Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — البقرة 2:197 – البقرة 2:231

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. البقرة 2:197
  2. البقرة 2:198
  3. البقرة 2:199
  4. البقرة 2:200
  5. البقرة 2:201
  6. البقرة 2:202
  7. البقرة 2:203
  8. البقرة 2:204
  9. البقرة 2:205
  10. البقرة 2:206
  11. البقرة 2:207
  12. البقرة 2:208
  13. البقرة 2:209
  14. البقرة 2:210
  15. البقرة 2:211
  16. البقرة 2:212
  17. البقرة 2:213
  18. البقرة 2:214
  19. البقرة 2:215
  20. البقرة 2:216
  21. البقرة 2:217
  22. البقرة 2:218
  23. البقرة 2:219
  24. البقرة 2:220
  25. البقرة 2:221
  26. البقرة 2:222
  27. البقرة 2:223
  28. البقرة 2:224
  29. البقرة 2:225
  30. البقرة 2:226
  31. البقرة 2:227
  32. البقرة 2:228
  33. البقرة 2:229
  34. البقرة 2:230
  35. البقرة 2:231

البقرة 2:197

قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ فِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ الحَجِّ أشْهُرٌ، أيْ وقْتُ عَمَلِ الحَجِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: الحَجُّ في أشْهُرٍ، وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ النَّصْبُ مَعَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ لا الرَّفْعُ. قالَ الفَرّاءُ: الأشْهَرُ رَفْعٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ وقْتُ الحَجِّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: الحَجُّ حَجُّ أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ. وقَدْ اخْتُلِفَ في الأشْهُرِ المَعْلُوماتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ ومُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: هي شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ كُلُّهُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: هي شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وغَيْرُهم. وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ. ويَظْهَرُ فائِدَةُ الخِلافِ فِيما وقَعَ مِن أعْمالِ الحَجِّ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَن قالَ: إنَّ ذا الحِجَّةِ كُلَّهُ مِنَ الوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ التَّأْخِيرِ، ومَن قالَ: لَيْسَ إلّا العَشْرُ مِنهُ قالَ: يَلْزَمُ دَمُ التَّأْخِيرِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ إنَّهُ لا يَجُوزُ الإحْرامُ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وهو عَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ قالُوا: فَمَن أحْرَمَ بِالحَجِّ قَبْلَها أحَلَّ بِعُمْرَةٍ، ولا يُجْزِيهِ عَنْ إحْرامِ الحَجِّ كَمَن دَخَلَ في صَلاةٍ قَبْلَ وقْتِها فَإنَّها لا تُجْزِيهِ. وقالَ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ جَوازُ الإحْرامِ بِالحَجِّ في جَمِيعِ السَّنَةِ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في فائِدَةِ تَوْقِيتِ الحَجِّ بِالأشْهُرِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّصَّ عَلَيْها لِزِيادَةِ فَضْلِها. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِجَوازِ الإحْرامِ في جَمِيعِ السَّنَةِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، واحْتَجَّ لَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فَجَعَلَ الأهِلَّةَ كُلَّها مَواقِيتَ لِلْحَجِّ، ولَمْ يَخُصَّ الثَّلاثَةَ الأشْهُرَ، ويُجابُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ، وتِلْكَ خاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. ومِن جُمْلَةِ ما احْتَجُّوا بِهِ القِياسُ لِلْحَجِّ عَلى العُمْرَةِ، فَكَما يَجُوزُ الإحْرامُ لِلْعُمْرَةِ في جَمِيعِ السَّنَةِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْحَجِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القِياسَ مُصادِمٌ لِلنَّصِّ القُرْآنِيِّ، فَهو باطِلٌ، فالحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ إنْ كانَتِ الأشْهُرُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ مُخْتَصَّةً بِالثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ بِنَصٍّ أوْ إجْماعٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فالأشْهُرُ جَمْعُ شَهْرٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ يَتَرَدَّدُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والثَّلاثَةُ هي المُتَيَقَّنَةُ فَيَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أنَّ الحَجَّ في السَّنَةِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ في أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ مِن شُهُورِها لَيْسَ كالعُمْرَةِ، أوِ المُرادُ مَعْلُوماتٌ بِبَيانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ مَعْلُوماتٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ لا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْها ولا التَّأخُّرُ عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ أصْلُ الفَرْضِ في اللُّغَةِ: الحَزُّ والقَطْعُ، ومِنهُ فُرْضَةُ القَوْسِ والنَّهْرِ والجَبَلِ، فَفَرْضِيَّةُ الحَجِّ لازِمَةٌ لِلْعَبْدِ الحُرِّ كَلُزُومِ الحَزِّ لِلْقَوْسِ، وقِيلَ: مَعْنى فَرَضَ: أبانَ، وهو أيْضًا يَرْجِعُ إلى القَطْعِ؛ لِأنَّ مَن قَطَعَ شَيْئًا فَقَدْ أبانَهُ عَنْ غَيْرِهِ. والمَعْنى في الآيَةِ: فَمَن ألْزَمَ نَفْسَهُ فِيهِنَّ الحَجَّ بِالشُّرُوعِ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَصْدًا باطِنًا، وبِالإحْرامِ فِعْلًا ظاهِرًا، وبِالتَّلْبِيَةِ نُطْقًا مَسْمُوعًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّ إلْزامَهُ نَفْسَهُ يَكُونُ بِالتَّلْبِيَةِ أوْ بِتَقْلِيدِ الهَدْيِ وسَوْقِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: تَكْفِي النِّيَّةُ في الإحْرامِ بِالحَجِّ. والرَّفَثُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ ومُجاهِدٌ ومالِكٌ: هو الجِماعُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وطاوُسٌ وعَطاءٌ وغَيْرُهُمُ: الرَّفَثُ: الإفْحاشُ بِالكَلامِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ: اللِّغاءُ مِنَ الكَلامِ، وأنْشَدَ: ؎ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ يُقالُ: رَفَثَ يَرْفُثُ بِكَسْرِ الفاءِ وضَمِّها. والفُسُوقُ: الخُرُوجُ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: هو الذَّبْحُ لِلْأصْنامِ، وقِيلَ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ، وقِيلَ: السِّبابُ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِمَعْصِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما خَصَّصَهُ مَن خَصَّصَهُ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الفَرْدِ اسْمُ الفُسُوقِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ في الذَّبْحِ لِلْأصْنامِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . وقالَ في التَّنابُزِ: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ﴾ . (p-١٣٠)وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في السِّبابِ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ» . ولا يَخْفى عَلى عارِفٍ أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الفُسُوقِ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَعاصِي لا يُوجِبُ اخْتِصاصَهُ بِهِ. والجِدالُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ وهو القَتْلُ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُماراةُ، وقِيلَ: السِّبابُ، وقِيلَ: الفَخْرُ بِالآباءِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ. وقَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ ورَفْعِها، ورَفْعِ الأوَّلَيْنِ، ونَصْبِ الثّالِثِ، وعَكْسِ ذَلِكَ، ومَعْنى النَّفْيِ لِهَذِهِ الأُمُورِ النَّهْيُ عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّرِّ، وعَلى الطّاعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُونَهُ مِن ذَلِكَ فَهو مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَفُوتُ مِنهُ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِاتِّخاذِ الزّادِ؛ لِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ كانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ رَبِّنا ولا يُطْعِمُنا ؟ فَكانُوا يَحُجُّونَ بِلا زادٍ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: تَزَوَّدُوا لِمَعادِكم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ والأوَّلُ أرْجَحُ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وسَيَأْتِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ إخْبارٌ بِأنَّ خَيْرَ الزّادِ اتِّقاءُ المَنهِيّاتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتَّقُوا اللَّهَ في إتْيانِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الخُرُوجِ بِالزّادِ فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وقِيلَ: المَعْنى: فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ ما اتَّقى بِهِ المُسافِرُ مِنَ الهَلَكَةِ والحاجَةِ إلى السُّؤالِ والتَّكَفُّفِ. وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾ فِيهِ التَّخْصِيصُ لِأُولِي الألْبابِ بِالخِطابِ بَعْدَ حَثِّ جَمِيعِ العِبادِ عَلى التَّقْوى؛ لِأنَّ أرْبابَ الألْبابِ هُمُ القابِلُونَ لِأوامِرِ اللَّهِ النّاهِضُونَ بِها، ولُبُّ كُلِّ شَيْءٍ خالِصُهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ فِيهِ التَّرْخِيصُ لِمَن حَجَّ في التِّجارَةِ ونَحْوِها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها شَيْءٌ مِنَ الرِّزْقِ، وهو المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم، مَعَ سَفَرِكم لِتَأْدِيَةِ ما افْتَرَضَهُ عَلَيْكم مِنَ الحَجِّ. قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ أيْ دَفَعْتُمْ، يُقالُ: فاضَ الإناءُ؛ إذا امْتَلَأ ماءً حَتّى يَنْصَبَّ مِن نَواحِيهِ، ورَجُلٌ فَيّاضٌ: أيْ مُتَدَفِّقَةٌ يَداهُ بِالعَطاءِ، ومَعْناهُ: أفَضْتُمْ أنْفُسَكم فَتَرَكَ ذِكْرَ المَفْعُولِ، كَما تُرِكَ في قَوْلِهِمْ دَفَعُوا مِن مَوْضِعِ كَذا. وعَرَفاتٌ: اسْمٌ لِتِلْكَ البُقْعَةِ، أيْ مَوْضِعِ الوُقُوفِ، وقَرَأهُ الجَماعَةُ بِالتَّنْوِينِ، ولَيْسَ التَّنْوِينُ هُنا لِلْفَرْقِ بَيْنَ ما يَنْصَرِفُ وما لا يَنْصَرِفُ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ النُّونِ في مُسْلِمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: هَذا الجَيِّدُ. وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ حَذْفَ التَّنْوِينِ مِن عَرَفاتٍ قالَ: لَمّا جَعَلُوها مَعْرِفَةً حَذَفُوا التَّنْوِينَ. وحَكى الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ فَتْحَ التّاءِ تَشْبِيهًا بِتاءِ فاطِمَةَ، وأنْشَدُوا: ؎تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتَ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِي وقالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا مُنِعَتِ الصَّرْفَ، وفِيها السَّبَبانِ التَّعْرِيفُ والتَّأْنِيثُ، قُلْتُ: لا يَخْلُو التَّأْنِيثُ، إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ الَّتِي في لَفْظِها، وإمّا بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في سُعادَ، فالَّتِي في لَفْظِها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُ التّاءِ فِيها لِأنَّ هَذِهِ التّاءَ لِاخْتِصاصِها بِجُمَعِ المُؤَنَّثِ مانِعَةٌ مِن تَقْدِيرِها، كَما لا تُقَدَّرُ تاءُ التَّأْنِيثِ في بِنْتٍ لِأنَّ التّاءَ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ الواوِ لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ فَأبَتْ تَقْدِيرَها انْتَهى، وسُمِّيتْ عَرَفاتٍ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ التَقى هو وحَوّاءُ فِيها فَتَعارَفا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ كَسائِرِ أسْماءِ البِقاعِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ، والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دُعاؤُهُ، ومِنهُ التَّلْبِيَةُ والتَّكْبِيرُ، وسُمِّي المَشْعَرُ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعارِ، وهو العَلّامَةُ، والدُّعاءُ عِنْدَهُ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ جَمْعًا. وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ السُّنَّةَ أنْ يَجْمَعَ الحاجُّ بَيْنَهُما فِيها. والمَشْعَرُ: هو جَبَلُ قُزَحَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ، وقِيلَ: هو ما بَيْنَ جَبَلَيِ المُزْدَلِفَةِ مِن مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلى وادِي مُحَسِّرٍ. قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا، كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: الأوَّلُ أمْرٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، والثّانِي أمْرٌ بِالذِّكْرِ عَلى حُكْمِ الإخْلاصِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالثّانِي تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، و" إنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ مُخَفَّفَةٌ كَما يُفِيدُهُ دُخُولُ اللّامِ في الخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى قَدْ، أيْ قَدْ كُنْتُمْ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ عائِدٌ إلى الهُدى، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ «شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ قالَ: شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وعَشْرُ لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ. وأخْرَجُوا إلّا الحاكِمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ ومُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ قالَ: مَن أهَلَّ فِيهِنَّ بِحَجٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الفَرْضُ الإحْرامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ (p-١٣١)الزُّبَيْرِ قالَ: الإهْلالُ. وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ قالَ: فَرْضُ الحَجِّ الإحْرامُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفَرْضُ الإهْلالُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أجْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ قالَ: الرَّفَثُ: التَّعْرِيضُ لِلنِّساءِ بِالجِماعِ، والفُسُوقُ: المَعاصِي كُلُّها، والجِدالُ: جِدالُ الرَّجُلِ صاحِبَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَلا رَفَثَ: لا جِماعَ، ولا فُسُوقَ: المَعاصِي والكَذِبُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الرَّفَثُ الجِماعُ، والفُسُوقُ المَعاصِي، والجِدالُ المِراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الرَّفَثُ: غِشْيانُ النِّساءِ، والفُسُوقُ: السِّبابُ، والجِدالُ: المِراءُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ. ورُوِيَ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ ثُمَّ يَقْدَمُونَ فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ ناسٌ يَخْرُجُونَ مِن أهْلِيهِمْ لَيْسَتْ مَعَهم أزْوِدَةٌ يَقُولُونَ: نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ ولا يُطْعِمُنا ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا ومَعَهم أزْوادُهم رَمَوْا بِها واسْتَأْنَفُوا زادًا آخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا الكَعْكَ والدَّقِيقَ والسَّوِيقَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ يَتَوَكَّلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الزّادِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتَزَوَّدُوا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في المَوْسِمِ والحَجِّ ويَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّمِيمِيِّ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنّا أُناسٌ نُكْرِي فَهَلْ لَنا مِن حَجٍّ ؟ قالَ: ألَيْسَ تَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وتَأْتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمارَ، وتَحْلِقُونَ رُءُوسَكم ؟ قُلْتُ: بَلى، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ عَنِ الَّذِي سَألْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ فَدَعاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ وقالَ: " وأنْتُمْ حُجّاجٌ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأها كَما قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتٍ لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَقُولُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى المَناسِكَ: عَرَفْتَ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَسَكَتَ، حَتّى إذا هَبَطَتْ أيْدِي الرّاواحِلِ بِالمُزْدَلِفَةِ قالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةُ كُلُّها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: هو الجَبَلُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي بِجَمْعٍ مَشْعَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَ هَذا بِعامٍّ، هَذا لِأهْلِ البَلَدِ كانُوا يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ ويُفِيضُ سائِرُ النّاسِ مِن عَرَفاتٍ، فَأبى اللَّهُ لَهم ذَلِكَ، فَأنْزَلَ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: لَمِنَ الجاهِلِينَ.

البقرة 2:198

قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ فِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وقْتُ الحَجِّ أشْهُرٌ، أيْ وقْتُ عَمَلِ الحَجِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: الحَجُّ في أشْهُرٍ، وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ النَّصْبُ مَعَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ لا الرَّفْعُ. قالَ الفَرّاءُ: الأشْهَرُ رَفْعٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ وقْتُ الحَجِّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: الحَجُّ حَجُّ أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ. وقَدْ اخْتُلِفَ في الأشْهُرِ المَعْلُوماتِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ ومُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: هي شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ كُلُّهُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: هي شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وغَيْرُهم. وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ. ويَظْهَرُ فائِدَةُ الخِلافِ فِيما وقَعَ مِن أعْمالِ الحَجِّ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَن قالَ: إنَّ ذا الحِجَّةِ كُلَّهُ مِنَ الوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ التَّأْخِيرِ، ومَن قالَ: لَيْسَ إلّا العَشْرُ مِنهُ قالَ: يَلْزَمُ دَمُ التَّأْخِيرِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ إنَّهُ لا يَجُوزُ الإحْرامُ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وهو عَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ قالُوا: فَمَن أحْرَمَ بِالحَجِّ قَبْلَها أحَلَّ بِعُمْرَةٍ، ولا يُجْزِيهِ عَنْ إحْرامِ الحَجِّ كَمَن دَخَلَ في صَلاةٍ قَبْلَ وقْتِها فَإنَّها لا تُجْزِيهِ. وقالَ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ جَوازُ الإحْرامِ بِالحَجِّ في جَمِيعِ السَّنَةِ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في فائِدَةِ تَوْقِيتِ الحَجِّ بِالأشْهُرِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّصَّ عَلَيْها لِزِيادَةِ فَضْلِها. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِجَوازِ الإحْرامِ في جَمِيعِ السَّنَةِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، واحْتَجَّ لَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فَجَعَلَ الأهِلَّةَ كُلَّها مَواقِيتَ لِلْحَجِّ، ولَمْ يَخُصَّ الثَّلاثَةَ الأشْهُرَ، ويُجابُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ، وتِلْكَ خاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. ومِن جُمْلَةِ ما احْتَجُّوا بِهِ القِياسُ لِلْحَجِّ عَلى العُمْرَةِ، فَكَما يَجُوزُ الإحْرامُ لِلْعُمْرَةِ في جَمِيعِ السَّنَةِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْحَجِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القِياسَ مُصادِمٌ لِلنَّصِّ القُرْآنِيِّ، فَهو باطِلٌ، فالحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ إنْ كانَتِ الأشْهُرُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ مُخْتَصَّةً بِالثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ بِنَصٍّ أوْ إجْماعٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فالأشْهُرُ جَمْعُ شَهْرٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ يَتَرَدَّدُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والثَّلاثَةُ هي المُتَيَقَّنَةُ فَيَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أنَّ الحَجَّ في السَّنَةِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ في أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ مِن شُهُورِها لَيْسَ كالعُمْرَةِ، أوِ المُرادُ مَعْلُوماتٌ بِبَيانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ مَعْلُوماتٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ لا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْها ولا التَّأخُّرُ عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ أصْلُ الفَرْضِ في اللُّغَةِ: الحَزُّ والقَطْعُ، ومِنهُ فُرْضَةُ القَوْسِ والنَّهْرِ والجَبَلِ، فَفَرْضِيَّةُ الحَجِّ لازِمَةٌ لِلْعَبْدِ الحُرِّ كَلُزُومِ الحَزِّ لِلْقَوْسِ، وقِيلَ: مَعْنى فَرَضَ: أبانَ، وهو أيْضًا يَرْجِعُ إلى القَطْعِ؛ لِأنَّ مَن قَطَعَ شَيْئًا فَقَدْ أبانَهُ عَنْ غَيْرِهِ. والمَعْنى في الآيَةِ: فَمَن ألْزَمَ نَفْسَهُ فِيهِنَّ الحَجَّ بِالشُّرُوعِ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَصْدًا باطِنًا، وبِالإحْرامِ فِعْلًا ظاهِرًا، وبِالتَّلْبِيَةِ نُطْقًا مَسْمُوعًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّ إلْزامَهُ نَفْسَهُ يَكُونُ بِالتَّلْبِيَةِ أوْ بِتَقْلِيدِ الهَدْيِ وسَوْقِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: تَكْفِي النِّيَّةُ في الإحْرامِ بِالحَجِّ. والرَّفَثُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ ومُجاهِدٌ ومالِكٌ: هو الجِماعُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وطاوُسٌ وعَطاءٌ وغَيْرُهُمُ: الرَّفَثُ: الإفْحاشُ بِالكَلامِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ: اللِّغاءُ مِنَ الكَلامِ، وأنْشَدَ: ؎ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ يُقالُ: رَفَثَ يَرْفُثُ بِكَسْرِ الفاءِ وضَمِّها. والفُسُوقُ: الخُرُوجُ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: هو الذَّبْحُ لِلْأصْنامِ، وقِيلَ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ، وقِيلَ: السِّبابُ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِمَعْصِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما خَصَّصَهُ مَن خَصَّصَهُ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الفَرْدِ اسْمُ الفُسُوقِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ في الذَّبْحِ لِلْأصْنامِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . وقالَ في التَّنابُزِ: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ﴾ . (p-١٣٠)وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في السِّبابِ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ» . ولا يَخْفى عَلى عارِفٍ أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الفُسُوقِ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَعاصِي لا يُوجِبُ اخْتِصاصَهُ بِهِ. والجِدالُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ وهو القَتْلُ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُماراةُ، وقِيلَ: السِّبابُ، وقِيلَ: الفَخْرُ بِالآباءِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ. وقَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ ورَفْعِها، ورَفْعِ الأوَّلَيْنِ، ونَصْبِ الثّالِثِ، وعَكْسِ ذَلِكَ، ومَعْنى النَّفْيِ لِهَذِهِ الأُمُورِ النَّهْيُ عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّرِّ، وعَلى الطّاعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُونَهُ مِن ذَلِكَ فَهو مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَفُوتُ مِنهُ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِاتِّخاذِ الزّادِ؛ لِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ كانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ رَبِّنا ولا يُطْعِمُنا ؟ فَكانُوا يَحُجُّونَ بِلا زادٍ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: تَزَوَّدُوا لِمَعادِكم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ والأوَّلُ أرْجَحُ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وسَيَأْتِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ إخْبارٌ بِأنَّ خَيْرَ الزّادِ اتِّقاءُ المَنهِيّاتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتَّقُوا اللَّهَ في إتْيانِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الخُرُوجِ بِالزّادِ فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وقِيلَ: المَعْنى: فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ ما اتَّقى بِهِ المُسافِرُ مِنَ الهَلَكَةِ والحاجَةِ إلى السُّؤالِ والتَّكَفُّفِ. وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾ فِيهِ التَّخْصِيصُ لِأُولِي الألْبابِ بِالخِطابِ بَعْدَ حَثِّ جَمِيعِ العِبادِ عَلى التَّقْوى؛ لِأنَّ أرْبابَ الألْبابِ هُمُ القابِلُونَ لِأوامِرِ اللَّهِ النّاهِضُونَ بِها، ولُبُّ كُلِّ شَيْءٍ خالِصُهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ فِيهِ التَّرْخِيصُ لِمَن حَجَّ في التِّجارَةِ ونَحْوِها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها شَيْءٌ مِنَ الرِّزْقِ، وهو المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم، مَعَ سَفَرِكم لِتَأْدِيَةِ ما افْتَرَضَهُ عَلَيْكم مِنَ الحَجِّ. قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ﴾ أيْ دَفَعْتُمْ، يُقالُ: فاضَ الإناءُ؛ إذا امْتَلَأ ماءً حَتّى يَنْصَبَّ مِن نَواحِيهِ، ورَجُلٌ فَيّاضٌ: أيْ مُتَدَفِّقَةٌ يَداهُ بِالعَطاءِ، ومَعْناهُ: أفَضْتُمْ أنْفُسَكم فَتَرَكَ ذِكْرَ المَفْعُولِ، كَما تُرِكَ في قَوْلِهِمْ دَفَعُوا مِن مَوْضِعِ كَذا. وعَرَفاتٌ: اسْمٌ لِتِلْكَ البُقْعَةِ، أيْ مَوْضِعِ الوُقُوفِ، وقَرَأهُ الجَماعَةُ بِالتَّنْوِينِ، ولَيْسَ التَّنْوِينُ هُنا لِلْفَرْقِ بَيْنَ ما يَنْصَرِفُ وما لا يَنْصَرِفُ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ النُّونِ في مُسْلِمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: هَذا الجَيِّدُ. وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ حَذْفَ التَّنْوِينِ مِن عَرَفاتٍ قالَ: لَمّا جَعَلُوها مَعْرِفَةً حَذَفُوا التَّنْوِينَ. وحَكى الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ فَتْحَ التّاءِ تَشْبِيهًا بِتاءِ فاطِمَةَ، وأنْشَدُوا: ؎تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتَ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِي وقالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا مُنِعَتِ الصَّرْفَ، وفِيها السَّبَبانِ التَّعْرِيفُ والتَّأْنِيثُ، قُلْتُ: لا يَخْلُو التَّأْنِيثُ، إمّا أنْ يَكُونَ بِالتّاءِ الَّتِي في لَفْظِها، وإمّا بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ كَما في سُعادَ، فالَّتِي في لَفْظِها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُ التّاءِ فِيها لِأنَّ هَذِهِ التّاءَ لِاخْتِصاصِها بِجُمَعِ المُؤَنَّثِ مانِعَةٌ مِن تَقْدِيرِها، كَما لا تُقَدَّرُ تاءُ التَّأْنِيثِ في بِنْتٍ لِأنَّ التّاءَ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ الواوِ لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ فَأبَتْ تَقْدِيرَها انْتَهى، وسُمِّيتْ عَرَفاتٍ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ التَقى هو وحَوّاءُ فِيها فَتَعارَفا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ كَسائِرِ أسْماءِ البِقاعِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ، والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دُعاؤُهُ، ومِنهُ التَّلْبِيَةُ والتَّكْبِيرُ، وسُمِّي المَشْعَرُ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعارِ، وهو العَلّامَةُ، والدُّعاءُ عِنْدَهُ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، ووُصِفَ بِالحَرامِ لِحُرْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ جَمْعًا. وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ السُّنَّةَ أنْ يَجْمَعَ الحاجُّ بَيْنَهُما فِيها. والمَشْعَرُ: هو جَبَلُ قُزَحَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ، وقِيلَ: هو ما بَيْنَ جَبَلَيِ المُزْدَلِفَةِ مِن مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلى وادِي مُحَسِّرٍ. قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا، كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: الأوَّلُ أمْرٌ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، والثّانِي أمْرٌ بِالذِّكْرِ عَلى حُكْمِ الإخْلاصِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالثّانِي تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، و" إنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ مُخَفَّفَةٌ كَما يُفِيدُهُ دُخُولُ اللّامِ في الخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى قَدْ، أيْ قَدْ كُنْتُمْ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ عائِدٌ إلى الهُدى، وقِيلَ: إلى القُرْآنِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ «شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ قالَ: شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وعَشْرُ لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ. وأخْرَجُوا إلّا الحاكِمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ ومُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ قالَ: مَن أهَلَّ فِيهِنَّ بِحَجٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الفَرْضُ الإحْرامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ (p-١٣١)الزُّبَيْرِ قالَ: الإهْلالُ. وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ قالَ: فَرْضُ الحَجِّ الإحْرامُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفَرْضُ الإهْلالُ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أجْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ قالَ: الرَّفَثُ: التَّعْرِيضُ لِلنِّساءِ بِالجِماعِ، والفُسُوقُ: المَعاصِي كُلُّها، والجِدالُ: جِدالُ الرَّجُلِ صاحِبَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَلا رَفَثَ: لا جِماعَ، ولا فُسُوقَ: المَعاصِي والكَذِبُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: الرَّفَثُ الجِماعُ، والفُسُوقُ المَعاصِي، والجِدالُ المِراءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الرَّفَثُ: غِشْيانُ النِّساءِ، والفُسُوقُ: السِّبابُ، والجِدالُ: المِراءُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ. ورُوِيَ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ ثُمَّ يَقْدَمُونَ فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ ناسٌ يَخْرُجُونَ مِن أهْلِيهِمْ لَيْسَتْ مَعَهم أزْوِدَةٌ يَقُولُونَ: نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ ولا يُطْعِمُنا ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا ومَعَهم أزْوادُهم رَمَوْا بِها واسْتَأْنَفُوا زادًا آخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا الكَعْكَ والدَّقِيقَ والسَّوِيقَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ يَتَوَكَّلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الزّادِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتَزَوَّدُوا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في المَوْسِمِ والحَجِّ ويَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّمِيمِيِّ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنّا أُناسٌ نُكْرِي فَهَلْ لَنا مِن حَجٍّ ؟ قالَ: ألَيْسَ تَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وتَأْتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمارَ، وتَحْلِقُونَ رُءُوسَكم ؟ قُلْتُ: بَلى، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ عَنِ الَّذِي سَألْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ فَدَعاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ وقالَ: " وأنْتُمْ حُجّاجٌ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأها كَما قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتٍ لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَقُولُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى المَناسِكَ: عَرَفْتَ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَسَكَتَ، حَتّى إذا هَبَطَتْ أيْدِي الرّاواحِلِ بِالمُزْدَلِفَةِ قالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةُ كُلُّها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: هو الجَبَلُ وما حَوْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي بِجَمْعٍ مَشْعَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَ هَذا بِعامٍّ، هَذا لِأهْلِ البَلَدِ كانُوا يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ ويُفِيضُ سائِرُ النّاسِ مِن عَرَفاتٍ، فَأبى اللَّهُ لَهم ذَلِكَ، فَأنْزَلَ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: لَمِنَ الجاهِلِينَ.

البقرة 2:199

. قِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ لِلْحُمْسِ مِن (p-١٣٢)قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا لا يَقِفُونَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفاتٍ، بَلْ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهي مِنَ الحَرَمِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لا لِلتَّرْتِيبِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ: أيْ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفاضَةً أُخْرى وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " عَلى بابِها أيْ لِلتَّرْتِيبِ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم في مَساقِطِ الرَّحْمَةِ، ومُواطِنِ القَبُولِ، ومَظِنّاتِ الإجابَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوا لِلَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ، وهو وُقُوفُكم بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ. والمُرادُ بِالمَناسِكِ أعْمالُ الحَجِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» أيْ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَناسِكِ الذَّبائِحُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ يَقِفُونَ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ ومَناقِبَ أسْلافِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ مَكانَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، ويَجْعَلُونَهُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ أوْ أشَدَّ مِن ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ أشَدَّ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى " ذِكْرِكم " والمَعْنى: أوْ كَأشَدَّ ذِكْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهم أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةَ، لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ، وكانَ الدُّعاءُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الذِّكْرِ جَعَلَ مَن يَدْعُوهُ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى حَظِّ الآخِرَةِ، والقِسْمُ الآخَرُ يَطْلُبُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿آتِنا﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ ما نُرِيدُ أوْ ما نَطْلُبُ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهُ﴾ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ: أيْ وما لِهَذا الدّاعِي في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُّنْيا لا يُرِيدُ غَيْرَها ولا يَطْلُبُ سِواها. وفِي هَذا الخَبَرِ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والذَّمِّ لِمَن جَعَلَها غايَةَ رَغْبَتِهِ ومُعْظَمَ مَقْصُودِهِ. وقَدْ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الحَسَنَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، فَقِيلَ: هُما ما يَطْلُبُهُ الصّالِحُونَ في الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، وما يَطْلُبُونَهُ في الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ والرِّضا، وقِيلَ: المُرادُ بِحَسَنَةِ الدُّنْيا الزَّوْجَةُ الحَسْناءُ، وحَسَنَةِ الآخِرَةِ الحُورُ العِينُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَتَيْنِ نَعِيمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، فَإنَّ ﴿حَسَنَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الدُّعاءِ فَهو مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَناتِ عَلى البَدَلِ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ. انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وقِنا﴾ أصْلُهُ أوْقِنا حُذِفَتِ الواوُ كَما حُذِفَتْ في يَقِي لِأنَّها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ مِثْلُ " يَعِدُ " هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا. والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ إبْراهِيمُ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مَكِّيٍّ والمَهْدَوِيِّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الإجْماعِ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ. ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ، قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وحَكى الكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ إلْكِيا الطَّبَرِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا فَرْقَ بَيْنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، لِأنَّ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ أيّامُ التَّشْرِيقِ بِلا خِلافٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ مَعْدُودانِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ التَّشْرِيقِ. والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هو الحاجُّ وغَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالحاجِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وقْتِهِ، فَقِيلَ: مِن صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وقِيلَ: مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ النَّحْرِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقِيلَ: مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ الآيَةَ، اليَوْمانِ هُما يَوْمُ ثانِي النَّحْرِ ويَوْمُ ثالِثِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ: مَن (p-١٣٣)رَمى في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ فَلا حَرَجَ، فَمَعْنى الآيَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَذُمُّ التَّعَجُّلَ، ومِنهم مَن كانَ يَذُمُّ التَّأخُّرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجُناحِ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، والآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ مُباحانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ. قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " . وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في المَغْفِرَةِ لِأهْلِ عَرَفَةَ، ونُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وإجابَةِ دُعائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم﴾ قالَ: حَجَّكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم﴾ قالَ: تَفاخُرُ العَرَبِ بَيْنَها بِفِعالِ آبائِها يَوْمَ النَّحْرِ حِينَ يَفْرُغُونَ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مَكانَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ في الحَجِّ فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما يَذْكُرُ الأبْناءُ الآباءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إنِ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ اليَوْمُ وما يَذْكُرُ أباهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: تَغْضَبُ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ إذا ذُكِرَ والِدُكَ بِسُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ويَجِيءُ بَعْدَهم آخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ إذا وقَفُوا عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دَعَوْا فَقالَ أحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إبِلًا، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَنَمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَيَدْعُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا المَطَرَ، وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالِحِينَ إلى صالِحِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ قالَ: مِمّا عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ: سَرِيعُ الإحْصاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ، وأفْضَلُها أوَّلُها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ. وفِي لَفْظٍ: هَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: هُنَّ أيّامُ التَّشْرِيقِ، يُذْكَرُ فِيهِنَّ بِتَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَحْمِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أرْبَعَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، والثَّلاثَةُ الأيّامُ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ تِلْكَ الأيّامَ بِمِنًى ويَقُولُ: التَّكْبِيرُ واجِبٌ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: التَّكْبِيرُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا وراءَ الصَّلَواتِ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ (p-١٣٤)يَرْمِي الجِمارَ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَعْجِيلِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَأْخِيرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: النَّفْرُ في يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَن غابَتْ لَهُ الشَّمْسُ في اليَوْمِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو بِمِنًى فَلا يَنْفِرَنَّ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ، وأتاهُ النّاسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: الحَجُّ عَرَفاتٌ، فَمَن أدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أدْرَكَ، أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ. قالَ قَتادَةُ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقى في حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: ذَهَبَ إثْمُهُ كُلُّهُ إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ.

البقرة 2:200

. قِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ لِلْحُمْسِ مِن (p-١٣٢)قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا لا يَقِفُونَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفاتٍ، بَلْ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهي مِنَ الحَرَمِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لا لِلتَّرْتِيبِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ: أيْ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفاضَةً أُخْرى وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " عَلى بابِها أيْ لِلتَّرْتِيبِ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم في مَساقِطِ الرَّحْمَةِ، ومُواطِنِ القَبُولِ، ومَظِنّاتِ الإجابَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوا لِلَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ، وهو وُقُوفُكم بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ. والمُرادُ بِالمَناسِكِ أعْمالُ الحَجِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» أيْ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَناسِكِ الذَّبائِحُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ يَقِفُونَ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ ومَناقِبَ أسْلافِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ مَكانَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، ويَجْعَلُونَهُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ أوْ أشَدَّ مِن ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ أشَدَّ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى " ذِكْرِكم " والمَعْنى: أوْ كَأشَدَّ ذِكْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهم أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةَ، لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ، وكانَ الدُّعاءُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الذِّكْرِ جَعَلَ مَن يَدْعُوهُ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى حَظِّ الآخِرَةِ، والقِسْمُ الآخَرُ يَطْلُبُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿آتِنا﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ ما نُرِيدُ أوْ ما نَطْلُبُ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهُ﴾ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ: أيْ وما لِهَذا الدّاعِي في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُّنْيا لا يُرِيدُ غَيْرَها ولا يَطْلُبُ سِواها. وفِي هَذا الخَبَرِ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والذَّمِّ لِمَن جَعَلَها غايَةَ رَغْبَتِهِ ومُعْظَمَ مَقْصُودِهِ. وقَدْ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الحَسَنَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، فَقِيلَ: هُما ما يَطْلُبُهُ الصّالِحُونَ في الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، وما يَطْلُبُونَهُ في الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ والرِّضا، وقِيلَ: المُرادُ بِحَسَنَةِ الدُّنْيا الزَّوْجَةُ الحَسْناءُ، وحَسَنَةِ الآخِرَةِ الحُورُ العِينُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَتَيْنِ نَعِيمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، فَإنَّ ﴿حَسَنَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الدُّعاءِ فَهو مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَناتِ عَلى البَدَلِ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ. انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وقِنا﴾ أصْلُهُ أوْقِنا حُذِفَتِ الواوُ كَما حُذِفَتْ في يَقِي لِأنَّها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ مِثْلُ " يَعِدُ " هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا. والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ إبْراهِيمُ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مَكِّيٍّ والمَهْدَوِيِّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الإجْماعِ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ. ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ، قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وحَكى الكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ إلْكِيا الطَّبَرِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا فَرْقَ بَيْنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، لِأنَّ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ أيّامُ التَّشْرِيقِ بِلا خِلافٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ مَعْدُودانِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ التَّشْرِيقِ. والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هو الحاجُّ وغَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالحاجِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وقْتِهِ، فَقِيلَ: مِن صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وقِيلَ: مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ النَّحْرِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقِيلَ: مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ الآيَةَ، اليَوْمانِ هُما يَوْمُ ثانِي النَّحْرِ ويَوْمُ ثالِثِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ: مَن (p-١٣٣)رَمى في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ فَلا حَرَجَ، فَمَعْنى الآيَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَذُمُّ التَّعَجُّلَ، ومِنهم مَن كانَ يَذُمُّ التَّأخُّرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجُناحِ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، والآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ مُباحانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ. قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " . وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في المَغْفِرَةِ لِأهْلِ عَرَفَةَ، ونُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وإجابَةِ دُعائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم﴾ قالَ: حَجَّكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم﴾ قالَ: تَفاخُرُ العَرَبِ بَيْنَها بِفِعالِ آبائِها يَوْمَ النَّحْرِ حِينَ يَفْرُغُونَ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مَكانَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ في الحَجِّ فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما يَذْكُرُ الأبْناءُ الآباءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إنِ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ اليَوْمُ وما يَذْكُرُ أباهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: تَغْضَبُ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ إذا ذُكِرَ والِدُكَ بِسُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ويَجِيءُ بَعْدَهم آخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ إذا وقَفُوا عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دَعَوْا فَقالَ أحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إبِلًا، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَنَمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَيَدْعُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا المَطَرَ، وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالِحِينَ إلى صالِحِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ قالَ: مِمّا عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ: سَرِيعُ الإحْصاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ، وأفْضَلُها أوَّلُها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ. وفِي لَفْظٍ: هَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: هُنَّ أيّامُ التَّشْرِيقِ، يُذْكَرُ فِيهِنَّ بِتَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَحْمِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أرْبَعَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، والثَّلاثَةُ الأيّامُ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ تِلْكَ الأيّامَ بِمِنًى ويَقُولُ: التَّكْبِيرُ واجِبٌ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: التَّكْبِيرُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا وراءَ الصَّلَواتِ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ (p-١٣٤)يَرْمِي الجِمارَ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَعْجِيلِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَأْخِيرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: النَّفْرُ في يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَن غابَتْ لَهُ الشَّمْسُ في اليَوْمِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو بِمِنًى فَلا يَنْفِرَنَّ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ، وأتاهُ النّاسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: الحَجُّ عَرَفاتٌ، فَمَن أدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أدْرَكَ، أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ. قالَ قَتادَةُ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقى في حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: ذَهَبَ إثْمُهُ كُلُّهُ إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ.

