Lafzullah

روح البيان في تفسير القرآن — القيامة 75:1 – النازعات 79:46

المؤلف / المصدر: إسماعيل حقي البروسوي (ö. 1137h/1725)

المحتويات
  1. القيامة 75:1
  2. القيامة 75:2
  3. القيامة 75:3
  4. القيامة 75:4
  5. القيامة 75:5
  6. القيامة 75:6
  7. القيامة 75:7
  8. القيامة 75:8
  9. القيامة 75:9
  10. القيامة 75:10
  11. القيامة 75:11
  12. القيامة 75:12
  13. القيامة 75:13
  14. القيامة 75:14
  15. القيامة 75:15
  16. القيامة 75:16
  17. القيامة 75:17
  18. القيامة 75:18
  19. القيامة 75:19
  20. القيامة 75:20
  21. القيامة 75:21
  22. القيامة 75:22
  23. القيامة 75:23
  24. القيامة 75:24
  25. القيامة 75:25
  26. القيامة 75:26
  27. القيامة 75:27
  28. القيامة 75:28
  29. القيامة 75:29
  30. القيامة 75:30
  31. القيامة 75:31
  32. القيامة 75:32
  33. القيامة 75:33
  34. القيامة 75:34
  35. القيامة 75:35
  36. القيامة 75:36
  37. القيامة 75:37
  38. القيامة 75:38
  39. القيامة 75:39
  40. القيامة 75:40
  41. الإنسان 76:1
  42. الإنسان 76:2
  43. الإنسان 76:3
  44. الإنسان 76:4
  45. الإنسان 76:5
  46. الإنسان 76:6
  47. الإنسان 76:7
  48. الإنسان 76:8
  49. الإنسان 76:9
  50. الإنسان 76:10
  51. الإنسان 76:11
  52. الإنسان 76:12
  53. الإنسان 76:13
  54. الإنسان 76:14
  55. الإنسان 76:15
  56. الإنسان 76:16
  57. الإنسان 76:17
  58. الإنسان 76:18
  59. الإنسان 76:19
  60. الإنسان 76:20
  61. الإنسان 76:21
  62. الإنسان 76:22
  63. الإنسان 76:23
  64. الإنسان 76:24
  65. الإنسان 76:25
  66. الإنسان 76:26
  67. الإنسان 76:27
  68. الإنسان 76:28
  69. الإنسان 76:29
  70. الإنسان 76:30
  71. الإنسان 76:31
  72. المرسلات 77:1
  73. المرسلات 77:2
  74. المرسلات 77:3
  75. المرسلات 77:4
  76. المرسلات 77:5
  77. المرسلات 77:6
  78. المرسلات 77:7
  79. المرسلات 77:8
  80. المرسلات 77:9
  81. المرسلات 77:10
  82. المرسلات 77:11
  83. المرسلات 77:12
  84. المرسلات 77:13
  85. المرسلات 77:14
  86. المرسلات 77:15
  87. المرسلات 77:16
  88. المرسلات 77:17
  89. المرسلات 77:18
  90. المرسلات 77:19
  91. المرسلات 77:20
  92. المرسلات 77:21
  93. المرسلات 77:22
  94. المرسلات 77:23
  95. المرسلات 77:24
  96. المرسلات 77:25
  97. المرسلات 77:26
  98. المرسلات 77:27
  99. المرسلات 77:28
  100. المرسلات 77:29
  101. المرسلات 77:30
  102. المرسلات 77:31
  103. المرسلات 77:32
  104. المرسلات 77:33
  105. المرسلات 77:34
  106. المرسلات 77:35
  107. المرسلات 77:36
  108. المرسلات 77:37
  109. المرسلات 77:38
  110. المرسلات 77:39
  111. المرسلات 77:40
  112. المرسلات 77:41
  113. المرسلات 77:42
  114. المرسلات 77:43
  115. المرسلات 77:44
  116. المرسلات 77:45
  117. المرسلات 77:46
  118. المرسلات 77:47
  119. المرسلات 77:48
  120. المرسلات 77:49
  121. المرسلات 77:50
  122. النبأ 78:1
  123. النبأ 78:2
  124. النبأ 78:3
  125. النبأ 78:4
  126. النبأ 78:5
  127. النبأ 78:6
  128. النبأ 78:7
  129. النبأ 78:8
  130. النبأ 78:9
  131. النبأ 78:10
  132. النبأ 78:11
  133. النبأ 78:12
  134. النبأ 78:13
  135. النبأ 78:14
  136. النبأ 78:15
  137. النبأ 78:16
  138. النبأ 78:17
  139. النبأ 78:18
  140. النبأ 78:19
  141. النبأ 78:20
  142. النبأ 78:21
  143. النبأ 78:22
  144. النبأ 78:23
  145. النبأ 78:24
  146. النبأ 78:25
  147. النبأ 78:26
  148. النبأ 78:27
  149. النبأ 78:28
  150. النبأ 78:29
  151. النبأ 78:30
  152. النبأ 78:31
  153. النبأ 78:32
  154. النبأ 78:33
  155. النبأ 78:34
  156. النبأ 78:35
  157. النبأ 78:36
  158. النبأ 78:37
  159. النبأ 78:38
  160. النبأ 78:39
  161. النبأ 78:40
  162. النازعات 79:1
  163. النازعات 79:2
  164. النازعات 79:3
  165. النازعات 79:4
  166. النازعات 79:5
  167. النازعات 79:6
  168. النازعات 79:7
  169. النازعات 79:8
  170. النازعات 79:9
  171. النازعات 79:10
  172. النازعات 79:11
  173. النازعات 79:12
  174. النازعات 79:13
  175. النازعات 79:14
  176. النازعات 79:15
  177. النازعات 79:16
  178. النازعات 79:17
  179. النازعات 79:18
  180. النازعات 79:19
  181. النازعات 79:20
  182. النازعات 79:21
  183. النازعات 79:22
  184. النازعات 79:23
  185. النازعات 79:24
  186. النازعات 79:25
  187. النازعات 79:26
  188. النازعات 79:27
  189. النازعات 79:28
  190. النازعات 79:29
  191. النازعات 79:30
  192. النازعات 79:31
  193. النازعات 79:32
  194. النازعات 79:33
  195. النازعات 79:34
  196. النازعات 79:35
  197. النازعات 79:36
  198. النازعات 79:37
  199. النازعات 79:38
  200. النازعات 79:39
  201. النازعات 79:40
  202. النازعات 79:41
  203. النازعات 79:42
  204. النازعات 79:43
  205. النازعات 79:44
  206. النازعات 79:45
  207. النازعات 79:46

القيامة 75:1

{ لا اقسم بيوم القيامة } لا صلة لتوكيد القسم وما كان لتوكيد مدخوله لا يدل على النفى وان كان فى الاصل للنفى قال الشاعر تذكرت ليلى فاعترتنى صبابة وكاد ضمير القلب لا يتقطع والمعنى بالفارسية هرآبنه سوكند ميخورم بروز رستاخيز أو للنفى لكن لا لنفى نفس الاقسام بل لنفى ما ينبئ هو عنه من اعظام المقسم به وتفخيمه كأن معنى لا اقسم بكذا لا أعظمه باقسامى به حق اعظامه فانه حقيق باكثر من ذلك واكثر او لنفى كلام معهود قبل القسم ورده كأنهم انكروا البعث فقيل لا اى ليس الامر كذلك ثم قيل اقسم بيوم القيامة كقولك لا والله ان البعث حق واياما كان ففى الاقسام على تحقق البعث بيوم القيامة من الجزالة مالا مزيد عليه واما ما قيل من ان المعنى نفى الاقسام لوضوح الامر فيأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به قال المغيرة بن شعبة رحمه الله يقولون القيامة القيامة وانما قيامة احدهم موته وشهد علقمة جنازة فلما دفن قال اما هذا فقد قامت قيامته ونظمه بعضهم خرجت من الدنيا وقامت قيامتى غداة اقل الحاملون جنازتى

القيامة 75:2

{ ولا اقسم بالنفس اللوامة } قال فى عين المعانى القسم بالشئ تنبيه على تعظيمه او ما فيه من لطفة الصنع وعظم النعمة وتكرير ذكر القسم تنبيه على ان كلا من المقسم به مقصود مستقل بالقسم لما ان له نوع فضل يقتضى ذلك واللوم عذل الانسان بنسبة ما فيه لوم والمراد بالنفس اللوامة هى النفس الواقعة بين الامارة والمطمئنة فلها وجهان. وجه يلى النفس الامارة وهو وجه الاسلام فاذا نظرت الى الامارة بهذا الوجه تلومها على ترك المتابعة والاقدام على المخالفة وتلوم ايضا نفسها على ما فات عنها فى الايام الماضية من الاعمال والطاعات والمراتعة فى المراتع الحيوانية الظلمانية. ووجه يلى النفس المطمئنة وهو وجه الايمان فاذا نظرت بهذا الوجه الى المطمئنة وتنورت بنورانيتها وانصبغت بصبغتها تلوم ايضا نفسها على التقصيرات الواقعة منها والمحذورات الكائنة عليها فهى لا تزال لائمة لها قائمة على سوق لومها الى ان تتحقق بمقام الاطمئنان ولذلك استحقت ان اقسم الله بها على قيام البعث والنشر والحشر قال القاشانى جمع بين القيامة والنفس اللوامة فىالقسم بهما تعظيما لشأنهما وتناسبا بينهما اذ النفس اللوامة هى المصدقة بها المقرة بوقوعها المهيئة لاسبابها لانها تلوم نفسها أبدا فى التقصير والتقاعد عن الخيرات وان احسنت لحرصها على الزيادة فى الخير واعمال البر تيقنا بالجزآء فكيف بها ان اخطأت وفرطت وبدرت من بادرة غفلة ونسيانا انتهى هذا ودع عنك القيل والقال وجواب القسم محذوف دل عليه قوله تعالى.

القيامة 75:3

{ ايحسب الانسان ان لن نجمع عظامه } وهو ليبعثن والمراد بالانسان الجنس والاسناد الى الكل بحسب البعض كثير والهمزة لانكار الواقع واستقباحه وان مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذىهو اسمها محذوف والعظام جمع عظم وهو قصب الحيوان الذى عليه اللحم بالفارسية استخوان. ويجيئ جمع عظيم ايضا ككرام وكريم وكبار وكبير ومنه الموالى العظام والمعنى ايحسب الانسان الذى ينكر البعث ان الشأن والحديث لن نجمع عظامه البالية فان ذلك حسبان باطل فانا نجمعها بعد تشتتها ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب وبعد ما نسفتها الرياح وطيرتها فى اقطار الارض وألقتها فى البحار لمجازاته بما عمل فى الدنيا وقيل ان عدى بن أبى ربيعة ختن الاخنس بن شريف وهما اللذان كان عليه السلام يقول فيهما اللهم اكفنى جارى السوء قال لرسول الله يا محمد حدثنى عن يوم القيامة متى يكون وكيف امره فأخبره فقال لو عاينت ذلك اليوم لم اصدقك يعنى اكذب حسى أو أيجمع الله هذه العظام فيكون الكلام خارجا على قول المنكر كقوله من يحيى العظام وهى رميم وقيل ذكر العظام واراد نفسه كلها لان العظام قالب النفس لا يستوى الخلق الا ستوآئها ودل هذا الانكار على انه ناشىء من الشبهة وذلك بالنسبة الى البعض والله قادر على الاحياء لا شبهة فيه بالنسبة الى العاقل المتفكر المستدل.

القيامة 75:4

{ بلى } ايجاب لما ذكر بعد النفى وهو الجمع اى نجمعها وبالفارسية آرى جمع كنيم. حال كوننا { قادرين } فهو حال مؤكدة من الضمير المستكن فى نجمع المقدر بعد بلى { على ان نسوى بنانه } اى نجمع سلامياته ونضم بعضها الى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام وهو جمع سلامى كحبارى وهى العظام الصغار فى اليد والرجل وفى الحديث كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس اى على صاحبه صدقة من اى انواع الصدقة من قول وفعل ومال وفى القاموس البنان الاصابع او أطرافها قال الراغب البنان الاصابع قيل سميت بذلك لان بها اصلاح الاحوال التى يمكن للانسان ان يبن بها ما يريد اى يقيم يقال ابن بالمكان يبن لذلك خص فى قوله تعالى بلى قادرين على ان نسوى بنانه وقوله واضربوا منهم كل بنان خصه لاجل انها يقاتل بها ويدافع او المعنى على ان نسوى اصابعه التى هى اطرافه وآخر ما يتم به خلفه فالبنان مفرد اللفظ مجموع المعنى كالتمر وفيه جهتان الصغر وكونه طرفا فالى اى جهة نظر ثبت المطلوب بالاولية ولذا خص بالذكر ثم فى العظام اشارة الى كبار اعماله الحسنة والسيئة وفى البنان الى صغار افعاله الحسنة والسيئة فان الله تعالى يجمع كلا منهما ويجازى عليها.

القيامة 75:5

{ بل يريد الانسان ليفجر امامه } الفجر شق الشئ شقا واسعا والفجور شق ستر الديانة وقال بعضهم الفجور الميل فالكاذب والمكذب والفاسق فاجر اى مائل عن الحق ومنه قول الاعرابى فى حق عمر رضى الله عنه. اغفر له اللهم ان كان فجر اى كذب واللام للتأكيد مثل قوله وانصح لكم فى انصحكم وان يفجر مفعول يريد وقد يقال مفعوله محذوف يدل عليه قوله ليفجر امامه والتقدير يريد شهواته ومعاصيه وقال سعدى المفتى الظاهر ان يريد ههنا منزلة اللازم ومصدره مقدر بلام الاستغراق بمعونة المقام يعنى مقام تقبيح حال الانسان اى يوقع جميع ارادته ليفجر وجعل ابو حيان بل لمجرد الاضراب عن الكلام الاول وهو نجمعها قادرين من غير باطال المضمون والاخذ فى بيان ما عليه الانسان من انهماكه فى الفجور من غير عطف وقال غيره عطف على ايحسب اما على انه استفهام مثله اضرب عن التوبيخ بذلك الى التوبيخ بهذا او على انه ايجاب انتقل اليه من الاستفهام وهذا ابلغ واولى والمعنى بل يريد الانسان ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الاوقات وفيما يستقبله من الزمان لا يرعوى عنه فالأمام ههنا مستعار للزمان من المكان وقال الراغب يريد الحياة ليتعاطى الفجور فيها وقيل معناه يذنب ويقول غدا اتوب ثم لا يفعل فيكون ذلك فجورا لبذلة عهدا لا يفى به وقال الكاشفى بلكه خواهد آدمى آنكه دروغ كويد بآنجه اورا دربيش است ازبعث وحساب. وفيه اشارة الى ان الانسان المحجوب يريد ليفجر أمامه بحسب الاعتقاد والنية قبل الاتيان بالفعل وذلك بالعزم المؤاخذ به على ما عرف فى محله.

القيامة 75:6

{ يسأل } سؤال استبعاد واستهزآء { ايان } اصله اى آن وهو خبر مقدم لقوله { يوم القيامة } اى متى يكون والجملة استئناف تعليلى كأنه قيل ما يفعل حين يريد أن يفجر ويميل عن الحق فقيل يستهزئ ويقول ايان يوم القيامة او حال من الانسان فى قوله بل يريد الانسان اى ليس انكاره للبعث لاشتباه الامر وعدم قيام الدليل على صحة البعث بل يريد أن يستمر على فجوره فى حال كونه سائلا متى تكون القيامة فدل هذا الانكار على ان الانسان يميل بطبعه الى الشهوات والفكرة فى البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره ويأبى عن الاقرار به فقوله ايحسب الانسان الخ دل على الشبهة والجهل وقوله بل يريد الخ على الشهوة والتجاهل فالآيتان بحسب الشخصين وفيه اشارة الى ان المحجوب يسأل ايان يوم القيامة لاحتجابه بنفسه الظلمانية لا يشاهد القيامة فى كل ساعة ولحظة بل كل لمحة وطرفة لتعاقب التجليين الافنائى والابقائى كما قال تعالى بل هم فى لبس من خلق جديد.

القيامة 75:7

{ فاذا برق البصر } اى تحير واضطرب وجال فزعا من اهوال يوم القيامة من برق الرجل اذا نظر الى البرق فدهش ثم استعمل فى كل حيرة وان لم يكن هناك نظر الى البرق وهو واحد بروق السحاب ولمعانه.

القيامة 75:8

{ وخسف القمر } اى ذهب ضؤوه فان خسف يستعمل لازما ومتعديا يقال خسف القمر وخسفه الله او ذهب نفسه من خسف المكان اى ذهب فى الارض ولكن هذا المعنى لا يناسب ما بعد الآية قال بعضهم اصل الخسف النقصان ويكون فى الوصف وفى الذات وفيه رد لمن عبد القمر فان القمر لو كان الها كما زعمه... لدفع عن نفسه الخسوف ولما ذهب ضؤوه قال فى فتح الرحمن الخسوف سنة مؤكدة فاذا كسفت الشمس او القمر فزعوا للصلاة وهى لكسوف الشمس ركعتان كهيئة النافلة ويصلى بهم امام الجمعة ويطيل القرآءة ولا يجهر ولا يخطب وخسوف القمر ليس له اجتماع يصلى الناس فى منازلهم ركعتين كسائر النوافل.

القيامة 75:9

{ وجمع الشمس والقمر } فى ذهاب الضوء كما روى عن النبى عليه السلام او جمع بينهما فى الطلوع من المغرب او فى الالقاء فى النار ليكون حسرة على من يعبدهما وجاز تكرار القمر لانه اخبر عنه بغير الخبر الاول وقال القاشانى فاذا برق البصر اى تحير ودهش شاخصا من فزع الموت وخسف قمر القلب لذهاب نور العقل عنه وجمع شمس الروح وقمر القلب بأن جعلا شيأ واحدا طالعا من مغرب البدن لا يعتبر لهما رتبتان كما كان حال الحياة بل اتحدا ر وحا واحدا انتهى.

القيامة 75:10

{ يقول الانسان } المنكر للقيامة وهو عامل فى اذا { يومئذ } اى يوم اذ تقع هذه الامور قول الآيس من حيث انه لا يرى شيأ من علامات ممكنة للفرار كما يقول من أيس من وجدان زيد ابن زيد حيث لم يجد علامة اصابته { اين المفر } اى الفرار وقال سعدى المفتى ولعله لا منع من الابقاء على حقيقته والقول بصدور هذا الكلام بناء على توهمه لتحيره.

القيامة 75:11

{ كلا } ردع عن طلب المفر وتمنيه قال سعدى المفتى هذا لا يناسب ان يقوله قول الآيس اذ لا طلب حينئذ ثم قوله كلا من قول الله تعالى وجوز أن يكون من قول الانسان لنفسه وهو بعيد { لا وزر } لا ملجأ يعنى يناه كاه نباشد كافرانرا. مستعار من الجبل فان الوزر محركة الجبل المنيع ثم يقال لكل ما التجأت اليه وتحصنت به وزر تشبيها له به وخبر لا محذوف اى لا ملجأ ثمة او فى الوجود ومن بلاغات الزمخشرى اتل على كل من وزر كلالا وزر اى اتل عليا هذه الآية ومعنى وزر الاول بالفارسية كناه كردن. فان الوزر بالكسر الاثم وقال بعضهم لعمرك ما فى الفتى من وزر من الموت يدركه والكبر اى لا ملجأ للفار من الموت والكبر اذ كل منهما من الامر الالهى والامر المحكم القضاء المبرم يدرك الانسان لا محالة.

القيامة 75:12

{ الى ربك يومئذ المستقر } اى اليه تعالى وحده استقرار العباد اى لا يتوجهون الا الى حيث امرهم الله من مقام حسابه او الى حكمه استقرار أمرهم فان الملك يومئذ لله فهو كقوله ان الى ربك الرجعى وان الى ربك المنتهى واليه ترجعون اى الى حيث لا حاكم ولا مالك سواه او الى مشيئته موضع قرارهم يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار فيكون المستقر اسم مكان وهو مرفوع بالابتدآء والى ربك خبره ويومئذ معمول الى ربك ولا يجوز أن يكون معمول المستقر لانه ان كان مصدرا بمعنى الاستقرار فلا يتقدم معموله عليه وان كان اسم مكان فلا عمل له البتة وكذا الكلام فى قوله الى ربك يومئذ المساق ونحوه.

القيامة 75:13

{ ينبأ الانسان يومئذ } اى يخبر كل امرئ برا كان او فاجرا عند وزن الاعمال وحال العرض والمحاسبة والمخبر هو الله او الملك بأمره او كتابه ينشره { بما قدم } اى عمل من عمل خيرا كان او شرا فيثاب بالاول ويعاقب بالثانى { واخر } اى لم يعمل خيرا كان او شرا فيعاقب بالاول ويثاب بالثانى او بما قدم من حسنة او سيئة وبما اخر من حسنة او سيئة فعمل بها بعده او بما قدم من مال تصدق به فى حياته وبما اخر او وقفه او اوصى به او باول عمله وآخره شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره فرموده كه كناه از بيش فرستى بجرأت ومال ازبس بكذارى بحسرت كناه رابتوبه نيست كن تانماند ومال را بصدقه بيش فرست تابماند كرفرستى زبيش به باشد كه بحسرت زبس نكاه كنى وفى الحديث " ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى الا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة "

القيامة 75:14

{ بل الانسان على نفسه بصيرة } الانسان مبتدأ وبصيرة خبره وعلى نفسه متعلق ببصيرة بتقدير على اعمال نفسه والموصوف محذوف اى بل هو حجة بصيرة وبينة واضحة على اعمال نفسه شاهدة جوارحه واعضاؤه بما صدر عنه من الافعال السيئة كما يعرب عنه كلمة على وما سيأتى من الجملة الحالية ووصفت بالبصارة مجازا فى الاسناد كما وصفت الآيات بالابصار فى قوله تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة او عين بصيرة او ذو بصيرة او التاء للمبالغة كما فى علامة ونسابة ومعنى بل الترقى اى ينبأ الانسان باعماله بل هو لا يحتاج الى ان يخبره غيره فانه يومئذ عالم بتفاصيل احواله شاهد على نفسه لان جوارحه تنطق بذلك قال القاشانى بل الانسان حجة بينة يشهد بعلمه لبقاء هيئة اعماله المكتوبة عليه فى نفسه ورسوخها فى ذاته وصيرورة صفاته صور اعضائه فلا حاجة الى ان ينبأ من خارج باش نااز صدمه صور سرافيلى شود صورت خوبت نهان وسيرت زشت آشكار

القيامة 75:15

{ ولو القى معاذيره } حال من المستكن فى بصيرة او من مرفوع ينبأ اى هو بصيرة على نفسه تشهد عليه جوارحه وتقبل شهادتها ولو جاء بكل معذرة يمكن ان يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها بأن يقول مثلا لم افعل او فعلت لاجل كذا او لم اعمل او وجد مانع او كنت فقيرا ذا عيال او خفت فلانا او طمعت فى عطائه الى غير ذلك من المعاذير الغير النافعة جه جندين عذر انكيزى وجندين حيله هاسازى جوميدانى كه ميدانم وميدانم كه ميدانى او ينبأ باعماله ولو اعتذر بكل عذر فى الذب عنها فان الذب والدفع لا رواج له يومئذ لانه يوم ظهور الحق بحقيقته والمعاذير اسم جمع للمعذرة كمناكير اسم جمع للمنكر وقيل جمع معذار وهو الستر بلغة اهل اليمن اى ولو ارخى مستورى يعنى ان احتجابه واستتاره عن المخلوقات فى حال مباشرة المعصية فى الدنيا لا يغنى عنه شيأ لان عليه من نفسه بصيرة ومن الحفظة شهودا وفى الكشاف لانه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

القيامة 75:16

{ لا تحرك به } اى بالقرءآن { لسانك } ما دام جبريل يقرأ ويلقى عليك { لتعجل به } اى بأخذه اى لتأخذه على عجلة مخافة ان ينفلت.

القيامة 75:17

{ ان علينا جمعه } فى صدرك بحكم الوعد بحيث لا يخفى عليك شئ من معانيه { وقرءآنه } بتقديه المضاف اى انبات قرآته فى لسانك بحيث تقرأه متى شئت فالقرءآن مصدر بمعنى القرآءة كالغفران بمعنى المغفرة مضاف الى مفعوله والقرآءة ضم الحروف والكلمات بعضها الى بعض فى الترتيل وليس يقال ذلك لكل جمع لا يقال قرأت القوم اذا جمعتهم.

القيامة 75:18

{ فاذا قرأناه } اى اتممنا قرآءته عليك بلسان جبريل واسناد القرآءة الى نون العظمة للمبالغة فى ايجاب التأنى { فاتبع قرءآنه } اى فاشرع فيه بعد فراغ جبريل منه بلا مهلة وقال ابن عباس رضى الله عنهما فاذا جمعناه واثبتناه فى صدرك فاعمل به وقال الواسطى رحمه الله جمعه فى السر وقرءآنه فى العلانية.

القيامة 75:19

{ ثم ان علينا بيانه } اى بيان ما اشكل عليك من معانيه واحكامه وسمى ما يشرح المجمل والمبهم من الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود اظهاره وفى ثم دليل على انه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة الى العمل لانه تكليف بما لا يطاق قال اهل التفسير كان عليه السلام اذا لقن الوحى نازع جبريل القرآءة ولم يصبر الى ان يتمها مسارعة الى الحفظ وخوفا من ان يفلت منه فامر بأن يستنصت له ملقيا اليه قلبه وسمعه حتى يقضى اليه الوحى كما قال تعالى ولا تعجل بالقرءآن من قبل ان يقضى اليك وحيه ثم يقضيه بالدراسة الى ان يرسخ فيه وعن بعض العارفين انه قال فيه اشارة الى صحة الاخذ عن الله بواسطة كأنه تعالى يقول خذه عن جبريل كأنك ما علمته الا منه ولا تسابق بما عندك منا من غير واسطة واكابر المحققين يسمون هذه الجهة التى هى عدم الوسائط بالوجه الخاص والفلاسفة ينكرون هذا الوجه ويقولون لا ارتباط بين الحق والموجودات الا من جهة الاسباب والوسائط فليس عندهم ان يقول الانسان أخبرنى ربى اى بلا وساطة وهم مخطئون فى هذا الحكم فانه لما كان ارتباط كل ممكن بالحق من حيث الممكن من جهتين جهة الوحدة وجهة الكثرة وجب ان تكون جهة والحدة بلا واسطة وهو الوجه الخاص وجهة الكثرة بواسطة وهو الوجه العام ولما كان نبينا عليه السلام اكمل الخلق فى جهة الوحدة لكون احكام كثرته وامكانه مستهلكة بالكلية فى وحدة الحق واحكام وجوبه كان ياخذ عن الله بلا واسطة اى من الوجه الخاص وكان ينطبع فى قلبه ما يريد الحق ان يخبره به فاذا جاءه الكلام من جهة الوسائط اى من الوجه العام بصورة الالفاظ والعبارات التى استدعتها احوال المخاطبين كان يبادر اليه بالنطق به لعلمه بمعناه بسبب تلقيه اياه من حيث اللاواسطة لينفس عن نفسه ما يجده من الكربة والشدة التى يلقاها مزاجه من التنزل الروحانى فان الطبيعة تنزعج من ذلك للمباينة الثابتة بين المزاج وبين الروح اللكى فعرف الحق نبينا عليه السلام ان القرءآن وان اخذته عنا من حيث معناه بلا واسطة فان انزالنا اياه مرة اخرى من جهة الوسائط يتضمن فوآئد زآئده منها مراعاة افهام المخاطبين به لان الخلق المخاطبين بالقرءآن حكم ارتباطهم بالحق انما هو من جهة سلسلة الترتيب والوسائط كما هو الظاهر بالنسبة الى اكثرهم فلا يفهمون عن الله الا من تلك الجهة ومنها معرفتك اكتساء تلك المعانى العبارة الكاملة وتستجلى فى مظاهرها من الحروف والكلمات فتجمع بين كمالاته الباطنة والظاهرة فيتجلى بها روحانيتك وجسمانيتك ثم يتعدى الامر منك الى امتك فيأخذ كل منهم حصته منه علما وعملا فى قوله تعالى لا تحرك به لسانك الخ تعليم وتأديب اما التعليم فما اشير اليه من ان باب جهة الوحدة مسدود على اكثر الناس فلا يفهمون عن الله الى من الجهة المناسبة لحالهم وهى جهة الوسائط والكثرة الامكانية واما التأديب فانه لما كان الآتى بالوحى من الله جبريل فمتى بودر بذكر ما اتى به كان كالتعجيل له واظهار الاستغناء عنه وهذا خلل فى الادب بلا شك سيما مع المعلم المرشد ومن هذا التقرير عرف ان قوله تعالى لا تحرك به الخ واقع فى البين بطريق الاستطراد فانه لما كان من شأنه عليه السلام الاستعجال عند نزول كل وحى على ما سبق من الوجه ولم ينه عنه الى ان اوحى اليه هذه السورة من اولها الى قوله ولو ألقى معاذيره وعجل فى ذلك كسائر المرات نهى عنه بقوله لا تحرك الخ ثم عاد الكلام الى تكملة ما ابتدئ به من خطاب الناس ونظيره ما لو ألقى المدرس على الطالب مسألة وتشاغل الطالب بشئ لا يليق بمجلس الدرس فقال ألق الى بالك وتفهم ما اقول ثم كمل المسألة. يقول الفقير أيده الله القدير لاح لى فى سر المناسبة وجه لطيف ايضا وهو ان الله تعالى بين قبل قوله لا تحرك به الخ جمع العظام ومتفرقات العناصر التى هى اركان ظاهر الوجود ثم انتقل الى جمع القرءآن واجزآئه التى هى اساس باطن الوجود فقال بعد قوله ايحسب الانسان ان لن نجمع عظامه ان علينا جمعه فاجتمع الجمع بالجمع والحمدلله تعالى وقد تحير طائفة من قدماء الروافض خذلهم الله تعالى حيث لم يجدوا المناسبة فزعموا ان هذا القرءآن غير وبدل وزيد فيه ونقص وفى التأويلات النجمية اعلم ان كل ما استعد لاطلاق الشيئية عليه فله ملك وملكوت لقوله تعالى بيده ملكوت كل شئ والقرءآن اشرف الاشياء واكملها فله ايضا ملك وملكوت فاما ملكه فهو الاحكام والشرآئع الظاهرة التى تتعلق بمصالح الامة من العبادات المالية والبدنية والجنايات والوصايات وامثالها واما ملكوته فهو الاسرار الالهية والحقائق اللاهوتية التى تتعلق ببواطن خواص الامة واخص الخواص بل بخلاصة اخص الخواص من المكاشفات و والمشاهدات السرية والمعاينات الروحية ولكل واحد من الملك والملكوت مدركات يدرك بها لا غير لان الوجدانيات والذوقيات لا تسعها ألسنة العبارات لانها منقطع الاشارات فقوله لا تحرك الخ يشير الى عدم تعبيره بلسان الظاهر عن اسرار الباطن والحقائق الآبية عن تصرف العبارات فيها بالتعبير عنها وان مظهره الجامع جامع بين ملك القرءآن وملكوته وهو عليه السلام يتبع بظاهره ملكه وبباطنه ملكوته نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المتبعين للقرءآن فى كل زمان

القيامة 75:20

{ كلا } عود الى تكملة ما ابتدئ به الكلام يعنى نه جنانست اى آدميان كه كمان برده آيد در امر عقبى { بل تحبون العاجلة } اى الدنيا يعنى دنياى شتاب كننده را.

القيامة 75:21

{ وتذرون الآخرة } فلا تعملون لها بل تنكرونها وفى التأويلات النجمية تحبون نعمة شهوة الدنيا وتذرون نعمة خمول الآخرة والخطاب للامة.

القيامة 75:22

{ وجوه يومئذ ناضرة } النضرة طراوة البشرة وجمالها وذلك من اثر التنعم والناضر الغض الناعم من كل شئ اى وجوه كثيرة وهى وجوه المؤمنين المخلصين يوم اذ تقوم القيامة بهية متهللة يشاهد عليها نضرة النعيم ورونقه كما قال تعالى فى آية اخرى تعرف فى وجوههم نضره النعيم على ان وجوه مبتدأ وناضرة خبره ويومئذ منصوب بناضرة وصحة وقوع النكرة مبتدأ لان المقام مقام تفصيل.

القيامة 75:23

{ الى ربها ناظرة } قوله ناظرة خبر ثان للمبتدأ والى ربها متعلق بها والنظر تقليب البصر والبصيرة لادراك الشئ ورؤيته والمراد بنظر الوجوه نظر العيون التى فيها بطريق ذكر المحل وارادة الحال وهذا عند اهل القال واما عند اهل الحال فلا ينحصر النظر فى البصر والاجاء القيد والله منزه عن ذلك بل ينقلب الباطن ظاهرا والظاهر بصرا بجميع الاجزآء فيشاهد الحق به كما يشاهد بالبصيرة فى الدنيا والآخرة عالم اللطافة ولذا لا حكم للقالب والجسد الظاهر هنا وانما الحكم للقلب والروح الظاهر صور الاعضاء بهما فاعرف جدا. بزركى را برسيدند كه راه از كدام جانب است كفت ازجانب تونيست جون ازتو در كذشتى از همه جانباه راهست جون بصديقان بيا كردند وزان ره ساختند زجزبدل رفتن دران ره يك قدم را بار نيست والمعنى ان الوجوه تراه تعالى عيانا مستغرقة فى مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه وتشاهده تعالى بلا كيف ولا على جهة وحق لها ان تنضر وهى تنظر الى الخالق. مثل مؤمن مثل بازاست بازرا جون بكيرند وخواهندكه شايسته دست شاه كردد مدتى جشم او بدور وزند بندى بريايش نهند در خانه تاريك باز دارند از جفتش جدا كنند يك جندى بكر سنكيش متنى كنندنا ضعيف ونحيف كردد ووطن خويش فراموش كند وطبع كذاشتكى دست بدارد آنكه بعاقبت جشمش بكشايند شمعى بيش وى بيفروزند طبلى از بهروى بزنند طعمه كوشت ببش وى نهند ودست شاه مقروى سازند باخود كويد دركل عالم كرا بود اين كرامت كه مراست شمع بيش ديده من آواز طبل نوى من كوشت مرغ طعمه من دست شاه جاى من بر مثال اين حال جون خوانندكه بنده مؤمن رالحه خلت بوشانند وشراب محبت نوشاند باوى همين معاملت كنند مدتى در جهار روز كارى برين صفت بكذارند آنكه ناكاه طبل قيامت بزنند بنده از خاك لحد سر برآرد جشم كبشايد نور بهشت بيند دنيا فراموش كند شراب وصل نوش كند برمائده خلد بتشيند جنانجه آن بازجشم بازكند خودراردست شاه بيند بنده مؤمن جشم باز كندخودارا فقعد صدق بيند سلام ملك شنوديدار ملك بيتد ميان طوبى وزلفى وحسنى شادان ونازان درجلال وجمال حق نكران ايسنت كه رب العالمين كفت. وليس هذا فى جميع الاحوال حتى ينافيه نظرها الى غيره من الاشياء الكثيرة والاولى ان التقديم للاهتمام ورعاية الفاصلة لان التقييد ببعض الاحوال تقييد بلا دليل ومناف لمقام المدح المقتضى لعموم الاحوال وغير مناسب لقوله وجوه يومئذ ناضرة لعمومه فى الاحوال ولو سلم فالاختصاص ادعائى فان النظر الى غيره فى جنب النظر اليه لا يعد نظرا بل هو بمنزلة العدم كما فى قوله زيد الجواد هكذا قالوا ولكن من اهل الجنة من فاز بالتجلى الذاتى الابدى الذى لا حجاب بعده ولا مستقر للكمل دونه وهو الذى اشار اليه عليه السلام بقوله صنف من اهل الجنة لا يستتر الرب عنهم ولا يحتجب وكان يذكره ايضا فى دعائه ويقوله واسألك لذة النظر الى وجهك الكريم ابد دآئما سرمدا دون ضرآء مضرة ولا فتنة مضلة فالضرآء المضرة حصول الحجاب بعد التجلى والتجلى بصفة تستلزم سدل الحجب والفتنة المضلة كل شبهة توجب خللا او نقصا فى العلم والشهود. آورده ان اورا دهريك ازاوتاد اين كلما تست اللهم انى أسألك النظرة الى وجهك الكريم هركس ببهشت آرزويى دارد وعاشق جزآرزوى ديدن ديدارندارد بير طريقت كفت بهره عارف دربهشت سه جيزاست سماع وشراب وديدار سماع را كفت فهم فى روضة يحبرون شراب را كفت وسقاهم ربهم شرابا طهورا ديدار كفت وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة سماع بهره كوش شراب زبان كشايد ديدار صفت ربايد سماع مطلوب را نقد كند شراب را زجلوه كند ديدار عارف را فرد كندسماع را هفت اندام رهى كوش جونساقى اوست شراب همه نوش ديداررا زبر هرموى ديده روشن. ثم ان جميع اهل السنة حملوا هذه الآية على انها متضمنة رؤيه المؤمنين لله تعالى بلا تكييف ولا تحديد ولا يصح تأويل من قال لا ضرر بها ونحوه وجعله الزمخشرى كناية عن معنى التوقع والرجاء على معنى انهم لا يتوقعون النعمة والكرامة الا من ربهم كما كانوا فى الدنيا لا يخشون ولا يرجون الا اياه وجوابه انه لا يعدل الى الكناية بلا ضرورة داعية اليها وهى ههنا مفقودة فالاحاديث الصحيحة تدل على تعين جانب الحقيقة وأما قوله عليه السلام جنتان من فضة آنيتهما ومافيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا الى ربهم الردآء الكبرياء على وجهه حيث ان المعتزلة قالوا ان لاردآء حجاب بين المرتدى والناظرين فلا تمكن الرؤية فجوابه انهم حجبوا عن أن المرتدى لا يحجب عن الحجاب اذا المراد بالوجه الذات وبردآء الكبرياء هو العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامعة للحقائق الامكانية والالهية يعنى ردآء كبرياء نفس مظهرست ومشاهده ذات بودن مظهرى محالست. والردآء هو الكبرياء واضافته للبيان والكبرياء ردآؤه الذى يلبسه عقول العلماء بالله للتفهيم فلا ردآء هناك حقيقة فالرتبة الحجابية باقية ابدا وهى رتبة المظهر لانها كالمرءآة واما قوله عليه السلام حين سئل هل رأيت ربك ليلة المعراج فقال " نورأنى أراه " فمعناه ان النور المجرد لا تمكن رؤيته يعنى انما تتعذر الرؤية والادراك باعتبار تجرد الذات عن المظاهر والنسب والاضافات فاما فى المظاهر ومن ورآء حجابية المراتب فالادراك ممكن ومن المعتزلة من فسر النظر بالانتظار وجعل قوله الى اسما مفردا بمعنى النعمة مضافا الى الرب جمعه آلاء فيكون مفعولا مقدما لقوله ناظرة بمعنى منتظرة والتقدير وجوه يومئذ منتظرة نعمة ربها ورد بان الانتظار لا يسند الى الوجه سوآء أريد به المعنى الحقيقى او أريد به العين بطريق ذكر المحل وارادة الحال وتفسير الوجه بالذات وجملة الشخص خلاف الظاهر وبأن الانتظار لا يعدى بالى ان جعل حرفا واخذه بمعنى النعمة فى هذا المقام يخالف المعقول لان الانتظار يعد من الآلام ونعيم الجنة حاضر لاهلها ويخالف المنقول ايضا وهو أنه عليه السلام قال " أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر الى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسريره مسيرة ألف سنة " يعنى تاهزال ساله راه آنرا نيندوا كرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشية يعنى بمقدار ازان ثم قرأ عليه السلام وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة فقد فسر النظر بنظر العين والرؤية فظهر ان المخالف اتبع رأيه وهواه وروى انه عليه السلام نظر الى القمر ليلة البدر فقال انكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون فى رؤيته وهو بفتح التاء وتشديد الميم من الضم أصله لا تتضامون اى لا ينضم بعضكم الى بعض ولا يقول أرنيه بل كل ينفرد برؤيته وروى بتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم فتكون التاء حينئذ مضمومة يعنى لا ينالكم ظلم بأن يرى بعضكم دون بعض بل تستوون كلكم فى رؤيته تعالى وهذا حديث مشهور تلقته الامة بالقبول ومعنى التشبيه فيه تشبيه الرؤية بالرؤية فى الوضوح لا تشبيه المرئى بالمرئى فثبت ان المؤمنين يرونه بغير كيف ولا كم وضرب من مثال فينسون النعيم اذا رأوه فيا خسران اهل الاعتزال وسئل مالك بن انس رضى الله عنهما عن قوله تعالى الى ربها ناظرة وقيل له ان قوما يقولون الى ثوابه فقال مالك كذبوا فأين هم عن قوله تعالى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم قال الناس ينظرون الى الله بأعينهم ولو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعذب الله الكفار بالحجاب وقال صاحب العقد الفريد ومن اعتقد غير هذا فهو مبتدع زنديق وقد يشهد للمطلوب ويرد دعوى أهل البدعة أن الرؤية هى اللذة الكبرى فكيف يكون المؤمنون محرومين منها والدار دار اللذة فينبغى للمؤمن أن تكون همته من نعم الجنة نعمة اللقاء فان غيرها نعم بهيمية مشتركة قال بعض العارفين دلت الآية على ان القوم ينظرون الى الله تعالى فى حال الصحو والبسط لان النضرة من امارات البسط فلا يتداخلهم حياء ولا دهشة والا لتنغص عيشهم بل لو عاينوه بوصف الجلال الصرف لهلكوا فى اول سطوة من سطواته فهم يرونه فى حال الانس بنوره بل به يرونه وهنالك وجود العارف كله عين يرى حبيبه بجميع وجوده وتلك العيون مستفادة من تجلى الحق فقوم لهم بالنظر من نفسه الى نفسه ويظهر سر الوحدة بين العاشق والمعشوق والرؤية تقتضى بقاء الرآئى وهو من مقتضيات عالم الصفات واستهلاك العبد فى وجود الحق اتم كما هو مقتضى عالم الذات قال النصر ابادى قدس سره من الناس ناس طلبوا الرؤية واشتاقوا اليه تعالى ومنهم العارفون الذين اكتفوا برؤية الله لهم فقالوا رؤيتنا ونظرنا فيه علل ورؤيته ونظره بلا علة فهو أتم بركة واشمل نفعا وقال بعضهم القرب المذكور فى قوله تعالى ونحن اقرب اليه من حبل الوريد هو الذى منع الخلق عن الادراك للحق كما ان الهوآء لما كان مباشر لحاسة البصر لم يدركه البصر وكذلك الماء اذا غاص الغائص فيه وفتح عينيه يمنعه قربه من حاسة بصره أن يراه والحق اقرب الى الناس من نفسه فكان لا يرى لقربه كما انه تعالى لا يرى لبعده وعلو ذاته اين التراب من رب الارباب ولكن اذا أراد العبد أن يراه تنزل من علوه ورفع عبده الى رؤيته فرآءه به ولذلك قال عليه السلام " انكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر " وهما فى شأنهما متوسطان فى القرب والبعد فغاية القرب حجاب كما ان غاية البعد حجاب والكل يراه فى الدنيا لا يعرف انه هو وفرق بين العارف وغيره ألا ترى انه ذا كان فى قلبك لقاء شخص وأنت لا تعرفه بعينه فلقيك وسلم عليك وانت لم تعرفه فقد رأيته وما رأيته كالسلطان اذ دار فى بلده متنكرا فانه يراه كثير من الناس ولا يعرفه ثم ان منهم من يقول لم يتيسر لى رؤية السلطان الى الآن وأنا أريد أن انظر اليه مع انه نظر اليه مرارا فهو فى حال بصره اعمى فما اشد حجابه ثم انه لو اتفق له النظر اليه فربما لا يتعمق ففرق بين ناظر وناظر بحسب حدة بصره وضعفه ولذا قالوا انما تفاوتت الافراد فى حضرة الشهود مع كونهم على بساط الحق الذى لا نقص فيه لانهم انما يشهدون فى حقائقهم ولو شهدوا عين الذات لتساووا فى الفضيلة وقال بعض العارفين الخلق اقرب جار للحق تعالى وذلك من أعظم البشرى فان للجار حقا مشروعا معروفا يعرفه العلماء بالله فينبغى لكل مسلم أن يحضر هذا الجوار الالهى عند الموت حين يطلب من الحق ما يستحقه الجار على جاره من حيث ما شرع قال تعالى لنبيه عليه السلام قل رب احكم بالحق اى الحق الذى شرعته لنا تعاملنا به حتى لا ننكر شيأ منه مما يقتضيه الكرم الالهى فهو دعاء افتقار وخضوع وذلحكى ان الحجاج أراد قتل شخص فقال له لى اليك حاجة قال أريد أن امشى معك ثلاث خطوات ففعل الحجاج فقال الشخص حق هذه الصبحة أن تعفو عنى فعفا عنه.

