبرها للافشاء بين الكهنة واللمس مستعار من المس للطلب شبه الطلب بالمس واللمس باليد فى كون كل واحد منهما وسيلة الى تعرف حالةالشئ فعبر عنه بالمس واللمس قال الراغب اللمس ادراك بظاهر البشرة كالمس ويعبر به عن الطلب قال فى كشف الاسرار ومنه الحديث الذى ورد ان رجلا قال لرسول الله عليه السلام ان امرأتى لا تدع عنها يدلامس اى لا ترد يد طالب حاجة صفرا يشكوا تضييعها ماله { فوجدناها ملئت حرسا } اى حراسا وحفظه وهم الملائكة يمنعونهم عنها اسم جمع لحارس بمعنى حافظ كخدم لخادم مفرد اللفظ ولذلك قيل { شديدا } اى قويا ولو كان جمعا لقيل شدادا وقوله ملئت حرسا حال من مفعول وجدناها ان كان وجدنا بمعنى اصبنا وصادفنا ومفعول ثان ان كان من افعال القلوب اى فعلمناها مملوءة وحرسا تمييز { وشهبا } عطف على حرسا وحكمه فى الاعراب حكمه جمع شهاب وهى الشعلة المقتبسة من نار الكواكب هكذا قالوا وقد مر تحقيقه.

الجن 72:9

{ وانا كنا نقعد } قبل هذا { منها } اى من السماء { مقاعد للسمع } خالية عن الحرس والشهب يحصل منها مقاصدنا من استماع الاخبار للالقاء الى الكهنة او صالحة للترصد والاستماع وللسمع متعلق بنقعد اى على الوجه الاول اى لاجل السمع او بمضمر هو صفة لمقاعد اى على الثانى اى مقاعد كائنة للسمع وفى كشف الاسرار اى مواضع لاستماع الاخبار من السماء وكان لكل حى من الجن باب فى السماء يستمعون فيه ومن احاديث البخارى عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الملائكة تنزل فى العنان وهو بالفتح السحاب فتذكر الامر الذى قضى فى السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه الى الكهان فيكذبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم. يقول الفقير وجه التوفيق بين الاستراق من السماء ومن السحاب ان الملائكة مرة ينزلون فى العنان فيتحدثون هناك واخرى يتذاكرون فى السماء ولا منع من عروج الشياطين الى السماء فى مدة قليلة للطافة اجسامهم وحيث كانت نارية او هوآئية او دخانية لا يتأثرون من النار او هوآئية حين المرور بكرتهما ولو سلم فعروجهم من قبيل الاستدراج ولله فى كل شئ حكمة واسرار { فمن } شرطية { يستمع الآن } فى مقعد من المقاعد ويطلب الاستماع والآن اى فى هذا الزمان وبعد المبعث وفى اللباب ظرف حالى استعير للاستقبال { يجد له } جواب الشرط والضمير لمن اى يجد لنفسه { شهابا رصدا } الرصد الاستعداد للترقب اى شهابا راصدا له ولاجله يصده عن الاستماع بالرجم او ذوى شهاب راصدين له ليرجموه بما معهم من الشهب على انه اسم مفرد فى معنى الجمع كالحرس فيكون المراد بالشهاب الملائكة بتقدير المضاف ويجوز نصب رصدا على المفعول له وفى الآية اشارة الى طلب القوى الطبيعية أن تدخل سماء القلب فوجدتها محفوفة بحراس الخواطر الملكية والرحمانية يحرسونها عن طرق الخواطر النفسانية والشيطانية بشهاب نار نور القلب المنور بنور الرب وكان الشهاب والرجم قبل البعثة النبوية لكن كثر بعدها وزاد زيادة بينة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق اصلا لئلا يلتبس على الناس اقوال الرسول المستندة الى الوحى الالهى باقوال الكهنة المأخوذة من الشياطين مما استرقوا من اقوال اهل السماء ويدل على ما ذكر قوله تعالى فوجدناها ملئت حرسا شديدا فانه يدل على ان الحادث هو الكمال والكثرة اى زيدت حرسا وشهبا حتى امتلأت بها وقوله تعالى وانا كنا نقعد منها مقاعد اى كنا نجد فيهما بعض المقاعد خالية عن الحرس والشهب والآن قد ملئت المقاعد كلها فلما رأى الجن ذلك قالوا ما هذا الا لامر اراده الله بأهل الارض وذلك قولهم.

الجن 72:10

{ وانا لا ندرى أشر أريد بمن فى الارض } بحراسة السماء منا { ام أراد بهم ربهم رشدا } اى خيرا واصلاحا اوفق لمصالحهم والاستفهام لاظهار العجز عن الاطلاع على الحكمة قال بعضهم لعل التردد بينهما مخصص بالاستفهام وأن يكون فاعل فعل مضمر مفسر بما بعده بمعنى لا ندرى اريد شر ام خير ورجحوه للموافقة بين المعطوفين فى كونهما جملة فعليه والباء فى الموضعين متعلقة بما قبلها والجملة الاستفهامية قائمة مقام المفعول ونسبة الخير الى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرءآنية كما فى قوله تعالى واذا مرضت فهو يشفين ونظائره قال صاحب الانتصاب ومن عقائد الجن ان الهدى والضلال جميعا من خلق الله تعالى فتأدبوا من نسبة الرشاد اليه وجعلوا الشر مضمر الفاعل فجمعوا بين حسن الاعتقاد والأدب.

الجن 72:11

{ وانا منا الصالحون } اى الموصوفون بصلاح الحال فى شأن أنفسهم وفى معاملتهم مع غيرهم او ما يكون الى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا الى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة والقصر ادعائى كأنهم لم يعتدوا بصلاح غير ذلك البعض فالصالحون مبتدأ وما خبره المقدم والجملة خبر ان ويجوز أن يكون الصالحون فاعل الجاروالمجرور الجارى مجرى الظرف لاعتماده على المبتدأ { ومنا دون ذلك } اى قوم دون ذلك فى الصلاح فحذف الموصوف لانه يجوز حذف هذا الموصوف فى التفصيل بمن حتى قالوا منا ظعن ومنا اقام يريدون منا فريق ظعن ومنا فريق أقام ودون ظرف وهم المقتصدون فى صلاح الحال على الوجه المذكور غير الكاملين فيه لا فى الايمان والتقوى كما توهم فان هذا بيان لحالهم قبل استماع القرءآن كمايعرب به عنه قوله تعالى { كنا طرآئق قددا } واما حالهم بعد استماعه فسيحكى بقوله وانا لما سمعنا الهدى الى قوله وانا منا المسلمون اى كنا قبل هذا طرآئق فى اختلاف الاحوال فهو بيان للقسمة المذكورة وقدر المضاف لامتناع كون الذوات طرآئق قالوا فى الجن قدرية ومرجئة وخوارج وروافض وشيعية وسنية قال فى المفردات جمع الطريق طرق وجمع الطرق طرآئق والظاهر أن الطرآئق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة ثم قال وقوله تعالى كنا طرآئق قددا اشارة الى اختلافهم فى درجاته كقوله هم درجات والطريق الذى يطرق بالارجل اى يضرب ومنه استعير كل مسلك يسلكه الانسان فى فعل محمودا كان او مذموما وقيل طرقة من النخل تشبيها بالطريق فى الامتداد والقد قطع الشئ طولا والقد المقدود ومنه قيل لقامة الانسان قد كقولك تقطيعه والقدرة كالقطعة يعنى انها من القد كالقطعة من القطع وصفت الطرآئق بالقدد دلالتها على معنى التقطع والتفرق وفى القاموس القدة الفرقة من الناس هوى كل واحد على حدة ومنه كنا طرآئق قددا اى فرقا مختلفة اهوآؤها وقد تعددوا قال القاشانى وانا منا الصالحون كالقوى المدبرة لنظام المعاش وصلاح البدن ومنادون ذلك من المفسدات كالوهم والغضب والشهوة والمعاملة بمقتضى هوى النفس والمتوسطات كالقوى النباتية الطبيعية كنا ذوى مذاهب مختلفة لكل طريق ووجهة مما عينه الله ووكله به قال بعض المفسرين المراد بالصالحين السابقون بالخيرات وبما دون ذلك اى أدنى مكان منهم المقتصدون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واما الظالمون لانفسهم فمندرج فى قوله تعالى { كنا طرآئق قددا } فيكون تعميما بعد تخصيص على الاستئناف ويحتمل أن يكون دون بمعنى غير فيندرج القسمان الاخيران فيه.

الجن 72:12

{ وانا ظننا } اى علمنا الآن بالاستدلال والتفكر فى آيات الله فالظن هنا بمعنى اليقين لان الايمان لا يحصل بالظن ولان مقصودهم تغريب اصحابهم وترهيبهم وذا العلم لا بالظن كما قال عليه السلام انا النذير العريان { ان } اى ان الشان { لن نعجز الله } عن امضاء ما اراد بنا كائنين { فى الارض } اينما كنا من اقطارها فقوله فى الارض حال من فاعل نعجز والاعجاز عاجز كردن { ولن نعجزه هربا } قوله هربا حال من فاعل لن نعجز اى هاربين من الارض الى السماء والى الجار والى جبل قاف او لن نعجزه فى الارض ان أراد بنا أمرا ولن نعجزه هرن ان طلبنا فالقرار من موضع الى موضع وعدمه سيان فأن شيأ منهما لا يفيد فواتنا منه ولعل الفائدة فى ذكر الارض حينئذ الاشارة الى انها مع سعتها وانبساطها ليست منجى منه تعالى ولا مهربا.

الجن 72:13

{ وانا لما سمعنا الهدى } اى القرءآن الذى يهدى للتى هى أقوم { آمنا به } من غير تأخير وتردد { فمن يؤمن بربه } وبما أنزله من الهدى { فلا يخاف } اى فهو لا يخاف فالكلام فى تقدير مبتدأ وخبر ولذلك دخلت الفاء لولا ذلك القيل لا يخف وفائدة رفع الفعل ووجوب ادخال الفاء انه دال على تحقيق ان المؤمن ناج لا محالة وانه المختص بذلك دون غيره { بخسا } اى نقصا فى الجزآء { ولا رهقا } ولا أن ترهقه ذلة وتغشاه او جزآء بخس ولا رهق اى ظلم اذ لم يبخس احدا حقا ولا رهق اى ظلم احدا فلا يخاف جزاء هما وفيه دلالة على ان من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم ومنه قوله عليه السلام " المؤمن من امنه الناس على انفسهم واموالهم " قال الواسطى رحمه الله حقيقة الايمان ما اوجب الامان فمن بقى فى مخاوف المرتابين لم يبلغ الى حقيقة الايمان.

الجن 72:14

{ وانا منا المسلمون } اى بعد استماع القرءآن { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق الذى هو الايمان والطاعة فالقاسط الجائر لانه عادل عن الحق والمقسط العادل لانه عادل الى الحق يقال قسط اذا جاروأقسط اذا عدل وقد غلب هذا الاسم اى القاسط على فرقة معاوية ومنه الحديث خطابا لعلى رضى الله عنه تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين فالناكثون اصحاب عائشة رضى الله عنها فانهم الذين نكثوا البيعة اى نقضوها واستنزلوا عائشة وساروا بها الى البصرة على جمل اسمه عسكر ولذا سميت الوقعة يوم الجمل والقاسطون اصحاب معاوية لانهم قسطوا اى جاروا حين حاربوا الامام الحق والواقعة تعرف بيوم صفين والمارقون الخوارج فانهم الذين مرقوا اى خرجوا من دين الله واستحلوا القتال مع خليفة رسول الله عليه السلام وهم عبد الله ابن وهب الراسى وحرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية وتعرف تلك الواقعة بيوم النهروان هى من ارض العراق على اربعة فراسخ من بغداد { فمن اسلم } بس هركه كردن نهاد امر خدايرا همجنانجه ما كرده ايم قال سعدى المفتى يجوز أن يكون من كلام الجن ويجوز أن يكون مخاطبة من الله لرسوله ما فيما بعده من الآيات { فاولئك } اشارة الى من اسلم والجمع باعتبار المعنى { تحروا } التحرى فى الاصل طلب الآحرى والاليق قولا او فعلا اى طلبوا وقصدوا { رشدا } يقال رشد كنصر وفرح رشد او رشدا رشادا اهتدى كما فى القاموس اى اهتدآء الى طريق الحق والصواب يبلغهم على دار الثواب فتحرى الرشد مجاز عن ذلك بعلاقة السببية وبالفارسية قصد كرده انداره راست وازان بمقصد خواهندرسيد. ودل على ان للجن ثوابا على اعمالهم لانه ذكر سبب الثواب وموجبه وقد سبق تحقيقه.

الجن 72:15

{ واما القاسطون } الجائرون عن سنن الهدى { فكانوا لجهنم حطبا } الحطب ما يعد للايقاد اى حطبا توقد بهم كما توقد بكفرة الانس روى ان الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول فى قال انك قاسط عادل فقال الحاضرون ما احسن ما قال حسبوا انه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهلة جعلنى جاهلا كافرا وتلا قوله تعالى { واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } وقوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون واسند بعضهم قول سعيد الى امرأة كما قال فى الصحاح ومنه قول تلك المرأة للحجاج انك قاسط عادل فيحتمل التوارد.

الجن 72:16

{ وان لو استقاموا } ان مخففة من الثقيلة والجملة معطوفة قطعا على انه استمع والمعنى واوحى الى ان الشان لو استقام الجن او الانس او كلاهما { على الطريقة } التى هى ملة الاسلام { لاسقيناهم ماء غدقا } الاسقاء والسقى بمعنى وقال الراغب السقى والسقيا هو أن تعطيه ماء ليشرب والاسقاء أن تجعل له ذلك له حتى يتناوله كيف شاء كما يقال اسقيته نهرا فالاسقاء ابلغ وغدق من باب علم اذا غزر وصف الماء به للمبالغة فى غزارته كرجل عدل وتخصيص الماء الكثير بالذكر لانه اصل السعة وان كان اصل المعاش هو اصل الماء لا كثرته ولعزة وجوده بين العرب قال عمر رضى الله عنه اينما كان الماء كان العشب واينما كان العشب كان المال واينما كان المال كانت الفتنة والمعنى لاعطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغدا ووسعنا على الرزق فى الدنيا وبالفارسية هرآيينه بدهيم ايشان را آب بسيار بعد ازنتل سالى يعنى روزى برايشان فراخ كردنيم. وفيه دلالة على ان الجن يأكلون ويشربون ولكن فيه تفصيل وقد سبق وقال بعض اهل المعرفة المراد بالاستقامة على الطريقة هو القيام على سبيل السنة والميل الى اهل الصلاح وبالاسقاء الافاضة على قلوبهم ماء الوداد.

الجن 72:17

{ لنفتنهم فيه } لنختبرهم فى ذلك الاسقاء والتوسيع كيف يشكرونه كما قال تعالى وبلوناهم بالحسنات او فى ذلك الماء والمآل واحد وقال الكاشفى ابيازماييم ايشانرادوآن زندكانى كه بوظائف شكر جكونه قيام نمايند. وفيه اشارة الى ان المرزوق بالرزق الروحانى والغذآء المعنوى يجب عليه القيام بشكره ايضا وذلك بوظائف الطاعات وصنوف العبادات وضروب الخدمات { ومن يعرض عن ذكر ربه } عن عبادته او عن موعظته او وحيه { يسلكه } يدخله { عذابا صعدا } اى شاقا صعبا يتصعد اى يعلو المعذب ويغلبه فلا يطيقه على انه مصدر وصف به للمبالغة يقال سلكت الخيط فى الابرة اذا ادخلته فيها اى يسلكه فى عذاب صعد كما قال ما سلككم فى سقر أى ادخلهم فيها فخذف الجار واوصل الفعل ثم ان كان اعراضه بعدم التصديق عذابه بالتأبيد والا فبقدر جريمته ان لم يغفر له وروى ان صعدا جبل فى النار اذا وضع عليه يديه او رجليه ذابتا واذا رفعهما عادتا وقال بعضهم صعدا جبل املس فى جهنم ويكلف الوليد ابن المغيرة صعوده اربعين عاما فيجذب من اعلاه بالسلاسل فاذا انتهى الى اعلاه انحدر الى اسفله ثم يكلف ثانيا وهكذا يعذب ابدا.

الجن 72:18

{ وان المساجد لله } عطف على قوله انه استمع اى واوحى الى ان المساجد مختصة بالله تعالى وبعبادته خصوصا المسجد الحرام ولذلك قيل بيت الله فالمراد بالمساجد المواضع التى بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها البيوت التى يبنيها اهل الملل للعبادة نحو الكنائس والبيع ومساجد المسلمين ثم هذا لا ينافى ان تضاف المساجد وتنسب الى غيره تعالى بوجه آخر اما لبانيها كمسجد رسول الله او لمكانها كمسجد بيت المقدس الى غيره ذلك من الاعتبارات واعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع ثم مساجد البيوت { فلا تدعوا } اى لا تعبدوا فيها الفاء للسببية { مع الله احدا } اى لا تجعلوا احدا غير الله شريكا لله فى العبادة فاذا كان الاشراك مذموما فكيف يكون حال تخصيص العبادة بالغير قال الكاشفى بس مخوانيد دران باخداى تعالى يكى راجنانجه يهود ونصارى در كنايس وصوامع خود عزبر ومسيح را بالوهيت ياد ميكنند وجنانكه مشركان در حوالئ بيت الحرام ميكويند لبنك لا شريك لك الا شريك هو لك تملكه وما ملك وكفته اندمراد ازين مساجد تمام روى زمينست كه مسجد حضرت سيد المرسلين است لقوله عليه السلام " جعلت لى الارض مسجدا وتربتها طهورا " بس در هيج بقعه با ياد خدا ياد ديكرى نيكوا نباشد دلرا بجزا زياد خدى شاد مكن بايادوى از كسى ديكر ياد مكن قال بعض العارفين انما تبرأ تعالى من الشريك لانه عدم والله وجود فتبرأ من العدم الذى لا يلحقه اذ هو واجب الوجود لذاته والله تعالى مع الخلق ما الخلق مع الله لانه تعالى يعلمهم وهم لا يعلمونه فهو تعالى معهم اينما كانوا فى طرفية امكنتهم وازمانهم واحوالهم ما الخلق معه تعالى فانهم لا يعرفونه حتى يكونوا معه ولو عرفوه من طريق الايمان كانوا كالاعمى يعلم انه جليس زيد ولكن لا يراه فهو كأنه يراه بخلاف اهل المشاهدة فانه ذو بصر الهى فمن دعاء الله مع الله ما هو كمن دعاء الخلق مع الله هذا معنى فلا تدعوا مع الله احدا ثم ان السجود وان كان لله لا يقع فى الحس أبدا الا لغير الله اى لجهة غير الله لان الله ليس بجهة بل هو بكل شئ محيط فما وقع من عبد سجود الا لغير الله لكن منه ما كان لغير الله عن امر الله كالسجود لآدم وهو مقبول ومنه ما كان عن غير امره كالسجود للاصنام وهو مردود وانما وضعت المساجد للتعظيم كما انه عينت القبلة للأدب يروى عن كعب انه قال انى لاجد فى التوراة ان الله تعالى يقول ان بيوتى فى الارض المساجد وان المسلم اذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زآئر الله وحق على المزور ان يكرم زآئره ومن هنا قالوا ان من دخل المسجد ينوى زيارة الله تعالى قال بعض اهل المعرفة ان مساجد القلوب لزوار تجلية فلا ينبغى ان يكون فيها ذكر غير الله قال بعضهم ان مساجد القلوب الصافية عن القاذورات مختصة بالله تعالى وبالتجليات الذاتية والصفاتية والاسمائية فلا تدعوا مع الله احدا من الاسماء الجزئية اى طهروا مساجد قلوبكم لتجلى اسم الله الاعظم فيها لا غير وقال ابن عطاء مساجدك اعضاؤك التى امرت ان تسجد عليها لا تخضعها ولا تذللها لغير خالقها وهى الوجه واليدان والركبتان والرجلان والحكمة فى السجود على هذه الاعظم ان هذه الاعضاء التى عليها مدار الحركة هى المفاصل التى تنفتح وتنطبق فى المشى والبطش واكثر السعى ويحصل بها اجتراح السيئات وارتكاب الشهوات فشرع الله بها السجود للتكفير ومحو الذنب والتطهير.

الجن 72:19

{ وانه } من جملة الموحى به اى واوحى الى ان الشان { لما قام عبد الله } اى النبى عليه السلام ولذا جعلو فى اسمائه لانه هو العبد الحقيقى فى الحقيقة المضاف الى اسم الله الاعظم فرقا وان كان هو المظهر له جمعا. ودر آثار آمده كه آن حضرت را عليه السلام هيج نام ارين خوشتر نيامده جه شريطه عبادت وعبوديت بروجهى كه آن حضرت قيام هيجكس را قدرت براقامت بران نبوده لا جرم دروقت عروج آن حضرت برمنازل ملكى باين اسم مذكور شد كه سبحان الذى اسرى بعبده وبهنكام نزول قرآن از مدارج فلكى اورا يهمين نام ميكندكه تبارك الذى نزل الفرقان على عبده آن بننده شعار بندكى دوست كزجمله بندكان كزين اوست دادند ببند كيش راهى كانراكنديده هيج شاهى وايراده عليه السلام بلفظ ا لعبد للاشعار بما هو المقتضى لقيامه وعبادته وهو العبودية اى كونه عبدالله وللتواضع لانه واقع موقع كلامه عن نفسه اذا التقدير وأوحى الى انى لما قمت وهذا على قرآءة الفتح واما على قرآءة نافع وأبى بكر فيتعين كونه للاشعار بالمتقضى وفيه تعريض لقريش بانهم سمعوا عبد ود وعبد يعوث وعبد مناف وعبد شمس ونحوها لا عبد الله وان من سمى منهم بعبد الله فانما هى من قبيل التسمية المجردة عن معانيها { يدعوه } حال من فاعل قام اى يعبده وذلك قيامه لصلاة الفجر بنخلة كما سبق { كادوا } اى قرب الجن { يكونون عليه لبدا } جمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب وهى ما تلبد بعضه على بعد اى تراكب وتلاصق ومنها لبدة الاسد وهى الشعر المتراكب بين كتفيه والمنى متراكبين يركب بعضهم بعضا ويقع من ازد حامهم على النبى عليه السلام تعجبا مما شاهدوا من عبادته وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره وعلى قرآءة الكسر اذا جعل مقول الجن فضمير كادوا لاصحابه عليه السلام الذين كانوا مقتدين به فى الصلاة. يقول الفقير فى هذا المقام اشكال على القرءآتين جميعا لان المراد ان كان ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما على ما ذهب اليه المفسرون فلا معنى للازدحام اذ كان الجن بنخلة نفرا سبعة او تسعة ولا معنى لازدحام النفر القليل مع سعة المكان وقرب القارى وانما وقع الازدحام فى الحجون بعد العود من نخلة على ما رواه ابن مسعود رضى الله عنه ولا مخلص الا بأن يقال لم يزالوا يدنون من جهة واحدة حتى كادوا يكونون عليه لبدا او بأن يتجوز فى النفر وحينئذ يبقى تعيين العدد على ما فعله بعضهم بلا معنى وان كان المراد ما ذهب اليه ابن مسعود رضى الله عنه ففيه ان ذلك كان بطريق المشاهدة على ما اسفلناه فى الاحقاف ولا معنى لاخباره بطريق الوحى على ما مضى فى اول السورة وايضا انه لم يكن معه عليه السلام اذ ذاك الانفر قليل من اصحابه بل لم يكن الا زيد ابن حارثة رضى الله عنه على ما فى انسان العيون فلا معنى للازدحام والله اعلم بمراده.