البقرة 2:201

. قِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ لِلْحُمْسِ مِن (p-١٣٢)قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا لا يَقِفُونَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفاتٍ، بَلْ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهي مِنَ الحَرَمِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لا لِلتَّرْتِيبِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ: أيْ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفاضَةً أُخْرى وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " عَلى بابِها أيْ لِلتَّرْتِيبِ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم في مَساقِطِ الرَّحْمَةِ، ومُواطِنِ القَبُولِ، ومَظِنّاتِ الإجابَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوا لِلَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ، وهو وُقُوفُكم بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ. والمُرادُ بِالمَناسِكِ أعْمالُ الحَجِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» أيْ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَناسِكِ الذَّبائِحُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ يَقِفُونَ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ ومَناقِبَ أسْلافِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ مَكانَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، ويَجْعَلُونَهُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ أوْ أشَدَّ مِن ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ أشَدَّ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى " ذِكْرِكم " والمَعْنى: أوْ كَأشَدَّ ذِكْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهم أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةَ، لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ، وكانَ الدُّعاءُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الذِّكْرِ جَعَلَ مَن يَدْعُوهُ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى حَظِّ الآخِرَةِ، والقِسْمُ الآخَرُ يَطْلُبُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿آتِنا﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ ما نُرِيدُ أوْ ما نَطْلُبُ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهُ﴾ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ: أيْ وما لِهَذا الدّاعِي في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُّنْيا لا يُرِيدُ غَيْرَها ولا يَطْلُبُ سِواها. وفِي هَذا الخَبَرِ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والذَّمِّ لِمَن جَعَلَها غايَةَ رَغْبَتِهِ ومُعْظَمَ مَقْصُودِهِ. وقَدْ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الحَسَنَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، فَقِيلَ: هُما ما يَطْلُبُهُ الصّالِحُونَ في الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، وما يَطْلُبُونَهُ في الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ والرِّضا، وقِيلَ: المُرادُ بِحَسَنَةِ الدُّنْيا الزَّوْجَةُ الحَسْناءُ، وحَسَنَةِ الآخِرَةِ الحُورُ العِينُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَتَيْنِ نَعِيمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، فَإنَّ ﴿حَسَنَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الدُّعاءِ فَهو مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَناتِ عَلى البَدَلِ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ. انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وقِنا﴾ أصْلُهُ أوْقِنا حُذِفَتِ الواوُ كَما حُذِفَتْ في يَقِي لِأنَّها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ مِثْلُ " يَعِدُ " هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا. والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ إبْراهِيمُ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مَكِّيٍّ والمَهْدَوِيِّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الإجْماعِ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ. ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ، قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وحَكى الكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ إلْكِيا الطَّبَرِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا فَرْقَ بَيْنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، لِأنَّ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ أيّامُ التَّشْرِيقِ بِلا خِلافٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ مَعْدُودانِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ التَّشْرِيقِ. والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هو الحاجُّ وغَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالحاجِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وقْتِهِ، فَقِيلَ: مِن صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وقِيلَ: مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ النَّحْرِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقِيلَ: مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ الآيَةَ، اليَوْمانِ هُما يَوْمُ ثانِي النَّحْرِ ويَوْمُ ثالِثِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ: مَن (p-١٣٣)رَمى في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ فَلا حَرَجَ، فَمَعْنى الآيَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَذُمُّ التَّعَجُّلَ، ومِنهم مَن كانَ يَذُمُّ التَّأخُّرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجُناحِ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، والآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ مُباحانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ. قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " . وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في المَغْفِرَةِ لِأهْلِ عَرَفَةَ، ونُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وإجابَةِ دُعائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم﴾ قالَ: حَجَّكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم﴾ قالَ: تَفاخُرُ العَرَبِ بَيْنَها بِفِعالِ آبائِها يَوْمَ النَّحْرِ حِينَ يَفْرُغُونَ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مَكانَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ في الحَجِّ فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما يَذْكُرُ الأبْناءُ الآباءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إنِ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ اليَوْمُ وما يَذْكُرُ أباهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: تَغْضَبُ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ إذا ذُكِرَ والِدُكَ بِسُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ويَجِيءُ بَعْدَهم آخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ إذا وقَفُوا عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دَعَوْا فَقالَ أحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إبِلًا، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَنَمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَيَدْعُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا المَطَرَ، وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالِحِينَ إلى صالِحِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ قالَ: مِمّا عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ: سَرِيعُ الإحْصاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ، وأفْضَلُها أوَّلُها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ. وفِي لَفْظٍ: هَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: هُنَّ أيّامُ التَّشْرِيقِ، يُذْكَرُ فِيهِنَّ بِتَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَحْمِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أرْبَعَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، والثَّلاثَةُ الأيّامُ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ تِلْكَ الأيّامَ بِمِنًى ويَقُولُ: التَّكْبِيرُ واجِبٌ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: التَّكْبِيرُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا وراءَ الصَّلَواتِ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ (p-١٣٤)يَرْمِي الجِمارَ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَعْجِيلِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَأْخِيرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: النَّفْرُ في يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَن غابَتْ لَهُ الشَّمْسُ في اليَوْمِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو بِمِنًى فَلا يَنْفِرَنَّ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ، وأتاهُ النّاسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: الحَجُّ عَرَفاتٌ، فَمَن أدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أدْرَكَ، أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ. قالَ قَتادَةُ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقى في حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: ذَهَبَ إثْمُهُ كُلُّهُ إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ.

البقرة 2:202

. قِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ لِلْحُمْسِ مِن (p-١٣٢)قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا لا يَقِفُونَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفاتٍ، بَلْ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهي مِنَ الحَرَمِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لا لِلتَّرْتِيبِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ: أيْ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفاضَةً أُخْرى وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " عَلى بابِها أيْ لِلتَّرْتِيبِ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم في مَساقِطِ الرَّحْمَةِ، ومُواطِنِ القَبُولِ، ومَظِنّاتِ الإجابَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوا لِلَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ، وهو وُقُوفُكم بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ. والمُرادُ بِالمَناسِكِ أعْمالُ الحَجِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» أيْ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَناسِكِ الذَّبائِحُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ يَقِفُونَ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ ومَناقِبَ أسْلافِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ مَكانَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، ويَجْعَلُونَهُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ أوْ أشَدَّ مِن ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ أشَدَّ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى " ذِكْرِكم " والمَعْنى: أوْ كَأشَدَّ ذِكْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهم أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةَ، لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ، وكانَ الدُّعاءُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الذِّكْرِ جَعَلَ مَن يَدْعُوهُ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى حَظِّ الآخِرَةِ، والقِسْمُ الآخَرُ يَطْلُبُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿آتِنا﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ ما نُرِيدُ أوْ ما نَطْلُبُ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهُ﴾ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ: أيْ وما لِهَذا الدّاعِي في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُّنْيا لا يُرِيدُ غَيْرَها ولا يَطْلُبُ سِواها. وفِي هَذا الخَبَرِ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والذَّمِّ لِمَن جَعَلَها غايَةَ رَغْبَتِهِ ومُعْظَمَ مَقْصُودِهِ. وقَدْ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الحَسَنَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، فَقِيلَ: هُما ما يَطْلُبُهُ الصّالِحُونَ في الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، وما يَطْلُبُونَهُ في الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ والرِّضا، وقِيلَ: المُرادُ بِحَسَنَةِ الدُّنْيا الزَّوْجَةُ الحَسْناءُ، وحَسَنَةِ الآخِرَةِ الحُورُ العِينُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَتَيْنِ نَعِيمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، فَإنَّ ﴿حَسَنَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الدُّعاءِ فَهو مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَناتِ عَلى البَدَلِ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ. انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وقِنا﴾ أصْلُهُ أوْقِنا حُذِفَتِ الواوُ كَما حُذِفَتْ في يَقِي لِأنَّها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ مِثْلُ " يَعِدُ " هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا. والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ إبْراهِيمُ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مَكِّيٍّ والمَهْدَوِيِّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الإجْماعِ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ. ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ، قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وحَكى الكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ إلْكِيا الطَّبَرِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا فَرْقَ بَيْنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، لِأنَّ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ أيّامُ التَّشْرِيقِ بِلا خِلافٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ مَعْدُودانِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ التَّشْرِيقِ. والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هو الحاجُّ وغَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالحاجِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وقْتِهِ، فَقِيلَ: مِن صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وقِيلَ: مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ النَّحْرِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقِيلَ: مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ الآيَةَ، اليَوْمانِ هُما يَوْمُ ثانِي النَّحْرِ ويَوْمُ ثالِثِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ: مَن (p-١٣٣)رَمى في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ فَلا حَرَجَ، فَمَعْنى الآيَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَذُمُّ التَّعَجُّلَ، ومِنهم مَن كانَ يَذُمُّ التَّأخُّرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجُناحِ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، والآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ مُباحانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ. قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " . وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في المَغْفِرَةِ لِأهْلِ عَرَفَةَ، ونُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وإجابَةِ دُعائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم﴾ قالَ: حَجَّكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم﴾ قالَ: تَفاخُرُ العَرَبِ بَيْنَها بِفِعالِ آبائِها يَوْمَ النَّحْرِ حِينَ يَفْرُغُونَ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مَكانَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ في الحَجِّ فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما يَذْكُرُ الأبْناءُ الآباءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إنِ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ اليَوْمُ وما يَذْكُرُ أباهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: تَغْضَبُ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ إذا ذُكِرَ والِدُكَ بِسُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ويَجِيءُ بَعْدَهم آخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ إذا وقَفُوا عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دَعَوْا فَقالَ أحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إبِلًا، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَنَمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَيَدْعُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا المَطَرَ، وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالِحِينَ إلى صالِحِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ قالَ: مِمّا عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ: سَرِيعُ الإحْصاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ، وأفْضَلُها أوَّلُها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ. وفِي لَفْظٍ: هَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: هُنَّ أيّامُ التَّشْرِيقِ، يُذْكَرُ فِيهِنَّ بِتَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَحْمِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أرْبَعَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، والثَّلاثَةُ الأيّامُ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ تِلْكَ الأيّامَ بِمِنًى ويَقُولُ: التَّكْبِيرُ واجِبٌ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: التَّكْبِيرُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا وراءَ الصَّلَواتِ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ (p-١٣٤)يَرْمِي الجِمارَ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَعْجِيلِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَأْخِيرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: النَّفْرُ في يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَن غابَتْ لَهُ الشَّمْسُ في اليَوْمِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو بِمِنًى فَلا يَنْفِرَنَّ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ، وأتاهُ النّاسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: الحَجُّ عَرَفاتٌ، فَمَن أدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أدْرَكَ، أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ. قالَ قَتادَةُ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقى في حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: ذَهَبَ إثْمُهُ كُلُّهُ إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ.

البقرة 2:203

. قِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ لِلْحُمْسِ مِن (p-١٣٢)قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا لا يَقِفُونَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفاتٍ، بَلْ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهي مِنَ الحَرَمِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لا لِلتَّرْتِيبِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ: أيْ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفاضَةً أُخْرى وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وعَلى هَذا تَكُونُ " ثُمَّ " عَلى بابِها أيْ لِلتَّرْتِيبِ. وقَدْ رَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وإنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم في مَساقِطِ الرَّحْمَةِ، ومُواطِنِ القَبُولِ، ومَظِنّاتِ الإجابَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرُوا لِلَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ، وهو وُقُوفُكم بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ. والمُرادُ بِالمَناسِكِ أعْمالُ الحَجِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» أيْ فَإذا فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَناسِكِ الذَّبائِحُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ يَقِفُونَ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ ومَناقِبَ أسْلافِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ مَكانَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، ويَجْعَلُونَهُ ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ أوْ أشَدَّ مِن ذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ أشَدَّ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى " ذِكْرِكم " والمَعْنى: أوْ كَأشَدَّ ذِكْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كَما تَقُولُ كَذِكْرِ قُرَيْشٍ آباءَهم أوْ قَوْمٍ أشَدَّ مِنهم ذِكْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةَ، لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ، وكانَ الدُّعاءُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الذِّكْرِ جَعَلَ مَن يَدْعُوهُ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيا ولا يَلْتَفِتُ إلى حَظِّ الآخِرَةِ، والقِسْمُ الآخَرُ يَطْلُبُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿آتِنا﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ ما نُرِيدُ أوْ ما نَطْلُبُ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهُ﴾ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ: أيْ وما لِهَذا الدّاعِي في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ؛ لِأنَّ هَمَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الدُّنْيا لا يُرِيدُ غَيْرَها ولا يَطْلُبُ سِواها. وفِي هَذا الخَبَرِ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والذَّمِّ لِمَن جَعَلَها غايَةَ رَغْبَتِهِ ومُعْظَمَ مَقْصُودِهِ. وقَدْ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الحَسَنَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، فَقِيلَ: هُما ما يَطْلُبُهُ الصّالِحُونَ في الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، وما يَطْلُبُونَهُ في الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ والرِّضا، وقِيلَ: المُرادُ بِحَسَنَةِ الدُّنْيا الزَّوْجَةُ الحَسْناءُ، وحَسَنَةِ الآخِرَةِ الحُورُ العِينُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ بِالحَسَنَتَيْنِ نَعِيمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، فَإنَّ ﴿حَسَنَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الدُّعاءِ فَهو مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ حَسَنَةٍ مِنَ الحَسَناتِ عَلى البَدَلِ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ. انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وقِنا﴾ أصْلُهُ أوْقِنا حُذِفَتِ الواوُ كَما حُذِفَتْ في يَقِي لِأنَّها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ مِثْلُ " يَعِدُ " هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: حُذِفَتْ فَرْقًا بَيْنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا. والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: قالَ إبْراهِيمُ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ. وكَذا رُوِيَ عَنْ مَكِّيٍّ والمَهْدَوِيِّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِنَ الإجْماعِ عَلى ما نَقَلَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ. ورَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ، قالَ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وحَكى الكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ إلْكِيا الطَّبَرِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا فَرْقَ بَيْنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، لِأنَّ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ أيّامُ التَّشْرِيقِ بِلا خِلافٍ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ مَعْدُودانِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ التَّشْرِيقِ. والمُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هو الحاجُّ وغَيْرُهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالحاجِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وقْتِهِ، فَقِيلَ: مِن صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وقِيلَ: مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن آخِرِ النَّحْرِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وقِيلَ: مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ الآيَةَ، اليَوْمانِ هُما يَوْمُ ثانِي النَّحْرِ ويَوْمُ ثالِثِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ: مَن (p-١٣٣)رَمى في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ فَلا حَرَجَ، فَمَعْنى الآيَةِ كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَذُمُّ التَّعَجُّلَ، ومِنهم مَن كانَ يَذُمُّ التَّأخُّرَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجُناحِ في كُلِّ ذَلِكَ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، والآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّعَجُّلَ والتَّأخُّرَ مُباحانِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ. قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " . وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في المَغْفِرَةِ لِأهْلِ عَرَفَةَ، ونُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، وإجابَةِ دُعائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم﴾ قالَ: حَجَّكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم﴾ قالَ: تَفاخُرُ العَرَبِ بَيْنَها بِفِعالِ آبائِها يَوْمَ النَّحْرِ حِينَ يَفْرُغُونَ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ مَكانَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ في الحَجِّ فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما يَذْكُرُ الأبْناءُ الآباءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إنِ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ اليَوْمُ وما يَذْكُرُ أباهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: تَغْضَبُ لِلَّهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِن غَضَبِكَ إذا ذُكِرَ والِدُكَ بِسُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ويَجِيءُ بَعْدَهم آخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ إذا وقَفُوا عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ دَعَوْا فَقالَ أحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إبِلًا، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَنَمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَيَدْعُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا المَطَرَ، وأعْطِنا عَلى عَدُوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالِحِينَ إلى صالِحِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ قالَ: مِمّا عَمِلُوا مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ: سَرِيعُ الإحْصاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ الأضْحى، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ، وأفْضَلُها أوَّلُها. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ. وفِي لَفْظٍ: هَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: هُنَّ أيّامُ التَّشْرِيقِ، يُذْكَرُ فِيهِنَّ بِتَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَحْمِيدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أرْبَعَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، والثَّلاثَةُ الأيّامُ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ تِلْكَ الأيّامَ بِمِنًى ويَقُولُ: التَّكْبِيرُ واجِبٌ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: التَّكْبِيرُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ ثَلاثًا ثَلاثًا وراءَ الصَّلَواتِ ويَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى بَلَغَ تَكْبِيرُهُمُ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ (p-١٣٤)يَرْمِي الجِمارَ ويُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَعْجِيلِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: في تَأْخِيرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: النَّفْرُ في يَوْمَيْنِ لِمَنِ اتَّقى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَن غابَتْ لَهُ الشَّمْسُ في اليَوْمِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ وهو بِمِنًى فَلا يَنْفِرَنَّ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ، وأتاهُ النّاسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: الحَجُّ عَرَفاتٌ، فَمَن أدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ أدْرَكَ، أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: مَغْفُورٌ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ. قالَ قَتادَةُ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: مَنِ اتَّقى في حَجِّهِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ قالَ: ذَهَبَ إثْمُهُ كُلُّهُ إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ.

البقرة 2:204

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ طائِفَتَيِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. وسَبَبُ النُّزُولِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَما يَأْتِي بَيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أضْمَرَ كُفْرًا أوْ نِفاقًا أوْ كَذِبًا، وأظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ واضِحٌ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ أوْ مِنَ الإسْلامِ، أوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا، وأنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لَكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: " ويَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ ورَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْنى: ويَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ في الذَّمِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ " وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ " . وقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أوْ بِـ " يُعْجِبُكَ "، فَعَلى الأوَّلِ القَوْلُ صادِرٌ في الحَياةِ، وعَلى الثّانِي الإعْجابُ صادِرٌ فِيها. والألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ. يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ولَدَدْتُهُ ألُدُّهُ: إذا جادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وألَدُّ ذِي جَنَفٍ عَلَيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِ في مِرْجَلِ والخِصامُ مَصْدَرُ " خاصَمَ "، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ: كَكَلْبٍ وكِلابٍ، وصَعْبٍ وصِعابٍ وضَخْمٍ وضِخامٍ. والمَعْنى: أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدالِهِ وقُوَّةِ مُراجَعَتِهِ، وإضافَةُ الألَدِّ إلى الخِصامِ بِمَعْنى في: أيْ ألَدُّ في الخِصامِ، أوْ جُعِلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أدْبَرَ وذَهَبَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى ضَلَّ وغَضِبَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الوِلايَةِ: أيْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. والسَّعْيُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ السَّعْيَ بِالقَدَمَيْنِ إلى ما هو فَسادٌ في الأرْضِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَمَلَ في الفَسادِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالقَدَمَيْنِ، كالتَّدْبِيرِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَضُرُّهم، وإعْمالِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الإنْسانُ بِجَوارِحِهِ أوْ حَواسِّهِ يُقالُ لَهُ سَعْيٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " ولِيُهْلِكَ " . وقَرَأهُ قَتادَةُ بِالرَّفْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " ويَهْلِكُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ " الحَرْثُ والنَّسْلُ "، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. والمُرادُ بِالحَرْثِ: الزَّرْعُ، والنَّسْلِ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الحَرْثُ النِّساءُ. قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ لِأنَّ النِّفاقَ يُؤَدِّي إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ ووُقُوعِ القِتالِ، وفِيهِ هَلاكُ الخَلْقِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ الظّالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. وأصْلُ الحَرْثِ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ، ومِنهُ المِحْراثُ لِما يُشُقُّ بِهِ الأرْضُ، والحَرْثُ: كَسْبُ المالِ وجَمْعُهُ. وأصْلُ النَّسْلِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ والسُّقُوطُ ومِنهُ نَسْلُ الشَّعْرِ، ومِنهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ١]، ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ويُقالُ لِما خَرَجَ مِن كُلِّ أُنْثى نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما فِيهِ فَسادُ الدِّينِ، وما فِيهِ فَسادُ الدُّنْيا. والعِزَّةُ: القُوَّةُ والغَلَبَةُ، مِن عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقِيلَ العِزَّةُ هُنا: الحَمِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ ∗∗∗ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ وقِيلَ: العِزَّةُ هُنا المَنَعَةُ وشِدَّةُ النَّفْسِ. ومَعْنى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلى الإثْمِ، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا: إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتُهُ إيّاهُ، وقِيلَ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِما يُؤْثِمُهُ: أيِ ارْتَكَبَ الكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، ومِنهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالإثْمِ﴾ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ والحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الوَعْظِ لِلْإثْمِ الَّذِي (p-١٣٥)فِي قَلْبِهِ، وهو النِّفاقُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِنَ الإثْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيَةٌ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفّاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ. والمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ، وهو المَوْضِعُ المُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ مِهادًا، لِأنَّها مُسْتَقَرُّ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها بَدَلٌ لَهم مِنَ المِهادِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ويَشْرِي بِمَعْنى يَبِيعُ: أيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ كالجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ الِاسْتِبْدالُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎يُعْطِي بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ ألا تَشْرِي والمَرْضاةُ: الرِّضا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضى، رِضًا ومَرْضاةً. ووَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنا أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ ما أوْجَبَهُ لِيُجازِيَهم ويُثِيبَهم عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ ولُطْفًا لَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيها عاصِمٌ ومَرْثَدٌ قالَ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يا ويْحَ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذا، لا هم قَعَدُوا في أهْلِهِمْ، ولا هم أدَّوْا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ بِلِسانِهِ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقُولُهُ بِلِسانِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ ذُو جِدالٍ إذا كَلَّمَكَ وراجَعَكَ ﴿وإذا تَوَلّى﴾ خَرَجَ مِن عِنْدِكَ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يُحِبُّ عَمَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وقالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ ويَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَصادِقٌ، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ قالَ: هو شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: عَمِلَ في الأرْضِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ قالَ: نَباتُ الأرْضِ ﴿والنَّسْلَ﴾ نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ، النّاسِ والدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: يَلِي في الأرْضِ فَيَعْمَلُ فِيها بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَتَهْلَكُ بِحَبْسِ القَطْرِ الحَرْثُ والنَّسْلُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ. ثُمَّ قَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ قالَ: الحَرْثُ الزَّرْعُ، والنَّسْلُ: نَسَلُ كُلِّ دابَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَقُولُ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، أنْتَ تَأْمُرُنِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِمالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: اتَّقِ اللَّهَ، فَسَقَطَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ قالَ: بِئْسَ المَنزِلُ. وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بِئْسَ ما شَهِدُوا لِأنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: لَمّا أرَدْتُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إلَيْنا ولا مالَ لَكَ، وتَخْرُجُ أنْتَ ومالُكَ، واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، فَقُلْتُ لَهم: أرَأيْتُمْ إنْ دَفَعْتُ إلَيْكم مالِي تُخَلُّونَ عَنِّي ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِمْ مالِي فَخَلُّوا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «رَبِحَ البَيْعُ صُهَيْبُ» مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ صُهَيْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ في خُرُوجِ صُهَيْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

البقرة 2:205

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ طائِفَتَيِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. وسَبَبُ النُّزُولِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَما يَأْتِي بَيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أضْمَرَ كُفْرًا أوْ نِفاقًا أوْ كَذِبًا، وأظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ واضِحٌ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ أوْ مِنَ الإسْلامِ، أوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا، وأنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لَكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: " ويَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ ورَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْنى: ويَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ في الذَّمِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ " وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ " . وقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أوْ بِـ " يُعْجِبُكَ "، فَعَلى الأوَّلِ القَوْلُ صادِرٌ في الحَياةِ، وعَلى الثّانِي الإعْجابُ صادِرٌ فِيها. والألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ. يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ولَدَدْتُهُ ألُدُّهُ: إذا جادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وألَدُّ ذِي جَنَفٍ عَلَيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِ في مِرْجَلِ والخِصامُ مَصْدَرُ " خاصَمَ "، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ: كَكَلْبٍ وكِلابٍ، وصَعْبٍ وصِعابٍ وضَخْمٍ وضِخامٍ. والمَعْنى: أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدالِهِ وقُوَّةِ مُراجَعَتِهِ، وإضافَةُ الألَدِّ إلى الخِصامِ بِمَعْنى في: أيْ ألَدُّ في الخِصامِ، أوْ جُعِلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أدْبَرَ وذَهَبَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى ضَلَّ وغَضِبَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الوِلايَةِ: أيْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. والسَّعْيُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ السَّعْيَ بِالقَدَمَيْنِ إلى ما هو فَسادٌ في الأرْضِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَمَلَ في الفَسادِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالقَدَمَيْنِ، كالتَّدْبِيرِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَضُرُّهم، وإعْمالِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الإنْسانُ بِجَوارِحِهِ أوْ حَواسِّهِ يُقالُ لَهُ سَعْيٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " ولِيُهْلِكَ " . وقَرَأهُ قَتادَةُ بِالرَّفْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " ويَهْلِكُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ " الحَرْثُ والنَّسْلُ "، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. والمُرادُ بِالحَرْثِ: الزَّرْعُ، والنَّسْلِ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الحَرْثُ النِّساءُ. قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ لِأنَّ النِّفاقَ يُؤَدِّي إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ ووُقُوعِ القِتالِ، وفِيهِ هَلاكُ الخَلْقِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ الظّالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. وأصْلُ الحَرْثِ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ، ومِنهُ المِحْراثُ لِما يُشُقُّ بِهِ الأرْضُ، والحَرْثُ: كَسْبُ المالِ وجَمْعُهُ. وأصْلُ النَّسْلِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ والسُّقُوطُ ومِنهُ نَسْلُ الشَّعْرِ، ومِنهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ١]، ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ويُقالُ لِما خَرَجَ مِن كُلِّ أُنْثى نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما فِيهِ فَسادُ الدِّينِ، وما فِيهِ فَسادُ الدُّنْيا. والعِزَّةُ: القُوَّةُ والغَلَبَةُ، مِن عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقِيلَ العِزَّةُ هُنا: الحَمِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ ∗∗∗ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ وقِيلَ: العِزَّةُ هُنا المَنَعَةُ وشِدَّةُ النَّفْسِ. ومَعْنى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلى الإثْمِ، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا: إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتُهُ إيّاهُ، وقِيلَ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِما يُؤْثِمُهُ: أيِ ارْتَكَبَ الكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، ومِنهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالإثْمِ﴾ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ والحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الوَعْظِ لِلْإثْمِ الَّذِي (p-١٣٥)فِي قَلْبِهِ، وهو النِّفاقُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِنَ الإثْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيَةٌ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفّاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ. والمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ، وهو المَوْضِعُ المُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ مِهادًا، لِأنَّها مُسْتَقَرُّ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها بَدَلٌ لَهم مِنَ المِهادِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ويَشْرِي بِمَعْنى يَبِيعُ: أيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ كالجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ الِاسْتِبْدالُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎يُعْطِي بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ ألا تَشْرِي والمَرْضاةُ: الرِّضا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضى، رِضًا ومَرْضاةً. ووَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنا أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ ما أوْجَبَهُ لِيُجازِيَهم ويُثِيبَهم عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ ولُطْفًا لَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيها عاصِمٌ ومَرْثَدٌ قالَ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يا ويْحَ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذا، لا هم قَعَدُوا في أهْلِهِمْ، ولا هم أدَّوْا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ بِلِسانِهِ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقُولُهُ بِلِسانِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ ذُو جِدالٍ إذا كَلَّمَكَ وراجَعَكَ ﴿وإذا تَوَلّى﴾ خَرَجَ مِن عِنْدِكَ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يُحِبُّ عَمَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وقالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ ويَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَصادِقٌ، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ قالَ: هو شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: عَمِلَ في الأرْضِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ قالَ: نَباتُ الأرْضِ ﴿والنَّسْلَ﴾ نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ، النّاسِ والدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: يَلِي في الأرْضِ فَيَعْمَلُ فِيها بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَتَهْلَكُ بِحَبْسِ القَطْرِ الحَرْثُ والنَّسْلُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ. ثُمَّ قَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ قالَ: الحَرْثُ الزَّرْعُ، والنَّسْلُ: نَسَلُ كُلِّ دابَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَقُولُ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، أنْتَ تَأْمُرُنِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِمالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: اتَّقِ اللَّهَ، فَسَقَطَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ قالَ: بِئْسَ المَنزِلُ. وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بِئْسَ ما شَهِدُوا لِأنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: لَمّا أرَدْتُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إلَيْنا ولا مالَ لَكَ، وتَخْرُجُ أنْتَ ومالُكَ، واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، فَقُلْتُ لَهم: أرَأيْتُمْ إنْ دَفَعْتُ إلَيْكم مالِي تُخَلُّونَ عَنِّي ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِمْ مالِي فَخَلُّوا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «رَبِحَ البَيْعُ صُهَيْبُ» مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ صُهَيْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ في خُرُوجِ صُهَيْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

البقرة 2:206

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ طائِفَتَيِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. وسَبَبُ النُّزُولِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَما يَأْتِي بَيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أضْمَرَ كُفْرًا أوْ نِفاقًا أوْ كَذِبًا، وأظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ واضِحٌ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ أوْ مِنَ الإسْلامِ، أوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا، وأنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لَكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: " ويَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ ورَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْنى: ويَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ في الذَّمِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ " وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ " . وقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أوْ بِـ " يُعْجِبُكَ "، فَعَلى الأوَّلِ القَوْلُ صادِرٌ في الحَياةِ، وعَلى الثّانِي الإعْجابُ صادِرٌ فِيها. والألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ. يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ولَدَدْتُهُ ألُدُّهُ: إذا جادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وألَدُّ ذِي جَنَفٍ عَلَيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِ في مِرْجَلِ والخِصامُ مَصْدَرُ " خاصَمَ "، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ: كَكَلْبٍ وكِلابٍ، وصَعْبٍ وصِعابٍ وضَخْمٍ وضِخامٍ. والمَعْنى: أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدالِهِ وقُوَّةِ مُراجَعَتِهِ، وإضافَةُ الألَدِّ إلى الخِصامِ بِمَعْنى في: أيْ ألَدُّ في الخِصامِ، أوْ جُعِلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أدْبَرَ وذَهَبَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى ضَلَّ وغَضِبَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الوِلايَةِ: أيْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. والسَّعْيُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ السَّعْيَ بِالقَدَمَيْنِ إلى ما هو فَسادٌ في الأرْضِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَمَلَ في الفَسادِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالقَدَمَيْنِ، كالتَّدْبِيرِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَضُرُّهم، وإعْمالِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الإنْسانُ بِجَوارِحِهِ أوْ حَواسِّهِ يُقالُ لَهُ سَعْيٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " ولِيُهْلِكَ " . وقَرَأهُ قَتادَةُ بِالرَّفْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " ويَهْلِكُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ " الحَرْثُ والنَّسْلُ "، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. والمُرادُ بِالحَرْثِ: الزَّرْعُ، والنَّسْلِ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الحَرْثُ النِّساءُ. قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ لِأنَّ النِّفاقَ يُؤَدِّي إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ ووُقُوعِ القِتالِ، وفِيهِ هَلاكُ الخَلْقِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ الظّالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. وأصْلُ الحَرْثِ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ، ومِنهُ المِحْراثُ لِما يُشُقُّ بِهِ الأرْضُ، والحَرْثُ: كَسْبُ المالِ وجَمْعُهُ. وأصْلُ النَّسْلِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ والسُّقُوطُ ومِنهُ نَسْلُ الشَّعْرِ، ومِنهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ١]، ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ويُقالُ لِما خَرَجَ مِن كُلِّ أُنْثى نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما فِيهِ فَسادُ الدِّينِ، وما فِيهِ فَسادُ الدُّنْيا. والعِزَّةُ: القُوَّةُ والغَلَبَةُ، مِن عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقِيلَ العِزَّةُ هُنا: الحَمِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ ∗∗∗ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ وقِيلَ: العِزَّةُ هُنا المَنَعَةُ وشِدَّةُ النَّفْسِ. ومَعْنى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلى الإثْمِ، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا: إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتُهُ إيّاهُ، وقِيلَ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِما يُؤْثِمُهُ: أيِ ارْتَكَبَ الكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، ومِنهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالإثْمِ﴾ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ والحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الوَعْظِ لِلْإثْمِ الَّذِي (p-١٣٥)فِي قَلْبِهِ، وهو النِّفاقُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِنَ الإثْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيَةٌ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفّاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ. والمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ، وهو المَوْضِعُ المُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ مِهادًا، لِأنَّها مُسْتَقَرُّ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها بَدَلٌ لَهم مِنَ المِهادِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ويَشْرِي بِمَعْنى يَبِيعُ: أيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ كالجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ الِاسْتِبْدالُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎يُعْطِي بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ ألا تَشْرِي والمَرْضاةُ: الرِّضا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضى، رِضًا ومَرْضاةً. ووَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنا أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ ما أوْجَبَهُ لِيُجازِيَهم ويُثِيبَهم عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ ولُطْفًا لَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيها عاصِمٌ ومَرْثَدٌ قالَ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يا ويْحَ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذا، لا هم قَعَدُوا في أهْلِهِمْ، ولا هم أدَّوْا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ بِلِسانِهِ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقُولُهُ بِلِسانِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ ذُو جِدالٍ إذا كَلَّمَكَ وراجَعَكَ ﴿وإذا تَوَلّى﴾ خَرَجَ مِن عِنْدِكَ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يُحِبُّ عَمَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وقالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ ويَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَصادِقٌ، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ قالَ: هو شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: عَمِلَ في الأرْضِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ قالَ: نَباتُ الأرْضِ ﴿والنَّسْلَ﴾ نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ، النّاسِ والدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: يَلِي في الأرْضِ فَيَعْمَلُ فِيها بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَتَهْلَكُ بِحَبْسِ القَطْرِ الحَرْثُ والنَّسْلُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ. ثُمَّ قَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ قالَ: الحَرْثُ الزَّرْعُ، والنَّسْلُ: نَسَلُ كُلِّ دابَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَقُولُ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، أنْتَ تَأْمُرُنِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِمالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: اتَّقِ اللَّهَ، فَسَقَطَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ قالَ: بِئْسَ المَنزِلُ. وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بِئْسَ ما شَهِدُوا لِأنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: لَمّا أرَدْتُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إلَيْنا ولا مالَ لَكَ، وتَخْرُجُ أنْتَ ومالُكَ، واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، فَقُلْتُ لَهم: أرَأيْتُمْ إنْ دَفَعْتُ إلَيْكم مالِي تُخَلُّونَ عَنِّي ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِمْ مالِي فَخَلُّوا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «رَبِحَ البَيْعُ صُهَيْبُ» مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ صُهَيْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ في خُرُوجِ صُهَيْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