القيامة 75:24

{ ووجوه يومئذ } يتعلق بقوله { باسرة } اى شديدة العبوس مظلمة ليس عليها أثر السرور اصلا وهى وجوه الكفرة والمنافقين وقال الراغب البسر الاستعجال بالشئ قبل أوانه فان قيل فقوله وجوه يومئذ باسره ليس يفعلون ذلك قبل الموت وقد قلت ان ذلك يقال فيما كان قبل وقته قيل ان ذلك اشارة الى حالهم قبل الانتهاء بهم الى النار فخص لفظ البسر تنبيها على ان ذلك مع ما ينالهم من بعد يجرى مجرى التكلف ومجرى ما يفعل قبل وقنه ويدل على ذلك قوله تعالى { تظن } تتوقع اربابها بحسب الامارات والجملة خبر بعد خبر رجح ابو حيان والطيبي تفسير الظن بمعنى اليقين ولا ينافيه أن المصدرية كما توهم فانها انما لا تقع بعد فعل التحقق الصرف فاما بعد فعل الظن او ما يؤدى معنى العلم فتجيئ المصدرية والمشددة والمخففة نص عليه الرضى { ان يفعل بها فاقرة } داهية عظيمة تقصم فقار الظهر ومنه سمى الفقير فان الفقر كسر فقار ظهره فجعله فقيرا اى مفقورا وهو كناية عن غاية الشدة وعدم القدرة على التحمل فهى تتوقع ذلك كما تتوقع الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير بناء على ان قضية المقابلة بين الآيتين تقتضى ذلك قال بعضهم اصح آنست كه آن بلا حجابست ازرؤيت رب الارباب مصراع كه از فراق بتردرجهان بلايى نيست. وفى التأويلات النجمية وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة لا الى غيره بسبب الاعراض عن الدنيا فى هذا اليوم والاقبال على الله ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة بسبب الاقبال على الدنيا فى هذا اليوم والادبار عن الله جزآء وفاقا وقال بعضهم وجوه يومئذ ناضرة للتنور بنور القدس والاتصال بعالم النور والسرور والنعيم الدائم ووجوه يومئذ باسرة كالحة لجهامة هيئاتها وظلمة ما بها من الجحيم والنيران وسماجة ما تراه هنالك من الاهوال وسوء الجيران.

القيامة 75:25

{ ووجوه يومئذ } يتعلق بقوله { باسرة } اى شديدة العبوس مظلمة ليس عليها أثر السرور اصلا وهى وجوه الكفرة والمنافقين وقال الراغب البسر الاستعجال بالشئ قبل أوانه فان قيل فقوله وجوه يومئذ باسره ليس يفعلون ذلك قبل الموت وقد قلت ان ذلك يقال فيما كان قبل وقته قيل ان ذلك اشارة الى حالهم قبل الانتهاء بهم الى النار فخص لفظ البسر تنبيها على ان ذلك مع ما ينالهم من بعد يجرى مجرى التكلف ومجرى ما يفعل قبل وقنه ويدل على ذلك قوله تعالى { تظن } تتوقع اربابها بحسب الامارات والجملة خبر بعد خبر رجح ابو حيان والطيبي تفسير الظن بمعنى اليقين ولا ينافيه أن المصدرية كما توهم فانها انما لا تقع بعد فعل التحقق الصرف فاما بعد فعل الظن او ما يؤدى معنى العلم فتجيئ المصدرية والمشددة والمخففة نص عليه الرضى { ان يفعل بها فاقرة } داهية عظيمة تقصم فقار الظهر ومنه سمى الفقير فان الفقر كسر فقار ظهره فجعله فقيرا اى مفقورا وهو كناية عن غاية الشدة وعدم القدرة على التحمل فهى تتوقع ذلك كما تتوقع الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير بناء على ان قضية المقابلة بين الآيتين تقتضى ذلك قال بعضهم اصح آنست كه آن بلا حجابست ازرؤيت رب الارباب مصراع كه از فراق بتردرجهان بلايى نيست. وفى التأويلات النجمية وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة لا الى غيره بسبب الاعراض عن الدنيا فى هذا اليوم والاقبال على الله ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة بسبب الاقبال على الدنيا فى هذا اليوم والادبار عن الله جزآء وفاقا وقال بعضهم وجوه يومئذ ناضرة للتنور بنور القدس والاتصال بعالم النور والسرور والنعيم الدائم ووجوه يومئذ باسرة كالحة لجهامة هيئاتها وظلمة ما بها من الجحيم والنيران وسماجة ما تراه هنالك من الاهوال وسوء الجيران.

القيامة 75:26

{ كلا } ردع عن ايثار العاجلة عن الآخرة اى ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا لما بين ايديكم من الموت الذى ينقطع عنده ما بينكم وبين العاجلة من العلاقة { اذا بلغت التراقى } الضمير للنفس وان لم يجر لها ذكر لان الكلام الذى وقعت فيه يدل عليها وتقول العرب ارسلت يريدون جاء المطر ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء اى اذا بلغت النفس الناطقة وهى الروح الانسانى أعالى الصدر وهى العظام المكتنفة لثغره النحر عن يمين وشمال فاذا بلغت اليها يكون وقت الغرغرة وبالفارسية جون برسد روح باستخوا نهاى سينه وكردن. وفى كشف الاسرار وقت كه جان بجنبر كردن رسد. جمع ترقوة بفتح التاء والواو وسكون الرآء وضم القاف قال فى القاموس الترقوة ولا تضم تاؤه العظم بين ثغرة النحر والعاتق انتهى. والعاتق موضع الردآء من المنكب قال بعضهم لكل احد ترقوتان ولكن جمع التراقى باعتبار الافراد وبلوغ النفس التراقى كناية عن عدم الاشفاء يعنى بكناره اورسيدن ونزديك شدن. والعامل فى اذا بلغت معنى قوله الى ربك يومئذ المساق اى اذا بلغت النفس الحلقوم رفعت وسيقت الى الله اى الى موضع امر الله ان ترفع اليه.

القيامة 75:27

{ وقيل من راق } معطوف على بلغت وقف حفص على من وقفة يسيرة من غير تنفس قال بعضهم لعل وجهه استثقال الرآء المشددة التى بعدها قاف غليظة تلفظ فى الادغام واستكراه القطع التام بين المبتدأ والخبر والاستفهام والمستفهم عنه فى النفس والفرار من الاظهار دون سكتة لانه يعد من اللحن عند اتصال النون الساكنة بالرآء بين اهل القرءآة وقال من حضر صاحبها من يرقيه يعنى افسون ميكنند. وينجيه مما هو فيه من الرقية وهو التعويذ بما به يحصل الشفاء كما يقال بسم الله أرقيك وفعله من باب ضرب والاستفهام على هذا يحتمل أن يكون بمعنى الطلب كأن الذين حول ذلك الانسان طلبوا له طبيبا يعالجه وراقيا يرقيه ويحتمل أن يكون استفهام بمعنى الانكار كما يقال عند اليأس من الذى يقدر أن يرقى هذا الانسان المشرف على الموت وهو الظاهر كما قال الراغب من راق اى من يرقية تنبيها على انه لا راقى يرقيه فيحييه وذلك اشارة الى نحو ما قال واذا المنية انشبت اظفارها الفيت كل تميمة لا تنفع التميمة خرزات كان العرب يعلقونها على اولادهم خوفا من العين وهو باطل لقوله عليه السلام " من علق تميمة فقد أشرك واياها " أراد صاحب البيت المذكور وقيل هو من كلام ملائكة الموت يقولون أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة او ملائكة العذاب من الرقى وفعله من باب علم وقوله ملائكة الرحمة لا يمانعه قوله فلا صدق ولا صلى الآيات لان الضمير فيه لجنس الانسان فلا يتعين كون المختضر من اهل النار قال الكلبى يحضر العبد عند الموت سبعة املاك من ملائكة الرحمه وسبعة من ملائكة العذاب مع ملك الموت فاذا بلغت نفس العبد التراقى نظر بعضهم الى بعض أيهم يرقى بروحه الى السماء فهو قوله من راق وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان الملائكة يكرهون القرب من الكافر فيقول ملك الموت من يرقى بروح هذا الكافر.

القيامة 75:28

{ وظن انه الفراق } وأيقن المحتضر حين عاين ملائكة الموت ان ما نزل به هو الفراق من الدنيا المحبوبة ونعيمها التى ضيع العمر النفيس فى كسب متاعها الخسيس وعبر عما حصل له من المعرفة حينئذ بالظن لان الانسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فانه يطمع فى الحياة لشدة حبه لهذا الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت بل ظنه الغالب على رجاء الحياة قال الامام هذه الآية تدل على ان الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت المعدن لان الله تعالى سمى الموت فراقا والفراق انما يكون اذا كانت الروح باقية فان الفراق والوصال صفة وهى تستدعى وجود الموصوف قال المزنى دخلت على الشافعى فى مرة موته فقلت كيف أصبحت قال أصبحت من الدنيا راحلا وللاخوان مفارقا ولسوء عملى ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى الله وارادا فلا ادرى أروحى تصير الى الجنة فأهنيها ام الى النار فأعزيها ثم أنشأ يقول ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى جعلت رجائى نحو عفوك سلما تعاظمنى ذنبى فلما قرنته بعفوك ربى كان عفوك اعظما وقال بعضهم فراق ليس يشبهه فراق قد انقطع الرجاء عن التلاق وفى الحديث ان العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وان مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول السلام عليك أفارقك وتفارقنى الى يوم القيامة قال الشيخ سعدى كوس رحلت بكوفت دست اجل اى در جشمم وداع سر بكنيد اى كف ودست وساعد وبازو همه توديع يكدكر بكنيد بر من افتاده مرك دشمن كام آخر اى دوستان كذر بكنيد روز كارم بشد بنادانى من نكردم از شما حذر بكنيد قال يحيى بن معاذ رحمه الله اذا دخل الميت القبر قام على شفير قبره اربعة املاك واحد عند رأسه والثانى عند رجليه والثالث عن يمينه والرابع عن يساره فيقول الذى عند رأسه يا ابن آدم ارفضت الآجال اى تفرقت وأنصيت الآمال اى هزلت ويقول الذى عن يمينه ذهبت الاموال وبقيت الاعمال ويقول الذى عن يساره ذهبت الاشغال وبقى الوبال ويقول الذى عند رجليه طوبى لك ان كان كسبك من الحلال وكنت مشتغلا بخدمة ذى الجلال.

القيامة 75:29

{ والتفت الساق بالساق } الالتفاف برهم بيجبدن اى والتفت ساقه بساقه والتوت عليها عند قلق الموت فالساق العضو المخصوص والتفافهما اجتماعهما والتوآء احداهما بالاخرى او التفت شدة فراق الدنيا بشدة اقبال الآخرة على ان الساق مثل فى الشدة وجه المجاز ان الانسان اذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه فقيل للامر الشديد ساق من حيث ان ظهورها لازم لظهور ذلك الامر وقد سبق فى قوله تعالى يوم يكشف عن ساق وعن سعيد بن مسيب هما ساقاه حين تلفان فى اكفانه.

القيامة 75:30

{ الى ربك يومئذ المساق } اى الى الله والى حكمه يساق الانسان لا الى غيره اى يساق الى حيث لا حكم هناك الا الله وقال الكاشفى بسوى جزاى بروردكارتوا آروز باز كشت باشد همه كس را. فالمساق مصدر ميمى بمعنى السوق بالفارسية راندن. والألف واللام عوض عن المضاف اليه اى سوق الانسان.

القيامة 75:31

{ فلا صدق } الانسان ما يجب تصديقه من الرسول والقرءآن الذى نزل عليه اى لم يصدق فلا ههنا بمعنى لم وانما دخلت على الماضى لقوة التكرار يعنى حسن دخول لا على الماضى تكراره كما تقول لا قام ولا قعد وقلما تقول العرب لا وحدها حتى تتبعها اخرى تقول لا زيد فى الدار ولا عمرو أو فلا صدق ماله بمعنى لا زكاة فحينئذ يطلب وجه لترجيح الزكاة على الصلاة مع ان دأب القرءآن تقديم الصلاة ولعل وجهه ما كان كفار مكة عليه من منع المساكين وعدم الحض على طعامهم فى وقت الضرورة القوية وايضا على تأخير ولا صلى مراعاة الفواصل كما لا يخفى { ولا صلى } ما فرض عليه وفيه دلالة على ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤاخذة يعنى ان الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقها بترك الايمان وان لم يجب ادآؤها عليه فى الدنيا.

القيامة 75:32

{ ولكن كذب } ما ذكر من الرسول والقرءآن والاستدراك لدفع احتمال الشك فان نفى التصديق لا يستلزم أثبات التكذيب لكون الشك بين التصديق والتكذيب فاذا لا تكرار فى الآية { وتولى } واعرض عن الطاعة لله ولرسوله.

القيامة 75:33

{ ثم ذهب الى اهله } اهل بيته او الى اصحابه { يتمطى } يتبختر ويختال فى مشيه افتخارا بذلك وبالفارسية بس باز كشبت بسوى كسان خودمى خراميد ازروى افتخاركه من جنين وجنين كارى كرده ام يعنى تكذيب وتولى. من المط وهو المد فان المتبختر يمد خطاه يعنى ان التمدد فى المشى من لوازم التبختر فجعل كناية عنه فيكون أصله يتمطط بمعنى يتمدد ابدلت الطاء الاخيرة ياء كراهة اجتماع الامثال كما فى تقضى البازى او من المطا مقصورا وهو الظهور فانه يلويه ويحركه فى تبختره فألفه مبدلة من واو ويتمطى جملة حالية من فاعل ذهب وفى الحديث اذا مشت امتى المطيطاء وخدمتهم فارس والروم كأن بأسهم بينهم والمطيطاء كحميرآء التبختر ومد اليدين فى المشى والبأس شدة الحرب.

القيامة 75:34

{ اولى لك } واى برتواى انسان مكذب { فأولى } بس واى برتو.

القيامة 75:35

{ ثم اولى لك فأولى } تكرير للتأكيد فهو مستعمل فى موضع ويل لك مشتق من الولى وهو القرب والمراد دعاء عليه بأن يليه مكروه وأصله اولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما فى ردف لكم نقل الثلاثى الى أفعل فعدى الى مفعولين وفى القاموس أولى لك تهديد ووعيد أي قاربه ما يهلكه او أولى لك الهلاك فيكون اسما بمعنى احرى اى الهلاك أولى واحرى لك من كل شئ فيكون خبر مبتدأ محذوف وقال الكاشفى اولى لك سزاوارست ترامركى سخت فأولى بس سزاوارست ترا عذاب اليم در قبر ثم أولى لك بس نيك سزا وارست تراهول قيامت فأولى بس بغايت سزاست تراخلود در دوزخ. وروى انه لما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله بمجامع ثوب أبى جهل بالبطحاء وهزه مرة او مرتين ولكزه فى صدره وقال له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى فقال ابو جهل أتوعدنى يا محمد ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيأ وانى لأعز اهل هذا الوادى فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع وقتله اسوء قتله اقعصه بتاعفرآء واجهز عليه ابن مسعود رضى الله عنه واقعصه قتله مكانه واجهز على الجريح اثبت قتله واسرعه وتمم عليه وكان رسول الله عليه السلام يقول " ان لكل امة فرعونا وان فرعون هذه الامة أبو جهل "

القيامة 75:36

{ ايحسب الانسان ان يترك سدى } اى يحيى حال كونه مهملا فلا يكلف ولا يجزى وقيل ان يترك فى قبره فلا يبعث والسدى المهمل يقال اسديت ابلى اسداء اى اهملتها وتقول اسديت حاجتى وسديتها اذا اهملتها ولم تقضها وتكرير الانكار لحسبانها يتضمن تكرير انكاره للحشر ويتضمن الاستدلال على صحة البعث ايضا وتقريره ان اعطاء القدرة والآلة والفعل بدون التكليف والامر بالمحاسن والنهى عن المفاسد يقتضى كونه تعالى راضيا بقبائح الاعمال وذلك لا يليق بحكمته اذا لا بد من التكليف فى الدنيا والتكليف لا يليق بالكريم الرحيم الا لان يميز الذين آمنوا وعملوا الصلاحات من المفسدين فى الارض ولا يجعل المتقين كالفجار ويجازى كل نفس بما تسعى والمجازاة قد لا تكون فى الدنيا فلا بد من البعث والقيامة وانما لم تكن الدنيا دار المجازاة لضيقها وقد قال بعض الكبار من طلب تعجيل نتائج اعماله واحواله فى هذه الدار فقد اساء الادب وعامل الموطن بما لا تقتضيه حقيقته.

القيامة 75:37

{ الم يك نطفة من منى يمنى } الخ استئناف وارد لابطال الحسبان المذكور فان مداره لما كان استبعادهم للاعادة استدل على تحققها ببدء الخلق وقال ابن الشيخ هو استدلال على صحة البعث بدليل ثان والاستفهام بمعنى التوبيخ والنطفة بالضم الماء الصافى قل او كثر والمنى ماء الرجل والمرأة اى ما خلق منه حيوان فالحبل لا يكون الا من الماءين ويمنى بالياء صفة منى وبالتاء صفة نطفة بمعنى يصب ويراق فى الرحم ولذا سميت من كالى وهى قرية بمكة لما يمنى فيها من دماء القرابين والمعنى الم يكن الانسان ماء قليلا كائنا من ماء معروف بخسة القدر واستقذار الطبع ولذا نكرهما يمنى ويصب فى الرحم نبه سبحانه بهذا على خسة قدر الانسان اولا وكمال مقدرته ثانيا حيث صير مثل هذا الشيىء الدنى بشرا سويا وقال بعضهم فائدة قوله يمنى للاشارة الى حقارة حاله كأنه قيل انه مخلوق من المنى الذى يجرى على مخرج النجاسة فكيف يليق بمثل هذا ان يتمرد عن طاعة الله فيما امر به ونهى الا انه تعالى عبر عن هذا المعنى على سبيل الرمز كما فى قوله تعالى فى عيسى ومريم عليهما السلام كانا يأكلان الطعام والمراد منه قضاء الحاجة كناية.

القيامة 75:38

{ ثم كان علقة } اى ثم كان المنى بعد اربعين يوما قطعة دم جامد غليظ احمر بقدرة الله تعالى بعد ما كان ماء أبيض كقوله تعالى ثم خلقنا النطفة علقة وهو عطف على قوله ألم يك لان انكار عدم الكون يفيد ثبوت المكون فالتقدير كان الانسان نطفة ثم كان علقة { فخلق } اى فقدر بأن جعلها مضغة مخلقة بعد اربعين اخرى اى قطعة لحم قابل لتفريق الاعضاء وتمييز بعضها من بعض وجعل المضغة عظاما تتميز بها الاعضاء بأن صلبها فكسا العظام لحما يحسن به خلقه وتصويره ويستعد لافاضة القوى ونفخ الروح { فسوى } فعدله وكمل نشأته قال الكاشفى بس راست كردصورت واندام اورا وووح دردميد. وفى المفردات جعل خلقه على ما اقتضته الحكمة الالهية اى جعله معادلا لما تقتضيه الحكمة وقال بعضهم معنى التسوية والتعديل جعل كل عضو من اعضائه الزوج معادلا لزوجه.

القيامة 75:39

{ فجعل منه } اى من الانسان باعتبار الجنس او من المنى وجعل بمعنى خلق ولذا اكتفى بمفعول واحد وهو قوله { الزوجين } اى الصنفين { الذكر والانثى } بدل من الزوجين ويجوز أن يكونا منصوبين باضمار أعنى ولا يخفى ان الفاء تفيد التعقيب فلا بد من مغايرة بين المتعاقبين فلعل قوله فخلق فسوى محمول على مقدار مقدر من الخلق يصلح به للتفرقة بين الزوجين وقوله فجعل منه الزوجين على التفرقة الواقعة.

القيامة 75:40

{ أليس ذلك } العظيم الشان الذى انشأ هذا الانشاء البديع { بقادر على ان يحيى الموتى } وهو أهون من البدء فى قياس العقل لوجود المادة وهو عجب الذنب والعناصر الاصلية روى ان النبى عليه السلام كان اذا قرأها قال سبحانك اللهم بلى تنزيها له تعالى عن عدم القدرة على الاحياء واثباتا لوقوعها عليه وفى رواية بلى والله بلى والله وقال ابن عباس رضى الله عنهما من قرأ سبح اسم ربك الا على اماما كان او غيره فليقل سبحان ربى الاعلى ومن قرأ لا اقسم بيوم القيامة فاذا انتهى الى آخرها فليقل سبحانك اللهم بلى اماما كان او غيره وفى الحديث " من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى الى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ لا اقسم بيوم القيامة فانتهى الى أليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى فليقل سبحانك بلى ومن قرأ والمرسلات عرفا فبلغ فبأى حديث بعده يؤمنون فليقل آمنا بالله " وفى الآية اشارة الى ان الله يحيى موتى اهل الدنيا بالاعراض عنها والاقبال على الآخرة والمولى وايضا يحيى موتى النفوس بسطوع انوار القلوب عليها وايضا يحيى موتى القلوب تحت ظلمة النفوس الكافرة الظلمانية بنور الروح والسر والخفى ومن اسند العجز الى الله فقد كفر بالله نسأل الله تعالى العصمة وحسن الخاتمة. تمت سورة القيامة بعون من له الرحمة العامة فى الحادى والعشرين من ذى الحجة من سنة ست عشرة ومائة وألف.

الإنسان 76:1

{ هل أتى } استفهام تقرير وتقريب فان هل بمعنى قد والاصل أهل أتى اى قد أتى وبالفارسية آيا آمد يعنى برستى كه آمده. تركوا الالف قبل هل لانها لا تقع الا فى الاستفهام وانما لزوم اداة الاستفهام ملفوظة او مقدرة اذا كان بمعنى قد ليستفاد التقرير من همزة الاستفهام والتقريب من قد فانها موضوعة لتقريب الماضى الى الحال والدليل على ان الاستفهام غير مراد ان الاستفهام على الله محال فلا بد من حمله على الخبر تقول هل وعظتك ومقصودك أن تحمله على الاقرار بأنك قد وعظته وقد يجيئ بمعنى الجحد تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا فتحمله على أن يقول لا يقدر أحد غيرك { على الانسان } قبل زمان قريب المراد جنس الانسان لقوله من نطفة لان آدم لم يخلق منها ثم المراد بالجنس بنوا آدم او ما يعمه وبنيه على التغليب او نسبة حال البعض الى الكل للملابسة على المجاز { حين من الدهر } الحين زمان مطلق ووقت مبهم يصلح لجميع الازمان طال او قصر وفى المفردات الحين وقت بلوغ الشئ وحصوله وهو مبهم ويتخصص بالمضاف اليه نحو ولات حين مناص ومن قال حين على اوجه للاجل والمنية وللساعة وللزمان الملطق انما فسر ذلك بحسب ما وجده قد علق به والدهر الزمان الطويل والمعنى طائفة محدودة كائنه من الزمن الممتد وهى مدة لبثه فى بطن امه تسعة اشهر ان صار شيأ مذكورا على ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما { لم يكن } فيه فالجملة صفة اخرى لحين بحذف الضمير { شيئا مذكورا } بل كان شيأ منسيا غيرمذكور بالانسانية اصلا نطفة فى الاصلاب فما بين كونه نطفة وكونه شيأ مذكورا بالانسانية مقدار محدود من الزمان وتقدم عالم الارواح لا يوجب كونه شيأ مذكورا عند الخلق ما لم يتعلق بالبدن ولم يخرج الى عالم الاجسام روى ان الصديق او عمر رضى الله عنهما كما فى عين المعانى لما سمع رجلا يقرأ هذه الآية بكى وقال ليتها تمت فلا شئ أراد ليت تلك تمت وهى كونه شيأ غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف ومعنى الاستفهام التقريرى فى الآية أن يحمل من ينكر البعث على الاقرار بأنه نعم أتى عليه فى زمان قريب من زمان الحال حين من الدهر لم يكن شيئأ مذكورا فيقال له من أحدثه بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه بعثه واحياؤه بعد موته وقال القاشانى اى كان شيأ فى علم الله بل فى نفس الامر لقدم روحه ولكنه لم يذكر فيما بين الناس لكونه فى عالم الغيب وعدم شعور من فى عالم الشهادة به وفى التأويلات النجمية اعلم ان للانسان صورة علمية غيبية وصورة عينية شهادية وهو من حيث كلتا الصورتين مذكور عند الله ازلا وابدا لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لعلمه الازلى الابدى بالاشياء قبل ايجاد الاشياء وقبل وجودها خلق الخلق وهم معدومون فى كتم العدم وعلمه بنفسه يستلزم علمه بأعيان الاشياءلان الاشياء مظهر اسمائه وصفاته وهى عين ذاته فافهم اى ما أتى على الانسان حين من الاحيان وهو كان منسيا فيه بالنسبة الى الحق وكيف وهو مخلوق على صورته وصورته حاضرة له مشهودة عنده وهل للاستفهام الانكارى بخلاف المحجوبين عن علم المعرفة والحكمة الالهية وقال جعفر الصادق رضى الله عنه هل أتى عليك يا انسان وقت لم يكن الله ذاكرا لك فيه.

الإنسان 76:2

{ انا خلقنا الانسان } اى خلقناه يعنى جسمه والاظهار لزيادة التقرير { من نطفة } حتى كان علقة فى اربعين يوم ومضغة فى ثمانين ومنفوخا فيه الروح فى مائة وعشرين يوما كما كان ابوهم آدم خلق من طين فألقى بين مكةوالطائف فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة اخرى ثم من صلصال فأقام اربعين سنة اخرى فتم خلقه فى مائة وعشرين سنة اخرى فنفخ فيه الروح على ما جاء فى رواية الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما فما كان سنين فى آدم كان اياما فى اولاده وحمل بعضهم الانسان الاول على آدم والثانى على اولاده على أن يكون الحين هو الزمن الطويل الممتد الذى لا يعرف مقداره والاول وهو حمله فى كلا الموضعين على الجنس اظهر لان المقصود تذكير الانسان كيفية الخلق بعد أن لم يكن ليتذكر اول امره من عدم كونه شيأ مذكورا او آخر أمره من كونه شيأ مذكورا مخلوقا من ماء حقير فلا يستبعد البعث كما سبق { امشاج } اخلاط بالفارسية آميختها. جمع مشج كسبب او كتف على لغتيه او مشيج من مشجت الشئ اذا خلطته وصف النطفة بالجمع مع افرادها لما ان المراد بها مجموع الماءين يختلطان فى الرحم ولكل منهما اوصاف مختلفة من اللون والرقة والغلظ وخواص متباينة فان ماء الرجل ابيض غليظ فيه قوة العقد وماء المرأة اصفر رقيق فيه قوة الانعقاد فيخلق منهما الولد فأيهما علا صاحبه كان الشبه له وما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة على ما روى فى المرفوع وفى الخبر ما من مولود الا وقد ذر على نطفته من تربة حفرته كل واحد منهما مشيج بالآخر وقال الحسن رحمه الله نطفة مشيجة بدم وهو دم الحيض فاذا حبلت ارتفع الحيض واليه ذهب صاحب القاموس حيث قال ونطفة امشاج مختلطة بماء المرأة ودمها انتهى فيكون النطفتان ودمها جمعا وقال الراغب هو عبارة عما جعل الله بالنطفة من القوى المختلفة المشار اليهابقوله ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة الآية انتهى فيكون معنى امشاج ألوان وأطوار على ما قال قتادة وفى التأويلات النجمية اى من نطفة قوة القابلية الممتشجة المختلطة بنطفة قوة الفاعلية اى خلقناه من نطفة الفيض الاقدس المتعلق بالفاعل ونطفة الفيض المقدس المتعلق بالقابل فالفيض الاقدس الذاتى بمنزلة ماء الرجل والفيض المقدس الاسمائى بمنزلة بمنزلة ماء المرأة { نبتليه } حال مقدرة من فاعل خلقنا اى مريدين ابتلاءه واختباره بالتكيف فيما سيأتى ليتعلق علمنا بأحواله تفصيلا فى العين بعد تعلقه بها اجمالا فى العلم وليظهر احوال بعضهم لبعض من القبول والرد والسعادة والشقاوة { فجعلناه سميعا بصيرا } ليتمكن من استماع الآيات التنزيلية ومشاهدة الآيات التكوينية فهو كالمسبب عن الاتبلاء اى عن ارادته فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء كأنه قيل انا خلقناه مريدين تكليفه فأعطيناه ما يصح معه التكليف والابتلاء وهو السمع والبصر وسائر آلات التفهيم والتمييز وطوى ذكر العقل لان المراد ذكر ما هو من اسبابه والآلة التى يستكمل فطريقة الاول لأكثر الخلق من السعداء السمع ثم البصر ثم تفهم العقل وفى الاختيار صيغة المبالغة اشارة الى كمال احسانه اليه وتمام انعامه وبصيرا مفعول ثان بعد ثان لجعلناه وفى التأويلات النجمية فجعلناه سميعا جميع المسموعات بصيرا جميع المبصرات كما قال كنت سمعه وبصره فبى يسمع وبى يبصر فلا يفوته شيئ من المسموعات ولا من المبصرات فافهم جدا يا مسكين وقال أبو عثمان المغربى قدس سره ابتلى الله الخلق بتسعة امشاج ثلاث فتانات هى سمعه وبصره ولسانه وثلاث كافرات هن نفسه وهواه وعدوه الشيطان وثلاثة مؤمنات هى عقله وروحه وقلبه فاذا أيد الله العبد بالمعونة قهر العقل على القلب فملكه واستأسر النفس والهوى فلم يجدا الى الحركة سبيلا فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هى العليا قال الله تعالى قاتلوهم حتى لا تكون فتنة.

الإنسان 76:3

{ انا هديناه السبيل } مرتب على ما قبله من اعطاء الحواس فانه استئناف تعليلى لجعله سميعا بصيرا يعنى ان اعطاء الحواس الظاهرة والباطنة والتحلى بها متقدم على الهداية والمعنى أريناه وعرفناه طريق الخير والشر والنجاة والهلاك بانزال الآيات ونصب الدلائل كما قال وهديناه النجدين اى بينا له طريق الخير والشر فان النجد الطريق الواضح المرتفع فالمراد بالهداية مجرد الدلالة لا الدلالة الموصلة الى البغية كما فى بعض التفاسير { اما شاكرا واما كفورا } حالا من مفعول هديناه قال فى الارشاد اى مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل الى البغية فى حالتيه جميعا فاما التفصيل ذى الحال فانه مجمل من حيث الدلالة على الاحوال لا يعلم ان المراد هدايته فى حال كفره او فى حال ايمانه وبالتفصيل تبين انها تعلقت به فى كل واحدة من الحالين فالشاكر الموحد والكفور الجاحد لان الشكر الاقرار بالمنعم ورأس الكفر ان جحوده ويقال شاكر النعمة وكفورها قال الراغب الكفور يقال فى كافر النعمة وكافر الدين جميعا ويجوز أن يكون اما للتقسيم بأن يعتبر ذو الحال من حيث انه مطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هى ويجعل كل واحد من مدخولى اما قيدا له فيحصل بالتقييد بكل منهما قسم منه اى مقسوما اليهما بعضهم شاكر بالاهتدآء والاخذ فيه وبعضهم كفور بالاعراض عنه وايراد الكفور لمراعاة الفواصل اى رؤوس الآى والاشعار بأن الانسان قلما يخلوا من كفران ما وانما المؤاخذ عليه الكفر المفرط والشكور قليل منهم ولذا لم يقل اما شكورا واما كفورا واما شاكرا واما كافرا والحاصل ان الشاكر والكفور كنايتان عن المثاب والمعاقب ولما لم يكن مجرد الكفران مستلزما للمواخذة لم يصح أن يجعل كناية عنها بخلاف مجرد الشكر فإنه ملزوم الاثابة بمقتضى وعد الكريم فأدير أمر الاثابة على مطلق الشكر لا على المبالغة فيه كما ادير المؤآخذة على المبالغة فى الكفران لا على اصله وكل ذلك بمقتضى سعة رحمة الله وسبقها على غضبه وقرأ ابو السماك بفتح الهمزة فى اما وهى قرآءة حسنة والمعنى اما كونه شاكرا فبتوفيقنا واما كونه كفورا فبسوء اختياره وفى التأويلات النجمية انا خيرناه فى الاهتدآء الى سبيل الشكر المتعلق باليد اليمنى الجمالية او الى سبيل الكفر المتعلق باليد اليسرى الجلالية فاختار بعضهم سبيل الشكر من مقتضى حقائقهم واستعداداتهم الازلية واختار بعضهم سبيل الكفر من مقتضى حقائقهم وقابليتهم الازلية ايضا كما قال هؤلاء اهل الجنة ولا ابالى وهؤلاء اهل النار ولا ابالى اى المدح والذم يتعلق بهم لابى ولما ذكر الفريقين اتبعهما الوعيد والوعد فقال { انا اعتدنا } هيأنا فى الآخرة فان الاعتاد اعداد الشئ حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج اليه { للكافرين } من افراد الانسان الذى هديناه السبيل { سلاسل } بها يقادون الى جهنم وفي كشف الاسرار اعتدنا للكافرين فى جهنم سلاسل كل سلسلة سبعون ذراعا وهو بغير تنوين فى قرآءة حفص واما الوقف فبالالف تارة وبدونها اخرى وتسلسل الشئ اضطرب كأنه تصور منه تسلسل وتردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه ومنه السلسلة وفى القاموس السلسلة اى بالفتح ايصال الشئ بالشئ وبالكسر دآئرة من حديد ونحوه { واغلالا } بها يقيدون اهانة وتعذيبا لا خوفا من الفرار جمع غل بالضم وهو ما تطوق به الرقبة للتعذيب وقد سبق فى الحاقة مفصلا { وسعيرا } نارا بها يحرقون يعنى وآتشى آفروخته كه دران بيوسته بسوزند. وانما يجرون الى جهنم بالسلاسل لعدم انقيادهم للحق ويحقرون بأن يقيدون بالاغلال لعدم تواضعهم لله ويحرقون بالنار لعدم احتراقهم بنار الخوف من الله تعالى وفيه اشارة الى ان الله تعالى اعد للمحجوبين عن الحق المشغولين بالخلق سلاسل التعلقات الظاهرة بحب الدنيا وطلبها واغلال العوآئق الباطنة بالرغبة اليها وفيها ونار جهنم البعد والطرد واللعن وتقديم وعيد الكافرين مع تأخرهم فى مقام الاجمال للجمع بينهما فى الذكر ولان الانذار أهم وأنفع وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين احسن على ان فى وصفهم تفصيلا ربما يخل تقديمه بتجاوب اطراف النظم الكريم.

الإنسان 76:4

{ انا هديناه السبيل } مرتب على ما قبله من اعطاء الحواس فانه استئناف تعليلى لجعله سميعا بصيرا يعنى ان اعطاء الحواس الظاهرة والباطنة والتحلى بها متقدم على الهداية والمعنى أريناه وعرفناه طريق الخير والشر والنجاة والهلاك بانزال الآيات ونصب الدلائل كما قال وهديناه النجدين اى بينا له طريق الخير والشر فان النجد الطريق الواضح المرتفع فالمراد بالهداية مجرد الدلالة لا الدلالة الموصلة الى البغية كما فى بعض التفاسير { اما شاكرا واما كفورا } حالا من مفعول هديناه قال فى الارشاد اى مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل الى البغية فى حالتيه جميعا فاما التفصيل ذى الحال فانه مجمل من حيث الدلالة على الاحوال لا يعلم ان المراد هدايته فى حال كفره او فى حال ايمانه وبالتفصيل تبين انها تعلقت به فى كل واحدة من الحالين فالشاكر الموحد والكفور الجاحد لان الشكر الاقرار بالمنعم ورأس الكفر ان جحوده ويقال شاكر النعمة وكفورها قال الراغب الكفور يقال فى كافر النعمة وكافر الدين جميعا ويجوز أن يكون اما للتقسيم بأن يعتبر ذو الحال من حيث انه مطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هى ويجعل كل واحد من مدخولى اما قيدا له فيحصل بالتقييد بكل منهما قسم منه اى مقسوما اليهما بعضهم شاكر بالاهتدآء والاخذ فيه وبعضهم كفور بالاعراض عنه وايراد الكفور لمراعاة الفواصل اى رؤوس الآى والاشعار بأن الانسان قلما يخلوا من كفران ما وانما المؤاخذ عليه الكفر المفرط والشكور قليل منهم ولذا لم يقل اما شكورا واما كفورا واما شاكرا واما كافرا والحاصل ان الشاكر والكفور كنايتان عن المثاب والمعاقب ولما لم يكن مجرد الكفران مستلزما للمواخذة لم يصح أن يجعل كناية عنها بخلاف مجرد الشكر فإنه ملزوم الاثابة بمقتضى وعد الكريم فأدير أمر الاثابة على مطلق الشكر لا على المبالغة فيه كما ادير المؤآخذة على المبالغة فى الكفران لا على اصله وكل ذلك بمقتضى سعة رحمة الله وسبقها على غضبه وقرأ ابو السماك بفتح الهمزة فى اما وهى قرآءة حسنة والمعنى اما كونه شاكرا فبتوفيقنا واما كونه كفورا فبسوء اختياره وفى التأويلات النجمية انا خيرناه فى الاهتدآء الى سبيل الشكر المتعلق باليد اليمنى الجمالية او الى سبيل الكفر المتعلق باليد اليسرى الجلالية فاختار بعضهم سبيل الشكر من مقتضى حقائقهم واستعداداتهم الازلية واختار بعضهم سبيل الكفر من مقتضى حقائقهم وقابليتهم الازلية ايضا كما قال هؤلاء اهل الجنة ولا ابالى وهؤلاء اهل النار ولا ابالى اى المدح والذم يتعلق بهم لابى ولما ذكر الفريقين اتبعهما الوعيد والوعد فقال { انا اعتدنا } هيأنا فى الآخرة فان الاعتاد اعداد الشئ حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج اليه { للكافرين } من افراد الانسان الذى هديناه السبيل { سلاسل } بها يقادون الى جهنم وفي كشف الاسرار اعتدنا للكافرين فى جهنم سلاسل كل سلسلة سبعون ذراعا وهو بغير تنوين فى قرآءة حفص واما الوقف فبالالف تارة وبدونها اخرى وتسلسل الشئ اضطرب كأنه تصور منه تسلسل وتردد فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه ومنه السلسلة وفى القاموس السلسلة اى بالفتح ايصال الشئ بالشئ وبالكسر دآئرة من حديد ونحوه { واغلالا } بها يقيدون اهانة وتعذيبا لا خوفا من الفرار جمع غل بالضم وهو ما تطوق به الرقبة للتعذيب وقد سبق فى الحاقة مفصلا { وسعيرا } نارا بها يحرقون يعنى وآتشى آفروخته كه دران بيوسته بسوزند. وانما يجرون الى جهنم بالسلاسل لعدم انقيادهم للحق ويحقرون بأن يقيدون بالاغلال لعدم تواضعهم لله ويحرقون بالنار لعدم احتراقهم بنار الخوف من الله تعالى وفيه اشارة الى ان الله تعالى اعد للمحجوبين عن الحق المشغولين بالخلق سلاسل التعلقات الظاهرة بحب الدنيا وطلبها واغلال العوآئق الباطنة بالرغبة اليها وفيها ونار جهنم البعد والطرد واللعن وتقديم وعيد الكافرين مع تأخرهم فى مقام الاجمال للجمع بينهما فى الذكر ولان الانذار أهم وأنفع وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين احسن على ان فى وصفهم تفصيلا ربما يخل تقديمه بتجاوب اطراف النظم الكريم.

الإنسان 76:5

{ ان الابرار } شروع فى بيان حسن حال الشاكرين اثر بيان سوء حال الكافرين وايرادهم بعنوان البر للاشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السنية والابرار جمع بركرب وأرباب او جمع بار كشاهد واشهاد وهو من يبر خالقه اى يطيعه يقال بررته ابره كعلمته وضربته وعن الحسن رحمه الله البر من لا يؤذى الذر ولا يضمر الشر كما قيل ولا تؤذ نملا ان أردت كما لكا فان لها نفسها تطيب كما لكا وفى المفردات البر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البر اى التوسع فعل الخير وبر العبد ربه توسع فى طاعته ويشمل الاعتقاد والاعمال الفرآئض والنوافل وقال سهل رحمه الله الابرار الذين فيهم خلق من اخلاق العشرة الذين وعد لهم النبى عليه السلام بالجنة قال عليه السلام " ان الله ثلاثمائة وستين خلقا من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة " قال أبو بكر رضى الله عنه هل فى منها يا رسول الله قال كلها فيك يا أبا بكر وأحبها الى الله السخاء { يشربون } فى الجنة والشرب تناول كل مائع ماء كان او غيره قال يشربون ابتدآء كالمطيعين او انتهاء كالمعذبين من المؤمنين بحكم العدل { من كأس } هى الزجاجة اذا كانت فيها خمر وتطلق على نفس الخمر ايضا على طريق ذكر المحل وارادة الحال وهو المراد هنا عند الاكثر حتى روى عن الضحاك انه قال كل كأس فى القرءآن فانما عنى به الخمر فمن على الاول ابتدآئية وعلى الثانى بتعيضية او بيانية { كان } بتكوين الله { مزجها } اى ما تمزج تلك الكأس به يقال مزج الشراب خلطه ومزاج البدن ويمازجه من الصفرآء والسودآء والبلغم والدم والكيفيات المناسبة لكل منها { كافورا } اى ماء كافور وهو اسم عين فى الجنة فى المقام المحمدى وكذا سائر العيون ماؤها فى بيان الكافور ورآئحته وبرده دون طعمه ولا فنفس الكافور لا يشرب ونظيره حتى اذا جعله نارا اى كنار والكافور طيب معروف يطيب به الا كفان والاموات لحسن رآئحته واشتقاقه من الكفر وهو الستر لانه يغطى الاشياء برآئحته وفى القاموس الكافور طيب معروف يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين يظل خلقا كثيرا وتألفه النمورة وخشبه أبيض هش ويوجد فى اجوافه الكافور وهو انواع ولونها احمر وانما تبيض بالتصعيد وعين فى الجنة انتهى والجملة صفة كأس.