الجن 72:20

{ قل انما ادعو } اى اعبد { ربى ولا اشرك به } اى بربى فى العبادة { احدا } فليس ذلك ببدع فلا مستنكر يوجب التعجب او الاطباق على عداوتى وهذا حالى فليكن حالكم ايضا كذلك.

الجن 72:21

{ قل انى لا املك } لا استطيع { لكم } ايها المشركون { ضرا ولا رشدا } كأنه اريد لا املك ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا رشدا اى ليس هذا بيدى بل بيد الله تعالى فانه هو الضار النافع الهادى المضل فترك من كلا المتقابلين ما ذكر فى الآخر فالآية من الاحتباك وهو الحذف من كل ما يدل مقابله عليه وفى التأويلات النجمية اى من حيث وجوده المضاف اليه كما قال انك لا تهدى من احببت واما من حيث وجوده الحق المطلق فانه يملك الضر والشر كقوله وانك لتهدى الى صراط مستقيم قال القاشانى اى غيا وهدى انما الغواية والهداية من الله ان سلطنى عليكم تهتدوا بنورى والا بقيتم فى الضلال ليس فى قوتى ان اقسركم على الهداية.

الجن 72:22

{ قل انى لن يجيرنى } ينقذنى ويخلصنى { من الله } من قهره وعذابه ان خالفت امره واشركت به { احدا } ان استنقذته او لن ينجينى منه احد ان أرادنى بسوء قدره على من مرض او موت او غيرهما قال بعضهم هذه لفظة تدل على الاخلاص فى التوحيد اذا التوحيد هو صرف النظر الى الحق لا غير وهذا لا يصح الا بالاقبال على الله والاعراض عما سواه والاعتماد عليه دون ما عداه { ولن اجد من دونه ملتحدا } يقال ألحد فى دين الله والتحد فيه اى مال عنه وعدل ويقال للملجأ الملتحد لان اللاجئ يميل اليه والمعنى ولن اجد عند الشدآئد ملتجأ غيره تعالى وموئلا ومعد فلا ملجأ ولا موئل ولا معدل الا هو وهذا بيان لعجزه عليه السلام عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره اى واذلا املك لنفسى شيأ فكيف املك لكم شيأ.

الجن 72:23

{ الا بلاغا من الله } استثناء متصل من قوله لا املك اى من مفعوله فان التبليغ ارشاد ونفع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة عن نفسه فلا يضر طول الفصل بينهما وفائدة الاستثناء المبالغة فى توصيف نفسه بالتبليغ لدلالته على انه لا يدع التبليغ الذى يستطيعه لتظاهرهم على عداوته وقوله من الله صفة بلاغا اى بلاغا كائنا منه وليس متعلقا بقوله بلاغا لان صلة التبليغ فى المشهور انما هى كلمة عن دون من وبلاغا واقع موضع التبليغ كما يقع السلام والكلام موقع التسليم والتكليم او استثناء من قوله ملتحدا اى لن اجد من دونه تعالى منجى الا ان ابلغ عنه ما ارسلنى به فهو حينئذ منقطع فان البلوغ ليس ملتحدا من دون الله لانه من الله وباعانته وتوفيقه { ورسالاته } عطف على بلاغا باضمار المضاف وهو البلاغ اى لا املك لكم الا تبليغا كائنا منه تعالى وتبليغ رسالاته التى ارسلنى بها يعنى الآن ابلغ عن الله وقول قال الله كذا ناسبا للمقالة اليه وان ابلغ رسالاته التى ارسلنى بها من غير زيادة ولا نقصان وقال سعدى المفتى لعل المراد من بلاغا من الله ما هو ما يأخذه منه تعالى بلا واسطة ومن رسالاته ما هو بها انتهى والمراد بالرسالة هو ما ارسل الرسول به من الامور والاحكام والاحوال لا معنى المصدر والظاهر أن المراد الا التبليغ والرسالة من الله تعالى وجمع الرسالة باعتبار تعدد ما ارسل هو به { ومن يعص الله ورسوله } فى الامر بالتوحيد بأن لا يمتثل امرهما به ودعوتهما اليه فيشرك به اذ الكلام فيه وهو يصلح ان يكون مخصصا للعموم فلا متمسك للمعتزلة فى الآية على تخليد عصاة المؤمنين فى النار { فان له نار جهنم خالدين فيها } اى فى النار أو فى جهنم والجمع باعتبار المعنى { ابدا } بلا نهاية فهو دفع لان يراد بالخلود المكث الطويل.

الجن 72:24

{ حتى اذا رأوا ما يوعدون } غاية لمحذوف يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لانصاره عليه السلام ولاستقلالهم لعددهم حتى قالواهم بالاضافة الينا كالحصاة من جبال كأنه قيل لا يزالون على ما هم عليه حتى اذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب فى الآخرة { فسيعلمون } حينئذ عند حلوله بهم { من اضعف ناصرا واقل عددا } اى فسيعلمون الذى هو اضعف واقل أهم ام المؤمنون فمن موصولة واضعف خبر مبتدأ محذوف ويجوز ان تكون استفهامية مرفوعة بالابتدآء واضعف خبره والجملة فى موضع نصب سدت مسد مفعولى العلم وناصرا وعددا منصوبان على التمييز وحمل بعضهم ما توعدون على ما رأوه يوم بدر وايا ما كان ففيه دلالة على ان الكفار مخذولون فى الدنيا والآخرة وان كثروا عددا وقووا جسدا لان الكافرين لا مولى لهم وان المؤمنين منصورون فى الدارين وان قلوا عددا وضعفوا جسدا لان الله مولاهم والواحد على الحق هو السود الاعظم فان نصره ينزل من العرش قال الحافظ تيغى كه اسنمانش ازفيض خود دهدآب تها جهان بكيردبى منت سباهى

الجن 72:25

{ قل ان ادرى } اى ما ادرى لان ان نافية { اقريب } غير مقدم لقوله { ما توعدون } ويجوز ان يكون ما توعدون فاعلا لقريب سادا مسد الخبر لوقوعه بعد الف الاستفهام وما موصولة والعائد محذوف اى اقريب الذى توعدونه نحو اقائم الزيدان { ام يجعل له ربى امدا } اى غاية تطول مدتها والامد وان كان يطلق على القريب ايضا الا ان المقابلة تخصصه بالبعيد والفرق بين الزمان والامد أن الامد يقال باعتبار الغاية والزمان عام فى المبدأ والغاية والمعنى ان الموعود كائن لا محالة واما وقته فما ادرى متى يكون لان الله لم يبينه لما رأى فى اخفاء وقته من المصلحة وهو رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون الموعود انكارا له واستهزآء فان قيل أليس قال عليه السلام " بعثت أنا والساعة كهاتين " فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال ههنا لا أدرى اقريب ام بعيد والجواب ان المراد بقرب وقوعه هو ان ما بقى من الدنيا اقل ممن انقضى فهذا القدر من القرب معلوم واما قربه بمعنى كونه بحيث يتوقع فى كل ساعة فغير معلوم على ان كل آت قريب ولذا قال تعالى أتى امر الله فلا تستعجلوه وقال كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار وذلك بالموت للمتقدمين ووقوع عين القيامة للمتأخرين كما اوعد نوح عليه السلام بالطوفان فلم يدركه بعضهم بل هلك قبله وغرق فى طوفان الموت وبحر البلاء قال بعض اهل المعرفة قل ان ادرى أقريب ما توعدون فى القيامة الصغرى من افناء الصورى والموت الطبيعى الاضطرارى والدخول فى نار الله الكبرى عند البعث لعدم الوقوف على قدر الله او فى الكبرى من الموت لارادى والفناء الحقيقى لعدم الوقوف على قوة الاستعداد فيقع عاجلا ام ضرب الله غاية واجلا.

الجن 72:26

{ عالم الغيب } وحده وهو خبر مبتدأ محذوف اى هو عالم لجميع ما غاب عن الحس على ان اللام للاستغراق والجملة استئناف مقرر لما قبله من عدم الدراية { فلا يظهر } آكاه نكند { على غيبه احدا } الفاء لترتيب عدم الاظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب على الاطلاق اى فلا يطلع على غيبه اطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين احد من خلقه.

الجن 72:27

{ الا من ارتضى من رسول } الارتضاء بسنديدن واصله تناول مرضى الشئ اى الا رسولا ارتضاه واختاره لاظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلقا ما اما لكونه من مبادى رسالته بان يكون معجزة دالة على صحتها واما لكونه من اركانها واحكامها كعامة التكاليف الشرعية التى امر بها المكلفون وكيفيات اعمالهم واجزيتها المترتبة عليها فى الآخرة وما تتوقف هى عليه من احوال الآخرة التى من جملتها قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الامور الغيبية التى بيانها من وظائف الرسالة واما ما لا يتعلق بها على احد الوجهين من الغيوب التى من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه احدا أبدا عى ان بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التى عليها يدور فلك الرسالة وليس فيه ما يدل على نفى كرامات الاولياء المتعلقة بالكشف فان اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم اصلا ولا يدعى احد لاحد من الاولياء ما فى مرتبة الرسل من الكشف الكامل الحاصل بالوحى الصريح بل اطلاعهم بالاخبار الغيبى والتلقف من الحق فيدخل فى الرسول وارثه قال الجنيد قدس سره قعد على غلام نصرانى متنكرا وقال أيها الشيخ ما معنى قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال فأطرقت رأسى ورفعت فقلت اسلم اسلم فقد حان وقت اسلامك فأسلم الغلام فهذا اما بطريق الفراسة او بغيرها من انواع الكشوف وخرج من البين اهل الكهانة والتنجيم لانهم ليسوا من اهل الارتضاء والاصطفاء كالانبياء والاولياء فليس اخبارهم بطريق الالهام والكشف بل بلامارات والظنون ونحوها ولذا لا يقع اكثرها الا كاذبا ومن قال أنا اخبر من اخبار الجن يكفر لان الجن كالانس لا تعلم غيبا وقد سبق ان الكهانة انقطعت اليوم فلا كهانة أبدا لان الشياطين منعوا من السماء قال ابن الشيخ انه تعالى لا يطلع على الغيب الذى يختص به علمه الا المرتضى الذى يكون رسولا وما لا يختص به يطلع عليه غير الرسول اما بتوسط الانبياء او بنصب الدلائل وترتيب المقدمات او بأن يلهم الله بعض الاولياء وقوع بعض المغيبات فى المستقبل بواسطة الملك فليس المراد بهذه الآية ان لا يطلع احدا على شئ من المغيبات الا الرسل لظهور أنه تعالى قد يطلع على شئ من الغيب غير الرسل كما اشتهر ان كهنة فرعون اخبروا بظهور موسى عليه السلام وبزوال ملك فرعون على يده وان بعض الكهنة اخبروا بظهور نبينا محمد عليه السلام قبل زمان ظهوره ونحو ذلك من المغيبات وكانوا صادقين فيه وارباب الملل والاديان مطبقون على صحة علم التعبير والمعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية فى المستقبل ويكون صادقا فيه ثم الآية نظير قوله تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء { فانه يسلك } بس بدرستى كه درمى آرد خداى تعالى يعنى ميسازد. وبالعربية يدخل ويثبت { من بين يديه } اى قدام الرسول المرتضى { ومن خلفه رصدا } قال فى القاموس الرصد محركة الراصدون اى الراقبون بالفارسية نكهبانان. يقال للواحد والجماعة كما فى المفردات وهو تقرير وتحقيق للاظهار المستفاد من الاستثناء وبيان لكيفيته اى فانه تعالى يسلك من جميع جوانب الرسول عند اظهاره على غيبه حرسا من الملائكة يحرسونه من بعض الشياطين لما اظهره عليه من الغيوب المتعلقة برسالته يعنى ان جبريل كان اذا نزل بالرسالة نزل معه ملائكة يحفظونه من ان يسمع الجن الوحى فيلقونه الى كهنتهم فتخبر به الكهنة قبل الرسول فيختلط على الناس امر الرسالة قال القاشانى الامن ارتضى من رسول اى اعده فى الفطرة الاولى وزكاه وصفاه من رسول القوة القدسية فانه يسلك من بين يديه اى من جالبه الالهى ومن خلفه اى ومن جهته البدنية رصدا حفظة اما من جهة الله التى اليها وجهه فروح القدس والانوار الملكوتية والربانية واما من جهة البدن فالملكات الفاضلة والهيئات النورية الحاصلة من هيا كل الطاعات والعبادات يحفظونه من تخبط الجن وخلط كلامهم من الوساوس والاوهام والخيالات بمعارفها اليقينية ومعانياه القدسية والواردات المغيبية والكشوف الحقيقية.

الجن 72:28

{ ليعلم ان قد ابلغوا رسالات ربهم } متعلق بيسلك غاية له من حيث انه مترتب على الابلاغ المترتب عليه اذ المراد به العلم المتعلق بالابلاغ الموجود بالفعل وان مخففة من الثقيلة واسمها الذى هو ضمير الشأن محذوف والجملة خبرها والابلاغ الايصال وبالفارسية رسانيدن. ورسالات ربهم عبارة عن الغيب الذى اريد اظهار المرتضى عليه والجمع باعتبار تعدد افراده وضمير أبلغوا اما للرصد فالمعنى انه تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم ان الشأن قد أبلغوه رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزآء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل كما فى قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم والغاية فى الحقيقة هو الا بلاغ والجهاد وايراد علمه تعالى لابراز اعتنائه تعالى بأمرهما والاشعار بترتيب الجزآء عليهما والمبالغة فى الحث عليهما والتحذير من التفريط فيهما واما لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الضميرين السابقين باعتبار لفظهما فالمعنى ليعلم انه قد ابلغ الرسل الموحى عليهم رسالات ربهم الى اممهم كما هى من غير اختطاف ولا تخليط بعد ما ابلغها الرصد اليهم كذلك { واحاط بما لديهم } اى بما عند الرصد او الرسل حال عن فاعل يسلك باضمار قد او بدونه على الخلاف المشهور جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى اى وقد احاط بما لديهم من الاحوال جميعا { واحصى } علم علما بالغا الى حد الاحاطة تفصيلا وبالفارسية وشمرده است { كل شئ } مما كان وما سيكون { عددا } اى فردا فردا فكيف لا يحيط بما لديهم قال القاسم هو اوجدها فأحصاها عددا وقال ابن عباس رضى الله عنهما احصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شئ حتى مثاقيل الذر والخردل قال الكشافى مراد كمال علم است وتعلق آن بجميع معلومات يعنى معلومى مطلقا از دآئره علم او خارج نيست هرجه دانستنى است درد وجهان نيست ازعلم شاملش بنهان قوله عددا تمييز منقول من المفعول به كقوله وفجرنا الارض عيونا والاصل احصى عدد كل شئ وفائدته بيان ان علمه تعالى بالاشياء ليس على وجه كلى اجمالى بل على وجه جزئى تفصيلى فان الاحصاء قد يراد به الاحاطة الاجمالية كما فى قوله تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها اى لا تقدروا على حصرها اجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لان اصل الاحصاء ان الحاسب اذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد كالعشر والمائة والالف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه وهذه الآية مما يستدل به على ان المعدوم ليس بشئ لانه لو كان شيأ لكانت الاشياء غير متناهية وكونه احصى عددها يقتضى كونها متناهية لان احصاء العدد انما يكون فى المتناهى فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشئ حتى يندفع هذا التناقض والتنافى كذا فى حواشى ابن الشيخ رحمه الله. تمت سورة الجن بعون الله ذى الطول والمن فى عصر الثلاثاء السابع من ذى القعدة من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف

المزمل 73:1

{ يا ايها المزمل } اى المتزمل من تزمل بثيابه اذا تلفف بها وتغطى فأدغم التاء فى الزاى فقيل المزمل بتشديدين كان عليه السلام نائما بالليل متزملا فى قطفية اى دثار مخمل فأمر أن يترك التزمل الى التشمر للعبادة ويختار التهجد على الهجود وقال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما جاءه جبريل خافه فظن ان به مسا من الجن فرجع من جبل حرآء الى بيت خديجة مرتعدا وقال زملونى فبينما هو كذلك اذ جاء جبريل وناداه وقال يا ايها المزمل وعن عكرمة ان المعنى يا أيها الذى زمل امرا عظيما اى حمله والزمل الحمل وازدمله احتمله قال السهيلى رحمه الله ليس المزمل من اسمائه عليه السلام التى يعرف بها كما ذهب اليه بعض الناس وعده فى اسمائه وانما المزمل مشتق من حالته التى كان عليها حين الخطاب وكذا المدثر وفى خطابه بهذا الاسم فائدتان احداهما الملاطفة فان العرب اذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك الماتبة سموه باسم مشتق من حالته التى هى عليها كقول النبى عليه السلام لعلى رضى الله عنه حين غاضب فاطمة رضى الله عنها اى اغضبها واغضبته فأتاه وهو نائم قد لصق بجنبه التراب فقال له " قم يا أبا تراب " اشعارا بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له وكذلك قوله عليه السلام لحذيفة رضى الله عنه " قم يا نومان " وكان نائما ملاطفة واشعارا بترك العتب والتأديب فقول الله تعالى لمحمد عليه السلام يا ايها المزمل تأنيس وملاطفة ليشعر انه غير عاتب عليه والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه الى قيام الليل وذكر الله فيه لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل واتصف بتلك الصفة انتهى وفى فتح الرحمن الخطاب الخاص بالنبى عليه السلام كأيها المزمل ونحوه عام للامة الا بدليل يخصه وهذا قول احمد والحنفية والمالكية وقال اكثر الشافعية لا يعمهم الا بدليل وخطابه عليه السلام لواحد من الامة هل يعم غيره قال الشافعى والحنفية والاكثر لا يعم وقال أبو الخطاب من ائمة الحنابلة ان وقع جوابا عم والا فلا.

المزمل 73:2

{ قم الليل } بكسر الميم لالتقاء الساكنين اى لا تتزمل وترقد ودع هذه الحال لما هو افضل منها وقم الى الصلاة فى الليل فانتصاب الليل على الظرفية وان استغرق الحدث الواقع فيه فحذف فى واوصل الفعل اليه فنصب لان عمل الجر لا يكون فى الفعل والنصب اقرب اليه من الرفع ومن ذلك قال بعضهم هو مفعول نظرا الى الظاهر فىالاستعمال ومن ذلك فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقوله لينذر يوم التلاق فى احد الوجهين كما سبق ومثله الاحياء فى قوله من احيى ليلة القدر ونحوه فان الاحياء وان كان واقعا على الليل فى الظاهر لكن المراد به احياء الصلاة والذكر فى الليل واستعمالها وحد الليل من غروب الشمس الى طلوع الفجر قال بعض العارفين ان الله اشتاق الى مناجاة حبيبه فناداه أن يقوم فى جوف الليل وقد قالوا ان القيام والمناجاة ليسا من الدنيا بل من الجنة لما يجده اهل الذوق من الحلاوة { الا قليلا } استثناء من الليل.

المزمل 73:3

{ نصفه } بدل من الليل الباقى بعد الثنيا بدل الكل والنصف احد شقى الشئ اى قم نصفه والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لاظهار كمال الاعتداد بشأن الجزء المقارن للقيام والايذان بفضله وكون القيام فيه بمنزلة القيام فى اكثره فى كثرة الثواب يعنى انه يجوز ان يوصف النصف المستثنى بكونه قليلا بالنسبة الى النصف المشغول بالعبادة مع انهما متساويان فى المقدار من حيث ان النصف الفارغ لا يساويه بحسب الفضيلة والشرف فالاعتبار بالكيفية لا بالكمية وقال بعضهم ان القلة فى النصف بالنسبة الى الكل لا الى العديل الآخر والا لزم أن يكون احد النصفين المساديين اقل من الآخر وفيه انه من عرآئه عن الفائده خلاف الظاهر كما فى الارشاد { او انقص منه } اى انقص القيام من النصف المقارن له الى الثلث { قليلا } اى نقصان قليلا او مقدارا قليلا بحيث لا ينحط الى نصف الليل.