البقرة 2:207

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ طائِفَتَيِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ. وسَبَبُ النُّزُولِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ كَما يَأْتِي بَيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما ثَبَتَ قَطُّ أنَّ الأخْنَسَ أسْلَمَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أضْمَرَ كُفْرًا أوْ نِفاقًا أوْ كَذِبًا، وأظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَهُ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ واضِحٌ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِي مِن مَحَبَّتِكَ أوْ مِنَ الإسْلامِ، أوْ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي أقُولُ حَقًّا، وأنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لَكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: " ويَشْهَدُ اللَّهُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ ورَفْعِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، والمَعْنى: ويَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ خِلافَ ما قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ في الذَّمِّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ " وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " ويَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ " . وقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ، أوْ بِـ " يُعْجِبُكَ "، فَعَلى الأوَّلِ القَوْلُ صادِرٌ في الحَياةِ، وعَلى الثّانِي الإعْجابُ صادِرٌ فِيها. والألَدُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ. يُقالُ: رَجُلٌ ألَدُّ، وامْرَأةٌ لَدّاءُ، ولَدَدْتُهُ ألُدُّهُ: إذا جادَلْتَهُ فَغَلَبْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وألَدُّ ذِي جَنَفٍ عَلَيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِ في مِرْجَلِ والخِصامُ مَصْدَرُ " خاصَمَ "، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: جَمْعُ خَصْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ: كَكَلْبٍ وكِلابٍ، وصَعْبٍ وصِعابٍ وضَخْمٍ وضِخامٍ. والمَعْنى: أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً، لِكَثْرَةِ جِدالِهِ وقُوَّةِ مُراجَعَتِهِ، وإضافَةُ الألَدِّ إلى الخِصامِ بِمَعْنى في: أيْ ألَدُّ في الخِصامِ، أوْ جُعِلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أدْبَرَ وذَهَبَ عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى ضَلَّ وغَضِبَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الوِلايَةِ: أيْ إذا كانَ والِيًا فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. والسَّعْيُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ السَّعْيَ بِالقَدَمَيْنِ إلى ما هو فَسادٌ في الأرْضِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَمَلَ في الفَسادِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَعْيٌ بِالقَدَمَيْنِ، كالتَّدْبِيرِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَضُرُّهم، وإعْمالِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الإنْسانُ بِجَوارِحِهِ أوْ حَواسِّهِ يُقالُ لَهُ سَعْيٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُهْلِكَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ " ولِيُهْلِكَ " . وقَرَأهُ قَتادَةُ بِالرَّفْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " ويَهْلِكُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الكافِ ورَفْعِ " الحَرْثُ والنَّسْلُ "، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. والمُرادُ بِالحَرْثِ: الزَّرْعُ، والنَّسْلِ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الحَرْثُ النِّساءُ. قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ لِأنَّ النِّفاقَ يُؤَدِّي إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ ووُقُوعِ القِتالِ، وفِيهِ هَلاكُ الخَلْقِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ الظّالِمَ يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَهْلَكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ. وأصْلُ الحَرْثِ في اللُّغَةِ: الشَّقُّ، ومِنهُ المِحْراثُ لِما يُشُقُّ بِهِ الأرْضُ، والحَرْثُ: كَسْبُ المالِ وجَمْعُهُ. وأصْلُ النَّسْلِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ والسُّقُوطُ ومِنهُ نَسْلُ الشَّعْرِ، ومِنهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ١]، ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ويُقالُ لِما خَرَجَ مِن كُلِّ أُنْثى نَسْلٌ لِخُرُوجِهِ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما فِيهِ فَسادُ الدِّينِ، وما فِيهِ فَسادُ الدُّنْيا. والعِزَّةُ: القُوَّةُ والغَلَبَةُ، مِن عَزَّهُ يَعُزُّهُ: إذا غَلَبَهُ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، وقِيلَ العِزَّةُ هُنا: الحَمِيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِن جَهْلِهِ ∗∗∗ فَتَوَلّى مُغْضَبًا فِعْلَ الضَّجِرْ وقِيلَ: العِزَّةُ هُنا المَنَعَةُ وشِدَّةُ النَّفْسِ. ومَعْنى: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ حَمَلَتْهُ العِزَّةُ عَلى الإثْمِ، مِن قَوْلِكَ أخَذْتُهُ بِكَذا: إذا حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ وألْزَمْتُهُ إيّاهُ، وقِيلَ: أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِما يُؤْثِمُهُ: أيِ ارْتَكَبَ الكُفْرَ لِلْعِزَّةِ، ومِنهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالإثْمِ﴾ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ والحَمِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الوَعْظِ لِلْإثْمِ الَّذِي (p-١٣٥)فِي قَلْبِهِ، وهو النِّفاقُ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ أخَذَتْهُ العِزَّةُ مِنَ الإثْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيَةٌ مُعاقَبَةً وجَزاءً، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كَفّاكَ ما حَلَّ بِكَ، وأنْتَ تَسْتَعْظِمُ عَلَيْهِ ما حَلَّ بِهِ. والمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ، وهو المَوْضِعُ المُهَيَّأُ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ مِهادًا، لِأنَّها مُسْتَقَرُّ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها بَدَلٌ لَهم مِنَ المِهادِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ويَشْرِي بِمَعْنى يَبِيعُ: أيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ كالجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصْلُهُ الِاسْتِبْدالُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎يُعْطِي بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ∗∗∗ ويَقُولُ صاحِبُهُ ألا تَشْرِي والمَرْضاةُ: الرِّضا، تَقُولُ: رَضِيَ يَرْضى، رِضًا ومَرْضاةً. ووَجْهُ ذِكْرِ الرَّأْفَةِ هُنا أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ ما أوْجَبَهُ لِيُجازِيَهم ويُثِيبَهم عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ رَأْفَةً بِهِمْ ولُطْفًا لَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيها عاصِمٌ ومَرْثَدٌ قالَ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يا ويْحَ هَؤُلاءِ المَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذا، لا هم قَعَدُوا في أهْلِهِمْ، ولا هم أدَّوْا رِسالَةَ صاحِبِهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ ما يُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ بِلِسانِهِ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقُولُهُ بِلِسانِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ ذُو جِدالٍ إذا كَلَّمَكَ وراجَعَكَ ﴿وإذا تَوَلّى﴾ خَرَجَ مِن عِنْدِكَ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يُحِبُّ عَمَلَهُ ولا يَرْضى بِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الَّذِينَ يَشْرُونَ أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلى ذَلِكَ: يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وقالَ: جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ ويَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَصادِقٌ، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ، وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ قالَ: هو شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: عَمِلَ في الأرْضِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ قالَ: نَباتُ الأرْضِ ﴿والنَّسْلَ﴾ نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ، النّاسِ والدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ قالَ: يَلِي في الأرْضِ فَيَعْمَلُ فِيها بِالعُدْوانِ والظُّلْمِ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَتَهْلَكُ بِحَبْسِ القَطْرِ الحَرْثُ والنَّسْلُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ. ثُمَّ قَرَأ مُجاهِدٌ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ قالَ: الحَرْثُ الزَّرْعُ، والنَّسْلُ: نَسَلُ كُلِّ دابَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأخِيهِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَقُولُ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، أنْتَ تَأْمُرُنِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِمالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: اتَّقِ اللَّهَ، فَسَقَطَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ تَواضُعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ قالَ: بِئْسَ المَنزِلُ. وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بِئْسَ ما شَهِدُوا لِأنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: لَمّا أرَدْتُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَتْ لِي قُرَيْشٌ: يا صُهَيْبُ قَدِمْتَ إلَيْنا ولا مالَ لَكَ، وتَخْرُجُ أنْتَ ومالُكَ، واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، فَقُلْتُ لَهم: أرَأيْتُمْ إنْ دَفَعْتُ إلَيْكم مالِي تُخَلُّونَ عَنِّي ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِمْ مالِي فَخَلُّوا عَنِّي، فَخَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «رَبِحَ البَيْعُ صُهَيْبُ» مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ صُهَيْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ في خُرُوجِ صُهَيْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

البقرة 2:208

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ يَنْقَسِمُونَ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ: مُؤْمِنِينَ، وكافِرِينَ، ومُنافِقِينَ، أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ. وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الثَّلاثِ الطَّوائِفِ لَفْظُ الإيمانِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، والمُنافِقُ مُؤْمِنٌ بِلِسانِهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِقَلْبِهِ. والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قالَ الكِسائِيُّ: ومَعْناهُما واحِدٌ، وكَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهُما جَمِيعًا يَقَعانِ لِلْإسْلامِ والمُسالَمَةِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ بِالفَتْحِ لِلْمُسالَمَةِ، وبِالكَسْرِ لِلْإسْلامِ. وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ: الصُّلْحُ، وتُكْسَرُ، ويُذَكُّرُ ويُؤَنَّثُ، وأصْلُهُ مِنَ (p-١٣٦)الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى الإسْلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الكِنْدِيِّ: ؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ أيْ إلى الإسْلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ " السَّلَمِ " بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ. وقَدْ حَكى البَصْرِيُّونَ في سِلْمٍ وسَلَمٍ وسَلْمٍ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وكافَّةً حالٌ مِنَ السَلْمِ أوْ مِن ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَمَعْناهُ عَلى الأوَّلِ: لا يَخْرُجُ مِنكم أحَدٌ، وعَلى الثّانِي: لا يَخْرُجُ مِن أنْواعِ السِّلْمِ شَيْءٌ بَلِ ادْخُلُوا فِيها جَمِيعًا: أيْ في خِصالِ الإسْلامِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ كَفَفْتُ: أيْ مَنَعْتُ، أيْ لا يَمْتَنِعُ مِنكم أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، والكَفُّ: المَنعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمِيعُ، ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خُطُواتٍ. قَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ أيْ تَنَحَّيْتُمْ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُ الزَّلَلِ في القَدَمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ وزَلَلًا وزَلُولًا: أيْ دَحَضَتْ قَدَمُهُ. وقُرِئَ: " زَلِلْتُمْ " بِكَسْرِ اللّامِ وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: فَإنْ ضَلَلْتُمْ وعَرَجْتُمْ عَنِ الحَقِّ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الحُجَجُ الواضِحَةُ والبَراهِينُ الصَّحِيحَةُ، أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكم: حَكِيمٌ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى، والمُرادُ هَلْ يَنْتَظِرُ التّارِكُونَ لِلدُّخُولِ في السِّلْمِ، والظُّلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ وهي ما يُظِلُّكَ، وقَرَأ قَتادَةُ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ " في ظِلالٍ " وقَرَأ يَزِيدُ أيْضًا " والمَلائِكَةِ " بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى " الغَمامِ " أوْ عَلى " ظُلَلٍ " . قالَ الأخْفَشُ: " والمَلائِكَةِ " بِالخَفْضِ بِمَعْنى: وفي المَلائِكَةِ قالَ: والرَّفْعُ أجْوَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ومِنَ المَلائِكَةِ. والمَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الحِسابِ والعَذابِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ. قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإتْيانِ راجِعًا إلى الجَزاءِ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ إتْيانًا كَما سُمِّيَ التَّخْوِيفُ والتَّعْذِيبُ في قِصَّةِ ثَمُودَ إتْيانًا، فَقالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وقالَ في قِصَّةِ النَّضِيرِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وإنَّما احْتَمَلَ الإتْيانُ هَذا؛ لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ القَصْدُ إلى الشَّيْءِ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ مَعَ خَلْقٍ مِن خَلْقِهِ يَقْصِدُ إلى مُحارَبَتِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، وقِيلَ " إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، وقِيلَ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ بِبَأْسِهِ في ظُلَلٍ. والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ الأبْيَضُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَغُمُّ: أيْ يَسْتُرُ. ووَجْهُ إتْيانِ العَذابِ في الغَمامِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ ما في مَجِيءِ الخَوْفِ مِن مَحَلِّ الأمْنِ مِنَ الفَظاعَةِ وعِظَمِ المَوْقِعِ؛ لِأنَّ الغَمامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لا مَظِنَّةَ العَذابِ. وقَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ عُطِفَ عَلى " يَأْتِيَهِمُ " داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ، وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها واقِعٌ لا مَحالَةَ: أيْ وفَرَغَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو إهْلاكُهم. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ " وقَضاءِ الأمْرَ " بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى " المَلائِكَةِ " . وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ " وقَضى الأُمُورَ " بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَرْجِعُ الأُمُورُ " عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قالَ: يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم كانُوا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ مُسْتَمْسِكِينَ بِبَعْضِ أمْرِ التَّوْراةِ والشَّرائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، يَقُولُ: ادْخُلُوا في شَرائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ولا تَدَعُوا مِنها شَيْئًا، وحَسْبُكُمُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ وما فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وابْنِ يامِينَ وأسَدٍ وأُسِيدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهم مِن يَهُودَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ كُنّا نُعَظِّمُهُ فَدَعْنا فَلَنَسْبِتْ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ فَلْنَقُمْ بِها اللَّيْلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّلْمُ الطّاعَةُ لِلَّهِ، و" كافَّةً " يَقُولُ: جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السِّلْمُ الإسْلامُ، والزَّلَلُ: تَرْكُ الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ قالَ: فَإنْ ضَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَكم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضاءِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ الظُّلْمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَأْتِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ السَّحابِ قَدْ قُطِعَتْ طاقاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ قالَ: طاقاتٌ والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وتَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: قامَتِ السّاعَةُ.

البقرة 2:209

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ يَنْقَسِمُونَ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ: مُؤْمِنِينَ، وكافِرِينَ، ومُنافِقِينَ، أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ. وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الثَّلاثِ الطَّوائِفِ لَفْظُ الإيمانِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، والمُنافِقُ مُؤْمِنٌ بِلِسانِهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِقَلْبِهِ. والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قالَ الكِسائِيُّ: ومَعْناهُما واحِدٌ، وكَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهُما جَمِيعًا يَقَعانِ لِلْإسْلامِ والمُسالَمَةِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ بِالفَتْحِ لِلْمُسالَمَةِ، وبِالكَسْرِ لِلْإسْلامِ. وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ: الصُّلْحُ، وتُكْسَرُ، ويُذَكُّرُ ويُؤَنَّثُ، وأصْلُهُ مِنَ (p-١٣٦)الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى الإسْلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الكِنْدِيِّ: ؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ أيْ إلى الإسْلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ " السَّلَمِ " بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ. وقَدْ حَكى البَصْرِيُّونَ في سِلْمٍ وسَلَمٍ وسَلْمٍ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وكافَّةً حالٌ مِنَ السَلْمِ أوْ مِن ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَمَعْناهُ عَلى الأوَّلِ: لا يَخْرُجُ مِنكم أحَدٌ، وعَلى الثّانِي: لا يَخْرُجُ مِن أنْواعِ السِّلْمِ شَيْءٌ بَلِ ادْخُلُوا فِيها جَمِيعًا: أيْ في خِصالِ الإسْلامِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ كَفَفْتُ: أيْ مَنَعْتُ، أيْ لا يَمْتَنِعُ مِنكم أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، والكَفُّ: المَنعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمِيعُ، ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خُطُواتٍ. قَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ أيْ تَنَحَّيْتُمْ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُ الزَّلَلِ في القَدَمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ وزَلَلًا وزَلُولًا: أيْ دَحَضَتْ قَدَمُهُ. وقُرِئَ: " زَلِلْتُمْ " بِكَسْرِ اللّامِ وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: فَإنْ ضَلَلْتُمْ وعَرَجْتُمْ عَنِ الحَقِّ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الحُجَجُ الواضِحَةُ والبَراهِينُ الصَّحِيحَةُ، أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكم: حَكِيمٌ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى، والمُرادُ هَلْ يَنْتَظِرُ التّارِكُونَ لِلدُّخُولِ في السِّلْمِ، والظُّلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ وهي ما يُظِلُّكَ، وقَرَأ قَتادَةُ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ " في ظِلالٍ " وقَرَأ يَزِيدُ أيْضًا " والمَلائِكَةِ " بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى " الغَمامِ " أوْ عَلى " ظُلَلٍ " . قالَ الأخْفَشُ: " والمَلائِكَةِ " بِالخَفْضِ بِمَعْنى: وفي المَلائِكَةِ قالَ: والرَّفْعُ أجْوَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ومِنَ المَلائِكَةِ. والمَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الحِسابِ والعَذابِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ. قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإتْيانِ راجِعًا إلى الجَزاءِ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ إتْيانًا كَما سُمِّيَ التَّخْوِيفُ والتَّعْذِيبُ في قِصَّةِ ثَمُودَ إتْيانًا، فَقالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وقالَ في قِصَّةِ النَّضِيرِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وإنَّما احْتَمَلَ الإتْيانُ هَذا؛ لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ القَصْدُ إلى الشَّيْءِ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ مَعَ خَلْقٍ مِن خَلْقِهِ يَقْصِدُ إلى مُحارَبَتِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، وقِيلَ " إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، وقِيلَ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ بِبَأْسِهِ في ظُلَلٍ. والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ الأبْيَضُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَغُمُّ: أيْ يَسْتُرُ. ووَجْهُ إتْيانِ العَذابِ في الغَمامِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ ما في مَجِيءِ الخَوْفِ مِن مَحَلِّ الأمْنِ مِنَ الفَظاعَةِ وعِظَمِ المَوْقِعِ؛ لِأنَّ الغَمامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لا مَظِنَّةَ العَذابِ. وقَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ عُطِفَ عَلى " يَأْتِيَهِمُ " داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ، وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها واقِعٌ لا مَحالَةَ: أيْ وفَرَغَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو إهْلاكُهم. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ " وقَضاءِ الأمْرَ " بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى " المَلائِكَةِ " . وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ " وقَضى الأُمُورَ " بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَرْجِعُ الأُمُورُ " عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قالَ: يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم كانُوا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ مُسْتَمْسِكِينَ بِبَعْضِ أمْرِ التَّوْراةِ والشَّرائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، يَقُولُ: ادْخُلُوا في شَرائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ولا تَدَعُوا مِنها شَيْئًا، وحَسْبُكُمُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ وما فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وابْنِ يامِينَ وأسَدٍ وأُسِيدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهم مِن يَهُودَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ كُنّا نُعَظِّمُهُ فَدَعْنا فَلَنَسْبِتْ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ فَلْنَقُمْ بِها اللَّيْلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّلْمُ الطّاعَةُ لِلَّهِ، و" كافَّةً " يَقُولُ: جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السِّلْمُ الإسْلامُ، والزَّلَلُ: تَرْكُ الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ قالَ: فَإنْ ضَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَكم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضاءِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ الظُّلْمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَأْتِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ السَّحابِ قَدْ قُطِعَتْ طاقاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ قالَ: طاقاتٌ والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وتَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: قامَتِ السّاعَةُ.

البقرة 2:210

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ يَنْقَسِمُونَ إلى ثَلاثِ طَوائِفَ: مُؤْمِنِينَ، وكافِرِينَ، ومُنافِقِينَ، أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ. وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الثَّلاثِ الطَّوائِفِ لَفْظُ الإيمانِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ، والمُنافِقُ مُؤْمِنٌ بِلِسانِهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِقَلْبِهِ. والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قالَ الكِسائِيُّ: ومَعْناهُما واحِدٌ، وكَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهُما جَمِيعًا يَقَعانِ لِلْإسْلامِ والمُسالَمَةِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ بِالفَتْحِ لِلْمُسالَمَةِ، وبِالكَسْرِ لِلْإسْلامِ. وأنْكَرَ المُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ: الصُّلْحُ، وتُكْسَرُ، ويُذَكُّرُ ويُؤَنَّثُ، وأصْلُهُ مِنَ (p-١٣٦)الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى الإسْلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الكِنْدِيِّ: ؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ أيْ إلى الإسْلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ " السَّلَمِ " بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ. وقَدْ حَكى البَصْرِيُّونَ في سِلْمٍ وسَلَمٍ وسَلْمٍ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وكافَّةً حالٌ مِنَ السَلْمِ أوْ مِن ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَمَعْناهُ عَلى الأوَّلِ: لا يَخْرُجُ مِنكم أحَدٌ، وعَلى الثّانِي: لا يَخْرُجُ مِن أنْواعِ السِّلْمِ شَيْءٌ بَلِ ادْخُلُوا فِيها جَمِيعًا: أيْ في خِصالِ الإسْلامِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ كَفَفْتُ: أيْ مَنَعْتُ، أيْ لا يَمْتَنِعُ مِنكم أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، والكَفُّ: المَنعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمِيعُ، ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْهِ الشَّيْطانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خُطُواتٍ. قَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ أيْ تَنَحَّيْتُمْ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُ الزَّلَلِ في القَدَمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ وزَلَلًا وزَلُولًا: أيْ دَحَضَتْ قَدَمُهُ. وقُرِئَ: " زَلِلْتُمْ " بِكَسْرِ اللّامِ وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: فَإنْ ضَلَلْتُمْ وعَرَجْتُمْ عَنِ الحَقِّ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الحُجَجُ الواضِحَةُ والبَراهِينُ الصَّحِيحَةُ، أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ هو الحَقُّ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكم: حَكِيمٌ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى، والمُرادُ هَلْ يَنْتَظِرُ التّارِكُونَ لِلدُّخُولِ في السِّلْمِ، والظُّلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ وهي ما يُظِلُّكَ، وقَرَأ قَتادَةُ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ " في ظِلالٍ " وقَرَأ يَزِيدُ أيْضًا " والمَلائِكَةِ " بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى " الغَمامِ " أوْ عَلى " ظُلَلٍ " . قالَ الأخْفَشُ: " والمَلائِكَةِ " بِالخَفْضِ بِمَعْنى: وفي المَلائِكَةِ قالَ: والرَّفْعُ أجْوَدُ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ومِنَ المَلائِكَةِ. والمَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الحِسابِ والعَذابِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ. قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإتْيانِ راجِعًا إلى الجَزاءِ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ إتْيانًا كَما سُمِّيَ التَّخْوِيفُ والتَّعْذِيبُ في قِصَّةِ ثَمُودَ إتْيانًا، فَقالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وقالَ في قِصَّةِ النَّضِيرِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وإنَّما احْتَمَلَ الإتْيانُ هَذا؛ لِأنَّ أصْلَهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ القَصْدُ إلى الشَّيْءِ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ مَعَ خَلْقٍ مِن خَلْقِهِ يَقْصِدُ إلى مُحارَبَتِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، وقِيلَ " إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، وقِيلَ المَعْنى: يَأْتِيهِمْ بِبَأْسِهِ في ظُلَلٍ. والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ الأبْيَضُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَغُمُّ: أيْ يَسْتُرُ. ووَجْهُ إتْيانِ العَذابِ في الغَمامِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ ما في مَجِيءِ الخَوْفِ مِن مَحَلِّ الأمْنِ مِنَ الفَظاعَةِ وعِظَمِ المَوْقِعِ؛ لِأنَّ الغَمامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لا مَظِنَّةَ العَذابِ. وقَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ عُطِفَ عَلى " يَأْتِيَهِمُ " داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ، وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها واقِعٌ لا مَحالَةَ: أيْ وفَرَغَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو إهْلاكُهم. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ " وقَضاءِ الأمْرَ " بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى " المَلائِكَةِ " . وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ " وقَضى الأُمُورَ " بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَرْجِعُ الأُمُورُ " عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ قالَ: يَعْنِي مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم كانُوا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ مُسْتَمْسِكِينَ بِبَعْضِ أمْرِ التَّوْراةِ والشَّرائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، يَقُولُ: ادْخُلُوا في شَرائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ولا تَدَعُوا مِنها شَيْئًا، وحَسْبُكُمُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ وما فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وابْنِ يامِينَ وأسَدٍ وأُسِيدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ وسَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهم مِن يَهُودَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ كُنّا نُعَظِّمُهُ فَدَعْنا فَلَنَسْبِتْ فِيهِ، وإنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ فَلْنَقُمْ بِها اللَّيْلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّلْمُ الطّاعَةُ لِلَّهِ، و" كافَّةً " يَقُولُ: جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السِّلْمُ الإسْلامُ، والزَّلَلُ: تَرْكُ الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ قالَ: فَإنْ ضَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَكم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيامًا شاخِصَةً أبْصارُهم إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضاءِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسِيِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: قالَ: يَهْبِطُ حِينَ يَهْبِطُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ سَبْعُونَ ألْفَ حِجابٍ، مِنها النُّورُ والظُّلْمَةُ والماءُ، فَيُصَوِّتُ الماءُ في تِلْكَ الظُّلْمَةِ صَوْتًا تَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَأْتِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ السَّحابِ قَدْ قُطِعَتْ طاقاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأْتِي اللَّهُ فِيها مَحْفُوفاتٍ بِالمَلائِكَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ قالَ: طاقاتٌ والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وتَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: قامَتِ السّاعَةُ.

البقرة 2:211

(p-١٣٧)المَأْمُورُ بِالسُّؤالِ لِبَنِي إسْرائِيلَ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو كُلُّ فَرْدٍ مِنَ السّائِلِينَ، وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِـ " آتى "، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ كَمْ آتَيْنا آتَيْناهم، وقُدِّرَ مُتَأخِّرًا لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وهي إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّقْرِيرِ أوْ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿مِن آيَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي البَراهِينُ الَّتِي جاءَ بِها أنْبِياؤُهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى، وهي التِّسْعُ. والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ هُنا ما جاءَهم مِنَ الآياتِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: النِّعْمَةُ هُنا الإسْلامُ، والظّاهِرُ دُخُولُ كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدٍ مِن عِبادِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَوَقَعَ مِنهُ التَّبْدِيلُ لَها، وعَدَمُ القِيامِ بِشُكْرِها - ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُ السِّياقِ في بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في النُّزُولِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. قَوْلُهُ: زُيِّنَ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، والمُزَيِّنُ: هو الشَّيْطانُ أوِ الأنْفُسُ المَجْبُولَةُ عَلى حُبِّ العاجِلَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا رُؤَساءُ قُرَيْشٍ أوْ كُلُّ كافِرٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ. قالَ النَّحّاسُ: وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْفاعِلِ ذِكْرٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " زُيِّنَتْ " وإنَّما خَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ، كَما وصَفَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا؛ لِأنَّ الكافِرَ افْتُتِنَ بِهَذا التَّزْيِينِ وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ، والمُسْلِمُ لَمْ يُفْتَتَنْ بِهِ، بَلْ أقْبَلَ عَلى الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ لا حَظَّ لَهم مِنَ الدُّنْيا كَحَظِّ رُؤَساءِ الكُفْرِ وأساطِينِ الضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَرَضَ الدُّنْيا عِنْدَهم هو الأمْرُ الَّذِي يَكُونُ مَن نالَهُ سَعِيدًا رابِحًا، ومَن حُرِمَهُ شَقِيًّا خاسِرًا. وقَدْ كانَ غالِبُ المُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَقُراءَ لِاشْتِغالِهِمْ بِالعِبادَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، وعَدَمِ التِفاتِهِمْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: سَخِرْتُ مِنهُ وسَخِرْتُ بِهِ، وضَحِكْتُ مِنهُ وضَحِكْتُ بِهِ، وهَزَأْتُ مِنهُ وهَزَأْتُ بِهِ، والِاسْمُ السُّخْرِيَةُ والسُّخْرِيُّ. ولَمّا وقَعَ مِنَ الكُفّارِ ما وقَعَ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ هُنا: العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ، لِأنَّهم في الجَنَّةِ والكَفّارُ في النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، والنّارَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ في الدُّنْيا كَما وقَعَ ذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ وسُقُوطِ الكُفْرِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وأسْرِهِمْ وتَشْرِيدِهِمْ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لَوْلا التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَرْزُقُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ، ويَجْعَلُ ما يُعْطِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ عِبادِهِ في الرِّزْقِ كَما وسَّعَ عَلى أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ مِنَ الكُفّارِ اسْتِدْراجًا لَهم، ولَيْسَ في التَّوْسِعَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِغَيْرِ حِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] . قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ فاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ: أعْنِي قَوْلَهَ: فاخْتَلَفُوا - قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ قَرَأ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " . واخْتُلِفَ في النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هم بَنُو آدَمَ حِينَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ نَسَمًا مِن ظَهْرِ آدَمَ، وقِيلَ: آدَمُ وحْدَهُ، وسُمِّي ناسًا لِأنَّهُ أصْلُ النَّسْلِ، وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ، وقِيلَ: المُرادُ القُرُونُ الأُولى الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: المُرادُ نُوحٌ ومَن في سَفِينَتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً كُلُّهم كُفّارٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ عَنِ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَّرائِعِ وجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ، لَوْلا أنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. والأُمَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ أمَمْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَصَدْتُهُ، أيْ مَقْصِدُهم واحِدٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ قِيلَ: جُمْلَتُهم مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والرُّسُلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ الجِنْسَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْعَهْدِ والمُرادُ التَّوْراةُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مُسْنَدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَجازٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتابِهِ، وقِيلَ: لِيَحْكُمَ اللَّهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ الأُولى راجِعٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ إلى المَنزِلِ عَلَيْهِ وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ أُوتُوا الكِتابَ، أوْ أُوتُوا الحَقَّ أوْ أُوتُوا النَّبِيَّ: أيْ أُعْطَوْا عِلْمَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ: أيْ لَمْ يَخْتَلِفُوا إلّا لِلْبَغْيِ: أيِ الحَسَدِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى السَّفَهِ في فِعْلِهِمْ، والقَبِيحِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ، لِأنَّهم جَعَلُوا نُزُولَ الكِتابِ سَبَبًا في شِدَّةِ الخِلافِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ (p-١٣٨)أيْ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ بِما بَيَّنَهُ لَهم في القُرْآنِ مِنِ اخْتِلافِ مَن كانَ قَبْلَهم وقِيلَ: مَعْناهُ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ بِخِلافِ مَن قَبْلَهم، فَإنَّ بَعْضَهم كَذَّبَ كِتابَ بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ هَداهم إلى الحَقِّ مِنَ القِبْلَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِاعْتِقادِ الحَقِّ في عِيسى بَعْدَ أنْ كَذَّبَتْهُ اليَهُودُ وجَعَلَتْهُ النَّصارى رَبًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا، وتَقْدِيرُهُ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ بِعِلْمِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ، والمَعْنى بِأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ وما لَمْ يَذْكُرْ ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: يُكَفِّرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: آتاهُمُ اللَّهُ آياتٍ بَيِّناتٍ: عَصا مُوسى، ويَدُهُ، وأقْطَعَهُمُ البَحْرَ، وأغْرَقَ عَدُوَّهم وهم يَنْظُرُونَ، وظُلَلٌ مِنَ الغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن يَكْفُرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ قالَ: الكُفّارُ يَبْتَغُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ويَطْلُبُونَها ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في طَلَبِهِمْ لِلْآخِرَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا أحْسَبُهُ إلّا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ ساداتُنا وأشْرافُنا، واللَّهِ ما اتَّبَعَهُ إلّا أهْلُ الحاجَةِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقُولُونَ: ما هَؤُلاءِ عَلى شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيًّا ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هُنا كَمُّ التَّفاضُلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فَوْقَهم في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ: تَفْسِيرُها لَيْسَ عَلى اللَّهِ رَقِيبٌ ولا مَن يُحاسِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يُحاسَبُ الرَّبُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قالَ: عَلى الإسْلامِ كُلُّهم. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهم عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ. قالَ: وكَذَلِكَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كانُوا أُمَّةً واحِدَةً حَيْثُ عُرِضُوا عَلى آدَمَ فَفَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الإسْلامِ وأقَرُّوا لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ وكانُوا أُمَّةً واحِدَةً مُسْلِمِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ آدَمَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " وإنَّ اللَّهَ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ وأنْزَلَ الكُتُبَ بَعْدَ الِاخْتِلافِ، ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، أُوتُوا الكِتابَ والعِلْمَ بَغْيًا بَيْنَهم، يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وزُخْرُفِها أيُّهم يَكُونُ لَهُ المُلْكُ والمَهابَةُ في النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: كُفّارًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَحْنُ الآخَرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ النّاسِ دُخُولًا يُبْدَأُ بِهِمْ، أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَدانا اللَّهُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» وهو في الصَّحِيحِ بِدُونِ ذِكْرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ، واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ، ومِنهم مَن يَصُومُ مِن بَعْدِ الطَّعامِ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا وجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في عِيسى، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ رُوحَهُ وكِلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ.

البقرة 2:212

(p-١٣٧)المَأْمُورُ بِالسُّؤالِ لِبَنِي إسْرائِيلَ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو كُلُّ فَرْدٍ مِنَ السّائِلِينَ، وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِـ " آتى "، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ كَمْ آتَيْنا آتَيْناهم، وقُدِّرَ مُتَأخِّرًا لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وهي إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّقْرِيرِ أوْ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿مِن آيَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي البَراهِينُ الَّتِي جاءَ بِها أنْبِياؤُهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى، وهي التِّسْعُ. والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ هُنا ما جاءَهم مِنَ الآياتِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: النِّعْمَةُ هُنا الإسْلامُ، والظّاهِرُ دُخُولُ كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدٍ مِن عِبادِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَوَقَعَ مِنهُ التَّبْدِيلُ لَها، وعَدَمُ القِيامِ بِشُكْرِها - ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُ السِّياقِ في بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في النُّزُولِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. قَوْلُهُ: زُيِّنَ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، والمُزَيِّنُ: هو الشَّيْطانُ أوِ الأنْفُسُ المَجْبُولَةُ عَلى حُبِّ العاجِلَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا رُؤَساءُ قُرَيْشٍ أوْ كُلُّ كافِرٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ. قالَ النَّحّاسُ: وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْفاعِلِ ذِكْرٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " زُيِّنَتْ " وإنَّما خَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ، كَما وصَفَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا؛ لِأنَّ الكافِرَ افْتُتِنَ بِهَذا التَّزْيِينِ وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ، والمُسْلِمُ لَمْ يُفْتَتَنْ بِهِ، بَلْ أقْبَلَ عَلى الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ لا حَظَّ لَهم مِنَ الدُّنْيا كَحَظِّ رُؤَساءِ الكُفْرِ وأساطِينِ الضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَرَضَ الدُّنْيا عِنْدَهم هو الأمْرُ الَّذِي يَكُونُ مَن نالَهُ سَعِيدًا رابِحًا، ومَن حُرِمَهُ شَقِيًّا خاسِرًا. وقَدْ كانَ غالِبُ المُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَقُراءَ لِاشْتِغالِهِمْ بِالعِبادَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، وعَدَمِ التِفاتِهِمْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: سَخِرْتُ مِنهُ وسَخِرْتُ بِهِ، وضَحِكْتُ مِنهُ وضَحِكْتُ بِهِ، وهَزَأْتُ مِنهُ وهَزَأْتُ بِهِ، والِاسْمُ السُّخْرِيَةُ والسُّخْرِيُّ. ولَمّا وقَعَ مِنَ الكُفّارِ ما وقَعَ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ هُنا: العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ، لِأنَّهم في الجَنَّةِ والكَفّارُ في النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، والنّارَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ في الدُّنْيا كَما وقَعَ ذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ وسُقُوطِ الكُفْرِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وأسْرِهِمْ وتَشْرِيدِهِمْ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لَوْلا التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَرْزُقُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ، ويَجْعَلُ ما يُعْطِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ عِبادِهِ في الرِّزْقِ كَما وسَّعَ عَلى أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ مِنَ الكُفّارِ اسْتِدْراجًا لَهم، ولَيْسَ في التَّوْسِعَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِغَيْرِ حِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] . قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ فاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ: أعْنِي قَوْلَهَ: فاخْتَلَفُوا - قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ قَرَأ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " . واخْتُلِفَ في النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هم بَنُو آدَمَ حِينَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ نَسَمًا مِن ظَهْرِ آدَمَ، وقِيلَ: آدَمُ وحْدَهُ، وسُمِّي ناسًا لِأنَّهُ أصْلُ النَّسْلِ، وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ، وقِيلَ: المُرادُ القُرُونُ الأُولى الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: المُرادُ نُوحٌ ومَن في سَفِينَتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً كُلُّهم كُفّارٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ عَنِ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَّرائِعِ وجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ، لَوْلا أنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. والأُمَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ أمَمْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَصَدْتُهُ، أيْ مَقْصِدُهم واحِدٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ قِيلَ: جُمْلَتُهم مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والرُّسُلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ الجِنْسَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْعَهْدِ والمُرادُ التَّوْراةُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مُسْنَدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَجازٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتابِهِ، وقِيلَ: لِيَحْكُمَ اللَّهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ الأُولى راجِعٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ إلى المَنزِلِ عَلَيْهِ وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ أُوتُوا الكِتابَ، أوْ أُوتُوا الحَقَّ أوْ أُوتُوا النَّبِيَّ: أيْ أُعْطَوْا عِلْمَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ: أيْ لَمْ يَخْتَلِفُوا إلّا لِلْبَغْيِ: أيِ الحَسَدِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى السَّفَهِ في فِعْلِهِمْ، والقَبِيحِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ، لِأنَّهم جَعَلُوا نُزُولَ الكِتابِ سَبَبًا في شِدَّةِ الخِلافِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ (p-١٣٨)أيْ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ بِما بَيَّنَهُ لَهم في القُرْآنِ مِنِ اخْتِلافِ مَن كانَ قَبْلَهم وقِيلَ: مَعْناهُ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ بِخِلافِ مَن قَبْلَهم، فَإنَّ بَعْضَهم كَذَّبَ كِتابَ بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ هَداهم إلى الحَقِّ مِنَ القِبْلَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِاعْتِقادِ الحَقِّ في عِيسى بَعْدَ أنْ كَذَّبَتْهُ اليَهُودُ وجَعَلَتْهُ النَّصارى رَبًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا، وتَقْدِيرُهُ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ بِعِلْمِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ، والمَعْنى بِأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ وما لَمْ يَذْكُرْ ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: يُكَفِّرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: آتاهُمُ اللَّهُ آياتٍ بَيِّناتٍ: عَصا مُوسى، ويَدُهُ، وأقْطَعَهُمُ البَحْرَ، وأغْرَقَ عَدُوَّهم وهم يَنْظُرُونَ، وظُلَلٌ مِنَ الغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن يَكْفُرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ قالَ: الكُفّارُ يَبْتَغُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ويَطْلُبُونَها ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في طَلَبِهِمْ لِلْآخِرَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا أحْسَبُهُ إلّا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ ساداتُنا وأشْرافُنا، واللَّهِ ما اتَّبَعَهُ إلّا أهْلُ الحاجَةِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقُولُونَ: ما هَؤُلاءِ عَلى شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيًّا ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هُنا كَمُّ التَّفاضُلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فَوْقَهم في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ: تَفْسِيرُها لَيْسَ عَلى اللَّهِ رَقِيبٌ ولا مَن يُحاسِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يُحاسَبُ الرَّبُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قالَ: عَلى الإسْلامِ كُلُّهم. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهم عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ. قالَ: وكَذَلِكَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كانُوا أُمَّةً واحِدَةً حَيْثُ عُرِضُوا عَلى آدَمَ فَفَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الإسْلامِ وأقَرُّوا لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ وكانُوا أُمَّةً واحِدَةً مُسْلِمِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ آدَمَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " وإنَّ اللَّهَ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ وأنْزَلَ الكُتُبَ بَعْدَ الِاخْتِلافِ، ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، أُوتُوا الكِتابَ والعِلْمَ بَغْيًا بَيْنَهم، يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وزُخْرُفِها أيُّهم يَكُونُ لَهُ المُلْكُ والمَهابَةُ في النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: كُفّارًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَحْنُ الآخَرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ النّاسِ دُخُولًا يُبْدَأُ بِهِمْ، أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَدانا اللَّهُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» وهو في الصَّحِيحِ بِدُونِ ذِكْرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ، واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ، ومِنهم مَن يَصُومُ مِن بَعْدِ الطَّعامِ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا وجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في عِيسى، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ رُوحَهُ وكِلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ.