الإنسان 76:6

{ عينا } بدل من كافورا يعنى كافور جشمه ايست. والعين الجارية ويقال لمنبع الماء تشبيها بها فى الهيئة وفى سيلان الماء فيها { يشرب بها عباد الله } صفة عين وعباد الله هنا الابرار من المؤمنين لان اضافة التكريم الى اسمه الاعظم مختصة بالمؤمن فى الغالب كالاضافة الى كناية التكلم كقوله يا عبادى لرعايتهم حق الربوبية فمن لم يراعه فكأنه ليس بعبد له اى يشربون بها الخمر لكونها ممزوجة بها كما تقول شربت الماء بالعسل فيكون كناية عن قوتها فى لذتها وعلى هذا فيه اشارة الى ان المقربين الاقوياء يشربون شراب الكافور صرفا غير ممزوج والظاهر يشرب منها فالباء بمعنى من فان حروف العوامل ينوب بعضها مناب بعض ونظيره قوله تعالى فانزلنا به الماء اى انزلنا من السحاب الماء صرح به الشيخ المكى رحمه الله فى قوت القلوب { يفجرونها تفجيرا } التفجير والتفجرة آب راندن. وفى المفردات الفجر شق الشئ شقا واسعا كفجر الانسان السكر يقال فجرته فانفجر وفجرته فتفجر والمعنى يجرونها حيث شاؤا من منازلهم كما يفيده بناء التفعيل اذ التشديد للكثرة اجراء سهلا لا تمنع عليهم بل تجرى جريا بقوة واندفاع لان الانهار منقادة لاهل الجنة كالاشجار وغيرها فتفجيرا مصدر مؤكد للفعل المتضمن معنى السهولة والجملة صفة اخرى لعينا وفى التأويلات النجمية يشير بالابرار الى عبادة الله المخلصين المخصوصين بفيض الاسم الاعظم الشامل للاسماء الذين سقاهم ربهم المتجلى لهم باسمه الباسط بكأس المحبة طهور شراب العشق الممزوج بكافور برد اليقين المفجر الجارى فى انهار أوراحهم واسرارهم وقلوبهم من فرط الرحمة وشمول النعمة وقال القاشانى ان الابرار السعدآء الذين برزوا عن حجاب الآثار والافعال واحتجبوا بحجب الصفات غير واقفين معها بل متوجهين الى عين الذات مع البقاء فى عالم الصفات وهم المتوسطون فى السلوك يشربون من كأس محبة حسن الصفات لا صرفا بل كان فى شرابهم مزج من لذة محبة الذات وهى العين الكافورية المفيدة للذة يرد اليقين وبياض النورية وتفريح القلب المخترق بحرارة الشوق وتقويته فان للكافور خاصية التبريد والتفريح والبياض والكافور عين يشرب بها صرفة عباد الله الذين هم خاصته من اهل الوحدة الذاتية المخصوص محبتهم بعين الذات دون الصفات لا يفرقون بين القهر واللطف والرفق والعنف والنعمة والبلاء والشدة والرخاء بل تستقر محبتهم مع الاضداد وتستمر لذتهم فىالنعماء والضرآء والرحمة والزحمة كما قال احدهم هواى له فرض تعطف ام جفا ومشربه عذب تكدر ام صفا وكلت الى المحبوب امرى كله فان شاء احيانى وان شاء اتلفا واما الابرار فلما كانوا يحبون المنعم واللطيف والرحيم لم تبق محبتهم عند تجلى القهار والمبتلى والمنتقم بحالها ولا لذتهم بل يكرهون ذلك يفجرونها تفجيرا لانهم منابعها لا اثنينية ثمة ولا غيرية والا لم يكن كافور الظلمة حجاب الانانية واثنينيته وسواده انتهى. قال بعضهم اختلفت احوالهم فى الدنيا فاختلفت مشاربهم فى الآخرة فكل يسقى ما يليق بحاله كعيون الحياء وعيون الصبر وعيون الوفاء وغير ذلك ثم ان الكأس اما نفسانية شيطانية وهى ما تكون لاهل الفسق فى الدنيا وهى حرام وفى الحديث " اذا تناول العبد كأس الخمر ناشده الايمان بالله لا تدخلها على فانى لا استقرأنا وهى فى وعاء واحد فان أبى وشربها نفر الايمان نفرة لا يعود اليه اربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه ونقص من عقله شئ لا يعود اليه أبدا " واما جسمانية رحمانية وهى ما تكون للمؤمنين فى دار الآخرة عطاء ومنحة من الله الوهاب واما روحانية ربانية وهى ما تكون لاهل المحبة والشوق فى الدارين وهى ألذ الاقداح قال مولانا جلال الدين قدس سره ألا يا ساقيا انى نظمئان ومشتاق ادر كأسا ولا تنكر فان القوم قد ذاقوا خذ الدنيا وما فيها فان العشق يكفينا لنا فى العشق جنات وبلدان واسواق

الإنسان 76:7

{ يوفون بالنذر } استئناف كأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك الرتبة العالية فقيل يوفون بما اوجبوه على انفسهم فكيف بما اوجبه الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها فهو مبالغة فى وصفهم بالتوفر على ادآء الواجبات والايفاء بالشئ هو الاتيان به تاما وافيا والنذر ايجاب الفعل المباح على نفسه تعظيما لله بأن يقول لله على كذا من الصدقة وغيرها وان شفى مريضى اورد غائبى فعلى كذا واختلفوا فيما اذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر كما اذا قال ان دخل فلان الدار فعلى كذا ففى الناس من جعله كاليمين ومنهم من جعله من باب النذور قيل النذر كالوعد الا انه اذا كان من العباد فهو نذر واذا كان من الله فهو وعد والنذر قربة مشروعة ولا يصح الا فى الطاعة وفى الحديث " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه " قال هرون بن معروف جاءنى فتى فقال ان أبى حلف على بالطلاق ان اشرب دوآء مع مسكر فذهب به الى أبى عبد الله فلم يرخص له وقال قال عليه السلام " كل مسكر حرام " واذا جمع الاطباء على ان شفاء المريض فى الخمر لا يشربها اذا كان له دواء آخر واذا لم يكن يشربها ويتداوى بها فى قول ثم ان الاهتمام بما اوجب الله على عبده ينبغى ان يكون اكمل مما اوجبه العبد على نفسه ومن الناس من هو على عكس ذلك فانه يتهاون بما اوجبه الله عليه فلا يؤدى الصلاة الواجبة مثلا واذا نذر شيأ فى بعض المضايقات يسارع الى الوفاء وليس الا من الجهل وقال القاشانى اى الابرار يوفون بالعهد الذى كان بينهم وبين الله صبيحة يوم الازل بانهم اذا وجدوا التمكن بالآلات والاسباب ابرزوا ما فى مكا من استعداداتهم وغيوب فطرتهم من الحقائق والمعارف والعلو والفضائل واخرجوها الى الفعل بالتزكية والتصفية { ويخافون يوما } اى يوم القيامة { كان شره } اى هوله وشدته وعذابه { مستطيرا } فاشيا منتشرا فى الاقطار غاية الانتشار بالغا اقصى المبالغ. يعنى مبهمة كس بهمه جاء رسيده. من الاستطار الحريق اى النار وكذا الفجر قال فى القاموس المستطير الساطع المنتشر واستطار الفجر انتشر وهو ابلغ من طار بمنزلة استنفر من نفر واطلق الشر على اهوال القيامة وشدآئدها المنتشرة غاية الانتشار حتى ملأت السموات والارض مع انها عين حكمة وصواب لكونها مضرة بالنسبة الى من تنزل السموات والارض مع انها عين حكمة وصاب لكوناه مضرة بالنسبة الى من تنزل عليه ولا يلزم من ذلك ان لا يكون خيره مستطيرا ايضا فان ليوم القيامة امورا سارة كما ان له امورا ضارةقال سهل رحمه الله البلايا والشدآئد عامة فى الآخرة للعامة والملامة خاصة للخالصة ثم ان يوفون الخ بيان لاعمالهم واتيانهم لجميع الواجبات وقوله ويخافون الخ بيان لنياتهم حيث اعتقدوا يوم البعث والجزاء فخافوا منه فان الطاعات انما تتم بالنيات وبمجموع هذين الامرين سماهم الله بالابرار قال بعض العارفين يشير الى ارباب السلوك فى طريق الحق وطلبه حيث اوجبوا على انفسهم انواع الرياشات واصناف المجاهدات وتركواالرقاد واهلكوا بالجوع الاجساد واحرقوا بالعطش الاكباد وسدوا الاذان من استماع كلام الاغيار وأعموا ابصارهم عن رؤية غير المحبوب الحقيقى وختموا على القلوب عن محبة غير المطلوب الازلى خوفوا انفسهم من يوم تجلى صفة القهر والسخط باستيلاء الهيئات المظلمة على القلب وهو نهاية مبالغ الشر فاجتهدوا حتى خلصهم الله مما خافوا وأدخلهم فى حرمه الآمن.

الإنسان 76:8

{ ويطعمون الطعام على حبه } اى كائنين على حب الطعام والحاجة اليه ونحوه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون او على حب الاطعام فيطعمون بطيب النفس فالضمير الى مصدر الفعل كما فى قوله تعالى اعدلوا هو اقرب للتقوى او كائنين على حب الله او اطعاما كائنا على حبه تعالى وهو الانسب لما سيأتى من قوله لوجه الله فالمصدر مضاف الى المفعول والفاعل متروك اى على حبهم لله ويجوز ان يضاف الى الفاعل والمفعول متروك اى على حب الله الاطعام والطعام خلاف الشراب وقد يطلق على الشراب ايضا لان طعم الشئ ذوقه مأكولا او مشروبا والظاهر الخصوص وان جاز العموم. واعلم ان مجامع الطاعات محصورة فى امرين الطاعة لامر الله واليه الاشارة بقوله يوفون بالنذر والشفقة على خلق الله واليه الارادة بقوله ويطعمون الطعام فان الطعام وهو جعل الغير طعاما كناية عن الاحسان الى المحتاجين والمواساة معهم بأى وجه كان وان لم يكن ذلك بالطعام بعينه الا ان الاحسان بالطعام لما كان اشرف انواع الاحسان عبر عن جنس الاحسان باسم هذا النوع كما فى حواشى ابن الشيخ وقال بعض اهل المعرفة اى يتجردون عن المنافع المالية ويزكون انفسهم عن الرذائل خصوصا عن الشح لكون محبة المال اكثف الحجب فيتصفون بفضيلة الايثار وسد خلة الغير فى حال احتياجهم او يزكون انفسهم عن رذيلة الجهل فيطعمون الطعام الروحانى من الحكم والشرآئع على حب الله من ذكر من قوله { مسكينا } فقيرا لا شئ له عاجزا عن الكسب وبالفارسية درويش بى مايه. وقال القاشانى المسكين الدائم السكون الى تراب البدن { ويتيما } طفلا لا أب له { واسيرا } الاسر الشد بالقد سمى الاسير بذلك ثم قيل لكل مأخوذ مقيد وان لم يكن مشدودا بذلك والمعنى واسيرا مأخوذا لا يملك لنفسه نصرا ولا حيلة اى اسير كان فانه عليه السلام كان يوتى بالاسير فيدفعه الى بعض المسلمين فيقول احسن اليه لانه يجب الطعام الاسير الكافر والاحسان اليه فى دار الاسلام بما دون الواجبات عند عامة العلماء الى ان يرى الامام رأيه فيه من قتل او من او فداء او استرقاق فان القتل فى حال لا ينافى وجوب الاطعام فى حال اخرى ولا يجب اذا عوقب بوجه ان يعاقب بوجه آخر ولذا لا يحسن فيمن يلزمه القصاص ان يفعل به غير القتل والمعنى اسيرا مؤمنا فيدخل فيه المملوك عبدا او أمة وكذا المسبحون. يعنى مسبحون ازاهل فقركه درحقى ازحقوق مسلمين حبس كرده باشند. وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيرا فقال غريمك اسيرك فأحسن الى أسيرك اى بالامهال والوضع عنه بعضا او كلا وهو كل الاحسان وفى الحديث " من أنظر معسرا أو وضع له اظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله " اى حماه من حراراة القيامة وقيل الزوجة من الاسرآء فى يد الازواج لما قال عليه السلام " اتقوا الله فى النساء فانهن عوانى عندكم " والعانى الاسير وفى القاموس العوانى النساء لانهن يظلمن فلا ينتصرن وقال القاشانى الاسير المحبوس فى أسر الطبيعة وقيود صفات النفس وفى التأويلات النجمية ويطعمون طعام المعارف والحكم الالهية المحبوبة لهم مسكين السر لقرب انقياده تحت حكم الروح وذلته تحت عزته وتيتم القلب لبعد عهده ومكانه من أبيه الروح وأسير الاعضاء والجوارح المقيدين بقيود أحكام الشريعة وحبال آثار الطريقة انتهى.

الإنسان 76:9

{ انما نطعمكم لوجه الله } جزاين نيست كه ميخورانيم شمارا اى طعامها براى رضاى خدا. على ارادة قول هو فى موقع الحال من فاعل يطعمون اى قائلين ذلك بلسان الحال او بلسان المقال ازاحة لتوهم المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأة المنقصة للاجر هرجه دهى مى ده ومنت منه وآنجه بمنت دهى آن خود مده منت ومزده كه دراحسان بود وقت جزا موجب نقصان بود وعن الصديقة رضى الله عنها انها كانت تبعث بالصدقة الى اهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فاذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله والوجه الجارحة عبر به عن الذات لكونه اشرف الاعضاء وقال بعضهم الوجه مجاز عن الرضى لان الرضى معلوم فى الوجه وكذا السخط { لا نريد منكم جزاء } على ذلك بالمال والنفس والفرق بين الجزآء والاجر أن الاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا ويقال فيما كان عن عقد وما يجرى مجرى العقد ولا يقال الا فى النافع واما الجزآء فيقال فيما كان عن عقد وغير عقد ويقال فى النافع والضار والمجازاة المكافأة وهى مقابلة نعمة بنعمة هى كفؤها { ولا شكورا } اى شكرا باللسان ومدحا ودعاء وهو مصدر على وزن الدخول والجملة تقرير وتأكيد لما قبلها قال القاشانى لا نريد منكم مكافأة وثناء لعدم الاحتجاب بالاعراض والاعواض وفى التأويلات النجمية لا نريد منكم جزآء بالذكر الجميل فى الدنيا ولا شكورا عن عذاب الآخرة اذ كل عمل يعمله العامل لثواب الآخرة لا يكون لوجه الله بل يكون لحظ نفسه كما قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى " أنا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه معى غيرى تركته وشركه " والحاصل ان معاملة العبد المخلص انما هى مع الله فلا حق له على الغير فكيف يريد ذلك وفيه نصح لمن أراد النصيحة فان الاطعام ونحوه حرام بملاحظة الغير وحظ النفس فيجب ان يكون خالصا لوجه الله من غير شوب بالرياء وبحظ المنعم زعمرواى بسر جشم اجرت مدار جود درخانه زيد باشى بكار

الإنسان 76:10

{ انا نخاف من ربنا يوما } اى عذاب يوم وهو مفعول نخاف فمن ربنا حال متقدمة منه ولو أخر لكان صفة له او مفعوله قوله ربنا بواسطة الحرف على ما هو الاصل فى تعديته لانه يقال خاف منه فيكون يوما بدلا من محله بدون تقدير بناء على التعدية بنفسه او بتقدير نخاف آخر { عبوسا } من قبيل اسناد الفعل الى زمانه والمعنى تعبس فيه الوجوه. يعنى روزى كه رويها دروترش كردد ازشدت اهوال. كما روى ان الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والعبوس قطوب الوجه من ضيق الصدرأو معنى عبوسا يشبه الاسد العبوس فى الشدة والضراوة اى السطوة والاقدام على ايصال الضرر بالعنف والحدة لكل من رآه فهو من المبالغة فى التشبيه فان العبوس الاسد كالعباس { قمطريرا } شديد العبوس فلذلك نفعل بكم ما نفعل رجاء ان يقينا ربنا بذلك شره لا لارادة مكافأتكم فقوله انا نخاف الخ بدل من انما نطعمكم الخ فى معرض التعليل لاطعامهم يقال وجه قمطرير اى منقبض من شدة العبوس وفى الكشاف القمطرير العبوس الذى يجمع بين عينيه. وازامام حسن بصرى رحمه الله برسيدندكه قمطرير جيست فرمودكه سبحان الله ما اشد اسمه وهو اشد من اسمه يعنى جه سخت است اسم روزقيامت واوسخت تراست ازاسم خود.

الإنسان 76:11

{ فوقاهم الله شر ذلك اليوم } بسبب خوفهم وتحفظهم منه. يعنى نكاه داشت خداى تعالى ايشانرا ازبدى ورنج وهول وعذاب آن روز. فشر مفعول ثان لوقى المتعدى الى اثنين وفى الحديث الصحيح قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله اذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما امرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال فلم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت اعلم فغفر الله له اى بسبب خشيته وقوله لئن قدر الله بتخفيف الدال من القدرة اى لئن تعلقت قدرته يوم البعث بعذاب جسمه ظن المسكين انه بالفناء على الوجه المذكور يلتحق بالمحال وقدرة الله لا تتعلق بالمحال فلا يلزم منه الكفر فجمع رماده من البر والبحر محمول على جمع اجزآئه الاصلية يوم القيامة ويجوز أن يحمل على حال البرزخ فان السؤال فيه للروح والجسد جميعا على ما هو المذهب الحق { ولقاهم نضرة وسرورا } اى اعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة فى الوجوه يعنى تازكى وجوبرويى وسرورا فى القلوب يعنى شادى وفرح دردل فهما مفعولان ثانيان وفى تاج المصادر التلقية جيزى بيش كسى آوردن. وفى المفرادات لقيته كذا اذا استقبلته به قال تعالى ولقاهم نضرة وسرورا.

الإنسان 76:12

{ وجزاهم } اعطى كل واحد منهم بطريق الاجر والعوض { بما صبروا } ما مصدرية اى بسبب صبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى النفس فى اجتناب المحرمات وايثار الاموال وفى الحديث " الصبر اربعة الصبر على الصدمة الاولى وعلى اداء الفرائض وعلى اجتناب المحارم وعلى المصائب " { جنة } مفعول ثان لجزاهم اى بستانا يأكلون منه ما شاؤا { وحريرا } يلبسونه ويتزينون به وبالفارسية وجامه ابريسم بهشت بيوشند. فالمراد بالجنة ليس دار السعادة المشتملة على جميع العطايا والكرامات والا لما احتيج الى ذكر الحرير بعد ذكر الجنة بل البستان كما ذكرنا فذكرها لا يغنى عن ذكر الملبس ثم ان البستان فى مقابلة الاطعام والصبر على الجوع والحرير فى مقابلة الصبر على العرى لان ايثار الاموال يؤدى الى الجوع والعرى وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الحسن والحسين رضى الله عنهما مرضا فعادهما النبى عليه السلام فى ناس معه فقالوا لعلى رضى الله عنه لو نذرت على ولديك نذرا يعنى اكر نذر كنى براميد عافيت وشفاى فرزندان مكر صواب باشد. فنذر على وفاطمة وفضة جارية لهما رضى الله عنهم ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام تقربا الى الله وطلبا لمرضاته وشكرا له فشفيا فصاموا وما معهم شئ يفطرون عليه فاستقرض على من شمعون الخيبرى اليهودى ثلاثة اصوع من شعير وهو جمع صاع وهو اربعة امداد كل مد رطل وثلث قال الداودى معياره الذى لا يختلف اربع حفنات بكفى الرجل الذى ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما اذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبى عليه السلام فطحنت فاطمة رضى الله عنها صاعا يعنى فاطمه زهرا ازان جوبك صاع بآسيا دست آرد كرد. وخبزت خمسة اقراص على عددهم جمع قرص بمعنى الخبزة فوضعوا بين ايديهم وقت الافطار ليفطروا به فوقف عليهم سائل فقال السلام عليكم يا اهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعمونى اطعمكم الله من موآئد الجنة فآثروه يعنى حضرت على رضى الله عنه نصيب خود بدان مسكين دادرسائر اهل بيت موافقت كردند يعنى سخن درويش بسمع على رسيد روى فرا فاطمه كرد وكفت فاطم ذات المجد واليقين يا بنت خير الناس اجمعين اما ترين البائس المسكين قد قام بالباب له حنين يشكو الى الله ويستكين يشكو الينا جائعا حزين فاطمة رضى الله عنها اورا جواب داد وكفت امرك يا ابن عم سمع طاعة ما بى من لؤم ولا ضراعه ارجو اذا اشبعت ذا مجاعة ألحق بالاخيار والجماعه وأدخل الخلد ولى شفاعة آنكه طعام بيش نهاده بودند جمله بدرويش دادند وبركرسنكى صبر كردند. وباتوا لم يذوقوا الا الماء واصبحوا صياما. فاطمه رضى الله عنها صاعى ديكر جوآرد كرد واذان نان. فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم يتيم فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد يتيم من اولاد المهاجرين استشهد والدى يوم العقبة اطعمونى اطعمكم الله من موائد الجنة. حضرت على رضى الله عنه جون سخن آن يتيم شنيد روى فرافاطمه كرد وكفت انى لأعطيه ولا أبالى واو ثر الله على عيالى امسوا جياعا وهمو أشبالى اصغرهم يقتل فى القتال ف ثروه يعنى همجنان طعام كه دربيش بود جمله بيتيم دادند وخود كرسنه خفتند ديكر روز آن صاع كه مانده بود فاطمه رضى الله عنها آنرا آرد كرد وتان بخت. فما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم اسير فقال السلام عليكم اهل بيت النبوة أسير من الاسارى اطعمونى أطعمكم الله من موآئد الجنة. آن طعام باسر دادند وبجزآب. بخشيدند وسه روز بران بكذشت. فلما أصبحوا فى اليوم الرابع أخذ على بيد الحسن والحسين رضى الله عنهم فأقبلوا على النبى عليه السلام فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال عليه السلام " ما أشد ما يسوءنى ما أرى بكم " وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة فى محرابها قد التصق ظهرها ببطها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه السلام وقال خذ يا محمد هنأك الله فى أهل بيتك فاقرأه السورة ولا يلزم من هذا أن يكون المراد من الابرار أهل البيت فقط لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل فيه غيرهم بحسب الاشتراك فى العلم وقد ضعفت القصة بتضعيف الراوى الا انها مشهورة بين العلماء مسفورة فى الكتب قال الحكيم الترمذى رحمه الله هذا حديث مفتعل لا يروج الاعلى احمق جاهل ورواه ابن الجوزى فى الموضوعات وقال لا شك فى وضعه ثم صحة الرواية تقتضى كون الآية مدنية لان انكاح رسول الله فاطمة عليا كان بعد وقعة احد وقد قال الجمهور ان السورة مكية هكذا قالوا سامحهم الله تعالى قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة نقلا عن جمع من العلماء الكبار ان هل أتى على الانسان من السور النازلة فى المدينة وكذا قال مجاهد وقتادة مدنية الا آية واحدة وهى ولا تطع منهم آثما او كفورا فانها مكية وكذا قال الحسن وعكرمة والمارودى مدنية الا قوله فاصبر لحكم ربك الى الآخر فانه مكى ودل على ذلك ان الاسير انما كان فى المدينة بعد آية القتال والامر بالجهاد فضمت الآيات الملكية الى الآيات المدنية فان شئت قلت انها اى السورة مكية وان شئت قلت انها مدنية على ان الآيات المدنية فى هذه السورة أكثر كمية من الآيات المكية فالظاهر أن تسمى مدنية لا مكية ونحن لا نشك فى صحة القصة والله اعلم.

الإنسان 76:13

{ متكئين فيها } اى فى الجنة { على الارائك } بر تختهاى آرسته. قوله متكئين حال من هم فى جزاهم والعامل فيها جزى قيد المجازاة بتلك الحال لانها ارفه الاحوال فكان غيرها لا يدخل فى الجزآء والارآئك هى السرور فى الحجال تكون فى الجنة من الدر والياقوت موضونة بقضبان الذهب والفضة وألوان الجواهر جمع اريكة كسفينة ولا تكون أركية حتى تكون فى حجلة وهى بالتحريك واحدة حجال العروس وهى بيت مزين بالثياب والستور والظاهر أن على الارآئك متعلق بمتكئين لان الاتكاء يتعدى بعلى اى مستقرين متمكنين على الارآئك كقوله متكئين على فرش ولا يبعد أن يتعلق بمقدر يكون حالا من ضمير متكئين اى متكئين فيها على الوسائد او غيرها مستقرين على الارآئك فيكون الاتكاء بمعنى الاعتماد { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } اى حرارة ولا برودة كما يرون فى الدنيا لان الحرارة غالبة على ارض العرب والبرودة على ارض العجم والروم وهو حال ثانية من الضمير اى يمر عليهم هوآء معتدل لا حار ولا بارد مؤذ يعنى ان قوله لا يرون الخ كناية عن هذا المعنى والزمهرير شدة البرد وازمهر اليوم اشتد برده وفى الحديث هوآء الجنة سجسج لا حرف فيه ولا قر اى معتدل لا حر فيه ولا برد فان القر بالضم البرد وفى الخبر عن النبى عليه السلام انه قال " اشتكت النار الى ربها فقالت اكل بعضى بعضا فنفسنى فاذن لها فى كل عام بنفسين نفس فى الشتاء ونفس فى الصيف فأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم وأشد ما تجدون من الحر من حرها " وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال فبينما اهل الجنة فى الجنة اذ رأوا ضوأ كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان له فيقول اهل الجنة يا رضوان قال ربنا عز وجل لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا فيقول لهم رضوان ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلى رضى الله عهنما ضحكهما ضحكا اشرقت الجنان من نور ضحكها وفيهما انزل الله تعالى هل أتى على الانسان حين من الدهر الى قوله وكان سعيكم مشكورا قال القاشانى لا يرون فى جنة الذات شمس حرارة الشوق اليها مع الحرمان ولا زمهرير برودة الوقوف مع الاكوان فان الوقوف مع الكون برد قاسر وثقل عاصر وفى التأويلات النجمية لا يرون فى جنة الوصال حر شمس المشاهدة المفنى للمشاهد بحيث لا يجد لذة الشهود لان سطوة المشاهدة تفنى المشاهد بالكلية فلا يجد لذة الشهود من المحبوب المعبود والى هذا المعنى أشار النبى عليه السلام فى دعاء اللهم ارزقنا لذة مشاهدتك لا زمهرير برد الحجاب والاستتار.

الإنسان 76:14

{ ودانية عليهم ظلالها } عطف على ما قبلها حال مثلها والظلال جمع ظل بالكسر نقيض الضح وظلالها فاعل دانية من الدنو بمعنى القرب اما بحسب الجانب او بحسب السمك والضمير الى الجنة او اشجارها ومعناه ان ظلال الاشجار فى الجنة قربت من الابرار من جوانبهم حتى صارت الاشجار بمنزلة المظلة عليهم وان كان لا شمس فيها مؤذية لتظلهم منها ففيه بيان لزيادة نعيمهم وكمال راحتهم فان الظل فى الدنيا للراحة { وذللت قطوفها تذليلا } اى سخرت ثمارها لمتناوليها وسهل اخذها للقائم والقاعد والمضطجع تمام التسخير والتسهيل من الذل بالكسر وهو ضد الصعوبة والجملة حال من دانية اى تدنو ظلالها عليهم مذللة لهم قطوفها او معطوفة على دانية اى دانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها وهو جمع قطف بكسر القاف بمعنى العنقود وقطفت العنب قطعته وسمى العنقود قطفا لانه يقطف ويقطع وقت الادراك.

الإنسان 76:15

{ ويطاف } يدر من طاف بمعنى دار والطواف والاطافة كلاهما لازم بالفارسية كرد جيزى بكشتن. وانما جاءب التعدية هنا من الباء فى بآنية { عليهم } اى على الابرار اذا أرادوا الشرب والطائف الدآئر هو الخدم كما يجئ { بآنية } اوعية جمع اناء نحو كساء واكسية والاوانى جمع الجمع كما فى المفردات واصل آنية آءنية بهمزتين مثل افعلة قال فى بعض التفاسير الباء فيها ان كانت للتعدية فهى قائمة مقام الفاعل لانها مفعول له معنى والا فالظاهر أن يكون القائم مقامه عليهم { من فضة } نسب لآنية { واكواب } جمع كوب وهو الكوز العظيم المدور الرأس لا اذن له ولا عروة فيسهل الشرب منه من كل موضع ولا يحتاج عند التناول الى ادارته وهو مستعمل الآن فى بلاد العرب لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم وقدم عليه وصف الاوانى التى يشرب بها وذكره بلفظ المجهول لان المقصود ما يطاف به لا الطائفون ثم ذكر الطائفين بقوله ويطوف الخ { كانت قواريرا } جمع قارورة بالفارسية آبكينه. وفى القاموس القارورة ما قر فيه الشراب ونحوه.

الإنسان 76:16

{ قوارير من فضة } اى تكونت وحدثت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ولين الفضة وبياضها يرى ما فى داخلها من خارجها فكان تامة وقوارير الاول حال من فاعل كانت على المبالغة فى التشبيه يعنى ان القوارير انما تتكون من الزجاج لا من الفضة فليس المعنى انها قوارير زجاجية متخذة من الفضة بل الحكم عيلها بانها قوارير وانها من فضة من باب التشبيه البليغ لانها فى نفسها ليست زجاجة الفضة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال ليس فى الدنيا مما فى الجنة الا الاسماء فثبت ان آنية الجنة مباينة فى الحقيقة لقارورة الدنيا وفضتها ولان قارورة الدنيا سريعة الانكسار والهلاك وما فى الجنة لا يقبل ذلك وفضة الدنيا كثيفة الجوهر لا لطافة فيها وما فى الجنة ليس كذلك وان شارك كل واحد منهما الآخر فى بعض الاوصاف فشبهت بالفضة فى بياضها ونقائها وبقائها وبالقارورة فى شفافيتها وصفائها فهى حقيقة مغايرة لهما جامعة لاوصافهما وذلك كاف فى صحة اطلاق اسم القارورة والفضة عليها وعن ابن عباس رصى الله عنهما ان ارض الجنة من فضة واوانى كل ارض تتخذ من تربه تلك الارض ويستفاد من هذا الكلام وجه آخر لكون تلك الاكواب من فضة ومن قوارير وهو ان اصل القوارير فى الدنيا الرمل واصل قوارير الجنة هو فضة الجنة فكما ان الله قادر على ان يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة صافية بالغرض من ذكر هذه الآية التنبيه على ان نسبة قارورة الجنة الى قارورة الدنيا كنسبة الفضة الرمل فكما انه لا نسبة بين هذين الاصلين فكذا بين القارورتين كذا فى حواشى ابن الشيخ قال بعضهم لعل الوجه فى اختيار كون كانت تامة مع امكان جعلها ناقصة وقوارير الاول خبرا بتكوين الله فيكون فيه تفخيم للآنية بكونها اثر قدرة الله تعالى وقوارير الثانى بدل من الاول فى سبيل الايضاح والتبيين اى قوارير مخلوقة من فضة والجملة صفة لاكواب وقرئ بتنوين قوارير الثانى ايضا وقرئا بغير تنوين وقرئ الثانى بالرفع على هى قوارير وقال ابن الجرزى وكلهم وقفوا عليه بالالف الا حمزة وورشا وانما صرفه من صرفه لانه وقع فى مصحف الامام بالألف وانما كتب فى المصحف بالألف لانه رأس آية فشابه القوافى والفواصل التى تزاد فيها الألف للوقف { قدروها تقديرا } صفة لقوارير ومعنى تقدير الشاربين المطاف عليهم لها أنهم قدروها فى أنفسهم وأرادوا أن تكون على مقادير واشكال معينة موافقة لشهواتهم فجاءت حسبما قدروها فان منتهى ما يريده الرجل فى الآأنية التى يشرب منها الصفاء فقد ذكره الله بقوله كانت قوارير وايضا النقاء فقد ذكره الله بقوله من فضة وايضا الشكل والمقدار فقد ذكره الله بقوله قدروها تقديرا او قدروها باعمالهم الحسنة فجاءت على حسبها وقيل الضمير للطائفين بها المدلول عليهم بقوله ويطاف عليهم اى قدروا شرابها على اضمار المضاف على قدر استروآئهم وريهم من غير زيادة ولا نقصان وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته فان طرفى الاعتدال مذمومان كما قال مجاهد لا فيض فيها ولا غيض اى لا كثرة ولا قلة وقال الضحاك على قدرا كف الخدم.

الإنسان 76:17

{ ويسقون فيها } اى فى الجنة بسقى الله او بسقى الطائفين بأمر الله وفيه زيادة تعظيم لهم ليست فى قوله يشربون من كأس بصيغة المعلوم { كأسا } خمرا { كان مزاجها } ما تمزج به وتخلط { زنجبيلا } الزنجبيل عرق يسرى فى الارض ونباته كالقصب والبردى وعلم منه ان ما كان مزاجها زنجبيلا غير ما كان مزاجها كافورا والمعنى زنجبيلا اى ماء يشبه الزنجبيل فى الطعم وكان الشراب الممزوج به اطيب ما يستطيب العرب وألذ ما تستلذ به لانه يحذو اللسان ويهضم الطعام كما فى عين المعانى ولما كان فى تسمية تلك العين بالزنجبيل توهم ان ليس فيها سلاسة الانحدار فى الحق وسهولة مساغها كما هو مقتضى اللذع والاحراق ازال ذلك الوهم بقوله { عينا } بدل من زنجبيلا { فيها تسمى } عند الملائكة من خازن الجنة واتباعه { سلسبيلا } لسلاسة انحدارها فى الحلق وسهولة مساغها فكان العين سميت بصفاتها قال بعضهم يطلق عليها ذلك وتوصف به لانه علم لها يعنى ان سلسبيل صفة لا اسم والا لامتنع من الصرف للعلمية والتأنيث ولم يقرأ به واحد من العشرة ويقال انما صرف مع انه اسم عين وهى مؤنث معنوى لرعاية رأس الآية قال فى الكواشى لفظ مفرد بوزن فعلليل كدردبيس يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل سهل الدخول فى الحلق لعذوبته وصفائه ولذلك حكم بزيادة الباء اى بعدم التفاوت فى المعنى بوجودها وعدمها والا فالباء ليست من حروف الزيادة وقيل زيدت الباء على السلسال حتى صارت كلمة خماسية للدلالة على غاية السلاسة والحلاوة وقال ابن المبارك من طريق الاشارة معنى السلسبيل سل من الله اليه سبيلا قال ابن الشيخ جعل الله مزاج شراب الابرار اولا كافورا وثانيا زنجبيلا لان المقصود الاهم حال الدخول البرودة لهجوم العطش عليهم من حر العرصات وعبور الصراط وبعد استيفاء حظوظهم من أنواع نعيمها ومطعوماتها تميل طباعهم الى الأشربة التى تهيج الاشتهاء وتعيين على تهنئة ما تناولوه من المطعومات ويلتذ الطبع بشربها فلعل الوجه فى تأخير ذكر ما يمزج به الزنجبيل عما يمزجه بالكافور ذلك وفى التأويلات النجمية يشير بالزنجبيل الى شراب الوحدة الممزوجة بزنجبيل الكثرة المعقولة من مفهوم التوحيد وبالسلسبيل الى شراب الوحدة الصافية عن الامتزاج بزنجبيل الكثرة وسميت سلسبيلا لسلاسة انحدارها وذلك لبساطتها وصرافتها وقال القاشانى كان مزاجها زنجبيل لذة الاشتياق فانهم لا شوق لهم ليكون شرابهم الزنجبيل الصرف الذى هو غاية حرارة الطلب لوصولهم ولكن لهم الاشتياق للسير فى الصفات وامتناع حصولهم على جميعها فلا تصفو محبتهم من لذة حرارة الطلب كما صفت لذة محبة المستغرقين فى عين جمع الذات فكان شرابهم العين الكافورية الصرفة والزنجبيل عين فى الجنة لكون حرارة الشوق عين المحبة النائشة من منبع الوحدة مع الهجران تسمى سلسبيلا لسلاستها فى الحلق وذوفها قال العشاق المهجورين الطالبين السالكين سبيل الوصال فى ذوق وسكر من حرارة عشقهم لا يقاس به ذوق.

الإنسان 76:18

{ ويسقون فيها } اى فى الجنة بسقى الله او بسقى الطائفين بأمر الله وفيه زيادة تعظيم لهم ليست فى قوله يشربون من كأس بصيغة المعلوم { كأسا } خمرا { كان مزاجها } ما تمزج به وتخلط { زنجبيلا } الزنجبيل عرق يسرى فى الارض ونباته كالقصب والبردى وعلم منه ان ما كان مزاجها زنجبيلا غير ما كان مزاجها كافورا والمعنى زنجبيلا اى ماء يشبه الزنجبيل فى الطعم وكان الشراب الممزوج به اطيب ما يستطيب العرب وألذ ما تستلذ به لانه يحذو اللسان ويهضم الطعام كما فى عين المعانى ولما كان فى تسمية تلك العين بالزنجبيل توهم ان ليس فيها سلاسة الانحدار فى الحق وسهولة مساغها كما هو مقتضى اللذع والاحراق ازال ذلك الوهم بقوله { عينا } بدل من زنجبيلا { فيها تسمى } عند الملائكة من خازن الجنة واتباعه { سلسبيلا } لسلاسة انحدارها فى الحلق وسهولة مساغها فكان العين سميت بصفاتها قال بعضهم يطلق عليها ذلك وتوصف به لانه علم لها يعنى ان سلسبيل صفة لا اسم والا لامتنع من الصرف للعلمية والتأنيث ولم يقرأ به واحد من العشرة ويقال انما صرف مع انه اسم عين وهى مؤنث معنوى لرعاية رأس الآية قال فى الكواشى لفظ مفرد بوزن فعلليل كدردبيس يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل سهل الدخول فى الحلق لعذوبته وصفائه ولذلك حكم بزيادة الباء اى بعدم التفاوت فى المعنى بوجودها وعدمها والا فالباء ليست من حروف الزيادة وقيل زيدت الباء على السلسال حتى صارت كلمة خماسية للدلالة على غاية السلاسة والحلاوة وقال ابن المبارك من طريق الاشارة معنى السلسبيل سل من الله اليه سبيلا قال ابن الشيخ جعل الله مزاج شراب الابرار اولا كافورا وثانيا زنجبيلا لان المقصود الاهم حال الدخول البرودة لهجوم العطش عليهم من حر العرصات وعبور الصراط وبعد استيفاء حظوظهم من أنواع نعيمها ومطعوماتها تميل طباعهم الى الأشربة التى تهيج الاشتهاء وتعيين على تهنئة ما تناولوه من المطعومات ويلتذ الطبع بشربها فلعل الوجه فى تأخير ذكر ما يمزج به الزنجبيل عما يمزجه بالكافور ذلك وفى التأويلات النجمية يشير بالزنجبيل الى شراب الوحدة الممزوجة بزنجبيل الكثرة المعقولة من مفهوم التوحيد وبالسلسبيل الى شراب الوحدة الصافية عن الامتزاج بزنجبيل الكثرة وسميت سلسبيلا لسلاسة انحدارها وذلك لبساطتها وصرافتها وقال القاشانى كان مزاجها زنجبيل لذة الاشتياق فانهم لا شوق لهم ليكون شرابهم الزنجبيل الصرف الذى هو غاية حرارة الطلب لوصولهم ولكن لهم الاشتياق للسير فى الصفات وامتناع حصولهم على جميعها فلا تصفو محبتهم من لذة حرارة الطلب كما صفت لذة محبة المستغرقين فى عين جمع الذات فكان شرابهم العين الكافورية الصرفة والزنجبيل عين فى الجنة لكون حرارة الشوق عين المحبة النائشة من منبع الوحدة مع الهجران تسمى سلسبيلا لسلاستها فى الحلق وذوفها قال العشاق المهجورين الطالبين السالكين سبيل الوصال فى ذوق وسكر من حرارة عشقهم لا يقاس به ذوق.

الإنسان 76:19

{ ويطوف عليهم } اى يدورعلى الابرار { ولدان } فانهم اخف فى الخدمة جمع وليد وهو من قرب عهده بالولادة { مخلدون } اى دآئمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء لا يتغيرون ابدا وبالفارسية وبخدمت مى كردد برايشان غلامانى جون كودكان نوزاد جاويد مانده درحال طفرليت او مقربون يعنى بسران كوشواره دار. والخلد القرط وفى التاج انه من الخلد وهو الروح كأنهم روحانيون لا جسم لهم { اذا رأيتهم } يا من شأنه الرؤية { حسبتهم لؤلؤا } جمعه اللألى وتلألأ الشئ لمع لمعان اللؤلؤ { منثورا } متفرقا لحسنهم وصفاء ألوانهم واشراق وجوههم وتفرقهم فى مجلس الخدمة عند اشتغالهم بأنواع الخدمة وطوافهم على المخدومين مسارعين فى الخدمة ولو اصطفوا على وتيرة واحدة لشبهوا اللؤلؤ المنظوم واللؤلؤ اذا كان متفرقا يكون احسن فى المنظر من المنظوم لوقوع شعاع بعضه على بعض لغاية بياضه وبريقه فيكون مخالفا للمجتمع فيه والظاهر على ما ذهب اليه البعض منثورا اى متفرقا فى الجنة فهو احسن من القيد بمجلس الخدمة وشبهت الحور العين باللؤلؤ المكنون اى المخزون لانهن لا ينتشرن انتشار الولدان بل هن حور مقصورات فى الخيام قال فى عين المبائى وفيه اشارة الى ان الاستمتاع بظواهرهم يكون بخلاف الحور المشبهة بالبيض لانه يجمع بياض اللون الى لذة الطعم انتهى. ومنه يعلم أن لا لواطة فى الجنة وان قول من جوزها مردود باطل على ما حققناه مرارا قال بعضهم منثورا من سلكه على البساط وعن المأمون انه ليلة زفت اليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج بالذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ فنظر اليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال درابى نواس كانه ابصر هذا حيث يقول كان صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على ارض من الذهب وقال بعضهم منثورا من صدفه يعنى انهم شبهوا باللؤلؤ الرطب اذا انتثر من صدفه وهو غير مثقوب لانه احسن واكثر ماء وبالفارسية مرواريد افشانده شده ازصدف يعنى تروتازه كه هنوز دست كس بدان نرسيده ودر روتق وآب داد شان قصورى بيدا نشده. قال فى كشف الاسرار ولدان مخلدون اى غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين انتهى فسمى الغلمان ولدان لانهم على صورتهم على اوفى اطلاقهم عليهم خطابا بما يتعارفه الناس فلا يلزم ولادتهم فى الجنة وقال فى عين المعانى قيل انهم ولدان الكفار يدخلون الجنة خدما لاهلها بدليل انهم سموا ولدانا ولاولادة فى الجنة انتهى وفى اللباب اختلفوا فى الولدان فقيل انشأهم الله لاهل الجنة من غير ولادة لان الجنة لا ولادة فيها وهم الذين قال الله فيهم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون اى مخزون مصون لم تمسه الأيدى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ما من احد من اهل الجنة الا يسعى عليه الف غلام وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه وروى ان الحسن رحمه الله لما تلا هذه الآية قال قالوا يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم فقال فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وروى عن على رضى الله عنه والحسن البصرى رضى الله عنه ان الولدان هنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة لهم وعن سلمان الفارسى رضى الله عنه اطفال المشركين هم خدم اهل الجنة وعن الحسن رحمه الله لم تكن لهم حسنات يجازون بها ولا سيئات يعاقبون عليها فوضعوا هذا الموضع انتهى كلام اللباب فالله تعالى قادر على أن يجعل اموات الكفار الذين لا يليقون بالخدمة فى الدنيا لغاية صغرهم فى مرتبة القابلية لها فى الآخرة بكمال قدرته وتمام رحمته قال النووى الصحيح الذى ذهب اليه المحققون انهم من اهل الجنة وقال الطيبى فى شرح المشكاة الحق التوقف اى لا الحكم بأنهم من اهل الجنة كما ذهب اليه البعض ولا بأنهم تبع لآبائهم فى النار كما ذهب اليه البعض الآخر فالمذاهب اذا فيهم ثلاثة وفى التأويلات النجمية ويطوف عليهم ولدان مخلدون اى تجليات ذاتية مقرطون بقرطة الاسماء والصفات اذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤ منثورا من تشعشع انوار الذات وتلألؤ أنوار الصفات والاسماء.

الإنسان 76:20

{ واذا رأيت ثم } وجون بنكرى ونظر كنى دربهشت. قال فى الارشاد ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر ولا منوى بل معناه اى مآل المعنى ان بصرك أينما وقع فى الجنة { رأيت نعيما } كثيرا لا يوصف وهو ما يتنعم به { وملكا كبيرا } اى واسعا وهنيئا كما فى الحديث أدنى اهل الجنة منزلة ينظر فى ملكه مسيرة ألف عام يرى اقصاه كما يرى أدناه والآية من باب الترقى والتعميم يعنى ان هناك امورا اخر اعلى واعظم من القدر المذكور. در فصول آمده كه نعيم راحت اشباح است وملك كبير لذت ارواح نعيم ملاحظة دارست وملك كبير مشاهدة ديدار وداربى ديدار بهيج كرنيابد الجار ثم الدار زاهد ان فردوس ميحويند وما ديدار دوست. وفى التأويلات النجمية يعنى اذا تحققت بمقام التوحيد وحال الوحدة وصلت الى نعيم الشهود والملك المشهود والكبير فى ذاته وصفاته واسمائه وافعاله انتهى. فيكون المراد بالملك الكبير فى الدنيا هو الشهود الحاصل لاهل الجنة المعنوية والملك بالضم بالفارسية بادشاهى ولا سلطنة فوق سلطنة المعرفة والرؤية قال فى بعض التفاسير الملك بالضم هو التصرف فى المأمورين بالامر والنهى ومنه الملك واما الملك بالكسر فهو التصرف فى الاعيان المملوكة بحسب المشيئة ومنه المالك والاول جامع للثانى لان كل ملك مالك ولا عكس.

