Fath Al-Qadir Al-Shawkani — البقرة 2:232 – البقرة 2:269
المحتويات
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
البقرة 2:232
الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْأزْواجِ، ويَكُونَ مَعْنى العَضْلِ مِنهم أنْ يَمْنَعُوهُنَّ مِن أنْ يَتَزَوَّجْنَ مَن أرَدْنَ مِنَ الأزْواجِ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ لِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ الخُلَفاءِ والسَّلاطِينِ غَيْرَةً عَلى مَن كُنَّ تَحْتَهم مِنَ النِّساءِ أنْ يَصِرْنَ تَحْتَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم لِما نالُوهُ مِن رِياسَةِ الدُّنْيا وما صارُوا فِيهِ مِنَ النَّخْوَةِ والكِبْرِياءِ يَتَخَيَّلُونَ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِن جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ مِنهم بِالوَرَعِ والتَّواضُعِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، ويَكُونَ مَعْنى إسْنادِ الطَّلاقِ إلَيْهِمْ أنَّهم سَبَبٌ لَهُ لِكَوْنِهِمُ المُزَوِّجِينَ لِلنِّساءِ المُطَلَّقاتِ مِنَ الأزْواجِ المُطَلِّقِينَ لَهُنَّ.
وبُلُوغُ الأجَلِ المَذْكُورِ هُنا المُرادُ بِهِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ: أيْ نِهايَتُهُ لا كَما سَبَقَ في الآيَةِ الأُولى.
والعَضْلُ: الحَبْسُ.
وحَكى الخَلِيلُ: دَجاجَةٌ مُعْضَلَةٌ قَدِ احْتَبَسَ بَيْضُها، وقِيلَ: العَضْلُ التَّضْيِيقُ والمَنعُ، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى الحَبْسِ، يُقالُ: أرَدْتُ أمْرًا فَعَضَلْتَنِي عَنْهُ، أيْ مَنَعْتَنِي وضَيَّقْتَ عَلَيَّ، وأُعْضِلَ الأمْرُ: إذا ضاقَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الحِيَلُ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ العَضْلِ مِن قَوْلِهِمْ عَضَلَتِ النّاقَةُ: إذا نَشِبَ ولَدُها فَلَمْ يَسْهُلْ خُرُوجُهُ، وعَضَلَتِ الدَّجاجَةُ: نَشِبَ بَيْضُها، وكُلُّ مُشْكِلٍ عِنْدَ العَرَبِ مُعْضِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎إذا المُعْضِلاتُ تَصَدَّيْنَ لِي كَشَفْتُ خَفاءً لَها بِالنَّظَرْ
ويُقالُ أعْضَلَ الأمْرُ: إذا اشْتَدَّ، وداءٌ عُضالٌ: أيْ شَدِيدٌ عَسِيرُ البُرْءِ أعْيا الأطِبّاءَ، وعَضَلَ فُلانٌ آيِمَهُ: أيْ مَنَعَها. يَعْضُلُها بِالضَّمِّ والكَسْرِ لُغَتانِ.
وقَوْلُهُ: أنْ يَنْكِحْنَ أيْ مِن أنْ يَنْكِحْنَ فَمَحَلُّهُ الجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، والنُّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ .
وقَوْلُهُ: أزْواجَهُنَّ إنْ أُرِيدَ بِهِ المُطَلِّقُونَ لَهُنَّ فَهو مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ مَن يُرِدْنَ أنْ يَتَزَوَّجْنَهُ فَهو مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما سَيَكُونُ.
وقَوْلُهُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما أُفْرِدَ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ جَمْعًا حَمْلًا عَلى مَعْنى الجَمْعِ بِتَأْوِيلِهِ بِالفَرِيقِ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ: ذَلِكم مَحْمُولٌ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، خالَفَ سُبْحانَهُ ما بَيْنَ الإشارَتَيْنِ افْتِنانًا.
وقَوْلُهُ: أزْكى أيْ أنْمى وأنْفَعُ وأطْهَرُ مِنَ الأدْناسِ واللَّهُ يَعْلَمُ ما لَكم فِيهِ الصَّلاحُ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ (p-١٥٧)يَسارٍ قالَ: كانَتْ لِي أُخْتٌ فَأتانِي ابْنُ عَمٍّ فَأنْكَحْتُها إيّاهُ، فَكانَتْ عِنْدَهُ ما كانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَها تَطْلِيقَةً لَمْ يُراجِعْها حَتّى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فَهَوِيَها وهَوِيَتْهُ ثُمَّ خَطَبَها مَعَ الخُطّابِ فَقُلْتُ لَهُ: يا لُكَعُ أكْرَمْتُكَ بِها وزَوَّجْتُكَها فَطَلَّقْتَها ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُها، واللَّهِ لا تَرْجِعُ إلَيْكَ أبَدًا، وكانَ رَجُلًا لا بَأْسَ بِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَعَلِمَ اللَّهُ حاجَتَهُ إلَيْها وحاجَتَها إلى بَعْلِها فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ.
قالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هي الآيَةُ، فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأنْكَحْتُها إيّاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ طَلْقَةً أوْ طَلْقَتَيْنِ فَتَنْقَضِي عِدَّتُها ثُمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجُها وأنْ يُراجِعَها وتُرِيدَ المَرْأةُ ذَلِكَ، فَمَنَعَها ولِيُّها مِن ذَلِكَ، فَنَهى اللَّهُ أنْ يَمْنَعُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ، كانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ فَطَلَّقَها زَوْجُها تَطْلِيقَةً وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فَأرادَ مُراجَعَتَها فَأبى جابِرٌ، فَقالَ: طَلَّقْتَ بِنْتَ عَمِّنا ثُمَّ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَها الثّانِيَةَ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ زَوْجَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي بِمَهْرٍ وبَيِّنَةٍ ونِكاحٍ مُؤْتَنَفٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنْكِحُوا الأيامى، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما العَلائِقُ بَيْنَهم ؟ قالَ: ما تَراضى عَلَيْهِ أهْلُهُنَّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ مِن حُبِّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ ما لا تَعْلَمُ أنْتَ أيُّها الوَلِيُّ.
البقرة 2:233
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النِّكاحَ والطَّلاقَ، ذَكَرَ الرَّضاعَ؛ لِأنَّ الزَّوْجَيْنِ قَدْ يَفْتَرِقانِ وبَيْنَهُما ولَدٌ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا خاصٌّ بِالمُطَلَّقاتِ، وقِيلَ: هو عامٌّ.
وقَوْلُهُ: " يُرْضِعْنَ " قِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِهِ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ عَلى بابِهِ لَيْسَ هو في مَعْنى الأمْرِ عَلى حَسَبِ ما سَلَفَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقَوْلُهُ: كامِلَيْنِ تَأْكِيدٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ تَحْقِيقِيٌّ لا تَقْرِيبِيٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ أيْ ذَلِكَ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرْضاعَ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ حَتْمًا، بَلْ هو التَّمامُ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى ما دُونِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " لِمَن أرادَ أنْ تَتِمَّ " بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الرَّضاعَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الرَّضاعَةِ وهي لُغَةٌ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ " الرَّضْعَةَ "، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " لِمَن أرادَ أنْ يُكْمِلَ الرَّضاعَةَ " .
قالَ النَّحّاسُ: لا يَعْرِفُ البَصْرِيُّونَ الرَّضاعَةَ إلّا بِفَتْحِ الرّاءِ.
وحَكى الكُوفِيُّونَ جَوازَ الكَسْرِ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الرَّضاعِ عَلى الأُمِّ لِوَلَدِها، وقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلى ما إذا لَمْ يَقْبَلِ الرَّضِيعُ غَيْرَها.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أيْ عَلى الأبِ الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وآثَرَ هَذا اللَّفْظَ دُونَ قَوْلِهِ: وعَلى الوالِدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأوْلادَ لِلْآباءِ لا لِلْأُمَّهاتِ، ولِهَذا يُنْسَبُونَ إلَيْهِمْ دُونَهُنَّ كَأنَّهُنَّ إنَّما ولَدْنَ لَهم فَقَطْ، ذُكِرَ مَعْناهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هُنا الطَّعامُ الكافِي المُتَعارَفُ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، والمُرادُ بِالكُسْوَةِ: ما يَتَعارَفُونَ بِهِ أيْضًا، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى الآباءِ لِلْأُمَّهاتِ المُرْضِعاتِ.
وهَذا في المُطَلَّقاتِ، وأمّا غَيْرُ المُطَلَّقاتِ فَنَفَقَتُهُنَّ وكُسْوَتُهُنَّ واجِبَةٌ عَلى الأزْواجِ مِن غَيْرِ إرْضاعِهِنَّ لِأوْلادِهِنَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها﴾ هو تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: بِالمَعْرُوفِ أيْ هَذِهِ النَّفَقَةُ والكُسْوَةُ الواجِبَتانِ عَلى الأبِ بِما يَتَعارَفُهُ النّاسُ لا يُكَلِّفُ مِنها إلّا ما يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِهِ وطاقَتِهِ لا ما يَشُقُّ عَلَيْهِ ويَعْجِزُ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ لا تُكَلَّفُ المَرْأةُ الصَّبْرَ عَلى التَّقْتِيرِ في الأُجْرَةِ، ولا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ ما هو إسْرافٌ، بَلْ يُراعى القَصْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وجَماعَةٌ ورَواهُ أبانُ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ عَنْهُ تُضارَّ بِفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى النَّهْيِ، وأصْلُهُ لا تُضارِرْ أوْ لا تُضارَرْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، أيْ لا تُضارِرِ الأبَ بِسَبَبِ الوَلَدِ بِأنْ تَطْلُبَ مِنهُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ، أوْ بِأنْ تُفَرِّطَ في حِفْظِ الوَلَدِ والقِيامِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ لا تُضارَرُ مِن زَوْجِها بِأنْ يُقَصِّرَ عَلَيْها في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ أوْ يُنْتَزَعُ ولَدُها مِنها بِلا سَبَبٍ، وهَكَذا قِراءَةُ الرَّفْعِ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ " لا تُضارَرْ " عَلى الأصْلِ بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ " لا تُضارْ " بِإسْكانِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، ورُوِيَ عَنْهُ الإسْكانُ والتَّشْدِيدُ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عَبّاسٍ " لا تُضارِرْ " بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِوَلَدِهِ صِلَةً لِقَوْلِهِ: تُضارُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى تَضُرُّ: أيْ لا تَضُرُّ والِدَةٌ بِوَلَدِها فَتُسِيءَ تَرْبِيَتَهُ أوْ تُقَصِّرَ في غِذائِهِ، وأُضِيفَ الوَلَدُ تارَةً إلى الأبِ وتارَةً إلى الأُمِّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتَحِقُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْطافِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لَها: أيْ لا يُكَلِّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لا يُطِيقُهُ فَلا تُضارَّهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ وما بَيْنَهُما تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فَقِيلَ: هو وارِثُ الصَّبِيِّ: أيْ إذا ماتَ المَوْلُودُ لَهُ عَلى وارِثِ هَذا الصَّبِيِّ المَوْلُودِ إرْضاعُهُ كَما كانَ يَلْزَمُ أباهُ ذَلِكَ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو حَنِيفَةَ وابْنُ أبِي (p-١٥٨)لَيْلى عَلى خِلافٍ بَيْنِهِمْ، هَلْ يَكُونُ الوُجُوبُ عَلى مَن يَأْخُذُ نَصِيبًا مِنَ المِيراثِ، أوْ عَلى الذُّكُورِ فَقَطْ، أوْ عَلى كُلِّ ذِي رَحِمٍ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ وارِثًا مِنهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الأبِ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ المُرْضِعَةِ وكِسْوَتُها بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقالَ مالِكٌ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِمِثْلِ ما قالَهُ الضَّحّاكُ، ولَكِنَّهُ قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وإنَّها لا تَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ أخٍ ولا ذِي قَرابَةٍ ولا ذِي رَحِمٍ مِنهُ، وشَرَطَهُ الضَّحّاكُ بِأنْ لا يَكُونَ لِلصَّبِيِّ مالٌ، فَإنْ كانَ لَهُ مالٌ أُخِذَتْ أُجْرَةُ رَضاعِهِ مِن مالِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالوارِثِ المَذْكُورِ في الآيَةِ هو الصَّبِيُّ نَفْسُهُ: أيْ عَلَيْهِ مِن مالِهِ إرْضاعُ نَفْسِهِ إذا ماتَ أبُوهُ ووَرِثَ مِن مالِهِ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وبَشِيرُ بْنُ ناصِرٍ قاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: هو الباقِي مِن والِدِي المَوْلُودِ بَعْدَ مَوْتِ الآخَرِ مِنهُما، فَإذا ماتَ الأبُ كانَ عَلى الأُمِّ كِفايَةُ الطِّفْلِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أيْ: وارْثُ المُرْضِعَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْنَعَ بِالمَوْلُودِ كَما كانَتِ الأُمُّ تَصْنَعُهُ بِهِ مِنَ الرَّضاعِ والخِدْمَةِ والتَّرْبِيَةِ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الإضْرارُ بِالأُمِّ كَما يَحْرُمُ عَلى الأبِ، وبِهِ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: وهَذا هو الأصْلُ، فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ العَطْفُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الصَّحِيحُ، إذْ لَوْ أرادَ الجَمِيعَ الَّذِي هو الرَّضاعُ والإنْفاقُ وعَدَمُ الضَّرَرِ يُقالُ: وعَلى الوارِثِ مِثْلُ هَؤُلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنعِ مِنَ المُضارَّةِ، وعَلى ذَلِكَ تَأوَّلَهُ كافَّةُ المُفَسِّرِينَ فِيما حَكى القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ والشَّعْبِيُّ والزُّهْرِيُّ والضَّحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِقَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ أنْ لا تُضارَّ.
وأمّا الرِّزْقُ والكِسْوَةُ فَلا يَجِبُ شَيْءٌ مِنهُ.
وحَكى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ مِثْلَ ما قَدَّمْنا عَنْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ودَعْوى النَّسْخِ.
ولا يَخْفى عَلَيْكَ ضَعْفُ ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ، فَإنَّ ما خَصَّصُوا بِهِ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ مِن ذَلِكَ المَعْنى: أيْ عَدَمِ الإضْرارِ بِالمُرْضِعَةِ قَدْ أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ لِصِدْقِ ذَلِكَ عَلى كُلِّ مُضارَّةٍ تَرِدُ عَلَيْها مِنَ المَوْلُودِ لَهُ أوْ غَيْرِهِ.
وأمّا قَوْلُ القُرْطُبِيِّ: لَوْ أرادَ الجَمِيعَ لَقالَ مِثْلَ هَؤُلاءِ، فَلا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ البَيِّنِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَصْلُحُ لِلْمُتَعَدِّدِ كَما يَصْلُحُ لِلْواحِدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ أوْ نَحْوِهِ.
وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ مِن أنَّ المُرادَ بِالوارِثِ وارِثُ الصَّبِيِّ، فَيُقالُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وارِثًا حَقِيقَةً مَعَ وُجُودِ الصَّبِيِّ حَيًّا، بَلْ هو وارِثٌ مَجازًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ.
وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ القَوْلِ الثّانِي فَهو وإنْ كانَ فِيهِ حَمْلُ الوارِثِ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، لَكِنَّ في إيجابِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مَعَ غِنى الصَّبِيِّ ما فِيهِ، ولِهَذا قَيَّدَهُ القائِلُ بِهِ بِأنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فَقِيرًا، ووَجْهُ الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ الوارِثِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الوالِداتِ والمَوْلُودِ لَهُ والوالِدِ، فاحْتَمَلَ أنْ يُضافَ الوارِثُ إلى كُلٍّ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ الضَّمِيرُ لِلْوالِدَيْنِ.
والفِصالُ: الفِطامُ عَنِ الرَّضاعِ: أيِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ والثَّدْيِ، ومِنهُ سُمِّي الفَصِيلُ لِأنَّهُ مَفْصُولٌ عَنْ أُمِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ تَراضٍ مِنهُما﴾ أيْ صادِرًا عَنْ تَراضٍ مِنَ الأبَوَيْنِ إذا كانَ الفِصالُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ في ذَلِكَ الفِصالِ.
سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ الأبَ وحْدَهُ إذا أرادَ أنْ يَفْصِلَ الصَّبِيَّ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ كانَ ذَلِكَ جائِزًا لَهُ، وهُنا اعْتَبَرَ سُبْحانَهُ تَراضِيَ الأبَوَيْنِ وتَشاوُرَهُما فَلا بُدَّ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الإرادَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مِنهُما، أوْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ إذا لَمْ يَكُنِ الأبَوانِ لِلصَّبِيِّ حَيَّيْنِ بِأنْ كانَ المَوْجُودُ أحَدَهُما، أوْ كانَتِ المُرْضِعَةُ لِلصَّبِيِّ ظِئْرًا غَيْرَ أُمِّهِ.
والتَّشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ يُقالُ: شُرْتُ العَسَلَ: اسْتَخْرَجْتُهُ، وشُرْتُ الدّابَّةُ: أجْرَيْتُها لِاسْتِخْراجِ جَرْيِها، فَلا بُدَّ لِأحَدِ الأبَوَيْنِ إذا أرادَ فِصالَ الرَّضِيعِ أنْ يُراضِيَ الآخَرَ ويُشاوِرَهُ حَتّى يَحْصُلَ الِاتِّفاقُ بَيْنَهُما عَلى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم﴾ قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ أنْ تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم غَيْرَ الوالِدَةِ.
وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حَذَفَ اللّامَ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكم ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ بِالمَدِّ أيْ أعْطَيْتُمْ، وهي قِراءَةُ الجَماعَةِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ، فَإنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ: أيْ فَعَلْتُمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وما كانَ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ
والمَعْنى أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْكم أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم غَيْرَ أُمَّهاتِكم إذا سَلَّمْتُمْ إلى الأُمَّهاتِ أجْرَهُنَّ بِحِسابِ ما قَدْ أرْضَعْنَ لَكم إلى وقْتِ إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ ومُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ والزُّهْرِيُّ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ مِن إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ أيْ سَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأبَوَيْنِ ورَضِيَ وكانَ ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِنهُما وقَصْدِ خَيْرٍ وإرادَةِ مَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: سَلَّمْتُمْ عامًّا لِلرِّجالِ والنِّساءِ تَغْلِيبًا وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ الخِطابُ لِلرِّجالِ فَقَطْ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ لِمَن أرَدْتُمُ اسْتِرْضاعَها أجْرَها، فَيَكُونُ المَعْنى إذا سَلَّمْتُمْ ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ: أيْ إعْطاءَهُ إلى المُرْضِعاتِ بِالمَعْرُوفِ: أيْ بِما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِن أجْرِ المُرْضِعاتِ مِن دُونِ مُماطَلَةٍ لَهُنَّ أوْ حَطِّ بَعْضِ ما هو لَهُنَّ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ عَدَمَ تَوْفِيرِ أجْرِهِنَّ يَبْعَثُهُنَّ عَلى التَّساهُلِ بِأمْرِ الصَّبِيِّ والتَّفْرِيطِ في شَأْنِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ قالَ: المُطَلَّقاتُ حَوْلَيْنِ قالَ: سَنَتَيْنِ ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ يَقُولُ: لا تَأْبى أنْ تُرْضِعَهُ ضِرارًا لِتَشُقَّ عَلى أبِيهِ ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يَقُولُ: ولا يُضارُّ الوالِدُ بِوَلَدِهِ فَيَمْنَعَ أُمَّهُ أنْ تُرْضِعَهُ لِيُحْزِنَها بِذَلِكَ ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ (p-١٥٩)قالَ: يَعْنِي الوَلِيَّ مَن كانَ مِثْلَ ذَلِكَ قالَ: النَّفَقَةُ بِالمَعْرُوفِ وكَفالَتُهُ ورِضاعُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلُودِ مالٌ، وأنْ لا تُضارَّ أُمُّهُ ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مُسِيئِينَ في ظُلْمِ أنْفُسِهِما ولا إلى صَبِيِّهِما فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ قالَ: خِيفَةُ الضَّيْعَةِ عَلى الصَّبِيِّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: حِسابُ ما أُرْضِعَ بِهِ الصَّبِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ هي في الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ولَهُ مِنها ولَدٌ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ﴾ قالَ: ما أعْطَيْتُمُ الظِّئْرَ مِن فَضْلٍ عَلى أجْرِها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ قالَ: إنَّها المَرْأةُ تُطَلَّقُ أوْ يَمُوتُ عَنْها زَوْجُها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الَّتِي تَضَعُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ أنَّها تُرْضِعُ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، وإذا وضَعَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ شَهْرًا، ثُمَّ تَلا ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: عَلى قَدْرِ المَيْسَرَةِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ لَيْسَ لَها أنْ تُلْقِيَ ولَدَها عَلَيْهِ ولا يَجِدُ مَن يُرْضِعُهُ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يُضارَّها فَيَنْتَزِعَ مِنها ولَدَها وهي تُحِبُّ أنْ تُرْضِعَهُ ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ قالَ: هو ولِيُّ المَيِّتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ وإبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ قالَ: هو وارِثُ الصَّبِيِّ يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وزادَ: إذا كانَ المَوْلُودُ لا مالَ لَهُ مِثْلُ الَّذِي عَلى والِدِهِ مِن أجْرِ الرَّضاعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قالَ: هو الصَّبِيُّ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قالَ: لا يُضارُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ " ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ " قالَ الفِطامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: التَّشاوُرُ فِيما دُونَ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ لَها أنْ تَفْطِمَهُ إلّا أنْ يَرْضى، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَفْطِمَهُ إلّا أنْ تَرْضى.
وأخْرَجُوا عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ قالَ: أُمَّهُ أوْ غَيْرَها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ﴾ قالَ: إذا سَلَّمْتَ لَها أجْرَها ما آتَيْتُمْ ما أعْطَيْتُمْ.
البقرة 2:234
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِدَّةَ الطَّلاقِ واتَّصَلَ بِذِكْرِها ذِكْرُ الإرْضاعِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ عِدَّةِ الوَفاةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ عِدَّةَ الوَفاةِ مِثْلُ عِدَّةِ الطَّلاقِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: والرِّجالُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا: أيْ ولَهم زَوْجاتٌ فالزَّوْجاتُ يَتَرَبَّصْنَ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم، وهو كَقَوْلِكَ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ: أيْ مِنهُ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: وفِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وأزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ لا يُلائِمُ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ النَّكِرَةِ المُعادَةِ المُغايَرَةُ.
وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ: إنَّ الخَبَرَ عَنِ الَّذِينَ مَتْرُوكٌ، والقَصْدُ الإخْبارُ عَنْ أزْواجِهِمْ بِأنَّهُنَّ يَتَرَبَّصْنَ.
ووَجْهُ الحِكْمَةِ في جَعْلِ العِدَّةِ لِلْوَفاةِ هَذا المِقْدارَ أنَّ الجَنِينَ الذَّكَرَ يَتَحَرَّكُ في الغالِبِ لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، والأُنْثى لِأرْبَعَةٍ، فَزادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ عَشْرًا؛ لِأنَّ الجَنِينَ رُبَّما يَضْعُفُ عَنِ الحَرَكَةِ فَتَتَأخَّرُ حَرَكَتُهُ قَلِيلًا ولا تَتَأخَّرُ عَنْ هَذا الأجَلِ.
وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ، وأنَّ كُلَّ مَن ماتَ عَنْها زَوْجُها تَكُونُ عِدَّتُها هَذِهِ العِدَّةَ، ولَكِنَّهُ قَدْ خَصَّصَ هَذا العُمُومَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ.
ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الحامِلَ تَعْتَدُّ بِآخِرِ الأجَلَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ العامِّ والخاصِّ وإعْمالًا لَهُما، والحَقُّ ما قالَهُ الجُمْهُورُ.
والجَمْعُ بَيْنَ العامِّ والخاصِّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لا يُناسِبُ قَوانِينَ اللُّغَةِ ولا قَواعِدَ الشَّرْعِ، ولا مَعْنى لِإخْراجِ الخاصِّ مِن بَيْنِ أفْرادِ العامِّ إلّا بَيانُ أنَّ حُكْمَهُ مُغايِرٌ لِحُكْمِ العامِّ ومُخالِفٌ لَهُ.
وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ «أذِنَ لِسُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ أنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ الوَضْعِ» والتَّرَبُّصُ الثّانِي والتَّصَبُّرُ عَنِ النِّكاحِ.
وظاهِرُ الآيَةِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والحُرَّةِ والأمَةِ وذاتِ الحَيْضِ والآيِسَةِ، وأنَّ عِدَّتَهُنَّ جَمِيعًا لِلْوَفاةِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وقِيلَ: إنَّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ شَهْرانِ وخَمْسَةُ أيّامٍ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إجْماعًا إلّا ما يُحْكى عَنِ الأصَمِّ فَإنَّهُ سَوّى بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ، وقالَ الباجِيُّ: ولا نَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا إلّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: عِدَّتُها عِدَّةُ الحُرَّةِ، ولَيْسَ بِالثّابِتِ عَنْهُ، ووَجْهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ وابْنُ سِيرِينَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ العُمُومِ، ووَجْهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن عَداهُما قِياسُ عِدَّةِ الوَفاةِ عَلى الحَدِّ فَإنَّهُ يُنَصَّفُ لِلْأمَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] .
وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «طَلاقِ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» وهو صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا جَعْلُ طَلاقِها عَلى النِّصْفِ مِن طَلاقِ الحُرَّةِ، وعِدَّتِها عَلى النِّصْفِ مِن عِدَّتِها، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ أنْ يُقالَ: طَلاقُها تَطْلِيقَةٌ ونِصْفٌ وعِدَّتُها حَيْضَةٌ ونِصْفٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُعْقَلُ كانَتْ عِدَّتُها وطَلاقُها ذَلِكَ (p-١٦٠)القَدْرَ المَذْكُورَ في الحَدِيثِ جَبْرًا لِلْكَسْرِ، ولَكِنَّ هاهُنا أمْرًا يَمْنَعُ مِن هَذا القِياسِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الجُمْهُورُ، وهو أنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِ عِدَّةِ الوَفاةِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا هو ما قَدَّمْنا مِن مَعْرِفَةِ خُلُوِّها مِنَ الحَمْلِ، ولا يُعْرَفُ إلّا بِتِلْكَ المُدَّةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ في مِثْلِ ذَلِكَ، بِخِلافِ كَوْنِ عِدَّتِها في غَيْرِ الوَفاةِ حَيْضَتَيْنِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِهِ خُلُوُّ الرَّحِمِ، ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الفَرْقِ ما سَيَأْتِي في عِدَّةِ أُمِّ الوَلَدِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في عِدَّةِ أُمِّ الوَلَدِ لِمَوْتِ سَيِّدِها.
فَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ والزُّهْرِيُّ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والأوْزاعِيُّ وإسْحاقُ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ: إنَّها تَعْتَدُّ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: قالَ: لا تَلْبِسُوا عَلَيْنا سُنَّةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إذا تُوُفِّيَ عَنْها سَيِّدُها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ أحْمَدُ وأبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: الصَّوابُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ.
وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ: عِدَّتُها شَهْرانِ وخَمْسُ لَيالٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: تَعْتَدُّ بِثَلاثِ حِيَضٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في المَشْهُورِ عَنْهُ: عِدَّتُها حَيْضَةٌ وغَيْرُ الحائِضِ شَهْرٌ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ والشَّعْبِيُّ ومَكْحُولٌ واللَّيْثُ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو ثَوْرٍ والجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ المُرادُ بِالبُلُوغِ هُنا: انْقِضاءُ العِدَّةِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّزَيُّنِ والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ بِالمَعْرُوفِ الَّذِي لا يُخالِفُ شَرْعًا ولا عادَةً مُسْتَحْسَنَةً.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الإحْدادِ عَلى المُعْتَدَّةِ عِدَّةَ الوَفاةِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن غَيْرِ وجْهٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا» وكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «النَّهْيُ عَنِ الكُحْلِ لِمَن هي في عِدَّةِ الوَفاةِ،» والإحْدادُ: تَرْكُ الزِّينَةِ مِنَ الطِّيبِ، ولُبْسِ الثِّيابِ الجَيِّدَةِ والحُلِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ ذَلِكَ في عِدَّةِ الوَفاةِ، ولا خِلافَ في عَدَمِ وُجُوبِهِ في عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، واخْتَلَفُوا في عِدَّةِ البائِنَةِ عَلى قَوْلَيْنِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ كُتُبُ الفُرُوعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وتَرَكَ امْرَأتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً في بَيْتِهِ يُنْفِقُ عَلَيْها مِن مالِهِ.
ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم﴾ الآيَةَ فَهَذِهِ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، فَعِدَّتُها أنْ تَضَعَ ما في بَطْنِها.
وقالَ في مِيراثِها: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فَبَيَّنَ مِيراثَ المَرْأةِ وتَرَكَ الوَصِيَّةَ والنَّفَقَةَ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم﴾ يَقُولُ: إذا طُلِّقَتِ المَرْأةُ أوْ ماتَ عَنْها زَوْجُها، فَإذا انْقَضَّتْ عِدَّتُها فَلا جُناحَ عَلَيْها أنْ تَتَزَيَّنَ وتَتَصَنَّعَ وتَتَعَرَّضَ لِلتَّزْوِيجِ، فَذَلِكَ المَعْرُوفُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ضُمَّتْ هَذِهِ الأيّامُ العَشْرُ إلى الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ في العَشْرِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ يَقُولُ: إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي أوْلِياءَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كَرِهَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها الطِّيبَ والزِّينَةَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وأهْلُ السُّنَنِ وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ «عَنِ الفُرَيْعَةِ بِنْتِ مالِكِ بْنِ سِنانٍ وهي أُخْتُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّها جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْألُ أنْ تَرْجِعَ إلى أهْلِها في بَنِي خُدْرَةَ، وأنَّ زَوْجَها خَرَجَ في طَلَبِ أعْبُدٍ لَها أبَقُوا حَتّى إذا تَطَرَّفَ القَدُومَ لَحِقَهم فَقَتَلُوهُ، قالَتْ: فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ أرْجِعَ إلى أهْلِي فَإنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي في مَنزِلٍ يَمْلِكُهُ ولا نَفَقَةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، فانْصَرَفَتْ حَتّى إذا كانَتْ في الحُجْرَةِ أوْ في المَسْجِدِ فَدَعانِي أوْ أمَرَ بِي فَدُعِيتُ، فَقالَ: كَيْفَ قُلْتِ ؟ قالَتْ: فَرَدَدْتُ إلَيْهِ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِن شَأْنِ زَوْجِي، فَقالَ: امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ.
قالَتْ: فاعْتَدَّتْ فِيهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، قالَتْ: فَلَمّا كانَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ أرْسَلَ إلَيَّ فَسَألَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرْتُهُ، فاتَّبَعَهُ وقَضى بِهِ» .
البقرة 2:235
الجُناحُ: الإثْمُ، أيْ لا إثْمَ عَلَيْكم، والتَّعْرِيضُ ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وهو مِن عَرَضَ الشَّيْءَ: أيْ جانَبَهُ كَأنَّهُ يَحُومُ بِهِ حَوْلَ الشَّيْءِ ولا يُظْهِرُهُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِكَ: عَرَّضْتُ الرَّجُلَ: أيْ أهْدَيْتُ لَهُ.
ومِنهُ «أنَّ رَكْبًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَرَّضُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبا بَكْرٍ ثِيابًا بِيضًا» أيْ: أهْدَوْا لَهُما، فالمُعَرِّضُ بِالكَلامِ يُوصِلُ إلى صاحِبِهِ كَلامًا يَفْهَمُ مَعْناهُ.
وقالَ في الكَشّافِ: الفَرْقُ بَيْنَ الكِنايَةِ والتَّعْرِيضِ، أنَّ الكِنايَةَ أنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ المَوْضُوعِ لَهُ.
والتَّعْرِيضُ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، كَما يَقُولُ المُحْتاجُ لِلْمُحْتاجِ إلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، ولِأنْظُرَ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، ولِذَلِكَ قالُوا:
؎وحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقاضِيًا
وكَأنَّهُ إمالَةُ الكَلامِ إلى عَرَضٍ يَدُلُّ عَلى الغَرَضِ، ويُسَمّى التَّلْوِيحُ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما يُرِيدُهُ انْتَهى.
والخِطْبَةُ بِالكَسْرِ: ما يَفْعَلُهُ الطّالِبُ مِنَ الطَّلَبِ، والِاسْتِلْطافِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، يُقالُ: خَطَبَها يَخْطُبُها خِطْبَةً وخِطْبًا.
وأمّا الخُطْبَةُ بِضَمِّ الخاءِ فَهي الكَلامُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الرَّجُلُ خاطِبًا.
وقَوْلُهُ: " أكْنَنْتُمْ " مَعْناهُ سَتَرْتُمْ وأضْمَرْتُمْ مِنَ التَّزْوِيجِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
والإكْنانُ: (p-١٦١)التَّسَتُّرُ والإخْفاءُ: يُقالُ: أكْنَنْتُهُ وكَنَنْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
ومِنهُ بِيضٌ مَكْنُونٌ، ودُرٌّ مَكْنُونٌ.
ومِنهُ أيْضًا أكَنَّ البَيْتُ صاحِبَهُ: أيْ سَتَرَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم لا تَصْبِرُونَ عَنِ النُّطْقِ لَهُنَّ بِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، فَرَخَّصَ لَكم في التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ فِيهِ طَرَفًا مِنَ التَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ مَعْناهُ: عَلى سِرٍّ، فَحَذَفَ الحَرْفَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى السِّرِّ فَقِيلَ: مَعْناهُ نِكاحًا: أيْ لا يَقُلِ الرَّجُلُ لِهَذِهِ المُعْتَدَّةِ تَزَوَّجِينِي بَلْ يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ هَذا جُمْهُورُ العُلَماءِ، وقِيلَ: السِّرُّ الزِّنا، أيْ لا يَكُنْ مِنكم مُواعَدَةٌ عَلى الزِّنا في العِدَّةِ ثُمَّ التَّزْوِيجِ بَعْدَها.
قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو مِجْلَزٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أُنُفَ القِصاعِ
وقِيلَ السِّرُّ: الجِماعُ، أيْ لا تَصِفُوا أنْفُسَكم لَهُنَّ بِكَثْرَةِ الجِماعِ تَرْغِيبًا لَهُنَّ في النِّكاحِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ في مَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالِي
ومِثْلُهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّها لِلْغِنى ∗∗∗ ولَنْ تُسْلِمُوها لِأزْهادِها
أرادَ: تَطْلُبُونَ نِكاحَها لِكَثْرَةِ مالِها، ولَنْ تُسَلِّمُوها لِقِلَّةِ مالِها، والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: " لَكِنْ " مِن مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أيْ فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ المُعْتَدَّةِ بِما هو رَفَثٌ مِن ذِكْرِ جِماعٍ أوْ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ.
وقالَ أيْضًا: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَراهَةِ المُواعَدَةِ في العِدَّةِ لِلْمَرْأةِ في نَفْسِها ولِلْأبِ في ابْنَتِهِ البِكْرِ ولِلسَّيِّدِ في أمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى " لَكِنْ "، والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو ما أُبِيحَ مِنَ التَّعْرِيضِ.
ومَنَعَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وقالَ: هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أيْ لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعِدَةً قَطُّ إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ فَجَعَلَهُ عَلى هَذا اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، ووَجْهُ مَنعِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أنَّهُ يُؤَدِّي إلى جَعْلِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّعْرِيضَ طَرِيقُ المُواعِدَةِ، لا أنَّهُ المَوْعُودُ في نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى العَزْمِ، يُقالُ: عَزَمَ الشَّيْءَ، وعَزَمَ عَلَيْهِ، والمَعْنى هُنا: لا تَعْزِمُوا عَلى عَقْدِ النِّكاحِ ثُمَّ حَذَفَ عَلى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: والحَذْفُ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُقاسُ عَلَيْهِ.
وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولا تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ؛ لِأنَّ مَعْنى تَعْزِمُوا وتَعْقِدُوا واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ يَتَقَدَّمُهُ فَيَكُونُ في هَذا النَّهْيِ مُبالَغَةٌ، لِأنَّهُ إذا نُهِيَ عَنِ المُتَقَدِّمِ عَلى الشَّيْءِ، كانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ يُرِيدُ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، والكِتابُ هُنا هو الحَدُّ والقَدْرُ الَّذِي رُسِمَ مِنَ المُدَّةِ، سَمّاهُ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَحْدُودًا ومَفْرُوضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وهَذا الحُكْمُ أعْنِي تَحْرِيمَ عَقْدِ النِّكاحِ في العِدَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ قالَ: التَّعْرِيضُ أنْ تَقُولَ: إنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وإنِّي لَأُحِبُّ المَرْأةَ مِن أمْرِها وأمْرِها، وإنَّ مِن شَأْنِي النِّساءَ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لِيَ امْرَأةً صالِحَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ لَها: إنْ رَأيْتِ أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ قَدْ هَيَّأ بَيْنِي وبَيْنَكِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: يَقُولُ: إنِّي فِيكِ لَراغِبٌ، ولَوَدِدْتُ أنِّي تَزَوَّجْتُكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ﴾ قالَ: أسْرَرْتُمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قالَ: بِالخَطِيئَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ذِكْرُهُ إيّاها في نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قالَ: يَقُولُ لَها: إنِّي عاشِقٌ، وعاهِدِينِي أنْ لا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي ونَحْوَ هَذا ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو قَوْلُهُ: إنْ رَأيْتِ أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في السِّرِّ أنَّهُ الزِّنا، كانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ مِن أجْلِ الزِّنا وهو يُعَرِّضُ بِالنِّكاحِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قالَ: يَقُولُ: إنَّكِ لِجَمِيلَةٌ، وإنَّكِ إلَيَّ خَيْرٌ، وإنَّ النِّساءَ مِن حاجَتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ قالَ: لا تَنْكِحُوا ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ قالَ: حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ.
البقرة 2:236
الجُناحُ: الإثْمُ، أيْ لا إثْمَ عَلَيْكم، والتَّعْرِيضُ ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وهو مِن عَرَضَ الشَّيْءَ: أيْ جانَبَهُ كَأنَّهُ يَحُومُ بِهِ حَوْلَ الشَّيْءِ ولا يُظْهِرُهُ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِكَ: عَرَّضْتُ الرَّجُلَ: أيْ أهْدَيْتُ لَهُ.
ومِنهُ «أنَّ رَكْبًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَرَّضُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبا بَكْرٍ ثِيابًا بِيضًا» أيْ: أهْدَوْا لَهُما، فالمُعَرِّضُ بِالكَلامِ يُوصِلُ إلى صاحِبِهِ كَلامًا يَفْهَمُ مَعْناهُ.
وقالَ في الكَشّافِ: الفَرْقُ بَيْنَ الكِنايَةِ والتَّعْرِيضِ، أنَّ الكِنايَةَ أنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ المَوْضُوعِ لَهُ.
والتَّعْرِيضُ أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، كَما يَقُولُ المُحْتاجُ لِلْمُحْتاجِ إلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، ولِأنْظُرَ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ، ولِذَلِكَ قالُوا:
؎وحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقاضِيًا
وكَأنَّهُ إمالَةُ الكَلامِ إلى عَرَضٍ يَدُلُّ عَلى الغَرَضِ، ويُسَمّى التَّلْوِيحُ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما يُرِيدُهُ انْتَهى.
والخِطْبَةُ بِالكَسْرِ: ما يَفْعَلُهُ الطّالِبُ مِنَ الطَّلَبِ، والِاسْتِلْطافِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، يُقالُ: خَطَبَها يَخْطُبُها خِطْبَةً وخِطْبًا.
وأمّا الخُطْبَةُ بِضَمِّ الخاءِ فَهي الكَلامُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الرَّجُلُ خاطِبًا.
وقَوْلُهُ: " أكْنَنْتُمْ " مَعْناهُ سَتَرْتُمْ وأضْمَرْتُمْ مِنَ التَّزْوِيجِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
والإكْنانُ: (p-١٦١)التَّسَتُّرُ والإخْفاءُ: يُقالُ: أكْنَنْتُهُ وكَنَنْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
ومِنهُ بِيضٌ مَكْنُونٌ، ودُرٌّ مَكْنُونٌ.
ومِنهُ أيْضًا أكَنَّ البَيْتُ صاحِبَهُ: أيْ سَتَرَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم لا تَصْبِرُونَ عَنِ النُّطْقِ لَهُنَّ بِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، فَرَخَّصَ لَكم في التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ فِيهِ طَرَفًا مِنَ التَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ مَعْناهُ: عَلى سِرٍّ، فَحَذَفَ الحَرْفَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى السِّرِّ فَقِيلَ: مَعْناهُ نِكاحًا: أيْ لا يَقُلِ الرَّجُلُ لِهَذِهِ المُعْتَدَّةِ تَزَوَّجِينِي بَلْ يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ هَذا جُمْهُورُ العُلَماءِ، وقِيلَ: السِّرُّ الزِّنا، أيْ لا يَكُنْ مِنكم مُواعَدَةٌ عَلى الزِّنا في العِدَّةِ ثُمَّ التَّزْوِيجِ بَعْدَها.
قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو مِجْلَزٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أُنُفَ القِصاعِ
وقِيلَ السِّرُّ: الجِماعُ، أيْ لا تَصِفُوا أنْفُسَكم لَهُنَّ بِكَثْرَةِ الجِماعِ تَرْغِيبًا لَهُنَّ في النِّكاحِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ في مَعْنى الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالِي
ومِثْلُهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّها لِلْغِنى ∗∗∗ ولَنْ تُسْلِمُوها لِأزْهادِها
أرادَ: تَطْلُبُونَ نِكاحَها لِكَثْرَةِ مالِها، ولَنْ تُسَلِّمُوها لِقِلَّةِ مالِها، والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: " لَكِنْ " مِن مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أيْ فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ المُعْتَدَّةِ بِما هو رَفَثٌ مِن ذِكْرِ جِماعٍ أوْ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ.
وقالَ أيْضًا: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَراهَةِ المُواعَدَةِ في العِدَّةِ لِلْمَرْأةِ في نَفْسِها ولِلْأبِ في ابْنَتِهِ البِكْرِ ولِلسَّيِّدِ في أمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى " لَكِنْ "، والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو ما أُبِيحَ مِنَ التَّعْرِيضِ.
ومَنَعَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وقالَ: هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أيْ لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعِدَةً قَطُّ إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً غَيْرَ مُنْكَرَةٍ فَجَعَلَهُ عَلى هَذا اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، ووَجْهُ مَنعِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أنَّهُ يُؤَدِّي إلى جَعْلِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّعْرِيضَ طَرِيقُ المُواعِدَةِ، لا أنَّهُ المَوْعُودُ في نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى العَزْمِ، يُقالُ: عَزَمَ الشَّيْءَ، وعَزَمَ عَلَيْهِ، والمَعْنى هُنا: لا تَعْزِمُوا عَلى عَقْدِ النِّكاحِ ثُمَّ حَذَفَ عَلى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: والحَذْفُ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُقاسُ عَلَيْهِ.
وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولا تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ؛ لِأنَّ مَعْنى تَعْزِمُوا وتَعْقِدُوا واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ يَتَقَدَّمُهُ فَيَكُونُ في هَذا النَّهْيِ مُبالَغَةٌ، لِأنَّهُ إذا نُهِيَ عَنِ المُتَقَدِّمِ عَلى الشَّيْءِ، كانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ يُرِيدُ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، والكِتابُ هُنا هو الحَدُّ والقَدْرُ الَّذِي رُسِمَ مِنَ المُدَّةِ، سَمّاهُ كِتابًا لِكَوْنِهِ مَحْدُودًا ومَفْرُوضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وهَذا الحُكْمُ أعْنِي تَحْرِيمَ عَقْدِ النِّكاحِ في العِدَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ قالَ: التَّعْرِيضُ أنْ تَقُولَ: إنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وإنِّي لَأُحِبُّ المَرْأةَ مِن أمْرِها وأمْرِها، وإنَّ مِن شَأْنِي النِّساءَ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لِيَ امْرَأةً صالِحَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ لَها: إنْ رَأيْتِ أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ قَدْ هَيَّأ بَيْنِي وبَيْنَكِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: يَقُولُ: إنِّي فِيكِ لَراغِبٌ، ولَوَدِدْتُ أنِّي تَزَوَّجْتُكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ﴾ قالَ: أسْرَرْتُمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قالَ: بِالخَطِيئَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ذِكْرُهُ إيّاها في نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قالَ: يَقُولُ لَها: إنِّي عاشِقٌ، وعاهِدِينِي أنْ لا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي ونَحْوَ هَذا ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو قَوْلُهُ: إنْ رَأيْتِ أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في السِّرِّ أنَّهُ الزِّنا، كانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ مِن أجْلِ الزِّنا وهو يُعَرِّضُ بِالنِّكاحِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قالَ: يَقُولُ: إنَّكِ لِجَمِيلَةٌ، وإنَّكِ إلَيَّ خَيْرٌ، وإنَّ النِّساءَ مِن حاجَتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ قالَ: لا تَنْكِحُوا ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ قالَ: حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ.
البقرة 2:237
المُرادُ بِالجُناحِ هُنا التَّبِعَةُ مِنَ المَهْرِ ونَحْوِهِ، فَرَفْعُهُ رَفْعٌ لِذَلِكَ: أيْ لا تَبِعَةَ عَلَيْكم بِالمَهْرِ ونَحْوِهِ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ هي مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ: أيْ مُدَّةُ عَدَمِ مَسِيسِكم.
ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّها شَرْطِيَّةٌ مِن بابِ اعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ لِيَكُونَ الثّانِي قَيْدًا لِلْأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: (p-١٦٢)إنْ تَأْتِنِي إنْ تُحْسِنْ إلَيَّ أُكْرِمْكَ، أيْ إنْ تَأْتِنِي مُحْسِنًا إلَيَّ، والمَعْنى: إنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ غَيْرَ ماسِّينَ لَهُنَّ.
وقِيلَ إنَّها مَوْصُولَةٌ: أيْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ اللّاتِي لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، وهَكَذا اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَفْرِضُوا﴾ فَقِيلَ: أوْ بِمَعْنى إلّا: أيْ إلّا أنْ تَفْرِضُوا، وقِيلَ بِمَعْنى حَتّى: أيْ حَتّى تَفْرِضُوا، وقِيلَ بِمَعْنى الواوِ: أيْ وتَفْرِضُوا.
ولَسْتُ أرى لِهَذا التَّطْوِيلِ وجْهًا، ومَعْنى الآيَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يَلْتَبِسَ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُطَلِّقِينَ ما لَمْ يَقَعْ أحَدُ الأمْرَيْنِ: أيْ مُدَّةُ انْتِفاءِ ذَلِكَ الأحَدِ، ولا يَنْتَفِي الأحَدُ المُبْهَمُ إلّا بِانْتِفاءِ الأمْرَيْنِ مَعًا، فَإنْ وُجِدَ المَسِيسُ وجَبَ المُسَمّى أوْمَهْرُ المِثْلِ، وإنْ وُجِدَ الفَرْضُ وجَبَ نِصْفُهُ مَعَ عَدَمِ المَسِيسِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها جُناحٌ: أيِ المُسَمّى أوْ نِصْفُهُ أوْ مَهْرُ المِثْلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُطَلَّقاتِ أرْبَعٌ: مُطَلَّقَةٌ مَدْخُولٌ بِها مَفْرُوضٌ لَها، وهي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها نَهْيُ الأزْواجِ عَنْ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا آتَوْهُنَّ شَيْئًا، وأنَّ عِدَّتَهُنَّ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ.
ومُطَلَّقَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ لَها ولا مَدْخُولٍ بِها، وهي المَذْكُورَةُ هُنا فَلا مَهْرَ لَها، بَلِ المُتْعَةُ، وبَيَّنَ في سُورَةِ الأحْزابِ أنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِها إذا طُلِّقَتْ فَلا عِدَّةَ عَلَيْها.
ومُطَلَّقَةٌ مَفْرُوضٌ لَها غَيْرُ مَدْخُولٍ بِها، وهي المَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ومُطَلَّقَةٌ مَدْخُولٌ بِها غَيْرُ مَفْرُوضٍ لَها، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لَمْ تُجامِعُوهُنَّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " مِن قَبْلِ أنْ تُجامِعُوهُنَّ " .
أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَماسُوهُنَّ " مِنَ المُفاعَلَةِ، والمُرادُ بِالفَرِيضَةِ هُنا تَسْمِيَةُ المَهْرِ.
قَوْلُهُ: ومَتِّعُوهُنَّ أيْ أعْطُوهُنَّ شَيْئًا يَكُونُ مَتاعًا لَهُنَّ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو قِلابَةَ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِن أدِلَّةِ الوُجُوبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وقالَ مالِكٌ وأبُو عُبَيْدٍ والقاضِي شُرَيْحٌ وغَيْرُهم: إنَّ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ المَذْكُورَةِ مَندُوبَةٌ لا واجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ ولَوْ كانَتْ واجِبَةً لَأطْلَقَها عَلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي الوُجُوبَ بَلْ هو تَأْكِيدٌ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] أيْ أنَّ الوَفاءَ بِذَلِكَ والقِيامَ بِهِ شَأْنُ أهْلِ التَّقْوى، وكُلُّ مُسْلِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ أيْضًا هَلِ المُتْعَةُ مَشْرُوعَةٌ لِغَيْرِ هَذِهِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ المَسِيسِ والفَرْضِ أمْ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ إلّا لَها فَقَطْ ؟ فَقِيلَ: إنَّها مَشْرُوعَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وإسْحاقُ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ هي واجِبَةٌ في غَيْرِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ أمْ مَندُوبَةٌ فَقَطْ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] والآيَةُ الأُولى عامَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، والثّانِيَةُ في أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقَدْ كُنَّ مَفْرُوضًا لَهُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: إنَّها تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ وإنْ كانَتْ مَفْرُوضًا لَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في الأحْزابِ نَسَخَتِ الَّتِي في البَقَرَةِ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المُتْعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والتَّسْمِيَةِ؛ لِأنَّ المَدْخُولَ بِها تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ المُسَمّى أوْ مَهْرَ المِثْلِ، وغَيْرَ المَدْخُولَةِ الَّتِي قَدْ فَرَضَ لَها زَوْجُها فَرِيضَةً: أيْ سَمّى لَها مَهْرًا وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ تَسْتَحِقُّ نِصْفَ المُسَمّى، ومِنَ القائِلِينَ بِهَذا ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.
وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّ المُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ والفَرْضِ لا تَسْتَحِقُّ إلّا المُتْعَةَ إذا كانَتْ حُرَّةً.
وأمّا إذا كانَتْ أمَةً فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها المُتْعَةَ، وقالَ الأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ: لا مُتْعَةَ لَها لِأنَّها تَكُونُ لِسَيِّدِها، وهو لا يَسْتَحِقُّ مالًا في مُقابِلِ تَأذِّي مَمْلُوكَتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما شَرَعَ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ والفَرْضِ، لِكَوْنِها تَتَأذّى بِالطَّلاقِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُتْعَةِ المَشْرُوعَةِ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ أمْ لا ؟ فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: لا حَدَّ لَها مَعْرُوفٌ بَلْ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المُتْعَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ إذا تَنازَعَ الزَّوْجانِ في قَدْرِ المُتْعَةِ وجَبَ لَها نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها، ولا يَنْقُصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ لِأنَّ أقَلَّ المَهْرِ عَشَرَةُ دَراهِمَ.
ولِلسَّلَفِ فِيها أقْوالٌ سَيَأْتِي ذِكْرُها إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاعْتِبارَ في ذَلِكَ بِحالِ الزَّوْجِ، فالمُتْعَةُ مِنَ الغَنِيِّ فَوْقَ المُتْعَةِ مِنَ الفَقِيرِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿عَلى المُوسِعِ﴾ بِسُكُونِ الواوِ وكَسْرِ السِّينِ، وهو الَّذِي اتَّسَعَتْ حالُهُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ السِّينِ وفَتْحِها.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ " قَدْرُهُ " بِسُكُونِ الدّالِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِفَتْحِ الدّالِ فِيهِما.
قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: هُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، وهَكَذا يُقْرَأُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] والمُقْتِرُ المُقِلُّ، ومَتاعًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ومَتِّعُوهُنَّ، والمَعْرُوفُ ما عُرِفَ في الشَّرْعِ والعادَةِ المُوافِقَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ: حَقًّا وصْفٌ لِقَوْلِهِ: مَتاعًا أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، يُقالُ: حَقَّقْتُ عَلَيْهِ القَضاءَ وأحْقَقْتُ: أيْ أوْجَبْتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآيَةَ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُتْعَةَ لا تَجِبُ (p-١٦٣)لِهَذِهِ المُطَلَّقَةِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْكم نِصْفُ ما سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ فَنِصْفُ بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ مَن عَدا الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ: أيْ فادْفَعُوا نِصْفَ ما فَرَضْتُمْ، وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ أيْضًا عَلى أنَّ المَرْأةَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها زَوْجُها وماتَ وقَدْ فَرَضَ لَها مَهْرًا تَسْتَحِقُّهُ كامِلًا بِالمَوْتِ، ولَها المِيراثُ وعَلَيْها العِدَّةُ.
واخْتَلَفُوا في الخَلْوَةِ هَلْ تَقُومُ مَقامَ الدُّخُولِ وتَسْتَحِقُّ المَرْأةُ بِها كَمالَ المَهْرِ كَما تَسْتَحِقُّهُ بِالدُّخُولِ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في القَدِيمِ والكُوفِيُّونَ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، وتَجِبُ عِنْدَهم أيْضًا العِدَّةُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: لا يَجِبُ إلّا نِصْفُ المَهْرِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المَسِيسَ هو الجِماعُ ولا تَجِبُ عِنْدَهُ العِدَّةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ، ومَعْناهُ: يَتْرُكْنَ ويَصْفَحْنَ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، ومَعْناهُ: يَتْرُكْنَ النِّصْفَ الَّذِي يَجِبُ لَهُنَّ عَلى الأزْواجِ.
ولَمْ تَسْقُطِ النُّونُ مَعَ إنَّ؛ لِأنَّ جَمْعَ المُؤَنَّثِ في المُضارِعِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ والجَزْمِ لِكَوْنِ النُّونِ ضَمِيرًا ولَيْسَتْ بِعَلامَةِ إعْرابٍ كَما في المُذَكَّرِ في قَوْلِكَ: الرِّجالُ يَعْفُونَ، وهَذا عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ يَعْنِي الرِّجالَ وهو ضَعِيفٌ لَفْظًا.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ لِأنَّ الأوَّلَ مَبْنِيٌّ وهَذا مُعْرَبٌ، قِيلَ: هو الزَّوْجُ، وبِهِ قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وشُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ ونافِعٌ وابْنُ سِيرِينَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو مِجْلَزٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ ومَكْحُولٌ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وهو الجَدِيدُ مِن قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ والأوْزاعِيُّ ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وفِي هَذا القَوْلِ قُوَّةٌ وضَعْفٌ، أمّا قُوَّتُهُ فَلِكَوْنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ حَقِيقَةً هو الزَّوْجُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي إلَيْهِ رَفْعُهُ بِالطَّلاقِ، وأمّا ضَعْفُهُ فَلِكَوْنِ العَفْوِ مِنهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ، وما قالُوا بِهِ مِن أنَّ المُرادَ بِعَفْوِهِ أنْ يُعْطِيَها المَهْرَ كامِلًا غَيْرَ ظاهِرٍ.
لِأنَّ العَفْوَ لا يُطْلَقُ عَلى الزِّيادَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هو الوَلِيُّ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ وعَلْقَمَةُ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعَطاءٌ وأبُو الزِّنادِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ورَبِيعَةُ والزُّهْرِيُّ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في قَوْلِهِ القَدِيمِ، وفِيهِ قُوَّةٌ وضَعْفٌ، أمّا قُوَّتُهُ فَلِكَوْنِ مَعْنى العَفْوِ فِيهِ مَعْقُولًا، وأمّا ضَعْفُهُ فَلِكَوْنِ عُقْدَةِ النِّكاحِ بِيَدِ الزَّوْجِ لا بِيَدِهِ، ومِمّا يَزِيدُ هَذا القَوْلَ ضَعْفًا أنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الزَّوْجِ مِمّا لا يَمْلِكُهُ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِن مالِها، والمَهْرُ مالُها.
فالرّاجِحُ ما قالَهُ الأوَّلُونَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الزَّوْجَ هو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ حَقِيقَةً.
الثّانِي: أنَّ عَفْوَهُ بِإكْمالِ المَهْرِ هو صادِرٌ عَنِ المالِكِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ بِخِلافِ الوَلِيِّ، وتَسْمِيَةُ الزِّيادَةِ عَفْوًا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لَكِنَّ لَمّا كانَ الغالِبُ أنَّهم يَسُوقُونَ المَهْرَ كامِلًا عِنْدَ العَقْدِ كانَ العَفْوُ مَعْقُولًا، لِأنَّهُ تَرَكَهُ لَها ولَمْ يَسْتَرْجِعِ النِّصْفَ مِنهُ، ولا يَحْتاجُ في هَذا إلى أنْ يُقالَ إنَّهُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في الكَشّافِ، لِأنَّهُ عَفْوٌ حَقِيقِيٌّ: أيْ تَرْكٌ لِما يُسْتَحَقُّ المُطالَبَةُ بِهِ، إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ مُشاكَلَةٌ، أوْ يَطِيبَ في تَوْفِيَةِ المُهْرِ قَبْلَ أنْ يَسُوقَهُ الزَّوْجُ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ تَغْلِيبًا، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ والشَّعْبِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَيَكُونُ الخِطابُ مَعَ الرِّجالِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى ما رَجَّحْناهُ مِن أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الزَّوْجُ؛ لِأنَّ عَفْوَ الوَلِيِّ عَنْ شَيْءٍ لا يَمْلِكُهُ لَيْسَ هو أقْرَبَ إلى التَّقْوى، بَلْ أقْرَبُ إلى الظُّلْمِ والجَوْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ بِكَسْرِها، وقَرَأ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ولا تَناسَوُا " والمَعْنى: أنَّ الزَّوْجَيْنِ لا يَنْسَيانِ التَّفَضُّلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنْ تَتَفَضَّلَ المَرْأةُ بِالعَفْوِ عَنِ النِّصْفِ ويَتَفَضَّلَ الرَّجُلُ عَلَيْها بِإكْمالِ المَهْرِ، وهو إرْشادٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأزْواجِ إلى تَرْكِ التَّقَصِّي عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والمُسامَحَةِ فِيما يَسْتَغْرِقُهُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ لِلْوَصْلَةِ الَّتِي قَدْ وقَعَتْ سَهْمًا مِن إفْضاءِ البَعْضِ إلى البَعْضِ، وهي وصْلَةٌ لا يُشْبِهُها وصْلَةٌ، فَمِن رِعايَةِ حَقِّها ومَعْرِفَتِها حَقَّ مَعْرِفَتِها الحِرْصُ مِنهُما عَلى التَّسامُحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فِيهِ مِن تَرْغِيبِ المُحْسِنِ وتَرْهِيبِ غَيْرِهِ ما لا يَخْفى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قالَ: المَسُّ: النِّكاحُ، والفَرِيضَةُ: الصَّداقُ مَتَّعُوهُنَّ قالَ: هو عَلى الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ولَمْ يُسَمِّ لَها صَداقًا، ثُمَّ يُطَلِّقُها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُمَتِّعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، فَإنْ كانَ مُوسِرًا مَتَّعَها بِخادِمٍ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا مَتَّعَها بِثَلاثَةِ أثْوابٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُتْعَةُ الطَّلاقِ: أعْلاها الخادِمُ ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكُسْوَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أدْنى ما يَكُونُ مِنَ المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا.
ورَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ مَتَّعَ بِعِشْرِينَ ألْفًا ورُقاقٍ مِن عَسَلٍ.
وعَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ مَتَّعَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ مَتَّعَ بِعَشَرَةِ آلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ كانَ يُمَتِّعُ بِالخادِمِ والنَّفَقَةِ أوْ بِالكُسْوَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قالَ: المَسُّ الجِماعُ، فَلَها نِصْفُ صَداقِها، (p-١٦٤)ولَيْسَ لَها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَعْفُونَ.
وهِيَ المَرْأةُ الثَّيِّبُ والبِكْرُ يُزَوِّجُها غَيْرُ أبِيها فَجَعَلَ اللَّهُ العَفْوَ لَهُنَّ إنْ شِئْنَ عَفَوْنَ بِتَرْكِهِنَّ، وإنْ شِئْنَ أخَذْنَ نِصْفَ الصَّداقِ ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو أبُو الجارِيَةِ البِكْرِ جُعِلَ العَفْوُ إلَيْهِ، لَيْسَ لَها مَعَهُ أمْرٌ إذا طُلِّقَتْ، ما كانَتْ في حِجْرِهِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ فَيَخْلُو بِها ولا يَمَسُّها ثُمَّ يُطَلِّقُها: لَيْسَ لَها إلّا نِصْفُ الصَّداقِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ " الآيَةَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَها نِصْفُ الصَّداقِ وإنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ الزَّوْجُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: هو أبُوها وأخُوها ومَن لا تُنْكَحُ إلّا بِإذْنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قالَ: في هَذا أوْ غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ البَيْهَقِيُّ «أنَّ قَوْمًا أتَوُا ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالُوا: إنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ مِنّا امْرَأةً ولَمْ يَفْرِضْ لَها صَداقًا ولَمْ يَجْمَعْها إلَيْهِ حَتّى ماتَ فَقالَ: أرى أنْ أجْعَلَ لَها صَداقًا كَصَداقِ نِسائِها لا وكْسَ ولا شَطَطَ، ولَها المِيراثُ وعَلَيْها العِدَّةُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ ناسٌ مِن أشْجَعَ، مِنهم مُغَفَّلُ بْنُ سِنانٍ، فَقالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَضَيْتَ مِثْلَ الَّذِي قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في امْرَأةٍ مِنّا يُقالُ لَها بَرْوَعُ بِنْتُ واشِقٍّ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها ولَمْ يَفْرِضْ لَها صَداقًا: لَها المِيراثُ وعَلَيْها العِدَّةُ ولا صَداقَ لَها.
وقالَ: لا يُقْبَلُ قَوْلُ أعْرابِيٍّ مِن أشْجَعَ عَلى كِتابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في المَرْأةِ الَّتِي يَمُوتُ عَنْها زَوْجُها وقَدْ فَرَضَ لَها صَداقًا: لَها الصَّداقُ والمِيراثُ.
وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَضى في المَرْأةِ يَتَزَوَّجُها الرَّجُلُ: أنَّهُ إذا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ فَقَدْ وجَبَ الصَّداقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ قالَ: إذا أرْخى سِتْرًا وأغْلَقَ بابًا فَلَها الصَّداقُ كامِلًا وعَلَيْها العِدَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: قَضى الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ أنَّهُ مَن أغْلَقَ بابًا أوْ أرْخى سِتْرًا فَقَدْ وجَبَ الصَّداقُ والعِدَّةُ.
وأخْرَجَ مالِكٌ والبَيْهَقِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْبانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن كَشَفَ امْرَأةً فَنَظَرَ إلى عَوْرَتِها فَقَدْ وجَبَ الصَّداقُ» .
البقرة 2:238
المُحافَظَةُ عَلى الشَّيْءِ: المُداوَمَةُ والمُواظَبَةُ عَلَيْهِ، والوُسْطى: تَأْنِيثُ الأوْسَطِ، وأوْسَطُ الشَّيْءِ ووَسَطُهُ: خِيارُهُ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ:
؎يا أوْسَطَ النّاسِ طُرًّا في مَفاخِرِهِمْ وأكْرَمَ النّاسِ أُمًّا بَرَّةً وأبا
ووَسَطَ فُلانٌ القَوْمَ يَسِطُهم: أيْ صارَ في وسَطِهِمْ، وأفْرَدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِها في عُمُومِ الصَّلَواتِ تَشْرِيفًا لَها.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " والصَّلاةَ الوُسْطى " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحُلْوانِيُّ، وقَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ " الوُصْطى " بِالصّادِّ لِمُجاوَرَةِ الطّاءِ وهُما لُغَتانِ: كالسِّراطِ والصِّراطِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِها عَلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا أوْرَدْتُها في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى، وذَكَرْتُ ما تَمَسَّكَتْ بِهِ كُلُّ طائِفَةٍ، وأرْجَحُ الأقْوالِ وأصَحُّها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّها العَصْرُ، لِما ثَبَتَ عِنْدَ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: «كُنّا نَراها الفَجْرَ حَتّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الأحْزابِ: شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ قُبُورَهم وأجْوافَهم نارًا» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ أيْضًا البَزّارُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.
ووَرَدَ في تَعْيِينِ أنَّها العَصْرُ مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَوْمِ الأحْزابِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مِنها عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَندَهْ، ومِنها عَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ، ومِنها عَنْهُ أيْضًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيِّ والطَّحاوِيِّ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ سَعِيدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ البَزّارِ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وعَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ، فَهَذِهِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها العَصْرُ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في تَعْيِينِ أنَّها العَصْرُ آثارٌ كَبِيرَةٌ، وفي الثّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا: إنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ. كَما أخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْهُما، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولا تَقُومُ بِمِثْلِ ذَلِكَ حُجَّةٌ لا سِيَّما إذا عارَضَ ما قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُبُوتًا (p-١٦٥)يُمْكِنُ أنْ يُدَّعى فِيهِ التَّواتُرُ، وإذا لَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ بِأقْوالِ الصَّحابَةِ لَمْ تَقُمْ بِأقْوالِ مَن بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ وتابِعِهِمْ بِالأوْلى، وهَكَذا لا تَقُومُ الحُجَّةُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: صَلاةُ الوُسْطى المَغْرِبُ، وهَكَذا لا اعْتِبارَ بِما ورَدَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّها الظَّهْرُ أوْ غَيْرُها مِنَ الصَّلَواتِ، ولَكِنَّ المُحْتاجَ إلى إمْعانِ نَظَرٍ وفِكْرٍ ما ورَدَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها الظَّهْرُ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا: «أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الظُّهْرِ» .
ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ بَلِ المَرْوِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي بِالهاجِرَةِ، وكانَتْ أثْقَلَ الصَّلاةِ عَلى أصْحابِهِ، وأيْنَ يَقَعُ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن تِلْكَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهَكَذا الِاعْتِبارُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ: إنَّها الظَّهْرُ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وغَيْرِهِمْ، فَلا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأمّا ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ لِأبِي رافِعٍ مَوْلاها وقَدْ أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ لَها مُصْحَفًا: إذا أتَيْتَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ فَتَعالَ حَتّى أُمْلِيها عَلَيْكَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْها مالِكٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وزادُوا: وقالَتْ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلى «عائِشَةَ أنَّها أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ لَها مُصْحَفًا وقالَتْ: إذا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ قالَ: فَلَمّا بَلَغْتُها آذَنْتُها فَأمْلَتْ عَلَيَّ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ " قالَتْ عائِشَةُ: سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها أمَرَتْ مَن يَكْتُبُ لَها مُصْحَفًا، وقالَتْ لَهُ كَما قالَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ.
فَغايَةُ ما في هَذِهِ الرِّواياتِ عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أنَّهُنَّ يَرْوِينَ هَذا الحَرْفَ هَكَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الصَّلاةِ الوُسْطى أنَّها الظَّهْرُ أوْ غَيْرُها، بَلْ غايَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ صَلاةِ العَصْرِ عَلى صَلاةِ الوُسْطى أنَّها غَيْرُها؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ لا يُعارِضُ ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُبُوتًا لا يَدْفَعُ أنَّها العَصْرُ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ.
فالحاصِلُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي نَقَلَتْها أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثُ بِإثْباتِ قَوْلِهِ: " وصَلاةُ العَصْرِ " مُعارَضَةٌ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ حُمَيْدَةَ قالَتْ: قَرَأْتُ في مُصْحَفِ عائِشَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو عُبَيْدٍ عَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ أنَّ عائِشَةَ أمَرَتْ بِمُصْحَفٍ لَها أنْ يُكْتَبَ وقالَتْ: إذا بَلَغْتُمْ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ فَلا تَكْتُبُوها حَتّى تُؤْذِنُونِي، فَلَمّا أخْبَرُوها أنَّهم قَدْ بَلَغُوا قالَتِ: اكْتُبُوها صَلاةَ الوُسْطى صَلاةَ العَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ رافِعٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في مُصْحَفِ حَفْصَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَيَقْرَؤُها " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أنَّهُ تَلاها كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ تُعارِضُ تِلْكَ الرِّواياتِ بِاعْتِبارِ التِّلاوَةِ ونَقْلِ القِراءَةِ، ويَبْقى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ التَّعْيِينِ، صافِيًا عَنْ شَوْبِ كَدَرِ المُعارَضَةِ.
عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ ما يَدُلُّ عَلى نَسْخِ تِلْكَ القِراءَةِ الَّتِي نَقَلَتْها حَفْصَةُ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ.
فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «نَزَلَتْ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وصَلاةِ العَصْرِ " فَقَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ، فَأنْزَلَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ فَقِيلَ لَهُ: إذَنْ صَلاةُ العَصْرِ ؟ قالَ: قَدْ حَدَّثْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وكَيْفَ نَسَخَها اللَّهُ. واللَّهُ أعْلَمُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا وعَرَفْتَ ما سُقْناهُ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ ما يُعارِضُ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ، وأمّا حُجَجُ بَقِيَّةِ الأقْوالِ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وبَعْضُ القائِلِينَ عَوَّلَ عَلى أمْرٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّها صَلاةُ كَذا لِأنَّها وُسْطى بِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ قَبْلَها كَذا مِنَ الصَّلَواتِ وبَعْدَها كَذا مِنَ الصَّلَواتِ، وهَذا الرَّأْيُ المَحْضُ والتَّخْمِينُ البَحْتُ لا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَنِدَ إلَيْهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ عَلى فَرْضِ عَدَمِ وُجُودِ ما يُعارِضُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ ما هو في أعْلى دَرَجاتِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ والثُّبُوتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ ويالِلَّهِ العَجَبُ مِن قَوْمٍ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَقْصِيرِهِمْ في عِلْمِ السُّنَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ خَيْرِ العُلُومِ وأنْفَعِها، حَتّى كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ التَّكَلُّمَ عَلى أحْكامِ اللَّهِ والتَّحَرِّي عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى، فَجاءُوا بِما يُضْحَكُ مِنهُ تارَةً ويُبْكى مِنهُ أُخْرى.
قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ القُنُوتُ، قِيلَ: هو الطّاعَةُ، أيْ قُومُوا لِلَّهِ في صَلاتِكم طائِعِينَ، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ، وقِيلَ: هو الخُشُوعُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قانِتًا لِلَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ ∗∗∗ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلْ
وقِيلَ: هو الدُّعاءُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ» .
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القُنُوتَ طُولُ القِيامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ساكِتِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صاحِبَهُ في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الحاجَةِ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»، وقِيلَ: أصْلُ القُنُوتِ في اللُّغَةِ الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ، فَكُلُّ مَعْنًى يُناسِبُ الدَّوامَ يَصِحُّ إطْلاقُ القُنُوتِ عَلَيْهِ.
وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ القُنُوتَ ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في شَرْحِ المُنْتَقى، والمُتَعَيِّنُ هاهُنا حَمْلُ القُنُوتِ عَلى السُّكُوتِ لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ الخَوْفُ هو الفَزَعُ، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ أوْ راجِلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: رَجِلَ الإنْسانُ يَرْجَلُ راجِلًا؛ إذا عَدِمَ المَرْكُوبَ ومَشى عَلى قَدَمَيْهِ فَهو رَجُلٌ وراجِلٌ.
يَقُولُ أهْلُ الحِجازِ: مَشى فُلانٌ إلى بَيْتِ اللَّهِ حافِيًا رَجُلًا.
حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ذَكَرَ حالَةَ الخَوْفِ أنَّهم يُضِيعُونَ فِيها ما يُمْكِنُهم ويَدْخُلُ تَحْتَ طَوْقِهِمْ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بِفِعْلِها حالَ التَّرَجُّلِ وحالَ الرُّكُوبِ، وأبانَ لَهم أنَّ هَذِهِ العِبادَةَ لازِمَةٌ في كُلِّ الأحْوالِ بِحَسَبِ الإمْكانِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حَدِّ الخَوْفِ المُبِيحِ لِذَلِكَ والبَحْثُ مُسْتَوْفٍ في كُتُبِ الفُرُوعِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ إذا زالَ خَوْفُكم فارْجِعُوا إلى ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن إتْمامِ الصَّلاةِ مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ قائِمِينَ بِجَمِيعِ شُرُوطِها وأرْكانِها وهو قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، وهو خِلافُ مَعْنى الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ والكافُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذِكْرًا كائِنًا كَتَعْلِيمِهِ إيّاكم، أوْ مِثْلُ تَعْلِيمِهِ إيّاكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى ؟ فَقالَ: هي فِيهِنَّ، فَحافِظُوا عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى فَقالَ: حافِظْ عَلى الصَّلَواتِ تُدْرِكْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّ سائِلًا سَألَهُ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، قالَ: حافِظْ عَلَيْهِنَّ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ أصَبْتَها، إنَّما هي واحِدَةٌ مِنهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: سُئِلَ شُرَيْحٌ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، فَقالَ: حافِظُوا عَلَيْها تُصِيبُوها.
وقَدْ قَدَّمْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَنْ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في تَعْيِينِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ مِثْلَ ما قَدَّمْنا عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ قالَ: مُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ أهْلِ دِينٍ يَقُومُونَ فِيها عاصِينَ، قُومُوا أنْتُمْ مُطِيعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ قالَ: مِنَ القُنُوتِ الرُّكُوعُ والخُشُوعُ، وطُولُ الرُّكُوعِ يَعْنِي طُولَ القِيامِ وغَضَّ البَصَرِ وخَفْضَ الجَناحِ والرَّهْبَةَ لِلَّهِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّ في الصَّلاةِ لَشُغْلًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِراءَةُ القُرْآنِ» .
وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأحادِيثُ في القُنُوتِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، هَلْ هو قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ، وهَلْ هو في جَمِيعِ الصَّلَواتِ أوْ بَعْضِها، وهَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالنَّوازِلِ أمْ لا ؟ والرّاجِحُ اخْتِصاصُهُ بِالنَّوازِلِ.
وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ قالَ: يُصَلِّي الرّاكِبُ عَلى دابَّتِهِ، والرّاجِلُ عَلى رِجْلَيْهِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي كَما عَلَّمَكم أنْ يُصَلِّيَ الرّاكِبُ عَلى دابَّتِهِ، والرّاجِلُ عَلى رِجْلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا كانَتِ المُسايَفَةُ فَلْيُومِ بِرَأْسِهِ حَيْثُ كانَ وجْهُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ قالَ: رَكْعَةً رَكْعَةً.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ قالَ: خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ.
البقرة 2:239
المُحافَظَةُ عَلى الشَّيْءِ: المُداوَمَةُ والمُواظَبَةُ عَلَيْهِ، والوُسْطى: تَأْنِيثُ الأوْسَطِ، وأوْسَطُ الشَّيْءِ ووَسَطُهُ: خِيارُهُ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ:
؎يا أوْسَطَ النّاسِ طُرًّا في مَفاخِرِهِمْ وأكْرَمَ النّاسِ أُمًّا بَرَّةً وأبا
ووَسَطَ فُلانٌ القَوْمَ يَسِطُهم: أيْ صارَ في وسَطِهِمْ، وأفْرَدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِها في عُمُومِ الصَّلَواتِ تَشْرِيفًا لَها.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " والصَّلاةَ الوُسْطى " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحُلْوانِيُّ، وقَرَأ قالُونُ عَنْ نافِعٍ " الوُصْطى " بِالصّادِّ لِمُجاوَرَةِ الطّاءِ وهُما لُغَتانِ: كالسِّراطِ والصِّراطِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِها عَلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا أوْرَدْتُها في شَرْحِي لِلْمُنْتَقى، وذَكَرْتُ ما تَمَسَّكَتْ بِهِ كُلُّ طائِفَةٍ، وأرْجَحُ الأقْوالِ وأصَحُّها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّها العَصْرُ، لِما ثَبَتَ عِنْدَ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: «كُنّا نَراها الفَجْرَ حَتّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الأحْزابِ: شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلَأ اللَّهُ قُبُورَهم وأجْوافَهم نارًا» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ أيْضًا البَزّارُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.
ووَرَدَ في تَعْيِينِ أنَّها العَصْرُ مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَوْمِ الأحْزابِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مِنها عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَندَهْ، ومِنها عَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ، ومِنها عَنْهُ أيْضًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيِّ والطَّحاوِيِّ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ سَعِيدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ البَزّارِ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وعَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ، فَهَذِهِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها العَصْرُ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في تَعْيِينِ أنَّها العَصْرُ آثارٌ كَبِيرَةٌ، وفي الثّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا: إنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ. كَما أخْرَجَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْهُما، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولا تَقُومُ بِمِثْلِ ذَلِكَ حُجَّةٌ لا سِيَّما إذا عارَضَ ما قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُبُوتًا (p-١٦٥)يُمْكِنُ أنْ يُدَّعى فِيهِ التَّواتُرُ، وإذا لَمْ تَقُمِ الحُجَّةُ بِأقْوالِ الصَّحابَةِ لَمْ تَقُمْ بِأقْوالِ مَن بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ وتابِعِهِمْ بِالأوْلى، وهَكَذا لا تَقُومُ الحُجَّةُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: صَلاةُ الوُسْطى المَغْرِبُ، وهَكَذا لا اعْتِبارَ بِما ورَدَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّها الظَّهْرُ أوْ غَيْرُها مِنَ الصَّلَواتِ، ولَكِنَّ المُحْتاجَ إلى إمْعانِ نَظَرٍ وفِكْرٍ ما ورَدَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها الظَّهْرُ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا: «أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الظُّهْرِ» .
ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ بَلِ المَرْوِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي بِالهاجِرَةِ، وكانَتْ أثْقَلَ الصَّلاةِ عَلى أصْحابِهِ، وأيْنَ يَقَعُ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن تِلْكَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهَكَذا الِاعْتِبارُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ: إنَّها الظَّهْرُ.
وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وغَيْرِهِمْ، فَلا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأمّا ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ لِأبِي رافِعٍ مَوْلاها وقَدْ أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ لَها مُصْحَفًا: إذا أتَيْتَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ فَتَعالَ حَتّى أُمْلِيها عَلَيْكَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْها مالِكٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وزادُوا: وقالَتْ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلى «عائِشَةَ أنَّها أمَرَتْهُ أنْ يَكْتُبَ لَها مُصْحَفًا وقالَتْ: إذا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ قالَ: فَلَمّا بَلَغْتُها آذَنْتُها فَأمْلَتْ عَلَيَّ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ " قالَتْ عائِشَةُ: سَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها أمَرَتْ مَن يَكْتُبُ لَها مُصْحَفًا، وقالَتْ لَهُ كَما قالَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ.
فَغايَةُ ما في هَذِهِ الرِّواياتِ عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أنَّهُنَّ يَرْوِينَ هَذا الحَرْفَ هَكَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الصَّلاةِ الوُسْطى أنَّها الظَّهْرُ أوْ غَيْرُها، بَلْ غايَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ صَلاةِ العَصْرِ عَلى صَلاةِ الوُسْطى أنَّها غَيْرُها؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ لا يُعارِضُ ما ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُبُوتًا لا يَدْفَعُ أنَّها العَصْرُ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ.
فالحاصِلُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ الَّتِي نَقَلَتْها أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثُ بِإثْباتِ قَوْلِهِ: " وصَلاةُ العَصْرِ " مُعارَضَةٌ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ حُمَيْدَةَ قالَتْ: قَرَأْتُ في مُصْحَفِ عائِشَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو عُبَيْدٍ عَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ أنَّ عائِشَةَ أمَرَتْ بِمُصْحَفٍ لَها أنْ يُكْتَبَ وقالَتْ: إذا بَلَغْتُمْ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ فَلا تَكْتُبُوها حَتّى تُؤْذِنُونِي، فَلَمّا أخْبَرُوها أنَّهم قَدْ بَلَغُوا قالَتِ: اكْتُبُوها صَلاةَ الوُسْطى صَلاةَ العَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ رافِعٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في مُصْحَفِ حَفْصَةَ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَيَقْرَؤُها " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ " .
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أنَّهُ تَلاها كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ تُعارِضُ تِلْكَ الرِّواياتِ بِاعْتِبارِ التِّلاوَةِ ونَقْلِ القِراءَةِ، ويَبْقى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ التَّعْيِينِ، صافِيًا عَنْ شَوْبِ كَدَرِ المُعارَضَةِ.
عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ ما يَدُلُّ عَلى نَسْخِ تِلْكَ القِراءَةِ الَّتِي نَقَلَتْها حَفْصَةُ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ.
فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «نَزَلَتْ " حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وصَلاةِ العَصْرِ " فَقَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ، فَأنْزَلَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ فَقِيلَ لَهُ: إذَنْ صَلاةُ العَصْرِ ؟ قالَ: قَدْ حَدَّثْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وكَيْفَ نَسَخَها اللَّهُ. واللَّهُ أعْلَمُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا وعَرَفْتَ ما سُقْناهُ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ ما يُعارِضُ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ، وأمّا حُجَجُ بَقِيَّةِ الأقْوالِ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وبَعْضُ القائِلِينَ عَوَّلَ عَلى أمْرٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّها صَلاةُ كَذا لِأنَّها وُسْطى بِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ قَبْلَها كَذا مِنَ الصَّلَواتِ وبَعْدَها كَذا مِنَ الصَّلَواتِ، وهَذا الرَّأْيُ المَحْضُ والتَّخْمِينُ البَحْتُ لا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَنِدَ إلَيْهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ عَلى فَرْضِ عَدَمِ وُجُودِ ما يُعارِضُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ ما هو في أعْلى دَرَجاتِ الصِّحَّةِ والقُوَّةِ والثُّبُوتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ ويالِلَّهِ العَجَبُ مِن قَوْمٍ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَقْصِيرِهِمْ في عِلْمِ السُّنَّةِ وإعْراضِهِمْ عَنْ خَيْرِ العُلُومِ وأنْفَعِها، حَتّى كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ التَّكَلُّمَ عَلى أحْكامِ اللَّهِ والتَّحَرِّي عَلى تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى، فَجاءُوا بِما يُضْحَكُ مِنهُ تارَةً ويُبْكى مِنهُ أُخْرى.
قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ القُنُوتُ، قِيلَ: هو الطّاعَةُ، أيْ قُومُوا لِلَّهِ في صَلاتِكم طائِعِينَ، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ، وقِيلَ: هو الخُشُوعُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قانِتًا لِلَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ ∗∗∗ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلْ
وقِيلَ: هو الدُّعاءُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ» .
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القُنُوتَ طُولُ القِيامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ساكِتِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صاحِبَهُ في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الحاجَةِ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»، وقِيلَ: أصْلُ القُنُوتِ في اللُّغَةِ الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ، فَكُلُّ مَعْنًى يُناسِبُ الدَّوامَ يَصِحُّ إطْلاقُ القُنُوتِ عَلَيْهِ.
وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ القُنُوتَ ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في شَرْحِ المُنْتَقى، والمُتَعَيِّنُ هاهُنا حَمْلُ القُنُوتِ عَلى السُّكُوتِ لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ الخَوْفُ هو الفَزَعُ، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ أوْ راجِلٍ، مِن قَوْلِهِمْ: رَجِلَ الإنْسانُ يَرْجَلُ راجِلًا؛ إذا عَدِمَ المَرْكُوبَ ومَشى عَلى قَدَمَيْهِ فَهو رَجُلٌ وراجِلٌ.
يَقُولُ أهْلُ الحِجازِ: مَشى فُلانٌ إلى بَيْتِ اللَّهِ حافِيًا رَجُلًا.
حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ذَكَرَ حالَةَ الخَوْفِ أنَّهم يُضِيعُونَ فِيها ما يُمْكِنُهم ويَدْخُلُ تَحْتَ طَوْقِهِمْ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بِفِعْلِها حالَ التَّرَجُّلِ وحالَ الرُّكُوبِ، وأبانَ لَهم أنَّ هَذِهِ العِبادَةَ لازِمَةٌ في كُلِّ الأحْوالِ بِحَسَبِ الإمْكانِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حَدِّ الخَوْفِ المُبِيحِ لِذَلِكَ والبَحْثُ مُسْتَوْفٍ في كُتُبِ الفُرُوعِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ إذا زالَ خَوْفُكم فارْجِعُوا إلى ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن إتْمامِ الصَّلاةِ مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ قائِمِينَ بِجَمِيعِ شُرُوطِها وأرْكانِها وهو قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، وهو خِلافُ مَعْنى الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ والكافُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذِكْرًا كائِنًا كَتَعْلِيمِهِ إيّاكم، أوْ مِثْلُ تَعْلِيمِهِ إيّاكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ في الصَّلاةِ الوُسْطى هَكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى ؟ فَقالَ: هي فِيهِنَّ، فَحافِظُوا عَلَيْهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى فَقالَ: حافِظْ عَلى الصَّلَواتِ تُدْرِكْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّ سائِلًا سَألَهُ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، قالَ: حافِظْ عَلَيْهِنَّ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ أصَبْتَها، إنَّما هي واحِدَةٌ مِنهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: سُئِلَ شُرَيْحٌ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، فَقالَ: حافِظُوا عَلَيْها تُصِيبُوها.
وقَدْ قَدَّمْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَنْ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في تَعْيِينِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ مِثْلَ ما قَدَّمْنا عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ قالَ: مُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ أهْلِ دِينٍ يَقُومُونَ فِيها عاصِينَ، قُومُوا أنْتُمْ مُطِيعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ قالَ: مِنَ القُنُوتِ الرُّكُوعُ والخُشُوعُ، وطُولُ الرُّكُوعِ يَعْنِي طُولَ القِيامِ وغَضَّ البَصَرِ وخَفْضَ الجَناحِ والرَّهْبَةَ لِلَّهِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّ في الصَّلاةِ لَشُغْلًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِراءَةُ القُرْآنِ» .
وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأحادِيثُ في القُنُوتِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، هَلْ هو قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ، وهَلْ هو في جَمِيعِ الصَّلَواتِ أوْ بَعْضِها، وهَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالنَّوازِلِ أمْ لا ؟ والرّاجِحُ اخْتِصاصُهُ بِالنَّوازِلِ.
وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ قالَ: يُصَلِّي الرّاكِبُ عَلى دابَّتِهِ، والرّاجِلُ عَلى رِجْلَيْهِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي كَما عَلَّمَكم أنْ يُصَلِّيَ الرّاكِبُ عَلى دابَّتِهِ، والرّاجِلُ عَلى رِجْلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا كانَتِ المُسايَفَةُ فَلْيُومِ بِرَأْسِهِ حَيْثُ كانَ وجْهُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ قالَ: رَكْعَةً رَكْعَةً.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ قالَ: خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ.
البقرة 2:240
هَذا عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَلَفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن تَبِعَهم مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّ الوَصِيَّةَ المَذْكُورَةَ فِيها مَنسُوخَةٌ بِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا نَسْخَ فِيها، وأنَّ العِدَّةَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ وصِيَّةً مِنهُ سُكْنى سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ.
وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ والقاضِي عِياضٍ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ مَنسُوخٌ وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ ما أخْرَجَهُ ابْنُ (p-١٦٧)جَرِيرٍ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
وقَوْلُهُ: وصِيَّةٌ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والكِسائِيِّ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا: أيْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: لِأزْواجِهِمْ وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ: أيْ وصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ، أوْ حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ.
وقَرَأ أبُو عُمَرَ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ أوْصى اللَّهُ وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً.
وقَوْلُهُ: مَتاعًا مَنصُوبٌ بِـ " وصِيَّةً " أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، أوْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتاعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ.
والمَتاعُ هُنا: نَفَقَةُ السَّنَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: مَتاعًا وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا إخْراجًا، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ، أيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْرَ مُخْرَجاتٍ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن غَيْرِ إخْراجٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ لِأزْواجِهِمْ أنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا كامِلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن تَرِكَتِهِمْ ولا يَخْرُجْنَ مِن مَساكِنِهِنَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ يَعْنِي بِاخْتِيارِهِنَّ قَبْلَ الحَوْلِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم﴾ أيْ: لا حَرَجَ عَلى الوَلِيِّ والحاكِمِ وغَيْرِهِما ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ والتَّزَيُّنِ لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّساءَ كُنَّ مُخَيَّراتٍ في سُكْنى الحَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَتْمٍ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: المَعْنى لا جُناحَ عَلَيْكم في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الجُناحِ هو مَذْكُورٌ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيما فَعَلْنَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي المُتْعَةُ، وأنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالثَّيِّباتِ اللَّواتِي قَدْ جُومِعْنَ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُتْعَةِ لِلَّواتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ الأزْواجُ.
وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المُتْعَةِ والخِلافَ في كَوْنِها خاصَّةً بِمَن طُلِّقَتْ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ أوْ عامَّةً لِلْمُطَلَّقاتِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ شامِلَةٌ لِلْمُتْعَةِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ، وغَيْرِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ سائِرِ المُطَلَّقاتِ فَإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتْعَةِ هُنا النَّفَقَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى فَلَمْ تَكْتُبْها، أوْ لَمْ تَدَعْها ؟ قالَ: يا ابْنَ أخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ مِن مَكانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَتُها وسُكْناها في الدّارِ سَنَةً، فَنَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ فَجُعِلَ لَهُنَّ الرُّبُعُ والثُّمُنُ مِمّا تَرَكَ الزَّوْجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَيْسَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَةٌ، حَسْبُها المِيراثُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والنَّسائِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَسَخَتْها ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: النِّكاحُ الحَلالُ الطَّيِّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَتّابِ بْنِ خُصَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ الفَرائِضِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلّا الَّتِي تُطَلِّقُها ولَمْ تَدْخُلْ بِها وقَدْ فُرِضَ لَها، كَفى بِالنِّصْفِ مَتاعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ طُلِّقَتْ حُرَّةً أوْ أمَةً مُتْعَةٌ، وقَرَأ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا طَلَّقَ حَفْصُ بْنُ المُغِيرَةِ امْرَأتَهُ فاطِمَةَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لِزَوْجِها: مَتِّعْها، قالَ: لا أجِدُ ما أُمَتِّعُها، قالَ: فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَتاعِ، مَتِّعْها ولَوْ نِصْفَ صاعٍ مِن تَمْرٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ، قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
البقرة 2:241
هَذا عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَلَفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن تَبِعَهم مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّ الوَصِيَّةَ المَذْكُورَةَ فِيها مَنسُوخَةٌ بِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا نَسْخَ فِيها، وأنَّ العِدَّةَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ وصِيَّةً مِنهُ سُكْنى سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ.
وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ والقاضِي عِياضٍ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ مَنسُوخٌ وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ ما أخْرَجَهُ ابْنُ (p-١٦٧)جَرِيرٍ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
وقَوْلُهُ: وصِيَّةٌ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والكِسائِيِّ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا: أيْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: لِأزْواجِهِمْ وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ: أيْ وصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ، أوْ حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ.
وقَرَأ أبُو عُمَرَ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ أوْصى اللَّهُ وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً.
وقَوْلُهُ: مَتاعًا مَنصُوبٌ بِـ " وصِيَّةً " أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، أوْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتاعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ.
والمَتاعُ هُنا: نَفَقَةُ السَّنَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: مَتاعًا وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا إخْراجًا، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ، أيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْرَ مُخْرَجاتٍ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن غَيْرِ إخْراجٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ لِأزْواجِهِمْ أنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا كامِلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن تَرِكَتِهِمْ ولا يَخْرُجْنَ مِن مَساكِنِهِنَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ يَعْنِي بِاخْتِيارِهِنَّ قَبْلَ الحَوْلِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم﴾ أيْ: لا حَرَجَ عَلى الوَلِيِّ والحاكِمِ وغَيْرِهِما ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ والتَّزَيُّنِ لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّساءَ كُنَّ مُخَيَّراتٍ في سُكْنى الحَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَتْمٍ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: المَعْنى لا جُناحَ عَلَيْكم في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الجُناحِ هو مَذْكُورٌ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيما فَعَلْنَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي المُتْعَةُ، وأنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالثَّيِّباتِ اللَّواتِي قَدْ جُومِعْنَ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُتْعَةِ لِلَّواتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ الأزْواجُ.
وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المُتْعَةِ والخِلافَ في كَوْنِها خاصَّةً بِمَن طُلِّقَتْ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ أوْ عامَّةً لِلْمُطَلَّقاتِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ شامِلَةٌ لِلْمُتْعَةِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ، وغَيْرِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ سائِرِ المُطَلَّقاتِ فَإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتْعَةِ هُنا النَّفَقَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى فَلَمْ تَكْتُبْها، أوْ لَمْ تَدَعْها ؟ قالَ: يا ابْنَ أخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ مِن مَكانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَتُها وسُكْناها في الدّارِ سَنَةً، فَنَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ فَجُعِلَ لَهُنَّ الرُّبُعُ والثُّمُنُ مِمّا تَرَكَ الزَّوْجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَيْسَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَةٌ، حَسْبُها المِيراثُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والنَّسائِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَسَخَتْها ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: النِّكاحُ الحَلالُ الطَّيِّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَتّابِ بْنِ خُصَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ الفَرائِضِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلّا الَّتِي تُطَلِّقُها ولَمْ تَدْخُلْ بِها وقَدْ فُرِضَ لَها، كَفى بِالنِّصْفِ مَتاعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ طُلِّقَتْ حُرَّةً أوْ أمَةً مُتْعَةٌ، وقَرَأ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا طَلَّقَ حَفْصُ بْنُ المُغِيرَةِ امْرَأتَهُ فاطِمَةَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لِزَوْجِها: مَتِّعْها، قالَ: لا أجِدُ ما أُمَتِّعُها، قالَ: فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَتاعِ، مَتِّعْها ولَوْ نِصْفَ صاعٍ مِن تَمْرٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ، قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
البقرة 2:242
هَذا عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَلَفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن تَبِعَهم مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّ الوَصِيَّةَ المَذْكُورَةَ فِيها مَنسُوخَةٌ بِما فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا نَسْخَ فِيها، وأنَّ العِدَّةَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ وصِيَّةً مِنهُ سُكْنى سَبْعَةِ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ.
وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ والقاضِي عِياضٍ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ مَنسُوخٌ وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ ما أخْرَجَهُ ابْنُ (p-١٦٧)جَرِيرٍ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
وقَوْلُهُ: وصِيَّةٌ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والكِسائِيِّ بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا: أيْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ: لِأزْواجِهِمْ وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ: أيْ وصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ، أوْ حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةٌ.
وقَرَأ أبُو عُمَرَ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ أوْصى اللَّهُ وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً.
وقَوْلُهُ: مَتاعًا مَنصُوبٌ بِـ " وصِيَّةً " أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، أوْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتاعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ.
والمَتاعُ هُنا: نَفَقَةُ السَّنَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: مَتاعًا وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كَأنَّهُ قالَ: لا إخْراجًا، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ، أيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْرَ مُخْرَجاتٍ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن غَيْرِ إخْراجٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ لِأزْواجِهِمْ أنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا كامِلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن تَرِكَتِهِمْ ولا يَخْرُجْنَ مِن مَساكِنِهِنَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ يَعْنِي بِاخْتِيارِهِنَّ قَبْلَ الحَوْلِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم﴾ أيْ: لا حَرَجَ عَلى الوَلِيِّ والحاكِمِ وغَيْرِهِما ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ والتَّزَيُّنِ لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّساءَ كُنَّ مُخَيَّراتٍ في سُكْنى الحَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَتْمٍ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: المَعْنى لا جُناحَ عَلَيْكم في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الجُناحِ هو مَذْكُورٌ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيما فَعَلْنَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي المُتْعَةُ، وأنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالثَّيِّباتِ اللَّواتِي قَدْ جُومِعْنَ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُتْعَةِ لِلَّواتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ الأزْواجُ.
وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المُتْعَةِ والخِلافَ في كَوْنِها خاصَّةً بِمَن طُلِّقَتْ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ أوْ عامَّةً لِلْمُطَلَّقاتِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ شامِلَةٌ لِلْمُتْعَةِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ، وغَيْرِ الواجِبَةِ وهي مُتْعَةُ سائِرِ المُطَلَّقاتِ فَإنَّها مُسْتَحَبَّةٌ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُتْعَةِ هُنا النَّفَقَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى فَلَمْ تَكْتُبْها، أوْ لَمْ تَدَعْها ؟ قالَ: يا ابْنَ أخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ مِن مَكانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَتُها وسُكْناها في الدّارِ سَنَةً، فَنَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ فَجُعِلَ لَهُنَّ الرُّبُعُ والثُّمُنُ مِمّا تَرَكَ الزَّوْجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَيْسَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَةٌ، حَسْبُها المِيراثُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والنَّسائِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَسَخَتْها ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: النِّكاحُ الحَلالُ الطَّيِّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَتّابِ بْنِ خُصَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ الفَرائِضِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلّا الَّتِي تُطَلِّقُها ولَمْ تَدْخُلْ بِها وقَدْ فُرِضَ لَها، كَفى بِالنِّصْفِ مَتاعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ طُلِّقَتْ حُرَّةً أوْ أمَةً مُتْعَةٌ، وقَرَأ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا طَلَّقَ حَفْصُ بْنُ المُغِيرَةِ امْرَأتَهُ فاطِمَةَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لِزَوْجِها: مَتِّعْها، قالَ: لا أجِدُ ما أُمَتِّعُها، قالَ: فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَتاعِ، مَتِّعْها ولَوْ نِصْفَ صاعٍ مِن تَمْرٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ، قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
البقرة 2:243
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:244
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:245
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:246
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:247
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:248
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:249
الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ هي رُؤْيَةُ القَلْبِ لا رُؤْيَةُ البَصَرِ.
والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: تَنَبَّهْ إلى أمْرِ الَّذِينَ خَرَجُوا، ولا تَحْتاجُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ كَذا قِيلَ.
وحاصِلُهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا الَّتِي بِمَعْنى الإدْراكِ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّنْبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الِانْتِهاءِ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مَعْنى الوُصُولِ، أيْ ألَمْ يَصِلْ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ، أيْ ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا.
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ هَؤُلاءِ لَمّا كانَتْ بِمَكانٍ مِنَ الشُّيُوعِ والشُّهْرَةِ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ عَلى الإقْرارِ بِها - بِمَنزِلَةِ المَعْلُومَةِ لِكُلِّ فَرْدٍ، أوِ المُبْصَرَةِ لِكُلِّ مُبْصِرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أُخْبِرُوا بِها ودَوَّنُوها وأشْهَرُوا أمْرَها، والخِطابُ هُنا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والكَلامُ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في مَقامِ التَّعْجِيبِ ادِّعاءً لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ بِحَيْثُ (p-١٦٨)يَسْتَوِي في إدْراكِهِ الشّاهِدُ والغائِبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ خَرَجُوا، وأُلُوفٌ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ هو أمْرُ تَكْوِينٍ، عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، أوْ تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم مَيْتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ كَأنَّهم أُمِرُوا فَأطاعُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ: أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مُوتُوا فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم، أوْ عَلى قالَ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنِ الإماتَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ: أيْ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ عَلى النّاسِ جَمِيعًا، أمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا فَلِكَوْنِهِ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا، وأمّا المُخاطَبُونَ فَلِكَوْنِهِ قَدْ أرْشَدَهم إلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ بِقِصَّةٍ هَؤُلاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قَصَّ عَلَيْكم وقاتِلُوا، هَذا إذا كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: " وقاتِلُوا " راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ كَما قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: مُوتُوا وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ لَهم قاتِلُوا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينِ أُحْيُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ والجِهادِ أمَرَ بِالإنْفاقِ في ذَلِكَ، و" مَن " اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و" ذا " خَبَرُهُ، و" الَّذِي " وصِلَتُهُ وصْفٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وإقْراضُ اللَّهِ مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأصْلُ القَرْضِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎وإذا جُوزِيَتْ قَرْضًا فاجْزِهِ
وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ في اللُّغَةِ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ.
قالَ أُمَيَّةُ:
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا ومَدِينًا مِثْلَ ما دانا
وقالَ آخَرُ:
؎فَجازى القُرُوضَ بِأمْثالِها ∗∗∗ فَبِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرّا
وقالَ الكِسائِي: القَرْضُ: ما أسْلَفْتَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ، وأصْلُ الكَلِمَةِ القَطْعُ، ومِنهُ المِقْراضُ واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ.
واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَمًّا شَبَّهَ إعْطاءَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ.
وقَوْلُهُ: حَسَنًا أيْ: طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ مِن دُونِ مَنٍّ ولا أذًى.
وقَوْلُهُ: فَيُضاعِفَهُ قَرَأ عاصِمٌ وغَيْرُهُ بِالألِفِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإثْباتِ الألِفِ ورَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " بِإسْقاطِ الألِفِ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ ونَصْبِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الفاءِ.
فَمَن نَصَبَ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُضاعِفُهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ هَذا التَّضْعِيفِ عَلى أقْوالٍ.
وقِيلَ: لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ فَهو القابِضُ الباسِطُ، والقَبْضُ: التَّقْتِيرُ، والبَسْطُ: التَّوْسِيعُ، وفِيهِ وعِيدٌ بِأنَّ مَن بَخِلَ مِنَ البَسْطِ يُوشِكُ أنْ يُبَدَّلَ بِالقَبْضِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ هو يُجازِيكم بِما قَدَّمْتُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وإذا أنْفَقْتُمْ مِمّا وسَّعَ بِهِ عَلَيْكم أحْسَنَ إلَيْكم، وإنْ بَخِلْتُمْ عاقَبَكم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، حَتّى إذا كانُوا بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا قالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم حَتّى يَعْبُدُوهُ فَأحْياهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي خَرَجُوا مِنها داوَرْدانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً عَنْ أبِي مالِكٍ وفِيها أنَّهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ دِيارَهم هي أذَرِعاتٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانُوا تِسْعَةَ آلافٍ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن مُحَدِّثِي المُفَسِّرِينَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أنْحاءٍ، ولا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِن طُرُقِها بِفائِدَةٍ.
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ، وعَنْ دُخُولِ الأرْضِ الَّتِي هو بِها مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَناوَلَهُ يَدَهُ، قالَ: فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، ولَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ» .
وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، زادَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: أضْعافًا كَثِيرَةً قالَ: هَذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ أنَّهُ قالَ: «" إنَّ اللَّهَ لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ " فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِألْقاهُ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ، ولَمْ يَحْفَظْ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: " إنَّ اللَّهَ لِيُعْطِيَ العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ " ثُمَّ قالَ أبُو (p-١٦٩)هُرَيْرَةَ»: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرَةُ عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألِفٍ وألْفَيْ ألِفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألِفِ حَسَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخِرِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١] قالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ﴾» وفي البابِ أحادِيثُ، هَذِهِ أحْسَنُها وسَتَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ فابْحَثْها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ: يَقْبِضُ الصَّدَقَةَ، ويَبْسُطُ: قالَ: يُخْلِفُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قالَ: مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ تَعُودُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيمَن يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن لا يَجِدُ قُوَّةً وفِيمَن لا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلاءِ إلى القَرْضِ فَقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وأنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الخُرُوجِ لا تُرِيدُهُ، ويَقْبِضُ عَنْ هَذا وهو يَطِيبُ نَفْسًا بِالخُرُوجِ ويَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمّا بِيَدِكَ يَكُنْ لَكَ الحَظُّ.
البقرة 2:250
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وقَدْ قَدَّمْناهُ، والمَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ كَأنَّهُما مُلِئُوا شَرَفًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مَلِئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ.
ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ قِصَّةً أُخْرى جَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ " مِن " ابْتِدائِيَّةٌ وعامِلُها مُقَدَّرٌ: أيْ كائِنَيْنِ مِن بَعْدِ مُوسى: أيْ بَعْدِ وفاتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قِيلَ: هو شَمْوِيلُ بْنُ يارَ بْنِ عَلْقَمَةَ ويُعْرَفُ بِابْنِ العَجُوزِ، ويُقالُ فِيهِ شَمْعُونُ، وهو مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن نَسْلِ هارُونَ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى، ولَمْ يُوجَدْ داوُدُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ إسْماعِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ أمِيرًا نَرْجِعُ إلَيْهِ ونَعْمَلُ عَلى رَأْيِهِ.
وقَوْلُهُ: " نُقاتِلْ " بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلِكِ.
وقُرِئَ بِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بِالفَتْحِ لِلسِّينِ وبِالكَسْرِ لُغَتانِ، وبِالثّانِيَةِ قَرَأ نافِعٌ، وبِالأُولى قَرَأ الباقُونَ.
قالَ في الكَشّافِ: وقِراءَةُ الكَسْرِ ضَعِيفَةٌ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَيْسَ لِلْكَسْرِ وجْهٌ انْتَهى.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسَّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حَرَّ وشَجَّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، وكَذا قالَ مَكِّيٌّ.
وقَدْ قَرَأ بِالكَسْرِ أيْضًا الحَسَنُ وطَلْحَةُ فَلا وجْهَ لِتَضْعِيفِ ذَلِكَ، وهو مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ: أيْ هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا، وإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى فِعْلِ المُقارَبَةِ لِتَقْرِيرِ ما هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ والإشْعارِ بِأنَّهُ كائِنٌ، وفُصِلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِها بِالشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ هَلْ عَسَيْتُمْ مُقاتَلَةً.
قالَ الأخْفَشُ: " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ زائِدَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ وما مَنَعَنا، كَما تَقُولُ: ما لَكَ ألّا تُصَلِّيَ، وقِيلَ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في أنْ لا نُقاتِلَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أجْوَدُها.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ تَعْلِيلٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإفْرادُ الأوْلادِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ وقَعَ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ، أوْ لِأنَّهم بِمَكانٍ فَوْقَ مَكانِ سائِرِ القَرابَةِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم تَوَلَّوْا لِاضْطِرابِ (p-١٧٠)نِيّاتِهِمْ وفُتُورِ عَزائِمِهِمْ.
واخْتُلِفَ في عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وطالُوتُ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وكانَ سَقّاءً، وقِيلَ: دَبّاغًا، وقِيلَ: مُكارِيًّا، ولَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ وهم بَنُو لاوِي، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ وهم بَنُو يَهُوذا، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ كَيْفَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ المُلْكِ، ولا هو مِمَّنْ أُوتِيَ سَعَةً مِنَ المالِ حَتّى نَتَّبِعَهُ لِشَرَفِهِ أوْ لِمالِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ﴾ حالِيَّةٌ وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ اخْتارَهُ واخْتِيارُ اللَّهِ هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم مَعَ ذَلِكَ وجْهَ الِاصْطِفاءِ: بِأنَّ اللَّهَ زادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ، الَّذِي هو مَلاكُ الإنْسانِ ورَأْسُ الفَضائِلِ وأعْظَمُ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وزادَهُ بَسْطَةً في الجِسْمِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الأثَرُ في الحُرُوبِ ونَحْوِها، فَكانَ قَوِيًّا في دِينِهِ وبَدَنِهِ، وذَلِكَ هو المُعْتَبَرُ، لا شَرَفُ النَّسَبِ.
فَإنَّ فَضائِلَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ فالمُلْكُ مُلْكُهُ، والعَبِيدُ عَبِيدُهُ، فَما لَكم والِاعْتِراضُ عَلى شَيْءٍ لَيْسَ هو لَكم ولا أمْرُهُ إلَيْكم.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن قَوْلِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ نَبِيِّهِمْ وهو الظّاهِرُ.
وقَوْلُهُ: واسِعٌ أيْ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ المُلْكَ ويَصْلُحُ لَهُ.
والتّابُوتُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ وهو الرُّجُوعُ لِأنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ: أيْ عَلامَةُ مُلْكِهِ إتْيانُ التّابُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنهم: أيْ رُجُوعُهُ إلَيْكم وهو صُنْدُوقُ التَّوْراةِ.
والسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والوَقارِ والطُّمَأْنِينَةِ: أيْ فِيهِ سَبَبُ سُكُونِ قُلُوبِكم فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن أمْرِ طالُوتَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أنَّ التّابُوتَ كانَتْ فِيهِ أشْياءُ فاضِلَةٌ مِن بَقايا الأنْبِياءِ وآثارِهِمْ، فَكانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إلى ذَلِكَ وتَأْنَسُ بِهِ وتَتَقَوّى.
وقَدِ اخْتُلِفَ في السَّكِينَةِ عَلى أقْوالٍ سَيَأْتِي بَيانُ بَعْضِها، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في البَقِيَّةِ، فَقِيلَ: هي عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِآلِ مُوسى وهارُونَ هُما أنْفُسُهُما: أيْ مِمّا تَرَكَ هارُونُ ومُوسى، ولَفْظُ آلِ مُقْحَمَةٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، وقِيلَ: المُرادُ الأنْبِياءُ مِن بَنِي يَعْقُوبَ لِأنَّهُما مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، فَسائِرُ قَرابَتِهِ ومَن تَناسَلَ مِنهُ آلٌ لَهُما.
وفَصَلَ مَعْناهُ: خَرَجَ بِهِمْ، فَصَلْتُ الشَّيْءَ فانْفَصَلَ أيْ قَطَعْتُهُ فانْقَطَعَ، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ، يُقالُ: فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ اللّازِمِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: إنَّ فَصَلَ يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومَتَعَدِّيًا، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ البَلَدِ فُصُولًا، وفَصَلَ نَفْسَهُ فَصَلًا.
والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.
والنَّهَرُ: قِيلَ: هو بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ ومُجاهِدٌ والأعْرَجُ بِسُكُونِ الهاءِ.
والمُرادُ بِهَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُ طاعَتِهِمْ، فَمَن أطاعَ في ذَلِكَ الماءِ أطاعَ فِيما عَداهُ، ومَن عَصى في هَذا وغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَهو بِالعِصْيانِ في سائِرِ الشَّدائِدِ أحْرى، ورَخَّصَ لَهم في الغُرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عَنْهم أذى العَطَشِ عِنْدَ الصّابِرِينَ عَلى شَظَفِ العَيْشِ الدّافِعِينَ أنْفُسَهم عَنِ الرَّفاهِيَةِ.
فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيْ كَرِعَ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الغُرْفَةِ، و" مَنِ " ابْتِدائِيَّةٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِن فُلانٍ كَأنَّهُ بَعْضُهُ لِاخْتِلاطِهِما وطُولِ صُحْبَتِهِما، وهَذا مَهِيعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يُقالُ: طَعِمْتُ الشَّيْءَ: أيْ ذُقْتُهُ، وأطْعَمْتُهُ الماءَ: أيْ أذَقْتَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ يُقالُ لَهُ طَعامٌ، والِاغْتِرافُ: الأخْذُ مِنَ الشَّيْءِ بِاليَدِ أوْ بِآلَةٍ، والغَرَفُ مِثْلُ الِاغْتِرافِ، والغُرْفَةُ المَرَّةُ الواحِدَةُ.
وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها، فالفَتْحُ لِلْمَرَّةِ، والضَّمُّ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُغْتَرَفِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ الغُرْفَةُ بِالكَفِّ الواحِدَةِ، وبِالضَّمِّ الغُرْفَةُ بِالكَفَّيْنِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَدْلِفُونَ إلى ماءٍ بِآنِيَةٍ ∗∗∗ إلّا اغْتِرافًا مِنَ الغُدْرانِ بِالرّاحِ
قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا سَيَأْتِي بَيانُ عَدَدِهِمْ، وقُرِئَ: " إلّا قَلِيلٌ " ولا وجْهَ لَهُ إلّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن هَجْرِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى: أيْ لَمْ يُعْطَهُ إلّا قَلِيلٌ، وهو تَعَسُّفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيْ جاوَزَ النَّهْرَ طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ أطاعُوهُ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في قُوَّةِ اليَقِينِ، فَبَعْضُهم قالَ: ﴿لا طاقَةَ لَنا﴾ و﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ يَتَيَقَّنُونَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ والفِئَةُ: الجَماعَةُ، والقِطْعَةُ مِنهم مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: أيْ قَطَعْتُهُ.
وقَوْلُهُ: بَرَزُوا أيْ صارُوا في البَرازِ وهو المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ.
وجالُوتُ أمِيرُ العَمالِقَةِ.
قالُوا: أيْ جَمِيعُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والإفْراغُ يُفِيدُ مَعْنى الكَثْرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ هَذا عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ وعَدَمِ الفَشَلِ، يُقالُ: ثَبَتَ قَدَمُ فُلانٍ عَلى كَذا إذا اسْتَقَرَّ لَهُ ولَمْ يَزَلْ عَنْهُ، وثَبَتَ قَدَمُهُ في الحَرْبِ إذا كانَ الغَلَبُ لَهُ والنَّصْرُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ هم جالُوتُ وجُنُودُهُ.
ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ إظْهارًا لِما هو العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وهي كُفْرُهم، وذَكَرَ النَّصْرَ بَعْدَ سُؤالِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ، لِكَوْنِ الثّانِي هو غايَةُ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الهِزْمُ: بِالكَسْرِ، ومِنهُ سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ: أيِ انْثَنى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مَعَ الجَفافِ، ومِنهُ ما قِيلَ في زَمْزَمَ إنَّها هِزْمَةُ جِبْرِيلَ: أيْ هَزَمَها بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الماءُ، والهِزْمُ: ما يُكْسَرُ مِن يابِسِ الحَطَبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ هو داوُدُ بْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بَعْدَها مُعْجَمَةٌ، ويُقالُ: داوُدُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ بِشُوِي مِن سِبْطِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا، وكانَ أصْغَرَ إخْوَتِهِ، اخْتارَهُ طالُوتُ لِمُقاتَلَةِ جالُوتَ فَقَتَلَهُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ هُنا النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: هي تَعْلِيمُهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وقِيلَ: هي إعْطاؤُهُ (p-١٧١)السِّلْسِلَةَ الَّتِي كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ قِيلَ: إنَّ المُضارِعَ هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الماضِي، وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: داوُدُ.
وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلَّمَهُ مِمّا قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، وقَدْ قِيلَ إنَّ مِن ذَلِكَ ما قَدَّمْنا مِن تَعْلِيمِهِ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قَرَأهُ الجَماعَةُ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ " دِفاعُ " وهُما مَصْدَرانِ لِدَفَعَ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: دافِعٌ ودَفْعٌ واحِدٌ مِثْلُ: طَرَقْتُ نَعْلِي وطارَقْتُهُ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ وأنْكَرَ قِراءَةَ " دِفاعُ "، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ.
قالَ مَكِّيٌّ: يُوهِمُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هَذا مِن بابِ المُفاعَلَةِ ولَيْسَ بِهِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ: أيْ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ و" بَعْضُهم " بَدَلٌ مِن " النّاسَ " وهُمُ الَّذِينَ يُباشِرُونَ أسْبابَ الشَّرِّ والفَسادِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهم عَنْ ذَلِكَ ويَرُدُّونَهم عَنْهُ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لِتَغَلُّبِ أهْلِ الفَسادِ عَلَيْها وإحْداثِهِمْ لِلشُّرُورِ الَّتِي تُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ وتَنْكِيرُ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ.
وآياتُ اللَّهِ: هي ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ القِصَّةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا الخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ والمُطَّلِعِينَ عَلى أخْبارِ العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وتَثْبِيتًا لِجَنانِهِ وتَشْدِيدًا لِأمْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ هَذا حِينَ رُفِعَتِ النُّبُوَّةُ واسْتُخْرِجَ أهْلُ الإيمانِ، وكانَتِ الجَبابِرَةُ قَدْ أخْرَجَتْهم مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ وذَلِكَ حِينَ أتاهُمُ التّابُوتُ، قالَ: وكانَ مِن إسْرائِيلَ سِبْطانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خِلافَةٍ، فَلا تَكُونُ الخِلافَةُ إلّا في سِبْطِ الخِلافَةِ، ولا تَكُونُ النُّبُوَّةُ إلّا في سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ ولَيْسَ مِن أحَدِ السِّبْطَيْنِ لا مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ ولا مِن سِبْطِ الخِلافَةِ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَأبَوْا أنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الرِّياسَةَ حَتّى قالَ لَهم: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ﴾ وكانَ مُوسى حِينَ ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ ورُفِعَ مِنها وجُمِعَ ما بَقِيَ فَجَعَلَهُ في التّابُوتِ، وكانَتِ العَمالِقَةُ قَدْ سَبَتْ ذَلِكَ التّابُوتَ، والعَمالِقَةُ فِرْقَةٌ مِن عادٍ كانُوا بِأرْيِحاءَ، فَجاءَتِ المَلائِكَةُ بِالتّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى وضَعَتْهُ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ قالُوا: نَعَمْ، فَسَلَّمُوا لَهُ ومَلَّكُوهُ، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا حَضَرُوا قِتالًا قَدَّمُوا التّابُوتَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ نَزَلَ بِذَلِكَ التّابُوتِ وبِالرُّكْنِ وبِعَصا مُوسى مِنَ الجَنَّةِ.
وبَلَغَنِي أنَّ التّابُوتَ وعَصا مُوسى في بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وأنَّهُما يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فَلا يَأْتِي التَّطْوِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً﴾ يَقُولُ: فَضِيلَةً ﴿فِي العِلْمِ والجِسْمِ﴾ يَقُولُ: كانَ عَظِيمًا جَسِيمًا يَفْضُلُ بَنِي إسْرائِيلَ بِعُنُقِهِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ قالَ: العِلْمُ بِالحَرْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ: أنَبِيًّا كانَ طالُوتُ ؟ قالَ: لا، لَمْ يَأْتِهِ وحْيٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تابُوتِ مُوسى ما سِعَتُهُ ؟ قالَ: نَحْوٌ مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ والطُّمَأْنِينَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ دابَّةٌ قَدْرُ الهِرِّ لَها عَيْنانِ لَهُما شُعاعٌ، وكانَ إذا التَقى الجَمْعانِ أخْرَجَتْ يَدَيْها ونَظَرَتْ إلَيْهِمْ فَيُهْزَمُ الجَيْشُ مِنَ الرُّعْبِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ ولَها رَأْسانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ثُمَّ هي بَعْدُ رِيحٌ هَفّافَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ، لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ كانَ يُغْسَلُ بِها قُلُوبُ الأنْبِياءِ ألْقى الألْواحَ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: هي رُوحٌ مِنَ اللَّهِ لا تَتَكَلَّمُ، إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَكَلَّمَ فَأخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي شَيْءٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فِيهِ سَكِينَةٌ، أيْ وقارٌ.
وأقُولُ: هَذِهِ التَّفاسِيرُ المُتَناقِضَةُ لَعَلَّها وصَلَتْ إلى هَؤُلاءِ الأعْلامِ مِن جِهَةِ اليَهُودِ أقْماهُمُ اللَّهُ، فَجاءُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ لِقَصْدِ التَّلاعُبِ بِالمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ، وانْظُرْ إلى جَعْلِهِمْ لَها تارَةً حَيَوانًا وتارَةً جَمادًا وتارَةً شَيْئًا لا يُعْقَلُ، كَقَوْلِ مُجاهِدٍ: كَهَيْئَةِ الرِّيحِ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ، وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وهَكَذا كُلُّ مَنقُولٍ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَناقَضُ ويَشْتَمِلُ عَلى ما لا يُعْقَلُ في الغالِبِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ التَّفاسِيرِ المُتَناقِضَةِ مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا رَأْيًا رَآهُ قائِلُهُ، فَهم أجَّلُ قَدْرًا مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ وبِما لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ.
إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ الواجِبَ الرُّجُوعُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى مَعْنى السَّكِينَةِ لُغَةً وهو مَعْرُوفٌ ولا حاجَةَ إلى رُكُوبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُتَعَسِّفَةِ المُتَناقِضَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْها سَعَةً ولَوْ ثَبَتَ لَنا في السَّكِينَةِ تَفْسِيرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوَجَبَ عَلَيْنا المَصِيرُ إلَيْهِ والقَوْلُ بِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ بَلْ ثَبَتَ أنَّها تَنَزَّلَتْ عَنْ (p-١٧٢)بَعْضِ الصَّحابَةِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ البَراءِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها: فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ» .
ولَيْسَ في هَذا إلّا أنَّ هَذِهِ الَّتِي سَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَحابَةٌ دارَتْ عَلى ذَلِكَ القارِئِ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ قالَ: عَصاهُ ورُضاضُ الألْواحِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ في التّابُوتِ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، وثِيابُ مُوسى وثِيابُ هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، والمَنُّ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: أقْبَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتّى وضَعَتْهُ في بَيْتِ طالُوتَ فَأصْبَحَ في دارِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ يَقُولُ: بِالعَطَشِ، فَلَمّا انْتَهى إلى النَّهْرِ وهو نَهْرُ الأُرْدُنِّ كَرَعَ فِيهِ عامَّةُ النّاسِ فَشَرِبُوا مِنهُ، فَلَمْ يَزِدْ مَن شَرِبَ مِنهُ إلّا عَطَشًا، وأجْزَأ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ وانْقَطَعَ الظَّمَأُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم﴾ قالَ: القَلِيلُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةُ عَشَرَ عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ أصْحابَ بَدْرٍ عَلى عِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ، ولَمْ يُجاوِزْ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةُ عَشَرَ وثَلاثُمِائَةٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: أنْتُمْ بِعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ يَوْمَ لَقِيَ جالُوتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَشَرِبُوا مِنهُ كُلُّهم إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَدَّهم طالُوتُ ومَضى ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ طالُوتُ أمِيرًا عَلى الجَيْشِ، فَبَعَثَ أبُو داوُدَ مَعَ داوُدَ بِشَيْءٍ إلى إخْوَتِهِ، فَقالَ داوُدُ لِطالُوتَ: ماذا لِي، وأقْبَلَ جالُوتُ فَقالَ: لَكَ ثُلُثُ مُلْكِي وأُنْكِحُكَ ابْنَتِي، فَأخَذَ مِخْلاةً فَجَعَلَ فِيها ثَلاثَ مَرَواتٍ، ثُمَّ سَمّى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَهِي وإلَهِ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَخَرَجَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ في مَرْحَمَتِهِ، فَرَمى بِها جالُوتَ فَخَرَقَ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَيْضَةً عَنْ رَأْسِهِ وقَتَلَتْ ما وراءَهُ ثَلاثِينَ ألْفًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أقاصِيصَ كَثِيرَةً مِن هَذا الجِنْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قالَ: يَدْفَعُ اللَّهُ بِمَن يُصَلِّي عَمَّنْ لا يُصَلِّي، وبِمَن يَحُجُّ عَمَّنْ لا يَحُجُّ، وبِمَن يُزَكِّي عَمَّنْ لا يُزَكِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصّالِحِ عَنْ مِائَةِ أهْلِ بَيْتٍ مِن جِيرانِهِ البَلاءَ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ العَطّارُ الحِمْصِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
البقرة 2:251
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وقَدْ قَدَّمْناهُ، والمَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ كَأنَّهُما مُلِئُوا شَرَفًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مَلِئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ.
ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ قِصَّةً أُخْرى جَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ " مِن " ابْتِدائِيَّةٌ وعامِلُها مُقَدَّرٌ: أيْ كائِنَيْنِ مِن بَعْدِ مُوسى: أيْ بَعْدِ وفاتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قِيلَ: هو شَمْوِيلُ بْنُ يارَ بْنِ عَلْقَمَةَ ويُعْرَفُ بِابْنِ العَجُوزِ، ويُقالُ فِيهِ شَمْعُونُ، وهو مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن نَسْلِ هارُونَ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى، ولَمْ يُوجَدْ داوُدُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ إسْماعِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ أمِيرًا نَرْجِعُ إلَيْهِ ونَعْمَلُ عَلى رَأْيِهِ.
وقَوْلُهُ: " نُقاتِلْ " بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلِكِ.
وقُرِئَ بِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بِالفَتْحِ لِلسِّينِ وبِالكَسْرِ لُغَتانِ، وبِالثّانِيَةِ قَرَأ نافِعٌ، وبِالأُولى قَرَأ الباقُونَ.
قالَ في الكَشّافِ: وقِراءَةُ الكَسْرِ ضَعِيفَةٌ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَيْسَ لِلْكَسْرِ وجْهٌ انْتَهى.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسَّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حَرَّ وشَجَّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، وكَذا قالَ مَكِّيٌّ.
وقَدْ قَرَأ بِالكَسْرِ أيْضًا الحَسَنُ وطَلْحَةُ فَلا وجْهَ لِتَضْعِيفِ ذَلِكَ، وهو مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ: أيْ هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا، وإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى فِعْلِ المُقارَبَةِ لِتَقْرِيرِ ما هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ والإشْعارِ بِأنَّهُ كائِنٌ، وفُصِلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِها بِالشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ هَلْ عَسَيْتُمْ مُقاتَلَةً.
قالَ الأخْفَشُ: " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ زائِدَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ وما مَنَعَنا، كَما تَقُولُ: ما لَكَ ألّا تُصَلِّيَ، وقِيلَ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في أنْ لا نُقاتِلَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أجْوَدُها.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ تَعْلِيلٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإفْرادُ الأوْلادِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ وقَعَ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ، أوْ لِأنَّهم بِمَكانٍ فَوْقَ مَكانِ سائِرِ القَرابَةِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم تَوَلَّوْا لِاضْطِرابِ (p-١٧٠)نِيّاتِهِمْ وفُتُورِ عَزائِمِهِمْ.
واخْتُلِفَ في عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وطالُوتُ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وكانَ سَقّاءً، وقِيلَ: دَبّاغًا، وقِيلَ: مُكارِيًّا، ولَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ وهم بَنُو لاوِي، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ وهم بَنُو يَهُوذا، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ كَيْفَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ المُلْكِ، ولا هو مِمَّنْ أُوتِيَ سَعَةً مِنَ المالِ حَتّى نَتَّبِعَهُ لِشَرَفِهِ أوْ لِمالِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ﴾ حالِيَّةٌ وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ اخْتارَهُ واخْتِيارُ اللَّهِ هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم مَعَ ذَلِكَ وجْهَ الِاصْطِفاءِ: بِأنَّ اللَّهَ زادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ، الَّذِي هو مَلاكُ الإنْسانِ ورَأْسُ الفَضائِلِ وأعْظَمُ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وزادَهُ بَسْطَةً في الجِسْمِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الأثَرُ في الحُرُوبِ ونَحْوِها، فَكانَ قَوِيًّا في دِينِهِ وبَدَنِهِ، وذَلِكَ هو المُعْتَبَرُ، لا شَرَفُ النَّسَبِ.
فَإنَّ فَضائِلَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ فالمُلْكُ مُلْكُهُ، والعَبِيدُ عَبِيدُهُ، فَما لَكم والِاعْتِراضُ عَلى شَيْءٍ لَيْسَ هو لَكم ولا أمْرُهُ إلَيْكم.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن قَوْلِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ نَبِيِّهِمْ وهو الظّاهِرُ.
وقَوْلُهُ: واسِعٌ أيْ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ المُلْكَ ويَصْلُحُ لَهُ.
والتّابُوتُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ وهو الرُّجُوعُ لِأنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ: أيْ عَلامَةُ مُلْكِهِ إتْيانُ التّابُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنهم: أيْ رُجُوعُهُ إلَيْكم وهو صُنْدُوقُ التَّوْراةِ.
والسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والوَقارِ والطُّمَأْنِينَةِ: أيْ فِيهِ سَبَبُ سُكُونِ قُلُوبِكم فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن أمْرِ طالُوتَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أنَّ التّابُوتَ كانَتْ فِيهِ أشْياءُ فاضِلَةٌ مِن بَقايا الأنْبِياءِ وآثارِهِمْ، فَكانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إلى ذَلِكَ وتَأْنَسُ بِهِ وتَتَقَوّى.
وقَدِ اخْتُلِفَ في السَّكِينَةِ عَلى أقْوالٍ سَيَأْتِي بَيانُ بَعْضِها، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في البَقِيَّةِ، فَقِيلَ: هي عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِآلِ مُوسى وهارُونَ هُما أنْفُسُهُما: أيْ مِمّا تَرَكَ هارُونُ ومُوسى، ولَفْظُ آلِ مُقْحَمَةٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، وقِيلَ: المُرادُ الأنْبِياءُ مِن بَنِي يَعْقُوبَ لِأنَّهُما مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، فَسائِرُ قَرابَتِهِ ومَن تَناسَلَ مِنهُ آلٌ لَهُما.
وفَصَلَ مَعْناهُ: خَرَجَ بِهِمْ، فَصَلْتُ الشَّيْءَ فانْفَصَلَ أيْ قَطَعْتُهُ فانْقَطَعَ، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ، يُقالُ: فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ اللّازِمِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: إنَّ فَصَلَ يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومَتَعَدِّيًا، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ البَلَدِ فُصُولًا، وفَصَلَ نَفْسَهُ فَصَلًا.
والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.
والنَّهَرُ: قِيلَ: هو بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ ومُجاهِدٌ والأعْرَجُ بِسُكُونِ الهاءِ.
والمُرادُ بِهَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُ طاعَتِهِمْ، فَمَن أطاعَ في ذَلِكَ الماءِ أطاعَ فِيما عَداهُ، ومَن عَصى في هَذا وغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَهو بِالعِصْيانِ في سائِرِ الشَّدائِدِ أحْرى، ورَخَّصَ لَهم في الغُرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عَنْهم أذى العَطَشِ عِنْدَ الصّابِرِينَ عَلى شَظَفِ العَيْشِ الدّافِعِينَ أنْفُسَهم عَنِ الرَّفاهِيَةِ.
فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيْ كَرِعَ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الغُرْفَةِ، و" مَنِ " ابْتِدائِيَّةٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِن فُلانٍ كَأنَّهُ بَعْضُهُ لِاخْتِلاطِهِما وطُولِ صُحْبَتِهِما، وهَذا مَهِيعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يُقالُ: طَعِمْتُ الشَّيْءَ: أيْ ذُقْتُهُ، وأطْعَمْتُهُ الماءَ: أيْ أذَقْتَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ يُقالُ لَهُ طَعامٌ، والِاغْتِرافُ: الأخْذُ مِنَ الشَّيْءِ بِاليَدِ أوْ بِآلَةٍ، والغَرَفُ مِثْلُ الِاغْتِرافِ، والغُرْفَةُ المَرَّةُ الواحِدَةُ.
وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها، فالفَتْحُ لِلْمَرَّةِ، والضَّمُّ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُغْتَرَفِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ الغُرْفَةُ بِالكَفِّ الواحِدَةِ، وبِالضَّمِّ الغُرْفَةُ بِالكَفَّيْنِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَدْلِفُونَ إلى ماءٍ بِآنِيَةٍ ∗∗∗ إلّا اغْتِرافًا مِنَ الغُدْرانِ بِالرّاحِ
قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا سَيَأْتِي بَيانُ عَدَدِهِمْ، وقُرِئَ: " إلّا قَلِيلٌ " ولا وجْهَ لَهُ إلّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن هَجْرِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى: أيْ لَمْ يُعْطَهُ إلّا قَلِيلٌ، وهو تَعَسُّفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيْ جاوَزَ النَّهْرَ طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ أطاعُوهُ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في قُوَّةِ اليَقِينِ، فَبَعْضُهم قالَ: ﴿لا طاقَةَ لَنا﴾ و﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ يَتَيَقَّنُونَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ والفِئَةُ: الجَماعَةُ، والقِطْعَةُ مِنهم مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: أيْ قَطَعْتُهُ.
وقَوْلُهُ: بَرَزُوا أيْ صارُوا في البَرازِ وهو المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ.
وجالُوتُ أمِيرُ العَمالِقَةِ.
قالُوا: أيْ جَمِيعُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والإفْراغُ يُفِيدُ مَعْنى الكَثْرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ هَذا عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ وعَدَمِ الفَشَلِ، يُقالُ: ثَبَتَ قَدَمُ فُلانٍ عَلى كَذا إذا اسْتَقَرَّ لَهُ ولَمْ يَزَلْ عَنْهُ، وثَبَتَ قَدَمُهُ في الحَرْبِ إذا كانَ الغَلَبُ لَهُ والنَّصْرُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ هم جالُوتُ وجُنُودُهُ.
ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ إظْهارًا لِما هو العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وهي كُفْرُهم، وذَكَرَ النَّصْرَ بَعْدَ سُؤالِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ، لِكَوْنِ الثّانِي هو غايَةُ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الهِزْمُ: بِالكَسْرِ، ومِنهُ سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ: أيِ انْثَنى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مَعَ الجَفافِ، ومِنهُ ما قِيلَ في زَمْزَمَ إنَّها هِزْمَةُ جِبْرِيلَ: أيْ هَزَمَها بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الماءُ، والهِزْمُ: ما يُكْسَرُ مِن يابِسِ الحَطَبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ هو داوُدُ بْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بَعْدَها مُعْجَمَةٌ، ويُقالُ: داوُدُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ بِشُوِي مِن سِبْطِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا، وكانَ أصْغَرَ إخْوَتِهِ، اخْتارَهُ طالُوتُ لِمُقاتَلَةِ جالُوتَ فَقَتَلَهُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ هُنا النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: هي تَعْلِيمُهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وقِيلَ: هي إعْطاؤُهُ (p-١٧١)السِّلْسِلَةَ الَّتِي كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ قِيلَ: إنَّ المُضارِعَ هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الماضِي، وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: داوُدُ.
وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلَّمَهُ مِمّا قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، وقَدْ قِيلَ إنَّ مِن ذَلِكَ ما قَدَّمْنا مِن تَعْلِيمِهِ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قَرَأهُ الجَماعَةُ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ " دِفاعُ " وهُما مَصْدَرانِ لِدَفَعَ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: دافِعٌ ودَفْعٌ واحِدٌ مِثْلُ: طَرَقْتُ نَعْلِي وطارَقْتُهُ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ وأنْكَرَ قِراءَةَ " دِفاعُ "، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ.
قالَ مَكِّيٌّ: يُوهِمُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هَذا مِن بابِ المُفاعَلَةِ ولَيْسَ بِهِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ: أيْ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ و" بَعْضُهم " بَدَلٌ مِن " النّاسَ " وهُمُ الَّذِينَ يُباشِرُونَ أسْبابَ الشَّرِّ والفَسادِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهم عَنْ ذَلِكَ ويَرُدُّونَهم عَنْهُ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لِتَغَلُّبِ أهْلِ الفَسادِ عَلَيْها وإحْداثِهِمْ لِلشُّرُورِ الَّتِي تُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ وتَنْكِيرُ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ.
وآياتُ اللَّهِ: هي ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ القِصَّةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا الخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ والمُطَّلِعِينَ عَلى أخْبارِ العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وتَثْبِيتًا لِجَنانِهِ وتَشْدِيدًا لِأمْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ هَذا حِينَ رُفِعَتِ النُّبُوَّةُ واسْتُخْرِجَ أهْلُ الإيمانِ، وكانَتِ الجَبابِرَةُ قَدْ أخْرَجَتْهم مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ وذَلِكَ حِينَ أتاهُمُ التّابُوتُ، قالَ: وكانَ مِن إسْرائِيلَ سِبْطانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خِلافَةٍ، فَلا تَكُونُ الخِلافَةُ إلّا في سِبْطِ الخِلافَةِ، ولا تَكُونُ النُّبُوَّةُ إلّا في سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ ولَيْسَ مِن أحَدِ السِّبْطَيْنِ لا مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ ولا مِن سِبْطِ الخِلافَةِ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَأبَوْا أنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الرِّياسَةَ حَتّى قالَ لَهم: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ﴾ وكانَ مُوسى حِينَ ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ ورُفِعَ مِنها وجُمِعَ ما بَقِيَ فَجَعَلَهُ في التّابُوتِ، وكانَتِ العَمالِقَةُ قَدْ سَبَتْ ذَلِكَ التّابُوتَ، والعَمالِقَةُ فِرْقَةٌ مِن عادٍ كانُوا بِأرْيِحاءَ، فَجاءَتِ المَلائِكَةُ بِالتّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى وضَعَتْهُ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ قالُوا: نَعَمْ، فَسَلَّمُوا لَهُ ومَلَّكُوهُ، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا حَضَرُوا قِتالًا قَدَّمُوا التّابُوتَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ نَزَلَ بِذَلِكَ التّابُوتِ وبِالرُّكْنِ وبِعَصا مُوسى مِنَ الجَنَّةِ.
وبَلَغَنِي أنَّ التّابُوتَ وعَصا مُوسى في بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وأنَّهُما يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فَلا يَأْتِي التَّطْوِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً﴾ يَقُولُ: فَضِيلَةً ﴿فِي العِلْمِ والجِسْمِ﴾ يَقُولُ: كانَ عَظِيمًا جَسِيمًا يَفْضُلُ بَنِي إسْرائِيلَ بِعُنُقِهِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ قالَ: العِلْمُ بِالحَرْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ: أنَبِيًّا كانَ طالُوتُ ؟ قالَ: لا، لَمْ يَأْتِهِ وحْيٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تابُوتِ مُوسى ما سِعَتُهُ ؟ قالَ: نَحْوٌ مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ والطُّمَأْنِينَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ دابَّةٌ قَدْرُ الهِرِّ لَها عَيْنانِ لَهُما شُعاعٌ، وكانَ إذا التَقى الجَمْعانِ أخْرَجَتْ يَدَيْها ونَظَرَتْ إلَيْهِمْ فَيُهْزَمُ الجَيْشُ مِنَ الرُّعْبِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ ولَها رَأْسانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ثُمَّ هي بَعْدُ رِيحٌ هَفّافَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ، لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ كانَ يُغْسَلُ بِها قُلُوبُ الأنْبِياءِ ألْقى الألْواحَ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: هي رُوحٌ مِنَ اللَّهِ لا تَتَكَلَّمُ، إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَكَلَّمَ فَأخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي شَيْءٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فِيهِ سَكِينَةٌ، أيْ وقارٌ.
وأقُولُ: هَذِهِ التَّفاسِيرُ المُتَناقِضَةُ لَعَلَّها وصَلَتْ إلى هَؤُلاءِ الأعْلامِ مِن جِهَةِ اليَهُودِ أقْماهُمُ اللَّهُ، فَجاءُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ لِقَصْدِ التَّلاعُبِ بِالمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ، وانْظُرْ إلى جَعْلِهِمْ لَها تارَةً حَيَوانًا وتارَةً جَمادًا وتارَةً شَيْئًا لا يُعْقَلُ، كَقَوْلِ مُجاهِدٍ: كَهَيْئَةِ الرِّيحِ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ، وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وهَكَذا كُلُّ مَنقُولٍ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَناقَضُ ويَشْتَمِلُ عَلى ما لا يُعْقَلُ في الغالِبِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ التَّفاسِيرِ المُتَناقِضَةِ مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا رَأْيًا رَآهُ قائِلُهُ، فَهم أجَّلُ قَدْرًا مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ وبِما لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ.
إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ الواجِبَ الرُّجُوعُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى مَعْنى السَّكِينَةِ لُغَةً وهو مَعْرُوفٌ ولا حاجَةَ إلى رُكُوبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُتَعَسِّفَةِ المُتَناقِضَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْها سَعَةً ولَوْ ثَبَتَ لَنا في السَّكِينَةِ تَفْسِيرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوَجَبَ عَلَيْنا المَصِيرُ إلَيْهِ والقَوْلُ بِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ بَلْ ثَبَتَ أنَّها تَنَزَّلَتْ عَنْ (p-١٧٢)بَعْضِ الصَّحابَةِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ البَراءِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها: فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ» .
ولَيْسَ في هَذا إلّا أنَّ هَذِهِ الَّتِي سَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَحابَةٌ دارَتْ عَلى ذَلِكَ القارِئِ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ قالَ: عَصاهُ ورُضاضُ الألْواحِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ في التّابُوتِ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، وثِيابُ مُوسى وثِيابُ هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، والمَنُّ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: أقْبَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتّى وضَعَتْهُ في بَيْتِ طالُوتَ فَأصْبَحَ في دارِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ يَقُولُ: بِالعَطَشِ، فَلَمّا انْتَهى إلى النَّهْرِ وهو نَهْرُ الأُرْدُنِّ كَرَعَ فِيهِ عامَّةُ النّاسِ فَشَرِبُوا مِنهُ، فَلَمْ يَزِدْ مَن شَرِبَ مِنهُ إلّا عَطَشًا، وأجْزَأ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ وانْقَطَعَ الظَّمَأُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم﴾ قالَ: القَلِيلُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةُ عَشَرَ عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ أصْحابَ بَدْرٍ عَلى عِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ، ولَمْ يُجاوِزْ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةُ عَشَرَ وثَلاثُمِائَةٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: أنْتُمْ بِعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ يَوْمَ لَقِيَ جالُوتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَشَرِبُوا مِنهُ كُلُّهم إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَدَّهم طالُوتُ ومَضى ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ طالُوتُ أمِيرًا عَلى الجَيْشِ، فَبَعَثَ أبُو داوُدَ مَعَ داوُدَ بِشَيْءٍ إلى إخْوَتِهِ، فَقالَ داوُدُ لِطالُوتَ: ماذا لِي، وأقْبَلَ جالُوتُ فَقالَ: لَكَ ثُلُثُ مُلْكِي وأُنْكِحُكَ ابْنَتِي، فَأخَذَ مِخْلاةً فَجَعَلَ فِيها ثَلاثَ مَرَواتٍ، ثُمَّ سَمّى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَهِي وإلَهِ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَخَرَجَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ في مَرْحَمَتِهِ، فَرَمى بِها جالُوتَ فَخَرَقَ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَيْضَةً عَنْ رَأْسِهِ وقَتَلَتْ ما وراءَهُ ثَلاثِينَ ألْفًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أقاصِيصَ كَثِيرَةً مِن هَذا الجِنْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قالَ: يَدْفَعُ اللَّهُ بِمَن يُصَلِّي عَمَّنْ لا يُصَلِّي، وبِمَن يَحُجُّ عَمَّنْ لا يَحُجُّ، وبِمَن يُزَكِّي عَمَّنْ لا يُزَكِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصّالِحِ عَنْ مِائَةِ أهْلِ بَيْتٍ مِن جِيرانِهِ البَلاءَ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ العَطّارُ الحِمْصِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
البقرة 2:252
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وقَدْ قَدَّمْناهُ، والمَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ كَأنَّهُما مُلِئُوا شَرَفًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مَلِئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ.
ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ قِصَّةً أُخْرى جَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ " مِن " ابْتِدائِيَّةٌ وعامِلُها مُقَدَّرٌ: أيْ كائِنَيْنِ مِن بَعْدِ مُوسى: أيْ بَعْدِ وفاتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قِيلَ: هو شَمْوِيلُ بْنُ يارَ بْنِ عَلْقَمَةَ ويُعْرَفُ بِابْنِ العَجُوزِ، ويُقالُ فِيهِ شَمْعُونُ، وهو مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن نَسْلِ هارُونَ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى، ولَمْ يُوجَدْ داوُدُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ إسْماعِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ أمِيرًا نَرْجِعُ إلَيْهِ ونَعْمَلُ عَلى رَأْيِهِ.
وقَوْلُهُ: " نُقاتِلْ " بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلِكِ.
وقُرِئَ بِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بِالفَتْحِ لِلسِّينِ وبِالكَسْرِ لُغَتانِ، وبِالثّانِيَةِ قَرَأ نافِعٌ، وبِالأُولى قَرَأ الباقُونَ.
قالَ في الكَشّافِ: وقِراءَةُ الكَسْرِ ضَعِيفَةٌ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَيْسَ لِلْكَسْرِ وجْهٌ انْتَهى.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسَّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حَرَّ وشَجَّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، وكَذا قالَ مَكِّيٌّ.
وقَدْ قَرَأ بِالكَسْرِ أيْضًا الحَسَنُ وطَلْحَةُ فَلا وجْهَ لِتَضْعِيفِ ذَلِكَ، وهو مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ: أيْ هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا، وإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى فِعْلِ المُقارَبَةِ لِتَقْرِيرِ ما هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ والإشْعارِ بِأنَّهُ كائِنٌ، وفُصِلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِها بِالشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ هَلْ عَسَيْتُمْ مُقاتَلَةً.
قالَ الأخْفَشُ: " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ زائِدَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ وما مَنَعَنا، كَما تَقُولُ: ما لَكَ ألّا تُصَلِّيَ، وقِيلَ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في أنْ لا نُقاتِلَ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أجْوَدُها.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ تَعْلِيلٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإفْرادُ الأوْلادِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ وقَعَ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ، أوْ لِأنَّهم بِمَكانٍ فَوْقَ مَكانِ سائِرِ القَرابَةِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم تَوَلَّوْا لِاضْطِرابِ (p-١٧٠)نِيّاتِهِمْ وفُتُورِ عَزائِمِهِمْ.
واخْتُلِفَ في عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وطالُوتُ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وكانَ سَقّاءً، وقِيلَ: دَبّاغًا، وقِيلَ: مُكارِيًّا، ولَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ وهم بَنُو لاوِي، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ وهم بَنُو يَهُوذا، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ كَيْفَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ المُلْكِ، ولا هو مِمَّنْ أُوتِيَ سَعَةً مِنَ المالِ حَتّى نَتَّبِعَهُ لِشَرَفِهِ أوْ لِمالِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ﴾ حالِيَّةٌ وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ اخْتارَهُ واخْتِيارُ اللَّهِ هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم مَعَ ذَلِكَ وجْهَ الِاصْطِفاءِ: بِأنَّ اللَّهَ زادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ، الَّذِي هو مَلاكُ الإنْسانِ ورَأْسُ الفَضائِلِ وأعْظَمُ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وزادَهُ بَسْطَةً في الجِسْمِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الأثَرُ في الحُرُوبِ ونَحْوِها، فَكانَ قَوِيًّا في دِينِهِ وبَدَنِهِ، وذَلِكَ هو المُعْتَبَرُ، لا شَرَفُ النَّسَبِ.
فَإنَّ فَضائِلَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ فالمُلْكُ مُلْكُهُ، والعَبِيدُ عَبِيدُهُ، فَما لَكم والِاعْتِراضُ عَلى شَيْءٍ لَيْسَ هو لَكم ولا أمْرُهُ إلَيْكم.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن قَوْلِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ نَبِيِّهِمْ وهو الظّاهِرُ.
وقَوْلُهُ: واسِعٌ أيْ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَحِقُّ المُلْكَ ويَصْلُحُ لَهُ.
والتّابُوتُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ وهو الرُّجُوعُ لِأنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ: أيْ عَلامَةُ مُلْكِهِ إتْيانُ التّابُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنهم: أيْ رُجُوعُهُ إلَيْكم وهو صُنْدُوقُ التَّوْراةِ.
والسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والوَقارِ والطُّمَأْنِينَةِ: أيْ فِيهِ سَبَبُ سُكُونِ قُلُوبِكم فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن أمْرِ طالُوتَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أنَّ التّابُوتَ كانَتْ فِيهِ أشْياءُ فاضِلَةٌ مِن بَقايا الأنْبِياءِ وآثارِهِمْ، فَكانَتِ النُّفُوسُ تَسْكُنُ إلى ذَلِكَ وتَأْنَسُ بِهِ وتَتَقَوّى.
وقَدِ اخْتُلِفَ في السَّكِينَةِ عَلى أقْوالٍ سَيَأْتِي بَيانُ بَعْضِها، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في البَقِيَّةِ، فَقِيلَ: هي عَصا مُوسى ورُضاضُ الألْواحِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِآلِ مُوسى وهارُونَ هُما أنْفُسُهُما: أيْ مِمّا تَرَكَ هارُونُ ومُوسى، ولَفْظُ آلِ مُقْحَمَةٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِما، وقِيلَ: المُرادُ الأنْبِياءُ مِن بَنِي يَعْقُوبَ لِأنَّهُما مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، فَسائِرُ قَرابَتِهِ ومَن تَناسَلَ مِنهُ آلٌ لَهُما.
وفَصَلَ مَعْناهُ: خَرَجَ بِهِمْ، فَصَلْتُ الشَّيْءَ فانْفَصَلَ أيْ قَطَعْتُهُ فانْقَطَعَ، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ، يُقالُ: فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ اللّازِمِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: إنَّ فَصَلَ يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومَتَعَدِّيًا، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ البَلَدِ فُصُولًا، وفَصَلَ نَفْسَهُ فَصَلًا.
والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.
والنَّهَرُ: قِيلَ: هو بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنَهَرٍ بِفَتْحِ الهاءِ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ ومُجاهِدٌ والأعْرَجُ بِسُكُونِ الهاءِ.
والمُرادُ بِهَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُ طاعَتِهِمْ، فَمَن أطاعَ في ذَلِكَ الماءِ أطاعَ فِيما عَداهُ، ومَن عَصى في هَذا وغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَهو بِالعِصْيانِ في سائِرِ الشَّدائِدِ أحْرى، ورَخَّصَ لَهم في الغُرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عَنْهم أذى العَطَشِ عِنْدَ الصّابِرِينَ عَلى شَظَفِ العَيْشِ الدّافِعِينَ أنْفُسَهم عَنِ الرَّفاهِيَةِ.
فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيْ كَرِعَ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الغُرْفَةِ، و" مَنِ " ابْتِدائِيَّةٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِن فُلانٍ كَأنَّهُ بَعْضُهُ لِاخْتِلاطِهِما وطُولِ صُحْبَتِهِما، وهَذا مَهِيعٌ في كَلامِ العَرَبِ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يُقالُ: طَعِمْتُ الشَّيْءَ: أيْ ذُقْتُهُ، وأطْعَمْتُهُ الماءَ: أيْ أذَقْتَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ يُقالُ لَهُ طَعامٌ، والِاغْتِرافُ: الأخْذُ مِنَ الشَّيْءِ بِاليَدِ أوْ بِآلَةٍ، والغَرَفُ مِثْلُ الِاغْتِرافِ، والغُرْفَةُ المَرَّةُ الواحِدَةُ.
وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها، فالفَتْحُ لِلْمَرَّةِ، والضَّمُّ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُغْتَرَفِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ الغُرْفَةُ بِالكَفِّ الواحِدَةِ، وبِالضَّمِّ الغُرْفَةُ بِالكَفَّيْنِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يَدْلِفُونَ إلى ماءٍ بِآنِيَةٍ ∗∗∗ إلّا اغْتِرافًا مِنَ الغُدْرانِ بِالرّاحِ
قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا سَيَأْتِي بَيانُ عَدَدِهِمْ، وقُرِئَ: " إلّا قَلِيلٌ " ولا وجْهَ لَهُ إلّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن هَجْرِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى: أيْ لَمْ يُعْطَهُ إلّا قَلِيلٌ، وهو تَعَسُّفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيْ جاوَزَ النَّهْرَ طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ أطاعُوهُ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في قُوَّةِ اليَقِينِ، فَبَعْضُهم قالَ: ﴿لا طاقَةَ لَنا﴾ و﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ يَتَيَقَّنُونَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ والفِئَةُ: الجَماعَةُ، والقِطْعَةُ مِنهم مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: أيْ قَطَعْتُهُ.
وقَوْلُهُ: بَرَزُوا أيْ صارُوا في البَرازِ وهو المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ.
وجالُوتُ أمِيرُ العَمالِقَةِ.
قالُوا: أيْ جَمِيعُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والإفْراغُ يُفِيدُ مَعْنى الكَثْرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ هَذا عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ وعَدَمِ الفَشَلِ، يُقالُ: ثَبَتَ قَدَمُ فُلانٍ عَلى كَذا إذا اسْتَقَرَّ لَهُ ولَمْ يَزَلْ عَنْهُ، وثَبَتَ قَدَمُهُ في الحَرْبِ إذا كانَ الغَلَبُ لَهُ والنَّصْرُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ هم جالُوتُ وجُنُودُهُ.
ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ إظْهارًا لِما هو العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وهي كُفْرُهم، وذَكَرَ النَّصْرَ بَعْدَ سُؤالِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ، لِكَوْنِ الثّانِي هو غايَةُ الأوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الهِزْمُ: بِالكَسْرِ، ومِنهُ سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ: أيِ انْثَنى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ مَعَ الجَفافِ، ومِنهُ ما قِيلَ في زَمْزَمَ إنَّها هِزْمَةُ جِبْرِيلَ: أيْ هَزَمَها بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الماءُ، والهِزْمُ: ما يُكْسَرُ مِن يابِسِ الحَطَبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ هو داوُدُ بْنُ إيشا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بَعْدَها مُعْجَمَةٌ، ويُقالُ: داوُدُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ بِشُوِي مِن سِبْطِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا، وكانَ أصْغَرَ إخْوَتِهِ، اخْتارَهُ طالُوتُ لِمُقاتَلَةِ جالُوتَ فَقَتَلَهُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ هُنا النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: هي تَعْلِيمُهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وقِيلَ: هي إعْطاؤُهُ (p-١٧١)السِّلْسِلَةَ الَّتِي كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ قِيلَ: إنَّ المُضارِعَ هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الماضِي، وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: داوُدُ.
وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلَّمَهُ مِمّا قَضَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، وقَدْ قِيلَ إنَّ مِن ذَلِكَ ما قَدَّمْنا مِن تَعْلِيمِهِ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وما بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قَرَأهُ الجَماعَةُ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ نافِعٌ " دِفاعُ " وهُما مَصْدَرانِ لِدَفَعَ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: دافِعٌ ودَفْعٌ واحِدٌ مِثْلُ: طَرَقْتُ نَعْلِي وطارَقْتُهُ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ وأنْكَرَ قِراءَةَ " دِفاعُ "، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ.
قالَ مَكِّيٌّ: يُوهِمُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هَذا مِن بابِ المُفاعَلَةِ ولَيْسَ بِهِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ: أيْ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ و" بَعْضُهم " بَدَلٌ مِن " النّاسَ " وهُمُ الَّذِينَ يُباشِرُونَ أسْبابَ الشَّرِّ والفَسادِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهم عَنْ ذَلِكَ ويَرُدُّونَهم عَنْهُ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لِتَغَلُّبِ أهْلِ الفَسادِ عَلَيْها وإحْداثِهِمْ لِلشُّرُورِ الَّتِي تُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ وتَنْكِيرُ " فَضْلٍ " لِلتَّعْظِيمِ.
وآياتُ اللَّهِ: هي ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ القِصَّةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا الخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ والمُطَّلِعِينَ عَلى أخْبارِ العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وتَثْبِيتًا لِجَنانِهِ وتَشْدِيدًا لِأمْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ هَذا حِينَ رُفِعَتِ النُّبُوَّةُ واسْتُخْرِجَ أهْلُ الإيمانِ، وكانَتِ الجَبابِرَةُ قَدْ أخْرَجَتْهم مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ وذَلِكَ حِينَ أتاهُمُ التّابُوتُ، قالَ: وكانَ مِن إسْرائِيلَ سِبْطانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خِلافَةٍ، فَلا تَكُونُ الخِلافَةُ إلّا في سِبْطِ الخِلافَةِ، ولا تَكُونُ النُّبُوَّةُ إلّا في سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ ولَيْسَ مِن أحَدِ السِّبْطَيْنِ لا مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ ولا مِن سِبْطِ الخِلافَةِ ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَأبَوْا أنْ يُسَلِّمُوا لَهُ الرِّياسَةَ حَتّى قالَ لَهم: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ﴾ وكانَ مُوسى حِينَ ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ ورُفِعَ مِنها وجُمِعَ ما بَقِيَ فَجَعَلَهُ في التّابُوتِ، وكانَتِ العَمالِقَةُ قَدْ سَبَتْ ذَلِكَ التّابُوتَ، والعَمالِقَةُ فِرْقَةٌ مِن عادٍ كانُوا بِأرْيِحاءَ، فَجاءَتِ المَلائِكَةُ بِالتّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى وضَعَتْهُ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ قالُوا: نَعَمْ، فَسَلَّمُوا لَهُ ومَلَّكُوهُ، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا حَضَرُوا قِتالًا قَدَّمُوا التّابُوتَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّ آدَمَ نَزَلَ بِذَلِكَ التّابُوتِ وبِالرُّكْنِ وبِعَصا مُوسى مِنَ الجَنَّةِ.
وبَلَغَنِي أنَّ التّابُوتَ وعَصا مُوسى في بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وأنَّهُما يَخْرُجانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مُخْتَصَرًا ومُطَوَّلًا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فَلا يَأْتِي التَّطْوِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً﴾ يَقُولُ: فَضِيلَةً ﴿فِي العِلْمِ والجِسْمِ﴾ يَقُولُ: كانَ عَظِيمًا جَسِيمًا يَفْضُلُ بَنِي إسْرائِيلَ بِعُنُقِهِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ قالَ: العِلْمُ بِالحَرْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ: أنَبِيًّا كانَ طالُوتُ ؟ قالَ: لا، لَمْ يَأْتِهِ وحْيٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تابُوتِ مُوسى ما سِعَتُهُ ؟ قالَ: نَحْوٌ مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّكِينَةُ الرَّحْمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ والطُّمَأْنِينَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: السَّكِينَةُ دابَّةٌ قَدْرُ الهِرِّ لَها عَيْنانِ لَهُما شُعاعٌ، وكانَ إذا التَقى الجَمْعانِ أخْرَجَتْ يَدَيْها ونَظَرَتْ إلَيْهِمْ فَيُهْزَمُ الجَيْشُ مِنَ الرُّعْبِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ رِيحٌ خَجُوجٌ ولَها رَأْسانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: السَّكِينَةُ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ثُمَّ هي بَعْدُ رِيحٌ هَفّافَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ، لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ كانَ يُغْسَلُ بِها قُلُوبُ الأنْبِياءِ ألْقى الألْواحَ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: هي رُوحٌ مِنَ اللَّهِ لا تَتَكَلَّمُ، إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَكَلَّمَ فَأخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي شَيْءٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: فِيهِ سَكِينَةٌ، أيْ وقارٌ.
وأقُولُ: هَذِهِ التَّفاسِيرُ المُتَناقِضَةُ لَعَلَّها وصَلَتْ إلى هَؤُلاءِ الأعْلامِ مِن جِهَةِ اليَهُودِ أقْماهُمُ اللَّهُ، فَجاءُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ لِقَصْدِ التَّلاعُبِ بِالمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ، وانْظُرْ إلى جَعْلِهِمْ لَها تارَةً حَيَوانًا وتارَةً جَمادًا وتارَةً شَيْئًا لا يُعْقَلُ، كَقَوْلِ مُجاهِدٍ: كَهَيْئَةِ الرِّيحِ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الهِرِّ، وجَناحانِ وذَنَبٌ مِثْلُ ذَنَبِ الهِرِّ.
وهَكَذا كُلُّ مَنقُولٍ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَناقَضُ ويَشْتَمِلُ عَلى ما لا يُعْقَلُ في الغالِبِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ التَّفاسِيرِ المُتَناقِضَةِ مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا رَأْيًا رَآهُ قائِلُهُ، فَهم أجَّلُ قَدْرًا مِنَ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ وبِما لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ.
إذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ الواجِبَ الرُّجُوعُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى مَعْنى السَّكِينَةِ لُغَةً وهو مَعْرُوفٌ ولا حاجَةَ إلى رُكُوبِ هَذِهِ الأُمُورِ المُتَعَسِّفَةِ المُتَناقِضَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْها سَعَةً ولَوْ ثَبَتَ لَنا في السَّكِينَةِ تَفْسِيرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوَجَبَ عَلَيْنا المَصِيرُ إلَيْهِ والقَوْلُ بِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ بَلْ ثَبَتَ أنَّها تَنَزَّلَتْ عَنْ (p-١٧٢)بَعْضِ الصَّحابَةِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ البَراءِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنها: فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ» .
ولَيْسَ في هَذا إلّا أنَّ هَذِهِ الَّتِي سَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَحابَةٌ دارَتْ عَلى ذَلِكَ القارِئِ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ قالَ: عَصاهُ ورُضاضُ الألْواحِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ في التّابُوتِ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، وثِيابُ مُوسى وثِيابُ هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَّوْراةِ، والمَنُّ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: أقْبَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ حَتّى وضَعَتْهُ في بَيْتِ طالُوتَ فَأصْبَحَ في دارِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ يَقُولُ: بِالعَطَشِ، فَلَمّا انْتَهى إلى النَّهْرِ وهو نَهْرُ الأُرْدُنِّ كَرَعَ فِيهِ عامَّةُ النّاسِ فَشَرِبُوا مِنهُ، فَلَمْ يَزِدْ مَن شَرِبَ مِنهُ إلّا عَطَشًا، وأجْزَأ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ وانْقَطَعَ الظَّمَأُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم﴾ قالَ: القَلِيلُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةُ عَشَرَ عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ أصْحابَ بَدْرٍ عَلى عِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ، ولَمْ يُجاوِزْ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةُ عَشَرَ وثَلاثُمِائَةٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: أنْتُمْ بِعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ يَوْمَ لَقِيَ جالُوتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَشَرِبُوا مِنهُ كُلُّهم إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَدَّهم طالُوتُ ومَضى ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ طالُوتُ أمِيرًا عَلى الجَيْشِ، فَبَعَثَ أبُو داوُدَ مَعَ داوُدَ بِشَيْءٍ إلى إخْوَتِهِ، فَقالَ داوُدُ لِطالُوتَ: ماذا لِي، وأقْبَلَ جالُوتُ فَقالَ: لَكَ ثُلُثُ مُلْكِي وأُنْكِحُكَ ابْنَتِي، فَأخَذَ مِخْلاةً فَجَعَلَ فِيها ثَلاثَ مَرَواتٍ، ثُمَّ سَمّى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَهِي وإلَهِ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَخَرَجَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ في مَرْحَمَتِهِ، فَرَمى بِها جالُوتَ فَخَرَقَ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَيْضَةً عَنْ رَأْسِهِ وقَتَلَتْ ما وراءَهُ ثَلاثِينَ ألْفًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أقاصِيصَ كَثِيرَةً مِن هَذا الجِنْسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قالَ: يَدْفَعُ اللَّهُ بِمَن يُصَلِّي عَمَّنْ لا يُصَلِّي، وبِمَن يَحُجُّ عَمَّنْ لا يَحُجُّ، وبِمَن يُزَكِّي عَمَّنْ لا يُزَكِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصّالِحِ عَنْ مِائَةِ أهْلِ بَيْتٍ مِن جِيرانِهِ البَلاءَ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ العَطّارُ الحِمْصِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
البقرة 2:253
قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الرُّسُلِ فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ بَلَغَ عِلْمُهم إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
والمُرادُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِبَعْضِهِمْ مِن مَزايا الكَمالِ فَوْقَ ما جَعَلَهُ لِلْآخَرِ، فَكانَ الأكْثَرُ مَزايا فاضِلًا والآخَرُ مَفْضُولًا.
وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ كَذَلِكَ دَلَّتِ الآيَةُ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] .
وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «لا تُفَضِّلُونِي عَلى الأنْبِياءِ» وفي لَفْظٍ آخَرَ «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» وفي لَفْظِ «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِالتَّفْضِيلِ، وأنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لِلْمَنعِ مِنَ التَّفْضِيلِ، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ كَما قالَ: «لا يَقُلْ أحَدُكم أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» تَواضُعًا مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ»، وقِيلَ: إنَّما نَهى عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْجِدالِ والخِصامِ في الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمِثْلِ ذَلِكَ لا إذا كانَ صُدُورُ ذَلِكَ مَأْمُونًا، وقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ إنَّما هو مِن جِهَةِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، لِأنَّها خَصْلَةٌ واحِدَةٌ لا تَفاضُلَ فِيها، ولا نَهْيَ عَنِ التَّفاضُلِ بِزِيادَةِ الخُصُوصِيّاتِ والكَراماتِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِمُجَرَّدِ الأهْواءِ والعَصَبِيَّةِ.
وفِي جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ ضَعْفٌ.
وعِنْدِي أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَجُوزُ لَنا أنْ نُفَضِّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ المَزايا الَّتِي هي مَناطُ التَّفْضِيلِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ ولَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ عِنْدَ البَشَرِ، فَقَدْ يَجْهَلُ أتْباعُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْضَ مَزاياهُ وخُصُوصِيّاتِهِ (p-١٧٣)فَضْلًا عَنْ مَزايا غَيْرِهِ، والتَّفْضِيلُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ الَّتِي يَكُونُ بِها هَذا فاضِلًا وهَذا مَفْضُولًا، لا قَبْلَ العِلْمِ بِبَعْضِها أوْ بِأكْثَرِها أوْ بِأقَلِّها، فَإنَّ ذَلِكَ تَفْضِيلٌ بِالجَهْلِ وإقْدامٌ عَلى أمْرٍ لا يَعْلَمُهُ الفاعِلُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا القُرْآنُ في الإخْبارِ لَنا بِأنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْبَشَرِ أنْ يُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ؟ وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالقُرْآنُ فِيهِ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، والسُّنَّةُ فِيها النَّهْيُ لِعِبادِهِ أنْ يُفَضِّلُوا بَيْنَ أنْبِيائِهِ، فَمَن تَعَرَّضَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما زاعِمًا أنَّهُما مُتَعارِضانِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا.
قَوْلُهُ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهو مُوسى ونَبِيُّنا سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ «قالَ في آدَمَ: إنَّهُ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ» .
وقَدْ ثَبَتَ ما يُفِيدُ ذَلِكَ في صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هَذا البَعْضُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأنْبِياءِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِكَثْرَةِ مَزاياهُ المُقْتَضِيَةِ لِتَفْضِيلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إدْرِيسُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَنا بِأنَّهُ رَفَعَهُ مَكانًا عَلِيًّا، وقِيلَ: إنَّهم أُولُو العَزْمِ، وقِيلَ: إبْراهِيمُ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أبْهَمَ هَذا البَعْضَ المَرْفُوعَ، فَلا يَجُوزُ لَنا التَّعَرُّضُ لِلْبَيانِ لَهُ إلّا بِبُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ مِن أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَرِدْ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِهِ هو مِن تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ وقَدْ نُهِينا عَنْهُ، وقَدْ جَزَمَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأطالُوا في ذَلِكَ، واسْتَدَلُّوا بِما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ومَزايا الكَمالِ وخِصالِ الفَضْلِ، وهم بِهَذا الجَزْمِ بِدَلِيلٍ لا يَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ قَدْ وقَعُوا في خَطَرَيْنِ وارْتَكَبُوا نَهْيَيْنِ، وهُما تَفْسِيرُ القُرْآنِ بِالرَّأْيِ، والدُّخُولُ في ذَرائِعِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَفْضِيلًا صَرِيحًا فَهو ذَرِيعَةٌ إلَيْهِ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ؛ لِأنَّ مَن جَزَمَ بِأنَّ هَذا البَعْضَ المَرْفُوعَ دَرَجاتٍ هو النَّبِيُّ الفُلانِيُّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى التَّفْضِيلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ أغْنى اللَّهُ نَبِيَّنا المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، فَإيّاكَ أنْ تَتَقَرَّبَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالدُّخُولِ في أبْوابٍ نَهاكَ عَنْ دُخُولِها فَتَعْصِيَهُ وتُسِيءَ وأنْتَ تَظُنُّ أنَّكَ مُطِيعٌ مُحْسِنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ أيِ الآياتِ الباهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ مِن إحْياءِ الأمْواتِ وإبْراءِ المَرْضى وغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ هو جِبْرِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ، لِأنَّ الثّانِي مَذْكُورٌ صَرِيحًا، والأوَّلُ والثّالِثُ وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ ما اقْتَتَلُوا، فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ " ولَكِنِ اخْتَلَفُوا " اسْتِثْناءٌ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ ولَكِنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ عَنِ اخْتِلافِهِمُ اخْتِلافًا عَظِيمًا حَتّى صارُوا مِلَلًا مُخْتَلِفَةً مِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ اقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذا الِاخْتِلافِ ﴿ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ لا رادَّ لِحُكْمِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِقَضائِهِ، فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ: اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، وجَعَلَ عِيسى كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، وهو عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ورُوحُهُ، وآتى داوُدَ زَبُورًا، وآتى سُلَيْمانَ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، وغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ قالَ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى، وأرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى النّاسِ كافَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ قالَ: مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَقُولُ: مِن بَعْدِ مُوسى وعِيسى.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ ومُعاوِيَةُ إذْ أقْبَلَ عَلِيٌّ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِمُعاوِيَةَ: أتُحِبُّ عَلِيًّا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنَّها سَتَكُونُ بَيْنَكم فِتْنَةٌ هُنَيْهَةٌ، قالَ مُعاوِيَةُ: فَما بَعْدُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: عَفْوُ اللَّهِ ورِضْوانُهُ، قالَ: رَضِينا بِقَضاءِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾» قالَ السُّيُوطِيُّ: وسَنَدُهُ واهٍ.
البقرة 2:254
ظاهِرُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: أنْفِقُوا الوُجُوبُ، وقَدْ حَمَلَهُ جَماعَةٌ عَلى صَدَقَةِ الفَرْضِ لِذَلِكَ، ولِما في آخِرِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَجْمَعُ زَكاةَ الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ القِتالِ وأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ إنْفاقُ المالِ مَرَّةً واجِبًا، ومَرَّةً نَدْبًا بِحَسَبِ تَعَيُّنِ الجِهادِ وعَدَمِ تَعَيُّنِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: أنْفِقُوا ما دُمْتُمْ قادِرِينَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ﴾ ما لا يُمْكِنُكُمُ الإنْفاقُ فِيهِ وهو ﴿يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ لا يَتَبايَعُ النّاسُ فِيهِ.
والخُلَّةُ: خالِصُ المَوَدَّةِ مَأْخُوذَةٌ مِن تَخَلُّلِ الأسْرارِ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ.
أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خُلَّةَ في يَوْمِ القِيامَةِ نافِعَةٌ ولا شَفاعَةَ مُؤَثِّرَةٌ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ " لا بَيْعَ " " ولا خَلَّةَ ولا شَفاعَةَ "، مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها مُنَوَّنَةً، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ، ووَجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ النُّحاةِ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ حَسّانَ:(p-١٧٤)
؎ألا طِعانٌ ألا فُرْسانُ عادِيَةٌ ألا تَجَشُّئُوكم حَوْلَ التَّنانِيرِ
ومِنَ الثّانِي قَوْلُ الرّاعِي:
؎وما صَرَمْتُكِ حَتّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ∗∗∗ لا ناقَةٌ لِيَ في هَذا ولا جَمَلُ
ويَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ التَّغايُرُ بِرَفْعِ البَعْضِ ونَصْبِ البَعْضِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الإعْرابِ.
قَوْلُهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ كافِرٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ مانِعُ الزَّكاةِ مَنعًا يُوجِبُ كُفْرَهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ في سِياقِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الزَّكاةِ والتَّطَوُّعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: يُقالُ نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ، ونَسَخَ شَهْرُ رَمَضانَ كُلَّ صَوْمٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ ناسًا يَتَخالَلُونَ في الدُّنْيا ويَشْفَعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَأمّا يَوْمُ القِيامَةِ فَلا خُلَّةَ إلّا خُلَّةُ المُتَّقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ والظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ.
البقرة 2:255
قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أيْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلّا هو، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
والحَيُّ: الباقِي، وقِيلَ: الَّذِي لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ، وقِيلَ: المُصَرِّفُ لِلْأُمُورِ والمُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ.
قالَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ إنَّهُ يُقالُ حَيٌّ كَما وصَفَ نَفْسَهُ، ويُسَلَّمُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ.
والقَيُّومُ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وقِيلَ: القائِمُ بِذاتِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ، وقِيلَ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يَنامُ، وقِيلَ: الَّذِي لا بَدِيلَ لَهُ.
وأصْلُ قَيُّومٍ قَيْوُومٌ اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ " الحَيُّ القَيّامُ " بِالألِفِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ القَيُّومَ أعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ وأصَحُّ بِناءً، وأثْبَتُ عِلَّةً.
والسِّنَةُ: النُّعاسُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والنُّعاسُ: ما يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ وانْطِباقِ العَيْنَيْنِ، فَإذا صارَ في القَلْبِ صارَ نَوْمًا.
وفَرَّقَ المُفَصِّلُ بَيْنَ السِّنَةِ والنُّعاسِ والنَّوْمِ، فَقالَ: السِّنَةُ مِنَ الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ انْتَهى.
والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في الفَرْقِ بَيْنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ أنَّ السِّنَةَ لا يُفْقَدُ مَعَها العَقْلُ، بِخِلافِ النَّوْمِ فَإنَّهُ اسْتِرْخاءُ أعْضاءِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ حَتّى يُفْقَدَ مَعَهُ العَقْلُ، بَلْ وجَمِيعُ الإدْراكاتِ بِسائِرِ المَشاعِرِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنهُما، وقَدَّمَ السِّنَةَ عَلى النَّوْمِ، لِكَوْنِها تَتَقَدَّمُهُ في الوُجُودِ.
قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنِ السِّنَةَ ما تَتَقَدَّمُ النَّوْمَ، فَإذا كانَتْ عِبارَةً عَنْ مُقَدِّمَةِ النَّوْمِ، فَإذا قِيلَ: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ دُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ نَوْمٌ بِطْرِيقِ الأوْلى، فَكانَ ذِكْرُ النَّوْمِ تَكْرارًا، قُلْنا: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْخُذَهُ نَوْمٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ انْتَهى.
وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةَ الَّتِي ذَكَرَها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، فَإنَّ النَّوْمَ قَدْ يَرِدُ ابْتِداءً مِن دُونِ ما ذُكِرَ مِنَ النُّعاسِ.
وإذا ورَدَ عَلى القَلْبِ والعَيْنِ دُفْعَةً واحِدَةً فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ نَوْمٌ، ولا يُقالُ لَهُ سِنَةٌ، فَلا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ السِّنَةِ نَفْيَ النَّوْمِ.
وقَدْ ورَدَ عَنِ العَرَبِ نَفْيُهُما جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ولا سِنَةٌ طَوالَ الدَّهْرِ تَأْخُذُهُ ولا يَنامُ وما في أمْرِهِ فَنَدُ
فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ السِّنَةِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْسانَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ السِّنَةَ، ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ، فَقَدْ يَأْخُذُهُ النَّوْمُ ولا تَأْخُذُهُ السِّنَةُ، فَلَوْ وقَعَ الِاقْتِصارُ في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى نَفْيِ السِّنَةِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ نَفْيَ النَّوْمِ، وهَكَذا لَوْ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى نَفْيِ النَّوْمِ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ السِّنَةِ، فَكَمْ مِن ذِي سِنَةٍ غَيْرُ نائِمٍ، وكَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
قَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ في هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ الإنْكارِ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ أحَدًا مِن عِبادِهِ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَ أحَدًا مِنهم بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّفْعِ في صُدُورِ عُبّادِ القُبُورِ والصَّدِّ في وُجُوهِهِمْ والفَتِّ في أعَضادِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِنهُ فَوْقَ ما يُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [ النَّبَأِ: ] بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ.
وقَدْ بَيَّنَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ في دَواوِينِ الإسْلامِ صِفَةَ الشَّفاعَةِ، ولِمَن هي، ومَن يَقُومُ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ الضَّمِيرانِ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ بِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ، وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم عِبارَةٌ عَنِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِمْ والمُتَأخِّرِ عَنْهم، أوْ عَنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما فِيهِما.
قَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإحاطَةِ، والعِلْمُ هُنا بِمَعْنى المَعْلُومِ: أيْ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ.
قَوْلُهُ: " وسِعَ كُرْسِيُّهُ " الكُرْسِيُّ الظّاهِرُ أنَّهُ الجِسْمُ الَّذِي ورَدَتِ الآثارُ بِصِفَتِهِ كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وقَدْ نَفى وُجُودَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وأخْطَئُوا في ذَلِكَ خَطَأً بَيِّنًا، وغَلِطُوا غَلَطًا فاحِشًا.
وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ الكُرْسِيَّ هُنا عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ.
قالُوا: ومِنهُ قِيلَ لِلْعُلَماءِ الكَراسِيُّ، ومِنهُ الكُرّاسَةُ الَّتِي يُجْمَعُ فِيها العِلْمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَحِفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ ∗∗∗ كَراسِيُّ بِالأخْبارِ حِينَ تَنُوبُ
ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وقِيلَ: كُرْسِيُّهُ قُدْرَتُهُ الَّتِي يُمْسِكُ بِها السَّماواتِ والأرْضَ، كَما يُقالُ: اجْعَلْ لِهَذا الحائِطِ كُرْسِيًّا: أيْ ما يَعْمِدُهُ، وقِيلَ: إنَّ الكُرْسِيَّ هو العَرْشُ، (p-١٧٥)وقِيلَ: هو تَصْوِيرٌ لِعَظَمَتِهِ ولا حَقِيقَةَ لَهُ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ المُلْكِ.
والحَقُّ القَوْلُ الأوَّلُ، ولا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ إلّا مُجَرَّدُ خَيالاتٍ تَسَبَّبَتْ عَنْ جَهالاتٍ وضَلالاتٍ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ أنَّها صارَتْ فِيهِ وأنَّهُ وسِعَها ولَمْ يَضِقْ عَنْها لِكَوْنِهِ بَسِيطًا واسِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ مَعْناهُ لا يُثْقِلُهُ ثَقالَةَ أدْنى الشَّيْءِ، بِمَعْنى أثْقَلَنِي وتَحَمَّلْتُ مِنهُ مَشَقَّةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: يَئُودُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْكُرْسِيِّ لِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ العَلِيِّ يُرادُ بِهِ عُلُوُّ القُدْرَةِ والمَنزِلَةِ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: هو العَلِيُّ عَنْ خَلْقِهِ بِارْتِفاعِ مَكانِهِ عَنْ أماكِنِ خَلْقِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ أقْوالُ جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ، وكانَ الواجِبُ أنْ لا تُحْكى انْتَهى.
والخِلافُ في إثْباتِ الجِهَةِ مَعْرُوفٌ في السَّلَفِ والخَلَفِ، والنِّزاعُ فِيهِ كائِنٌ بَيْنَهم، والأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعْرُوفَةٌ، ولَكِنَّ النّاشِئَ عَلى مَذْهَبٍ يَرى غَيْرَهُ خارِجًا عَنِ الشَّرْعِ ولا يَنْظُرُ في أدِلَّتِهِ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، والكِتابُ والسُّنَّةُ هُما المِعْيارُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ويَتَبَيَّنُ بِهِ الصَّحِيحُ مِنَ الفاسِدِ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] ولا شَكَّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى الظّاهِرِ الغالِبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمُ ∗∗∗ تَرَكْناهُمُ صَرْعى لِنَسْرٍ وكاسِرِ
والعَظِيمُ بِمَعْنى عَظُمَ شَأْنُهُ وخَطَرُهُ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى بَيانٌ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ غَيْرَ ساهٍ عَنْهُ.
والثّانِيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِما يُدَبِّرُهُ.
والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ بَيانٌ لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ.
والجُمْلَةُ الرّابِعَةُ بَيانٌ لِإحاطَتِهِ بِأحْوالِ الخَلْقِ وعِلْمِهِ بِالمُرْتَضى مِنهُمُ المُسْتَوْجِبِ لِلشَّفاعَةِ وغَيْرِ المُرْتَضى.
والجُمْلَةُ الخامِسَةُ بَيانٌ لِسَعَةِ عِلْمِهِ وتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، أوْ لِجَلالِهِ وعِظَمِ قَدْرِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: الحَيُّ أيْ حَيٌّ لا يَمُوتُ، القَيُّومُ القائِمُ الَّذِي لا بَدِيلَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: القَيُّومُ قالَ: القائِمُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: القَيُّومُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ قالَ: السِّنَةُ النُّعاسُ، والنَّوْمُ هو النَّوْمُ.
وأخْرَجُوا إلّا البَيْهَقِيَّ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: السِّنَةُ رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي تَأْخُذُهُ في الوَجْهِ فَيَنْعَسُ الإنْسانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا وما خَلْفَهم مِنَ الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ وما خَلْفَهم ما أضاعُوا مِن أعْمالِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قالَ: عِلْمُهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قالَ: كُرْسِيُّهُ مَوْضِعُ قَدَمِهِ، والعَرْشُ لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ بُسِطْنَ ثُمَّ وُصِلْنَ بِعْضُهُنَّ إلى بَعْضٍ ما كُنَّ في سَعَتِهِ - يَعْنِي الكُرْسِيِّ - إلّا بِمَنزِلَةِ الحَلْقَةِ في المَفازَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ: «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الكُرْسِيِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما السَّماواتُ السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ عَنْ عُمَرَ قالَ: «أتَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَّ سُبْحانَهُ وقالَ: إنَّ كُرْسِيَّهُ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وإنَّ لَهُ أطِيطًا كَأطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيدِ مِن ثِقَلِهِ» وفي إسْنادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلِيفَةَ ولَيْسَ بِالمَشْهُورِ. وفي سَماعِهِ مِن عُمَرَ نَظَرٌ، ومِنهم مَن يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أنَّهُ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ.
وفِي إسْنادِهِ الحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ الفَزارِيُّ الكُوفِيُّ وهو مَتْرُوكٌ.
وقَدْ ورَدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ في وصْفِ الكُرْسِيِّ آثارٌ لا حاجَةَ في بَسْطِها.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ السُّنَّةِ مِن سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدِيثًا في صِفَتِهِ، وكَذَلِكَ أوْرَدَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ وجابِرٍ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ قالَ: لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ولا يَئُودُهُ قالَ: ولا يُكْثِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: العَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عَظَمَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الآيَةِ أحادِيثُ.
فَأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَألَهُ: أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أعْظَمُ ؟ قالَ: آيَةُ الكُرْسِيِّ، قالَ: لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّهُ كانَ لَهُ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، فَكانَ يَتَعاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَحَرَسَهُ ذاتَ لَيْلَةٍ فَإذا هو بِدابَّةٍ شِبْهِ الغُلامِ المُحْتَلِمِ، قالَ: فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: ما أنْتَ، جِنِّيٌ أمْ إنْسِيٌّ ؟ قالَ: جِنِّيٌ، قُلْتُ: ناوِلْنِي يَدَكَ، فَناوَلَنِي فَإذا يَدُهُ يَدُ كَلْبٍ وشَعْرُهُ شَعْرُ كَلْبٍ، فَقُلْتُ: هَكَذا خُلِقَ الجِنُّ ؟ قالَ: لَقَدْ عَلِمَتِ الجِنُّ أنَّ ما فِيهِمْ مَن هو أشَدُّ مِنِّي، قُلْتُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ فَأحْبَبْنا أنْ نُصِيبَ مِن طَعامِكَ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: فَما الَّذِي يُجِيرُنا مِنكم ؟ (p-١٧٦)قالَ: هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ الكُرْسِيِّ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ مَن قالَها حِينَ يُمْسِي أُجِيرَ مِنّا حَتّى يُصْبِحَ، ومَن قالَها حِينَ يُصْبِحُ أُجِيرَ مِنّا حَتّى يُمْسِيَ فَلَمّا أصْبَحَ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: صَدَقَ الخَبِيثُ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنِ ابْنِ الأسْقَعِ البَكْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جاءَهم في صِفَةِ المُهاجِرِينَ، فَسَألَهُ إنْسانٌ: أيُّ آيَةٍ في القُرْآنِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ حَتّى انْقَضَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ أنْفَعَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكَلاعِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «وكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ، فَأتانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو وذَكَرَ قِصَّةً، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ لَهُ: دَعْنِي أُعْلِمْكَ كَلِماتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِها، قُلْتُ: ما هي ؟ قالَ: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، فَإنَّكَ لَنْ يَزالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حَتّى تُصْبِحَ، فَأخْبَرَ أبُو هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أمّا إنَّهُ صَدَقَكَ وهو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَن تُخاطِبُ يا أبا هُرَيْرَةَ ؟ قالَ: لا، قالَ: ذَلِكَ شَيْطانُ كَذا» .
وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أيُّوبَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أعْظَمُ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُورَةُ البَقَرَةِ فِيها آيَةٌ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ لا تُقْرَأُ في بَيْتٍ فِيهِ شَيْطانٌ إلّا خَرَجَ مِنهُ، آيَةُ الكُرْسِيِّ» .
قالَ الحاكِمُ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخْرِجاهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ مِن حَدِيثِ زائِدَةَ مَرْفُوعًا «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامٌ، وسَنامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وفِيها آيَةٌ هي سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، آيَةُ الكُرْسِيِّ»، وقالَ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ وضَعَّفَهُ، وكَذا ضَعَّفَهُ أحْمَدُ ويَحْيى بْنُ مَعِينٍ وغَيْرُ واحِدٍ، وتَرَكَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وكَذَّبَهُ السَّعْدِيُّ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾، و﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾: إنَّ فِيهِما اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ» .
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في فَضْلِها غَيْرُ هَذِهِ، ووَرَدَ أيْضًا في فَضْلِ قِراءَتِها دُبُرَ الصَّلَواتِ وفي غَيْرِ ذَلِكَ، ووَرَدَ أيْضًا في فَضْلِها مَعَ مُشارَكَةِ غَيْرِها لَها - أحادِيثُ، ووَرَدَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
البقرة 2:256
قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِالإسْلامِ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقالَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الأنْصارِ خاصَّةً، وسَيَأْتِي بَيانُ ما ورَدَ في ذَلِكَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مَعْناها لا تَقُولُوا لِمَن أسْلَمَ تَحْتَ السَّيْفِ إنَّهُ مُكْرَهٌ فَلا إكْراهَ في الدِّينِ.
القَوْلُ الخامِسُ: أنَّها ورَدَتْ في السَّبْيِ مَتى كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلى الإسْلامِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أيْ لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ، دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ لا تَحْتاجُ إلى أنْ يُكَرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن أعْمى اللَّهُ قَلَبَهُ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وبَصَرِهِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ في الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سادِسًا.
وقالَ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وبُنِيَ الأمْرُ عَلى الِاخْتِيارِ، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سابِعًا.
والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمادُهُ ويَتَعَيَّنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ: أنَّها في السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهو أنَّ المَرْأةَ مِنَ الأنْصارِ تَكُونُ مِقْلاةً لا يَكادُ يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ يَهُودُ بَنِي نَضِيرٍ كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا فَنَزَلَتْ، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن وُجُوهٍ، حاصِلُها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعَ زِياداتٍ تَتَضَمَّنُ أنَّ الأنْصارَ قالُوا: إنَّما جَعَلْناهم عَلى دِينِهِمْ: أيْ دِينِ اليَهُودِ، ونَحْنُ نَرى أنَّ دِينَهم أفْضَلُ مِن دِينِنا، وأنَّ اللَّهَ جاءَ بِالإسْلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم، فَلَمّا نَزَلَتْ خَيَّرَ الأبْناءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُكْرِهْهم عَلى الإسْلامِ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُكْرَهُونَ عَلى (p-١٧٧)الإسْلامِ إذا اخْتارُوا البَقاءَ عَلى دِينِهِمْ وأدَّوُا الجِزْيَةَ.
وأمّا أهْلُ الحَرْبِ فالآيَةُ وإنْ كانَتْ تَعُمُّهم؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ وتَعْرِيفِ الدِّينِ يُفِيدانِ ذَلِكَ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لَكِنْ قَدْ خُصَّ هَذا العُمُومُ بِما ورَدَ مِن آياتٍ في إكْراهِ أهْلِ الحَرْبِ مِنَ الكُفّارِ عَلى الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ الرُّشْدُ هُنا الإيمانُ، والغَيُّ الكُفْرُ، أيْ قَدْ تَمَيَّزَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
وهَذا اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ.
والطّاغُوتُ فَعَلُوتٌ مِن طَغى يَطْغِي ويَطْغُو: إذا جاوَزَ الحَدَّ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْمٌ مُذَكَّرٌ مُفْرَدٌ، أيِ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَهَبُوتٍ وجَبَرُوتٍ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقُلِبَتْ لامُهُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ وعَيْنُهُ إلى مَوْضِعِ اللّامِ كَجَبَذَ وجَذَبَ، ثُمَّ تُقْلَبُ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، فَقِيلَ: طاغُوتٌ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ النَّحّاسُ، وقِيلَ: أصْلُ الطّاغُوتِ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ يُؤَدِّي مَعْناهُ مِن غَيْرِ اشْتِقاقٍ، كَما قِيلَ: لَآلِئُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مَرْدُودٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطّاغُوتُ الكاهِنُ والشَّيْطانُ وكُلُّ رَأْسٍ في الضَّلالِ، وقَدْ يَكُونُ واحِدًا.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] وقَدْ يَكُونُ جَمْعًا.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ والجَمْعُ طَواغِيتٌ، أيْ فَمَن يَكْفُرُ بِالشَّيْطانِ أوِ الأصْنامِ أوْ أهْلِ الكِهانَةِ ورُءُوسِ الضَّلالَةِ أوْ بِالجَمِيعِ ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ما تَمَيَّزَ لَهُ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَقَدْ فازَ وتَمَسَّكَ بِالحَبْلِ الوَثِيقِ، أيِ المُحْكَمِ.
والوُثْقى فُعْلى مَنِ الوِثاقَةِ وجَمْعُها وُثُقٌ مِثْلُ الفُضْلى والفُضُلِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ العُرْوَةِ الوُثْقى بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ لِما هو مَعْلُومٌ بِالدَّلِيلِ بِما هو مُدْرَكٌ بِالحاسَّةِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالعُرْوَةِ الإيمانُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وقِيلَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ.
والِانْفِصامُ: الِانْكِسارُ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَصَمَ الشَّيْءَ كَسَرَهَ مِن غَيْرِ أنْ يَبِينَ.
وأمّا القَصْمُ بِالقافِ فَهو الكَسْرُ مَعَ البَيْنُونَةِ، وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ الِانْفِصامَ بِالِانْقِطاعِ.
قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الوَلِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو النّاصِرُ.
وقَوْلُهُ: يُخْرِجُهم تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ولِيٍّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أرادُوا الإيمانَ؛ لِأنَّ مَن قَدْ وقَعَ مِنهُ الإيمانُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا أنْ يُرادَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الإرادَةِ، والمُرادُ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ ما جاءَ بِهِ أنْبِياءُ اللَّهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، فَإنَّ ذَلِكَ نُورٌ لِلْكُفّارِ أخْرَجَهم أوْلِياؤُهم عَنْهُ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ: أيْ قَرَّرَهم أوْلِياؤُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ صَرْفِهِمْ عَنْ إجابَةِ الدّاعِي إلى اللَّهِ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ تَعالى كُفْرُهم يُخْرِجُهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ ورُءُوسِ الضَّلالِ مِنَ النُّورِ الَّذِي هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ الَّتِي وقَعُوا فِيها بِسَبَبِ ذَلِكَ الإخْراجِ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ وزادَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَيَّرَ الأبْناءَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، وقالَ: فَلَحِقَ بِهِمْ، أيْ بِبَنِي النَّضِيرِ مَن لَمْ يُسْلِمْ وبَقِيَ مَن أسْلَمَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ النّاسُ مِنَ الأنْصارِ مُسْتَرْضَعِينَ في بَنِي قُرَيْظَةَ فَثَبَتُوا عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أرادَ أهْلُوهم أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ الحُصَيْنُ، كانَ لَهُ ابْنانِ نَصْرانِيّانِ، وكانَ هو رَجُلًا مُسْلِمًا، فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ ؟ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ نَحْوَهُ.
وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ العَرَبُ لَيْسَ لَها دِينٌ، فَأُكْرِهُوا عَلى الدِّينِ بِالسَّيْفِ.
قالَ: ولا تُكْرِهُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى والمَجُوسَ إذا أعْطَوُا الجِزْيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أسْلَمَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ لِعَجُوزٍ نَصْرانِيَّةٍ: أسْلِمِي تَسْلَمِي، فَأبَتْ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ تَلا ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ لِزَنْبَقَ الرُّومِيِّ غُلامِهِ: لَوْ أسْلَمْتَ اسْتَعَنْتُ بِكَ عَلى أمانَةِ المُسْلِمِينَ فَأبى، فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ نَسَخَتْها: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الطّاغُوتُ الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الطّاغُوتُ الكاهِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الطّاغُوتُ السّاحِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الطّاغُوتُ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: العُرْوَةُ الوُثْقى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّها القُرْآنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها الإيمانُ.
وعَنْ سُفْيانَ: أنَّها كَلِمَةُ الإخْلاصِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ تَفْسِيرُ العُرْوَةِ الوُثْقى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالإسْلامِ مَرْفُوعًا في تَعْبِيرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِرُؤْيا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: (p-١٧٨)«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بِعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ، فَمَن تَمَسَّكَ بِهِما فَقَدْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ اللَّهِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِالقَدَرِ فَهي العُرْوَةُ الوُثْقى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ قالَ: لا انْقِطاعَ لَها دُونَ دُخُولِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا كَفَرُوا بِعِيسى فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ آمَنُوا بِعِيسى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الظُّلُماتُ الكُفْرُ، والنُّورُ الإيمانُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.
البقرة 2:257
قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِالإسْلامِ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقالَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الأنْصارِ خاصَّةً، وسَيَأْتِي بَيانُ ما ورَدَ في ذَلِكَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مَعْناها لا تَقُولُوا لِمَن أسْلَمَ تَحْتَ السَّيْفِ إنَّهُ مُكْرَهٌ فَلا إكْراهَ في الدِّينِ.
القَوْلُ الخامِسُ: أنَّها ورَدَتْ في السَّبْيِ مَتى كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلى الإسْلامِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أيْ لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ، دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ لا تَحْتاجُ إلى أنْ يُكَرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن أعْمى اللَّهُ قَلَبَهُ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وبَصَرِهِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ في الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سادِسًا.
وقالَ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وبُنِيَ الأمْرُ عَلى الِاخْتِيارِ، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سابِعًا.
والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمادُهُ ويَتَعَيَّنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ: أنَّها في السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهو أنَّ المَرْأةَ مِنَ الأنْصارِ تَكُونُ مِقْلاةً لا يَكادُ يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ يَهُودُ بَنِي نَضِيرٍ كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا فَنَزَلَتْ، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن وُجُوهٍ، حاصِلُها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعَ زِياداتٍ تَتَضَمَّنُ أنَّ الأنْصارَ قالُوا: إنَّما جَعَلْناهم عَلى دِينِهِمْ: أيْ دِينِ اليَهُودِ، ونَحْنُ نَرى أنَّ دِينَهم أفْضَلُ مِن دِينِنا، وأنَّ اللَّهَ جاءَ بِالإسْلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم، فَلَمّا نَزَلَتْ خَيَّرَ الأبْناءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُكْرِهْهم عَلى الإسْلامِ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُكْرَهُونَ عَلى (p-١٧٧)الإسْلامِ إذا اخْتارُوا البَقاءَ عَلى دِينِهِمْ وأدَّوُا الجِزْيَةَ.
وأمّا أهْلُ الحَرْبِ فالآيَةُ وإنْ كانَتْ تَعُمُّهم؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ وتَعْرِيفِ الدِّينِ يُفِيدانِ ذَلِكَ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لَكِنْ قَدْ خُصَّ هَذا العُمُومُ بِما ورَدَ مِن آياتٍ في إكْراهِ أهْلِ الحَرْبِ مِنَ الكُفّارِ عَلى الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ الرُّشْدُ هُنا الإيمانُ، والغَيُّ الكُفْرُ، أيْ قَدْ تَمَيَّزَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
وهَذا اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ.
والطّاغُوتُ فَعَلُوتٌ مِن طَغى يَطْغِي ويَطْغُو: إذا جاوَزَ الحَدَّ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْمٌ مُذَكَّرٌ مُفْرَدٌ، أيِ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَهَبُوتٍ وجَبَرُوتٍ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقُلِبَتْ لامُهُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ وعَيْنُهُ إلى مَوْضِعِ اللّامِ كَجَبَذَ وجَذَبَ، ثُمَّ تُقْلَبُ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وتَحَرُّكِ ما قَبْلَها، فَقِيلَ: طاغُوتٌ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ النَّحّاسُ، وقِيلَ: أصْلُ الطّاغُوتِ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ يُؤَدِّي مَعْناهُ مِن غَيْرِ اشْتِقاقٍ، كَما قِيلَ: لَآلِئُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مَرْدُودٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطّاغُوتُ الكاهِنُ والشَّيْطانُ وكُلُّ رَأْسٍ في الضَّلالِ، وقَدْ يَكُونُ واحِدًا.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] وقَدْ يَكُونُ جَمْعًا.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ والجَمْعُ طَواغِيتٌ، أيْ فَمَن يَكْفُرُ بِالشَّيْطانِ أوِ الأصْنامِ أوْ أهْلِ الكِهانَةِ ورُءُوسِ الضَّلالَةِ أوْ بِالجَمِيعِ ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ما تَمَيَّزَ لَهُ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَقَدْ فازَ وتَمَسَّكَ بِالحَبْلِ الوَثِيقِ، أيِ المُحْكَمِ.
والوُثْقى فُعْلى مَنِ الوِثاقَةِ وجَمْعُها وُثُقٌ مِثْلُ الفُضْلى والفُضُلِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ العُرْوَةِ الوُثْقى بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ لِما هو مَعْلُومٌ بِالدَّلِيلِ بِما هو مُدْرَكٌ بِالحاسَّةِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالعُرْوَةِ الإيمانُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وقِيلَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ.
والِانْفِصامُ: الِانْكِسارُ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَصَمَ الشَّيْءَ كَسَرَهَ مِن غَيْرِ أنْ يَبِينَ.
وأمّا القَصْمُ بِالقافِ فَهو الكَسْرُ مَعَ البَيْنُونَةِ، وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ الِانْفِصامَ بِالِانْقِطاعِ.
قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الوَلِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو النّاصِرُ.
وقَوْلُهُ: يُخْرِجُهم تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ولِيٍّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أرادُوا الإيمانَ؛ لِأنَّ مَن قَدْ وقَعَ مِنهُ الإيمانُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا أنْ يُرادَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الإرادَةِ، والمُرادُ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ ما جاءَ بِهِ أنْبِياءُ اللَّهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، فَإنَّ ذَلِكَ نُورٌ لِلْكُفّارِ أخْرَجَهم أوْلِياؤُهم عَنْهُ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ: أيْ قَرَّرَهم أوْلِياؤُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ صَرْفِهِمْ عَنْ إجابَةِ الدّاعِي إلى اللَّهِ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ تَعالى كُفْرُهم يُخْرِجُهم أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ ورُءُوسِ الضَّلالِ مِنَ النُّورِ الَّذِي هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ الَّتِي وقَعُوا فِيها بِسَبَبِ ذَلِكَ الإخْراجِ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ وزادَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَيَّرَ الأبْناءَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، وقالَ: فَلَحِقَ بِهِمْ، أيْ بِبَنِي النَّضِيرِ مَن لَمْ يُسْلِمْ وبَقِيَ مَن أسْلَمَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ النّاسُ مِنَ الأنْصارِ مُسْتَرْضَعِينَ في بَنِي قُرَيْظَةَ فَثَبَتُوا عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أرادَ أهْلُوهم أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ الحُصَيْنُ، كانَ لَهُ ابْنانِ نَصْرانِيّانِ، وكانَ هو رَجُلًا مُسْلِمًا، فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ ؟ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ نَحْوَهُ.
وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ العَرَبُ لَيْسَ لَها دِينٌ، فَأُكْرِهُوا عَلى الدِّينِ بِالسَّيْفِ.
قالَ: ولا تُكْرِهُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى والمَجُوسَ إذا أعْطَوُا الجِزْيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أسْلَمَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ لِعَجُوزٍ نَصْرانِيَّةٍ: أسْلِمِي تَسْلَمِي، فَأبَتْ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ تَلا ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ لِزَنْبَقَ الرُّومِيِّ غُلامِهِ: لَوْ أسْلَمْتَ اسْتَعَنْتُ بِكَ عَلى أمانَةِ المُسْلِمِينَ فَأبى، فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قالَ نَسَخَتْها: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الطّاغُوتُ الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الطّاغُوتُ الكاهِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الطّاغُوتُ السّاحِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الطّاغُوتُ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: العُرْوَةُ الوُثْقى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّها القُرْآنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها الإيمانُ.
وعَنْ سُفْيانَ: أنَّها كَلِمَةُ الإخْلاصِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ تَفْسِيرُ العُرْوَةِ الوُثْقى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالإسْلامِ مَرْفُوعًا في تَعْبِيرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِرُؤْيا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: (p-١٧٨)«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بِعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ، فَمَن تَمَسَّكَ بِهِما فَقَدْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ اللَّهِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِالقَدَرِ فَهي العُرْوَةُ الوُثْقى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ قالَ: لا انْقِطاعَ لَها دُونَ دُخُولِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا كَفَرُوا بِعِيسى فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ آمَنُوا بِعِيسى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الظُّلُماتُ الكُفْرُ، والنُّورُ الإيمانُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.
البقرة 2:258
فِي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِشْهادٌ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ، والتَّقْرِيرُ المَنفِيُّ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ أوْ نَظَرُكَ إلى هَذا الَّذِي صَدَرَتْ مِنهُ هَذِهِ المُحاجَّةُ.
قالَ الفَرّاءُ: " ألَمْ تَرَ " بِمَعْنى هَلْ رَأيْتَ: أيْ هَلْ رَأيْتَ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ وهو النُّمْرُوذُ بْنُ كَوْسَ بْنِ كَنْعانَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: إنَّهُ النُّمْرُوذُ بْنُ فالَخَ بْنِ عامِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ لِأنْ آتاهُ اللَّهُ، أوْ مِن أجْلِ أنْ آتاهُ اللَّهُ عَلى مَعْنى أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبَطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ والعُتُوَّ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، أوْ عَلى أنَّهُ وضَعَ المُحاجَّةَ الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، كَما يُقالُ: عادَيْتِنِي لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، أوْ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ هو ظَرْفٌ لِحاجَّ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ وهو بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بِفَتْحِ ياءِ رَبِّيَ، وقُرِئَ بِحَذْفِها.
قَوْلُهُ: أنا أُحْيِي قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ أنا أُحْيِي بِطَرْحِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ النُّونِ مِن " أنا " في الوَصْلِ وأثْبَتَها نافِعٌ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّبْتُ السَّناما
أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، وأرادَ الكافِرُ أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ القَتْلِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إحْياءً، وعَلى أنْ يَقْتُلَ فَيَكُونَ ذَلِكَ إماتَةً، فَكانَ هَذا جَوابًا أحْمَقَ لا يَصِحُّ نَصْبُهُ في مُقابَلَةِ حُجَّةِإبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أرادَ غَيْرَ ما أرادَهُ الكافِرُ، فَلَوْ قالَ لَهُ: رَبُّهُ الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ فَهَلْ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ لَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ بادِئَ بَدْءٍ وفي أوَّلِ وهْلَةٍ، ولَكِنَّهُ انْتَقَلَ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى تَنْفِيسًا لِخِناقِهِ، وإرْسالًا لِعِنانِ المُناظَرَةِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ لِكَوْنِ هَذِهِ الحُجَّةِ لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلْكافِرِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ ومُشاغَبَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بُهِتَ الرَّجُلُ وبَهَتَ وبَهِتَ: إذا انْقَطَعَ وسَكَتَ مُتَحِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ في هَذا المَعْنى بَهَتَ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ " فَبَهُتَ " بِفَتْحِ الباءِ وضَمَّ الهاءِ، وهي لُغَةٌ في بُهِتَ بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ: وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَبَهَتَ " بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ عَلى مَعْنى: فَبَهَتَ إبْراهِيمُ الَّذِي كَفَرَ، فَ " الَّذِي " في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَهَتَ بِفَتْحِهِما لُغَةً في بُهِتَ.
وحَكى أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ قِراءَةَ " فَبُهِتَ " بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ: والأكْثَرُ بِالفَتْحِ في الهاءِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَبَهَتَ " بِفَتْحِهِما أنَّهُ بِمَعْنى سَبَّ وقَذَفَ، وأنَّ النُّمْرُوذَ هو الَّذِي سَبَّ حِينَ انْقَطَعَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ انْتَهى.
وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَبُهِتَ الَّذِي حاجَّ، إشْعارًا بِأنَّ تِلْكَ المُحاجَّةَ كُفْرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ هو نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّ أوَّلَ جَبّارٍ كانَ في الأرْضِ نُمْرُوذُ، وكانَ النّاسُ يَخْرُجُونَ يَمْتارُونَ مِن عِنْدِهِ الطَّعامَ، فَخَرَجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْتارُ مَعَ مَن يَمْتارُ، فَإذا مَرَّ بِهِ ناسٌ قالَ: مَن رَبُّكم ؟ قالُوا: أنْتَ، حَتّى مَرَّ بِهِ إبْراهِيمُ، فَقالَ: مَن رَبُّكَ ؟ قالَ: الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، فَرَدَّهُ بِغَيْرِ طَعامٍ.
فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى أهْلِهِ فَمَرَّ عَلى كَثِيبٍ مِن رَمْلٍ أصْفَرَ فَقالَ: ألا آخُذُ مِن هَذا فَآتِي بِهِ أهْلِي، فَتَطِيبُ أنْفُسُهم حِينَ أدْخُلُ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ مِنهُ فَأتى أهْلَهُ فَوَضَعَ مَتاعَهُ ثُمَّ نامَ، فَقامَتِ امْرَأتُهُ إلى مَتاعِهِ فَفَتَحَتْهُ فَإذا هي بِأجْوَدِ طَعامٍ رَآهُ آخِذٌ، فَصَنَعَتْ لَهُ مِنهُ فَقَرَّبَتْهُ إلَيْهِ، وكانَ عَهْدُهُ بِأهْلِهِ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم طَعامٌ، فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا ؟ قالَتْ: مِنَ الطَّعامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَعَرَفَ أنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ.
ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إلى الجَبّارِ مَلَكًا أنْ آمِن وأتْرُكْكَ عَلى مُلْكِكَ.
قالَ: فَهَلْ رَبٌّ غَيْرِي ؟ فَجاءَهُ الثّانِيَةَ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، ثُمَّ أتاهُ الثّالِثَةَ فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ المَلَكُ: فاجْمَعْ جُمُوعَكَ إلى ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَجَمَعَ الجَبّارُ جُمُوعَهُ فَأمَرَ اللَّهُ المَلَكَ فَفَتَحَ عَلَيْهِ بابًا مِنَ البَعُوضِ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْها مِن كَثْرَتِها، فَبَعَثَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأكَلَتْ شُحُومَهم وشَرِبَتْ دِماءَهم فَلَمْ يَبْقَ إلّا العِظامُ، والمَلِكُ كَما هو لا يُصِيبُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ في مَنخَرِهِ فَمَكَثَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالمَطارِقِ، وأرْحَمُ النّاسَ بِهِ مَن جَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِما رَأسَهُ، وكانَ جَبّارًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ، ثُمَّ أماتَهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي كانَ بَنى صَرْحًا إلى السَّماءِ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ (p-١٧٩)القَواعِدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هو نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ أوَّلُ مَن مَلَكَ في الأرْضِ أتى بِرَجُلَيْنِ قَتَلَ أحَدَهُما وتَرَكَ الآخَرَ، فَقالَ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: إلى الإيمانِ.
البقرة 2:259
قَوْلُهُ: أوْ كالَّذِي أوْ لِلْعَطْفِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: هَلْ رَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.
قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، ألَمْ تَرَ مَن هو كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ فَحُذِفَ قَوْلُهُ مَن هو.
وقَدِ اخْتارَ جَماعَةٌ أنَّ الكافَ زائِدَةٌ، واخْتارَ آخَرُونَ أنَّها اسْمِيَّةٌ.
والمَشْهُورُ أنَّ القَرْيَةَ هي بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ تَخْرِيبِ بُخْتُنَصَّرَ لَها، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها.
وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها، أيْ سَقَطَ السَّقْفُ ثُمَّ سَقَطَتِ الحِيطانُ عَلَيْهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وقِيلَ: مَعْناهُ خالِيَةٌ مِنَ النّاسِ والبُيُوتُ قائِمَةٌ، وأصْلُ الخَواءِ الخُلُوُّ، يُقالُ: خَوَتِ الدّارُ وخَوِيَتْ تَخْوِي خَواءً مَمْدُودٌ وخُوِيًّا وخَوْيًا: أقْفَرَتْ، والخَواءُ أيْضًا الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ عَنِ الغِذاءِ.
والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: عَلى عُرُوشِها مِن خَوى البَيْتُ إذا سَقَطَ، أوْ مِن خَوَتِ الأرْضُ إذا تَهَدَّمَتْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ: أيْ مِن حالِ كَوْنِها كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ أيْ مَتى يُحْيِي أوْ كَيْفَ يُحْيِي، وهو اسْتِبْعادٌ لِإحْيائِها وهي عَلى تِلْكَ الحالَةِ المُشابِهَةِ لِحالَةِ الأمْواتِ المُبايِنَةِ لِحالَةِ الأحْياءِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ ناشِئًا مِن جِهَتِهِ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ.
فَلَمّا قالَ المارُّ هَذِهِ المَقالَةَ مُسْتَبْعِدًا لِإحْياءِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ بِالعِمارَةِ لَها والسُّكُونِ فِيها ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ بِما هو أعْظَمُ مِمّا سَألَ عَنْهُ ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ قَرْيَةٍ بِجَلْبِ العِمارَةِ إلَيْها، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ إذا كانَ سُؤالُهُ عَنْ إحْياءِ مَوْتاها.
وقَوْلُهُ: " مِائَةَ عامٍ " مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
والعامُ: السَّنَةُ أصْلُهُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ.
وقَوْلُهُ: بَعَثَهُ مَعْناهُ أحْياهُ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ هو اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَهُ ماذا قالَ لَهُ بَعْدَ بَعْثِهِ.
واخْتُلِفَ في فاعِلِ قالَ، فَقِيلَ: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ناداهُ بِذَلِكَ مَلَكُ السَّماءِ، قِيلَ هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ غَيْرُهُ، وقِيلَ إنَّهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، قِيلَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ شاهَدَهُ عِنْدَهُ أنْ أماتَهُ اللَّهُ وعُمِّرَ إلى عِنْدِ بَعْثِهِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا كَمْ لَبِثْتُمْ بِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ؛ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ وقَرَأ غَيْرُهم بِالإظْهارِ وهو أحْسَنُ لِبُعْدِ مَخْرَجِ الثّاءِ مِن مَخْرَجِ التّاءِ.
وكَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى ما عِنْدَهُ وفي ظَنِّهِ فَلا يَكُونُ كاذِبًا، ومِثْلُهُ قَوْلُ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ومَثَلُهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ: «لَمْ تُقْصَرْ ولَمْ أنْسَ» وهَذا مِمّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الصِّدْقَ ما طابَقَ الِاعْتِقادَ، والكَذِبَ ما خالَفَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ هو اسْتِئْنافٌ أيْضًا كَما سَلَفَ: أيْ ما لَبِثْتَ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ بَلْ لَبِثَ مِائَةَ عامٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى هَذا الأثَرِ العَظِيمِ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وهو عَدَمُ تَغَيُّرِ طَعامِهِ وشَرابِهِ مَعَ طُولِ تِلْكَ المُدَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهَذا طَعامُكُ وشَرابُكُ لَمْ يَتَسَنَّهْ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وانْظُرْ لِطَعامِكَ وشَرابِكَ لِمِائَةِ سَنَةٍ.
ورُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ لَمْ يَسَّنَّ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ وحَذْفِ الهاءِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، والتَّسَنُّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَةِ: أيْ لَمْ تُغَيِّرْهُ السُّنُونَ، وأصْلُها سَنْهَةٌ أوْ سَنْوَةٌ مِن سَنَهَتِ النَّخْلَةُ وتَسَنَّهَتْ: إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونَ، ونَخْلَةٌ سَنا: أيْ تَحْمِلُ سَنَةً ولا تَحْمِلُ أُخْرى، وأسْنَهْتُ عِنْدَ بَنِي فُلانٍ: أقَمْتُ عِنْدَهم، وأصْلُهُ يَتَسَنّا سَقَطَتِ الألِفُ لِلْجَزْمِ والهاءُ لِلسَّكْتِ وقِيلَ: هو مِن أسِنَ الماءُ: إذا تَغَيَّرَ، وكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: يَتَأسَّنُ مِن قَوْلِهِ: " ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ " [الحجر: ٢٦ - ٢٨] قالَهُ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ.
وقالَهُ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَسْنُونٍ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ مُتَغَيِّرٌ، وإنَّما مَعْناهُ مَصْبُوبٌ عَلى سَنَهِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْناهُ، فَذَهَبَ الأكْثَرُ إلى أنَّ مَعْناهُ انْظُرْ إلَيْهِ كَيْفَ تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ، ونَخَرَتْ عِظامُهُ ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ وعادَ كَما كانَ.
وقالَ الضَّحّاكُ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: انْظُرْ إلى حِمارِكَ قائِمًا في مِرْبَطِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أنْ مَضَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ عامٍ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الثّانِي مُناسَبَتُهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَدَمَ تَغَيُّرِ طَعامِهِ وشَرابِهِ بَعْدَ إخْبارِهِ أنَّهُ لَبِثَ مِائَةَ عامٍ، مَعَ أنَّ عَدَمَ تَغَيُّرِ ذَلِكَ الطَّعامِ والشَّرابِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، بَلْ عَلى ما قالَهُ مِن لَبْثِهِ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ لِزِيادَةِ اسْتِعْظامِ ذَلِكَ الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ تِلْكَ المُدَّةَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طَعامَهُ وشَرابَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ ظَنَّ أنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ إلّا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ زادَتِ الحَيْرَةُ وقَوِيَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ، فَإذا نَظَرَ إلى حِمارِهِ عِظامًا نَخِرَةً تَقَرَّرَ لَدَيْهِ أنَّ ذَلِكَ صُنْعُ مَن تَأْتِي قُدْرَتُهُ بِما لا تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ، فَإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ.
وقَدْ بَقِيَ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، والحِمارُ يَعِيشُ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ.
وقَدْ (p-١٨٠)صارَ كَذَلِكَ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] .
قَوْلُهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ أدْخَلَ الواوَ في قَوْلِهِ: ولِنَجْعَلَكَ دَلالَةً عَلى أنَّها شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَها، مَعْناهُ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ ودَلالَةً عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ جَعَلْنا ذَلِكَ.
وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ مُقْحَمَةً زائِدَةً.
قالَ الأعْمَشُ: مَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً هو أنَّهُ جاءَ شَبابًا عَلى حالِهِ يَوْمَ ماتَ، فَوَجَدَ الأبْناءَ والحَفَدَةَ شُيُوخًا.
قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِالزّايِ والباقُونَ بِالرّاءِ.
ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ نَنْشُرُها بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ وضَمِّ الشِّينِ والرّاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
قَرَأ كَيْفَ نُنْشِزُها بِالزّايِ» .
فَمَعْنى القِراءَةِ بِالزّايِ نَرْفَعُها، ومِنهُ النَّشَزُ: وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ: أيْ يَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ.
وأمّا مَعْنى القِراءَةِ بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ فَواضِحَةٌ مِن أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى: أيْ أحْياهم وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ أيْ: نَسْتُرُها بِهِ كَما نَسْتُرُ الجَسَدَ بِاللِّباسِ فاسْتَعارَ اللِّباسَ لِذَلِكَ، كَما اسْتَعارَهُ النّابِغَةُ لِلْإسْلامِ فَقالَ:
؎الحَمْدُ لِلَّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أجْلِي حَتّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبالا
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وأمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلَيْها والتَّفَكُّرِ فِيها ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيْ لَمّا اتَّضَحَ لَهُ عِيانًا ما كانَ مُسْتَنْكَرًا في قُدْرَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ قَبْلَ عِيانِهِ.
قالَ أعْلَمُ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْناهُ: أعْلَمُ أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ أكُنْ عَلِمْتُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ قالَ اعْلَمْ عَلى لَفْظِ الأمْرِ خِطابًا لِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قالَ: خَرَجَ عُزَيْرٌ نَبِيُّ اللَّهِ مِن مَدِينَتِهِ وهو شابٌّ، فَمَرَّ عَلى قَرْيَةٍ خَرِبَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، فَقالَ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ فَأوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ عَيْناهُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عِظامِهِ يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ فَأتى مَدِينَتَهُ.
وقَدْ تَرَكَ جارًا لَهُ إسْكافًا شابًّا فَجاءَ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ.
وقَدْ ورَدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ عُزَيْرٌ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ، ومِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ عِنْدَ الخَطِيبِ وابْنُ عَساكِرَ، ومِنهم عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وسُلَيْمانُ وبُرَيْدَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، ووَرَدَ عَنْ جَماعَةٍ آخَرِينَ أنَّ الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ هو نَبِيٌّ اسْمُهُ أرْمِياءُ، فَمِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، ومِنهم وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ وابْنِ جَرِيرٍ وأبِي الشَّيْخِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ الخَضِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ أنَّهُ حُزَقْيِلُ.
ورَوى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والمَشْهُورُ القَوْلُ الأوَّلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: خاوِيَةٌ قالَ: خَرابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: خاوِيَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: " عَلى عُرُوشِها " سُقُوفِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثُمَّ التَفَتْ فَرَأى الشَّمْسَ فَقالَ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ طَعامُهُ الَّذِي مَعَهُ سَلَّةً مِن تِينٍ، وشَرابُهُ زِقًّا مِن عَصِيرٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " لَمْ يَتَسَنَّهْ " قالَ: لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ قالَ: لَمْ يَتَسَنَّهْ لَمْ يُنْتِنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ عَنِ الأعْمَشِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ مِثْلَهُ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قالَ: نُخْرِجُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: نُحْيِيها.
البقرة 2:260
قَوْلُهُ: وإذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وإنَّما كانَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُوَجَّهًا إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ المَقْصُودَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ طَلَبَ وقْتِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ بِالأوْلى، وهَكَذا يُقالُ في سائِرِ المَواضِعِ الوارِدَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِمِثْلِ هَذا الظَّرْفِ.
وقَوْلُهُ: رَبِّ آثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْطافِ المُوجِبِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
وقَوْلُهُ: أرِنِي قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ وكَذا قالَ غَيْرُهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الرُّؤْيَةُ القَلْبِيَّةُ هُنا؛ لِأنَّ مَقْصُودَ إبْراهِيمَ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ لِتَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو الجُمْلَةُ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ: قالَ بَلى عَلِمْتُ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ سَألْتُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِاجْتِماعِ دَلِيلِ العِيانِ إلى دَلائِلِ الإيمانِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» .
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ.
واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ (p-١٨١)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها " .
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ، يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ.
فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ.
وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أرْجى آيَةٍ، فَمِن حَيْثُ إنَّ فِيها الإدْلالَ عَلى اللَّهِ وسُؤالَ الإحْياءِ في الدُّنْيا، ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَنْقِيرٍ وبَحْثٍ، قالَ: فالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ والخُلَّةِ ؟ والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرَ الألْفاظِ لِلْآيَةِ لَمْ تُعْطِ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ " كَيْفَ " إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالَةِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ والمَسْئُولِ نَحْوُ قَوْلِكَ: كَيْفَ عَلِمَ زَيْدٌ ؟ وكَيْفَ نَسَجَ الثَّوْبَ ؟ ونَحْوُ هَذا، ومَتى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ ؟ وكَيْفَ زَيْدٌ ؟ فَإنَّما السُّؤالُ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ.
وقَدْ تَكُونُ " كَيْفَ " خَبَرًا عَنْ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِـ " كَيْفَ " نَحْوِ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، ونَحْوِ قَوْلِ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ وهي في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ، والإحْياءُ مُتَقَرِّرٌ، ولَكِنْ لَمّا وجَدْنا بَعْضَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْءٍ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ إنْكارِهِ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ حالَةٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ يُعْلَمُ أنَّها لا تَصِحُّ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ في نَفْسِهِ لا يَصِحُّ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أنا أرْفَعُ هَذا الجَبَلَ، فَيَقُولُ المُكَذِّبُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ.
فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجازٍ في العِبارَةِ ومَعْناها تَسْلِيمُ جَدَلٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أنَّكَ تَرْفَعُهُ.
فَلَمّا كانَ في عِبارَةِ الخَلِيلِ هَذا الِاشْتِراكُ المَجازِيُّ خَلَّصَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وحَمَلَهُ عَلى أنْ بَيَّنَ لَهُ الحَقِيقَةَ فَقالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ فَكَمَّلَ الأمْرَ وتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُؤالَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو بالِغٌ، ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ فَإنَّهُ كُفْرٌ، والأنْبِياءُ مُتَّفِقُونَ عَلى الإيمانِ بِالبَعْثِ.
وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ أنْبِياءَهُ وأوْلِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ: فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهم، وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفْرِيقِها، واتِّصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمْزِيقِها فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.
فَقَوْلُهُ: " أرِنِي كَيْفَ " طَلَبُ مُشاهَدَةِ الكَيْفِيَّةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: ولَيْسَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما هي ألِفُ إيجابٍ وتَقْرِيرٍ كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
والواوُ واوُ الحالِ، و" تُؤْمِن ": مَعْناهُ إيمانًا مُطْلَقًا دَخَلَ فِيهِ فَضْلُ إحْياءِ المَوْتى، والطُّمَأْنِينَةُ: اعْتِدالٌ وسُكُونٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى لِيَطَمَئِنَّ قَلْبِي لِيُوقِنَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخُذْ، والطَّيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ لِطائِرٍ كَرَكْبٍ لِراكِبٍ، أوْ جَمْعٌ، أوْ مَصْدَرٌ، وخُصَّ الطَّيْرُ بِذَلِكَ، قِيلَ: لِأنَّهُ أقْرَبُ أنْواعِ الحَيَوانِ إلى الإنْسانِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ هِمَّتُهُ الطَّيَرانُ في السَّماءِ، والخَلِيلُ كانَتْ هِمَّتُهُ العُلُوَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ الطَّيْرِ.
وكُلُّ هَذِهِ لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي مِن جُوعٍ ولَيْسَتْ إلّا خَواطِرَ أفْهامٍ وبَوادِرَ أذْهانٍ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ وُجُوهًا لِكَلامِ اللَّهِ، وعِلَلًا لِما يَرِدُ في كَلامِهِ، وهَكَذا قِيلَ: ما وجْهُ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ، فَإنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَحْصُلُ بِإحْياءٍ واحِدٍ ؟ فَقِيلَ: إنَّ الخَلِيلَ إنَّما سَألَ واحِدًا عَلى عَدَدِ العُبُودِيَّةِ، فَأُعْطِيَ أرْبَعًا عَلى قَدْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ إشارَةٌ إلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ الَّتِي مِنها تَتَرَكَّبُ أرْكانُ الحَيَوانِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الهَذَيانِ.
قَوْلُهُ: فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ قُرِئَ بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها، أيِ اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ وأمِلْهُنَّ واجْمَعْهُنَّ، يُقالُ: رَجُلٌ أصْوَرُ: إذا كانَ مائِلَ العُنُقِ، ويُقالُ صارَ الشَّيْءَ يَصْوَرُهُ: أمالَهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا ∗∗∗ يَوْمَ الفِراقِ إلى جِيرانِنا صُوَرُ
وقِيلَ: مَعْناهُ قَطِّعْهُنَّ، يُقالُ: صارَ الشَّيْءَ يَصُورُهُ، أيْ قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ:
؎فَأدْنَتْ لِي الأسْبابَ حَتّى بَلَغْتُها ∗∗∗ بِنَهْضِي وقَدْ كانَ اجْتِماعِي يَصُورُها
أيْ يَقْطَعُها، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: إلَيْكَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: خُذْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالتَّجْزِئَةِ؛ لِأنَّ جَعْلَ كُلِّ جُزْءٍ عَلى جَبَلٍ تَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ التَّجْزِئَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا، والجُزْءُ النَّصِيبُ.
وقَوْلُهُ: يَأْتِينَكَ في مَحَلِّ جَزْمٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ لِأجْلِ نُونِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُ: سَعْيًا المُرادُ بِهِ الإسْراعُ في الطَّيَرانِ أوِ المَشْيِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ مَرَّ بِرَجُلٍ مَيِّتٍ زَعَمُوا أنَّهُ حَبَشِيٌّ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، فَرَأى دَوابَّ البَحْرِ تَخْرُجُ فَتَأْكُلُ مِنهُ، وسِباعَ الأرْضِ تَأْتِيهِ فَتَأْكُلُ مِنهُ، والطَّيْرَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنهُ، فَقالَ إبْراهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: رَبِّ، هَذِهِ دَوابُّ البَحْرِ تَأْكُلُ مِن هَذا، وسِباعُ الأرْضِ والطَّيْرِ، ثُمَّ تُمِيتُ هَذِهِ فَتَبْلى ثُمَّ تُحْيِيها، فَأرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ يا إبْراهِيمُ أنِّي أُحْيِي المَوْتى ؟ قالَ بَلى يا رَبِّ ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: لِأرى مِن آياتِكَ وأعْلَمَ أنَّكَ قَدْ أجَبْتَنِي فَقالَ اللَّهُ: خُذْ أرْبَعًا مِنَ الطَّيْرِ واصْنَعْ ما صُنِعَ، والطَّيْرُ الَّذِي أُخِذَ: وزٌّ، ورَأْلٌ، ودِيكٌ، وطاوُوسٌ، أخَذَ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ثُمَّ أتى أرْبَعَةَ أجْبُلٍ، فَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وهو (p-١٨٢)قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ ثُمَّ تَنَحّى ورُءُوسُها تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، فَرَجَعَ كُلُّ نِصْفٍ إلى نِصْفِهِ، وكُلُّ رِيشٍ إلى طائِرِهِ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَطِيرُ بِغَيْرِ رُءُوسٍ إلى قَدَمَيْهِ تُرِيدُ رُءُوسَها بِأعْناقِها، فَرَفَعَ قَدَمَيْهِ فَوَضَعَ كُلُّ طائِرٍ مِنها عُنُقَهُ في رَأْسِهِ فَعادَتْ كَما كانَتْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها كانَتْ جِيفَةَ حِمارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، وتُعْطِينِي إذا سَألْتُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قالَ: الغُرْنُوقُ، والطاوُوسُ، والدِّيكُ، والحَمامَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: الأرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ: الدِّيكُ، والطاوُوسُ، والغُرابُ، والحَمامُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قالَ: قَطِّعْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ شَقِّقْهُنَّ.
وأخْرَجا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فَصُرْهُنَّ أوْثِقْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: وضَعْهُنَّ عَلى سَبْعَةِ أجْبُلٍ، وأخَذَ الرُّءُوسَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى القَطْرَةِ تَلْقى القَطْرَةَ والرِّيشَةِ تَلْقى الرِّيشَةَ حَتّى صِرْنَ أحْياءً لَيْسَ لَهُنَّ رُءُوسٌ، فَجِئْنَ إلى رُءُوسِهِنَّ فَدَخَلْنَ فِيها.
البقرة 2:261
قَوْلُهُ: وإذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وإنَّما كانَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُوَجَّهًا إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ المَقْصُودَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ طَلَبَ وقْتِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ بِالأوْلى، وهَكَذا يُقالُ في سائِرِ المَواضِعِ الوارِدَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِمِثْلِ هَذا الظَّرْفِ.
وقَوْلُهُ: رَبِّ آثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْطافِ المُوجِبِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
وقَوْلُهُ: أرِنِي قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ وكَذا قالَ غَيْرُهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الرُّؤْيَةُ القَلْبِيَّةُ هُنا؛ لِأنَّ مَقْصُودَ إبْراهِيمَ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ لِتَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو الجُمْلَةُ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ: قالَ بَلى عَلِمْتُ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ سَألْتُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِاجْتِماعِ دَلِيلِ العِيانِ إلى دَلائِلِ الإيمانِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» .
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ.
واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ (p-١٨١)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها " .
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ، يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ.
فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ.
وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أرْجى آيَةٍ، فَمِن حَيْثُ إنَّ فِيها الإدْلالَ عَلى اللَّهِ وسُؤالَ الإحْياءِ في الدُّنْيا، ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَنْقِيرٍ وبَحْثٍ، قالَ: فالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ والخُلَّةِ ؟ والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرَ الألْفاظِ لِلْآيَةِ لَمْ تُعْطِ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ " كَيْفَ " إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالَةِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ والمَسْئُولِ نَحْوُ قَوْلِكَ: كَيْفَ عَلِمَ زَيْدٌ ؟ وكَيْفَ نَسَجَ الثَّوْبَ ؟ ونَحْوُ هَذا، ومَتى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ ؟ وكَيْفَ زَيْدٌ ؟ فَإنَّما السُّؤالُ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ.
وقَدْ تَكُونُ " كَيْفَ " خَبَرًا عَنْ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِـ " كَيْفَ " نَحْوِ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، ونَحْوِ قَوْلِ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ وهي في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ، والإحْياءُ مُتَقَرِّرٌ، ولَكِنْ لَمّا وجَدْنا بَعْضَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْءٍ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ إنْكارِهِ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ حالَةٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ يُعْلَمُ أنَّها لا تَصِحُّ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ في نَفْسِهِ لا يَصِحُّ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أنا أرْفَعُ هَذا الجَبَلَ، فَيَقُولُ المُكَذِّبُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ.
فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجازٍ في العِبارَةِ ومَعْناها تَسْلِيمُ جَدَلٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أنَّكَ تَرْفَعُهُ.
فَلَمّا كانَ في عِبارَةِ الخَلِيلِ هَذا الِاشْتِراكُ المَجازِيُّ خَلَّصَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وحَمَلَهُ عَلى أنْ بَيَّنَ لَهُ الحَقِيقَةَ فَقالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ فَكَمَّلَ الأمْرَ وتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُؤالَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو بالِغٌ، ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ فَإنَّهُ كُفْرٌ، والأنْبِياءُ مُتَّفِقُونَ عَلى الإيمانِ بِالبَعْثِ.
وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ أنْبِياءَهُ وأوْلِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ: فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهم، وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفْرِيقِها، واتِّصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمْزِيقِها فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.
فَقَوْلُهُ: " أرِنِي كَيْفَ " طَلَبُ مُشاهَدَةِ الكَيْفِيَّةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: ولَيْسَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما هي ألِفُ إيجابٍ وتَقْرِيرٍ كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
والواوُ واوُ الحالِ، و" تُؤْمِن ": مَعْناهُ إيمانًا مُطْلَقًا دَخَلَ فِيهِ فَضْلُ إحْياءِ المَوْتى، والطُّمَأْنِينَةُ: اعْتِدالٌ وسُكُونٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى لِيَطَمَئِنَّ قَلْبِي لِيُوقِنَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخُذْ، والطَّيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ لِطائِرٍ كَرَكْبٍ لِراكِبٍ، أوْ جَمْعٌ، أوْ مَصْدَرٌ، وخُصَّ الطَّيْرُ بِذَلِكَ، قِيلَ: لِأنَّهُ أقْرَبُ أنْواعِ الحَيَوانِ إلى الإنْسانِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ هِمَّتُهُ الطَّيَرانُ في السَّماءِ، والخَلِيلُ كانَتْ هِمَّتُهُ العُلُوَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ الطَّيْرِ.
وكُلُّ هَذِهِ لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي مِن جُوعٍ ولَيْسَتْ إلّا خَواطِرَ أفْهامٍ وبَوادِرَ أذْهانٍ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ وُجُوهًا لِكَلامِ اللَّهِ، وعِلَلًا لِما يَرِدُ في كَلامِهِ، وهَكَذا قِيلَ: ما وجْهُ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ، فَإنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَحْصُلُ بِإحْياءٍ واحِدٍ ؟ فَقِيلَ: إنَّ الخَلِيلَ إنَّما سَألَ واحِدًا عَلى عَدَدِ العُبُودِيَّةِ، فَأُعْطِيَ أرْبَعًا عَلى قَدْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ إشارَةٌ إلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ الَّتِي مِنها تَتَرَكَّبُ أرْكانُ الحَيَوانِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الهَذَيانِ.
قَوْلُهُ: فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ قُرِئَ بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها، أيِ اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ وأمِلْهُنَّ واجْمَعْهُنَّ، يُقالُ: رَجُلٌ أصْوَرُ: إذا كانَ مائِلَ العُنُقِ، ويُقالُ صارَ الشَّيْءَ يَصْوَرُهُ: أمالَهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا ∗∗∗ يَوْمَ الفِراقِ إلى جِيرانِنا صُوَرُ
وقِيلَ: مَعْناهُ قَطِّعْهُنَّ، يُقالُ: صارَ الشَّيْءَ يَصُورُهُ، أيْ قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ:
؎فَأدْنَتْ لِي الأسْبابَ حَتّى بَلَغْتُها ∗∗∗ بِنَهْضِي وقَدْ كانَ اجْتِماعِي يَصُورُها
أيْ يَقْطَعُها، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: إلَيْكَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: خُذْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالتَّجْزِئَةِ؛ لِأنَّ جَعْلَ كُلِّ جُزْءٍ عَلى جَبَلٍ تَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ التَّجْزِئَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا، والجُزْءُ النَّصِيبُ.
وقَوْلُهُ: يَأْتِينَكَ في مَحَلِّ جَزْمٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ لِأجْلِ نُونِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُ: سَعْيًا المُرادُ بِهِ الإسْراعُ في الطَّيَرانِ أوِ المَشْيِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ مَرَّ بِرَجُلٍ مَيِّتٍ زَعَمُوا أنَّهُ حَبَشِيٌّ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، فَرَأى دَوابَّ البَحْرِ تَخْرُجُ فَتَأْكُلُ مِنهُ، وسِباعَ الأرْضِ تَأْتِيهِ فَتَأْكُلُ مِنهُ، والطَّيْرَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنهُ، فَقالَ إبْراهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: رَبِّ، هَذِهِ دَوابُّ البَحْرِ تَأْكُلُ مِن هَذا، وسِباعُ الأرْضِ والطَّيْرِ، ثُمَّ تُمِيتُ هَذِهِ فَتَبْلى ثُمَّ تُحْيِيها، فَأرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ يا إبْراهِيمُ أنِّي أُحْيِي المَوْتى ؟ قالَ بَلى يا رَبِّ ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: لِأرى مِن آياتِكَ وأعْلَمَ أنَّكَ قَدْ أجَبْتَنِي فَقالَ اللَّهُ: خُذْ أرْبَعًا مِنَ الطَّيْرِ واصْنَعْ ما صُنِعَ، والطَّيْرُ الَّذِي أُخِذَ: وزٌّ، ورَأْلٌ، ودِيكٌ، وطاوُوسٌ، أخَذَ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ثُمَّ أتى أرْبَعَةَ أجْبُلٍ، فَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وهو (p-١٨٢)قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ ثُمَّ تَنَحّى ورُءُوسُها تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، فَرَجَعَ كُلُّ نِصْفٍ إلى نِصْفِهِ، وكُلُّ رِيشٍ إلى طائِرِهِ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَطِيرُ بِغَيْرِ رُءُوسٍ إلى قَدَمَيْهِ تُرِيدُ رُءُوسَها بِأعْناقِها، فَرَفَعَ قَدَمَيْهِ فَوَضَعَ كُلُّ طائِرٍ مِنها عُنُقَهُ في رَأْسِهِ فَعادَتْ كَما كانَتْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها كانَتْ جِيفَةَ حِمارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، وتُعْطِينِي إذا سَألْتُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قالَ: الغُرْنُوقُ، والطاوُوسُ، والدِّيكُ، والحَمامَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: الأرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ: الدِّيكُ، والطاوُوسُ، والغُرابُ، والحَمامُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قالَ: قَطِّعْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ شَقِّقْهُنَّ.
وأخْرَجا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فَصُرْهُنَّ أوْثِقْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: وضَعْهُنَّ عَلى سَبْعَةِ أجْبُلٍ، وأخَذَ الرُّءُوسَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى القَطْرَةِ تَلْقى القَطْرَةَ والرِّيشَةِ تَلْقى الرِّيشَةَ حَتّى صِرْنَ أحْياءً لَيْسَ لَهُنَّ رُءُوسٌ، فَجِئْنَ إلى رُءُوسِهِنَّ فَدَخَلْنَ فِيها.
البقرة 2:262
قَوْلُهُ: وإذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وإنَّما كانَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُوَجَّهًا إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ المَقْصُودَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ طَلَبَ وقْتِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ بِالأوْلى، وهَكَذا يُقالُ في سائِرِ المَواضِعِ الوارِدَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِمِثْلِ هَذا الظَّرْفِ.
وقَوْلُهُ: رَبِّ آثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْطافِ المُوجِبِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
وقَوْلُهُ: أرِنِي قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ وكَذا قالَ غَيْرُهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الرُّؤْيَةُ القَلْبِيَّةُ هُنا؛ لِأنَّ مَقْصُودَ إبْراهِيمَ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ لِتَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو الجُمْلَةُ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ: قالَ بَلى عَلِمْتُ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ سَألْتُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِاجْتِماعِ دَلِيلِ العِيانِ إلى دَلائِلِ الإيمانِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» .
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ.
واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ (p-١٨١)صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها " .
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ، يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ.
فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ.
وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أرْجى آيَةٍ، فَمِن حَيْثُ إنَّ فِيها الإدْلالَ عَلى اللَّهِ وسُؤالَ الإحْياءِ في الدُّنْيا، ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَنْقِيرٍ وبَحْثٍ، قالَ: فالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ والخُلَّةِ ؟ والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرَ الألْفاظِ لِلْآيَةِ لَمْ تُعْطِ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ " كَيْفَ " إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالَةِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ والمَسْئُولِ نَحْوُ قَوْلِكَ: كَيْفَ عَلِمَ زَيْدٌ ؟ وكَيْفَ نَسَجَ الثَّوْبَ ؟ ونَحْوُ هَذا، ومَتى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ ؟ وكَيْفَ زَيْدٌ ؟ فَإنَّما السُّؤالُ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِ.
وقَدْ تَكُونُ " كَيْفَ " خَبَرًا عَنْ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِـ " كَيْفَ " نَحْوِ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، ونَحْوِ قَوْلِ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ ؟ وهي في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ، والإحْياءُ مُتَقَرِّرٌ، ولَكِنْ لَمّا وجَدْنا بَعْضَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْءٍ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ إنْكارِهِ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ حالَةٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ يُعْلَمُ أنَّها لا تَصِحُّ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ في نَفْسِهِ لا يَصِحُّ، مِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أنا أرْفَعُ هَذا الجَبَلَ، فَيَقُولُ المُكَذِّبُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ.
فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجازٍ في العِبارَةِ ومَعْناها تَسْلِيمُ جَدَلٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أنَّكَ تَرْفَعُهُ.
فَلَمّا كانَ في عِبارَةِ الخَلِيلِ هَذا الِاشْتِراكُ المَجازِيُّ خَلَّصَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وحَمَلَهُ عَلى أنْ بَيَّنَ لَهُ الحَقِيقَةَ فَقالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ فَكَمَّلَ الأمْرَ وتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُؤالَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو بالِغٌ، ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ فَإنَّهُ كُفْرٌ، والأنْبِياءُ مُتَّفِقُونَ عَلى الإيمانِ بِالبَعْثِ.
وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ أنْبِياءَهُ وأوْلِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ: فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهم، وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفْرِيقِها، واتِّصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمْزِيقِها فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.
فَقَوْلُهُ: " أرِنِي كَيْفَ " طَلَبُ مُشاهَدَةِ الكَيْفِيَّةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: ولَيْسَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما هي ألِفُ إيجابٍ وتَقْرِيرٍ كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
والواوُ واوُ الحالِ، و" تُؤْمِن ": مَعْناهُ إيمانًا مُطْلَقًا دَخَلَ فِيهِ فَضْلُ إحْياءِ المَوْتى، والطُّمَأْنِينَةُ: اعْتِدالٌ وسُكُونٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى لِيَطَمَئِنَّ قَلْبِي لِيُوقِنَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخُذْ، والطَّيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ لِطائِرٍ كَرَكْبٍ لِراكِبٍ، أوْ جَمْعٌ، أوْ مَصْدَرٌ، وخُصَّ الطَّيْرُ بِذَلِكَ، قِيلَ: لِأنَّهُ أقْرَبُ أنْواعِ الحَيَوانِ إلى الإنْسانِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ هِمَّتُهُ الطَّيَرانُ في السَّماءِ، والخَلِيلُ كانَتْ هِمَّتُهُ العُلُوَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ الطَّيْرِ.
وكُلُّ هَذِهِ لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي مِن جُوعٍ ولَيْسَتْ إلّا خَواطِرَ أفْهامٍ وبَوادِرَ أذْهانٍ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ وُجُوهًا لِكَلامِ اللَّهِ، وعِلَلًا لِما يَرِدُ في كَلامِهِ، وهَكَذا قِيلَ: ما وجْهُ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ، فَإنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَحْصُلُ بِإحْياءٍ واحِدٍ ؟ فَقِيلَ: إنَّ الخَلِيلَ إنَّما سَألَ واحِدًا عَلى عَدَدِ العُبُودِيَّةِ، فَأُعْطِيَ أرْبَعًا عَلى قَدْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ إشارَةٌ إلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ الَّتِي مِنها تَتَرَكَّبُ أرْكانُ الحَيَوانِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الهَذَيانِ.
قَوْلُهُ: فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ قُرِئَ بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها، أيِ اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ وأمِلْهُنَّ واجْمَعْهُنَّ، يُقالُ: رَجُلٌ أصْوَرُ: إذا كانَ مائِلَ العُنُقِ، ويُقالُ صارَ الشَّيْءَ يَصْوَرُهُ: أمالَهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا ∗∗∗ يَوْمَ الفِراقِ إلى جِيرانِنا صُوَرُ
وقِيلَ: مَعْناهُ قَطِّعْهُنَّ، يُقالُ: صارَ الشَّيْءَ يَصُورُهُ، أيْ قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ:
؎فَأدْنَتْ لِي الأسْبابَ حَتّى بَلَغْتُها ∗∗∗ بِنَهْضِي وقَدْ كانَ اجْتِماعِي يَصُورُها
أيْ يَقْطَعُها، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: إلَيْكَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: خُذْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالتَّجْزِئَةِ؛ لِأنَّ جَعْلَ كُلِّ جُزْءٍ عَلى جَبَلٍ تَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ التَّجْزِئَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا، والجُزْءُ النَّصِيبُ.
وقَوْلُهُ: يَأْتِينَكَ في مَحَلِّ جَزْمٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ لِأجْلِ نُونِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُ: سَعْيًا المُرادُ بِهِ الإسْراعُ في الطَّيَرانِ أوِ المَشْيِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ مَرَّ بِرَجُلٍ مَيِّتٍ زَعَمُوا أنَّهُ حَبَشِيٌّ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، فَرَأى دَوابَّ البَحْرِ تَخْرُجُ فَتَأْكُلُ مِنهُ، وسِباعَ الأرْضِ تَأْتِيهِ فَتَأْكُلُ مِنهُ، والطَّيْرَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنهُ، فَقالَ إبْراهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: رَبِّ، هَذِهِ دَوابُّ البَحْرِ تَأْكُلُ مِن هَذا، وسِباعُ الأرْضِ والطَّيْرِ، ثُمَّ تُمِيتُ هَذِهِ فَتَبْلى ثُمَّ تُحْيِيها، فَأرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ يا إبْراهِيمُ أنِّي أُحْيِي المَوْتى ؟ قالَ بَلى يا رَبِّ ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: لِأرى مِن آياتِكَ وأعْلَمَ أنَّكَ قَدْ أجَبْتَنِي فَقالَ اللَّهُ: خُذْ أرْبَعًا مِنَ الطَّيْرِ واصْنَعْ ما صُنِعَ، والطَّيْرُ الَّذِي أُخِذَ: وزٌّ، ورَأْلٌ، ودِيكٌ، وطاوُوسٌ، أخَذَ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ثُمَّ أتى أرْبَعَةَ أجْبُلٍ، فَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ نِصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وهو (p-١٨٢)قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ ثُمَّ تَنَحّى ورُءُوسُها تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، فَرَجَعَ كُلُّ نِصْفٍ إلى نِصْفِهِ، وكُلُّ رِيشٍ إلى طائِرِهِ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَطِيرُ بِغَيْرِ رُءُوسٍ إلى قَدَمَيْهِ تُرِيدُ رُءُوسَها بِأعْناقِها، فَرَفَعَ قَدَمَيْهِ فَوَضَعَ كُلُّ طائِرٍ مِنها عُنُقَهُ في رَأْسِهِ فَعادَتْ كَما كانَتْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها كانَتْ جِيفَةَ حِمارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ يَقُولُ: أعْلَمُ أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، وتُعْطِينِي إذا سَألْتُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قالَ: الغُرْنُوقُ، والطاوُوسُ، والدِّيكُ، والحَمامَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: الأرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ: الدِّيكُ، والطاوُوسُ، والغُرابُ، والحَمامُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قالَ: قَطِّعْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ شَقِّقْهُنَّ.
وأخْرَجا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فَصُرْهُنَّ أوْثِقْهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: وضَعْهُنَّ عَلى سَبْعَةِ أجْبُلٍ، وأخَذَ الرُّءُوسَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى القَطْرَةِ تَلْقى القَطْرَةَ والرِّيشَةِ تَلْقى الرِّيشَةَ حَتّى صِرْنَ أحْياءً لَيْسَ لَهُنَّ رُءُوسٌ، فَجِئْنَ إلى رُءُوسِهِنَّ فَدَخَلْنَ فِيها.
البقرة 2:263
قَوْلُهُ: كَمَثَلِ حَبَّةٍ لا يَصِحُّ جَعْلُ هَذا خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ لِاخْتِلافِهِما فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ إمّا في الأوَّلِ: أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، أوْ في الثّانِي: أيْ كَمَثَلِ زارِعِ حَبَّةٍ، والمُرادُ بِالسَّبْعِ السَّنابِلِ هي الَّتِي تُخْرَجُ في ساقٍ واحِدٍ يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ في كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ، والحَبَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يَزْدَرِعُهُ ابْنُ آدَمَ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ
قِيلَ: المُرادُ بِالسَّنابِلِ هُنا سَنابِلُ الدُّخْنُ، فَهو الَّذِينَ يَكُونُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ هَذا العَدَدُ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ سُنْبُلَ الدُّخْنِ يَجِيءُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ أكْثَرُ مِن هَذا العَدَدِ بِضِعْفَيْنِ وأكْثَرَ عَلى ما شاهَدْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرَ، ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ وإلّا فَعَلى أنْ تَفْرِضَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُضاعِفُ هَذِهِ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ أوْ يُضاعِفُ هَذا العَدَدَ، فَيَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ لِمَن يَشاءُ وهَذا هو الرّاجِحُ لِما سَيَأْتِي.
وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَيُبْنى العامُّ عَلى الخاصِّ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ هو الجِهادُ فَقَطْ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الخَيْرِ فَيَخُصُّ هَذا التَّضْعِيفَ إلى سَبْعِمِائَةٍ بِثَوابِ النَّفَقاتِ وتَكُونُ العَشْرَةُ الأمْثالُ فِيما عَدا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ هو إنْفاقُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، والمَنُّ هو ذِكْرُ النِّعْمَةِ عَلى مَعْنى التَّعْدِيدِ لَها والتَّقْرِيعِ بِها، وقِيلَ: المَنُّ التَّحَدُّثُ بِما أعْطى حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ المُعْطى فَيُؤْذِيَهُ، والمَنُّ مِنَ الكَبائِرِ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.
والأذى: السَّبُّ والتَّطاوُلُ والتَّشَكِّي.
قالَ في الكَشّافِ: ومَعْنى " ثُمَّ " إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا انْتَهى.
وقُدِّمَ المَنُّ عَلى الأذى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، ووَسَّطَ كَلِمَةَ " لا " لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ.
وقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ فِيهِ تَأْكِيدٌ وتَشْرِيفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهم في الدّارَيْنِ لِما تُفِيدُهُ النَّكِرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مِنَ الشُّمُولِ، وكَذَلِكَ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُفِيدُ دَوامَ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ﴾ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أوْلى وأمْثَلُ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ.
وقَوْلُهُ: ومَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: خَيْرٌ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وعَنْ قَوْلِهِ: ومَغْفِرَةٌ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَتَيْنِ لِأنَّ الأُولى تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، والثّانِيَةَ بِالعِطْفِ، والمَعْنى: أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ مِنَ المَسْئُولِ لِلسّائِلِ وهو التَّأْنِيسُ والتَّرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللَّهِ، والرَّدُّ الجَمِيلُ خَيْرٌ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُها أذًى.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» وما أحْسَنَ ما قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ:
؎لا تَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِن سائِلِ ∗∗∗ فَلَخَيْرُ دَهْرِكَ أنْ تُرى مَسْئُولا
؎لا تَجْبَهَنْ بِالرَّدِ وجْهَ مُؤَمِّلِ ∗∗∗ فَبَقاءُ عِزِّكَ أنْ تُرى مَأْمُولا
والمُرادُ بِالمَغْفِرَةِ السَّتْرُ لِلْخُلَّةِ، وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، (p-١٨٣)والعَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإلْحاحِ ما يُكَدِّرُ صَدْرَ المَسْئُولِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ العَفْوَ مِن جِهَةِ السّائِلِ، لِأنَّهُ إذا رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا عَذَرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلٌ يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ، أيْ غُفْرانُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَتِكم.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِتَرْكِ اتِّباعِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ الإبْطالُ لِلصَّدَقاتِ: إذْهابُ أثَرِها وإفْسادُ مَنفَعَتِها، أيْ لا تُبْطِلُوها بِالمَنِّ والأذى أوْ بِأحَدِهِما.
قَوْلُهُ: كالَّذِي أيْ إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي. عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا: أيْ لا تُبْطِلُوا، مُشابِهِينَ لِلَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وانْتِصابُ " رِئاءَ " عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: يُنْفِقُ أيْ لِأجْلِ الرِّياءِ، أوْ حالٌ أيْ يُنْفِقُ مُرائِيًا لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ وثَوابَ الآخِرَةِ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ رِياءً لِلنّاسِ اسْتِجْلابًا لِثَنائِهِمْ عَلَيْهِ ومَدْحِهِمْ لَهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِ المُنافِقُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ الصَّفْوانُ الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ.
وقالَ الأخْفَشُ: صَفْوانٌ جَمْعُ صَفْوانَةٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ: صَفْوانٌ واحِدٌ وجَمْعُهُ صُفِيٌّ وأصْفى، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وهو أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المُنْفِقَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ يَظُنُّهُ الظّانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإذا أصابَهُ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ أذْهَبَ عَنْهُ التُّرابَ وبَقِيَ صَلْدًا: أيْ أجْرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي فَإنَّ نَفَقَتَهُ لا تَنْفَعُهُ كَما لا يَنْفَعُ المَطَرُ الواقِعُ عَلى الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوهُ رِياءً ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، والضَّمِيرانِ لِلْمَوْصُولِ: أيْ كالَّذِي بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أيِ الجِنْسُ أوِ الجَمْعُ أوِ الفَرِيقُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، و" تَثْبِيتًا " مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا مَفْعُولٌ لَهُ: أيِ الإنْفاقُ لِأجْلِ الِابْتِغاءِ.
والتَّثْبِيتُ كَذا قالَ مَكِّيٌّ في المُشْكِلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ في " تَثْبِيتًا " أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ لَيْسَ مِن أجْلِ التَّثْبِيتِ.
قالَ: و" ابْتِغاءَ " نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ يُتَوَجَّهُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، لَكِنَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ هو الصَّوابُ مِن جِهَةِ عَطْفِ المَصْدَرِ الَّذِي هو تَثْبِيتًا عَلَيْهِ، و" ابْتِغاءَ " مَعْناهُ طَلَبٌ، و" مَرْضاةِ " مَصْدَرُ رَضِيَ يَرْضى، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ: أنَّهم يُثْبِتُونَ مِن أنْفُسِهِمْ بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ عَلى الإيمانِ وسائِرِ العِباداتِ رِياضَةً لَها وتَدْرِيبًا وتَمْرِينًا، أوْ يَكُونُ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ: أيْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ ناشِئًا مِن جِهَةِ أنْفُسِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى هَذا الحَرْفِ، فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَثَبَّتُونَ أنْ يَضَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ تَصْدِيقًا ويَقِينًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ احْتِسابًا مِن أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ أنْفُسَهم لَها بَصائِرُ فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ تَثْبِيتًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو صالِحٍ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ.
يُقالُ: ثَبَّتُّ فُلانًا في هَذا الأمْرِ أُثَبِّتُهُ تَثْبِيتًا: أيْ صَحَّحْتُ عَزْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ، وهي أرْضٌ تَنْبُتُ فِيها الأشْجارُ حَتّى تُغَطِّيَها، مَأْخُوذَةٌ مِن لَفْظِ الجِنِّ والجَنِينِ لِاسْتِتارِها.
والرَّبْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا، وهي مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وبِها قُرِئَ، وإنَّما خَصَّ الرَّبْوَةَ لِأنَّ نَباتَها يَكُونُ أحْسَنَ مِن غَيْرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ لا يَصْطَلِمُهُ البَرْدُ في الغالِبِ لِلَطافَةِ هَوائِهِ بِهُبُوبِ الرِّياحِ المُلَطِّفَةِ لَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: وهي رِياضُ الحَزْنِ الَّتِي تَسْتَكْثِرُ العَرَبُ مِن ذِكْرِها، واعْتَرَضَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: إنَّ رِياضَ الحَزْنِ مَنسُوبَةٌ إلى نَجْدٍ لِأنَّها خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، ونَباتُ نَجْدٍ أعْطَرُ، ونَسِيمَهُ أبْرَدُ وأرَقُّ.
ونَجْدٌ يُقالُ لَها حَزْنٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَذْكُورَةُ هُنا مِن ذاكَ، ولَفْظُ الرَّبْوَةِ مَأْخُوذٌ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ.
وقالَ الخَلِيلُ: الرَّبْوَةُ أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ.
والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ كَما تَقَدَّمَ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ، والأرْضُ مُوبَلَةٌ.
قالَ الأخْفَشُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ شَدِيدًا، وضَرْبٌ وبِيلٌ، وعَذابٌ وبِيلٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الثَّمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ كَسَرْجِ الفَرَسِ وبابِ الدّارِ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " أُكْلَها " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَحْرِيكِ الكافِ بِالضَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ضِعْفَيْنِ أيْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ.
فالمُرادُ بِالضَّعْفِ المِثْلُ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن " أُكُلَها "، أيْ مُضاعَفًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَإنَّ الطَّلَّ يَكْفِيها، وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ المُسْتَدَقُّ القَطْرِ.
قالَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ: وتَقْدِيرُهُ فَطَلٌّ يَكْفِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، والمُرادُ أنَّ الطَّلَّ يَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ في إخْراجِ الثَّمَرَةِ ضِعْفَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: الطَّلُّ النَّدى.
وفِي الصِّحاحِ: الطَّلُّ: أضْعَفُ المَطَرِ، والجَمْعُ أطْلالٌ.
قالَ الماوِرْدِيُّ: وزَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ.
والمَعْنى: أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ التَّمْثِيلُ ما بَيْنَ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ، وبَيْنَ الجَنَّةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ ما أصابَها مِنَ المَطَرِ الكَثِيرِ والقَلِيلِ، فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أُكُلَها، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَّتْ أوْ قَلَّتْ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ زاكِيَةً زائِدَةً في أُجُورِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالتّاءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِما لَهم في الإخْلاصِ مَعَ تَرْهِيبٍ مِنَ الرِّياءِ ونَحْوِهِ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ (p-١٨٤)عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " كانَ مَن بايَعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى الهِجْرَةِ ورابَطَ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَذْهَبْ وجْهًا إلّا بِإذْنِهِ كانَتْ لَهُ الحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ومَن بايَعَ عَلى الإسْلامِ كانَتِ الحَسَنَةُ لَهُ عَشْرُ أمْثالِها " .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خُزَيْمِ بْنِ فاتِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي عُبَيْدَةَ وزادَ «ومَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ أوْ عادَ مَرِيضًا فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسائِيُّ في الصَّوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وعَلِيٍّ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرٍ كُلُّهم يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «طُوبى لِمَن أكْثَرَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ لَهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ حَسَنَةٍ، كُلُّ حَسَنَةٍ مِنها عَشْرَةُ أضْعافٍ» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طَرَفٍ مِن أحادِيثِ التَّضْعِيفِ لِلْحَسَناتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في أجْرِ مَن جَهَّزَ غازِيًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الصَّلاةَ والصَّوْمَ والذِّكْرَ تُضاعَفُ عَلى النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ إنَّ أقْوامًا يَبْعَثُونَ الرَّجُلَ مِنهم في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ يُنْفِقُ عَلى الرَّجُلِ أوْ يُعْطِيهِ النَّفَقَةَ ثُمَّ يَمُنُّ عَلَيْهِ ويُؤْذِيهِ، يَعْنِي أنَّ هَذا سَبَبُ النُّزُولِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ المَنِّ والأذى وفي فَضْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَلى الأقارِبِ وفي وُجُوهِ الخَيْرِ، ولا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَهي مَعْرُوفَةٌ في مَواطِنِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن صَدَقَةٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَوْلِ الحَقِّ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قالَ: رَدٌّ جَمِيلٌ، تَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، ولا تَنْهَرْهُ ولا تُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنّانٌ وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " صَفْوانٍ " يَقُولُ: الحَجَرُ " فَتَرَكَهُ صَلْدًا " يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، قالَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأعْمالِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَوْمَئِذٍ كَما تَرَكَ هَذا المَطَرُ هَذا الحَجْرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أنْقى مِمّا كانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قالَ: يابِسًا جاثِيًا لا يُنْبِتُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: تَصْدِيقًا ويَقِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ قالَ: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهم.
وأخْرَجا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ فَإنْ كانَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ أمْسَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَثْبِيتًا قالَ: النِّيَّةُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّبْوَةُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرَّبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المُرْتَفِعَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي لا تَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: فَطَلٌّ قالَ: النَّدى.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ: يَعْنِي اللِّينَ مِنهُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ، يَقُولُ: لَيْسَ لِخَيْرِهِ خَلَفٌ كَما لَيْسَ لِخَيْرِ هَذِهِ الجَنَّةِ خَلَفٌ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، إنْ أصابَها وابِلٌ وإنْ أصابَها طَلٌّ.
البقرة 2:264
قَوْلُهُ: كَمَثَلِ حَبَّةٍ لا يَصِحُّ جَعْلُ هَذا خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ لِاخْتِلافِهِما فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ إمّا في الأوَّلِ: أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، أوْ في الثّانِي: أيْ كَمَثَلِ زارِعِ حَبَّةٍ، والمُرادُ بِالسَّبْعِ السَّنابِلِ هي الَّتِي تُخْرَجُ في ساقٍ واحِدٍ يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ في كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ، والحَبَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يَزْدَرِعُهُ ابْنُ آدَمَ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ
قِيلَ: المُرادُ بِالسَّنابِلِ هُنا سَنابِلُ الدُّخْنُ، فَهو الَّذِينَ يَكُونُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ هَذا العَدَدُ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ سُنْبُلَ الدُّخْنِ يَجِيءُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ أكْثَرُ مِن هَذا العَدَدِ بِضِعْفَيْنِ وأكْثَرَ عَلى ما شاهَدْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرَ، ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ وإلّا فَعَلى أنْ تَفْرِضَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُضاعِفُ هَذِهِ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ أوْ يُضاعِفُ هَذا العَدَدَ، فَيَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ لِمَن يَشاءُ وهَذا هو الرّاجِحُ لِما سَيَأْتِي.
وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَيُبْنى العامُّ عَلى الخاصِّ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ هو الجِهادُ فَقَطْ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الخَيْرِ فَيَخُصُّ هَذا التَّضْعِيفَ إلى سَبْعِمِائَةٍ بِثَوابِ النَّفَقاتِ وتَكُونُ العَشْرَةُ الأمْثالُ فِيما عَدا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ هو إنْفاقُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، والمَنُّ هو ذِكْرُ النِّعْمَةِ عَلى مَعْنى التَّعْدِيدِ لَها والتَّقْرِيعِ بِها، وقِيلَ: المَنُّ التَّحَدُّثُ بِما أعْطى حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ المُعْطى فَيُؤْذِيَهُ، والمَنُّ مِنَ الكَبائِرِ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.
والأذى: السَّبُّ والتَّطاوُلُ والتَّشَكِّي.
قالَ في الكَشّافِ: ومَعْنى " ثُمَّ " إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا انْتَهى.
وقُدِّمَ المَنُّ عَلى الأذى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، ووَسَّطَ كَلِمَةَ " لا " لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ.
وقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ فِيهِ تَأْكِيدٌ وتَشْرِيفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهم في الدّارَيْنِ لِما تُفِيدُهُ النَّكِرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مِنَ الشُّمُولِ، وكَذَلِكَ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُفِيدُ دَوامَ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ﴾ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أوْلى وأمْثَلُ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ.
وقَوْلُهُ: ومَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: خَيْرٌ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وعَنْ قَوْلِهِ: ومَغْفِرَةٌ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَتَيْنِ لِأنَّ الأُولى تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، والثّانِيَةَ بِالعِطْفِ، والمَعْنى: أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ مِنَ المَسْئُولِ لِلسّائِلِ وهو التَّأْنِيسُ والتَّرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللَّهِ، والرَّدُّ الجَمِيلُ خَيْرٌ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُها أذًى.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» وما أحْسَنَ ما قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ:
؎لا تَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِن سائِلِ ∗∗∗ فَلَخَيْرُ دَهْرِكَ أنْ تُرى مَسْئُولا
؎لا تَجْبَهَنْ بِالرَّدِ وجْهَ مُؤَمِّلِ ∗∗∗ فَبَقاءُ عِزِّكَ أنْ تُرى مَأْمُولا
والمُرادُ بِالمَغْفِرَةِ السَّتْرُ لِلْخُلَّةِ، وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، (p-١٨٣)والعَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإلْحاحِ ما يُكَدِّرُ صَدْرَ المَسْئُولِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ العَفْوَ مِن جِهَةِ السّائِلِ، لِأنَّهُ إذا رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا عَذَرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلٌ يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ، أيْ غُفْرانُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَتِكم.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِتَرْكِ اتِّباعِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ الإبْطالُ لِلصَّدَقاتِ: إذْهابُ أثَرِها وإفْسادُ مَنفَعَتِها، أيْ لا تُبْطِلُوها بِالمَنِّ والأذى أوْ بِأحَدِهِما.
قَوْلُهُ: كالَّذِي أيْ إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي. عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا: أيْ لا تُبْطِلُوا، مُشابِهِينَ لِلَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وانْتِصابُ " رِئاءَ " عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: يُنْفِقُ أيْ لِأجْلِ الرِّياءِ، أوْ حالٌ أيْ يُنْفِقُ مُرائِيًا لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ وثَوابَ الآخِرَةِ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ رِياءً لِلنّاسِ اسْتِجْلابًا لِثَنائِهِمْ عَلَيْهِ ومَدْحِهِمْ لَهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِ المُنافِقُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ الصَّفْوانُ الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ.
وقالَ الأخْفَشُ: صَفْوانٌ جَمْعُ صَفْوانَةٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ: صَفْوانٌ واحِدٌ وجَمْعُهُ صُفِيٌّ وأصْفى، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وهو أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المُنْفِقَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ يَظُنُّهُ الظّانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإذا أصابَهُ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ أذْهَبَ عَنْهُ التُّرابَ وبَقِيَ صَلْدًا: أيْ أجْرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي فَإنَّ نَفَقَتَهُ لا تَنْفَعُهُ كَما لا يَنْفَعُ المَطَرُ الواقِعُ عَلى الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوهُ رِياءً ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، والضَّمِيرانِ لِلْمَوْصُولِ: أيْ كالَّذِي بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أيِ الجِنْسُ أوِ الجَمْعُ أوِ الفَرِيقُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، و" تَثْبِيتًا " مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا مَفْعُولٌ لَهُ: أيِ الإنْفاقُ لِأجْلِ الِابْتِغاءِ.
والتَّثْبِيتُ كَذا قالَ مَكِّيٌّ في المُشْكِلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ في " تَثْبِيتًا " أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ لَيْسَ مِن أجْلِ التَّثْبِيتِ.
قالَ: و" ابْتِغاءَ " نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ يُتَوَجَّهُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، لَكِنَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ هو الصَّوابُ مِن جِهَةِ عَطْفِ المَصْدَرِ الَّذِي هو تَثْبِيتًا عَلَيْهِ، و" ابْتِغاءَ " مَعْناهُ طَلَبٌ، و" مَرْضاةِ " مَصْدَرُ رَضِيَ يَرْضى، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ: أنَّهم يُثْبِتُونَ مِن أنْفُسِهِمْ بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ عَلى الإيمانِ وسائِرِ العِباداتِ رِياضَةً لَها وتَدْرِيبًا وتَمْرِينًا، أوْ يَكُونُ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ: أيْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ ناشِئًا مِن جِهَةِ أنْفُسِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى هَذا الحَرْفِ، فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَثَبَّتُونَ أنْ يَضَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ تَصْدِيقًا ويَقِينًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ احْتِسابًا مِن أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ أنْفُسَهم لَها بَصائِرُ فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ تَثْبِيتًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو صالِحٍ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ.
يُقالُ: ثَبَّتُّ فُلانًا في هَذا الأمْرِ أُثَبِّتُهُ تَثْبِيتًا: أيْ صَحَّحْتُ عَزْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ، وهي أرْضٌ تَنْبُتُ فِيها الأشْجارُ حَتّى تُغَطِّيَها، مَأْخُوذَةٌ مِن لَفْظِ الجِنِّ والجَنِينِ لِاسْتِتارِها.
والرَّبْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا، وهي مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وبِها قُرِئَ، وإنَّما خَصَّ الرَّبْوَةَ لِأنَّ نَباتَها يَكُونُ أحْسَنَ مِن غَيْرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ لا يَصْطَلِمُهُ البَرْدُ في الغالِبِ لِلَطافَةِ هَوائِهِ بِهُبُوبِ الرِّياحِ المُلَطِّفَةِ لَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: وهي رِياضُ الحَزْنِ الَّتِي تَسْتَكْثِرُ العَرَبُ مِن ذِكْرِها، واعْتَرَضَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: إنَّ رِياضَ الحَزْنِ مَنسُوبَةٌ إلى نَجْدٍ لِأنَّها خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، ونَباتُ نَجْدٍ أعْطَرُ، ونَسِيمَهُ أبْرَدُ وأرَقُّ.
ونَجْدٌ يُقالُ لَها حَزْنٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَذْكُورَةُ هُنا مِن ذاكَ، ولَفْظُ الرَّبْوَةِ مَأْخُوذٌ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ.
وقالَ الخَلِيلُ: الرَّبْوَةُ أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ.
والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ كَما تَقَدَّمَ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ، والأرْضُ مُوبَلَةٌ.
قالَ الأخْفَشُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ شَدِيدًا، وضَرْبٌ وبِيلٌ، وعَذابٌ وبِيلٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الثَّمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ كَسَرْجِ الفَرَسِ وبابِ الدّارِ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " أُكْلَها " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَحْرِيكِ الكافِ بِالضَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ضِعْفَيْنِ أيْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ.
فالمُرادُ بِالضَّعْفِ المِثْلُ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن " أُكُلَها "، أيْ مُضاعَفًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَإنَّ الطَّلَّ يَكْفِيها، وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ المُسْتَدَقُّ القَطْرِ.
قالَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ: وتَقْدِيرُهُ فَطَلٌّ يَكْفِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، والمُرادُ أنَّ الطَّلَّ يَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ في إخْراجِ الثَّمَرَةِ ضِعْفَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: الطَّلُّ النَّدى.
وفِي الصِّحاحِ: الطَّلُّ: أضْعَفُ المَطَرِ، والجَمْعُ أطْلالٌ.
قالَ الماوِرْدِيُّ: وزَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ.
والمَعْنى: أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ التَّمْثِيلُ ما بَيْنَ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ، وبَيْنَ الجَنَّةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ ما أصابَها مِنَ المَطَرِ الكَثِيرِ والقَلِيلِ، فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أُكُلَها، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَّتْ أوْ قَلَّتْ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ زاكِيَةً زائِدَةً في أُجُورِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالتّاءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِما لَهم في الإخْلاصِ مَعَ تَرْهِيبٍ مِنَ الرِّياءِ ونَحْوِهِ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ (p-١٨٤)عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " كانَ مَن بايَعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى الهِجْرَةِ ورابَطَ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَذْهَبْ وجْهًا إلّا بِإذْنِهِ كانَتْ لَهُ الحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ومَن بايَعَ عَلى الإسْلامِ كانَتِ الحَسَنَةُ لَهُ عَشْرُ أمْثالِها " .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خُزَيْمِ بْنِ فاتِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي عُبَيْدَةَ وزادَ «ومَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ أوْ عادَ مَرِيضًا فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسائِيُّ في الصَّوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وعَلِيٍّ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرٍ كُلُّهم يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «طُوبى لِمَن أكْثَرَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ لَهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ حَسَنَةٍ، كُلُّ حَسَنَةٍ مِنها عَشْرَةُ أضْعافٍ» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طَرَفٍ مِن أحادِيثِ التَّضْعِيفِ لِلْحَسَناتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في أجْرِ مَن جَهَّزَ غازِيًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الصَّلاةَ والصَّوْمَ والذِّكْرَ تُضاعَفُ عَلى النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ إنَّ أقْوامًا يَبْعَثُونَ الرَّجُلَ مِنهم في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ يُنْفِقُ عَلى الرَّجُلِ أوْ يُعْطِيهِ النَّفَقَةَ ثُمَّ يَمُنُّ عَلَيْهِ ويُؤْذِيهِ، يَعْنِي أنَّ هَذا سَبَبُ النُّزُولِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ المَنِّ والأذى وفي فَضْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَلى الأقارِبِ وفي وُجُوهِ الخَيْرِ، ولا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَهي مَعْرُوفَةٌ في مَواطِنِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن صَدَقَةٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَوْلِ الحَقِّ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قالَ: رَدٌّ جَمِيلٌ، تَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، ولا تَنْهَرْهُ ولا تُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنّانٌ وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " صَفْوانٍ " يَقُولُ: الحَجَرُ " فَتَرَكَهُ صَلْدًا " يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، قالَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأعْمالِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَوْمَئِذٍ كَما تَرَكَ هَذا المَطَرُ هَذا الحَجْرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أنْقى مِمّا كانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قالَ: يابِسًا جاثِيًا لا يُنْبِتُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: تَصْدِيقًا ويَقِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ قالَ: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهم.
وأخْرَجا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ فَإنْ كانَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ أمْسَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَثْبِيتًا قالَ: النِّيَّةُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّبْوَةُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرَّبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المُرْتَفِعَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي لا تَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: فَطَلٌّ قالَ: النَّدى.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ: يَعْنِي اللِّينَ مِنهُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ، يَقُولُ: لَيْسَ لِخَيْرِهِ خَلَفٌ كَما لَيْسَ لِخَيْرِ هَذِهِ الجَنَّةِ خَلَفٌ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، إنْ أصابَها وابِلٌ وإنْ أصابَها طَلٌّ.
البقرة 2:265
قَوْلُهُ: كَمَثَلِ حَبَّةٍ لا يَصِحُّ جَعْلُ هَذا خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ لِاخْتِلافِهِما فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ إمّا في الأوَّلِ: أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، أوْ في الثّانِي: أيْ كَمَثَلِ زارِعِ حَبَّةٍ، والمُرادُ بِالسَّبْعِ السَّنابِلِ هي الَّتِي تُخْرَجُ في ساقٍ واحِدٍ يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ في كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ، والحَبَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يَزْدَرِعُهُ ابْنُ آدَمَ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ
قِيلَ: المُرادُ بِالسَّنابِلِ هُنا سَنابِلُ الدُّخْنُ، فَهو الَّذِينَ يَكُونُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ هَذا العَدَدُ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ سُنْبُلَ الدُّخْنِ يَجِيءُ في السُّنْبُلَةِ مِنهُ أكْثَرُ مِن هَذا العَدَدِ بِضِعْفَيْنِ وأكْثَرَ عَلى ما شاهَدْنا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرَ، ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ وإلّا فَعَلى أنْ تَفْرِضَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُضاعِفُ هَذِهِ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ أوْ يُضاعِفُ هَذا العَدَدَ، فَيَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافَهُ لِمَن يَشاءُ وهَذا هو الرّاجِحُ لِما سَيَأْتِي.
وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَيُبْنى العامُّ عَلى الخاصِّ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ هو الجِهادُ فَقَطْ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الخَيْرِ فَيَخُصُّ هَذا التَّضْعِيفَ إلى سَبْعِمِائَةٍ بِثَوابِ النَّفَقاتِ وتَكُونُ العَشْرَةُ الأمْثالُ فِيما عَدا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ هو إنْفاقُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، والمَنُّ هو ذِكْرُ النِّعْمَةِ عَلى مَعْنى التَّعْدِيدِ لَها والتَّقْرِيعِ بِها، وقِيلَ: المَنُّ التَّحَدُّثُ بِما أعْطى حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ المُعْطى فَيُؤْذِيَهُ، والمَنُّ مِنَ الكَبائِرِ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.
والأذى: السَّبُّ والتَّطاوُلُ والتَّشَكِّي.
قالَ في الكَشّافِ: ومَعْنى " ثُمَّ " إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا انْتَهى.
وقُدِّمَ المَنُّ عَلى الأذى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، ووَسَّطَ كَلِمَةَ " لا " لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ.
وقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ فِيهِ تَأْكِيدٌ وتَشْرِيفٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهم في الدّارَيْنِ لِما تُفِيدُهُ النَّكِرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مِنَ الشُّمُولِ، وكَذَلِكَ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُفِيدُ دَوامَ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ﴾ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أوْلى وأمْثَلُ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ.
وقَوْلُهُ: ومَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ﴾ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: خَيْرٌ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وعَنْ قَوْلِهِ: ومَغْفِرَةٌ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَتَيْنِ لِأنَّ الأُولى تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، والثّانِيَةَ بِالعِطْفِ، والمَعْنى: أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ مِنَ المَسْئُولِ لِلسّائِلِ وهو التَّأْنِيسُ والتَّرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللَّهِ، والرَّدُّ الجَمِيلُ خَيْرٌ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُها أذًى.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» وما أحْسَنَ ما قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ:
؎لا تَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِن سائِلِ ∗∗∗ فَلَخَيْرُ دَهْرِكَ أنْ تُرى مَسْئُولا
؎لا تَجْبَهَنْ بِالرَّدِ وجْهَ مُؤَمِّلِ ∗∗∗ فَبَقاءُ عِزِّكَ أنْ تُرى مَأْمُولا
والمُرادُ بِالمَغْفِرَةِ السَّتْرُ لِلْخُلَّةِ، وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، (p-١٨٣)والعَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإلْحاحِ ما يُكَدِّرُ صَدْرَ المَسْئُولِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ العَفْوَ مِن جِهَةِ السّائِلِ، لِأنَّهُ إذا رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا عَذَرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلٌ يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ، أيْ غُفْرانُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَتِكم.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِتَرْكِ اتِّباعِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ الإبْطالُ لِلصَّدَقاتِ: إذْهابُ أثَرِها وإفْسادُ مَنفَعَتِها، أيْ لا تُبْطِلُوها بِالمَنِّ والأذى أوْ بِأحَدِهِما.
قَوْلُهُ: كالَّذِي أيْ إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي. عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا: أيْ لا تُبْطِلُوا، مُشابِهِينَ لِلَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، وانْتِصابُ " رِئاءَ " عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: يُنْفِقُ أيْ لِأجْلِ الرِّياءِ، أوْ حالٌ أيْ يُنْفِقُ مُرائِيًا لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ وثَوابَ الآخِرَةِ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ رِياءً لِلنّاسِ اسْتِجْلابًا لِثَنائِهِمْ عَلَيْهِ ومَدْحِهِمْ لَهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِهِ المُنافِقُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ الصَّفْوانُ الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ.
وقالَ الأخْفَشُ: صَفْوانٌ جَمْعُ صَفْوانَةٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ: صَفْوانٌ واحِدٌ وجَمْعُهُ صُفِيٌّ وأصْفى، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وهو أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المُنْفِقَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ يَظُنُّهُ الظّانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإذا أصابَهُ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ أذْهَبَ عَنْهُ التُّرابَ وبَقِيَ صَلْدًا: أيْ أجْرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُّرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي فَإنَّ نَفَقَتَهُ لا تَنْفَعُهُ كَما لا يَنْفَعُ المَطَرُ الواقِعُ عَلى الصَّفْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: لا يَنْتَفِعُونَ بِما فَعَلُوهُ رِياءً ولا يَجِدُونَ لَهُ ثَوابًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، والضَّمِيرانِ لِلْمَوْصُولِ: أيْ كالَّذِي بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أيِ الجِنْسُ أوِ الجَمْعُ أوِ الفَرِيقُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، و" تَثْبِيتًا " مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا مَفْعُولٌ لَهُ: أيِ الإنْفاقُ لِأجْلِ الِابْتِغاءِ.
والتَّثْبِيتُ كَذا قالَ مَكِّيٌّ في المُشْكِلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ في " تَثْبِيتًا " أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ لَيْسَ مِن أجْلِ التَّثْبِيتِ.
قالَ: و" ابْتِغاءَ " نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ يُتَوَجَّهُ فِيهِ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، لَكِنَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ هو الصَّوابُ مِن جِهَةِ عَطْفِ المَصْدَرِ الَّذِي هو تَثْبِيتًا عَلَيْهِ، و" ابْتِغاءَ " مَعْناهُ طَلَبٌ، و" مَرْضاةِ " مَصْدَرُ رَضِيَ يَرْضى، وتَثْبِيتًا مَعْناهُ: أنَّهم يُثْبِتُونَ مِن أنْفُسِهِمْ بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ عَلى الإيمانِ وسائِرِ العِباداتِ رِياضَةً لَها وتَدْرِيبًا وتَمْرِينًا، أوْ يَكُونُ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ: أيْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ ناشِئًا مِن جِهَةِ أنْفُسِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى هَذا الحَرْفِ، فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَثَبَّتُونَ أنْ يَضَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ تَصْدِيقًا ويَقِينًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ احْتِسابًا مِن أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ أنْفُسَهم لَها بَصائِرُ فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ تَثْبِيتًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو صالِحٍ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ.
يُقالُ: ثَبَّتُّ فُلانًا في هَذا الأمْرِ أُثَبِّتُهُ تَثْبِيتًا: أيْ صَحَّحْتُ عَزْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ، وهي أرْضٌ تَنْبُتُ فِيها الأشْجارُ حَتّى تُغَطِّيَها، مَأْخُوذَةٌ مِن لَفْظِ الجِنِّ والجَنِينِ لِاسْتِتارِها.
والرَّبْوَةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا، وهي مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وبِها قُرِئَ، وإنَّما خَصَّ الرَّبْوَةَ لِأنَّ نَباتَها يَكُونُ أحْسَنَ مِن غَيْرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ لا يَصْطَلِمُهُ البَرْدُ في الغالِبِ لِلَطافَةِ هَوائِهِ بِهُبُوبِ الرِّياحِ المُلَطِّفَةِ لَهُ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: وهي رِياضُ الحَزْنِ الَّتِي تَسْتَكْثِرُ العَرَبُ مِن ذِكْرِها، واعْتَرَضَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: إنَّ رِياضَ الحَزْنِ مَنسُوبَةٌ إلى نَجْدٍ لِأنَّها خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، ونَباتُ نَجْدٍ أعْطَرُ، ونَسِيمَهُ أبْرَدُ وأرَقُّ.
ونَجْدٌ يُقالُ لَها حَزْنٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَذْكُورَةُ هُنا مِن ذاكَ، ولَفْظُ الرَّبْوَةِ مَأْخُوذٌ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ.
وقالَ الخَلِيلُ: الرَّبْوَةُ أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ.
والوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ كَما تَقَدَّمَ، يُقالُ: وبَلَتِ السَّماءُ تَبِلُ، والأرْضُ مُوبَلَةٌ.
قالَ الأخْفَشُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ شَدِيدًا، وضَرْبٌ وبِيلٌ، وعَذابٌ وبِيلٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ: الثَّمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ كَسَرْجِ الفَرَسِ وبابِ الدّارِ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " أُكْلَها " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَحْرِيكِ الكافِ بِالضَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ضِعْفَيْنِ أيْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ.
فالمُرادُ بِالضَّعْفِ المِثْلُ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن " أُكُلَها "، أيْ مُضاعَفًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَإنَّ الطَّلَّ يَكْفِيها، وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ المُسْتَدَقُّ القَطْرِ.
قالَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ: وتَقْدِيرُهُ فَطَلٌّ يَكْفِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، والمُرادُ أنَّ الطَّلَّ يَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ في إخْراجِ الثَّمَرَةِ ضِعْفَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: الطَّلُّ النَّدى.
وفِي الصِّحاحِ: الطَّلُّ: أضْعَفُ المَطَرِ، والجَمْعُ أطْلالٌ.
قالَ الماوِرْدِيُّ: وزَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ.
والمَعْنى: أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ التَّمْثِيلُ ما بَيْنَ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ، وبَيْنَ الجَنَّةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ ما أصابَها مِنَ المَطَرِ الكَثِيرِ والقَلِيلِ، فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أُكُلَها، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَّتْ أوْ قَلَّتْ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ زاكِيَةً زائِدَةً في أُجُورِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالتّاءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِما لَهم في الإخْلاصِ مَعَ تَرْهِيبٍ مِنَ الرِّياءِ ونَحْوِهِ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ (p-١٨٤)عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " كانَ مَن بايَعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى الهِجْرَةِ ورابَطَ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَذْهَبْ وجْهًا إلّا بِإذْنِهِ كانَتْ لَهُ الحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ومَن بايَعَ عَلى الإسْلامِ كانَتِ الحَسَنَةُ لَهُ عَشْرُ أمْثالِها " .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خُزَيْمِ بْنِ فاتِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أنْفَقَ نَفَقَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي عُبَيْدَةَ وزادَ «ومَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ أوْ عادَ مَرِيضًا فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ النَّسائِيُّ في الصَّوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وعَلِيٍّ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وجابِرٍ كُلُّهم يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ» .
وأخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «طُوبى لِمَن أكْثَرَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّ لَهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ حَسَنَةٍ، كُلُّ حَسَنَةٍ مِنها عَشْرَةُ أضْعافٍ» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طَرَفٍ مِن أحادِيثِ التَّضْعِيفِ لِلْحَسَناتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في أجْرِ مَن جَهَّزَ غازِيًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الصَّلاةَ والصَّوْمَ والذِّكْرَ تُضاعَفُ عَلى النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ إنَّ أقْوامًا يَبْعَثُونَ الرَّجُلَ مِنهم في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ يُنْفِقُ عَلى الرَّجُلِ أوْ يُعْطِيهِ النَّفَقَةَ ثُمَّ يَمُنُّ عَلَيْهِ ويُؤْذِيهِ، يَعْنِي أنَّ هَذا سَبَبُ النُّزُولِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ المَنِّ والأذى وفي فَضْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَلى الأقارِبِ وفي وُجُوهِ الخَيْرِ، ولا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِها فَهي مَعْرُوفَةٌ في مَواطِنِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما مِن صَدَقَةٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَوْلِ الحَقِّ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قالَ: رَدٌّ جَمِيلٌ، تَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، ولا تَنْهَرْهُ ولا تُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنّانٌ وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " صَفْوانٍ " يَقُولُ: الحَجَرُ " فَتَرَكَهُ صَلْدًا " يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: الوابِلُ المَطَرُ الشَّدِيدُ، قالَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأعْمالِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ يَوْمَئِذٍ كَما تَرَكَ هَذا المَطَرُ هَذا الحَجْرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أنْقى مِمّا كانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قالَ: يابِسًا جاثِيًا لا يُنْبِتُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: تَصْدِيقًا ويَقِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ قالَ: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهم.
وأخْرَجا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ فَإنْ كانَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ أمْسَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: تَثْبِيتًا قالَ: النِّيَّةُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّبْوَةُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرَّبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ المُرْتَفِعَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي لا تَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: فَطَلٌّ قالَ: النَّدى.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ: يَعْنِي اللِّينَ مِنهُ.
وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ، يَقُولُ: لَيْسَ لِخَيْرِهِ خَلَفٌ كَما لَيْسَ لِخَيْرِ هَذِهِ الجَنَّةِ خَلَفٌ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، إنْ أصابَها وابِلٌ وإنْ أصابَها طَلٌّ.
البقرة 2:266
الوُدُّ: الحُبُّ لِلشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الشَّجَرِ المُلْتَفِّ وعَلى الأرْضِ الَّتِي فِيها الشَّجَرُ.
والأوَّلُ أوْلى هُنا لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (p-١٨٥)بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الشَّجَرِ مِن دُونِ حاجَةٍ إلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وهَكَذا قَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَيُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ: أيْ فاحْتَرَقَتْ أشْجارُها، وخُصَّ النَّخِيلُ والأعْنابُ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لِكَوْنِهِما أكْرَمَ الشَّجَرِ، وهَذِهِ الجُمَلُ صِفاتٌ لِلْجَنَّةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: وأصابَهُ الكِبَرُ قِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: " تَكُونَ " ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ: يَوَدُّ وقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ تَكُونُ في مَعْنى كانَتْ، وقِيلَ: إنَّها واوُ الحالِ أيْ وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ وهَذا أرْجَحُ.
وكِبَرُ السِّنِّ هو مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ لِما يَلْحَقُ صاحِبُهُ مِنَ العَجْزِ عَنْ تَعاطِي الأسْبابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ: أيْ والحالُ أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً ضُعَفاءَ، فَإنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الذُّرِّيَّةِ كانَ تَحَسُّرُهُ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ في غايَةِ الشِّدَّةِ.
والإعْصارُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ كالعَمُودِ، وهي الَّتِي يُقالُ لَها الزَّوْبَعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الزَّوْبَعَةُ رَئِيسٌ مِن رُؤَساءِ الجِنِّ، ومِنهُ سُمِّي الإعْصارُ زَوْبَعَةً، ويُقالُ: أُمُّ زَوْبَعَةَ، وهي رِيحٌ تُثِيرُ الغُبارَ، ويَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ، وقِيلَ: هي رِيحٌ تُثِيرُ سَحابًا ذاتَ رَعْدٍ وبَرْقٍ.
وقَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَأصابَها وهَذِهِ الآيَةُ تَمْثِيلُ مَن يَعْمَلُ خَيْرًا ويَضُمُّ إلَيْهِ ما يُحْبِطُهُ فَيَجِدُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ شِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ بِحالِ مَن لَهُ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ وهو مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ لِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ في المَعاصِي حَتّى أغْرَقَ عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِإنْسانِ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا حَتّى إذا كانَ عِنْدَ آخِرِ عُمُرِهِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ عَمِلَ عَمَلَ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إعْصارٌ فِيهِ نارٌ﴾ قالَ: رِيحٌ فِيها سُمُومٌ شَدِيدَةٌ.
البقرة 2:267
الوُدُّ: الحُبُّ لِلشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الشَّجَرِ المُلْتَفِّ وعَلى الأرْضِ الَّتِي فِيها الشَّجَرُ.
والأوَّلُ أوْلى هُنا لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (p-١٨٥)بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الشَّجَرِ مِن دُونِ حاجَةٍ إلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وهَكَذا قَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَيُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ: أيْ فاحْتَرَقَتْ أشْجارُها، وخُصَّ النَّخِيلُ والأعْنابُ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لِكَوْنِهِما أكْرَمَ الشَّجَرِ، وهَذِهِ الجُمَلُ صِفاتٌ لِلْجَنَّةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: وأصابَهُ الكِبَرُ قِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: " تَكُونَ " ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ: يَوَدُّ وقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ تَكُونُ في مَعْنى كانَتْ، وقِيلَ: إنَّها واوُ الحالِ أيْ وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ وهَذا أرْجَحُ.
وكِبَرُ السِّنِّ هو مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ لِما يَلْحَقُ صاحِبُهُ مِنَ العَجْزِ عَنْ تَعاطِي الأسْبابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ: أيْ والحالُ أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً ضُعَفاءَ، فَإنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الذُّرِّيَّةِ كانَ تَحَسُّرُهُ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ في غايَةِ الشِّدَّةِ.
والإعْصارُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ كالعَمُودِ، وهي الَّتِي يُقالُ لَها الزَّوْبَعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الزَّوْبَعَةُ رَئِيسٌ مِن رُؤَساءِ الجِنِّ، ومِنهُ سُمِّي الإعْصارُ زَوْبَعَةً، ويُقالُ: أُمُّ زَوْبَعَةَ، وهي رِيحٌ تُثِيرُ الغُبارَ، ويَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ، وقِيلَ: هي رِيحٌ تُثِيرُ سَحابًا ذاتَ رَعْدٍ وبَرْقٍ.
وقَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَأصابَها وهَذِهِ الآيَةُ تَمْثِيلُ مَن يَعْمَلُ خَيْرًا ويَضُمُّ إلَيْهِ ما يُحْبِطُهُ فَيَجِدُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ شِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ بِحالِ مَن لَهُ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ وهو مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ لِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ في المَعاصِي حَتّى أغْرَقَ عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِإنْسانِ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا حَتّى إذا كانَ عِنْدَ آخِرِ عُمُرِهِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ عَمِلَ عَمَلَ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إعْصارٌ فِيهِ نارٌ﴾ قالَ: رِيحٌ فِيها سُمُومٌ شَدِيدَةٌ.
البقرة 2:268
الوُدُّ: الحُبُّ لِلشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ، والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الشَّجَرِ المُلْتَفِّ وعَلى الأرْضِ الَّتِي فِيها الشَّجَرُ.
والأوَّلُ أوْلى هُنا لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (p-١٨٥)بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الشَّجَرِ مِن دُونِ حاجَةٍ إلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وهَكَذا قَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَيُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ: أيْ فاحْتَرَقَتْ أشْجارُها، وخُصَّ النَّخِيلُ والأعْنابُ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لِكَوْنِهِما أكْرَمَ الشَّجَرِ، وهَذِهِ الجُمَلُ صِفاتٌ لِلْجَنَّةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: وأصابَهُ الكِبَرُ قِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: " تَكُونَ " ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ: يَوَدُّ وقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ تَكُونُ في مَعْنى كانَتْ، وقِيلَ: إنَّها واوُ الحالِ أيْ وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ وهَذا أرْجَحُ.
وكِبَرُ السِّنِّ هو مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ لِما يَلْحَقُ صاحِبُهُ مِنَ العَجْزِ عَنْ تَعاطِي الأسْبابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ: أيْ والحالُ أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً ضُعَفاءَ، فَإنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الذُّرِّيَّةِ كانَ تَحَسُّرُهُ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ في غايَةِ الشِّدَّةِ.
والإعْصارُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ كالعَمُودِ، وهي الَّتِي يُقالُ لَها الزَّوْبَعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الزَّوْبَعَةُ رَئِيسٌ مِن رُؤَساءِ الجِنِّ، ومِنهُ سُمِّي الإعْصارُ زَوْبَعَةً، ويُقالُ: أُمُّ زَوْبَعَةَ، وهي رِيحٌ تُثِيرُ الغُبارَ، ويَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ كَأنَّهُ عَمُودٌ، وقِيلَ: هي رِيحٌ تُثِيرُ سَحابًا ذاتَ رَعْدٍ وبَرْقٍ.
وقَوْلُهُ: فاحْتَرَقَتْ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَأصابَها وهَذِهِ الآيَةُ تَمْثِيلُ مَن يَعْمَلُ خَيْرًا ويَضُمُّ إلَيْهِ ما يُحْبِطُهُ فَيَجِدُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ شِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ بِحالِ مَن لَهُ هَذِهِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ وهو مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ لِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ في المَعاصِي حَتّى أغْرَقَ عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِإنْسانِ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا حَتّى إذا كانَ عِنْدَ آخِرِ عُمُرِهِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ عَمِلَ عَمَلَ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إعْصارٌ فِيهِ نارٌ﴾ قالَ: رِيحٌ فِيها سُمُومٌ شَدِيدَةٌ.
البقرة 2:269
قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِن جَيِّدِ ما كَسَبْتُمْ ومُخْتارِهِ، كَذا قالَ الجُمْهُورُ.
وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ مَعْنى الطَّيِّباتِ هُنا الحَلالُ.
ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ جَيِّدَ الكَسْبِ ومُخْتارَهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الحَلالِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ، وإنْ أطْلَقَهُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى ما هو جَيِّدٌ في نَفْسِهِ حَلالًا كانَ أوْ حَرامًا، فالحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى اللُّغَوِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهي النَّباتاتُ والمَعادِنُ والرِّكازُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا المالَ الرَّدِيءَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ولا تَأْمَمُوا " وهي لُغَةٌ.
وقَرَأ أبُو مُسْلِمِ بْنُ خَبّابٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ " تَئْمَمُوا " بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المَضْمُومَةِ.
وفِي الآيَةِ الأمْرُ بِإنْفاقِ الطَّيِّبِ والنَّهْيُ عَنْ إنْفاقِ الخَبِيثِ.
وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ الآيَةَ في الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها تَعُمُّ صَدَقَةَ الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ، وهو الظّاهِرُ، وسَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنهُ تُنْفِقُونَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أيْ لا تَخُصُّوا الخَبِيثَ بِالإنْفاقِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ لا تَقْصِدُوا المالَ الخَبِيثَ مُخَصِّصِينَ الإنْفاقَ بِهِ قاصِرِينَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في مُعامَلاتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ هَكَذا بَيَّنَ مَعْناهُ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُّوقِ يُباعُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ هو مِن أغْمَضَ الرَّجُلُ في أمْرِ كَذا: إذا تَساهَلَ ورَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وتَجاوَزَ وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلى كَمْ وكَمْ أشْياءُ مِنكِ تُرِيبُنِي أُغْمِضُ عَنْها لَسْتُ عَنْها بِذِي عَمى
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ مُخَفَّفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدِّدَةً وكَذَلِكَ قَرَأ قَتادَةُ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: إلّا أنْ تَهْضِمُوا سَوْمَها مِنَ البائِعِ مِنكم، وعَلى الثّانِيَةِ: إلّا أنْ تَأْخُذُوا بِنُقْصانٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَخْرُجُ عَلى التَّجاوُزِ أوْ عَلى تَغْمِيضِ العَيْنِ؛ لِأنَّ أغْمَضَ بِمَنزِلَةِ غَمَّضَ، وعَلى أنَّها بِمَعْنى حَتّى: أيْ حَتّى تَأْتُوا غامِضًا مِنَ التَّأْوِيلِ والنَّظَرِ في أخْذِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّيْطانِ واشْتِقاقُهُ.
ويَعِدُكم مَعْناهُ يُخَوِّفُكُمُ الفَقْرَ: أيْ بِالفَقْرِ لِئَلّا تُنْفِقُوا، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها.
وقُرِئَ " الفُقْرَ " بِضَمِّ الفاءِ وهي لُغَةٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والفُقْرُ لُغَةٌ في الفَقْرِ، مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ.
والفَحْشاءُ (p-١٨٦)الخَصْلَةُ الفَحْشاءُ، وهي المَعاصِي والإنْفاقُ فِيها والبُخْلُ عَنِ الإنْفاقِ في الطّاعاتِ.
قالَ في الكَشّافِ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
ولَكِنَّ العَرَبَ وإنْ أطْلَقَتْهُ عَلى البَخِيلِ فَذَلِكَ لا يُنافِي إطْلاقَهم لَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي، وقَدْ وقَعَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ الوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ إذا أُطْلِقَ فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ فَقَدْ يُقَيَّدُ تارَةً بِالخَيْرِ وتارَةً بِالشَّرِّ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] ومِنهُ أيْضًا ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَقْيِيدِ وعْدِ الشَّيْطانِ بِالفَقْرِ، وتَقْيِيدِ وعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالمَغْفِرَةِ، والفَضْلِ.
والمَغْفِرَةُ: السَّتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِذُنُوبِهِمْ وكَفّارَتِها، والفَضْلُ أنْ يُخْلِفَ عَلَيْهِمْ أفْضَلَ مِمّا أنْفَقُوا فَيُوَسِّعَ لَهم في أرْزاقِهِمْ ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِما هو أفْضَلُ وأكْثَرُ وأجَلُّ وأجْمَلُ.
قَوْلُهُ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ هي العِلْمُ، وقِيلَ: الفَهْمُ، وقِيلَ: الإصابَةُ في القَوْلِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ شُمُولًا أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: إنَّها النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، وقِيلَ: الخَشْيَةُ، وقِيلَ: الوَرَعُ، وأصْلُ الحِكْمَةِ ما يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ، وهو كُلُّ قَبِيحٍ.
والمَعْنى: أنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَقَدْ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا: أيْ عَظِيمًا قَدْرُهُ جَلِيلًا خَطَرُهُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ويَعْقُوبُ " ومَن يُؤْتِي " الحِكْمَةَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها لُبٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ " ما " شَرْطِيَّةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِي أنْفَقْتُمُوهُ، وهَذا بَيانٌ لِحُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ كُلَّ صَدَقَةٍ مَقْبُولَةٍ وغَيْرِ مَقْبُولَةٍ وكُلَّ نَذْرٍ مَقْبُولٍ أوْ غَيْرِ مَقْبُولٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فِيهِ مَعْنى الوَعْدِ لِمَن أنْفَقَ ونَذَرَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، والوَعِيدُ لِمَن جاءَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
ووَحَّدَ الضَّمِيرَ مَعَ كَوْنِ مَرْجِعِهِ شَيْئَيْنِ، هُما النَّفَقَةُ والنَّذْرُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ أحَدُهُما اسْتِغْناءً بِالآخَرِ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: إنَّ ما كانَ العَطْفُ فِيهِ بِكَلِمَةِ " أوْ " كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَإنَّهُ يُقالُ: أكْرَمْتُهُ ولا يُقالُ: أكْرَمْتُهُما، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَطْفَ بِـ " أوْ " يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ: تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وتَثْنِيَتُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] ومِنَ الأوَّلِ في العَطْفِ بِالواوِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَتُوضِحَ فالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها ∗∗∗ لِما نَسَجَتْهُ مِن جَنُوبٍ وشَمْألِ
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
ومِنهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ١٣٤] وقِيلَ: إنَّهُ إذا وُجِدَ الضَّمِيرُ بَعْدَ ذِكْرِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ فَهو بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ المَذْكُورَ، وبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ ورَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ وذَكَرَ مَعْناهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ في مُؤَلَّفاتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ ما لِلظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الإثْمِ لِمُخالَفَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِن أنْصارٍ يَنْصُرُونَهم يَمْنَعُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ بِما ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِما يُفِيدُهُ السِّياقُ: أيْ ما الظّالِمِينَ بِأيِّ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مِن أنْصارٍ.
قَوْلُهُ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وبِكَسْرِهِما وبِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وبِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ.
وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ في " نِعِمَّ " أرْبَعَ لُغاتٍ، وهي هَذِهِ الَّتِي قُرِئَ بِها، وفي هَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في الشَّرْطِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّ شَيْئًا إظْهارُها، وإنْ تُخْفُوها تُصِيبُوا بِها مَصارِفَها مِنَ الفُقَراءِ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لا في صَدَقَةِ الفَرْضِ فَلا فَضِيلَةَ لِلْإخْفاءِ فِيها، بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ الإظْهارَ فِيها أفْضَلُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الإخْفاءَ أفْضَلُ في الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ والرَّفْعِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ الفاءِ والجَزْمِ.
وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ بِالنُّونِ ونَصْبِ الرّاءِ.
فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا بَعْدَ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
ومَن قَرَأ بِالجَزْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الفاءِ وما بَعْدَها.
ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَعَلى تَقْدِيرِ " أنْ " .
قالَ سِيبَوَيْهِ: والرَّفْعُ هاهُنا الوَجْهُ الجَيِّدُ، وأجازَ الجَزْمَ بِتَأْوِيلِ وإنْ تُخْفُوها يَكُنِ الإخْفاءُ خَيْرًا لَكم ويُكَفِّرْ، وبِمِثْلِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ قالَ الخَلِيلُ.
ومَن في قَوْلِهِ: ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكم.
وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها زائِدَةٌ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ التِّجارَةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ الثِّمارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِينا مَعْشَرَ (p-١٨٧)الأنْصارِ، كُنّا أصْحابَ نَخْلٍ وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِن نَخْلِهِ عَلى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وقِلَّتِهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالقِنْوِ والقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ في المَسْجِدِ، وكانَ أهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهم طَعامٌ، فَكانَ أحَدُهم إذا جاعَ أتى القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ فَيَسْقُطُ البُسْرُ والتَّمْرُ فَيَأْكُلُ، وكانَ ناسٌ مِمَّنْ لا يَرْغَبُ في الخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ والحَشَفُ وبِالقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ أحَدَكم أُهْدِيَ إلَيْهِ مِثْلُ ما أعْطى لَمْ يَأْخُذْهُ إلّا عَلى إغْماضٍ وحَياءٍ، قالَ: فَكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أحَدُنا بِصالِحِ ما عِنْدَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ لَهُ الحائِطانِ فَيَنْظُرُ إلى أرْدَئِهِما تَمْرًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ويَخْلِطُ بِهِ الحَشَفَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَعابَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ونَهاهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ فَجاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ، فَأمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَخْرُصُ النَّخْلَ أنْ لا يُجِيزَ» .
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ هَذِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن جاءَ بِهَذا ؟ وكانَ كُلُّ مَن جاءَ بِشَيْءٍ نُسِبَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ الآيَةَ.
«ونَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ أنْ يُوجَدُوا في الصَّدَقَةِ، الجُعْرُورُ ولَوْنُ الحُبَيْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ الرَّخِيصَ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ، فَيَصْرِمُهُ، فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً، فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ، وحَلالِهِ وحَرامِهِ وأمْثالِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ: أنَّها القُرْآنُ يَعْنِي تَفْسِيرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّها النُّبُوَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّها الفِقْهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ قالَ: قِراءَةَ القُرْآنِ والفِكْرَةَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الكِتابُ والفَهْمُ بِهِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الكِتابُ يُؤْتِي إصابَتَهُ مَن يَشاءُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: هي الإصابَةُ في القَوْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الخَشْيَةُ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ قالَ: يُحْصِيهِ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في نَذْرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ ما هو مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وقَوْلِهِ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» وقَوْلِهِ: «النَّذْرُ ما ابْتُغِي بِهِ وجْهُ اللَّهِ» وثَبَتَ عَنْهُ في كَفّارَةِ النَّذْرِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ الآيَةَ، قالَ: فَجَعَلَ السِّرَّ في التَّطَوُّعِ يَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا.
وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا يُعْمَلُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ بَراءَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِفَرائِضِ الصَّدَقاتِ وتَفْصِيلَها انْتَهَتِ الصَّدَقاتُ إلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا مَنسُوخٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ قالَ: مَنسُوخٌ، نَسَخَ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ - الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ مَرْفُوعَةٌ.