البقرة 2:213

(p-١٣٧)المَأْمُورُ بِالسُّؤالِ لِبَنِي إسْرائِيلَ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو كُلُّ فَرْدٍ مِنَ السّائِلِينَ، وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ. وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِـ " آتى "، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ كَمْ آتَيْنا آتَيْناهم، وقُدِّرَ مُتَأخِّرًا لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وهي إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّقْرِيرِ أوْ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿مِن آيَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي البَراهِينُ الَّتِي جاءَ بِها أنْبِياؤُهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى، وهي التِّسْعُ. والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ هُنا ما جاءَهم مِنَ الآياتِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: النِّعْمَةُ هُنا الإسْلامُ، والظّاهِرُ دُخُولُ كُلِّ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عَبْدٍ مِن عِبادِهِ كائِنًا مَن كانَ، فَوَقَعَ مِنهُ التَّبْدِيلُ لَها، وعَدَمُ القِيامِ بِشُكْرِها - ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُ السِّياقِ في بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في النُّزُولِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. قَوْلُهُ: زُيِّنَ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، والمُزَيِّنُ: هو الشَّيْطانُ أوِ الأنْفُسُ المَجْبُولَةُ عَلى حُبِّ العاجِلَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا رُؤَساءُ قُرَيْشٍ أوْ كُلُّ كافِرٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ " زَيَّنَ " عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ. قالَ النَّحّاسُ: وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْفاعِلِ ذِكْرٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " زُيِّنَتْ " وإنَّما خَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ، كَما وصَفَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا؛ لِأنَّ الكافِرَ افْتُتِنَ بِهَذا التَّزْيِينِ وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ، والمُسْلِمُ لَمْ يُفْتَتَنْ بِهِ، بَلْ أقْبَلَ عَلى الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ لا حَظَّ لَهم مِنَ الدُّنْيا كَحَظِّ رُؤَساءِ الكُفْرِ وأساطِينِ الضَّلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَرَضَ الدُّنْيا عِنْدَهم هو الأمْرُ الَّذِي يَكُونُ مَن نالَهُ سَعِيدًا رابِحًا، ومَن حُرِمَهُ شَقِيًّا خاسِرًا. وقَدْ كانَ غالِبُ المُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَقُراءَ لِاشْتِغالِهِمْ بِالعِبادَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، وعَدَمِ التِفاتِهِمْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: سَخِرْتُ مِنهُ وسَخِرْتُ بِهِ، وضَحِكْتُ مِنهُ وضَحِكْتُ بِهِ، وهَزَأْتُ مِنهُ وهَزَأْتُ بِهِ، والِاسْمُ السُّخْرِيَةُ والسُّخْرِيُّ. ولَمّا وقَعَ مِنَ الكُفّارِ ما وقَعَ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ هُنا: العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ، لِأنَّهم في الجَنَّةِ والكَفّارُ في النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، والنّارَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ في الدُّنْيا كَما وقَعَ ذَلِكَ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ وسُقُوطِ الكُفْرِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وأسْرِهِمْ وتَشْرِيدِهِمْ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لَوْلا التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَرْزُقُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ، ويَجْعَلُ ما يُعْطِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ عِبادِهِ في الرِّزْقِ كَما وسَّعَ عَلى أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ مِنَ الكُفّارِ اسْتِدْراجًا لَهم، ولَيْسَ في التَّوْسِعَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَضِيَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِغَيْرِ حِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] . قَوْلُهُ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ فاخْتَلَفُوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ: أعْنِي قَوْلَهَ: فاخْتَلَفُوا - قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ قَرَأ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " . واخْتُلِفَ في النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هم بَنُو آدَمَ حِينَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ نَسَمًا مِن ظَهْرِ آدَمَ، وقِيلَ: آدَمُ وحْدَهُ، وسُمِّي ناسًا لِأنَّهُ أصْلُ النَّسْلِ، وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ، وقِيلَ: المُرادُ القُرُونُ الأُولى الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: المُرادُ نُوحٌ ومَن في سَفِينَتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً كُلُّهم كُفّارٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ عَنِ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَّرائِعِ وجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ، لَوْلا أنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ. والأُمَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ أمَمْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَصَدْتُهُ، أيْ مَقْصِدُهم واحِدٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ قِيلَ: جُمْلَتُهم مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والرُّسُلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ الجِنْسَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْعَهْدِ والمُرادُ التَّوْراةُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مُسْنَدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَجازٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتابِهِ، وقِيلَ: لِيَحْكُمَ اللَّهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ الأُولى راجِعٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ إلى المَنزِلِ عَلَيْهِ وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ أُوتُوا الكِتابَ، أوْ أُوتُوا الحَقَّ أوْ أُوتُوا النَّبِيَّ: أيْ أُعْطَوْا عِلْمَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ: أيْ لَمْ يَخْتَلِفُوا إلّا لِلْبَغْيِ: أيِ الحَسَدِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى السَّفَهِ في فِعْلِهِمْ، والقَبِيحِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ، لِأنَّهم جَعَلُوا نُزُولَ الكِتابِ سَبَبًا في شِدَّةِ الخِلافِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ (p-١٣٨)أيْ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ بِما بَيَّنَهُ لَهم في القُرْآنِ مِنِ اخْتِلافِ مَن كانَ قَبْلَهم وقِيلَ: مَعْناهُ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ بِخِلافِ مَن قَبْلَهم، فَإنَّ بَعْضَهم كَذَّبَ كِتابَ بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ هَداهم إلى الحَقِّ مِنَ القِبْلَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: هَداهم لِاعْتِقادِ الحَقِّ في عِيسى بَعْدَ أنْ كَذَّبَتْهُ اليَهُودُ وجَعَلَتْهُ النَّصارى رَبًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الإسْلامُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا، وتَقْدِيرُهُ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ بِعِلْمِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ، والمَعْنى بِأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ وما لَمْ يَذْكُرْ ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: يُكَفِّرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: آتاهُمُ اللَّهُ آياتٍ بَيِّناتٍ: عَصا مُوسى، ويَدُهُ، وأقْطَعَهُمُ البَحْرَ، وأغْرَقَ عَدُوَّهم وهم يَنْظُرُونَ، وظُلَلٌ مِنَ الغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن يَكْفُرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ قالَ: الكُفّارُ يَبْتَغُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ويَطْلُبُونَها ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في طَلَبِهِمْ لِلْآخِرَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا أحْسَبُهُ إلّا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ ساداتُنا وأشْرافُنا، واللَّهِ ما اتَّبَعَهُ إلّا أهْلُ الحاجَةِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقُولُونَ: ما هَؤُلاءِ عَلى شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيًّا ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هُنا كَمُّ التَّفاضُلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فَوْقَهم في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قالَ: تَفْسِيرُها لَيْسَ عَلى اللَّهِ رَقِيبٌ ولا مَن يُحاسِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يُحاسَبُ الرَّبُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قالَ: عَلى الإسْلامِ كُلُّهم. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهم عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ. قالَ: وكَذَلِكَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كانُوا أُمَّةً واحِدَةً حَيْثُ عُرِضُوا عَلى آدَمَ فَفَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الإسْلامِ وأقَرُّوا لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ وكانُوا أُمَّةً واحِدَةً مُسْلِمِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ آدَمَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها " كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ " وإنَّ اللَّهَ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ وأنْزَلَ الكُتُبَ بَعْدَ الِاخْتِلافِ، ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، أُوتُوا الكِتابَ والعِلْمَ بَغْيًا بَيْنَهم، يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وزُخْرُفِها أيُّهم يَكُونُ لَهُ المُلْكُ والمَهابَةُ في النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: كُفّارًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَحْنُ الآخَرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ النّاسِ دُخُولًا يُبْدَأُ بِهِمْ، أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَدانا اللَّهُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» وهو في الصَّحِيحِ بِدُونِ ذِكْرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ، واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ، ومِنهم مَن يَصُومُ مِن بَعْدِ الطَّعامِ فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا وجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في عِيسى، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ رُوحَهُ وكِلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ.

البقرة 2:214

" أمْ " هُنا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ. وحَكى بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أنَّها قَدْ تَجِيءُ بِمَثابَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، فَعَلى هَذا مَعْنى الِاسْتِفْهامِ هُنا التَّقْرِيرُ والإنْكارُ: أيْ أحَسِبْتُمْ دُخُولَكُمُ الجَنَّةَ واقِعًا، ولَمْ تُمْتَحَنُوا بِمِثْلِ ما امْتُحِنَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَكم، فَتَصْبِرُوا كَما صَبَرُوا، ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ التَّسْلِيَةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ اخْتِلافَ الأُمَمِ عَلى أنْبِيائِهِمْ، تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] . وقَوْلُهُ: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ . و﴿البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما، والزَّلْزَلَةُ: شِدَّةُ التَّحْرِيكِ يَكُونُ في الأشْخاصِ وفي الأحْوالِ، يُقالُ: زَلْزَلَ اللَّهُ الأرْضَ زَلْزَلَةً وزِلْزالًا بِالكَسْرِ، (p-١٣٩)فَتَزَلْزَلَتْ: إذا تَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَمَعْنى " زُلْزِلُوا ": خُوِّفُوا وأُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الزَّلْزَلَةِ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ: زَلْزَلْتُهُ فَمَعْناهُ كَرَّرْتُ زَلَلَهُ مِن مَكانِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ أيِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى غايَةٍ هي قَوْلُ الرَّسُولِ ومَن مَعَهُ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ والرَّسُولُ هُنا قِيلَ: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو أشْعِياءُ، وقِيلَ: هو كُلُّ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أُمَّتِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والأعْرَجُ ونافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ: " حَتّى يَقُولَ " وقَرَأ غَيْرُهم بِالنَّصْبِ فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ، والنَّصْبُ بِإضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ غايَةٌ لِما قَبْلَهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: " وزُلْزِلُوا ويَقُولُ الرَّسُولُ " بِالواوِ بَدَلَ حَتّى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ومَن مَعَهُ بَلَغَ بِهِمُ الضَّجَرُ إلى أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ المُقْتَضِيَةَ لِطَلَبِ النَّصْرِ واسْتِبْطاءِ حُصُولِهِ واسْتِطالَةِ تَأخُّرِهِ، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . وقالَتْ طائِفَةٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا مَتّى نَصْرُ اللَّهِ، ويَقُولُ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّكَلُّفِ؛ لِأنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ومَن مَعَهُ: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ إلّا اسْتِعْجالُ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ فِيهِ ما زَعَمُوهُ مِنَ الشَّكِّ والِارْتِيابِ حَتّى يُحْتاجَ إلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ المُتَعَسِّفِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ الأحْزابِ، أصابَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وأصْحابَهُ بَلاءٌ وحَصْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأخْبَرَهم أنَّهُ هَكَذا فَعَلَ بِأنْبِيائِهِ وصَفْوَتِهِ لِتَطِيبَ أنْفُسُهم فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ فالبَأْساءُ: الفِتَنُ، والضَّرّاءُ: السَّقَمُ، وزُلْزِلُوا بِالفِتَنِ وأذى النّاسِ إيّاهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ قالَ: أصابَهم هَذا يَوْمَ الأحْزابِ حَتّى قالَ قائِلُهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ حَتّى قالَ قائِلُهم: يَعْنِي قائِلَ المُنافِقِينَ، كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١٢] .

البقرة 2:215

السّائِلُونَ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ ما هو ؟ فَأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ الَّذِي يَصْرِفُونَ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِالقَصْدِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا إذا وُضِعَ في مَوْضِعِهِ وصادَفَ مَصْرِفَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ وهو كُلُّ خَيْرٍ، وقِيلَ: إنَّهم إنَّما سَألُوا عَنْ وُجُوهِ البِرِّ الَّتِي يُنْفِقُونَ فِيها، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينَ وابْنِ السَّبِيلِ. وقَوْلُهُ: كُتِبَ أيْ فُرِضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا: أيْ فَرْضُ القِتالِ عَلَيْهِمْ مِن جُمْلَةِ ما امْتُحِنُوا بِهِ. والمُرادُ بِالقِتالِ قِتالُ الكُفّارِ. والكُرْهُ بِالضَّمِّ: المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ: ما أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الضَّمُّ في مَعْنى الفَتْحِ فَيَكُونانِ لُغَتَيْنِ، يُقالُ: كَرِهْتُ الشَّيْءَ كُرْهًا وكَرْهًا وكَراهَةً وكَراهِيَةً وأكْرَهْتُهُ عَلَيْهِ إكْراهًا، وإنَّما كانَ الجِهادُ كُرْهًا لِأنَّ فِيهِ إخْراجَ المالِ، ومُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ، والتَّعَرُّضَ لِذَهابِ النَّفْسِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَصْدَرِ وهو قَوْلُهُ: كُرْهٌ مُبالَغَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَكْرُوهِ كَما في قَوْلِهِمُ: الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الأمِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ قِيلَ: عَسى هُنا بِمَعْنى قَدْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأصَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَسى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ، والمَعْنى: عَسى أنْ تَكْرَهُوا الجِهادَ لِما فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ وهو خَيْرٌ لَكم، فَرُبَّما تَغْلِبُونَ وتَظْفَرُونَ وتَغْنَمُونَ وتُؤْجَرُونَ، ومَن ماتَ ماتَ شَهِيدًا، وعَسى أنْ تُحِبُّوا الدَّعَةَ وتَرْكَ القِتالِ وهو شَرٌّ لَكم، فَرُبَّما يَتَقَوّى عَلَيْكُمُ العَدُوُّ فَيَغْلِبُكم، ويَقْصِدُكم إلى عُقْرِ دِيارِكم فَيَحِلُّ بِكم أشَدُّ مِمّا تَخافُونَهُ مِنَ الجِهادِ الَّذِي كَرِهْتُمْ مَعَ ما يَفُوتُكم في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ صَلاحُكم وفَلاحُكم: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قالَ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ زَكاةٌ، وهي النَّفَقَةُ يُنْفِقُها الرَّجُلُ عَلى أهْلِهِ، والصَّدَقَةُ يَتَصَدَّقُ بِها فَنَسَخَتْها الزَّكاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «سَألَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهم ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةَ،» فَذَلِكَ النَّفَقَةُ في التَّطَوُّعِ والزَّكاةِ سَواءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها ؟ فَنَزَلَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ بِالتَّوْحِيدِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنِ القِتالِ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ نَزَلَتْ سائِرُ الفَرائِضِ وأُذِنَ لَهم في القِتالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ يَعْنِي فُرِضَ عَلَيْكم وأُذِنَ لَهم بَعْدَ ما نَهاهم عَنْهُ ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي القِتالَ وهو مَشَقَّةٌ عَلَيْكم ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي الجِهادَ قِتالَ المُشْرِكِينَ ﴿وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ويَجْعَلُ اللَّهُ عاقِبَتَهُ فَتْحًا وغَنِيمَةً وشَهادَةً ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي القُعُودَ عَنِ الجِهادِ ﴿وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ فَيَجْعَلُ اللَّهُ عاقِبَتَهُ شَرًّا، فَلا تُصِيبُوا ظَفَرًا ولا غَنِيمَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ ما يَقُولُ في (p-١٤٠)قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أوَجَبَ الغَزْوُ عَلى النّاسِ مِن أجْلِها ؟ قالَ: لا، كُتِبَ عَلى أُولَئِكَ حِينَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: الجِهادُ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ غَزا أوْ قَعَدَ، فالقاعِدُ إنِ اسْتُعِينَ بِهِ أعانَ، وإنِ اسْتُغِيثَ بِهِ أغاثَ، وإنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ، وإنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكم﴾ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولًا عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ قالَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ أيْضًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الجِهادِ ووُجُوبِهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها.

البقرة 2:216

السّائِلُونَ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ سَألُوا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ ما هو ؟ فَأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ الَّذِي يَصْرِفُونَ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِالقَصْدِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا إذا وُضِعَ في مَوْضِعِهِ وصادَفَ مَصْرِفَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ وهو كُلُّ خَيْرٍ، وقِيلَ: إنَّهم إنَّما سَألُوا عَنْ وُجُوهِ البِرِّ الَّتِي يُنْفِقُونَ فِيها، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينَ وابْنِ السَّبِيلِ. وقَوْلُهُ: كُتِبَ أيْ فُرِضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ. بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا: أيْ فَرْضُ القِتالِ عَلَيْهِمْ مِن جُمْلَةِ ما امْتُحِنُوا بِهِ. والمُرادُ بِالقِتالِ قِتالُ الكُفّارِ. والكُرْهُ بِالضَّمِّ: المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ: ما أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الضَّمُّ في مَعْنى الفَتْحِ فَيَكُونانِ لُغَتَيْنِ، يُقالُ: كَرِهْتُ الشَّيْءَ كُرْهًا وكَرْهًا وكَراهَةً وكَراهِيَةً وأكْرَهْتُهُ عَلَيْهِ إكْراهًا، وإنَّما كانَ الجِهادُ كُرْهًا لِأنَّ فِيهِ إخْراجَ المالِ، ومُفارَقَةَ الأهْلِ والوَطَنِ، والتَّعَرُّضَ لِذَهابِ النَّفْسِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَصْدَرِ وهو قَوْلُهُ: كُرْهٌ مُبالَغَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَكْرُوهِ كَما في قَوْلِهِمُ: الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الأمِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ قِيلَ: عَسى هُنا بِمَعْنى قَدْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأصَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَسى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ، والمَعْنى: عَسى أنْ تَكْرَهُوا الجِهادَ لِما فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ وهو خَيْرٌ لَكم، فَرُبَّما تَغْلِبُونَ وتَظْفَرُونَ وتَغْنَمُونَ وتُؤْجَرُونَ، ومَن ماتَ ماتَ شَهِيدًا، وعَسى أنْ تُحِبُّوا الدَّعَةَ وتَرْكَ القِتالِ وهو شَرٌّ لَكم، فَرُبَّما يَتَقَوّى عَلَيْكُمُ العَدُوُّ فَيَغْلِبُكم، ويَقْصِدُكم إلى عُقْرِ دِيارِكم فَيَحِلُّ بِكم أشَدُّ مِمّا تَخافُونَهُ مِنَ الجِهادِ الَّذِي كَرِهْتُمْ مَعَ ما يَفُوتُكم في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ صَلاحُكم وفَلاحُكم: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قالَ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ زَكاةٌ، وهي النَّفَقَةُ يُنْفِقُها الرَّجُلُ عَلى أهْلِهِ، والصَّدَقَةُ يَتَصَدَّقُ بِها فَنَسَخَتْها الزَّكاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «سَألَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهم ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةَ،» فَذَلِكَ النَّفَقَةُ في التَّطَوُّعِ والزَّكاةِ سَواءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها ؟ فَنَزَلَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ بِالتَّوْحِيدِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنِ القِتالِ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ نَزَلَتْ سائِرُ الفَرائِضِ وأُذِنَ لَهم في القِتالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ يَعْنِي فُرِضَ عَلَيْكم وأُذِنَ لَهم بَعْدَ ما نَهاهم عَنْهُ ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي القِتالَ وهو مَشَقَّةٌ عَلَيْكم ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي الجِهادَ قِتالَ المُشْرِكِينَ ﴿وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ويَجْعَلُ اللَّهُ عاقِبَتَهُ فَتْحًا وغَنِيمَةً وشَهادَةً ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يَعْنِي القُعُودَ عَنِ الجِهادِ ﴿وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ فَيَجْعَلُ اللَّهُ عاقِبَتَهُ شَرًّا، فَلا تُصِيبُوا ظَفَرًا ولا غَنِيمَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ ما يَقُولُ في (p-١٤٠)قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أوَجَبَ الغَزْوُ عَلى النّاسِ مِن أجْلِها ؟ قالَ: لا، كُتِبَ عَلى أُولَئِكَ حِينَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: الجِهادُ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ غَزا أوْ قَعَدَ، فالقاعِدُ إنِ اسْتُعِينَ بِهِ أعانَ، وإنِ اسْتُغِيثَ بِهِ أغاثَ، وإنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ، وإنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكم﴾ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولًا عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ قالَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ أيْضًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الجِهادِ ووُجُوبِهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها.

البقرة 2:217

قَوْلُهُ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ هو بَدَلُ اشْتِمالٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. ووَجْهُهُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ القِتالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ قَيْسٌ هَلْكُهُ هَلْكَ واحِدٍ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما فَقَوْلُهُ هَلْكُهُ اشْتِمالٌ مِن قَيْسٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَخْفُوضٌ، يَعْنِي: قَوْلُهُ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ عَلى نِيَّةٍ عَنْ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَخْفُوضٌ عَلى الجِوارِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ الشَّيْءُ عَلى الجِوارِ في كِتابِ اللَّهِ ولا في شَيْءٍ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما وقَعَ في شَيْءٍ شاذٍّ، وهو قَوْلُهم: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وتابَعَ النَّحّاسُ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَخْطِئَةِ أبِي عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ إضْمارُ عَنْ، والقَوْلُ فِيهِ إنَّهُ بَدَلٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ: " يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ وعَنْ قِتالٍ فِيهِ " . وقَرَأ الأعْرَجُ " قِتالٌ فِيهِ " بِالرَّفْعِ. قالَ النَّحّاسُ وهو غامِضٌ في العَرَبِيَّةِ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ جائِزٌ قِتالٌ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ القِتالُ فِيهِ أمْرٌ كَبِيرٌ مُسْتَنْكَرٌ، والشَّهْرُ الحَرامُ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ لا تَسْفِكُ فِيهِ دَمًا ولا تُغِيرُ عَلى عَدُوٍّ، والأشْهُرُ الحُرُمُ هي: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومُحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى صَدٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى صَدٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خَبَرُ صَدٌّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: أيِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والكُفْرُ بِهِ والصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وإخْراجُ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أعْظَمُ إثْمًا وأشَدُّ ذَنْبًا مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَذا قالَ المُبَرِّدَ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ يَعُودُ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: يَعُودُ إلى الحَجِّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ قَوْلَهُ: وصَدٌّ عَطْفٌ عَلى كَبِيرٌ، والمَسْجِدُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ فَيَكُونُ الكَلامُ مُنْتَسِقًا مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ المَعْنى يَسُوقُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ عَطْفٌ أيْضًا عَلى كَبِيرٌ، ويَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ إخْراجَ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، وهَذا بَيِّنٌ فَسادُهُ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّكم يا كُفّارَ قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُونَ عَلَيْنا القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ مِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لِمَن أرادَ الإسْلامَ ومِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، ومِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومِن إخْراجِ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ أكْبَرُ جُرْمًا عِنْدَ اللَّهِ. والسَّبَبُ يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى، ويُفِيدُ أنَّهُ المُرادُ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، فَإنَّ السُّؤالَ مِنهُمُ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو سُؤالُ إنْكارٍ لِما وقَعَ مِنَ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. والمُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الكُفْرُ: أيْ كُفْرِكم أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ الواقِعِ مِنَ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ: الإخْراجُ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا فِتْنَتُهم عَنْ دِينِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا، أيْ فِتْنَةِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ نَفْسِ الفِتْنَةِ الَّتِي الكُفّارُ عَلَيْها. وهَذا أرْجَحُ مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والإخْراجَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُما وأنَّهُما مَعَ الصَّدِّ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَزالُونَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى قِتالِكم وعَداوَتِكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ إنِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ وتَهَيَّأ لَهم مِنكم، والتَّقْيِيدُ بِهَذا الشَّرْطِ مُشْعِرٌ بِاسْتِبْعادِ تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ وقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالكُفّارِ والدُّخُولِ فِيما يُرِيدُونَهُ مِن رَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ الَّذِي هو الغايَةُ لِما يُرِيدُونَهُ مِنَ المُقاتَلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والرِّدَّةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، والتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ عَمَلَ مَنِ ارْتَدَّ إنَّما يَبْطُلُ إذا ماتَ عَلى الكُفْرِ. وحَبِطَ: مَعْناهُ بَطَلَ وفَسَدَ، ومِنهُ الحَبْطُ وهو فَسادٌ يَلْحَقُ المَواشِيَ في بُطُونِها مِن كَثْرَةِ أكْلِها لِلْكَلَأِ فَتَنْتَفِخُ أجْوافُها، ورُبَّما تَمُوتُ مِن ذَلِكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَثْبُتُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أنَّهُ لا يَبْقى لَهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا، فَلا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُونَ، ولا يَظْفَرُ بِحَظٍّ مِن حُظُوظِ الإسْلامِ، ولا يَنالُ شَيْئًا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ الَّذِي يُوجِبُهُ الإسْلامُ ويَسْتَحِقُّهُ أهْلُهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرِّدَّةِ هَلْ تُحْبِطُ العَمَلَ بِمُجَرَّدِها أمْ لا تُحْبِطُ إلّا بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ، والواجِبُ حَمْلُ ما أطْلَقَتْهُ الآياتُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ (p-١٤١)مِنَ التَّقْيِيدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى الخُلُودِ. قَوْلُهُ: وهاجَرُوا الهِجْرَةُ مَعْناها الِانْتِقالُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وتَرْكُ الأوَّلِ لِإيثارِ الثّانِي، والهَجْرُ ضِدُّ الوَصْلِ، والتَّهاجُرُ: التَّقاطُعُ والمُرادُ بِها هُنا الهِجْرَةُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ. والمُجاهَدَةُ: اسْتِخْراجُ الجُهْدِ، جَهَدَ مُجاهَدَةً وجِهادًا، والجِهادُ والتَّجاهُدُ: بَذْلُ الوُسْعِ. وقَوْلُهُ: يَرْجُونَ مَعْناهُ يَطْمَعُونَ، وإنَّما قالَ: يَرْجُونَ بَعْدَ تِلْكَ الأوْصافِ المادِحَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ في هَذِهِ الدُّنْيا أنَّهُ صائِرٌ إلى الجَنَّةِ، ولَوْ بَلَغَ في طاعَةِ اللَّهِ كُلَّ مَبْلَغٍ. والرَّجاءُ الأمَلُ، يُقالُ: رَجَوْتُ فُلانًا أرْجُوهُ رَجاءً ورَجاوَةً. وقَدْ يَكُونُ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] أيْ لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ بَعَثَ رَهْطًا وبَعَثَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ أوْ عُبَيْدَةَ بْنَ الحارِثِ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْطَلِقَ بَكى شَوْقًا وصَبابَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَجَلَسَ فَبَعَثَ مَكانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وكَتَبَ لَهُ كِتابًا وأمَرَهُ أنْ لا يَقْرَأ الكِتابَ حَتّى يَبْلُغَ مَكانَ كَذا وكَذا وقالَ: لا تُكْرِهَنَّ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى المَسِيرِ مَعَكَ، فَلَمّا قَرَأ الكِتابَ اسْتَرْجَعَ وقالَ: سَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، فَخَبَّرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ فَرَجَعَ رَجُلانِ ومَضى بَقِيَّتُهم فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمِيَّ فَقَتَلُوهُ، ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن رَجَبٍ أوْ جُمادى، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ هو ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ورَدُّوهُ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ في شَهْرٍ حَرامٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَهْرٍ حَرامٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَعابَ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ القِتالَ في شَهْرٍ حَرامٍ. فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ القِتالِ فِيهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ وهو مُقْبِلٌ مِنَ الطّائِفِ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى وأوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، وإنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن جُمادى، وكانَتْ أوَّلَ رَجَبٍ ولَمْ يَشْعُرُوا فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنهم وأخَذُوا ما كانَ مَعَهُ، وأنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا يُعَيِّرُونَهُ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْهُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ مُصابُ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقَدْ ورَدَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ في تَعْيِينِ السَّبَبِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عَطاءِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: أُحِلَّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ في " بَراءَةٌ " في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا شَيْءٌ مَنسُوخٌ، ولا بَأْسَ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ في " بَراءَةٌ " ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ قالَ: الشِّرْكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ خِيارُ هَذِهِ الأُمَّةِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أهْلَ رَجاءٍ، إنَّهُ مَن رَجا طَلَبَ، ومَن خافَ هَرَبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

البقرة 2:218

قَوْلُهُ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ هو بَدَلُ اشْتِمالٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. ووَجْهُهُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ القِتالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ قَيْسٌ هَلْكُهُ هَلْكَ واحِدٍ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما فَقَوْلُهُ هَلْكُهُ اشْتِمالٌ مِن قَيْسٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَخْفُوضٌ، يَعْنِي: قَوْلُهُ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ عَلى نِيَّةٍ عَنْ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَخْفُوضٌ عَلى الجِوارِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ الشَّيْءُ عَلى الجِوارِ في كِتابِ اللَّهِ ولا في شَيْءٍ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما وقَعَ في شَيْءٍ شاذٍّ، وهو قَوْلُهم: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وتابَعَ النَّحّاسُ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَخْطِئَةِ أبِي عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ إضْمارُ عَنْ، والقَوْلُ فِيهِ إنَّهُ بَدَلٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ: " يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ وعَنْ قِتالٍ فِيهِ " . وقَرَأ الأعْرَجُ " قِتالٌ فِيهِ " بِالرَّفْعِ. قالَ النَّحّاسُ وهو غامِضٌ في العَرَبِيَّةِ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ جائِزٌ قِتالٌ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ القِتالُ فِيهِ أمْرٌ كَبِيرٌ مُسْتَنْكَرٌ، والشَّهْرُ الحَرامُ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ لا تَسْفِكُ فِيهِ دَمًا ولا تُغِيرُ عَلى عَدُوٍّ، والأشْهُرُ الحُرُمُ هي: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومُحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى صَدٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى صَدٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خَبَرُ صَدٌّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: أيِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والكُفْرُ بِهِ والصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وإخْراجُ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أعْظَمُ إثْمًا وأشَدُّ ذَنْبًا مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَذا قالَ المُبَرِّدَ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ يَعُودُ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: يَعُودُ إلى الحَجِّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ قَوْلَهُ: وصَدٌّ عَطْفٌ عَلى كَبِيرٌ، والمَسْجِدُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ فَيَكُونُ الكَلامُ مُنْتَسِقًا مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ المَعْنى يَسُوقُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ عَطْفٌ أيْضًا عَلى كَبِيرٌ، ويَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ إخْراجَ أهْلِ المَسْجِدِ مِنهُ أكْبَرُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، وهَذا بَيِّنٌ فَسادُهُ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّكم يا كُفّارَ قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُونَ عَلَيْنا القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وما تَفْعَلُونَ أنْتُمْ مِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لِمَن أرادَ الإسْلامَ ومِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، ومِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومِن إخْراجِ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ أكْبَرُ جُرْمًا عِنْدَ اللَّهِ. والسَّبَبُ يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى، ويُفِيدُ أنَّهُ المُرادُ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، فَإنَّ السُّؤالَ مِنهُمُ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو سُؤالُ إنْكارٍ لِما وقَعَ مِنَ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. والمُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الكُفْرُ: أيْ كُفْرِكم أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ الواقِعِ مِنَ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ: الإخْراجُ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا فِتْنَتُهم عَنْ دِينِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا، أيْ فِتْنَةِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ نَفْسِ الفِتْنَةِ الَّتِي الكُفّارُ عَلَيْها. وهَذا أرْجَحُ مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والإخْراجَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُما وأنَّهُما مَعَ الصَّدِّ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَزالُونَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى قِتالِكم وعَداوَتِكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ إنِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ وتَهَيَّأ لَهم مِنكم، والتَّقْيِيدُ بِهَذا الشَّرْطِ مُشْعِرٌ بِاسْتِبْعادِ تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ وقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَذَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالكُفّارِ والدُّخُولِ فِيما يُرِيدُونَهُ مِن رَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ الَّذِي هو الغايَةُ لِما يُرِيدُونَهُ مِنَ المُقاتَلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والرِّدَّةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، والتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ عَمَلَ مَنِ ارْتَدَّ إنَّما يَبْطُلُ إذا ماتَ عَلى الكُفْرِ. وحَبِطَ: مَعْناهُ بَطَلَ وفَسَدَ، ومِنهُ الحَبْطُ وهو فَسادٌ يَلْحَقُ المَواشِيَ في بُطُونِها مِن كَثْرَةِ أكْلِها لِلْكَلَأِ فَتَنْتَفِخُ أجْوافُها، ورُبَّما تَمُوتُ مِن ذَلِكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَثْبُتُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أنَّهُ لا يَبْقى لَهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا، فَلا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُونَ، ولا يَظْفَرُ بِحَظٍّ مِن حُظُوظِ الإسْلامِ، ولا يَنالُ شَيْئًا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ الَّذِي يُوجِبُهُ الإسْلامُ ويَسْتَحِقُّهُ أهْلُهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرِّدَّةِ هَلْ تُحْبِطُ العَمَلَ بِمُجَرَّدِها أمْ لا تُحْبِطُ إلّا بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ، والواجِبُ حَمْلُ ما أطْلَقَتْهُ الآياتُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ (p-١٤١)مِنَ التَّقْيِيدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى الخُلُودِ. قَوْلُهُ: وهاجَرُوا الهِجْرَةُ مَعْناها الِانْتِقالُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وتَرْكُ الأوَّلِ لِإيثارِ الثّانِي، والهَجْرُ ضِدُّ الوَصْلِ، والتَّهاجُرُ: التَّقاطُعُ والمُرادُ بِها هُنا الهِجْرَةُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ. والمُجاهَدَةُ: اسْتِخْراجُ الجُهْدِ، جَهَدَ مُجاهَدَةً وجِهادًا، والجِهادُ والتَّجاهُدُ: بَذْلُ الوُسْعِ. وقَوْلُهُ: يَرْجُونَ مَعْناهُ يَطْمَعُونَ، وإنَّما قالَ: يَرْجُونَ بَعْدَ تِلْكَ الأوْصافِ المادِحَةِ الَّتِي وصَفَهم بِها، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ في هَذِهِ الدُّنْيا أنَّهُ صائِرٌ إلى الجَنَّةِ، ولَوْ بَلَغَ في طاعَةِ اللَّهِ كُلَّ مَبْلَغٍ. والرَّجاءُ الأمَلُ، يُقالُ: رَجَوْتُ فُلانًا أرْجُوهُ رَجاءً ورَجاوَةً. وقَدْ يَكُونُ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] أيْ لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ بَعَثَ رَهْطًا وبَعَثَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ أوْ عُبَيْدَةَ بْنَ الحارِثِ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْطَلِقَ بَكى شَوْقًا وصَبابَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَجَلَسَ فَبَعَثَ مَكانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وكَتَبَ لَهُ كِتابًا وأمَرَهُ أنْ لا يَقْرَأ الكِتابَ حَتّى يَبْلُغَ مَكانَ كَذا وكَذا وقالَ: لا تُكْرِهَنَّ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى المَسِيرِ مَعَكَ، فَلَمّا قَرَأ الكِتابَ اسْتَرْجَعَ وقالَ: سَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، فَخَبَّرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ فَرَجَعَ رَجُلانِ ومَضى بَقِيَّتُهم فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمِيَّ فَقَتَلُوهُ، ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن رَجَبٍ أوْ جُمادى، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ هو ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ورَدُّوهُ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ في شَهْرٍ حَرامٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَهْرٍ حَرامٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَعابَ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ القِتالَ في شَهْرٍ حَرامٍ. فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ القِتالِ فِيهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ وهو مُقْبِلٌ مِنَ الطّائِفِ في آخِرِ لَيْلَةٍ مِن جُمادى وأوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَجَبٍ، وإنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن جُمادى، وكانَتْ أوَّلَ رَجَبٍ ولَمْ يَشْعُرُوا فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنهم وأخَذُوا ما كانَ مَعَهُ، وأنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا يُعَيِّرُونَهُ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْهُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ مُصابُ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقَدْ ورَدَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ في تَعْيِينِ السَّبَبِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عَطاءِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: أُحِلَّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ في " بَراءَةٌ " في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا شَيْءٌ مَنسُوخٌ، ولا بَأْسَ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ في " بَراءَةٌ " ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ قالَ: الشِّرْكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ خِيارُ هَذِهِ الأُمَّةِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أهْلَ رَجاءٍ، إنَّهُ مَن رَجا طَلَبَ، ومَن خافَ هَرَبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