الإنسان 76:21

{ عاليهم ثياب سندس خضر } عاليهم ظرف على انه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر والجملة حال من ضمير عليهم اى يطوف عليهم ولدان عاليا للمعطوف عليهم ثياب الخ اى فوقهم وعلى ظهورهم ثياب سندس وهو الديباج الرقيق الفاخر الحسن واضافة الثياب الى السندس كاضافة الخاتم الى الفضة وبالفارسية بربهشتيان يعنى لباس زبرين ايشان جامهاى ديباى نازك. ولم يرض الزجاج بكون عاليهم نصبا على الظرف بمعنى فوقهم لانه لم يعرف فى الظررف وخضر جمع أخضر صفة ثياب كقوله ويلبسون ثيابا خضرا فالضمير للابرار لمطوف عليهم لان المقام مقام تعداد نعيمهم وكرامتهم فالمناسب أن تكون الثياب الموصوفة من الحرير والديباج وهذا من علامات الملك { واستبرق } بالرفع عطفا على ثياب بحذف المضاف اى ثياب استبرق وهو معرب استبره. بمعنى الغليظ سبق بيانه فى سورة الرحمن وهو بقطع الهمزة لكونه اسما للديباج الغليظ الذى له بريق { وحلوا أساور من فضة } عطف على ويطوف عليهم وهو ماض لفظا ومستقبل معنى وأساور مفعول ثان لحلوا بمعنى ويحلون والتحليه التزيين بالحلى وبالفارسية باحلى زيور كردن. وفيه تعظيم لهم بالنسبة الى أن يقال وتحلوا وأساور جمع اسورة فى جمع سوار وسوار المرأة اصله دستواره وكان الملوك فى الزمان الاول يحلون بها ويسرون من يكرمونه ولا ينافى هذه الآية ما فى الكهف والحج من قوله من أساور من ذهب لا مكان الجمع بين السوار الذهب والسوار الفضة فى أيديهم كما تجمع نساء مدنيا بين انواع الحلى وما احسن المعصم اذ يكون فيه سوار ان من جنسين وزيادة كالذهب والفضة واللؤلؤ وايضا لا مكان المعاقبة فى الاوقات تارة يلبسون الذهب واخرى يلبسون الفضة وايضا لا مكان التبعيض بأن يكون البعض ذهبا والبعض فضة فان حلى اهل الجنة يختلف حسب اختلاف اعمالهم فللمقربين الذهب وللابرار الفضة وايضا يعطى كل احد ما يرغب فيه ويميل طبعه اليه فان الطباع مختلفة فرب انسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه صفرة الذهب { وسقاهم } بياشاماندا ايشانرا { ربهم شرابا } هو ما يشرب { طهورا } هذا الشراب الطهور نوع آخر يفوق النوعين السالفين كما يرشد اليه اسناد سقيه الى رب العالمين ووصفه بالطهورية لانه يطهر باطنهم عن الاخلاق الذميمة والاشياء المؤذية كالغش والغل والحسد وينزع ما كان فى اجوافهم من قذر وأذى وبه تحصل الصفوة المهيئة لانكعاس نور الجمال الالهى فى قلوبهم وهى الغاية القاصية من منازل الصديقين فلذا ختم بها مقالة ثواب الابرار فالطهور بمعنى المطهر صيغة اسم الفاعل وقيل مبالغة الطاهر من حيث انه ليس بنجس كخمر الدنيا وما مسته الأيدى القذرة والاقدام الدنسة ولا يؤول الى أن يكون نجسا بل يرشح عرقا من ابدانهم له ريح كريح المسك قال الكاشفى يبايد دانست كه جوى كوثر دربهشت خاصه حضرت رسالة است وذكر آن درسوره كثور خواهد آمد وجهار جوى ديكر ازان متقايأنست آب وشيروخمر وعسل وشمه ازصفات اودرسوره محمد مرقوم رقم بيان شد ودوجشمه ازان اهل خشبت است فيهما عينان تجريان ودوجشمه ازان اهل يمين است فيهما عينان نضاختان واين جهار جشمه درسوورة الرحمن آمد ديكر جشمه رحيق ازان ابرارست وجشمه تسنيم ازان مقربان واين هردودرسوره مطففين مذكورند ودوجشمه ازان اهل بيت است كافور وزنجبيل كه آنرا سلسبيل خوانند وشراب طهور نيز از ايشانست ومحققان آنرا شراب شهود كوبندكه مرآت دل نوشنده را بلوامع انوار قدم روشن ساخته بذير اى نقوش عكوس ازل وابدكرداند ووقت وحال اورا جنان صافى سازدكه مطلقا شوآئب غيريه درمشارع وحدت نماند ورنك دوكانكى مبدل كردانيده جام مدامرا يك رنك سازد همه جامست ونيست كوبى مى يا مدامست ونيست كويى جام عارفى كفته اكر فردابزم نشينان داربقارا براى آنكه سرور شراب طهور خواهند جشانيد امروزباده نوشان خمخانه افضل را بنقدازان نصيبى تمام داره اند ازسقاهم ربهم بين جمله ابرارمست درجمال لا يزال هفت وينج وجارمست اى جوانمرد شراب آن شرابست كه دست غيب دهدرجام دل ريزدوعارف اورانوش كند قومى را شراب مست كرد وقومى راديدار وأسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير بزركى را بخواب نمودنهكه معروف كرخى رحمه الله كرد عرش طراف مى كردورب العزة فرشتكانرامى كفت اورا شناسيد كفتندنه كفت معروف كرخى است بمهرما مست شدة تاديده او برمانيايد هشيار نكردد هركرا امروز شراب محبت نيست فردا اورا شراب طهور نيست. قال بعضهم صليت خلف سهل بن عبد الله العتمة فقرأ قوله تعالى { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } فجعل يحرك فمه كأنه يمص فلما فرغ من صلاته قيل له أتقرأ ام تشرب قال والله لو لم اجد لذته عند قرآءته كلذتى عند شربه ما قرأته وفى التأويلات النجمية قوله عاليهم الخ يشير الى اتصاف اهل الجنة بملابس الصفات الالهية والاخلاق الربانية من خضر أى من الصفات الذاتية واستبرق اى من الصفات الاسمائية والى تحليهم بحلى أساور الاسماء الذاتية والصفاتية الزاهرة الباهرة وسقاهم ربهم بكأس الربوبية والتربية شراب المحبة الذاتية الطاهرة عن شوب كدورة رقبة الاغيار.

الإنسان 76:22

{ ان هذا } على اضمار القول اى يقال لهم ان هذا الذى ترونه من فنون الكرامات ويجوز أن يكون خطابا من الله فى الدنيا للابرار اى ان هذا الذى ذكر من انواع العطايا { كان لكم جزاء } عوضا بمقابلة اعمالكم الحسنة فان قيل كيف يكون جزاء لاعمالهم وهى مخلوقة لله عند اهل السنة وأجيب بأنها لهم كسبا عندهم وله خلقا { وكان سعيكم } وهست شتافتن شمادركار خيردردنيا { مشكورا } مرضيا مقبولا مقابلا بالثواب لخلوص نيتكم فيزداد بذلك فرحهم وسرورهم كما ان المعاقب يزداد غمه اذا قيل له هذا جزاء عملك الرديئ فالشكر مجاز عن هذا المعنى تشبيها له بالشكر من حيث انه مقابل للعمل كما ان الشكر مقابل للنعم قال بعضهم أدنى الدرجات أن يكون العبد راضيا عن ربه واليه الاشارة بقوله كان لكم جزآء واعلاها كونه مرضيا له واليه الاشارة بقوله وكان سعيكم مشكورا ولما كان كونه مرضيا أعلى الدرجات ختم به ذكر مراتب الابرار وفى التأويلات النجمية ان هذا كان لكم جزآء لاقتضاء استعداداتكم الفطرية وكان سعيكم مشكورا غير مضيع بسبب الرياء والسمعة.

الإنسان 76:23

{ انا نحن نزلنا عليك القرءآن تنزيلا } اى مفرقا منجما لحكم بالغة مقتضية له لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير الضمير مع ان فكأنه تعالى يقول ان هؤلاء الكفار يقولون ان ذلك كهنة وسحر فانا الملك الحق أقول على سبيل التأكيد ان ذلك وحى حق وتنزيل صدق من عندى فلا تكترث بطعهنم فانك أنت النبى الصادق المصدق.

الإنسان 76:24

{ فاصبر لحكم ربكم } بتأخير نصرك على الكافرين فان له عاقبة حميدة ولا تستعجل فى امر المقابلة والانتقام فان الامور مرهونة بأوقاتها وكل آت قريب { ولا تطع منهم } اى من الكفار { آثما او كفورا } او لاحد الشيئين والتسوية بينهما فاذا قلت فى الاثبات جالس الحسن او ابن سيرين كان المعنى جالس احدهما فكذا اذا قلت فى النهى لا تكلم زيدا او عمرا كان التقدير لا تكلم احدهما والاحد عام لكل واحد منهما فهو فى المعنى لا تكلم واحدا منهما فمآل المعنى فى الآية ولا تطع كل واحد من مرتكب الاثم الداعى لك اليه ومن الغالى فى الكفر الداعى اليه فاوللاباحة اى للدلالة على انهما سيان فى استحقاق العصيان اى عصيان المخاطب للداعى اليهما والاستقلال به والتقسم الى الآثم والكفور مع ان الداعين يجمعهم الكفر باعتبار ما يدعونه اليه من الأثم والكفر لا باعتبار انقسامهم فى أنفسهم الى الآثم والكفور لانهم كانوا كفرة والكفر اخبث أنواع الاثم فلا معنى للقسمة بحسب نفس كفرهم واثمهم وذلك ان ترتب النهى على الوصفين مشعر بعليتهما له فلا بد أن يكون النهى عن الاطاعة فى الاسم والكفر لا فيما ليس باثم ولا كفر فالمراد بالاثم ما عدا الكفر اذا العام اذا قوبل بالخاص يراد به ما عدا ذلك الخاص وخص الكفر بالذكر تنبيها على غاية خبثه من بين انواع الاثم فكل كفور آثم وليس كل آثم كفور ولا بعد أن يراد بالآثم من هو تابع وبالكفور من هو متبوع وقال الكاشفى آثما كناهكارى راكه ترابا ثم خواند جون عتبة بن ربيعه كه كفت ازدعوت خود بازايست تادختر خودرا بتودهم او كفورا وناسباسى راكه ترا بكفر دعوت كندجون وليد بن مغيره كه كفت بديه اباء رجوع كن تاترا توانكر سازم. وفى نهيه عليه السلام عن الاطاعة فيما يدعونه اليه مع انه ما كان يطيع احدا منهم ولا يتصور فى حقه ذلك اشارة الى ان الناس محتاجون الى مواصلة التنبيه والارشاد من حيث ان طبيعتهم التى جبلوا عليها ركب فيها الشهوة الداعية الى السهو والغفلة وان احدا لو استغنى عن توفيق الله وامداده وارشاده لكان احق الناس به هو الرسول المعصوم فظهر انه لا بد لكل مسلم أن يرغب الى الله ويتضرع اليه أن يحفظه من الفتن والآفات فى جميع اموره وقال القاشانى ولا تطع منهم آثما اى محتجبا بالصفات والاحوال او بذاته عن الذات او بصفات نفسه وهيئاتها عن الصفات او كفورا محتجبا بالافعال والآثار واقفا معهم او بافعاله ومكسوباته عن الافعال فتحجب بموافقتهم انتهى عصمنا الله واياكم من مواقتة الاعدآء مطلقا.

الإنسان 76:25

{ واذكر اسم ربك بكرة } اول النهار { واصيلا } اى عشيا وهو آخر النهار اى وداوم على ذكره فى جميع الاوقات فاريد بقوله بكرة واصيلا الدوام لانه عليه السلام كان آتيا بنفس الذكر المأمور به وانتصابهما على الظرفية او دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فان الاصيل كما يطلق على ما بعد العصر الى المغرب فكذا يطلق على ما بعد الزوال فيتناول وقتى الظهر والعصر وقال سعدى المفتى التأويل بالدوام انما يحتاج اليه لو ثبتت فرضية الصلوات الخمس قبل نزولها والظاهر انه كذلك فانها فرضت ليلة المعراج. يقول الفقير وفيه ان الصلوات الخمس وان فرضت ليلة المعراج الا ان المعراج كان قبل الهجرة بسنة والتأريخ فى نزول الآية مجهول أهى نازلة قبل المعراج أم بعده فان كان الثانى ثبت مطلوبه والا فلا قال القاشانى اذكر ذلك الذى هو الاسم الاعظم من اسمائه بالقيام بحقوقه واظهار كمالاته فى المبدأ والمنتهى بالصفات الفطرية من وقت طلوع النور الالهى بايجادها فى الازل وايداع كمالاته فيها وغروبه بتعيينها واحتجابه بها واظهارها مع كمالاتها.

الإنسان 76:26

{ ومن الليل فاسجد له } وفى بعض الليل فصل له ولعله صلاة المغرب والعشاء بس معنى جنين باشدكه برينج نماز مداومت نماى. وتقديم الظرف للاهتمام لما فى صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص وافضل الاعمال أشقها واخلصها من الرياء فاستحقت الاهتمام بشأنها وقدم وقتها لذلك ثم الفاء لافادة معنى الشرط كأنه قال مهما يكن من شئ فاسجد له ففيها وكادة اخرى لامرها وفى التأويلات النجمية واعبد ربك المطلق حق العبودية بالفناء فيه من ليل طبيعتك وغلس بشريتك اذ السجود صورة الفناء الذاتى والركوع صورة الفناء الصفائى والقيام صورة الفناء الافعالى فافهم بعض اسرار الصلاة { وسبحه ليلا طويلا } اى صل صلاة التهجد لانه كان واجبا عليه فى طائفة طويلة من الليل ثلثيه او نصفه او ثلثه فقوله ليلا طويلا نصب على الظرفية فان قلت انتصاب ليلا على الظرفية وطويلا نعت له ومعناه سبحه فى الليل الطويل فمن أين يفهم ما ذكرت من المعنى قلت ظاهر أن توصيف الليل بالطول ليس للاحتراز عن القصير فان الامر بالتهجد يتناوله ايضا فهو لتطويل زمان التسبيح وفى التعبير فى التهجد بالتسبيح وتأخير ظرفه دلالة على انه ليس فى مرتبة ما قبله.

الإنسان 76:27

{ ان هؤلاء } اى كفار مكة عاد الى شرح احوال الكفار بعد شرح صدره عليه السلام بما ذكر من قوله انا نحن الخ { يحبون العاجلة } دوست ميدارند سراى شتا بنده را يعنى دنيارا وينهمكون فى لذاتها الفانية فهو الحاصل لهم على الكفر والاعراض عن الاتباع لا اشتباه الحق عليهم { ويذرون } يتركون { وراءهم } اى أمامهم لا يستعدون فهو حال من يوما او ينبذون ورآء ظهورهم فهو ظرف ليذرون فورآء يستعمل فى كل من أمام وخلف والظاهر فى وجه الاستعمالين ان ورآء اسم للجهة المتوارية اى المستترة المختفية عنك واستتار جهة الخلف عنك ظاهر وما فى جهة الامام قد يكون متواريا عنك غير مشاهد ومعاين لك فيشبه جهة الخلف فى ذلك فيستعار له اسم الورآء { يوما ثقيلا } لا يعبأون به ويوما مفعول يذرون وثقيلا صفته ووصفه بالثقل مع انه من صفات الاعيان الجسميه لا الامتدادات الوهمية لتشبيه شدته وهوله لثقل الحمل الثقيل ففيه استعارة تخييلية وفىالآية وعيد لاهل الدنيا ونعيمها خصوصا لاهل الظلم والرشوة.

الإنسان 76:28

{ نحن } لا غيرنا { خلقناهم } من نطفة { وشددنا اسرهم } اى احكمنا ربط مفاصلهم بالاعصاب ليتمكنوا بذلك من القيام والقعود والاخذ والدفع والحركة وحق الخالق المنعم أن يشكر ولا يكفر ففيه ترغيب والاسر الربط ومنه اسر الرجل اذا أوثق بالقيد وقدر المضاف وهو المفاصل وفى كشف الاسرار وآفرينش انسان سخت بستيم تا آفرينش واندامان برجاى بود. فمعناه شددنا خلقهم وقال الراغب اشارة الى الحكمة فى تركيب الانسان المأمور بتدبرها وتأملها فى قوله وفى أنفسكم أفلا تبصرون وقيل وشددنا مخرج البول والغائط اذا خرج الأذى انقبض او معناه انه لا يسترخى قبل الارادة { واذا شئنا } تبديلهم { بدلنا امثالهم } اى بدلناهم بأمثالهم بعد اهلاكهم والتبديل يتعدى الى مفعولين غالبا كقوله تعالى يبدل الله سيئاتهم حسنات يعنى يذهب بها ويأتى بدلها بحسنات { تبديلا } بديعا لا ريب فيه وهو البعث كما ينبغى ولا ينافيها الغيرية بحسب العوارض كاللطافة والكثافة وبالفارسية وجون خواستيم بدل كنيم ايشانرا بامثال ايشان در خلقت يعنى ايشانرا بمرانيم ودر نشأت ثانيه بمانند همين صورت وهيأت وز آريم. او المعنى واذا شئنا بدلنا غيرهم ممن يطيع كقوله تعالى يستبدل قوما غيركم ففيه ترهيب فالمثلية باعتبار الصورة ولا ينافيها الغيرية باعتبار العمل والطاعة واذا للدلالة على تحقق القدرة وقوة الداعية والا فالمناسب كلمة ان اذلا تحقق لهذا التبديل قال القاشانى نحن خلقناهم بتعيين استعداداتهم وقويناهم بالميثاق الازلى والاتصال الحقيقى واذا شئنا بدلنا امثالهم تبديلا بأن نسلب افعالهم بافعالنا ونمحو صفاتهم بصفاتنا ونفنى ذواتهم بذاتنا فيكونوا ابدالا.

الإنسان 76:29

{ ان هذه تذكرة } اشارة الى السورة او الآيات القريبة اى عظة مذكرة لما لا بد منه فى تحصيل السعادة الابدية جعلت عين التذكرة مبالغة وفى عين المعانى تذكرة اى اذكار بما غفلت عنه عقولهم وقال الكاشفى يا معاملهء اهل بيت در بذل وابثار عبرتيست مؤمنا نراتا بمثل آن عمل كنند وازمثل اين جزاها بهره يا بند { فمن } بس هركه { شاء اتخذ الى ربه سبيلا } اى فمن شاء أن يتخذ اليه تعالى سبيلا اى وسيلة توصله الى ثوابه اتخذه اى تقرب اليه بالعمل بما فى تضاعيفها وقال ابن الشيخ فمن شاء النجاة من ثقل ذلك اليوم وشدته اختار سبيلا مقربا الى مرضاة ربه وهو الطاعة.

الإنسان 76:30

{ وما تشاؤون الا أن يشاء الله } تحقيق للحق وبيان أن مجرد مشيئتهم غير كافية فى اتخاذ السبيل كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية وان مع الفعل فى حكم المصدر الصريح فى قيامه مقام الظرف والمعنى وما تشاؤن اتخاذ السبيل ولا تقدرون على تحصيله فى وقت من الاوقات الاوقت مشيئته تعالى تحصيله لكم اذ لا دخل لمشيئته العبد الا فى الكسب وانما التأثير والخلق لمشيئة الله تعالى غاية ما فى الباب ان المشيئة ليست من الافعال الاختيارية للعبد بل هى متوقفة على أن يشاء الله اياها وذلك لا ينافى كون الفعل الذى تعلقت به مشيئة العبد اختياريا له واقعا بمشيئته وان لم تكن مشيئته مستقلة فيه وهو الجبر المتوسط الذى يقول به اهل السنة ويقولون الامر بين الامرين اى بين القدر والجبر قال فى عين المعانى قوله تعالى فمن شاء الخ حجة تكليف العبودية وقوله تعالى وما تشاؤن الخ اظهار قهر الالوهية { ان الله كان عليما حكيما } بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على اساس العلم والحكمة والمعنى انه تعالى مبالغ فى العلم والحكمة فيفعل ما يستأهله كل احد فلا يشاء لهم الا ما يستدعيه علمه وتقتضيه حكمته قال القاشانى وما تشاؤن الا بمشيئتى بأن أريد فتريدون فتكون ارادتكم مسبوقة بارادتى بل عين ارادتى الظاهرة فى مظاهرهم ان الله كان عليما بما أودع فيهم من العلوم حكيما بكيفيته ايداعها وابرازها فيهم باظهار كما لهم.

الإنسان 76:31

{ يدخل من يشاء فى رحمته } بيان لاحكام مشيئته المرتبة على علمه وحكمته اى يدخل فى رحمته من يشاء ان يدخله فيها وهو الذى يصرف مشيئته نحو اتخاذ السبيل اليه تعالى حيث يوفقه لما يؤدى الى دخول الجنة من الايمان والطاعة { والظالمين } وهم الذين صرفوا مشيئتهم الى خلاف ما ذكر { اعد لهم عذابا أليما } اى متناهيا فى الايلام قال الزجاج نصب الظالمين لان ما قبله منصوب اى يدخل من يشاء فى رحمته ويعذب الظالمين ويكون اعد لهم تفسيرا لهذا المضمر وفى الآية اشارة الى ادخال الله بعض عباده فى رحمة معرفته واما بعض عباده وهم الظالمون الواضعون الضلالة فى مقام الهداية والجهالة فى مقام المعرفة فان الله اعد لهم عذاب الحجاب المؤلم للروح والجسم وايضا عذابا بالوقوف على الرب لوقوفهم مع الغير ثم على النار لوقوفهم مع الآثار وختم الله السورة بالعذاب المعد يوم البعث والحشر ففيه حسن الخاتمة لموافقته الفاتحة على مالا يخفى على اهل النفر والفهم. تمت سورة الانسان بعون ذى الاحسان يوم الثلاثاء الرابع من شهر الله المحرم من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف.

المرسلات 77:1

{ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا } الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.

المرسلات 77:2

{ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا } الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.

المرسلات 77:3

{ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا } الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.

المرسلات 77:4

{ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا } الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.

المرسلات 77:5

{ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا } الواو للقسم والمرسلات بمعنى الطوآئف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار ان ملائكة كل يوم او كل عام او كل حادثة طائفة وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها اثر بعض كعرف الفرس والعرف بمعنى المعروف والاحسان نقيض النكر بمعنى المنكر اى الشئ القبيح فانهم ان ارسلوا للرحمة فظاهر وان ارسلوا لعذاب الكفار فذلك معروف للانبياء والمؤمنين يعنى ان عذاب الاعدآء احسان للاولياء فانتصابه على العلية وعصفت الريح اشتدت وعصفا مصدر مؤكد وكذا نشرا وفرقا والفاء للدلة على اتصال سرعة جريهن فى نزولهن وهبوطهن بالارسال من غير مهلة وهى لعطف الصفة على الصفة اذ الموصوف متحد والنشر بمعنى البسط والعدول الى الواو فى الناشرات لانها غير المرسلات فالقسم الاول وصفهم الله بوصفين يتعقب احدهما على الآخر والقسم الثانى وصفهم بثلاثة اوصاف كذلك والفرق الفصل والالقاء هنا بمعنى الايصال والانزال لا الطرح وذكرا بمعنى الوحى مفعول الملقيات وترتيب الالقاء على ما قبله بالفاء ينبغى ان يكون لتأويله بارادة النشر والفرق وسيأتى تمامه اقسم الله بطوآئف من الملائكة ارسلهن بأوامره بنحو التدبير وايصال الارزاق بالتصرف فى الامطار والرياح وكتابة اعمال العباد بالليل والنهار وقبض الارواح فعصفهن فى مضيهن يعنى سخت رفتند. عصف الرياح مسارعة فى الامتثال بالامر وبطوآئف اخرى نشرن اجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى او نشرن الشرآئع فى الاقطار اى فرقن واشعن او نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل اى احيين بما اوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا الى الانبياء.

المرسلات 77:6

{ عذرا } لاهل الحق اى معذرة لهم فى الدنيا والآخرة لاتباعهم الحق { او نذرا } لاهل الباطل لعدم اتباعهم الحق وعذرا مصدر من عذر اذا محا الاساءة ونذرا اسم مصدر من انذر اذا خوف لا مصدر لانه لم يسمع فعل مصدرا من افعل وانتصابهما على البدلية من ذكرا قال ابن الشيخ ان كان الذكر المبدل منه بمعنى جميع الوحى يكون عذرا او نذرا بدل البعض من الكل فان ما يتعلق بمغفرة المطيعين وتخويف المعاندين بعض من جملة الوحى وان اريد بالذكر المبدل منه ما يتعلق بسعادة المؤمن وشقاوة الكافر خاصة يكون بدل الكل من الكل فان القاء ما يتعلق بسعادة المؤمن متحد بالذات مع القاء عذره ومحو اساءته وكذا القاء ما يتعلق بشقاوة الكافر متحد مع القاء انذاره على كفره انتهى او انتصابهما على العليه للصفات المذكورة او للاخيرة وحدها وهو الاولى بمعنى فاللاتى ألقين ذكرا لمحو ذنوب المعتذرين الى الله بالتوبة والاستغفار ولتخويف المبطلين المصرين وفى كشف الاسرار لاجل الاعذار من الله الى خلقه لئلا يكون لاحد حجة فيقول لما يأتنى رسول ولاجل انذارهم من عذاب الله وعن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله عذرا او نذرا قال يقول الله يا ابن آدم انما امرضكم لاذكركم وامحص به ذنوبكم واكفر به خطاياكم وربكم اعلم ان ذلك المرض يشتد عليكم وأنا فى ذلك معتذر اليكم قال بعضهم المعنى ورب المرسلات الخ وفى الارشاد لعل تقديم نشر الشرآئع ونشر النفوس والفرق على الالقاء اى مع ان الظاهر ان الفرق بين الحق والباطل يكون مع النشر لا بعده وان القاء الذكر الى الانبياء متقدم على نشر الشرآئع فى الارض واحياء النفوس الموتى والفرق بين الحق والباطل فلا يظهر التعقيب بينهما للايذان بكونها غاية للالقاء حقيقة بالاعتناء بها او للاشعار بأن كلا من الاوصاف المذكورة مستقل بالدلالة على استحقاق الطوآئف الموصوفة بها للتفخيم والاجلال بالقسم بهن ولو جيئ بها على ترتيب الوقوع لربما فهم ان مجموع الالقاء والنشر والفرق هو الموجب لما ذكر من الاستحقاق هذا وقد قيل فى هذا المقام غير ذلك لكن الحمل على الملائكة اوجه وأسد لما ذكرنا فى المدثر أن المحققين على انه من الملائكة المرسلات والناشرات والملقيات وغير ذلك قال فى كشف الاسرار در روز كار خلافت عمر رضى الله عنه مردى نيمداز اهل عراق نام او صبيع وازعمر ذاربات ومرسلات برسيد صببغ عادت داشت كه بيوسته ازين معضلات آيات برسيدى يعنى تاكه مردمدر وفرومانند عمر اورا دره زد وكفت لو وجدتك مخلوقا لضربت الذى فيه عيناك يعنى اكرمن تراسر سترده يا فتم من ترا كردن زدم عمر رضى الله عنه اين سخن را ازبهر آن كفت كه از رسول خدا عليه السلام شنيده بود در صفت خوارج كه سيماهم التحليق كفت در امت من قومى خوارج بيدا آيند نشان ايشان آنست كه ميان سرسترده دارند بس عمر نامه نبشت باموسى الاشعرى وكان أميرا على العراق كه يكسال اين صبيغ را مهجور داريد باوى منشينيد وسخن مكوييد بس از يكسال صبغ توبه كرد وعذر خواست وعمر رضى الله عنه توبه وعرذوى قبول كرد شافعى رحمه الله كفت حكمى فى اهل الكلام كحكم عمر فى صبيغ قال فى القاموس صبيغ كامير بن عسيل كان يعنت الناس بالغوامض والسؤالات فنفاه عمر الى البصرة انتهى.

المرسلات 77:7

{ انما توعدون لواقع } جواب للقسم اى ان الذى توعدونه من مجيئ القيامة كائن لا محالة فانما هذه ليست هى الحصرية بل ما فيها موصولة وان كتبت متصلة فى خط لمصحف والموعود هو مجيئ القيامة لان المذكور عقيب هذه الآية علامات يوم القيامة وقال الكلبى المراد ان كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع نظرا الى عموم لفظ الموصول فى التأويلات النجمية انما توعدون من يوم قيامة الفناء الكلى فى الله لواقع حاصل بالنسبة الى اهل المعرفة والشهود وارباب الذوق والوجود واما بالنسبة الى اهل الحجاب والاحتجاب فسيقع ان كانوا مستعدين لرفع الحجاب وكشف النقاب والى هذا الوقوع المحقق اشار بقوله كل شئ هالك الى وجه الى فى الحال وبقوله كل من عليها فان اى فان فى عين البقاء اذا لمقيد مستهلك فى اطلاق المطلق استهلاك نور الكواكب فى نور الشمس واستهلاك اعتبارات النصفة والثلثية والربعية فى الاثنين والثلاثة والاربعة ثم اخبر عن ظهور آثار يوم القيامة وحصول دلائلها لاهل الشقاوة بقوله { فاذا النجوم طمست } محيت ومحقت ذواتها فان الطمس محو الاثر الدال على الشئ وهو الموافق لقوله واذا الكواكب انتثرت او ذهب بنورها والاول اولى لانه لا حاجة فيه الى الاضمار والنجوم مرتفعة بفعل يفسره ما بعده او بالابتدآء وطمست خبره والاول اولى لان اذا فيها معنى الشرط والشرط بالفعل اولى ومحل الجملة على الاعرابين الجر باذا وجواب اذا محذوف والتقدير فاذا طمست النجوم وقع ما توعدون او بعثتم او جوزيتم على اعمالكم وحذف لدلالة قوله انما توعدون لواقع عليه وفيه اشارة الى محق نجوم الحواس العشر الظاهرة والباطنة عن ادراك الحقائق عند طلوع الشمس الحقيقة.

المرسلات 77:8

{ انما توعدون لواقع } جواب للقسم اى ان الذى توعدونه من مجيئ القيامة كائن لا محالة فانما هذه ليست هى الحصرية بل ما فيها موصولة وان كتبت متصلة فى خط لمصحف والموعود هو مجيئ القيامة لان المذكور عقيب هذه الآية علامات يوم القيامة وقال الكلبى المراد ان كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع نظرا الى عموم لفظ الموصول فى التأويلات النجمية انما توعدون من يوم قيامة الفناء الكلى فى الله لواقع حاصل بالنسبة الى اهل المعرفة والشهود وارباب الذوق والوجود واما بالنسبة الى اهل الحجاب والاحتجاب فسيقع ان كانوا مستعدين لرفع الحجاب وكشف النقاب والى هذا الوقوع المحقق اشار بقوله كل شئ هالك الى وجه الى فى الحال وبقوله كل من عليها فان اى فان فى عين البقاء اذا لمقيد مستهلك فى اطلاق المطلق استهلاك نور الكواكب فى نور الشمس واستهلاك اعتبارات النصفة والثلثية والربعية فى الاثنين والثلاثة والاربعة ثم اخبر عن ظهور آثار يوم القيامة وحصول دلائلها لاهل الشقاوة بقوله { فاذا النجوم طمست } محيت ومحقت ذواتها فان الطمس محو الاثر الدال على الشئ وهو الموافق لقوله واذا الكواكب انتثرت او ذهب بنورها والاول اولى لانه لا حاجة فيه الى الاضمار والنجوم مرتفعة بفعل يفسره ما بعده او بالابتدآء وطمست خبره والاول اولى لان اذا فيها معنى الشرط والشرط بالفعل اولى ومحل الجملة على الاعرابين الجر باذا وجواب اذا محذوف والتقدير فاذا طمست النجوم وقع ما توعدون او بعثتم او جوزيتم على اعمالكم وحذف لدلالة قوله انما توعدون لواقع عليه وفيه اشارة الى محق نجوم الحواس العشر الظاهرة والباطنة عن ادراك الحقائق عند طلوع الشمس الحقيقة.

المرسلات 77:9

{ واذا السماء فرجت } صدعت من خوف الرحمن وشققت ووقعت فيها الفروج التى نفاها بقوله وما لها من فروج وفتحت فكانت ابوابا بالفرج الشق وكل مشقوق فرج وبالفارسية وآنكاه كه آسمان شكافته كردد. وفيه اشارة الى صدع سماء الارواح وشقها عند سطوات التجليات الجلالية.

المرسلات 77:10

{ واذا الجبال نسفت } جعلت كالحب الذى ينسف بالمنسف وهو ما ينفض به الحب ويذرى ونحوه وبست الجبال بسا فالنسف والبس بالفارسية برا كنده كردن وداميدن. وفيه اشارة الى تلاشى جبال الخيالات والاوهام الفاسدة الكاسدة عند بوادى المشاهدات وهوادى المعاينات.

المرسلات 77:11

{ واذا الرسل اقتت } اى عين لهم الوقت الذى يحضرون فيه للشهادة على اممهم وذلك عند مجيئه وحضوره اذ لا يتعين لهم قبل حصوله فان علم ذلك الى الله تعالى يعنى ان تبيين وقت حضورهم لهم من جملة علامات القيامة من حيث ان ذلك التعيين والتبيين لم يكن حاصلا فى الدنيا لعدم حصول الوقت فيقال لهم عند حصوله احضروا للشهادة فقد جاء وقتها او المعنى واذا الرسل بلغوا الميقات الذى كانوا ينتظرونه وهو يوم القيامة فان التوقيت كما يجيئ بمعنى تحديد الشئ وتعيين وقته فكذا يجيئ بمعنى جعل الشئ منتهيا الى وقته المحدود وعلىالمعنى الاول لا يقع على الذوات بدون اضمار فان الموقت هو الاحداث لا الجثث فلا يقال زيد موقت الا ان يراد موقت حضوره وكذا توقيت الرسل انما هو بالنسبة الى حضورهم لا بالنسبة الى ذواتهم لان الذوات قارة لا يعتبر فيها تعيين بخلاف الزمانيات المتجددة هكذا قالوا وقال سعدى المفتى وفى وقوعه على المعنى الثانى على الجثث بدون اضمار بحث ظاهر وان ذهب اليه صاحب الكشف ونحوه وقرأ أبو عمرو وقتت على الاصل لانه من الوقت والباقون ابدلوا الواو همزة لان الضمة من جنس الواو فالجمع بينهما يجرى مجرى الجمع بين المثلين فيكون ثقيلا ولهذا السبب تستثقل الكسرة على الياء ولم تبدل فى نحو ولا تنسوا الفضل بينكم لان ضمة الواو ليست بلازمة فيه وفى كشف الاسرار الالف والواو لغتان والعرب تبدل الالف من الواو تقول وسادة واسادة وكتاب مورخ ومؤرخ وقوس موتر ومؤتر وفى الآية اشارة الى رسل القلب والسر وتعيين وقت شهادتهم على امة الاعضاء والجوارح.

المرسلات 77:12

{ لاى يوم اجلت } مقدر بقول هو جواب لاذا فى قوله واذا الرسل اقتت اى يقال لاى يوم اخرت الامور المعلقة بالرسل اى بجمعهم واحضارهم كما قال تعالى يوم يجمع الله الرسل والمراد تعظيم ذلك اليوم والتعجيب من هوله قال القاشانى واذا الرسل اى ملائكة الثواب والعقاب عينت وبلغت ميقاتها الذى عين لها اما لايصال البشرى والروح والراحة واما لايصال العذاب والكرب والذلة عين لها اما لايصال البشرى والروح والراحة واما لايصال العذاب والكرب والذلة ليوم عظيم اخرت عن معاجلة الثواب والعقاب فى وقت الاعمال ورسل البشر وهم الانبياء عينت وبلغت ميقاتها الذى عين لهم فيه الفرق بين المطيع والعاصى والسعيد والشقى فان الرسل يعرفون كلا بسيماهم.

المرسلات 77:13

{ ليوم الفصل } بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذى يفصل فيه بين الخلائق ويقضى بالحقوق ويحكم بين المحسن والمسيئ ويميز بن ارباب شهود الوحدة الذاتية وبين اصحاب شهود الكثرة الاسمائية والصفاتية وقال بعضهم يفصل فيه بين الحبيب وحبيبه الا من كان معاملته لله فى الله وبين الرسل وامه وأبيه وأخيه الا ان يكونوا متفقين على الحق والعدل.

المرسلات 77:14

{ وما ادراك ما يوم الفصل } ما مبتدأ ادراك خبره اى اى شئ جعلك داريا وعالما ما هو وما كنهه اذ لم تر مثله وكذا لم ير احد قبلك شدته حتى تسمع منه قال الكاشفى وجه جيزدانا كرد تراكه جيست روز فصل جه كنه اورانتوان دانست. فوضع موضع الضمير ليوم الفصل لزيادة تفظيع وتهويل على ان ما خبر ويوم الفصل مبتدأ لا بالعكس كما اختاره سيبويه لان محط الفائدة بيان كون يوم الفصل أمرا بديعا هائلا لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه كما يفيده خبرية مالا بيان كون امر بديع من الامور يوم الفصل كما يفيده عكسه.

المرسلات 77:15

{ ويل } واى { يومئذ } اى فى ذلك اليوم الهائل { للمكذبين } بيوم يفصل فيه الرحمن بين الخلائق اى الويل والهلاك ثابت فيه لهم والويل فى الاصل مصدر منصوب ساد مسد فعل لا من لفظه فأصله اهلكه الله اهلاكا او هلك هو هلاكا عدل به الىالرفع للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ويومئذ ظرفه او صفته ووضع الويل موضع الاهلاك او الهلاك فجاز وقوعه مبتدأ مع كونه نكرة فانه لما كان مصدرا سادا مسد فعله المتخصص بصدوره عن فاعل معين كانت النكرة المذكورة متخصصة بذلك الفاعل فساغ الابتدآء بها لذلك كما قالوا فى سلام عليك وقال بعضهم الويل واد فى جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره اى ذابت وقال الجنيد قدس سره الويل يومئذ لمن كان يدعى فى الدنيا الدعاوى الباطلة.

المرسلات 77:16

{ ألم نهلك الاولين } كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن هلكوا قبل بعثة سيد المرسلين عليه السلام وذلك لتكذيبهم بيوم الفصل وهو استئناف انكار لعدم الاهلاك اثباتا وتقريرا له لان نفى النفى يثبت الاثبات ويحقق الاهلاك فكأنه قيل لم يكن عدم الاهلاك بل قد اهلكناهم.

المرسلات 77:17

{ ثم نتبعهم الآخرين } وهم الذين كانوا بعد بعثته عليه السلام وهو بالرفع على ثم نحن نتبعهم الآخرين من نظرآئهم السالكين لمسلكهم فى الكفر والتكذيب اى نجعلهم تابعين للاولين فى الاهلاك فليس الكلام معطوفا على ما قبله لان العطف يوجب ان يكون المعنى اهلكنا الاولين ثم اتبعناهم الآخرين فى الاهلاك وليس كذلك لان اهلاك الآخرين لم يقع بعد فلذلك رفع نتبع على ان يكون مقطوعا عما قبله ويستأنف به الكلام على وجه الاخبار عما سيقع فى المستقبل باضمار المبتدأ وفيه وعيد لكفار مكة.

المرسلات 77:18

{ كذلك } اى فعلا مثل ذلك الفعل الذى اخبر به فمحل الكاف النصب على انه نعت لمصدر محذوف { نفعل بالمجرمين } بكل من اجرم اى سنتنا جارية على ذلك وفيه تحذير من عاقبة الجرم وسوء اثره.

المرسلات 77:19

{ ويل } مكروهى بزرك { يومئذ } يوم اذ اهلكناهم { للمكذبين } بآيات الله وانبيائه وليس فيه تكرير لما ان الويل الاول لعذاب الآخرة وهذا لعذاب الدنيا وفى برهان القرءآن كررها فى هذه السورة عشر مرات لان كل واحدة منها ذكرت عقيب آية غير الاولى فلا يكون تكرارا مستهجنا ولو لم يكرر كان متوعدا على بعض دون بعض وقيل ان من عادة العرب التكرار والاطناب كما ان عادتهم الاقتصار والايجاز ولان بسط الكلام فى الترغيب والترهيب ادعى الى ادراك البغية من الايجاز وقد يجد كل احد فى نفسه من تأثير التكرار مالا خفاء به.

المرسلات 77:20

{ الم نخلقكم } اى ألم نحدثكم واتفق القرآء على ادغام القاف فى الكاف فى هذا الحرف وذكر النقاش انه فى قرآءة ابن كثير ونافع برواية قالون وعاصم فى رواية حفص بالاظهار قاله فى الايضاح { من ماء مهين } بهوان الحدوث والامكان والابتذال اى من نطفة قذرة مهينة يعنى خوار وبى مقدار. والميم اصلية ومهانته قلته وخسته وكل شئ ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته اى خلقناكم منه ولذا عطف عليه قوله { فجلعناه } اى الماء وبالفارسية بس نكاه داشتيم آن آب را { فى قرار مكين } وهو الرحم بكسر الحاء المهملة اى وعاء الولد فى بطن الام يعنى درقرار كاه استواركه رحم است. فالقرار موضع الاستقرار والمكين الحصين اى جعلنا ذلك الماء فى مقر حصين يتمكن فيه الماء محفوظا سالما من التعرض له فمكين من المكانة بمعنى التمكن لا منها بمعنى المنزلة والمرتبة من الكون يقال رجل مكين فى مكة اى متمكن فيها ومكين عند الامير اى ذو منزلة ومرتبة عنده فيكون فعيلا لا مفيلا.

المرسلات 77:21

{ الم نخلقكم } اى ألم نحدثكم واتفق القرآء على ادغام القاف فى الكاف فى هذا الحرف وذكر النقاش انه فى قرآءة ابن كثير ونافع برواية قالون وعاصم فى رواية حفص بالاظهار قاله فى الايضاح { من ماء مهين } بهوان الحدوث والامكان والابتذال اى من نطفة قذرة مهينة يعنى خوار وبى مقدار. والميم اصلية ومهانته قلته وخسته وكل شئ ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته اى خلقناكم منه ولذا عطف عليه قوله { فجلعناه } اى الماء وبالفارسية بس نكاه داشتيم آن آب را { فى قرار مكين } وهو الرحم بكسر الحاء المهملة اى وعاء الولد فى بطن الام يعنى درقرار كاه استواركه رحم است. فالقرار موضع الاستقرار والمكين الحصين اى جعلنا ذلك الماء فى مقر حصين يتمكن فيه الماء محفوظا سالما من التعرض له فمكين من المكانة بمعنى التمكن لا منها بمعنى المنزلة والمرتبة من الكون يقال رجل مكين فى مكة اى متمكن فيها ومكين عند الامير اى ذو منزلة ومرتبة عنده فيكون فعيلا لا مفيلا.

المرسلات 77:22

{ الى قدر معلوم } اى مقدار معلوم من الوقت الذى قدره الله للولادة تسعة اشهر او اقل منها او اكثر وهو فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى فجعلناه اى مؤخرا الى مقدار معلوم من الزمان

المرسلات 77:23

{ فقدرنا } اى فقدرناه والمراد تقدير خلقه وجوارحه واعضائه وألوانه ومدة حمله وحياته ويدل على كون قدر المخفف لغة بمعنى قدر المشدد قرآءة نافع والكسائى بالتشديد { فنعم القادرون } اى نحن بمعنى المقدرون والى هذا المعنى ذهب ابن مسعود رضى الله عنه ويجوز ان يكون فقدرنا من القدرة بمعنى فقدرنا على ذلك اى على خلقه وتصويره كيف شئنا واردنا من مثل تلك المادة الحقيرة على ان المراد بالقدرة ما يقارن وجود المقدور بالفعل ويعضده قوله فنعم القادرون حيث خلقناه بقدرتنا وجعلنا على احسن الصور والهيئات.

المرسلات 77:24

{ ويل } بزركتربلاى { يومئذ للمكذبين } اى بقدرتنا على ذلك او على الاعادة قال أبو الليث اى الشدة من العذاب لمن يرى الخلق الاول فانكر الخلق الثانى.