المزمل 73:4

{ او زد عليه } اى زد القيام على النصف المقارن له الى الثلثين فالمعنى تخييره عليه السلام بين أن يقوم نصفه او اقل منه او اكثر اى قم الى الصلاة فى الزمان المحدود المسمى بالليل الا فى الجزء القليل منه وهو نصفه او انقص القيام من نصفه او زد عليه قيل هذا التخيير على حسب طول الليالى وقصرها فالنصف اذا استوى لليل والنهار والنقص منه اذا اقصر الليل والزيادة عليه اذا طال الليل { ورتل القرءآن } فى اثناء مذكر من القيام اى اقرأه على تؤدة وتبيين حروف وبالفارسة وقرآرا كشاده حروف خوان بحديكه بمضى آن بربى بمضى باشد { ترتيلا } بليغا بحيث يتمكن السامع من عدها ولذا نهى ابن مسعود رضى الله عنه عن التعجل وقال ولا يكن هم احدكم آخر السورة يعنى لا بد للقارئ من الترتيل ليتمكن هو ومن حضرة من التأمل فى حقائق الآيات فعند الوصول الى ذكر الله يستشعر عظمته وجلاله وعند الوصول الى الوعد والوعيد يقع فى الرجاء والخوف وليسلم نظم القرءآن من الخلل والرتل اتساق الشئ وانتظامه على استقامة والترتيل هويدا كردن سخن بى تكلفت. قال فى الكشاف ترتيل القرءآن قرآءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف واشباع الحركات حتى يجيئ المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبهة بنور الاقحوان وأن لايهزه هزا ولا يسرده سردا كما قال عمر رضى الله عنه شر السير الحقحقة وشر القرآءة الهذرمة حتى يجيئ المتلو فى تتابعه كالثغر الالص والامر بترتيل القرآن يشعر بأن الامر بقيام الليل نزل بعدما تعلم عليه السلام مقدارا منه وان قل وقوله انا سنلقى على الاستقبال بالنسبة الى بقية القرآن ثم الظاهر ان الامر به يعم الامة لانه امر مهم للكل والامر للوجوب كما دل عليه التأكيد وللندب وكانت قرآءته عليه السلام مدا يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم اما الاولان فمدهما طبيعى قدر الالف واما الاخير فمده عارضى بالسكون فيجوز فيه ثلاثة اوجه الطول وهو مقدار الفات ثلاث والتوسط قدر الفين والقصر قدر الف وكان عليه السلام مجودا للقرءآن كما انزل وتجويده تحسين الفاظه باخراج الحروف من مخارجها واعطاء حقوقها من صفاتها كالجهر والهمس واللين ونحوها وذلك بغير تكلف وهو ارتكاب المشقة فى قرآءته بالزيادة على ادآء مخرجه والمبالغة فى بيان صفته فينبغى أن يتحفظ فى الترتيل عن التمطيط وهو التجاوز عن الحد وفى الحدر عن الادماع والتخليط بان تكون قرآءته بحال كأنه يلف بعض الحروف والكلمات فى بعض آخر لزيادة الشرعة وذلك ان القرآءة بمنزلة البياض ان قل صار سمرة وان كثر صار برصا وما فوق الجعودة فهو القطط فما كان فوق القرآءة فليس بقرءآة فعلم من هذا ان التجويد على ثلاث مراتب ترتيل وحدر وتدوير. اما الترتيل فهو تؤدة وتأن وتمهل قال فى القاموس ورتل الكلام ترتيلا احسن تأليفه وترتل فيه ترسل انتهى وهو مختار ورش وعاصم وحمزة ويؤيده قوله عليه السلام من قرأ القرءآن اقل من ثلاث لم يفهمه وفى قوت القلوب افضل القراءة الترتيل لان فيه التدبر والتفكر وافضل الترتيل والتدبر للقرءآن ما كان فى صلاة وعن ابن عباس رضى الله عنهما لأن اقرأ البقرة ارتلها وأتدبرها احب الى من أن اقرأ القرءآن كله هذرمة اى سرعة وعن النبى عليه السلام انه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم قرأها عشرين مرة وكان له كل مرة فهم وفى كل كلمة علم وقد كان بعضهم يقول كل آية لا أفهمها ولا يكون قلبى فيها لم اعد لها ثوابا وكان بعض السلف اذا قرأ سورة لم يكن قلبه اعادها ثانية قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم وما بقى من فهمها اكثر قال مالك بن دينار رحمه الله اذا قام العبد يتهجد الليل ويرتل القرءآن كما أمر قرب الجبار منه قال وكانوا يرون ان ما يجدونه فى قلوبهم من الرقة والحلاوة وتلك الفتوح والانوار من قرب الرب من القلب وفى الحديث " يؤتى بقارئ القرءآن يوم القيامة فيوقف فى اول درج الجنة ويقال اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فان منزلتك عند آخر آية تقرأها " ولكون المقصود من انزال القرءآن فهم الحقائق والعمل بالفحاوى شرع الانصات لقرآءة القرءآن وجوبا فى الصلاة وندبا فى غيرها وللقارئ اجر وللمستمع اجران لانه يسمع وينصت او يسمع باذنيه بقرأ بلسان واحد والمستمع يؤدى الفرض ولذا قالوا استماعه اثوب من تلاوته وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى صرف او كن حواس جسمانى وقف او كن قواى روحانى دل بمعنى زبان بلفظ سبار جشم برخط ونقط وعجم كذار كوش از ومعدن جواهركن هوش از ومخزن سرآئركن دراد ايش مكن زبان كج مج حرفهايش اذا كن از مخرج دور باش ازتهتك وتعجيل كام كيراز تأمل وترتيل واما الحدر فهو الاسراع فى القراءة كما روى انه ختم القرءآن فى ركعة واحدة اربعة من الامة عثمان بن عفان وتميم الدارى وسعيد ابن جبير وابو حنيفة رضى الله عنهم وكان همسر بن المنهال يختم فى الشهر تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأ مرة اخرى وفى القاموس وأبو الحسن على بن عبد الله بن سادان بن البتنى كعربى مقرىء ختم فى النهار اربع ختمات فهام التلاوة انتهى. واما ما روى فى مناقب الشيخ موسى السدرانى من اكابر اصحاب الشيخ ابى مدين رضى الله عنه من ان له وردا فى اليوم والليلة سبعين ألف ختمة فمعناه ان اليوم والليلة اربع وعشرون ساعة فيكون فى كل اثنتى عشرة ساعة خمسة وثلاثون ألف ختمة لانها اما أن تنبسط الى ثلاث واربعين سنة وتسعة اشهر واما الى اكثر وعلى التقدير الاول يكون اليوم والليلة منبسطا الى سبع وثمانين سنة وستة اشهر فيكون فى كل يوم وليلة من ايام السنين المنبسطة ايامها وليالها ختمتان ختمة فى اليوم وختمة فى الليلة كما هو العادة ويحتمل التوجيه بأقل من ذلك باعتبار سرعة القارئ وهذا اى الحدر مختار ابن كثير وأبى عمرو وقالون. وام التدوير فهو التوسط بين الترتيل والحدر وهو مختار ابن عامر والكسائى وهذا كله انما يتصور فى مراتب الممدود وفى الحديث " رب قارئ للقرءآن والقرءآن يلعنه " وهو متناول لمن يخل بمبانيه او معانيه او بالعمل بما فيه وذلك موقوف على بيان اللحن وهو انه جلى وخفى فالجلى خطأ يعرض للفظ ويخل بالمعنى بأن بدل حرفا مكان حرف بأن يقول مثلا الطالحات بدل الصالحات وبالاعراب كرفع المجرور ونصبه سوآء تغير المعنى به ام لا كما اذا قرأ ان الله بريئ من المشركين ورسوله يجر رسوله والخفى خطأ يخل بالعرف والضابطة كترك الاخفاء والادغام والاظهار والقلب وكترقيق المفخم وعكسه ومد المقصور وقصر الممدود وامثال ذلك ولا شك ان هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وانما فيه التهديد وخوف العقاب قال بعضهم اللحن الخفى الذى لا يعرفه الا مهرة القراء من تكرير الراآت وتطنين النونات وتغليظ اللامات وترقيق الراآت فى غير محلها لا يتصور ان يكون من فرض العين يترتب عليه العقاب على فاعلها لما فيه من حرج ولا يكلف الله نفسا الا وسعها وفى بعض شروح الطريقة ومن الفتنة ان يقول لأهل القرى والبوادى والعجائز والعبيد والاماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد فيتركون الصلاة رأسا فالواجب أن يعلم مقدار ما يصح به النظم والمعنى ويتوغل فى الاخلاص وحضور القلب لعنت است اين كه بهر لهجه وصوت شود از تو حضور خاطر فوت فكر حسن غنا برد هوشت متكلم شود فراموشت لعنت است اين كه سازدت بى سيم روز وشب با امير وخواجه نديم لعنت است اين كه همت توتمام كنت مصروف لفظ وحرف وكلام نقد عمرت زفكرت معوج خرج شد در رعايت مخرج صرف كردى همه حيات سره در قراآت سبعه وعشره همجنين هرجه از كلام اخدا جزخدا قبله دلست ترا موجب لعن ومايه طرد ست حبذا مقبلى كه زان فردست معنئ لعن جيست مردودى بمقامات بعد خشنودى هركه ماند ازخدا بيك سرمو آمد اندر مقام بعد حرو كرجه ملعون نشد زحق مطلق هست ملعون بقدر بعد ازحق روى ان عمر ان بن حصين رضى الله عنه مر على وقاص يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من قرأ القرءآن فليسأل الله به فانه سيجيئ اقوام يقرأون القرءآن يسألون به الناس " انتهى فيكون اعطاء شئ اياه من قبيل الاعانة على المعصية كالاعطاء لسائل المسجد وهو يتخطى رقاب الناس ولا يدع السواك فى كل ما استيقظ من نوم الليل والنهار وفى الخبر طيبوا طرق القرءآن من افواهكم باستعمال السواك والصلاة بعد السواك تفضل على بغير سواك سبعين ضعفا وفى قوت القلوب وفى الجهر بالقرءآن سبع نيات منها الترتيل الذى امر به ومنها تحسين البيوت بالقرآن الذى ندب اليه فى قوله عليه السلام زينوا القرءآن بأصواتكم وفى قوله ليس منا من لم يتغن بالقرءآن اى يحسن صوته وهو احب من اخذه بمعنى الغنية والاكتفاء ومنها أن يسمع اذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعانى ولا يكون ذلك كله الا فى الجهر ومنها أن يطرد النوم عنه برفع صوته ومنها أن يرجو يجهره يقظة نائم فيذكر الله فيكون هو سبب احيائه ومنها أن يره بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق الى الخدمة فيكون هو معاونا له على البر والتقوى ومنها ان يكثر يجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ففى ذلك كثرة عمله فاذا كان القارىء على هذه النيات فجهره افضل لان فيه اعمالا وانما يفضل العمل بكثرة النيات وكان اصحاب رسول الله عليه السلام اذا اجتمعوا امروا احدهم أن يقرأ سورة من القرءآن وفى شرح الترغيب اختلف فى القرآءة بالالحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرءآن له من الخشوع والتفهم واباحها ابو حنيفة وجماعة من السلف للاحاديث لان ذلك سبب للرقة واثارة الخشيه وفى ابكار الافكار انما استحب تحسين الصوت بالقرآءة وتزيينه ما لم يخرج عن حد القرآءة بالتمطيط فان افرط حتى زاد حرفا او اخفاه فهو حرام وقال بعض اهل المعرفة قوله رتل اى اتل وجاءت التلاوة بمعنى الابلاغ فى مواضع من القرءآن فالمعنى بلغ احكام القرءآن لاهل النفوس المتمردة المنحرفة عن الاقبال على الآخرة وهم العوام وهذا من قبيل الظهر كما قال عليه السلام ما من آية الا ولها ظهر وبطن وحد ومطلع وفصل معانية لاصحاب القلوب المقبلة على المولى كما قال تعالى كتاب فصلت آياته وهم الخواص وهذا من قبيل البطن وفهم حقائقه لسدنة الاسرار المستهلكين فى عين المشاهدة المستغرقين فى بحر المعاينة وهم اخص الخواص وهذا من قبيل الحد واوجد اسراره لارباب الارواح الطاهرة الفانين عن ناسوتيتهم الباقين بلاهوتيته.

المزمل 73:5

{ انا سنلقى عليك } اى سنوحى اليك وايثار الالقاء عليه لقوله تعالى { قولا ثقيلا } وهو القرءآن العظيم المنطوى على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وايضا ان القرءآن قديم غير مخلوق والحادث يذوب تحت سطوة القديم الا من كان مؤيدا كالنبى عليه السلام والثقل حقيقة فى الاجسام ثم يقال فى المعانى وقال بعضهم ثقيلا تلقية كما سئل رسول الله عليه السلام كيف يأتيك الوحى قال احيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشد على فيفصم عنى اى يقلع وينحى وقد وعيت ما قال واحيانا يتمثل الى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقا اى يترشح قال الكاشفى در حين نزول وحى برآن حضرت برين وجه كه مذكور شداكر برشتر سوارى بودى دست وباى شترخم كشتى واكرتكيه برران يكى ازياران داشتى خوف شكستن آن بودى ودرين محل روى كلبركش برافر وخته مصراع بسان كل كه بصحن جمن برافروزد. وفى التأويلات النجمية ثقل المحمول بحسب لطف الحامل ولا شك ان نبينا عليه السلام كان ألطف الانبياء خلقا واعدلهم مزاجا وطبعا واكملهم روحانية ورحمانية وافضلهم نشأة وفطرة واشملهم استعدادا وقابلية فلذلك خص القرءآن بالثقل من بين سائر الكتب السماوية المشتملة على الاوامر والنواهى والاحكام والشرآئع للطف فطرته وشمول رحمته والجملة اعتراض بين الامر وهو قم الليل وبين تعليله وسر ان ناشئة الليل الخ لتسهل ما كلفه عليه السلام من القيام يعنى ان فى توصيف ما سيلقى عليه بالثقل ايماء الى ان ثقل هذا التكليف بالنسبة اليه كالعدم فاذا كان ما سيكلف اصعب وأشق فقد سهل هذا التكاليف وفى الكشاف أراد بهذا الاعتراض ان ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الصعبة التى ورد بها القرآن لان الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بد لمن احياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه فمن استأنس بهذا التكليف لا يثقل عليه امثاله. يقول الفقير سورة المزمل مما نزل فى اوائل النبوة فكان قوله انا سنلقى عليك قولا ثقيلا يشير الى مدة الوحى الباقيه لان حروفه مع اعتبار النون المدغم فيها ونونى التنوين اثنان وعشرون فالسين دل على الاستقبال ومجموع الحروف على المدة الباقية وجعل القرءآن حملا ثقيلا لانه عليه السلام بعث لتتميم مكارم الاخلاق ولا شك ان ما كان اجمع كان اثقل والله تعالى اعلم بمراده وايضا ان كون القول ثقيلا انما الى النفس الثقيلة الكثيفة لتراكم حجبها وبعدها عن درك الحق وأما بالنسبة الى النفس الخفيفة اللطفية فخفيف ولطيف ولذا كان تعب التكاليف مرفوعا عن الكمل فهم يجدون العبادات كالعادات فى ارتفاع الكلفة وفى الذوق والحلاوة.

المزمل 73:6

{ ان ناشئة الليل } اى النفس التى تنشأ فى الليل من مضجعها الى العبادة اى تنهض من نشأ من مكانه اذا نهض فالموصوف محذوف والاضافة للملابسة بمعنى النفس الناشئة فى الليل { هى } خاصة { اشد وطئا } اى كلفة وثقلا مصدر قولك وطئى الشئ اى داسه برجله او جعل عليه ثقله فان النفس القائمة بالليل الى العبادة اشد وطئا من التى تقوم بالنهار فلا بد من قيام الليل فان افضل العبادات اشقها فالوطئ مصدر من المبنى للمفعول لان الواطئ الذى يلقى ثقله على العابد هو العبادة فى الليل فيكون العابد بالليل اشد موطوأ له من العابد بالنهار ووطئا نصب على التمييز ويجوز ان يكون معنى اشد ووطئا اشد ثبات قدم واستقرارها فيكون المقصود بيان وجه اختيار الليل وتخصيصه بالامر بالقيام فيه من حيث انه تعالى جعل الليل لباسا يستر الناس ويمنعهم عن الاضطراب والانقلاب فى اكتساب المعاش وجعل النهار معاشا يباشرون فيه امور معاشهم فلا تثبت فيه اقدامهم للعبادة { وأقوم قيلا } اسم من القول بمعناه بقلب الواو ياء اى ازيد من جهة السداد والاستقامة فى المقال ومن جهة الثبات والاستقرار على الصواب يعنى خواندن قرآن دور بصوا بتراست كه دل فارغ باشد واصوات ساكن وزبان بادل موافقت نمايد بزبان مى خواند وبدل تفكر ميكند خاموش شد عالم بشب تاجست باشى در طلب زيرا كه بانك عربده تشويش خلوتخانه بود ويحتمل ان تكون ناشئة الليل بمعنى قيام الليل على ان الناشئة مصدر من نشأ كالعافية بمعنى العفو وهذا وافق لسان الحبشة حيث يقولون نشأ اذا قام او يكون بمعنى العبادة التى تنشأ بالليل اى تحدث فيكون الوطئ مصدرا من المبنى للفاعل فان كل واحد من قيام الليل ومن العبادة التى تحدث فيه ثقيلان على العابد من قيام النهار والعبادة فيه بمعنى اشد وطئا اثقل واغلظ على المصلى من صلاة النهار فيكون افضل يعنى آن سخت تراست ازجهت رنج وكلفت جه ترك خواب وراحت برنفس بغايت شاق است. ويحتمل ان يكون المراد بناشئة الليل ساعاته فانها تحدث واحدة بعد واحدة اى ساعات الليل الناشئة اى الحادثة شيأ بعد شئ فتكون الناشئة صفة ساعات الليل فتكون اشد وطئا اى بملاحظة القيام فيها من ساعات النهار لكن ابن عباس رضى الله عنهما قيد الناشئة بما كان بعد العشاء فما كان قبلها فليس بناشئة وخصصتها عائشة رضى الله عنها بما كان بعد النوم فلو لم يتقدمها نوم لم تكن ناشئة وفى قوت القلوب ان يصلى بين العشاءين ما تيسر الى ان يغيب الشفق الثانى وهو البياض الذى يكون بعد ذهاب الحمرة وقيل غسق الليل وظلمته لانه آخر ما يبقى من شعاع الشمس فى القطر الغربى اذا قطعت الارض العليا ودارت من ورآء جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا الوقت هو المستحب لصلاة العشاء الآخرة وهو آخر الورد الاول من اوراد الليل والصلاة فيه ناشئة الليل اى ساعته لانها اول نشوء ساعاته وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وطاء بالكسر والمدمن المواطأة بمعنى الموافقة فان فسرت الناشئة بالنفس الناشئة كان المعنى انها اشد من جهة موافقة القلب الكائن لها لسانها وان فسرت بالقيام او العبادة او الساعات كان المعنى انها اشد من جهة موافقة قلب القائم لسانه فيها او من جهة كونها موافقة لما يراد من الخشوع والاخلاص وعن الحسن رحمه الله اشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق.

المزمل 73:7

{ ان لك فى النهار سبحا طويلا } اى تقلبا وتصرفا فى مهما تك كتردد السابح فى الماء واشتغالا بشواغلك فلا تستطيع ان تتفرغ للعبادة فعليك بها فى الليل وهذا بيان للداعى الخارجى الى قيام الليل بعد بيان ما فى نفسه من الداعى قال الراغب السبح المر السريع فى الماء او فى الهوآء استعير لمر النجوم فى الفلك كقوله تعالى وكل فى فلك يسبحون ولجرى الفرس كقوله تعالى فالسابحات سبحا ولسرعة الذهاب فى العمل كقوله تعالى ان لك فى النهار سبحا طويلا وفى تاج المصادر السبح تصرف كردن در معيشت. وفى بعض التفاسير قيل السباحة لما فيه من التقلب باليد والرجل فى الماء وقيل معنى الآية ان فاتك من الليل شئ فلك فى النهار فراغ تقدر على تداركه فيه حتى لا ينقص شئ من حظك من المناجاة لربك ويناسبه قوله عليه السلام من نام عن حزبه او عن شئ منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ومن اقوال المشايخ ان المريد الصادق اذا فاته ورد من ا وراده يليق به ان يقضيه ولو بعد شهر حتى لا تتعود النفس بالكسل فالورد من الشؤون الواردة عن الرسول عليه السلام وأخيار امته ومن لا ورد له اى وارد خاص بالخواص وفى قوت القلوب من فاته ورد من الاوراد استحب له فعل مثله متى ذكره لا على وجه القضاء لانه لا تقضى الا الفرآئض ولكن على سبيل التدارك ورياضة النفس بذلك ليأخذ بالعزآئم كيلا يعتاد الرخص.

المزمل 73:8

{ واذكر اسم ربك } ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على اى وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقرآءة قرءآن ودراسة علم خصوصا بعد صلاة الغداة وقيل غروب الشمس فانهما من ساعات الفتح والفيض وذكر الله على الدوام من وظائف المقربين سوآء كان قلبا او لسانا او اركانا وسواء كان قياما او قعودا او على الجنوب وبالفارسية ويادكن بروردكار خودرا وباسماء حسنى اورا بخوان. قال عليه السلام من احصاها اى حصلها دخل الجنة فالمراد من ذكر اسمه فكره تعالى بواسطة ذكر اسمه ولذا قال تعالى واذكر ربك اذ نسيت فالذكر والنسيان فى الحقيقة كلاهما من صفات القلب وعند تجلى المذكور يفنى الذكر والذاكر كما قال شيخى وسندى روح الله روحه فى شرح تفسير الفاتحة للقنوى قدرس سره من اشتغل من الاسماء المجازية بما يسر الله الاشتغال به وداوم عليه فلا ريب انه يحصل بينه وبين سر هذا الاسم المشتغل به وروحه بعناية الله وفضله مناسبة ما بقدر الاشتغال ومتى قويت تلك المناسبة بينهما وكملت بحسب قوة الاشتغال وكماله يحصل بينه وبين مدلوله من الاسماء الحقيقية بواسطة هذه المناسبة الحاصلة مناسبة بقدرها قوة وكمالا ومتى بلغت الى حد الكمال ايضا هذه المناسبة الثانية الحاصلة بينه وبين هذا الاسم الحقيقى بجود الحق سبحانه وعطائه يحصل بينه وبين مسماه الحق تعالى مناسبة بمقدار المناسبة الثانية من جهة القوة والكمال لان العبد بسبب هذه المناسبة يغلب قدسه على دنسه ويصير مناسبا لعالم القدس بقدر ارتفاع حكم الدنس فحيئذ يتجلى الحق سبحانه له من مرتبة ذلك الاسم بحسيها وبقدر استعداده ويفيض عليه ما شاء من العلوم والمعارف والاسرار الالهية والكونية اما من الوجه العام وطريق سلسلة ترتيب المراتب والحضرات وغيرها من الوسائط والاسباب والادوات والمواد المعنوية والصورة واما من الوجه الخاص بدون الوسائل والاغيار او منهما معا جميعا اذ وجه اما هذا او ذاك لا غيرهما غير نسبة الجمع بينهما وقال بعضهم فى الآية اذا أردت قرآءة القرءآن او الصلاة فقل بسم الله الرحمن الرحيم وقال القاشانى واذكر اسم ربك الذى هو انت اى اعرف نفسك واذكرها ولا تنسها فينساك الله واجتهد لتحصيل كمالها بعد معرفة حقيقتها { وتبتل اليه تبتيلا } التبتل الانقطاع وتبتيل دل ازدنيا بريدن. والمعنى وانقطع الى ربك انقطاعا تاما بالعبادة واخلاص والية والتوجه الكلى كما قال تعالى قل الله ثم ذرهم وبالفارسية يعنى نفس خودرا از انديشه ما سوى الله مجرد ساز واز همكى روى بردار دل در وبند واز غيرش بكسل هرجه جز اوست برون كن از دل وليس هذا منافيا لقوله عليه السلام لارهبانية ولا تبتل فى الاسلام فان التبتل هنا هو الانقطاع عن النكاح ومنه قيل لمريم العذرآء رضى الله عنه البتول اى المنقطعة عن الرجال والانقطاع عن النكاح والرغبة لقوله تعالى وأنكحوا الايامى منكم وقوله عليه السلام " تناكحوا تكثروا فانى اباهى بكم الامم يوم القيامة " واما اطلاق البتول على فاطمة الزهرآء رضى الله عنها فلكونها شبيهة بسيدة نساء بنى اسرآئيل فى الانقطاع عما سوى الله لا عن النكاح وقيل تبتلا مكان تتتلا لان معنى تبتل بتل نفسه فجيئ به على معناه مراعاة الحق الفواصل لان حظ القرءآن من حسن النظم والرصف فوق كل حظ وقال بعضهم لما لم يكن الانقطاع الكلى الى بتجريد النبى عليه السلام نفسه عن العوائق الصادرة علن مراقبة الله وقطع العلائق عما سواه قيل تبتلا مكان تبتلا فيكون النظم من قبيل الاحتياك كما فى قوله تعالى والله انبتكم من الارض نباتا على وجه وهو ان التقدير انبتكم منها انباتا فنبتم نباتا وكذا التقدير ههنا اى تبتل اليه تبتلا يبتلك عما سواه تبتيلا والانسب يبتلك اسم ربك بفناء صفاتك وافعالك وتبتل اليه تبتيلا بفناء ذاتك وبقاء ذاته ثم ان التبتل يكون من الدنيا ان ظاهرا فقط فهو مذموم كبعض الحفاة العراة الذين اظهروا الفقر فى ظواهرهم وابطنوا الحرص فى ضمائرهم واما باطنا فقط وهو ممدوح كالاغنياء من الانبياء والاولياء عليهم السلام فانهم انقطعوا عن الدنيا باطنا اذ ليس فيهم حب الدنيا اصلا وانما لم ينقطعوا ظاهرا لان ارادتهم تابعة لارادة الله والله تعالى أراد ملكهم ودولتهم كسليمان ويوسف وداود وأيوب والاسكندر وغيرهم عليهم السلام واما ظاهرا وباطنا كاكثر الانبياء والاولياء وقد يكون التبتل من الخلق اما ظاهرا فقط كتبتل بعض المتعبدة فى قلل الجبال واجواف المغارات لجذب القلوب وجلب الهدايا واما باطنا لاظهارها كأهل الارشاد وهم عامة الانبياء وبعض الاولياء اذ لا بد فى ارشاد الخلق من مخالطتهم واما ظاهرا وباطنا كبعض الاولياء الذين اختاروا لعزلة وسكنوا فى المواضع الخالية عن الناس قال بعضهم السلوك الى الله تعالى يكون بالتبتل ومعناه الاقبال على الله بملازمة الذكر والاعراض عن غيره بمخالفة الهوى هذا هو السفر بالحركة المعنوية من جانب المسافر الى جانب المسافر اليه وان كان الله أقرب الى العبد من حبل الوريد فان مثال الطالب والمطلوب مثال صورة حاضرة مع مرآءة لكن لا تتجلى فيها لصدأ فى وجهها فمتى صقلتها تجلب فيها الصور لا بارتحال الصورة اليها ولا بحركتها الى جانب الصورة ولكن بزوال الحجاب فالحجاب فى عين العبد والا فالله متجل بنوره غير خفى على اهل البصيرة وان كان فرق بين تجل وتجل بحسب المحل ولذا قال عليه السلام ان الله يتجلى للناس عامة ولأبى بكر خاصة فتجلى العامة كتجلى صورة واحدة فى مرآئى كثيرة فى حالة واحدة وتجلى الخاصة كتجلى صورة واحدة فى مراءة واحدة واليه الاشارة بقوله عليه السلام " لى مع الله وقت " اذ لا يخفى ان التجلى فى ذلك الوقت مخصوص به عليه السلام لا يزاحمه غيره فيه. يقول الفقير ان فى هذا المقام اشكالا وهو انه عليه السلام اذا كان مستغرق الاوقات فى الذكر دآئم الانقطاع الى الله على ما افاده الآيتان فكيف يتأتى له السبح فى النهار على ما افصح عنه قوله تعالى ان لك فى النهار سبحا طويلا ولعل جوابه من وجوه الاول ان الامر بالذكر الدآئم والانقطاع الكلى من باب الترقى من الرخصة الى العزيمة كما يقتضيه شأن الا كامل والثانى ان السبح فى النهار ليس من قبيل الواجب فله ان يختار التوكل على التقلب ويكون مستوعب الاوقات بالذكر والثالث ان الشغل الظاهر لا يقطع الكمل عن مراقبته تعالى كما قال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقال تعالى الذين هم على صلاتهم دآئمون والرابع ان ذلك بحسب اختلاف الاحوال والا شخاص فمن مشتغل ومن ذاكر والله اعلم بالمرام.