البقرة 2:219

السّائِلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، والخَمْرُ مَأْخُوذَةٌ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ، وكُلُّ شَيْءٍ غَطّى شَيْئًا فَقَدْ خَمَرَهُ، ومِنهُ «خَمِّرُوا آنِيَتَكم» وسُمِّي خَمْرًا لِأنَّهُ يَخْمُرُ العَقْلَ: أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ، ومِن ذَلِكَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ يُقالُ لَهُ: الخَمْرُ بِفَتْحِ المِيمِ، لِأنَّهُ يُغَطِّي ما تَحْتَهُ ويَسْتُرُهُ، يُقالُ مِنهُ أخْمَرَتِ الأرْضُ: كَثُرَ خَمْرُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا زَيْدُ والضَّحّاكُ سِيرا فَقَدْ جاوَزْتُما خَمْرَ الطَّرِيقِ أيْ جاوَزْتُما الوَهْدَ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها تُرِكَتْ حَتّى أُدْرِكَتْ، كَما يُقالُ قَدِ اخْتَمَرَ العَجِينُ: أيْ بَلَغَ إدْراكُهُ، وخُمِّرَ الرَّأْيُ: أيْ تُرِكَ حَتّى تَبَيَّنَ فِيهِ الوَجْهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها تُخالِطُ العَقْلَ مِنَ المُخامَرَةِ وهي المُخالَطَةُ. وهَذِهِ المَعانِي الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ مَوْجُودَةٌ في الخَمْرِ لِأنَّها تُرِكَتْ حَتّى أُدْرِكَتْ ثُمَّ خالَطَتِ العَقْلَ فَخَمَّرَتْهُ: أيْ سَتَرَتْهُ، والخَمْرُ: ماءُ العِنَبِ الَّذِي غَلا واشْتَدَّ وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وما خامَرَ العَقْلَ مِن غَيْرِهِ فَهو في حُكْمِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ عِكْرِمَةَ وجَماعَةٌ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ: ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَهو حَلالٌ: أيْ ما دُونُ المُسْكِرِ فِيهِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى حَلِّ ما ذَهَبَ ثُلُثاهُ بِالطَّبْخِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وقَدْ أطَلْتُ الكَلامَ عَلى الخَمْرِ في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. والمَيْسِرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو وُجُوبُ الشَّيْءِ لِصاحِبِهِ، يُقالُ يَسُرَ لِي كَذا: إذا وجَبَ فَهو يَيْسِرُ يُسْرًا ومَيْسَرًا، والياسِرُ اللّاعِبُ بِالقِداحِ. وقَدْ يَسُرَ يَيْسُرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأعِنْهُمُ وايْسُرْ كَما يَسَرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَيْسِرُ الجَزُورُ الَّتِي كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلَيْهِ، سُمِّيَ مَيْسِرًا، لِأنَّهُ يُجَزَّأُ أجْزاءً، فَكَأنَّهُ مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ، (p-١٤٢)وكُلُّ شَيْءٍ جَزَّأْتُهُ فَقَدْ يَسَّرْتُهُ، والياسِرُ: الجازِرُ. قالَ: وهَذا الأصْلُ في الياسِرِ، ثُمَّ يُقالُ لِلضّارِبِينَ بِالقِداحِ والمُتَقامِرِينَ عَلى الجَزُورِ: ياسِرُونَ، لِأنَّهم جازِرُونَ، إذْ كانُوا سَبَبًا لِذَلِكَ. وقالَ في الصِّحاحِ: ويَسَرَ القَوْمُ الجَزُورَ: إذا اجْتَزَرُوها واقْتَسَمُوا أعْضاءَها، ثُمَّ قالَ: ويُقالُ يَسَرَ القَوْمُ؛ إذا قامَرُوا، ورَجُلٌ مَيْسِرٌ وياسِرٌ بِمَعْنًى، والجَمْعُ أيْسارٌ. قالَ النّابِغَةُ: ؎إنِّي أُتَمِّمُ أيْسارِي وأمْنَحُهم ∗∗∗ مَشْيَ الأيادِي وأكْسُوا الحَفْنَةَ الأُدُما والمُرادُ بِالمَيْسِرِ في الآيَةِ قِمارُ العَرَبِ بِالأزْلامِ. قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ مِن نَرْدٍ أوْ شِطْرَنْجٍ أوْ غَيْرِهِما فَهو المَيْسِرُ، حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ إلّا ما أُبِيحَ مِنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ والقُرْعَةِ في إفْرازِ الحُقُوقِ. وقالَ مالِكٌ: المَيْسِرُ مَيْسِرانِ: مَيْسِرُ اللَّهْوِ، ومَيْسِرُ القِمارِ، فَمِن مَيْسِرِ اللَّهْوِ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ والمَلاهِي كُلُّها، ومَيْسِرُ القِمارِ: ما يَتَخاطَرُ النّاسُ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما قُومِرَ بِهِ فَهو مَيْسِرٌ، وسَيَأْتِي البَحْثُ مُطُوَّلًا في هَذا في سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ والمَيْسِرَ، فَإثْمُ الخَمْرِ: أيْ إثْمُ تَعاطِيها، يَنْشَأُ مِن فَسادِ عَقْلِ مُسْتَعْمِلِها فَيَصْدُرُ عَنْهُ ما يَصْدُرُ عَنْ فاسِدِ العَقْلِ مِنَ المُخاصَمَةِ والمُشاتَمَةِ، وقَوْلِ الفُحْشِ والزُّورِ، وتَعْطِيلِ الصَّلَواتِ، وسائِرِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ. وأمّا إثْمُ المَيْسِرِ: أيْ إثْمُ تَعاطِيهِ، فَما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِن فَقْرٍ وذَهابِ المالِ في غَيْرِ طائِلٍ، والعَداوَةِ وإيجاشِ الصُّدُورِ. وأمّا مَنافِعُ الخَمْرِ فَرِبْحُ التِّجارَةِ فِيها، وقِيلَ: ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الطَّرَبِ والنَّشاطِ وقُوَّةِ القَلْبِ وثَباتِ الجَنانِ وإصْلاحِ المَعِدَةِ وقُوَّةِ الباءَةِ وقَدْ أشارَ شُعَراءُ العَرَبِ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ قالَ: ؎وإذا شَرِبْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ؎وإذا صَحَوْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ وقالَ مَن أشارَ إلى ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والمَصالِحِ: ؎رَأيْتُ الخَمْرَ صالِحَةً وفِيها ∗∗∗ خِصالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيما ؎فَلا واللَّهِ أشْرَبُها صَحِيحا ∗∗∗ ولا أشْفِي بِها أبَدًا سَقِيما ؎ولا أُعْطِي بِها ثَمَنًا حَياتِي ∗∗∗ ولا أدْعُو لَها أبَدًا نَدِيما ومَنافِعُ المَيْسِرِ: مَصِيرُ الشَّيْءِ إلى الإنْسانِ بِغَيْرِ تَعَبٍ ولا كَدٍّ، وما يَحْصُلُ مِنَ السُّرُورِ والأرْيَحِيَّةِ عِنْدَ أنْ يَصِيرَ لَهُ مِنها سَهْمٌ صالِحٌ. وسِهامُ المَيْسِرِ أحَدَ عَشَرَ، مِنها سَبْعَةٌ لَها فَرُوضٌ عَلى عَدَدِ ما فِيها مِنَ الحُظُوظِ. الأوَّلُ: الفَذُّ بِفَتْحِ الفاءِ بَعْدَها مُعْجَمَةٌ، وفِيهِ عَلامَةٌ واحِدَةٌ ولَهُ نَصِيبٌ وعَلَيْهِ نَصِيبٌ. الثّانِي: التَّوْأمُ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفِيهِ عَلامَتانِ، ولَهُ وعَلَيْهِ نَصِيبانِ. الثّالِثُ: الرَّقِيبُ، وفِيهِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أنْصِباءَ. الرّابِعُ: الحِلْسُ بِمُهْمَلَتَيْنِ، الأُولى مَكْسُورَةٌ واللّامُ ساكِنَةٌ، وفِيهِ أرْبَعُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ أرْبَعَةُ أنْصِباءَ. الخامِسُ: النّافِرُ بِالنُّونِ والفاءِ والمُهْمَلَةِ، ويُقالُ: النّافِسُ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ مَكانَ الرّاءِ، وفِيهِ خَمْسُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ خَمْسَةُ أنْصِباءَ. السّادِسُ: المُسْبَلُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ المُهْمِلَةِ وفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وفِيهِ سِتُّ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ سِتَّةُ أنْصِباءَ. السّابِعُ: المُعَلّى بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ المُهْمِلَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ المَفْتُوحَةِ وفِيهِ سَبْعُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ سَبْعَةُ أنْصِباءَ وهو أكْثَرُ السِّهامِ حَظًّا، وأعْلاها قَدْرًا، فَجُمْلَةُ ذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ فَرْدًا. والجَزُورُ تُجْعَلُ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا، هَكَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، وبَقِيَ مِنَ السِّهامِ أرْبَعَةٌ أغْفالًا لا فُرُوضَ لَها، وهي: المَنِيحُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وبَعْدَها مُهْمَلَةٌ، والسَّفِيحُ بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها مُهْمَلَةً، والوَفْدُ بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها مُهْمَلَةً، والضَّعْفُ بِالمُعْجَمَةِ بَعْدَها مُهْمَلَةٌ ثُمَّ فاءٌ، وإنَّما أدْخَلُوا هَذِهِ الأرْبَعَةَ الَّتِي لا فُرُوضَ لَها بَيْنَ ذَواتِ الفُرُوضِ لِتَكْثُرَ السِّهامُ عَلى الَّذِي يُجِيلُها ويَضْرِبُ بِها فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا. وقَدْ كانَ المُجِيلُ لِلسِّهامِ يَلْتَحِفُ بِثَوْبٍ ويَحْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ في الرِّبابَةِ بِكَسْرِ المُهْمِلَةِ وبَعْدَها باءٌ مُوَحَّدَةٌ وبَعْدَ الألِفِ باءٌ مُوَحَّدَةٌ أيْضًا، وهي الخَرِيطَةُ الَّتِي يُجْعَلُ فِيها السِّهامُ، فَيُخْرِجُ مِنها بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ سَهْمًا، فَمَن خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ لَهُ فَرْضٌ أخَذَ فَرْضَهُ، ومَن خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ لا فَرْضَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وغُرِّمَ قِيمَةَ الجَزُورِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْمَعِيَّ أخْطَأ في قَوْلِهِ: إنَّ الجَزُورَ تُقَسَّمُ عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا، وقالَ: إنَّما تُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أجْزاءٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ وإنْ كانَ فِيهِما نَفْعٌ فالإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ مُتَعاطِيَهُما أكْثَرُ مِن هَذا النَّفْعِ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ يُساوِي فَسادَ العَقْلِ الحاصِلَ بِالخَمْرِ، فَإنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الشُّرُورِ ما لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ، وكَذَلِكَ لا خَيْرَ في المَيْسِرِ يُساوِي ما فِيها مِنَ المُخاطَرَةِ بِالمالِ والتَّعَرُّضِ لِلْفَقْرِ، واسْتِجْلابِ العَداواتِ المُفْضِيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ وهَتْكِ الحُرَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَثِيرٌ " بِالمُثَلَّثَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: " وإثْمُهُما أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما " . قَوْلُهُ: " قُلِ العَفْوَ " قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالرَّفْعِ. واخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وبِالرَّفْعِ قَرَأهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قالَ النَّحّاسُ: إنْ جُعِلَتْ " ذا " بِمَعْنى الَّذِي، كانَ الِاخْتِيارُ الرَّفْعَ عَلى مَعْنى: الَّذِي يُنْفِقُونَ هو العَفْوُ، وإنْ جُعِلَتْ ما وذا شَيْئًا واحِدًا كانَ الِاخْتِيارُ النَّصْبَ عَلى مَعْنى: قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ، والعَفْوُ: ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ ولَمْ يَشُقُّ عَلى القَلْبِ، والمَعْنى: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ حَوائِجِكم ولَمْ تُجْهِدُوا فِيهِ أنْفُسَكم، وقِيلَ: هو ما فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ العِيالِ. وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هو نَفَقاتُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، وفي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ في أمْرِ النَّفَقَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ في أمْرِهِما، فَتَحْبِسُونَ مِن (p-١٤٣)أمْوالِكم ما تُصْلِحُونَ بِهِ مَعايِشَ دُنْياكم، وتُنْفِقُونَ الباقِيَ في الوُجُوهِ المُقَرِّبَةِ إلى الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في الدُّنْيا وزَوالِها وفي الآخِرَةِ وبَقائِها، فَتَرْغَبُونَ عَنِ العاجِلَةِ إلى الآجِلَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيْ لِتَتَفَكَّرُوا في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [ الأنْعامِ: ١٥٢، الإسْراءِ: ٣٤ ] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] وقَدْ كانَ ضاقَ عَلى الأوْلِياءِ الأمْرُ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والمُرادُ بِالإصْلاحِ هُنا مُخالَطَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لِأمْوالِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ مِن مُجانَبَتِهِمْ. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ الأيْتامِ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ بِالبَيْعِ والمُضارَبَةِ والإجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ المُخالَطَةِ لَهم، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُخالَطَةُ اليَتامى أنْ يَكُونَ لِأحَدِهِمُ المالُ ويَشُقَّ عَلى كافِلِهِ أنْ يُفْرِدَ طَعامَهُ عَنْهُ ولا يَجِدُ بُدًّا مِن خَلْطِهِ بِعِيالِهِ، فَيَأْخُذُ مِن مالِ اليَتِيمِ ما يَرى أنَّهُ كافِيهِ بِالتَّحَرِّي فَيَجْعَلُهُ مَعَ نَفَقَةِ أهْلِهِ، وهَذا قَدْ تَقَعُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الرُّخْصَةِ، وهي ناسِخَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُخالَطَةِ المُعاشَرَةُ لِلْأيْتامِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُصاهَرَةُ لَهم. والأوْلى عَدَمُ قَصْرِ المُخالَطَةِ عَلى نَوْعٍ خاصٍّ بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مُخالَطَةٍ كَما يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وقَوْلُهُ: فَإخْوانُكم خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ تَحْذِيرٌ لِلْأوْلِياءِ: أيْ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَهو يُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِعَمَلِهِ مَن أصْلَحَ فَلِنَفْسِهِ، ومَن أفْسَدَ فَعَلى نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْكم ومُتْعِبًا لَكم وأوْقَعَكم فِيما فِيهِ الحَرَجُ والمَشَقَّةُ، وقِيلَ: العَنَتُ هُنا مَعْناهُ الهَلاكُ. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأصْلُ العَنَتِ المَشَقَّةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ العَنَتِ التَّشْدِيدُ ثُمَّ نُقِلَ إلى مَعْنى الهَلاكِ. وقَوْلُهُ: عَزِيزٌ أيْ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأنَّهُ غالِبٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ يَتَصَرَّفُ في مِلْكِهِ بِما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ، ولَيْسَ لَكم أنْ تَخْتارُوا لِأنْفُسِكم. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا فَإنَّها تُذْهِبُ المالَ والعَقْلَ، فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ يُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ " أنْ لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ "، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا بَلَغَ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَشْرَبُ الخَمْرَ فَأُنْزِلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ، فَقُلْنا نَشْرَبُ مِنها ما يَنْفَعُنا، فَنَزَلَتْ في المائِدَةِ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْتَهَيْنا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُخاطِرُ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ، فَأيُّهُما قَمَرَ صاحِبَهُ ذَهَبَ بِأهْلِهِ ومالِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي: ما يَنْقُصُ مِنَ الدِّينِ عِنْدَ شُرْبِها ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ يَقُولُ: فِيما يُصِيبُونَ مِن لَذَّتِها وفَرَحِها إذا شَرِبُوا ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ يَقُولُ: ما يَذْهَبُ مِنَ الدِّينِ فالإثْمُ فِيهِ أكْبَرُ مِمّا يُصِيبُونَ مِن لَذَّتِها وفَرَحِها إذا شَرِبُوها، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَها عِنْدَ الصَّلاةِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، ثُمَّ إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ شَرِبُوها فَقاتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وتَكَلَّمُوا بِما لَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِنَ القَوْلِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيَةَ فَحَرَّمَ الخَمْرَ ونَهى عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وإثْمُهُما بَعْدَ ما حَرَّمَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ حِينَ أُمِرُوا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنّا لا نَدْرِي ما هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي أُمِرْنا بِها في أمْوالِنا، فَما نُنْفِقُ مِنها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُنْفِقُ مالَهُ حَتّى ما يَجِدُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، ولا ما يَأْكُلُ حَتّى يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العَفْوُ هو ما لا يَتَبَيَّنُ في أمْوالِكم، وكانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: العَفْوَ ما يَفْضُلُ عَنْ أهْلِكَ، وفي لَفْظٍ قالَ: الفَضْلُ عَنِ العِيالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ قالَ: لَمْ تُفْرَضْ فِيهِ فَرِيضَةٌ مَعْلُومَةٌ ثُمَّ قالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ثُمَّ نَزَلَتْ في الفَرائِضِ بَعْدَ ذَلِكَ مُسَمّاةً. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» . وثَبَتَ نَحْوُهُ في الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ. وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ: يَعْنِي في زَوالِ الدُّنْيا وفَنائِها وإقْبالِ الآخِرَةِ وبَقائِها. (p-١٤٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] الآيَةَ، انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ يَعْزِلُ طَعامَهُ عَنْ طَعامِهِ، وشَرابَهُ عَنْ شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْصِلُ لَهُ الشَّيْءَ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسُدَ فَيَرْمِيَ بِهِ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ الآيَةَ» . فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِمْ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم﴾ قالَ: المُخالَطَةُ أنْ يَشْرَبَ مِن لَبَنِكَ وتَشْرَبَ مِن لَبَنِهِ، ويَأْكُلَ مِن قَصْعَتِكَ وتَأْكُلَ مِن قَصْعَتِهِ، ويَأْكُلَ مِن ثَمَرَتِكَ وتَأْكُلَ مِن ثَمَرَتِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ قالَ: يَعْلَمُ مَن يَتَعَمَّدُ أكَلَ مالِ اليَتِيمِ، ومَن يَتَحَرَّجُ مِنهُ ولا يَأْلُو عَنْ إصْلاحِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ شاءَ ما أحَلَّ لَكم ما أعَنْتُكم مِمّا لا تَتَعَمَّدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأعْنَتَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَأحْرَجَكم وضَيَّقَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ وسَّعَ ويَسَّرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم﴾ قالَ: ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مَوْبِقًا.

البقرة 2:220

السّائِلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، والخَمْرُ مَأْخُوذَةٌ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ، وكُلُّ شَيْءٍ غَطّى شَيْئًا فَقَدْ خَمَرَهُ، ومِنهُ «خَمِّرُوا آنِيَتَكم» وسُمِّي خَمْرًا لِأنَّهُ يَخْمُرُ العَقْلَ: أيْ يُغَطِّيهِ ويَسْتُرُهُ، ومِن ذَلِكَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ يُقالُ لَهُ: الخَمْرُ بِفَتْحِ المِيمِ، لِأنَّهُ يُغَطِّي ما تَحْتَهُ ويَسْتُرُهُ، يُقالُ مِنهُ أخْمَرَتِ الأرْضُ: كَثُرَ خَمْرُها. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا زَيْدُ والضَّحّاكُ سِيرا فَقَدْ جاوَزْتُما خَمْرَ الطَّرِيقِ أيْ جاوَزْتُما الوَهْدَ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها تُرِكَتْ حَتّى أُدْرِكَتْ، كَما يُقالُ قَدِ اخْتَمَرَ العَجِينُ: أيْ بَلَغَ إدْراكُهُ، وخُمِّرَ الرَّأْيُ: أيْ تُرِكَ حَتّى تَبَيَّنَ فِيهِ الوَجْهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها تُخالِطُ العَقْلَ مِنَ المُخامَرَةِ وهي المُخالَطَةُ. وهَذِهِ المَعانِي الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ مَوْجُودَةٌ في الخَمْرِ لِأنَّها تُرِكَتْ حَتّى أُدْرِكَتْ ثُمَّ خالَطَتِ العَقْلَ فَخَمَّرَتْهُ: أيْ سَتَرَتْهُ، والخَمْرُ: ماءُ العِنَبِ الَّذِي غَلا واشْتَدَّ وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، وما خامَرَ العَقْلَ مِن غَيْرِهِ فَهو في حُكْمِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ عِكْرِمَةَ وجَماعَةٌ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ: ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَهو حَلالٌ: أيْ ما دُونُ المُسْكِرِ فِيهِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى حَلِّ ما ذَهَبَ ثُلُثاهُ بِالطَّبْخِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وقَدْ أطَلْتُ الكَلامَ عَلى الخَمْرِ في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. والمَيْسِرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو وُجُوبُ الشَّيْءِ لِصاحِبِهِ، يُقالُ يَسُرَ لِي كَذا: إذا وجَبَ فَهو يَيْسِرُ يُسْرًا ومَيْسَرًا، والياسِرُ اللّاعِبُ بِالقِداحِ. وقَدْ يَسُرَ يَيْسُرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَأعِنْهُمُ وايْسُرْ كَما يَسَرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَيْسِرُ الجَزُورُ الَّتِي كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلَيْهِ، سُمِّيَ مَيْسِرًا، لِأنَّهُ يُجَزَّأُ أجْزاءً، فَكَأنَّهُ مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ، (p-١٤٢)وكُلُّ شَيْءٍ جَزَّأْتُهُ فَقَدْ يَسَّرْتُهُ، والياسِرُ: الجازِرُ. قالَ: وهَذا الأصْلُ في الياسِرِ، ثُمَّ يُقالُ لِلضّارِبِينَ بِالقِداحِ والمُتَقامِرِينَ عَلى الجَزُورِ: ياسِرُونَ، لِأنَّهم جازِرُونَ، إذْ كانُوا سَبَبًا لِذَلِكَ. وقالَ في الصِّحاحِ: ويَسَرَ القَوْمُ الجَزُورَ: إذا اجْتَزَرُوها واقْتَسَمُوا أعْضاءَها، ثُمَّ قالَ: ويُقالُ يَسَرَ القَوْمُ؛ إذا قامَرُوا، ورَجُلٌ مَيْسِرٌ وياسِرٌ بِمَعْنًى، والجَمْعُ أيْسارٌ. قالَ النّابِغَةُ: ؎إنِّي أُتَمِّمُ أيْسارِي وأمْنَحُهم ∗∗∗ مَشْيَ الأيادِي وأكْسُوا الحَفْنَةَ الأُدُما والمُرادُ بِالمَيْسِرِ في الآيَةِ قِمارُ العَرَبِ بِالأزْلامِ. قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ مِن نَرْدٍ أوْ شِطْرَنْجٍ أوْ غَيْرِهِما فَهو المَيْسِرُ، حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ إلّا ما أُبِيحَ مِنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ والقُرْعَةِ في إفْرازِ الحُقُوقِ. وقالَ مالِكٌ: المَيْسِرُ مَيْسِرانِ: مَيْسِرُ اللَّهْوِ، ومَيْسِرُ القِمارِ، فَمِن مَيْسِرِ اللَّهْوِ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ والمَلاهِي كُلُّها، ومَيْسِرُ القِمارِ: ما يَتَخاطَرُ النّاسُ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما قُومِرَ بِهِ فَهو مَيْسِرٌ، وسَيَأْتِي البَحْثُ مُطُوَّلًا في هَذا في سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ والمَيْسِرَ، فَإثْمُ الخَمْرِ: أيْ إثْمُ تَعاطِيها، يَنْشَأُ مِن فَسادِ عَقْلِ مُسْتَعْمِلِها فَيَصْدُرُ عَنْهُ ما يَصْدُرُ عَنْ فاسِدِ العَقْلِ مِنَ المُخاصَمَةِ والمُشاتَمَةِ، وقَوْلِ الفُحْشِ والزُّورِ، وتَعْطِيلِ الصَّلَواتِ، وسائِرِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ. وأمّا إثْمُ المَيْسِرِ: أيْ إثْمُ تَعاطِيهِ، فَما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِن فَقْرٍ وذَهابِ المالِ في غَيْرِ طائِلٍ، والعَداوَةِ وإيجاشِ الصُّدُورِ. وأمّا مَنافِعُ الخَمْرِ فَرِبْحُ التِّجارَةِ فِيها، وقِيلَ: ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الطَّرَبِ والنَّشاطِ وقُوَّةِ القَلْبِ وثَباتِ الجَنانِ وإصْلاحِ المَعِدَةِ وقُوَّةِ الباءَةِ وقَدْ أشارَ شُعَراءُ العَرَبِ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ قالَ: ؎وإذا شَرِبْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ؎وإذا صَحَوْتُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَبُّ الشُّوَيْهَةِ والبَعِيرِ وقالَ آخَرُ: ؎ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ وقالَ مَن أشارَ إلى ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والمَصالِحِ: ؎رَأيْتُ الخَمْرَ صالِحَةً وفِيها ∗∗∗ خِصالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيما ؎فَلا واللَّهِ أشْرَبُها صَحِيحا ∗∗∗ ولا أشْفِي بِها أبَدًا سَقِيما ؎ولا أُعْطِي بِها ثَمَنًا حَياتِي ∗∗∗ ولا أدْعُو لَها أبَدًا نَدِيما ومَنافِعُ المَيْسِرِ: مَصِيرُ الشَّيْءِ إلى الإنْسانِ بِغَيْرِ تَعَبٍ ولا كَدٍّ، وما يَحْصُلُ مِنَ السُّرُورِ والأرْيَحِيَّةِ عِنْدَ أنْ يَصِيرَ لَهُ مِنها سَهْمٌ صالِحٌ. وسِهامُ المَيْسِرِ أحَدَ عَشَرَ، مِنها سَبْعَةٌ لَها فَرُوضٌ عَلى عَدَدِ ما فِيها مِنَ الحُظُوظِ. الأوَّلُ: الفَذُّ بِفَتْحِ الفاءِ بَعْدَها مُعْجَمَةٌ، وفِيهِ عَلامَةٌ واحِدَةٌ ولَهُ نَصِيبٌ وعَلَيْهِ نَصِيبٌ. الثّانِي: التَّوْأمُ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفِيهِ عَلامَتانِ، ولَهُ وعَلَيْهِ نَصِيبانِ. الثّالِثُ: الرَّقِيبُ، وفِيهِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أنْصِباءَ. الرّابِعُ: الحِلْسُ بِمُهْمَلَتَيْنِ، الأُولى مَكْسُورَةٌ واللّامُ ساكِنَةٌ، وفِيهِ أرْبَعُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ أرْبَعَةُ أنْصِباءَ. الخامِسُ: النّافِرُ بِالنُّونِ والفاءِ والمُهْمَلَةِ، ويُقالُ: النّافِسُ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ مَكانَ الرّاءِ، وفِيهِ خَمْسُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ خَمْسَةُ أنْصِباءَ. السّادِسُ: المُسْبَلُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ المُهْمِلَةِ وفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وفِيهِ سِتُّ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ سِتَّةُ أنْصِباءَ. السّابِعُ: المُعَلّى بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ المُهْمِلَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ المَفْتُوحَةِ وفِيهِ سَبْعُ عَلاماتٍ، ولَهُ وعَلَيْهِ سَبْعَةُ أنْصِباءَ وهو أكْثَرُ السِّهامِ حَظًّا، وأعْلاها قَدْرًا، فَجُمْلَةُ ذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ فَرْدًا. والجَزُورُ تُجْعَلُ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا، هَكَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، وبَقِيَ مِنَ السِّهامِ أرْبَعَةٌ أغْفالًا لا فُرُوضَ لَها، وهي: المَنِيحُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وبَعْدَها مُهْمَلَةٌ، والسَّفِيحُ بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها مُهْمَلَةً، والوَفْدُ بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها مُهْمَلَةً، والضَّعْفُ بِالمُعْجَمَةِ بَعْدَها مُهْمَلَةٌ ثُمَّ فاءٌ، وإنَّما أدْخَلُوا هَذِهِ الأرْبَعَةَ الَّتِي لا فُرُوضَ لَها بَيْنَ ذَواتِ الفُرُوضِ لِتَكْثُرَ السِّهامُ عَلى الَّذِي يُجِيلُها ويَضْرِبُ بِها فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا. وقَدْ كانَ المُجِيلُ لِلسِّهامِ يَلْتَحِفُ بِثَوْبٍ ويَحْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ في الرِّبابَةِ بِكَسْرِ المُهْمِلَةِ وبَعْدَها باءٌ مُوَحَّدَةٌ وبَعْدَ الألِفِ باءٌ مُوَحَّدَةٌ أيْضًا، وهي الخَرِيطَةُ الَّتِي يُجْعَلُ فِيها السِّهامُ، فَيُخْرِجُ مِنها بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ سَهْمًا، فَمَن خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ لَهُ فَرْضٌ أخَذَ فَرْضَهُ، ومَن خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ لا فَرْضَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وغُرِّمَ قِيمَةَ الجَزُورِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الأصْمَعِيَّ أخْطَأ في قَوْلِهِ: إنَّ الجَزُورَ تُقَسَّمُ عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا، وقالَ: إنَّما تُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أجْزاءٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ وإنْ كانَ فِيهِما نَفْعٌ فالإثْمُ الَّذِي يَلْحَقُ مُتَعاطِيَهُما أكْثَرُ مِن هَذا النَّفْعِ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ يُساوِي فَسادَ العَقْلِ الحاصِلَ بِالخَمْرِ، فَإنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الشُّرُورِ ما لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ، وكَذَلِكَ لا خَيْرَ في المَيْسِرِ يُساوِي ما فِيها مِنَ المُخاطَرَةِ بِالمالِ والتَّعَرُّضِ لِلْفَقْرِ، واسْتِجْلابِ العَداواتِ المُفْضِيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ وهَتْكِ الحُرَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " كَثِيرٌ " بِالمُثَلَّثَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: " وإثْمُهُما أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما " . قَوْلُهُ: " قُلِ العَفْوَ " قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالرَّفْعِ. واخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وبِالرَّفْعِ قَرَأهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. قالَ النَّحّاسُ: إنْ جُعِلَتْ " ذا " بِمَعْنى الَّذِي، كانَ الِاخْتِيارُ الرَّفْعَ عَلى مَعْنى: الَّذِي يُنْفِقُونَ هو العَفْوُ، وإنْ جُعِلَتْ ما وذا شَيْئًا واحِدًا كانَ الِاخْتِيارُ النَّصْبَ عَلى مَعْنى: قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ، والعَفْوُ: ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ ولَمْ يَشُقُّ عَلى القَلْبِ، والمَعْنى: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ حَوائِجِكم ولَمْ تُجْهِدُوا فِيهِ أنْفُسَكم، وقِيلَ: هو ما فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ العِيالِ. وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هو نَفَقاتُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، وفي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ في أمْرِ النَّفَقَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ في أمْرِهِما، فَتَحْبِسُونَ مِن (p-١٤٣)أمْوالِكم ما تُصْلِحُونَ بِهِ مَعايِشَ دُنْياكم، وتُنْفِقُونَ الباقِيَ في الوُجُوهِ المُقَرِّبَةِ إلى الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في الدُّنْيا وزَوالِها وفي الآخِرَةِ وبَقائِها، فَتَرْغَبُونَ عَنِ العاجِلَةِ إلى الآجِلَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ أيْ لِتَتَفَكَّرُوا في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [ الأنْعامِ: ١٥٢، الإسْراءِ: ٣٤ ] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] وقَدْ كانَ ضاقَ عَلى الأوْلِياءِ الأمْرُ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والمُرادُ بِالإصْلاحِ هُنا مُخالَطَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لِأمْوالِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ مِن مُجانَبَتِهِمْ. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ الأيْتامِ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ بِالبَيْعِ والمُضارَبَةِ والإجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم﴾ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ المُخالَطَةِ لَهم، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُخالَطَةُ اليَتامى أنْ يَكُونَ لِأحَدِهِمُ المالُ ويَشُقَّ عَلى كافِلِهِ أنْ يُفْرِدَ طَعامَهُ عَنْهُ ولا يَجِدُ بُدًّا مِن خَلْطِهِ بِعِيالِهِ، فَيَأْخُذُ مِن مالِ اليَتِيمِ ما يَرى أنَّهُ كافِيهِ بِالتَّحَرِّي فَيَجْعَلُهُ مَعَ نَفَقَةِ أهْلِهِ، وهَذا قَدْ تَقَعُ فِيهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الرُّخْصَةِ، وهي ناسِخَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُخالَطَةِ المُعاشَرَةُ لِلْأيْتامِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُصاهَرَةُ لَهم. والأوْلى عَدَمُ قَصْرِ المُخالَطَةِ عَلى نَوْعٍ خاصٍّ بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ مُخالَطَةٍ كَما يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وقَوْلُهُ: فَإخْوانُكم خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ تَحْذِيرٌ لِلْأوْلِياءِ: أيْ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَهو يُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِعَمَلِهِ مَن أصْلَحَ فَلِنَفْسِهِ، ومَن أفْسَدَ فَعَلى نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْكم ومُتْعِبًا لَكم وأوْقَعَكم فِيما فِيهِ الحَرَجُ والمَشَقَّةُ، وقِيلَ: العَنَتُ هُنا مَعْناهُ الهَلاكُ. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأصْلُ العَنَتِ المَشَقَّةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ العَنَتِ التَّشْدِيدُ ثُمَّ نُقِلَ إلى مَعْنى الهَلاكِ. وقَوْلُهُ: عَزِيزٌ أيْ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأنَّهُ غالِبٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ يَتَصَرَّفُ في مِلْكِهِ بِما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ، ولَيْسَ لَكم أنْ تَخْتارُوا لِأنْفُسِكم. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا فَإنَّها تُذْهِبُ المالَ والعَقْلَ، فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ يُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ " أنْ لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ "، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا بَلَغَ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَشْرَبُ الخَمْرَ فَأُنْزِلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ، فَقُلْنا نَشْرَبُ مِنها ما يَنْفَعُنا، فَنَزَلَتْ في المائِدَةِ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْتَهَيْنا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُخاطِرُ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ، فَأيُّهُما قَمَرَ صاحِبَهُ ذَهَبَ بِأهْلِهِ ومالِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي: ما يَنْقُصُ مِنَ الدِّينِ عِنْدَ شُرْبِها ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ يَقُولُ: فِيما يُصِيبُونَ مِن لَذَّتِها وفَرَحِها إذا شَرِبُوا ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ يَقُولُ: ما يَذْهَبُ مِنَ الدِّينِ فالإثْمُ فِيهِ أكْبَرُ مِمّا يُصِيبُونَ مِن لَذَّتِها وفَرَحِها إذا شَرِبُوها، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَها عِنْدَ الصَّلاةِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، ثُمَّ إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ شَرِبُوها فَقاتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وتَكَلَّمُوا بِما لَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِنَ القَوْلِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيَةَ فَحَرَّمَ الخَمْرَ ونَهى عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وإثْمُهُما بَعْدَ ما حَرَّمَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ حِينَ أُمِرُوا بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنّا لا نَدْرِي ما هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي أُمِرْنا بِها في أمْوالِنا، فَما نُنْفِقُ مِنها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُنْفِقُ مالَهُ حَتّى ما يَجِدُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، ولا ما يَأْكُلُ حَتّى يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العَفْوُ هو ما لا يَتَبَيَّنُ في أمْوالِكم، وكانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: العَفْوَ ما يَفْضُلُ عَنْ أهْلِكَ، وفي لَفْظٍ قالَ: الفَضْلُ عَنِ العِيالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ قالَ: لَمْ تُفْرَضْ فِيهِ فَرِيضَةٌ مَعْلُومَةٌ ثُمَّ قالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ثُمَّ نَزَلَتْ في الفَرائِضِ بَعْدَ ذَلِكَ مُسَمّاةً. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» . وثَبَتَ نَحْوُهُ في الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ. وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ: يَعْنِي في زَوالِ الدُّنْيا وفَنائِها وإقْبالِ الآخِرَةِ وبَقائِها. (p-١٤٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] الآيَةَ، انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ يَعْزِلُ طَعامَهُ عَنْ طَعامِهِ، وشَرابَهُ عَنْ شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْصِلُ لَهُ الشَّيْءَ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسُدَ فَيَرْمِيَ بِهِ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ الآيَةَ» . فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِمْ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم﴾ قالَ: المُخالَطَةُ أنْ يَشْرَبَ مِن لَبَنِكَ وتَشْرَبَ مِن لَبَنِهِ، ويَأْكُلَ مِن قَصْعَتِكَ وتَأْكُلَ مِن قَصْعَتِهِ، ويَأْكُلَ مِن ثَمَرَتِكَ وتَأْكُلَ مِن ثَمَرَتِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ قالَ: يَعْلَمُ مَن يَتَعَمَّدُ أكَلَ مالِ اليَتِيمِ، ومَن يَتَحَرَّجُ مِنهُ ولا يَأْلُو عَنْ إصْلاحِهِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ شاءَ ما أحَلَّ لَكم ما أعَنْتُكم مِمّا لا تَتَعَمَّدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأعْنَتَكُمْ﴾ يَقُولُ: لَأحْرَجَكم وضَيَّقَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ وسَّعَ ويَسَّرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم﴾ قالَ: ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ ما أصَبْتُمْ مِن أمْوالِ اليَتامى مَوْبِقًا.