المرسلات 77:25

{ ألم نجعل الارض كفاتا } عرفهم اولا نعمه الا نفسية لانها كالاصل ثم اتبعها النعم الآفاقية والكفت باهم آوردن. والكفات اسم ما يكفت اى يضم ويجمع من كفت الشئ اذا ضمه وجمعه كالضمام لما يضم والجماع لما يجمع نحو التقوى جماع كل خير والخمر جماع كل اثم وكفتا مفعول ثان لنجعل لانه بمعنى ألم نصيرها كفاتا تكفت وتضم.

المرسلات 77:26

{ احياء } كثيرة على ظهرها فهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه كفاتا وهو تكفت والا فالاسماء الجامدة وكذا اسماء الزمان والمكان واصآله وان كانت مشتقة لا تعمل وفى اسم المصدر خلاف واما المصدر وجمع اسم الفاعل فهما من الاسماء العاملة فمن جعل الكفات مصدر او جمع اسم الفاعل وهو كافت كصيام جمع صائم جعله عاملا ومن جعله اسما لمن يكفت او جمعا للكفت بمعنى الوعاء منعه من العمل غير الزمخشرى فانه جعل كفاتا وهو اسم عاملا وقد طعن فيه { وامواتا } غير محصورة فى بطنها ولهذا كانوا يسمون الارض اما تشبيها لها بالام فى ضمها للناس الى نفسها احياء وامواتا كالام التى تضم اولادها اليها وتضبطهم ولما كانوا ينضمون اليها جعلت كأنها تضمهم وايضا كما ان الارض كفات الاحياء بمعنى انهم يسكنون فيها كذلك انها كفات لهم بمعنى انها تكفت ما ينفصل من الاحياء من الامور المستقذرة وتنكيرها فى معنى التعريف الاستغراقى لا لافراد والنوعية ويجوز أن يقال الارض وان كانت كفاتا لجميع احياء الانس وامواتهم لكن الاحياء والاموات غير منحصرة فيها لان بعض الحيوان يكفته الهوآء والبعض الآخر يكفته الماء فلا تكون كفاتا للجميع بل للبعض فيصح التنكير ونقل عن القفال انه قال دلت الآية على وجوب قطع يد النباش من حيث انه تعالى جعل الارض كفات الميت فتكون حرزا والسارق من الحرز يجب عليه القطع.

المرسلات 77:27

{ وجعلنا فيها رواسى } اى جبالا ثوابت يعلى وبيافريديم درزمين كوهاى استوار وباى برجاه فمفعول جعلنا مقدر ورواسى صفة له من رسا الشئ يرسو اى ثبت والجبال ثوابت على ظهر الارض لا نزول { شامخات } صفة بعد صفة والشامخ العالى المرتفع اى طوالا شواهق يعنى بلد وسر فراز ومنه شمخ بأنفه عبارة عن الكبر وفى عين المعانى رواسى اى ثوابت الاصول رواسخ العروق شامخات اى مرتفعات الفروع ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث فى غير العقلاء مطرد كاشهر معلومات ونحوه والتنكير للتخفيم او للاشعار بان ما يرى على ظهر الارض من الجبال بعض منها وان فى عداد الجبال ما لم يعرف ولم ير فان السماء فيها جبال ايضا بدلالة قوله تعالى من جبال فيها من برد. { وأسقيناكم } وبياشامانيديم شمارا { ماء فراتا } اى عذبا جدا بأن خلقنا فيها انهارا ومنابع اى جعلناه سقيا لكم ومكناكم من شربه وكذا من سقيه دوابكم ومزارعكم وسمى نهر الكوفة فراتا للذته وقال ابو الليث ماء عذبا من السماء ومن الارض يقال الفرات للواحد والجمع وتاؤه اصل والتنكير للتفخيم او لافادة التبعيض لان فى السماء ماء فراتا ايضا بل هى معدنه ومصبه.

المرسلات 77:28

{ ويل } واد فى جهنم { يومئذ } دران روز خطرناك { للمكذبين } بامثال هذه النعم العظيمة.

المرسلات 77:29

{ انطلقوا } اى يقال يومئذ للمكذبين بطريق التوبيخ والتقريع انطلقوا واذهبوا والقائلون خزنة النار وزبانية جهنم { الى ما كنتم به تكذبون } فى الدنيا من العذاب وبه متعلق بتكذبون قدم لرعاية نظم الآية.

المرسلات 77:30

{ انطلقوا } خصوصا { الى ظل } اى الى ظل دخان نار جهنم كقوله تعالى وظل من يحموم اى دخان غليظ اسود { ذى ثلاث شعب } جمع شعبة يعنى خداوندسه شاخ يتشعب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان العظيم تراه يتفرق ذوآئب فقوله ذى ثلاث شعب كناية عن كون ذلك الدخان عظيما بناء على ان التشعب من لوزامه وقيل يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كسرادق وهو ما يمد فوق صحن البيت ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون فى ظل العرش قال القاضى اخذا من التفسير الكبير خصوصية الثلاثة اما لان حجاب النفس عن انوار القدس الحس والخيال والوهم او لان المؤدى الى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية الحالة فى الدماغ المشوشة للنفس عن ادراك الحقائق والقوة الغضبية السبعية التى عن يمين القلب الدافعة للنفس عن القيام على حق الاعتدال والقوة الشهوية البهيمية التى عن يساره المانعة للنفس عن الاتصاف بالاوصاف الالهية ولذلك قيل تقف شعبة فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره فجميع ما يصدر عن الانسان من العقائد الفاسدة والاعمال الباطلة لا ينشأ الا من هذه القوى الثلاث الواهمة والغضبية والشهوية فهذه الثلاث لما كانت منبع جميع الآفات الصادرة عن الانسان تشعبت شعب العذات على حسبها. بس هركه خواهدكه فردا زين دخان كه ظل من يحموم اشارت بدانست كردد امروز بنور عقل متمسك شده ازتيركى صفت شيطانى وسبعى ويهيمى ببايد كذشت. زتاريكئ خشم وشهوت حذركن كه ازدود آن جشم دل تيره فردد غضب جون در آمد رود عقل بيرون هوى جون شود جيره جان خيره كردد ويحتمل أن تكون الخصوصية لتضييعهم القوى الثلاث التى هى السمع والبصر والفؤاد كما قال تعالى وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون } ورعايتها مبدأ السعادات وعدم محافظتها واتلافها منشأ الشقاوات. يقول الفقير عندى وجه آخر وهو أن الايمان عبارة عن التصديق والاقرار والعمل فجعلت كل شعبة من الثلاث بمقابلة واحدة من هذه الاركان دل على هذا قوله تعالى انطلقوا الى ما كنتم به تكذبون فأورد التكذيب الذى هو صفة القلب فان القلب لكونه مدار الاعضاء والقوى اذا فسد فسد اللسان وسائر الاركان فالتكذيب ظلمة باطنة للقلب ضوعفت بظلمة ترك الاقرار والعمل فلما تضاعفت الظلمات الباطنة فىالدنيا تضاعفت الظلمات الظاهرة فى الآخرة لان لكل عمل وصفة صورة شخصية جسدانية يوم القيامة

المرسلات 77:31

{ لا ظليل } اخذ من الظل للتأكيد كنوم نائم اى لا يظل من الحر وتوصيف الظل بأنه لا يظل من حر ذلك اليوم وهو حر النار للدلالة على ان تسمية ما يغشاهم من العذاب بالظل استهزآء بهم فان شأن الظل أن يدفع عمن يستظل به مقاساة شدة الحر وانه ينفعه ببرده ونسيمه والذى أمروا بالانطلاق اليه يضاعف عليهم ما هم فيه من الحر والعذاب فضلا عن أن يستريحوا ببرده اورد لما أوهمه لفظ الظل من الاسترواح كما مر فى الواقعة { ولا يغنى من اللهب } اى غير مغن لهم من حر اللهب كما يغنى ظل الدنيا من الحر فقوله لا ظليل فى موضع الجر على انه صفة الظل ولفظ غير مانع للصفتية اى ظل غير ظليل وغير مغن ومفعول يغنى محذوف وهو شيئا ون لبيانه ويغنى من اغنى عنى وجهه اى ابعده لان الغنى عن الشىء يباعده كما ان المحتاج اليه يقربه فصح أن يعبر باغناء شئ عن شئ عن ابعاده عنه فكان المعنى ان هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا يدفع عنكم لهب النار واللهب ما يعلو على النار اذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر وفى التأويلات النجمية ظل الروح وظل القلب ظل ظليل ممدود نفعه واثره وروحه لا ظل النفس والهوى وقال بعضهم ظل شجرة النفس الخبيثة المنقطعة عن نور الوحدة بظلمة ذاتها ليس بظليل كظل شجرة طوبى فلا يفيد الروح والراحة بخلاف ظل شجرة النفس الطيبة المنورة بنور الوحدة الغير المتشعبة الى الشعب المختلفة المتضادة كالشيطانية والسبعية والبهيمية.

المرسلات 77:32

{ انها } اى الشعب لانها هى المذكورة لا النار { ترمى بشرر } مى افكتددر آنروز شرار هارا كه هر شراره { كالقصر } مانند كوشكى عظيم. اى كل شررة كقصر من القصور فى عظمها كما دل على هذا التفسير قوله كأنه جمالة صفر فالشرر جمع شررة وهى ما تطاير من النار من الجهات متفرقا كالنجوم كما قال فى القاموس الشرار والشرر ككتاب وجبل ما يتطاير من النار واحدتهما بهاء انتهى وكالقصر فى موضع الصفة للشرر والقصر مفرد وهو البناء العالى ووصف به الجمع باعتبار كل واحد من آحاده والقصر ايضا الحطب الجزل ولذا قال ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير الآية هى الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد الى الخشب فنقطعها ثلاثة اذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء فكنا نسميها القصر اى لكونها مقصورة مقطوعة من الممدودة الطويلة تأمل فى ان نارا دخانها وشررها هكذا فما بالك بحال أهلها.

المرسلات 77:33

{ كأنه } اى الشرر وفى فتح الرحمن كأنه اى النار ثم رد الضمير الى لفظ النار دون معناها فقال كأنه { جمالة صفر } جمع جمل كحجارة فى جمع حجر والتاء لتأنيث الجمع او اسم جمع كالحجارة والجمل ذكر اصفر والصفرة لون من الالوان التى بين السواد والبياض وهى ان البياض أقرب ولذلك قد يعبر بها عن السواد والمعنى كأن كل شررة جمل أصفر أو كجمل اسود لان سواد الابل يضرب الى الصفرة كما قيل لبعض الظباء آدم لان بياضها تعلوه كدرة ولان صفر الابل يشوب رؤوس اشعارها سواد وفى الحديث " شرار جهنم اسود كالقير " فالاول وهو التشبيه بالقصر تشبيه فى العظم والثانى وهو التشبية بالجمل فى اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة وفى المفردات قوله تعالى كأنه جمالة صفر قيل جمع أصفر وقيل بل أراد به الصفر المخرج من المعادن ومنه قيل للنحاس صفر وفى التأويلات النجمية كل صفة من الاوصاف البهيمية والسبعية والشياطنية بحسب الغلظة والشدة كالقصور المرتفعة والبروج المشيدة او كأنه جمالة صفر عظيمة لهيكل طويلة الاشر من شدة قوة النار فى ذلك الشرر وهى القوة الغضبية.

المرسلات 77:34

{ ويل } مشقت بسيار { يومئذ للمكذبين } بأهوال يوم القيامة وأحوال العصاة فيه وقال الكاشفى مردروع زنانراست كه مشقت دوزخ وشاراهاى آنراباور ندارند.

المرسلات 77:35

{ هذا يوم لا ينطقون } اشارة الى وقت دخولهم النار ويوم مرفوع على انه خبر هذا اى هذا يوم لا ينطقون فيه بشئ لما ان السؤال والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك وايضا يوم القيامة يوم طويل له مواطن ومواقيت ينطقون فى وقت دون وقت فعبر عن كل وقت بيوم اولا ينطقون بشئ ينفعهم فان ذلك كالنطق قال القاشانى لا ينطقون لفقدان آلات النطق وعدم الاذن فيه بالختم على الافواه وقال بعضهم لا ينطقون من شدة تحيرهم وقوة دهشتهم وقال أبو عثمان رحمه الله اسكتهم هيبة الربوبية وحياء الذنوب كما قال الشيخ سعدى رحمه الله سر ار جيب غفلت بر آور كنون كه فردا نماند بخجلت نكون

المرسلات 77:36

{ ولا يؤذن لهم } ودستورى ندهد مرايشانرا در اعتذار { فيعتذرون } عطف على يؤذن منتظم فى سلك النفى اى لا يكون لهم اذن واعتذار متعقب له من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الاذن كما لو نصب والنصب يوهم ان لهم عذرا وقد منعوا من ذكره وهو خلاف الواقع اذلو كان لهم عذر لم يمنعوا واى عذر لمن اعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه.

المرسلات 77:37

{ ويل } كرب واندوه { يومئذ للمكذبين } بهذه الاخبار وبما جاء من الحق الواقع البتة.

المرسلات 77:38

{ هذا } اليوم الذى شاهدتم اهواله واحواله { يوم الفصل } بين الحق والباطل وقال البقلى هذا يوم مفارقة النفس والشيطان عن جوار قلب العارف وانفصال كل شئ عن كل محب غير محبوبه حيث استغرق فى جوده وشهوده ووجوده { جمعناكم } يا امة محمد { والاولين } من الامم وهذا تقرير وبيان للفصل اذ الفصل بين المحق والمبطل والرسل لا يتحقق الا بجمع الكل فلا بد من احضارهم لا سيما عند من لا يجوز القضاء على الغائب.

المرسلات 77:39

{ فان كان لكم كيد } حيلة تدفعون بها عنكم العذاب والظاهر أن هذا خطاب من الله للكفار { فكيدون } اصله فكيدونى حذف ياء المتكلم اكتفاء بالكسرة والنون للوقاية وهو أمر من كاد يكيد كيدا وهو المكر والاحتيال والخديعة والمعنى واحتالوا لأنفسكم وتخلصوا من عذابى ان قدرتم فان جميع من كنتم تقلدونهم وتقتدون بهم حاضرون يعنى حيله باخداى بيش نرود وبمكر ودستان عذاب ازخود دفع نتوانيد كرد بمكر وحيله عذاب خداى رد نشود نياز بايد واخلاص ونالهء سحرى توان خريد بيك آه ملك هردوجهان ازان معامله غافل مشوكه حيف خورى وهذا امر اهانة وخطاب تعجيز وتقريع لهم على كيدهم للمؤمنين فى الدنيا وتخجيل لهم بأنهم كانوا فىالدنيا يدفعون الحقوق عن أنفسهم ويبطلون حقوق الناس بضروب الحيل والمكايد والتلبيسات فخاطبهم الله حين علموا ان الحيل منقطعة والتلبيسات غير ممكنة بقوله فان كان لكم كيد فكيدون لما ذكر من التقريع والتخجيل ولاظهار عجزهم عن الكيد فان مثل هذا الكلام لا يتكلم به الا من تيقن بعجز مخاطبه عما هو بصدده وفى بعض التفاسير اى فان وجد كيد نافع لكم على ان لكم متعلق بكان او نافعا لكم على انه حال من كيد.

المرسلات 77:40

{ ويل } غم وغصة { يومئذ } دران روز هولناك { للمكذبين } حيث ظهر أن لا حيلة لهم فى الخلاص من العذاب.

المرسلات 77:41

{ ان المتقين } من الكفر والتكذيب لانهم فى مقابلة المكذبين ففيه رد على المعتزلة { فى ظلال } جمع ظل كشعاب وشعب او ظلة كقباب وقبة اى فى ظلال ظليلة على الحقيقة كما يدل عليه الاطلاق يعنى لا كظل المكذبين وبالفارسية درسايهاى درختان بهشت باشند. قال بعضهم الظاهر انه اخبار عن كونهم تحت اشجار مثمرة لهم فى جنانهم. يقول الفقير الا ظهران كونهم فى ظلال كناية عن راحتهم العظمى لان الظل للراحة وكذا قوله تعالى وندخلهم ظلا ظليلا ونحوه وانما ذكر الله الظل تشويقا للقلوب لان من البلاد ما هى حارة قليلة المياه والاشجار والظلال { وعيون } عذبة دافعة عنهم العطش وبالفارسية وبركنار جشمهاى آب.

المرسلات 77:42

{ وفواكه } اى ألوان الفاكهة يعنى ودرميان ميوها { مما يشتهون } ويتمنون يعنى از آنجه آرزو كنند. فيتناولونها لا عن جوع وامتلاء بل عن شهوة وتلذذ والحاصل انهم مستقرون فى فنون الترفه وانواع التنعم خلاف ما عليه مخالفوهم.

المرسلات 77:43

{ كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } مقدر بقول هو حال من ضمير المتقين فى الخبر أى مقولا لهم كلوا من نعم الجنة وثمراتها واشربوا من مائها وشرابها اكلا وشربا هنيئا سائغا رافها بلا دآء ولا تخمة بسبب ما كنتم تعملونه فى الدنيا من الاعمال الصالحة خصوصا الصيام كما مضى فى الحاقة وهذا أمر اكرام اظهارا للرضى عنهم والمحبة لهم تمسك القائلون بايجاب العمل للثواب بالباء السببية والجواب ان السببية انما هى بفضل الله ووعده الذى لا يخلف لا بالذات بحيث يمتنع عدمه او يوجب النقص او الظلم.

المرسلات 77:44

{ انا كذلك } الجزآء العظيم { نجزى المحسنين } اى فى عقائدهم واعمالهم لا جزآء آدنى منه.

المرسلات 77:45

{ ويل يومئذ للمكذبين } حيث نال اعدآؤهم هذا الثواب الجزيل وهم بقوا فى العذاب المخلد الوبيل وقال الكاشفى جهل وقبح وذم مراهل تكذيب راست كه بنعيم بهشت نمى كروند. وفى التأويلات النجمية ان المتقين بالله عما سواه اى المتقين بنور الوحدة عن ظلمة الكثرة وبنور المعرفة عن ظلمية النكرة فى ظلال الاوصاف الالهية والاخلاق الربانية وعيون من مياه العلوم والحكم وفواكه مما يشتهون من التجليات الروحانية والتنزلات النورانية كلوا من أطعمة المواهب الهنية واشربوا من أشربة المشارب التوحيدية هنيئا بما كنتم تعملون من الاعمال الصالحة والافعال الحسنة انا كذلك نجزى المحسنين المشاهدين لجمالنا المطلق ويل يومئذ للمكذبين باحسان الجزآء وجزآء الاحسان.

المرسلات 77:46

{ كلوا } اى مكذبان ازنعيم فانئ دنيا { وتمتعوا } تمتعا { قليلا } او زمانا قليلا يعنى عيشوا مدة قليلة الى منتهى آجالكم لان زمان الدنيا قليل كمتاعها وبالفارسية وبرخوردار شويد زمانى اندك { انكم مجرمون } كافرون مستحقون للعذاب وبالفارسية بدرستى كه شما مشركانيد وعاقبت شمارا عذاب دائمست. قوله كلوا الخ مقدر بقول هو حال من المكذبين قال فى الكواشى لا أحب الوقف على المكذبين ان نصبت كلوا حالا منه والمعنى الويل ثابت لهم مقولا لهم ذلك تذكيرا لهم بحالهم فى الدنيا بما جنوا على أنفسهم من ايثار المتاع الفانى عن قريب على النعيم الخالد فلا يرد كيف يقال لهم ذلك ولا تمتع لهم فيها يعنى ان هذا القول لهم فى الآخرة لا يكون لطلب الاكل والتمتع منهم بنعيم الدنيا حقيقة لعدم امكانه بل انما يقال لهم للتذكير المذكور فيكون الامر امر توبيخ وتحسير وتحزين وعلل ذلك باجرامهم دلالة على ان كل مجرم مآله هذا اى ليس له الا الاكل والتمتع اياما قلائل ثم البقاء فى الهلاك الابدى.

المرسلات 77:47

{ { ويل } واى { يومئذ } دران روز جزا { للمكذبين } حيث عرضوا انفسهم للعذاب الدآئم بالتمتع القليل وفى التأويلات النجمية انكم مجرمون اى كاسبون الهيئات الردية والملكات الغير المرضية ويل يومئذ للمكذبين بأن الاوصاف الحميدة أفضل من الاخلاق الذميمة.

المرسلات 77:48

{ واذا قيل لهم } اى للمكذبين { اركعوا } اى أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة لان الركوع والانحناء لاحد تواضع له وتعظيم والسجود اعظم منه فى التواضع والتعظيم ومن ذلك قالوا ان السجود لغير الله كفر ان كان للعبادة وخطر عظيم ان كان للتعظيم وفى حواشى ابن الشيخ الركوع فى اللغة حقيقة فى مطلق الانحناء الحسى وركوع الصلاة من جملة افراده وتفسيره بالاطاعة والخضوع مجاز لغوى تشبيها له بالانحناء الحسى { لا يركعون } لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على ما هم عليه من الاستكبار وقيل اذا أمروا بالصلاة او بالركوع لا يفعلون اذ روى انه نزل حين امر رسول الله عليه السلام ثقيفا بالصلاة فقالوا انا لا نخر ولا نجبى اى لا يقوم قيام الراكع فانها سبة علينا اى ان هيئة التجبية هيئة تظهر وترفع فيها السبة وفى الاست اى الدبر وهو عار وعيب علينا فقال عليه السلام " لا خير فى دين ليس فيه ركوع ولا سجود " وفى بعض التفاسير كانوا فى الجاهلية يسجدون للاصنام ولا يركعون لها فصار الركوع من اعلام صلاة المسلمين لله تعالى وفيه دلالة على ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤآخذة فى الآخرة كما سبق مرارا قال الكاشفى مراد آنست كه مسلمان نشوند جه ركن اعظم اسلام بعد از شهادتين نمازاست. وفيه ذم عظيم لتارك الصلاة حيث لا يجب داعى الله اى المؤذن فانه يدعو فى الاوقات الخمسة المؤمنين الى بيت الله واقامة الصلاة وقس عليه سائر الداعين وفى التأويلات النجمية واذا قيل لهم اركعوا اى افنوا عن اللذات الحيوانية وابقوا باللذات الروحانية اذ هى مناجاة الروح والسر مع الله ولا ألذ منها.

المرسلات 77:49

{ ويل يومئذ للمكذبين } نفرين آن روز بردروغ زنانراست كه ركوع وسجود را تكذيب كنند وبشرف اسلام نمى رسند.

المرسلات 77:50

{ فبأى حديث } اى خبر يخبر بالحق وينطق بما كان وما يكون على الصدق { بعده } اى بعد القرءآن الناطق بأحاديث الدارين واخبار النشأتين على نمط بديع معجز مؤسس على حجج قاطعة وبراهين ساطعة { يؤمنون } اذا لم يؤمنوا به اى القرءآن الجامع لجميع الاحاديث فقوله فبأى الخ جواب شرط محذوف وكلمة بعد بمنزلة ثم فى افادة التراخى الرتبى اى فاذا لم يؤمنوا به وهو موصوف بما ذكر فبأى كتاب يؤمنون ختم السورة بالتعجيب من الكفار لان الاستفهام للتعجيب وبين انهم فى أقصى درجات التمرد والعناد حيث لم ينقادوا لمثل هذا البرهان الباهر والدليل القاطع على حقية الدين القويم من حيث كونه فى ارفع درجات الفصاحة والبلاغة وفى أقصى طبقات الاعجاز. درخبر آمده كه بعد ازخواندن اين آيت بايد كفت آمنا به استدل بعض المعتزلة على ان القرآن ليس بقديم بقوله تعالى حديث اذ الحديث ضد القديم لان الحدوث والقدم لا يجتمعان فى شئ واحد ورد بأن الحديث هنا بمعنى الخبر لا بمعنى الحادث ولو سلم فالعبارة لا تدل على ان القرءآن محدث لاحتمال أن يكون المراد فبأى حديث بعد القديم يؤمنون ولو سلم فانما يدل على حدوث الالفاظ الدالة على المعانى ولا خلاف فيه وانما الخلاف فى قدم المعنى القائم بذاته تعالى روى ان المرسلات نزلت فى غار قرب مسجد الخيف بمنى يسمى غار والمرسلات. يقول الفقير قد زرته وقرأت فيه السورة المذكورة وفى الضخرة العالية من الغار داخله اثر رأس النبى عليه السلام يتبرك به الآن والحمدلله على افضاله وكثرة نواله وزيارة حرمه وحرم مصطفاه مظهر نور جماله وكماله. تمت سورة المرسلات بعون خالق البريات فى عصر يوم عاشورآء المحرم من سنة سبع عشرة ومائة وألف.

النبأ 78:1

{ عم } اصله عن ما ادغمت النون فى الميم لاشتراكهما فى الغنة فصار عما ثم حذفت الالف كما فى لم وبم وفم والى م وعلى م فانها فى الاصل لما وبما وفيما والى ما وعلى ما اما فرقا بين الاستهامية وغيرها او قصدا للخفة لكثرة استعمالها وقد جاءت فى العشر غير محذوفة كما ذكره ابو البقاء وما فيها من الابهام للايذان بفخامة شأن المسئول عنه وهوله وخروجه عن حدود الاجناس المعهودة كأنه خفى جنسه فيسأل عنه فالاستفهام ليس على حقيقته بل لمجرد التفخيم فان المسئول عنه ليس بمجهول بالنسبة الى الله تعالى اذ لا يخفى عليه خافية والمعنى عن اى شئ عظيم { يتساءلون } اى اهل مكة وكانوا يتساءلون عن البعث والحشر الجسمانى ويتحدثون فيما بينهم ويخوضون فيه انكارا واستهزآء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذى هو حال من احواله ووصف من اوصافه فان ماوان وضعت لطلب حقائق الاشياء ومسميات اسمائها كما فى قولك ما الملك وما الروح لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم او طبيب.

النبأ 78:2

{ عن النبأ العظيم } النبأ الخبر الذى له شأن وخطر وهو جواب وبيان لشأن المسئول عنه كأنه قيل عن اى شئ يتساءلون هل اخبركم به ثم قيل بطريق الجواب عن النبأ العظيم الخارج عن دآئرة علوم الخلق يتساءلون على منهاج قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار والفائدة فى أن يذكر السؤال ثم أن يذكر الجواب معه ان هذا الاسلوب اقرب الى التفهيم والايضاح فعن متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه أن يقدر بعدها مسارعة الى البيان ومراعاة لترتيب السؤال فان الجار فيه مقدم على متعلقه وقيل عن النبأ العظيم استفهام آخر بمعنى أعن النبأ العظيم ام عن غيره الا انه حذف منه حرف الاستفهام لدلالة المذكور عليه ونظيره قوله تعالى أفان مت فهم الخالدون اى أفهم الخالدون.

النبأ 78:3

{ الذى هم فيه مختلفون } وصف للنبأ بعد وصفه بالعظيم تأكيدا لخطره اثر تأكيد واشعارا بمدار التساؤل عنه وفيه متعلق بمختلفون قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثابت اى هم راسخون فى الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته يقول ان هى الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا الا الدهر وما نحن بمبعوثين ومن مقر يزعم ان آلهته تشفع له كما قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله ومن شاك يقول ما ندرى ما الساعة أن نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين وفيه اشارة الى القيامة الكبرى وهى البقاء بعد الفناء او بعث القلب بعد موت النفس فالروح وقواه تقربها والنفس وصفاتها تنكرها لانها جاهلة فضلا عن كونها ذآئقة ومن لم يذق لم يعرف قال الكمال الخجندى زاهد تعجب كركند ازعشق توبرهيز كين لذت اين باده جه داندكه نخوردست فطوبى للذائقين ويا حسرة للمحرومين.

النبأ 78:4

{ كلا سيعلمون } ردع كما يستفاد من كلا ووعيد كما يستفاد من سيعلمون اى ليس امر البعث مما ينكر او يشك فيه بحيث يتساءل عنه سيعلمون ان ما يتساءلون عنه حق لا دافع له واقع لا ريب فيه مقطوع لا شك فيه.

النبأ 78:5

{ ثم كلا سيعلمون } تكرير للردع والوعيد للمبالغة فى التأكيد والتشديد وثم للدلالة على ان الوعيد الثانى ابلغ واشد يعنى ان ثم موضوعة للتراخى الزمانى وقد تستعمل مجازا فى التراخى الرتبى اى لتباعد ما بين المعطوفين فى الشدة والفظاعة وذلك لتشبيه التباعد الرتبى بالتراخى الزمانى فى الاشتمال على مطلق التباعد ما بين الامرين والمعنى المجازى هو المراد هنا لان المقام مقام التشديد والتهديد وذلك انما يكون آكد بالحمل عليه وبعضهم حملها على معناها الحقيقى فقال سيعلمون حقيته عند النزع ثم فى يوم القيامة ولا شك ان القيامة متراخية بحسب الزمان عن وقت النزع او سيعلمون حقية البعث حين ان يبعثوا من قبورهم ثم حقية الجزآء بحسب العمل هذا وقد حمل اختلافهم فيه على مخالفتهم للنبى عليه السلام بأن يعتبر فى الاختلاف محض صدور الفعل عن المتعدد لا على مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين لان الكل وان استحق الردع والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر اذ لا حقية فى شئ منهما حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة بل لمخالفته له عليه السلام فكلا ردع لهم عن التساؤل والاختلاف بالمعنيين المذكورين وسيعلمون وعيد لهم بطريق الاستئناف وتعليل للردع والسين للتقريب والتأكيد وليس مفعوله ما ينبئ عنه المقام من وقوع ما يتساءلون عنه ووقوع ما يختلفون فيه بل هو عبارة عما يلاقونه من فنون الدواهى والعقوبات والتعبير عن لقائها بالعلم لوقوعه فى معرض التساؤل والاختلاف والمعنى ليرتدهوا عما هم عليه فانهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال اذا حل بهم العذاب والنكال.

النبأ 78:6

{ ألم نجعل الارض مهادا } الخ استئناف مسوق لتحقيق النبأ والمتساءل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة بحقيته اثر ما نبه عليها بما ذكر من الردع والوعيد ومن هنا اتضح ان المتساءل عنه هو البعث لا القرءآن او نبوة النبى عليه السلام كما قيل والهمزة للتقرير والمهاد البساط والفراش وفى بعض الآيات جعل لكم الارض فراشا قال ابن الشيخ المهاد مصدر ماهدت بمعنى مهدت كسافرت بمعنى سفرت اطلق على بساطه وبالفارسية آيا نساخته ايم زمين را فراشى كسترده تاقراركاه شمابود وجاى تقلب. ومهادا مفعول ثان لجعل ان كان الجعل بمعنى التصيير وحال مقدرة ان كان بمعنى الخلق وجوز ان يكون جمع مهد ككعاب وكعب وجمعه لاختلاف اماكن الارض من القرى والبلاد وغيره او للتصرف فيها بأن جعل بعضها مزارع وبعضها مساكن الى غير ذلك وقرىء مهدا على تشبيهها بمهد الصبى وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر.

النبأ 78:7

{ والجبال اوتادا } المراد بجعلها اوتادا لها ارساؤها بها لتسكن ولا تميد بأهلها اذ كانت تميد على الماء كما يرسى البيت بالاوتاد فهو من باب التشبيه البليغ جمع وتد وهو ما يوتد ويحكم به المتزلزل المتحرك من اللوح وغيره بالفارسية ميخ. فان قيل أليست ارادة الله وقدرته كافيتين فى التثبيت اجيب بانه نعم الا انه مسبب الاسباب وذلك من كمال القدرة قال بعضهم الاوتاد على الحقيقة سادات الاولياء وخواص الاصفياء فانهم جبال ثابتة وبهم تثبت ارض الوجود وسئل أبو سعيد الخراز قدس سره عن الاوتاد والابدال ايهم افضل فقال الاوتاد قيل كيف فقال لان الابدال يتقلبون من حال الى حال ويبدل بهم من مقام الى مقام والاوتاد بلغ بهم النهاية وثبت اركانهم فهم الذين بهم قوام الخلق قال ابن عطاء الاوتاد هم اهل الاستقامة والصدق لا تغيرهم الاحوال وهم فى مقام التمكين انتهى. والاوتاد اربعة واحد يفحظ الشرق يقال له عبد الحى وواحد يحفظ الغرب يقال له عبد العليم وواحد يحفظ الشمال يقال له عبد المريد وواحد يحفظ الجنوب يقال له عبد القادر والابدال سبعة يحفظون اقاليم الكرة علوا وسفلا. وجه تسميه آنست كه جون بكى ازايشان مرديكى ازجهل تن يعنى نجبا بدل اوشد وتتميم جهل تن بيكى از سيصد تن است يعنى نقبا وتكميل سيصد تن بيكى ازصلحاء وابدال مقيم نشوند نيكجا مكر خسته باشند ومعالجه كنندوبخورند وبيوشند ونكاح كنند بيش ازانكه ابدال شوند وقطب الابدال نظير كوكب سهيل كما ان قطب الارشاد نظير الجدى وقطب ابدال درزمان نبى عليه السلام عصام الدين قزنى بو دعم اويس وجون او متوفى شد ابن عطا احمد بود ازدهى كه ميان مكه ويمن است وبلال الحبشى رضى الله عنه درمان نبى عليه السلام ازبدلاى سبعة بودى. وكان الشافعى رضى الله عنه من الاوتاد الاربعة.

النبأ 78:8

{ وخلقناكم } عطف على المضارع المنفى بلم داخل فى حكمه فانه فى قوة انا جعلنا او على ما يقتضيه الانكار التقريرى فانه فى قوة ان يقال قد جعلنا { ازواجا } اى حال كونكم اصنافا ذكرا وانثى ليسكن كل من الصنفين الى الآخر وينتظم امر المعاشرة والمعاش ويتسنى التناسل والزوج يقال لكل واحد من القرينين المزدوجين حيوانا او غيره كالخف والنعل ولا يقال للاثنين زوج بل زوجان ولذا كان الصواب ان يقال قرضته بالمقراضين وقصصته بالمقصين لانهما اثنان لا بالمقراض وبالمقص كذا قال الحريرى فى درة الغواص وقال صاحب القاموس يقال للاثنين هما زوجان وهما زوج انتهى ولعله من قبيل الاكتفاء بأحد الشقين عن الآخر وزوجة للمرأة لغة رديئة لقوله تعالى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلا له او مضادا زوج ولذا قال بعضهم فى الآية وخلقناكم حال كونكم معروضين لاوصاف متقابلة كل واحد منهما مزدوج بما يقابله كالفقر والغنى والصحة والمرض والعلم والجهل والقوة والضعف والذكورة والانوثة والطول والقصر الى غير ذلك وبه يصح الابتلاء فأن الفاضل يشتغل بالشكر والمفضول بالصبر ويعرف قدر النعمة عند الترقى من الصبر الى الشكر وكل ذلك دليل على كمال القدرة ونهاية الحكمة.

النبأ 78:9

{ وجعلنا } صيرنا { نومكم } وهو استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد اليه ولذا قل فى اهل الرياضة لقلة الرطوبة { سباتا } موتا اى كالموت والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لانه مقطوع عن الحركة ومنه سمى يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والارض يوم الاحد فخلقها فى ستة ايام فقطع عمله يوم السبت فسمى بذلك وايضا هو يوم ينقطع فيه بنو اسرآئيل عن العمل والنوم احد التوفيين كما قال تعالى الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها اى ويتوفى التى لم تمت فى منامها وذلك لما بينهما من المشاركة التامة فى انقطاع احكام الحياة فالتنوين للنوعية اى وجعلنا نومكم نوعا من الموت وهو الموت الذى ينقطع ولا يدوم اذ لا ينقطع ضوء الروح الا عن ظاهر البدن وبهذا الاعتبار قيل له اخو الموت والنوم بمقدار الحاجة نعمة جليلة وقيل سباتا اى قطعا عن الاحساس والحركة لا راحة القوى الحيوانية وازاحة كلا لها والاول هو اللائق بالمقام كما ستعرفه.

النبأ 78:10

{ وجعلنا الليل } الذى يقع فيه النوم { لباسا } يقول لبس الثوب استتر به وجعل اللباس لكل ما يغطى الانسان عن قبيح فجعل الزوج لزوجها لباسا من حيث انها تمنعه وتصده عن تعاطى قبيح وكذا البعل وايضا من حيث الاشتمال قال تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وجعل التقوى لباسا على طريق التمثيل والتشبيه وكذا جعل الخوف والجوع لباسا على التمثيل والتشبيه تصويرا له وذلك بحسب ما يقولون تدرع فلان الفقر ولبس الجوع والمعنى لباسا يستركم بظلامه كما يستركم اللباس ولعل المراد ما يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه فان شبه الليل به اكمل واعتباره فى تحقيق المقصد أدخل صاحب فتوحات آورده شب لباس اصحاب ليل است كه ايشانرا ازنظر اغيار بيوشاند تادر خلوت خود لذت مكالمه يا محاضره يا مشاهده هريك فراخور استعداد خود برخوردارى يابند حضرت شيخ الاسلام قدس شره فرموده كه شب برده روندكان راهست روز بازار بيدار ان سحر كاه. الليل للعاشقين ستر ياليت اوقاته تدوم جون دردل شب خيال اويار منست من بنده شب كه روز بازار منست فهو تعالى جعل الليل محلا للنوم الذى جعل موتا كما جعل النهار محلا لليقظة المعبر عنها بالحياة فى قوله تعالى { وجعلنا النهار معاشا } اى وقت عيش اى حياة تبعثون فيه من نومكم الذى هو أخو الموت كما فى قوله تعالى وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ولم يقل وجعل يقظتكم حياة لتتم المطابقة بينه وبين قوله وجعلنا نومكم سباتا بل عبر عن اليقظة بالنهار لكونه مستلزما لها غالبا ولمراعاة مطابقة وجعلنا الليل ومنه يعلم ان قوله وجعلنا الليل ليس مستطردا فى البين لذكر النوم فى القرينة الاولى فمعاش مصدر من عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة وعلى هذا لا بد من تقدير المضاف ولذا قدروا لفظ الوقت ويحتمل ان يكون اسم زمان على صيغة مفعل فلا حاجة حينئذ الى تقدير المضاف وتفسيره بوقت معاش ابراز لمعنى صيغة اسم الزمان وتفصيل لمفهومها وفى التأويلات النجمية ألم نجعل ارض البشرية مهد استراحتكم وانتشاركم فى انواع المنافع البشرية وجبال نفوسكم القاسية قوآئم ارض البشرية وخلقناكم ازواجا زوج الروح وزوج النفس او ذكر القلب وانثى النفس وجعلنا نومكم غفلتكم راحة وستراحة باستيفاء اللذات واستقصاء الشهوات وجعلنا ليل طبعتكم ستر النهار روحانيتكم نهار روحانيتكم معاشا تعيشون فيه بالطاعات والعبادات وهذه صورة البعث.

النبأ 78:11

{ وجعلنا الليل } الذى يقع فيه النوم { لباسا } يقول لبس الثوب استتر به وجعل اللباس لكل ما يغطى الانسان عن قبيح فجعل الزوج لزوجها لباسا من حيث انها تمنعه وتصده عن تعاطى قبيح وكذا البعل وايضا من حيث الاشتمال قال تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وجعل التقوى لباسا على طريق التمثيل والتشبيه وكذا جعل الخوف والجوع لباسا على التمثيل والتشبيه تصويرا له وذلك بحسب ما يقولون تدرع فلان الفقر ولبس الجوع والمعنى لباسا يستركم بظلامه كما يستركم اللباس ولعل المراد ما يستتر به عند النوم من اللحاف ونحوه فان شبه الليل به اكمل واعتباره فى تحقيق المقصد أدخل صاحب فتوحات آورده شب لباس اصحاب ليل است كه ايشانرا ازنظر اغيار بيوشاند تادر خلوت خود لذت مكالمه يا محاضره يا مشاهده هريك فراخور استعداد خود برخوردارى يابند حضرت شيخ الاسلام قدس شره فرموده كه شب برده روندكان راهست روز بازار بيدار ان سحر كاه. الليل للعاشقين ستر ياليت اوقاته تدوم جون دردل شب خيال اويار منست من بنده شب كه روز بازار منست فهو تعالى جعل الليل محلا للنوم الذى جعل موتا كما جعل النهار محلا لليقظة المعبر عنها بالحياة فى قوله تعالى { وجعلنا النهار معاشا } اى وقت عيش اى حياة تبعثون فيه من نومكم الذى هو أخو الموت كما فى قوله تعالى وهو الذى جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ولم يقل وجعل يقظتكم حياة لتتم المطابقة بينه وبين قوله وجعلنا نومكم سباتا بل عبر عن اليقظة بالنهار لكونه مستلزما لها غالبا ولمراعاة مطابقة وجعلنا الليل ومنه يعلم ان قوله وجعلنا الليل ليس مستطردا فى البين لذكر النوم فى القرينة الاولى فمعاش مصدر من عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة وعلى هذا لا بد من تقدير المضاف ولذا قدروا لفظ الوقت ويحتمل ان يكون اسم زمان على صيغة مفعل فلا حاجة حينئذ الى تقدير المضاف وتفسيره بوقت معاش ابراز لمعنى صيغة اسم الزمان وتفصيل لمفهومها وفى التأويلات النجمية ألم نجعل ارض البشرية مهد استراحتكم وانتشاركم فى انواع المنافع البشرية وجبال نفوسكم القاسية قوآئم ارض البشرية وخلقناكم ازواجا زوج الروح وزوج النفس او ذكر القلب وانثى النفس وجعلنا نومكم غفلتكم راحة وستراحة باستيفاء اللذات واستقصاء الشهوات وجعلنا ليل طبعتكم ستر النهار روحانيتكم نهار روحانيتكم معاشا تعيشون فيه بالطاعات والعبادات وهذه صورة البعث.

النبأ 78:12

{ وبنينا فوقكم } وبنا كرده ايم برسر شمارا { سبعا شدادا } جمع شديد أى سبع سموات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مر الدهور وكر العصور وقال أبو الليث غلاظا غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام والتعبيرى عن خلقها بالبناء مبنى على تنزيلها منزلة القباب المضروبة على الخلق وفيه اشارة الى طبقات القلب السبع الاولى طبقة الصدور وهى معدن جوهر الاسلام والثانية طبقة القلب وهى محل جوهر الايمان والثالثة الشغاف وهى معدن العشق والمحبة والشفقة والرابعة الفؤاد وهو معدن المكاشفة والمشاهدة والرؤية والخامسة حبة القلب وهى مخصوصة بمحبة الله تعالى لا تعلق لها بمحبة الكونين وعشق العالمين والسادسة السويدآء وهى معدن العلم اللدنى وبيت الحكمة والسابعة بيت العزة وهى قلب الاكملين وفى هذا البيت اسرار الهية لا تخرج من الباطن الى الظاهر اصلا ولا يظهر منها اثر قطعا.