المزمل 73:9

{ رب المشرق والمغرب } مرفوع على المدح اى هو ربهما وخالقهما ومالكهما وما بينهما من كل شئ قال فى كشف الاسرار يريد به جنس المشارق والمغارب فى الشتاء والصيف { لا اله الا هو } استئناف لبيان ربوبيته بنفى الالوهية عما سواه يعنى هيج معبودى نيست سزاوار عبادت مكر او { فاتخذه } لمصالح دينك ودنياك والفاء لترتيب الامر وموجبه على اختصاص الا لوهية والربوبية به تعالى { وكيلا } موكولا ومفوضا اليه لاصلاحها واتمامها واسترح أنت وفى التأويلات النجمية رب مشرق الذات المطلقة عن حجب تعينات الاسماء والصفات ورب مغرب الصفات والاسماء لاستتاره باستتار حجب الصفات وهى حجب الذات وهو المتعين فى جميع الموجودات فلا اله الا هو فاتخذه وكيلا اى جرد نفسك عنك وعن وجودك المجازى واتخذ وجوده الحقيقى مقام وجودك المجازى وامش جانبك هذا مثل ما قال المريد لشيخه اريد ان احج على التجريد فقال له شيخه جرد نفسك ثم سر حيث شئت قال الامام القشيرى رحمه الله ان الله هو المتولى لاحوال عباده يصرفهم على ما يشاء ويختار واذا تولى امرعبد بجميل العناية كفاه كل شغل واغناه عن كل غير فلا يستكثر العبد حوآئجه لعلمه ان مولاه كافيه ولهذا قيل من علامات التوحيد كثرة العيال على بساط التوكل حكى عن ممشاد الدينورى رحمه الله انه قال كان على دين فاهتممت به فى بعض الليالى وضاق صدرى فرأيت كأن قائلا يقول لى أخذت هذا المقدار عليك الاخذ وعلينا العطاء ثم انتبهت ففتح لى ما قضيت به الدين ثم لم احاسب بعد ذلك قصابا ولا بقالا ثم قال القشيرى اعلم ان من جعل المخلوق وكيلا له فانه يسأله الاجر وقد يخونه فى ماله وقد يخطئ فى تصرفه او يخفى عنه الاصوب والارشد لصاحبه ومن رضى بالله وكيلا اعطاه الاجر وحقق آماله واثنى عليه ولطف به فى دقائق احواله بما لا يهتدى اليه اماله بتفاصيل سؤاله ومن جعل الله وكيلا لزمه ايضا ان يكون وكيلا لله على نفسه فى استحقاق حقوقه وفرآئضه وكل ما يلزمه فيخاصم نفسه فى ذلك ليلا ونهارا لا يفتر لحظة ولا يقصر طرفة قال الزروقى رحمه الله خاصية الاسم الوكيل نفى الحوآئج والمصائب فمن خاف ريحا او صاعقة او نحوهما فليكثر منه فانه يصرف عنه السوء ويفتح له أبواب الخير والرزق.

المزمل 73:10

{ واصبر على ما يقولون } يعنى قريشا مما لا خير فيه من الخرافات والهذيانات فى حق الله من الشريك والصاحبة والولد وفى حقك من الساحر والشاعر والكاهن والمجنون وفى حق القرءآن من انه اساطير الاولين ونحو ذلك { واهجرهم هجرا جميلا } تأكيد للامر بالصبر اى واتركهم تركا حسنا بأن تجابنهم بقلبك وهو اك وتداريهم ولا تكافئهم وتكل امورهم الى ربهم كما اعرب عنه ما بعد الآية قال الراغب الهجر والهجران مفارقة الانسان غيره اما بالبدن او باللسان او بالقلب وقوله تعالى واهجرهم هجرا جميلا يحتمل للثلاثة ويدعو على تحريها ما امكن مع تحرى المجاملة قال الحكماء تسلح على الاعدآء بحسن المداراة حتى تبصر فرصة آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست بادوستان تلطف بادشمنان مدارا

المزمل 73:11

{ وذرنى والمكذبين } اى دعنى واياهم وكل امرهم الى فانى اكفيكهم وقد سبق فى ن والقلم وقال بعضهم يجوز نصب المكذبين على المعية اى دعنى معهم وهو الظاهر ويجوز على العطف اى دعنى على امرى مما تقتضيه الحكمة ودع المكذبين بك وبالقرءآن وهو اوفق للصناعة لان النصب انما يكون نصبا فى الدلالة على المصاحبة اذا كان الفعل لازما وهنا الفعل متعد { اولى النعمة } ارباب التنعم وبالفارسية خداوندان نازوتن آسانى. صفة للمكذبين وهم صناديد قريش وكانوا أهل ترفه وتنعم لا سيما بنى المغيرة والنعمة بفتح النون التنعم وبكسرها الانعام وما انعم به عليك وبالضم السرور والتنعم استعمال ما فيه النعمة واللين من المأكولات والملبوسات وفى تاج المصادر التنعم بنازريستن. وفيه اشارة الى ان متعلق الذم ليس نفس النعمة والرزق بل التنعم بهما كان قال عليه السلام لمعاذ رضى الله عنه حين بعثه الى اليمن واليا " اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين " وفيه تسلية للفقرآء فانهم يدخلون الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام { ومهلهم } التمهيل زمان دادن. والمهل والتؤدية والسكون يقال مهل فى فعله وعمل فى مهلة { قليلا } اى زمانا قليلا واجلهم اجلا يسيرا ولا تعجل فان الله سيعذبهم فى الآخرة اذ عمر الدنيا قليل وكل آت قريب ويدل على هذا المعنى ما بعد الآية من بيان عذاب الآخرة وقال الطبرى كان بين نزول هذه الآية ووقعة بدر زمان يسير ولذا قيل انها مدنيه.

المزمل 73:12

{ ان لدينا } فى الآخرة وفيما هيأناه للعصاة من آلات العذاب واسبابه وهو اولى من قول بعضهم فى علمنا وتقديرنا لان المقام مقام تهديد العصاة فوجود آلات العذاب بالفعل اشد تأثيرا على ان تلك الآلات صور الاعمال القبيحة ولا شك ان معاصرى النبى عليه السلام من الكفار قد قدموا تلك الآلات بما فعلوا من السيئات { انكالا } قيودا ثقالا يقيد بها ارجل المجرمين اهانة لهم وتعذيبا لا خوفا من فرارهم جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل والجملة تعليل للامر من حيث ان تعداد ما عنده من اسباب التعذيب الشديد فى حكم بيان اقتداره على الانتقام منهم فهم يتنعمون فى الدنيا ولا يبالون وعند الله العزيز المنتقم فى الآخرة امور مضادة لتنعمهم { وجحيما } وبالفارسية وآتشى عظيم. وهى كل نار عظيمة فى مهواة وفى الكشاف هى النار الشديدة الحر والاتقاد.

المزمل 73:13

{ وطعاما ذا غصة } هو ما ينشب فى الحلق ويعلق من عظم وغيره فلا ينساغ اى طعاما غير سائغ يأخذ بالحلق لا هو نازل ولا هو خارج كالضريع والزقوم وهما فى الدنيا من النباتات والاشجار سمان قاتلان للحيوان الذى يأكلهما مستكرهان عند الناس فما ظنك بضريع جهنم وزقومها وهو فى مقابلة الهنيئ والمريئ لاهل الجنة وانما ابتلوا بهما لانهم اكلوا نعمة الله وكفروا بها { وعذابا أليما } ونوعا أخر من العذاب مؤلما لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه كما يدل عليه التنكير كل ذلك معد لهم ومرصد فالمراد بالعذاب سائر انواع العذاب جاء فى التفسير انه لما نزلت هذه الاية خر النبى عليه السلام مغشيا عليه وعن الحسن البصرى قدس سره انه امسى صائما فاتى بطعام فعرضت له هذه الآية فقال ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال ارفعه وكذلك الثالثة فأخبر ثابت البنانى ويزيد الضبى ويحيى البكاء فجاؤا فلما يزالوا حتى شرب شربة من سويق. اعلم ان اصناف العذاب الروحانى فى الآخرة ثلاثة حرقة فرقة المشتهيات وخزى خجلة الفاضحات وحسرة فوت المحبوبات ثم ينتهى الامر الى مقاساة النار الجسمانية الحسية والخزى الذل والحقارة والخجلة التحير من الحياء والفاضح الكاشف عيب المجرم.

المزمل 73:14

{ يوم ترجف الارض والجبال } ظرف للاستقرار الذى تعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة اى تضطرب وتتزلزل بهيبة الله وجلاله ليكون علامة لمجيئ القيامة وامارة لجريان حكم الله فى مؤاخذة العاصين افرد الجبال بالذكر مع كونها من الارض. لكونها اجساما عظاما اوتادا لها فاذا تزلزلت الاوتاد لم يبق للارض قرار وايضا ان زلزلة العلويات اظهر من زلزلة السفليات ومن زلزلتها تبلغ القلوب الحناجرخوفا من الوقوع { وكانت الجبال } من شدة الرجفة مع صلابتها وارتفاعها { كثيبا } فى القاموس الكثيب التل من الرمل انتهى من كثب الشئ اذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول فى اصله ثم صار اسمه بالغلبة للرمل المجتمع { مهيلا } اى كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلا اى نثر واسيل بحيث لو حرك من اسفله انهال من اعلاه وسال لترفق اجزآئه كالعهن المنفوش ومثل وهذا الرمل يمر تحت الرجل ولا يتماسك فكونه مترفق الاجزآء منثورا سائلا لا ينافى كونه رملا مجتمعا وبالفارسية كوههاى سخت جون ريك روان شد از هيبت آن روز. فقوله مهيلا اسم مفعول من هال يهيل واصله مهيول كمبيع من باع لا فعيل من مهل بمهل وخص الجبال بالتشبيه بالكثيب المهيل لان ذلك خاصة لها فان الارض تكون مقررة فى مكانها بعد الرجفة دل عليه قوله تعالى ويسلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا امتا والحاصل ان الارض والجبال يدق بعضها ببعض كما قال تعالى وحملت الارض والجبال فدكتادكة واحدة فترجع الجبال كثيبا مهيلا ثم ينسفها الريح فتصير هباء منبثا وتبقى الارض مكانها ثم تبدل كما مر وفى التأويلات النجمية يوم ترجف ارض البشرية وجبال الانانية وكانت جبال انانية كل واحد رملا منثورا متفتتا شبه التعينات الاعتبارية الموهومة بالرمل لسرعة زوالها وانتثارها.

المزمل 73:15

{ انا ارسلنا اليكم } يا اهل مكة شروع فى التخويف بأهوال الدنيا بعد تخويفهم بأهوال الآخرة { رسولا } هو محمد عليه السلام وكونه مرسلا اليهم لا ينافى ارساله الى من عداهم فان مكةام القرى فمن أرسل الىاهل مكة فقد أرسل الى اهل الدنيا جميعا ولذا نص الله تعالى عليه بقوله وما أرسلناك الا كافة للناس ليندفع اوهام اهل الوهم { شاهدا عليكم } يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان وكذا يشهد على غيركم كما قال تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا { كما ارسلنا الى فرعون رسولا } هو موسى عليه السلام لان هرون عليه السلام ردء له وتابع وعدم تعيينه لعدم دخله فى التشبيه وتخصيص فرعون لانه من رؤساء اولى النعمة المترفهين المتكبرين فبينه وبين قريش جهة جامعة ومشابهة حال ومناسبة سريرة.

المزمل 73:16

{ فعصى فرعون الرسول } اى فعصى فرعون المعلوم حاله كبرا وتنعما الرسول الذى أرسلناه اليه ومحل الكاف النصب على انها صفة لمصدر محذوف اى انا أرسلنا اليكم رسولا فعصيتموه كما يعرب عنه قوله تعالى شاهدا عليكم ارسالا كائنا كما أرسلنا الى فرعون رسولا فعصاه بأن جحد رسالته ولم يؤمن به وفى اعادة فرعون والرسول مظهدين تفظيع لشأن عصيانه وان ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى وفى ترك ذكر ملأ فرعون اشارة الى ان كل واحد منهم كأنه فرعون فى نفسه لتمرده { فأخذناه } بسبب عصيانه { اخذا وبيلا } ثقيلا لا يطاق يعنى بآتش غرق كرديم وارراه آب بآتش برديم. والوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم والكلام خارج عن التشبيه جيئ به للتنبيه على انه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة.

المزمل 73:17

{ فكيف تتقون } قال ابن الشيخ مرتب على الارسال فالعصيان وكان الظاهر أن يقدم على قوله كما أرسلنا الا انه أخر زيادة فى التهويل اذ علم من قوله فأخذناه انهم مأخوذون مثله واشد فاذا قيل بعده فكيف تتقون كان ذلك زيادة كأنه قيل هبوا انكم لا تؤخذون فى الدنيا اخذة فرعون وامثاله فكيف تتقون اى تقون أنفسكم فاتقى ههنا مأخوذ بمعنى وقى المتعدى الى مفعولين دل عليه قول الامام البيهقى رحمه الله فى تاج المصادر الاتقاء حذر كردن وخود رانكاه داشتن انتهى. وافتعل يجيئ بمعنى فعل نص عليه الزمخشرى فى المفصل وان كانت الامثلة لا تساعده فانه ليس وقى واتقى مثل جذب واجتذب وخطف واختطف فتأمل { ان كفرتم } اى بقيتم على الكفر { يوما } اى عذاب يوم فهو مفعول به لتتقون ويجوز أن يكون ظرفا اى فكيف لكم بالتقوى والتوحيد فى يوم القيامة ان كفرتم فى الدنيا اى لا سبيل اليه لفوات وقته فاتقى على حاله وكذا اذا انتصب بكفرتم على تأويل جحدتم اى فكيف تتقون الله وتخشون عقابه ان جحدتم يوم القيامة والجزآء { يجعل الولدان } من شدة هوله وفظاعة ما فيه من الدواهى وهو صفة ليوما نسب الجعل الى اليوم للمبالغة فى شدته والافنفس اليوم لا تأثير له البتة والولدان بالفارسية نوزادكان ازمادر. جمع وليد يقال لمن قرب عهده بالولادة وان كان فى الاصل يصح اطلاقه على من قرب عهده بها ومن بعد { شيبا } شيوخا يعنى بيركندوموى سر ايشان سفيد سازد. جمع اشيب والشيب بياض الشعر وأصله ان يكون بضم الشين كحمر فجمع احمر لان الضم يقتضى الواو فكسرت لاجل صيانة الياء فرقا بين مثل سود وبين مثل بيض وجعلهم شيوخا فيه وجوه. الاول انه محمول على الحقيقة كما ذهب اليه بعض اهل التفسير ويؤيده ما قال فى الكشاف وقد مر بى فى بعض الكتب ان رجلا امسى فاحم الشعر كحلك الغراب اى سواده واصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة بياضا وهو بفتح الثاء المثلثة وبالغين المعجة نبت ابيض قال أريت القيامة والجنة والنار ورأيت الناس يقادون فى السلاسل الى النار فمن هول ذلك اصبحت كما ترون وقال احمد الدورقى مات رجل من جيراننا شابا فرأيته فى الليل وقد شاب فقلت وما قصتك قال دفن بشر فى مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من فى المقبرة كما فى فصل الخطاب وبشر المريسى ومريس قرية بمصر اخذ الفقه عن أبى يوسف القاضى الا انه اشتغل بالكلام وقال بخلق القرءآن واضل خلقا كثيرا ببغداد فان قلت ايصال الألم والضرر الى الصبيان يوم القيامةغير جائز بل هم لكونهم غير مكلفين معصومون محفوظون عن كل خطر قلت قد يكون فى القيامة من هيبة المقام ما يجثو به الانبياءعليهم السلام على الركب فما ظنك بغيرهم من الاولياء والشيوخ والشبان والصبيان وفى الآية مبالغة وهى انه اذا كان ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا وهم ابعد الناس من الشيخوخة لقرب عهد ولادتهم فغيرهم اولى بذلك وكذا فى القصة السابقة فان من شاب بمجرد الرؤيا فكيف حاله فى اليقظة وهو معاين من الاهوال ما يذوب تحته الجبال الرواسى. والثانى انه محمول على التمثيل بأن شبه اليوم فى شدة هوله بالزمان الذى يشيب الشبان لكثرة همومه واهواله واصله ان الهموم والاحزان اذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه واسرع فيه الشيب لان كثرة الهموم توجب انعصار الروح الى داخل القلب وذلك الانعصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وضعفها وانطفاؤها يوجب بقاء الاجزآء الغذآئية غير تامة النضج وذلك يوجب بياض الشعر ومسارعة الشيب بتقدير العزيز الحكيم كما يوجب تغير القلب تغير البشرة فتحصل الصفرة من الوجل والحمرة من الخجل والسواد من بعض الآلام وما على البدن من الشعر تابع للبدن فتغيره يوجب تغيره فثبت ان كثرة الهموم توجب مسارعة الشيب كما قيل دهتنا امور تشيب الوليد ويخذل فيها الصديق الصديق فلما كان حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوه كناية عن الشدة فجعل اليوم المذكور الولدان شيبا عبارة عن كونه يوما شديدا غاية الشدة وفى الحديث " يقول الله " اى فى يوم القيامة " يا آدم " خص آدم عليه السلام بهذا الخطاب لانه اصل الجميع " فيقول لبيك وسعديك والخير فى يديك فيقول اخرج ببعث النار " اى ميز اهلها المبعوث اليها " قال وما بعث النار " اى عدده " قال الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون قال اى النبى عليه السلام " فذلك " التقاول " حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها " قال ابن الملك اعلم ان الشيب والوضع ليسا على ظاهرهما اذ ليس فى ذلك اليوم حبل ولا صغير بل هما كنايتان عن شدة اهوال يوم القيامة معناه لو تصورت الحوامل والصغار هنالك لوضعن احمالهن ولشاب الصغار انتهى. وفى بيانه نظر ستأتى الاشارة اليه فى الوجه الثالث وترى الناس سكارى اى من الخوف وما هم بسكارى اى من الخمر ولكن عذاب الله شديد والثالث انه محمول على الفرض والتقدير بأن يكون معناه ان ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبى لشاب رأسه من الهيبة والدهشة وهذا الوجه غير موجه وان ذهب اليه بعض من يعد من اجلة اهل التفسير اذ هو يشعر بأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان حقيقة وقد ثبت انه يبعث يومئذ ولدان كثيرة ماتوا فى الصغر وكذا من المقرر ان الحبلى تبعث حبلى ففى ذلك اليوم حبل وضغير نعم اذا دخلوا الجنة صاروا ابناء ثلاث وثلاثين. والرابع انه يجوز ذلك وصفا لليوم بالطول يعنى على الكناية بانه فى طوله بحيث يبلغ الاطفال فيه اوان الشيخوخة والشيب وهو لا ينقضى بعد بل يمتد الى حيث يكون مقداره خمسين ألف سنة فهو كناية عن غاية الطول لا انه تقدير حقيقى يعنى ان هذا على عادة العرب ى التعبير عن الطول على سبيل التمثيل كما يعبرون عن التأبيد وعدم الانقطاع بقولهم ما ناحت حمامة وما لاح كوكب وما تعاقبت الايام والشهور وفى الآية اشارة الى النفس والهوى وبعد نفوسهم من الله فى يوم قيامة الفناء الذى يجعل ولدان اعمالهم السيئة القبيحة الخبيثة الخسيسة شيبا متهدمة متفانية.

المزمل 73:18

{ السماء } مبتدأ خبره قوله { منفطر به } اى منشق بسبب ذلك اليوم لان الله تعالى مسبب الاسباب فيجوز أن يجعل شدة ذلك اليوم سببا للانفطار. ذكر الله من هول ذلك اليوم امرين الاول قوله تعالى يجعل الولدان شيبا والثانى قوله السماء منفطر به لان السماء على عظمتها وقوتها اذا انشقت بسبب ذلك اليوم فما ظنك بغيرها من الخلائق فالباء للسببية وهو الظاهر وتذكير الخبر لاجرائه على موصوف مذكر اى شئ منفطر عبر عنها بذلك للتنبيه على انه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها الا ما يعبر عنه بالشئ وفى القاموس السماء معروف ويذكر ويجوز أن يكون الباء بمعنى فى واليه ذهب المكى فى قوت القلوب حيث قال حروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض وهذا مثال قوله تعالى السماء منفطر به اى فيه يعنى فى ذلك اليوم وقيل الباء للآلة والاستعانة مثلها فى فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعنى ان السماء ينفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشئ بما يفطر به قال بعضهم اتخاذ الآلة والاستعانة لا يليق بجناب الله تعالى ولا يناسب ذات السماء ايضا { كان وعده مفعولا } الضمير لله وان لم يجر له ذكر للعلم به والمصدر مضاف الى فاعله اى كان وعده تعالى اى يكون يوم القيامة على ما وصف من الشدآئد كائنا متحققا لانه لا يخلف الميعاد فلا يجوز لعاقل أن يرتاب فيه او الضمير لليوم والمصدر مضاف الى مفعوله والفاعل وهو الله مقدر قال فى الصحاح الوعد يستعمل فى الخير والشر فاذا اسقطوا الخير والشر قالوا فى الخير الوعد والعدة وفى الشر الايعاد الوعيد.

المزمل 73:19

{ ان هذه } اشارة الى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة وهى من قوله ان لدينا انكالا الى هنا { تذكرة } موعظة لمن يريد الخير لنفسه والاستعداد لربه وبالفارسية يندى وعبرتيست. وقيل القرءآن موعظة للمتقين وطريق للسالكين ونجاة للهالكين وبيان للمستبصرين وشفاء للمتحيرين وامان للخائفين وانس للمريدين ونور لقلوب العارفين وهدى لمن أراد الطريق الى رب العالمين { فمن شاء } من المكلفين. يعنى بس هركه خواهد ازمكلفان { اتخذ الى ربه سبيلا } بالتقريب اليه بالايمان والطاعة فانه المنهاج الموصول الى مرضاته ومقام قربه.

