Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأعراف 7:186 – الأعراف 7:206
المحتويات
الأعراف 7:186
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:187
قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أُمَّةً﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و﴿يَهْدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هو المُبْتَدَأُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٨ ) والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ أُمَّةً يَهْدُونَ النّاسَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ وبِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بَيْنَهم قِيلَ: هم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّهُمُ الفِرْقَةُ الَّذِينَ لا يَزالُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ الصّالِحَةِ بَيَّنَ حالَ مَن يُخالِفُهم فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ والِاسْتِدْراجُ: هو الأخْذُ بِالتَّدْرِيجِ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، والدَّرْجُ: كَفُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: أدْرَجْتُهُ ودَرَجْتُهُ، ومِنهُ إدْراجُ المَيِّتِ في أكْفانِهِ، وقِيلَ: (p-٥١٦)هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فالِاسْتِدْراجُ: أنْ يَخْطُوَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إلى المَقْصُودِ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ: إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ: طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ: ماتَ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمَعْنى: سَنَسْتَدْنِيهم قَلِيلًا قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهم، وذَلِكَ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وإنْسائِهِمْ شُكْرَها، فَيَنْهَمِكُونَ في الغَوايَةِ ويَتَنَكَّبُونَ طُرُقَ الهِدايَةِ لِاغْتِرارِهِمْ بِذَلِكَ وأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ والزُّلْفَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ": أيْ أُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ وأُمْهِلُهم وأُؤَخِّرُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والكَيْدُ: المَكْرُ، والمَتِينُ: الشَّدِيدُ القَوِيُّ، وأصْلُهُ مِنَ المَتْنِ وهو اللَّحْمُ الغَلِيظُ الَّذِي عَلى جانِبِ الصُّلْبِ.
قالَ في الكَشّافِ: سَمّاهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالكَيْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الظّاهِرِ إحْسانٌ وفي الحَقِيقَةِ خِذْلانٌ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيما جاءَ بِهِ و( ما ) في ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، والجَنَّةُ مَصْدَرٌ: أيْ وقَعَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا: أيُّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ كائِنٌ بِصاحِبِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ ؟ ! فَإنَّهم لَوْ تَفَكَّرُوا لَوَجَدُوا زَعْمَهم باطِلًا، وقَوْلَهم زُورًا وبَهْتًا، وقِيلَ: إنَّ ما نافِيَةٌ واسْمُها مِن جِنَّةٍ وخَبَرُها " بِصاحِبِهِمْ ": أيْ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدَّعُونَهُ مِنَ الجُنُونِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ( الحِجْرِ: ٦٠ ) ويَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ والوَقْفُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْقافِ الحَسَنَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ولِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، والمَلَكُوتُ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ومَعْناهُ المُلْكُ العَظِيمُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَتَفَكَّرُوا حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالتَّفَكُّرِ، ولا نَظَرُوا في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ حَتّى يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى الإيمانِ بِهِ، بَلْ هم سادِرُونَ في ضَلالَتِهِمْ خائِضُونَ في غَوايَتِهِمْ لا يُعْمِلُونَ فِكْرًا ولا يُمْعِنُونَ نَظَرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ في كُلِّ مَخْلُوقاتِهِ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ، سَواءٌ كانَتْ مِن جَلائِلِ مَصْنُوعاتِهِ كَمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ مِن دَقائِقِها مِن سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " مَلَكُوتٍ " وأنْ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى وما بَعْدَها: أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهم فَيَمُوتُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
والمَعْنى: إنَّهم إذا كانُوا يُجَوِّزُونَ قُرْبَ آجالِهِمْ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ فِيما يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَفِعُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّفَكُّرِ والنَّظَرِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ يُؤْمِنُونَ ؟ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: لِلْأجَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ: إنَّ هَذِهِ الغَفْلَةَ مِنهم عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ ومَن يُضْلِلْهُ فَلا هادِيَ لَهُ: أيْ فَلا يُوجَدُ مَن يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويَنْزِعُهُ عَنِ الضَّلالَةِ ألْبَتَّةَ ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ: يَتَحَيَّرُونَ، وقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «هَذِهِ أُمَّتِي بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ ويَقْضُونَ ويَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَتى نَزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: سَنَأْخُذُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: عَذابُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَحْيى بْنِ المُثَنّى في الآيَةِ قالَ: كُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً تُنْسِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ ونَمْنَعُهم شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِدْراجِ فَقالَ: ذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ بِالعِبادِ المُضَيِّعِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ يَقُولُ: أكُفُّ عَنْهم ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنْ مَكْرِي شَدِيدٌ، ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كَيْدُ اللَّهِ العَذابُ والنِّقْمَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ عَلى الصَّفا، فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَ اللَّهِ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلٌ: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾». .
الأعراف 7:188
.
(p-٥١٧)قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ السّائِلُونَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلى القِيامَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، و" أيّانَ " ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنُجْحِها أوانًا
ومَعْناهُ مَعْنى مَتى، واشْتِقاقُهُ مِن أيْ، وقِيلَ: مِن أيْنَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، و﴿مُرْساها﴾ المُبْتَدَأُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومُرْساها بِضَمِّ المِيمِ: أيْ وقْتُ إرْسائِها مِن أرْساها اللَّهُ: أيْ أثْبَتَها، وبِفَتْحِ المِيمِ مَن رَسَتْ: أيْ ثَبَتَتْ، ومِنهُ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ( سَبَأٍ: ١٣ )، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ.
والمَعْنى: مَتى يُرْسِيها اللَّهُ: أيْ يُثْبِتُها ويُوقِعُها، وظاهِرُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، وظاهِرُ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ وقْتِها، فَحَصَلَ مِنَ الجَمِيعِ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ هو عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِها في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ عِلْمُها بِاعْتِبارِ وُقُوعِها عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ ولا يَهْتَدِي إلَيْها سِواهُ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يُظْهِرُها لِوَقْتِها ولا يَكْشِفُ عَنْها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ. والتَّجْلِيَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، يُقالُ: جَلّى لِي فُلانٌ الخَبَرَ: إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ، وفي اسْتِئْثارِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِ السّاعَةِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وتَدْبِيرٌ بَلِيغٌ كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أخْفاها اللَّهُ واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا خَفِيَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كانَتْ ثَقِيلَةً؛ لِأنَّ كُلَّ ما خَفِيَ عِلْمُهُ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُطِيقُها السَّماواتُ والأرْضُ لِعِظَمِها؛ لِأنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ، والنُّجُومَ تَتَناثَرُ، والبِحارَ تَنْضُبُ، وقِيلَ: عَظُمَ وصْفُها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ثَقُلَتِ المَسْألَةُ عَنْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أيْضًا ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، والبَغْتَةُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في التَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَفِيُّ العالِمُ بِالشَّيْءِ، والحَفِيُّ المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ ∗∗∗ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
يُقالُ: أحْفى في المَسْألَةِ وفي الطَّلَبِ فَهو مُحْفٍ، وحَفِيٌّ عَلى التَّكْثِيرِ مِثْلَ مُخَصِّبٍ وخَصِيبٍ.
والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، أوْ كَأنَّهُ مُسْتَقْصٍ لِلسُّؤالِ عَنْها ومُسْتَكْثِرٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ حالَ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ: أيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وفَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والأوَّلُ هو مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى مُقْتَضى المَسْلَكِ العَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أمْرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُكَرِّرَ ما أجابَ عَلَيْهِمْ سابِقًا لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، بَلْ أحَدُهُما مَعْناهُ الِاسْتِئْثارُ بِوُقُوعِها، والآخِرُ الِاسْتِئْثارُ بِكُنْهِها نَفْسِها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ بِهَذا وعَدَمِ عِلْمِ خَلْقِهُ بِهِ، لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ عِلْمِهِ بِالسّاعَةِ أيّانَ تَكُونُ ومَتى تَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّفْعِ لَهُ والدَّفْعِ عَنْهُ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَقْدِرَ عَلى عِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وفي هَذا مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والإقْرارِ بِالعَجْزِ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ العَبِيدِ والِاعْتِرافِ بِالضَّعْفِ عَنِ انْتِحالِ ما لَيْسَ لَهُ ﷺ ما فِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ لِمَن يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، ويَنْتَحِلُ عِلْمَ الغَيْبِ بِالنَّجّامَةِ أوِ الرَّمْلِ أوِ الطَّرْقِ بِالحَصا أوِ الزَّجْرِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ جِنْسَ الغَيْبِ لَتَعَرَّضْتُ لِما فِيهِ الخَيْرُ فَجَلَبْتُهُ إلى نَفْسِي، وتَوَقَّيْتُ ما فِيهِ السُّوءُ حَتّى لا يَمَسَّنِي ولَكِنِّي عَبْدٌ لا أدْرِي ما عِنْدَ رَبِّي، ولا ما قَضاهُ فِيَّ وقَدَّرَهُ لِي، فَكَيْفَ أدْرِي غَيْرَ ذَلِكَ وأتَكَلَّفُ عِلْمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي مِن قَبْلِ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لِفَعَلْتُهُ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى يَكُونُ لِي النَّصْرُ في الحَرْبِ لَقاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لَأجَبْتُ عَنْ كُلِّ ما أُسْألُ عَنْهُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأُمُورُ وغَيْرُها تَحْتَها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ لَيْسَ بِي ما تَزْعُمُونَ مِنَ الجُنُونِ، والأوْلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمْتُ الغَيْبَ ما مَسَّنِي السُّوءُ ولَحَذِرْتُ عَنْهُ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما أنا إلّا مُبْلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِأحْكامِهِ أُنْذِرُ بِها قَوْمًا وأُبَشِّرُ بِها آخَرِينَ ولَسْتُ أعْلَمُ بِغَيْبِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، واللّامُ في لِقَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الصِّفَتَيْنِ: أيْ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ، ونَذِيرٌ لِقَوْمٍ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " بَشِيرٌ "، والمُتَعَلِّقُ بِـ " نَذِيرٌ " مَحْذُوفٌ، أيْ: نَذِيرٌ لِقَوْمٍ يَكْفُرُونَ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ وعَدَمِ مُكافَأتِهِمْ لَها مِمّا يَجِبُ مِنَ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ وجَعَلَ مِن هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها، وهي حَوّاءُ خَلَقَها مِن ضِلَعٍ (p-٥١٨)مِن أضْلاعِهِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿جَعَلَ مِنها﴾ مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ ( النَّحْلِ: ٧٢ ) والأوَّلُ أوْلى، ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ: أيْ جَعَلَهُ مِنها لِأجَلِ يَسْكُنُ إلَيْها يَأْنَسُ إلَيْها ويُطَمْئِنُ بِها، فَإنَّ الجِنْسَ بِجِنْسِهِ أسْكُنُ وإلَيْهِ آنَسُ، وكانَ هَذا في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِحالَةٍ أُخْرى كانَتْ بَيْنَهُما في الدُّنْيا بَعْدَ هُبُوطِهِما، فَقالَ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الوِقاعِ، أيْ فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الجِماعِ، ووَصَفَهُ بِالخِفَّةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ إلْقاءِ النُّطْفَةِ أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً، وعِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً وعِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً أخَفُّ مِمّا بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ خَفَّ عَلَيْها هَذا الحَمْلُ مِنِ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، ولَمْ تَجِدْ مِنهُ ثِقَلًا كَما تَجِدُهُ الحَوامِلُ مِنَ النِّساءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الحَمْلِ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْضِي في حَوائِجِها لا تَجِدُ بِهِ ثِقَلًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، وقُرِئَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ، وقُرِئَ " فَمارَتْ " بِهِ مِنَ المَوْرِ، وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، وقِيلَ: المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وقَدْ رُوِيَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، ورُوِيَتْ قِراءَةُ " فَمارَتْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ " فاسْتَمَرَّتْ " بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ جَوابٌ لِما، أيْ: دَعا آدَمُ وحَوّاءُ رَبَّهُما ومالِكَ أمْرِهِما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا صالِحًا، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، أي: مِنَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وفي هَذا الدُّعاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما حَدَثَ في بَطْنِ حَوّاءَ مِن أثَرِ ذَلِكَ الجِماعِ هو مِن جِنْسِهِما وعَلِما بِثُبُوتِ النَّسْلِ المُتَأثِّرِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ.