البقرة 2:221

قَوْلُهُ: ولا تَنْكِحُوا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِضَمِّها، قِيلَ: والمَعْنى: كانَ المُتَزَوِّجُ لَها أنْكَحَها مِن نَفْسِها. وفِي هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتُ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنِ اللَّهَ حَرَّمَ نِكاحَ المُشْرِكاتِ فِيها، والكِتابِيّاتُ مِنَ الجُمْلَةِ، ثُمَّ جاءَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَخَصَّصَتِ الكِتابِيّاتِ مِن هَذا العُمُومِ. وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومالِكٍ وسُفْيانَ بْنِ سَعِيدٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ والأوْزاعِيِّ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. ويُجابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ بِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ وسُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الرّاجِحُ. وقَدْ قالَ بِهِ مَعَ مَن تَقَدَّمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وطَلْحَةُ وجابِرٌ وحُذَيْفَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ كَما حَكاهُ النَّحّاسُ والقُرْطُبِيُّ. وقَدْ حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المَذْكُورِينَ، وزادَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وقالَ: لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأوائِلِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وعَلى فَرْضِ أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِينَ يَعُمُّ، فَهَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ المائِدَةِ كَما قَدَّمْنا. قَوْلُهُ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أيْ ولَرَقِيقَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمَةِ الحُرَّةُ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ولِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّ تَفْضِيلَ الأمَةِ الرَّقِيقَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يُسْتَفادُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ بِالأوْلى. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيْ ولَوْ أعْجَبَتْكُمُ المُشْرِكَةُ مِن جِهَةِ كَوْنِها ذاتَ جَمالٍ أوْ مالٍ أوْ شَرَفٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تُزَوِّجُوهم بِالمُؤْمِناتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ لِما في ذَلِكَ مِنَ الغَضاضَةِ عَلى الإسْلامِ، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التّاءِ مَن " تُنْكِحُوا " . وقَوْلُهُ: ولَعَبْدٌ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ولَأمَةٌ والتَّرْجِيحُ كالتَّرْجِيحِ. قَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلنّارِ، فَكانَ في مُصاهَرَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ومُصاحَبَتِهِمْ مِنَ الخَطَرِ العَظِيمِ ما لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ويَدْخُلُوا فِيهِ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلْجَنَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ: بِإذْنِهِ أيْ بِأمْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عَناقَ أنْ يَتَزَوَّجَها، وكانَتْ ذاتَ حَظٍّ مِنَ الجَمالِ وهي مُشْرِكَةٌ وأبُو مَرْثَدٍ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها تُعْجِبُنِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ قالَ: اسْتَثْنى اللَّهُ مِن ذَلِكَ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] . وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْهُ مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ يَعْنِي أهْلَ الأوْثانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَرِهَ نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، وتَأوَّلَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ . (p-١٤٥)وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ نِكاحَ المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا أعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ رَبُّها عِيسى أوْ عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها فَلَطَمَها، ثُمَّ إنَّهُ فَزِعَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ خَبَرَها، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَهُ: ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قالَ: تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها، فَفَعَلَ فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَكَحَ أمَةً، وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ ويُنْكِحُوهم رَغْبَةً في أحْسابِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ أمَةً لِحُذَيْفَةَ سَوْداءَ، فَأعْتَقَها وتَزَوَّجَها حُذَيْفَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: النِّكاحُ بِوَلِيٍّ في كِتابِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ .

البقرة 2:222

قَوْلُهُ: ولا تَنْكِحُوا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِضَمِّها، قِيلَ: والمَعْنى: كانَ المُتَزَوِّجُ لَها أنْكَحَها مِن نَفْسِها. وفِي هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتُ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنِ اللَّهَ حَرَّمَ نِكاحَ المُشْرِكاتِ فِيها، والكِتابِيّاتُ مِنَ الجُمْلَةِ، ثُمَّ جاءَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَخَصَّصَتِ الكِتابِيّاتِ مِن هَذا العُمُومِ. وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومالِكٍ وسُفْيانَ بْنِ سَعِيدٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ والأوْزاعِيِّ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. ويُجابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ بِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ وسُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الرّاجِحُ. وقَدْ قالَ بِهِ مَعَ مَن تَقَدَّمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وطَلْحَةُ وجابِرٌ وحُذَيْفَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ كَما حَكاهُ النَّحّاسُ والقُرْطُبِيُّ. وقَدْ حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المَذْكُورِينَ، وزادَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وقالَ: لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأوائِلِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وعَلى فَرْضِ أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِينَ يَعُمُّ، فَهَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ المائِدَةِ كَما قَدَّمْنا. قَوْلُهُ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أيْ ولَرَقِيقَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمَةِ الحُرَّةُ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ولِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّ تَفْضِيلَ الأمَةِ الرَّقِيقَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يُسْتَفادُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ بِالأوْلى. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيْ ولَوْ أعْجَبَتْكُمُ المُشْرِكَةُ مِن جِهَةِ كَوْنِها ذاتَ جَمالٍ أوْ مالٍ أوْ شَرَفٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تُزَوِّجُوهم بِالمُؤْمِناتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ لِما في ذَلِكَ مِنَ الغَضاضَةِ عَلى الإسْلامِ، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التّاءِ مَن " تُنْكِحُوا " . وقَوْلُهُ: ولَعَبْدٌ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ولَأمَةٌ والتَّرْجِيحُ كالتَّرْجِيحِ. قَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلنّارِ، فَكانَ في مُصاهَرَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ومُصاحَبَتِهِمْ مِنَ الخَطَرِ العَظِيمِ ما لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ويَدْخُلُوا فِيهِ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلْجَنَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ: بِإذْنِهِ أيْ بِأمْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عَناقَ أنْ يَتَزَوَّجَها، وكانَتْ ذاتَ حَظٍّ مِنَ الجَمالِ وهي مُشْرِكَةٌ وأبُو مَرْثَدٍ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها تُعْجِبُنِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ قالَ: اسْتَثْنى اللَّهُ مِن ذَلِكَ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] . وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْهُ مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ يَعْنِي أهْلَ الأوْثانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَرِهَ نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، وتَأوَّلَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ . (p-١٤٥)وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ نِكاحَ المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا أعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ المَرْأةُ رَبُّها عِيسى أوْ عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الواحِدِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها فَلَطَمَها، ثُمَّ إنَّهُ فَزِعَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ خَبَرَها، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَهُ: ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قالَ: تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها، فَفَعَلَ فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: نَكَحَ أمَةً، وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ ويُنْكِحُوهم رَغْبَةً في أحْسابِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّها كانَتْ أمَةً لِحُذَيْفَةَ سَوْداءَ، فَأعْتَقَها وتَزَوَّجَها حُذَيْفَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: النِّكاحُ بِوَلِيٍّ في كِتابِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ .

البقرة 2:223

قَوْلُهُ: المَحِيضِ هو الحَيْضُ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حاضَتِ المَرْأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا فَهي حائِضٌ وحائِضَةٌ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ: ؎كَحائِضَةٍ تَزْنِي بِها غَيْرَ طاهِرَةٍ ونِساءٌ حُيَّضٌ وحَوائِضُ، والحِيضَةُ بِالكَسْرَةِ المَرَّةُ الواحِدَةُ وقِيلَ: الِاسْمُ، وقِيلَ: المَحِيضُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ، وهو مَجازٌ فِيهِما. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَحِيضُ اسْمُ الحَيْضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ أيِ العَيْشِ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ والِانْفِجارِ يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وحاضَتِ الشَّجَرَةُ: أيْ سالَتْ رُطُوبَتُها، ومِنهُ الحَيْضُ: أيِ الحَوْضُ؛ لِأنَّ الماءَ يَحُوضُ إلَيْهِ: أيْ يَسِيلُ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ قُلْ: هو شَيْءٌ يُتَأذّى بِهِ: أيْ بِرائِحَتِهِ، والأذى كِنايَةٌ عَنِ القَذَرِ ويُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المَكْرُوهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ فاجْتَنِبُوهُنَّ في زَمانِ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ المَحِيضُ عَلى المَصْدَرِ أوْ في مَحَلِّ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ عَلى الِاسْمِ. والمُرادُ مِن هَذا الِاعْتِزالِ تَرْكُ المُجامَعَةِ لا تَرْكُ المُجالَسَةِ أوِ المُلامَسَةِ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ مِنها بِما عَدا الفَرْجَ أوْ بِما دُونَ الإزارِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأمّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَعْتَزِلَ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ وهو مَعْلُومٌ مِن ضَرُورَةِ الدِّينِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ " يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِها. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " ويَتَطَهَّرْنَ " والطُّهْرُ انْقِطاعُ الحَيْضِ، والتَّطَهُّرُ: الِاغْتِسالُ. وبِسَبَبِ اخْتِلافِ القُرّاءِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحائِضَ لا يَحِلُّ وطْؤُها لِزَوْجِها حَتّى تَتَطَهَّرَ بِالماءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ويَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ تَتَوَضَّأُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنِ انْقَطَعَ دَمُها بَعْدَ مُضِيِّ عَشَرَةِ أيّامٍ جازَ لَهُ أنْ يَطَأها قَبْلَ الغُسْلِ، وإنْ كانَ انْقِطاعُهُ قَبْلَ العَشْرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تَغْتَسِلَ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ. وقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِلْحَلِّ غايَتَيْنِ كَما تَقْتَضِيهِ القِراءَتانِ: إحْداهُما انْقِطاعُ الدَّمِ، والأُخْرى التَّطَهُّرُ مِنهُ، والغايَةُ الأُخْرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِيادَةٍ عَلى الغايَةِ الأُولى، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها. وقَدْ دَلَّ أنَّ الغايَةَ الأُخْرى هي المُعْتَبَرَةُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ المُعْتَبَرَ التَّطَهُّرُ، لا مُجَرَّدَ انْقِطاعِ الدَّمِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ الآيَتَيْنِ، فَكَما أنَّهُ يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ المُشْتَمِلَةِ إحْداهُما عَلى زِيادَةٍ بِالعَمَلِ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ، كَذَلِكَ يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ فَجامِعُوهُنَّ، وكَنّى عَنْهُ بِالإتْيانِ. والمُرادُ أنَّهم يُجامِعُونَهُنَّ في المَأْتى الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ، وهو القُبُلُ. قِيلَ: ومِن حَيْثُ بِمَعْنى في حَيْثُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] أيْ في الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي أذِنَ اللَّهُ لَكم فِيهِ، أيْ مِن غَيْرِ صَوْمٍ وإحْرامٍ واعْتِكافٍ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى مِن قِبَلِ الطُّهْرِ لا مِن قِبَلِ الحَيْضِ، وقِيلَ: مِن قِبَلِ الحَلالِ، لا مِن قِبَلِ الزِّنا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ التَّوّابُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، والمُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والأحْداثِ، وقِيلَ: التَّوّابُونَ مِن إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وقِيلَ: مِن إتْيانِهِنَّ في الحَيْضِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. قَوْلُهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ لَفْظُ الحَرْثِ يُفِيدُ أنَّ الإباحَةَ لَمْ تَقَعْ إلّا في الفَرْجِ الَّذِي هو القُبُلُ خاصَّةً، إذْ هو مُزْدَرَعُ الذُّرِّيَّةِ، كَما أنَّ الحَرْثَ مُزْدَرَعُ النَّباتِ. فَقَدْ شَبَّهَ (p-١٤٦)ما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ الَّتِي مِنها النَّسْلُ بِما يُلْقى في الأرْضِ مِنَ البُذُورِ الَّتِي مِنها النَّباتُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ مِن خَلْفٍ وقُدّامٍ وبارِكَةً ومُسْتَلْقِيَةً ومُضْجِعَةً، إذا كانَ في مَوْضِعِ الحَرْثِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: ؎إنَّما الأرْحامُ أرْضُونَ لَنا مُحْتَرَثاتٌ ∗∗∗ فَعَلَيْنا الزَّرْعُ فِيها وعَلى اللَّهِ النَّباتُ وإنَّما عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: أنّى لِكَوْنِها أعَمَّ في اللُّغَةِ مِن كَيْفَ وأيْنَ ومَتى. وأمّا سِيبَوَيْهِ فَفَسَّرَها هُنا بِكَيْفَ. وقَدْ ذَهَبَ السَّلَفُ والخَلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والأئِمَّةِ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ، وأنَّ إتْيانَ الزَّوْجَةِ في دُبُرِها حَرامٌ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ونافِعٍ وابْنِ عُمَرَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجِشُونِ أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، حَكاهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ قالَ: وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في كِتابٍ لَهُ يُسَمّى " كِتابَ السِّرِّ " وحُذّاقُ أصْحابِ مالِكٍ ومَشايِخُهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ الكِتابَ، ومالِكٌ أجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ كِتابُ سِرٍّ، ووَقَعَ هَذا القَوْلُ في العُتْبِيَّةِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ ابْنَ شَعْبانَ أسْنَدَ جَوازَ ذَلِكَ إلى زُمْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وإلى مالِكٍ مِن رِواياتٍ كَثِيرَةٍ في كِتابِ جِماعِ النِّسْوانِ وأحْكامِ القُرْآنِ، وقالَ الطَّحاوِيُّ: رَوى أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي شَكَّ في أنَّهُ حَلالٌ، يَعْنِي وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها ثُمَّ قَرَأ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَأيُّ شَيْءٍ أبْيَنُ مِن هَذا. وقَدْ رَوى الحاكِمُ والدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ البَغْدادِيُّ عَنْ مالِكٍ مِن طُرُقٍ ما يَقْتَضِي إباحَةَ ذَلِكَ. وفِي أسانِيدِها ضَعْفٌ. وقَدْ رَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهُ سَمِعَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في تَحْلِيلِهِ ولا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ. قالَ ابْنُ الصَّبّاغِ: كانَ الرَّبِيعُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لَقَدْ كَذَبَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَلى الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ، فَإنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ في سِتَّةِ كُتُبٍ مِن كُتُبِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ خَيْرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وقِيلَ: ابْتِغاءَ الوَلَدِ، وقِيلَ: التَّزْوِيجَ بِالعَفائِفِ، وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ عَنِ الوُقُوعِ في شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ تَأْنِيسٌ لِمَن يَفْعَلُ الخَيْرَ ويَجْتَنِبُ الشَّرَّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ مِنهم أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ ولَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: مَن أتى المَرْأةَ في دُبُرِها كانَ ولَدُهُ أحْوَلَ، فَجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ وعَنْ إتْيانِ الحائِضِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأذى الدَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ يَقُولُ: اعْتَزِلُوا نِكاحَ فُرُوجِهِنَّ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قالَ: مِنَ الدَّمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَتّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ قالَ: بِالماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: إذا رَأتِ الطُّهْرَ فَلا بَأْسَ أنْ تَسْتَطِيبَ بِالماءِ ويَأْتِيَها قَبْلَ أنْ تَغْتَسِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: يَعْنِي أنْ يَأْتِيَها طاهِرًا غَيْرَ حائِضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: مِن حَيْثُ أمَرَكم أنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِن حَيْثُ نَهاكم أنْ تَأْتُوهُنَّ وهُنَّ حُيَّضٌ، يَعْنِي مِن قِبَلِ الفَرْجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن قِبَلِ التَّزْوِيجِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ قالَ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ قالَ: بِالماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّطْهِيرُ مِنَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مِن خَلْفِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ إنْ شاءَ مُحْتَبِيَةً وإنْ شاءَ غَيْرَ مُحْتَبِيَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ في صِمامٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وصَرَّحُوا أنَّهُ السَّبَبُ، ومِنَ الرّاوِينَ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَساكِرَ، وأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْها ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ «أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْضُ نِساءِ الأنْصارِ عَنِ التَّحْبِيَةِ، فَتَلا عَلَيْها الآيَةَ وقالَ: صِمامًا واحِدًا» والصِّمامُ: السَّبِيلُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ عُمَرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قالَ: وما أهْلَكَكَ ؟ قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلَيِ اللَّيْلَةَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا. فَأوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يَقُولُ: أقْبِلْ وأدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ (p-١٤٧)والحَيْضَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُناسٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ فَقالَ: «ائْتِها عَلى كُلِّ حالٍ إذا كانَ في الفَرْجِ» . وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عُمَرَ - واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ أوَهِمَ ؟ -: «إنَّما كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ وهم أهْلُ وثَنٍ مَعَ هَذا الحَيِّ مِنَ اليَهُودِ وهم أهْلُ الكِتابِ كانُوا يَرَوْنَ لَهم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ، فَكانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِن فِعْلِهِمْ، فَكانَ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ لا يَأْتُونَ النِّساءَ إلّا عَلى حَرْفٍ، وذَلِكَ أسْتُرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ، وكانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ قَدْ أخَذُوا بِفِعْلِهِمْ، وكانَ هَذا الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّساءَ شَرْحًا ويَتَلَذَّذُونَ مِنهُنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ فَلَمّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ. فَذَهَبَ يَفْعَلُ بِها ذَلِكَ فَأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وقالَتْ: إنَّما كُنّا نُؤْتى عَلى حَرْفٍ فاصْنَعْ ذَلِكَ وإلّا فاجْتَنِبْنِي، فَسَرى أمْرُهُما، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يَقُولُ: مُقْبِلاتٌ ومُدْبِراتٍ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في الفَرْجِ وإنْ كانَ مِن قِبَلِ دُبُرِها في قُبُلِها،» زادَ الطَّبَرانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: في دُبُرِها فَأوْهَمَ، واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، وإنَّما كانَ هَذا الحَدِيثُ عَلى هَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: مَحاشُّ النِّساءِ عَلَيْكم حَرامٌ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ سائِلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، فَقالَ: حَلالٌ أوْ لا بَأْسَ، فَلَمّا ولّى دَعاهُ فَقالَ: كَيْفَ قُلْتَ ؟ أمِن دُبُرِها في قُبُلِها فَنَعَمْ، أمْ مِن دُبُرِها في دُبُرِها فَلا، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ لا تَأْتُوا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أتى امْرَأةً في الدُّبُرِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ في دُبُرِها هي اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَن أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: إتْيانُ الرِّجالِ والنِّساءِ في أدْبارِهِنَّ كُفْرٌ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَوْقُوفُ أصَحُّ. وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مِن طَرْقٍ، مِنها عِنْدَ البَزّارِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ النَّسائِيِّ عَنْهُ مَوْقُوفًا وهو أصَحُّ. وعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ في الكامِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ أيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ أحْمَدَ عَنْ طَلْقِ بْنِ يَزِيدَ أوْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ نافِعٍ قالَ: قَرَأْتُ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: أتَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: نَزَلَتْ في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: في الدُّبُرِ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ. وفِي رِوايَةٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُ نافِعٌ: مِن دُبُرِها في قُبُلِها ؟ فَقالَ: لا: إلّا في دُبُرِها. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَجُلًا أصابَ امْرَأتَهُ في دُبُرِها، فَأنْكَرَ النّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: ما تَقُولُ في إتْيانِ المَرْأةِ في دُبُرِها ؟ فَقالَ: هَذا شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ فَسَلْهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ السّائِبِ: فَقالَ: قَذَرٌ ولَوْ كانَ حَلالًا. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِحَلِّ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وعَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ أيْضًا، وعَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والخَطِيبِ وغَيْرِهِما، وعَنِ الشّافِعِيِّ عِنْدَ الطَّحاوِيِّ والحاكِمِ والخَطِيبِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِثْلَ هَذا، ولَيْسَ في أقْوالِ هَؤُلاءِ حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ: ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْمَلَ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ، فَمَن زَعَمَ مِنهم أنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ فَقَدْ أخْطَأ في فَهْمِهِ. وقَدْ فَسَّرَها لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأكابِرُ أصْحابِهِ بِخِلافِ ما قالَهُ هَذا المُخْطِئُ في فَهْمِهِ كائِنًا مَن كانَ ومَن زَعَمَ مِنهم أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها، فَلَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ أحَلَّتْ ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ، بَلِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، فَكَوْنُ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً في تَحْلِيلِهِ، فَإنَّ الآياتِ النّازِلَةَ عَلى أسْبابٍ تَأْتِي تارَةً بِتَحْلِيلِ هَذا، وتارَةً بِتَحْرِيمِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِغَيْرِ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: مَعْناها إنْ شِئْتُمْ فاعْزِلُوا وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَعْزِلُوا. رَوى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ.

البقرة 2:224

قَوْلُهُ: المَحِيضِ هو الحَيْضُ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حاضَتِ المَرْأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا فَهي حائِضٌ وحائِضَةٌ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ: ؎كَحائِضَةٍ تَزْنِي بِها غَيْرَ طاهِرَةٍ ونِساءٌ حُيَّضٌ وحَوائِضُ، والحِيضَةُ بِالكَسْرَةِ المَرَّةُ الواحِدَةُ وقِيلَ: الِاسْمُ، وقِيلَ: المَحِيضُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ، وهو مَجازٌ فِيهِما. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَحِيضُ اسْمُ الحَيْضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ أيِ العَيْشِ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ والِانْفِجارِ يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وحاضَتِ الشَّجَرَةُ: أيْ سالَتْ رُطُوبَتُها، ومِنهُ الحَيْضُ: أيِ الحَوْضُ؛ لِأنَّ الماءَ يَحُوضُ إلَيْهِ: أيْ يَسِيلُ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ قُلْ: هو شَيْءٌ يُتَأذّى بِهِ: أيْ بِرائِحَتِهِ، والأذى كِنايَةٌ عَنِ القَذَرِ ويُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المَكْرُوهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ فاجْتَنِبُوهُنَّ في زَمانِ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ المَحِيضُ عَلى المَصْدَرِ أوْ في مَحَلِّ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ عَلى الِاسْمِ. والمُرادُ مِن هَذا الِاعْتِزالِ تَرْكُ المُجامَعَةِ لا تَرْكُ المُجالَسَةِ أوِ المُلامَسَةِ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ مِنها بِما عَدا الفَرْجَ أوْ بِما دُونَ الإزارِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأمّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَعْتَزِلَ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ وهو مَعْلُومٌ مِن ضَرُورَةِ الدِّينِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ " يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِها. وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " ويَتَطَهَّرْنَ " والطُّهْرُ انْقِطاعُ الحَيْضِ، والتَّطَهُّرُ: الِاغْتِسالُ. وبِسَبَبِ اخْتِلافِ القُرّاءِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحائِضَ لا يَحِلُّ وطْؤُها لِزَوْجِها حَتّى تَتَطَهَّرَ بِالماءِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ويَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ. وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ تَتَوَضَّأُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنِ انْقَطَعَ دَمُها بَعْدَ مُضِيِّ عَشَرَةِ أيّامٍ جازَ لَهُ أنْ يَطَأها قَبْلَ الغُسْلِ، وإنْ كانَ انْقِطاعُهُ قَبْلَ العَشْرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تَغْتَسِلَ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ. وقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِلْحَلِّ غايَتَيْنِ كَما تَقْتَضِيهِ القِراءَتانِ: إحْداهُما انْقِطاعُ الدَّمِ، والأُخْرى التَّطَهُّرُ مِنهُ، والغايَةُ الأُخْرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِيادَةٍ عَلى الغايَةِ الأُولى، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها. وقَدْ دَلَّ أنَّ الغايَةَ الأُخْرى هي المُعْتَبَرَةُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ المُعْتَبَرَ التَّطَهُّرُ، لا مُجَرَّدَ انْقِطاعِ الدَّمِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ الآيَتَيْنِ، فَكَما أنَّهُ يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ المُشْتَمِلَةِ إحْداهُما عَلى زِيادَةٍ بِالعَمَلِ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ، كَذَلِكَ يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ فَجامِعُوهُنَّ، وكَنّى عَنْهُ بِالإتْيانِ. والمُرادُ أنَّهم يُجامِعُونَهُنَّ في المَأْتى الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ، وهو القُبُلُ. قِيلَ: ومِن حَيْثُ بِمَعْنى في حَيْثُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] أيْ في الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي أذِنَ اللَّهُ لَكم فِيهِ، أيْ مِن غَيْرِ صَوْمٍ وإحْرامٍ واعْتِكافٍ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى مِن قِبَلِ الطُّهْرِ لا مِن قِبَلِ الحَيْضِ، وقِيلَ: مِن قِبَلِ الحَلالِ، لا مِن قِبَلِ الزِّنا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ التَّوّابُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، والمُتَطَهِّرُونَ مِنَ الجَنابَةِ والأحْداثِ، وقِيلَ: التَّوّابُونَ مِن إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وقِيلَ: مِن إتْيانِهِنَّ في الحَيْضِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. قَوْلُهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ لَفْظُ الحَرْثِ يُفِيدُ أنَّ الإباحَةَ لَمْ تَقَعْ إلّا في الفَرْجِ الَّذِي هو القُبُلُ خاصَّةً، إذْ هو مُزْدَرَعُ الذُّرِّيَّةِ، كَما أنَّ الحَرْثَ مُزْدَرَعُ النَّباتِ. فَقَدْ شَبَّهَ (p-١٤٦)ما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُّطَفِ الَّتِي مِنها النَّسْلُ بِما يُلْقى في الأرْضِ مِنَ البُذُورِ الَّتِي مِنها النَّباتُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ مِن خَلْفٍ وقُدّامٍ وبارِكَةً ومُسْتَلْقِيَةً ومُضْجِعَةً، إذا كانَ في مَوْضِعِ الحَرْثِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: ؎إنَّما الأرْحامُ أرْضُونَ لَنا مُحْتَرَثاتٌ ∗∗∗ فَعَلَيْنا الزَّرْعُ فِيها وعَلى اللَّهِ النَّباتُ وإنَّما عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: أنّى لِكَوْنِها أعَمَّ في اللُّغَةِ مِن كَيْفَ وأيْنَ ومَتى. وأمّا سِيبَوَيْهِ فَفَسَّرَها هُنا بِكَيْفَ. وقَدْ ذَهَبَ السَّلَفُ والخَلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والأئِمَّةِ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ، وأنَّ إتْيانَ الزَّوْجَةِ في دُبُرِها حَرامٌ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ونافِعٍ وابْنِ عُمَرَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجِشُونِ أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، حَكاهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ قالَ: وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في كِتابٍ لَهُ يُسَمّى " كِتابَ السِّرِّ " وحُذّاقُ أصْحابِ مالِكٍ ومَشايِخُهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ الكِتابَ، ومالِكٌ أجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ كِتابُ سِرٍّ، ووَقَعَ هَذا القَوْلُ في العُتْبِيَّةِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنَّ ابْنَ شَعْبانَ أسْنَدَ جَوازَ ذَلِكَ إلى زُمْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وإلى مالِكٍ مِن رِواياتٍ كَثِيرَةٍ في كِتابِ جِماعِ النِّسْوانِ وأحْكامِ القُرْآنِ، وقالَ الطَّحاوِيُّ: رَوى أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي شَكَّ في أنَّهُ حَلالٌ، يَعْنِي وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها ثُمَّ قَرَأ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَأيُّ شَيْءٍ أبْيَنُ مِن هَذا. وقَدْ رَوى الحاكِمُ والدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ البَغْدادِيُّ عَنْ مالِكٍ مِن طُرُقٍ ما يَقْتَضِي إباحَةَ ذَلِكَ. وفِي أسانِيدِها ضَعْفٌ. وقَدْ رَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهُ سَمِعَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في تَحْلِيلِهِ ولا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ. قالَ ابْنُ الصَّبّاغِ: كانَ الرَّبِيعُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لَقَدْ كَذَبَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَلى الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ، فَإنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ في سِتَّةِ كُتُبٍ مِن كُتُبِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ خَيْرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وقِيلَ: ابْتِغاءَ الوَلَدِ، وقِيلَ: التَّزْوِيجَ بِالعَفائِفِ، وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ عَنِ الوُقُوعِ في شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ تَأْنِيسٌ لِمَن يَفْعَلُ الخَيْرَ ويَجْتَنِبُ الشَّرَّ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ مِنهم أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ ولَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: مَن أتى المَرْأةَ في دُبُرِها كانَ ولَدُهُ أحْوَلَ، فَجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ وعَنْ إتْيانِ الحائِضِ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأذى الدَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ يَقُولُ: اعْتَزِلُوا نِكاحَ فُرُوجِهِنَّ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قالَ: مِنَ الدَّمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَتّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ قالَ: بِالماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ أنَّهُما قالا: إذا رَأتِ الطُّهْرَ فَلا بَأْسَ أنْ تَسْتَطِيبَ بِالماءِ ويَأْتِيَها قَبْلَ أنْ تَغْتَسِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: يَعْنِي أنْ يَأْتِيَها طاهِرًا غَيْرَ حائِضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: مِن حَيْثُ أمَرَكم أنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِن حَيْثُ نَهاكم أنْ تَأْتُوهُنَّ وهُنَّ حُيَّضٌ، يَعْنِي مِن قِبَلِ الفَرْجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن قِبَلِ التَّزْوِيجِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ قالَ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ قالَ: بِالماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّطْهِيرُ مِنَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مِن خَلْفِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ إنْ شاءَ مُحْتَبِيَةً وإنْ شاءَ غَيْرَ مُحْتَبِيَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ في صِمامٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وصَرَّحُوا أنَّهُ السَّبَبُ، ومِنَ الرّاوِينَ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَساكِرَ، وأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْها ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ «أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْضُ نِساءِ الأنْصارِ عَنِ التَّحْبِيَةِ، فَتَلا عَلَيْها الآيَةَ وقالَ: صِمامًا واحِدًا» والصِّمامُ: السَّبِيلُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ عُمَرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قالَ: وما أهْلَكَكَ ؟ قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلَيِ اللَّيْلَةَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا. فَأوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يَقُولُ: أقْبِلْ وأدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ (p-١٤٧)والحَيْضَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُناسٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَسَألُوهُ فَقالَ: «ائْتِها عَلى كُلِّ حالٍ إذا كانَ في الفَرْجِ» . وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عُمَرَ - واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ أوَهِمَ ؟ -: «إنَّما كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ وهم أهْلُ وثَنٍ مَعَ هَذا الحَيِّ مِنَ اليَهُودِ وهم أهْلُ الكِتابِ كانُوا يَرَوْنَ لَهم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ، فَكانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِن فِعْلِهِمْ، فَكانَ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ لا يَأْتُونَ النِّساءَ إلّا عَلى حَرْفٍ، وذَلِكَ أسْتُرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ، وكانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ قَدْ أخَذُوا بِفِعْلِهِمْ، وكانَ هَذا الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّساءَ شَرْحًا ويَتَلَذَّذُونَ مِنهُنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ فَلَمّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ. فَذَهَبَ يَفْعَلُ بِها ذَلِكَ فَأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وقالَتْ: إنَّما كُنّا نُؤْتى عَلى حَرْفٍ فاصْنَعْ ذَلِكَ وإلّا فاجْتَنِبْنِي، فَسَرى أمْرُهُما، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يَقُولُ: مُقْبِلاتٌ ومُدْبِراتٍ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في الفَرْجِ وإنْ كانَ مِن قِبَلِ دُبُرِها في قُبُلِها،» زادَ الطَّبَرانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: في دُبُرِها فَأوْهَمَ، واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، وإنَّما كانَ هَذا الحَدِيثُ عَلى هَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: مَحاشُّ النِّساءِ عَلَيْكم حَرامٌ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ سائِلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، فَقالَ: حَلالٌ أوْ لا بَأْسَ، فَلَمّا ولّى دَعاهُ فَقالَ: كَيْفَ قُلْتَ ؟ أمِن دُبُرِها في قُبُلِها فَنَعَمْ، أمْ مِن دُبُرِها في دُبُرِها فَلا، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ لا تَأْتُوا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أتى امْرَأةً في الدُّبُرِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ في دُبُرِها هي اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَن أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: إتْيانُ الرِّجالِ والنِّساءِ في أدْبارِهِنَّ كُفْرٌ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَوْقُوفُ أصَحُّ. وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مِن طَرْقٍ، مِنها عِنْدَ البَزّارِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ النَّسائِيِّ عَنْهُ مَوْقُوفًا وهو أصَحُّ. وعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ في الكامِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ أيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ أحْمَدَ عَنْ طَلْقِ بْنِ يَزِيدَ أوْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ نافِعٍ قالَ: قَرَأْتُ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: أتَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: نَزَلَتْ في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ قالَ: في الدُّبُرِ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ. وفِي رِوايَةٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُ نافِعٌ: مِن دُبُرِها في قُبُلِها ؟ فَقالَ: لا: إلّا في دُبُرِها. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَجُلًا أصابَ امْرَأتَهُ في دُبُرِها، فَأنْكَرَ النّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: ما تَقُولُ في إتْيانِ المَرْأةِ في دُبُرِها ؟ فَقالَ: هَذا شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ فَسَلْهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ السّائِبِ: فَقالَ: قَذَرٌ ولَوْ كانَ حَلالًا. وقَدْ رُوِيَ القَوْلُ بِحَلِّ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وعَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ أيْضًا، وعَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والخَطِيبِ وغَيْرِهِما، وعَنِ الشّافِعِيِّ عِنْدَ الطَّحاوِيِّ والحاكِمِ والخَطِيبِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِثْلَ هَذا، ولَيْسَ في أقْوالِ هَؤُلاءِ حُجَّةٌ ألْبَتَّةَ: ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْمَلَ عَلى أقْوالِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ، فَمَن زَعَمَ مِنهم أنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ فَقَدْ أخْطَأ في فَهْمِهِ. وقَدْ فَسَّرَها لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأكابِرُ أصْحابِهِ بِخِلافِ ما قالَهُ هَذا المُخْطِئُ في فَهْمِهِ كائِنًا مَن كانَ ومَن زَعَمَ مِنهم أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها، فَلَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ أحَلَّتْ ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ، بَلِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، فَكَوْنُ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً في تَحْلِيلِهِ، فَإنَّ الآياتِ النّازِلَةَ عَلى أسْبابٍ تَأْتِي تارَةً بِتَحْلِيلِ هَذا، وتارَةً بِتَحْرِيمِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِغَيْرِ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: مَعْناها إنْ شِئْتُمْ فاعْزِلُوا وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَعْزِلُوا. رَوى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ.