المزمل 73:20

{ ان ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثلثى الليل } اى اقل منهما فاطلاق الأدنى على الاقل مجاز مرسل من قبيل اطلاق الملزوم على اللازم لما ان المسافة بين الشيئين اذا دنت قل ما بينهما من الاحياز والحدود واذا بعدت كثر ذلك روى انه تعالى افترض قيام الليل فى اول هذه السورة فقام النبى عليه السلام واصحابه حولا مع مشقة عظيمة من حيث انه يعسر عليهم تمييز القدر الواجب حتى قام اكثر الصحابة الليل كله خوفا من الخطأ فى اصابة المقدار المفروض وصاروا بحيث انتفخت اقدامهم واصفرت الوانهم وامسك الله خاتمة السورة من قوله ان ربك الخ اثنى عشر شهرا فى السماء حتى انزل الله فى آخر السورة التخفيف فنسخ تقدير القيام بالمقادير المذكورة مع بقاء فرضية اصل التهجد حسبما تيسر ثم نسخ نفس الوجوب ايضا بالصلوات الخمس لما روى ان الزيادة على الصلوات الخمس زيادة { ونصفه وثلثه } بالنصب عطفاعلى ادنى والثلث احد اجزآء الثلاثة والجمع اثلاث اى انك تقوم اقل من ثلثى الليل وتقوم من نصفه وثلثه { وطائفة من الذين معك } مرفوع معطوف على الضمير فى تقوم وجاز ذلك للفصل بينهما اى ويقوم معك طائفة من اصحابك ومن تبينية فلا دلالة فيه على ان قيام الليل لم يكن فرضا على الجميع وحاصل المعنى يتابعك طائفة فى قيام الليل وهم اصحابك وفيه وعد لهم بالاحسان اليهم كما تقول لاحد اذا أردت الوعد له انا اعلم ما فعلت لى وفى قوت القلوب قد قرن الله تعالى قوام الليل برسوله المصطفى عليه السلام وجمعهم معه فى شكر المعاملة وحسن الجزآء وفى التأويلات النجمية يشير الى انسلاخ رسول القلب عن ليل طبيعته فى اكثر الاوقات بالتوجه الى الله والاعراض عن النفس الا فى اوقات قلائل وذلك لحكمة مقتضية للحجاب فان الحجاب رحمة كما قيل لولا الحجاب ما عرف الآله وطائفة من الذين مع رسول القلب من القوى الروحانية والاعضاء والجوارح { والله يقدر الليل والنهار } وحده لا يقدر على تقديرهما ومعرفة مقادير ساعاتهما واوقاتهما احد اصلا فان تقديم الاسم الجليل مبتدأ وبناء يقدر عليه موجب للاختصاص قطعا والتقدير بالفارسية اندازه كردن يعنى وخدى تعالى اندازه ميكند شب وروز را وميداند مقادير ساعات آن. قال الراغب التقدير تبيين كمية الشئ وقوله تعالى والله الخ اشارة الى ما اجرى من تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل اى ادخال هذا فى هذا او ان ليس احد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حق العبادة منهما فى وقت معلوم والحاصل ان العالم بمقادير ساعات الليل والنهارعلى حقائقها هو الله وانتم تعلمون ذلك بالتحرى والاجتهاد الذى يقع فيه الخطأ فربما يقع منكم الخطأ فى اصابتها فتقومون اقل من المقادير المذكورة ولذا قال { علم } الله { ان } اى ان الشأن { لن تحصوه } لن تقدروا على تقدير الاوقات على حقائقها ولن تستطيعوا ضبط الساعات ابدا فالضمير عائد الى المصدر المفهوم من يقدر قال فى تاج المصادر الاحصاء دانستن وشمردن برسبيل استقصا وتوانستن. قال الراغب الاحصاء التحصيل بالعدد وروى استقيموا ولن تحصوا اى لن تحصلوا ذلك لان الحق واحد والباطل كثير بل الحق بالاضافة الى الباطل كالنقطة بالاضافة الى سائر اجزآء الدآئرة وكالمرمى من الهدف واصابة ذلك شديدة واحتج بعضهم بهذه الآية على وقوع تكليف ما لا يطاق فانه تعالى قال لن تحصوه اى لن تطيقوه ثم انه كلفهم بتقدير الساعات والقيام فيها حيث قال قم الليل الخ ويمكن أن يجاب عنه بان المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه اصلا كما يقال لا اطيق ان انظر الى فلان اذا استثقل انلظر اليه وفى التأويلات النجمية يعنى السلوك من ليل الطبيعة الى نهار الحقيقة بتقدير الله لا بتقدير السالك علم أن لن تقدروا على مدة ذلك السلوك بالوصول الى الله اذ الوصول مترتب على فضل الله ورحمته لا على سلوككم وسيركم فكم من سالك انقطع فى الطريق ورجع القهقرى ولم يصل كما قيل ليس كل من سلك وصل ولا كل من وصل اتصل ولا كل من اتصل اتفصل { فتاب عليكم } بالترخيص على ترك القيام المقدر ورفع التبعة عن التائب ثم استعمل لفظ المشبه به فى المشبه ثم اشتق منه فتاب اى فرخص والتبعة ما يترتب على الشئ من المضرة { فاقرأوا ما تيسر من القرءآن } اى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل غير مقدرة بكونها فى ثلث الليل او نحوه ولو قدر حلب شاة فهذا يكون اربع ركعات وقد يكون ركعتين عبر عن الصلاة بالقرءآة كما عبر عنها بسائر اركانهاعلى طريق اطلاق اسم الجزء على الكل مجازا مرسلا فتبين ان التهجد كان واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ بهذه الآية ثم نسخ نفس الوجوب المفهوم منها بالصلوات الخمس على ما سبق وفيه تفضيل صلاة الليل على سائر التطوعات فان التطوع بما كان فرضا فى وقت ثم نسخ افضل من التطوع بما لم يكن فرضا اصلا كما قالوا صوم يوم عاشورآء افضل لكونه فرض قبل فرضية رمضان وفى الحديث ليصل احدكم من الليل ما تيسر فاذا غلب عليه النوم فليرقد وقد كان ابن عباس رضى الله عنهما يكره النوم قاعدا وعنه عليه السلام عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم الى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الاثم وهذا الحديث يدل على ان قيام الليل لم يكن فرضا على المتقدمين من الانبياء واممهم بل كان من شعار صلاحهم وعنه عليه السلام ان الله ليبغض كل جعظرى جواظ سخاب بالاسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة والجعظرى الفظ الغليظ والجواظ كشداد الضخم المختار والكثير الكلام والجموع المنوع والمتكبر الجافى والسخاب من السخب وهو محركة شدة الصوت سخب كفرح فهو سخاب واقل لاستحباب من قيام الليل سدسه سوآء كان متواليا او قام جزأ ثم نام نومة اخرى ثم قام قياما ثانيا لانه عليه السلام لم يقم ليلة قط حتى اصبح بل كان ينام فيها ولم ينم ليلة قط بل كان يقوم فيها وبأى ورد احيى الليل فقد دخل فى اهل الليل وله معهم نصيب ومن احيى اكثر ليلة او نصفها كتب له احياء ليلة جميعها ويتصدق عليه بما بقى منها كذا فى قوت القلوب وقيل المراد بالآية قرآءة القرءآن بعينها قتكون على حقيقتها فالمعنى ان شق عليكم القيام فقد رخص فى تركه فاقرأوا ما تيسر من القرءآن من غير توقيت لصلاة فانه لا يشق وتنالون بقرءآته خارج الصلاة ثواب القيام فالامر للندب وفى الحديث من قرأ فى ليلة مائة آية لم يحاجه القرءآن قال الطيبى فى قوله لم يحاجه القرءآن ان قرءآته لازمة لكل انسان واجبة عليه فاذا لم يقرأ يخاصمه الله ويغلبه بالحجة فاسناد المحاجة الى القرءآن مجاز ويفهم من كلامه ان قرآءته مقدار مائة آية فى كل ليلة واجبة بها يخلص من المحاجة وعنه عليه السلام من قرأ بالآيتين من سورة البقرة فى ليلة كفتاه والمراد آمن الرسول الخ يعنى اغتناه عن قيام الليل او حفظتاه من كل شر وسوء وعنه عليه السلام ايعجز احدكم أن يقرأ فى ليلة ثلث القرءآن قالوا وكيف يقرأ ثلث القرءآن قال قل هو الله احد تعدل ثلث القرءآن ومن ذلك قالوا ان قرآءة الاخلاص ثلاث مرات تقوم مقام ختمة واطول الآى افضلها لكثرة الحروف وان اقتصر على قصار الآى عند فتوره ادرك الفضل ان حصل العدد كذا فى قوت القلوب وفى التأويلات النجمية فى اشارة الآية يعنى اجمعوا واحفظوا فى قلوبكم الصافية عن كدورات النفس والهوى وما يظهر عليه لاستعداداتكم من الحقائق والدقائق والعوارف والمعارف ولا تفشوهاالى غير اهلها فينكروا عليكم فيرموكم بالكفر والزندقة والالحاد والاتحاد فان حقائقه ودقائقه من المكنونات الالهية { علم ان } اى ان شأن { سيكون منكم مرضى } استئناف مبين لحكمة اخرى داعية الى الترخيص والتخفيف مرضا جمع مريض والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان وفيه اشارة الى مرضى القلوب بحجب الانانية والاشتغال بحب الدنيا وشهواتها فانه لا يظهر عليه من اسرار القرءآن وحقائقه شئ. جنانجه شيخ سنائى كويد عجب نبودكرارز قرآ نصيبت نيست جزحر فى كه از خورشيد جز كرمى ميابد جشم نابينا عروس حضرت قرآن نقاب آنكه براندازد كه دار الملك ايمانرا مجرد يا بداز غوغا { وآخرون } عطف على مرضى { يضربون فى الارض } صفة آخرون اى يسافرون فيها للتجارة من ضرب فى الارض سافر فيها ابتغاء الرزق قال الراغب الضرب فى الارض الذهاب فيها وهو بالارجل { يبتغون } الابتغاء جستن { من فضل الله } وهو الربح وفيه تصريح بما علم التزاما وبيان ان ما حصلوه من الرزق من فضل الله ومحل يبتغون حال من ضمير يضربون وقد عم ابتغاء الفضل تحصيل العلم فانه من افضل المكاسب وفيه ان معلم الخير وهو رسول الله عليه السلام كان حاضرا عندهم وقت نزول الآية فاين يذهبون الا ان يجعل آخر السورة مدنيا فقد كانوا يهاجرون من مكة الى المدينة لطلب العلم وايضا ان هذا بالنسبة الى خصوص الخطاب واما بالنسبة الى اهل القرن الثانى فبقاء الحكم يوقعهم فى الحرج وفى حديث ابى ذر رضى الله عنه انه قال حضور مجلس علم افضل من صلاة الف ركعة وافضل من شهود الف جنازة ومن عيادة الف مريض قيل ومن قرآءة القرءآن قال وهل تنفع قرآءة القرءآن بلا علم { وآخرون يقاتلون } الاعدآء { فى سبيل الله } عطف على مرضى ايضا ويقاتلون صفته وسبيل الله ما يوصل الى الاجر عند الله كالجهاد وفيه تنبيه على انه سيؤذن لهم فى القتال مع الاعدآء سوى الله فى هذه الآية بين درجة المجاهدين فى سبيل الله ومكتسبين للمال الحلال للنفقة على نفسه وعياله والاحسان الى ذوى الحاجات حيث جمع بينهما قول على ان التجارة بمنزلة الجهاد وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ايما رجل جلب شيأ من مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهدآء { فاقرأوا ما تيسر منه } اى واذا كان الامر كما ذكر وتعاضدت الدواعى الى الترخيص فاقرأوا ما تيسر من القرآن من غير تحمل المشاق فان قيل كيف ثقل قيام الليل على الاصحاب رضى الله عنهم وقد خف على كثير من التابعين حتى كانوا يقومون الى طلوع الفجر منهم الامام ابو خنيفة وسعيد بن المسيب وفضل بن عياض وابو سلمان الدارانى ومالك بن دينار وعلى بن بكار وغيرهم حتى قال على بن بكار الشامى منذ أربعين سنة لم يحزنى شئ الا طلوع الفجر قلت الثقلة لم تكن فى قيامه بل فى محافظة القدر الفروض كما سبق على انه لا بعد فى ان يثقل عليهم قبل التعذر بذلك ثم كان من امر بعضهم انه ختم القرءآن فى ركعة واحدة كعثمان وتميم الدارى رضى الله عنهما { واقيموا الصلاة } المفروضة { وأتوا الزكاة } الواجبة وقيل هى زكاة الفطر اذ لم يكن بمكة زكاة غيرها وانما وجبت بعدها ومن فسرها بالزكاة المفروضة جعل آخر السورة مدنيا وذلك ان تجعلها من باب ما تأخر حكمه عن نزوله ففيه دلالة على انه سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه ويظهره حتى تفرض الزكاة وتؤدى { واقرضواالله قرضا حسنا } وقرض دهيد خدايرا قرض نيكو. والقرض ضرب من القطع وسمى ما يدفع الى الانسان من المال بشرط رد بدله قرضا لانه مقروض مقطوع من ماله اريد به الانفاقات فى سبيل الخيرات غير المفروض فانها كالفرض الذى لا خلف فى ادآئه وفيه حث على التطوع كما قال عليه السلام ان فى المال حقا سوى الزكاة على احسن وجه وهو اخراجها من اطيب الاموال واكثرها نفعا للفقرآء بحسن النية وصفاء الباء الى احوج الصلحاء وجه هذا التفسير هو أن قوله وآتوا الزكاة امر بمجرد اعطائها على اى وجه كان وقوله واقرضوا الله قرضا حسنا ليس كذلك بل هو امر بالاعطاء المقيد بكونه حسنا وتسمية الانفاق لوجه الله اقراضا استعارة تشبيها له بالاقراض من حيث انما انفقه يعود عليه مع زيادة وقال بعضهم هو قول سبحان الله والحمد الله ولا اله الا الله والله اكبر والنفقة فى سبيل الله كما قال عمر رضى الله عنه او النفقة على الاهل وفى الحديث ما اطعم المسلم نفسه واهل بيته فهو له صدقة اى يؤجر عليه بحسن نيته ثم ههنا امر غامض وهو انه روى الامام الغزالى رحمه الله عن القاضى الباقلانى ان ادعاء البرءآة من الغرض بالكلية كفر لان التنزه خاصة الهية لا يتصور الاشراك فيها فلعل ما يقال ان العبد ليبلغ الى درجة بعمل ما يعمل لا لغرض بل لرضى الله اولا متثال امره فقط انما هو من الغفلة عن غرض خفى هل هو غرض جلى لكنه مراد على. يقول الفقير هذا وارد على اهل الارادة واما اهل الفناء عن الارادة وهم اهل النهاية الا كملون فلا غرض لهم اصلا وامرهم عجيب لا يعرفه الا امثالهم او من عرفه الله بشأنهم { وما } شرطية { تقدموا لانفسكم من خير } اى خير كان مما ذكر وما لم يذكر { تجدوه } جواب الشرط ولذا جزم { عند الله هو خيرا واعظم اجرا } من الذى تؤخرونه الى الوصية عند الموت وفى كشف الاسرار تجدوا ثوابه خيرا لكم من متاع الدنيا واعظم اجرا لان الله يعطى المؤمن اجره بغير حساب قوله خيرا ثانى مفعولى تجدون وهو تأكيد للمفعول الاول لتجدوه وفصل بينه وبين المفعول الثانى وان لم يقع بين معرفتين فان افعل فى حكم المعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف وقوله واعظم عطف على خيرا واجرا تمييز عن نسبة الفاعل والاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا وقال بعضهم المشهور ان وجد اذا كان بمعنى صادف يتعدى الى مفعول واحد وهو ههنا بمعناه لا بمعنى علم فلا بعد ان يكون خيرا حالا من الضمير وفى الحديث اعلموا ان كل امرئ على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم وعنه عليه السلام ان العبد اذا مات قال الانسان ما خلف وقال الملائكة ما قدم ومر عمر رضى الله عنه ببقيع الغرقد اى مقبرة المدينة لانها كانت منبت الغرقد وهو بالغين المعجمة شجر فقال السلام عليكم أهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت واموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفنا فقد خسرنا. قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس الى الخلود سبيل وروى عن عمر رضى الله عنه انه اتخذ حيسا يعنى تمرا بلبن فجاءه مسكين فأخذه ودفعه اليه فقال بعضهم ما يدرى هذا المسكين ما هذا فقال عمر لكن رب المسكين يدرى ما هو فكأنه قال وما تقدموا الخ. تونيكى كن بآب اندازاى شاه اكر ما هى نداند داند الله { واستغفروا الله } اى سلوا الله المغفرة لذنوبكم فى جميع اوقاتكم وكافة احوالكم فان الانسان قلما يخلوه عن تفريط وكان السلف الصالح يصلون الى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار الى صلاة الصبح واستحب الاستغفار الى الاسماء من القرءآن مثل أن يقول استغفر الله انه كان توابا استغفر الله ان الله غفور رحيم استغفر الله انه كان غفارا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين { ان الله غفور } يغفر ما دون أن يشرك به { رحيم } يبدل السيئات حسنات وفى عين المعانى غفور يستر على اهل الجهل والتقصير رحيم يخفف عن اهل الجهل والتوفير ومن عرف انه الغفور الذى لا يتعاظمه ذنب يغفره اكثر من الاستغفار وهو طلب المغفرة ثم ان كان مع الانكسار فهو صحيح وان كان مع التوبة فهو كامل وان كان عريا عنهما فهو باطل ومن كتب سيد الاستغفار وجرعه لمن صعب عليه الموت انطلق لسانه وسهل عليه الموت وقد جرب مرارا وسيد الاستغفار قوله اللهم أنت ربى لا اله الا أنت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت اعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت. تمت سورة المزمل بعونه تعالى يوم الاربعاء الثانى والعشرين من ذى القعدة من سنة ست عشرة ومائة ألف

المدثر 74:1

{ يا ايها المدثر } بتشديدين اصله المتدثر وهو لابس الدثار وهو ما يلبس فوق الشعار الذى يلى الجسد ومنه قوله عليه السلام " الانصار شعار والناس دثار " وفيه اشارة الى ان الولاية كالشعار من حيث تعلقها بالباطن والنبوة كالدثار من حيث تعلقها بالظاهر ولذلك خوطب عليه السلام فى مقام الانذار بالمدثر روى عن جابر رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال كنت على جبل حرآء فنوديت يا محمد انك رسول الله فنظرت عن يمينى وعن يسارى ولم أر شيأ فنظرت فوقى فاذا به قاعد على عرش بين السماء والارض يعنى الملك الذى ناداه فرعبت ورجعت الى خديجة رضى الله عنها فقلت دثرونى دثرونى وصبوا على ماء باردا فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر يعنى انه انما تدثر بناء على اقشعرار جلده وارتعاد فرآئصه رعبا من الملك النازل من حيث انه رأى مالم يره قبل ولم يستأنس به بعد فظن ان به مسا من الجن فخاف على نفسه لذلك وذكر حضرة الشيخ الاكبر قدس سرة الاطهر ان التدثر انما يكون من البرودة التى تحصل عقيب الوحى وذلك ان الملك اذا ورد على النبى عليه السلام بعلم او حكم يلقى ذلك الروح الانسان وعند ذلك تشتعل الحرارة الغريزية فيتغير الوجه وتنقل الروطوبات الى سطح البدن لاستيلاء الحرارة فيكون من ذلك العرق فاذا سرى عنه ذلك سكن المزاج وانقشعت تلك الحرارة وانفتحت تلك المسام وقبل الجسم الهوآء من خارج فيتخلل الجسم فيبرد المزاج فتأخذه القشعريرة فتزاد عليه الثياب ليسخن انتهى وقرر بعضهم هذا المقام على غير ما ذكر كما قال فى كشف الاسرار وتفسير الكاشفى جابر بن عبد الله رضى الله عنه نقل ميكند از رسول صلى الله عليه وسلم درزمان فترت وحى براهى ميرفتم ناكاه ازآسمان آوازى شنيدم جشم بالاكردم ديدم همان ملك كه درغار حرا بمن آمده بود بركرسى نسته ميان زمين وآسمان ازسطوت وهيأت وعظمت وهيكل او خوفى برمن طارى شد بخانه بازكشتم وكفتم مرا بيوشانيد جامها برمن بوشيدند ومن در انديشه آن حال بودم كه حضرت عزت جل شأنه وحى فرستادكه ايها المدثر. وقال السهيل رحمه الله كان عليه السلام متدثرا بثيابه حين فزع من هول الوحى اول نزوله قال دثرونى دثرونى فقال له ربه ايها المدثر ولم يقل يا محمد ولا يا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم فى المزمل وفائدة اخرى مشاكلة الآية بما بعدها ووجه المشاكلة بين اول الكلام وبين قوله قم فأنذر خفى الابعد التأمل والمعرفة بقوله عليه السلام انى انا النذير العريان ومعنى النذير العريان الجاد المشمر وكان النذير من العرب اذا جتهد جرد ثوبه وأشار به مع الصياح تأكيدا فى الانذار والتحذير وقد قيل ايضا ان اصل قولهم النذير العريان ان رجلا من خثعم وهو كجعفر جبل واهل خثعميون وابن انما رابوا قبيلة من معد كما فى القاموس اخذه العدو فقطعوا يده وجردوا ثيابه فأفلت الى قومه نذيرا لهم وهو عريان فقيل لكل مجتهد فى الانذار والتخويف النذير العريان فاذا ثبت هذا فقد تشاكل الكلام بعضه ببعض فأمر المتدثر بالثياب مضاف الى معنى النذير العريان ومقابل ومرتبط به لفظا ومعنى.

المدثر 74:2

{ قم } اى من مضجعك يعنى خوابكاه { فأنذر } الناس جميعا من عذاب الله ان لم يؤمنوا لانه عليه السلام مرسل الى الناس كافة فلم تكن ملة من الملل الا وقد بلغتها دعوته وقرعها انذاره وافرد الانذار بالذكر مع انه ارسل بشيرا ايضا لان التحلية بالمعجمة قبل التحلية بالمهملة وكان الناس عاصين مستحقين للتخويف فكان اول الامر هو الانذار. يقول الفقير امده الله القدير بالفيض الكثير خوطبت بقوله قم فانذر وانا متوجه مراقب عند الرأس الشريف فى الحرم النبوى فحصل لى اضطراب عظيم وحيرة كبرى من سطوة الخطاب الالهى وغلبنى الارتعاد وظننت أنى مأمور بالانذار الظاهرى فى ذلك المقام لما ان اكثر الناس كاناو يسيئون الأدب فى ذلك الحرم حتى انى بكيت مرة بكاء شديدا من غلبة الغيرة فقيل لى اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم واعمى ابصارهم ثم انى عرفت بالهام من الله تعالى انى رسول نفسى لا غير مأمور بتزكيتها واصلاح قواها ومن الله الاعانة على ذلك.