النبأ 78:13

{ وجعلنا } انشأنا وأبدعنا { سراجا } هو الشمس والتعبير عندها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السموات بالبناء قال الراغب السراج الزاهر بفتيلة ودهن ويعبر به عن كل شئ مضيئ ويقال للسراج مصباح { وهاجا } وقادا متلألئا من وهجت النار اذا اضاءت او بالغا فى الحرارة من الوهج وهو الحر وهو ما قال بعض المفسرين سراجا وهاجا اى مضيئا جامعا بين النور والحرارة يعنى جراغى افروخته وتابان. يقال ان الشمس والقمر خلقا فى بدء امرهما من نور العرش ويرجعان فى القيامة الى نور العرش وذلك فيما روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال الا احدثكم بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما قال قلنا بلى يرحمك الله فقال ان رسول الله عليه السلام سئل عن ذلك فقال ان الله تعالى لما ابرز خلقه احكاما ولم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه فاما ما كان فى سابق علمه ان يدعها شمسا فانه خلقها من مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وما كان فى سابق علمه ان يطمسها ويحولها قمرا فانه خلقها دون الشمس فى العظم ولكن انما يرى صغرهما لشدة ارتفاعهما فى السماء وبعدهما من الارض فلو ترك الله الشمس والقمر كما كان خلقهما فى بدء امرهما لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا يدرى الاجير متى يعمل ومتى يأخذ اجره ولا يدرى الصائم متى يصوم ومتى يفطر ولا تدرى المرأة متى تعتد ولا يدرى المسلمون متى وقت صلاتهم ومتى وقت حجهم فكان الرب تعالى انظر لعباده وارحم بهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس منه الضوء وبقى فيه النور فذلك قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة فالسود الذى ترونه فى القمر شبه الخطوط فيه فهو أثر المحو قال فاذا قامت القيامة وقضى الله بين الناس وميز بين اهل الجنة والنار ولم يدخلوهما بعد يدعو الرب تعالى بالشمس والقمر ويجاء بهما اسودين مكورين قد وقفا فى زلازل وبلابل ترعد فرآئصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن فاذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين فيقولان الهنا قد علمت طاعتنا لك وأدبنا فى عبادتك وشرعتنا للمضى فى امرك ايام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين ايانا فقد علمت انا لم ندعهم الى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك فيقول الرب صدقتما انى قد قضيت على نفسى ان ابدئ واعيد وانى معيدكما الى ما ابدأتكما منه فارجعا الى ما خلقتكما منه فيقولان ربنا مم خلقتنا فيقول خلقتكما من نور عرشى فارجعا اليه قال فتلمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الابصار نورا فيختلطان بنور العرش فذلك قوله تعالى يبدئ ويعيد كذا فى كشف الاسرار وقال الشيخ رضى الله عنه فى الفتح المكى واما الكواكب كلها فهى فى جهنم مظلمة الاجرام عظيمة الخلق وكذلك الشمس والقمر والطلوع والغروب لهما فى جهنم دآئما انتهى. يقول الفقير لعل التوفيق بين هذا وبين الخبر السابق ان كلا من الشمس والقمس حامل لشيئين النورية والحرارة فما كان فيهما من قبيل النور فيتصل بالعرش من غير جرم لان الجرم لا يخلو من الغلظة والظلمة والكثافة وما كان من قبيل النار والحرارة فيتصل بالنار مع جرمهما فكل منهما يرجع الى اصله فان قلت كان الظاهر ان يتصل نورهما بنور النبى عليه السلام لانهما مخلوقان من نوره قلت ان العرش والكرسى خلقا من نوره وخلق القمران من نور العرش فهما فى الحقيقة مخلوقان من نور النبى عليه السلام ومتصل نورهما بنوره والكل نوره والحمد لله تعالى. شمسهء نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجهء بيغمبران

النبأ 78:14

{ وانزلنا } النون للعظمة وللاشارة الى جمعية الذات والاسماء والصفات { من المعصرات } هى السحائب اذا اعصرت اى شارفت ان تعصرها الرياح فتمطر ولم تعصرها بعد فالانزال من المستعد لا من الواقع والا يلزم تحصيل الحاصل وهمزة اعصر للحينونة والمعصرات اسم فاعل يقال احصد الزرع اذا حان له ان يحصد واعصرت الجارية اى حان لها ان تعصر الطبيعة رحمها فتحيض وفى المفردات المعصر المرأة التى حاضت ودخلت فى عصر شبابها انتهى ولو لم تكن للحينونة لكان ينبغى ان يقرأ المعصرات بفتح الصاد على انه اسم مفعول لان الرياح تعصرها ويجوز أن يكون المراد من المعصرات الرياح التى حان لها ان تعصر السحاب فتمطر فهى ايضا اسم فاعل والهمزة للحينونة كذلك فان قيل لم لم تجعل الهمزة للتعدية قلنا لان الرياح عاصرة لا معصرة { ماء ثجاجا } اى منصبا بكثرة والمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به يقال ثج الماء اى سال بكثرة وانصب وثجه غيره اى اساله وصبه فهو لازم ومتعد ومن الثانى قوله عليه السلام " أفضل الحج العج والثج " اى رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى وفسره الزجاج بالصباب كأنه يثج نفسه مبالغة فيكون متعديا ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى وانزلنا من السماء ماء فان ابتدآء المطر ان كان من السماء يكون الانزال منها الى السحاب ومنه الى الارض والا فانزاله منها باعتبار تكونه باسباب سماوية من جملتها حرارة الشمس فانها تثير وتصعد الاجزآء المائية من اعماق الارض الرطبة او من البحار والانهار الى جو الهوآء فتنعقد سحابا فتمطر فالانزال من المعصرات حقيتة ومن السماء مجاز باعتبار السببية والله مسبب الاسباب.

النبأ 78:15

{ لنخرج به } اى بذلك الماء اى بسبب وصوله الى الارض واختلاطه بها وبما فيها وهذه اللام لام المصلح لا لام الغرض كما تقول المعتزلة { حبا } كثيرا يقتات به اى يكون قوتا للانسان وهو ما يقوم به بدنه كالحنطةوالشعير ونحوهما وفى عين المعانى الحب اسم جنس يعنى به الجمع قال الراغب الحب والحبة يعنى بالكسر يقال فى بزور الرياحين وحبة القلب تشبيها بالحبة فى الهيئة { ونباتا } كثيرا يعتلف به اى يكون علفا للحيوان كالتبن والحشيش كما قال تعالى كلوا وارعوا انعامكم وتقديم الحب مع تأخره عن النبات فى الاخراج لاصالته وشرفه لان غالبه غذآء الناس ويقال لنخرج به لؤلؤا وعشبا قال عكرمة ما انزل الله قطرة الا انبت بها عشبة فى الارض او لؤلؤة فى البحر انتهى وهو مخالف للمشهور من ان اللؤلؤ لا يتكون من كل مطر بل من المطر النازل فى نيسان الا ان يعمم اللؤلؤ الى الدر وغيره.

النبأ 78:16

{ وجنات } ليتفكه بها الانسان والجنة فى الاصل هى السترة من مصدر جنه اذا ستره تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف اغصانه وعلى الارض ذات الشجر قال الفرآء الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم والمراد هنا هو الاشجار لا الارض { الفافا } اى ملتفة تداخل بعضها فى بعض وهذا من محسنات الجنان كما ترى فى بساتين الدنيا وبالفارسية درهم بيجده يعنى بسيار ونيكديكر نزديك. قالوا لا واحد له كالاوزاع والاخياف الاوزاع بمعنى الجماعات المتفرقة كالاخياف فانه ايضا بمعنى الجماعات المتفرقة المختلطة ومنه الاخياف للاخوة من آباء شتى وامهم واحدة او الواحد لف ككن واكنان او لفيف كشريف واشراف وهو جمع لف جمع لفاء كخضر وخضرآء فيكون ألفافا جمع الجمع او جمع ملتفة بحذف الزوآئد قال ابن الشيخ قدم ذا الحب لانه هو الاصل فى الغذآء وثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات اليه واخرت الجنات لانعدام الحاجة الضرورية الى الفواكه. واعلم ان فيما ذكر من افعاله تعالى دلالة على صحة البعث وحقيته من وجوه ثلاثة الاول باعتبار قدرته تعالى فان من قدر على انشاء هذه الافعال البديعة من غير مثال يحتذيه وقانون ينتحيه كان على الاعادة اقدر وأقوى والثانى باعتبار علمه وحكمته فان من ابدع هذه المصنوعات على نمط رآئق مستتبع لغايات جليلة ومنافع جملية عائدة على الخلق يستحيل ان يفنيها بالكلية ولا يجعل لها عاقبة باقية والثالث باعتبار نفس الفعل فان اليقظة بعد النوم انموذج للبعث بعد الموت يشاهدونها كل يوم وكذا اخراج الحب والنبات من الارض الميتة يعاينونه كل حين كأنه قيل ألم تفعل هذه الافعال الآفاقية والانفسية الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة للايمان به فما لكم تخوضون فيه انكارا وتتساءلون عنه استهزآء وفى التأويلات النجمية وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا اى من سموات الارواح بتحريك نفحات الالطاف مياه العلوم الذاتية والحكم الربانية صباصبا لنخرج به حبا ونباتا اى انزلنا من سحائب سموات ارواحكم على ارض قلوبكم ماء العلوم والحكم لنخرج به حب المحبة الذاتية ونبت الشوق والاشتياق والود والانزعاج والعشق وامثالها وجنات ألفافا جنة المحبة وجنة المودة وجنة العشق ملتف بعضها ببعض.

النبأ 78:17

{ ان يوم الفصل } اى فصل الله بين الخلائق وبين السعدآء والاشقياء باعتبار تفاوت الهيئات والصور والاخلاف والاعمال وتناسبها { كان } فى علمه وتقديره الازلى والا فثبوت الميقاتية ليوم الفصل غير مقيد بالزمان الماضى لانه امر مقرر قبل حدوث الزمان ايضا { ميقاتا } وميعادا لبعث الاولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزآء ثوابا وعقابا لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر فالميقات وهو الوقت الموقت اى المعين اخص من مطلق الوقت فهو هنا زمان مقيد بكونه وقت ظهور ما وعد الله من البعث والجزآء.

النبأ 78:18

{ يوم ينفخ فى الصور } بدل من يوم الفصل او عطف بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله ولا ضير فى تأخر الفصل عن النفخ فانه زمان ممتد يقع فى مبدئه النفخة وفى بقيته الفصل ومباديه وآثاره والنفخ نفخ الريح فى الشئ ومنه نفخ الروح فى النشأة الاولى كما قال ونفخت فيه من روحى ويقال انتفخ بطنه ومنه استعير انتفخ النهار اذا ارتفع ورجل منفوخ اى سمين والصور القرن النورانى والنافخ فيه اسرافيل عليه السلام والمعنى يوم ينفخ فى الصور نفخة ثانية للبعث حتى تتصل الارواح بالاجساد وترجع بها الى الحياة { فتأتون } خطاب عام والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليه وايذانا بغاية سرعة الاتيان كما فى قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانلفلق اى فتبثعون من قبوركم فتأتون الى الموقف عقيب ذلك من غير لبث اصلا { افواجا } جمع فوج وهو جماعة من الناس فى المفردات الجماعة المارة المسرعة اى حال كونكم امما كل امة مع امامها كما فى قوله تعالى يوم ندعو كل اناس بأمامهم او زمرا وجماعات مختلفة الاحوال متباينة الاوضاع حسب اختلاف اعمالهم وتباينها عن معاذ رضى الله عنه انه سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام " يا معاذ سألت عن امر عظيم من الامور " ثم ارسل عينية وقال " تحشر عشرة اصناف من امتى بعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون ارجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها " يعنى نكونساران كه ايشانرا بروى بدوزخ ميكشند. " وبعضهم عمى وبعضهم صم بكم وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهى مدلاة على صدورهم يسيل القيح من افواههم يتقذرهم اهل الجمع وبعضهم مقطعة ايديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار " يعنى بردارهاى آتشين آويخته. " وبعضهم اشد نتنا من الجيف وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم فاما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس " وهو بالضم جمع قات بالتشديد بمعنى النمام يعنى سخن يحين حكى ان رجلا باع عبدا وقال للمشترى ما فيه عيب الا النميمة فقال رضيت فاشتراه فمكث الغلام اياما ثم قال لزوجة مولاه ان زوجك لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذى الموسى واحلقى من قفاه حين ينام شعرات حتى اسحر عليك فيحبك ثم قال للزوج ان امرأتك أخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف فتناوم فجاءت المرأة بالموس فظن انها تقتله فقام فقتلها فجاء اهل المرأة فقتلوا الزوج فوقع القتال بين القبيلتين وطال الامر " واما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت اى الحرام لانه يسحت الدين والمروءة اى يستأصل واما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا والتنكيس تعكيس هيئة القيام على الرجل بأن يجعل الرجل اعلى والرأس أسفل " وبالفارسية نكو نسار كردن. " واما العمى فالذين يجورون فى الحكم واما البكم فالمعجبون باعمالهم واما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم اعمالهم واما الذين قطعت ايديهم وارجلهم فهم الذين يؤذون جيرانهم واما المصلبون على جذوع من النار فالسعادة بين الناس الى السلطان " يعنى غمازان وسعايت كنندكان بسلاطين وملوك. " واما الذين هم اشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله فى اموالهم واما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " جمع جبة وهو ثوب معروف وفى الحديث نشر على ترتيب اللف وبيان المناسبة بين معاصيهم وبين الصور التى يحشرون عليها يطلب من علم التعبير ثم انه فصل هيئات اهل المعاصى مع الاسباب المؤدية اليها لانه اهم اذ التخلية قبل التحلية واكتفى بالاشارة الاجمالية الى هيئات الصالحين بقوله من امتى بمن التبعيضية والحاصل انه كما ان الاشقياء يحشرون على صور اعمالهم القبيحة كذلك السعدآء يحشرون على صور اعمالهم الحسنة حتى يكون وجوه بعضهم كالقمر ليلة البدر او كالشمس على ما جاء فى صحيح الروايات وقال بعضم المراد امة الدعوة فتعم اصناف الكفرة والمؤمنين لا امة الاجابة والا فالخوف على المؤمنين ايضا فى نهاية المرتبة. يقول الفقير الظاهر الثانى وهو ان المراد من الامة الاشقياء من اهل الاجابة دل عليه ارساله عليه السلام عينيه حين البيان وكذا بيان اصناف الاعمال من غير ادخال الكفر فيها اذ صور الكفرة اقبح مما ذكر فى الحديث على ما ذكر فى الاخبار الصحيحة ثم الحديث ذكره الثعلبى ونحوه فى التفاسير وقبله الطرفين ولا عبرة بما ذهب اليه ابن حجر من انه ظاهر الوضع فانه من الجهل بحقيقة الامر اذ يوم القيامة يوم ظهور الصفات كما دل عليه قوله تعالى يوم تبلى السرآئر ولا شك ان لكل صفة صورة مناسبة لها حسنة او قبيحة ولم ينكره احد من العقلاء على انا وان سلمنا ان لفظ الحديث موضوع فمعناه صحيح مؤيد بالاخبار الصحيحة فيا أيها المؤمن لا تكن قاسى القلب كالحجر وكن ممن يتفجر من قلبه انهار الفيوض وينابيع الحكم واجتهد أن لا تكون ممن قيل فيه حفظت شيأ وغابت عنك اشياء فمن عباد الله المخلصين من يأخذ من الله بلا واسط الكتاب واسناده فانه مرتبة باقية الى يوم القيامة قل من وضع قدمه عليها فلذا كثر الانكار وأكب الناس على الرسوم والظواهر من غير اطلاع على الحقائق والبواطن نسأل الله تعالى أن يجعلنا من اهل معرفته.

النبأ 78:19

{ وفتحت السماء } عطف على ينفخ بمعنى تفتح وصيغة الماضى للدلالة على التحقق اى شقت وصدعت من هبة الله بعد أن كان لا فطور فيها وبالفارسية وشكافته شود آسمان دران روز { فكانت } بس باشد ازبسارى شكاف { ابوابا } ذات ابواب كثيرة لنزول الملائكة نزولا غير معتاد وهو المراد بقوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام وهو الغمام الذى ذكر فى قوله تعالى هل ينتظرون الا أن يأتيهم الله اى امره وبأسه فى ظلل من الغمام والملائكة وقيل المراد من الفتح الكشف بازالتها من مكانها كما قال تعالى واذا السماء كشطت ومن الابواب الطرق والمسالك اى تكشط فتصير مكانها طرقا لا يسدها شئ.

النبأ 78:20

{ وسيرت الجبال } المسير هو الله تعالى كما قال ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة اى وسيرت الجبال فى الجو بتسيير الله وتسخيره على هيئاتها بعد قلعها عن مقرها وبالفارسية ورانده شود كوهها درهوا. وذلك عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها فى الهوآء وذلك قوله تعالى { فكانت سرابا } السراب ما تراه نصف النهار كأنه ماء قال الراغب هو اللامع فى المفازة كالماء لا نسرابه فى مرأى العين اى ذهابه وجريانه وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة اى فصارت بتسييرها مثل السراب اى شيأ كلا شئ لتفرق اجزائها وانبثات جواهرها كقوله تعالى وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا اى غبارا منتشرا وهى وان اندكت وانصدعت عند النفخة الاولى لكن تسييرها كالسحاب وتسوية الارض انما يكونان بعد النفخة الثانية قيل اول احوال الجبال الاندكاك والانكسار كما قال تعالى وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة وحالتها الثانية أن تصير كالعهن المنفوش وحالتها الثالثة أن تصير كالهباء وذلك بأن تنقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن كما قال فكانت هباء منبثا وحالتها الرابعة أن تنسف وتقلع من اصولها لانها مع الاحوال المتقدمة غارة فى مواضعها والارض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بارسال الرياح عليها وهو المراد من قوله فقل ينسفها ربى نسفا حالتها الخامسة ان الرياح ترفعها عن وجه الارض فتطيرها فى الهوآء كأنها غبار وهو المراد بقوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب اى تراها فى رأى العين ساكنة فى اماكنها والحال انها تمر مر السحاب التى تسيرها الرياح سيرا حثيثا وذلك ان الاجرام اذا تحركت نحوا من الانحاء لا تكاد تتبين حركتها وان كانت فى غاية السرعة لا سيما من بعيد والحالة السادسة أن تصير سرابا يقول الفقير فيه اشارة الى ازالة انانية النفوس وتعيناتها فانها عند القيامة الكبرى التى هى عبارة عن الفناء فى الله تصير سرابا حتى اذا جئتها لم تجدها شيأ ولكن العوام المحجوبون اذا رأوا اهل الفناء يأكلون مما يأكلون منه ويشربون مما يشربون منه يظنون ان نفوسهم باقية لبقاء نفوسهم لكنهم يظنون بهم الظن السواء اذ بينهم وبينهم بون بعيد قطعا وفاروق عظيم جدا لانهم ازالت رياح العناية والتوفيق جبال نفوسهم عن مقار أرض البشرية وجعلها الله متلاشية وفتحت سماء ارواحهم فكانت ابوابا كباب السر والخفى والأخفى فدخلوا من هذه الابواب الى مقام او أدنى فكانوا مع الحق حيث كان الحق معهم ثم نزلوا من هذه الابواب العالية الحقيقة الناظرة الى عالم الولاية فدخلوا فى ابواب العقل والقلب والمتخيلة والمفكرة والحافظة والذاكرة فكانوا فى مقام قاب قوسين مع الخلق حيث كان الخلق معهم فلم يحتجبوا بالخلق عن الحق الذى هو جانب الولاية ولا بالحق عن الخلق الذى هو جانب النبوة فكانوا فى الظاهر مصداق قوله تعالى يوحى الى فأين المحجوبون عن مقامهم وانى لهم ادراك شأنهم وحقيقة امرهم.

النبأ 78:21

{ ان جهنم كانت مرصادا } اى انها كانت فى حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه ويرقب خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها فالمرصاد اسم للمكان الذى يرصد فيه كالنهاج اسم للمكان الذى ينهج فيه اى بسلك قال الراغب المرصاد موضع الرصد كالمرصد لكن يقال للمكان الذى اختص بالترصد وقوله { ان جهنم كانت مرصاد } ا تنبيه على ان عليها مجاز الناس انتهى كأنه عمم المرصاد حيث ان الصراط محبس للاعدآء وممر للاولياء والاول اولى لان الترصد فى مثل ذلك المكان الهائل انما هو للتعذيب وهو للكفار والاشقياء.

النبأ 78:22

{ للطاغين } متعلق بمضمر هو اما نعت لمرصادا اى كائنا للطاغين وقوله تعالى { مأبا } بدل منه اى مرجعا يرجعون اليه لا محالة واما حال من مأبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له قالوا الطاغى من طغى فى دينه بالكفر وفى دنياه بالظلم وهو فى اللغة من جاوز الحد فى العصيان والمراد هنا المشركون لما دل عليه ما بعده من الآيات وعدلهم لا يتناهى لكون اعتقادهم باطلا وكذا اذا لم يعتقدوا شيأ اصلا وان كان الاعتقاد صحيحا كالمؤمن العاصى فعذابه متناه.

النبأ 78:23

{ لابثين فيها } حال مقدرة من المستكن فى للطاغين اى مقدرين اللبث فيها واللبث أن يستقر فى المكان ولا يكاد ينفك عنه يقال لبث بالمكان أقام به ملازما له { احقابا } ظرف للبثهم وهو جمع حقب وهو ثمانون سنة او اكثروا لدهر والسنة أو السنون كما فى القاموس وأصل الحقب من الترادف والتتابع يقال أحقب اذا أردف ومنه الحقيبة وهى الرفادة فى مؤخر القتب وكل ما شد فى مؤخر رحل او قتب فقد احتقب والمحقب المردف وفى تاج المصادر الاحقاب در حقيبه نهادن. ومنه الحديث فأحقبها على ناقة اى أردفها على حقيبة الرحل والارداف ازبى فراشدن وازبى كسى در نشتن ودر نشاندن فمعنى احقابا دهورا متتابعة كلما مضى حقب تبعه آخر الى غير نهاية فان الحقب لا يكاد يستعمل الا لا يراد تتابع الازمنة وتواليها كما قال ابو الليث انما ذكر أحقابا لان ذلك كان ابعد شئ عندهم فذكر وتكلم بما يذهب اليه اوهامهم ويعرفونها وهو كناية عن التأبيد اى يمكثون فيها ابدا انتهى دل عليه ان عمر رضى الله عنه سأل رجلا من هجر عن الاحقاب فقال ثمانون سنة كل يوم منها الف سنة انتهى فانهم انما يريدون بمثله التأبيد وكذا ما قال مجاهد ان الاحقاب ثلاثة واربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة من ايام الدنيا كما روى ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم وكذا لوأريد بالحب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها ألف سنة كما روى عن الحسن البصرى رحمه الله وقال الراغب والصحيح ان الحقبة مدة من الزمان مبهمة اى لا ثمانون عاما وكذا قال فى القاموس الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها انتهى والحاصل ان الاحقاب يدل على التناهى فهو وان كان جمع قلة لكنه بمنزلة جمع كثرة وهو الحقوب او بمنزلة الاحقاب المعرف بلام الاستغراق ولو كان فيه ما يدل على خروجهم منها فدلالته من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار كقوله تعالى يريدون ان يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم لان المنطوق راجح على المفهوم فلا يعارضه وقال ابو حيان المدة منسوخة بقوله فلن نزيدكم الا عذابا انتهى وسيأتى وجوه اخر.

النبأ 78:24

{ لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا الا حميما وغساقا } جملة مبتدأة ومعنى لا يذوقون لا يحسون والا فأصل الذوق وجود الطعم و قال الكاشفى يعنى نمى نمايند الا ان يكون ذلك باعتبار الشراب والذوق فى التعارف وان كان للقليل فهو صالح للكثير لوجود الذوق فى الكثير ايضا والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار والا فهم يذوقون فى جهنم برد الزمهرير اى بردا ينتفعون به ويميلون اليه فتنكيره للنوعية قال قتادة كنى بالبرد عن الروح لما بالعرب من الحر حتى قالوا برد الله عيشك اى طيبه اعتبارا بما يجد الانسان من اللذة فى الحر من البرد وقال الراغب اصل البرد خلاف الحرارة وبرد كذا اذا ثبت ثبوت البرد واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الحركة بالحر وبرد الانسان مات وبرده قتله ومنه السيوف البوارد وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح او لما عرض له من السكون وقولهم للنوم برد اما لما يعرض له من البرد فى ظاهر جلده لان النوم يبرد صاحبه ألا ترى ان العطشان اذا نام سكن عطشه او لما يعرض له من السكون وقد علم ان النوم من جنس الموت وقوله تعالى لا يذوقون فيها بردا اى نوما حتى يستريحوا وبالفارسية تا آسايش يا بند وبرودت كسب كنند انتهى بزيادة والمراد بالشراب ما يسكن عطشهم والا بمعنى لكن والحميم الماء الحار الذى انتهى حره. وآن آبيست كه جون نزديك روى آرند كوشت روى دران رزيد وجون بخورد امعا واحشا باره باره شود. والغساق ما يغسق اى يسيل من جلود اهل النار ويقطر من صديدهم وقيحهم اخبر الله تعالى عن الطاغين بأنهم لا يذوقون فى جهنم شيأ ما من برد وروح ينفس عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا فالاستثناء منقطع وقال الزجاج لا يذوقون فيها برد ريح ولا برد ظل ولا برد نوم فجعل البرد برد كل شئ له راحة فيكون قوله ولا شرابا بمعنى ولا ماء باردا تخصيصا بعد التعميم لكماله فى الترويح فيكون مجموع البرد والشراب بمعنى المروح فيكون قوله الا حميما وغساقا مستثنى منقطعا من البرد والشراب وان فسر الغساق بالزمهرير فاستثناؤه من البرد فقط دون الشراب لان الزمهرير ليس بما يشرب كما ان استثناء حميما من الشراب والتأخير لتوافق رؤوس الآى ويؤيد الاول قوله عليه السلام " لو أن دلوا من غساق يهراق فى الدنيا لانتن اهل الدنيا " وان فسر بما يسيل من صديدهم فالاستثناء من الشراب وعن ابن مسعود رضى الله عنه الغساق لون من ألوان العذاب وهو البرد الشديد حتى ان اهل النار اذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم فى النار ألف سنة لما رأوه أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا وقال شهرين حوشب الغساق واد فى النار فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا فى كل شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتا فى كل بيت اربع زوايا فى كل زاوية شجاع كأعظم ما خلق الله من الخلق فى رأس كل شجاع سم والشجاع الحية هذا وقد جوز بعضهم أن يكون لا يذوقون حالا من المنوى فى لابثين لا كلاما مستأنفا اى لابثين فيها احقابا غير ذآئقين فيها شيأ سواهما ثم يبدلون بعد الاحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب فيكون حالا متداخلة ويكون قوله احقابا ظرف لابثين المقيد بمضمون لا يذوقون وانتهاء هذا المقيد لا يستلزم انتهاء مطلق اللبث فهو توقيت للعذاب لا للمكث فى النار عن ابن مسعود رضى الله عنه لو علم اهل النار انهم يلبثون فى النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم اهل الجنة انهم يلبثون فى الجنة عدد حضى الدنيا لحزنوا وايضا يجوز ان يكون احقابا ظرفا منصوبا بلا يذوقون على قول من يرى تقديم معمول ما بعد لا عليها لا ظرفا لقوله لابثين فحينئذ لا يكون فيه دلالة على تناهى اللبث والخروج حيث لم يكون احقابا ظرف اللبث وايضا يجوز أن يكون أحقابا ليس بظرف اصلا بل هو حال من الضمير المستكن فى لابثين بمعنى حقبين اى نكدين محرومين من الخير والبركة فى السكون والحركة على أن يكون جمع حقب بفتح الحاء وكسر القاف من حقب الرجل اذا حرم الرزق وحقب العام اذا قل خيره ومطره وقوله لا يذوقون فيها بردا تفسير لكدهم ولا يتوهم حينئذ تناهى مدة لبثهم فيها حتى يحتاج الى التوجيه هذا ما قالوه فى هذا المقام وروى عن عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنه انه قال سيأتى على جهنم يوم تصفق ابوابها اى يضرب بعضها بعضا وقد اسندت هذه الرواية الى ابن مسعود رضى الله عنه كما فى العرآئس ويروى عنه انه قال ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها احد وذلك بعد ما يلبثون فيها احقابا وفى العرآئس ايضا وقال الشعبى جهنم اسرع الدارين عمر انا واسرعهما خرابا وفى الحديث الصحيح ينبت الجرجير فى قعر جهنم اى لانطفاء النار وارتفاع العذاب بمقتضى قوله سبقت رحمتى على غضبى كما فى شرح الفصوص لداود القيصرى والجرجير بالكسر بقلة معروفة كما فى القاموس وقال المولى الجامى رحمه الله فى شرح الفصوص ايضا اعلم ان لاهل النار الخالدين فيها كما يظهر فى كلام الشيخ رضى الله عنه وتابعيه حالات ثلاثا الاولى انهم اذا دخلوها تسلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب او أن يقضى عليهم او أن يرجعوا الى الدنيا فلم يجابوا الى طلباتهم والثانية انهم اذا لم يجابوا الى طلباتهم وظنوا انفسهم على العذاب فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة والثالثة انهم بعد مضى الاحقاب ألفوا العذاب وتعودوا به ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وان عظم الى أن آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل وتأذيه برآئحة الورد عافانا الله وجميع المسلمين من ذلك والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة تكون بالروث والجمع جعلان بالكسر وقال المولى رمضان والمولى صالح الدين فى شرح العقائد قال بعض الاسلاميين كل ما اخبر الله فى القرءآن من خلود أهل الدارين حق لكن اذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ونودى اهلهما بالخلود فيما ايس اهل النار من الخلاص فاعتادوا بالعذاب فلم يتألموا به حتى آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ولو هب عليهم نسيم الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد فيصدق حينئذ قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا على عمومه لارتفاع العذاب عنهم ويصدق ايضا قوله تعالى لا يخفف عنهم العذاب لان المراد العذاب المقدر لهم وقال بعض الا كامل فكما اذا استقر اهل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون به دآئما ابدا ويختفى جلال الجمال واثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك اذا استقر اهل دار الجلال فيها بعد مرور الاحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به أبدا ويختفى عنهم اثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن ليس ذلك الا بعد انقطاع حراق النار بواطنهم وظواهرهم بمرور الاحقاب وكل منهم تحرقه النار ألف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من ايام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الاحقاب هو الحال الذى يدوم عليهم أبدا وهو الحال الذى كانوا عليه فى الازل وما بينهما ابتلاآت رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون عفانا الله واياكم من دار البوار انتهى فهذه كلمات القوم فى هذه الآية ولا حرج فى نقلها ونحن لا نشك فى خلود الكفار وعذابهم أبدا فان كان لهم العذاب عذابا بعد مرور الاحقاب فقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون كما ان المعتزلى يقطع فى الدنيا بوجوب العذاب لغير التائب ثم قد يبدوله فى الآخرة ما لم يكن يحتسبه من العفو وسئل الشيخ الامام مفتى الانام عز الدين ابن عبد السلام بعد موته فى منام رآه السائل ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قرآءة القرءآن للموتى فقال هيهات وجدت الامر بخلاف ما كنت اظن قالوا خلود اهل النار من الكفار لا معارض له فبقى على عمومه وخلود أهل الكبائر له معارض فيحمل على المكث الطويل فاهل الظاهر والباطن متفقون على خلود الكفار سوآء كانوا فرعون وهامان ونمرودا وغيرهم وانما اختلفوا فى ارتفاع العذاب عن ظواهرهم بعد مرور الاحقاب وكل تأول بمبلغ علمه والنص احق ان يتبع قال حجة الاسلام الكفرة ثلاث فرق منهم من بلغه اسم نبينا عليه السلام وصفته ودعوته كالمجاورين فى دار الاسلام فهم الخالدون لا عذر لهم ومنهم من بلغه الاسم دون الصفة وسمع ان كذابا مسلما اسمه محمد ادعى النبوة ومنهم من لم يبلغه اسمه ولا رسمه وكل من هاتين الفرقتين معذور فى الكفر ونقل مثله عن الاشعرى كذا فى شرح العقائد لمصلح الدين وقال المولى داود القيصرى فى شرح الفصوص الوعيد هو العذاب الذى يتعلق بالاسم المنتقم وتظهر احكامه فى خمس طوآئف لا غير لان اهل النار اما مشرك أو كافر او منافق او عاص من المؤمنين وهو يقسم الى الموحد العارف الغير العامل والمحجوب وعند تسلط سلطان المنتقم عليهم يتعذبون بنيران الجحيم وانواع العذاب غير مخلدة على اهله لانقطاعه بشفاعة الشافعين وآخر من يشفع وهو أرحم الراحمين.

النبأ 78:25

{ لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا الا حميما وغساقا } جملة مبتدأة ومعنى لا يذوقون لا يحسون والا فأصل الذوق وجود الطعم و قال الكاشفى يعنى نمى نمايند الا ان يكون ذلك باعتبار الشراب والذوق فى التعارف وان كان للقليل فهو صالح للكثير لوجود الذوق فى الكثير ايضا والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار والا فهم يذوقون فى جهنم برد الزمهرير اى بردا ينتفعون به ويميلون اليه فتنكيره للنوعية قال قتادة كنى بالبرد عن الروح لما بالعرب من الحر حتى قالوا برد الله عيشك اى طيبه اعتبارا بما يجد الانسان من اللذة فى الحر من البرد وقال الراغب اصل البرد خلاف الحرارة وبرد كذا اذا ثبت ثبوت البرد واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الحركة بالحر وبرد الانسان مات وبرده قتله ومنه السيوف البوارد وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح او لما عرض له من السكون وقولهم للنوم برد اما لما يعرض له من البرد فى ظاهر جلده لان النوم يبرد صاحبه ألا ترى ان العطشان اذا نام سكن عطشه او لما يعرض له من السكون وقد علم ان النوم من جنس الموت وقوله تعالى لا يذوقون فيها بردا اى نوما حتى يستريحوا وبالفارسية تا آسايش يا بند وبرودت كسب كنند انتهى بزيادة والمراد بالشراب ما يسكن عطشهم والا بمعنى لكن والحميم الماء الحار الذى انتهى حره. وآن آبيست كه جون نزديك روى آرند كوشت روى دران رزيد وجون بخورد امعا واحشا باره باره شود. والغساق ما يغسق اى يسيل من جلود اهل النار ويقطر من صديدهم وقيحهم اخبر الله تعالى عن الطاغين بأنهم لا يذوقون فى جهنم شيأ ما من برد وروح ينفس عنهم حر النار ولا من شراب يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا فالاستثناء منقطع وقال الزجاج لا يذوقون فيها برد ريح ولا برد ظل ولا برد نوم فجعل البرد برد كل شئ له راحة فيكون قوله ولا شرابا بمعنى ولا ماء باردا تخصيصا بعد التعميم لكماله فى الترويح فيكون مجموع البرد والشراب بمعنى المروح فيكون قوله الا حميما وغساقا مستثنى منقطعا من البرد والشراب وان فسر الغساق بالزمهرير فاستثناؤه من البرد فقط دون الشراب لان الزمهرير ليس بما يشرب كما ان استثناء حميما من الشراب والتأخير لتوافق رؤوس الآى ويؤيد الاول قوله عليه السلام " لو أن دلوا من غساق يهراق فى الدنيا لانتن اهل الدنيا " وان فسر بما يسيل من صديدهم فالاستثناء من الشراب وعن ابن مسعود رضى الله عنه الغساق لون من ألوان العذاب وهو البرد الشديد حتى ان اهل النار اذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم فى النار ألف سنة لما رأوه أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا وقال شهرين حوشب الغساق واد فى النار فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا فى كل شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتا فى كل بيت اربع زوايا فى كل زاوية شجاع كأعظم ما خلق الله من الخلق فى رأس كل شجاع سم والشجاع الحية هذا وقد جوز بعضهم أن يكون لا يذوقون حالا من المنوى فى لابثين لا كلاما مستأنفا اى لابثين فيها احقابا غير ذآئقين فيها شيأ سواهما ثم يبدلون بعد الاحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب فيكون حالا متداخلة ويكون قوله احقابا ظرف لابثين المقيد بمضمون لا يذوقون وانتهاء هذا المقيد لا يستلزم انتهاء مطلق اللبث فهو توقيت للعذاب لا للمكث فى النار عن ابن مسعود رضى الله عنه لو علم اهل النار انهم يلبثون فى النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم اهل الجنة انهم يلبثون فى الجنة عدد حضى الدنيا لحزنوا وايضا يجوز ان يكون احقابا ظرفا منصوبا بلا يذوقون على قول من يرى تقديم معمول ما بعد لا عليها لا ظرفا لقوله لابثين فحينئذ لا يكون فيه دلالة على تناهى اللبث والخروج حيث لم يكون احقابا ظرف اللبث وايضا يجوز أن يكون أحقابا ليس بظرف اصلا بل هو حال من الضمير المستكن فى لابثين بمعنى حقبين اى نكدين محرومين من الخير والبركة فى السكون والحركة على أن يكون جمع حقب بفتح الحاء وكسر القاف من حقب الرجل اذا حرم الرزق وحقب العام اذا قل خيره ومطره وقوله لا يذوقون فيها بردا تفسير لكدهم ولا يتوهم حينئذ تناهى مدة لبثهم فيها حتى يحتاج الى التوجيه هذا ما قالوه فى هذا المقام وروى عن عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنه انه قال سيأتى على جهنم يوم تصفق ابوابها اى يضرب بعضها بعضا وقد اسندت هذه الرواية الى ابن مسعود رضى الله عنه كما فى العرآئس ويروى عنه انه قال ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها احد وذلك بعد ما يلبثون فيها احقابا وفى العرآئس ايضا وقال الشعبى جهنم اسرع الدارين عمر انا واسرعهما خرابا وفى الحديث الصحيح ينبت الجرجير فى قعر جهنم اى لانطفاء النار وارتفاع العذاب بمقتضى قوله سبقت رحمتى على غضبى كما فى شرح الفصوص لداود القيصرى والجرجير بالكسر بقلة معروفة كما فى القاموس وقال المولى الجامى رحمه الله فى شرح الفصوص ايضا اعلم ان لاهل النار الخالدين فيها كما يظهر فى كلام الشيخ رضى الله عنه وتابعيه حالات ثلاثا الاولى انهم اذا دخلوها تسلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب او أن يقضى عليهم او أن يرجعوا الى الدنيا فلم يجابوا الى طلباتهم والثانية انهم اذا لم يجابوا الى طلباتهم وظنوا انفسهم على العذاب فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة والثالثة انهم بعد مضى الاحقاب ألفوا العذاب وتعودوا به ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وان عظم الى أن آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل وتأذيه برآئحة الورد عافانا الله وجميع المسلمين من ذلك والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة تكون بالروث والجمع جعلان بالكسر وقال المولى رمضان والمولى صالح الدين فى شرح العقائد قال بعض الاسلاميين كل ما اخبر الله فى القرءآن من خلود أهل الدارين حق لكن اذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ونودى اهلهما بالخلود فيما ايس اهل النار من الخلاص فاعتادوا بالعذاب فلم يتألموا به حتى آل أمرهم الى أن يتلذذوا به ولو هب عليهم نسيم الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد فيصدق حينئذ قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا على عمومه لارتفاع العذاب عنهم ويصدق ايضا قوله تعالى لا يخفف عنهم العذاب لان المراد العذاب المقدر لهم وقال بعض الا كامل فكما اذا استقر اهل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون به دآئما ابدا ويختفى جلال الجمال واثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك اذا استقر اهل دار الجلال فيها بعد مرور الاحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به أبدا ويختفى عنهم اثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن ليس ذلك الا بعد انقطاع حراق النار بواطنهم وظواهرهم بمرور الاحقاب وكل منهم تحرقه النار ألف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من ايام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الاحقاب هو الحال الذى يدوم عليهم أبدا وهو الحال الذى كانوا عليه فى الازل وما بينهما ابتلاآت رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون عفانا الله واياكم من دار البوار انتهى فهذه كلمات القوم فى هذه الآية ولا حرج فى نقلها ونحن لا نشك فى خلود الكفار وعذابهم أبدا فان كان لهم العذاب عذابا بعد مرور الاحقاب فقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون كما ان المعتزلى يقطع فى الدنيا بوجوب العذاب لغير التائب ثم قد يبدوله فى الآخرة ما لم يكن يحتسبه من العفو وسئل الشيخ الامام مفتى الانام عز الدين ابن عبد السلام بعد موته فى منام رآه السائل ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قرآءة القرءآن للموتى فقال هيهات وجدت الامر بخلاف ما كنت اظن قالوا خلود اهل النار من الكفار لا معارض له فبقى على عمومه وخلود أهل الكبائر له معارض فيحمل على المكث الطويل فاهل الظاهر والباطن متفقون على خلود الكفار سوآء كانوا فرعون وهامان ونمرودا وغيرهم وانما اختلفوا فى ارتفاع العذاب عن ظواهرهم بعد مرور الاحقاب وكل تأول بمبلغ علمه والنص احق ان يتبع قال حجة الاسلام الكفرة ثلاث فرق منهم من بلغه اسم نبينا عليه السلام وصفته ودعوته كالمجاورين فى دار الاسلام فهم الخالدون لا عذر لهم ومنهم من بلغه الاسم دون الصفة وسمع ان كذابا مسلما اسمه محمد ادعى النبوة ومنهم من لم يبلغه اسمه ولا رسمه وكل من هاتين الفرقتين معذور فى الكفر ونقل مثله عن الاشعرى كذا فى شرح العقائد لمصلح الدين وقال المولى داود القيصرى فى شرح الفصوص الوعيد هو العذاب الذى يتعلق بالاسم المنتقم وتظهر احكامه فى خمس طوآئف لا غير لان اهل النار اما مشرك أو كافر او منافق او عاص من المؤمنين وهو يقسم الى الموحد العارف الغير العامل والمحجوب وعند تسلط سلطان المنتقم عليهم يتعذبون بنيران الجحيم وانواع العذاب غير مخلدة على اهله لانقطاعه بشفاعة الشافعين وآخر من يشفع وهو أرحم الراحمين.

النبأ 78:26

{ جزآء وفاقا } اى جوزوا بذلك جزآء وفاقا لاعمالهم واخلاقهم كأنه نفس الوفاق مبالغة او ذا وفاق لها على حذف المضاف او وافقها وفاقا فيكون وفاقا مصدرا مؤكدا لفعله كجزآء والجملة صفة لجزآء وجه الموافقة بينهما انهم اتوا بمعصية عظيمة وهى الكفر فعوقبوا عقابا عظيما وهو التعذيب بالنار فكما انه لا ذنب اعظم من الشرك فكذا لاجزآء اقوى من التعذيب بالنار وجزآء سيئة سيئة مثلها فتوافقا وقيل كان وفاقا حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ولم ينقص عنه قال سعدى المفتى اعلم ان الكفار لما كان من نيتهم الاستمرار على الكفر كما سيشير اليه قوله تعالى انهم كانوا لا يرجون حسابا اذ معناه انهم كانوا مستمرين على الكفر مع عدم توقع الحساب فوافقه عدم تناهى العذاب واللبث فيها احقابا بعد احقاب ولما كانوا مبدلين التصديق الذى يروح النفس ويثلج به الصدر بالتكذيب الذى هو ضده جوزوا بالحميم والغساق بدل ما يجعل للمؤمنين مما يروحهم من برد الجنة وشرابها وللمناسبة بين الماء والعلم يعبر الماء فى الرؤيا بالعلم وقال بعض اهل الحقائق ان جهنم الطبيعة الحيوانية يرصد فيها القوى البشرية وهى خزنة جهنم طبيعة ارباب النفوس الامارة والهوى المتبع للظالمين على نفوسهم بالاهوية والبدع والاباحة والزندقة والاتحاد والحلول والفضول مآبا لابثين فيها احقابا الى وقت الانسلاخ عن حكم البشرية والتلبس ملابس الشريعة وخلع الطريقة والحقيقة لا يذوقون فيها برد اليقين برفع الحجاب عن وجه بشريتهم ولا شراب المحبة لانهماكهم فى محبة الدنيا بسبب جهنم الطبيعة الا حميما وغساقا يسيل من صديد طبيعتهم وقال القاشانى الا حميما من اثر الجهل المركب وغساقا من ظلمة هيئات محبة الجواهر الفاسفة والميل اليها جزآء موافقا لما ارتكبوه من الاعمال وقدموه من العقائد والاخلاق وذلك العذاب لفساد العمل والعلم فلم يعملوا صالحا رجاء الجزآء ولم يعلموا علما صالحا فيصدقوا بالآيات.

النبأ 78:27

{ انهم كانوا لا يرجون حسابا } تعليل لاستحقاقهم الجزآء المذكور وبيان لفساد قوتهم العملية اى كانوا ينكرون الآخرة ولا يخافون ان يحاسبوا باعمالهم فلذا كانوا يقدمون على جميع المنكرات ولا يرغبون فى شئ من الطاعات وفسر الرجاء بالخوف لان الحساب من اصعب الامور على الانسان والشئ الصعب لا يقال فيه انه يرجى بل يقال انه يخاف ويخشى.