البقرة 2:225

العُرْضَةُ: النُّصْبَةُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. يُقالُ: جَعَلْتُ فُلانًا عُرْضَةً لِكَذا: أيْ نُصْبَةً، وقِيلَ: العُرْضَةُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةُ عُرْضَةٌ لِلنِّكاحِ: إذا صَلَحَتْ لَهُ وقَوِيَتْ عَلَيْهِ، ولِفُلانٍ عُرْضَةٌ: أيْ قُوَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الدِّقْرِيِّ إذْ عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومِثْلُهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: ؎وأدْماءَ مِثْلَ العَجْلِ يَوْمًا عَرَضْتُها ∗∗∗ لِرَحْلِي وفِيها هِزَّةٌ وتَقاذُفُ (p-١٤٨)ويُطْلَقُ العُرْضَةُ عَلى الهِمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هُمُ الأنْصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ أيْ هِمَّتُها، ويُقالُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ لِلنّاسِ، لا يَزالُونَ يَقَعُونَ فِيهِ، فَعَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ أنَّ العُرْضَةَ النُّصْبَةُ كالقُبْضَةِ والغُرْفَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ اسْمًا لِما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ: أيْ تَجْعَلُهُ حاجِزًا لَهُ ومانِعًا مِنهُ، أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا ومانِعًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْرِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ أوْ إحْسانٍ إلى الغَيْرِ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ بِأنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمْتَنِعُ مِن فِعْلِهِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ الِامْتِناعِ بِأنَّهُ قَدْ حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَهُ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، يَنْهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلُوهُ عُرْضَةً لِأيْمانِهِمْ: أيْ حاجِزًا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ ومانِعًا مِنهُ، وسُمِّيَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عَطْفٌ بَيانٌ لِ " أيْمانِكم " أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مانِعًا لِلْأيْمانِ الَّتِي هي بِرُّكم وتَقْواكم وإصْلاحُكم بَيْنَ النّاسِ، ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِأيْمانِكم بِقَوْلِهِ: لا تَجْعَلُوا أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ لِأيْمانِكم مانِعًا وحاجِزًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ عُرْضَةً: أيْ لا تَجْعَلُوهُ شَيْئًا مُعْتَرِضًا بَيْنَكم وبَيْنَ البِرِّ وما بَعْدَهُ. وعَلى المَعْنى الثّانِي، وهو أنَّ العُرْضَةَ الشِّدَّةُ والقُوَّةُ - يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: لا تَجْعَلُوا اليَمِينَ بِاللَّهِ قُوَّةً لِأنْفُسِكم، وعُدَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الثّالِثِ، وهو تَفْسِيرُ العُرْضَةِ بِالهِمَّةِ، وأمّا عَلى المَعْنى الرّابِعِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ لا يَزالُ عُرْضَةً لِلنّاسِ: أيْ يَقَعُونَ فِيهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم، فَتَبْذُلُونَهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ، ومِنهُ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ المُكْثِرِينَ لِلْحِلْفِ فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَمادَحُ بِقِلَّةِ الأيْمانِ حَتّى قالَ قائِلُهم: ؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ نَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا لِأنَّ مَن يُكْثِرُ الحَلِفَ بِاللَّهِ يَجْتَرِئُ عَلى الحِنْثِ ويَفْجُرُ في يَمِينِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ هي راجِعَةٌ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ: مَعْنى الآيَةِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ إذا طُلِبَ مِنهُ الفِعْلُ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ اعْتَلَّ بِاللَّهِ، فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ وهو لَمْ يَحْلِفْ، وقِيلَ: مَعْناها لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ إذا أرَدْتُمُ البِرَّ والتَّقْوى والإصْلاحَ، وقِيلَ: مَعْناها إذا حَلَفْتُمْ عَلى أنْ لا تَصِلُوا أرْحامَكم ولا تَتَصَدَّقُوا ولا تُصْلِحُوا وعَلى أشْباهِ ذَلِكَ مِن أبْوابِ البِرِّ فَكَفِّرُوا عَنِ اليَمِينِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ البِرُّ والتَّقْوى، والإصْلاحُ أوْلى، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ: أيْ لا تَمْنَعُكُمُ اليَمِينُ بِاللَّهِ البِرَّ والتَّقْوى والإصْلاحَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْناهُ أنْ لا تَبَرُّوا، فَحُذِفَ لا، كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لا تَضِلُّوا. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، والتَّقْدِيرُ في ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ . وقَوْلُهُ: سَمِيعٌ أيْ لِأقْوالِ العِبادِ عَلِيمٌ بِما يَصْدُرُ مِنهم. واللَّغْوُ: مَصْدَرُ لَغا يَلْغُو لَغْوًا، ولَغى يَلْغِي لَغْيًا: إذا أتى بِما لا يُحْتاجُ إلَيْهِ في الكَلامِ أوْ بِما لا خَيْرَ فِيهِ وهو السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، فاللَّغْوُ مِنَ اليَمِينِ: هو السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، ومِنهُ اللَّغْوُ في الدِّيَةِ، وهو السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن أوْلادِ الإبِلِ، قالَ جَرِيرٌ: ؎ويَذْهَبُ بَيْنَها المَرِّيُ لَغْوًا ∗∗∗ كَما ألْغَيْتَ في الدِّيَةِ الحُوارا وقالَ آخَرُ: ؎ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ أيْ لا يَتَكَلَّمْنَ بِالسّاقِطِ والرَّفَثِ، ومَعْنى الآيَةِ: لا يُعاقِبُكُمُ اللَّهُ بِالسّاقِطِ مِن أيْمانِكم، ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم: أيِ اقْتَرَفَتْهُ بِالقَصْدِ إلَيْهِ: وهي اليَمِينُ المَعْقُودَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ولَسْتَ بِمَأْخُوذٍ بِلَغْوٍ يَقُولُهُ ∗∗∗ إذا لَمْ تَعَمَّدْ عاقِداتِ العَزائِمِ وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وجُمْهُورُ العُلَماءِ أيْضًا: أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ في حَدِيثِهِ وكَلامِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِلْيَمِينِ، ولا مُرِيدٍ لَها. قالَ المَرْوَزِيُّ: هَذا مَعْنى لَغْوِ اليَمِينِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ عامَّةُ العُلَماءِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: هو أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلَ عَلى الشَّيْءِ لا يَظُنُّ إلّا أنَّهُ إيّاهُ فَإذا لَيْسَ هو ما ظَنَّهُ، وإلى هَذا ذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ والزَّيْدِيَّةُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ تَحْلِفَ وأنْتَ غَضْبانُ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ ومَكْحُولٌ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّغْوَ هو يَمِينُ المَعْصِيَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وأخُوهُ عُرْوَةُ كالَّذِي يُقْسِمُ لَيَشْرَبَنَّ الخَمْرَ أوْ لَيَقْطَعَنَّ الرَّحِمَ، وقِيلَ: لَغْوُ اليَمِينِ هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ كَأنْ يَقُولُ: أعْمى اللَّهُ بَصَرَهُ، أذْهَبَ اللَّهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، وهو مُشْرِكٌ. قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ يَتَبايَعَ الرَّجُلانِ فَيَقُولَ أحَدُهُما: واللَّهُ لا أُبايِعُكَ بِكَذا، ويَقُولُ الآخَرُ: واللَّهِ لا أشْتَرِيهِ بِكَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: لَغْوُ اليَمِينِ هي المُكَفِّرَةُ، أيْ إذا كُفِّرَتْ سَقَطَتْ وصارَتْ لَغْوًا. والرّاجِحُ القَوْلُ الأوَّلُ لِمُطابَقَتِهِ لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ولِدَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ كَما سَيَأْتِي. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِما تَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِكم مِن دُونِ عَمْدٍ وقَصْدٍ. وآخَذَكم بِما تَعَمَّدَتْهُ قُلُوبُكم وتَكَلَّمَتْ بِهِ ألْسِنَتُكم، وتِلْكَ هي اليَمِينُ المَعْقُودَةُ المَقْصُودَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَجْعَلْنِي عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أنْ لا تَصْنَعَ الخَيْرَ، ولَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ واصْنَعِ الخَيْرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ: هو أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أنْ لا يُكَلِّمَ قَرابَتَهُ أوْ لا يَتَصَدَّقَ ويَكُونَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مُغاضِبَةٌ فَيَحْلِفَ لا يُصْلِحُ بَيْنَهُما ويَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ، قالَ: يُكَفِّرُ عَنْ (p-١٤٩)يَمِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عائِشَةَ فَقالَ: إنِّي نَذَرْتُ إنْ كَلَّمْتُ فُلانًا فَإنَّ كُلَّ مَمْلُوكٍ لِي عَتِيقٌ، وكُلَّ مالٍ لِي سِتْرٌ لِلْبَيْتِ، فَقالَتْ: لا تَجْعَلْ مَمْلُوكِيكَ عُتَقاءَ ولا تَجْعَلْ مالَكَ سِتْرًا لَلْبَيْتِ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. وقَدْ ورَدَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ في شَأْنِ مِسْطَحٍ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وثَبَتَ أيْضًا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «واللَّهِ إنْ شاءَ اللَّهُ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ قَطِيعَةَ رَحِمٍ أوْ مَعْصِيَةً فَبِرُّهُ أنْ يَحْنَثَ فِيها ويَرْجِعَ عَنْ يَمِينِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا نَذْرَ ولا يَمِينَ فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ولا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ولا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ مالِكٍ الجُشَمِيِّ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأحْلِفُ أنْ لا أُعْطِيَهُ ولا أصِلَهُ، فَقالَ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» . وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم﴾ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ وكَلّا واللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّغْوِ في اليَمِينِ فَقالَ: قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «هُوَ كَلامُ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ كَلّا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ في تَفْسِيرِهِ الآيَةَ: إنَّ اللَّغْوَ هو القَوْمُ يَتَدارَوْنَ في الأمْرِ يَقُولُ هَذا لا واللَّهِ ويَقُولُ هَذا كَلّا واللَّهِ، يَتَدارَوْنَ في الأمْرِ لا تَعْقِدُ عَلَيْهِ قُلُوبُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: هو اللَّغْوُ في المُزاحَةِ والهَزْلِ، وهو قَوْلُ الرَّجُلِ لا واللَّهِ وبِلى واللَّهِ، فَذاكَ لا كَفّارَةَ فِيهِ، وإنَّما الكَفّارَةُ فِيما عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ لا يَفْعَلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ ومَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتَ واللَّهِ وأخْطَأْتَ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حَنَثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: كَلّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ» . وقَدْ رَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَمْرٍو أنَّ اللَّغْوَ لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ تَحْلِفَ وأنْتَ غَضْبانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَغْوُ اليَمِينِ حَلِفُ الإنْسانِ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فَإذا هو غَيْرُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلى تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى المَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ النَّخَعِيِّ: هو أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلى الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْسى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: واللَّهُ غَفُورٌ يَعْنِي إذْ تَجاوَزَ عَنِ اليَمِينِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْها حَلِيمٌ إذْ لَمْ يَجْعَلْ فِيها الكَفّارَةَ.

البقرة 2:226

قَوْلُهُ: يُؤْلُونَ أيْ يَحْلِفُونَ: والمَصْدَرُ إيلًا وألِيَّةً وإلْوَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " الَّذِينَ آلُوا " يُقالُ: آلى يُؤالِي ويَأْتَلِي بِالتّاءِ ائْتِلاءً: أيْ حَلَفَ، ومِنهُ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ومِنهُ: ؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ البَيْتَ. وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الإيلاءِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الإيلاءَ هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يَطَأ امْرَأتَهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإنْ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما دُونِهِما لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وكانَتْ عِنْدَهم يَمِينًا مَحْضًا، وبِهَذا قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ.وقالَ الثَّوْرِيُّ والكُوفِيُّونَ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَصاعِدا، وهو قَوْلُ عَطاءٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ أنْ لا يَمَسَّها أبَدًا. وقالَتْ طائِفَةٌ: إذا حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَ امْرَأتَهُ يَوْمًا أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ثُمَّ لَمْ يَطَأْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بانَتْ مِنهُ بِالإيلاءِ. وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والحَكَمُ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وقَتادَةُ وإسْحاقُ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ إذا كُنَّ زَوْجاتٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ العَبْدُ إذا حَلَفَ مِن زَوْجَتِهِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ قالُوا: وإيلاؤُهُ كالحُرِّ. وقالَ مالِكٌ والزُّهْرِيُّ وعَطاءٌ وأبُو حَنِيفَةَ وإسْحاقُ: إنَّ أجْلَهُ شَهْرانِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: إيلاءُ الأمَةِ نِصْفُ إيلاءِ الحُرَّةِ. والتَّرَبُّصُ: التَّأنِّي والتَّأخُّرُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وقَّتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ المُدَّةِ دَفْعًا لِلضِّرارِ عَنِ الزَّوْجَةِ. وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُؤْلُونَ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ ضِرارَ النِّساءِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ هي الَّتِي لا تُطِيقُ المَرْأةُ الصَّبْرَ عَنْ زَوْجِها زِيادَةً عَلَيْها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ رَجَعُوا ومِنهُ: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ فَيْءٌ لِأنَّهُ رَجَعَ عَنْ جانِبِ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ، يُقالُ: فاءَ يَفِيءُ فَيْئَةً وفُيُوءًا، وإنَّهُ لِسَرِيعُ الفَيْئَةِ: أيِ الرَّجْعَةِ، (p-١٥٠)ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عَنْهُ العِلْمُ عَلى أنَّ الفَيْءَ الجِماعُ لِمَن لا عُذْرَ لَهُ، فَإنْ كانَ لَهُ عُذْرُ مَرَضٍ أوْ سِجْنٍ فَهي امْرَأتُهُ، فَإذا زالَ العُذْرُ فَأبى الوَطْءَ، فُرِّقَ بَيْنِهِما إنْ كانَتِ المُدَّةُ قَدِ انْقَضَتْ، قالَهُ مالِكٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إذا أشْهَدَ عَلى فَيْئَتِهِ بِقَلْبِهِ في حالِ العُذْرِ أجْزَأهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ والأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.وقَدْ أوْجَبَ الجُمْهُورُ عَلى المُولِي إذا فاءَ بِجِماعِ امْرَأتِهِ الكَفّارَةَ. وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ العَزْمُ: العَقْدُ عَلى الشَّيْءِ، ويُقالُ عَزَمَ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزِيمَةً وعُزْمانًا، واعْتَزَمَ اعْتِزامًا، فَمَعْنى عَزَمُوا الطَّلاقَ: عَقَدُوا عَلَيْهِ قُلُوبَهم. والطَّلاقُ مِن طَلَقَتِ المَرْأةُ تَطْلُقُ، كَنَصَرَ يَنْصُرُ، طَلاقًا فَهي طالِقٌ وطالِقَةٌ أيْضًا ويَجُوزُ طَلُقَتْ بِضَمِّ اللّامِ، مِثْلُ عَظُمَ يَعْظُمُ، وأنْكَرَهُ الأخْفَشُ. والطَّلاقُ: حَلُّ عُقْدَةِ النِّكاحِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تُطَلَّقُ بِمُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ كَما قالَ مالِكٌ، ما لَمْ يَقَعْ إنْشاءُ تَطْلِيقٍ بَعْدَ المُدَّةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: سَمِيعٌ، وسَمِيعٌ يَقْتَضِي مَسْمُوعًا بَعْدَ المُضِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: سَمِيعٌ لِإيلائِهِ عَلِيمٌ بِعَزْمِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مُضِيُّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ. واعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهم وتَكَلَّفُوا بِما لَمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُولِي: أيْ يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ - أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ فَإنْ فاءُوا رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ أيْ وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِذَلِكَ مِنهم عَلِيمٌ بِهِ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، فَمَن حَلَفَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً، وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ أرادَ أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ، وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنَثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «مَن حَلَفَ عَلى شَيْءٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ مِنهُ ولَيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ أنَّهُ لا يُجامِعُها أبَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ لِامْرَأتِهِ بِاللَّهِ لا يَنْكِحُها فَتَتَرَبَّصُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَإنْ هو نَكَحَها كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإنْ مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ قَبْلَ أنْ يَنْكِحَها خَيَّرَهُ السُّلْطانُ إمّا أنَّهُ يَفِيءُ وإمّا أنْ يَعْزِمَ فَيُطَلِّقَ كَما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ إيلاءُ الجاهِلِيَّةِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَوَقَّتَ اللَّهُ لَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَإنْ كانَ إيلاؤُهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الإيلاءُ إيلاءانِ: إيلاءٌ في الغَضَبِ، وإيلاءٌ في الرِّضا، فَأمّا الإيلاءُ في الغَضَبِ: فَإذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَقَدْ بانَتْ مِنهُ، وأمّا ما كانَ في الرِّضا فَلا يُؤاخَذُ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا إيلاءَ إلّا بِغَضَبٍ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ " فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الفَيْءُ الجِماعُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الفَيْءُ الرِّضا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: الفَيْءُ الإشْهادُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ قالَ: الفَيْءُ الجِماعُ، فَإنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ أجْزَأهُ أنْ يَفِيءَ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَها مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ أوْ حَبْسٌ أوْ شَيْءٌ يُعْذَرُ بِهِ فَإشْهادُهُ فَيْءٌ. ولِلسَّلَفِ في الفَيْءِ أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلى مَعْنى الفَيْءِ لُغَةً، وقَدْ بَيَّنّاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في الإيلاءِ: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ لا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتّى يُوقِفَ فَيُطَلِّقَ أوْ يُمْسِكَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ فَكُلُّهم يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِيَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ فَتَوَقَّفَ فَإنْ فاءَ وإلّا طَلَّقَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدَةَ مَوْلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحابَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ قالُوا: الإيلاءُ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ إذا مَرَّتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، قَبْلَ أنْ يَفِيءَ فَهي أمْلَكُ بِنَفْسِها، ولِلصَّحابَةِ والتّابِعِينَ في هَذا أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ مُتَناقِضَةٌ، والمُتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إلى ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وهو ما عَرَّفْناكَ فاشْدُدْ عَلَيْهِ يَدَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عُمَرَ قالَ: إيلاءُ العَبْدِ شَهْرانِ. وأخْرَجَ مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إيلاءُ العَبْدِ (p-١٥٠)نَحْوَ إيلاءِ الحُرِّ.

البقرة 2:227

قَوْلُهُ: والمُطَلَّقاتُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَوَجَبَ بِناءُ العامِّ عَلى الخاصِّ، وخَرَجَتْ مِن هَذا العُمُومِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الحامِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الآيِسَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، قِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ: أيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، قَصَدَ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ الخَبَرِ تَأْكِيدَ وُقُوعِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا وُقُوعُهُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا باطِلٌ، وإنَّما هو خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْعِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ مُخْبِرِهِ. والقُرُوءُ جَمْعُ قُرْءٍ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ " قُرُوٍّ " بِتَشْدِيدِ الواوِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الواحِدُ قُرْءٌ بِضَمِّ القافِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ بِالفَتْحِ: وكِلاهُما قالَ أقَرَأتِ المَرْأةُ: حاضَتْ، وأقْرَأتْ: طَهُرَتْ. وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ: إذا صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ: قَرَأتْ بِلا ألِفٍ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يَجْمَعُهُما جَمِيعًا فَيُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ قُرْءًا، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القُرْءَ في الأصْلِ: الوَقْتُ، يُقالُ: هَبَّتِ الرِّياحُ لِقُرْئِها ولِقارِئِها: أيْ لِوَقْتِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَرَهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ فَيُقالُ لِلْحَيْضِ قُرْءٌ، ولِلطُّهْرِ قُرْءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ وقْتٌ مَعْلُومٌ. وقَدْ أطْلَقَتْهُ العَرَبُ تارَةً عَلى الأطْهارِ، وتارَةً عَلى الحَيْضِ، فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأطْهارِ قَوْلُ الأعْشى: ؎أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشَدُّ لْأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا ؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا أيْ أطْهارِهِنَّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الحَيْضِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا رُبَّ ذِي حَنْقٍ عَلَيَّ قارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوٌّ كَقُرُوِّ الحائِضِ يَعْنِي أنَّهُ طَعَنَهُ فَكانَ لَهُ دَمٌ كَدَمِ الحائِضِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قُرِيَ الماءُ في الحَوْضِ وهو جَمْعُهُ ومِنهُ القُرْآنُ لِاجْتِماعِ المَعانِي فِيهِ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقَرا جَنِينا أيْ لَمْ تَجْمَعْهُ في بَطْنِها. والحاصِلُ أنَّ القُرُوءَ في لُغَةِ العَرَبِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، ولِأجْلِ هَذا الِاشْتِراكِ، اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالقُرُوءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَقالَ أهْلُ الكُوفَةِ: هي الحَيْضُ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وقالَ أهْلُ الحِجازِ: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والزُّهْرِيِّ وأبانَ بْنِ عُثْمانَ والشّافِعِيِّ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَهم عَلى أنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، فَصارَ مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ الجَمِيعِ: والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ فَهي عَلى هَذا مُفَسَّرَةٌ في العَدَدِ مُجْمَلَةٌ في المَعْدُودِ، فَوَجَبَ طَلَبُ البَيانِ لِلْمَعْدُودِ مِن غَيْرِها فَأهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ الحَيْضُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» وبُقُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» وبِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ وهو يَحْصُلُ بِالحَيْضِ لا بِالطُّهْرِ. واسْتَدَلَّ أهْلُ القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولا خِلافَ أنَّهُ يُؤْمَرُ بِالطَّلاقِ وقْتَ الطُّهْرِ. ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ» وذَلِكَ لِأنَّ زَمَنَ الطُّهْرِ هو الَّذِي تُطَلَّقُ فِيهِ النِّساءُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما أدْرَكْنا أحَدًا مِن فُقَهائِنا إلّا يَقُولُ: بِأنَّ الأقْراءَ هي الأطْهارُ، فَإذا طَلَّقَ الرَّجُلُ في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِما بَقِيَ مِنهُ ولَوْ ساعَةً ولَوْ لَحْظَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا ثانِيًا بَعْدَ حَيْضَةٍ، فَإذا رَأتِ الدَّمَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ خَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ انْتَهى. وعِنْدِي أنْ لا حُجَّةَ في بَعْضِ ما احْتَجَّ بِهِ أهْلُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا. أمّا قَوْلُ الأوَّلِينَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» فَغايَةُ ما في هَذا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أطْلَقَ الأقْراءَ عَلى الحَيْضِ، ولا نِزاعَ في جَوازِ ذَلِكَ كَما هو شَأْنُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ تارَةً عَلى هَذا، وتارَةً عَلى هَذا وإنَّما النِّزاعُ في الأقْراءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وأمّا قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الأمَةِ: «وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» فَهو حَدِيثٌ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أيْضًا، ودَلالَتُهُ عَلى ما قالَهُ الأوَّلُونَ قَوِيَّةٌ. وأمّا قَوْلُهم: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ وهو يَحْصُلُ بِالحَيْضِ لا بِالطُّهْرِ. فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ العِدَّةِ شَيْءٌ مِنَ الحَيْضِ عَلى فَرْضِ تَفْسِيرِ الأقْراءِ بِالأطْهارِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الحَيْضِ كَما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأطْهارِ وأمّا اسْتِدْلالُ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ التَّنازُعَ في اللّامِ في قَوْلِهِ: لِعِدَّتِهِنَّ يَصِيرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، ولا تَقُومُ الحُجَّةُ بِمُحْتَمَلٍ. وأمّا اسْتِدْلالُهم بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها» الحَدِيثَ فَهو في الصَّحِيحِ، ودَلالَتُهُ قَوِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَنْقَضِي العِدَّةُ بِثَلاثَةِ أطْهارٍ أوْ بِثَلاثِ حِيَضٍ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ فَقَدَ جَوَّزَ جَمْعٌ مِن أهْلِ العِلْمِ حَمْلَ المُشْتَرَكَ عَلى مَعْنَيَيْهِ، وبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، ويَرْتَفِعُ الخِلافُ، ويَنْدَفِعُ النِّزاعُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَمْيِيزَ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ: قُرُوءٍ وهي جَمْعُ كَثْرَةِ دُونَ أقْراءٍ (p-١٥٢)الَّتِي هي مِن جُمُوعِ القِلَّةِ. وأجابَ بِأنَّهم يَتَّسِعُونَ في ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ لِاشْتِراكِهِما في الجَمْعِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَيْضُ، وقِيلَ: الحَمْلُ، وقِيلَ: كِلاهُما، ووَجْهُ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ ما فِيهِ في بَعْضِ الأحْوالِ مِنَ الإضْرارِ بِالزَّوْجِ وإذْهابِ حَقِّهِ، فَإذا قالَتِ المَرْأةُ: حِضْتُ وهي لَمْ تَحِضْ ذَهَبَتْ بِحَقِّهِ مِنَ الِارْتِجاعِ، وإذا قالَتْ: لَمْ تَحِضْ وهي قَدْ حاضَتْ ألْزَمَتْهُ مِنَ النَّفَقَةِ ما لَمْ يَلْزَمْهُ فَأضَرَّتْ بِهِ، وكَذَلِكَ الحَمْلُ رُبَّما تَكْتُمُهُ لِتَقْطَعَ حَقَّهُ مِنَ الِارْتِجاعِ، ورُبَّما تَدَّعِيهِ لِتُوجِبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْإضْرارِ بِالزَّوْجِ. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في المُدَّةِ الَّتِي تُصَدَّقُ فِيها المَرْأةُ إذا ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكاتِماتِ، وبَيانُ أنَّ مَن كَتَمَتْ ذَلِكَ مِنهُنَّ لَمْ تَسْتَحِقَّ اسْمَ الإيمانِ. والبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ وهو الزَّوْجُ، سُمِّيَ بَعْلًا لِعُلُوِّهِ عَلى الزَّوْجَةِ لِأنَّهم يُطْلِقُونَهُ عَلى الرَّبِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أيْ رَبًّا، ويُقالُ: بُعُولٌ وبُعُولَةٌ كَما يُقالُ في جَمْعِ الذَّكَرِ ذُكُورٌ وذُكُورَةٌ، وهَذِهِ التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ وهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ بَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّماعُ، والبُعُولَةُ أيْضًا تَكُونُ مَصْدَرًا مِن بَعَلَ الرَّجُلُ يَبْعَلُ، مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ: أيْ صارَ بَعْلًا. وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ بِرُجْعَتِهِنَّ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَن كانَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ مُراجَعَتُها فَيَكُونُ في حُكْمِ التَّخْصِيصِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعُمُّ المُطَلَّقاتِ وغَيْرَهُنَّ. وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ يَعْنِي في مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، فَإنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها، ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ جَدِيدٍ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، والرَّجْعَةُ تَكُونُ بِاللَّفْظِ وتَكُونُ بِالوَطْءِ، ولا يَلْزَمُ المُراجِعُ شَيْءٌ مِن أحْكامِ النِّكاحِ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ أيْ بِالمُراجَعَةِ: أيْ إصْلاحَ حالِهِ مَعَها وحالِها مَعَهُ، فَإنْ قَصَدَ الإضْرارَ بِها فَهي مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] قِيلَ: وإذا قَصَدَ بِالرَّجْعَةِ الضِّرارَ فَهي صَحِيحَةٌ وإنِ ارْتَكَبَ بِذَلِكَ مُحَرَّمًا وظَلَمَ نَفْسَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لِحَثِّ الأزْواجِ عَلى قَصْدِ الصَّلاحِ والزَّجْرِ لَهم عَنْ قَصْدِ الضِّرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ جَعْلَ قَصْدِ الإصْلاحِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ لَهُنَّ مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ عَلى الرِّجالِ بِمِثْلِ ما لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ، فَيُحْسِنُ عِشْرَتَها بِما هو مَعْرُوفٌ مِن عادَةِ النّاسِ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ لِنِسائِهِمْ، وهي كَذَلِكَ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها بِما هو مَعْرُوفٌ مِن عادَةِ النِّساءِ أنَّهُنَّ يَفْعَلْنَهُ لِأزْواجِهِنَّ مِن طاعَةٍ وتَزَيُّنٍ وتَحَبُّبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أيْ مَنزِلَةٌ لَيْسَتْ لَهُنَّ وهو قِيامُهُ عَلَيْها في الإنْفاقِ، وكَوْنُهُ مِن أهْلِ الجِهادِ والعَقْلِ والقُوَّةِ، ولَهُ مِنَ المِيراثِ أكْثَرُ مِمّا لَها، وكَوْنُهُ يَجِبُ عَلَيْها امْتِثالُ أمْرِهِ والوُقُوفُ عِنْدَ رِضاهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن فَضِيلَةِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ إلّا كَوْنُهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الرِّجالِ لِما ثَبَتَ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الأنْصارِيَّةِ قالَتْ: طُلِّقْتُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَكُنْ لِلْمُطَلَّقَةِ عِدَّةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ حِينَ طُلِّقْتُ العِدَّةَ لِلطَّلاقِ فَقالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَنُسِخَ وقالَ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقِ عائِشَةَ أنَّها قالَتِ: الأقْراءُ الأطْهارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ المَذْكُورُونَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: الأقْراءُ الحَيْضُ عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قالَ: ثَلاثُ حِيَضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَكْتُمُ حَمْلَها حَتّى تَجْعَلَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: الحَمْلُ والحَيْضُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يَقُولُ: إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً أوْ تَطْلِيقَتَيِنِ وهي حامِلٌ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها ما لَمْ تَضَعْ حَمْلَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ قالَ: في العِدَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وزادَ ما لَمْ يُطَلِّقْها ثَلاثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ قالَ: إذا أطَعْنَ اللَّهَ وأطَعْنَ أزْواجَهُنَّ فَعَلَيْهِ أنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويَكُفَّ عَنْها أذاهُ، ويُنْفِقَ عَلَيْها مِن سَعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا إنَّ لَكم عَلى نِسائِكم حَقًّا ولِنِسائِكم عَلَيْكم حَقًّا، أمّا حَقُّكم عَلى نِسائِكم أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم لِمَن تَكْرَهُونَ، ألا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ في كُسْوَتِهِنَّ وطَعامِهِنَّ» وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ أنَّهُ «سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما حَقُّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ ؟ قالَ: أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، (p-١٥٣)وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ، ولا تَهْجُرْ إلّا في البَيْتِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قالَ: فَضْلُ ما فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْها مِنَ الجِهادِ وفَضْلُ مِيراثِهِ عَلى مِيراثِها وكُلُّ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في الآيَةِ قالَ: يُطَلِّقُها ولَيْسَ لَها مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. وأخْرَجا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: الإمارَةُ.

البقرة 2:228

قَوْلُهُ: والمُطَلَّقاتُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَوَجَبَ بِناءُ العامِّ عَلى الخاصِّ، وخَرَجَتْ مِن هَذا العُمُومِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الحامِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الآيِسَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، قِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ: أيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، قَصَدَ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ الخَبَرِ تَأْكِيدَ وُقُوعِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا وُقُوعُهُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا باطِلٌ، وإنَّما هو خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْعِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ مُخْبِرِهِ. والقُرُوءُ جَمْعُ قُرْءٍ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ " قُرُوٍّ " بِتَشْدِيدِ الواوِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الواحِدُ قُرْءٌ بِضَمِّ القافِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ بِالفَتْحِ: وكِلاهُما قالَ أقَرَأتِ المَرْأةُ: حاضَتْ، وأقْرَأتْ: طَهُرَتْ. وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ: إذا صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ: قَرَأتْ بِلا ألِفٍ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يَجْمَعُهُما جَمِيعًا فَيُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ قُرْءًا، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القُرْءَ في الأصْلِ: الوَقْتُ، يُقالُ: هَبَّتِ الرِّياحُ لِقُرْئِها ولِقارِئِها: أيْ لِوَقْتِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَرَهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ فَيُقالُ لِلْحَيْضِ قُرْءٌ، ولِلطُّهْرِ قُرْءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ وقْتٌ مَعْلُومٌ. وقَدْ أطْلَقَتْهُ العَرَبُ تارَةً عَلى الأطْهارِ، وتارَةً عَلى الحَيْضِ، فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأطْهارِ قَوْلُ الأعْشى: ؎أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشَدُّ لْأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا ؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا أيْ أطْهارِهِنَّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الحَيْضِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا رُبَّ ذِي حَنْقٍ عَلَيَّ قارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوٌّ كَقُرُوِّ الحائِضِ يَعْنِي أنَّهُ طَعَنَهُ فَكانَ لَهُ دَمٌ كَدَمِ الحائِضِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قُرِيَ الماءُ في الحَوْضِ وهو جَمْعُهُ ومِنهُ القُرْآنُ لِاجْتِماعِ المَعانِي فِيهِ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقَرا جَنِينا أيْ لَمْ تَجْمَعْهُ في بَطْنِها. والحاصِلُ أنَّ القُرُوءَ في لُغَةِ العَرَبِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، ولِأجْلِ هَذا الِاشْتِراكِ، اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالقُرُوءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَقالَ أهْلُ الكُوفَةِ: هي الحَيْضُ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وقالَ أهْلُ الحِجازِ: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والزُّهْرِيِّ وأبانَ بْنِ عُثْمانَ والشّافِعِيِّ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَهم عَلى أنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، فَصارَ مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ الجَمِيعِ: والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ فَهي عَلى هَذا مُفَسَّرَةٌ في العَدَدِ مُجْمَلَةٌ في المَعْدُودِ، فَوَجَبَ طَلَبُ البَيانِ لِلْمَعْدُودِ مِن غَيْرِها فَأهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا عَلى أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ الحَيْضُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» وبُقُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» وبِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ وهو يَحْصُلُ بِالحَيْضِ لا بِالطُّهْرِ. واسْتَدَلَّ أهْلُ القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولا خِلافَ أنَّهُ يُؤْمَرُ بِالطَّلاقِ وقْتَ الطُّهْرِ. ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ» وذَلِكَ لِأنَّ زَمَنَ الطُّهْرِ هو الَّذِي تُطَلَّقُ فِيهِ النِّساءُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما أدْرَكْنا أحَدًا مِن فُقَهائِنا إلّا يَقُولُ: بِأنَّ الأقْراءَ هي الأطْهارُ، فَإذا طَلَّقَ الرَّجُلُ في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِما بَقِيَ مِنهُ ولَوْ ساعَةً ولَوْ لَحْظَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا ثانِيًا بَعْدَ حَيْضَةٍ، فَإذا رَأتِ الدَّمَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ خَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ انْتَهى. وعِنْدِي أنْ لا حُجَّةَ في بَعْضِ ما احْتَجَّ بِهِ أهْلُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا. أمّا قَوْلُ الأوَّلِينَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» فَغايَةُ ما في هَذا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أطْلَقَ الأقْراءَ عَلى الحَيْضِ، ولا نِزاعَ في جَوازِ ذَلِكَ كَما هو شَأْنُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ تارَةً عَلى هَذا، وتارَةً عَلى هَذا وإنَّما النِّزاعُ في الأقْراءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وأمّا قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الأمَةِ: «وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» فَهو حَدِيثٌ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أيْضًا، ودَلالَتُهُ عَلى ما قالَهُ الأوَّلُونَ قَوِيَّةٌ. وأمّا قَوْلُهم: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ وهو يَحْصُلُ بِالحَيْضِ لا بِالطُّهْرِ. فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ العِدَّةِ شَيْءٌ مِنَ الحَيْضِ عَلى فَرْضِ تَفْسِيرِ الأقْراءِ بِالأطْهارِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الحَيْضِ كَما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأطْهارِ وأمّا اسْتِدْلالُ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ التَّنازُعَ في اللّامِ في قَوْلِهِ: لِعِدَّتِهِنَّ يَصِيرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، ولا تَقُومُ الحُجَّةُ بِمُحْتَمَلٍ. وأمّا اسْتِدْلالُهم بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها» الحَدِيثَ فَهو في الصَّحِيحِ، ودَلالَتُهُ قَوِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها تَنْقَضِي العِدَّةُ بِثَلاثَةِ أطْهارٍ أوْ بِثَلاثِ حِيَضٍ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ فَقَدَ جَوَّزَ جَمْعٌ مِن أهْلِ العِلْمِ حَمْلَ المُشْتَرَكَ عَلى مَعْنَيَيْهِ، وبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، ويَرْتَفِعُ الخِلافُ، ويَنْدَفِعُ النِّزاعُ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَمْيِيزَ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ: قُرُوءٍ وهي جَمْعُ كَثْرَةِ دُونَ أقْراءٍ (p-١٥٢)الَّتِي هي مِن جُمُوعِ القِلَّةِ. وأجابَ بِأنَّهم يَتَّسِعُونَ في ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ لِاشْتِراكِهِما في الجَمْعِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَيْضُ، وقِيلَ: الحَمْلُ، وقِيلَ: كِلاهُما، ووَجْهُ النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ ما فِيهِ في بَعْضِ الأحْوالِ مِنَ الإضْرارِ بِالزَّوْجِ وإذْهابِ حَقِّهِ، فَإذا قالَتِ المَرْأةُ: حِضْتُ وهي لَمْ تَحِضْ ذَهَبَتْ بِحَقِّهِ مِنَ الِارْتِجاعِ، وإذا قالَتْ: لَمْ تَحِضْ وهي قَدْ حاضَتْ ألْزَمَتْهُ مِنَ النَّفَقَةِ ما لَمْ يَلْزَمْهُ فَأضَرَّتْ بِهِ، وكَذَلِكَ الحَمْلُ رُبَّما تَكْتُمُهُ لِتَقْطَعَ حَقَّهُ مِنَ الِارْتِجاعِ، ورُبَّما تَدَّعِيهِ لِتُوجِبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْإضْرارِ بِالزَّوْجِ. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في المُدَّةِ الَّتِي تُصَدَّقُ فِيها المَرْأةُ إذا ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكاتِماتِ، وبَيانُ أنَّ مَن كَتَمَتْ ذَلِكَ مِنهُنَّ لَمْ تَسْتَحِقَّ اسْمَ الإيمانِ. والبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ وهو الزَّوْجُ، سُمِّيَ بَعْلًا لِعُلُوِّهِ عَلى الزَّوْجَةِ لِأنَّهم يُطْلِقُونَهُ عَلى الرَّبِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أيْ رَبًّا، ويُقالُ: بُعُولٌ وبُعُولَةٌ كَما يُقالُ في جَمْعِ الذَّكَرِ ذُكُورٌ وذُكُورَةٌ، وهَذِهِ التّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ وهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ بَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّماعُ، والبُعُولَةُ أيْضًا تَكُونُ مَصْدَرًا مِن بَعَلَ الرَّجُلُ يَبْعَلُ، مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ: أيْ صارَ بَعْلًا. وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ بِرُجْعَتِهِنَّ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَن كانَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ مُراجَعَتُها فَيَكُونُ في حُكْمِ التَّخْصِيصِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعُمُّ المُطَلَّقاتِ وغَيْرَهُنَّ. وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ يَعْنِي في مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، فَإنِ انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها، ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ جَدِيدٍ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، والرَّجْعَةُ تَكُونُ بِاللَّفْظِ وتَكُونُ بِالوَطْءِ، ولا يَلْزَمُ المُراجِعُ شَيْءٌ مِن أحْكامِ النِّكاحِ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ أيْ بِالمُراجَعَةِ: أيْ إصْلاحَ حالِهِ مَعَها وحالِها مَعَهُ، فَإنْ قَصَدَ الإضْرارَ بِها فَهي مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] قِيلَ: وإذا قَصَدَ بِالرَّجْعَةِ الضِّرارَ فَهي صَحِيحَةٌ وإنِ ارْتَكَبَ بِذَلِكَ مُحَرَّمًا وظَلَمَ نَفْسَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لِحَثِّ الأزْواجِ عَلى قَصْدِ الصَّلاحِ والزَّجْرِ لَهم عَنْ قَصْدِ الضِّرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ جَعْلَ قَصْدِ الإصْلاحِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ لَهُنَّ مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ عَلى الرِّجالِ بِمِثْلِ ما لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ، فَيُحْسِنُ عِشْرَتَها بِما هو مَعْرُوفٌ مِن عادَةِ النّاسِ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ لِنِسائِهِمْ، وهي كَذَلِكَ تُحْسِنُ عِشْرَةَ زَوْجِها بِما هو مَعْرُوفٌ مِن عادَةِ النِّساءِ أنَّهُنَّ يَفْعَلْنَهُ لِأزْواجِهِنَّ مِن طاعَةٍ وتَزَيُّنٍ وتَحَبُّبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أيْ مَنزِلَةٌ لَيْسَتْ لَهُنَّ وهو قِيامُهُ عَلَيْها في الإنْفاقِ، وكَوْنُهُ مِن أهْلِ الجِهادِ والعَقْلِ والقُوَّةِ، ولَهُ مِنَ المِيراثِ أكْثَرُ مِمّا لَها، وكَوْنُهُ يَجِبُ عَلَيْها امْتِثالُ أمْرِهِ والوُقُوفُ عِنْدَ رِضاهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن فَضِيلَةِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ إلّا كَوْنُهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الرِّجالِ لِما ثَبَتَ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الأنْصارِيَّةِ قالَتْ: طُلِّقْتُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَكُنْ لِلْمُطَلَّقَةِ عِدَّةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ حِينَ طُلِّقْتُ العِدَّةَ لِلطَّلاقِ فَقالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَنُسِخَ وقالَ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقِ عائِشَةَ أنَّها قالَتِ: الأقْراءُ الأطْهارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ المَذْكُورُونَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: الأقْراءُ الحَيْضُ عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قالَ: ثَلاثُ حِيَضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَكْتُمُ حَمْلَها حَتّى تَجْعَلَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: الحَمْلُ والحَيْضُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يَقُولُ: إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً أوْ تَطْلِيقَتَيِنِ وهي حامِلٌ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها ما لَمْ تَضَعْ حَمْلَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ قالَ: في العِدَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وزادَ ما لَمْ يُطَلِّقْها ثَلاثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ قالَ: إذا أطَعْنَ اللَّهَ وأطَعْنَ أزْواجَهُنَّ فَعَلَيْهِ أنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويَكُفَّ عَنْها أذاهُ، ويُنْفِقَ عَلَيْها مِن سَعَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا إنَّ لَكم عَلى نِسائِكم حَقًّا ولِنِسائِكم عَلَيْكم حَقًّا، أمّا حَقُّكم عَلى نِسائِكم أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم لِمَن تَكْرَهُونَ، ألا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ في كُسْوَتِهِنَّ وطَعامِهِنَّ» وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ أنَّهُ «سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما حَقُّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ ؟ قالَ: أنْ تُطْعِمَها إذا طَعِمْتَ، (p-١٥٣)وتَكْسُوَها إذا اكْتَسَيْتَ ولا تَضْرِبِ الوَجْهَ، ولا تَهْجُرْ إلّا في البَيْتِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قالَ: فَضْلُ ما فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْها مِنَ الجِهادِ وفَضْلُ مِيراثِهِ عَلى مِيراثِها وكُلُّ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في الآيَةِ قالَ: يُطَلِّقُها ولَيْسَ لَها مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. وأخْرَجا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: الإمارَةُ.

البقرة 2:229

المُرادُ بِالطَّلاقِ المَذْكُورِ هو الرَّجْعِيُّ بِدَلِيلِ ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى: أيِ الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلْأزْواجِ هو مَرَّتانِ: أيِ الطَّلْقَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، إذْ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثّالِثَةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: مَرَّتانِ ولَمْ يَقُلْ طَلْقَتانِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا طَلْقَتانِ دَفْعَةً واحِدَةً، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ، إمّا إيقاعُ الثّالِثَةِ الَّتِي بِها تَبِينُ الزَّوْجَةُ، أوِ الإمْساكُ لَها واسْتِدامَةُ نِكاحِها، وعَدَمُ إيقاعِ الثّالِثَةِ عَلَيْها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإمْساكٌ بَعْدَ الرَّجْعَةِ لِمَن طَلَّقَها زَوْجُها طَلْقَتَيْنِ بِمَعْرُوفٍ: أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِإيقاعِ طَلْقَةٍ ثالِثَةٍ عَلَيْها مِن دُونِ ضِرارٍ لَها، وقِيلَ المُرادُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ بِرَجْعَةٍ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِتَرْكِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الثّانِيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿الطَّلاقُ﴾ مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ مَرَّتانِ. وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً واحِدَةً هَلْ يَقَعُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً فَقَطْ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مَن عَداهم وهو الحَقُّ. وقَدْ قَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَقْرِيرًا بالِغًا، وأفْرَدْتُهُ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ: أيْ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا دَفَعُوهُ إلى نِسائِهِمْ مِنَ المَهْرِ شَيْئًا عَلى وجْهِ المُضارَّةِ لَهُنَّ، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ شَيْئًا نَزْرًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، وخَصَّ ما دَفَعُوهُ إلَيْهِنَّ بِعَدَمِ حَلِّ الأخْذِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِن أمْوالِهِنَّ الَّتِي يَمْلِكْنَها مِن غَيْرِ المَهْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُ الزَّوْجِ، وتَتَطَلَّعُ لِأخْذِهِ دُونَ ما عَداهُ، مِمّا هو في مِلْكِها، عَلى أنَّهُ إذا كانَ أخَذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لا يَحِلُّ لَهُ كانَ ما عَداهُ مَمْنَوْعًا مِنهُ بِالأوْلى، وقِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، وعَلى هَذا يَكُونُ إسْنادُ الأخْذِ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمُ الآمِرِينَ بِذَلِكَ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فَإنَّ إسْنادَهُ إلى غَيْرِ الأزْواجِ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إيتاءَ الأزْواجِ لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الثّانِي أوْلى لِئَلّا يَتَشَوَّشَ النَّظْمُ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ أيْ لا يَجُوزُ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ﴿ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِلزَّوْجَيْنِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِما الوَفاءَ بِها مِن حُسْنِ العِشْرَةِ والطّاعَةِ، فَإنْ خافا ذَلِكَ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لا جُناحَ عَلى الرَّجُلِ في الأخْذِ، وعَلى المَرْأةِ في الإعْطاءِ بِأنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَها مِن ذَلِكَ النِّكاحِ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنَ المالِ يَرْضى بِهِ الزَّوْجُ فَيُطَلِّقُها لِأجْلِهِ، وهَذا هو الخُلْعُ وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى جَوازِ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ، وأنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ القُرْآنُ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ ما أخَذَ ولا يُجْبَرُ عَلى رَدِّهِ، وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: " إلّا أنْ يُخافا " عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، وهو الأئِمَّةُ والحُكّامُ واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَجَعَلَ الخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ بِذَلِكَ مَن جَعَلَ الخُلْعَ إلى السُّلْطانِ، وهو سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ. وقَدْ ضَعَّفَ النَّحّاسُ اخْتِيارَ أبِي عُبَيْدٍ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ إذا خافَ الأئِمَّةُ والحُكّامُ، أوِ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أئِمَّةً وحُكّامًا عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وهي ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِما كَما سَلَفَ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وهو قَوْلٌ خارِجٌ عَنِ الإجْماعِ ولا تَنافِي بَيْنَ الِاثْنَيْنِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ إذا طَلَبَ الزَّوْجُ مِنَ المَرْأةِ زِيادَةً عَلى ما دَفَعَهُ إلَيْها مِنَ المَهْرِ وما يَتْبَعُهُ ورَضِيَتْ بِذَلِكَ المَرْأةُ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ وظاهِرُ القُرْآنِ الجَوازُ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وبِهَذا قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وقالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ والأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، وسَيَأْتِي ما ورَدَ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ أحْكامُ النِّكاحِ والفِراقِ المَذْكُورَةُ هي حُدُودُ اللَّهِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِامْتِثالِها، فَلا تَعْتَدُوها بِالمُخالَفَةِ لَها فَتَسْتَحِقُّوا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِأنَّهُ ظالِمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإنْ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالتَّثْلِيثِ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أيْ حَتّى تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ. وقَدْ أخَذَ بِظاهِرِ الآيَةِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ومَن وافَقَهُ قالُوا: يَكْفِي مُجَرَّدُ العَقْدِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ العَقْدِ مِنَ الوَطْءِ لِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ (p-١٥٤)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنِ اعْتِبارِ ذَلِكَ وهو زِيادَةٌ يَتَعَيَّنُ قَبُولُها، ولَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ ومَن تابَعَهُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِكاحًا شَرْعِيًّا مَقْصُودًا لِذاتِهِ لا نِكاحًا غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ، بَلْ حِيلَةٌ لِلتَّحْلِيلِ، وذَرِيعَةٌ إلى رَدِّها إلى الزَّوْجِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَرامٌ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في ذَمِّهِ وذَمِّ فاعِلِهِ، وأنَّهُ التَّيْسُ المُسْتَعارُ الَّذِي لَعَنَهُ الشّارِعُ ولَعَنَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيِ الزَّوْجِ الأوَّلِ والمَرْأةِ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أيْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الحُرَّ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها ونَكَحَتْ زَوْجًا ودَخَلَ بِها ثُمَّ فارَقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها ثُمَّ نَكَحَها الزَّوْجُ الأوَّلُ أنَّها تَكُونُ عِنْدَهُ عَلى ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ الواجِبَةَ لِكُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ. وأمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ ظَنُّ ذَلِكَ بِأنْ يَعْلَما أوْ أحَدُهُما عَدَمَ الإقامَةِ لِحُدُودِ اللَّهِ، أوْ تَرَدَّدا أوْ أحَدُهُما ولَمْ يَحْصُلْ لَهُما الظَّنُّ، فَلا يَجُوزُ الدُّخُولُ في هَذا النِّكاحِ لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ والوُقُوعِ فِيما حَرَّمَهُ عَلى الزَّوْجَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ كَما سَلَفَ، وخَصَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ لِلْعالِمِ وغَيْرِهِ، ووُجُوبِ التَّبْلِيغِ لِكُلِّ فَرْدٍ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ المَذْكُورِ. وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا ما دَنا وقْتُ انْقِضاءِ عِدَّتِها أرْجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ ولا تَحِلِّينَ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمِئِذٍ مَن كانَ مِنهم طَلَّقَ ومَن لَمْ يُطَلِّقْ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْها: أنَّها أتَتْها امْرَأةٌ فَسَألَتْها عَنْ شَيْءٍ مِنَ الطَّلاقِ، قالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي رَزِينٍ الأسَدِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، فَأيْنَ الثّالِثَةُ ؟ قالَ: التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ الثّالِثَةُ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِلثّالِثَةِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: التَّسْرِيحُ في كِتابِ اللَّهِ الطَّلاقُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قالُوا: وهو المِيقاتُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الرَّجْعَةُ، فَإذا طَلَّقَ واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ، فَإمّا أنْ يُمْسِكَ ويُراجِعَ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا أنْ يَسْكُتَ عَنْها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فَتَكُونَ أحَقَّ بِنَفْسِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِن مالِ امْرَأتِهِ الَّذِي نَحَلَها وغَيْرِهِ، لا يَرى أنَّ عَلَيْهِ جُناحًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ فَلَمْ يَصِحَّ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أخْذُ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِنَّ إلّا بِحَقِّها، ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ مِن قِبَلِها، فَتَدْعُوكَ إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنكَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فِيما افْتَدَتْ بِهِ. وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الأنْصارِيِّ: «أنَّها كانَتْ تُحِبُّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إلى الصُّبْحِ فَوَجَدَها عِنْدَ بابِهِ في الغَلَسِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَتْ: أنا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، فَقالَ: ما شَأْنُكِ ؟ قالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ، فَلَمّا جاءَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، فَذَكَرَتْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَذْكُرَ، فَقالَتْ حَبِيبَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ ما أعْطانِي عِنْدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: خُذْ مِنها، فَأخَذَ مِنها وجَلَسَتْ في أهْلِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وفي حَبِيبَةَ، وكانَتِ اشْتَكَتْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَدَعاهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ويَطِيبُ لِي ذَلِكَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ ثابِتٌ: قَدْ فَعَلْتُ، فَنَزَلَتْ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلُولَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ ما أعْتِبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ ولا دِينٍ، ولَكِنْ لا أُطِيقُهُ بُغْضًا وأكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ، قالَ: أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطَلِّقْها تَطْلِيقَةً» . ولَفْظُ ابْنِ ماجَهْ «فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْخُذَ مِنها حَدِيقَتَهُ ولا يَزْدادَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ قالَ: «أتَتِ امْرَأةٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَتْ: إنِّي أبْغَضُ زَوْجِي وأُحِبُّ فِراقَهُ، قالَ: أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أصْدَقَكِ ؟ قالَتْ: نَعَمْ وزِيادَةً، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أمّا الزِّيادَةُ مِن مالِكِ فَلا» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ ذَكَرَ القِصَّةَ، وفِيهِ «أمّا الزِّيادَةُ فَلا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفِيهِ «أنَّهُ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثابِتًا أنْ يَأْخُذَ (p-١٥٥)ما ساقَ ولا يَزْدادُ» " . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وذَكَرَ القِصَّةَ، وفِيها " فَرَدَّتْ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وزادَتْ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ المُخْتَلِعاتِ: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها. وفِي لَفْظٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلزَّوْجِ: " خُذْ ولَوْ عِقاصَها " . قالَ البُخارِيُّ: أجازَ عُثْمانُ الخَلْعَ دُونَ عِقاصِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَرِهَ أنْ يَأْخُذَ مِنَ المُخْتَلِعَةِ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها» . وقَدْ ورَدَ في ذَمِّ المُخْتَلِعاتِ أحادِيثُ مِنها عَنْ ثَوْبانَ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ وابْنِ ماجَهْ وابْنِ جَرِيرٍ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غَيْرِ ما بَأْسٍ فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ، وقالَ: المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ» . ومِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَسْألُ المَرْأةُ زَوْجَها الطَّلاقَ في غَيْرِ كُنْهِهِ فَتَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ عامًا» . ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ والنَّسائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ» ومِنها عَنْ عُقْبَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في عِدَّةِ المُخْتَلِعَةِ، والرّاجِحُ أنَّها تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ لِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» . ولِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ «أنَّها اخْتَلَعَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، أوْ أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْها أنَّها قالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِن زَوْجِي، فَجِئْتُ عُثْمانَ فَسَألْتُهُ ماذا عَلَيَّ مِنَ العِدَّةِ ؟ فَقالَ: لا عِدَّةَ عَلَيْكِ إلّا أنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِكِ فَتَمْكُثِينَ حَتّى تَحِيضِي حَيْضَةً، قالَتْ: إنَّما أتْبَعُ في ذَلِكَ قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في مَرْيَمَ المُغالِيَةِ، وكانَتْ تُحِبُّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ فاخْتَلَعَتْ مِنهُ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً واحِدَةً فَتَلْحَقَ بِأهْلِها» ولَمْ يَرِدْ ما يُعارِضُ هَذا مِنَ المَرْفُوعِ، بَلْ ورَدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعَةِ كَعِدَّةِ الطَّلاقِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المُخْتَلِعَةَ مِن جُمْلَةِ المُطَلَّقاتِ، فَهي داخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ القُرْآنِ. والحَقُّ ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ ما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُخَصِّصُ عُمُومَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ يَقُولُ: فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَتِ امْرَأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وما مَعَهُ إلّا مِثُلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْها مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ الصَّحابَةُ صاحِبَةَ القِصَّةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّ العُمَيْصاءَ أوِ الرُّمَيْصاءَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " وفي آخِرِهِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ ذَلِكَ لَكِ حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رَجُلٌ غَيْرُهُ» . وقَدْ ثَبَتَ لَعْنُ المُحَلِّلِ في أحادِيثَ، مِنها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ والبَيْهَقِيِّ في سُنَنِهِ قالَ: " «لَعَنَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» ومِنها عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومِنها عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ، ومِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ مِثْلُهُ، ومِنها عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيِّ مِثْلُهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ في ذَمِّ التَّحْلِيلِ وفاعِلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ يَقُولُ: إذا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الأوَّلِ فَدَخَلَ بِها الآخَرُ فَلا حَرَجَ عَلى الأوَّلِ أنْ يَتَزَوَّجَها إذا طَلَّقَها الآخَرُ أوْ ماتَ عَنْها فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمْرَ اللَّهِ وطاعَتَهُ.

البقرة 2:230

المُرادُ بِالطَّلاقِ المَذْكُورِ هو الرَّجْعِيُّ بِدَلِيلِ ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى: أيِ الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلْأزْواجِ هو مَرَّتانِ: أيِ الطَّلْقَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، إذْ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثّالِثَةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: مَرَّتانِ ولَمْ يَقُلْ طَلْقَتانِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا طَلْقَتانِ دَفْعَةً واحِدَةً، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ، إمّا إيقاعُ الثّالِثَةِ الَّتِي بِها تَبِينُ الزَّوْجَةُ، أوِ الإمْساكُ لَها واسْتِدامَةُ نِكاحِها، وعَدَمُ إيقاعِ الثّالِثَةِ عَلَيْها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإمْساكٌ بَعْدَ الرَّجْعَةِ لِمَن طَلَّقَها زَوْجُها طَلْقَتَيْنِ بِمَعْرُوفٍ: أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِإيقاعِ طَلْقَةٍ ثالِثَةٍ عَلَيْها مِن دُونِ ضِرارٍ لَها، وقِيلَ المُرادُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ بِرَجْعَةٍ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِتَرْكِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الثّانِيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿الطَّلاقُ﴾ مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ مَرَّتانِ. وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً واحِدَةً هَلْ يَقَعُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً فَقَطْ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مَن عَداهم وهو الحَقُّ. وقَدْ قَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَقْرِيرًا بالِغًا، وأفْرَدْتُهُ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ: أيْ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا دَفَعُوهُ إلى نِسائِهِمْ مِنَ المَهْرِ شَيْئًا عَلى وجْهِ المُضارَّةِ لَهُنَّ، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ شَيْئًا نَزْرًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، وخَصَّ ما دَفَعُوهُ إلَيْهِنَّ بِعَدَمِ حَلِّ الأخْذِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِن أمْوالِهِنَّ الَّتِي يَمْلِكْنَها مِن غَيْرِ المَهْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُ الزَّوْجِ، وتَتَطَلَّعُ لِأخْذِهِ دُونَ ما عَداهُ، مِمّا هو في مِلْكِها، عَلى أنَّهُ إذا كانَ أخَذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لا يَحِلُّ لَهُ كانَ ما عَداهُ مَمْنَوْعًا مِنهُ بِالأوْلى، وقِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، وعَلى هَذا يَكُونُ إسْنادُ الأخْذِ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمُ الآمِرِينَ بِذَلِكَ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فَإنَّ إسْنادَهُ إلى غَيْرِ الأزْواجِ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إيتاءَ الأزْواجِ لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الثّانِي أوْلى لِئَلّا يَتَشَوَّشَ النَّظْمُ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ أيْ لا يَجُوزُ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ﴿ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِلزَّوْجَيْنِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِما الوَفاءَ بِها مِن حُسْنِ العِشْرَةِ والطّاعَةِ، فَإنْ خافا ذَلِكَ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لا جُناحَ عَلى الرَّجُلِ في الأخْذِ، وعَلى المَرْأةِ في الإعْطاءِ بِأنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَها مِن ذَلِكَ النِّكاحِ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنَ المالِ يَرْضى بِهِ الزَّوْجُ فَيُطَلِّقُها لِأجْلِهِ، وهَذا هو الخُلْعُ وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى جَوازِ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ، وأنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الأخْذُ مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ القُرْآنُ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ ما أخَذَ ولا يُجْبَرُ عَلى رَدِّهِ، وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: " إلّا أنْ يُخافا " عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، وهو الأئِمَّةُ والحُكّامُ واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ قالَ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَجَعَلَ الخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ بِذَلِكَ مَن جَعَلَ الخُلْعَ إلى السُّلْطانِ، وهو سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ. وقَدْ ضَعَّفَ النَّحّاسُ اخْتِيارَ أبِي عُبَيْدٍ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ إذا خافَ الأئِمَّةُ والحُكّامُ، أوِ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أئِمَّةً وحُكّامًا عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وهي ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِما كَما سَلَفَ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وهو قَوْلٌ خارِجٌ عَنِ الإجْماعِ ولا تَنافِي بَيْنَ الِاثْنَيْنِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ إذا طَلَبَ الزَّوْجُ مِنَ المَرْأةِ زِيادَةً عَلى ما دَفَعَهُ إلَيْها مِنَ المَهْرِ وما يَتْبَعُهُ ورَضِيَتْ بِذَلِكَ المَرْأةُ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ وظاهِرُ القُرْآنِ الجَوازُ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وبِهَذا قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وقالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ والأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ، وسَيَأْتِي ما ورَدَ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ أحْكامُ النِّكاحِ والفِراقِ المَذْكُورَةُ هي حُدُودُ اللَّهِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِامْتِثالِها، فَلا تَعْتَدُوها بِالمُخالَفَةِ لَها فَتَسْتَحِقُّوا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِأنَّهُ ظالِمٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإنْ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالتَّثْلِيثِ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أيْ حَتّى تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ. وقَدْ أخَذَ بِظاهِرِ الآيَةِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ومَن وافَقَهُ قالُوا: يَكْفِي مُجَرَّدُ العَقْدِ لِأنَّهُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ العَقْدِ مِنَ الوَطْءِ لِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ (p-١٥٤)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنِ اعْتِبارِ ذَلِكَ وهو زِيادَةٌ يَتَعَيَّنُ قَبُولُها، ولَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ ومَن تابَعَهُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِكاحًا شَرْعِيًّا مَقْصُودًا لِذاتِهِ لا نِكاحًا غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ، بَلْ حِيلَةٌ لِلتَّحْلِيلِ، وذَرِيعَةٌ إلى رَدِّها إلى الزَّوْجِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَرامٌ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في ذَمِّهِ وذَمِّ فاعِلِهِ، وأنَّهُ التَّيْسُ المُسْتَعارُ الَّذِي لَعَنَهُ الشّارِعُ ولَعَنَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيِ الزَّوْجِ الأوَّلِ والمَرْأةِ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أيْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الحُرَّ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها ونَكَحَتْ زَوْجًا ودَخَلَ بِها ثُمَّ فارَقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها ثُمَّ نَكَحَها الزَّوْجُ الأوَّلُ أنَّها تَكُونُ عِنْدَهُ عَلى ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ الواجِبَةَ لِكُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ. وأمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ ظَنُّ ذَلِكَ بِأنْ يَعْلَما أوْ أحَدُهُما عَدَمَ الإقامَةِ لِحُدُودِ اللَّهِ، أوْ تَرَدَّدا أوْ أحَدُهُما ولَمْ يَحْصُلْ لَهُما الظَّنُّ، فَلا يَجُوزُ الدُّخُولُ في هَذا النِّكاحِ لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ والوُقُوعِ فِيما حَرَّمَهُ عَلى الزَّوْجَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ كَما سَلَفَ، وخَصَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ لِلْعالِمِ وغَيْرِهِ، ووُجُوبِ التَّبْلِيغِ لِكُلِّ فَرْدٍ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ المَذْكُورِ. وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا ما دَنا وقْتُ انْقِضاءِ عِدَّتِها أرْجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ ولا تَحِلِّينَ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمِئِذٍ مَن كانَ مِنهم طَلَّقَ ومَن لَمْ يُطَلِّقْ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْها: أنَّها أتَتْها امْرَأةٌ فَسَألَتْها عَنْ شَيْءٍ مِنَ الطَّلاقِ، قالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي رَزِينٍ الأسَدِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، فَأيْنَ الثّالِثَةُ ؟ قالَ: التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ الثّالِثَةُ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِلثّالِثَةِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: التَّسْرِيحُ في كِتابِ اللَّهِ الطَّلاقُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قالُوا: وهو المِيقاتُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الرَّجْعَةُ، فَإذا طَلَّقَ واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ، فَإمّا أنْ يُمْسِكَ ويُراجِعَ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا أنْ يَسْكُتَ عَنْها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فَتَكُونَ أحَقَّ بِنَفْسِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِن مالِ امْرَأتِهِ الَّذِي نَحَلَها وغَيْرِهِ، لا يَرى أنَّ عَلَيْهِ جُناحًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ فَلَمْ يَصِحَّ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أخْذُ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِنَّ إلّا بِحَقِّها، ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ مِن قِبَلِها، فَتَدْعُوكَ إلى أنْ تَفْتَدِيَ مِنكَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فِيما افْتَدَتْ بِهِ. وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الأنْصارِيِّ: «أنَّها كانَتْ تُحِبُّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إلى الصُّبْحِ فَوَجَدَها عِنْدَ بابِهِ في الغَلَسِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَتْ: أنا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، فَقالَ: ما شَأْنُكِ ؟ قالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ، فَلَمّا جاءَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، فَذَكَرَتْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَذْكُرَ، فَقالَتْ حَبِيبَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ ما أعْطانِي عِنْدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: خُذْ مِنها، فَأخَذَ مِنها وجَلَسَتْ في أهْلِها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وفي حَبِيبَةَ، وكانَتِ اشْتَكَتْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَدَعاهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ويَطِيبُ لِي ذَلِكَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ ثابِتٌ: قَدْ فَعَلْتُ، فَنَزَلَتْ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلُولَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ ما أعْتِبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ ولا دِينٍ، ولَكِنْ لا أُطِيقُهُ بُغْضًا وأكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ، قالَ: أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وطَلِّقْها تَطْلِيقَةً» . ولَفْظُ ابْنِ ماجَهْ «فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْخُذَ مِنها حَدِيقَتَهُ ولا يَزْدادَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ قالَ: «أتَتِ امْرَأةٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَتْ: إنِّي أبْغَضُ زَوْجِي وأُحِبُّ فِراقَهُ، قالَ: أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أصْدَقَكِ ؟ قالَتْ: نَعَمْ وزِيادَةً، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أمّا الزِّيادَةُ مِن مالِكِ فَلا» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ ذَكَرَ القِصَّةَ، وفِيهِ «أمّا الزِّيادَةُ فَلا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفِيهِ «أنَّهُ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثابِتًا أنْ يَأْخُذَ (p-١٥٥)ما ساقَ ولا يَزْدادُ» " . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وذَكَرَ القِصَّةَ، وفِيها " فَرَدَّتْ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وزادَتْ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ المُخْتَلِعاتِ: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها. وفِي لَفْظٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلزَّوْجِ: " خُذْ ولَوْ عِقاصَها " . قالَ البُخارِيُّ: أجازَ عُثْمانُ الخَلْعَ دُونَ عِقاصِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَرِهَ أنْ يَأْخُذَ مِنَ المُخْتَلِعَةِ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها» . وقَدْ ورَدَ في ذَمِّ المُخْتَلِعاتِ أحادِيثُ مِنها عَنْ ثَوْبانَ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ وابْنِ ماجَهْ وابْنِ جَرِيرٍ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أيُّما امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غَيْرِ ما بَأْسٍ فَحَرامٌ عَلَيْها رائِحَةُ الجَنَّةِ، وقالَ: المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ» . ومِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَسْألُ المَرْأةُ زَوْجَها الطَّلاقَ في غَيْرِ كُنْهِهِ فَتَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ عامًا» . ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ والنَّسائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ» ومِنها عَنْ عُقْبَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في عِدَّةِ المُخْتَلِعَةِ، والرّاجِحُ أنَّها تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ لِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» . ولِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ «أنَّها اخْتَلَعَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، أوْ أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْها أنَّها قالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِن زَوْجِي، فَجِئْتُ عُثْمانَ فَسَألْتُهُ ماذا عَلَيَّ مِنَ العِدَّةِ ؟ فَقالَ: لا عِدَّةَ عَلَيْكِ إلّا أنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِكِ فَتَمْكُثِينَ حَتّى تَحِيضِي حَيْضَةً، قالَتْ: إنَّما أتْبَعُ في ذَلِكَ قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في مَرْيَمَ المُغالِيَةِ، وكانَتْ تُحِبُّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ فاخْتَلَعَتْ مِنهُ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَ امْرَأةَ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً واحِدَةً فَتَلْحَقَ بِأهْلِها» ولَمْ يَرِدْ ما يُعارِضُ هَذا مِنَ المَرْفُوعِ، بَلْ ورَدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعَةِ كَعِدَّةِ الطَّلاقِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المُخْتَلِعَةَ مِن جُمْلَةِ المُطَلَّقاتِ، فَهي داخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ القُرْآنِ. والحَقُّ ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ ما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُخَصِّصُ عُمُومَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ يَقُولُ: فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَتِ امْرَأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وما مَعَهُ إلّا مِثُلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْها مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، ولَمْ يُسَمِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ الصَّحابَةُ صاحِبَةَ القِصَّةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّ العُمَيْصاءَ أوِ الرُّمَيْصاءَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " وفي آخِرِهِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ ذَلِكَ لَكِ حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رَجُلٌ غَيْرُهُ» . وقَدْ ثَبَتَ لَعْنُ المُحَلِّلِ في أحادِيثَ، مِنها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ والبَيْهَقِيِّ في سُنَنِهِ قالَ: " «لَعَنَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» ومِنها عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومِنها عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ، ومِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ مِثْلُهُ، ومِنها عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيِّ مِثْلُهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ في ذَمِّ التَّحْلِيلِ وفاعِلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ يَقُولُ: إذا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الأوَّلِ فَدَخَلَ بِها الآخَرُ فَلا حَرَجَ عَلى الأوَّلِ أنْ يَتَزَوَّجَها إذا طَلَّقَها الآخَرُ أوْ ماتَ عَنْها فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمْرَ اللَّهِ وطاعَتَهُ.

البقرة 2:231

البُلُوغُ إلى الشَّيْءِ: مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ الوُصُولُ إلَيْهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ البُلُوغُ بِمَعْنى المُقارَبَةِ إلّا مَجازًا لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ كَما هُنا، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا قَدْ بَلَغَتْ آخِرَ جُزْءٍ مِنَ العِدَّةِ وجاوَزَتْهُ إلى الجُزْءِ الَّذِي هو الأجَلُ لِلِانْقِضاءِ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ، ولَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجِ عَلَيْها سَبِيلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ مَعْنى: بَلَغْنَ هُنا قارَبْنَ، بِإجْماعِ العُلَماءِ. قالَ: ولِأنَّ المَعْنى يَضْطَرُّ إلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ بَعْدَ بُلُوغِ الأجَلِ لا خِيارَ لَهُ في الإمْساكِ، والإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ هو القِيامُ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ: أيْ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَقارَبْنَ آخِرَ العِدَّةِ فَلا تُضارُّوهُنَّ بِالمُراجَعَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِاسْتِمْرارِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتَدامَتِها، بَلِ اخْتارُوا أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا (p-١٥٦)الإمْساكُ بِمَعْرُوفٍ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِضِرارٍ أوِ التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ: أيْ تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِن غَيْرِ مُراجَعَةِ ضِرارٍ، ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا كَما كانَتْ تَفْعَلُ الجاهِلِيَّةُ مِن طَلاقِ المَرْأةِ حَتّى يَقْرُبَ انْقِضاءُ عِدَّتِها، ثُمَّ مُراجَعَتُها لا عَنْ حاجَةٍ ولا لِمَحَبَّةٍ، ولَكِنْ لِقَصْدِ تَطْوِيلِ العِدَّةِ وتَوْسِيعِها مُدَّةَ الِانْتِظارِ ضِرارًا لِقَصْدِ الِاعْتِداءِ مِنكم عَلَيْهِنَّ والظُّلْمِ لَهُنَّ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّهُ عَرَّضَها لِعِقابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعَذابِ؛ لِأنَّ إتْيانَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ تَعَرُّضٌ لِعَذابِ اللَّهِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أيْ لا تَتَّخِذُوا أحْكامَ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ الهُزُؤِ، فَإنَّها جِدٌّ كُلُّها، فَمَن هَزَلَ فِيها فَقَدْ لَزِمَتْهُ، نَهاهم سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلُوا كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ، فَإنَّهُ كانَ يُطَلِّقُ الرَّجُلُ مِنهم أوْ يُعْتِقُ أوْ يَتَزَوَّجُ ويَقُولُ كُنْتُ لاعِبًا. قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ مَن طَلَّقَ هازِلًا أنَّ الطَّلاقَ يَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ أيِ النِّعْمَةَ الَّتِي صِرْتُمْ فِيها بِالإسْلامِ وشَرائِعِهِ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ في جاهِلِيَّةٍ جَهْلاءَ، وظُلُماتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والكِتابُ: هو القُرْآنُ. والحِكْمَةُ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي السُّنَّةُ الَّتِي سَنَّها لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ يُخَوِّفُكم بِما أنْزَلَ عَلَيْكم، وأفْرَدَ الكِتابَ والحِكْمَةَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما في النِّعْمَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، تَنْبِيهًا عَلى خَطَرِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها ثُمَّ يُطَلِّقُها، فَيَفْعَلُ بِها ذَلِكَ يُضارُّها ويُعَطِّلُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ مالِكٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ فَإذا أرادَتْ أنْ تَنْقَضِي عِدَّتُها أشْهَدَ عَلى رَجَعَتِها، يُرِيدُ أنْ يُطَوِّلَ عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما بالُ أقْوامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ يَقُولُ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، قَدْ راجَعْتُكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ، قَدْ راجَعْتُكِ، لَيْسَ هَذا طَلاقُ المُسْلِمِينَ، طَلِّقُوا المَرْأةَ في قُبُلِ عِدَّتِها» . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، ثُمَّ يَقُولُ: كُنْتُ لاعِبًا، ويَقُولُ: قَدْ أُعْتِقْتَ، ويَقُولُ: كُنْتُ لاعِبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ثَلاثٌ مَن قالَهُنَّ لاعِبًا أوْ غَيْرَ لاعِبٍ فَهُنَّ جائِزاتٌ عَلَيْهِ: الطَّلاقُ، والنِّكاحُ، والعَتاقُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ ويُعْتِقُ ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن طَلَّقَ أوْ أعْتَقَ فَقالَ: لَعِبْتُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ، يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ وهو يَلْعَبُ لا يُرِيدُ الطَّلاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فَألْزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الطَّلاقَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَ حَدِيثِ عُبادَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ» .