المدثر 74:3

{ وربك فكبر } وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه تعالى بالكبرياء اعتقادا وقولا وعظمة عما يقول فيه عبدة الاوثان وسائر الظالمين ويروى انه لما نزل قال رسول الله عليه السلام " الله اكبر " فكبرت خديجة ايضا وفرحت وايقنت انه الوحى لان الشيطان لا يأمر بالتكبير ونحوه ودخل فيه تكبير الصلاة وان لم يكن فى اوآئل النبوة صلاة وذلك لان الصلاة عبارة عن اوضاع وهيئات كلها تعطى التقييد والله منزه عن جميع التعينات فلزم التكبير فيها لان وجه الله يحاذى وجه العبد حينئذ على ما ورد فى الخبر الصحيح والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل ما كان اى اى شئ حدث فلا تدع تكبيره ووصفه بالكبرياء او للدلالة على ان المقصود الاول من الامر بالقيام ان يكبر ربه وينزهه عن الشرك فان اول ما يجب معرفة الصانع ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابه فالفاء على هذا تعقيبية لا جزآئية. واعلم ان كبرياءه تعالى ذاتى له قائم بنفسه لا بغيره من المكبرين فهو اكبر من أن يكبره غيره بالتكبير الحادث ولذا قال عليه السلام ليلة المعراج " لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فهو المكبر والمثنى لذاته بذاته بتكبير وثناء قديم من الازل الى الأبد.

المدثر 74:4

{ وثيابك فطهر } جمع ثوب من اللباس اى فطهرها مما ليس بطاهر بحفظها وصيانتها عن النجاسات وغسلها بالماء الطاهر بعد تلطخها فانه قبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبيثا سوآء كان فى حال الصلاة او فى غيرها وبتقصيرها ايضا فان طولها يؤدى الى جر الذيول على القاذورات فيكون التطهير كناية عن التقصير لانه من لوازمه ومعنى التقصير أن تكون الى اتصاف الساقين او الى الكعب فانه عليه السلام جعل غاية طول الازار الى الكعب وتوعد على ما تحته بالنار. وحضرت مرتضى رضى الله عنه كفت كوتاه كن جامه را. فانه أتقى وانقى وابقى وهو اول ما أمر به عليه السلام من رفض العادات المذمومة فان المشركين ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات وفيه انتقال من تطهير الباطن الى تطهير الظاهر لان الغالب ان من نقى باطنه أبى الا اجتناب الخبث وايثار الطهارة فى كل شئ فان الدين بنى على النظافة ولا يدخل الجنة الا نظيف والله يحب الناسك النظيف وفى الحديث " غسل الاناء وطهارة الفناء يورثان الغنى " وفى المرفوع " نظفوا أفواهكم فانها طرق القرءآن " قال الراغب الطهارة ضربان طهارة جسم وطهارة نفس وقد حمل عليهما عامة الآيات وقوله وثيابك فطهر قيل معناه نفسك نزهها عن المعايب انتهى او طهر قلبك كما فى القاموس او اخلاقك فحسن قاله الحسن وفى الخبر حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الابرار او عملك فأصلح كما فى الكواشى ومنه الحديث " يحشر المرء فى ثوبيه اللذين مات فيهما " اى عمليه الخبيث والطيب كما فى عين المعانى وانه ليبعث فى ثيابه اى اعماله كما فى القاموس او اهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب والعرب تسمى الاهل ثوبا ولباسا قال تعالى هن لباس لكم وانتم لباس لهن كما فى كشف الاسرار وقال ابن عباس لا تلبسها على معصية ولا على غدار البسها وأنت بر طاهر كما فى فتح الرحمن قال الشاعر وانى بحمد الله لاثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع وذلك ان الغادر والفاجر يسمى دنس الثيات كما ان اهل الصدق والوفاء يسمى طاهر الثياب. ودرنفحات ازشيخ ابو الحسن شاذلى قدس سره نقل ميكندكه حضرت رسالت را صلى الله عليه وسلم درخواب ديدم ومرا كفت اى على طهر ثيابك من الدنس تحفظ بمدد الله فى كل نفس يعنى باكيزه كردان جامهاى خود را از جرك تابهره مند كردى بمدد وتأييد خداى تعالى درهر نفسى كفتم يا رسول الله ثياب من كدامست فرمودكه برتو حق تعالى بنج خلعت بوشانيد خلعت محبت وخلعت معرفت ووخلعت توحيد وخلعت ايمان وخلعت اسلام هركه خدا يرا دوست دارد بروى آسان شود هرجيز وهركه خدا برابشنا سد در نظروى خردنمايد هرجيز وهركه خدا يرا به يكانكى بداند بوس شريك نياردهيج جيزرا وهركه خداى تعالى را ايمان آردايمن كردداز هرجيزوهركه باسلام متصف بودخدا يراعاصى نشود واكرعاصى شوداعتذار كندوجون اعتذار كندقبول افتد بفضل الله تعالى بس شيخ فرمود ازاينجا دانستم قول خدا يرا وثيابك فطهر درتو بوشيد لطف يزدانى خلعتى از صفات روحانى دارش ازلوث خشم وشهوت دور تابيا كيزكى شوى مشهور

المدثر 74:5

{ والرجز فاهجر } قرأ عاصم فى رواية حفص الرجز بالضم والباقون بكسر الرآء ومعناهم واحد وهو الاوثان وقد سبق معنى الهجر فى المزمل اى ارفض عبادة الاوثان ولا تقربها كما قال ابراهيم عليه السلام واجنبنى وبنى ان نعبد الاصنام ويقال الرجز العذاب اى واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدى اليه من الماآثم سمى ما يؤدى الى العذاب رجزا على تسمية المسبب باسم سببه والمراد الدوام على الهجر لانه كان بريئا من عبادة الاوثان ونحوها

المدثر 74:6

{ ولا تمنن تستكثر } برفع تستكثر لانه مستقبل فى معنى الحال اى ولا تعط مستكثرا اى رآئيا لما تعطيه كثيرا او طالبا للكثير عى انه نهى عن الاستغزار وهو أن يهب شيأ وهو يطمع أن يتعوض من الموهب له اكثر مما اعطاه وهو جائز ومنه الحديث المستغزر يثاب من هبته اى يعوض منها والغزارة بالغين المعجمة وتقديم الزاى الكثرة فهو اما للتحريم وهو خاص برسول الله عليه السلام لعلو منصبه فى الاخلاق الحسنة ومن ذلك حلت الزكاة لفقرآء امته ولم تحل له ولأهله لشرفه او للتنزيه للكل اى له ولامته وقال بعضهم هو من المنة لان من يمن بما يعطى يستكثره ويعتد به والمنة تهدم الصنيعة خصوصا اذا من بعمله على الله بأن يعده كثيرا فان العمل من الله منة عليه كما قال تعالى بل الله يمن عليكم ومن شكر طول عمره بالعبادة لم يقض شكر نعمة الايجاد فضلا عما لا يحصى من انواع الجود.

المدثر 74:7

{ ولربك فاصبر } اى فاصبر لحكم ربك ولا تتألم من اذية المشركين فان المأمور بالتبليغ لا يخلو عن اذى الناس ولكن بالصبر يستحيل المر حلوا وبالتمرن يحصل الذوق تحمل جو زهرت نما يدنخست ولى شهد كردد جودر طبع رست وقال بعض اهل المعرفة اى جرد صبرك عن ملاحظة الغير فى جميع المراتب اى فى الصبر عن المعصية والصبر على الله والصبر فى البلاء كما قال تعالى واصبر وما صبرك الا بالله وقال القاشانى يا أيها المدثر اى المتلبس بدثار البدن المتحجب بصورته قم عما ركنت اليه وتلبست به من اشغال الطبيعة وانتبه من رقدة الغفلة فأنذر نفسك وقواك وجميع من عداك عذاب يوم عظيم وان كنت تكبر شيأ وتعظم قدره فخصص ربك بالتعظيم والتكبير لا يعظم فى عينك غيره وليصغر فى قلبك كل ما سواه بمشاهدة كبريائه وظاهرك فطهره اولا قبل تطهير باطنك عن مدانس الاخلاق وقباح الافعال ومذام العادات ورجز الهيولى المؤدى الى العذاب. فاهجر اى جرد باطنك عن اللواحق المادية والهيئات الجسمانية الفاسقة والغواشى الظلمانية والهيولانية ولا تعط المال عند تجردك عنه مستغزرا طالبا للاعواض والثواب الكثير به فان ذلك احتجاب بالنعمة عن المنعم وقصور همه بل خالصا لوجه الله افعل ما تفعل صابرا على الفضيلة له لا لشئ آخر غيره.

المدثر 74:8

{ فاذا نقر فى الناقور } الناقور بمعنى ما ينقر فيه والمراد الصور وهو القرن الذى ينفخ فيه اسرافيل مرة للاصعاق واخرى للاحياء فاعول من النقر بمعنى التصويت واصله القرع الذى هو سبب الصوت يعنى جعل الشئ بحيث يظهر منه الصوت بنوع قرع والمراد هنا النفخ اذ هو نوع ضرب للهوآء الخارج من الحلقوم اى فاذا نفخ فى الصور والفاء للسببية اى سببية ما بعدها لما قبلها دون العكس فهى بمعنى اللام السببية كأنه قيل اصبر على اذاهم فبين ايديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة اذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه والعامل فى اذا ما دل عليه قوله تعالى.

المدثر 74:9

{ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين } فان معناه عسر الامر على الكافرين من جهة العذاب وسوء الحساب وذلك اشارة الى وقت النقر وهو مبتدأ ويومئذ بدل منه مبنى على الفتح لاضافة الى غير متمكن وهو اذ والتقدير اذ نقر فيه والخبر يوم عسير وعلى متعلقة بعسير دل عليه قوله تعالى وكان يوما على الكافرين عسيرا كأنه قيل فيوم النقر يوم عسير عليهم { غير يسير } خبر بعد خبر وتأكيد لعسره عليهم لقطع احتمال يسره بوجه دون وجه مشعر بيسره على المؤمنين ثم المراد به يوم النفخة الثانية التى يحيى الناس عندها اذ هى التى يخص عسرها بالكافرين جميعا واما النفخة الاولى فهى مختصة بمن كان حيا عند وقوعها وقد جاء فى الاخبار ان فى الصور ثقبا بعدد الارواح كلها وانها تجمع فى تلك الثقب فى النفخة الثانية فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح الى الجسد الذى نزع منه فيعود الجسد حيا باذن الله تعالى وفى الحديث كيف انعم وصاحب القرن قد التقم قرنه ينظر متى يؤمر أن ينفخ فيه فقيل له كيف نصنع قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقال القاشانى ينقر فى البدن المبعوث فينقش فيه الهيئات السيئة المردية الموجبة للعذاب او الحسنة المنجية الموجبة للثواب ولا يخفى عسر ذلك اليوم على المحجوبين على احد وان خفى يسرة على غيرهم الا على المحققين من اهل الكشف والعيان.

المدثر 74:10

{ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين } فان معناه عسر الامر على الكافرين من جهة العذاب وسوء الحساب وذلك اشارة الى وقت النقر وهو مبتدأ ويومئذ بدل منه مبنى على الفتح لاضافة الى غير متمكن وهو اذ والتقدير اذ نقر فيه والخبر يوم عسير وعلى متعلقة بعسير دل عليه قوله تعالى وكان يوما على الكافرين عسيرا كأنه قيل فيوم النقر يوم عسير عليهم { غير يسير } خبر بعد خبر وتأكيد لعسره عليهم لقطع احتمال يسره بوجه دون وجه مشعر بيسره على المؤمنين ثم المراد به يوم النفخة الثانية التى يحيى الناس عندها اذ هى التى يخص عسرها بالكافرين جميعا واما النفخة الاولى فهى مختصة بمن كان حيا عند وقوعها وقد جاء فى الاخبار ان فى الصور ثقبا بعدد الارواح كلها وانها تجمع فى تلك الثقب فى النفخة الثانية فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح الى الجسد الذى نزع منه فيعود الجسد حيا باذن الله تعالى وفى الحديث كيف انعم وصاحب القرن قد التقم قرنه ينظر متى يؤمر أن ينفخ فيه فقيل له كيف نصنع قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقال القاشانى ينقر فى البدن المبعوث فينقش فيه الهيئات السيئة المردية الموجبة للعذاب او الحسنة المنجية الموجبة للثواب ولا يخفى عسر ذلك اليوم على المحجوبين على احد وان خفى يسرة على غيرهم الا على المحققين من اهل الكشف والعيان.

المدثر 74:11

{ ذرنى ومن خلقت وحيدا } حال اما من الياء اى ذرنى وحدى معه فانى اكفيكه فى الانتقام منه او من التاء اى خلقته وحدى لم يشركنى فى خلقه احدا ؤامن العائد المحذوف اى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد نزلت فى الوليد بن المغيرة المخزومى وكان يلقب فى قومه بالوحيد زعما منهم انه لا نظير له فى وجاهته ولا فى ماله وكان يفتخر بنفسه ويقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لى فى العرب نظير لا لأبى المغيرة نظير أيضا فسماه الله بالوحيد تهكما به واستهزآء بلقبه كقوله تعالى ذق انك أنت العزيز الكريم وصرفا له عن الغرض الذى يؤمونه من مدحه الى جهة ذمه بكونه وحيدا من المال والولد أو وحيدا من أبيه ونسبه لانه كان زنيما وهو من ألحق بالقوم وليس منهم كما مر أو وحيدا فى الشرارة والخباثة والدناءة.

المدثر 74:12

{ وجعلت له مالا ممدودا } اى مبسوطا كثير وهو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الاموال وقال النورى كان له ألف ألف دينار.

المدثر 74:13

{ وبنين } ودادم اورا بسران { شهودا } جمع شاهد مثل قاعد وقعود وشهده كسمعه حضره اى حضورا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا يفارقونه للتصرف فى عمل او تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم او حضورا معه فى الاندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم وكان له عشرة بنين اسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة قاله المفسرون واطبق المحدثون على ان الوليد بن الوليد اسلم وعمارة قتل كافرا اما يوم بدر أو فى الحبشة على يد النجاشى قال السهيلى رحمه الله هم هشام بن الوليد والوليد بن الوليد وخالد بن الوليد الذى يقال له سيف الله واما غير هؤلاء ممن مات منهم على دين الجاهلية فلم نسمه.

المدثر 74:14

{ ومهدت له تمهيدا } وبسطت له الرياسة والجاه العريض فأتممت عليه النعمة فان اجتماع المال والجاه هو الكمال عند اهل الدنيا ولذا كان يلقب ريحانة قريش والريحان نبت طيب الرآئحة والولد والرزق وفى التأويلات النجمية يشير الى الوليد بن مغيرة النفس الوحيدة فى الشر والظلم والجور والجهل وكثرة اموال اعماله السيئة الذميمة وثروة اجناس اخلاقه الذميمة والى بنى اتباعه الخبيثة الخسيسة وبسطة وسلطنته ورياسته ووجاهته عند ارباب النفوس المتمردة عن اوامر الحق ونواهيه المعربدة مع الحق واهاليه وهم القوى الطبيعية الظلمانية يعنى دعنى واياه فانى اسلط عليه أبا بكر الخفى وعمر الروح وعثمان السر وعلى القلب حتى انهم بأنوار روحانيتهم يطمسون ظلمات نفسانية ويغيرون على اعماله ويقتلون بنى اتباعه وشيعته ويطوون بساط سلطنته ويسدون باب بسطته.

المدثر 74:15

{ ثم يطمع } يرجو { ان ازيد } على ما اوتيه من المال والولد وثم استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه اما لانه لا مزيد على ما اوتيه سعة وكثرة يعنى انه اوتى غايه ما اوتى عادة لامثاله او لانه مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم اى لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم.

المدثر 74:16

{ كلا } ردع وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب فيكون متصلا بما قبله { انه كان لآياتنا عنيدا } يقال عند خالف الحق ورده عارفا به فهو عنيد وعاند يعنى منكر وستيزه كننده. والمعاندة المفارقة والمجانبة والمعارضة بالخلاف كالعناد والعنيد هنا بمعنى المعاند كالجليس والاكيل والعشير بمعنى المجالس والمؤاكل والمعاشر وهو تعليل لما قبله على وجه الاستئناف التحقيقى فان معاندة آيات المنعم وهى الآيات القرء آتية مع وضوحها وكفران له مع سبوغها مما يوجب حرمانه بالكلية وانما اوتى ما اوتى استدراجا وتقديم لآياتنا على متعلقه وهو عنيدا يدل على التخصيص فتخصيص العناد بها مع كونه تاركا للعناد فى سائر الاشياء يدل على غاية الخسران قيل ما زال بعد نزول هذه الآية فى نقصان من ماله حتى هلك وهو فقير. آنكس كه نصيحت زعزيزان نكند كوش بسيار بخايد سر انكشت ندامت

المدثر 74:17

{ سأرهقه صعودا } قال الراغب رهقه الامر غشيه بقهر يقال رهقته وارهقته مثل ردفته واردفته وتبعته واتبعته ومنه ارهقت الصلاة اى اخرتها حتى غشى وقت الاخرى والصعود العقبة الشاقة ويستعار لكل مشاق وهو مفعول ثان لأرهق وفى بعض التفاسير صعودا اما فعول بمعنى فاعل يستوى فيه المذكر والمؤنث مثل عقبة كؤود فيكون من قبيل تسمية المحل باسم الحال أو بمعنى مفعول من صعده وهو الظاهر فيكون تذكيرة اما باعتبار كون موصوفه طريقا او باتباع مثل كؤود والمعنى سأكلفه كرها بدل ما يطمعه من الزيادة ارتقاء عقبة شاقة المصعد على حذف المضاف بحيث تغشاه شدة ومشقة من جميع الجوانب على ان يكون الارهاق تكليف الشئ العظيم المشقة بحيث تغشى المكلف شدته ومشقته من جميع الجوانب وقال الغزالى رحمه الله حالة تصعد فيها نفسه للنزع وان لم يتعقبه موت انتهى وهو مثال لما يلقى من العذاب الصعب الذى لا يطاق ويجوز أن يحمل على حقيقته كما قال عليه السلام " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى كذا ابدا " يعنى بر بالاى آن نتوان رفت اورادر زنجير هاى آتشين كشيده ازبيش مى كشندوازعقب كرزهاى آتشين كشيده از بس مى كشند وازعقب كرزهاى آتشين ميزنند تار آنجا ميروددر هفتا دسال وبازكشتن وزير افتادن او همجنين است. قوله سبعين خريفا اى سبعين عاما لان الخريف آخر السنة فيه تتم الثمار وتدرك فصار بذلك كأنه العام كله وهذا كما تسمى العلة الصورية بعلة تامة لذلك قال فى القاموس الخريف كأمير ثلاثة اشهر بين القيظ والشتاء تخترف فيها الثمار اى تجتنى وعنه عليه السلام يكلف ان يصعد عقبه فى النار كلما وضع يده عليه ذابت فاذا رفعها عادت واذا وضع رجله ذابت فاذا رفعها عادت.

المدثر 74:18

{ انه فكر وقدر } تعليل للوعيد واستحاققه له من التفكير بمعنى التفكر والتأمل كما قال فى تاج المصادر التفكير انديشه كردن. والتقدير اندازه وتهيئه كردن. اى فكر ماذا يقول فى حق القرءآن وشأنه من جهة الطعن وقدر فى نفسه ما يقوله وهيأه.

المدثر 74:19

{ فقتل كيف قدر } تعجيب من تقديره واصابته فيه الغرض الذى كان ينتحيه قريش قاتلهم الله او ثناء عليه بطريق الاستهزآء به على معنى ان هذا الذى ذكره وهو كون القرءآن سحرا فى غاية الركاكة والسقوط او حكاية لما ذكروه من قولهم قتل كيف قدر تهكما بهم وباعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله ومعنى قولهم قتله الله ما اشجعه وأخزاه الله ما اشعره الاشعار بانه قد بلغ من الشجاعة والشعر مبلغا حقيقا بأن يدعو عليه حاسده بذلك وقد سبق فى قاتلهم الله فى المنافقين مزيد البيان روى ان الوليد مر بالنبى عليه السلام وهو يقرأ حم السجدة وفى بعض التفاسير فواتح سورة حم المؤمن فقال لبنى مخزوم والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة اى حسنا وبهجة وقبولا وان اعلاه لمثمر وان اسفله لمغدق اى كثير الماء شبه القرءآن بالشجرة الغضة الطرية التى استحكم اصلها بكثرة الماء واثمرت فروعها فى السماء واثبت له اعلى واسفل ولأعلاه الاثمار ولأسفله الاغداق على طريق التخييل قال الكاشفى مراورا حلاوتى وعذوبتى هست كه هيج سخن رانباشد وبروى طراوتى وتازكى هست كه هيج حديثى رانبود اعلاى ن نهال مثمر سعادات كليه واسفل اين شجره طيبه عروق فضائل وحكم عليه است. ثم قال الوليد وانه يعلو ولا يعلى فقالت قريش صبأ والله الوليد اى مال عن دينه وخرج الى دين غيره والله لتصبأن قريش كلهم اى بمتابعته لكونه رئيس القوم فقال ابن أخيه أبو جهل أنا اكفيكموه فقعد عنده حزينا وكلمه ما احماه اى اغضبه. يعنى كفت كه قريش ميكويند توسخنان محمدرا عليه السلام بسند ميدهى وآنرا بزرك ميدارى وثنا ميكويى تا ازفضله طعام ايشان بهره بردارى اكرجنين است تاهمه قريش فراهم شوند وترا كفايتى حاصل كنندتا ازطعام ايشان بى نياز شوى ولييد اين سخت او ابو جهل بشنيد درخشم شد كفت الم تعلم قريش انى من اكثرهم مالا وولدا واين اصحاب محمد خودهركز ازطعام سير نشوند واز فقر وفاقه نياسايندجه صورت بنددكه ايشانرا فضله طعام بودتابديكرى دهند بس هردوبر خاستتد وبرا انجمن قريش شادند وليد كفت شما كه قريش ايدبدانيدكه حال وكار ابن محمد در عرب منتشر كشت وموسم حج نزديكست كه عرب مى آيند وازحال وى برسند جواب ايشان جه خواهيداد. تزعمون انه مجنون فهل رأيتموه يخنق لان العرب كانت تعتقد ان الشيطان ويخنق المجنون ويتخبطه وتقولون انه كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتزعمون انه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط وتزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيأ من الكذاب فقالوا فى كل ذلك اللهم لاثم قالوا فما هو وما تقول فى حقه ففكر فقال ما هو الا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل واهله وولده ومواليه وما الذى يقوله الا سحر يأثره عن اهل بابل فارتج النادى فرحا وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه راضين به.

المدثر 74:20

{ ثم قتل كيف قدر } تكرير للتعجيب للمبالغة فى التشنيع وثم للدلالة على ان النكرة الثانية فى التعجيب ابلغ من الاولى اى للتراخى بحسب الرتبة وان اللائق فى شأنه ليس الا هذا القول دعاء عليه وفيما بعد على اصلها من الترخى الزمانى.

المدثر 74:21

{ ثم نظر } اى فى القرءآن مرة بعد مرة وتأمل فيه.

المدثر 74:22

{ ثم عبس } فقلت وجه يعنى روى فاهم كشيد وترش كرفت. لأن لم يجد فيه مطعنا ولم يدر ماذا يقول { وبسر } اتباع لعبس قال سعدى المفتى لكن عطف الاتباع على المتبوع غير معروف والظاهر ان كلا منهما له معنى مغاير لمعنى الآخر فعبس بمعنى قطب وجهه وبسر بمعنى قبض ما بين عينيه من السوء واسود وجهه منه ذكره الحلبى والعدة عليه وقال الراغب البسر الاستعجال بالشئ قبل اوانه نحو ابسر الرجل حاجته طلبها فى غير اوانها وقوله ثم عبس وبسر اى اظهر العبوس قبل اوانه وفى غير وقته انتهى.

المدثر 74:23

{ ثم أدبر } عن الحق { واستكبر } عن اتباعه { فقال } عقيب توليه عن الحق.