النبأ 78:28

{ وكذبوا } بيان لفساد قوتهم النظرية { بآياتنا } الناطقة بذلك وفى بعض التفاسير بآياتنا القولية والفعلية الظاهرة على ألسنة الرسل وايديهم { كذابا } اى تكذيبا مفرطا ولذلك كانوا مصرين على الكفر وفنون المعاصى فعوقبوا بأهوال العقاب جزآء وفاقا وفعال من باب فعل شائع فيما بين الفصحاء مطرد مثل كلم كلاما قال صاحب الكشاف وسمعنى بعضهم افسر آية فقال لقد فسرتهافسارا ما سمع بمثله قال بعضهم وابدل من احد حرفى تضعيف بعض الاسماء ياء لئلا يلتبس بهذا المصدر المشدد مثل الدينار فان اصله الدنار ومثل السينات فى قول عمر بن عبد العزيز لكاتبه فى بسم الله طول الباء واظهر السينات ودور الميم فان اصله السنات جمع السن لا جمع السين لانه ليس فى البسملة الا سين واحدة ويجوز ان يقال عبر عن السن بالسين مبالغة كأنه قيل اجعل سنه كسينه فى الاظهار كما ذهب اليه الشريف.

النبأ 78:29

{ وكل شئ } اى واحصينا كل شئ من الاشياء التى من جملتها اعمالهم فانتصابه بمضمر يفسره قوله { احصيناه } اى حفظناه وضبطناه وذلك اى انتصابه بالاضمار على شريطة التفسير هو الراجح لتقدم جملة فعله ولا يضره كون هذه الجملة معترضة كما سيجئ او لان المقصود المهم هنا الاخبار عن الاحصاء لا الاخبار عن كل شئ { كتابا } مصدر مؤكد لاحصيناه من غير لفظه لما ان الاحصاء والكتابة من واد واحد أى يتشاركان فى معنى الضبط فكأنه قال وكل شئ احصيناه احصاء مساويا فى القوة والثبات بالعلم المقيد بالكتابة او كتبناه كتابا واثبتناه اثباتا ويجوز ان يكون من الاحتباك حذف فعل الثانى بقرينة الاول ومصدر الاول بقرينة الثانى اى احصيناه احصاء وكتبناه كتابا او هو اى كتابا حال بمعنى مكتوبا فى اللوح وفى صحف الحفظة والجملة اعتراض لتوكيد كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات بانهما محفوظان للمجازاة قال القاشانى وكل شئ من صور اعمالهم وهيئات عقائدهم ضبطناه ضبطا بالكتابة عليهم فى صحائف نفوسهم وصحائف النفوس السماوية.

النبأ 78:30

{ فذوقوا } بس بجشيد عذاب دوزخ { فلن نزيدكم الا عذابا } فوق عذابكم والفاء فى فذوقوا جزآئيه دالة على ان الامر بالذوق مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومعلل به فيكون وكل شئ الخ جملة معترضة بين السبب ومسببه تؤكد كل واحد من الطرفين لانه كما يدل على كون معاصيهم مضبوطة مكتوبة يدل على ان ما يتفرع عليها من العذاب كائن لا محالة مقدر على حسب استحقاقهم به وفى الالتفات المنبئ عن التشديد فى التهديد وايراد لن المفيدة لكون ترك الزيادة من قبيل ما لا يدخل تحت الصحة من الدلالة على تبالغ الغضب مالا يخفى وقد روى عن النبى صلى عليه السلام ان هذه الآية اشد ما فى القرءآن على اهل النار اى لان فيها الاياس من الخروج فكلما استغاثوا من نوع من العذاب اغيثوا بأشد منه فتكون كل مرتبة منه متناهية فى الشدة وان كانت مراتبة غير متناهية بحسب العدة والمدة وهذا لا يخالف قوله تعالى ولا يكلمهم الله لان المراد بالمنفى التكلم باللطف والاكرام لا بالقهر والجلال فان قيل هذه الزيادة ان كانت غيره مستحقة كانت ظلما وان كانت مستحقة كان تركها فى اول الامر احسانا والكريم لا يليق به الرجوع فى احسانه فالجواب انها مستحقة ودوامها زيادة لثقل العذاب وايضا ترك المستحق فى بعض الاوقات لا يوجب الابرآء والاسقاط حتى يكون ايقاعه بعده رجوعا فى الاحسان وايضا كانوا يزيدون كفرهم وتكذيبهم واذيتهم للرسول عليه السلام واصحابه رضى الله عنهم فيزيد الله عذابهم لزيادة الاستحقاق فلا ظلم فان قيل قوله فذوقوا الخ تكرار لانه ذكر سابقا انهم لا يذوقون الخ قلنا انه تكرار لزيادة المبالغة فى تقرير الدعوى وهو كون العاقب جزآء وفاقا.

النبأ 78:31

{ ان للمتقين مفازا } شروع فى بيان محاسن احوال المؤمنين اثر بيان سوء احوال الكفرة على ما هو العادة القرآءنية ووجه تقديم بيان حالهم غنى عن البيان اى ان للذين يتقون الكفر وسائر القبائح من اعمال الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم دل على هذا المعنى تفسيره بما بعده بقوله حدآئق الخ او موضع فوز فالمفاز على الاول مصدر ميمى وعلى الثانى اسم مكان فان قيل الخلاص من الهلاك اهم من الظفر باللذات فلم اهمل الاهم وذكر غير الاهم قلنا لان الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز بالنعيم لكونه حاصلا لاصحاب الاعراف مع انهم غير فائزين بالنعيم بخلاف الفوز بالنعيم فانه يستلزم الخلاص من هلاك فكان ذكره اولى.

النبأ 78:32

{ حدآئق واعنابا } اى بساتين فيها انواع الاشجار المثمرة وكروما وهو تخصيص بعد التعميم لفضلها قوله حدآئق بدل من مفازا بدل الاشتمال ان كان مصدرا ميميا لان الفوز يدل عليه دلالة التزامية او البعض ان جعل مكانا جمع حديقة وهى الروضة ذات الاشجار ويقال الحديقة كل بستان عليه حائط أى جدار وفيه من النخل والثمار وفى المفردات الحديقة قطعة من الارض ذات ماء سميت تشبيها بحدقة العين فى الهيئة وحصول الماء فيها والاعناب جمع عنب بالفارسية انكور. قال بعضهم ذكر نفسها ولم يذكر شجرها وهو الكرم لان زيادة الشرف فيها لا فى شجرها.

النبأ 78:33

{ وكواعب } جمع كاعب يقال كعبت المرأة كعوبا ظهر ثديها وارتفع ارتفاع الكعب اى نساء عذارى فلكت ثديهن اى استدارت وصارت كالكعب فى النتوء يقال فلك ثدى الجارية تفليكا اى استدار كلفكة المغزل ويقال لهن النواهد جمع ناهد وناهدة وهى المرأة كعب ثديها وبدا للارتفاع { اترابا } لدات اى مستويات فى السن ولدة الرجل تربه وقرينه فى السن والميلاد والهاء عوض عن الواو الذاهبة من اوله لانه من الولادة قال الراغب اى لدات ينشأن معا تشبيها فى التساوى والتماثل بالترآئب التى هى ضلوع الصدر ولوقعهن على الارض معا. در تفسير زاهدى آورده كه شانزده ساله باشند ومردان سى وسه ساله ودرا كثر تفاسير هست كه اهل بهشت اززنان ومردان سى وسه ساله خواهندبود. والظاهر ما فى تفسير الزاهدى وهو كونهن بنات ست عشرة لكونها نصف سن الرجال وايضا دل عليه الوصف بالكعوب وهو ارتفاع ثديهن والمراد انهن بالغات تمام كمال النساء فى الحسن واللطافة والصلاح للمصاحبة والمعاشرة بحيث لا يكون فى سن اصغر حتى تضعف الشهوة لهن ولا فى سن الكبر حتى تنكسر الشهوة عنهن بل روآء الشباب اى ماؤه جار فيهن لم يشبن ولم يتغير عن حد الحسن حسنهن وانما ذكرن لان بهن نظام الدنيا ولطافة الآخرة من جهة التنعم الجسمانى.

النبأ 78:34

{ وكأسا دهاقا } اى مملوءة بالخمر فدهاقا بمعنى مدهقة وصفت به الكأس للمبالغة فى امتلائها يقال ادهق الحوض ودهقه ملأه.

النبأ 78:35

{ لا يسمعون } اى المتقون { فيها } اى فى الحدآئق { لغوا ولا كذابا } اى لا ينطقون بلغو وهو ما يلغى ويطرح لعدم الفائدة فيه ولا يكذب بعضهم بعضا حتى يسمعوا شيأ من ذلك بخلاف حال اهل الدنيا فى مجالسهم لا سيما عند شربهم قال بعض اهل المعرفة لا يسمعون فيها كلاما الا من الحق فان من تحقق بالحق لا يسمعه الحق الا منه ولا يشهده سواه فى الدنيا والآخرة.

النبأ 78:36

{ جزآء من ربك } مصدر مؤكد منصوب بمعنى ان للمتقين مفازا فانه فى قوة ان يقال جازى المتقين بمفاز جزآء عظيما كائنا من ربك على ان التنوين للتعظيم { عطاء } اى تفضلا واحسانا منه تعالى اذ لا يجب عليه شئ وذلك ان الله تعالى جعل الشئ الواحد جزآء وعطاء وهو غير ظاهر لان كونه جزآء يستدعى ثبوت الاستحقاق وكونه عطاء يستدعى عدم الاستحقاق فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين لكن ذلك الاستحقاق انما يثبت بحكم الوعد لا من حيث ان الطاعة توجب الثواب على الله فذلك الثواب بالنظر الى وعده تعالى اياه بمقابلة الطاعة يكون جزآء وبالنظر الى انه لا يجب على الله لا حد شئ يكون تفضلا وعطاء وهذا بمقابلة قوله جزآء وفاقا لان جزآء المؤمنين من قبيل الفضل لتضاعفه وجزآء الكافرين من قبيل العدل وهو بدل من جزآء بدل الكل من الكل لان العطاء والجزآء متحدان ذاتا وان تغايرا فى المفهوم وفى جعله بدلا من جزآء نكته لطيفة وهى ان بيان كونه عطاء تفضلا منه هو المقصود وبيان كونه جزآء وسيلة اليه فان حق البدل ان يكون مقصودا بالنسبة وذكر المبدل منه وسيلة اليه { حسابا } صفة لعطاء بمعنى كافيا على انه مصدر اقيم مقام الوصف اى محسبا وقيل على حسب اعمالهم بأن يجازى كل عمل بما وعد له من الاضعاف من عشرة وسبعمائة وغير حساب فما وعده الله من المضاعفة داخل فى الحسب اى المقدار لان الحسب بفتح السين وسكونها بمعنى القدر والتقدير على هذا عطاء بحساب فحذف الجار ونصب الاسم قال بعض اهل المعرفة اذا كان الجزآء من الله لا يكون له نهاية لانه لا يكون على حد الاعواض بل يكون فوق الحد لانه ممن لا حد له ولا نهاية فعطاؤه لا حد له ولا نهاية وقال بعضهم العطاء من الله موضع الفضل لا موضع الجزاء فالجزاء على الاعمال والفضل موهبة من الله يختص به الخواص من اهل وداده وفى التأويلات النجمية ان للمتقين الذين يتقون عن نفوسهم المظلمة المدلهمة بالله وصفاته وأسمائه مفازا اى فوز ذات الله وصفاته حدآئق روضات القلوب المنزهة الارضية واعنابا اشجار المعانى والحقائق المثمرة عنب خمر المحبة الذاتية الخامرة عين العقل عن شهود الغير والغيرية وكواعب اترابا ابكارا اللطائف والمعارف وكأسا دهاقا مملوءة من شراب المحبة وخمر المعرفة لا يسمعون فيها لغوا من الهواجس النفسانية ولا كذابا من الوساوس الشيطانية جزآء من ربك عطاء حسابا اى فضلا تاما كافيا من غير عمل وقال القاشانى ان للمتقين المقابلين للطاغين المتعدين فى افعالهم حد العدالة مما عينه الشرع والعقل وهم المتنزلون عن الرذآئل وهيئات السوء من الافعال مفازا فوزا ونجاة من النار التى هى مآب الطاغين حدآئق من جنان الاخلاق واعنابا من ثمرات الافعال وهيئاتها وكواعب من صور آثار الاسماء فى جنة الافعال اترابا متساوية فى الترتيب وكأسا من لذة محبة الآثار مترعة ممزوجة بالزنجبيل والكافور لان اهل جنة الآثار والافعال لا مطمح لهم الى ما ورآءها فهم محجبون بالآثار عن المؤثر وبالعطاء عن المعطى عطاء حسابا كافيا يكفيهم بحسب هممهم ومطامح ابصارهم لانهم لقصور استعداداتهم لا يشتاقون الى ما ورآء ذلك فلا شئ ألذ لهم بحسب اذواقهم مما هم فيه.

النبأ 78:37

{ رب السموات والارض وما بينهما } بدل من ربك والمراد رب كل شئ وخالقه ومالكه { الرحمن } مفيض الخير والجود على كل موجود بحسب حكمته وبقدر استعداد المرحوم وهو بالجر صفة للرب وقيل صفة للاول واياما كان ففى ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة اشعار بمدار الجزآء المذكور قال القاشانى اى ربهم المعطى اياهم ذلك العطاء هو الرحمن لان عطاياهم من النعم الظاهرة الجليلة دون الباطنة الدقيقة فمشربهم من اسم الرحمن دون غيره وفى التأويلات النجمية رب سموات الارواح وارض النفوس وما بينهما من السر والقلب واقواهما الروحانية هو الرحمن اى الموصوف بجميع الاسماء والصفات الجمالية والجلالية لوقوعه بين الله الجامع وبين الرحيم فله وجه الى الالوهية المشتملة على القهر وله ايضا وجه الى الرحيم الجمالى المحض { لا يملكون منه خطابا } استئناف مقرر لما افادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزآء والعطاء من غير أن يكون لاحد قدرة عليه وضمير لا يملكون لاهل السموات والارض ومن فى منه صلة للتأكيد على طريقة قولهم بعت منك اى بعتك يعنى ان صلة خطابا قدم عليه فانقلب بيانا والمعنى لا يملكون ان يخاطبوه تعالى من تلقاء انفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك اذ المملوك لا يستحق على مالكه شيأ خطابا ما فى شئ ما لتفرده بالعظمة والكبرياء وتوحده فى ملكه بالامر والنهى والخطاب والمراد نفى قدرتهم على ان يخاطبوه تعالى بشئ من نقض العذاب وزيادة الثواب من غير اذنه على ابلغ وجه وآكده كانه قيل لا يملكون ان يخاطبوه بما سبق من الثواب والعقاب وبه يحصل الارتباط بين هذه الآية وبين ما قبلها من وعيد الكفار ووعد المؤمنين ويظهر منه ان نفى ان يملكوا خطابه لا ينافى الشفاعة باذنه قال القاشانى لانهم اى اهل الافعال لم يصلوا الى مقام الصفات فلاحظ لهم من المكالمة.

النبأ 78:38

{ يوم يقوم الروح والملائكة صفا } اخر الملائكة هنا تعميما بعد التخصيص واخر الروح فى القدر تخصيصا بعد التعميم فالظاهر أن الروح من جنس الملائكة لكنه اعظم منهم خلقا ورتبة وشرفا اذ هو بمقابلة الروح الانسانى كما ان الملائكة بمقابلة القوى الروحانية ولا شك ان الروح اعظم من قواه التابعة له كالسلطان مع امرآئه وجنده ورعاياه وتفسير الروح بجبريل ضعيف وان كان هو مشتهرا بكونه روح القدس والروح الامين اذ كونه روحا ليس بالنسبة الى ذاته والا فالملائكة كلهم روحانيون وان كانوا اجساما لطيفة غير الارواح المهمية وانما هو بالنسبة الى كونه نافخ الروح وحامل الوحى الذى هو كالروح فى الاحياء وقد اتفقوا على ان اسرافيل اعظم من جبريل ومن غيره فلو كان احد يقوم صفا واحدا لكان هو اسرافيل دون جبراآئيل والله اعلم بمراده من الروح وان اختلفت الروايات فيه هذا ما لاح لى فى هذا المقام بعون الملك العلام وصفا حال اى مصطفين لكثرتهم وقيامهم بما امر الله فى امر العباد وقيل هما صفان الروح صف والملائكة صف وقيل صفوف وهو الاوفق لقوله تعالى { والملائكة صفا } ويوم ظرف لقوله تعالى { لا يتكلمون } وقوله تعالى { الا من اذن له الرحمن وقال صوابا } بدل من ضمير لا يتكلمون العائد الى اهل السموات والارض الذين من جملتهم الروح والملائكة وهو أرجح لكون الكلام غير موجب والمستثنى منه مذكور وفى مثله يختار البدل على الاستثناء وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذى عليه مدار الكلام من مطلع السورة الى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى لا يتكلمون الخ ومؤكد له على معنى ان اهل السموات والارض اذ لم يقدروا يومئذ على ان يتكلموا بشئ من جنس الكلام الا من اذن الله له منهم فى التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا اى حقا صادقا او واقعا فى محله من غير خطأ فى قوله فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه اخص من مطلق الكلام واعز منه مراما وقيل الا من اذن الخ منصوب على اصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون الا فى حق شخص اذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا اى حقا هو التوحيد وكلمة الشهادة دون غيره من اهل الشرك فانهم مما يقولوا فى الدنيا صوابا بل تفوهوا بكلمة الكفر والشرك واظهار الرحمن فى موقع الاضمار للايذان بأن مناط الاذن هو الرحمة البالغة لا ان احدا يستحقه عليه تعالى وفى عرآئس البقلى من كان كلامه فى الدنيا من حيث الاحوال والاحوال من حيث الوجد والوجد من حيث الكشف والكشف من حيث المشاهدة والمشاهدة من حيث المعاينة فهو مأذون فى الدنيا والآخرة يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ينقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك قال ابن عطاء الخالص ما كان لله والصواب ما كان على وجه السنة وقال بعضهم انما تظهر الهيبة على العموم لاهل الجمع فى ذلك اليوم واما الخواص واصحاب الحضور فهم ابدا بمشهد العز بنعت الهيبة وفيه اشارة الا ان الاسرار والقلوب وقواهم الكائنين بين سموات الارواح وبين ارض النفوس لا يملكون أن يخاطبوا الحق فى شفاعة النفس الامارة والهوى المتبع بسبب لحمة النسب الواقع بينهم اذ الكل اولاد الروح والقالب كما لم يملك نوح عليه السلام أن يخاطب الحق فى حق ابنه كنعان بمعنى انه لم يقدر على انجائه اذ جاء الخطاب بقوله فلا تسألن ما ليس لك به علم.

النبأ 78:39

{ ذلك } اشارة الى يوم قيامهم على الوجه المذكور ومحله الرفع على الابتدآء خبره ما بعده اى ذلك اليوم العظيم الذى يقوم فيه الروح والملائكة مصطفين غير قادرين هم ولا غير هم على التكلم من الهيبة والجلال { اليوم الحق } اى الثابت المتحقق لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه وذلك لانه متحقق علما فلا بد أن يكون متحققا وقوعا كالصباح بعد مضى الليل وفيه اشارة الى انه واقع ثابت فى جميع الاوقات والاحايين ولكن لا يبصرون به لاشتغالهم بالنفس الملهية وهواها الشاغل { فمن شاء اتخذ الى ربه مآبا } الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزآء وانتفاء الغرابة فى تعلقه بها حسب القاعدة المستمرة والى ربه متعلق بمآبا قدم عليه اهتماما به ورعاية للفواصل كأنه قيل واذا كان الامر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا الى ثواب ربه الذى ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالايمان والطاعة وقال قتادة مآبا اى سبيلا وتعلق الجاريه لما فيه من معنى الاقتضاء والايصال وفى التأويلات النجمية مآبا اى مرجعا ورجوعا من الدنيا الى الآخرة ومن الآخرة الى رب الدنيا والآخرة لانهما حرامان على اهل الله.

النبأ 78:40

{ انا انذرناكم } اى بما ذكر فى السورة من الآيات الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواعى او بها وبسائر القوارع الواردة فى القرءآن والخطاب لمشركى العرب وكفار قريش لانهم كانوا ينكرون البعث وفى بعض التفاسير الظاهرة عموم الخطاب كعموم من لان فى انذار كل طائفة فائدة لهم { عذابا قريبا } هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق اتيانه حتما ولانه قريب بالنسبة اليه تعالى وممكن وان رأوه بعيدا وغير ممكن فيرونه قريبا لقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشيةاو ضحاها وقال بعض اهل المعرفة العذاب القريب هو عذاب الالتفات الى النفس والدنيا والهوى وقال الشاقانى هو عذاب الهيئات الفاسقة من الاعمال الفاسدة دون ما هو أبعد منه من عذاب القهر والسخط وهو ما قدمت ايديهم { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } تثنية اصلها يدان سقطت نونها بالاضافة ويوم بدل من عذابا او ظرف لمضمر هو صفة له اى عذابا كائنا يوم ينظر المرء اى يشاهد ما قدمه من خير أو شر يعنى بازيابد كردارهاى خودرا ازخير وشر. على ان ما موصولة منصوبة بينظر لانه يتعدى بنفسه وبالى والعائد محذوف اى قدمته او ينظر اى شئ قدمت يداه على انها استفهامية منصوبة بقدمت متعلقة بينظر فالمرء عام للمؤمن والكافر لان كل احد يرى عمله فى ذلك اليوم مثبتا فى صحيفته خيرا كان او شرا فيرجوا المؤمن ثواب الله على صالح عمله ويخاف العقاب على سيئه واما الكافر فكما قال الله تعالى { ويقول الكافر يا ليتنى } اى يا قوم فالمنادى محذوف ويجوز أن يكون بالمحض التحسر ولمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه وبالفارسية اى كاشكى من { كنت ترابا } فى الدنيا فلم اخلق ولم اكلف وهو فى محل الرفع على انه خبر ليت او ليتنى كنت ترابا فى هذا اليوم فلم ابعث كقوله يا ليتنى لم اوت كتابيه الى أن قال يا ليتها كانت القاضية وقيل يحشر الله الحيوان فيقتص للجماء من القرناء نطحتها اى قصاص المقابلة لا قصاص التكليف ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله كما قال عليه السلام " لتؤدن الحقوق الى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء " وهذا صريح فى حشر البهائم واعادتها لقصاص المقابلة لا للجزآء ثوابا وعقابا وقيل الكافر ابليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشئ الذى احتقره حين قال خلقتنى من نار وخلقته من طين يعنى ابليس آدم را دران روز كرامت آدم وثواب فرزندان مؤمن او مشاهده نمايد وعذاب وشدت خودرا بينذ آرزو بردكه كاشكى من ازخاك بودمى ونسبت بآدم داشتمى اى درويش اين دبدبه وطنطنه كه خاكيا نراست هج طبقة ازطبقات مخلوقا ترا نيست خاك راخوار وتيره ديد ابليس كرد انكارش آن حسود خسيس ماند غافل زنور باطن او نشدا كه زسر كامل او بهر كنجى كه هست دردل خاك اين صدا داده اند در افلاك كه بجز خاك نيست مظهر كل خاك شو خاك تابرويد كل واما مؤمنوا الجن فلهم ثواب وعقاب فلا يعودونه ترابا وهو الاصح فيكون مؤمنوهم مع مؤمنى الانس فى الجنة او فى الاعراف ونعيمهم ما يناسب مقامهم ويكون كفارهم مع كفار الانس فى النار وعذابهم بما يلائم شانهم وقيل هو تراب سجدة المؤمن تنطفئ به عنه النار وتراب قدمه عند قيامه فى الصلاة فيتمنى الكافر أن يكون تراب قدمه وفى التأويلات النجمية يوم ينظر المرء ما قدمت يد قلبه ويد نفسه من الاحسان والاساءة ويقول كافر النفس الساتر للحق يا ليتنى كنت تراب اقدام الروح والسر والقلب متذللة بين يديهم مؤتمرة لاوامرهم ونواهيهم وفى كشف الاسرار از عظمت آن روز است كه بيست وجهار ساعت شبانروز دنيارا بر مثال بيست وجهار خزانه حشر كنند ودرعرصات قسامت حاضر كرداننديكان يكان خزانه ميكشايند وبربنده عرض ميدهندازان خزانه بكشايند بربها وجمال ونور وضيا وآن آن ساعتست كه بنده ررخيرات وحسنات وطاعات بود بنده جون حسن ونور بهاى آن بيند جندان شادى وطرب واهتزاز بروغالب شود كه اكر انرا بر جملهء دوزخيان قسمت كننداز دهشت آن شادى الم ودرد اتش فراموش كنند خزانهء ديكر بكشايند تاريك ومظلم برنتن ووحشت وآن آن ساعتست كه بنده در معصيت بوده وحق ازره ظلمت ووحشت آن كردار درآيد جندان فزع وهول ورنج وغم اورا فروكيردكه اكر بركل اهل بهشت قسمت كنند نعيم بهشت برايشان منغص شود خزانه ديكر بكشايند حالى درونه طاعت بود كه سبب شادى است نه معصيت كه موجب اندوهست وآن ساعتى است كه بنده در وخفته باشد يا غافل يا بمبا حات دنيا مشغول وبروعرضه ميكنند از ان ساعت كه درطاعت كرده شاد ميكردد وازان ساعت كه درو معصيت كرده رنجور ميشود وبرساعتى كه مهمل كذاشته حسرت وغبن ميخورد وجون كار مؤمن مقصر دران روز اين باشد بس قياس كن كه حال كافر جكونه باشد درحسرت وندامت وآه وزارى. روى ابى بن كعب رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة " وعن ابى الدردآء رضى الله عنه قال قال النبى عليه السلام " تعلموا سورة عم يتساءلون عن النبأ العظيم وتعلموا ق والقرآن المجيد والنجم اذا هوى والسماء ذات البروج والسماء والطارق فانكم لو تعلمون ما فيهن لعطلتم ما أنتم عليه وتعلمتموهن وتقربوا الى الله بهن ان الله يغفر بهن كل ذنب الا الشرك بالله " وعن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله قد أسرع اليك الشيب قال شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون واذا الشمس كورت الكل فى كشف الاسرار وفيه اشارة الى ان من تعلم هذه السور ينبغى له ان يتعلم معانيها ايضا اذ لا يحصل المقصود الا به وتصريح بان هم الآخرة ومطالعة الوعيد واستحضاره يشيب الانسان ولذا ذم الحبر السمين والقارئ السمين اذ لم يكن سمينا الا بالذهول عما قرأه ولو استحضره وهم به لشاب من همه وذاب من غمه لان الشحم مع الهم لا ينعقد قال الشافعى رحمه الله ما أفلح سمين قط الا أن يكون محمد بن الحسن فقيل له ولم قال لانه لا يخلو العاقل من احدى حالتين اما أن يهم لآخرته ومعاده او لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد فاذا خلا من المعنين صار فى حد البهائم بعقد الشحم. تمت سورة النبأ بالعون الالهى فى الثانى والعشرين من شهر الله المحرم من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف.

النازعات 79:1

{ والنازعات غرقا } الواو للقسم والقسم يدل على عظم شأن المقسم به ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على ذلك العظم والنازعات جمع نازعة بمعنى طائفة من الملائكة نازعة فأنثت صفة الملائكة باعتبار كونهم طائفة ثم جمعت تلك الصفة فقيل نازعات بمعنى طوائف من الملائكة نازعات وقس عليه الناشطات نحوه والافكان الظاهر أن يقال والنازعين والناشطين والنزع جذب الشئ من مقره بشدة والغرق مصدر بحذف الزوائد بمعنى الاغراق وهو بالفارسية غرقه كردن وكمان رزور كشيدن. والغرق الرسوب فى الماء وفى البلاء فهو مفعول مطلق للنازعات لانه نوع من النزع فيكون شرطه موجودا وهو اتفاق المصدر مع عامله والاغراق فى النزع التوغل فيه والبلوغ الى اقصى درجاته يقال أغرق النازع فى القوس اذا بلغ غابة المد حتى انتهى الى النصل أقسم الله بطوآئف الملائكة التى تنزع ارواح الكفار من اجسادهم اغراقا فى النزع يعنى جان كافران بستختى نزع ميكنند. وايضا ينزعونها منهم معكوسا من الانامل والاظفار ومن تحت كل شعرة كما تنزع الاشجار المتفرقة العروق فى اطراف الارض وكما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول وكما يسلخ جلد الحيوان وهو حى وكما يضرب الانسان ألف ضربة بالسيف بل اشد والملائكة وهم ملك الموت واعوانه من ملائكة العذاب يطعنونهم بحربة مسمومة بسم جهنم والميت يظن أن بطنه قد ملئ شوكا وكأن نفسه تخرج من ثقب ابره وكأن السماء انطبقت على الارض وهو بينهما فاذا نزعت نفس الكافر وهى ترعد اشبه شئ بالزئبق على قدر النحلة وعلى صورة عمله تأخذها الزبانية ويعذبونها فى القبر وفى سجين وهو العذاب الروحانى ثم اذا قامت القيامة انضم الجسمانى الى الروحانى فقوله والنازعات غرقا اشارة الى كيفية قبض ارواح الكفار بشهادة مدلول اللفظ.

النازعات 79:2

{ والناشطات نشطا } قسم آخر معنى بطريق العطف والنشط جذب الشئ من مقره برفق ولين ونصب نشطا على المصدرية اقسم الله بطوآئف الملائكة التى تنشط ارواح المؤمنين اى تخرجها من ابدانهم برفق ولين كما تنشط الدلو من البئر يقال نشط الدلو من البئر اذا أخرجها وكما تنشط الشعرة من السمن وكما تنسل القطرة من السقاء وهم ملك الموت واعوانه من ملائكة الرحمة ونفس المؤمن وان كانت تجذب من اطراف البنان ورؤس الاصابع ايضا لكن لا يحس بالألم كما يحس به الكافر وايضا نفس المؤمن ليس لها شدة تعلق بالبدن كنفس الكافر لكونها منجذبة الى عالم القدس وانما يشتد الامر على اهل التعلق دون اهل التجرد خصوصا اذا كان ممن مات بالاختيار قبل الموت وايضا حين يجذبونها يدعونها احيانا حتى تستريح وليس كذلك ارواح الكفار فى قبضها لكن ربما يتعرض الشيطان للمؤمن الضعيف اليقين والقاصر فى العمل اذا بلغ الروح التراقى فيأتيه فى صورة ابيه وامه واخيه او صديقه فيأمره باليهودية او النصرانية أو نحو ذلك نسأل الله السلامة حكى ان ابليس عليه اللعنة تمثل للنبى عليه السلام يوما وبيده قارورة ماء فقال ابيعه بايمان الناس حالة النزع فبكى النبى عليه السلام حتى بكت اهل بيته فأوحى الله تعالى اليه انى احفظ عبادى فى تلك الحالة من كيده والميت يرى الملائكة حينئذ على صوة اعماله حسنة او قبيحة فاذا اخذوا نفس المؤمن يلفونها فى حرير الجنة وهى على قدر النحلة وعلى صورة عمله ما فقد شئ من عقله وعلمه المكتسب فى الدنيا دل عيله قوله تعالى حكاية عن حبيب النجار الشهيد فى انطاكية قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين فيعرجون بها الى الهوآء ويهيئون له اسباب التنعم فى قبره وفى عليين وهو النعيم الروحانى ثم اذا قام الناس من قبورهم ازداد النعيم بانضمام الجسمانى الى الروحانى فقوله والناشطات نشطا اشارة الى كيفية قبض ارواح المؤمنين بشهادة اللفظ ومدلوله ايضا فان قيل قد ثبت ان النبى عليه السلام اخذ روحه الطيب ببعض شدة حتى قال " واكرباه " وقال " لا اله الا الله ان للموت سكرات اللهم أعنى على سكرات الموت " اى غمراته وكان يدخل يده الشريفة فى قدح فيه ماء ثم يمسح وجهه المنور بالماء ولما رأته فاطمة رضى الله عنها يغشاه الكرب قالت واكرب ابتاه فقال لها عليه السلام " ليس على ابيك كرب بعد اليوم " فاذا كان امر النبى عليه السلام حين انتقاله هكذا فما وجه ما ذكر من الرفق واللين أجيب بأن مزاجه الشريف كان اعدل الامزجة فأحس بالألم اكثر من غيره اذ الخفيف على الأخف ثقيل وايضا يحتمل أن يبتليه الله بذلك ليدعو الله فى أن يجعل الموت لامته سهلا يسيرا وايضا قد روى انه طلب من الله أن يحمل عليه بعض صعوبة الموت تخفيفا عن امته فانه بالمؤمنين رؤف رحيم وايضا فيه تسلية امته اذا وقع لاحد منهم شئ من ذلك الكرب عند الموت وايضا لكى يحصل لمن شاهد من اهله ومن غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم عليه من المشقة كما قيل بمثل ذلك فى حكمة ما يشاهد من حال الاطفال عند الموت من الكرب الشديد وايضا راحة الكمل من الشدة لانها من باب الترقى فى العلوم والدرجات واقل الامر للناقصين كفارة الذنوب فاهل الحقيقة لا شدة عليهم فى الحقيقة لاستغراقهم فى بحر الشهود وانما الشدة لظواهرهم والحاصل كما ان النار لا ترفع عن الدنيا والدنيا قائم فكذا الشدة لا تعرف عن الظواهر فى هذا الموطن.

النازعات 79:3

{ والسابحات سبحا } قسم آخر معنى ايضا بطريق العطف والسبح المر السريع فى الماء او فى الهوآء وسبحا نصب على المصدرية اقسم الله بطوائف الملائكة التى تسبح فى مضيها اى تسرع فينزلون من السماء الى الارض مسرعين مشبهين فى سرعة نزولهم بمن يسبح فى الماء وهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص لان نزول الاولين انما هو لقبض الارواح مطلقا ونزول هؤلاء لعامة الامور والاحوال.

النازعات 79:4

{ فالسابقات سبقا } عطف على السابحات بالفاء للدلالة على ترتب السبق على السبح بغير مهلة فالموصوف واحد ونصب سبقا على المصدرية اى التى تسبق سبقا الى ما امروا به ووكلوا عليه اى يصلون بسرعة والسبق كناية عن الاسراع فيما امروا به لان السبق وهو التقدم فى السير من لوازم الاسراع فالسبق هنا لا يستلزم وجود المسبوق اذ لا مسبوق.

النازعات 79:5

{ فالمدبرات امرا } عطف على السابقات بالفاء للدلالة على ترتب التدبير على السبق بغير تراخ والتدبير التفكر فى دبر الامور وامرا مفعول للمدبرات قال الراغب يعنى الملائكة الموكلين بتدبير الامور انتهى اى التى تدبر امرا من الامور الدنيوية والاخروية للعباد كما رسم لهم من غير تفريط وتقصير والمقسم عليه محذوف وهو لتبعثن لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة وجه البعث ان الموت يستدعيه للاجر والجزآء لئلا يستمر الظلم والجور فى الوجود وما ربك بظلام للعبيد فكان الله تعالى يقول ان الملائكة ينزلون لقبض الارواح عند منتهى الآجال ثم ينجر الامر الى البعث لما ذكر فكان من شأن من يقر بالموت أن يقر بالبعث فلذا جمع بين القسم بالنازعات وبين البعث الذى هو الجواب وفى عنوان هذه السورة وجوه كثيرة صفحنا عن ذكرها واخترنا سوق الكشاف فانه هو الذى يقتضيه جزالة التنزيل وقال القاشانى اقسم بالنفوس المشتاقة التى غلب عليها النزع الى جناب الحق غريقة فى بحار الشوق والمحبة والتى تنشط من مقر النفس وأسر الطبيعة اى تخرج من قيود صفاتها وعلائق البدن من قولهم نور ناشط اذا خرج من بلد الى بلد او من قولهم نشط من عقاله والتى تسبح فى بحار الصفات فتسبق الى عين الذات ومقام الفناء فى الوحدة فتدبر بالرجوع الى الكثرة امر الدعوة الى الحق والهداية وأمر النظام فى مقام التفصيل بعد الجمع انتهى ثم ان النفوس الشريفة لا يبعد أن يظهر منها آثار فى هذا العالم سوآء كانت مفارقة عن الابدان اولا فتكون مدبرات ألا ترى ان الانسان قد يرى فى المنام ان بعض الاموات يرشده الى مطلوبه ويرى استاذه فيسأله عن مسألة فيحلها له سئل زرارة بعد أن توفى رضى الله عنه فى المنام اى الاعمال أفضل عندكم فقال الرضى وقصر الأمل وعن بعضهم رأيت ورقاء بن بشر رحمه الله فى المنام فقلت ما فعل الله بك قال نجوت بعد كل جهد قلت فأى الاعمال وجدتموها أفضل قال البكاء من خشية الله وقال بعضهم هلكت جارية فى الطاعون فرآها أبوها فى المنام فقال لها يا بنية اخبرينى عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على امر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة او تسبيحتان او ركعة او ركعتان فى صحيفة عملى احب الى من الدنيا وما فيها ونظائره كثيرة لا تحصى وقد يدخل بعض الاحياء من جدار ونحوه على بعض من له حاجة فيقضيها وذلك على خرق العادة فاذا كان التدبير بيد الروح وهو فى هذا الموطن فكذا اذا انتقل منه الى البرزخ بل هو بعد مفارقته البدن أشد تأثيرا وتدبيرا لان الجسد حجاب فى الجملة ألا ترى ان الشمس اشد احراقا اذ لم يحجبها غمام او نحوه.

النازعات 79:6

{ يوم ترجف الراجفة } منصوب بالجواب المضمر وهو لتبعثن والمراد بالراجفة الواقعة التى ترجف عندها الاجرام الساكنة كالارض والجبال اى تتحرك حركة شديدة وتتزلزل زلزلة عظيمة من هول ذلك اليوم وهى النفخة الاولى اسند اليها الرجف مجازا على طريق اسناد الفعل الى سببه فان حدوث تلك النفخة سبب لاضطراب الاجرام الساكنة من الرجفان وهى شدة الاضطراب ومنه الرجفة للزلزلة لما فيه من شدة الاضطراب وكثرة الانقلاب وفيه اشعار بأن تغير السفلى مقدم على تغير العلوى وان لم يكن مقطوعا.

النازعات 79:7

{ تتبعها الرادفة } اى الواقعة التى تردف الاولى اى تجيئ بعدها وهى النفخة الثانية لانها تجيئ بعد الاولى يقال ردفه كسمعه ونصره تبعه كأردفه وأردفته معه اركبته معه كما فى القاموس وهى حال مقدرة من الراجفة مصححة لوقوع اليوم ظرفا للبعث اى لتبعثن يوم النفخة الاولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها لا قبل ذلك فانه عبارة عن الزمان الممتد الذى تقع فيه النفختان وبينهما أربعون سنة كما قال فى الكشاف لتبعثن فى الوقت الواسع الذى تقع فيه النفختان وهم يبعثون فى بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الاخرى انتهى قال فى الارشاد واعتبار امتداده مع ان البعث لا يكون الا عند النفخة الثانية لتهويل اليوم ببيان كونه موقعا لداهيتين عظميتين لا يبقى عند وقوع الاولى حى الا مات ولا عند وقوع الثانية ميت الا بعث وقام.

النازعات 79:8

{ قلوب } مبتدأ وتنكيره يقوم مقام الوصف المخصص سوآء حمل على التنويع وان لم يذكر النوع المقابل فان المعنى منسحب عليه او على التكثير كما فى شر أهر ذا ناب فان التفخيم كما يكون بالكيفية يكون بالكمية ايضا كأنه قيل قلوب كثيرة او عاصية كما قال فى التأويلات النجمية قلوب النفس المتمردة الشاردة النافرة عن الحق { يومئذ } يوم اذ تقع النفختان وهو متعلق بقوله { واجفة } اى شديدة الاضطراب من سوء اعمالهم وقبح افعالهم فان الوجيف عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل وعلم منه ان الواجفة ليست جميع القلوب بل قلوب الكافر فان اهل الايمان لا يخافون.

النازعات 79:9

{ ابصارها } اى ابصار اصحاب كما دل عليه قوله يقولون والا فالقلوب لاابصار لها وانما اضاف الابصار الى القلوب لانها محل الخوف وهو من صفاتها { خاشعة } ذليلة من الخوف بسبب الاعراض عن الله والاقبال على ما سواه يترقبون اى شئ ينزل عليهم من الامور العظام واسند الخشوع اليها مجازا لان اثره يظهره فيها.

النازعات 79:10

{ يقولون } استئناف بيانى اى هم يقولون الآن يعنى ان منكرى البعث ومكذبى الآيات الناطقة به اذا قيل لهم انكم تبعثون يقولون منكرين له متعجبين منه { أئنا } آياما { لمردودون } معادون بعد موتنا { فى الحافرة } اى فى الحالة الاولى يعنون الحياة من قولهم رجع فلان فى حافرته اى طريقته التى جاء فيها فحفرها اى اثر فيها بمشيه وتسميتها حافرة مع انها محفورة وانما الحافر هو الماشى فى تلك الطريقة كقوله تعالى عيشة راضية اى منسوبة الى الحفر والرضى او على تشبيه القابل بالفاعل اى فى تعلق الحفر بكل منهما فاطلق اسم الثانى على الاول للمشابهة كما يقال صام نهاره تشبيها لزمان الفعل بفاعله وقال مجاهد والخليل ابن احمد الحافرة هى الارض التى يحفر فيها القبور ولذا قال فى التأويلات النجمية اى حافرة اجسادنا وقبور صدورنا.

النازعات 79:11

{ أئذا } العامل فى اذا مضمر يدل عليه مردودون اى أئذا { كنا } باجون كرديم ما { عظاما نخرة } بالية نرد ونبعث مع كونها ابعد شئ من الحياة فهو تأكيد لانكار الرد ونفيه بنسبته الى حالة منافية له ظنوا ان من فساد البدن وتفرق اجزآئه يلزم فساد ما هو الانسان حقيقة وليس كذلك ولو سلم ان الانسان هو هذا الهيكل المخصوص فلا نسلم امتناع اعادة المعدوم فان الله قادر على كل الممكنات فيقدر على جمع الاجزآء العنصرية واعادة الحياة اليها لانها متميزة فى علمه وان كانت غير متميزة فى علم الخلق كالماء مع اللبن فانهما وان امتزجا لكن احدهما متميزعن الآخر فى علم الله وان كان عقل الانسان قاصرا عن ادراكه والنخر البلى يقال نخر العظم والخشب بكسر العين اذا بلى واسترخى وصار بحيث لومس لتفتت ونخرة ابلغ من ناخرة لكونها من صيغ المبالغة او صفة مشبهة دالة على الثبوت ولذا اختارها الاكثر والناخرة اشبه برؤس الآى ولذا اختارها البعض وقيل النخرة غير الناخرة اذ النخرة بمعنى البالية واما الناخرة فهى العظام الفارغة المجوفة التى يحصل فيها صوت من هبوب الريح من نخير النائم والمجنون لا من النخر بمعنى البلى قال الراغب النخير صوت من الانف وسمى خرق الانف الذى يخرج منه النخير منخران فالمنخران ثقبتا الانف.

النازعات 79:12

{ قالوا } اختيار الماضى هنا للايذان بأن صدور هذا الكفر منهم ليس بطريق الاستمرار مثل كفرهم السابق المعبر عنه بالمضارع اى قالوا بطريق الاستهزآء بالحشر { تلك } الردة والرجعة فى الحافرة وفيه اشعار بغاية بعدها من الوقوع فى اعتقادهم { اذا } آنكاه وتران تقدير { كرة } الكر الرجوع والكرة المرة من الرجوع والجمع كرات { خاسرة } اى ذات خسران على ارادة النسبة من اسم الفاعل او خاسرة اصحابها على الاسناد المجازى اى على طريق اسناد الفعل الى ما يقارنه فى الوجود كقولك تجارة رابحة والربح فعل اصحاب التجارة وهى عقد المبادلة والربح والتجارة متقارنان فى الوجود والا فهم الخاسرون والكرة مخسور فيها اى ان صحت تلك الكرة فنحن اذا خاسرون لتكذيبنا بها وهذا المعنى افاده كلمة اذا فانها حرف جواب وجزء عند الجمهور وانما حمل قولهم هذا على الاستهزآء لانهم ابرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته فى صورة المشكوك المحتمل الوقوع.

النازعات 79:13

{ فانما هى زجرة واحدة } جواب من الله عن كلامهم بالانكار وتعليل لمقدر اى لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فانها سهلة هينة فى قدرته فانما هى صيحة واحدة اى حاصلة بصيحة واحدة لا تكرر يسمعونها وهم فى بطون الارض وهى النفخة الثانية كنفخ واحد فى صور الناس لاقامة القافلة عبر عن الكرة بالزجرة تنبيها على كمال اتصالها بها كأنها عينها يقال زجر البعير اذا صاح عليه.