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ ما طَلَباهُ مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ وأجابَ دُعاءَهُما ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ جاءَ إبْلِيسُ إلى حَوّاءَ وقالَ لَها: إنْ وُلَدْتِ ولَدًا فَسَمِّيهِ بِاسْمِي فَقالَتْ: وما اسْمُكَ ؟ قالَ: الحارِثُ ولَوْ سَمّى لَها نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَكانَ هَذا شِرْكًا في التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَكُنْ شِرْكًا في العِبادَةِ وإنَّما قَصَدا أنَّ الحارِثَ كانَ سَبَبَ نَجاةِ الوَلَدِ كَما يُسَمِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَبْدَ ضَيْفِهِ كَما قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎وإنِّي لِعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ∗∗∗ وما في إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الجاعِلَ شِرْكًا فِيما آتاهُما هم جِنْسُ بَنِي آدَمَ، كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنهم ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ يَعْنِي: جِنْسُ الذَّكَرِ جِنْسَ الأُنْثى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ وتَكُونُ ضَمائِرُ التَّثْنِيَةِ راجِعَةً إلى الجِنْسَيْنِ.
وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى نَحْوِ هَذا وذَكَرْنا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى لِأُمُورٍ مِنها ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِأنَّ هَذا إنَّما هو لِحَوّاءَ، ومِنها ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ لا يَكُونُ مِنهُما عِنْدَ مُقارَبَةِ وضْعِهِ هَذا الدُّعاءُ.
وقَدْ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ " شِرْكًا " عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ بِالجَمْعِ.
وأنْكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ القِراءَةَ الأُولى، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّها صَحِيحَةٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ جَعَلا لَهُ ذا شَرْكٍ، أوْ ذَوِي شِرْكٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أي كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ لَهم ولا دَفْعٍ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الشُّرَكاءِ الَّذِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا أيْ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الشَّياطِينِ مَخْلُوقُونَ، وجَمْعُهم جَمْعَ العُقَلاءِ لِاعْتِقادِ مَن جَعَلَهم شُرَكاءَ أنَّهم كَذَلِكَ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن جَعَلَهم شُرَكاءَ ﴿نَصْرًا﴾ إنْ طَلَبَهُ مِنهم ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إنْ حَصَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، ومَن عَجَزَ عَنْ نَصْرِ نَفْسِهِ فَهو عَنْ نَصْرِ غَيْرِهِ أعْجَزُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قالَ حَمَلُ بْنُ أبِي قَيْسٍ وشَمُولُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ فَإنّا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى قِيامُها ؟ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ يا مُحَمَّدُ أسِرَّ إلَيْنا السّاعَةَ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ ؟ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «تَهَيِجُ السّاعَةُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يَسْقِي عَلى ماشِيَتِهِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ، قَضاءُ اللَّهِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ: مُنْتَهاها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ يَقُولُ: لا يَأْتِي بِها إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إلّا يُصِيبُهُ مِن ضَرَرِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَقُولُ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٥١٩)قالَ: إذا جاءَتِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وسُيِّرَتِ الجِبالُ، وما يُصِيبُ الأرْضَ، وكانَ ما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَذَلِكَ ثِقَلُها فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ قالَ: فَجْأةً آمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: اسْتَحْفَيْتُ عَنْها السُّؤالَ حَتّى عَلِمْتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها: أيْ لَسْتَ تَعْلَمُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: لَطِيفٌ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم، قالَ: لَمّا سَألَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ السّاعَةِ سَألُوهُ سُؤالَ قَوْمٍ كَأنَّهم يُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا حَفِيٌّ بِهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَلَمْ يُطْلِعْ مَلَكًا ولا رَسُولًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ، يَقْرَأُ: " كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ: الهُدى والضَّلالَةُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ مَتّى أمُوتُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: العَمَلُ الصّالِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: لَعَلِمْتُ إذا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا ما أرْبَحُ فِيهِ فَلا أبِيعُ شَيْئًا لا رِبْحَ فِيهِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قالَ: لاجْتَنَبْتُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: سَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ المَرْفُوعِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَمَلَتْ حَوّاءُ فَأتاها إبْلِيسُ فَقالَ: إنِّي صاحِبُكُما الَّذِي أخْرَجْتُكُما مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعِنَّنِي أوْ لَأجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أيَلٍ، فَيَخْرُجَ مِن بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، ولَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُما، سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما أيْضًا فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما فَذَكَرَ لَهُما فَأدْرَكَهُما حُبُّ الوَلَدِ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ هَذا في بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ ولَيْسَ بِآدَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمّا اسْتَبانَ حَمْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فَشَكَّتْ أحَمَلَتْ أمْ لا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: لَوْ كُنْتَ عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَها إنَّما هي اسْتَمَرَّتْ بِالحَمْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالَ: هي النُّطْفَةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَخَفَّتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ فَقالَ: أشْفَقا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا بَشَرًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: غُلامًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: كانَ شَرِيكًا في طاعَةٍ ولَمْ يَكُنْ شَرِيكًا في عِبادَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: ما أشْرَكَ آدَمُ إنَّ أوَّلَها شُكْرٌ، وآخِرَها مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذا فَصْلٌ مِن آيَةِ آدَمَ خاصَّةً في آلِهَةِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الكُفّارِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَإذا آتاهُما صالِحًا هَوَّدا أوْ نَصَّرا، ثُمَّ قالَ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَقُولُ: يُطِيعُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وهي الشَّياطِينُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا وهي تُخْلَقُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: لِمَن يَدْعُوهم.
الأعراف 7:189
.
(p-٥١٧)قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ السّائِلُونَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلى القِيامَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، و" أيّانَ " ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنُجْحِها أوانًا
ومَعْناهُ مَعْنى مَتى، واشْتِقاقُهُ مِن أيْ، وقِيلَ: مِن أيْنَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، و﴿مُرْساها﴾ المُبْتَدَأُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومُرْساها بِضَمِّ المِيمِ: أيْ وقْتُ إرْسائِها مِن أرْساها اللَّهُ: أيْ أثْبَتَها، وبِفَتْحِ المِيمِ مَن رَسَتْ: أيْ ثَبَتَتْ، ومِنهُ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ( سَبَأٍ: ١٣ )، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ.
والمَعْنى: مَتى يُرْسِيها اللَّهُ: أيْ يُثْبِتُها ويُوقِعُها، وظاهِرُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، وظاهِرُ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ وقْتِها، فَحَصَلَ مِنَ الجَمِيعِ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ هو عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِها في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ عِلْمُها بِاعْتِبارِ وُقُوعِها عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ ولا يَهْتَدِي إلَيْها سِواهُ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يُظْهِرُها لِوَقْتِها ولا يَكْشِفُ عَنْها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ. والتَّجْلِيَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، يُقالُ: جَلّى لِي فُلانٌ الخَبَرَ: إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ، وفي اسْتِئْثارِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِ السّاعَةِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وتَدْبِيرٌ بَلِيغٌ كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أخْفاها اللَّهُ واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا خَفِيَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كانَتْ ثَقِيلَةً؛ لِأنَّ كُلَّ ما خَفِيَ عِلْمُهُ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُطِيقُها السَّماواتُ والأرْضُ لِعِظَمِها؛ لِأنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ، والنُّجُومَ تَتَناثَرُ، والبِحارَ تَنْضُبُ، وقِيلَ: عَظُمَ وصْفُها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ثَقُلَتِ المَسْألَةُ عَنْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أيْضًا ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، والبَغْتَةُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في التَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَفِيُّ العالِمُ بِالشَّيْءِ، والحَفِيُّ المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ ∗∗∗ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
يُقالُ: أحْفى في المَسْألَةِ وفي الطَّلَبِ فَهو مُحْفٍ، وحَفِيٌّ عَلى التَّكْثِيرِ مِثْلَ مُخَصِّبٍ وخَصِيبٍ.
والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، أوْ كَأنَّهُ مُسْتَقْصٍ لِلسُّؤالِ عَنْها ومُسْتَكْثِرٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ حالَ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ: أيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وفَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والأوَّلُ هو مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى مُقْتَضى المَسْلَكِ العَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أمْرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُكَرِّرَ ما أجابَ عَلَيْهِمْ سابِقًا لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، بَلْ أحَدُهُما مَعْناهُ الِاسْتِئْثارُ بِوُقُوعِها، والآخِرُ الِاسْتِئْثارُ بِكُنْهِها نَفْسِها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ بِهَذا وعَدَمِ عِلْمِ خَلْقِهُ بِهِ، لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ عِلْمِهِ بِالسّاعَةِ أيّانَ تَكُونُ ومَتى تَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّفْعِ لَهُ والدَّفْعِ عَنْهُ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَقْدِرَ عَلى عِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وفي هَذا مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والإقْرارِ بِالعَجْزِ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ العَبِيدِ والِاعْتِرافِ بِالضَّعْفِ عَنِ انْتِحالِ ما لَيْسَ لَهُ ﷺ ما فِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ لِمَن يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، ويَنْتَحِلُ عِلْمَ الغَيْبِ بِالنَّجّامَةِ أوِ الرَّمْلِ أوِ الطَّرْقِ بِالحَصا أوِ الزَّجْرِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ جِنْسَ الغَيْبِ لَتَعَرَّضْتُ لِما فِيهِ الخَيْرُ فَجَلَبْتُهُ إلى نَفْسِي، وتَوَقَّيْتُ ما فِيهِ السُّوءُ حَتّى لا يَمَسَّنِي ولَكِنِّي عَبْدٌ لا أدْرِي ما عِنْدَ رَبِّي، ولا ما قَضاهُ فِيَّ وقَدَّرَهُ لِي، فَكَيْفَ أدْرِي غَيْرَ ذَلِكَ وأتَكَلَّفُ عِلْمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي مِن قَبْلِ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لِفَعَلْتُهُ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى يَكُونُ لِي النَّصْرُ في الحَرْبِ لَقاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لَأجَبْتُ عَنْ كُلِّ ما أُسْألُ عَنْهُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأُمُورُ وغَيْرُها تَحْتَها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ لَيْسَ بِي ما تَزْعُمُونَ مِنَ الجُنُونِ، والأوْلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمْتُ الغَيْبَ ما مَسَّنِي السُّوءُ ولَحَذِرْتُ عَنْهُ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما أنا إلّا مُبْلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِأحْكامِهِ أُنْذِرُ بِها قَوْمًا وأُبَشِّرُ بِها آخَرِينَ ولَسْتُ أعْلَمُ بِغَيْبِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، واللّامُ في لِقَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الصِّفَتَيْنِ: أيْ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ، ونَذِيرٌ لِقَوْمٍ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " بَشِيرٌ "، والمُتَعَلِّقُ بِـ " نَذِيرٌ " مَحْذُوفٌ، أيْ: نَذِيرٌ لِقَوْمٍ يَكْفُرُونَ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ وعَدَمِ مُكافَأتِهِمْ لَها مِمّا يَجِبُ مِنَ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ وجَعَلَ مِن هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها، وهي حَوّاءُ خَلَقَها مِن ضِلَعٍ (p-٥١٨)مِن أضْلاعِهِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿جَعَلَ مِنها﴾ مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ ( النَّحْلِ: ٧٢ ) والأوَّلُ أوْلى، ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ: أيْ جَعَلَهُ مِنها لِأجَلِ يَسْكُنُ إلَيْها يَأْنَسُ إلَيْها ويُطَمْئِنُ بِها، فَإنَّ الجِنْسَ بِجِنْسِهِ أسْكُنُ وإلَيْهِ آنَسُ، وكانَ هَذا في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِحالَةٍ أُخْرى كانَتْ بَيْنَهُما في الدُّنْيا بَعْدَ هُبُوطِهِما، فَقالَ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الوِقاعِ، أيْ فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الجِماعِ، ووَصَفَهُ بِالخِفَّةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ إلْقاءِ النُّطْفَةِ أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً، وعِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً وعِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً أخَفُّ مِمّا بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ خَفَّ عَلَيْها هَذا الحَمْلُ مِنِ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، ولَمْ تَجِدْ مِنهُ ثِقَلًا كَما تَجِدُهُ الحَوامِلُ مِنَ النِّساءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الحَمْلِ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْضِي في حَوائِجِها لا تَجِدُ بِهِ ثِقَلًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، وقُرِئَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ، وقُرِئَ " فَمارَتْ " بِهِ مِنَ المَوْرِ، وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، وقِيلَ: المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وقَدْ رُوِيَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، ورُوِيَتْ قِراءَةُ " فَمارَتْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ " فاسْتَمَرَّتْ " بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ جَوابٌ لِما، أيْ: دَعا آدَمُ وحَوّاءُ رَبَّهُما ومالِكَ أمْرِهِما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا صالِحًا، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، أي: مِنَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وفي هَذا الدُّعاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما حَدَثَ في بَطْنِ حَوّاءَ مِن أثَرِ ذَلِكَ الجِماعِ هو مِن جِنْسِهِما وعَلِما بِثُبُوتِ النَّسْلِ المُتَأثِّرِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ.
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ ما طَلَباهُ مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ وأجابَ دُعاءَهُما ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ جاءَ إبْلِيسُ إلى حَوّاءَ وقالَ لَها: إنْ وُلَدْتِ ولَدًا فَسَمِّيهِ بِاسْمِي فَقالَتْ: وما اسْمُكَ ؟ قالَ: الحارِثُ ولَوْ سَمّى لَها نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَكانَ هَذا شِرْكًا في التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَكُنْ شِرْكًا في العِبادَةِ وإنَّما قَصَدا أنَّ الحارِثَ كانَ سَبَبَ نَجاةِ الوَلَدِ كَما يُسَمِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَبْدَ ضَيْفِهِ كَما قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎وإنِّي لِعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ∗∗∗ وما في إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الجاعِلَ شِرْكًا فِيما آتاهُما هم جِنْسُ بَنِي آدَمَ، كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنهم ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ يَعْنِي: جِنْسُ الذَّكَرِ جِنْسَ الأُنْثى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ وتَكُونُ ضَمائِرُ التَّثْنِيَةِ راجِعَةً إلى الجِنْسَيْنِ.
وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى نَحْوِ هَذا وذَكَرْنا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى لِأُمُورٍ مِنها ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِأنَّ هَذا إنَّما هو لِحَوّاءَ، ومِنها ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ لا يَكُونُ مِنهُما عِنْدَ مُقارَبَةِ وضْعِهِ هَذا الدُّعاءُ.
وقَدْ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ " شِرْكًا " عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ بِالجَمْعِ.
وأنْكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ القِراءَةَ الأُولى، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّها صَحِيحَةٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ جَعَلا لَهُ ذا شَرْكٍ، أوْ ذَوِي شِرْكٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أي كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ لَهم ولا دَفْعٍ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الشُّرَكاءِ الَّذِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا أيْ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الشَّياطِينِ مَخْلُوقُونَ، وجَمْعُهم جَمْعَ العُقَلاءِ لِاعْتِقادِ مَن جَعَلَهم شُرَكاءَ أنَّهم كَذَلِكَ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن جَعَلَهم شُرَكاءَ ﴿نَصْرًا﴾ إنْ طَلَبَهُ مِنهم ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إنْ حَصَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، ومَن عَجَزَ عَنْ نَصْرِ نَفْسِهِ فَهو عَنْ نَصْرِ غَيْرِهِ أعْجَزُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قالَ حَمَلُ بْنُ أبِي قَيْسٍ وشَمُولُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ فَإنّا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى قِيامُها ؟ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ يا مُحَمَّدُ أسِرَّ إلَيْنا السّاعَةَ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ ؟ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «تَهَيِجُ السّاعَةُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يَسْقِي عَلى ماشِيَتِهِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ، قَضاءُ اللَّهِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ: مُنْتَهاها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ يَقُولُ: لا يَأْتِي بِها إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إلّا يُصِيبُهُ مِن ضَرَرِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَقُولُ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٥١٩)قالَ: إذا جاءَتِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وسُيِّرَتِ الجِبالُ، وما يُصِيبُ الأرْضَ، وكانَ ما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَذَلِكَ ثِقَلُها فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ قالَ: فَجْأةً آمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: اسْتَحْفَيْتُ عَنْها السُّؤالَ حَتّى عَلِمْتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها: أيْ لَسْتَ تَعْلَمُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: لَطِيفٌ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم، قالَ: لَمّا سَألَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ السّاعَةِ سَألُوهُ سُؤالَ قَوْمٍ كَأنَّهم يُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا حَفِيٌّ بِهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَلَمْ يُطْلِعْ مَلَكًا ولا رَسُولًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ، يَقْرَأُ: " كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ: الهُدى والضَّلالَةُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ مَتّى أمُوتُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: العَمَلُ الصّالِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: لَعَلِمْتُ إذا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا ما أرْبَحُ فِيهِ فَلا أبِيعُ شَيْئًا لا رِبْحَ فِيهِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قالَ: لاجْتَنَبْتُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: سَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ المَرْفُوعِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَمَلَتْ حَوّاءُ فَأتاها إبْلِيسُ فَقالَ: إنِّي صاحِبُكُما الَّذِي أخْرَجْتُكُما مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعِنَّنِي أوْ لَأجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أيَلٍ، فَيَخْرُجَ مِن بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، ولَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُما، سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما أيْضًا فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما فَذَكَرَ لَهُما فَأدْرَكَهُما حُبُّ الوَلَدِ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ هَذا في بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ ولَيْسَ بِآدَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمّا اسْتَبانَ حَمْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فَشَكَّتْ أحَمَلَتْ أمْ لا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: لَوْ كُنْتَ عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَها إنَّما هي اسْتَمَرَّتْ بِالحَمْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالَ: هي النُّطْفَةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَخَفَّتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ فَقالَ: أشْفَقا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا بَشَرًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: غُلامًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: كانَ شَرِيكًا في طاعَةٍ ولَمْ يَكُنْ شَرِيكًا في عِبادَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: ما أشْرَكَ آدَمُ إنَّ أوَّلَها شُكْرٌ، وآخِرَها مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذا فَصْلٌ مِن آيَةِ آدَمَ خاصَّةً في آلِهَةِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الكُفّارِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَإذا آتاهُما صالِحًا هَوَّدا أوْ نَصَّرا، ثُمَّ قالَ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَقُولُ: يُطِيعُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وهي الشَّياطِينُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا وهي تُخْلَقُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: لِمَن يَدْعُوهم.
الأعراف 7:190
.
(p-٥١٧)قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ السّائِلُونَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلى القِيامَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، و" أيّانَ " ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنُجْحِها أوانًا
ومَعْناهُ مَعْنى مَتى، واشْتِقاقُهُ مِن أيْ، وقِيلَ: مِن أيْنَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، و﴿مُرْساها﴾ المُبْتَدَأُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومُرْساها بِضَمِّ المِيمِ: أيْ وقْتُ إرْسائِها مِن أرْساها اللَّهُ: أيْ أثْبَتَها، وبِفَتْحِ المِيمِ مَن رَسَتْ: أيْ ثَبَتَتْ، ومِنهُ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ( سَبَأٍ: ١٣ )، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ.
والمَعْنى: مَتى يُرْسِيها اللَّهُ: أيْ يُثْبِتُها ويُوقِعُها، وظاهِرُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، وظاهِرُ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ وقْتِها، فَحَصَلَ مِنَ الجَمِيعِ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ هو عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِها في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ عِلْمُها بِاعْتِبارِ وُقُوعِها عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ ولا يَهْتَدِي إلَيْها سِواهُ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يُظْهِرُها لِوَقْتِها ولا يَكْشِفُ عَنْها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ. والتَّجْلِيَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، يُقالُ: جَلّى لِي فُلانٌ الخَبَرَ: إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ، وفي اسْتِئْثارِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِ السّاعَةِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وتَدْبِيرٌ بَلِيغٌ كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أخْفاها اللَّهُ واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا خَفِيَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كانَتْ ثَقِيلَةً؛ لِأنَّ كُلَّ ما خَفِيَ عِلْمُهُ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُطِيقُها السَّماواتُ والأرْضُ لِعِظَمِها؛ لِأنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ، والنُّجُومَ تَتَناثَرُ، والبِحارَ تَنْضُبُ، وقِيلَ: عَظُمَ وصْفُها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ثَقُلَتِ المَسْألَةُ عَنْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أيْضًا ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، والبَغْتَةُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في التَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَفِيُّ العالِمُ بِالشَّيْءِ، والحَفِيُّ المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ ∗∗∗ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
يُقالُ: أحْفى في المَسْألَةِ وفي الطَّلَبِ فَهو مُحْفٍ، وحَفِيٌّ عَلى التَّكْثِيرِ مِثْلَ مُخَصِّبٍ وخَصِيبٍ.
والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، أوْ كَأنَّهُ مُسْتَقْصٍ لِلسُّؤالِ عَنْها ومُسْتَكْثِرٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ حالَ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ: أيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وفَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والأوَّلُ هو مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى مُقْتَضى المَسْلَكِ العَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أمْرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُكَرِّرَ ما أجابَ عَلَيْهِمْ سابِقًا لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، بَلْ أحَدُهُما مَعْناهُ الِاسْتِئْثارُ بِوُقُوعِها، والآخِرُ الِاسْتِئْثارُ بِكُنْهِها نَفْسِها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ بِهَذا وعَدَمِ عِلْمِ خَلْقِهُ بِهِ، لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ عِلْمِهِ بِالسّاعَةِ أيّانَ تَكُونُ ومَتى تَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّفْعِ لَهُ والدَّفْعِ عَنْهُ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَقْدِرَ عَلى عِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وفي هَذا مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والإقْرارِ بِالعَجْزِ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ العَبِيدِ والِاعْتِرافِ بِالضَّعْفِ عَنِ انْتِحالِ ما لَيْسَ لَهُ ﷺ ما فِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ لِمَن يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، ويَنْتَحِلُ عِلْمَ الغَيْبِ بِالنَّجّامَةِ أوِ الرَّمْلِ أوِ الطَّرْقِ بِالحَصا أوِ الزَّجْرِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ جِنْسَ الغَيْبِ لَتَعَرَّضْتُ لِما فِيهِ الخَيْرُ فَجَلَبْتُهُ إلى نَفْسِي، وتَوَقَّيْتُ ما فِيهِ السُّوءُ حَتّى لا يَمَسَّنِي ولَكِنِّي عَبْدٌ لا أدْرِي ما عِنْدَ رَبِّي، ولا ما قَضاهُ فِيَّ وقَدَّرَهُ لِي، فَكَيْفَ أدْرِي غَيْرَ ذَلِكَ وأتَكَلَّفُ عِلْمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي مِن قَبْلِ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لِفَعَلْتُهُ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى يَكُونُ لِي النَّصْرُ في الحَرْبِ لَقاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لَأجَبْتُ عَنْ كُلِّ ما أُسْألُ عَنْهُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأُمُورُ وغَيْرُها تَحْتَها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ لَيْسَ بِي ما تَزْعُمُونَ مِنَ الجُنُونِ، والأوْلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمْتُ الغَيْبَ ما مَسَّنِي السُّوءُ ولَحَذِرْتُ عَنْهُ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما أنا إلّا مُبْلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِأحْكامِهِ أُنْذِرُ بِها قَوْمًا وأُبَشِّرُ بِها آخَرِينَ ولَسْتُ أعْلَمُ بِغَيْبِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، واللّامُ في لِقَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الصِّفَتَيْنِ: أيْ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ، ونَذِيرٌ لِقَوْمٍ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " بَشِيرٌ "، والمُتَعَلِّقُ بِـ " نَذِيرٌ " مَحْذُوفٌ، أيْ: نَذِيرٌ لِقَوْمٍ يَكْفُرُونَ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ وعَدَمِ مُكافَأتِهِمْ لَها مِمّا يَجِبُ مِنَ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ وجَعَلَ مِن هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها، وهي حَوّاءُ خَلَقَها مِن ضِلَعٍ (p-٥١٨)مِن أضْلاعِهِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿جَعَلَ مِنها﴾ مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ ( النَّحْلِ: ٧٢ ) والأوَّلُ أوْلى، ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ: أيْ جَعَلَهُ مِنها لِأجَلِ يَسْكُنُ إلَيْها يَأْنَسُ إلَيْها ويُطَمْئِنُ بِها، فَإنَّ الجِنْسَ بِجِنْسِهِ أسْكُنُ وإلَيْهِ آنَسُ، وكانَ هَذا في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِحالَةٍ أُخْرى كانَتْ بَيْنَهُما في الدُّنْيا بَعْدَ هُبُوطِهِما، فَقالَ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الوِقاعِ، أيْ فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الجِماعِ، ووَصَفَهُ بِالخِفَّةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ إلْقاءِ النُّطْفَةِ أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً، وعِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً وعِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً أخَفُّ مِمّا بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ خَفَّ عَلَيْها هَذا الحَمْلُ مِنِ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، ولَمْ تَجِدْ مِنهُ ثِقَلًا كَما تَجِدُهُ الحَوامِلُ مِنَ النِّساءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الحَمْلِ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْضِي في حَوائِجِها لا تَجِدُ بِهِ ثِقَلًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، وقُرِئَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ، وقُرِئَ " فَمارَتْ " بِهِ مِنَ المَوْرِ، وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، وقِيلَ: المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وقَدْ رُوِيَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، ورُوِيَتْ قِراءَةُ " فَمارَتْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ " فاسْتَمَرَّتْ " بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ جَوابٌ لِما، أيْ: دَعا آدَمُ وحَوّاءُ رَبَّهُما ومالِكَ أمْرِهِما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا صالِحًا، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، أي: مِنَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وفي هَذا الدُّعاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما حَدَثَ في بَطْنِ حَوّاءَ مِن أثَرِ ذَلِكَ الجِماعِ هو مِن جِنْسِهِما وعَلِما بِثُبُوتِ النَّسْلِ المُتَأثِّرِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ.
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ ما طَلَباهُ مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ وأجابَ دُعاءَهُما ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ جاءَ إبْلِيسُ إلى حَوّاءَ وقالَ لَها: إنْ وُلَدْتِ ولَدًا فَسَمِّيهِ بِاسْمِي فَقالَتْ: وما اسْمُكَ ؟ قالَ: الحارِثُ ولَوْ سَمّى لَها نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَكانَ هَذا شِرْكًا في التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَكُنْ شِرْكًا في العِبادَةِ وإنَّما قَصَدا أنَّ الحارِثَ كانَ سَبَبَ نَجاةِ الوَلَدِ كَما يُسَمِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَبْدَ ضَيْفِهِ كَما قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎وإنِّي لِعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ∗∗∗ وما في إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الجاعِلَ شِرْكًا فِيما آتاهُما هم جِنْسُ بَنِي آدَمَ، كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنهم ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ يَعْنِي: جِنْسُ الذَّكَرِ جِنْسَ الأُنْثى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ وتَكُونُ ضَمائِرُ التَّثْنِيَةِ راجِعَةً إلى الجِنْسَيْنِ.
وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى نَحْوِ هَذا وذَكَرْنا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى لِأُمُورٍ مِنها ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِأنَّ هَذا إنَّما هو لِحَوّاءَ، ومِنها ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ لا يَكُونُ مِنهُما عِنْدَ مُقارَبَةِ وضْعِهِ هَذا الدُّعاءُ.
وقَدْ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ " شِرْكًا " عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ بِالجَمْعِ.
وأنْكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ القِراءَةَ الأُولى، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّها صَحِيحَةٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ جَعَلا لَهُ ذا شَرْكٍ، أوْ ذَوِي شِرْكٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أي كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ لَهم ولا دَفْعٍ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الشُّرَكاءِ الَّذِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا أيْ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الشَّياطِينِ مَخْلُوقُونَ، وجَمْعُهم جَمْعَ العُقَلاءِ لِاعْتِقادِ مَن جَعَلَهم شُرَكاءَ أنَّهم كَذَلِكَ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن جَعَلَهم شُرَكاءَ ﴿نَصْرًا﴾ إنْ طَلَبَهُ مِنهم ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إنْ حَصَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، ومَن عَجَزَ عَنْ نَصْرِ نَفْسِهِ فَهو عَنْ نَصْرِ غَيْرِهِ أعْجَزُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قالَ حَمَلُ بْنُ أبِي قَيْسٍ وشَمُولُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ فَإنّا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى قِيامُها ؟ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ يا مُحَمَّدُ أسِرَّ إلَيْنا السّاعَةَ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ ؟ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «تَهَيِجُ السّاعَةُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يَسْقِي عَلى ماشِيَتِهِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ، قَضاءُ اللَّهِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ: مُنْتَهاها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ يَقُولُ: لا يَأْتِي بِها إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إلّا يُصِيبُهُ مِن ضَرَرِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَقُولُ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٥١٩)قالَ: إذا جاءَتِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وسُيِّرَتِ الجِبالُ، وما يُصِيبُ الأرْضَ، وكانَ ما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَذَلِكَ ثِقَلُها فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ قالَ: فَجْأةً آمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: اسْتَحْفَيْتُ عَنْها السُّؤالَ حَتّى عَلِمْتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها: أيْ لَسْتَ تَعْلَمُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: لَطِيفٌ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم، قالَ: لَمّا سَألَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ السّاعَةِ سَألُوهُ سُؤالَ قَوْمٍ كَأنَّهم يُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا حَفِيٌّ بِهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَلَمْ يُطْلِعْ مَلَكًا ولا رَسُولًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ، يَقْرَأُ: " كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ: الهُدى والضَّلالَةُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ مَتّى أمُوتُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: العَمَلُ الصّالِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: لَعَلِمْتُ إذا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا ما أرْبَحُ فِيهِ فَلا أبِيعُ شَيْئًا لا رِبْحَ فِيهِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قالَ: لاجْتَنَبْتُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: سَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ المَرْفُوعِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَمَلَتْ حَوّاءُ فَأتاها إبْلِيسُ فَقالَ: إنِّي صاحِبُكُما الَّذِي أخْرَجْتُكُما مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعِنَّنِي أوْ لَأجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أيَلٍ، فَيَخْرُجَ مِن بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، ولَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُما، سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما أيْضًا فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما فَذَكَرَ لَهُما فَأدْرَكَهُما حُبُّ الوَلَدِ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ هَذا في بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ ولَيْسَ بِآدَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمّا اسْتَبانَ حَمْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فَشَكَّتْ أحَمَلَتْ أمْ لا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: لَوْ كُنْتَ عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَها إنَّما هي اسْتَمَرَّتْ بِالحَمْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالَ: هي النُّطْفَةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَخَفَّتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ فَقالَ: أشْفَقا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا بَشَرًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: غُلامًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: كانَ شَرِيكًا في طاعَةٍ ولَمْ يَكُنْ شَرِيكًا في عِبادَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: ما أشْرَكَ آدَمُ إنَّ أوَّلَها شُكْرٌ، وآخِرَها مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذا فَصْلٌ مِن آيَةِ آدَمَ خاصَّةً في آلِهَةِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الكُفّارِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَإذا آتاهُما صالِحًا هَوَّدا أوْ نَصَّرا، ثُمَّ قالَ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَقُولُ: يُطِيعُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وهي الشَّياطِينُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا وهي تُخْلَقُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: لِمَن يَدْعُوهم.
الأعراف 7:191
.
(p-٥١٧)قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ السّائِلُونَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلى القِيامَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، و" أيّانَ " ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنُجْحِها أوانًا
ومَعْناهُ مَعْنى مَتى، واشْتِقاقُهُ مِن أيْ، وقِيلَ: مِن أيْنَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، و﴿مُرْساها﴾ المُبْتَدَأُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومُرْساها بِضَمِّ المِيمِ: أيْ وقْتُ إرْسائِها مِن أرْساها اللَّهُ: أيْ أثْبَتَها، وبِفَتْحِ المِيمِ مَن رَسَتْ: أيْ ثَبَتَتْ، ومِنهُ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ( سَبَأٍ: ١٣ )، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ.
والمَعْنى: مَتى يُرْسِيها اللَّهُ: أيْ يُثْبِتُها ويُوقِعُها، وظاهِرُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، وظاهِرُ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ وقْتِها، فَحَصَلَ مِنَ الجَمِيعِ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ هو عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِها في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ عِلْمُها بِاعْتِبارِ وُقُوعِها عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ ولا يَهْتَدِي إلَيْها سِواهُ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يُظْهِرُها لِوَقْتِها ولا يَكْشِفُ عَنْها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ. والتَّجْلِيَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، يُقالُ: جَلّى لِي فُلانٌ الخَبَرَ: إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ، وفي اسْتِئْثارِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِ السّاعَةِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وتَدْبِيرٌ بَلِيغٌ كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أخْفاها اللَّهُ واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا خَفِيَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كانَتْ ثَقِيلَةً؛ لِأنَّ كُلَّ ما خَفِيَ عِلْمُهُ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُطِيقُها السَّماواتُ والأرْضُ لِعِظَمِها؛ لِأنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ، والنُّجُومَ تَتَناثَرُ، والبِحارَ تَنْضُبُ، وقِيلَ: عَظُمَ وصْفُها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ثَقُلَتِ المَسْألَةُ عَنْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أيْضًا ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، والبَغْتَةُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في التَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَفِيُّ العالِمُ بِالشَّيْءِ، والحَفِيُّ المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ ∗∗∗ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
يُقالُ: أحْفى في المَسْألَةِ وفي الطَّلَبِ فَهو مُحْفٍ، وحَفِيٌّ عَلى التَّكْثِيرِ مِثْلَ مُخَصِّبٍ وخَصِيبٍ.
والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، أوْ كَأنَّهُ مُسْتَقْصٍ لِلسُّؤالِ عَنْها ومُسْتَكْثِرٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ حالَ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ: أيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وفَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والأوَّلُ هو مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى مُقْتَضى المَسْلَكِ العَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أمْرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُكَرِّرَ ما أجابَ عَلَيْهِمْ سابِقًا لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، بَلْ أحَدُهُما مَعْناهُ الِاسْتِئْثارُ بِوُقُوعِها، والآخِرُ الِاسْتِئْثارُ بِكُنْهِها نَفْسِها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ بِهَذا وعَدَمِ عِلْمِ خَلْقِهُ بِهِ، لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ عِلْمِهِ بِالسّاعَةِ أيّانَ تَكُونُ ومَتى تَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّفْعِ لَهُ والدَّفْعِ عَنْهُ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَقْدِرَ عَلى عِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وفي هَذا مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والإقْرارِ بِالعَجْزِ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ العَبِيدِ والِاعْتِرافِ بِالضَّعْفِ عَنِ انْتِحالِ ما لَيْسَ لَهُ ﷺ ما فِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ لِمَن يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، ويَنْتَحِلُ عِلْمَ الغَيْبِ بِالنَّجّامَةِ أوِ الرَّمْلِ أوِ الطَّرْقِ بِالحَصا أوِ الزَّجْرِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ جِنْسَ الغَيْبِ لَتَعَرَّضْتُ لِما فِيهِ الخَيْرُ فَجَلَبْتُهُ إلى نَفْسِي، وتَوَقَّيْتُ ما فِيهِ السُّوءُ حَتّى لا يَمَسَّنِي ولَكِنِّي عَبْدٌ لا أدْرِي ما عِنْدَ رَبِّي، ولا ما قَضاهُ فِيَّ وقَدَّرَهُ لِي، فَكَيْفَ أدْرِي غَيْرَ ذَلِكَ وأتَكَلَّفُ عِلْمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي مِن قَبْلِ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لِفَعَلْتُهُ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى يَكُونُ لِي النَّصْرُ في الحَرْبِ لَقاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لَأجَبْتُ عَنْ كُلِّ ما أُسْألُ عَنْهُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأُمُورُ وغَيْرُها تَحْتَها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ لَيْسَ بِي ما تَزْعُمُونَ مِنَ الجُنُونِ، والأوْلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمْتُ الغَيْبَ ما مَسَّنِي السُّوءُ ولَحَذِرْتُ عَنْهُ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما أنا إلّا مُبْلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِأحْكامِهِ أُنْذِرُ بِها قَوْمًا وأُبَشِّرُ بِها آخَرِينَ ولَسْتُ أعْلَمُ بِغَيْبِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، واللّامُ في لِقَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الصِّفَتَيْنِ: أيْ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ، ونَذِيرٌ لِقَوْمٍ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " بَشِيرٌ "، والمُتَعَلِّقُ بِـ " نَذِيرٌ " مَحْذُوفٌ، أيْ: نَذِيرٌ لِقَوْمٍ يَكْفُرُونَ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ وعَدَمِ مُكافَأتِهِمْ لَها مِمّا يَجِبُ مِنَ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ وجَعَلَ مِن هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها، وهي حَوّاءُ خَلَقَها مِن ضِلَعٍ (p-٥١٨)مِن أضْلاعِهِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿جَعَلَ مِنها﴾ مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ ( النَّحْلِ: ٧٢ ) والأوَّلُ أوْلى، ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ: أيْ جَعَلَهُ مِنها لِأجَلِ يَسْكُنُ إلَيْها يَأْنَسُ إلَيْها ويُطَمْئِنُ بِها، فَإنَّ الجِنْسَ بِجِنْسِهِ أسْكُنُ وإلَيْهِ آنَسُ، وكانَ هَذا في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِحالَةٍ أُخْرى كانَتْ بَيْنَهُما في الدُّنْيا بَعْدَ هُبُوطِهِما، فَقالَ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الوِقاعِ، أيْ فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الجِماعِ، ووَصَفَهُ بِالخِفَّةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ إلْقاءِ النُّطْفَةِ أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً، وعِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً وعِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً أخَفُّ مِمّا بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ خَفَّ عَلَيْها هَذا الحَمْلُ مِنِ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، ولَمْ تَجِدْ مِنهُ ثِقَلًا كَما تَجِدُهُ الحَوامِلُ مِنَ النِّساءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الحَمْلِ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْضِي في حَوائِجِها لا تَجِدُ بِهِ ثِقَلًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، وقُرِئَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ، وقُرِئَ " فَمارَتْ " بِهِ مِنَ المَوْرِ، وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، وقِيلَ: المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وقَدْ رُوِيَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، ورُوِيَتْ قِراءَةُ " فَمارَتْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ " فاسْتَمَرَّتْ " بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ جَوابٌ لِما، أيْ: دَعا آدَمُ وحَوّاءُ رَبَّهُما ومالِكَ أمْرِهِما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا صالِحًا، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، أي: مِنَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وفي هَذا الدُّعاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما حَدَثَ في بَطْنِ حَوّاءَ مِن أثَرِ ذَلِكَ الجِماعِ هو مِن جِنْسِهِما وعَلِما بِثُبُوتِ النَّسْلِ المُتَأثِّرِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ.
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ ما طَلَباهُ مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ وأجابَ دُعاءَهُما ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ جاءَ إبْلِيسُ إلى حَوّاءَ وقالَ لَها: إنْ وُلَدْتِ ولَدًا فَسَمِّيهِ بِاسْمِي فَقالَتْ: وما اسْمُكَ ؟ قالَ: الحارِثُ ولَوْ سَمّى لَها نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَكانَ هَذا شِرْكًا في التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَكُنْ شِرْكًا في العِبادَةِ وإنَّما قَصَدا أنَّ الحارِثَ كانَ سَبَبَ نَجاةِ الوَلَدِ كَما يُسَمِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَبْدَ ضَيْفِهِ كَما قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎وإنِّي لِعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ∗∗∗ وما في إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الجاعِلَ شِرْكًا فِيما آتاهُما هم جِنْسُ بَنِي آدَمَ، كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنهم ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ يَعْنِي: جِنْسُ الذَّكَرِ جِنْسَ الأُنْثى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ وتَكُونُ ضَمائِرُ التَّثْنِيَةِ راجِعَةً إلى الجِنْسَيْنِ.
وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى نَحْوِ هَذا وذَكَرْنا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى لِأُمُورٍ مِنها ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِأنَّ هَذا إنَّما هو لِحَوّاءَ، ومِنها ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ لا يَكُونُ مِنهُما عِنْدَ مُقارَبَةِ وضْعِهِ هَذا الدُّعاءُ.
وقَدْ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ " شِرْكًا " عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ بِالجَمْعِ.
وأنْكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ القِراءَةَ الأُولى، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّها صَحِيحَةٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ جَعَلا لَهُ ذا شَرْكٍ، أوْ ذَوِي شِرْكٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أي كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ لَهم ولا دَفْعٍ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الشُّرَكاءِ الَّذِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا أيْ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الشَّياطِينِ مَخْلُوقُونَ، وجَمْعُهم جَمْعَ العُقَلاءِ لِاعْتِقادِ مَن جَعَلَهم شُرَكاءَ أنَّهم كَذَلِكَ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن جَعَلَهم شُرَكاءَ ﴿نَصْرًا﴾ إنْ طَلَبَهُ مِنهم ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إنْ حَصَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، ومَن عَجَزَ عَنْ نَصْرِ نَفْسِهِ فَهو عَنْ نَصْرِ غَيْرِهِ أعْجَزُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قالَ حَمَلُ بْنُ أبِي قَيْسٍ وشَمُولُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ فَإنّا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى قِيامُها ؟ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ يا مُحَمَّدُ أسِرَّ إلَيْنا السّاعَةَ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ ؟ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «تَهَيِجُ السّاعَةُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يَسْقِي عَلى ماشِيَتِهِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ، قَضاءُ اللَّهِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ: مُنْتَهاها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ يَقُولُ: لا يَأْتِي بِها إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إلّا يُصِيبُهُ مِن ضَرَرِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَقُولُ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٥١٩)قالَ: إذا جاءَتِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وسُيِّرَتِ الجِبالُ، وما يُصِيبُ الأرْضَ، وكانَ ما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَذَلِكَ ثِقَلُها فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ قالَ: فَجْأةً آمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: اسْتَحْفَيْتُ عَنْها السُّؤالَ حَتّى عَلِمْتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها: أيْ لَسْتَ تَعْلَمُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: لَطِيفٌ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم، قالَ: لَمّا سَألَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ السّاعَةِ سَألُوهُ سُؤالَ قَوْمٍ كَأنَّهم يُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا حَفِيٌّ بِهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَلَمْ يُطْلِعْ مَلَكًا ولا رَسُولًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ، يَقْرَأُ: " كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ: الهُدى والضَّلالَةُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ مَتّى أمُوتُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: العَمَلُ الصّالِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: لَعَلِمْتُ إذا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا ما أرْبَحُ فِيهِ فَلا أبِيعُ شَيْئًا لا رِبْحَ فِيهِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قالَ: لاجْتَنَبْتُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: سَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ المَرْفُوعِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَمَلَتْ حَوّاءُ فَأتاها إبْلِيسُ فَقالَ: إنِّي صاحِبُكُما الَّذِي أخْرَجْتُكُما مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعِنَّنِي أوْ لَأجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أيَلٍ، فَيَخْرُجَ مِن بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، ولَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُما، سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما أيْضًا فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما فَذَكَرَ لَهُما فَأدْرَكَهُما حُبُّ الوَلَدِ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ هَذا في بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ ولَيْسَ بِآدَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمّا اسْتَبانَ حَمْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فَشَكَّتْ أحَمَلَتْ أمْ لا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: لَوْ كُنْتَ عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَها إنَّما هي اسْتَمَرَّتْ بِالحَمْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالَ: هي النُّطْفَةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَخَفَّتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ فَقالَ: أشْفَقا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا بَشَرًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: غُلامًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: كانَ شَرِيكًا في طاعَةٍ ولَمْ يَكُنْ شَرِيكًا في عِبادَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: ما أشْرَكَ آدَمُ إنَّ أوَّلَها شُكْرٌ، وآخِرَها مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذا فَصْلٌ مِن آيَةِ آدَمَ خاصَّةً في آلِهَةِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الكُفّارِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَإذا آتاهُما صالِحًا هَوَّدا أوْ نَصَّرا، ثُمَّ قالَ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَقُولُ: يُطِيعُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وهي الشَّياطِينُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا وهي تُخْلَقُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: لِمَن يَدْعُوهم.
الأعراف 7:192
.
(p-٥١٧)قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ السّائِلُونَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: قُرَيْشٌ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلى القِيامَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، و" أيّانَ " ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، قالَ الرّاجِزُ:
؎أيّانَ تَقْضِي حاجَتِي أيّانا أما تَرى لِنُجْحِها أوانًا
ومَعْناهُ مَعْنى مَتى، واشْتِقاقُهُ مِن أيْ، وقِيلَ: مِن أيْنَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الخَبَرِ، و﴿مُرْساها﴾ المُبْتَدَأُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومُرْساها بِضَمِّ المِيمِ: أيْ وقْتُ إرْسائِها مِن أرْساها اللَّهُ: أيْ أثْبَتَها، وبِفَتْحِ المِيمِ مَن رَسَتْ: أيْ ثَبَتَتْ، ومِنهُ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ( سَبَأٍ: ١٣ )، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ.
والمَعْنى: مَتى يُرْسِيها اللَّهُ: أيْ يُثْبِتُها ويُوقِعُها، وظاهِرُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، وظاهِرُ ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أنَّ السُّؤالَ عَنْ وقْتِها، فَحَصَلَ مِنَ الجَمِيعِ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ هو عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِها في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ عِلْمُها بِاعْتِبارِ وُقُوعِها عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ ولا يَهْتَدِي إلَيْها سِواهُ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يُظْهِرُها لِوَقْتِها ولا يَكْشِفُ عَنْها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ. والتَّجْلِيَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، يُقالُ: جَلّى لِي فُلانٌ الخَبَرَ: إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ، وفي اسْتِئْثارِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِ السّاعَةِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وتَدْبِيرٌ بَلِيغٌ كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أخْفاها اللَّهُ واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا خَفِيَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كانَتْ ثَقِيلَةً؛ لِأنَّ كُلَّ ما خَفِيَ عِلْمُهُ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُطِيقُها السَّماواتُ والأرْضُ لِعِظَمِها؛ لِأنَّ السَّماءَ تَنْشَقُّ، والنُّجُومَ تَتَناثَرُ، والبِحارَ تَنْضُبُ، وقِيلَ: عَظُمَ وصْفُها عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ثَقُلَتِ المَسْألَةُ عَنْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أيْضًا ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، والبَغْتَةُ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في التَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَفِيُّ العالِمُ بِالشَّيْءِ، والحَفِيُّ المُسْتَقْصِي في السُّؤالِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيا رُبَّ سائِلٍ ∗∗∗ حَفِيٍّ عَنِ الأعْشى بِهِ حَيْثُ أصْعَدا
يُقالُ: أحْفى في المَسْألَةِ وفي الطَّلَبِ فَهو مُحْفٍ، وحَفِيٌّ عَلى التَّكْثِيرِ مِثْلَ مُخَصِّبٍ وخَصِيبٍ.
والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، أوْ كَأنَّهُ مُسْتَقْصٍ لِلسُّؤالِ عَنْها ومُسْتَكْثِرٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ حالَ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ: أيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وفَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.
والأوَّلُ هو مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى مُقْتَضى المَسْلَكِ العَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أمْرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُكَرِّرَ ما أجابَ عَلَيْهِمْ سابِقًا لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، بَلْ أحَدُهُما مَعْناهُ الِاسْتِئْثارُ بِوُقُوعِها، والآخِرُ الِاسْتِئْثارُ بِكُنْهِها نَفْسِها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ بِهَذا وعَدَمِ عِلْمِ خَلْقِهُ بِهِ، لَمْ يَعْلَمْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ عِلْمِهِ بِالسّاعَةِ أيّانَ تَكُونُ ومَتى تَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّفْعِ لَهُ والدَّفْعِ عَنْهُ، فَبِالأوْلى أنْ لا يَقْدِرَ عَلى عِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وفي هَذا مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والإقْرارِ بِالعَجْزِ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ العَبِيدِ والِاعْتِرافِ بِالضَّعْفِ عَنِ انْتِحالِ ما لَيْسَ لَهُ ﷺ ما فِيهِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ لِمَن يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، ويَنْتَحِلُ عِلْمَ الغَيْبِ بِالنَّجّامَةِ أوِ الرَّمْلِ أوِ الطَّرْقِ بِالحَصا أوِ الزَّجْرِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ جِنْسَ الغَيْبِ لَتَعَرَّضْتُ لِما فِيهِ الخَيْرُ فَجَلَبْتُهُ إلى نَفْسِي، وتَوَقَّيْتُ ما فِيهِ السُّوءُ حَتّى لا يَمَسَّنِي ولَكِنِّي عَبْدٌ لا أدْرِي ما عِنْدَ رَبِّي، ولا ما قَضاهُ فِيَّ وقَدَّرَهُ لِي، فَكَيْفَ أدْرِي غَيْرَ ذَلِكَ وأتَكَلَّفُ عِلْمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي مِن قَبْلِ أنْ يُعَرِّفَنِيهِ لِفَعَلْتُهُ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى يَكُونُ لِي النَّصْرُ في الحَرْبِ لَقاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ، وقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لَأجَبْتُ عَنْ كُلِّ ما أُسْألُ عَنْهُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ؛ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الأُمُورُ وغَيْرُها تَحْتَها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ لَيْسَ بِي ما تَزْعُمُونَ مِنَ الجُنُونِ، والأوْلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمْتُ الغَيْبَ ما مَسَّنِي السُّوءُ ولَحَذِرْتُ عَنْهُ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ما أنا إلّا مُبْلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِأحْكامِهِ أُنْذِرُ بِها قَوْمًا وأُبَشِّرُ بِها آخَرِينَ ولَسْتُ أعْلَمُ بِغَيْبِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، واللّامُ في لِقَوْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الصِّفَتَيْنِ: أيْ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ، ونَذِيرٌ لِقَوْمٍ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " بَشِيرٌ "، والمُتَعَلِّقُ بِـ " نَذِيرٌ " مَحْذُوفٌ، أيْ: نَذِيرٌ لِقَوْمٍ يَكْفُرُونَ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ وعَدَمِ مُكافَأتِهِمْ لَها مِمّا يَجِبُ مِنَ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسِ آدَمَ وجَعَلَ مِن هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها، وهي حَوّاءُ خَلَقَها مِن ضِلَعٍ (p-٥١٨)مِن أضْلاعِهِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿جَعَلَ مِنها﴾ مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ ( النَّحْلِ: ٧٢ ) والأوَّلُ أوْلى، ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ: أيْ جَعَلَهُ مِنها لِأجَلِ يَسْكُنُ إلَيْها يَأْنَسُ إلَيْها ويُطَمْئِنُ بِها، فَإنَّ الجِنْسَ بِجِنْسِهِ أسْكُنُ وإلَيْهِ آنَسُ، وكانَ هَذا في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِحالَةٍ أُخْرى كانَتْ بَيْنَهُما في الدُّنْيا بَعْدَ هُبُوطِهِما، فَقالَ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الوِقاعِ، أيْ فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الجِماعِ، ووَصَفَهُ بِالخِفَّةِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ إلْقاءِ النُّطْفَةِ أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً، وعِنْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً أخَفُّ مِنهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً وعِنْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً أخَفُّ مِمّا بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ خَفَّ عَلَيْها هَذا الحَمْلُ مِنِ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، ولَمْ تَجِدْ مِنهُ ثِقَلًا كَما تَجِدُهُ الحَوامِلُ مِنَ النِّساءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الحَمْلِ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْضِي في حَوائِجِها لا تَجِدُ بِهِ ثِقَلًا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، وقُرِئَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ فَجَزِعَتْ لِذَلِكَ، وقُرِئَ " فَمارَتْ " بِهِ مِنَ المَوْرِ، وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، وقِيلَ: المَعْنى: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وقَدْ رُوِيَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، ورُوِيَتْ قِراءَةُ " فَمارَتْ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ " فاسْتَمَرَّتْ " بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ جَوابٌ لِما، أيْ: دَعا آدَمُ وحَوّاءُ رَبَّهُما ومالِكَ أمْرِهِما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا صالِحًا، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، و﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، أي: مِنَ الشّاكِرِينَ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وفي هَذا الدُّعاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما حَدَثَ في بَطْنِ حَوّاءَ مِن أثَرِ ذَلِكَ الجِماعِ هو مِن جِنْسِهِما وعَلِما بِثُبُوتِ النَّسْلِ المُتَأثِّرِ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ.
﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ ما طَلَباهُ مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ وأجابَ دُعاءَهُما ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ جاءَ إبْلِيسُ إلى حَوّاءَ وقالَ لَها: إنْ وُلَدْتِ ولَدًا فَسَمِّيهِ بِاسْمِي فَقالَتْ: وما اسْمُكَ ؟ قالَ: الحارِثُ ولَوْ سَمّى لَها نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَكانَ هَذا شِرْكًا في التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَكُنْ شِرْكًا في العِبادَةِ وإنَّما قَصَدا أنَّ الحارِثَ كانَ سَبَبَ نَجاةِ الوَلَدِ كَما يُسَمِّي الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَبْدَ ضَيْفِهِ كَما قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎وإنِّي لِعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ∗∗∗ وما في إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الجاعِلَ شِرْكًا فِيما آتاهُما هم جِنْسُ بَنِي آدَمَ، كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنهم ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا جَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ مِن هَيْئَةٍ واحِدَةٍ وشَكْلٍ واحِدٍ ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ يَعْنِي: جِنْسُ الذَّكَرِ جِنْسَ الأُنْثى، وعَلى هَذا لا يَكُونُ لِآدَمَ وحَوّاءَ ذِكْرٌ في الآيَةِ وتَكُونُ ضَمائِرُ التَّثْنِيَةِ راجِعَةً إلى الجِنْسَيْنِ.
وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى نَحْوِ هَذا وذَكَرْنا أنَّهُ خِلافُ الأوْلى لِأُمُورٍ مِنها ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِأنَّ هَذا إنَّما هو لِحَوّاءَ، ومِنها ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ لا يَكُونُ مِنهُما عِنْدَ مُقارَبَةِ وضْعِهِ هَذا الدُّعاءُ.
وقَدْ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ " شِرْكًا " عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ بِالجَمْعِ.
وأنْكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ القِراءَةَ الأُولى، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّها صَحِيحَةٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ جَعَلا لَهُ ذا شَرْكٍ، أوْ ذَوِي شِرْكٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أي كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ لَهم ولا دَفْعٍ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الشُّرَكاءِ الَّذِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا أيْ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ مِنَ الأصْنامِ أوِ الشَّياطِينِ مَخْلُوقُونَ، وجَمْعُهم جَمْعَ العُقَلاءِ لِاعْتِقادِ مَن جَعَلَهم شُرَكاءَ أنَّهم كَذَلِكَ.
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن جَعَلَهم شُرَكاءَ ﴿نَصْرًا﴾ إنْ طَلَبَهُ مِنهم ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إنْ حَصَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، ومَن عَجَزَ عَنْ نَصْرِ نَفْسِهِ فَهو عَنْ نَصْرِ غَيْرِهِ أعْجَزُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قالَ حَمَلُ بْنُ أبِي قَيْسٍ وشَمُولُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ فَإنّا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى قِيامُها ؟ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ يا مُحَمَّدُ أسِرَّ إلَيْنا السّاعَةَ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ ؟ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «تَهَيِجُ السّاعَةُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يَسْقِي عَلى ماشِيَتِهِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوقِ، قَضاءُ اللَّهِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ: مُنْتَهاها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ يَقُولُ: لا يَأْتِي بِها إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إلّا يُصِيبُهُ مِن ضَرَرِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَقُولُ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٥١٩)قالَ: إذا جاءَتِ انْشَقَّتِ السَّماءُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وسُيِّرَتِ الجِبالُ، وما يُصِيبُ الأرْضَ، وكانَ ما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فَذَلِكَ ثِقَلُها فِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ قالَ: فَجْأةً آمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: اسْتَحْفَيْتُ عَنْها السُّؤالَ حَتّى عَلِمْتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها: أيْ لَسْتَ تَعْلَمُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ: لَطِيفٌ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَقُولُ: كَأنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم، قالَ: لَمّا سَألَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ السّاعَةِ سَألُوهُ سُؤالَ قَوْمٍ كَأنَّهم يُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا حَفِيٌّ بِهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَلَمْ يُطْلِعْ مَلَكًا ولا رَسُولًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ، يَقْرَأُ: " كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها " .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ: الهُدى والضَّلالَةُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ مَتّى أمُوتُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: العَمَلُ الصّالِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: لَعَلِمْتُ إذا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا ما أرْبَحُ فِيهِ فَلا أبِيعُ شَيْئًا لا رِبْحَ فِيهِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قالَ: لاجْتَنَبْتُ ما يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا ولَدَتْ حَوّاءُ طافَ بِها إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَعاشَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: سَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ المَرْفُوعِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَمَلَتْ حَوّاءُ فَأتاها إبْلِيسُ فَقالَ: إنِّي صاحِبُكُما الَّذِي أخْرَجْتُكُما مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعِنَّنِي أوْ لَأجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أيَلٍ، فَيَخْرُجَ مِن بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، ولَأفْعَلَنَّ ولَأفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُما، سَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما أيْضًا فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأبَيا أنْ يُطِيعاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأتاهُما فَذَكَرَ لَهُما فَأدْرَكَهُما حُبُّ الوَلَدِ فَسَمَّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ هَذا في بَعْضِ أهْلِ المِلَلِ ولَيْسَ بِآدَمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمّا اسْتَبانَ حَمْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فَشَكَّتْ أحَمَلَتْ أمْ لا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: لَوْ كُنْتَ عَرَبِيًّا لَعَرَفْتَها إنَّما هي اسْتَمَرَّتْ بِالحَمْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالَ: هي النُّطْفَةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قالَ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَخَفَّتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ فَقالَ: أشْفَقا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا بَشَرًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: غُلامًا سَوِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قالَ: كانَ شَرِيكًا في طاعَةٍ ولَمْ يَكُنْ شَرِيكًا في عِبادَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: ما أشْرَكَ آدَمُ إنَّ أوَّلَها شُكْرٌ، وآخِرَها مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِمَن بَعْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذا فَصْلٌ مِن آيَةِ آدَمَ خاصَّةً في آلِهَةِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الكُفّارِ يَدْعُونَ اللَّهَ فَإذا آتاهُما صالِحًا هَوَّدا أوْ نَصَّرا، ثُمَّ قالَ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَقُولُ: يُطِيعُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، وهي الشَّياطِينُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا وهي تُخْلَقُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: لِمَن يَدْعُوهم.
الأعراف 7:193
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:194
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:195
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:196
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:197
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:198
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:199
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أيْ وإنْ تَدْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ إلى الهُدى والرَّشادِ بِأنْ تَطْلُبُوا مِنهم أنْ يَهْدُوكم ويُرْشِدُوكم لا يَتَّبِعُوكم ولا يُجِيبُوكم إلى ذَلِكَ، وهو دُونُ ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم مِن جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ وإنْ (p-٥٢٠)تَدْعُوهم: أيِ الأصْنامَ إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم، وقِيلَ: المُرادُ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.
وقُرِئَ " لا يَتَّبِعُوكم " مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وهُما لُغَتانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اتْبَعَهُ مُخَفَّفًا: إذا مَضى خَلْفَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، واتَّبَعَهُ مُشَدَّدًا: إذا مَضى خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ، وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ دُعاؤُكم لَهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وعَدَمُهُ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، لِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُجِيبُونَ، وقالَ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مَكانَ أصَمَتُّمْ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: إنَّما جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِكَوْنِها رَأْسَ آيَةٍ، يَعْنِي لِمُطابَقَةِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ وما قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم﴾ أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً هم عِبادٌ لِلَّهِ كَما أنْتُمْ عِبادٌ لَهُ مَعَ أنَّكم أكْمَلُ مِنهم، لِأنَّكم أحْياءٌ تَنْطِقُونَ وتَمْشُونَ وتَسْمَعُونَ وتُبْصِرُونَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مِثْلُكم في كَوْنِها مَمْلُوكَةً لِلَّهِ مُسَخَّرَةً لِأمْرِهِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم بالِغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم عَظِيمٌ، وجُمْلَةُ ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن أنَّهم إنْ دَعَوْهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوهم، وأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا: أيِ ادْعُوا هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ، فَإنْ كانُوا كَما تَزْعُمُونَ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لَهم مِن قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ وما بَعْدَهُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الآلاتِ الَّتِي هي ثابِتَةٌ لَكم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى ما تَطْلُبُونَهُ مِنهم، فَإنَّهم كَما تَرَوْنَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْكِفُونَ عَلى عِبادَتِها لَيْسَتْ لَهم ﴿أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نَفْعِ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْشُوا في نَفْعِكم ولَيْسَ ﴿لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ كَما يَبْطِشُ غَيْرُهم مِنَ الأحْياءِ، ولَيْسَ ﴿لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ كَما تُبْصِرُونَ، ولَيْسَ ﴿لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ كَما تَسْمَعُونَ، فَكَيْفَ تَدْعُونَ مَن هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مَن سَلْبِ الأدَواتِ، وبِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَجْزِ، وأمْ في هَذِهِ المَواضِعِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ النَّحْوِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ " بِتَخْفِيفِ " إنَّ " ونَصْبِ " عِبادًا ": أيْ ما الَّذِينَ تَدْعُونَ " مِن دُونِ اللَّهِ عِبادًا أمْثالَكم " عَلى إعْمالِ إنِ النّافِيَةِ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها خِلافُ ما رَجَّحَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنِ اخْتِيارِ الرَّفْعِ في خَبَرِها، وبِأنَّ الكِسائِيَّ قالَ: إنَّها لا تَكادُ تَأْتِي في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى ما إلّا أنْ يَكُونَ بَعْدَها إيجابٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ ( المُلْكِ: ٢٠ )، والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " يَبْطُشُونَ " بِضَمِّ الطّاءِ، وهي لُغَةٌ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لَهم حالَ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَعاوَرَ وُجُوهَ النَّقْصِ والعَجْزِ لَها مِن كُلِّ بابٍ، أمْرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ادْعُوا شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهَمَ جَمِيعًا بِما شِئْتُمْ مِن وُجُوهِ الكَيْدِ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ فَلا تُمْهِلُونِي ولا تُؤَخِّرُونَ إنْزالَ الضَّرَرِ بِي مِن جِهَتِها. والكَيْدُ: المَكْرُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا التَّحَدِّي لَهم والتَّعْجِيزِ لِأصْنامِهِمْ شَيْءٌ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها ولِي ولِيٌّ ألْجَأُ إلَيْهِ وأسْتَنْصِرُ بِهِ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِها، ووَلِيُّ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَحْفَظُهُ ويَقُومُ بِنُصْرَتِهِ ويَمْنَعُ مِنهُ الضَّرَرَ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم، ويَحُولُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.
قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَ " إنَّ ولِيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ " يَعْنِي جِبْرائِيلَ.
قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرَيِّ والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ولِما في تَكْرارِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِنَ الإهانَةِ لِلْمُشْرِكِينَ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ، وإظْهارِ سَخْفِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أحْلامِهِمْ.
﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدِأةٌ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ والحالُ أنَّكَ تَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ حالُ كَوْنِهِمْ لا يُبْصِرُونَ، والمُرادُ: الأصْنامُ إنَّهم يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ، ولا أعْيُنَ لَهم يُبْصِرُونَ بِها، قِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ أعْيُنًا مِن جَواهِرَ مَصْنُوعَةٍ، فَكانُوا بِذَلِكَ في هَيْئَةِ النّاظِرِينَ ولا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأبْصارِهِمْ، وإنْ أبْصَرُوا بِها غَيْرَ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: يُجاءُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ حَتّى يُلَقَيا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعالى - ويُجاءُ بِمَن كانَ يَعْبُدُهُما، فَيُقالُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الهُدى.
الأعراف 7:200
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:201
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:202
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:203
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:204
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:205
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.
الأعراف 7:206
قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما عَدَّدَهُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ وضَلالِ سَعْيهِمْ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِهِمْ، يُقالُ: أخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا أيْ: (p-٥٢١)سَهْلًا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «يَسِّرُّوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» . والمُرادُ بِالعَفْوِ هُنا ضِدُّ الجَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ: خُذِ العَفْوَ مِن صَدَقاتِهِمْ ولا تُشَدِّدْ عَلَيْهِمْ فِيها وتَأْخُذَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وكانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ فَرِيضَةِ الزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالمَعْرُوفِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بِالعُرُفِ " بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، والعُرْفُ والمَعْرُوفُ والعارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيها العُقُولُ وتَطْمَئِنُّ إلَيْها النُّفُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ في أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَأعْرِضْ عَنْهم ولا تُمارِهِمْ ولا تُسافِهْهم مُكافَأةً لِما يَصْدُرُ مِنهم مَنِ المِراءِ والسَّفاهَةِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، .
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النَّزْغُ الوَسْوَسَةُ وكَذا النَّغْزُ والنَّخْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّزْغُ أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، وأصْلُ النَّزْغِ: الفَسادُ، يُقالُ: نَزَغَ بَيْنَنا: أيْ أفْسَدَ، وقِيلَ: النَّزْغُ: الإغْواءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ ﷺ إذا أدْرَكَ شَيْئًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ، وقِيلَ: " إنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ يا رَبِّ بِالغَضَبِ " فَنَزَلَتْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾». عِلَّةٌ لِأمْرِهِ بِالِاسْتِعاذَةِ أيِ اسْتَعِذْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ ويَعْلَمُ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها: أيْ إنَّ شَأْنَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وحالَهم هو التَّذَكُّرُ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ بِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ عِنْدَ أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ وإنْ كانَ يَسِيرًا.
قَرَأ أهْلُ البَصْرَةِ " طَيْفٌ " وكَذا أهْلُ مَكَّةَ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ " طائِفٌ " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " طَيِّفٌ " بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ النَّحّاسُ: كَلامُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا طَيْفٌ بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن طافَ يَطِيفُ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مُخَفَّفٌ مِثْلُ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: ومَعْناهُ في اللُّغَةِ ما يُتَخَيَّلُ في القَلْبِ أوْ يُرى في النَّوْمِ، وكَذا مَعْنى طائِفٍ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: سَألْتُ الأصْمَعِيَّ عَنْ " طَيِّفٍ " فَقالَ: لَيْسَ في المَصادِرِ فَيْعِلٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هو مَصْدَرًا ولَكِنْ يَكُونُ بِمَعْنى طائِفٍ، وقِيلَ: الطَّيْفُ والطّائِفُ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالأوَّلُ: التَّخَيُّلُ، والثّانِي: الشَّيْطانُ نَفْسُهُ، فالأوَّلُ: مِن طافَ الخَيالُ يَطُوفُ طَيْفًا، ولَمْ يَقُولُوا مِن هَذا طائِفٌ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ ( القَلَمِ: ١٩ ) فَلا يُقالُ فِيهِ طَيْفٌ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ حَقِيقَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: طُفْتُ عَلَيْهِمْ أطُوفُ، فَطافَ الخَيالُ يَطِيفُ.
قالَ حَسّانٌ:
؎فَدَعْ هَذا ولَكِنْ مَن لَطَيْفٍ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
وسُمِّيَتِ الوَسْوَسَةُ طَيْفًا لِأنَّها لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ: أيْ مُنْتَبِهُونَ، وقِيلَ: عَلى بَصِيرَةٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا وجْهَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قِيلَ: المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ وهُمُ الفُجّارُ مِن ضُلّالِ الإنْسِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في إخْوانِهِمْ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ سابِقًا، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، فَجازَ إرْجاعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ تُمِدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ وتَكُونُ مَدَدًا لَهم، وسُمِّيَتُ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ إخْوانَ الشَّياطِينِ لِأنَّهم يَقْبَلُونَ مِنهم ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ، وبِالضَّمِيرِ الفُجّارُ مِنَ الإنْسِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لَكم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الإقْصارُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ: أيْ لا تُقَصِّرُ الشَّياطِينُ في مَدِّ الكُفّارِ في الغَيِّ، قِيلَ: إنَّ " في الغَيِّ " مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وقِيلَ: بِالإخْوانِ، والغَيُّ: الجَهْلُ.
قَرَأ نافِعٌ " يُمِدُّونَهم " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ: يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.
قالَ مَكِّيٌّ: ومَدَّ أكْثَرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: فَإنَّهُ يُقالُ إذا كَثَّرَ شَيْءٌ شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ، وإذا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ، قِيلَ: أمَدَّهُ نَحْوُ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٢٥ ) وقِيلَ: يُقالُ مَدَدْتُ في الشَّرِّ وأمْدَدْتُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ " يُمادُونَهم في الغَيِّ " .
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " ثُمَّ لا يَقصُرُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِ وتَخْفِيفِ القافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ: أيْ جَمَعَهُ أيْ هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا لَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: اخْتَلَقْتَها، يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ: انْتَحَلْتُهُ واخْتَلَقْتُهُ واخْتَرَعْتُهُ إذا جِئْتَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَراخى الوَحْيُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَأْتِي بِالآياتِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما تَزْعُمُونَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ فَما أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ أبْلَغْتُهُ إلَيْكم، وبَصائِرُ: جُمَعُ بَصِيرَةٍ، أيْ: هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيَّ هو ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَبَصَّرُ بِها مَن قَبِلَها، وقِيلَ: البَصائِرُ الحُجَجُ والبَراهِينُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَصائِرُ الطُّرُقُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَصائِرَ، أيْ: هَذا القُرْآنُ هو بَصائِرُ وهُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ ورَحْمَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ والإنْصاتِ لَهُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، قِيلَ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِوَقْتِ الصَّلاةِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن هَذا، والعامُّ لا يُقْصَرُ عَلى سَبَبِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ عِنْدَ قِراءَةِ (p-٥٢٢)القُرْآنِ في كُلِّ حالَةٍ وعَلى أيِّ صِفَةٍ مِمّا يَجِبُ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: هَذا خاصٌّ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ ولا وجْهَ لِذَلِكَ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ تَنالُونَ الرَّحْمَةَ وتَفُوزُونَ بِها بِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَذْكُرَهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، قِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ الَّتِي يُذْكَرُ اللَّهُ بِها.
وقالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُخْتَلَفْ في مَعْنى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ أنَّهُ الدُّعاءُ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالقُرْآنِ: أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ بِتَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، أي مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، والخِيفَةُ: الخَوْفُ، وأصْلُها خِوفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يُقالُ في جَمْعِ خِيفَةٍ خِيَفٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخِيفَةُ الخَوْفُ والجَمْعُ خِيَفٌ، وأصْلُهُ الواوُ، أي: خَوْفٌ
﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ دُونَ المَجْهُورِ بِهِ مِنَ القَوْلِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ مُتَضَرِّعًا، وخائِفًا، ومُتَكَلِّمًا بِكَلامٍ هو دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، و﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " اذْكُرْ " أيْ: أوْقاتِ الغَدَواتِ وأوْقاتِ الأصائِلِ، والغُدُوُّ: جَمْعُ غُدْوَةٍ، والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ، مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمانٍ، وقِيلَ: الآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ فَهو عَلى هَذا جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأصِيلُ الوَقْتُ مِن بَعْدِ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وجَمْعُهُ أُصُلٌ وآصالٌ وأصائِلُ كَأنَّهُ جَمْعُ أصِيلَةٍ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلُهُ ∗∗∗ وأقْعَدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ
ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أُصْلانٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وبُعْرانٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ " والإيصالِ " وهو مَصْدَرٌ.
وخَصَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِشَرَفِهِما، والمُرادُ دَوامُ الذِّكْرِ لِلَّهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ " عِنْدَ رَبِّكَ " واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكُلِّ مَكانٍ لِأنَّهم قَرِيبُونَ مِن رَحْمَتِهِ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عِنْدَهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم في مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ إلّا حُكْمُ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهم رُسُلُ اللَّهِ كَما يُقالُ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هَذا عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ لَهم، ومَعْنى ﴿ويُسَبِّحُونَهُ﴾ يُعَظِّمُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ شَيْنٍ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْصُّونَهُ بِعِبادَةِ السُّجُودِ الَّتِي هي أشْرَفُ عِبادَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وفي ذِكْرِ المَلَأِ الأعْلى تَعْرِيضٌ لِبَنِي آدَمَ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ: ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في اخْتِلافِ النّاسِ»، وفي لَفْظٍ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: " «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ قالَ: واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: ما عَفا لَكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: خُذْ ما عَفا مِن أمْوالِهِمْ، ما أتَوْكَ بِهِ مِن شَيْءٍ فَخُذْهُ، وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ " بَراءَةٌ " بِفَرائِضِ الصَّدَقَةِ وتَفْصِيلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ مِنَ المالِ نَسَخَتْهُ الزَّكاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِالغَضَبِ يا رَبُّ ؟ فَنَزَلَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾». .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: الغَضَبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطَّيْفُ الغَضَبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ قالَ: إذا زَلُّوا تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ.
﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: فَإذا هم مُنْتَهُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ آخِذُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عاصُونَ لِلشَّيْطانِ ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ قالَ: إخْوانُ الشَّياطِينِ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ: لا الإنْسُ يُمْسِكُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُمْسِكُ عَنْهم و﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: لَوْلا أحْدَثْتَها لَوْلا تَلَقَّيْتَها فَأنْشَأْتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَسْأمُونَ ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ يَقُولُ: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ خَلْفَهُ قَوْمٌ فَخَلَطُوا، (p-٥٢٣)فَنَزَلَتْ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ»، فَهَذِهِ في المَكْتُوبَةِ.
قالَ: وإنْ كُنّا لَمْ نَسْتَمِعْ لِمَن يَقْرَأْ بِالأخْفى مِنَ الجَهْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِراءَةِ الصَّلاةِ مِنَ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: عِنْدَ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وعِنْدَ الذِّكْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: في الصَّلاةِ وحِينَ يَنْزِلُ الوَحْيُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَهُ، ونَهاهُ عَنِ الغَفْلَةِ، أمّا بِالغُدُوِّ فَصَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالِ بِالعَشِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: الآصالُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْهَرُ بِذاكَ ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ بِالبَكْرِ والعَشِيِّ.
وأخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ قالَ: آخِرُ الفَجْرِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ آخِرُ العَشِيِّ صَلاةُ العَصْرِ، والأحادِيثُ والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، وعَدَدِ المَواضِعِ الَّتِي يُسْجَدُ فِيها، وكَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وما يُقالُ فِيهِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ فَلا نُطَوِّلُ بِإيرادِ ذَلِكَ هاهُنا.