المدثر 74:24

{ أن } نافية بمعنى مالذا اورد الا بعدها { هذا } الذى يقوله محمد عليه السلام اى القرءآن { الا سحر يؤثر } اى يروى ويتعلم من الغير وليس هو من سحره بنفسه يقال اثرت الحديث آثره اثرا اذا حدثت به عن قوم فى آثارهم اى بعد ما ماتوا هذا هو الاصل ثم كان بمعنى الرواية عمن كان وحديث مأثور اى منقول ينقله خلف عن سلف وادعية مأثورة اى مروية عن الاكابر وفى تعلم السحر لحكمة رخصة واعتقاد حقيته والعمل به كفر كما قيل عرفت الشر لا للشر لكنى لتوقيه. ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه وقد سبق معناه وما يتعلق به فى مواضعه.

المدثر 74:25

{ ان هذا } ما هذا { الا قول البشر } تأكيد لما قبله ولذا اخلى عن العاطف قاله تمردا وعنادا لا على سبيل الاعتقاد لما روى قبل انه اقر بأن القرءآن ليس من كلام الانس والجن وأراد بالبشر يسارا وجبرا وأبا فكيهة اما الاولان فكانا عبدين من بلاد فارس وكانا بمكة وكان النبى عليه السلام يجلس عندهما واما أبو فكيهة فكان غلاما روميا يتردد الى مكة من طرف مسيلمة الكذاب فى اليمامة.

المدثر 74:26

{ سأصليه سقر } اى ادخله جهنم لما قال فى الصحاح سقر اسم من اسماء النار وقال ابن عباس رضى الله عنهما اسم للطبقة السادسة من جهنم يقال سقرته الشمس اذا آذته وآلمته وسميت سقر لا يلامها قوله سأصليه سقر بدل من سارهقه صعودا بدل الاشتمال سوآء جعل مثلا لما يلقى من الشدآئد أو اسم جبل من نار لان سقر تشتمل على كل منهما.

المدثر 74:27

{ وما ادراك ما سقر } ما الاولى مبتدأ وادراك خبره وما الثانية خبر لقوله سقر لانها المفيدة لما قصد افادته من التهويل والتفظيع دون العكس كما سبق فى الحاقة والمعنى اى شئ اعلمك ما سقر فى وصفها يعنى انه خارج عن دآئرة ادراك العقول ففيه تعظيم لشأنه.

المدثر 74:28

{ لا تبقى ولا تذر } بيان لوصفها وحالها وانجاز للوعد الضمنى الذى يلوح به وما ادراك ما سقر أى لا تبقى شيأ يلقى فيها الا اهلكته بالاحراق واذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد خلقا جديدا وتهلكه اهلا كا ثانيا وهكذا كما قال تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها او لا تبقى على شئ اى لا تترحم عليه ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة لانها خلقت من غضب الجبار قال فى تهذيب المصادر الابقاء باقى كردن ونيز شفقت بردن. وقيل لا تبقى حيا ولا تذر ميتا كقوله تعالى ثم لا يموت فيها ولا يحيى.

المدثر 74:29

{ لواحة للبشر } يقال لاحت النار الشئ اذا احرقته وسودته ولاحه السفر او العطش اى غيره وذلك ان الشئ اذا كان فيه دسومة فاذا احرق اسود والبشر جمع بشرة وهى ظاهر جلد الانسان اى مغيرة لأعلى الجلد وظواهره مسودة لها قيل تلفح الجلد لفسحة فتدعه اشدسوادا من الليل فان قلت لا يمكن وصفها بتسويد البشرة مع قوله لا تبقى ولا تذر قلت ليس فى الآية دلالة على انها تفنى بالكلية مع انه يجوز ان يكون الافناء بعد التسويد وقيل لائحة للناس على ان لواحة اسم فاعل من لاح يلوح اى ظهر وأن البشر بمعنى الناس قيل انها تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام فهو كقوله تعالى وبرزت الجحيم لمن يرى فيصل الى الكافر سمومها وحرورها كما يصل الى المؤمن ريح الجنة ونسيمها من مسيرة خمسمائة عام.

المدثر 74:30

{ عليها } اى على سقر { تسعة عشر } اى ملكا يتولون امرها ويتسلطون على اهلها وهم مالك وثمانية عشر معه أعينهم كالبرق الخاطف وانيابهم كالصياصى واشعارهم تمس اقدامهم يخرج لهب النار من افواههم ما بين منكبى احدهم مسيرة سنة نزعت منهم الرأفة والرحمة يأخذ أحدهم سبعين ألفا فى كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم قيل هذه التسعه عشر عدا الرؤساء والنقباء واما جملة اشخاصهم فكما قال تعالى وما يعلم جنود ربك الا هو فيجوز أن يكون لكل واحد منهم أعوان لا تعد ولا تحصى ذكر ارباب المعانى والمعرفة فى تقدير هذا العدد وتخصيصه وجوها منها ان سبب فساد النفس الانسانية فى قوتها النظرية والعلمية هو القوى الحيوانية والطبيعية فالقوى الحيوانية هى الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والشهوة والغضب ومجموعها اثنتا عشرة واما القوى الطبيعية فهى الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة فالمجموع تسع عشرة قال ابن الشيخ والمراد بالقوى الحيوانية القوى التى تختص بالحيوان من بين المواليد الثلاثة الحيوان والنبات والمعدن وهى قسمان مدركة وفاعله فالمدركة اى مالها مدخل فى الادراك بالمشاهدة والحفظ عشر وهى الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والفاعلة اى مالها مدخل فى الفعل اما باعثة او محركة وهما اثنتان الشهوة والغضب والقوى الطبيعية هى القوى التى لا تختص بالحيوان بل توجد فى النبات ايضا وهى سبع ثلاث منها مخدومة وهى الغاذية والنامية والمولدة واربع منها خوادم وهى الجاذبة والهاضمة والماسكة والدافعة فلما كان منشأ الآفات هو هذه القوى التسع عشرة كان عدد الزبانية هكذا قال سعدى المفتى وأنت خبير بأن اثبات هذه القوى بناؤه على الاصول الفلسفية ونقى الفاعل المختار فيصان تفسير كلام الله عن امثاله اى وان ذكرها الامام فى التفسير الكبير وتبعه من بعده وقال ايضا والحق ان يحال علمه الى الله تعالى فالعقول البشرية قاصرة عن ادراك امثاله انتهى ويرده ما قال الامام السهيلى فى الامالى ان النكتة التى من اجلها كانوا تسعة عشر عددا ولم يكونوا اكثر أو أقل فلعمرى ان فى الكتاب والسنة لدليلا عليها واشارة اليها ولكنها كالسر المكنون والناس اسرع شئ الى انكار ما لم يألفوه وتزييف مالم يعرفوه ولا يؤمن فى نشرها وذكرها سوء التأويل لقصور اكثر الافهام عن الوعى والتحصيل مع قلة الانصاف فى هذا الجيل انتهى ومنها ان أبواب جهنم سبعة ستة منها للكفار وواحد للفساق ثم ان الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة ترك الاعتقاد وترك الاقرار وترك العمل فيكون لكل باب من تلك الابواب الستة ثلاثة فالمجموع ثمانيه عشر واما باب الفساق فليس هانك الا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر ومنها ان الساعات اربع وعشرون خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس فيبقى منها تسع عشرة مشغولة بغير العبادة مصروفة الى ما يؤاخذ به بأنواع العذاب يعنى انه لم يخلق فى مقابلة الخمس التى جعلت مواقيت الصلاة زبانية تكريما لها فلا يلزم الاختصاص بالمصلين من عصاة المؤمنين كما فى حواشى سعدى المفتى فلا جرم صار عد الزبانية تسعه عشر ومنها انه تعالى حفظ جهنم بما حفظ به الارض ومن الجبال وهى مائة وتسعون اصلها تسعة عشر ومنها ان المدبرات للعالم النجوم السيارة وهى سبعة والبروج الاثنى عشر الموكلة بتدبير العالم السفلى المؤثرة فيه تقمعهم بسياط التأثير وترديهم فى مهاويها ومنها ما قال السجاوندى فى عين المعانى قد تكلموا فى حكمة العدد على انه لا تطلب للاعداد العلل فان التسعة اكثر الآحاد والعشرة اقل العشرات فقد جمع بين اكثر القليل واقل الكثير يعنى ان التسعة عشر عدد جامع بينهما فلهذا كانت الزبانية على هذا العدد ومنها ما قال فى كشف الاسرار ان قوله بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا وعدد الزبانية تسعة عشر ملكا فيدفع المؤمن بكل حرف منها واحدا منهم وقد سبقت رحمته غضبه ومنها ما لاح لهذا الفقير قبل الاطلاع على ما فى كشف الاسرار وهو أن عدد حروف البسملة تسعة عشر كما قال المولى الجامى { نوزده حر فست كه هزده هزار عالم ازو يافته فيض عميم ولما كانت البسملة آية الرحمة والكفار والفساق لم يقبلوه هذه الآية حيث سلكوا سبيل الكفر والمعاصى خلق الله فى مقابلة كل حرف منها ملكا من الغضب والجلال وجعله آية الغضب كما جعل خازن الجنة آية الرحمة دل على ما قلنا قوله عليه السلام يسلط على الكافر فى قبره تسعة وتسعون تنينا وهو اكبر الحيات بالفارسية ازدر. فى فمه انياب مثل اسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر العينين مثل الدم واسع الفم والجوف يبتلع الانسان والحيوان وسره انه كفر بالله وباسمائه الحسنى التى هى تسعة وتسعون فاستحق ان يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا بعدها فى قبره الذى هو حفرة من حفر النيران فلا يلزم ان يسلط عليه ذلك العدد فى النار فالتسع عدد القهر والحصر والانقراض لانه ينقرض عن اهل النار امداد الرحمة الرحيمية ومنها ما فى التأويلات النجمية من ان اختلال النفوس البشرية بحسب العمل والعلم والدخول فى جهنم البعد والطرد واللعن والحجاب والاحتجاب مترتب على موجباتها وهى تسعة غير الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة وهى الاعضاء والجوارح السبع التى ورد بها الحديث بقوله عليه السلام " امرت ان اسجد على سبعة اعضاء وآراب " والطبيعة البشرية المشتملة على الكل المؤثرة فى الكل بحسب الظاهر والباطن ويجوز أن تكون القوة الغضبية والشهوية بدل الطبيعة فصار الكل تسعة عشر

المدثر 74:31

{ وما جعلنا اصحاب النار } اى المدبرين لامرها القائمين بتعذيب اهلها فأصحاب النار هنا غير اصحاب النار فى قوله تعالى لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وفى كشف الاسرار وما جعلنا خزنة اصحاب النار فخذف المضاف انتهى وفيه بعد لانهم خزنة النار لا خزنة اصحابها { الا ملائكة } ليخالفوا جنس المعذبين من الثقلين فلا يرقوا لهم ولا يميلوا اليهم فان المجانسة مظنة الرأفة فلذا بعث الرسول من جنسنا ليرحم بنا ولانهم اقوى الخلق واقومهم بحق الله وبالغضب له تعالى واشدهم بأسا وعن النبى عليه السلام لقوة احدهم مثل قوة الثقلين يسوق احدهم الامة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم فى النار ويرمى بالجبل عليهم ويروى انه لما نزل قوله تعالى عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش أيعجز كل عشرة منكم ان يبشطوا برجل منهم فقال أبو الاسود ابن اسيد بن كلدة الجمحى وكان شديد البطش والقوة حتى كان من قوته انه اذا قام على اديم واجتمع جماعة على ازالة رجليه عنه لم يقدروا عليه فكانوا يشدون الاديم حتى يتقطع قطعا ورجلاه على حالهما أنا أكفيكم سبعة عشر منهم فاكفونى أنتم اثنين فنزلت اى وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون فمن ذا الذى يغلب الملائكة والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق وللواحد منهم من القوة ما يقلب الارض فيجعل عاليها سافلها. واتمام آدميان طاقت ديداريك فرشته تدارندنا بمقاومت كجا بسر آيند { وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا } اى وما جعلنا عددهم الا العدد الذى تسبب لافتتانهم ووقوعهم فى الكفر وهو التسعة عشر فعبر بالاثر عن المؤثر أى بالفتنة عن العدد المخصوص تنبيها على التلازم بينهما وحمل الكلام على هذا لان جعل من دواخل المبتدأ والخبر فوجب حمل مفعوله الثانى على الاول ولا يصح حمل افتتان الكفار على عدد الزبانية الا بالتوجيه المذكور فان عدتهم سبب للفتنة لا فتنة نفسها ثم ليس المراد مجرد جعل عددهم ذلك العدد المعين فى نفس الامر بل جعله فى القرءآن ايضا كذلك وهو الحكم بأن عليها تسعة شعر اذ بذلك يتحقق افتتانهم باستقلالهم له واستبعادهم لتولى هذا العدد القليل امر الجمع الغفير واستهزآئهم به حسبما ذكر وعليه يدور ما سيأتى من استيقان اهل الكتاب وازدياد المؤمنين ايمانا { ليستيقن الذين اوتوا الكتاب } متعلق بالجعل على المعنى المذكور والسين للطلب اى ليكتسبوا اليقين بنبوته عليه السلام وصدق القرءآن لما شاهدوا ما فيه موافقا لما فى كتابهم وفى عين المعانى سأل اليهود رسول الله صلى عليه وسلم عن خزنة النار وعددهم فاجاب عليه السلا م بانهم تسعة عشر. يعنى دوباربا صابع يدين اشارت فرمود ودر كرت دوم ابهام يمنى را امساك فرمود { ويزداد الذين آمنوا ايمانا } اى يزداد ايمانهم كيفية بما رأوا من تسليم اهل الكتاب وتصديقهم انه كذلك او كمية بانضمام ايمانهم بذلك الى ايمانهم بسائر ما انزل { ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون } تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الايمان فان نفى ضد الشئ بعد اثبات وقوعه ابلغ فى الاثباب ونفى لما قد يعترى المستيقن والمؤمن من شبهة ما فيحصل له يقين جازم بحيث لا شك بعده وانما لم ينظم المؤمنين فى سلك اهل الكتاب فى نفى الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا للتنبيه على تباين النفيين حالا فان انتفاء الارتياب من اهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الايمان وكم بينهما والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للايذان بثباتهم على الايمان بعد ازدياده ورسوخهم فى ذلك { وليقول الذين فى قلوبهم مرض } شك او نفاق فان كلا منهما من الامراض الباطنة فيكون احبارا بما سيكون فى المدينة بعد الهجرة اذ النفاق انما حدث بالمدينة وكان اهل مكة اما مؤمنا حقا واما مكذبا واما شاكا { والكافرون } المصرون على التكذيب فان قلت كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصود الله تعالى قلت اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة فلا اشكال { ماذا أراد الله بهذا مثلا } تمييز لهذا او حال منه بمعنى ممثلا به كقوله هذه ناقة الله لكم آية اى اى شئ أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل فاطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة حيث شبهوه بالمثل المضروب وهو القول السائر فى الغرابة حيث لم يكن عقدا تاما كعشرين او ثلاثين والاستفهام لانكار أنه من عند الله بناء على انه لو كان من عنده لما جاء ناقصا وافراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للاشعار باستقلاله فى الشناعة { كذلك يضل الله من يشاء } ذلك اشارة الى ما قبله من معنى الضلال اى يضل الله من يشاء اضلاله كأبى جهل واصحابه المنكرين لخزنة جهنم وعددهم اضلالا كائنا مثل ما ذكر من الاضلال لا اضلالا أدنى منه لصرف اختياره الى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق واصلها ان الله لا يضل الا بحسب الضلالة الازلية لان الضلال وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من مقتضى عينه الثابتة { ويهدى من يشاء } هدايته كاصحاب محمد عليه السلام هدايته كائنة مثل ما ذكر من الهداية لا هداية أدنى منها لصرف اختياره عند مشاهدة تلك الآيات الى جانب الهدى وحقيقته ان الله لا يهدى الا بموجب الهداية الازلية اذ الاهتدآء وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من احواله الازلية فلا يجوز خلافه فى عالم العين فى الابد { وما يعلم جنود ربك } اى جموع خلقه التى من جملتها الملائكة المذكورون والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وكل مجتمع وكل صنف من الخلق على حدة وفى الحديث ان لله جنودا منها العسل { الا هو } لفرط كثرتها وفى حديث موسى عليه السلام انه سأل ربه عن عدد اهل السماء فقال تعالى اثنا عشر سبطا عدد كل سبط عدد التراب وفى الاسرار المحمدية ليس فى العالم موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله والدليل على ذلك أمر النبى عليه السلام بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين وفيه اشارة الى ان لله فى اختيار عدد الزبانية حكمة والا فجنوده خارجة عن دآئرة العدد والضبط قال القاشانى وما يعلم عدد الجنود وكميتها وكيفيتها وحقيقتها الا هو لاحاطة علمه بالماهيات واحوالها وفى التأويلات النجمية الا هويتة الجامعة لجميع جنود التعينات الغير المتناهية بحسب الاسماء الجزئية والجزئيات الاسماء قال بعض العارفين خلقت الملائكة على مراتب فأرواح ليس لهم عقل الا تعظيم جناب الله وليس لهم وجه مصروف الى العالم ولا الى نفوسهم قد هيمهم جلال الله واختطفهم عنهم فهم فيه حيارى سكارى وارواح مدبرة اجساما طبيعة ارضية وهى ارواح الاناسى وارواح الحيوانات من جسم عنصرى طبيعى وهذ الارواح المدبرة لهذه الاجسام مقصورة عليها مسخر بعضها لبعض كما قال تعالى ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وارواح اخر مسخرات لمصالحنا وهم على طبقات كثيرة فمنهم الموكل بالوحى ومنهم الموكل بالالقاء ومنهم الموكل بالارزاق ومنهم الموكل بقبض الارواح ومنهم الموكل باحياء الموتى ومنهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم ومنهم الموكل بالغراسات فى الجنة جزآء لاعمال العباد ومنهم غير ذلك واما مراتبهم وتفاوتهم ففيهم الاكبر والكبير فجبريل اكبرمن عزرآئيل وميكائيل اكبر من جبريل واسرافيل اكبر من ميكائيل وقال بعضهم هذه الجنود ليست معدة للمحاربة بل هى لترتيب المملكة الظاهرة للعالم الاعلى والاسفل لانه اذا كان ما فى السموات وما فى الارض جنوده فلمن يقاتلون فما بقى الا ان المراد بهم جنود التسخير اذ العالم كله مسخر بعضه لبعض وجميع الملائكة مسخرون لنا بأسرهم تحت ايدى الأثنى عشر ملكا الذين ولاهم الله على عالم الخلق ومقرهم فى الفلك الاقصى كل وال فى برج كأبراج سور المدينة جالس على تخت وقد رفع الله الحجاب بين هؤلاء الولاة وبين اللوح المحفوظ فرأوا فيه مسطرا اسماءهم ومراتبهم وما شاء الله ان يجريه على ايديهم فى عالم الخلق الى يوم القيامة فارتقم ذلك كله فى نفوسهم وعلوه علما محفوظا لا يتبدل ولا يتغير كما علمنا نحن اسماءهم واحوالهم من مقابلة قلوبنا للوح المحفوظ ثم ان الله جعل لكل واحد من هؤلاء الولاة حاجبين ينفذ ان اوامراهم الى نوابهم وجعل بين كل حاجبين سفيرا يمشى بينهما بما يلقى اليه كل واحد منهما وعين الله لهؤلاء الذين جعلهم حجابا لهؤلاء الولاة فى الفلك الثانى منازل يسكنونها وانزلهم اليها وهى الثمانى والعشرون منزلة التى تسمى المنازل التى ذكرها الله بقوله والقمر قدرناه منازل يعنى فى سيره ينزل كل يوم منزلة منها الى ان ينتهى الى آخرها ثم تدور دورة اخرى ليعلموا بسيره وسير الشمس والخنس عدد السنين والحساب وكل شئ فصله الحق لنا تفصيلا فأسكن فى هذه المنازل هذه الملائكة وهم حجاب اولئك الولاة الذين فى الفلك ثم ان الله امر هؤلاء ان يجعلوا لهم نوابا ونقباء فى السموات السبع فى كل سماء نقيبا كما لحجاب لهم لينظروا فى مصالح العالم العنصرى بما يلقيه اليهم هؤلاء الولاة ويأمرونهم به وهو قوله تعالى وأوحى فى كل سماء امرها فجعل الله اجسام هذه الكواكب النقباء اجساما نيرة مستديرة ونفخ فيها ارواحها وانزلها فى السموات السبع فى كل سماء واحد منهم وقال لهم قد جعلتكم تستخرجون ما عند هؤلاء الاثنى عشر واليا بواسطة الحجاب الثمانية والعشرين كما يأخذ اولئك الولاة عن اللوح المحفوظ ثم جعل الله لكل نقيب من هؤلاء السبعة النقباء فلكا يسبح فيه هوله كالجواد للراكب وهكذا الحجاب لهم افلاك يسبحون فيها اذ كان لهم التصرف فى حوادث العالم والاستشراف عليه ولهم سدنة وأعوان يزيدون على الالف اعطاهم الله مراكب سماها افلاكا فهم ايضا يسبحون فيها وهى تدور بهم على المملكة فى كل يوم مرة فلا يفوتهم شئ من المملكة اصلا من ملك السموات والارض فتدور الولاة وهؤلاء الحجاب والنقباء والسدنة كلهم فى خدمة هؤلاء الولاة والكل مسخرون فى حقنا اذ كنا نحن المقصود الاعظم من العالم كله قال تعالى وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض جميعا منه وسبب دوران الافلاك علينا كل يوم دورة انما هو لينظر هؤلاء الولاة فيما تدعو حاجة الخلق اليه من الامور فيسدوا خللهم وينفذوا احكام الله فيهم من كونه مريدا فى خلقه لا من كونه آمرا اليه فينفذون الاقدار فيهم فى ازمان مختلفة وكماجعل الله زمام هذه الامور بأيدى هؤلاء الجماعة من الملائكة واقعد منهم من اقعد فى برجه ومسكنه الذى فيه تحت ملكه وانزل من انزل من الحجاب والنقباء الى منازلهم فى سمواتهم كذلك جعل فى كل سماء ملائكة مسخرة وجعلهم على طبقات فمنهم اهل العروج بالليل والنهار من الحق الينا ومنا الى الحق فى كل صباح ومساء ولا يقولون الاخيرا فى حقنا ومنهم المستغفرون لمن فى الارض ومنهم المستغفرون للمؤمنين لغلبة الغيرة الالهية عليهم كما غلبت الرحمة على المستغفرين لمن فى الارض ومنهم الموكلون بايصال الشرآئع ومنه الموكلون بالممات ومنهم الموكلون بالالهام وهم الموصلون العلوم الى القلوب ومنهم الموكلون بالارحام بتصوير ما يكون لله فى الارحام ومنهم الموكلون بنفخ الارواح ومنهم الملائكة التسعة عشر الموكلون بالشفاعة لمن دخل النار ومنهم الموكلون بالارزاق ومنهم الموكلون بالامطار ومنهم الصافات والزاجرات والتاليات والمقسمات والمرسلات والناشرات والنازعات والناشطات والسابقات والسابحات والملقيات والمدبرات ولذلك قالوا ومامنا الا له مقام معلوم فما من حادث يحدثه الله فى العالم الاوقدوكل الله باجرآئه الملائكة ولكن بأمر هؤلاء الولاة من الملائكة فلا يزالون تحت سلطانهم اذ هم خصائص الله ثم ان العامة ما تشهد من هؤلاء الملائكة الا منازلهم التى هى اجرام الكواكب ولا تشهد اعيان الحجاب ولا النقباء واما اهل الكشف فيشهدونهم فى منازلهم عيانا. ثم اعلم ان الله قد جعل فى هذ العالم العنصرى خلقا من جنسهم ولاة عليهم نظير العالم العلوى فمنهم الرسل والخلفاء والسلاطين والملوك وولاة امور جميع العالم من القضاة واضرابهم ثم جعل بين ارواح هؤلاء الولاة الذين هم فى الارض والولاة الذين هم فى السموات مناسبات ودقائق تمتد اليهم بالعدل مطهرة من الشوآئب مقدسة عن العيوب فيقبل هؤلاء الولاة الارضيون منهم بحسب استعدادتهم فمن كان استعداده حسنا قويا قبل ذلك الامر على صورته طاهرا مطهرا فكان والى عدل وامام فضل ومن كان استعداده رديئا قبل ذلك الامر الطاهر ورده الى شكله من الردآءة والقبح والجور فكان والى جور ونائب ظلم وبخل فلا يلومن الا نفسه فهذه امهات مراتب حكام العالم اصحاب المراتب على سبيل الاجمال واما الرعية فلا يحصى عددهم الا الله ولله تعالى فى الارض ملائكة لا يصعدون الى السماء أبدا وملائكة فى السماء لا ينزلون الى الارض أبدا كل قد علم صلاته وتسبيحه بالهام من الله تعالى كذا فى كتاب الجواهر للامام الشعرانى رحمه الله { وماهى } اى سقر وذكر صفتها { الا ذكرى للبشر } الا تذكرة وعظمة وانذار لهم بسوء عاقبة الكفر والضلال وتخصيص الانس مع انها تذكرة للجن ايضا لانهم هم الاصل فى القصد بالتذكرة او وما عدة الخزنة الا تذكرةلهم ليتذكروا ويعلموا ان الله قادر على ان يعذب الكثير الغير المحصور من كفار الثقلين وعصاتهم بهذا العدد بل هو لا يحتاج فى ذلك الى أعوان وانصار اصلا فانه لو قلب شعرة واحدة فى عين ابن آدم او سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة وانما عين العدد وخلق الجنود لحكمة لا لاحتياج ويجوز أن يعود الضمير الى الآيات الناطقة باحوال سقر فانها تذكرة لاشتمالها على الانذار.

المدثر 74:32

{ كلا } ردع لمن انكر سقر أى ارتدع عن انكارها فانها حق او انكار ونفى لان تكون لهم تذكرة فان كونها ذكرى للبشر لا ينافى ان بعضهم لا يتذكرون بل يعرضون عنها بسوء اختيارهم ألا يرى الى قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين { والقمر } مقسم به مجرور بواو القسم يعنى سوكند بماه كه معرفت اوقات وآجال بوى باز بسته است. وفى فتح الرحمن تخصيص تشريف وتنبيه على النظر فى عجائبه وقدرته فى حركاته المختلفة التى هى مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل وقال أبو الليث وخالق القمر يعنى الهلال بعد ثالثه.

المدثر 74:33

{ والليل } معطوف على القمر وكذا الصبح يعنى وبحرمه شب { اذ } بسكون الذال وهو ظرف لما مضى من الزمان { ادبر } على وزن افعل اى انصرف وذهب فان الادبار نقيض الاقبال.

المدثر 74:34

{ والصبح } قال فى القاموس الصبح الفجر او اول النهار والجمع اصباح وفى المفردات الصبح والصباح اول النهار وهو وقت ما احمر الافق بحاجب الشمس { اذا } ظرف لما يستقبل من الزمان واتفقوا على اذا ههنا نظرا الى تأخره عن الليل من وجه { اسفر } اى ضاء وانكشف فان الاسفار بالفارسية روشن شدن. قال الراغب السفر كشف الغطاء ويختص ذلك بالاعيان نحو سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه والاسفار يختص باللون نحو والصبح اذا اسفر اى شرق لونه ووجهه وأسفروا بالفجر تؤجروا من قولهم اسفرت اى دخلت فيه نحو أصبحت وفى قوت القلوب الفجر الثانى هو انشقاق شفق الشمس وهو بريق بياضها الذى تحت الحمرة وهو الشفق الثانى على ضد غروبها لان شفقها الاول من العشاء هو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهوالشفق الثانى من اول الليل وهو آخر سلطان شعاع الشمس وبعد البياضى سواد الليل وغسقه ثم ينقلب ذلك على الضد فيكون بدء طلوعها الشفق الاول وهو البياض وبعده الحمرة وهو شفقها الثانى وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس فالفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الاسفل اذا ظهرت على وجه ارض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والاقاليم المشرفة العالية ويظهر شعاعها منتشرا الى وسط الدنيا عرضا مستطيرا انتهى قال الكاشفى اقسم بالقمر اى بالقلب المستعد الصافى القابل للانذار المتعظ به المنتفع بتذكره تعظيما وبليل ظلمه النفس اذ أدبر أى ذهب بانقشاع ظلمتها عن القلب باشراق نور الروح عليه وتلالى طوالعه وبصبح طلوع ذلك اذا اسفر لزالت الظلمة بكليتها وتنور القلب انتهى فظهر من هذا حسن موقع ذكر القمر والليل والصبح فى مقام ذكر سقر ودواهيها لان سقر اشارة الى الطبيعة وجهنم النفس.

المدثر 74:35

{ انها لاحدى الكبر } جواب للقسم والكبر جمع الكبرى جعلت الف التأنيث كتائه وألحقت بها فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها والا ففعلى لا تجمع على فعل بل على فعالى كحبلى وحبالى والمعنى ان سقر لاحدى البلايا او لاحدى الدواهى الكبر الكثيرة وهى اى سقر واحدة فى العظم لا نظيرة لها كقولك انه احد الرجال هذا اذا كان منكرا لسقر وان كان منكرا لعدة الخزنة فالمعنى انها من احدى الحجج اكبر نذيرا من قدرة الله على قهر العصاة من لدن آدم عليه السلام الى قيام الساعة من الجن والانس حيث استعمل على تعذيبهم هذا العدد القليل وان كان منكر الآيات فالمعنى انها لاحدى الآيات الكبر.

المدثر 74:36

{ نذيرا للبشر } تمييز من نسبة احدى الكبر الى اسم ان لان معناه انها من معظمات الدواهى التى خلقها الله للتعذيب فيصح ان ينتصب منه التمييز كما تقول هى احدى النساء عفافا والنذير مصدر كالنكير والمعنى لاحدى الكبر انذارا اى من جهة الانذار اول مما دلت عليه الجملة اى معنى قوله انها لاحدى الكبر أى كبرت مندرة وحذف التاء مع ان فعيلا بمعنى فاعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير انها فى تأويل العذاب او لكون النذير بمعنى ذات انذار على معنى النسب كقولهم امرأة طاهر اى ذات طهارة.

المدثر 74:37

{ لمن شاء منكم ان يتقدم او يتأخر } بدل من للبشر باعادة الجار وان يتقدم مفعول شاء ومنكم حال من من اى نذيرا لمن يشاء منكم ان يسبق الى الخير والجنة والطاعة فيهديه الله او لم يشأ ذلك ويتأخر بالمعصية فيضله وفيه اشارة الى ان لكسب العبد دخلا فى حصول المرحومية والمحرومية وفى التأويلات النجمية اقسم بنور قمر الشريعة الزهرآء وبظلمة ليل الطبيعة الظلماء وبصبح الحقيقة البيضاء حين غلبت على غلس الطبيعة ان الجبود مظاهر احدى هذه المراتب الكلية الكبرى اما اهل الشريعة واما اهل الحقيقة واما اهل الطبيعة وقوله نذيرا للبشر اى جعلنا الحصر فى المراتب الثلاث الكلية ليتنبه الانسان ويحترز أن يكون من اهل الانذار لمن شاء منكم ان يتقدم الى مقام الشريعة او يتأخر الى مقام الطبيعة ولما كان مقام الحقيقة اعلى المراتب ولم يصل اليه الا النذر من الكمل اعرض عن ذكره انتهى ويجوز أن يكون اهل الحقيقة داخلا فى ان يتقدم لانه واهل الشريعة كل منهما من المتقدمين وان كان بينهما فرق فى التقدم وتفاوت فى السير والمسارعة والحاصل الا اهل ان الاستعداد تقدموا باكتساب الفضائل والخيرات والكمالات الى مقام القلب والروح والسر واما غيرهم فتأخروا بالميل الى البدن وشهواته ولذاته فوقعوا فى ورطة الطبيعة.

المدثر 74:38

{ كل نفس } من نفوس الانس والجن المكلفين { بما كسبت رهينة } مرهونة عند الله بكسبها محبوسة ثابتة وفى بعض التفاسير بسبب ما كسبت من الاعمال السيئة من رهن الشئ اى دام وثبت وارهنته اى تركته مقيما عنده وثابتا والرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما اخذ منك والمرتهن هو الذى يأخذ المرهون ونفس المكلف محبوسة ثابتة عند الله بما اوجبه عليه من التكاليف التى هى حق خالص له تعالى فان اداها الملكف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه والا بقيت نفسه مرهونة محبوسة عنده وقال بعضهم الرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم على ان تكون التاء للنقل من الوصفية الى الاسمية وفى فتح الرحمن للمبالغة او على تأنيث اللفظ لا على معنى الانسان ونحوه وليس اى الرهينة صفة والا لقيل رهين لان فعيلا بمعنى مفعول لا تدخله التاء بل يستوى فيه المذكر والمؤنث الا ان يحمل على ما هو بمعنى الفاعل فانه يؤتى فى مؤنثه بالتاء كما فى عكسه فى قوله تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين قال الراغب قيل فى قوله كل نفس بما كسبت رهينة انه فعيل بمعنى فاعل اى ثابتة مقيمة وقيل بمعنى مفعول اى كل نفس مقامة فى جزآء ما قدم من علمها ولما كان الرهن يتصور من حبسه استعير ذلك للمحتبس اى شئ كان.

المدثر 74:39

{ الا اصحاب اليمين } استثناء متصل من كل نفس لكثرتها فى المعنى واصحاب اليمين اهل الاعمال الصالحة من المؤمنين اى فانهم فاكون رقابهم بما احسنوا من اعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأدآء الدين قال القاشانى كل نفس بمكسوبها رهن عند الله لا فكاك لها لاستيلاء هيئات اعمالها وآثار افعالها عليها ولزومها اياها وعدم انفكاكها عنها الا اصحاب اليمين من السعدآء الذين تجردوا عن الهيئات الجسدانية وخلصوا الى مقام الفطرة ففكوا رقابهم من الرهن.

المدثر 74:40

{ فى جنات } كأنه قيل ما بال اصحاب اليمين فقيل هم فى جنات لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها كما دل عليها التنكير والمراد ان كلا منهم ينال جنة منها { يتساءلون عن المجرمين } تفاعل هنا بمعنى فعل اى يسألون المجرمين عن احوالهم وقد حذف المسئول لكونه عين المسئول عنه ولدلالة ما بعده عليه يروى ان الله يطلع اهل الجنة وهم فى الجنة حتى يرون اهل االنار وهم فى النار فيسألونهم.

المدثر 74:41

{ فى جنات } كأنه قيل ما بال اصحاب اليمين فقيل هم فى جنات لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها كما دل عليها التنكير والمراد ان كلا منهم ينال جنة منها { يتساءلون عن المجرمين } تفاعل هنا بمعنى فعل اى يسألون المجرمين عن احوالهم وقد حذف المسئول لكونه عين المسئول عنه ولدلالة ما بعده عليه يروى ان الله يطلع اهل الجنة وهم فى الجنة حتى يرون اهل االنار وهم فى النار فيسألونهم.

المدثر 74:42

{ ما سلككم فى سقر } مقدر بقول هو حال مقدرة من فاعل يتساءلون اى قائلين اى شئ ادخلكم فيها وكان سبب لدخولكم من سلكت الخيط فى الابرة سلكا اى ادخلته فيها فهو من السلك بمعنى الادخال لا من السلوك بمعنى الذهاب فان قلت لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت توبيخا لهم وتحسيرا ولتكون حكاية الله ذلك فى كتابه تذكرة للسامعين قرأ ابو عمر وسلكم بادغال الكاف فى الكاف والباقون بالاظهار { قالوا } اي المجرمون مجيبين للسائلين.

المدثر 74:43

{ لم نك من المصلين } للصلوات الواجبة فعدم اقرارنا بفرضية الصلاة وعدم ادآئها سلكنا فيها أصله نكن حذف النون للتخفيف مع كثرة الاستعمال.

المدثر 74:44

{ ولم نك نطعم المسكين } على معنى استمرار نفى الاطعام لا على نفى استمرار الاطعام والمراد ايضا الاطعام الواجب والا فما ليس بواجب من الصلاة والاطعام لا يجوز التعذيب على تركه وكانوا يقولون أنطعم من لو يشاء الله اطعمه فكانوا لا يرحمون المساكين بالاطعام ولا يحضون عليه ايضا كما سبق ففيه ذم للبخل ودلالة عى ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤآخذة قال فى التوضيح الكفار مخاطبون بالايمان والعقوبات والمعاملات اجماعا اما العبادات فهم مخاطبون بها فى حق المؤآخذة فى الآخرة اتفاقا ايضا لقوله تعالى ما سلككم فى سقر الآيات اما فى حق وجوب الآداء فمختلف فيه قال العراقيون من مشايخنا نعم وقال مشايخ ديارنالا وفى بعض التفاسير وللحنفى ان يقول هذا انما هو تأسف منهم على تفريطهم فى كسب الخير وحرمانهم مما ناله المصلون والمزكون من المؤمنين لا يلزم من ذلك ان يكونوا مأمورين بالعمل قبل الايمان.

المدثر 74:45

{ وكنا نخوض مع الخائضين } اى نشرع فى الباطل مع الشارعين فيه والمراد بالباطل ذم النبى عليه السلام واصحابه رضى الله عنهم وغيبتهم وقولهم بانه شاعر او ساحر او كاهن وغير ذلك والخوض فى الاصل بمعنى الشروع مطلقا فى اى شئ كان ثم غلب فى العرف بمعنى الشروع فى الباطل والقبيح ومالا ينبغى وفى الحديث اكثر الناس ذنوبا يوم القيامة اكثرهم خوضا فى معصية الله.

المدثر 74:46

{ وكنا نكذب بيوم الدين } اى بيوم الجزآء اضافوه الى الجزآء مع ان فيه من الدواهى والاهوال ما لا غاية له لانه ادهاها وانهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهى وتأخير جنايتهم هذه مع كونها اعظم من الكل اذ هو تكذيب القيامة وانكارها كفر والامور الثلاثة المتقدمة فسق لتفخيمها والترقى من القبيح الى القبيح كأنهم قالوا وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرا الى آخر عمرهم حسبما ينطق به قولهم.

المدثر 74:47

{ حتى اتانا اليقين } اى الموت ومقدماته فانه امر متيقن لا شك فى اتيانه وبالفارسية نفد بما مرك ومقدمات او برهمان حال مرديم. فان قلت أيريدون ان كل واحد منهم بمجموع هذه الاربع دخل النار أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه قلت يحتمل الامرين جميعا كما فى الكشاف وفيه اشارة الى ان بقاءهم فى سقر الطبيعة انما كان بسبب هذه الرذآئل والذمائم.

المدثر 74:48

{ فما تنفعهم شفاعة الشافعين } من الانبياء والملائكة وغيرهم اى لو قدر اجتماعهم على شفاعتهم على سبيل فرض المحال لا تنفعهم تلك الشفاعة فليس المراد أنهم يشفعون لهم ولا تنفعهم شفاعتهم اذا الشفاعة يوم القيامة موقوفة على الاذن وقابلية المحل فلو وقعت من المأذون للقابل قبلت والكافر ليس بقابل لها فلا اذن فى الشفاعة له فلا شفاعة ولا نفع فى الحقيقة وفيه دليل على صحة الشفاعة ونفعها يومئذ لعصاة المؤمنين والا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه قال ابن مسعود رضى الله عنه تشفع الملائكة والنبيون والشهدآء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى فى النار الا اربعة ثم تلا قوله قالوا لم نكن من المصلين الى قوله بيوم الدين وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان محمدا عليه السلام يشفع ثلاث مرات ثم تشفع الملائكة ثم الانبياء ثم الآباء ثم الابناء ثم يقول الله بقيت رحمتى ولا يدع فى النار الا من حرمت عليه الجنة ويقول الرجل من اهل النار لواحد من اهل الجنة يا فلان اما تعرفنى أنا الذى سقيتك شربة ويقول آخر أنا الذى وهبت لك وضوأ ويقول آخر أطعمتك لقمة وآخر كسوتك خرقة وعلى هذا فيشفع له فيدخله الجنة اما قبل دخول النار او بعده.

المدثر 74:49

{ فما لهم عن التذكرة معرضين } الفاء لترتيب أنكال اعراضهم عن القرءآن بغير سبب على ما قبلها من موجبات الاقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين ومعرضين حال من الضمير فى الجار الواقع خبرا لما الاستفهامية وعن متعلقة به اى فاذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأى شئ حصل لهم معرضين عن القرءآن مع تعاضد موجبات الاقبال عليه وتأكد الدواعى للايمان به وفى كشف الاسرار بس جه رسيدست ايشانرا كه ازجنين بندى روكردانيده انده يقال الاعراض يكون بالجحود وبترك الاتباع له.

المدثر 74:50

{ كأنهم حمر مستنفرة } حال من المستكن فى معرضين بطريق التداخل وحمر جمع حمار وهو معروف ويكون وحشيا وهو المراد هنا ومستنفرة من نفرت الدواب بمعنى هربت لا من نفر الحاج والمعنى مشبهين بحمر نادرة يعنى خران رميدكان. فاستنفر بمعنى نفر كما ان استعجب بمعنى عجب وقال الزمخشرى كأنهم حمر تطلب النفار من نفوسها بسبب انهم جمعواهم نفوسهم للنفار وحملوه عليها فابقى السين على بابها من الطلب قال الراغب مستنفرة قد قرئ بفتح الفاء وكسرها فاذا كسر الفاء فمعناه نافرة واذا فتح فمعناه منفرة.

المدثر 74:51

{ فرت من قسورة } اى من اسد لان الوحشية اذا عاينت الاسد تهرب اشد الهرب ومثل القسورة الحيدرة لفظا ومعنى وهى فعولة من القسر وهو القهر والغلبة لانه يغلب السباع ويقهرها قال ابن عباس رضى الله عنهما القسورة هو الاسد بلسان الحبشة وقيل هى جماعة الرماة الذين يتصيدونها وقال الكاشفى كريختنذ از شيريا از صياد ياريسمان دام يا مردم اتيرانداز يا آوازهاى مختلف. شبهوا فى اعرضهم عن القرءآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه بحمر جدت فى نفارها مما افزعها يعنى جمانجه خربيابانى ازايهامى كريزد ايشان ازاستماع قرآن مى كريزنذ زيراكه كوش سخن شنوودل بند بذبرندارند كما اشار اليه فى المثنوى ازكجا اين قوم وبيغام ازكجا از جمادى جان كجا باشد رجا فهمهاى كج مج كوته نظر صد خيال بد در آرد در نكر راز جزبان ازدان انباز نيست راز اندركوش منكر راز نيست وفيه من ذمهم وتهجين حالهم ما لا يخفى يعنى ان فى تشبيهم بالحمر شهادة عليهم بالبله ولا ترى مثل نفار حمر الوحش واطرادهم فى العدو اذا خافت من شئ ومن أراد اهانة غليظة لاحد والتشنيع عليه باشنع شئ شبهه بالحمار روى ان واحدا من العلماء كان يعط الناس فى مسجد جامع وحوله جماعة كثيرة فرأى ذلك رجل من البله وكان قد فقد حماره فنادى للواعظ وقال انى فقدت حمارا فاسأل هذه الجماعة لعل واحدا منهم رآه فقال له الواعظ اقعد مكانك حتى ادلك عليه فقعد الرجل فاذا واحد من اهل المجلس قام واخذ فى أن يذهب فقال الواعظ للرجل خذ هذا فانه حمارك والظاهر أنه قال ذلك القول اخذا من هذا الكلام فانه فر من تذكرة الملك العلام.

المدثر 74:52

{ بل يريد كل امرىء منهم ان يؤتى صحفا منشرة } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون بتلك التذكرة ولا يرضون بها عنادا ومكابرة بل يريد كل واحد منهم ان يؤتى قراطيس تنشر وتقرأ وذلك انهم اى أبا جهل بن هشام وعبد الله بن امية واصحابهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى كل واحد منا بكتاب من السماء او يصبح عند رأس كل رجل منا اوراق منشورة يعنى مهر بركرفته. عنوانها من رب العالمين الى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك اى بأن يقال اتبع محمدا فانه رسول من قبلى اليك كما قالوا ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه وامرئ قال فى القاموس المرء مثلثة الميم الانسان او الرجل ولا يجمع من لفظه ومع الف الوصل ثلاث لغات فتح الرآء دآئما واعرابها دآئما وأن مع صلته مفعول يريد وصحفا مفعول ثان ليؤتى والاول ضمير كل ومنشرة صفة صحف جمع صحيفة بمعنى الكتاب قال فى تاج المصادر وصحف منشرة شدد للكثرة.

المدثر 74:53

{ كلا } ردع عن اقتراحهم الآيات وارادتهم ما ارادوه فانهم انما اقترحوها تعنتا وعنادا لا هدى ورشادا { بل لا يخافون الآخرة } لاستهلاكهم فى محبة الدنيا فلعدم خوفهم منها اعرضوا عن التذكرة لا لامتناع ايتاء الصحف.

المدثر 74:54

{ كلا } ردع عن اعراضهم عن التذكرة { انه } الضمير فى انه وفى ذكره للتذكرة لانها بمعنى الذكر أو القرءآن كالموعظة بمعنى الوعظ والصيحة بمعنى الصوت { تذكرة } اى تذكرة فالتنوين للتعظيم اى تذكرة بليغة كافية وفى برهان القرءآن اى تذكير للحق وعدل اليها للفاصلة.

المدثر 74:55

{ فمن } بس هركه { شاء } ان يذكره ويتعظ به قبل الحلول فى القبر { ذكره } اى جعله نصب عينه وحاز بسببه سعادة الدارين فانه ممكن من ذلك.

المدثر 74:56

{ وما يذكرون } بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى فمن شاء ذكره اذ لا تأثير لمشيئة العبد وارادته فى افعاله وضمير الجمع اما ان يعود الى الكفرة لان الكلام فيهم او على من نظر الى عموم المعنى لشموله لكل من المكلفين { الا ان يشاء الله } اسثناء مفرغ من اعم العلل او من اعم الاحوال اى وما يذكرون لعلة من العلل او فى حال من الاحوال الا بأن يشاء الله او حال ان يشاء الله ذكرهم وهذا تصريح بأن افعال العبد بمشيئة الله لا بارادة نفسه قال فى عين المعانى فمن شاء الخ تخيير باعطاء المكنة لتحقيق العبودية وقوله الا ان يشاء الله تخيير امضاء القدرة لتحقيق الالوهية { هو } اى الله تعالى { اهل التقوى } اى حقيقى بأن يتقى عقابه ويؤمن به ويطاع فالتقوى مصدر من المبنى للمفعول { واهل المغفرة } حقيق بأن يغفر لمن آمن به واطاعه قال بعضهم التقوى هو التبرى من كل شئ سوى الله فمن لزم الآداب فى التقوى فهو اهل المغفرة. تمت سورة المدثر فى اوائل ذى الحجة من سنة ست عشرة ومائة وألف