النازعات 79:14

{ فاذا هم } بس آنكاه ايشان وسائر خلايق { بالساهرة } اى فاجأوا الحصول بها وهو بيان لحضورهم الموقف عقيب الكرة التى عبر عنها بالزجرة واذا المفاجأة تفيد حدوث ما انكروه بسرعة على فجأة والساهرة الارض البيضاء المستوية سميت بذلك لان السراب يجرى فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء وفى ضدها نائمة يعنى ان بياض الارض عبارة عن خلوها عن الماء والكلأ شبه جريان السراب فيها بجريان الماء عليها فقيل لها ساهرة وقيل لان سالكها لا ينام خوف الهلكة يقال سهر كفرح لم ينم ليلا او هى جهنم لان اهلها لا ينامون فيها او كأنه مقلوب الصاد سينا من صهرته الشمس احرقته وقال الراغب حقيقتها الارض التى يكثر الوطئ بها كأنها سهرت من ذلك وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الساهرة ارض من فضة لم يعص الله عليها قط خلقها حينئذ وقال الثورى الساهرة ارض الشام وقال وهب بن منبه جبل بيت المقدس وكفته اندساهرة نام زمين است نزيك بيت المقدس در حوالئ جبل اريحا كه محشر آنجاخواهد بود خداى آنراكشاده كرداند جندانكه خواهد. وفى الحديث بيت المقدس ارض المحشر والمنشر وقال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة ان الناس اذا قاموا من قبورهم وأراد الله ان يبدل الارض غير الارض تمد الارض باذن الله ويكون المحشر فيكون الخلق عليه عند ما يبدل الله الارض كيف يشاء اما بالصورة واما بارض اخرى ماهم عليها تسمى بالساهرة فيمدها سبحانه مد الاديم ويزيد فى سعتها اضعاف ما كانت من احد وعشرين جزأ الى تسعة وتسعين جزأ حتى لا نرى عوجا والا امتا وقال فى التأويلات النجمية فاذا هم بالساهرة اى بظهر ارض الحياة كما كانوا قبله ببطن ارض الممات.

النازعات 79:15

{ هل اتاك حديث موسى } كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه بانه يصيبهم مثل ما أصاب من كان اقوى منهم واعظم يعنى فرعون ومعنى هل أتاك ان اعتبر هذا او ما أتاه من حديثه ترغيب له فى استماع حديثه وحمل له على طلب الاخبار كأنه قيل هل أتاك حديث موسى قبل هذا ام أنا اخبرك به كما قال الحسن رحمه الله اعلام من الله لرسوله حديث موسى كقول الرجل لصاحبه هل بلغك ما لقى اهل البلد وهو يعلم انه لم يبلغه وانما قال ليخبره به انتهى وان اعتبر اتيانه قبل هذا وهو المتبادر من الايجاز فى الاقتصاص استفهام تقرير له اى حمل له على الاقرار بأمر يعرفه قبل ذلك اى أليس قد أتاك حديثه وبالفارسية آيا جنين نيست كه آمد بتو خبر موسى كليم عليه السلام تاتسلى دهى دل خودرا برتكذيب قوم وخبر فرستادى ازو عدهء مؤمنا ووعيد كافران. يعنى قد جاءك وبلغك حديثه عن قريب كأنه لم يعلم بحديث موسى وانه لم يأته بعد والا لما كان يتحزن على اصرار الكفار على انكار البعث وعلى استهزآئهم به بل يتسلى بذلك فهل بمعنى قد المقربة للحكم الى الحال وهمزة الاستفهام قبلها محذوفة وهى للتقرير وزيد ليس لانه اظهر دلالة على ذلك لا لانه مقدر فى النظم.

النازعات 79:16

{ اذ ناداه ربه } ظرف للحديت والمناداة والندآء بالفارسية خواندن. وفى القاموس الندآء الصوت اى هل اتاك حديثه الواقع حين ناداه ربه اذا المراد خبره الحادث فلا بد له من زمان يحدث فيه لا ظرف للاتيان لاختلاف وقتى الاتيان والنداء لان الاتيان لم يقع فى وقت الندآء او مفعول لا ذكر المقدر وعليه وضع السجاوندى علامة الوقف اللازم على موسى وقال لانه لو وصل صار اذ ظرفا لاتيان الحديث وهو محال لعله لم يلتفت الى عمل حديث لكونه هنا اسما بمعنى الخبرمع وجود فعل قوى فى العمل قبله وبالجملة لا يخلو عن ايهام فالوجه الوقف كذا فى بعض التفاسير { بالواد المقدس } المبارك المطهر بتطهير الله عما لا يليق حين مكالمته مع كليمه او سمى مقدسا لوقوعه فى حدود الارض المقدسة المطهرة عن الشرك ونحوه واصل الوادى الموضع الذى يسيل فيه الماء ومنه سمى المنفرج بين الجبلين واديا والجمع اودية ويستعار للطريقة كالمذهب والاسلوب فيقال فلان فى واد غير واديك { طوى } بضم الطاء والتنوين تأويلا له بالمكان او بغير تنوين تأويلا له بالبقعة قال الفرآء الصرف احب الى اذ لم اجد فى المعدول نظيرا اى لم اجد اسما من الوادى عدل عن جهته غير طوى وهو اسم للوادى الذى بين المدينة ومصر فيكون عطف بيان له قال القاشانى الوادى المقدس هو عالم الروح المجرد لتقدسه عن التلعق بالمواد واسمه طوى لانطوآء الموجودات كلها من الاجسام والنفوس تحته وفى طيه وقهره وهو عالم الصفات ومقام المكالمة من تجلياتها فلذلك ناداه بهذا الوادى ونهاية هذا العالم هو الافق الاعلى الذى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل على صورته.

النازعات 79:17

{ اذهب الى فرعون } على ارادة القول اى فقال له اذهب الى فرعون { انه طغى } تعليل للامر او لوجوب الامتثال به والطغيان مجاوزة الحد اى طغى على الخالق بأن كفر به وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم فكما ان كمال العبودية لا يكون الا بالصدق مع الحق وحسن الخلق مع الخلق فكذا كمال الطغيان يكون بسوء المعاملة معهما وقال القاشانى اى ظهر بانانيته وذلك ان فرعون كان ذا نفس قوية حكيما عالما سلك وادى الافعال وقطع بوادى الصفات واحتجب بانانيته وانتحل صفات الربوبية ونسبها الى نفسه وذلك تفرعنه وجبروته وطغيانه فكان ممن قال فيه عليه السلام " شر الناس من قامت القيامة عليه " فهو حى لقيامة بنفسه وهواها فى مقام توحيد الصفات وذلك من اقوى الحجب.

النازعات 79:18

{ فقل } بعد ما اتيته { هل لك } رغبة وتوجه { الى ان تزكى } بحذف احدى التاءين من تتزكى اى تتطهر من دنس الكفر والطغيان ووسخ الكدورات البشرية والقاذورات الطبيعة فقوله لك خبر مبتدأ محذوف والى ان متعلق بذلك المبتدأ المضمر وقد يقال قوله هل لك مجاز عن اجذبك وادعوك والقرينة هى القربية وهى المجاورة.

النازعات 79:19

{ واهديك الى ربك } وارشدك الى معرفته فتعرفه اشار الى ان فى النظم مضافا مضمرا وتقديم التزكيه لتقدم التخلية على التحلية { فتخشى } اذا لخشية لا تكون الا بعد معرفته قال تعالى انما يخشى الله من عباده العلماء اى العلماء بالله قيل انه تعالى قال فى آخره ولن يفعل فقال موسى فكيف امضى اليه وقد علمت انه لن يفعل فأوحى اليه ان امض لما تؤمر فان فى السماء اثنى عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يدركوه وجعل الخشية غاية للهداية لانها ملاك الامر لان من خشى الله أتى منه كل خير ومن أمن اجترأ على كل شر كما قال عليه السلام " من خاف ادلج ومن ادلج بلغ المنزل " يقال ادلج القوم اذا ساروا من اول الليل وان ساروا من آخر الليل فقد ادلجوا بالتسديد ثم انه تعالى أمر موسى عليه السلام بأن يخاطبه بالاستفهام الذى معناه العرض ليشتد عليه بالتلطف فى القول ويستنزله بالمداراة من عتوه وهذا ضرب تفصيل لقوله تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى اما كونه لينا فلانه فى صورة العرض لا فى صورة الامر صريحا وليس فيه ايضا ذكر نحو الشرك والجهل والكفر ان من متعلقات التزكى واما اشتماله على بعض التفصيل فظاهر.

النازعات 79:20

{ فأراه } بس بنمود اورا موسى { الآية الكبرى } الفاء فصيحة تفصح عن جمل قد طويت تعويلا على تفصيلها فى السور الاخرى فانه جرى بينه وبين فرعون ما جرى من المحاورات الى ان قال كنت جئت بآية فائت بها ان كنت من الصادقين اى فذهب اليه موسى بأمر الله فدعاه الى التوحيد والطاعة وطلب هو منه المعجزة الدالة على صدقه فى دعوته والارآءة اما من التبصير او التعريف فان اللعين حين أبصرها عرفها وادعاء سحريتها انما كان ارآءة منه واظهارا للتجلد ونسبتها اليه بالنظر الى الظاهر كما ان نسبتها الى نون العظمة فى قوله ولقد اريناه آياتنا بالنظر الى الحقيقة والمراد بالآية الكبرى قلب العصا حية والصغرى غيره من معجزاته الباقية وذلك ان القلب المذكور كان المقدم على الكل فى الارآءة فينبغى ان يكون هو المراد على ما تقتضيه الفاء التعقيبية.

النازعات 79:21

{ فكذب } فرعون بموسى وسمى معجزته سحرا عقيب رؤية الاية من غير رؤية وتأمل وطلب شاهد من عقل وناصح من فكر وقلب لغاية استكباره وتمرده { وعصى } الله بالتمرد بعد ما علم صحة الامر ووجوب الطاعة اشد عصيان واقبحه حيث اجترأ على انكار وجود رب العالمين رأسا فدل العطف على ان الذى ترتب على حصول الجزم بأن من كذبه ممن يجب تصديقه فاما تكذيب من لا يجب تصديقه فلا يكون عصيانا ويجوز أن يراد وعصى موسى فيما أمر به الا ان الاول ادخل فى ذمه وتقبيح حاله وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته تعالى وترك دعوى الربوبية لا بارسال بنى اسرآئيل من الاسر والقسر فقط قال بعض اهل المعرفة أراه آية صرفا ولو أراه انوار الصفات فى الآيات لم يكفر ولم يدع الربوبية اذ هناك موضع المحبة والعشق والاذعان لان رؤية الصفات تقتضى التواضع ورؤية الذات تقتضى العربدة فكان هو محجوبا برؤية الآيات عن رؤية الصفات فلما لم يكن معه حظ شهود نور الصفة لم ينل عند رؤيتها حظ المحبة فلم يأت منه الانقياد والاذعان لذلك قال تعالى فكذب وعصى.

النازعات 79:22

{ ثم ادبر } اى تولى عن الطاعة وكلمة ثم على هذا معناها التراخى الزمانى اذ السعى فى ابطال امره يقتضى مهلة او انصرف عن المجلس قال الراغب ادبر اى اعرض وولى دبره { يسعى } يجتهد فى معارضة الآية تمردا وعنادا لا اعتقادا بانها يمكن معارضتها فهو تعلل بالباطل دفعا للمجلس وهو حال من فاعل ادبر بمعنى مسرعا مجتهدا وفى الكشاف لما رأى الثعبان ادبر مرعوبا يسرع فى مشيته قال الحسن رحمه الله كان رجلا طياشا.

النازعات 79:23

{ فحشر } اى فجمع السحرة لقوله تعالى فارسل فرعون فى المدآئن حاشرين وقوله تعالى فتولى فرعون فجمع كيده اى ما يكاد به من السحرة وآلاتهم ويجوز ان يراد جمع الناس { فنادى } بنفسه فى المقام الذى اجتمعوا فيه معه او بواسطة المنادى.

النازعات 79:24

{ فقال } لقيامه مقام الحكومة والسلطنة { أنا ربكم الاعلى } لا رب فوقى اى اعلى من كل من يلى امركم على ان تكون صيغة التفضيل بالنسبة الى من كان تحت ولايته من الملوك والامرآء وقال الكاشفى يعنى اصنام كه بر صورت منند همهء ايشان خدايا نند ومن ازهمه برترم. ولما ادعى العلوية قيل لموسى عليه السلام فى مقابلة هذا الكلام انك أنت الاعلى لان الغلبة على سحره غلبة عليه والحاصل انه لم يرد بهذا القول انه خالق السموات والارض والجبال والنبات والحيوان فان العلم بفساد ذلك ضرورى ومن شك فيه كان مجنونا ولو كان مجنونا لما جاز من الله بعثة الرسول اليه بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع والحشر والنشر وكان يقول ليس للعالم اله حتى يكون له عليكم امر ونهى او يبعث اليكم رسولا بل المربى لكم والمحسن اليكم أنا لا غيرى قال بعضهم كان ينبغى له عند ظهور ذله وعجزه بانقلاب العصا حية ان لا يقول ذلك القول فكأنه صار فى ذلك الوقت كالمعتوه الذى لا يدرى ما يقول امام قشيرى رحمه الله در لطائف آورده كه أبليس اين سخن شنيده كفت مراطاقت اين سخن نيست من دعئ خيريت كفتم بر آدم اين همه بلا بمن رسيد اوكه جنين لاف ميزند تاكار او بكجا رسد. قال بعض العارفين لم يدع احد من الخلائق من الكمال ما ادعاه ادعاه الانسان فانه ادعى الربوبية وقال أنا ربكم الاعلى وابليس تبرأ منها وقال انى اخاف الله فلم يدع مرتبة ليس له قط اى انه على جناح واحد وهو الجلال فقط وكذا الملك فانه على الجمال المحض بخلاف الانسان فانه مخلوق باليدين. شيخ ركن الدين علاء الدولة سمنانى قدس سره فرمودهء كه وقتى مرا حال كرم بود بزيارت حسين منصور حلاج رفتم جون مراقبه كردم روح اورا در مقام عالى يا فتم ازعليين مناجات كردم كه خدايا ابن جه حالتست كه فرعون انا ربكم ومنصورا انا الحق كفت هردويك دعوى كردند روح حسين در عليين است وجان فرعون درسجين بسر من ندا رسيدكه فرعون بخود بينى در افتاده همه خودرا ديدوماراكم كرد وحسين ماراديد وخود راكم كرد بس درميان فرق بسياراست وفى المثنوى كفت فرعونى انا الحق كشت بست كفت منصورى انا الحق وبرست ان انارا لعنت الله در عقب واين انارا رحمت الله اى محب زانكه او سنك سيه بود اين عقيق آن عدوى نور بود واين عشيق اين انا هو بود در سراى فضول نه زراى اتحاد واز حلول قال فى اسئلة الحكم فان قلت ما الحكمة فى ان ابليس قد لعن ولم يدع الربوبية وفرعون وامثاله قد ادعوا الربوبية ولم يلعنوا تعيينا وتخصيصا كما لعن ابليس قيل لان نية ابليس شر من نية هؤلاء وقيل لانه اول من سن الخلاف والشقاق قولا وفعلا ونية والخلق بعده ادعوا الربوبية وسنوا البغى والخلاف بوسوسته وابليس واجه بمخالفته حضرة الرب تعالى وهم واجهوا الانبياء والوسائط وتضرعوا تارة واعترفوا بالذنوب عند المخلوق اخرى وابليس لم يعترف ولم يتضرع وهو اول من سن الكفر فوزر الكفار بعده راجع اليه الى يوم القيامة ومظهر الضلالة والغواية بذاته بغير واسطة.

النازعات 79:25

{ فأخذه الله } بسبب ما ذكر { نكال الآخرة والاولى } النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو التعذيب اى الذى ينكل من رأه او سمعه ويمعنه من تعاطى ما يفضى اليه ومحله النصب على انه مصدر مؤكد كوعد الله وصبغة الله كأنه قال نكل الله به نكال الآخرة والاولى وهو الاحراق فى الآخرة والاغراق فى الدنيا واخذ مستعمل فى معنى مجازى يعم الاخذ فى الدنيا والآخرة والا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لان الاستعمال فى الاخذ الدنيوى حقيقة وفى الاخروى مجاز لتحقق وقوعه واضافة النكال الى الدارين باعتبار وقوع نفس الاخذ فيهما لا باعتبار ان ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فان ذلك لا يتصور فى الآخرة بل فى الدنيا فان العقوبة الاخروية تنكل من سمعها وتمنعه من تعاطى ما يؤدى اليها لا محالة وفى التأويلات القاشانية نازع الحق بشدة ظهور انانيته فى ردآء الكبرياء فقهر وقذف فى النار ملعونا كما قال تعالى العظمة ازارى والكبرياء ردآئى فمن نازعنى واحدا منهما قذفته فى النار ويروى قصمته وذلك القهر هو معنى قوله فاخذه الله الخ وقال البقلى لما لم يكن صادقا فى دعواه افتضح فى الدنيا والآخرة وهكذ كل ما يدعى ما ليس له من المقامات قال بشر انطق الله لسانه بالعريض من الدعاوى واخلاه عن حقائقها وقال السرى العبد اذا تزيى بزى السيد صار نكالا ألا ترى كيف ذكر الله فى قصة فرعون لما ادعى الربوبية فأخذه الله الخ كذبه كل شئ حتى نفسه وفى الوسيط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موسى يا رب امهلت فرعون اربعمائة سنة ويقول أنا ربكم الاعلى ويكذب بآياتك ويجهد برسلك فأوحى الله اليه كان حسن الخلق سهل الحجاب فأردت ان اكافئه اى مكافأة دنيوية وكذا حسنات كل كافر واما المؤمن فاكثر ثوابه فى الآخرة ودلت الآية على ان فرعون مات كافرا وفى الفتوحات المكية فرعون ونمرود مؤبدان فى النار انتهى وغير هذا من اقوال الشيخ رحمه الله محمول على المباحثة فصن لسانك عن الاطالة فانها من اشد ضلالة. يقول الفقير صدر من فرعون كلمتان الاولى قوله أنا ربكم الاعلى والثانية قوله ما علمت لكم من اله غيرى وبينهما على ما قيل اربعون سنة فالظاهر أن الربوبية محمولة على الالوهية فتفسير قوله أنا ربكم الاعلى بقولهم اعلى من كل من يلى امركم ليس فيه كثير جدوى اذ لا يقتضى ادعاء الرياسة دعوى الالوهية كسائر الدهرية والمعطلة فانهم لم يتعرضوا للالوهية وان كانوا رؤساء تأمل هذا المقام.

النازعات 79:26

{ ان فى ذلك } اى فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به { لعبرة } اعتبارا عظيما وعظة { لمن يخشى } اى لمن من شأنه ان يخشى وهو من شأنه المعرفة يعنى ان العارف بالله وبشؤونه يخشى منه فلا يتمرد على الله ولا على انبيائه خوفا من نزول العذاب والعاقل من وعظ بغيره. جو بركشته بختى درافتديه بند ازونيك بختان بكيرند بند توبيش ازعقوبت در عفو كوب كه سودى ندارد فغان زير جوب بر آراز كريبان عفلت سرت كه فردا نماند خجل در برت يعنى درسينه ات

النازعات 79:27

{ ءانتم اشد خلقا } خطاب لاهل مكة المنكرين للبعث بناء على صعوبته فى زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة الى قدرة الله تعالى بقوله تعالى فانما هى زجرة واحدة فالشدة هنا بمعنى الصعوبة لا بمعنى الصلابة لانها لا تلائم المقام اى أخلقكم بعد موتكم اشق واصعب فى تقديركم وزعمكم والا فكلا الامرين بالنسبة الى قدرة الله واحدة { ام السماء } ام خلق السماء بلا مادة على عظمها وقوة تأليفها وانطوائها على البدائع التى تحار العقول فى ملاحة ادناها وهو استفهام تقرير ليقروا بأن خلق السماء اصعب فيلزمهم بأن يقول لهم ايها السفهاء من قدر على الصعب الاعسر كيف لا يقدر على اعادتكم وحشركم وهى اسهل وايسر فخلقكم على وجه الاعادة اولى ان يكون مقدور الله فكيف تنكرون ذلك قوله ءانتم مبتدأ واشد خبره وخلقا تمييز والسماء عطف على أنتم وحذف خبره لدلالة خبر أنتم عليه اى ام السماء اشد خلقا { بناها } الله تعالى وهو استئناف وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قوله ام السماء فيتم الكلام حينئذ عند قوله ام السماء ويبتدأ من قوله بناها وام متصلة واستعمل البناء فى موضع السقف فان السماء سقف مرفوع والبناء انما يستعمل فى اسافل البناء لا فى الاعالى للاشارة الى انه وان كان سقفا لكنه فى البعد عن الاختلال والانحلال كالبناء فان البناء ابعد عن تطرق الاختلال اليه بالنسبة الى السقف.

النازعات 79:28

{ رفع سمكها فسواها } بيان للبناء اى جعل مقدار ارتفاعها من الارض وذهابها الى سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام فان امتداد الشئ ان اخذ من اسفله الى اعلاه سمى سمكا واذا اخذ من اعلاه الى اسفله سمى عمقا وقال بعضهم السمك الارتفاع الذى بين سطح السماء الاسفل الذى يلينا وسطحها الاعلى الذى يلى ما فوقها فيكون المراد ثخنها وغلظها وهو ايضا تلك المسيرة.

النازعات 79:29

{ واغطش ليلها } الغطش الظلمة قال الراغب واصله من الاغطش وهو الذى فى عينه شبه عمش يقال اغطشه الله اذا جعله مظلما واغطش الليل اذا صار مظلما فهو متعد ولازم والاول هو المراد هنا اى جعله مظلما ذاهب النور فان قيل الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس فقوله واغطش ليلها يرجع معناه الى انه جعل المظلم مظلما وهو بعيد والجواب معناه ان الظلمة الحاصلة فى ذلك الزمان انما حصلت بتدبير الله وتقديره فلا اشكال { وأخرج ضحاها } اى ابرز نهارها عبر عنه بالضحى وهو ضوء الشمس ووقت الضحى وهو الوقت الذى تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها لانه اشرف اوقاتها واطيبها على تسيمة المحل باسم اشرف ما حل فيه فكان احق بالذكر فى مقام الامتنان وهو السر فى تأخير ذكره عن ذكر الليل وفى التعبير عن احداثه بالاخراج فان اضافة النور بعد الظلمة اتم فى الانعام واكمل فى الاحسان واضافة الليل والضحى الى السماء لدوران حدوثها على حركتها والاضافة يكفيها ادنى ملابسة المضاف اليه ويجوز ان تكون اضافة الضحى اليها بواسطة الشمس اى ابرز ضوء شمسها بتقدير المضاف والتعبير عنه بالضحى لانه وقت قيام سلطانها وكمال اشراقها. امام زاهد فرموده كه روز وشب دنيا بآسمان بيداكردد بسبب آفرينش آفتاب وماه دور. قال بعض العارفين الليل ذكر والنهار انثى فلما تغشاها الليل حملت فولدت فظهرت الكائنات عن غشيان الزمان فالمولدات اولاد الزمان واستخراج النهار من الليل كاستخراج حوآء من آدم قال تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون وقال يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل كعيسى فى مريم وحوآء فى آدم فاذا خاطب ابناء النهار قال يولد الليل واذا خاطب ابناء الليل قال يولج النهار وقال بعض اهل الحقائق ان توارد الليل والنهار اشارة الى توارد السيئة والحسنة فكما ان الدنيا لا تبقى على ليل وحده ولا على نهار وحده بل هما يتعاقبان فكذا المؤمن لا يخلو من نور الايمان والعمل الصالح ومن ظلمة العمل الفاسد والفكر الكاسد ولذ قال عليه السلام لعلى رضى الله عنه " ياعلى اذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة فاذا كان يوم القيامة يلقى الله الليل فى جهنم والنهار فى الجنة فلا يكون فى الجنة ليل كما لا يكون فى النار نهار " يعنى ان النهار فى الجنة هو نور ايمان المؤمن ونور عمله الصالح بحسب مرتبته والليل فى النار هو ظلمة كفر الكافر وظلمة عمله السيئ فكما ان الكفر لا يكون ايمانا فكذا الليل لا يكون نهارا والنار لا تكون نورا فيبقى كل من اهل النور والنار على صفته الغالبة عليه واما القلب وحاله بحسب التجلى فهو على عكس حال القالب فان نهاره المعنوى لا يتعاقب عليه ليل وان كان يطرأ عليه استتار فى بعض الاوقات.

النازعات 79:30

{ والارض بعد ذلك دحاها } اى قبل ذلك كقوله تعالى من بعد الذكر اى قبل القرءآن بسطها ومهدها لسكنى اهلها وتقلبهم فى اقطارها وقال بعضهم بعد على معناه الاصلى من التأخر فان الله خلق الارض قبل خلق السماء من غير أن يدحوها ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الارض بعد ذلك وقال فى الارشاد انتصاب الارض بمضمر يفسره دحاها وذلك اشارة الى ما ذكر من بناء السموات ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا الى انفسها وبعدية الدحو عنها محمولة على البعدية فى الذكر كما هو المعهود فى السنة العرب والعجم لا فى الوجود فان اتفاق الاكثر على تقدم خلق الارض وما فيها على خلق السماء وما فيها وتقديم الارض لا يفيد القصر وتعيين البعدية فى الوجود لما عرفت من ان انتصابه بمضمر مقدم قد حذف على شرطية التفسير لا بما ذكر بعده ليفيد ذلك وفائدة تأخيره فى الذكر اما التنبيه عل انه قاصر فى الدلالة على القدرة القاهرة بالنسبة الى احوال السماء واما الاشعار بانه ادخل فى الالزام لما ان المنافع المنوطة بما فى الارض اكثر وتعلق مصالح الناس بذلك اظهر واحاطتهم بتفاصيل احواله اكمل وقد مر ما يتعلق بهذا المقام فى سورة حم السجدة.

النازعات 79:31

{ اخرج منها ماءها } بأن فجر منها عيونا واجرى انهارا { ومرعاها } اى رعيها بالكسر بمعنى الكلأ وهو فى الاصل موضع الرعى بالفتح نسب الماء والمرعى الى الارض من حيث انهما منها يظهران وتجريد الجملة عن العاطف لانها بيان وتفسير لدحاها او تكملة له فان السكنى لا تتاتى بمجرد البسط والتمهيد بل لا بد من تسوية امر المعاش من المأكل والمشرب حتما.

النازعات 79:32

{ والجبال } منصوب بمضمر يفسر قوله { ارساها } اى اثبتها واثبت بها الارض ان تميد بها وهذا تحقيق للحق وتنبيه على ان الرسو المنسوب اليها فى مواضع كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسى ليس من مقتضيات ذواتها بل هو بارسائه تعالى ولولاه لما ثبتت فى نفسها فضلا عن اثباتها للارض.

النازعات 79:33

{ متاعا لكم ولانعامكم } مفعول له بمعنى تمتيعا والانعام جمع نعم بفتحتين وهى المال الراعية بمعنى المواشى وفى الصحاح واكثر ما يقع هذا الاسم على الابل والمراد هنا ما يكون عاما للابل والبقر والغنم من الضأن والمعز أى فعل ذلك تمتيعا ومنفعة لكم ولانعامكم لان فائدة ما ذكر من البسط والتمهيد واخراج الماء والمرعى واصلة اليهم والى انعامهم فان المراد بالمرعى ما يعم ما يأكله الانسان وغيره بناء على استعارة الرعى لتناول المأكول على الاطلاق كاستعارة المرسن للأنف ولهذا قيل دل الله تعالى بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الارض حتى الملح فانه من الماء قال العتبى هذا اى قوله اخرج منها ماءها ومرعاها من جوامع الكلم حيث ذكر شيئين دالين على جميع ما اخرج من الارض قوتا ومتاعا للانام من العشب والشجر والحب والثمر والملح والنار لان النار من الشجر الاخضر والملح من الماء ونكتة الاستعارة توبيخ المخاطبين المنكرين للبعث والحاقهم بالبهائم فى التمتع بالدنيا والذهول عن الآخرة.

النازعات 79:34

{ فاذاجاءت الطامة الكبرى } قال فى الصحاح كل شئ كثر حتى علا وغلب فقد طم من باب رد والكبرى تأنيث الاكبر من كبر بالضم بمعنى عظم لا من كبر بالكسر بمعنى اسن وهذا شروع فى بيان احوال معادهم اثر بيان احوال معاشهم والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها عما قليل كما ينبئ عنه لفظ المتاع والمعنى فاذا جاء وقت طلوع وقوع الداهية العظمى التى تطم على سائر الطامات والدواهى اى تعلوها وتغلبها فوصفها بالكبرى يكون للتأكيد ولو فسر بما تعلو على الخلائق وتغلبهم كان مخصصا والمراد القيامة او النفخة الثانية فانه يشاهد يوم القيامة من الآيات الهائلة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل وعند النفخة الثانية تحشر الخلائق الى موقف القيامة خصت النازعات بالطامة وعبس بالصاخة لان الطم ان كان بمعنى النفخة الأولى للاهلاك فهو قبل الصخ اى الصوت الشديد الذى يحيى له الناس حين يصيخون له كما ينتبه النائم بالصوت الشديد فهو بمعنى النفخة الثانية فجعل السابق للسورة السابقة واللاحق للاحقة وان كان بمعنى النفخة الثانية فحسن الموقع فى كلا الموضعين لان العلم ورد بعد قوله تتبعها الرادفة والصخ بعد ما بين عدم اصاخة النبى عليه السلام لابن ام مكتوم.

النازعات 79:35

{ يوم يتذكر الانسان ما سعى } منصوب بأعنى تذكيرا للطامة الكبرى وما موصولة وسعى بمعنى عمل اى يتذكر فيه كل احد كائنا من كان ما عمله من خير أو شر بأن يشاهده مدونا فى صحيفة اعماله وقد كان نسيه من فرط الغفلة وطول الامد كقوله تعالى أحصاه الله ونسوه

النازعات 79:36

{ وبرزت الجحيم } عطف على جاءت اى اظهرت اظهارا بينا لا يخفى على احد بعد ان كانوا يسمعون بها والمراد مطلق النار المعبر عنها بجهنم لا الدركة المخصوصة من الدركات السبع { لمن يرى } كائنا من كان على ما يفيده من فأنه من ألفاظ العموم يروى انه يكشف عنها فتتلظى فيراها كل ذى بصر مؤمن وكافر وقوله تعالى وبرزت الجحيم لا ينافى ان يراها المؤمنون ايضا حين يمرون عليها مجاوزين الصراط وقيل للكافر لان المؤمن يقول اين النار التى توعدنا بها فيقال مررتموها وهى خامدة.

النازعات 79:37

{ فاما من طغى } الخ جواب فاذا جاءت على طريقة قوله فاما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى الخ يقال ان جئتنى فان قدرت احسنت اليك ويقال اذا كانت الدعوة فاما من كان جاهلا فهناك مقامه واما من كان عالما فههنا مقامه اى فاما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز الحد فى العصيان كالنضر وأبيه الحارث المشهورين باللغو فى الكفر والطغيان.

النازعات 79:38

{ فاما من طغى } الخ جواب فاذا جاءت على طريقة قوله فاما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى الخ يقال ان جئتنى فان قدرت احسنت اليك ويقال اذا كانت الدعوة فاما من كان جاهلا فهناك مقامه واما من كان عالما فههنا مقامه اى فاما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز الحد فى العصيان كالنضر وأبيه الحارث المشهورين باللغو فى الكفر والطغيان.

النازعات 79:39

{ فان الجحيم } التى ذكر شأنها { هى } لا غيرها وهو ضمير فصل او مبتدأ { المأوى } اى مأواه فلا يخرج من النار كما يخرج المؤمن العاصى فالكلام فى حق الكافر لكن فيه موعظة وعبرة موقظة واللام سادة مسد الاضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغى كما فى قولك غض الطرف فانه لا يغض الرجل طرف غيره وذلك لان الخبر اذا كان جملة لا بد فيها من ضمير يربطها بالمبتدأ فسدت اللام مسد العائد لعدم الالتباس فلا احتياج فى مثل هذا المقام الى الرابطة.

النازعات 79:40

{ واما من خاف مقام ربه } اى مقامه بين يدى مالك أمره يوم الطامة الكبرى يوم يتذكر الانسان ما سعى وذلك لعلمه بالمبدأ والمعاد فان الخوف من القيام بين يديه للحساب لا بد ان يكون مسبوقا بالعلم به تعالى وفى بعض التفاسير المقام اما مصدر ميمى بمعنى القيام او اسم مكان بمعنى موضع القيام اى المكان الذى عينه الله لان يقوم العباد فيه للحساب والجزآء وقيل المقام مقحم للتأكيد جعل الخوف مقابلا للطغيان مع ان الظاهر مقابلته للانقياد والاطاعة بناء على ان الخوف اول اسباب الاطاعة ثم الرجاء ثم المحبة فالاول للعوام والثانى للخواص والثالث لأخص الخواص { ونهى النفس عن الهوى } عن الميل اليه بحكم الجبلة البشرية ولم يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها ولم يغتر بزخارفها وزينتها علما منه بوخامة عاقبتها والهوى ميلان النفس الى ما تشتهيه وتستلذه من غير داعية الشرع وفى الحديث ان اخوف ما اتخوف على امتى الهوى وطول الامل اما الهوى فيصد عن الحق واما طول الامل فينسى الآخرة قال بعض الكبار الهوى عبارة عن الشهوات السبع المذكورة فى قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث وقد أدرجها الله فى امرين كما قال انما الحياة الدنيا لعب ولهو ثم ادرجها فى أمر واحد وهو الهوى فى الآية فالهوى جامع لانواع الشهوات فمن تخلص من الهوى فقد تخلص من جميع القيود والبرازخ قال سهل رحمه الله لا يسلم من الهوى الا الانبياء وبعض الصديقين ليس كلهم وانما يسلم من الهوى من ألزم نفسه الأدب وقال بعضهم حقيقة الانسان هى نفسه لا شئ زآئد عليها وقال تعالى ونهى النفس عن الهوى فمن الناهى لها تأمل انتهى. يقول الفقير ان الانسان برزخ بين الحقيقة الالهية والحقيقة الكونية وكذا بين الحقيقة الملكية والحقيقة الحيوانية فهو من حيث الحقيقة الاولى ينهى النفس من حيث الحقيقة الثانية كما ان النبى عليه السلام يخاطب نفسه بقوله عليه السلام السلام عليك أيها النبى من جانب مليكته الى جانب بشريته او من مقام جمعه الى مقام فرقه.

النازعات 79:41

{ فان الجنة هى المأوى } له لا غيرها فنهى النفس عن الهوى معناه نهيها عن جميع الهوى على ان اللام للاستغراق والا فلا معنى للحصر لان المؤمن الفاسق قد يدخل النار اولا ثم يدخل الجنة فلا يصح فى حقه الحصر اللهم الا ان يقال معنى الحصر أن الجنة هى المقام الذى لا يخرج عنه من دخل فيه وفى بعض التفاسير المراد بالجنة مطلق دار الثواب فلا يخالف قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فان له جنتين بفضل الله فى دار الثواب جنة النعيم بالنعم الجسمانية وجنة التلذذ باللذات الروحانية. ودر فصول آورده كه اين آيت درشان كسى است كه قصد معصيتى كند وبران قادر باشد خلاف نفس نموده از خداى بترسد واز عمل آن دست باز دارد كر نفسى نفس بفرمان تست شبهه مياوركه بهشت آن تست نفس كشد هرنفسى سوى بست هركه خلافش نفسى زد برست قال محمد بن الحسن رحمه الله كنت نائما ذات ليلة اذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت انظروا من ذلك فقال رسول الخليفة هرون يدعوك فخفت على روحى وقمت ومضيت اليه فلما دخلت عيله قال دعوتك فى مسئلة ان ام محمد يعنى زبيده قلت لها انى امام العدل وامام العدل فى الجنة فقالت انك ظالم عاص قد شهدت لنفسك بالجنة فكذبت بذلك على الله وحرمت عليك فقلت له يا أمير المؤمنين اذا وقعت فى معصية فهل تخاف الله فى تلك الحال او بعدها فقال اى والله اخاف خوفا شديدا فقلت له أنا اشهد ان لك جنتين لا جنة واحدة قال الله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فلاطفنى وأمرنى بالانصراف فلما رجعت الى دارى رأيت البدر متبادرة الى عبد الملك بن مروان خليفة روزكار بود وابو حازم امام وزاهد وقت بودازوى برسيدكه يا ابا حازم فردا حال وكار ماجون خواهد بود كفت اكر قرآن مى خوانى خرآن ترا جواب ميدهد كفت كجا ميكويد كفت فاما من طغى الى قوله فان الجنة هى المأوى بدانكه دردنياهر نفسى را آتش شهوتست ودر عقبى آتش عقوبت هركه امروز بآتش شهوت سوخته كردد فردا بآتش عقوبت رسدوهركه امروزبآ ب رياضت ومجاهده آتش شهوت بنشاند وهمجنين دردنيا دردل هر مؤمن بهشتى است كه آنرا بهشت عرفان كويندودرعقبى بهشتى است كه آنرا رضوان كويند هركه امروز دردنيا بهشت عرفان بطاعت آراسته داردفردا به بهشت رضوان برسد. وقال القاشانى فاما من طغى اى تعدى طور الفطرة الانسانية وتجاوز حد العدالة والشريعة الى الرتبة البهيمية او السبعية وافرط فى تعديه وآثر الحياة الحسية على الحقيقية بمحبة اللذات السفلية فان الجحيم مرجعه ومأواه واما من خاف مقام ربه بالترقى الى مقام القلب ومشاهدة قيوميته تعالى نفسه ونهى النفس خوف عقابه وقهره عن هواها فان الجنة مآواه على حسب درجاته وقال بعضهم اشار بالآية الى حال المبتدئ فانه وقت قصده الى الله لا ويجوز له الرخصة والرفاهية خوفا من الحجاب فاذا بلغ الى مقام التصفية والمعرفة لم يحتج الى نهى النفس عن الهوى فان نفسه وجسمه وشيطانه صارت روحانية والمشتهى هناك مشتهى واحد هو مشتهى الروح فالمبتدئ مع النفس فى الاشتهاء فلذا صار من اهل النهى والمنتهى مع الرب فى ذلك ومن كان مع الرب فقد تحولت شهوته لذة حقيقية مقبولة.

النازعات 79:42

{ يسألونك } مى برسند ترا اى يا محمد { عن الساعة } اى القيامة { ايان مرساها } ارساؤها اى اقامتها يريدون متى يقيمها الله ويثبتها ويكونها فأيان ظرف بمعنى متى واصله اى آن ووقت والمرسى مصدر بمعنى الارساء وهو الاثبات وهو مبتدأ وايان خبره بتقدير المضاف اذ لا يخبر بالزمان عن الحدث والتقدير متى وقت ارسائها كان المشركون يسمعون اخبار القيامة واوصافها الهائلة مثل انها طامة كبرى وصاخة وقارعة فيقولون على سبيل الاستهزآء ايان مرسها.

النازعات 79:43

{ فيم أنت من ذكراها } رد وانكار لسؤال المشركين عنها واصل فيم فيما كما ان اصل عم عما وقد سبق والذكرى بمعنى الذكر كالبشرى بمعنى البشارة اى فى اى شئ أنت من ان تذكر لهم وقتها وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها كقوله تعالى يسألونك كأنك حفى عنها اى ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها فى شئ لان ذلك فرع علمك به وأنى لك ذلك وهو مما استأثر بعلمه علام الغيوب فقوله من ذكراها فيه مضاف وصلته محذوفة وهى لهم والاستفهام للانكار وأنت مبتدأ وفيم خبره قدم عليه ومن ذكراها متعلق بما تعلق به الخبر.

النازعات 79:44

{ الى ربك منتهاها } اى انتهاء علمها ليس لاحد منه شئ ما كائنا من كان فلاى شئ يسألونك عنها. عائشه رضى الله عنها فرموده كه حضرت رسول عليه السلام ميخواست كه وقت آن ازخدا بيرسدحق تعالى فرمود توازد انستن قيامت برجه جيزى يعنى علم آن حق تونيست زنهار تانبرسى به برورد كارتست منتهاى علم قيامت يعنى كس راخبرندهد جه اطلاع بران خاصهء حضرت بروردكارست. قال القاشانى اى فى اى شئ أنت من علمها وذكرها وانما الى ربك ينتهى علمها فان من عرف القيامة هو الذى انمحى علمه اولا بعلمه تعالى ثم فنيت ذاته فى ذاته فكيف يعلمها ولا علم له ولا ذات فأين أنت وغيرك من علمها بل لا يعلمها الا الله وحده.

النازعات 79:45

{ انما أنت منذر من يخشاها } اى وظيفتك الامتثال بما أمرت به منى بيان اقترابها وتفصيل ما فيها من فنون الاهوال لا تعيين وقتها الذى لم يفوض اليك فمالهم يسألونك عما ليس من وظائفك بيانه اى ما أنت الا منذر لا يعلم فهو من قصر الموصوف على الصفة او ما أنت منذر الا من يخشاها فهو من قصر الصفة على الموصوف وتخصيص من يخشى مع انه مبعوث الى من يخشى ومن لا يخشى لانهم هم المنتفعون به اى لا يؤثر الانذار الا فيهم كقوله فذكر بالقرءآن من يخاف وعيد والجمهور على ان قوله منذر من يخشاها من اضافة الصفة الى معمولها للتخفيف على الاصل لان الاصل فى الاسماء الاضافة والعمل فيها انما هو بالشبه ومن قرأها بالتنوين اعتبر أن الاصل فيها الاعمال والاضافة فيها انما هى للتخفيف.

النازعات 79:46

{ كأنهم } اى المنكرين وبالفارسية كوييا كفار مكه { يوم يرونها } روزى كه بينند قيامت راكه از آمدن آن همى برسند { لم يلبثوا الا عشية او ضحاها } الضحى اسم لما بين اشراق الشمس الى استوآء النهار ثم هى عشى الى الغداة كما فى كشف الاسرار والجملة حال من الموصول فانه على تقدير الاضافة وعدمها مفعول لمنذر كأنه قيل تنذرهم مشبهين يوم يرونها اى فى الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الانذار بها الا تلك المدة اليسيرة اى عشية يوم واحد او ضحاه اى آخر يوم او اوله لا يوما كاملا على ان التنوين عوض عن المضاف اليه فلما ترك اليوم أضيف ضحاه الى عشيته والضحى والعشية لما كانا من يوم واحد تحققت بينهما ملابسة مصححة لاضافة احدهما الى الآخرة فلذلك أضيف الضحى الى العشية فان قيل لم لم يقل الا عشية او ضحى وما فائدة الاضافة قلنا لو قيل لم يلبثوا الا عشية او ضحى احتمل أن يكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر فيتوهم استمرار اللبث من ذلك الزمان من اليوم الاول الى الزمان الآخر من اليوم الآخر واما اذا قيل الا عشية او ضحاها لم يحتمل ذلك البتة قال فى الارشاد واعتبار كون اللبث فى الدنيا او فى القبور لا يقتضيه المقام وانما الذى يقتضيه اعتبار كونه بعد الانذار أوبعد الوعيد تحقيقا للانذار وردا لاستبطائهم وفى الآية اشارة الى ساعة الفناء فى الله فانها امر وجدانى لا يعرفها الا من وقع فيها وهم باقون بنفوسهم الغليظة الشديدة فكيف يفهمونها بذكرها بلسان العبارة كما قيل من لم يذق لم يعرف كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية او ضحاها لاتصال آخر الفناء بأول البقاء كما قال العارف الطيار قدس سره كربقا خواهى فناى خود كزين اولين جيزى كه مى زايد بقاست وفى الحديث " من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله فى القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة مكتوبة " وهو عبارة عن استقصار مدة اللبث فيما يلقى من البشرى والكرامة فى البرزخ والموقف كذا فى حواشى ابن الشيخ رحمه الله. تمت سورة النازعات بعون خالق البريات فى يوم الاثنين ثانى صفر الخير من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف.