Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأعراف 7:148 – الأعراف 7:185
المحتويات
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
الأعراف 7:148
(p-٤٩٨)اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.
وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.
والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.
وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:
؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.
وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.
والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وقِيلَ: المُتَجَلِّي هو أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، والدَّكُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مَدْقُوقًا فَصارَ تُرابًا، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " دَكًّا " بِالمَصْدَرِ، وهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ " جَعَلَهُ دَكّاءَ " عَلى التَّأْنِيثِ، والجَمْعُ دَكّاواتٌ كَحَمْراءَ وحَمْراواتٍ، وهي اسْمٌ لِلرّابِيَةِ النّاشِزِةِ مِنَ الأرْضِ أوْ لِلْأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، فالمَعْنى: أنَّ الجَبَلَ صارَ صَغِيرًا كالرّابِيَةِ أوْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً.
قالَ الكِسائِيُّ: الدَّكُّ: الجِبالُ العِراضُ واحِدُها أدَكُ، والدَّكاواتُ جَمْعُ دَكّاءَ، وهي رَوابٍ مِن طِينٍ لَيْسَتْ بِالغِلاظِ، والدَّكادِكُ: ما التَبَدَ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ، وناقَةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لَها وخَرَّ مُوسى صَعِقًا أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنَ الصاعِقَةِ: والمَعْنى: أنَّهُ صارَ حالُهُ لَمّا غُشِيَ عَلَيْهِ كَحالِ مَن يُغْشى عَلَيْهِ عِنْدَ إصابَةِ الصّاعِقَةِ لَهُ.
يُقالُ: صَعَقَ الرَّجُلُ فَهو صَعِقٌ ومَصْعُوقٌ: إذا أصابَتْهُ الصّاعِقَةُ فَلَمّا أفاقَ مِن غَشْيَتِهِ قالَ سُبْحانَكَ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ أسْألَ شَيْئًا لَمْ تَأْذَنْ لِي بِهِ تُبْتُ إلَيْكَ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِ هَذا السُّؤالِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعْتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ ما كانَتْ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، وقِيلَ: هي تَوْبَةٌ مِن قَتْلِهِ لِلْقِبْطِيِّ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، ولا وجْهَ لَهُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِكَ قَبْلَ قَوْمِي المَوْجُودِينَ في هَذا العَصْرِ المُعْتَرِفِينَ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ.
وجُمْلَةُ قالَ يا مُوسى مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِإكْرامِ مُوسى واخْتِصاصِهِ بِما اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ.
والِاصْطِفاءُ: الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ: أيِ اخْتَرْتُكَ عَلى النّاسِ المُعاصِرِينَ لَكَ " بِرِسالَتِي " كَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ.
والرِّسالَةُ مَصْدَرٌ، والأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، ومَن جَمَعَ فَكَأنَّهُ نَظَرَ إلى أنَّ الرِّسالَةَ هي عَلى ضُرُوبٍ فَجُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، والمُرادُ بِالكَلامِ هُنا: التَّكْلِيمُ.
امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ العَظِيمَيْنِ مِن أنْواعِ الإكْرامِ، وهُما الرِّسالَةُ والتَّكْلِيمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ: أيْ أعْطاهُ مِن هَذا الشَّرَفِ الكَرِيمِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِرِينَ عَلى هَذا العَطاءِ العَظِيمِ والإكْرامِ الجَلِيلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ: أيْ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، وهَذِهِ الألْواحُ: هي التَّوْراةُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، وقِيلَ: مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدٍ، وقِيلَ: (p-٤٩٩)مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ، وسُمِّيَ لَوْحًا لِكَوْنِهِ تَلُوحُ فِيهِ المَعانِي، وأسْنَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكِتابَةَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْمَكْتُوبِ في الألْواحِ، وهي مَكْتُوبَةٌ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هي كِتابَةٌ خَلَقَها اللَّهُ في الألْواحِ، ومِن كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ كَتَبْنا ومَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ كُلِّ شَيْءٍ أيْ مَوْعِظَةً لِمَن يَتَّعِظُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ وتَفْصِيلًا لِلْأحْكامِ المُحْتاجَةِ إلى التَّفْصِيلِ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أيْ خُذِ الألْواحَ بِقُوَّةٍ: أيْ بِجِدٍّ ونَشاطٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرِّسالاتِ، أوْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ إلى التَّوْراةِ، قِيلَ: وهَذا الأمْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقُلْنا لَهُ خُذْها، وقِيلَ: إنَّ فَخُذْها بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها بِما أجْرُهُ أكْثَرُ مِن غَيْرِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: اتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ( الزُّمَرِ: ٥٥ )، وقَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ( الزُّمَرِ: ١٨ )، ومِنَ الأحْسَنِ الصَّبْرُ عَلى الغَيْرِ، والعَفْوُ عَنْهُ، والعَمَلُ بِالعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ، وبِالفَرِيضَةِ دُونَ النّافِلَةِ، وفِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَنهِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ قِيلَ: هي أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقِيلَ: مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ، وقِيلَ: هي جَهَنَّمُ، وقِيلَ: مَنازِلُ الكُفّارِ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِها، وقِيلَ: الدّارُ: الهَلاكُ.
والمَعْنى: سَأُورِيكم هَلاكَ الفاسِقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الفِسْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قِيلَ: مَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ سَأمْنَعُهم فَهْمَ كِتابِي، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِها، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنْ نَفْعِها مُجازاةً عَلى تَكَبُّرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم ( الصَّفِّ: ٥ )، وقِيلَ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَفَكَّرُوا فِيها ولا يَعْتَبِرُوا بِها.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ فَقِيلَ: هي المُعْجِزاتُ، وقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: هي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصَرْفُهم عَنْها: أنْ لا يَعْتَبِرُوا بِها، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآياتِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حَمْلَ الصَّرْفِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ وبِغَيْرِ الحَقِّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَتَكَبَّرُونَ أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ يَتَكَبَّرُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ.
والمَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي المُتَكَبِّرِينَ التّارِكِينَ لِلْإيمانِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ الآياتُ المُنَزَّلَةُ، والآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، والمُعْجِزاتُ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ كائِنَةً ما كانَتْ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ يَرَوْا بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها داخِلَةٌ في حُكْمِها، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا والمَعْنى: أنَّهم إذا وجَدُوا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الرُّشْدِ تَرَكُوهُ وتَجَنَّبُوهُ، وإنْ رَأوْا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الغَيِّ سَلَكُوهُ واخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ " الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الرَّشَدِ والرُّشْدِ فَقالَ: الرَّشَدُ الصَّلاحُ، والرُّشْدُ في الدِّينِ.
قالَ النَّحّاسُ: سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرُّشْدُ والرَّشَدُ كالسُّخْطِ والسَّخَطِ.
قالَ الكِسائِيُّ: والصَّحِيحُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وأصْلُ الرُّشْدِ في اللُّغَةِ: أنْ يَظْفَرَ الإنْسانُ بِما يُرِيدُ، وهو ضِدُّ الخَيْبَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الصَّرْفِ: أيْ ذَلِكَ الصَّرْفُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِالآياتِ، وتَجَنُّبِ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.
والمَوْصُولُ في والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ حَبِطَتْ أعْمالُهم، والمُرادُ بِلِقاءِ الآخِرَةِ: لِقاءُ الدّارِ الآخِرَةِ: أيْ لِقائِهِمْ لَها أوْ لِقائِهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ فِيها عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ.
وحُباطُ الأعْمالِ بُطْلانُها: أيْ بُطْلانُ ما عَمِلُوهُ مِمّا صُورَتُهُ صُورَةُ الطّاعَةِ، كالصَّدَقَةِ والصِّلَةِ، وإنْ كانُوا في حالِ كُفْرِهِمْ لا طاعاتٍ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنْ تَبْطُلَ بَعْدَما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إسْلامِهِمْ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ» .
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ، وتَنَكُّبِ سَبِيلِ الحَقِّ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى قالَ: يا رَبِّ أهَكَذا كَلامُكَ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما أُكَلِّمُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها، ولَوْ كَلَّمْتُكَ بِكُنْهِ كَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، ألَمْ تَرَوْا إلى أصْواتِ الصَّواعِقِ الَّتِي تَقْتُلُ، في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ، فَمَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَراهُ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ يَقُولُ: أعْطِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمّا سَمِعَ الكَلامَ طَمِعَ في الرُّؤْيَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حِينَ قالَ مُوسى لِرَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: (p-٥٠٠)رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ اللَّهُ: يا مُوسى إنَّكَ لَنْ تَرانِي، قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ تَرانِي ولا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، يا مُوسى إنَّهُ لَنْ يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا، قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى: يا مُوسى انْظُرْ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ يَقُولُ: فَإنْ ثَبَتَ مَكانَهُ لَمْ يَتَضَعْضَعْ ولَمْ يَنْهَدَّ لِبَعْضِ ما يَرى مِن عَظَمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي أنْتَ لِضَعْفِكَ وذِلَّتِكَ، وإنِ الجَبَلُ انْهَدَّ بِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ فَأنْتَ أضْعَفُ وأذَلُّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: هَكَذا، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ ووَضَعَ إبْهامَيْهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ»، وفي لَفْظٍ عَلى المَفْصِلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ، فَساخَ الجَبَلُ وخَرَّ مُوسى صَعِقًا.
وفِي لَفْظٍ: فَساخَ الجَبَلُ في الأرْضِ فَهو يَهْوِي فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وهَذا الحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الجَبَلُ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الطُّورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: تُرابًا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا قالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ طارَتْ لِعَظَمَتِهِ سِتَّةُ أجْبُلٍ، فَوَقَعَتْ ثَلاثَةٌ بِالمَدِينَةِ، وثَلاثَةٌ بِمَكَّةَ، بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ ووَرْقانُ ورَضْوى، وبِمَكَّةَ: حِراءٌ وثُبَيْرٌ وثَوْرٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى تَطايَرَتْ سَبْعَةُ أجْبُلٍ، فَفي الحِجازِ خَمْسَةٌ مِنها، وفي اليَمَنِ اثْنانِ، في الحِجازِ: أُحُدٌ وثُبَيْرٌ وحِراءٌ وثَوْرٌ ووَرْقانُ، وفي اليَمَنِ: حُضُورٌ وصَبْرٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُوسى لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ قالَ: فَحَفَّ حَوْلَ الجَبَلِ المَلائِكَةُ، وحَفَّ حَوْلَ المَلائِكَةِ بِنارٍ، وحَفَّ حَوْلَ النّارِ بِمَلائِكَةٍ، وحَفَّ حَوْلَهم بِنارٍ، ثُمَّ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ تَجَلّى مِنهُ مِثْلُ الخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ الألْواحَ لِمُوسى، وهو يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ في لَوْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانُوا يَقُولُونَ كانَتِ الألْواحُ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّما كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ وكِتابُها الذَّهَبُ، كَتَبَها اللَّهُ بِيَدِهِ، فَسَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ صَرِيفَ الأقْلامِ.
أقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ سَعِيدًا ما كانَ أغْناهُ عَنْ هَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، فَمِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ ولا بِالحَدْسِ، والَّذِي يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كانُوا يَسْألُونَ اليَهُودَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَلِهَذا اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ، فَهَذا يَقُولُ مِن خَشَبٍ، وهَذا يَقُولُ مِن ياقُوتٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زُمُرُّدٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زَبَرْجَدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن بُرْدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن حَجَرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ كُلِّ شَيْءٍ أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَكْتُوبِ في الألْواحِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّنافِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: دارَ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَها بِأشَدَّ مِمّا أُمِرَ بِهِ قَوْمُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِطاعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: بِأحْسَنِ ما يَجِدُونَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: مَصِيرُهم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَنازِلُهم في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جَهَنَّمُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مِصْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا في آياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والآياتِ الَّتِي فِيها سَأصْرِفُهم عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا فِيها أوْ يَعْتَبِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في الآيَةِ قالَ: أنْزِعُ عَنْهم فَهْمَ القُرْآنِ.
الأعراف 7:149
قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ (p-٥٠١)وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.
قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.
ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ( الفَرْقانِ: ٢٧ ) أيْ مِنَ النَّدَمِ وأيْضًا النّادِمُ يَضَعُ ذَقَنَهُ في يَدِهِ، ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا مَعْطُوفٌ عَلى سُقِطَ: أيْ تَبَيَّنُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وأنَّهم قَدِ ابْتُلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ واللّامُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ.
وفِي هَذا الكَلامِ مِنهم ما يُفِيدُ الِاسْتِغاثَةَ بِاللَّهِ والتَّضَرُّعَ والِابْتِهالَ في السُّؤالِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ طه إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ المَحْكِيَّ عَنْهم هُنا وقَعَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى، وإنَّما قَدَّمَ هُنا عَلى رُجُوعِهِ لِقَصْدِ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ هَذا بَيانٌ لِما وقَعَ مِن مُوسى بَعْدَ رُجُوعِهِ، وانْتِصابُ غَضْبانَ وأسِفًا عَلى الحالِ، والأسِفُ شَدِيدُ الغَضَبِ.
قِيلَ: هو مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ، وهو أسِفٌ وأسِيفٌ وأسْفانُ وأسُوفٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللَّهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِأنَّهم قَدْ فُتِنُوا، فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غَضْبانُ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي هَذا ذَمٌّ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ: أيْ بِئْسَ العَمَلُ ما عَمِلْتُمُوهُ مِن بَعْدِي: أيْ مِن بَعْدِ غَيْبَتِي عَنْكم، يُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ وخَلَفَهُ بِشَرٍّ، اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ وذَمَّهم لِكَوْنِهِمْ قَدْ شاهَدُوا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ بَعْضُهُ الِانْزِجارَ والإيمانَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، ولَكِنَّ هَذا شَأْنُ بَنِي إسْرائِيلَ في تَلَوُّنِ حالِهِمْ واضْطِرابِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم والعَجَلَةُ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، يُقالُ: عَجِلْتُ الشَّيْءَ سَبَقْتُهُ، وأعْجَلْتُ الرَّجُلَ حَمَلْتُهُ عَلى العَجَلَةِ، والمَعْنى: أعْجِلْتُمْ عَنِ انْتِظارِ أمْرِ رَبِّكم: أيْ مِيعادِهِ الَّذِي وعَدَنِيهِ، وهو الأرْبَعُونَ فَفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَعَجَّلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ أيْ طَرَحَها لِما اعْتَراهُ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والأسَفِ حِينَ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ وهم عاكِفُونَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ أيْ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ أوْ بِشَعْرِ رَأْسِهِ حالَ كَوْنِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ: فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلى السّامِرِيِّ ولا غَيْرِهِ ما رَآهُ مِن عِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْعِجْلِ فَقالَ هارُونُ مُعْتَذِرًا مِنهُ: ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي أيْ إنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ ما فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: اسْتِضْعافُهم لِي، ومُقارَبَتُهم لِقَتْلِي، وإنَّما قالَ ابْنَ أُمَّ مَعَ كَوْنِهِ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ، لِأنَّها كَلِمَةُ لِينٍ وعَطْفٍ، ولِأنَّها كانَتْ كَما قِيلَ: مُؤْمِنَةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ: كانَ هارُونُ أخا مُوسى لِأُمِّهِ لا لِأبِيهِ.
قُرِئَ ابْنَ أُمَّ بِفَتْحِ المِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَصارَ كَقَوْلِكَ: يا خَمْسَةَ عَشَرَ أقْبِلُوا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ واَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ الفَتْحَ عَلى تَقْدِيرِ يا بْنَ أُمّا.
وقالَ البَصْرِيُّونَ هَذا القَوْلُ خَطَأٌ: لِأنَّ الألِفَ خَفِيفَةٌ لا تُحْذَفُ، ولَكِنَّ جَعْلَ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، .
وأمّا مَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ابْنَ أُمِّي، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ لِتَدُلَّ عَلَيْها.
وقالَ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ،: " ابْنَ أُمِّ بِالكَسْرِ كَما تَقُولُ: يا غُلامِ أقْبِلْ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ والقِراءَةُ بِها بَعِيدَةٌ، وإنَّما هَذا فِيما يَكُونُ مُضافًا إلَيْكَ.
وقُرِئَ " ابْنَ أُمِّي " بِإثْباتِ الياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ الشَّماتَةُ: السُّرُورُ مِنَ الأعْداءِ بِما يُصِيبُ مَن يُعادُونَهُ مِنَ المَصائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن سُوءِ (p-٥٠٢)القَضاءِ ودَرْكِ الشَّقاءِ وجَهْدِ البَلاءِ وشَماتَةِ الأعْداءِ» وهو في الصَّحِيحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا
؎فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا ∗∗∗ سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
والمَعْنى: لا تَفْعَلْ بِي ما يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّماتَةِ مِنهم.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ " فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِمْ: أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنهم لِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِي.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ " تُشْمِتْ " كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ مَعَ نَصْبِ الأعْداءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي: والمَعْنى فَلا تَشْمَتْ بِي أنْتَ يا رَبِّ وجازَ هَذا كَما في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ( البَقَرَةِ: ١٥ ) ونَحْوِهِ ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الأعْداءَ كَأنَّهُ قالَ: ولا تُشْمِتْ يا رَبِّ بِيَ الأعْداءَ، وما أبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الصَّوابِ وأبْعَدَ تَأْوِيلَها عَنْ وُجُوهِ الإعْرابِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَجْعَلْنِي بِغَضَبِكَ عَلَيَّ في عِدادِ القَوْمِ الظّالِمِينَ: يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى بَعْدَ كَلامِ هارُونَ هَذا ؟ فَقِيلَ: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي طَلَبَ المَغْفِرَةَ لَهُ أوَّلًا، ولِأخِيهِ ثانِيًا لِيُزِيلَ عَنْ أخِيهِ ما خافَهُ مِنَ الشَّماتَةِ، فَكَأنَّهُ تَذَمَّمَ مِمّا فَعَلَهُ بِأخِيهِ، وأظْهَرَ أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ، وطَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ في جانِبِهِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ إنْ كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَغْيِيرِ ما وقَعَ مِنهم، ثُمَّ طَلَبَ إدْخالَهُ وإدْخالَ أخِيهِ في رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى الآيَةَ، قالَ: حِينَ دَفَنُوها ألْقى عَلَيْها السّامِرِيُّ قَبْضَةً مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: اسْتَعارُوا حُلِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَمَعَهُ السّامِرِيُّ فَصاغَ مِنهُ عِجْلًا فَجَعَلَهُ جَسَدًا لَحْمًا ودَمًا لَهُ خُوارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: خُوارٌ قالَ: الصَّوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: خارَ العِجْلُ خَوْرَةً لَمْ يَئِنَّ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: سُقِطَ في أيْدِيهِمْ قالَ: نَدِمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أسِفًا قالَ: حَزِينًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الأسَفُ مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الأسَفُ الغَضَبُ الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ اَبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَتْ إلّا سُدُسَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ وبَقِيَ الهُدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَتْ تِسْعَةً رُفِعَ مِنها لَوْحانِ وبَقِيَ سَبْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: مَعَ أصْحابِ العِجْلِ.
الأعراف 7:150
قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ (p-٥٠١)وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.
قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.
ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ( الفَرْقانِ: ٢٧ ) أيْ مِنَ النَّدَمِ وأيْضًا النّادِمُ يَضَعُ ذَقَنَهُ في يَدِهِ، ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا مَعْطُوفٌ عَلى سُقِطَ: أيْ تَبَيَّنُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وأنَّهم قَدِ ابْتُلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ واللّامُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ.
وفِي هَذا الكَلامِ مِنهم ما يُفِيدُ الِاسْتِغاثَةَ بِاللَّهِ والتَّضَرُّعَ والِابْتِهالَ في السُّؤالِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ طه إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ المَحْكِيَّ عَنْهم هُنا وقَعَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى، وإنَّما قَدَّمَ هُنا عَلى رُجُوعِهِ لِقَصْدِ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ هَذا بَيانٌ لِما وقَعَ مِن مُوسى بَعْدَ رُجُوعِهِ، وانْتِصابُ غَضْبانَ وأسِفًا عَلى الحالِ، والأسِفُ شَدِيدُ الغَضَبِ.
قِيلَ: هو مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ، وهو أسِفٌ وأسِيفٌ وأسْفانُ وأسُوفٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللَّهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِأنَّهم قَدْ فُتِنُوا، فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غَضْبانُ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي هَذا ذَمٌّ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ: أيْ بِئْسَ العَمَلُ ما عَمِلْتُمُوهُ مِن بَعْدِي: أيْ مِن بَعْدِ غَيْبَتِي عَنْكم، يُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ وخَلَفَهُ بِشَرٍّ، اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ وذَمَّهم لِكَوْنِهِمْ قَدْ شاهَدُوا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ بَعْضُهُ الِانْزِجارَ والإيمانَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، ولَكِنَّ هَذا شَأْنُ بَنِي إسْرائِيلَ في تَلَوُّنِ حالِهِمْ واضْطِرابِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم والعَجَلَةُ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، يُقالُ: عَجِلْتُ الشَّيْءَ سَبَقْتُهُ، وأعْجَلْتُ الرَّجُلَ حَمَلْتُهُ عَلى العَجَلَةِ، والمَعْنى: أعْجِلْتُمْ عَنِ انْتِظارِ أمْرِ رَبِّكم: أيْ مِيعادِهِ الَّذِي وعَدَنِيهِ، وهو الأرْبَعُونَ فَفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَعَجَّلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ أيْ طَرَحَها لِما اعْتَراهُ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والأسَفِ حِينَ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ وهم عاكِفُونَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ أيْ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ أوْ بِشَعْرِ رَأْسِهِ حالَ كَوْنِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ: فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلى السّامِرِيِّ ولا غَيْرِهِ ما رَآهُ مِن عِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْعِجْلِ فَقالَ هارُونُ مُعْتَذِرًا مِنهُ: ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي أيْ إنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ ما فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: اسْتِضْعافُهم لِي، ومُقارَبَتُهم لِقَتْلِي، وإنَّما قالَ ابْنَ أُمَّ مَعَ كَوْنِهِ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ، لِأنَّها كَلِمَةُ لِينٍ وعَطْفٍ، ولِأنَّها كانَتْ كَما قِيلَ: مُؤْمِنَةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ: كانَ هارُونُ أخا مُوسى لِأُمِّهِ لا لِأبِيهِ.
قُرِئَ ابْنَ أُمَّ بِفَتْحِ المِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَصارَ كَقَوْلِكَ: يا خَمْسَةَ عَشَرَ أقْبِلُوا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ واَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ الفَتْحَ عَلى تَقْدِيرِ يا بْنَ أُمّا.
وقالَ البَصْرِيُّونَ هَذا القَوْلُ خَطَأٌ: لِأنَّ الألِفَ خَفِيفَةٌ لا تُحْذَفُ، ولَكِنَّ جَعْلَ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، .
وأمّا مَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ابْنَ أُمِّي، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ لِتَدُلَّ عَلَيْها.
وقالَ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ،: " ابْنَ أُمِّ بِالكَسْرِ كَما تَقُولُ: يا غُلامِ أقْبِلْ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ والقِراءَةُ بِها بَعِيدَةٌ، وإنَّما هَذا فِيما يَكُونُ مُضافًا إلَيْكَ.
وقُرِئَ " ابْنَ أُمِّي " بِإثْباتِ الياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ الشَّماتَةُ: السُّرُورُ مِنَ الأعْداءِ بِما يُصِيبُ مَن يُعادُونَهُ مِنَ المَصائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن سُوءِ (p-٥٠٢)القَضاءِ ودَرْكِ الشَّقاءِ وجَهْدِ البَلاءِ وشَماتَةِ الأعْداءِ» وهو في الصَّحِيحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا
؎فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا ∗∗∗ سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
والمَعْنى: لا تَفْعَلْ بِي ما يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّماتَةِ مِنهم.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ " فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِمْ: أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنهم لِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِي.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ " تُشْمِتْ " كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ مَعَ نَصْبِ الأعْداءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي: والمَعْنى فَلا تَشْمَتْ بِي أنْتَ يا رَبِّ وجازَ هَذا كَما في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ( البَقَرَةِ: ١٥ ) ونَحْوِهِ ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الأعْداءَ كَأنَّهُ قالَ: ولا تُشْمِتْ يا رَبِّ بِيَ الأعْداءَ، وما أبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الصَّوابِ وأبْعَدَ تَأْوِيلَها عَنْ وُجُوهِ الإعْرابِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَجْعَلْنِي بِغَضَبِكَ عَلَيَّ في عِدادِ القَوْمِ الظّالِمِينَ: يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى بَعْدَ كَلامِ هارُونَ هَذا ؟ فَقِيلَ: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي طَلَبَ المَغْفِرَةَ لَهُ أوَّلًا، ولِأخِيهِ ثانِيًا لِيُزِيلَ عَنْ أخِيهِ ما خافَهُ مِنَ الشَّماتَةِ، فَكَأنَّهُ تَذَمَّمَ مِمّا فَعَلَهُ بِأخِيهِ، وأظْهَرَ أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ، وطَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ في جانِبِهِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ إنْ كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَغْيِيرِ ما وقَعَ مِنهم، ثُمَّ طَلَبَ إدْخالَهُ وإدْخالَ أخِيهِ في رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى الآيَةَ، قالَ: حِينَ دَفَنُوها ألْقى عَلَيْها السّامِرِيُّ قَبْضَةً مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: اسْتَعارُوا حُلِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَمَعَهُ السّامِرِيُّ فَصاغَ مِنهُ عِجْلًا فَجَعَلَهُ جَسَدًا لَحْمًا ودَمًا لَهُ خُوارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: خُوارٌ قالَ: الصَّوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: خارَ العِجْلُ خَوْرَةً لَمْ يَئِنَّ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: سُقِطَ في أيْدِيهِمْ قالَ: نَدِمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أسِفًا قالَ: حَزِينًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الأسَفُ مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الأسَفُ الغَضَبُ الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ اَبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَتْ إلّا سُدُسَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ وبَقِيَ الهُدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَتْ تِسْعَةً رُفِعَ مِنها لَوْحانِ وبَقِيَ سَبْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: مَعَ أصْحابِ العِجْلِ.
الأعراف 7:151
قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ (p-٥٠١)وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.
قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.
ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ( الفَرْقانِ: ٢٧ ) أيْ مِنَ النَّدَمِ وأيْضًا النّادِمُ يَضَعُ ذَقَنَهُ في يَدِهِ، ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا مَعْطُوفٌ عَلى سُقِطَ: أيْ تَبَيَّنُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وأنَّهم قَدِ ابْتُلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ واللّامُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ.
وفِي هَذا الكَلامِ مِنهم ما يُفِيدُ الِاسْتِغاثَةَ بِاللَّهِ والتَّضَرُّعَ والِابْتِهالَ في السُّؤالِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ طه إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ المَحْكِيَّ عَنْهم هُنا وقَعَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى، وإنَّما قَدَّمَ هُنا عَلى رُجُوعِهِ لِقَصْدِ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ هَذا بَيانٌ لِما وقَعَ مِن مُوسى بَعْدَ رُجُوعِهِ، وانْتِصابُ غَضْبانَ وأسِفًا عَلى الحالِ، والأسِفُ شَدِيدُ الغَضَبِ.
قِيلَ: هو مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ، وهو أسِفٌ وأسِيفٌ وأسْفانُ وأسُوفٌ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللَّهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِأنَّهم قَدْ فُتِنُوا، فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غَضْبانُ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي هَذا ذَمٌّ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ: أيْ بِئْسَ العَمَلُ ما عَمِلْتُمُوهُ مِن بَعْدِي: أيْ مِن بَعْدِ غَيْبَتِي عَنْكم، يُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ وخَلَفَهُ بِشَرٍّ، اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ وذَمَّهم لِكَوْنِهِمْ قَدْ شاهَدُوا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ بَعْضُهُ الِانْزِجارَ والإيمانَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، ولَكِنَّ هَذا شَأْنُ بَنِي إسْرائِيلَ في تَلَوُّنِ حالِهِمْ واضْطِرابِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم والعَجَلَةُ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، يُقالُ: عَجِلْتُ الشَّيْءَ سَبَقْتُهُ، وأعْجَلْتُ الرَّجُلَ حَمَلْتُهُ عَلى العَجَلَةِ، والمَعْنى: أعْجِلْتُمْ عَنِ انْتِظارِ أمْرِ رَبِّكم: أيْ مِيعادِهِ الَّذِي وعَدَنِيهِ، وهو الأرْبَعُونَ فَفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَعَجَّلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ أيْ طَرَحَها لِما اعْتَراهُ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والأسَفِ حِينَ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ وهم عاكِفُونَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ أيْ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ أوْ بِشَعْرِ رَأْسِهِ حالَ كَوْنِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ: فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلى السّامِرِيِّ ولا غَيْرِهِ ما رَآهُ مِن عِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْعِجْلِ فَقالَ هارُونُ مُعْتَذِرًا مِنهُ: ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي أيْ إنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ ما فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: اسْتِضْعافُهم لِي، ومُقارَبَتُهم لِقَتْلِي، وإنَّما قالَ ابْنَ أُمَّ مَعَ كَوْنِهِ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ، لِأنَّها كَلِمَةُ لِينٍ وعَطْفٍ، ولِأنَّها كانَتْ كَما قِيلَ: مُؤْمِنَةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ: كانَ هارُونُ أخا مُوسى لِأُمِّهِ لا لِأبِيهِ.
قُرِئَ ابْنَ أُمَّ بِفَتْحِ المِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَصارَ كَقَوْلِكَ: يا خَمْسَةَ عَشَرَ أقْبِلُوا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ واَبُو عُبَيْدٍ: إنَّ الفَتْحَ عَلى تَقْدِيرِ يا بْنَ أُمّا.
وقالَ البَصْرِيُّونَ هَذا القَوْلُ خَطَأٌ: لِأنَّ الألِفَ خَفِيفَةٌ لا تُحْذَفُ، ولَكِنَّ جَعْلَ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، .
وأمّا مَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ابْنَ أُمِّي، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ لِتَدُلَّ عَلَيْها.
وقالَ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ،: " ابْنَ أُمِّ بِالكَسْرِ كَما تَقُولُ: يا غُلامِ أقْبِلْ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ والقِراءَةُ بِها بَعِيدَةٌ، وإنَّما هَذا فِيما يَكُونُ مُضافًا إلَيْكَ.
وقُرِئَ " ابْنَ أُمِّي " بِإثْباتِ الياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ الشَّماتَةُ: السُّرُورُ مِنَ الأعْداءِ بِما يُصِيبُ مَن يُعادُونَهُ مِنَ المَصائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن سُوءِ (p-٥٠٢)القَضاءِ ودَرْكِ الشَّقاءِ وجَهْدِ البَلاءِ وشَماتَةِ الأعْداءِ» وهو في الصَّحِيحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا
؎فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا ∗∗∗ سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا
والمَعْنى: لا تَفْعَلْ بِي ما يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّماتَةِ مِنهم.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ " فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءُ " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلَيْهِمْ: أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنهم لِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِي.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ " تُشْمِتْ " كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ مَعَ نَصْبِ الأعْداءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّي: والمَعْنى فَلا تَشْمَتْ بِي أنْتَ يا رَبِّ وجازَ هَذا كَما في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ( البَقَرَةِ: ١٥ ) ونَحْوِهِ ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الأعْداءَ كَأنَّهُ قالَ: ولا تُشْمِتْ يا رَبِّ بِيَ الأعْداءَ، وما أبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الصَّوابِ وأبْعَدَ تَأْوِيلَها عَنْ وُجُوهِ الإعْرابِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَجْعَلْنِي بِغَضَبِكَ عَلَيَّ في عِدادِ القَوْمِ الظّالِمِينَ: يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى بَعْدَ كَلامِ هارُونَ هَذا ؟ فَقِيلَ: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي طَلَبَ المَغْفِرَةَ لَهُ أوَّلًا، ولِأخِيهِ ثانِيًا لِيُزِيلَ عَنْ أخِيهِ ما خافَهُ مِنَ الشَّماتَةِ، فَكَأنَّهُ تَذَمَّمَ مِمّا فَعَلَهُ بِأخِيهِ، وأظْهَرَ أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ، وطَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ في جانِبِهِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ إنْ كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَغْيِيرِ ما وقَعَ مِنهم، ثُمَّ طَلَبَ إدْخالَهُ وإدْخالَ أخِيهِ في رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى الآيَةَ، قالَ: حِينَ دَفَنُوها ألْقى عَلَيْها السّامِرِيُّ قَبْضَةً مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: اسْتَعارُوا حُلِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَمَعَهُ السّامِرِيُّ فَصاغَ مِنهُ عِجْلًا فَجَعَلَهُ جَسَدًا لَحْمًا ودَمًا لَهُ خُوارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: خُوارٌ قالَ: الصَّوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: خارَ العِجْلُ خَوْرَةً لَمْ يَئِنَّ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: سُقِطَ في أيْدِيهِمْ قالَ: نَدِمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أسِفًا قالَ: حَزِينًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الأسَفُ مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الأسَفُ الغَضَبُ الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ اَبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَتْ إلّا سُدُسَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ وبَقِيَ الهُدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَتْ تِسْعَةً رُفِعَ مِنها لَوْحانِ وبَقِيَ سَبْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ قالَ: مَعَ أصْحابِ العِجْلِ.
الأعراف 7:152
الغَضَبُ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وما سَيَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، والذِّلَّةُ هي الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٦١ )، وقِيلَ: هي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وقِيلَ: هي الجِزْيَةُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّها لَمْ تُؤْخَذْ مِنهم، وإنَّما أُخِذَتْ مِن ذَرارِيهِمْ.
والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ الغَضَبُ والذِّلَّةُ بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إلَهًا لا لِمَن بَعْدَهم مِن ذَرارِيهِمْ ومُجَرَّدُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وكَذَلِكَ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ هو مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وأمّا ما نالَ ذَرارِيَهم مِنَ الذِّلَّةِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُ ما في الآيَةِ بِهِ إلّا إذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو لَمْ يَتَعَذَّرْ هُنا ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِالمُفْتَرِينَ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سَيَنالُهُ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِ ما عُوقِبَ بِهِ هَؤُلاءِ، بَلِ المُرادُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ فِيهِ ذِلَّةً بِأيِّ نَوْعٍ كانَ.
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيَّ سَيِّئَةٍ كانَتْ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْها مِن بَعْدِ عَمَلِها وآمَنُوا بِاللَّهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، أوْ مِن بَعْدِ عَمَلِ هَذِهِ السَّيِّئاتِ الَّتِي قَدْ تابَ عَنْها فاعِلُها وآمَنَ بِاللَّهِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ لِذُنُوبِ عِبادِهِ وكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أصْلُ السُّكُوتِ: السُّكُونُ والإمْساكُ، يُقالُ: جَرى الوادِي ثَلاثًا ثُمَّ سَكَنَ: أيْ أمْسَكَ عَنِ الجَرْيِ: قِيلَ: هَذا مَثَلٌ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وألْقِ الألْواحَ وجُرَّ بِرَأْسِ أخِيكَ فَتَرَكَ الإغْراءَ وسَكَتَ، وقِيلَ: هَذا الكَلامُ فِيهِ قَلْبٌ، والأصْلُ سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ الأُصْبُعَ الخاتَمَ، والخاتَمَ الأُصْبُعَ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ رَأْسِي، ورَأْسِي القَلَنْسُوَةَ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ " ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ " وقُرِئَ " ﴿سَكَتَ﴾ " " وأسْكَتَ " أخَذَ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها عِنْدَ غَضَبِهِ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ النَّسْخُ نَقْلُ ما في كِتابٍ إلى كِتابٍ آخَرَ، ويُقالُ لِلْأصْلِ الَّذِي كانَ النَّقْلُ مِنهُ: نُسْخَةٌ (p-٥٠٣)ولِلْمَنقُولِ نُسْخَةٌ أيْضًا.
قالَ القُشَيْرِيُّ.
والمَعْنى وفي نُسْخَتِها: أيْ فِيما نُسِخَ مِنَ الألْواحِ المُتَكَسِّرَةِ ونُقِلَ إلى الألْواحِ الجَدِيدَةِ هُدًى ورَحْمَةٌ وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما نُسِخَ لَهُ مِنها: أيْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما كُتِبَ لَهُ فِيها هُدًى ورَحْمَةٌ، فَلا يَحْتاجُ إلى أصْلٍ يُنْقَلُ عَنْهُ، وهَذا كَما يُقالُ: أنْسِخْ ما يَقُولُ فُلانٌ: أيْ أثْبِتْهُ في كِتابِكَ والنُّسْخَةُ فُعْلَةٌ، بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالخُطْبَةِ.
والهُدى ما يَهْتَدُونَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ، والرَّحْمَةُ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ اللَّهِ عِنْدَ عَمَلِهِمْ بِما فِيها مِنَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، واللّامُ في لِلَّذِينَ هم مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ كائِنَةٌ لَهم أوْ لِأجْلِهِمْ، واللّامُ في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لِلتَّقْوِيَةِ لِلْفِعْلِ لِما كانَ مَفْعُولُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَإنَّهُ يَضْعُفُ بِذَلِكَ بَعْضَ الضَّعْفِ.
وقَدْ صَرَّحَ الكِسائِيُّ بِأنَّها زائِدَةٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: هي لامُ الأجْلِ أيْ لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: تَلا أبُو قِلابَةَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ: هو جَزاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ في سَبْعَةِ ألْواحٍ مِن زَبَرْجَدٍ، فِيها تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ومَوْعِظَةٌ، ولَمّا جاءَ فَرَأى بَنِي إسْرائِيلَ عُكُوفًا عَلى العِجْلِ رَمى التَّوْراةَ مِن يَدِهِ فَتَحَطَّمَتْ، وأقْبَلَ عَلى هارُونَ فَأخَذَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبُعٌ: ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ قالَ: فِيما بَقِيَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ فَلَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ، وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وقَرَأ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ( الأعْرافِ: ١٤٥ ) وقَرَأ ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ قالَ: ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ هاهُنا.
الأعراف 7:153
الغَضَبُ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وما سَيَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، والذِّلَّةُ هي الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٦١ )، وقِيلَ: هي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وقِيلَ: هي الجِزْيَةُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّها لَمْ تُؤْخَذْ مِنهم، وإنَّما أُخِذَتْ مِن ذَرارِيهِمْ.
والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ الغَضَبُ والذِّلَّةُ بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إلَهًا لا لِمَن بَعْدَهم مِن ذَرارِيهِمْ ومُجَرَّدُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وكَذَلِكَ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ هو مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وأمّا ما نالَ ذَرارِيَهم مِنَ الذِّلَّةِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُ ما في الآيَةِ بِهِ إلّا إذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو لَمْ يَتَعَذَّرْ هُنا ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِالمُفْتَرِينَ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سَيَنالُهُ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِ ما عُوقِبَ بِهِ هَؤُلاءِ، بَلِ المُرادُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ فِيهِ ذِلَّةً بِأيِّ نَوْعٍ كانَ.
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيَّ سَيِّئَةٍ كانَتْ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْها مِن بَعْدِ عَمَلِها وآمَنُوا بِاللَّهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، أوْ مِن بَعْدِ عَمَلِ هَذِهِ السَّيِّئاتِ الَّتِي قَدْ تابَ عَنْها فاعِلُها وآمَنَ بِاللَّهِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ لِذُنُوبِ عِبادِهِ وكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أصْلُ السُّكُوتِ: السُّكُونُ والإمْساكُ، يُقالُ: جَرى الوادِي ثَلاثًا ثُمَّ سَكَنَ: أيْ أمْسَكَ عَنِ الجَرْيِ: قِيلَ: هَذا مَثَلٌ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وألْقِ الألْواحَ وجُرَّ بِرَأْسِ أخِيكَ فَتَرَكَ الإغْراءَ وسَكَتَ، وقِيلَ: هَذا الكَلامُ فِيهِ قَلْبٌ، والأصْلُ سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ الأُصْبُعَ الخاتَمَ، والخاتَمَ الأُصْبُعَ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ رَأْسِي، ورَأْسِي القَلَنْسُوَةَ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ " ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ " وقُرِئَ " ﴿سَكَتَ﴾ " " وأسْكَتَ " أخَذَ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها عِنْدَ غَضَبِهِ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ النَّسْخُ نَقْلُ ما في كِتابٍ إلى كِتابٍ آخَرَ، ويُقالُ لِلْأصْلِ الَّذِي كانَ النَّقْلُ مِنهُ: نُسْخَةٌ (p-٥٠٣)ولِلْمَنقُولِ نُسْخَةٌ أيْضًا.
قالَ القُشَيْرِيُّ.
والمَعْنى وفي نُسْخَتِها: أيْ فِيما نُسِخَ مِنَ الألْواحِ المُتَكَسِّرَةِ ونُقِلَ إلى الألْواحِ الجَدِيدَةِ هُدًى ورَحْمَةٌ وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما نُسِخَ لَهُ مِنها: أيْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما كُتِبَ لَهُ فِيها هُدًى ورَحْمَةٌ، فَلا يَحْتاجُ إلى أصْلٍ يُنْقَلُ عَنْهُ، وهَذا كَما يُقالُ: أنْسِخْ ما يَقُولُ فُلانٌ: أيْ أثْبِتْهُ في كِتابِكَ والنُّسْخَةُ فُعْلَةٌ، بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالخُطْبَةِ.
والهُدى ما يَهْتَدُونَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ، والرَّحْمَةُ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ اللَّهِ عِنْدَ عَمَلِهِمْ بِما فِيها مِنَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، واللّامُ في لِلَّذِينَ هم مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ كائِنَةٌ لَهم أوْ لِأجْلِهِمْ، واللّامُ في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لِلتَّقْوِيَةِ لِلْفِعْلِ لِما كانَ مَفْعُولُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَإنَّهُ يَضْعُفُ بِذَلِكَ بَعْضَ الضَّعْفِ.
وقَدْ صَرَّحَ الكِسائِيُّ بِأنَّها زائِدَةٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: هي لامُ الأجْلِ أيْ لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: تَلا أبُو قِلابَةَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ: هو جَزاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ في سَبْعَةِ ألْواحٍ مِن زَبَرْجَدٍ، فِيها تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ومَوْعِظَةٌ، ولَمّا جاءَ فَرَأى بَنِي إسْرائِيلَ عُكُوفًا عَلى العِجْلِ رَمى التَّوْراةَ مِن يَدِهِ فَتَحَطَّمَتْ، وأقْبَلَ عَلى هارُونَ فَأخَذَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبُعٌ: ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ قالَ: فِيما بَقِيَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ فَلَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ، وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وقَرَأ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ( الأعْرافِ: ١٤٥ ) وقَرَأ ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ قالَ: ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ هاهُنا.
الأعراف 7:154
الغَضَبُ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وما سَيَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، والذِّلَّةُ هي الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٦١ )، وقِيلَ: هي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وقِيلَ: هي الجِزْيَةُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّها لَمْ تُؤْخَذْ مِنهم، وإنَّما أُخِذَتْ مِن ذَرارِيهِمْ.
والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ الغَضَبُ والذِّلَّةُ بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إلَهًا لا لِمَن بَعْدَهم مِن ذَرارِيهِمْ ومُجَرَّدُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وكَذَلِكَ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ هو مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وأمّا ما نالَ ذَرارِيَهم مِنَ الذِّلَّةِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُ ما في الآيَةِ بِهِ إلّا إذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو لَمْ يَتَعَذَّرْ هُنا ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِالمُفْتَرِينَ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سَيَنالُهُ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِ ما عُوقِبَ بِهِ هَؤُلاءِ، بَلِ المُرادُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ فِيهِ ذِلَّةً بِأيِّ نَوْعٍ كانَ.
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيَّ سَيِّئَةٍ كانَتْ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْها مِن بَعْدِ عَمَلِها وآمَنُوا بِاللَّهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، أوْ مِن بَعْدِ عَمَلِ هَذِهِ السَّيِّئاتِ الَّتِي قَدْ تابَ عَنْها فاعِلُها وآمَنَ بِاللَّهِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ لِذُنُوبِ عِبادِهِ وكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أصْلُ السُّكُوتِ: السُّكُونُ والإمْساكُ، يُقالُ: جَرى الوادِي ثَلاثًا ثُمَّ سَكَنَ: أيْ أمْسَكَ عَنِ الجَرْيِ: قِيلَ: هَذا مَثَلٌ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وألْقِ الألْواحَ وجُرَّ بِرَأْسِ أخِيكَ فَتَرَكَ الإغْراءَ وسَكَتَ، وقِيلَ: هَذا الكَلامُ فِيهِ قَلْبٌ، والأصْلُ سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ الأُصْبُعَ الخاتَمَ، والخاتَمَ الأُصْبُعَ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ رَأْسِي، ورَأْسِي القَلَنْسُوَةَ.
وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ " ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ " وقُرِئَ " ﴿سَكَتَ﴾ " " وأسْكَتَ " أخَذَ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها عِنْدَ غَضَبِهِ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ النَّسْخُ نَقْلُ ما في كِتابٍ إلى كِتابٍ آخَرَ، ويُقالُ لِلْأصْلِ الَّذِي كانَ النَّقْلُ مِنهُ: نُسْخَةٌ (p-٥٠٣)ولِلْمَنقُولِ نُسْخَةٌ أيْضًا.
قالَ القُشَيْرِيُّ.
والمَعْنى وفي نُسْخَتِها: أيْ فِيما نُسِخَ مِنَ الألْواحِ المُتَكَسِّرَةِ ونُقِلَ إلى الألْواحِ الجَدِيدَةِ هُدًى ورَحْمَةٌ وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما نُسِخَ لَهُ مِنها: أيْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: المَعْنى: وفِيما كُتِبَ لَهُ فِيها هُدًى ورَحْمَةٌ، فَلا يَحْتاجُ إلى أصْلٍ يُنْقَلُ عَنْهُ، وهَذا كَما يُقالُ: أنْسِخْ ما يَقُولُ فُلانٌ: أيْ أثْبِتْهُ في كِتابِكَ والنُّسْخَةُ فُعْلَةٌ، بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالخُطْبَةِ.
والهُدى ما يَهْتَدُونَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ، والرَّحْمَةُ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ اللَّهِ عِنْدَ عَمَلِهِمْ بِما فِيها مِنَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، واللّامُ في لِلَّذِينَ هم مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ كائِنَةٌ لَهم أوْ لِأجْلِهِمْ، واللّامُ في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لِلتَّقْوِيَةِ لِلْفِعْلِ لِما كانَ مَفْعُولُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فَإنَّهُ يَضْعُفُ بِذَلِكَ بَعْضَ الضَّعْفِ.
وقَدْ صَرَّحَ الكِسائِيُّ بِأنَّها زائِدَةٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: هي لامُ الأجْلِ أيْ لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: تَلا أبُو قِلابَةَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ: هو جَزاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ في سَبْعَةِ ألْواحٍ مِن زَبَرْجَدٍ، فِيها تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ومَوْعِظَةٌ، ولَمّا جاءَ فَرَأى بَنِي إسْرائِيلَ عُكُوفًا عَلى العِجْلِ رَمى التَّوْراةَ مِن يَدِهِ فَتَحَطَّمَتْ، وأقْبَلَ عَلى هارُونَ فَأخَذَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَ اللَّهُ مِنها سِتَّةَ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبُعٌ: ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ قالَ: فِيما بَقِيَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ فَلَمّا ألْقاها مُوسى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ، وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وقَرَأ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ( الأعْرافِ: ١٤٥ ) وقَرَأ ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ قالَ: ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ هاهُنا.
الأعراف 7:155
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما كانَ مِن مُوسى ومِنَ القَوْمُ الَّذِينَ اخْتارَهم، وسَبْعِينَ مَفْعُولُ اخْتارَ، وقَوْمَهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن قَوْمِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎اخْتَرْتُكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ
يُرِيدُ اخْتَرْتُكَ مِنَ النّاسِ، ومَعْنى لِمِيقاتِنا لِلْوَقْتِ الَّذِي وقَّتْناهُ لَهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، والمِيقاتُ الكَلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ إلى الطُّورِ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ كَذا قِيلَ؛ والرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قِيلَ: إنَّهم زُلْزِلُوا حَتّى ماتُوا، فَلَمّا رَأى مُوسى أخْذَ الرَّجْفَةِ لَهم: قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَسُّرًا وتَلَهُّفًا، لِأنَّ سَبَبَ أخْذِ الرَّجْفَةِ لَهم ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٥٥ ) عَلى ما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ السَبْعُونَ غَيْرُ مَن قالُوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ ) بَلْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِهائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ وقِيلَ: إنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَرْضَوْا بِعِبادَةِ العِجْلِ ولا نَهَوُا السّامِرِيَّ ومَن مَعَهُ عَنْ عِبادَتِهِ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِ سُكُوتِهِمْ والمَعْنى لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا لَأهْلَكْتَنا بِذُنُوبِنا قَبْلَ هَذا الوَقْتِ اعْتِرافًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّنْبِ، وتَلَهُّفًا عَلى ما فَرَطَ مِن قَوْمِهِ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا لِلْجَحْدِ: أيْ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَهُ ثِقَةً مِنهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ والتَّضَرُّعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّعاءُ والطَّلَبُ: أيْ لا تُهْلِكْنا.
قالَ المُبَرِّدُ: المُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامُ الإعْظامِ كَأنَّهُ يَقُولُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا يَهْلِكُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِ عِيسى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّفَهاءِ: السَّبْعُونَ، والمَعْنى: أتُهْلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: السّامِرِيُّ وأصْحابُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ إلّا فِتْنَتُكَ الَّتِي تَخْتَبِرُ بِها مَن شِئْتَ وتَمْتَحِنُ بِها مَن أرَدْتَ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَفادَ هَذا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ( طه: ٨٥ ) ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ تُضِلُّ بِهَذِهِ الفِتْنَةِ مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ وتَهْدِي بِها مَن تَشاءُ مِنهم، ومِثْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ( هُودٍ: ٧ )، ثُمَّ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْطافِ والدُّعاءِ فَقالَ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِأُمُورِنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما أذْنَبْناهُ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لِلذُّنُوبِ.
﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِتَوْفِيقِنا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِإفاضَةِ النِّعَمِ في هَذِهِ الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وفي الآخِرَةِ أيْ واكْتُبْ لَنا في الآخِرَةِ الجَنَّةَ بِما تُجازِينا بِهِ أوْ بِما تَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْنا (p-٥٠٤)مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والحَسَنَةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أيْ إنّا تُبْنا إلَيْكَ ورَجَعْنا عَنِ الغَوايَةِ الَّتِي وقَعَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والهَوْدُ: التَّوْبَةُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَنَظائِرِها فِيما تَقَدَّمَ، قِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ هُنا: الرَّجْفَةُ: وقِيلَ: أمْرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم: أيْ لَيْسَ هَذا إلَيْكَ يا مُوسى، بَلْ ما شِئْتُ كانَ، وما لَمْ أشَأْ لَمْ يَكُنْ.
والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ هُنا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ عَذابٍ ويَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن أشاءُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ أوْ مَن أشاءُ أنْ أُضِلَّهُ وأسْلُبَهُ التَّوْفِيقَ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَكْتُبُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الذُّنُوبَ ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ويُذْعِنُونَ لَها.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهم هَذِهِ الرَّحْمَةَ بِبَيانٍ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ وأصْرَحَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَخَرَجَتِ اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ المِلَلِ.
والأُمِّيُّ: إمّا نِسْبَةٌ إلى الأُمَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتِي لا تَكْتُبُ ولا تَحْسِبُ: وهُمُ العَرَبُ، أوْ نِسْبَةٌ إلى الأُمِّ.
والمَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى حالَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْها لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ المَكْتُوبَ، وقِيلَ: نِسْبَةٌ إلى أُمِّ القُرى، وهي مَكَّةُ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى: أيْ يَجِدُونَ نَعْتَهُ ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وهُما مَرْجِعُهم في الدِّينِ، وهَذا الكَلامُ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ مُوسى قَبْلَ نُزُولِ الإنْجِيلِ فَهو مِن بابِ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ بِأنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ: أيْ بِكُلِّ ما تَعْرِفُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هي مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ ما تُنْكِرُهُ القُلُوبُ ولا تَعْرِفُهُ، وهو ما كانَ مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وعَدَ بِها. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّ، وقِيلَ: هو مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: مَكْتُوبًا.
قَوْلُهُ: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أيِ المُسْتَلَذّاتِ وقِيلَ: يُحِلُّ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ أيِ المُسْتَخْبَثاتِ كالحَشَراتِ والخَنازِيرِ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم الإصْرُ الثِّقَلُ: أيْ يَضَعُ عَنْهُمُ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ الثَّقِيلَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ أيْ ويَضَعُ عَنْهُمُ الأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ، الأغْلالُ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي كانُوا قَدْ كُلِّفُوها فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أيْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وعَزَّرُوهُ أيْ عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَنَعُوهُ مِن عَدُوِّهِ، وأصْلُ العَزْرِ: المَنعُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " وعَزَرُوهُ بِالتَّخْفِيفِ ونَصَرُوهُ أيْ قامُوا بِنَصْرِهِ عَلى مَن يُعادِيهِ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أيِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعَ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ إلَيْهِ مَعَ اتِّباعِهِ بِالعَمَلِ بِسُنَّتِهِ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ، أوِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، والإشارَةُ بِـ أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هُمُ المُفْلِحُونَ الفائِزُونَ بِالخَيْرِ والفَلاحِ لا غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ الآيَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ أمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، فاخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهم، فَكانَ فِيما دَعَوُا اللَّهَ أنْ قالُوا: اللَّهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن قَبْلِنا ولا تُعْطِهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن دُعائِهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ مُوسى ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ يَقُولُ: إنْ هي إلّا عَذابُكَ تُصِيبُ بِهِ مَن تَشاءُ وتَصْرِفُهُ عَمَّنْ تَشاءُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ لِمِيقاتِنا قالَ: لِتَمامِ المَوْعِدِ وفي قَوْلِهِ: فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ: ماتُوا ثُمَّ أحْياهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: بَلِيَّتُكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: مَشِيئَتُكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ، إنَّما أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِالعَمَلِ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ فَلَمْ يُعْطِها مُوسى قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ إلى قَوْلِهِ: المُفْلِحُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: فَكَتَبَ الرَّحْمَةَ يَوْمئِذٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ: تُبْنا إلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ، وكانَ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ قالَ: لا واللَّهِ ما أعْلَمُها في كَلامِ العَرَبِ هُدْنا؛ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ هِدْنا بِكَسْرِ الهاءِ، يَقُولُ: مِلْنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قالَ: وسِعَتْ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وهي يَوْمَ القِيامَةِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خاصَّةً.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وبِها تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلى أوْلادِها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ مِن حَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لَمّا (p-٥٠٥)نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: وأنا مِنَ الشَّيْءِ، فَنَسَخَها اللَّهُ، فَنَزَلَتْ ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِنَ الشَّيْءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَتِ اليَهُودُ: فَنَحْنُ نَتَّقِي ونُؤْتِي الزَّكاةَ، قالَ اللَّهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فَعَزَلَها اللَّهُ عَنْ إبْلِيسَ وعَنِ اليَهُودِ، وجَعَلَها لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألَ مُوسى رَبَّهُ مَسْألَةً فَأعْطاها مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَأعْطى مُحَمَّدًا كُلَّ شَيْءٍ سَألَ مُوسى رَبَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ قالَ: كَتَبَها اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ قالَ: كانَ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو نَبِيُّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِيًّا لا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم قالَ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ، فَقُلْتُ لَهُ: أخْبَرَنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، قالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ ولا تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ تَعْفُو وتَصْفَحُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويَفْتَحَ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غُلْفًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والدّارِمِيُّ، في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِثْلَهُ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في بَعْضِ الألْفاظِ، وزِيادَةٍ في بَعْضٍ، ونَقْصٍ في بَعْضٍ عَنْ جَماعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ قالَ: الحَلالُ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: التَّثْقِيلُ الَّذِي كانَ في دِينِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قالَ: كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ والرِّبا وما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ مِنَ المَآكِلِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: هو ما كانَ اللَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ فِيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ قالَ: ما غَلَّظَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَرْضِ البَوْلِ مِن جُلُودِهِمْ إذا أصابَهم ونَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يَعْنِي: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ.
الأعراف 7:156
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما كانَ مِن مُوسى ومِنَ القَوْمُ الَّذِينَ اخْتارَهم، وسَبْعِينَ مَفْعُولُ اخْتارَ، وقَوْمَهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن قَوْمِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎اخْتَرْتُكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ
يُرِيدُ اخْتَرْتُكَ مِنَ النّاسِ، ومَعْنى لِمِيقاتِنا لِلْوَقْتِ الَّذِي وقَّتْناهُ لَهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، والمِيقاتُ الكَلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ إلى الطُّورِ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ كَذا قِيلَ؛ والرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قِيلَ: إنَّهم زُلْزِلُوا حَتّى ماتُوا، فَلَمّا رَأى مُوسى أخْذَ الرَّجْفَةِ لَهم: قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَسُّرًا وتَلَهُّفًا، لِأنَّ سَبَبَ أخْذِ الرَّجْفَةِ لَهم ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٥٥ ) عَلى ما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ السَبْعُونَ غَيْرُ مَن قالُوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ ) بَلْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِهائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ وقِيلَ: إنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَرْضَوْا بِعِبادَةِ العِجْلِ ولا نَهَوُا السّامِرِيَّ ومَن مَعَهُ عَنْ عِبادَتِهِ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِ سُكُوتِهِمْ والمَعْنى لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا لَأهْلَكْتَنا بِذُنُوبِنا قَبْلَ هَذا الوَقْتِ اعْتِرافًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّنْبِ، وتَلَهُّفًا عَلى ما فَرَطَ مِن قَوْمِهِ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا لِلْجَحْدِ: أيْ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَهُ ثِقَةً مِنهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ والتَّضَرُّعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّعاءُ والطَّلَبُ: أيْ لا تُهْلِكْنا.
قالَ المُبَرِّدُ: المُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامُ الإعْظامِ كَأنَّهُ يَقُولُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا يَهْلِكُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِ عِيسى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّفَهاءِ: السَّبْعُونَ، والمَعْنى: أتُهْلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: السّامِرِيُّ وأصْحابُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ إلّا فِتْنَتُكَ الَّتِي تَخْتَبِرُ بِها مَن شِئْتَ وتَمْتَحِنُ بِها مَن أرَدْتَ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَفادَ هَذا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ( طه: ٨٥ ) ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ تُضِلُّ بِهَذِهِ الفِتْنَةِ مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ وتَهْدِي بِها مَن تَشاءُ مِنهم، ومِثْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ( هُودٍ: ٧ )، ثُمَّ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْطافِ والدُّعاءِ فَقالَ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِأُمُورِنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما أذْنَبْناهُ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لِلذُّنُوبِ.
﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِتَوْفِيقِنا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِإفاضَةِ النِّعَمِ في هَذِهِ الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وفي الآخِرَةِ أيْ واكْتُبْ لَنا في الآخِرَةِ الجَنَّةَ بِما تُجازِينا بِهِ أوْ بِما تَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْنا (p-٥٠٤)مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والحَسَنَةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أيْ إنّا تُبْنا إلَيْكَ ورَجَعْنا عَنِ الغَوايَةِ الَّتِي وقَعَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والهَوْدُ: التَّوْبَةُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَنَظائِرِها فِيما تَقَدَّمَ، قِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ هُنا: الرَّجْفَةُ: وقِيلَ: أمْرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم: أيْ لَيْسَ هَذا إلَيْكَ يا مُوسى، بَلْ ما شِئْتُ كانَ، وما لَمْ أشَأْ لَمْ يَكُنْ.
والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ هُنا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ عَذابٍ ويَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن أشاءُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ أوْ مَن أشاءُ أنْ أُضِلَّهُ وأسْلُبَهُ التَّوْفِيقَ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَكْتُبُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الذُّنُوبَ ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ويُذْعِنُونَ لَها.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهم هَذِهِ الرَّحْمَةَ بِبَيانٍ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ وأصْرَحَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَخَرَجَتِ اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ المِلَلِ.
والأُمِّيُّ: إمّا نِسْبَةٌ إلى الأُمَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتِي لا تَكْتُبُ ولا تَحْسِبُ: وهُمُ العَرَبُ، أوْ نِسْبَةٌ إلى الأُمِّ.
والمَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى حالَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْها لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ المَكْتُوبَ، وقِيلَ: نِسْبَةٌ إلى أُمِّ القُرى، وهي مَكَّةُ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى: أيْ يَجِدُونَ نَعْتَهُ ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وهُما مَرْجِعُهم في الدِّينِ، وهَذا الكَلامُ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ مُوسى قَبْلَ نُزُولِ الإنْجِيلِ فَهو مِن بابِ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ بِأنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ: أيْ بِكُلِّ ما تَعْرِفُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هي مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ ما تُنْكِرُهُ القُلُوبُ ولا تَعْرِفُهُ، وهو ما كانَ مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وعَدَ بِها. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّ، وقِيلَ: هو مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: مَكْتُوبًا.
قَوْلُهُ: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أيِ المُسْتَلَذّاتِ وقِيلَ: يُحِلُّ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ أيِ المُسْتَخْبَثاتِ كالحَشَراتِ والخَنازِيرِ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم الإصْرُ الثِّقَلُ: أيْ يَضَعُ عَنْهُمُ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ الثَّقِيلَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ أيْ ويَضَعُ عَنْهُمُ الأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ، الأغْلالُ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي كانُوا قَدْ كُلِّفُوها فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أيْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وعَزَّرُوهُ أيْ عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَنَعُوهُ مِن عَدُوِّهِ، وأصْلُ العَزْرِ: المَنعُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " وعَزَرُوهُ بِالتَّخْفِيفِ ونَصَرُوهُ أيْ قامُوا بِنَصْرِهِ عَلى مَن يُعادِيهِ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أيِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعَ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ إلَيْهِ مَعَ اتِّباعِهِ بِالعَمَلِ بِسُنَّتِهِ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ، أوِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، والإشارَةُ بِـ أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هُمُ المُفْلِحُونَ الفائِزُونَ بِالخَيْرِ والفَلاحِ لا غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ الآيَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ أمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، فاخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهم، فَكانَ فِيما دَعَوُا اللَّهَ أنْ قالُوا: اللَّهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن قَبْلِنا ولا تُعْطِهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن دُعائِهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ مُوسى ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ يَقُولُ: إنْ هي إلّا عَذابُكَ تُصِيبُ بِهِ مَن تَشاءُ وتَصْرِفُهُ عَمَّنْ تَشاءُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ لِمِيقاتِنا قالَ: لِتَمامِ المَوْعِدِ وفي قَوْلِهِ: فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ: ماتُوا ثُمَّ أحْياهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: بَلِيَّتُكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: مَشِيئَتُكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ، إنَّما أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِالعَمَلِ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ فَلَمْ يُعْطِها مُوسى قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ إلى قَوْلِهِ: المُفْلِحُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: فَكَتَبَ الرَّحْمَةَ يَوْمئِذٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ: تُبْنا إلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ، وكانَ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ قالَ: لا واللَّهِ ما أعْلَمُها في كَلامِ العَرَبِ هُدْنا؛ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ هِدْنا بِكَسْرِ الهاءِ، يَقُولُ: مِلْنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قالَ: وسِعَتْ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وهي يَوْمَ القِيامَةِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خاصَّةً.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وبِها تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلى أوْلادِها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ مِن حَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لَمّا (p-٥٠٥)نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: وأنا مِنَ الشَّيْءِ، فَنَسَخَها اللَّهُ، فَنَزَلَتْ ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِنَ الشَّيْءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَتِ اليَهُودُ: فَنَحْنُ نَتَّقِي ونُؤْتِي الزَّكاةَ، قالَ اللَّهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فَعَزَلَها اللَّهُ عَنْ إبْلِيسَ وعَنِ اليَهُودِ، وجَعَلَها لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألَ مُوسى رَبَّهُ مَسْألَةً فَأعْطاها مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَأعْطى مُحَمَّدًا كُلَّ شَيْءٍ سَألَ مُوسى رَبَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ قالَ: كَتَبَها اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ قالَ: كانَ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو نَبِيُّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِيًّا لا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم قالَ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ، فَقُلْتُ لَهُ: أخْبَرَنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، قالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ ولا تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ تَعْفُو وتَصْفَحُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويَفْتَحَ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غُلْفًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والدّارِمِيُّ، في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِثْلَهُ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في بَعْضِ الألْفاظِ، وزِيادَةٍ في بَعْضٍ، ونَقْصٍ في بَعْضٍ عَنْ جَماعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ قالَ: الحَلالُ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: التَّثْقِيلُ الَّذِي كانَ في دِينِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قالَ: كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ والرِّبا وما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ مِنَ المَآكِلِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: هو ما كانَ اللَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ فِيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ قالَ: ما غَلَّظَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَرْضِ البَوْلِ مِن جُلُودِهِمْ إذا أصابَهم ونَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يَعْنِي: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ.
الأعراف 7:157
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما كانَ مِن مُوسى ومِنَ القَوْمُ الَّذِينَ اخْتارَهم، وسَبْعِينَ مَفْعُولُ اخْتارَ، وقَوْمَهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ مِن قَوْمِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎اخْتَرْتُكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ
يُرِيدُ اخْتَرْتُكَ مِنَ النّاسِ، ومَعْنى لِمِيقاتِنا لِلْوَقْتِ الَّذِي وقَّتْناهُ لَهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، والمِيقاتُ الكَلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ إلى الطُّورِ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ كَذا قِيلَ؛ والرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قِيلَ: إنَّهم زُلْزِلُوا حَتّى ماتُوا، فَلَمّا رَأى مُوسى أخْذَ الرَّجْفَةِ لَهم: قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَسُّرًا وتَلَهُّفًا، لِأنَّ سَبَبَ أخْذِ الرَّجْفَةِ لَهم ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٥٥ ) عَلى ما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ السَبْعُونَ غَيْرُ مَن قالُوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ ) بَلْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِهائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ وقِيلَ: إنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَرْضَوْا بِعِبادَةِ العِجْلِ ولا نَهَوُا السّامِرِيَّ ومَن مَعَهُ عَنْ عِبادَتِهِ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِ سُكُوتِهِمْ والمَعْنى لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا لَأهْلَكْتَنا بِذُنُوبِنا قَبْلَ هَذا الوَقْتِ اعْتِرافًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّنْبِ، وتَلَهُّفًا عَلى ما فَرَطَ مِن قَوْمِهِ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا لِلْجَحْدِ: أيْ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَهُ ثِقَةً مِنهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ والتَّضَرُّعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّعاءُ والطَّلَبُ: أيْ لا تُهْلِكْنا.
قالَ المُبَرِّدُ: المُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامُ الإعْظامِ كَأنَّهُ يَقُولُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا يَهْلِكُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِ عِيسى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّفَهاءِ: السَّبْعُونَ، والمَعْنى: أتُهْلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ( النِّساءِ: ١٥٣ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: السّامِرِيُّ وأصْحابُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ إلّا فِتْنَتُكَ الَّتِي تَخْتَبِرُ بِها مَن شِئْتَ وتَمْتَحِنُ بِها مَن أرَدْتَ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَفادَ هَذا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ( طه: ٨٥ ) ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ تُضِلُّ بِهَذِهِ الفِتْنَةِ مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ وتَهْدِي بِها مَن تَشاءُ مِنهم، ومِثْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ( هُودٍ: ٧ )، ثُمَّ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْطافِ والدُّعاءِ فَقالَ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِأُمُورِنا ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما أذْنَبْناهُ ﴿وارْحَمْنا﴾ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لِلذُّنُوبِ.
﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِتَوْفِيقِنا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِإفاضَةِ النِّعَمِ في هَذِهِ الدُّنْيا مِنَ العافِيَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وفي الآخِرَةِ أيْ واكْتُبْ لَنا في الآخِرَةِ الجَنَّةَ بِما تُجازِينا بِهِ أوْ بِما تَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْنا (p-٥٠٤)مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن سُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والحَسَنَةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أيْ إنّا تُبْنا إلَيْكَ ورَجَعْنا عَنِ الغَوايَةِ الَّتِي وقَعَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والهَوْدُ: التَّوْبَةُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَنَظائِرِها فِيما تَقَدَّمَ، قِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ هُنا: الرَّجْفَةُ: وقِيلَ: أمْرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم: أيْ لَيْسَ هَذا إلَيْكَ يا مُوسى، بَلْ ما شِئْتُ كانَ، وما لَمْ أشَأْ لَمْ يَكُنْ.
والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ هُنا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ عَذابٍ ويَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن أشاءُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذابِ أوْ مَن أشاءُ أنْ أُضِلَّهُ وأسْلُبَهُ التَّوْفِيقَ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَكْتُبُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الذُّنُوبَ ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ويُذْعِنُونَ لَها.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَتَبَ لَهم هَذِهِ الرَّحْمَةَ بِبَيانٍ أوْضَحَ مِمّا قَبْلَهُ وأصْرَحَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَخَرَجَتِ اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ المِلَلِ.
والأُمِّيُّ: إمّا نِسْبَةٌ إلى الأُمَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتِي لا تَكْتُبُ ولا تَحْسِبُ: وهُمُ العَرَبُ، أوْ نِسْبَةٌ إلى الأُمِّ.
والمَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى حالَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْها لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ المَكْتُوبَ، وقِيلَ: نِسْبَةٌ إلى أُمِّ القُرى، وهي مَكَّةُ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى: أيْ يَجِدُونَ نَعْتَهُ ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وهُما مَرْجِعُهم في الدِّينِ، وهَذا الكَلامُ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ مُوسى قَبْلَ نُزُولِ الإنْجِيلِ فَهو مِن بابِ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ بِأنَّهُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ: أيْ بِكُلِّ ما تَعْرِفُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي هي مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ ما تُنْكِرُهُ القُلُوبُ ولا تَعْرِفُهُ، وهو ما كانَ مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وعَدَ بِها. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّ، وقِيلَ: هو مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: مَكْتُوبًا.
قَوْلُهُ: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أيِ المُسْتَلَذّاتِ وقِيلَ: يُحِلُّ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ أيِ المُسْتَخْبَثاتِ كالحَشَراتِ والخَنازِيرِ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم الإصْرُ الثِّقَلُ: أيْ يَضَعُ عَنْهُمُ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ الثَّقِيلَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ أيْ ويَضَعُ عَنْهُمُ الأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمُ، الأغْلالُ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي كانُوا قَدْ كُلِّفُوها فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أيْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - واتَّبَعُوهُ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ وعَزَّرُوهُ أيْ عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَنَعُوهُ مِن عَدُوِّهِ، وأصْلُ العَزْرِ: المَنعُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " وعَزَرُوهُ بِالتَّخْفِيفِ ونَصَرُوهُ أيْ قامُوا بِنَصْرِهِ عَلى مَن يُعادِيهِ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أيِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعَ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ إلَيْهِ مَعَ اتِّباعِهِ بِالعَمَلِ بِسُنَّتِهِ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ، أوِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، والإشارَةُ بِـ أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ هُمُ المُفْلِحُونَ الفائِزُونَ بِالخَيْرِ والفَلاحِ لا غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ الآيَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ أمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، فاخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهم، فَكانَ فِيما دَعَوُا اللَّهَ أنْ قالُوا: اللَّهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن قَبْلِنا ولا تُعْطِهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن دُعائِهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ مُوسى ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ يَقُولُ: إنْ هي إلّا عَذابُكَ تُصِيبُ بِهِ مَن تَشاءُ وتَصْرِفُهُ عَمَّنْ تَشاءُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ لِمِيقاتِنا قالَ: لِتَمامِ المَوْعِدِ وفي قَوْلِهِ: فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ: ماتُوا ثُمَّ أحْياهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: بَلِيَّتُكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ قالَ: مَشِيئَتُكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ، إنَّما أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِالعَمَلِ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ فَلَمْ يُعْطِها مُوسى قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ إلى قَوْلِهِ: المُفْلِحُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: فَكَتَبَ الرَّحْمَةَ يَوْمئِذٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ: تُبْنا إلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ، وكانَ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ قالَ: لا واللَّهِ ما أعْلَمُها في كَلامِ العَرَبِ هُدْنا؛ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ هِدْنا بِكَسْرِ الهاءِ، يَقُولُ: مِلْنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قالَ: وسِعَتْ رَحْمَتُهُ في الدُّنْيا البَرَّ والفاجِرَ، وهي يَوْمَ القِيامَةِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خاصَّةً.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وبِها تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلى أوْلادِها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ مِن حَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لَمّا (p-٥٠٥)نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: وأنا مِنَ الشَّيْءِ، فَنَسَخَها اللَّهُ، فَنَزَلَتْ ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِنَ الشَّيْءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَتِ اليَهُودُ: فَنَحْنُ نَتَّقِي ونُؤْتِي الزَّكاةَ، قالَ اللَّهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ فَعَزَلَها اللَّهُ عَنْ إبْلِيسَ وعَنِ اليَهُودِ، وجَعَلَها لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألَ مُوسى رَبَّهُ مَسْألَةً فَأعْطاها مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَأعْطى مُحَمَّدًا كُلَّ شَيْءٍ سَألَ مُوسى رَبَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ قالَ: كَتَبَها اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ قالَ: كانَ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو نَبِيُّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ أُمِيًّا لا يَكْتُبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم قالَ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ، فَقُلْتُ لَهُ: أخْبَرَنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، قالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ ولا تَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ تَعْفُو وتَصْفَحُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويَفْتَحَ بِهِ أعْيُنًا عُمْيًا وآذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غُلْفًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والدّارِمِيُّ، في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِثْلَهُ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في بَعْضِ الألْفاظِ، وزِيادَةٍ في بَعْضٍ، ونَقْصٍ في بَعْضٍ عَنْ جَماعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ قالَ: الحَلالُ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: التَّثْقِيلُ الَّذِي كانَ في دِينِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قالَ: كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ والرِّبا وما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ مِنَ المَآكِلِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: هو ما كانَ اللَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ فِيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ قالَ: ما غَلَّظَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَرْضِ البَوْلِ مِن جُلُودِهِمْ إذا أصابَهم ونَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يَعْنِي: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ.
الأعراف 7:158
لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ أوْصافِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَكْتُوبَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ المُقْتَضِي لِعُمُومِ رِسالَتِهِ إلى النّاسِ جَمِيعًا لا كَما كانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإنَّهم كانُوا يُبْعَثُونَ إلى قَوْمِهِمْ خاصَّةً، وجَمِيعًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِكم جَمِيعًا، و" ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الصِّفَةِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها مُبَيِّنٌ لَها، لِأنَّ مَن مَلَكَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِما هو الإلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهَكَذا مَن كانَ يُحْيِي ويُمِيتُ هو المُسْتَحِقُّ لِتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، والأمْرُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾، وهُما وصْفانِ لِرَسُولِهِ، وكَذَلِكَ ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ وصْفٌ لَهُ، والمُرادُ بِالكَلِماتِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ أوِ القُرْآنُ فَقَطْ، وجُمْلَةُ واتَّبَعُوهُ مُقَرِّرَةٌ لِجُمْلَةِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ، ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالإيمانِ والِاتِّباعِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا» والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ في هَذا المَعْنى مَشْهُورَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ قالَ: آياتُهُ.
وأخْرَجَ اَبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ وكَلِماتِهِ قالَ: عِيسى.
الأعراف 7:159
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:160
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:161
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:162
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:163
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:164
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:165
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:166
(p-٥٠٦)قَوْلُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا ما وقَعَ مِنَ السّامِرِيِّ وأصْحابِهِ، وما حَصَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّزَلْزُلِ في الدِّينِ: قَصَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةً مُخالِفَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ووَصْفُهم بِأنَّهم يَهْدُونَ بِالحَقِّ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ وبِهِ أيْ بِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النّاسِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ مُوسى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: لا إلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ مِنهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ، والمَعْنى: صَيَّرْناهم قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى: أنَّهُ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى صارُوا أسْباطًا كُلُّ سِبْطٍ مَعْرُوفٌ عَلى انْفِرادِهِ، لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ هو ثانِ مَفْعُولَيْ قَطَّعْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وأسْباطًا تَمْيِيزٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ أُمَمًا نَعْتٌ لِلْأسْباطِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ: وهو ولَدُ الوَلَدِ، صارُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، وأرادَ بِالأسْباطِ القَبائِلَ، ولِهَذا أُنِّثَ العَدَدُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنَّ قُرَيْشًا كُلَّها عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
أرادَ بِالبَطْنِ القَبِيلَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأسْباطِ في البَقَرَةِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " قَطَّعْناهم " مُخَفَّفًا، وسَمّاهم أُمَمًا، لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَ جَماعَةً كَثِيرَةَ العَدَدِ: وكانُوا مُخْتَلِفِي الآراءِ يَؤُمُّ بَعْضُهم غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ الآخَرُ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ﴾ قَوْمُهُ أيْ وقْتَ اسْتِسْقائِهِمْ لَهُ لَمّا أصابَهُمُ العَطَشُ في التِّيهِ أنِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، والِانْبِجاسُ: الِانْفِجارُ، أيْ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا بِعَدَدِ الأسْباطِ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ كُلُّ سِبْطٍ مِنهُمُ العَيْنَ المُخْتَصَّةَ بِهِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنِ الإعادَةِ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ ظُلَلًا عَلَيْهِمْ في التِّيهِ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويُقِيمُ بِإقامَتِهِمْ ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ: التَّرَنْجَبِينَ والسَّمّانِيَّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ وقُلْنا لَهم: كُلُوا مِنَ المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي رَزَقْناكم ﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِما وقَعَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ وكُفْرانِ النِّعَمِ وعَدَمِ تَقْدِيرِها حَقَّ قَدْرِها ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ كانَ ظُلْمُهم مُخْتَصًّا بِهِمْ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ قِيلَ: لَهم هَذا القَوْلُ وهو ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ أوْ أرِيحاءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ بَيانُهُ ﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ المَأْكُولاتِ المَوْجُودَةِ فِيها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ شِئْتُمْ مِن أمْكِنَتِها لا مانِعَ لَكم مِنَ الأكْلِ فِيهِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في البَقَرَةِ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ كَوْنِكم سُجَّدًا أُمِرُوا بِأنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ حِطَّةً وبَيْنَ الدُّخُولِ ساجِدِينَ، فَلا يُقالُ: كَيْفَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالقَوْلِ هُنا عَلى الدُّخُولِ وأخَّرَهُ في البَقَرَةِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّجُودِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وقُرِئَ " خَطِيئَتَكم " ثُمَّ وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ سَنَزِيدُهم عَلى المَغْفِرَةِ لِلْخَطايا بِما يُتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ المَغْفِرَةِ ؟ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا كائِنًا مِنها ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
قَوْلُهُ: ١٦٣ - ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عامِلِ إذِ المُقَدَّرِ: أيِ اذْكُرْ إذْ قِيلَ: لَهم واسْألْهم، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، والمُرادُ مِن سُؤالِ القَرْيَةِ: سُؤالُ أهْلِها: أيِ اسْألْهم عَنْ هَذا الحادِثِ الَّذِي حَدَثَ لَهم فِيها المُخالِفِ لِما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وفِي ضِمْنِ هَذا السُّؤالِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَعْرِيفُ اليَهُودِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأنَّ اطِّلاعَهُ لا يَكُونُ إلّا بِإخْبارٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ القَرْيَةِ: أيُّ قَرْيَةٍ هي ؟ فَقِيلَ: أيْلَةُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، وقِيلَ: مَدْيَنُ، وقِيلَ: إيلِيا، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى ساحِلِ الشّامِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ: أيِ الَّتِي كانَتْ بِقُرْبِ البَحْرِ، يُقالُ كُنْتُ بِحَضْرَةِ الدّارِ: أيْ بِقُرْبِها.
والمَعْنى: سَلْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ المَوْجُودِينَ عَنْ قِصَّةِ أهْلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ.
قُرِئَ واسْألْهم وقُرِئَ " سَلْهم " إذْ يَعْدُونَ أيْ وقْتَ يَعْدُونَ وهو ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ لِأنَّ السُّؤالَ هو عَنْ حالِهِمْ وقِصَّتِهِمْ وقْتَ يَعْدُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِكانَتْ أوْ لِحاضِرَةٍ.
وقُرِئَ " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ الإعْدادِ لِلْآلَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَعْدُونَ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُخَفَّفَةً: أيْ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الَّذِي نُهُوا عَنِ الِاصْطِيادِ فِيهِ، وقُرِئَ " يَعَدُّونَ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ وضَمِّ الدّالِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى يَعْتَدُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
والسَّبْتُ هو اليَوْمُ المَعْرُوفُ وأصْلُهُ السُّكُونُ، يُقالُ: سَبَتَ إذا سَكَنَ، وسَبَتَ اليَهُودُ تَرَكُوا العَمَلَ في سَبْتِهِمْ، والجَمْعُ أسْبُتٌ، وسُبُوتٌ، وأسْباتٌ وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ " في الأسْباتِ " عَلى الجَمْعِ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم﴾ (p-٥٠٧)ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ.
والحِيتانُ: جَمْعُ حُوتٍ وأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ لَهم بِما كانَ مِنها عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الإتْيانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ ما عَداهُ، و" يَوْمَ سَبَتِهِمْ " ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ.
وقُرِئَ " يَوْمَ أسْباتِهِمْ " و" ﴿شُرَّعًا﴾ " حالٌ، وهو جَمْعُ شارِعٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وقِيلَ: رافِعَةً رُؤُوسَها، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَشْرَعُ عَلى أبْوابِها كالكِباشِ البِيضِ.
قالَ في الكَشّافِ: يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا انْتَهى " ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ " أيْ لا يَفْعَلُونَ السَّبْتَ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ يَوْمِ السَّبْتِ لا تَأْتِيهِمُ الحِيتانُ، كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ في يَوْمِ السَّبْتِ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، والِابْتِلاءُ الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ.
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ: أيْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن صُلَحاءِ أهْلِ القَرْيَةِ لِآخَرِينَ مِمَّنْ كانَ يَجْتَهِدُ في وعْظِ المُتَعَدِّينَ في السَّبْتِ حِينَ أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ، وإقْلاعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُسْتَأْمَلٌ لَهم بِالعُقُوبَةِ " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ بِما انْتَهَكُوا مِنَ الحُرْمَةِ وفَعَلُوا مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجَماعَةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هُمُ العُصاةُ الفاعِلُونَ لِلصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، قالُوا ذَلِكَ لِلْواعِظِينَ لَهم حِينَ وعَظُوهم.
والمَعْنى: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُنا كَما تَزْعُمُونَ فَلِمَ تَعِظُونَنا قالُوا ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قالَ الواعِظُونَ لِلْجَماعَةِ القائِلِينَ لَهم لِمَ تَعِظُونَ، وهم طائِفَةٌ مِن صُلَحاءِ القَرْيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوِ الفاعِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ مَعْذِرَةً بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ.
قالَ الكِسائِيُّ: ونَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، والثّانِي عَلى تَقْدِيرِ فَعَلْنا ذَلِكَ مَعْذِرَةً: أيْ لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ حَتّى لا يُؤاخِذَنا بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ اللَّذَيْنِ أوْجَبَهُما عَلَيْنا، ولِرَجاءِ أنْ يَتَّعِظُوا فَيَتَّقُوا ويُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ عَصَتْ وصادَتْ وكانَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ ألْفًا، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ونَهَتْ ولَمْ تَعْصِ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ لِلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يُرِيدُونَ الفِرْقَةَ العاصِيَةَ ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم﴾ قالُوا ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ مِن إهْلاكِ العُصاةِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ مِن دُونِ اسْتِئْصالٍ بِالهَلاكِ، فَقالَتِ النّاهِيَةُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ ناهِيَةً غَيْرَ عاصِيَةٍ، وعاصِيَةً لَقالَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ لَمّا تَرَكَ العُصاةُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ المُعْرِضِ عَنْهُ كُلِّيَّةَ الإعْراضِ ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أيِ الَّذِينَ فَعَلُوا النَّهْيَ، ولَمْ يَتْرُكُوهُ ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهُمُ العُصاةُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ مِن بَؤُسَ الشَّيْءُ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ، وفِيهِ إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً لِلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا.
﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحَدَّ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَمَرُّدًا وتَكَبُّرًا ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ أيْ أمَرْناهم أمْرًا كَوْنِيًا لا أمْرًا قَوْلِيًّا: أيْ مَسَخْناهم قِرَدَةً، قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَهم أوَّلًا بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ فَلَمّا لَمْ يُقْلِعُوا مَسَخَهم قِرَدَةً، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، وأنَّ المَسْخَ هو العَذابُ البَئِيسُ، والخاسِئُ الصّاغِرُ الذَّلِيلُ أوِ المُباعَدُ المَطْرُودُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخُسِئَ: أيْ باعَدْتُهُ فَتَباعَدَ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ هو أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ العَذابِ إلّا الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ الَّتِي لَمْ تَعْصِ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وأنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ بِالمَسْخِ إلّا الطّائِفَةُ العاصِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَإنْ كانَتِ الطَّوائِفُ مِنهم ثَلاثًا كَما تَقَدَّمَ فالطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْصِ يَحْتَمِلُ أنَّها مَمْسُوخَةٌ مَعَ الطّائِفَةِ العاصِيَةِ لِأنَّها قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالسُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ وعَتَتْ عَمّا نَهاها اللَّهُ عَنْهُ مِن تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تُمْسَخْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ ظالِمَةً لِنَفْسِها عاتِيَةً عَنْ أمْرِ رَبِّها ونَهْيِهِ لَكِنَّها لَمْ تَظْلِمْ نَفْسَها بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الخاصَّةِ، وهي صَيْدُ الحُوتِ في يَوْمِ السَّبْتِ، ولا عَتَتْ عَنْ نَهْيِهِ لَها عَنِ الصَّيْدِ، وأمّا إذا كانَتِ الطّائِفَةُ الثّالِثَةُ ناهِيَةً كالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ، وإنَّما جُعِلَتْ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً لِكَوْنِها قَدْ جَرَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى مِنَ النّاهِينَ المُعْتَزِلِينَ، فَهُما في الحَقِيقَةِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ لِاجْتِماعِهِما في النَّهْيِ والِاعْتِزالِ والنَّجاةِ مِنَ المَسْخِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً أناجِيلُهم في قُلُوبِهِمْ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُصَلُّونَ الخَمْسَ تَكُونُ كَفّاراتٍ لِما بَيْنَهُنَّ، قالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ أجِدُ أُمَّةً يُعْطُونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ، قالَ: تِلْكَ بَعْدَكَ: أُمَّةُ أحْمَدَ، قالَ: يا رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَهَيْئَةِ المَرْضاةِ لِمُوسى ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ فَهم هُنالِكَ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ ( الإسْراءِ: ١٠٤ ) ووَعْدُ الآخِرَةِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
قالَ ابْنُ (p-٥٠٨)عَبّاسٍ سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.
أقُولُ: ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ مُحْتاجٌ إلى تَصْحِيحِ النَّقْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى بَعْدَ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، ولَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النّارِ إلّا فِرْقَةً، فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا النَّصارى فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ( المائِدَةِ: ٦٦ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو، وأمّا نَحْنُ فَيَقُولُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ( الأعْرافِ: ١٨١ ) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ زِيادَةَ " كُلُّها في النّارِ " لَمْ تَصِحَّ لا مَرْفُوعَةً ولا مَوْقُوفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ قالَ: يا عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي أيَّ قَرْيَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: هي أيْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي طَبَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ قالَ: يَظْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: شُرَّعًا يَقُولُ: مِن كُلِّ مَكانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ظاهِرَةً عَلى الماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وارِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هي قَرْيَةٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ بَيْن مِصْرَ والمَدِينَةِ يُقالُ لَها: أيْلَةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَكانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا في ساحِلِ البَحْرِ فَإذا مَضى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ طائِفَةً مِنهم أخَذُوا الحِيتانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ فَنَهَتْهم طائِفَةٌ فَلَمْ يَزْدادُوا إلّا غَيًّا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُّهاةِ يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ غَضَبًا مِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى وكُلٌّ قَدْ كانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتْ الطّائِفَتانِ اللَّتانِ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ والَّذِينَ قالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ وأهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أخَذُوا الحِيتانَ فَجَعَلَهم قِرَدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهم ثَلاثُ فِرَقٍ: فِرْقَةُ العُصاةِ، وفِرْقَةُ النّاهِينَ، وفِرْقَةُ القائِلِينَ لِمَ تَعِظُونَ، فَما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا وهَلَكَ سائِرُهم، فَأصْبَحَ الَّذِينَ نَهَوْا ذاتَ غَداةٍ في مَجالِسِهِمْ يَتَفَقَّدُونَ النّاسَ لا يَرَوْنَهم، وقَدْ باتُوا مِن لَيْلَتِهِمْ وغَلَّقُوا عَلَيْهِمْ دُورَهم، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إنَّ لِلنّاسِ لَشَأْنًا فانْظُرُوا ما شَأْنُهم ؟ فاطَّلَعُوا في دَوْرِهِمْ فَإذا القَوْمُ قَدْ مُسِخُوا يَعْرِفُونَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وإنَّهُ لَقِرْدٌ، والمَرْأةَ بِعَيْنِها وإنَّها لَقِرْدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وفي آخِرِها أنَّهُ قالَ: فَأرى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا ولا أرى الآخَرِينَ ذُكِرُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها ولا نَقُولُ فِيها.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ وخالَفُوهم، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم قالَ: فَأمَرَ بِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أيْضًا قالَ: نَجا النّاهُونَ وهَلَكَ الفاعِلُونَ، ولا أدْرِي ما صُنِعَ بِالسّاكِتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أكُونَ عَلِمْتُ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا نَجَوْا مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا عَنِ السُّوءِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَدَلَ بِهِ.
وفِي لَفْظٍ: مِن حُمْرِ النَّعَمِ ولَكِنْ أخافَ أنْ تَكُونَ العُقُوبَةُ نَزَلَتْ بِهِمْ جَمِيعًا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أدْرِي أنَجا الَّذِينَ قالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أمْ لا ؟ قالَ: فَما زِلْتُ أبْصُرُهُ حَتّى عَرَفَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا فَكَسانِي حُلَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسِخُوا حِجارَةً الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قالَ: ألِيمٍ وجِيعٍ.
الأعراف 7:167
قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم وقْتَ تَأذَّنَ رَبُّكَ، وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنِ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: آذَنَ بِالمَدِّ: أعْلَمَ، وأذَّنَ بِالتَّشْدِيدِ نادى.
وقالَ قَوْمٌ: كِلاهُما بِمَعْنى أعْلَمَ كَما يُقالُ: أيْقَنَ وتَيَقَّنَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: واسْألْهم وقْتَ أنْ وقَعَ الإعْلامُ لَهم مِن رَبِّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وفي هَذا الفِعْلِ مَعْنى القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ حَيْثُ قالَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطَنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ( الإسْراءِ: ٥ ) إلى يَوْمِ القِيامَةِ غايَةً لِسَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ مِمَّنْ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا أقْماهُمُ اللَّهُ هَكَذا أذِلّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ مُعَذَّبِينَ بِأيْدِي أهْلِ المِلَلِ، وهَكَذا هم في هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ في كُلِّ قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ في الذِّلَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ والعَذابِ والصَّغارِ، يُسَلِّمُونَ الجِزْيَةَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ ويَمْتَهِنُهُمُ المُسْلِمُونَ فِيما فِيهِ ذِلَّةٌ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها غَيْرُهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ.
ومَعْنى يَسُومُهم (p-٥٠٩)يُذِيقُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاجِلُ بِهِ في الدُّنْيا كَما وقَعَ لِهَؤُلاءِ ﴿بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ.
١٦٨ - ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ﴾ أيْ فَرَّقْناهم في جَوانِبِها، أوْ شَتَّتْنا أمْرَهم فَلَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، و" أُمَمًا " مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرْنا، وجُمْلَةُ مِنهُمُ الصّالِحُونَ بَدَلٌ مِن أُمَمًا، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن ماتَ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا وراءَ الصِّينِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَبْلَ هَذا ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ دُونَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَتْ بِهِ الطّائِفَةُ الأُولى وهو الصَّلاحُ، ومَحَلُّ " دُونَ ذَلِكَ " الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنهم أُناسٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ هم مَن لَمْ يُؤْمِن، بَلِ انْهَمَكَ في المُخالَفَةِ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
قالَ النَّحّاسُ دُونَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيِ امْتَحَنّاهم بِالخَيْرِ والشَّرِّ رَجاءَ أنْ يَرْجِعُوا مِمّا هم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ المُرادُ بِهِمْ أوْلادُ الَّذِينَ قَطَّعَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: الخَلْفُ بِسُكُونِ اللّامِ: الأوْلادُ، الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ.
والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ البَدَلُ: ولَدًا كانَ أوْ غَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلَفُ بِالفَتْحِ الصّالِحُ، وبِالسُّكُونِ الطّالِحُ.
قالَ لَبِيَدٌ:
؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهُ قِيلَ: لِلرَّدِيءِ مِنَ الكَلامِ خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَعْرِضُ لَهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ وقُوَّةِ نَهْمَتِهِمْ، والأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ: أيْ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، وهو الدُّنْيا يَتَعَجَّلُونَ مَصالِحَها بِالرِّشاءِ وما هو مَجْعُولٌ لَهم مِنَ السُّحْتِ في مُقابَلَةِ تَحْرِيفِهِمْ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وتَهْوِينِهِمْ لِلْعَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ وكَتْمِهِمْ لِما يَكْتُمُونَهُ مِنها، وقِيلَ: إنَّ الأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ: أيْ إنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الشَّيْءِ الدَّنِيءِ السّاقِطِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم بِالمَغْفِرَةِ مَعَ تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الحَقِّ، وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَتَعَلَّلُونَ بِالمَغْفِرَةِ، والحالُ أنَّهم إذا أتاهم عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ أخَذُوهُ غَيْرَ مُبالِينَ بِالعُقُوبَةِ ولا خائِفِينَ مِنَ التَّبِعَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَأْتِيهِمْ لِيَهُودِ المَدِينَةِ: أيْ وإنْ يَأْتِ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ هم في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانَ يَأْخُذُهُ أسْلافُهم أخَذُوهُ كَما أخَذَهُ أسْلافُهم ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وجُمْلَةُ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى " يُؤْخَذُ " عَلى المَعْنى، وقِيلَ: عَلى " ورِثُوا الكِتابَ "، والأوْلى أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
والمَعْنى: أنَّهم تَرَكُوا العَمَلَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ، والحالُ أنْ قَدْ دَرَسُوا ما في الكِتابِ وعَلِمُوهُ فَكانَ التَّرْكُ مِنهم عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ ذَنْبًا وأعْظَمُ جُرْمًا.
وقِيلَ: مَعْنى دَرَسُوا ما فِيهِ أيْ مَحْوَهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ: إذا مَحَتْها والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ العَرَضِ الَّذِي أخَذُوهُ وآثَرُوهُ عَلَيْها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيهِ أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُونَ بِهَذا وتَفْهَمُونَهُ، وفي هَذا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُمَسِّكُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَسَّكَ وتَمَسَّكَ: أيِ اسْتَمْسَكَ بِالكِتابِ وهو التَّوْراةُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْسَكَ يُمْسِكُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ " مَسَكُوا " والمَعْنى: أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ مَعَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَرَسُوهُ وعَرَفُوهُ وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وطائِفَةٌ يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ: أيِ التَّوْراةِ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ فَهُمُ المُحْسِنُونَ الَّذِينَ لا يَضِيعُ أجْرُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، و﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرُهُ: أيْ لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإنَّما وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلى الصَّلاةِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً في سائِرِ العِباداتِ الَّتِي يَفْعَلُها المُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها رَأسُ العِباداتِ وأعْظَمُها، فَكانَ ذَلِكَ وجْهًا لِتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّها تُقامُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ مُسْتَمِرٌّ فَذُكِرَتْ لِهَذا، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في الغالِبِ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، ولِكَوْنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وسُوءُ العَذابِ: الجِزْيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: سُوءُ العَذابِ الخَراجُ، وفي قَوْلِهِ: وقَطَّعْناهم قالَ: هُمُ اليَهُودُ بَسَطَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ فَلَيْسَ مِنها بُقْعَةٌ إلّا وفِيها عِصابَةٌ مِنهم وطائِفَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ وهم صاغِرُونَ ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ قالَ: يَهُودُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم مُسْلِمَةُ (p-٥١٠)أهْلِ الكِتابِ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ قالَ: الرَّخاءِ والعافِيَةِ ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ قالَ: البَلاءِ والعُقُوبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِالخِصْبِ والجَدْبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: أقْوامٌ يُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا فَيَأْكُلُونَها ويَتَّبِعُونَ رُخَصَ القُرْآنِ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا يَعْرِضُ لَهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إلّا أخَذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ قالَ: النَّصارى يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: ما أشْرَفَ لَهم مِن شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَلالًا أوْ حَرامًا يَشْتَهُونَهُ أخَذُوهُ ويَتَمَنَّوْنَ المَغْفِرَةَ، وإنْ يَجِدُوا الغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيَةَ يَقُولُ: يَأْخُذُونَ ما أصابُوا ويَتْرُكُونَ ما شاؤُوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ فِيما يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ مِن غُفْرانِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ودَرَسُوا ما فِيهِ قالَ: عَلِمُوا ما في الكِتابِ لَمْ يَأْتُوهُ بِجَهالَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: هي لِأهْلِ الإيمانِ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
الأعراف 7:168
قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم وقْتَ تَأذَّنَ رَبُّكَ، وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنِ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: آذَنَ بِالمَدِّ: أعْلَمَ، وأذَّنَ بِالتَّشْدِيدِ نادى.
وقالَ قَوْمٌ: كِلاهُما بِمَعْنى أعْلَمَ كَما يُقالُ: أيْقَنَ وتَيَقَّنَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: واسْألْهم وقْتَ أنْ وقَعَ الإعْلامُ لَهم مِن رَبِّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وفي هَذا الفِعْلِ مَعْنى القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ حَيْثُ قالَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطَنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ( الإسْراءِ: ٥ ) إلى يَوْمِ القِيامَةِ غايَةً لِسَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ مِمَّنْ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا أقْماهُمُ اللَّهُ هَكَذا أذِلّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ مُعَذَّبِينَ بِأيْدِي أهْلِ المِلَلِ، وهَكَذا هم في هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ في كُلِّ قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ في الذِّلَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ والعَذابِ والصَّغارِ، يُسَلِّمُونَ الجِزْيَةَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ ويَمْتَهِنُهُمُ المُسْلِمُونَ فِيما فِيهِ ذِلَّةٌ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها غَيْرُهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ.
ومَعْنى يَسُومُهم (p-٥٠٩)يُذِيقُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاجِلُ بِهِ في الدُّنْيا كَما وقَعَ لِهَؤُلاءِ ﴿بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ.
١٦٨ - ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ﴾ أيْ فَرَّقْناهم في جَوانِبِها، أوْ شَتَّتْنا أمْرَهم فَلَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، و" أُمَمًا " مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرْنا، وجُمْلَةُ مِنهُمُ الصّالِحُونَ بَدَلٌ مِن أُمَمًا، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن ماتَ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا وراءَ الصِّينِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَبْلَ هَذا ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ دُونَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَتْ بِهِ الطّائِفَةُ الأُولى وهو الصَّلاحُ، ومَحَلُّ " دُونَ ذَلِكَ " الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنهم أُناسٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ هم مَن لَمْ يُؤْمِن، بَلِ انْهَمَكَ في المُخالَفَةِ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
قالَ النَّحّاسُ دُونَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيِ امْتَحَنّاهم بِالخَيْرِ والشَّرِّ رَجاءَ أنْ يَرْجِعُوا مِمّا هم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ المُرادُ بِهِمْ أوْلادُ الَّذِينَ قَطَّعَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: الخَلْفُ بِسُكُونِ اللّامِ: الأوْلادُ، الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ.
والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ البَدَلُ: ولَدًا كانَ أوْ غَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلَفُ بِالفَتْحِ الصّالِحُ، وبِالسُّكُونِ الطّالِحُ.
قالَ لَبِيَدٌ:
؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهُ قِيلَ: لِلرَّدِيءِ مِنَ الكَلامِ خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَعْرِضُ لَهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ وقُوَّةِ نَهْمَتِهِمْ، والأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ: أيْ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، وهو الدُّنْيا يَتَعَجَّلُونَ مَصالِحَها بِالرِّشاءِ وما هو مَجْعُولٌ لَهم مِنَ السُّحْتِ في مُقابَلَةِ تَحْرِيفِهِمْ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وتَهْوِينِهِمْ لِلْعَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ وكَتْمِهِمْ لِما يَكْتُمُونَهُ مِنها، وقِيلَ: إنَّ الأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ: أيْ إنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الشَّيْءِ الدَّنِيءِ السّاقِطِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم بِالمَغْفِرَةِ مَعَ تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الحَقِّ، وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَتَعَلَّلُونَ بِالمَغْفِرَةِ، والحالُ أنَّهم إذا أتاهم عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ أخَذُوهُ غَيْرَ مُبالِينَ بِالعُقُوبَةِ ولا خائِفِينَ مِنَ التَّبِعَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَأْتِيهِمْ لِيَهُودِ المَدِينَةِ: أيْ وإنْ يَأْتِ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ هم في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانَ يَأْخُذُهُ أسْلافُهم أخَذُوهُ كَما أخَذَهُ أسْلافُهم ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وجُمْلَةُ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى " يُؤْخَذُ " عَلى المَعْنى، وقِيلَ: عَلى " ورِثُوا الكِتابَ "، والأوْلى أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
والمَعْنى: أنَّهم تَرَكُوا العَمَلَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ، والحالُ أنْ قَدْ دَرَسُوا ما في الكِتابِ وعَلِمُوهُ فَكانَ التَّرْكُ مِنهم عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ ذَنْبًا وأعْظَمُ جُرْمًا.
وقِيلَ: مَعْنى دَرَسُوا ما فِيهِ أيْ مَحْوَهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ: إذا مَحَتْها والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ العَرَضِ الَّذِي أخَذُوهُ وآثَرُوهُ عَلَيْها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيهِ أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُونَ بِهَذا وتَفْهَمُونَهُ، وفي هَذا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُمَسِّكُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَسَّكَ وتَمَسَّكَ: أيِ اسْتَمْسَكَ بِالكِتابِ وهو التَّوْراةُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْسَكَ يُمْسِكُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ " مَسَكُوا " والمَعْنى: أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ مَعَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَرَسُوهُ وعَرَفُوهُ وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وطائِفَةٌ يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ: أيِ التَّوْراةِ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ فَهُمُ المُحْسِنُونَ الَّذِينَ لا يَضِيعُ أجْرُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، و﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرُهُ: أيْ لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإنَّما وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلى الصَّلاةِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً في سائِرِ العِباداتِ الَّتِي يَفْعَلُها المُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها رَأسُ العِباداتِ وأعْظَمُها، فَكانَ ذَلِكَ وجْهًا لِتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّها تُقامُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ مُسْتَمِرٌّ فَذُكِرَتْ لِهَذا، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في الغالِبِ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، ولِكَوْنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وسُوءُ العَذابِ: الجِزْيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: سُوءُ العَذابِ الخَراجُ، وفي قَوْلِهِ: وقَطَّعْناهم قالَ: هُمُ اليَهُودُ بَسَطَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ فَلَيْسَ مِنها بُقْعَةٌ إلّا وفِيها عِصابَةٌ مِنهم وطائِفَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ وهم صاغِرُونَ ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ قالَ: يَهُودُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم مُسْلِمَةُ (p-٥١٠)أهْلِ الكِتابِ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ قالَ: الرَّخاءِ والعافِيَةِ ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ قالَ: البَلاءِ والعُقُوبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِالخِصْبِ والجَدْبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: أقْوامٌ يُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا فَيَأْكُلُونَها ويَتَّبِعُونَ رُخَصَ القُرْآنِ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا يَعْرِضُ لَهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إلّا أخَذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ قالَ: النَّصارى يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: ما أشْرَفَ لَهم مِن شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَلالًا أوْ حَرامًا يَشْتَهُونَهُ أخَذُوهُ ويَتَمَنَّوْنَ المَغْفِرَةَ، وإنْ يَجِدُوا الغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيَةَ يَقُولُ: يَأْخُذُونَ ما أصابُوا ويَتْرُكُونَ ما شاؤُوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ فِيما يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ مِن غُفْرانِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ودَرَسُوا ما فِيهِ قالَ: عَلِمُوا ما في الكِتابِ لَمْ يَأْتُوهُ بِجَهالَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: هي لِأهْلِ الإيمانِ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
الأعراف 7:169
قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم وقْتَ تَأذَّنَ رَبُّكَ، وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنِ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: آذَنَ بِالمَدِّ: أعْلَمَ، وأذَّنَ بِالتَّشْدِيدِ نادى.
وقالَ قَوْمٌ: كِلاهُما بِمَعْنى أعْلَمَ كَما يُقالُ: أيْقَنَ وتَيَقَّنَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: واسْألْهم وقْتَ أنْ وقَعَ الإعْلامُ لَهم مِن رَبِّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وفي هَذا الفِعْلِ مَعْنى القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ حَيْثُ قالَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطَنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ( الإسْراءِ: ٥ ) إلى يَوْمِ القِيامَةِ غايَةً لِسَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ مِمَّنْ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا أقْماهُمُ اللَّهُ هَكَذا أذِلّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ مُعَذَّبِينَ بِأيْدِي أهْلِ المِلَلِ، وهَكَذا هم في هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ في كُلِّ قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ في الذِّلَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ والعَذابِ والصَّغارِ، يُسَلِّمُونَ الجِزْيَةَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ ويَمْتَهِنُهُمُ المُسْلِمُونَ فِيما فِيهِ ذِلَّةٌ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها غَيْرُهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ.
ومَعْنى يَسُومُهم (p-٥٠٩)يُذِيقُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاجِلُ بِهِ في الدُّنْيا كَما وقَعَ لِهَؤُلاءِ ﴿بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ.
١٦٨ - ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ﴾ أيْ فَرَّقْناهم في جَوانِبِها، أوْ شَتَّتْنا أمْرَهم فَلَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، و" أُمَمًا " مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرْنا، وجُمْلَةُ مِنهُمُ الصّالِحُونَ بَدَلٌ مِن أُمَمًا، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن ماتَ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا وراءَ الصِّينِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَبْلَ هَذا ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ دُونَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَتْ بِهِ الطّائِفَةُ الأُولى وهو الصَّلاحُ، ومَحَلُّ " دُونَ ذَلِكَ " الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنهم أُناسٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ هم مَن لَمْ يُؤْمِن، بَلِ انْهَمَكَ في المُخالَفَةِ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
قالَ النَّحّاسُ دُونَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيِ امْتَحَنّاهم بِالخَيْرِ والشَّرِّ رَجاءَ أنْ يَرْجِعُوا مِمّا هم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ المُرادُ بِهِمْ أوْلادُ الَّذِينَ قَطَّعَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: الخَلْفُ بِسُكُونِ اللّامِ: الأوْلادُ، الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ.
والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ البَدَلُ: ولَدًا كانَ أوْ غَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلَفُ بِالفَتْحِ الصّالِحُ، وبِالسُّكُونِ الطّالِحُ.
قالَ لَبِيَدٌ:
؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهُ قِيلَ: لِلرَّدِيءِ مِنَ الكَلامِ خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَعْرِضُ لَهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ وقُوَّةِ نَهْمَتِهِمْ، والأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ: أيْ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، وهو الدُّنْيا يَتَعَجَّلُونَ مَصالِحَها بِالرِّشاءِ وما هو مَجْعُولٌ لَهم مِنَ السُّحْتِ في مُقابَلَةِ تَحْرِيفِهِمْ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وتَهْوِينِهِمْ لِلْعَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ وكَتْمِهِمْ لِما يَكْتُمُونَهُ مِنها، وقِيلَ: إنَّ الأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ: أيْ إنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الشَّيْءِ الدَّنِيءِ السّاقِطِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم بِالمَغْفِرَةِ مَعَ تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الحَقِّ، وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَتَعَلَّلُونَ بِالمَغْفِرَةِ، والحالُ أنَّهم إذا أتاهم عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ أخَذُوهُ غَيْرَ مُبالِينَ بِالعُقُوبَةِ ولا خائِفِينَ مِنَ التَّبِعَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَأْتِيهِمْ لِيَهُودِ المَدِينَةِ: أيْ وإنْ يَأْتِ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ هم في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانَ يَأْخُذُهُ أسْلافُهم أخَذُوهُ كَما أخَذَهُ أسْلافُهم ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وجُمْلَةُ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى " يُؤْخَذُ " عَلى المَعْنى، وقِيلَ: عَلى " ورِثُوا الكِتابَ "، والأوْلى أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
والمَعْنى: أنَّهم تَرَكُوا العَمَلَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ، والحالُ أنْ قَدْ دَرَسُوا ما في الكِتابِ وعَلِمُوهُ فَكانَ التَّرْكُ مِنهم عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ ذَنْبًا وأعْظَمُ جُرْمًا.
وقِيلَ: مَعْنى دَرَسُوا ما فِيهِ أيْ مَحْوَهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ: إذا مَحَتْها والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ العَرَضِ الَّذِي أخَذُوهُ وآثَرُوهُ عَلَيْها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيهِ أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُونَ بِهَذا وتَفْهَمُونَهُ، وفي هَذا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُمَسِّكُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَسَّكَ وتَمَسَّكَ: أيِ اسْتَمْسَكَ بِالكِتابِ وهو التَّوْراةُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْسَكَ يُمْسِكُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ " مَسَكُوا " والمَعْنى: أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ مَعَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَرَسُوهُ وعَرَفُوهُ وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وطائِفَةٌ يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ: أيِ التَّوْراةِ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ فَهُمُ المُحْسِنُونَ الَّذِينَ لا يَضِيعُ أجْرُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، و﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرُهُ: أيْ لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإنَّما وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلى الصَّلاةِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً في سائِرِ العِباداتِ الَّتِي يَفْعَلُها المُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها رَأسُ العِباداتِ وأعْظَمُها، فَكانَ ذَلِكَ وجْهًا لِتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّها تُقامُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ مُسْتَمِرٌّ فَذُكِرَتْ لِهَذا، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في الغالِبِ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، ولِكَوْنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وسُوءُ العَذابِ: الجِزْيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: سُوءُ العَذابِ الخَراجُ، وفي قَوْلِهِ: وقَطَّعْناهم قالَ: هُمُ اليَهُودُ بَسَطَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ فَلَيْسَ مِنها بُقْعَةٌ إلّا وفِيها عِصابَةٌ مِنهم وطائِفَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ وهم صاغِرُونَ ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ قالَ: يَهُودُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم مُسْلِمَةُ (p-٥١٠)أهْلِ الكِتابِ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ قالَ: الرَّخاءِ والعافِيَةِ ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ قالَ: البَلاءِ والعُقُوبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِالخِصْبِ والجَدْبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: أقْوامٌ يُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا فَيَأْكُلُونَها ويَتَّبِعُونَ رُخَصَ القُرْآنِ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا يَعْرِضُ لَهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إلّا أخَذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ قالَ: النَّصارى يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: ما أشْرَفَ لَهم مِن شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَلالًا أوْ حَرامًا يَشْتَهُونَهُ أخَذُوهُ ويَتَمَنَّوْنَ المَغْفِرَةَ، وإنْ يَجِدُوا الغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيَةَ يَقُولُ: يَأْخُذُونَ ما أصابُوا ويَتْرُكُونَ ما شاؤُوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ فِيما يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ مِن غُفْرانِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ودَرَسُوا ما فِيهِ قالَ: عَلِمُوا ما في الكِتابِ لَمْ يَأْتُوهُ بِجَهالَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: هي لِأهْلِ الإيمانِ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
الأعراف 7:170
قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم وقْتَ تَأذَّنَ رَبُّكَ، وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنِ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: آذَنَ بِالمَدِّ: أعْلَمَ، وأذَّنَ بِالتَّشْدِيدِ نادى.
وقالَ قَوْمٌ: كِلاهُما بِمَعْنى أعْلَمَ كَما يُقالُ: أيْقَنَ وتَيَقَّنَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: واسْألْهم وقْتَ أنْ وقَعَ الإعْلامُ لَهم مِن رَبِّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وفي هَذا الفِعْلِ مَعْنى القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ حَيْثُ قالَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطَنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ( الإسْراءِ: ٥ ) إلى يَوْمِ القِيامَةِ غايَةً لِسَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ مِمَّنْ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا أقْماهُمُ اللَّهُ هَكَذا أذِلّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ مُعَذَّبِينَ بِأيْدِي أهْلِ المِلَلِ، وهَكَذا هم في هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ في كُلِّ قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ في الذِّلَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ والعَذابِ والصَّغارِ، يُسَلِّمُونَ الجِزْيَةَ بِحَقْنِ دِمائِهِمْ ويَمْتَهِنُهُمُ المُسْلِمُونَ فِيما فِيهِ ذِلَّةٌ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها غَيْرُهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ.
ومَعْنى يَسُومُهم (p-٥٠٩)يُذِيقُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاجِلُ بِهِ في الدُّنْيا كَما وقَعَ لِهَؤُلاءِ ﴿بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ.
١٦٨ - ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ﴾ أيْ فَرَّقْناهم في جَوانِبِها، أوْ شَتَّتْنا أمْرَهم فَلَمْ تَجْتَمِعْ لَهم كَلِمَةٌ، و" أُمَمًا " مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرْنا، وجُمْلَةُ مِنهُمُ الصّالِحُونَ بَدَلٌ مِن أُمَمًا، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن ماتَ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا وراءَ الصِّينِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَبْلَ هَذا ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ دُونَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَتْ بِهِ الطّائِفَةُ الأُولى وهو الصَّلاحُ، ومَحَلُّ " دُونَ ذَلِكَ " الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنهم أُناسٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ هم مَن لَمْ يُؤْمِن، بَلِ انْهَمَكَ في المُخالَفَةِ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
قالَ النَّحّاسُ دُونَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيِ امْتَحَنّاهم بِالخَيْرِ والشَّرِّ رَجاءَ أنْ يَرْجِعُوا مِمّا هم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ المُرادُ بِهِمْ أوْلادُ الَّذِينَ قَطَّعَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: الخَلْفُ بِسُكُونِ اللّامِ: الأوْلادُ، الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ.
والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ البَدَلُ: ولَدًا كانَ أوْ غَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلَفُ بِالفَتْحِ الصّالِحُ، وبِالسُّكُونِ الطّالِحُ.
قالَ لَبِيَدٌ:
؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهُ قِيلَ: لِلرَّدِيءِ مِنَ الكَلامِ خَلْفٌ بِالسُّكُونِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَعْرِضُ لَهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ وقُوَّةِ نَهْمَتِهِمْ، والأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ: أيْ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، وهو الدُّنْيا يَتَعَجَّلُونَ مَصالِحَها بِالرِّشاءِ وما هو مَجْعُولٌ لَهم مِنَ السُّحْتِ في مُقابَلَةِ تَحْرِيفِهِمْ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وتَهْوِينِهِمْ لِلْعَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ وكَتْمِهِمْ لِما يَكْتُمُونَهُ مِنها، وقِيلَ: إنَّ الأدْنى مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ: أيْ إنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الشَّيْءِ الدَّنِيءِ السّاقِطِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم بِالمَغْفِرَةِ مَعَ تَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الحَقِّ، وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ حالِهِمْ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ يَقُولُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَتَعَلَّلُونَ بِالمَغْفِرَةِ، والحالُ أنَّهم إذا أتاهم عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَهُ أخَذُوهُ غَيْرَ مُبالِينَ بِالعُقُوبَةِ ولا خائِفِينَ مِنَ التَّبِعَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في يَأْتِيهِمْ لِيَهُودِ المَدِينَةِ: أيْ وإنْ يَأْتِ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ هم في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَرَضٌ مِثْلُ العَرَضِ الَّذِي كانَ يَأْخُذُهُ أسْلافُهم أخَذُوهُ كَما أخَذَهُ أسْلافُهم ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وجُمْلَةُ ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى " يُؤْخَذُ " عَلى المَعْنى، وقِيلَ: عَلى " ورِثُوا الكِتابَ "، والأوْلى أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
والمَعْنى: أنَّهم تَرَكُوا العَمَلَ بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في الكِتابِ، والحالُ أنْ قَدْ دَرَسُوا ما في الكِتابِ وعَلِمُوهُ فَكانَ التَّرْكُ مِنهم عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ ذَنْبًا وأعْظَمُ جُرْمًا.
وقِيلَ: مَعْنى دَرَسُوا ما فِيهِ أيْ مَحْوَهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ: إذا مَحَتْها والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ العَرَضِ الَّذِي أخَذُوهُ وآثَرُوهُ عَلَيْها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيهِ أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُونَ بِهَذا وتَفْهَمُونَهُ، وفي هَذا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُمَسِّكُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَسَّكَ وتَمَسَّكَ: أيِ اسْتَمْسَكَ بِالكِتابِ وهو التَّوْراةُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْسَكَ يُمْسِكُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ " مَسَكُوا " والمَعْنى: أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ مَعَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَرَسُوهُ وعَرَفُوهُ وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وطائِفَةٌ يَتَمَسَّكُونَ بِالكِتابِ: أيِ التَّوْراةِ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ فَهُمُ المُحْسِنُونَ الَّذِينَ لا يَضِيعُ أجْرُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، و﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرُهُ: أيْ لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإنَّما وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلى الصَّلاةِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً في سائِرِ العِباداتِ الَّتِي يَفْعَلُها المُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها رَأسُ العِباداتِ وأعْظَمُها، فَكانَ ذَلِكَ وجْهًا لِتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّها تُقامُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ مُسْتَمِرٌّ فَذُكِرَتْ لِهَذا، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ كُلَّ عِبادَةٍ في الغالِبِ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، ولِكَوْنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وسُوءُ العَذابِ: الجِزْيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: سُوءُ العَذابِ الخَراجُ، وفي قَوْلِهِ: وقَطَّعْناهم قالَ: هُمُ اليَهُودُ بَسَطَهُمُ اللَّهُ في الأرْضِ فَلَيْسَ مِنها بُقْعَةٌ إلّا وفِيها عِصابَةٌ مِنهم وطائِفَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ وهم صاغِرُونَ ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ قالَ: يَهُودُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم مُسْلِمَةُ (p-٥١٠)أهْلِ الكِتابِ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ قالَ: الرَّخاءِ والعافِيَةِ ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ قالَ: البَلاءِ والعُقُوبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِالخِصْبِ والجَدْبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: أقْوامٌ يُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا فَيَأْكُلُونَها ويَتَّبِعُونَ رُخَصَ القُرْآنِ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا يَعْرِضُ لَهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا إلّا أخَذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ قالَ: النَّصارى يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى قالَ: ما أشْرَفَ لَهم مِن شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَلالًا أوْ حَرامًا يَشْتَهُونَهُ أخَذُوهُ ويَتَمَنَّوْنَ المَغْفِرَةَ، وإنْ يَجِدُوا الغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيَةَ يَقُولُ: يَأْخُذُونَ ما أصابُوا ويَتْرُكُونَ ما شاؤُوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ فِيما يُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ مِن غُفْرانِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ودَرَسُوا ما فِيهِ قالَ: عَلِمُوا ما في الكِتابِ لَمْ يَأْتُوهُ بِجَهالَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: هي لِأهْلِ الإيمانِ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ قالَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
الأعراف 7:171
قَوْلُهُ وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم إذْ نَتَقْنا الجَبَلَ: أيْ رَفَعْنا الجَبَلَ فَوْقَهم و" كَأنَّهُ ظُلَّةٌ " أيْ كَأنَّهُ لِارْتِفاعِهِ سَحابَةٌ تُظِلُّهم، والظُّلَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما أظَلَّ، وقُرِئَ " طُلَّةٌ " بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أيْ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ.
قِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: هو عَلى بابِهِ " خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا لَهم خُذُوا، والقُوَّةُ: الجِدُّ والعَزِيمَةُ: أيْ أخْذًا كائِنًا بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم، ولا تُنْسُوهُ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ رَجاءَ أنْ تَتَّقُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ وتَعْمَلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما هُنا في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِدْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ يَقُولُ: رَفَعْناهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ ( النِّساءِ: ١٥٤ ) فَقالَ: خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ وإلّا أرْسَلْتُهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: رَفَعَتْهُ المَلائِكَةُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقِيلَ: لَهم: خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ فَكانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنِّي لَأعْلَمُ لِمَ تَسْجُدُ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ قالَ اللَّهُ: وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم قالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَسَجَدُوا وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ سُبْحانَهُ فاتَّخَذُوها سُنَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ قالَ: انْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أصْلِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ.
الأعراف 7:172
قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.
قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ (p-٥١١)كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.
وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ ويَتْرُكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وأحْمَدُ، في المُسْنَدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، في صَحِيحِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْألُ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا إلى قَوْلِهِ:» المُبْطِلُونَ. وإسْنادُهُ لا مَطْعَنَ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَندَهْ، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ المُشْطُ مِنَ الرَّأْسِ، فَقالَ لَهم: ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى، قالَتِ المَلائِكَةُ: شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ» وفي إسْنادِهِ أحْمَدُ بْنُ أبِي ظَيْبَةَ أبُو مُحَمَّدٍ الجُرْجانِيُّ قاضِي قَوْمَسَ كانَ أحَدَ الزُّهّادِ وأخْرَجَ لَهُ النَّسائِيُّ، في سُنَنِهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ غَرائِبَ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةٌ ثِقاتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا: بَلى» الحَدِيثَ والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ بَعْضُها مُقَيَّدٌ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْضُها مُطْلَقٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ إخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ كَما في حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأمّا المَرْوِيُّ عَنِ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن صُلْبِهِ في عالَمِ الذَّرِّ وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وإشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي كَثِيرَةٌ، مِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وأخَذَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ ولَدَهُ مِن ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ رَبُّهم وكَتَبَ آجالَهم وأرْزاقَهم ومُصِيباتِهِمْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: أخَذَهم كَما يَأْخُذُ المُشْطَ مِنَ الرَّأْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في رِوايَةِ المُسْنَدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ عَساكِرَ، في تارِيخِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وفِيما قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِها مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ ما يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ.
الأعراف 7:173
قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.
قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ (p-٥١١)كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.
وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ ويَتْرُكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وأحْمَدُ، في المُسْنَدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، في صَحِيحِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْألُ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا إلى قَوْلِهِ:» المُبْطِلُونَ. وإسْنادُهُ لا مَطْعَنَ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَندَهْ، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ المُشْطُ مِنَ الرَّأْسِ، فَقالَ لَهم: ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى، قالَتِ المَلائِكَةُ: شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ» وفي إسْنادِهِ أحْمَدُ بْنُ أبِي ظَيْبَةَ أبُو مُحَمَّدٍ الجُرْجانِيُّ قاضِي قَوْمَسَ كانَ أحَدَ الزُّهّادِ وأخْرَجَ لَهُ النَّسائِيُّ، في سُنَنِهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ غَرائِبَ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةٌ ثِقاتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا: بَلى» الحَدِيثَ والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ بَعْضُها مُقَيَّدٌ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْضُها مُطْلَقٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ إخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ كَما في حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأمّا المَرْوِيُّ عَنِ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن صُلْبِهِ في عالَمِ الذَّرِّ وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وإشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي كَثِيرَةٌ، مِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وأخَذَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ ولَدَهُ مِن ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ رَبُّهم وكَتَبَ آجالَهم وأرْزاقَهم ومُصِيباتِهِمْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: أخَذَهم كَما يَأْخُذُ المُشْطَ مِنَ الرَّأْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في رِوايَةِ المُسْنَدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ عَساكِرَ، في تارِيخِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وفِيما قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِها مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ ما يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ.
الأعراف 7:174
قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.
قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ (p-٥١١)كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.
وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ ويَتْرُكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ وأحْمَدُ، في المُسْنَدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، في صَحِيحِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْألُ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا إلى قَوْلِهِ:» المُبْطِلُونَ. وإسْنادُهُ لا مَطْعَنَ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَندَهْ، في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ، قالَ: أخَذَهم مِن ظَهْرِهِ كَما يُؤْخَذُ المُشْطُ مِنَ الرَّأْسِ، فَقالَ لَهم: ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى، قالَتِ المَلائِكَةُ: شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ» وفي إسْنادِهِ أحْمَدُ بْنُ أبِي ظَيْبَةَ أبُو مُحَمَّدٍ الجُرْجانِيُّ قاضِي قَوْمَسَ كانَ أحَدَ الزُّهّادِ وأخْرَجَ لَهُ النَّسائِيُّ، في سُنَنِهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ غَرائِبَ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةٌ ثِقاتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا: بَلى» الحَدِيثَ والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ بَعْضُها مُقَيَّدٌ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْضُها مُطْلَقٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِكْرِ إخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ كَما في حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأمّا المَرْوِيُّ عَنِ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن صُلْبِهِ في عالَمِ الذَّرِّ وأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وإشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي كَثِيرَةٌ، مِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ عَبْدِ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وأخَذَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ ولَدَهُ مِن ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ رَبُّهم وكَتَبَ آجالَهم وأرْزاقَهم ومُصِيباتِهِمْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: أخَذَهم كَما يَأْخُذُ المُشْطَ مِنَ الرَّأْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في رِوايَةِ المُسْنَدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وابْنُ عَساكِرَ، في تارِيخِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ قالَ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِإخْراجِ ذَرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وفِيما قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِها مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ ما يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ.
الأعراف 7:175
(p-٥١٢)قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: فَصارَ لَمّا انْسَلَخَ عَنِ الآياتِ ولَمْ يَعْمَلْ بِها مُنْحَطًّا إلى أسْفَلِ رُتْبَةٍ، مُشابِهًا لِأخَسِّ الحَيَواناتِ في الدَّناءَةِ مُماثِلًا لَهُ في أقْبَحِ أوْصافِهِ، وهو أنَّهُ يَلْهَثُ في كِلا حالَتَيْ قَصْدِ الإنْسانِ لَهُ وتَرْكِهِ، فَهو لاهِثٌ سَواءً زُجِرَ أوْ تُرِكَ، طُرِدَ أوْ لَمْ يُطْرَدْ، شُدَّ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُشَدَّ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ شَيْءٌ، وجُمْلَةُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ حالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ عَنِ الآياتِ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ سَواءٌ وعَظَهَ الواعِظُ، وذَكَّرَهُ المُذَكِّرُ، وزَجَرَهُ الزّاجِرُ، أوْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ، إلّا الكَلْبُ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ، وحالِ الرّاحَةِ وحالِ المَرَضِ، وحالِ الصِّحَّةِ، وحالِ الرِّيِّ، وحالِ العَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، فَقالَ: إنْ وعَظْتَهُ ضَلَّ وإنْ تَرَكْتَهُ ضَلَّ، فَهو كالكَلْبِ إنْ تَرَكْتَهُ لَهَثَ وإنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ( الأعْرافِ: ١٩٣ ) واللَّهْثُ: إخْراجُ اللِّسانِ لِتَعَبٍ أوْ عَطَشٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: لَهَثَ الكَلْبُ بِالفَتْحِ يَلْهَثُ لَهْثًا ولُهاثًا بِالضَّمِّ إذا أخْرَجَ لِسانَهُ مِنَ التَّعَبِ أوِ العَطَشِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا أعْيا.
قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّكَ إذا حَمَلْتَ عَلى الكَلْبِ نَبَحَ ووَلّى هارِبًا، وإنْ تَرَكْتَهُ شَدَّ عَلَيْكَ ونَبَحَ، فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ مُقْبِلًا عَلَيْكَ ومُدْبِرًا عَنْكَ، فَيَعْتَرِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَعْتَرِيهِ عِنْدَ العَطَشِ مِن إخْراجِ اللِّسانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ.
وهُوَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ الخَسِيسُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِها وعَرَفُوها فَحَرَّفُوا وبَدَّلُوا وكَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكَذَّبُوا بِها فاقْصُصِ القَصَصَ أيْ فاقْصُصْ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصَ الَّذِي هو صِفَةُ الرَّجُلِ المُنْسَلِخِ عَنِ الآياتِ فَإنَّ مَثَلَهُ المَذْكُورَ كَمَثَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقُصُّ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ ويُعْمِلُونَ فِيهِ أفْهامَهم فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الضَّلالِ ويُقْبِلُونَ عَلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ حالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ البالِغَةِ في القُبْحِ إلى الغايَةِ: يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ قَبُحَ، فَهو لازِمٌ، وساءَهُ يَسُوؤُهُ مَساءَةً: فَهو مُتَعَدٍّ وهو مِن أفْعالِ الذَّمِّ: كَبِئْسَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ لِأجْلِ المُطابَقَةِ أيْ ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: جُعِلَ المَثَلُ القَوْمَ مَجازًا، والقَوْمُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: ساءَ المَثَلُ مَثَلًا هو مَثَلُ القَوْمِ، كَذا قالَ.
وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ " وساءَ مَثَلًا القَوْمُ " .
قَوْلُهُ: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم لا يَتَعَدّاها ظُلْمُهم إلى غَيْرِها ولا يَتَجاوَزُها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي (p-٥١٣)لَمّا أمَرَ بِهِ وشَرَعَهُ لِعِبادِهِ ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، مَن هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ: ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ بْنَ آبَزَ.
وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وفي لَفْظٍ: بَلْعامُ بْنُ باعَرَ الَّذِي أُوتِيَ الِاسْمَ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ، تَعَلَّمَ اسْمَ اللَّهِ الأكْبَرَ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِمْ مُوسى أتاهُ بَنُو عَمِّهِ وقَوْمُهُ فَقالُوا: إنَّ مُوسى رَجُلٌ حَدِيدٌ ومَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّهُ إنْ يَظْهَرْ عَلَيْنا يُهْلِكْنا، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ عَنّا مُوسى ومَن مَعَهُ، قالَ: إنِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ مُوسى ومَن مَعَهُ مَضَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَعا اللَّهَ فَسَلَخَ ما كانَ فِيهِ.
وفِي قَوْلِهِ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قالَ: إنْ حُمِّلَ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تُرِكَ لَمْ يَهْتَدِ لِخَيْرٍ كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ يُطْرَدْ لَهَثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِنَّ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَقالَتْ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً، قالَ: فَلَكِ واحِدَةٌ فَما الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا اللَّهَ فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً، فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ فَدَعا اللَّهَ فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبْتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ وسُمِّيَتِ البَسُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في الآيَةِ قالَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في صاحِبِكم أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ بَلْعامُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَتِ الأنْصارُ تَقُولُ: هو ابْنُ الرّاهِبِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وكانَتْ ثَقِيفُ تَقُولُ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: فانْسَلَخَ مِنها قالَ: نُزِعَ مِنهُ العِلْمُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ: رَفَعَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلُ فَلا هادِيَ لَهُ، أصْدَقُ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النّارِ ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .
الأعراف 7:176
(p-٥١٢)قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: فَصارَ لَمّا انْسَلَخَ عَنِ الآياتِ ولَمْ يَعْمَلْ بِها مُنْحَطًّا إلى أسْفَلِ رُتْبَةٍ، مُشابِهًا لِأخَسِّ الحَيَواناتِ في الدَّناءَةِ مُماثِلًا لَهُ في أقْبَحِ أوْصافِهِ، وهو أنَّهُ يَلْهَثُ في كِلا حالَتَيْ قَصْدِ الإنْسانِ لَهُ وتَرْكِهِ، فَهو لاهِثٌ سَواءً زُجِرَ أوْ تُرِكَ، طُرِدَ أوْ لَمْ يُطْرَدْ، شُدَّ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُشَدَّ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ شَيْءٌ، وجُمْلَةُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ حالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ عَنِ الآياتِ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ سَواءٌ وعَظَهَ الواعِظُ، وذَكَّرَهُ المُذَكِّرُ، وزَجَرَهُ الزّاجِرُ، أوْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ، إلّا الكَلْبُ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ، وحالِ الرّاحَةِ وحالِ المَرَضِ، وحالِ الصِّحَّةِ، وحالِ الرِّيِّ، وحالِ العَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، فَقالَ: إنْ وعَظْتَهُ ضَلَّ وإنْ تَرَكْتَهُ ضَلَّ، فَهو كالكَلْبِ إنْ تَرَكْتَهُ لَهَثَ وإنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ( الأعْرافِ: ١٩٣ ) واللَّهْثُ: إخْراجُ اللِّسانِ لِتَعَبٍ أوْ عَطَشٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: لَهَثَ الكَلْبُ بِالفَتْحِ يَلْهَثُ لَهْثًا ولُهاثًا بِالضَّمِّ إذا أخْرَجَ لِسانَهُ مِنَ التَّعَبِ أوِ العَطَشِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا أعْيا.
قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّكَ إذا حَمَلْتَ عَلى الكَلْبِ نَبَحَ ووَلّى هارِبًا، وإنْ تَرَكْتَهُ شَدَّ عَلَيْكَ ونَبَحَ، فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ مُقْبِلًا عَلَيْكَ ومُدْبِرًا عَنْكَ، فَيَعْتَرِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَعْتَرِيهِ عِنْدَ العَطَشِ مِن إخْراجِ اللِّسانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ.
وهُوَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ الخَسِيسُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِها وعَرَفُوها فَحَرَّفُوا وبَدَّلُوا وكَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكَذَّبُوا بِها فاقْصُصِ القَصَصَ أيْ فاقْصُصْ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصَ الَّذِي هو صِفَةُ الرَّجُلِ المُنْسَلِخِ عَنِ الآياتِ فَإنَّ مَثَلَهُ المَذْكُورَ كَمَثَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقُصُّ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ ويُعْمِلُونَ فِيهِ أفْهامَهم فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الضَّلالِ ويُقْبِلُونَ عَلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ حالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ البالِغَةِ في القُبْحِ إلى الغايَةِ: يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ قَبُحَ، فَهو لازِمٌ، وساءَهُ يَسُوؤُهُ مَساءَةً: فَهو مُتَعَدٍّ وهو مِن أفْعالِ الذَّمِّ: كَبِئْسَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ لِأجْلِ المُطابَقَةِ أيْ ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: جُعِلَ المَثَلُ القَوْمَ مَجازًا، والقَوْمُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: ساءَ المَثَلُ مَثَلًا هو مَثَلُ القَوْمِ، كَذا قالَ.
وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ " وساءَ مَثَلًا القَوْمُ " .
قَوْلُهُ: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم لا يَتَعَدّاها ظُلْمُهم إلى غَيْرِها ولا يَتَجاوَزُها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي (p-٥١٣)لَمّا أمَرَ بِهِ وشَرَعَهُ لِعِبادِهِ ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، مَن هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ: ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ بْنَ آبَزَ.
وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وفي لَفْظٍ: بَلْعامُ بْنُ باعَرَ الَّذِي أُوتِيَ الِاسْمَ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ، تَعَلَّمَ اسْمَ اللَّهِ الأكْبَرَ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِمْ مُوسى أتاهُ بَنُو عَمِّهِ وقَوْمُهُ فَقالُوا: إنَّ مُوسى رَجُلٌ حَدِيدٌ ومَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّهُ إنْ يَظْهَرْ عَلَيْنا يُهْلِكْنا، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ عَنّا مُوسى ومَن مَعَهُ، قالَ: إنِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ مُوسى ومَن مَعَهُ مَضَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَعا اللَّهَ فَسَلَخَ ما كانَ فِيهِ.
وفِي قَوْلِهِ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قالَ: إنْ حُمِّلَ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تُرِكَ لَمْ يَهْتَدِ لِخَيْرٍ كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ يُطْرَدْ لَهَثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِنَّ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَقالَتْ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً، قالَ: فَلَكِ واحِدَةٌ فَما الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا اللَّهَ فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً، فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ فَدَعا اللَّهَ فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبْتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ وسُمِّيَتِ البَسُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في الآيَةِ قالَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في صاحِبِكم أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ بَلْعامُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَتِ الأنْصارُ تَقُولُ: هو ابْنُ الرّاهِبِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وكانَتْ ثَقِيفُ تَقُولُ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: فانْسَلَخَ مِنها قالَ: نُزِعَ مِنهُ العِلْمُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ: رَفَعَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلُ فَلا هادِيَ لَهُ، أصْدَقُ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النّارِ ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .
الأعراف 7:177
(p-٥١٢)قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: فَصارَ لَمّا انْسَلَخَ عَنِ الآياتِ ولَمْ يَعْمَلْ بِها مُنْحَطًّا إلى أسْفَلِ رُتْبَةٍ، مُشابِهًا لِأخَسِّ الحَيَواناتِ في الدَّناءَةِ مُماثِلًا لَهُ في أقْبَحِ أوْصافِهِ، وهو أنَّهُ يَلْهَثُ في كِلا حالَتَيْ قَصْدِ الإنْسانِ لَهُ وتَرْكِهِ، فَهو لاهِثٌ سَواءً زُجِرَ أوْ تُرِكَ، طُرِدَ أوْ لَمْ يُطْرَدْ، شُدَّ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُشَدَّ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ شَيْءٌ، وجُمْلَةُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ حالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ عَنِ الآياتِ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ سَواءٌ وعَظَهَ الواعِظُ، وذَكَّرَهُ المُذَكِّرُ، وزَجَرَهُ الزّاجِرُ، أوْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ، إلّا الكَلْبُ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ، وحالِ الرّاحَةِ وحالِ المَرَضِ، وحالِ الصِّحَّةِ، وحالِ الرِّيِّ، وحالِ العَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، فَقالَ: إنْ وعَظْتَهُ ضَلَّ وإنْ تَرَكْتَهُ ضَلَّ، فَهو كالكَلْبِ إنْ تَرَكْتَهُ لَهَثَ وإنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ( الأعْرافِ: ١٩٣ ) واللَّهْثُ: إخْراجُ اللِّسانِ لِتَعَبٍ أوْ عَطَشٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: لَهَثَ الكَلْبُ بِالفَتْحِ يَلْهَثُ لَهْثًا ولُهاثًا بِالضَّمِّ إذا أخْرَجَ لِسانَهُ مِنَ التَّعَبِ أوِ العَطَشِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا أعْيا.
قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّكَ إذا حَمَلْتَ عَلى الكَلْبِ نَبَحَ ووَلّى هارِبًا، وإنْ تَرَكْتَهُ شَدَّ عَلَيْكَ ونَبَحَ، فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ مُقْبِلًا عَلَيْكَ ومُدْبِرًا عَنْكَ، فَيَعْتَرِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَعْتَرِيهِ عِنْدَ العَطَشِ مِن إخْراجِ اللِّسانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ.
وهُوَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ الخَسِيسُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِها وعَرَفُوها فَحَرَّفُوا وبَدَّلُوا وكَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكَذَّبُوا بِها فاقْصُصِ القَصَصَ أيْ فاقْصُصْ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصَ الَّذِي هو صِفَةُ الرَّجُلِ المُنْسَلِخِ عَنِ الآياتِ فَإنَّ مَثَلَهُ المَذْكُورَ كَمَثَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقُصُّ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ ويُعْمِلُونَ فِيهِ أفْهامَهم فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الضَّلالِ ويُقْبِلُونَ عَلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ حالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ البالِغَةِ في القُبْحِ إلى الغايَةِ: يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ قَبُحَ، فَهو لازِمٌ، وساءَهُ يَسُوؤُهُ مَساءَةً: فَهو مُتَعَدٍّ وهو مِن أفْعالِ الذَّمِّ: كَبِئْسَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ لِأجْلِ المُطابَقَةِ أيْ ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: جُعِلَ المَثَلُ القَوْمَ مَجازًا، والقَوْمُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: ساءَ المَثَلُ مَثَلًا هو مَثَلُ القَوْمِ، كَذا قالَ.
وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ " وساءَ مَثَلًا القَوْمُ " .
قَوْلُهُ: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم لا يَتَعَدّاها ظُلْمُهم إلى غَيْرِها ولا يَتَجاوَزُها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي (p-٥١٣)لَمّا أمَرَ بِهِ وشَرَعَهُ لِعِبادِهِ ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، مَن هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ: ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ بْنَ آبَزَ.
وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وفي لَفْظٍ: بَلْعامُ بْنُ باعَرَ الَّذِي أُوتِيَ الِاسْمَ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ، تَعَلَّمَ اسْمَ اللَّهِ الأكْبَرَ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِمْ مُوسى أتاهُ بَنُو عَمِّهِ وقَوْمُهُ فَقالُوا: إنَّ مُوسى رَجُلٌ حَدِيدٌ ومَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّهُ إنْ يَظْهَرْ عَلَيْنا يُهْلِكْنا، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ عَنّا مُوسى ومَن مَعَهُ، قالَ: إنِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ مُوسى ومَن مَعَهُ مَضَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَعا اللَّهَ فَسَلَخَ ما كانَ فِيهِ.
وفِي قَوْلِهِ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قالَ: إنْ حُمِّلَ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تُرِكَ لَمْ يَهْتَدِ لِخَيْرٍ كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ يُطْرَدْ لَهَثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِنَّ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَقالَتْ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً، قالَ: فَلَكِ واحِدَةٌ فَما الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا اللَّهَ فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً، فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ فَدَعا اللَّهَ فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبْتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ وسُمِّيَتِ البَسُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في الآيَةِ قالَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في صاحِبِكم أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ بَلْعامُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَتِ الأنْصارُ تَقُولُ: هو ابْنُ الرّاهِبِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وكانَتْ ثَقِيفُ تَقُولُ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: فانْسَلَخَ مِنها قالَ: نُزِعَ مِنهُ العِلْمُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ: رَفَعَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلُ فَلا هادِيَ لَهُ، أصْدَقُ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النّارِ ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .
الأعراف 7:178
(p-٥١٢)قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: فَصارَ لَمّا انْسَلَخَ عَنِ الآياتِ ولَمْ يَعْمَلْ بِها مُنْحَطًّا إلى أسْفَلِ رُتْبَةٍ، مُشابِهًا لِأخَسِّ الحَيَواناتِ في الدَّناءَةِ مُماثِلًا لَهُ في أقْبَحِ أوْصافِهِ، وهو أنَّهُ يَلْهَثُ في كِلا حالَتَيْ قَصْدِ الإنْسانِ لَهُ وتَرْكِهِ، فَهو لاهِثٌ سَواءً زُجِرَ أوْ تُرِكَ، طُرِدَ أوْ لَمْ يُطْرَدْ، شُدَّ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُشَدَّ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ شَيْءٌ، وجُمْلَةُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ حالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ عَنِ الآياتِ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ سَواءٌ وعَظَهَ الواعِظُ، وذَكَّرَهُ المُذَكِّرُ، وزَجَرَهُ الزّاجِرُ، أوْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ، إلّا الكَلْبُ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ، وحالِ الرّاحَةِ وحالِ المَرَضِ، وحالِ الصِّحَّةِ، وحالِ الرِّيِّ، وحالِ العَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، فَقالَ: إنْ وعَظْتَهُ ضَلَّ وإنْ تَرَكْتَهُ ضَلَّ، فَهو كالكَلْبِ إنْ تَرَكْتَهُ لَهَثَ وإنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ( الأعْرافِ: ١٩٣ ) واللَّهْثُ: إخْراجُ اللِّسانِ لِتَعَبٍ أوْ عَطَشٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: لَهَثَ الكَلْبُ بِالفَتْحِ يَلْهَثُ لَهْثًا ولُهاثًا بِالضَّمِّ إذا أخْرَجَ لِسانَهُ مِنَ التَّعَبِ أوِ العَطَشِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذا أعْيا.
قِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّكَ إذا حَمَلْتَ عَلى الكَلْبِ نَبَحَ ووَلّى هارِبًا، وإنْ تَرَكْتَهُ شَدَّ عَلَيْكَ ونَبَحَ، فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ مُقْبِلًا عَلَيْكَ ومُدْبِرًا عَنْكَ، فَيَعْتَرِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَعْتَرِيهِ عِنْدَ العَطَشِ مِن إخْراجِ اللِّسانِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ.
وهُوَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ الخَسِيسُ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِها وعَرَفُوها فَحَرَّفُوا وبَدَّلُوا وكَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكَذَّبُوا بِها فاقْصُصِ القَصَصَ أيْ فاقْصُصْ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصَ الَّذِي هو صِفَةُ الرَّجُلِ المُنْسَلِخِ عَنِ الآياتِ فَإنَّ مَثَلَهُ المَذْكُورَ كَمَثَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقُصُّ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ ويُعْمِلُونَ فِيهِ أفْهامَهم فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الضَّلالِ ويُقْبِلُونَ عَلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ حالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ البالِغَةِ في القُبْحِ إلى الغايَةِ: يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ قَبُحَ، فَهو لازِمٌ، وساءَهُ يَسُوؤُهُ مَساءَةً: فَهو مُتَعَدٍّ وهو مِن أفْعالِ الذَّمِّ: كَبِئْسَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ لِأجْلِ المُطابَقَةِ أيْ ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: جُعِلَ المَثَلُ القَوْمَ مَجازًا، والقَوْمُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: ساءَ المَثَلُ مَثَلًا هو مَثَلُ القَوْمِ، كَذا قالَ.
وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ " وساءَ مَثَلًا القَوْمُ " .
قَوْلُهُ: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم لا يَتَعَدّاها ظُلْمُهم إلى غَيْرِها ولا يَتَجاوَزُها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي (p-٥١٣)لَمّا أمَرَ بِهِ وشَرَعَهُ لِعِبادِهِ ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، مَن هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ: ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ بْنَ آبَزَ.
وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وفي لَفْظٍ: بَلْعامُ بْنُ باعَرَ الَّذِي أُوتِيَ الِاسْمَ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ قالَ: هو رَجُلٌ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ، تَعَلَّمَ اسْمَ اللَّهِ الأكْبَرَ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِمْ مُوسى أتاهُ بَنُو عَمِّهِ وقَوْمُهُ فَقالُوا: إنَّ مُوسى رَجُلٌ حَدِيدٌ ومَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّهُ إنْ يَظْهَرْ عَلَيْنا يُهْلِكْنا، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ عَنّا مُوسى ومَن مَعَهُ، قالَ: إنِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ مُوسى ومَن مَعَهُ مَضَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَعا اللَّهَ فَسَلَخَ ما كانَ فِيهِ.
وفِي قَوْلِهِ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قالَ: إنْ حُمِّلَ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تُرِكَ لَمْ يَهْتَدِ لِخَيْرٍ كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ يُطْرَدْ لَهَثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِنَّ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ لَهُ مِنها ولَدٌ، فَقالَتْ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً، قالَ: فَلَكِ واحِدَةٌ فَما الَّذِي تُرِيدِينَ ؟ قالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا اللَّهَ فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً، فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ فَدَعا اللَّهَ فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبْتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ وسُمِّيَتِ البَسُوسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في الآيَةِ قالَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، وفي لَفْظٍ: نَزَلَتْ في صاحِبِكم أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ بَلْعامُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَتِ الأنْصارُ تَقُولُ: هو ابْنُ الرّاهِبِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، وكانَتْ ثَقِيفُ تَقُولُ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: فانْسَلَخَ مِنها قالَ: نُزِعَ مِنهُ العِلْمُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ: رَفَعَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلُ فَلا هادِيَ لَهُ، أصْدَقُ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلُّ ضَلالَةٍ في النّارِ ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» .
الأعراف 7:179
" ولَقَدْ ذَرَأْنا " أيْ خَلَقْنا.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ مُسْتَوْفًى، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. لِجَهَنَّمَ أيْ لِلتَّعْذِيبِ بِها كَثِيرًا أيْ خَلَقًا كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أيْ مِن طائِفَتَيِ الجِنِّ والإنْسِ جَعَلَهم - سُبْحانَهُ - لِلنّارِ بِعَدْلِهِ وبِعَمَلِ أهْلِها يَعْمَلُونَ.
وقَدْ عَلِمَ ما هم عامِلُونَ قَبْلَ كَوْنِهِمْ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ فَقالَ: لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها كَما يَفْقَهُ غَيْرُهم بِعُقُولِهِمْ، وجُمْلَةُ لا يَفْقَهُونَ بِها في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِقُلُوبٍ، وجُمْلَةُ لَهم قُلُوبٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِ " كَثِيرًا " جَعَلَ - سُبْحانَهُ - قُلُوبَهم لَمّا كانَتْ غَيْرَ فاقِهَةٍ لِما فِيهِ نَفْعُهم وإرْشادُهم غَيْرَ فاقِهَةٍ مُطْلَقًا وإنْ كانَتْ تَفْقَهُ في غَيْرِ ما فِيهِ النَّفْعُ والرَّشادُ فَهو كالعَدَمِ، وهَكَذا مَعْنى ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّ الَّذِي انْتَفى مِنَ الأعْيُنِ هو إبْصارُ ما فِيهِ الهِدايَةُ بِالتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ، وإنْ كانَتْ مُبْصِرَةً في غَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي انْتَفى مِنَ الآذانِ هو سَماعُ المَواعِظِ النّافِعَةِ، والشَّرائِعِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ كالأنْعامِ في انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ مِنها؛ لِأنَّها تُدْرِكُ بِهَذِهِ الأُمُورِ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها فَتَنْتَفِعُ بِما يَنْفَعُ، وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّ، وهَؤُلاءِ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ ما يَنْفَعُ وما يَضُرُّ بِاعْتِبارِ ما طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم وكَلَّفَهم بِهِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ الكامِلَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِن عَدَمِ التَّمْيِيزِ الَّذِي هو مِن شَأْنِ مَن لَهُ عَقْلٌ وبَصَرٌ وسَمْعٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ولَقَدْ ذَرَأْنا قالَ: خَلَقْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: خَلَقْنا لِجَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَمّا ذَرَأ لِجَهَنَّمَ مَن ذَرَأ كانَ ولَدُ الزِّنا مِمَّنْ ذَرَأ لِجَهَنَّمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ قالَ: لَقَدْ خَلَقْنا لِجَهَنَّمَ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها قالَ: لا يَفْقَهُونَ شَيْئًا مِن أُمُورِ الحَياةِ ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها (p-٥١٤)الهُدى ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقَّ، ثُمَّ جَعَلَهم كالأنْعامِ، ثُمَّ جَعَلَهم شَرًّا مِنَ الأنْعامِ، فَقالَ: بَلْ هم أضَلُّ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُمُ الغافِلُونَ.
الأعراف 7:180
. هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ عَلى الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ: أيِ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ لِدَلالَتِها عَلى أحْسَنِ مُسَمًّى وأشْرَفِ مَدْلُولٍ، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوهُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ، فَإنَّهُ إذا دُعِيَ بِأحْسَنِ أسْمائِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ الإجابَةِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وسَيَأْتِي، ويَأْتِي أيْضًا بَيانُ عَدَدِها آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الإلْحادُ: المَيْلُ وتَرْكُ القَصْدِ، يُقالُ: لَحَدَ الرَّجُلُ في الدِّينِ وألْحَدَ: إذا مالَ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ لِأنَّهُ في ناحِيَةٍ، وقُرِئَ " يَلْحَدُونَ " وهُما لُغَتانِ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ - سُبْحانَهُ - يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا بِالتَّغْيِيرِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم أخَذُوا اسْمَ اللّاتِ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلَيْها بِأنْ يَخْتَرِعُوا أسْماءً مِن عِنْدِهِمْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِها، أوْ بِالنُّقْصانِ مِنها بِأنْ يَدْعُوهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ ومَعْنى ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهم، وعَلى هَذا المَعْنى فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ( المُدَّثِّرِ: ١١ )، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ ( الحِجْرِ: ٣ ) وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِنُزُولِ العُقُوبَةِ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ يَقُولُ في صِلاتِهِ يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا فَما بالُ هَذا يَدْعُو رَبَّيْنِ اثْنَيْنِ ؟ حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وأبُو عِوانَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» .
وفِي لَفْظِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وأبِي نُعَيْمٍ: «مَن دَعى بِها اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ» .
وزادَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ «يُحِبُّ الوِتْرَ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السَّلامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفّارُ، القَهّارُ، الوَهّابُ، الرَّزّاقُ، الفَتّاحُ، العَلِيمُ، القابِضُ، الباسِطُ، الخافِضُ، الرّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، المَقِيتُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الواسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المُجِيدُ، الباعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتِينُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، المُحْصِي، المُبْدِئُ، المُعِيدُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، الواجِدُ، الماجِدُ، الأحَدُ، الصَّمَدُ، القادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، الوالِي، المُتَعالِي، البَرُّ، التَّوّابُ، المُنْتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّؤُوفُ، مالِكُ المُلْكِ، ذُو الجَلالِ والإكْرامِ، المُقْسِطُ، الجامِعُ، الغَنِيُّ، المُغْنِي، المانِعُ، الضّارُّ، النّافِعُ، النُّورُ، الهادِي، البَدِيعُ، الباقِي، الوارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» .
هَكَذا أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذِهِ الزِّيادَةَ عَنِ الجُوزْجانِيِّ عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَةَ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَةً وقالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ولا يُعْلَمُ في كَثِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرُ الأسْماءِ إلّا في هَذا الحَدِيثِ.
ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ، في صَحِيحِهِ وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ صَفْوانَ بِإسْنادِهِ السّابِقِ.
ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فَسَرَدَ الأسْماءَ المُتَقَدِّمَةَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ أنَّ سَرْدَ الأسْماءِ في هَذا الحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ.
وإنَّما ذَلِكَ كَما رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعانِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ: أيْ أنَّهم جَمَعُوها مِنَ القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي زَيْدٍ اللُّغَوِيِّ.
قالَ: ثُمَّ لْيُعْلَمْ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في التِّسْعَةِ والتِسْعِينَ بِدَلِيلِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ الجُهَنِيِّ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ فَقالَ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وأمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَجًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَعَلَّمُها ؟ فَقالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَها أنْ يَتَعَلَّمَها» .
وقَدْ أخْرَجَهُ الإمامُ أبُو حاتِمِ بْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ بِمِثْلِهِ. انْتَهى.
وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الأسْماءِ والصِّفاتِ.
قالَ ابْنُ حَزْمٍ: جاءَتْ في إحْصائِها - يَعْنِي الأسْماءَ الحُسْنى - أحادِيثُ مُضْطَرِبَةٌ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ أصْلًا.
وقَدْ أخْرَجَها بِهَذا العَدَدِ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَراهُ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ كِلاهُما في الدُّعاءِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ: (p-٥١٥)أسْألُ اللَّهَ الرَّحْمَنَ، الرَّحِيمَ، الإلَهَ، الرَّبَّ، المَلِكَ، القُدُّوسَ، السَّلامَ، المُؤْمِنَ، المُهَيْمِنَ، العَزِيزَ، الجَبّارَ، المُتَكَبِّرَ، الخالِقَ، البارِئَ، المُصَوِّرَ، الحَلِيمَ، العَلِيمَ، السَّمِيعَ، البَصِيرَ، الحَيَّ، القَيُّومَ، الواسِعَ، اللَّطِيفَ، الخَبِيرَ، الحَنّانَ، المَنّانَ، البَدِيعَ، الغَفُورَ، الوَدُودَ، الشَّكُورَ، المَجِيدَ، المُبْدِئَ، المُعِيدَ، النُّورَ، البارِئَ، وفي لَفْظٍ: القائِمَ، الأوَّلَ، الآخِرَ، الظّاهِرَ، الباطِنَ، العَفُوَّ، الغَفّارَ، الوَهّابَ، الفَرْدَ، وفي لَفْظٍ: القادِرَ، الأحَدَ الصَّمَدَ، الوَكِيلَ، الكافِيَ، الباقِيَ، المُغِيثَ، الدّائِمَ المُتَعالِيَ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، المَوْلى، البَصِيرَ، الحَقَّ، المَتِينَ، الوارِثَ، المُنِيرَ، الباعِثَ، القَدِيرَ، وفي لَفْظٍ: المُجِيبَ، المُحْيِيَ، المُمِيتَ، الحَمِيدَ، وفي لَفْظٍ: الجَمِيلَ، الصّادِقَ، الحَفِيظَ، المُحِيطَ، الكَبِيرَ، القَرِيبَ، الرَّقِيبَ، الفَتّاحَ، التَّوّابَ، القَدِيمَ، الوِتْرَ، الفاطِرَ، الرَّزّاقَ، العَلّامَ، العَلِيَّ، العَظِيمَ، الغَنِيَّ، المَلِكَ، المُقْتَدِرَ، الأكْرَمَ، الرَّؤُوفَ، المُدَبِّرَ، المالِكَ، القاهِرَ، الهادِيَ، الشّاكِرَ، الكَرِيمَ، الرَّفِيعَ، الشَّهِيدَ، الواحِدَ، ذا الطَّوْلِ، ذا المَعارِجِ، ذا الفَضْلِ، الخَلّاقَ، الكَفِيلَ، الجَلِيلَ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: سَألْتُ أبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصّادِقَ عَنِ الأسْماءِ التِّسْعَةِ والتِسْعِينَ الَّتِي مَن أحْصاها دَخْلَ الجَنَّةَ ؟ فَقالَ: هي في القُرْآنِ، فَفي الفاتِحَةِ خَمْسَةُ أسْماءٍ: يا اللَّهُ، يا رَبُّ، يا رَحْمَنُ، يا رَحِيمُ، يا مَلِكُ، وفي البَقَرَةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ اسْمًا: يا مُحِيطُ، يا قَدِيرُ، يا عَلِيمُ، يا حَكِيمُ، يا عَلِيُّ، يا عَظِيمُ، يا تَوّابُ، يا بَصِيرُ، يا ولِيُّ، يا واسِعُ، يا كافِي، يا رَؤُوفُ، يا بَدِيعُ، يا شاكِرُ، يا واحِدُ، يا سَمِيعُ، يا قابِضُ، يا حَيُّ، يا قَيُّومُ، يا غَنِيُّ، يا حَمِيدُ، يا غَفُورُ، يا حَلِيمُ، يا إلَهُ، يا قَرِيبُ، يا مُجِيبُ، يا عَزِيزُ، يا نَصِيرُ، يا قَوِيُّ، يا شَدِيدُ، يا سَرِيعُ، يا خَبِيرُ، وفي آلِ عِمْرانَ: يا وهّابُ، يا قائِمُ، يا صادِقُ، يا باعِثُ، يا مُنْعِمُ، يا مُتَفَضِّلُ، وفي النِّساءِ: يا رَقِيبُ، يا حَسِيبُ، يا شَهِيدُ، يا مُقِيتُ، يا وكِيلُ، يا عَلِيُّ، يا كَبِيرُ، وفي الأنْعامِ: يا فاطِرُ، يا قاهِرُ، يا لَطِيفُ، يا بُرْهانُ، وفي الأعْرافِ: يا مُحْيِي، يا مُمِيتُ، وفي الأنْفالِ: يا نِعْمَ المَوْلى، ويا نِعْمَ النَّصِيرُ، وفي هُودٍ: يا حَفِيظُ، يا مَجِيدُ، يا ودُودُ، يا فَعّالُ لِما تُرِيدُ، وفي الرَّعْدِ: يا كَبِيرُ، يا مُتَعالِي، وفي إبْراهِيمَ: يا مَنّانُ، يا وارِثُ، وفي الحِجْرِ: يا خَلّاقُ، وفي مَرْيَمَ: يا فَرْدُ، وفي طه: يا غَفّارُ، وفي قَدْ أفْلَحَ، ( سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ) يا كَرِيمُ، وفي النُّورِ: يا حَقُّ، يا مُبِينُ، وفي الفُرْقانِ: يا هادِي، وفي سَبَأٍ: يا فَتّاحُ، وفي الزُّمَرِ: يا عالِمُ، وفي غافِرٍ: يا قابِلَ التَّوْبِ، يا ذا الطَّوْلِ، يا رَفِيعُ، وفي الذّارِياتِ: يا رَزّاقُ، يا ذا القُوَّةِ، يا مَتِينُ، وفي الطُّورِ: يا بَرُّ، وفي اقْتَرَبَتْ: ( أيْ: سُورَةِ القَمَرِ ) يا مُقْتَدِرُ، يا مَلِيكُ، وفي الرَّحْمَنِ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا رَبَّ المَشْرِقَيْنِ، يا رَبَّ المَغْرِبَيْنِ، يا باقِي، يا مُعِينُ، وفي الحَدِيدِ: يا أوَّلُ، يا آخِرُ، يا ظاهِرُ، يا باطِنُ، وفي الحَشْرِ: يا مَلِكُ، يا قُدُّوسُ، يا سَلامُ، يا مُؤْمِنُ، يا مُهَيْمِنُ، يا عَزِيزُ، يا جَبّارُ، يا مُتَكَبِّرُ، يا خالِقُ، يا بارِئُ، يا مُصَوِّرُ، وفي البُرُوجِ: يا مُبْدِئُ، يا مُعِيدُ، وفي الفَجْرِ: يا وتْرُ، وفي الإخْلاصِ: يا أحَدُ، يا صَمَدُ، انْتَهى.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في التَّلْخِيصِ أنَّهُ تَتَبَّعَها مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ إلى أنْ حَرَّرَها مِنهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ ثُمَّ سَرَدَها، فابْحَثْهُ.
ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، وهي في القُرْآنِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، قالَ لَها: قُومِي فَتَوَضَّئِي، وادْخُلِي المَسْجِدَ فَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ادْعِي حَتّى أسْمَعَ، فَفَعَلَتْ، فَلَمّا جَلَسَتْ لِلدُّعاءِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ وفِّقْها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِجَمِيعِ أسْمائِكَ الحُسْنى كُلِّها ما عَلِمْنا مِنها وما لَمْ نَعْلَمْ، وأسْألُكَ بِاسْمِكَ العَظِيمِ الأعْظَمِ الكَبِيرِ الأكْبَرِ الَّذِي مَن دَعاكَ بِهِ أجَبْتَهُ، ومَن سَألَكَ بِهِ أعْطَيْتَهُ، قالَ النَّبِيُّ: أصَبْتِيهِ أصَبْتِيهِ» .
وقَدْ أطالَ أهْلُ العِلْمِ الكَلامَ عَلى الأسْماءِ الحُسْنى حَتّى أنَّ ابْنَ العَرَبِيِّ في شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، حَكى عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ جَمَعَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أسْماءِ اللَّهِ ألْفَ اسْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ قالَ: الإلْحادُ، أنْ يَدْعُوَ اللّاتَ والعُزّى في أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الإلْحادُ التَّكْذِيبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: اشْتَقُّوا العُزّى مِنَ العَزِيزِ، واشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: الإلْحادُ المُضاهاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ " يَلْحَدُونَ " مِن لَحَدَ، وقالَ: تَفْسِيرُها يُدْخِلُونَ فِيها ما لَيْسَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:181
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:182
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:183
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:184
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:185
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .