Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنفال 8:1 – الأنفال 8:50
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
الأنفال 8:1
صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أخْرَجَهُ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: سُورَةُ الأنْفالِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، أيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في بَدْرٍ وفي لَفْظٍ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، هي مَدَنِيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ( الأنْفالِ: ٣٠ - ٣٦ ) إلى آخَرِ سَبْعِ آياتٍ، وجُمْلَةُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ سِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بِها في صَلاةِ المَغْرِبِ» كَما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ.
وأخْرَجَ أيْضًا زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ بِسُورَةِ الأنْفالِ» .
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأنْفالُ جَمْعُ نَفَلٍ مُحَرَّكًا، وهو الغَنِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى نَرْوِي القَنا ونَعُفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ
أيِ الغَنائِمِ، وأصْلُ النَّفَلِ: الزِّيادَةُ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ بِهِ لِأنَّها زِيادَةٌ فِيما أحِلَّ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا كانَ مُحَرَّمًا عَلى غَيْرِهِمْ، أوْ لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى ما يَحْصُلُ لِلْمُجاهِدِ مِن أجْرِ الجِهادِ، ويُطْلَقُ النَّفَلُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ مِنها اليَمِينُ، والِابْتِغاءُ ونَبْتٌ مَعْرُوفٌ.
والنّافِلَةُ التَّطَوُّعُ لِكَوْنِها زائِدَةً عَلى الواجِبِ، والنّافِلَةُ: وُلَدُ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى الوَلَدِ.
وكانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: اخْتِلافُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في يَوْمِ بَدْرٍ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَنَزَعَ اللَّهُ ما غَنِمُوهُ مِن أيْدِيهِمْ وجَعَلَهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَقالَ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمُها مُخْتَصٌّ بِهِما يُقَسِّمُها بَيْنَكم رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ولَيْسَ لَكم حُكْمٌ في ذَلِكَ.
وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى أنَّ الأنْفالَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) .
ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ بِالتَّسْلِيمِ لِأمْرِهِما، وتَرْكِ الِاخْتِلافِ الَّذِي وقَعَ بَيْنَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ امْتَثِلُوا هَذِهِ الأوامِرَ الثَّلاثَةَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ ما لا يَخْفى، مَعَ كَوْنِهِمْ في تِلْكَ الحالِ عَلى الإيمانِ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُنْتُمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ الأُمُورَ الَّتِي هي تَقْوى اللَّهِ، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وطاعَةُ اللَّهِ والرَّسُولِ، لا يَكْمُلُ الإيمانُ بِدُونِها، بَلْ لا يَثْبُتُ أصْلًا لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْها، فَإنَّ مَن لَيْسَ بِمُتَّقٍ ولَيْسَ بِمُطِيعٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: فِينا أصْحابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفَلِ وساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا، فانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا وجَعَلَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَواءٍ، يَقُولُ عَنْ سَواءٍ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فالتَقى النّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في آثارِهِمْ يَهْزِمُونَ ويَقْتُلُونَ، وأكَبَّتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ يَحُوزُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ وفاءَ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الغَنائِمَ: نَحْنُ حَوَيْناها وجَمَعْناها فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيها نَصِيبٌ، (p-٥٢٤)وقالَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا نَحْنُ نَفَيْنا عَنْهُ العَدُوَّ وهَزَمْناهم، وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِفْنا أنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً فاشْتَغَلْنا بِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ قَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أغارَ في أرْضِ العَدُوِّ نَفَلَ الرُّبُعَ، وإذا أقْبَلَ راجِعًا وكُلَّ النّاسِ نَفَلَ الثُّلُثَ، وكانَ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُسْلِمِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَنَصَرَها اللَّهُ وفَتَحَ عَلَيْها، فَكانَ مَن آتاهُ بِشَيْءٍ نَفَلَهُ مِنَ الخُمْسِ، فَرَجَعَ رِجالٌ كانُوا يَسْتَقْدِمُونَ ويَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ وتَرَكُوا الغَنائِمَ خَلْفَهم، فَلَمْ يَنالُوا مِنَ الغَنائِمِ شَيْئًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُ رِجالٍ مِنّا يَسْتَقْدِمُونَ ويَأْسِرُونَ، وتَخَلَّفَ رِجالٌ لَمْ يَصِلُوا بِالقِتالِ فَنَفَلْتَهم بِالغَنِيمَةِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: رَدُّوا ما أخَذْتُمْ واقْتَسِمُوا بِالعَدْلِ والسَّوِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم بِذَلِكَ، فَقالُوا: قَدْ أنْفَقْنا وأكَلْنا، فَقالَ: احْتَسِبُوا ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفانِي اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ: إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي، ضَعْهُ، فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ قُلْتُ: عَسى يُعْطى هَذا السَّيْفَ اليَوْمَ مَن لا يُبْلِي بَلائِي إذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي، قُلْتُ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا ؟ قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي، وإنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي فَهو لَكَ وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾» وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، «أنَّ سَعْدًا قالَ: لَمّا قُتِلَ أخِي يَوْمَ بَدْرٍ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، وكانَ يُسَمّى ذا الكَنِيفَةِ فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» -، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النّاسَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الغَنائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾» . .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرُودِيهِ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يَنْفَلِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ إلّا مِنَ الخُمُسِ فَإنَّهُ نَفَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا، فَأمّا المَشْيَخَةُ فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ فَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَتِ المَشْيَخَةُ لِلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم فَإنّا كُنّا لَكم رِدَءًا، ولَوْ كانَ مِنكم شَيْءٌ لَلَجَأْتُمْ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَقَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الغَنائِمَ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: الأنْفالُ المَغانِمُ، كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خالِصَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ ما أصابَ مِن سَرايا المُسْلِمِينَ مِن شَيْءٍ أتَوْهُ بِهِ، فَمَن حَبَسَ مِنهُ إبْرَةً أوْ سِلْكًا فَهو غُلُولٌ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ﴾ لِي جَعَلْتُها ولِرَسُولِي لَيْسَ لَكم فِيها شَيْءٌ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) الآيَةَ، ثُمَّ قَسَّمَ ذَلِكَ الخُمُسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وجَعَلَ أرْبَعَةَ أخْماسِ النّاسِ فِيهِ سَواءً، لِلْفَرَسِ سَهْمانِ، ولِصاحِبِهِ سَهْمٌ، ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هي المَغانِمُ، ثُمَّ نَسَخَها ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْألُ ابْنَ عَبّاسٍ، عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: الفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ، والسَّلَبُ مِنَ النَّفَلِ، فَأعادَ المَسْألَةَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِثْلُ ضُبَيْعٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ، وفي لَفْظٍ: فَقالَ ما أحْوَجَكَ أنْ يُصْنَعَ بِكَ كَما صَنَعَ عُمَرُ بِضُبَيْعٍ العِراقِيِّ، وكانَ عُمَرُ ضَرَبَهُ حَتّى سالَتِ الدِّماءُ عَلى عَقِبَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: الأنْفالُ المَغانِمُ، أُمِرُوا أنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ فِيها فَيَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هو ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ، مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ أوْ مَتاعٍ فَذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ بِهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْسَلْنا إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَسْألُهُ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: تَسْألُونِي عَنِ الأنْفالِ وإنَّهُ لا نَفَلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدٍ أيْضًا قالَ: ما كانُوا يَنْفُلُونَ إلّا مِنَ الخُمُسِ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا نَفَلَ في غَنائِمِ المُسْلِمِينَ إلّا في خُمُسِ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أنَسٍ أنَّ أمِيرًا مِنَ الأُمَراءِ أرادَ أنْ يُنَفِّلَهُ قَبْلَ أنْ يُخَمِّسَهُ فَأبى أنَسٌ أنْ يَقْبَلَهُ حَتّى يُخَمِّسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: ما أصابَتِ السَّرايا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ قالَ: كانَتِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ حَتّى نَسَخَها آيَةُ الخُمُسِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ (p-٥٢٥)ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: هَذا تَخْرِيجٌ مِنَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ حَيْثُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، قالَ: كانَ صَلاحُ ذاتِ بَيْنِهِمْ أنْ رُدَّتِ الغَنائِمُ، فَقُسِّمَتْ بَيْنَ مَن ثَبَتَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مَن قاتَلَ وغَنِمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: طاعَةُ الرَّسُولِ اتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
الأنفال 8:2
صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعَطاءٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أخْرَجَهُ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: سُورَةُ الأنْفالِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، أيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في بَدْرٍ وفي لَفْظٍ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، هي مَدَنِيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ( الأنْفالِ: ٣٠ - ٣٦ ) إلى آخَرِ سَبْعِ آياتٍ، وجُمْلَةُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ سِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بِها في صَلاةِ المَغْرِبِ» كَما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ.
وأخْرَجَ أيْضًا زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ بِسُورَةِ الأنْفالِ» .
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأنْفالُ جَمْعُ نَفَلٍ مُحَرَّكًا، وهو الغَنِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى نَرْوِي القَنا ونَعُفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ
أيِ الغَنائِمِ، وأصْلُ النَّفَلِ: الزِّيادَةُ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ بِهِ لِأنَّها زِيادَةٌ فِيما أحِلَّ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا كانَ مُحَرَّمًا عَلى غَيْرِهِمْ، أوْ لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى ما يَحْصُلُ لِلْمُجاهِدِ مِن أجْرِ الجِهادِ، ويُطْلَقُ النَّفَلُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ مِنها اليَمِينُ، والِابْتِغاءُ ونَبْتٌ مَعْرُوفٌ.
والنّافِلَةُ التَّطَوُّعُ لِكَوْنِها زائِدَةً عَلى الواجِبِ، والنّافِلَةُ: وُلَدُ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى الوَلَدِ.
وكانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: اخْتِلافُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في يَوْمِ بَدْرٍ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَنَزَعَ اللَّهُ ما غَنِمُوهُ مِن أيْدِيهِمْ وجَعَلَهُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، فَقالَ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمُها مُخْتَصٌّ بِهِما يُقَسِّمُها بَيْنَكم رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ولَيْسَ لَكم حُكْمٌ في ذَلِكَ.
وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى أنَّ الأنْفالَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) .
ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ بِالتَّسْلِيمِ لِأمْرِهِما، وتَرْكِ الِاخْتِلافِ الَّذِي وقَعَ بَيْنَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ امْتَثِلُوا هَذِهِ الأوامِرَ الثَّلاثَةَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ ما لا يَخْفى، مَعَ كَوْنِهِمْ في تِلْكَ الحالِ عَلى الإيمانِ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ كُنْتُمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ الأُمُورَ الَّتِي هي تَقْوى اللَّهِ، وإصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وطاعَةُ اللَّهِ والرَّسُولِ، لا يَكْمُلُ الإيمانُ بِدُونِها، بَلْ لا يَثْبُتُ أصْلًا لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْها، فَإنَّ مَن لَيْسَ بِمُتَّقٍ ولَيْسَ بِمُطِيعٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: فِينا أصْحابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفَلِ وساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا، فانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا وجَعَلَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَواءٍ، يَقُولُ عَنْ سَواءٍ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فالتَقى النّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في آثارِهِمْ يَهْزِمُونَ ويَقْتُلُونَ، وأكَبَّتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ يَحُوزُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ وفاءَ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الغَنائِمَ: نَحْنُ حَوَيْناها وجَمَعْناها فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيها نَصِيبٌ، (p-٥٢٤)وقالَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا نَحْنُ نَفَيْنا عَنْهُ العَدُوَّ وهَزَمْناهم، وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِفْنا أنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً فاشْتَغَلْنا بِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ قَسَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أغارَ في أرْضِ العَدُوِّ نَفَلَ الرُّبُعَ، وإذا أقْبَلَ راجِعًا وكُلَّ النّاسِ نَفَلَ الثُّلُثَ، وكانَ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُسْلِمِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَنَصَرَها اللَّهُ وفَتَحَ عَلَيْها، فَكانَ مَن آتاهُ بِشَيْءٍ نَفَلَهُ مِنَ الخُمْسِ، فَرَجَعَ رِجالٌ كانُوا يَسْتَقْدِمُونَ ويَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ وتَرَكُوا الغَنائِمَ خَلْفَهم، فَلَمْ يَنالُوا مِنَ الغَنائِمِ شَيْئًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُ رِجالٍ مِنّا يَسْتَقْدِمُونَ ويَأْسِرُونَ، وتَخَلَّفَ رِجالٌ لَمْ يَصِلُوا بِالقِتالِ فَنَفَلْتَهم بِالغَنِيمَةِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: رَدُّوا ما أخَذْتُمْ واقْتَسِمُوا بِالعَدْلِ والسَّوِيَّةِ فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم بِذَلِكَ، فَقالُوا: قَدْ أنْفَقْنا وأكَلْنا، فَقالَ: احْتَسِبُوا ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفانِي اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ: إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي، ضَعْهُ، فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ قُلْتُ: عَسى يُعْطى هَذا السَّيْفَ اليَوْمَ مَن لا يُبْلِي بَلائِي إذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي، قُلْتُ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا ؟ قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي، وإنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي فَهو لَكَ وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾» وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، «أنَّ سَعْدًا قالَ: لَمّا قُتِلَ أخِي يَوْمَ بَدْرٍ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، وكانَ يُسَمّى ذا الكَنِيفَةِ فَأتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» -، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النّاسَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الغَنائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾» . .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرُودِيهِ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يَنْفَلِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ إلّا مِنَ الخُمُسِ فَإنَّهُ نَفَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا، فَأمّا المَشْيَخَةُ فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ فَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَتِ المَشْيَخَةُ لِلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم فَإنّا كُنّا لَكم رِدَءًا، ولَوْ كانَ مِنكم شَيْءٌ لَلَجَأْتُمْ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَقَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الغَنائِمَ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: الأنْفالُ المَغانِمُ، كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خالِصَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ ما أصابَ مِن سَرايا المُسْلِمِينَ مِن شَيْءٍ أتَوْهُ بِهِ، فَمَن حَبَسَ مِنهُ إبْرَةً أوْ سِلْكًا فَهو غُلُولٌ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ﴾ لِي جَعَلْتُها ولِرَسُولِي لَيْسَ لَكم فِيها شَيْءٌ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) الآيَةَ، ثُمَّ قَسَّمَ ذَلِكَ الخُمُسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وجَعَلَ أرْبَعَةَ أخْماسِ النّاسِ فِيهِ سَواءً، لِلْفَرَسِ سَهْمانِ، ولِصاحِبِهِ سَهْمٌ، ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هي المَغانِمُ، ثُمَّ نَسَخَها ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْألُ ابْنَ عَبّاسٍ، عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: الفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ، والسَّلَبُ مِنَ النَّفَلِ، فَأعادَ المَسْألَةَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِثْلُ ضُبَيْعٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ، وفي لَفْظٍ: فَقالَ ما أحْوَجَكَ أنْ يُصْنَعَ بِكَ كَما صَنَعَ عُمَرُ بِضُبَيْعٍ العِراقِيِّ، وكانَ عُمَرُ ضَرَبَهُ حَتّى سالَتِ الدِّماءُ عَلى عَقِبَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: الأنْفالُ المَغانِمُ، أُمِرُوا أنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ فِيها فَيَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هو ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ، مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ أوْ مَتاعٍ فَذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ بِهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْسَلْنا إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَسْألُهُ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: تَسْألُونِي عَنِ الأنْفالِ وإنَّهُ لا نَفَلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدٍ أيْضًا قالَ: ما كانُوا يَنْفُلُونَ إلّا مِنَ الخُمُسِ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا نَفَلَ في غَنائِمِ المُسْلِمِينَ إلّا في خُمُسِ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أنَسٍ أنَّ أمِيرًا مِنَ الأُمَراءِ أرادَ أنْ يُنَفِّلَهُ قَبْلَ أنْ يُخَمِّسَهُ فَأبى أنَسٌ أنْ يَقْبَلَهُ حَتّى يُخَمِّسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: ما أصابَتِ السَّرايا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ قالَ: كانَتِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ حَتّى نَسَخَها آيَةُ الخُمُسِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ( الأنْفالِ: ٤١ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ (p-٥٢٥)ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: هَذا تَخْرِيجٌ مِنَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ حَيْثُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، قالَ: كانَ صَلاحُ ذاتِ بَيْنِهِمْ أنْ رُدَّتِ الغَنائِمُ، فَقُسِّمَتْ بَيْنَ مَن ثَبَتَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مَن قاتَلَ وغَنِمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: طاعَةُ الرَّسُولِ اتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
الأنفال 8:3
الوَجَلُ: الخَوْفُ والفَزَعُ، والمُرادُ أنَّ حُصُولَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ والفَزَعِ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ - هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ الكامِلِي الإيمانِ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ، فالحَصْرُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الإيمانِ لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الإيمانِ.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أمَرَ بِهِ مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّ إدْراجُهُ تَحْتَ مَعْنى الآيَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ وجَلَ القُلُوبِ عِنْدَ الذَّكَرِ، وزِيادَةَ الإيمانِ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ؛ يَسْتَلْزِمانِ امْتِثالَ ما أمَرَ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ هو إثْباتُ هَذِهِ المَزِيَّةِ لِمَن كَمُلَ إيمانُهُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحالٍ دُونَ حالٍ، ولا بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ، ولا بِواقِعَةٍ دُونَ واقِعَةٍ، والمُرادُ مِن تِلاوَةِ آياتِهِ تِلاوَةُ الآياتِ المُنَزَّلَةِ أوِ التَّعْبِيرُ عَنْ بَدِيعِ صَنْعَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ في آياتِهِ التَّكْوِينِيَّةِ؛ بِذِكْرِ خَلْقِها البَدِيعِ، وعَجائِبِها الَّتِي يَخْشَعُ عِنْدَ ذِكْرِها المُؤْمِنُونَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِزِيادَةِ الإيمانِ هو زِيادَةُ انْشِراحِ الصَّدْرِ وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ وانْثِلاجُ الخاطِرِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآياتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِزِيادَةِ الإيمانِ زِيادَةُ العَمَلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ شَيْءٌ واحِدٌ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، والآياتُ المُتَكاثِرَةُ والأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ تَرُدُّ ذَلِكَ وتَدْفَعُهُ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ لا عَلى غَيْرِهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وخَصَّ إقامَةَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةَ لِكَوْنِهِما أصْلَ الخَيْرِ وأساسَهُ، و" مِن " في " مِمّا " لِلتَّبْعِيضِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " أُولَئِكَ " إلى المُتَّصِفِينَ بِالأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الكامِلُونَ الإيمانِ البالِغُونَ فِيهِ إلى أعْلى دَرَجاتِهِ وأقْصى غاياتِهِ و" حَقًّا " مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ " هُمُ المُؤْمِنُونَ "، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ المُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقًّا، ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ: لَهم دَرَجاتٌ أيْ مَنازِلُ خَيْرٍ وكَرامَةٍ وشَرَفٍ في الجَنَّةِ كائِنَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفي كَوْنِها عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - زِيادَةُ تَشْرِيفٍ لَهم وتَكْرِيمٍ وتَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ، وجُمْلَةُ لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ خَبَرٌ ثانٍ لِ " أُولَئِكَ " أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، و" مَغْفِرَةٌ " مَعْطُوفٌ عَلى دَرَجاتٍ، أيْ: مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ورِزْقٌ كَرِيمٌ يُكْرِمُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن واسِعِ فَضْلِهِ وفائِضِ جُودِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهم﴾ " قالَ: فَرَقَتْ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: المُنافِقُونَ لا يَدْخُلُ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ أداءِ فَرائِضِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ، ولا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ، ولا يَصِلُونَ إذا غابُوا، ولا يُؤَدُّونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وصَفَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم﴾ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ قالَتْ: إنَّما الوَجَلُ في القَلْبِ كاحْتِراقِ السَّعَفَةِ يا شَهْرُ بْنَ حَوْشَبٍ، أما تَجِدُ قَشْعْرِيرَةً ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فادْعُ عِنْدَها فَإنَّ الدُّعاءَ يُسْتَجابُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،، عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ قالَ: قالَ فُلانٌ: إنِّي لَأعْلَمُ مَتى يُسْتَجابُ لِي ؟ قالُوا: ومِن أيْنَ لَكَ ؟ قالَ: إذا اقْشَعَرَّ جِلْدِي، ووَجِلَ قَلْبِي، وفاضَتْ عَيْنايَ، فَذَلِكَ حِينَ يُسْتَجابُ لِي.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما الوَجَلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ إلّا كَضَرْمَةِ السَّعَفَةِ، فَإذا وجِلَ أحَدُكم فَلْيَدْعُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أوْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَوْجَلُ قَلْبُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " زادَتْهم إيمانًا " قالَ: تَصْدِيقًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: " زادَتْهم إيمانًا " قالَ: خَشْيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " يَقُولُ: لا يَرْجُونَ غَيْرَهُ.
وأخْرَجا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا " قالَ: بَرِئُوا مِنَ الكُفْرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ " حَقًّا " قالَ: خالِصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: لَهم دَرَجاتٌ يَعْنِي فَضائِلَ ورَحْمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: لَهم دَرَجاتٌ قالَ: أعْمالٌ رَفِيعَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَرى الَّذِي هو فَوْقُ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي هو أسْفَلُ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: " ومَغْفِرَةٌ " قالَ: بِتَرْكِ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ورِزْقٌ كَرِيمٌ فَهي الجَنَّةُ.
الأنفال 8:4
الوَجَلُ: الخَوْفُ والفَزَعُ، والمُرادُ أنَّ حُصُولَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ والفَزَعِ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ - هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ الكامِلِي الإيمانِ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ، فالحَصْرُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الإيمانِ لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الإيمانِ.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أمَرَ بِهِ مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ، ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّ إدْراجُهُ تَحْتَ مَعْنى الآيَةِ، مِن جِهَةِ أنَّ وجَلَ القُلُوبِ عِنْدَ الذَّكَرِ، وزِيادَةَ الإيمانِ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ؛ يَسْتَلْزِمانِ امْتِثالَ ما أمَرَ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِن كَوْنِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَقْصُودَ الآيَةِ هو إثْباتُ هَذِهِ المَزِيَّةِ لِمَن كَمُلَ إيمانُهُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحالٍ دُونَ حالٍ، ولا بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ، ولا بِواقِعَةٍ دُونَ واقِعَةٍ، والمُرادُ مِن تِلاوَةِ آياتِهِ تِلاوَةُ الآياتِ المُنَزَّلَةِ أوِ التَّعْبِيرُ عَنْ بَدِيعِ صَنْعَتِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ في آياتِهِ التَّكْوِينِيَّةِ؛ بِذِكْرِ خَلْقِها البَدِيعِ، وعَجائِبِها الَّتِي يَخْشَعُ عِنْدَ ذِكْرِها المُؤْمِنُونَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِزِيادَةِ الإيمانِ هو زِيادَةُ انْشِراحِ الصَّدْرِ وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ وانْثِلاجُ الخاطِرِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآياتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِزِيادَةِ الإيمانِ زِيادَةُ العَمَلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ شَيْءٌ واحِدٌ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، والآياتُ المُتَكاثِرَةُ والأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ تَرُدُّ ذَلِكَ وتَدْفَعُهُ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ لا عَلى غَيْرِهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وخَصَّ إقامَةَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةَ لِكَوْنِهِما أصْلَ الخَيْرِ وأساسَهُ، و" مِن " في " مِمّا " لِلتَّبْعِيضِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " أُولَئِكَ " إلى المُتَّصِفِينَ بِالأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الكامِلُونَ الإيمانِ البالِغُونَ فِيهِ إلى أعْلى دَرَجاتِهِ وأقْصى غاياتِهِ و" حَقًّا " مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ " هُمُ المُؤْمِنُونَ "، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ المُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقًّا، ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ: لَهم دَرَجاتٌ أيْ مَنازِلُ خَيْرٍ وكَرامَةٍ وشَرَفٍ في الجَنَّةِ كائِنَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفي كَوْنِها عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - زِيادَةُ تَشْرِيفٍ لَهم وتَكْرِيمٍ وتَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ، وجُمْلَةُ لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ خَبَرٌ ثانٍ لِ " أُولَئِكَ " أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، و" مَغْفِرَةٌ " مَعْطُوفٌ عَلى دَرَجاتٍ، أيْ: مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ورِزْقٌ كَرِيمٌ يُكْرِمُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن واسِعِ فَضْلِهِ وفائِضِ جُودِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهم﴾ " قالَ: فَرَقَتْ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: المُنافِقُونَ لا يَدْخُلُ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ أداءِ فَرائِضِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ، ولا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ، ولا يَصِلُونَ إذا غابُوا، ولا يُؤَدُّونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وصَفَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم﴾ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ قالَتْ: إنَّما الوَجَلُ في القَلْبِ كاحْتِراقِ السَّعَفَةِ يا شَهْرُ بْنَ حَوْشَبٍ، أما تَجِدُ قَشْعْرِيرَةً ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فادْعُ عِنْدَها فَإنَّ الدُّعاءَ يُسْتَجابُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،، عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ قالَ: قالَ فُلانٌ: إنِّي لَأعْلَمُ مَتى يُسْتَجابُ لِي ؟ قالُوا: ومِن أيْنَ لَكَ ؟ قالَ: إذا اقْشَعَرَّ جِلْدِي، ووَجِلَ قَلْبِي، وفاضَتْ عَيْنايَ، فَذَلِكَ حِينَ يُسْتَجابُ لِي.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما الوَجَلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ إلّا كَضَرْمَةِ السَّعَفَةِ، فَإذا وجِلَ أحَدُكم فَلْيَدْعُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أوْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَوْجَلُ قَلْبُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " زادَتْهم إيمانًا " قالَ: تَصْدِيقًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: " زادَتْهم إيمانًا " قالَ: خَشْيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ " وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " يَقُولُ: لا يَرْجُونَ غَيْرَهُ.
وأخْرَجا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا " قالَ: بَرِئُوا مِنَ الكُفْرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ " حَقًّا " قالَ: خالِصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: لَهم دَرَجاتٌ يَعْنِي فَضائِلَ ورَحْمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: لَهم دَرَجاتٌ قالَ: أعْمالٌ رَفِيعَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَرى الَّذِي هو فَوْقُ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي هو أسْفَلُ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: " ومَغْفِرَةٌ " قالَ: بِتَرْكِ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: إذا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ورِزْقٌ كَرِيمٌ فَهي الجَنَّةُ.
الأنفال 8:5
(p-٥٢٦)قَوْلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيِ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، أيْ: مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ، والمَعْنى: امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ وإنْ كَرِهُوا؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جُعِلَ لِكُلِّ مَن أتى بِأسِيرٍ شَيْئًا قالَ: بَقِيَ أكْثَرُ النّاسِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَمَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ كَما ذَكَرْنا، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَسَمٌ: أيْ والَّذِي أخْرَجَكَ، فالكافُ بِمَعْنى الواوِ، وما بِمَعْنى الَّذِي.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: المَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وقِيلَ " كَما أخْرَجَكَ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ " أيْ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ في الآخِرَةِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الواجِبُ لَهُ، فَأنْجَزَ وعْدَكَ، وظَفَّرَكَ بَعَدُوِّكِ، وأوْفى لَكَ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ واخْتارَهُ، وقِيلَ: الكافُ في " كَما " كافُ التَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المُجازاةِ كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَّتَكَ، فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم، وقِيلَ: إنَّ الكافَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ مِثْلُ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، و" بِالحَقِّ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَما أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا العِيرُ أوِ النَّفِيرُ، رَغِبُوا في العِيرِ لِما فِيها مِنَ الغَنِيمَةِ والسَّلامَةِ مِنَ القِتالِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومُجادَلَتِهِمْ لِما نَدَبَهم إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وفاتَ العِيرَ وأمَرَهم بِقِتالِ النَّفِيرِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم كَثِيرُ أُهْبَةٍ، لِذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَوْ أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لَأخَذْنا العُدَّةَ وأكْمَلْنا الأُهْبَةَ، ومَعْنى " في الحَقِّ " أيْ في القِتالِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَأْمُرُ بِالشَّيْءِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالظَّفَرِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأنَّ العِيرَ إذا فاتَتْ ظَفِرُوا بِالنَّفِيرِ، و" بَعْدَ " ظَرْفٌ لِ " يُجادِلُونَكَ "، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يُجادِلُونَكَ بَعْدَما تَبَيَّنَ الحَقُّ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في " لَكارِهُونَ "، أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ في شِدَّةِ فَزَعِهِمْ مِنَ القِتالِ يُشْبِهُونَ حالَ مَن يُساقُ لِيُقْتَلُ وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِ قَتْلِهِ، ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ وعَدَ اللَّهُ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأمَرَهم بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، والطّائِفَتانِ: هُما العِيرُ والنَّفِيرُ، وإحْدى هو ثانِي مَفْعُولَيْ " يَعِدُ "، و" أنَّها لَكم " بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، ومَعْناهُ: أنَّها مُسَخَّرَةٌ لَكم وأنَّكم تَغْلِبُونَها وتَغْنَمُونَ مِنها وتَصْنَعُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ، لا يُطِيقُونَ لَكم دَفْعًا، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ " وتَوَدُّونَ " مَعْطُوفٌ عَلى يَعِدُكم مِن جُمْلَةِ الحَوادِثِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهي طائِفَةُ العِيرِ تَكُونُ لَكم دُونَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهي طائِفَةُ النَّفِيرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ غَيْرُ ذاتِ الحَدِّ.
والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ، والشَّوْكَةُ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ حَدٌّ، ومِنهُ رَجُلٌ شائِكُ السِّلاحِ: أيْ حَدِيدُ السِّلاحِ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقالُ: شاكِي السِّلاحِ، فالشَّوْكَةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، والمَعْنى: وتَوَدُّونَ أنْ تَظْفَرُوا بِالطّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ مَعَها سِلاحٌ، وهي طائِفَةُ العِيرِ لِأنَّها غَنِيمَةٌ صافِيَةٌ عَنْ كَدَرِ القِتالِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَها مَن يَقُومُ بِالدَّفْعِ عَنْها.
قَوْلُهُ " ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ " مَعْطُوفٌ عَلى تَوَدُّونَ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِهِ: أيْ ويُرِيدُ اللَّهُ غَيْرَ ما تُرِيدُونَ وهو أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِإظْهارِهِ لِما قَضاهُ مِن ظَفْرِكم بِذاتِ الشَّوْكَةِ، وقَتْلِهِمْ لِصَنادِيدِهِمْ، وأسْرِ كَثِيرٍ مِنهم، واغْتِنامِ ما غَنِمْتُمْ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي أجَلَبُوا بِها عَلَيْكم ورامُوا دَفْعَكم بِها، والمُرادُ بِالكَلِماتِ: الآياتُ الَّتِي أنْزَلَها في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ووَعْدُكم مِنهُ بِالظَّفَرِ بِها ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ الدّابِرُ الآخِرُ، وقَطْعُهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ والمَعْنى: ويَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ: أيْ أرادَ ذَلِكَ، أوْ يُرِيدُ ذَلِكَ لِيُظْهِرَ الحَقَّ ويَرْفَعَهُ ويُبْطِلَ الباطِلَ ويَضَعَهُ، أوِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحِقَّ الحَقَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقْطَعُ "، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الأُولى لِبَيانِ التَّفاوُتِ فِيما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذِهِ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، والعِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، والمَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. وإحْقاقُ الحَقِّ إظْهارُهُ، وإبْطالُ الباطِلِ إعْدامُهُ، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ ( الأنْبِياءِ: ١٨ ) ومَفْعُولُ " ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ " مَحْذُوفٌ، أيْ ولَوْ كَرِهُوا أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ أوْ جَمِيعُ طَوائِفِ الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ: ما تَرَوْنَ فِيها لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُناها ويُسَلِّمُنا، فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ، فَفَعَلْنا فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ فَأخْبَرْنا النَّبِيَّ ﷺ بِعِدَّتِنا، فَسُّرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ (p-٥٢٧)أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكم، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ، إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ ؟، فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ، طابَتْ أنْفُسُنا ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ مِن أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ، إنِ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ، فَقُلْنا: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّما يَحْمِلُ عُمَرُ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقالَ: ادْعُوا لِي عُمَرَ، فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلِيَّ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وفِيهِ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ، فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتَها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ، ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢٤ ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ، ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ، فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ، وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الغَنِيمَةَ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في خُرُوجِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم﴾ قالَ: هي عِيرُ أبِي سُفْيانَ ودَّ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ العِيرَ كانَتْ لَهم وأنَّ القِتالَ صُرِفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ شَأْفَتَهم.
ووَقْعَةُ بَدْرٍ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الحَدِيثِ والسِّيَرِ والتّارِيخِ مُسْتَوْفاةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها.
الأنفال 8:6
(p-٥٢٦)قَوْلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيِ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، أيْ: مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ، والمَعْنى: امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ وإنْ كَرِهُوا؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جُعِلَ لِكُلِّ مَن أتى بِأسِيرٍ شَيْئًا قالَ: بَقِيَ أكْثَرُ النّاسِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَمَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ كَما ذَكَرْنا، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَسَمٌ: أيْ والَّذِي أخْرَجَكَ، فالكافُ بِمَعْنى الواوِ، وما بِمَعْنى الَّذِي.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: المَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وقِيلَ " كَما أخْرَجَكَ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ " أيْ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ في الآخِرَةِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الواجِبُ لَهُ، فَأنْجَزَ وعْدَكَ، وظَفَّرَكَ بَعَدُوِّكِ، وأوْفى لَكَ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ واخْتارَهُ، وقِيلَ: الكافُ في " كَما " كافُ التَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المُجازاةِ كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَّتَكَ، فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم، وقِيلَ: إنَّ الكافَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ مِثْلُ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، و" بِالحَقِّ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَما أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا العِيرُ أوِ النَّفِيرُ، رَغِبُوا في العِيرِ لِما فِيها مِنَ الغَنِيمَةِ والسَّلامَةِ مِنَ القِتالِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومُجادَلَتِهِمْ لِما نَدَبَهم إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وفاتَ العِيرَ وأمَرَهم بِقِتالِ النَّفِيرِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم كَثِيرُ أُهْبَةٍ، لِذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَوْ أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لَأخَذْنا العُدَّةَ وأكْمَلْنا الأُهْبَةَ، ومَعْنى " في الحَقِّ " أيْ في القِتالِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَأْمُرُ بِالشَّيْءِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالظَّفَرِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأنَّ العِيرَ إذا فاتَتْ ظَفِرُوا بِالنَّفِيرِ، و" بَعْدَ " ظَرْفٌ لِ " يُجادِلُونَكَ "، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يُجادِلُونَكَ بَعْدَما تَبَيَّنَ الحَقُّ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في " لَكارِهُونَ "، أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ في شِدَّةِ فَزَعِهِمْ مِنَ القِتالِ يُشْبِهُونَ حالَ مَن يُساقُ لِيُقْتَلُ وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِ قَتْلِهِ، ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ وعَدَ اللَّهُ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأمَرَهم بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، والطّائِفَتانِ: هُما العِيرُ والنَّفِيرُ، وإحْدى هو ثانِي مَفْعُولَيْ " يَعِدُ "، و" أنَّها لَكم " بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، ومَعْناهُ: أنَّها مُسَخَّرَةٌ لَكم وأنَّكم تَغْلِبُونَها وتَغْنَمُونَ مِنها وتَصْنَعُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ، لا يُطِيقُونَ لَكم دَفْعًا، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ " وتَوَدُّونَ " مَعْطُوفٌ عَلى يَعِدُكم مِن جُمْلَةِ الحَوادِثِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهي طائِفَةُ العِيرِ تَكُونُ لَكم دُونَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهي طائِفَةُ النَّفِيرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ غَيْرُ ذاتِ الحَدِّ.
والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ، والشَّوْكَةُ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ حَدٌّ، ومِنهُ رَجُلٌ شائِكُ السِّلاحِ: أيْ حَدِيدُ السِّلاحِ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقالُ: شاكِي السِّلاحِ، فالشَّوْكَةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، والمَعْنى: وتَوَدُّونَ أنْ تَظْفَرُوا بِالطّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ مَعَها سِلاحٌ، وهي طائِفَةُ العِيرِ لِأنَّها غَنِيمَةٌ صافِيَةٌ عَنْ كَدَرِ القِتالِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَها مَن يَقُومُ بِالدَّفْعِ عَنْها.
قَوْلُهُ " ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ " مَعْطُوفٌ عَلى تَوَدُّونَ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِهِ: أيْ ويُرِيدُ اللَّهُ غَيْرَ ما تُرِيدُونَ وهو أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِإظْهارِهِ لِما قَضاهُ مِن ظَفْرِكم بِذاتِ الشَّوْكَةِ، وقَتْلِهِمْ لِصَنادِيدِهِمْ، وأسْرِ كَثِيرٍ مِنهم، واغْتِنامِ ما غَنِمْتُمْ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي أجَلَبُوا بِها عَلَيْكم ورامُوا دَفْعَكم بِها، والمُرادُ بِالكَلِماتِ: الآياتُ الَّتِي أنْزَلَها في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ووَعْدُكم مِنهُ بِالظَّفَرِ بِها ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ الدّابِرُ الآخِرُ، وقَطْعُهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ والمَعْنى: ويَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ: أيْ أرادَ ذَلِكَ، أوْ يُرِيدُ ذَلِكَ لِيُظْهِرَ الحَقَّ ويَرْفَعَهُ ويُبْطِلَ الباطِلَ ويَضَعَهُ، أوِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحِقَّ الحَقَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقْطَعُ "، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الأُولى لِبَيانِ التَّفاوُتِ فِيما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذِهِ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، والعِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، والمَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. وإحْقاقُ الحَقِّ إظْهارُهُ، وإبْطالُ الباطِلِ إعْدامُهُ، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ ( الأنْبِياءِ: ١٨ ) ومَفْعُولُ " ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ " مَحْذُوفٌ، أيْ ولَوْ كَرِهُوا أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ أوْ جَمِيعُ طَوائِفِ الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ: ما تَرَوْنَ فِيها لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُناها ويُسَلِّمُنا، فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ، فَفَعَلْنا فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ فَأخْبَرْنا النَّبِيَّ ﷺ بِعِدَّتِنا، فَسُّرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ (p-٥٢٧)أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكم، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ، إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ ؟، فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ، طابَتْ أنْفُسُنا ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ مِن أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ، إنِ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ، فَقُلْنا: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّما يَحْمِلُ عُمَرُ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقالَ: ادْعُوا لِي عُمَرَ، فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلِيَّ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وفِيهِ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ، فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتَها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ، ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢٤ ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ، ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ، فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ، وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الغَنِيمَةَ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في خُرُوجِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم﴾ قالَ: هي عِيرُ أبِي سُفْيانَ ودَّ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ العِيرَ كانَتْ لَهم وأنَّ القِتالَ صُرِفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ شَأْفَتَهم.
ووَقْعَةُ بَدْرٍ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الحَدِيثِ والسِّيَرِ والتّارِيخِ مُسْتَوْفاةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها.
الأنفال 8:7
(p-٥٢٦)قَوْلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيِ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، أيْ: مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ، والمَعْنى: امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ وإنْ كَرِهُوا؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جُعِلَ لِكُلِّ مَن أتى بِأسِيرٍ شَيْئًا قالَ: بَقِيَ أكْثَرُ النّاسِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَمَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ كَما ذَكَرْنا، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَسَمٌ: أيْ والَّذِي أخْرَجَكَ، فالكافُ بِمَعْنى الواوِ، وما بِمَعْنى الَّذِي.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: المَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وقِيلَ " كَما أخْرَجَكَ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ " أيْ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ في الآخِرَةِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الواجِبُ لَهُ، فَأنْجَزَ وعْدَكَ، وظَفَّرَكَ بَعَدُوِّكِ، وأوْفى لَكَ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ واخْتارَهُ، وقِيلَ: الكافُ في " كَما " كافُ التَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المُجازاةِ كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَّتَكَ، فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم، وقِيلَ: إنَّ الكافَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ مِثْلُ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، و" بِالحَقِّ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَما أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا العِيرُ أوِ النَّفِيرُ، رَغِبُوا في العِيرِ لِما فِيها مِنَ الغَنِيمَةِ والسَّلامَةِ مِنَ القِتالِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومُجادَلَتِهِمْ لِما نَدَبَهم إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وفاتَ العِيرَ وأمَرَهم بِقِتالِ النَّفِيرِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم كَثِيرُ أُهْبَةٍ، لِذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَوْ أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لَأخَذْنا العُدَّةَ وأكْمَلْنا الأُهْبَةَ، ومَعْنى " في الحَقِّ " أيْ في القِتالِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَأْمُرُ بِالشَّيْءِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالظَّفَرِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأنَّ العِيرَ إذا فاتَتْ ظَفِرُوا بِالنَّفِيرِ، و" بَعْدَ " ظَرْفٌ لِ " يُجادِلُونَكَ "، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يُجادِلُونَكَ بَعْدَما تَبَيَّنَ الحَقُّ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في " لَكارِهُونَ "، أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ في شِدَّةِ فَزَعِهِمْ مِنَ القِتالِ يُشْبِهُونَ حالَ مَن يُساقُ لِيُقْتَلُ وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِ قَتْلِهِ، ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ وعَدَ اللَّهُ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأمَرَهم بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، والطّائِفَتانِ: هُما العِيرُ والنَّفِيرُ، وإحْدى هو ثانِي مَفْعُولَيْ " يَعِدُ "، و" أنَّها لَكم " بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، ومَعْناهُ: أنَّها مُسَخَّرَةٌ لَكم وأنَّكم تَغْلِبُونَها وتَغْنَمُونَ مِنها وتَصْنَعُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ، لا يُطِيقُونَ لَكم دَفْعًا، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ " وتَوَدُّونَ " مَعْطُوفٌ عَلى يَعِدُكم مِن جُمْلَةِ الحَوادِثِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهي طائِفَةُ العِيرِ تَكُونُ لَكم دُونَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهي طائِفَةُ النَّفِيرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ غَيْرُ ذاتِ الحَدِّ.
والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ، والشَّوْكَةُ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ حَدٌّ، ومِنهُ رَجُلٌ شائِكُ السِّلاحِ: أيْ حَدِيدُ السِّلاحِ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقالُ: شاكِي السِّلاحِ، فالشَّوْكَةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، والمَعْنى: وتَوَدُّونَ أنْ تَظْفَرُوا بِالطّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ مَعَها سِلاحٌ، وهي طائِفَةُ العِيرِ لِأنَّها غَنِيمَةٌ صافِيَةٌ عَنْ كَدَرِ القِتالِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَها مَن يَقُومُ بِالدَّفْعِ عَنْها.
قَوْلُهُ " ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ " مَعْطُوفٌ عَلى تَوَدُّونَ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِهِ: أيْ ويُرِيدُ اللَّهُ غَيْرَ ما تُرِيدُونَ وهو أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِإظْهارِهِ لِما قَضاهُ مِن ظَفْرِكم بِذاتِ الشَّوْكَةِ، وقَتْلِهِمْ لِصَنادِيدِهِمْ، وأسْرِ كَثِيرٍ مِنهم، واغْتِنامِ ما غَنِمْتُمْ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي أجَلَبُوا بِها عَلَيْكم ورامُوا دَفْعَكم بِها، والمُرادُ بِالكَلِماتِ: الآياتُ الَّتِي أنْزَلَها في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ووَعْدُكم مِنهُ بِالظَّفَرِ بِها ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ الدّابِرُ الآخِرُ، وقَطْعُهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ والمَعْنى: ويَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ: أيْ أرادَ ذَلِكَ، أوْ يُرِيدُ ذَلِكَ لِيُظْهِرَ الحَقَّ ويَرْفَعَهُ ويُبْطِلَ الباطِلَ ويَضَعَهُ، أوِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحِقَّ الحَقَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقْطَعُ "، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الأُولى لِبَيانِ التَّفاوُتِ فِيما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذِهِ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، والعِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، والمَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. وإحْقاقُ الحَقِّ إظْهارُهُ، وإبْطالُ الباطِلِ إعْدامُهُ، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ ( الأنْبِياءِ: ١٨ ) ومَفْعُولُ " ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ " مَحْذُوفٌ، أيْ ولَوْ كَرِهُوا أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ أوْ جَمِيعُ طَوائِفِ الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ: ما تَرَوْنَ فِيها لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُناها ويُسَلِّمُنا، فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ، فَفَعَلْنا فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ فَأخْبَرْنا النَّبِيَّ ﷺ بِعِدَّتِنا، فَسُّرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ (p-٥٢٧)أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكم، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ، إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ ؟، فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ، طابَتْ أنْفُسُنا ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ مِن أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ، إنِ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ، فَقُلْنا: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّما يَحْمِلُ عُمَرُ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقالَ: ادْعُوا لِي عُمَرَ، فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلِيَّ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وفِيهِ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ، فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتَها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ، ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢٤ ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ، ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ، فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ، وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الغَنِيمَةَ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في خُرُوجِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم﴾ قالَ: هي عِيرُ أبِي سُفْيانَ ودَّ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ العِيرَ كانَتْ لَهم وأنَّ القِتالَ صُرِفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ شَأْفَتَهم.
ووَقْعَةُ بَدْرٍ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الحَدِيثِ والسِّيَرِ والتّارِيخِ مُسْتَوْفاةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها.
الأنفال 8:8
(p-٥٢٦)قَوْلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيِ: الأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، أيْ: مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ، والمَعْنى: امْضِ لِأمْرِكَ في الغَنائِمِ ونَفِّلْ مَن شِئْتَ وإنْ كَرِهُوا؛ لِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جُعِلَ لِكُلِّ مَن أتى بِأسِيرٍ شَيْئًا قالَ: بَقِيَ أكْثَرُ النّاسِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَمَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ كَما ذَكَرْنا، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو قَسَمٌ: أيْ والَّذِي أخْرَجَكَ، فالكافُ بِمَعْنى الواوِ، وما بِمَعْنى الَّذِي.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: المَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، وقِيلَ " كَما أخْرَجَكَ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ " أيْ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ في الآخِرَةِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الواجِبُ لَهُ، فَأنْجَزَ وعْدَكَ، وظَفَّرَكَ بَعَدُوِّكِ، وأوْفى لَكَ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ واخْتارَهُ، وقِيلَ: الكافُ في " كَما " كافُ التَّشْبِيهِ عَلى سَبِيلِ المُجازاةِ كَقَوْلِ القائِلِ لِعَبْدِهِ: كَما وجَّهْتُكَ إلى أعْدائِي فاسْتَضْعَفُوكَ وسَألْتَ مَدَدًا فَأمْدَدْتُكَ وقَوَّيْتُكَ وأزَحْتُ عِلَّتَكَ، فَخُذْهُمُ الآنَ فَعاقِبْهم، وقِيلَ: إنَّ الكافَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ يَعْنِي أنَّ حالَهم في كَراهَةِ ما رَأيْتَ مِن تَنْفِيلِ الغُزاةِ مِثْلُ حالِهِمْ في كَراهَةِ خُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، و" بِالحَقِّ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَما أخْرَجَكَ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا العِيرُ أوِ النَّفِيرُ، رَغِبُوا في العِيرِ لِما فِيها مِنَ الغَنِيمَةِ والسَّلامَةِ مِنَ القِتالِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ بَعْدَ حالٍ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومُجادَلَتِهِمْ لِما نَدَبَهم إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وفاتَ العِيرَ وأمَرَهم بِقِتالِ النَّفِيرِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهم كَثِيرُ أُهْبَةٍ، لِذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: لَوْ أخْبَرْتَنا بِالقِتالِ لَأخَذْنا العُدَّةَ وأكْمَلْنا الأُهْبَةَ، ومَعْنى " في الحَقِّ " أيْ في القِتالِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهم أنَّكَ لا تَأْمُرُ بِالشَّيْءِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالظَّفَرِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأنَّ العِيرَ إذا فاتَتْ ظَفِرُوا بِالنَّفِيرِ، و" بَعْدَ " ظَرْفٌ لِ " يُجادِلُونَكَ "، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يُجادِلُونَكَ بَعْدَما تَبَيَّنَ الحَقُّ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في " لَكارِهُونَ "، أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ في شِدَّةِ فَزَعِهِمْ مِنَ القِتالِ يُشْبِهُونَ حالَ مَن يُساقُ لِيُقْتَلُ وهو مُشاهِدٌ لِأسْبابِ قَتْلِهِ، ناظِرٌ إلَيْها لا يَشُكُّ فِيها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ وعَدَ اللَّهُ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وأمَرَهم بِتَذْكِيرِ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، والطّائِفَتانِ: هُما العِيرُ والنَّفِيرُ، وإحْدى هو ثانِي مَفْعُولَيْ " يَعِدُ "، و" أنَّها لَكم " بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، ومَعْناهُ: أنَّها مُسَخَّرَةٌ لَكم وأنَّكم تَغْلِبُونَها وتَغْنَمُونَ مِنها وتَصْنَعُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ، لا يُطِيقُونَ لَكم دَفْعًا، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ " وتَوَدُّونَ " مَعْطُوفٌ عَلى يَعِدُكم مِن جُمْلَةِ الحَوادِثِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهي طائِفَةُ العِيرِ تَكُونُ لَكم دُونَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهي طائِفَةُ النَّفِيرِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ غَيْرُ ذاتِ الحَدِّ.
والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ، والشَّوْكَةُ: النَّبْتُ الَّذِي لَهُ حَدٌّ، ومِنهُ رَجُلٌ شائِكُ السِّلاحِ: أيْ حَدِيدُ السِّلاحِ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقالُ: شاكِي السِّلاحِ، فالشَّوْكَةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، والمَعْنى: وتَوَدُّونَ أنْ تَظْفَرُوا بِالطّائِفَةِ الَّتِي لَيْسَ مَعَها سِلاحٌ، وهي طائِفَةُ العِيرِ لِأنَّها غَنِيمَةٌ صافِيَةٌ عَنْ كَدَرِ القِتالِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَها مَن يَقُومُ بِالدَّفْعِ عَنْها.
قَوْلُهُ " ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ " مَعْطُوفٌ عَلى تَوَدُّونَ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِهِ: أيْ ويُرِيدُ اللَّهُ غَيْرَ ما تُرِيدُونَ وهو أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِإظْهارِهِ لِما قَضاهُ مِن ظَفْرِكم بِذاتِ الشَّوْكَةِ، وقَتْلِهِمْ لِصَنادِيدِهِمْ، وأسْرِ كَثِيرٍ مِنهم، واغْتِنامِ ما غَنِمْتُمْ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي أجَلَبُوا بِها عَلَيْكم ورامُوا دَفْعَكم بِها، والمُرادُ بِالكَلِماتِ: الآياتُ الَّتِي أنْزَلَها في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ووَعْدُكم مِنهُ بِالظَّفَرِ بِها ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ الدّابِرُ الآخِرُ، وقَطْعُهُ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ والمَعْنى: ويَسْتَأْصِلُهم جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ: أيْ أرادَ ذَلِكَ، أوْ يُرِيدُ ذَلِكَ لِيُظْهِرَ الحَقَّ ويَرْفَعَهُ ويُبْطِلَ الباطِلَ ويَضَعَهُ، أوِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحِقَّ الحَقَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقْطَعُ "، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الأُولى لِبَيانِ التَّفاوُتِ فِيما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذِهِ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، والعِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، والمَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ. وإحْقاقُ الحَقِّ إظْهارُهُ، وإبْطالُ الباطِلِ إعْدامُهُ، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ ( الأنْبِياءِ: ١٨ ) ومَفْعُولُ " ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ " مَحْذُوفٌ، أيْ ولَوْ كَرِهُوا أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ، والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ أوْ جَمِيعُ طَوائِفِ الكُفّارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ: ما تَرَوْنَ فِيها لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُناها ويُسَلِّمُنا، فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ، فَفَعَلْنا فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ فَأخْبَرْنا النَّبِيَّ ﷺ بِعِدَّتِنا، فَسُّرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ (p-٥٢٧)أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكم، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ، إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ ؟، فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم﴾ فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ، طابَتْ أنْفُسُنا ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفْضَلُ مِن أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ، إنِ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ، فَقُلْنا: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّما يَحْمِلُ عُمَرُ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقالَ: ادْعُوا لِي عُمَرَ، فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلِيَّ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وفِيهِ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ، فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتَها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ، ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢٤ ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ، ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ، فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ، وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ وإنَّما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الغَنِيمَةَ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ يُجادِلُونَكَ في خُرُوجِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم﴾ قالَ: هي عِيرُ أبِي سُفْيانَ ودَّ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ العِيرَ كانَتْ لَهم وأنَّ القِتالَ صُرِفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ شَأْفَتَهم.
ووَقْعَةُ بَدْرٍ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ الحَدِيثِ والسِّيَرِ والتّارِيخِ مُسْتَوْفاةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها.
الأنفال 8:9
قَوْلُهُ: إذْ تَسْتَغِيثُونَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ اسْتِغاثَتِكم، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٨ ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ( الأنْفالِ: ٨ ) والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، يُقالُ: اسْتَغاثَنِي فُلانٌ فَأغَثْتُهُ، والِاسْمُ الغِياثُ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن قِتالِ الطّائِفَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ وهُمُ النَّفِيرُ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وأرادَهُ مِنهم ورَأوْا كَثْرَةَ عَدَدِ النَّفِيرِ وقِلَّةَ عَدَدِهِمُ اسْتَغاثُوا بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ عَدَدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ألْفٌ، وعَدَدَ المُسْلِمِينَ ثَلَثُمِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى ذَلِكَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» الحَدِيثَ.
" فاسْتَجابَ لَكم " عَطْفٌ عَلى " تَسْتَغِيثُونَ " داخِلٌ مَعَهُ في التَّذْكِيرِ، وهو وإنْ كانَ مُسْتَقْبِلًا فَهو بِمَعْنى الماضِي، ولِهَذا عَطَفَ عَلَيْهِ " اسْتَجابَ " .
قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ أيْ بِأنِّي مُمِدُّكم فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ وأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّ في " اسْتَجابَ " مَعْنى القَوْلِ، قَوْلُهُ " مُرْدِفِينَ " قَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الدّالِ، اسْمُ مَفْعُولٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، اسْمُ فاعِلٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهم تابِعًا لِبَعْضٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهم جُعِلُوا بَعْضَهم تابِعًا لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ مُرْدِفِينَ عَلى القِراءَتَيْنِ نَعْتٌ لِألْفٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى القِراءَةِ الأُولى حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُورِ في " مُمِدُّكم ": أيْ مُمِدُّكم في حالِ إرْدافِكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ رَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنى واحِدٍ، وأنْكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ قالَ: لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ( النّازِعاتِ: ٧ ) ولَمْ يَقُلِ " المُرْدَفَةُ " .
قالَ سِيبَوَيْهِ: وفي الآيَةِ قِراءَةٌ ثالِثَةٌ وهي " مُرُدِّفِينَ " بِضَمِّ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةٌ رابِعَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ بِآلافٍ جَمْعِ ألْفٍ، وهو المُوافِقُ لِما تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ.
والضَّمِيرُ في " وما (p-٥٢٨)جَعَلَهُ اللَّهُ " راجِعٌ إلى الإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنِّي مُمِدُّكم، ﴿إلّا بُشْرى﴾ أيْ إلّا بِشارَةً لَكم بِنَصْرِهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ: أيْ ما جُعِلَ إمْدادُكم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِالنَّصْرِ ولِتَطَمْئِنَّ بِهِ، أيْ بِالإمْدادِ، قُلُوبُكم، وفي هَذا إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا، بَلْ أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ لِلْبُشْرى لَهم وتَطْمِينِ قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتِها، واللّامُ في " لِتَطْمَئِنَّ " مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم فَعَلَ ذَلِكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ في ذَلِكَ أثَرٌ، فَهو النّاصِرُ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسُوا إلّا سَبَبًا مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي سَبَّبَها اللَّهُ لَكم وأمَدَّكم بِها ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفِيها أبُو بَكْرٍ ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنا في المَيْسَرَةِ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما أُمِدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في الأنْفالِ، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ الآلافَ والخَمْسَةَ الآلافَ إلّا بُشْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يَقُولُ: المَدَدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدِفِينَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وهم مَدَدُ المُسْلِمِينَ في ثُغُورِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُجِدِّينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: مُتَتابِعِينَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِألْفٍ ثُمَّ بِثَلاثَةٍ، ثُمَّ أكْمَلَهم خَمْسَةَ آلافٍ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم﴾ قالَ: يَعْنِي نُزُولَ المَلائِكَةِ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ قالَ: أمّا يَوْمُ بَدْرٍ فَلا نَشُكُّ أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مَعَنا وأمّا بَعْدَ ذَلِكَ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: بَعْضُهم عَلى أثَرِ بَعْضٍ.
الأنفال 8:10
قَوْلُهُ: إذْ تَسْتَغِيثُونَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ اسْتِغاثَتِكم، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٨ ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ( الأنْفالِ: ٨ ) والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، يُقالُ: اسْتَغاثَنِي فُلانٌ فَأغَثْتُهُ، والِاسْمُ الغِياثُ، والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِن قِتالِ الطّائِفَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ وهُمُ النَّفِيرُ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وأرادَهُ مِنهم ورَأوْا كَثْرَةَ عَدَدِ النَّفِيرِ وقِلَّةَ عَدَدِهِمُ اسْتَغاثُوا بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ عَدَدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ألْفٌ، وعَدَدَ المُسْلِمِينَ ثَلَثُمِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى ذَلِكَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» الحَدِيثَ.
" فاسْتَجابَ لَكم " عَطْفٌ عَلى " تَسْتَغِيثُونَ " داخِلٌ مَعَهُ في التَّذْكِيرِ، وهو وإنْ كانَ مُسْتَقْبِلًا فَهو بِمَعْنى الماضِي، ولِهَذا عَطَفَ عَلَيْهِ " اسْتَجابَ " .
قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ أيْ بِأنِّي مُمِدُّكم فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ وأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّ في " اسْتَجابَ " مَعْنى القَوْلِ، قَوْلُهُ " مُرْدِفِينَ " قَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الدّالِ، اسْمُ مَفْعُولٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، اسْمُ فاعِلٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهم تابِعًا لِبَعْضٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهم جُعِلُوا بَعْضَهم تابِعًا لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ مُرْدِفِينَ عَلى القِراءَتَيْنِ نَعْتٌ لِألْفٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى القِراءَةِ الأُولى حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُورِ في " مُمِدُّكم ": أيْ مُمِدُّكم في حالِ إرْدافِكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ رَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنى واحِدٍ، وأنْكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ قالَ: لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ( النّازِعاتِ: ٧ ) ولَمْ يَقُلِ " المُرْدَفَةُ " .
قالَ سِيبَوَيْهِ: وفي الآيَةِ قِراءَةٌ ثالِثَةٌ وهي " مُرُدِّفِينَ " بِضَمِّ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةٌ رابِعَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ بِآلافٍ جَمْعِ ألْفٍ، وهو المُوافِقُ لِما تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ.
والضَّمِيرُ في " وما (p-٥٢٨)جَعَلَهُ اللَّهُ " راجِعٌ إلى الإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنِّي مُمِدُّكم، ﴿إلّا بُشْرى﴾ أيْ إلّا بِشارَةً لَكم بِنَصْرِهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ: أيْ ما جُعِلَ إمْدادُكم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِالنَّصْرِ ولِتَطَمْئِنَّ بِهِ، أيْ بِالإمْدادِ، قُلُوبُكم، وفي هَذا إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا، بَلْ أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ لِلْبُشْرى لَهم وتَطْمِينِ قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتِها، واللّامُ في " لِتَطْمَئِنَّ " مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم فَعَلَ ذَلِكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ في ذَلِكَ أثَرٌ، فَهو النّاصِرُ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسُوا إلّا سَبَبًا مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي سَبَّبَها اللَّهُ لَكم وأمَدَّكم بِها ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفِيها أبُو بَكْرٍ ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنا في المَيْسَرَةِ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما أُمِدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في الأنْفالِ، وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ الآلافَ والخَمْسَةَ الآلافَ إلّا بُشْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يَقُولُ: المَدَدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدِفِينَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وهم مَدَدُ المُسْلِمِينَ في ثُغُورِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُجِدِّينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: مُتَتابِعِينَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِألْفٍ ثُمَّ بِثَلاثَةٍ، ثُمَّ أكْمَلَهم خَمْسَةَ آلافٍ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم﴾ قالَ: يَعْنِي نُزُولَ المَلائِكَةِ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ قالَ: أمّا يَوْمُ بَدْرٍ فَلا نَشُكُّ أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مَعَنا وأمّا بَعْدَ ذَلِكَ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: بَعْضُهم عَلى أثَرِ بَعْضٍ.
الأنفال 8:11
قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.
قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.
قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ خاصٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَقِفُ عَلى ذَلِكَ سِواهُ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ إيحاءِ رَبِّكَ إلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم كَما تَقَدَّمَ ولَكِنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ (p-٥٢٩)أنَّ هَذا لا يَقِفُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا يَكُونُ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ " يُثَبِّتَ " فَيَكُونُ المَعْنى: يُثَبِّتُ الأقْدامَ وقْتَ الوَحْيِ ولَيْسَ لِهَذا التَّقْيِيدِ مَعْنى، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ لِيَرْبِطَ ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ بِوَقْتِ الإيحاءِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِلْهَمْزَةِ هو مَفْعُولُ " يُوحِي " وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.
ومَعْنى ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ أوْ ثَبِّتُوهم عَلى القِتالِ بِالحُضُورِ مَعَهم وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، وهَذا أمَرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ بِأنَّهُ مَعَهم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى إلْقاءِ الرُّعْبِ في آلِ عِمْرانَ، قِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قِيلَ: المُرادُ الأعْناقُ أنْفُسُها و" فَوْقَ " زائِدَةٌ: قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ " فَوْقَ " يُفِيدُ مَعْنًى، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ أُبِيحَ لَهم ضَرْبُ الوُجُوهِ وما قَرُبَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِما فَوْقَ الأعْناقِ: الرُّؤُوسُ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ " فَوْقَ الأعْناقِ ": أعالِيها لِأنَّها المَفاصِلُ الَّذِي يَكُونُ الضَّرْبُ فِيها أسْرَعَ إلى القَطْعِ.
قِيلَ: وهَذا أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ البَنانِ بَنانَةٌ، وهي هُنا الأصابِعُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، والبَنانِ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ أبَنَّ الرَّجُلُ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْمَلُ بِها ما يَكُونُ لِلْإقامَةِ والحَياةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ هُنا: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وهو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ في الحَرْبِ، فَإذا ضُرِبَتِ البَنانُ تَعَطَّلَ مِنَ المَضْرُوبِ القَتّالُ بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ.
قالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَدْ كانَ في الهَيْجاءِ يَحْمِي ذِمارَها ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بَنانِ
وقالَ عَنْتَرَةُ أيْضًا:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وطِئْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِي
قالَ ابْنُ فارِسٍ: البَنانُ الأصابِعُ، ويُقالُ: الأطْرافُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ ودَخَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَبَرُهُ، أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ، والشِّقاقُ أصْلُهُ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لَهُ يُعاقِبُهُ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الشِّقاقِ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العُقابِ، أوِ الخِطابُ هُنا لِلْكافِرِينَ كَما أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكم رَفْعٌ بِإضْمارِ الأمْرِ أوِ القِصَّةِ، أيِ " الأمْرُ أوِ القِصَّةُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمِرَ واعْلَمُوا.
قالَ في الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى: عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ تَقْدِيرُ عَلَيْكم لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ بِـ " زَيْدًا فاضْرِبْهُ " غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهِ عَلَيْكَ، بَلْ هو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا إلى العِقابِ العاجِلِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ ويَكُونُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ إشارَةً إلى العِقابِ الآجِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى،، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «ما كانَ فِينا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدادِ، ولَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ حَتّى أصْبَحَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيما أغْشاهُمُ اللَّهُ مِنَ النُّعاسِ أمَنَةً مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: رَحْمَةً مِنهُ أمَنَةً مِنَ العَدِّوِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: النُّعاسُ في الرَّأْسِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ النُّعاسُ أمَنَةً مِنَ اللَّهِ، وكانَ النُّعاسُ نُعاسَيْنِ: نُعاسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، ونُعاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: طَشٌّ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعاسِ فَأطْفَأ بِالمَطَرِ الغُبارَ، والتَبَدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ بِهِ أنْفُسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّماءَ وكانَ الوادِي دَهْسًا، وأصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ ما لَبَّدَ الأرْضَ ولَمْ يَمْنَعْهُمُ السَّيْرَ، وأصابَ قُرَيْشًا ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ، فَصَحا المُسْلِمُونَ وصَلَّوْا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونِ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدَثِينَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي ماءً، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا، وثَبَتَتْ أقْدامُهم، وذَهَبَتْ وسْوَسَتُهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ المَشْهُورَ في كُتُبِ السِّيَرِ المُعْتَمِدَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَغْلِبُوا المُؤْمِنِينَ عَلى الماءِ بَلِ المُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الِابْتِداءِ، وهَذا المَرْوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في إسْنادِهِ العَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: وسْوَسَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم﴾ قالَ: بِالصَّبْرِ ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: كانَ بَطْنُ الوادِي دَهاسًا، فَلَمّا مُطِرُوا اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: حَتّى تَشْتَدَّ عَلى الرَّمْلِ وهو كَهَيْئَةِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٠)جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ» وأصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: كانَ النّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلى المَلائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهم بِضَرْبٍ عَلى الأعْناقِ، وعَلى البَنانِ مِثْلَ سِمَةِ النّارِ قَدِ احْتَرَقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: الرُّؤُوسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قالَ: اضْرِبُوا الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالبَنانِ الأطْرافَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: كُلَّ مِفْصَلٍ.
الأنفال 8:12
قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.
قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.
قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ خاصٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَقِفُ عَلى ذَلِكَ سِواهُ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ إيحاءِ رَبِّكَ إلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم كَما تَقَدَّمَ ولَكِنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ (p-٥٢٩)أنَّ هَذا لا يَقِفُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا يَكُونُ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ " يُثَبِّتَ " فَيَكُونُ المَعْنى: يُثَبِّتُ الأقْدامَ وقْتَ الوَحْيِ ولَيْسَ لِهَذا التَّقْيِيدِ مَعْنى، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ لِيَرْبِطَ ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ بِوَقْتِ الإيحاءِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِلْهَمْزَةِ هو مَفْعُولُ " يُوحِي " وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.
ومَعْنى ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ أوْ ثَبِّتُوهم عَلى القِتالِ بِالحُضُورِ مَعَهم وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، وهَذا أمَرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ بِأنَّهُ مَعَهم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى إلْقاءِ الرُّعْبِ في آلِ عِمْرانَ، قِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قِيلَ: المُرادُ الأعْناقُ أنْفُسُها و" فَوْقَ " زائِدَةٌ: قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ " فَوْقَ " يُفِيدُ مَعْنًى، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ أُبِيحَ لَهم ضَرْبُ الوُجُوهِ وما قَرُبَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِما فَوْقَ الأعْناقِ: الرُّؤُوسُ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ " فَوْقَ الأعْناقِ ": أعالِيها لِأنَّها المَفاصِلُ الَّذِي يَكُونُ الضَّرْبُ فِيها أسْرَعَ إلى القَطْعِ.
قِيلَ: وهَذا أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ البَنانِ بَنانَةٌ، وهي هُنا الأصابِعُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، والبَنانِ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ أبَنَّ الرَّجُلُ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْمَلُ بِها ما يَكُونُ لِلْإقامَةِ والحَياةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ هُنا: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وهو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ في الحَرْبِ، فَإذا ضُرِبَتِ البَنانُ تَعَطَّلَ مِنَ المَضْرُوبِ القَتّالُ بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ.
قالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَدْ كانَ في الهَيْجاءِ يَحْمِي ذِمارَها ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بَنانِ
وقالَ عَنْتَرَةُ أيْضًا:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وطِئْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِي
قالَ ابْنُ فارِسٍ: البَنانُ الأصابِعُ، ويُقالُ: الأطْرافُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ ودَخَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَبَرُهُ، أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ، والشِّقاقُ أصْلُهُ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لَهُ يُعاقِبُهُ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الشِّقاقِ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العُقابِ، أوِ الخِطابُ هُنا لِلْكافِرِينَ كَما أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكم رَفْعٌ بِإضْمارِ الأمْرِ أوِ القِصَّةِ، أيِ " الأمْرُ أوِ القِصَّةُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمِرَ واعْلَمُوا.
قالَ في الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى: عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ تَقْدِيرُ عَلَيْكم لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ بِـ " زَيْدًا فاضْرِبْهُ " غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهِ عَلَيْكَ، بَلْ هو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا إلى العِقابِ العاجِلِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ ويَكُونُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ إشارَةً إلى العِقابِ الآجِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى،، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «ما كانَ فِينا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدادِ، ولَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ حَتّى أصْبَحَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيما أغْشاهُمُ اللَّهُ مِنَ النُّعاسِ أمَنَةً مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: رَحْمَةً مِنهُ أمَنَةً مِنَ العَدِّوِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: النُّعاسُ في الرَّأْسِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ النُّعاسُ أمَنَةً مِنَ اللَّهِ، وكانَ النُّعاسُ نُعاسَيْنِ: نُعاسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، ونُعاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: طَشٌّ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعاسِ فَأطْفَأ بِالمَطَرِ الغُبارَ، والتَبَدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ بِهِ أنْفُسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّماءَ وكانَ الوادِي دَهْسًا، وأصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ ما لَبَّدَ الأرْضَ ولَمْ يَمْنَعْهُمُ السَّيْرَ، وأصابَ قُرَيْشًا ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ، فَصَحا المُسْلِمُونَ وصَلَّوْا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونِ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدَثِينَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي ماءً، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا، وثَبَتَتْ أقْدامُهم، وذَهَبَتْ وسْوَسَتُهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ المَشْهُورَ في كُتُبِ السِّيَرِ المُعْتَمِدَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَغْلِبُوا المُؤْمِنِينَ عَلى الماءِ بَلِ المُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الِابْتِداءِ، وهَذا المَرْوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في إسْنادِهِ العَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: وسْوَسَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم﴾ قالَ: بِالصَّبْرِ ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: كانَ بَطْنُ الوادِي دَهاسًا، فَلَمّا مُطِرُوا اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: حَتّى تَشْتَدَّ عَلى الرَّمْلِ وهو كَهَيْئَةِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٠)جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ» وأصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: كانَ النّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلى المَلائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهم بِضَرْبٍ عَلى الأعْناقِ، وعَلى البَنانِ مِثْلَ سِمَةِ النّارِ قَدِ احْتَرَقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: الرُّؤُوسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قالَ: اضْرِبُوا الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالبَنانِ الأطْرافَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: كُلَّ مِفْصَلٍ.
الأنفال 8:13
قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.
قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.
قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ خاصٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَقِفُ عَلى ذَلِكَ سِواهُ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ إيحاءِ رَبِّكَ إلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم كَما تَقَدَّمَ ولَكِنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ (p-٥٢٩)أنَّ هَذا لا يَقِفُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا يَكُونُ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ " يُثَبِّتَ " فَيَكُونُ المَعْنى: يُثَبِّتُ الأقْدامَ وقْتَ الوَحْيِ ولَيْسَ لِهَذا التَّقْيِيدِ مَعْنى، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ لِيَرْبِطَ ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ بِوَقْتِ الإيحاءِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِلْهَمْزَةِ هو مَفْعُولُ " يُوحِي " وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.
ومَعْنى ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ أوْ ثَبِّتُوهم عَلى القِتالِ بِالحُضُورِ مَعَهم وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، وهَذا أمَرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ بِأنَّهُ مَعَهم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى إلْقاءِ الرُّعْبِ في آلِ عِمْرانَ، قِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قِيلَ: المُرادُ الأعْناقُ أنْفُسُها و" فَوْقَ " زائِدَةٌ: قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ " فَوْقَ " يُفِيدُ مَعْنًى، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ أُبِيحَ لَهم ضَرْبُ الوُجُوهِ وما قَرُبَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِما فَوْقَ الأعْناقِ: الرُّؤُوسُ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ " فَوْقَ الأعْناقِ ": أعالِيها لِأنَّها المَفاصِلُ الَّذِي يَكُونُ الضَّرْبُ فِيها أسْرَعَ إلى القَطْعِ.
قِيلَ: وهَذا أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ البَنانِ بَنانَةٌ، وهي هُنا الأصابِعُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، والبَنانِ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ أبَنَّ الرَّجُلُ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْمَلُ بِها ما يَكُونُ لِلْإقامَةِ والحَياةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ هُنا: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وهو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ في الحَرْبِ، فَإذا ضُرِبَتِ البَنانُ تَعَطَّلَ مِنَ المَضْرُوبِ القَتّالُ بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ.
قالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَدْ كانَ في الهَيْجاءِ يَحْمِي ذِمارَها ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بَنانِ
وقالَ عَنْتَرَةُ أيْضًا:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وطِئْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِي
قالَ ابْنُ فارِسٍ: البَنانُ الأصابِعُ، ويُقالُ: الأطْرافُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ ودَخَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَبَرُهُ، أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ، والشِّقاقُ أصْلُهُ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لَهُ يُعاقِبُهُ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الشِّقاقِ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العُقابِ، أوِ الخِطابُ هُنا لِلْكافِرِينَ كَما أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكم رَفْعٌ بِإضْمارِ الأمْرِ أوِ القِصَّةِ، أيِ " الأمْرُ أوِ القِصَّةُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمِرَ واعْلَمُوا.
قالَ في الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى: عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ تَقْدِيرُ عَلَيْكم لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ بِـ " زَيْدًا فاضْرِبْهُ " غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهِ عَلَيْكَ، بَلْ هو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا إلى العِقابِ العاجِلِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ ويَكُونُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ إشارَةً إلى العِقابِ الآجِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى،، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «ما كانَ فِينا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدادِ، ولَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ حَتّى أصْبَحَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيما أغْشاهُمُ اللَّهُ مِنَ النُّعاسِ أمَنَةً مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: رَحْمَةً مِنهُ أمَنَةً مِنَ العَدِّوِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: النُّعاسُ في الرَّأْسِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ النُّعاسُ أمَنَةً مِنَ اللَّهِ، وكانَ النُّعاسُ نُعاسَيْنِ: نُعاسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، ونُعاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: طَشٌّ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعاسِ فَأطْفَأ بِالمَطَرِ الغُبارَ، والتَبَدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ بِهِ أنْفُسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّماءَ وكانَ الوادِي دَهْسًا، وأصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ ما لَبَّدَ الأرْضَ ولَمْ يَمْنَعْهُمُ السَّيْرَ، وأصابَ قُرَيْشًا ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ، فَصَحا المُسْلِمُونَ وصَلَّوْا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونِ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدَثِينَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي ماءً، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا، وثَبَتَتْ أقْدامُهم، وذَهَبَتْ وسْوَسَتُهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ المَشْهُورَ في كُتُبِ السِّيَرِ المُعْتَمِدَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَغْلِبُوا المُؤْمِنِينَ عَلى الماءِ بَلِ المُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الِابْتِداءِ، وهَذا المَرْوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في إسْنادِهِ العَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: وسْوَسَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم﴾ قالَ: بِالصَّبْرِ ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: كانَ بَطْنُ الوادِي دَهاسًا، فَلَمّا مُطِرُوا اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: حَتّى تَشْتَدَّ عَلى الرَّمْلِ وهو كَهَيْئَةِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٠)جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ» وأصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: كانَ النّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلى المَلائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهم بِضَرْبٍ عَلى الأعْناقِ، وعَلى البَنانِ مِثْلَ سِمَةِ النّارِ قَدِ احْتَرَقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: الرُّؤُوسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قالَ: اضْرِبُوا الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالبَنانِ الأطْرافَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: كُلَّ مِفْصَلٍ.
الأنفال 8:14
قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.
قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.
قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ خاصٍّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَقِفُ عَلى ذَلِكَ سِواهُ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ إيحاءِ رَبِّكَ إلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم كَما تَقَدَّمَ ولَكِنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ (p-٥٢٩)أنَّ هَذا لا يَقِفُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا يَكُونُ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ " يُثَبِّتَ " فَيَكُونُ المَعْنى: يُثَبِّتُ الأقْدامَ وقْتَ الوَحْيِ ولَيْسَ لِهَذا التَّقْيِيدِ مَعْنى، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ لِيَرْبِطَ ولا وجْهَ لِتَقْيِيدِ الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ بِوَقْتِ الإيحاءِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِلْهَمْزَةِ هو مَفْعُولُ " يُوحِي " وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.
ومَعْنى ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ أوْ ثَبِّتُوهم عَلى القِتالِ بِالحُضُورِ مَعَهم وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، وهَذا أمَرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ بِأنَّهُ مَعَهم، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى إلْقاءِ الرُّعْبِ في آلِ عِمْرانَ، قِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قِيلَ: المُرادُ الأعْناقُ أنْفُسُها و" فَوْقَ " زائِدَةٌ: قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ " فَوْقَ " يُفِيدُ مَعْنًى، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ أُبِيحَ لَهم ضَرْبُ الوُجُوهِ وما قَرُبَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِما فَوْقَ الأعْناقِ: الرُّؤُوسُ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ " فَوْقَ الأعْناقِ ": أعالِيها لِأنَّها المَفاصِلُ الَّذِي يَكُونُ الضَّرْبُ فِيها أسْرَعَ إلى القَطْعِ.
قِيلَ: وهَذا أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ البَنانِ بَنانَةٌ، وهي هُنا الأصابِعُ وغَيْرُها مِنَ الأعْضاءِ، والبَنانِ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ أبَنَّ الرَّجُلُ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْمَلُ بِها ما يَكُونُ لِلْإقامَةِ والحَياةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ هُنا: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وهو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ في الحَرْبِ، فَإذا ضُرِبَتِ البَنانُ تَعَطَّلَ مِنَ المَضْرُوبِ القَتّالُ بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ.
قالَ عَنْتَرَةُ:
؎وقَدْ كانَ في الهَيْجاءِ يَحْمِي ذِمارَها ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بَنانِ
وقالَ عَنْتَرَةُ أيْضًا:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وطِئْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِي
قالَ ابْنُ فارِسٍ: البَنانُ الأصابِعُ، ويُقالُ: الأطْرافُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ ودَخَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ خَبَرُهُ، أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ، والشِّقاقُ أصْلُهُ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لَهُ يُعاقِبُهُ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الشِّقاقِ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العُقابِ، أوِ الخِطابُ هُنا لِلْكافِرِينَ كَما أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكم رَفْعٌ بِإضْمارِ الأمْرِ أوِ القِصَّةِ، أيِ " الأمْرُ أوِ القِصَّةُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمِرَ واعْلَمُوا.
قالَ في الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى: عَلَيْكم ذَلِكم فَذُوقُوهُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ تَقْدِيرُ عَلَيْكم لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، وأسْماءُ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ، وتَشْبِيهُهُ بِـ " زَيْدًا فاضْرِبْهُ " غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهِ عَلَيْكَ، بَلْ هو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها فَتَكُونُ الإشارَةُ عَلى هَذا إلى العِقابِ العاجِلِ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ ويَكُونُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ إشارَةً إلى العِقابِ الآجِلِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى،، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «ما كانَ فِينا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدادِ، ولَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ حَتّى أصْبَحَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيما أغْشاهُمُ اللَّهُ مِنَ النُّعاسِ أمَنَةً مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: رَحْمَةً مِنهُ أمَنَةً مِنَ العَدِّوِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: النُّعاسُ في الرَّأْسِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: كانَ النُّعاسُ أمَنَةً مِنَ اللَّهِ، وكانَ النُّعاسُ نُعاسَيْنِ: نُعاسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، ونُعاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: طَشٌّ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعاسِ فَأطْفَأ بِالمَطَرِ الغُبارَ، والتَبَدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ بِهِ أنْفُسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّماءَ وكانَ الوادِي دَهْسًا، وأصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ ما لَبَّدَ الأرْضَ ولَمْ يَمْنَعْهُمُ السَّيْرَ، وأصابَ قُرَيْشًا ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ، فَصَحا المُسْلِمُونَ وصَلَّوْا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونِ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ، وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدَثِينَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي ماءً، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا، وثَبَتَتْ أقْدامُهم، وذَهَبَتْ وسْوَسَتُهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ المَشْهُورَ في كُتُبِ السِّيَرِ المُعْتَمِدَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَغْلِبُوا المُؤْمِنِينَ عَلى الماءِ بَلِ المُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الِابْتِداءِ، وهَذا المَرْوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في إسْنادِهِ العَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: وسْوَسَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم﴾ قالَ: بِالصَّبْرِ ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: كانَ بَطْنُ الوادِي دَهاسًا، فَلَمّا مُطِرُوا اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: حَتّى تَشْتَدَّ عَلى الرَّمْلِ وهو كَهَيْئَةِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٠)جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ» وأصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: كانَ النّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلى المَلائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهم بِضَرْبٍ عَلى الأعْناقِ، وعَلى البَنانِ مِثْلَ سِمَةِ النّارِ قَدِ احْتَرَقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: الرُّؤُوسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قالَ: اضْرِبُوا الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالبَنانِ الأطْرافَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: كُلَّ مِفْصَلٍ.
الأنفال 8:15
الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.
والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.
ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن مَكائِدِ الحَرْبِ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: إلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غَيْرِ الجَماعَةِ المُقابِلَةِ لِلْعَدُوِّ، وانْتِصابُ " مُتَحَرِّفًا " و" مُتَحَيِّزًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ: أيْ ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ويَجُوزُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِ، ويَكُونُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ لَغْوًا لا عَمَلَ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ.
والمَعْنى: مَن يَنْهَزِمُ ويَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ فَقَدْ رَجَعَ بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ إلّا المُتَحَرِّفَ والمُتَحَيِّزَ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، أيِ المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو النّارُ فَفِرارُهُ أوْقَعُهُ إلى ما هو أشَدُّ بَلاءً مِمّا فَرَّ مِنهُ وأعْظَمُ عُقُوبَةً.
والمَأْوى: ما يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ وبِئْسَ المَصِيرُ ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن يَفِرُّ عَنِ الزَّحْفِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ المُوبِقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ: أيْ إذا عَرَفْتُمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْكم مِن إمْدادِهِ لَكم بِالمَلائِكَةِ وإيقاعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِما يَسَّرَهُ لَكم مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرَّمْيِ عَلى أقْوالٍ: فَرُوِيَ، عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإنَّهُ رَمى المُشْرِكِينَ بِقَبْضَةٍ مِن حَصْباءِ الوادِي فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ (p-٥٣١)الرَّمْيَةُ الَّتِي رَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالحَرْبَةِ في عُنُقِهِ، فانْهَزَمَ وماتَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ ضَعِيفَةٌ، فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وقْعَةِ بِدْرٍ.
وأيْضًا المَشْهُورُ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ أنَّهُ وقَعَ عَلى صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
والصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ودَخَلَتْ في عَيْنَيْهِ ومِنخَرَيْهِ وأنْفِهِ.
قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ الفَزَعَ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ فانْهَزَمُوا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَمى اللَّهُ لَكَ: أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ وصَنَعَ لَكَ.
وقَدْ حَكى مِثْلَ هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ بِقُوَّتِكَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَكِنَّكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ رَمَيْتَ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ بِالقَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها ما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَتَها وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَكَأنَّ اللَّهَ فاعِلُ الرَّمْيَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصْلًا. هَكَذا في الكَشّافِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ البَلاءُ هاهُنا النِّعْمَةُ، والمَعْنى: ولِيُنْعِمَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنْعامًا جَمِيلًا، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ ولِلْإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الجَمِيلَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ، أوِ الواوُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها: أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِدُعائِهِمْ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ الغَرَضُ ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّ الغَرَضَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِما وقَعَ مِمّا حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ.
وقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الهاءِ وتَخْفِيفِها مَعَ التَّنْوِينِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الهاءِ مَعَ الإضافَةِ.
والكَيْدُ: المَكْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرٍ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ أمامَنا أوْ عَسْكَرُنا ؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وقَدْ رُوِيَ اخْتِصاصُ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ بَدْرٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سَخَطًا مِنَ اللَّهِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كانَ شَدِيدًا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: المُتَحَرِّفُ المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبُها، والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في الأنْفالِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٦ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ،، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾» .
وقَدْ رُوِيَ في تَحْرِيمِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ أحادِيثُ، ووَرْدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم﴾ قالَ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالَ: هَذا قَتَلْتُ وهَذا قَتَلْتُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَصَبَ الكُفّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: رَماهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالحَصْباءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ (p-٥٣٢)كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الحَصْباءِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ فانْهَزَمْنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَياتٍ وقَعْنَ مِنَ السَّماءِ يَوْمَ بَدْرٍ، كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فَلَمّا اصْطَفَّ النّاسُ أخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَمى بِهِنَّ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾». .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَعَلِيٍّ: ناوِلْنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ عَنِ الحَصْباءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتّى دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَأْخِرُوا، فاسْتَأْخَرُوا فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَتَهُ في يَدِهِ فَرَمى بِها أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وكَسَرَ ضِلَعًا مِن أضْلاعِهِ، فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا، فاحْتَمَلُوهُ حِينَ ولَّوْا قافِلِينَ فَطَفِقُوا يَقُولُونَ لا بَأْسَ، فَقالَ أُبَيٌّ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم، ألَمْ يَقُلْ إنِّي أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، فانْطَلَقَ بِهِ أصْحابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ»، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلَيْهِما، وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ عَنْ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ غَرِيبٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُما أرادا أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُهُما بِعُمُومِهِما، وهَكَذا قالَ فِيما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، كَما سَيَأْتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ،: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ دَعا بِقَوْسٍ فَرَمى بِها الحِصْنَ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِن نَصْرِكَ وما ألْقى في صُدُورِ عَدُوِّكَ حَتّى هَزَمَهم ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنِينَ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في إظْهارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ ويَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
الأنفال 8:16
الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.
والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.
ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن مَكائِدِ الحَرْبِ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: إلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غَيْرِ الجَماعَةِ المُقابِلَةِ لِلْعَدُوِّ، وانْتِصابُ " مُتَحَرِّفًا " و" مُتَحَيِّزًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ: أيْ ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ويَجُوزُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِ، ويَكُونُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ لَغْوًا لا عَمَلَ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ.
والمَعْنى: مَن يَنْهَزِمُ ويَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ فَقَدْ رَجَعَ بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ إلّا المُتَحَرِّفَ والمُتَحَيِّزَ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، أيِ المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو النّارُ فَفِرارُهُ أوْقَعُهُ إلى ما هو أشَدُّ بَلاءً مِمّا فَرَّ مِنهُ وأعْظَمُ عُقُوبَةً.
والمَأْوى: ما يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ وبِئْسَ المَصِيرُ ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن يَفِرُّ عَنِ الزَّحْفِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ المُوبِقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ: أيْ إذا عَرَفْتُمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْكم مِن إمْدادِهِ لَكم بِالمَلائِكَةِ وإيقاعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِما يَسَّرَهُ لَكم مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرَّمْيِ عَلى أقْوالٍ: فَرُوِيَ، عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإنَّهُ رَمى المُشْرِكِينَ بِقَبْضَةٍ مِن حَصْباءِ الوادِي فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ (p-٥٣١)الرَّمْيَةُ الَّتِي رَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالحَرْبَةِ في عُنُقِهِ، فانْهَزَمَ وماتَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ ضَعِيفَةٌ، فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وقْعَةِ بِدْرٍ.
وأيْضًا المَشْهُورُ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ أنَّهُ وقَعَ عَلى صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
والصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ودَخَلَتْ في عَيْنَيْهِ ومِنخَرَيْهِ وأنْفِهِ.
قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ الفَزَعَ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ فانْهَزَمُوا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَمى اللَّهُ لَكَ: أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ وصَنَعَ لَكَ.
وقَدْ حَكى مِثْلَ هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ بِقُوَّتِكَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَكِنَّكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ رَمَيْتَ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ بِالقَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها ما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَتَها وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَكَأنَّ اللَّهَ فاعِلُ الرَّمْيَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصْلًا. هَكَذا في الكَشّافِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ البَلاءُ هاهُنا النِّعْمَةُ، والمَعْنى: ولِيُنْعِمَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنْعامًا جَمِيلًا، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ ولِلْإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الجَمِيلَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ، أوِ الواوُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها: أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِدُعائِهِمْ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ الغَرَضُ ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّ الغَرَضَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِما وقَعَ مِمّا حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ.
وقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الهاءِ وتَخْفِيفِها مَعَ التَّنْوِينِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الهاءِ مَعَ الإضافَةِ.
والكَيْدُ: المَكْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرٍ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ أمامَنا أوْ عَسْكَرُنا ؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وقَدْ رُوِيَ اخْتِصاصُ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ بَدْرٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سَخَطًا مِنَ اللَّهِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كانَ شَدِيدًا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: المُتَحَرِّفُ المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبُها، والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في الأنْفالِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٦ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ،، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾» .
وقَدْ رُوِيَ في تَحْرِيمِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ أحادِيثُ، ووَرْدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم﴾ قالَ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالَ: هَذا قَتَلْتُ وهَذا قَتَلْتُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَصَبَ الكُفّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: رَماهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالحَصْباءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ (p-٥٣٢)كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الحَصْباءِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ فانْهَزَمْنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَياتٍ وقَعْنَ مِنَ السَّماءِ يَوْمَ بَدْرٍ، كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فَلَمّا اصْطَفَّ النّاسُ أخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَمى بِهِنَّ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾». .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَعَلِيٍّ: ناوِلْنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ عَنِ الحَصْباءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتّى دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَأْخِرُوا، فاسْتَأْخَرُوا فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَتَهُ في يَدِهِ فَرَمى بِها أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وكَسَرَ ضِلَعًا مِن أضْلاعِهِ، فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا، فاحْتَمَلُوهُ حِينَ ولَّوْا قافِلِينَ فَطَفِقُوا يَقُولُونَ لا بَأْسَ، فَقالَ أُبَيٌّ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم، ألَمْ يَقُلْ إنِّي أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، فانْطَلَقَ بِهِ أصْحابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ»، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلَيْهِما، وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ عَنْ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ غَرِيبٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُما أرادا أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُهُما بِعُمُومِهِما، وهَكَذا قالَ فِيما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، كَما سَيَأْتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ،: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ دَعا بِقَوْسٍ فَرَمى بِها الحِصْنَ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِن نَصْرِكَ وما ألْقى في صُدُورِ عَدُوِّكَ حَتّى هَزَمَهم ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنِينَ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في إظْهارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ ويَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
الأنفال 8:17
الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.
والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.
ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن مَكائِدِ الحَرْبِ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: إلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غَيْرِ الجَماعَةِ المُقابِلَةِ لِلْعَدُوِّ، وانْتِصابُ " مُتَحَرِّفًا " و" مُتَحَيِّزًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ: أيْ ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ويَجُوزُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِ، ويَكُونُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ لَغْوًا لا عَمَلَ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ.
والمَعْنى: مَن يَنْهَزِمُ ويَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ فَقَدْ رَجَعَ بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ إلّا المُتَحَرِّفَ والمُتَحَيِّزَ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، أيِ المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو النّارُ فَفِرارُهُ أوْقَعُهُ إلى ما هو أشَدُّ بَلاءً مِمّا فَرَّ مِنهُ وأعْظَمُ عُقُوبَةً.
والمَأْوى: ما يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ وبِئْسَ المَصِيرُ ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن يَفِرُّ عَنِ الزَّحْفِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ المُوبِقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ: أيْ إذا عَرَفْتُمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْكم مِن إمْدادِهِ لَكم بِالمَلائِكَةِ وإيقاعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِما يَسَّرَهُ لَكم مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرَّمْيِ عَلى أقْوالٍ: فَرُوِيَ، عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإنَّهُ رَمى المُشْرِكِينَ بِقَبْضَةٍ مِن حَصْباءِ الوادِي فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ (p-٥٣١)الرَّمْيَةُ الَّتِي رَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالحَرْبَةِ في عُنُقِهِ، فانْهَزَمَ وماتَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ ضَعِيفَةٌ، فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وقْعَةِ بِدْرٍ.
وأيْضًا المَشْهُورُ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ أنَّهُ وقَعَ عَلى صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
والصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ودَخَلَتْ في عَيْنَيْهِ ومِنخَرَيْهِ وأنْفِهِ.
قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ الفَزَعَ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ فانْهَزَمُوا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَمى اللَّهُ لَكَ: أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ وصَنَعَ لَكَ.
وقَدْ حَكى مِثْلَ هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ بِقُوَّتِكَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَكِنَّكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ رَمَيْتَ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ بِالقَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها ما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَتَها وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَكَأنَّ اللَّهَ فاعِلُ الرَّمْيَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصْلًا. هَكَذا في الكَشّافِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ البَلاءُ هاهُنا النِّعْمَةُ، والمَعْنى: ولِيُنْعِمَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنْعامًا جَمِيلًا، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ ولِلْإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الجَمِيلَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ، أوِ الواوُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها: أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِدُعائِهِمْ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ الغَرَضُ ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّ الغَرَضَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِما وقَعَ مِمّا حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ.
وقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الهاءِ وتَخْفِيفِها مَعَ التَّنْوِينِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الهاءِ مَعَ الإضافَةِ.
والكَيْدُ: المَكْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرٍ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ أمامَنا أوْ عَسْكَرُنا ؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وقَدْ رُوِيَ اخْتِصاصُ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ بَدْرٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سَخَطًا مِنَ اللَّهِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كانَ شَدِيدًا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: المُتَحَرِّفُ المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبُها، والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في الأنْفالِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٦ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ،، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾» .
وقَدْ رُوِيَ في تَحْرِيمِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ أحادِيثُ، ووَرْدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم﴾ قالَ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالَ: هَذا قَتَلْتُ وهَذا قَتَلْتُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَصَبَ الكُفّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: رَماهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالحَصْباءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ (p-٥٣٢)كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الحَصْباءِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ فانْهَزَمْنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَياتٍ وقَعْنَ مِنَ السَّماءِ يَوْمَ بَدْرٍ، كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فَلَمّا اصْطَفَّ النّاسُ أخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَمى بِهِنَّ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾». .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَعَلِيٍّ: ناوِلْنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ عَنِ الحَصْباءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتّى دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَأْخِرُوا، فاسْتَأْخَرُوا فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَتَهُ في يَدِهِ فَرَمى بِها أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وكَسَرَ ضِلَعًا مِن أضْلاعِهِ، فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا، فاحْتَمَلُوهُ حِينَ ولَّوْا قافِلِينَ فَطَفِقُوا يَقُولُونَ لا بَأْسَ، فَقالَ أُبَيٌّ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم، ألَمْ يَقُلْ إنِّي أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، فانْطَلَقَ بِهِ أصْحابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ»، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلَيْهِما، وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ عَنْ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ غَرِيبٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُما أرادا أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُهُما بِعُمُومِهِما، وهَكَذا قالَ فِيما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، كَما سَيَأْتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ،: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ دَعا بِقَوْسٍ فَرَمى بِها الحِصْنَ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِن نَصْرِكَ وما ألْقى في صُدُورِ عَدُوِّكَ حَتّى هَزَمَهم ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنِينَ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في إظْهارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ ويَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
الأنفال 8:18
الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.
والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.
وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.
ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن مَكائِدِ الحَرْبِ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: إلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غَيْرِ الجَماعَةِ المُقابِلَةِ لِلْعَدُوِّ، وانْتِصابُ " مُتَحَرِّفًا " و" مُتَحَيِّزًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ: أيْ ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ويَجُوزُ انْتِصابُهُما عَلى الحالِ، ويَكُونُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ لَغْوًا لا عَمَلَ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ.
والمَعْنى: مَن يَنْهَزِمُ ويَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ فَقَدْ رَجَعَ بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ إلّا المُتَحَرِّفَ والمُتَحَيِّزَ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، أيِ المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ هو النّارُ فَفِرارُهُ أوْقَعُهُ إلى ما هو أشَدُّ بَلاءً مِمّا فَرَّ مِنهُ وأعْظَمُ عُقُوبَةً.
والمَأْوى: ما يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ وبِئْسَ المَصِيرُ ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن يَفِرُّ عَنِ الزَّحْفِ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ المُوبِقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ: أيْ إذا عَرَفْتُمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْكم مِن إمْدادِهِ لَكم بِالمَلائِكَةِ وإيقاعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِما يَسَّرَهُ لَكم مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرَّمْيِ عَلى أقْوالٍ: فَرُوِيَ، عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإنَّهُ رَمى المُشْرِكِينَ بِقَبْضَةٍ مِن حَصْباءِ الوادِي فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ (p-٥٣١)الرَّمْيَةُ الَّتِي رَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالحَرْبَةِ في عُنُقِهِ، فانْهَزَمَ وماتَ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ ضَعِيفَةٌ، فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وقْعَةِ بِدْرٍ.
وأيْضًا المَشْهُورُ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ أنَّهُ وقَعَ عَلى صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
والصَّحِيحُ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ما كانَ مِنهُ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فَأصابَتْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ودَخَلَتْ في عَيْنَيْهِ ومِنخَرَيْهِ وأنْفِهِ.
قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ الفَزَعَ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ فانْهَزَمُوا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَمى اللَّهُ لَكَ: أيْ أعانَكَ وأظْفَرَكَ وصَنَعَ لَكَ.
وقَدْ حَكى مِثْلَ هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: المَعْنى ﴿وما رَمَيْتَ﴾ بِقُوَّتِكَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَكِنَّكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ رَمَيْتَ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ بِالقَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها ما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَتَها وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَكَأنَّ اللَّهَ فاعِلُ الرَّمْيَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصْلًا. هَكَذا في الكَشّافِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ البَلاءُ هاهُنا النِّعْمَةُ، والمَعْنى: ولِيُنْعِمَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنْعامًا جَمِيلًا، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ ولِلْإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الجَمِيلَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ، أوِ الواوُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها: أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِدُعائِهِمْ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ الغَرَضُ ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّ الغَرَضَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِما وقَعَ مِمّا حَكَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ.
وقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الهاءِ وتَخْفِيفِها مَعَ التَّنْوِينِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الهاءِ مَعَ الإضافَةِ.
والكَيْدُ: المَكْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرٍ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ أمامَنا أوْ عَسْكَرُنا ؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وقَدْ رُوِيَ اخْتِصاصُ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ بَدْرٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سَخَطًا مِنَ اللَّهِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كانَ شَدِيدًا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: المُتَحَرِّفُ المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبُها، والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في الأنْفالِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٦ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ،، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾» .
وقَدْ رُوِيَ في تَحْرِيمِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ أحادِيثُ، ووَرْدَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم﴾ قالَ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالَ: هَذا قَتَلْتُ وهَذا قَتَلْتُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَصَبَ الكُفّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: رَماهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالحَصْباءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ (p-٥٣٢)كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الحَصْباءِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ فانْهَزَمْنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَياتٍ وقَعْنَ مِنَ السَّماءِ يَوْمَ بَدْرٍ، كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فَلَمّا اصْطَفَّ النّاسُ أخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَمى بِهِنَّ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾». .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَعَلِيٍّ: ناوِلْنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ عَنِ الحَصْباءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتّى دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَأْخِرُوا، فاسْتَأْخَرُوا فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَتَهُ في يَدِهِ فَرَمى بِها أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وكَسَرَ ضِلَعًا مِن أضْلاعِهِ، فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا، فاحْتَمَلُوهُ حِينَ ولَّوْا قافِلِينَ فَطَفِقُوا يَقُولُونَ لا بَأْسَ، فَقالَ أُبَيٌّ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم، ألَمْ يَقُلْ إنِّي أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، فانْطَلَقَ بِهِ أصْحابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ»، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلَيْهِما، وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ عَنْ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ غَرِيبٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُما أرادا أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُهُما بِعُمُومِهِما، وهَكَذا قالَ فِيما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، كَما سَيَأْتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ،: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ دَعا بِقَوْسٍ فَرَمى بِها الحِصْنَ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِن نَصْرِكَ وما ألْقى في صُدُورِ عَدُوِّكَ حَتّى هَزَمَهم ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ لِيَعْرِفَ المُؤْمِنِينَ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في إظْهارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ ويَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
الأنفال 8:19
الِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ النَّصْرِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ، مَن هم ؟ فَقِيلَ: إنَّها خِطابٌ لِلْكُفّارِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ عَلى مُحَمَّدٍ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ سَألُوا اللَّهَ أنْ يَنْصُرَ أحَقَّ الطّائِفَتَيْنِ بِالنَّصْرِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ بِهِمْ، وسَمّى ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ نَصْرًا؛ ومَعْنى بَقِيَّةِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ وإنْ تَنْتَهُوا عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ فَهو - أيِ الِانْتِهاءُ - ﴿خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ نَعُدْ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْكم ونَصْرِهِمْ كَما سَلَّطْناهم ونَصَرْناهم في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ أيْ جَماعَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ أيْ لا تُغْنِي عَنْكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ في حالِ كَثْرَتِها، ثُمَّ قالَ: وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو المَنصُورُ ومَن كانَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو المَخْذُولُ.
قُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ وفَتْحِها فالكَسْرُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والفَتْحُ عَلى تَقْدِيرِ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَعَلَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَثَلِ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن أخْذِ الغَنائِمِ وفِداءِ الأسْرى قَبْلَ الإذْنِ لَكم بِذَلِكَ فَهو خَيْرٌ لَكم، وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ذَلِكَ نَعُدْ إلى تَوْبِيخِكم كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٨ ) الآيَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْبى هَذا القَوْلَ مَعْنى ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ ويَأْباهُ أيْضًا ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ وتَوْجِيهُ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَكَلُّفٍ وتَعَسُّفٍ وقِيلَ: إنِ الخِطابَ في ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ وما بَعْدَهُ لِلْكافِرِينَ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ وُعُودِ الضَّمائِرِ الجارِيَةِ في الكَلامِ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ إلى طائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ،، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ حِينَ التَقى القَوْمُ: اللَّهُمَّ أقْطَعَنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا نَعْرِفُ فَأحْنِهِ الغَداةَ، فَكانَ ذَلِكَ اسْتِفْتاحًا مِنهُ فَنَزَلَتْ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الفِئَتَيْنِ، وخَيْرَ الفِئَتَيْنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: يَعْنِي المُشْرِكِينَ أيْ إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ المَدَدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ، مُجاهِدٍ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَفَتَحَ بَيْنَهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ قالَ: إنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: وإنْ تَنْتَهُوا قالَ: عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قالَ: إنْ تَسْتَفْتِحُوا الثّانِيَةَ أفْتَحْ لِمُحَمَّدٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ (p-٥٣٣)وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ يَقُولُ: نَعُدْ لَكم بِالأسْرِ والقَتْلِ.
الأنفال 8:20
أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَوْمِهِ، ولَعَلَّهُ المُكَنّى عَنْهُ بِفُلانٍ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ لَأنْفَذَ لَهم قَوْلَهُمُ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: قالُوا نَحْنُ صُمٌّ عَمّا يَدْعُونا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ، بُكْمٌ لا نُجِيبُهُ فِيهِ بِتَصْدِيقٍ، قُتِلُوا جِمَيِعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ يَوْمَ أُحُدٍ.
الأنفال 8:21
أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَوْمِهِ، ولَعَلَّهُ المُكَنّى عَنْهُ بِفُلانٍ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ لَأنْفَذَ لَهم قَوْلَهُمُ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: قالُوا نَحْنُ صُمٌّ عَمّا يَدْعُونا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ، بُكْمٌ لا نُجِيبُهُ فِيهِ بِتَصْدِيقٍ، قُتِلُوا جِمَيِعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ يَوْمَ أُحُدٍ.
الأنفال 8:22
أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَوْمِهِ، ولَعَلَّهُ المُكَنّى عَنْهُ بِفُلانٍ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ لَأنْفَذَ لَهم قَوْلَهُمُ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: قالُوا نَحْنُ صُمٌّ عَمّا يَدْعُونا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ، بُكْمٌ لا نُجِيبُهُ فِيهِ بِتَصْدِيقٍ، قُتِلُوا جِمَيِعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ يَوْمَ أُحُدٍ.
الأنفال 8:23
أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَوْمِهِ، ولَعَلَّهُ المُكَنّى عَنْهُ بِفُلانٍ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ لَأنْفَذَ لَهم قَوْلَهُمُ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: قالُوا نَحْنُ صُمٌّ عَمّا يَدْعُونا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ، بُكْمٌ لا نُجِيبُهُ فِيهِ بِتَصْدِيقٍ، قُتِلُوا جِمَيِعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ يَوْمَ أُحُدٍ.
الأنفال 8:24
الأمْرُ هُنا بِالِاسْتِجابَةِ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ كَما وحَّدَهُ في قَوْلِهِ: " ولا تَتَوَلَّوْا " ( الأنْفالِ: ٢٠ ) وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في وجْهِ ذَلِكَ، والِاسْتِجابَةُ: الطّاعَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى اسْتَجِيبُوا: أجِيبُوا، وإنْ كانَ اسْتَجابَ يَتَعَدّى بِاللّامِ، وأجابَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ ( الأحْقافِ: ٣١ )، وقَدْ يَتَعَدّى اسْتَجابَ بِنَفْسِهِ كَما قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا أيِ اسْتَجِيبُوا لِما يُحْيِيكم إذا دَعاكم، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ دَعاكم، أيْ إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ حَياتُكم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، فالحَياةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ.
قالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: " لِما يُحْيِيكُمُ " الجِهادُ فَإنَّهُ سَبَبُ الحَياةِ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ إذا لَمْ يُغْزَ غَزا، ويُسْتَدَلُّ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ رَسُولِهِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يُبادِرَ إلى العَمَلِ بِهِ كائِنًا ما كانَ ويَدَعَ ما خالَفَهُ مِنَ الرَّأْيِ وأقْوالِ الرِّجالِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ باعِثٍ عَلى العَمَلِ بِنُصُوصِ الأدِلَّةِ وتَرْكِ التَّقَيُّدِ بِالمَذاهِبِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يُخالِفُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ كائِنًا ما كانَ.
قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بادِرُوا إلى الِاسْتِجابَةِ قَبْلَ أنْ لا تَتَمَكَّنُوا مِنها بِزَوالِ القُلُوبِ الَّتِي تَعْقِلُونَ بِها بِالمَوْتِ الَّذِي (p-٥٣٤)كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ خافَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كَثْرَةَ العَدُوِّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم مِنَ الأمْنِ خَوْفًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِقُرْبِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ( ق: ١٦ ) ومَعْناهُ: أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِ القُلُوبِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ عِبادِهِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي: " وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وأنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيْهِ وهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا، وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قالَ الفَرّاءُ: ولَوِ اسْتَأْنَفْتَ فَكَسَرْتَ هَمْزَةَ " إنَّهُ " لَكانَ صَوابًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِثْلَ هَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيِ اتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدّى الظّالِمَ فَتُصِيبُ الصّالِحَ والطّالِحَ، ولا تَخْتَصُّ إصابَتُها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم.
وقَدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في دُخُولِ هَذِهِ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ في تُصِيبَنَّ فَقالَ الفَرّاءُ: هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، فَهو جَوابُ الأمْرِ بِلَفْظِ النَّهْيِ: أيْ إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ ( النَّمْلِ: ١٨ ) أيْ إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ المِبْرِّدُ: إنَّهُ نَهْيٌ بَعْدَ أمْرٍ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لِلظّالِمِينَ: أيْ لا يَقْرَبَنَّ الظُّلْمَ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ، عَنْ سِيبَوَيْهِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، فَإنَّ مَعْناهُ: لا تَكُنْ هاهُنا، فَإنَّ مَن كانَ هاهُنا رَأيْتَهُ.
وقالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ " لا تُصِيبَنَّ " نَهْيٌ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِفِتْنَةٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ،، وزَيْدُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، وأُبَيٌّ،، وابْنُ مَسْعُودٍ " لَتُصِيبَنَّ " عَلى أنَّ اللّامَ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اتَّقَوْا فِتْنَةً واللَّهِ لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مُخالِفًا لِمَعْنى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّها تُفِيدُ أنَّ الفِتْنَةَ تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بِخِلافِ قِراءَةِ الجَماعَةِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ومِن شِدَّةِ عِقابِهِ أنَّهُ يُصِيبُ بِالعَذابِ مَن لَمْ يُباشِرْ أسْبابَهُ، وقَدْ ورَدَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ بِأنَّهُ لا يُصابُ أحَدٌ إلّا بِذَنْبِهِ، ولا يُعَذَّبُ إلّا بِجِنايَتِهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُقُوباتِ الَّتِي تَكُونُ بِتَسْلِيطِ العِبادِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً بِالعُقُوباتِ العامَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا قَدْ تَسَبَّبُوا لِلْعُقُوبَةِ بِأسْبابٍ كَتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَتَكُونُ الإصابَةُ المُتَعَدِّيَةُ لِلظّالِمِ إلى غَيْرِهِ مُخْتَصَّةً بِمَن تَرَكَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الظُّلْمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم﴾ قالَ: لِلْحَقِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ: قالَ: هو هَذا القُرْآنُ فِيهِ الحَياةُ والثِّقَةُ والنَّجاةُ والعِصْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكم بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكم بِها مِنَ العَذابِ بَعْدَ القَهْرِ مِنهم لَكم، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾» الحَدِيثَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ دُعاءٍ مِنَ اللَّهِ أوْ مِن رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ، ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: عِلْمُهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: في القُرْبِ مِنهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ضَيَّعْتُمُ الخَلِيفَةَ حَتّى قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ، قالَ الزُّبَيْرُ: إنّا قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ولَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ أنّا أهْلُها حَتّى وقَعَتْ فِينا حَيْثُ وقَعَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَرَأ الزُّبَيْرُ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: البَلاءُ والأمْرُ الَّذِي هو كائِنٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ فاقْتَتَلُوا، فَكانَ مِنَ المَقْتُولِينَ طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ وهُما مِن أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: تُصِيبُ الظّالِمَ والصّالِحَ عامَّةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هي مِثْلُ ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ.
الأنفال 8:25
الأمْرُ هُنا بِالِاسْتِجابَةِ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ كَما وحَّدَهُ في قَوْلِهِ: " ولا تَتَوَلَّوْا " ( الأنْفالِ: ٢٠ ) وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في وجْهِ ذَلِكَ، والِاسْتِجابَةُ: الطّاعَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى اسْتَجِيبُوا: أجِيبُوا، وإنْ كانَ اسْتَجابَ يَتَعَدّى بِاللّامِ، وأجابَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ ( الأحْقافِ: ٣١ )، وقَدْ يَتَعَدّى اسْتَجابَ بِنَفْسِهِ كَما قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا أيِ اسْتَجِيبُوا لِما يُحْيِيكم إذا دَعاكم، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ دَعاكم، أيْ إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ حَياتُكم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، فالحَياةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ.
قالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: " لِما يُحْيِيكُمُ " الجِهادُ فَإنَّهُ سَبَبُ الحَياةِ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ إذا لَمْ يُغْزَ غَزا، ويُسْتَدَلُّ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ رَسُولِهِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يُبادِرَ إلى العَمَلِ بِهِ كائِنًا ما كانَ ويَدَعَ ما خالَفَهُ مِنَ الرَّأْيِ وأقْوالِ الرِّجالِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ باعِثٍ عَلى العَمَلِ بِنُصُوصِ الأدِلَّةِ وتَرْكِ التَّقَيُّدِ بِالمَذاهِبِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يُخالِفُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ كائِنًا ما كانَ.
قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بادِرُوا إلى الِاسْتِجابَةِ قَبْلَ أنْ لا تَتَمَكَّنُوا مِنها بِزَوالِ القُلُوبِ الَّتِي تَعْقِلُونَ بِها بِالمَوْتِ الَّذِي (p-٥٣٤)كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ خافَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كَثْرَةَ العَدُوِّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم مِنَ الأمْنِ خَوْفًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِقُرْبِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ( ق: ١٦ ) ومَعْناهُ: أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِ القُلُوبِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ عِبادِهِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي: " وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وأنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيْهِ وهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا، وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قالَ الفَرّاءُ: ولَوِ اسْتَأْنَفْتَ فَكَسَرْتَ هَمْزَةَ " إنَّهُ " لَكانَ صَوابًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِثْلَ هَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيِ اتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدّى الظّالِمَ فَتُصِيبُ الصّالِحَ والطّالِحَ، ولا تَخْتَصُّ إصابَتُها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم.
وقَدِ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في دُخُولِ هَذِهِ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ في تُصِيبَنَّ فَقالَ الفَرّاءُ: هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، فَهو جَوابُ الأمْرِ بِلَفْظِ النَّهْيِ: أيْ إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ ( النَّمْلِ: ١٨ ) أيْ إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجَزاءِ.
وقالَ المِبْرِّدُ: إنَّهُ نَهْيٌ بَعْدَ أمْرٍ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لِلظّالِمِينَ: أيْ لا يَقْرَبَنَّ الظُّلْمَ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ، عَنْ سِيبَوَيْهِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، فَإنَّ مَعْناهُ: لا تَكُنْ هاهُنا، فَإنَّ مَن كانَ هاهُنا رَأيْتَهُ.
وقالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ " لا تُصِيبَنَّ " نَهْيٌ في مَوْضِعِ وصْفٍ لِفِتْنَةٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ،، وزَيْدُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، وأُبَيٌّ،، وابْنُ مَسْعُودٍ " لَتُصِيبَنَّ " عَلى أنَّ اللّامَ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: اتَّقَوْا فِتْنَةً واللَّهِ لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مُخالِفًا لِمَعْنى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّها تُفِيدُ أنَّ الفِتْنَةَ تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بِخِلافِ قِراءَةِ الجَماعَةِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ومِن شِدَّةِ عِقابِهِ أنَّهُ يُصِيبُ بِالعَذابِ مَن لَمْ يُباشِرْ أسْبابَهُ، وقَدْ ورَدَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ بِأنَّهُ لا يُصابُ أحَدٌ إلّا بِذَنْبِهِ، ولا يُعَذَّبُ إلّا بِجِنايَتِهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُقُوباتِ الَّتِي تَكُونُ بِتَسْلِيطِ العِبادِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً بِالعُقُوباتِ العامَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا قَدْ تَسَبَّبُوا لِلْعُقُوبَةِ بِأسْبابٍ كَتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَتَكُونُ الإصابَةُ المُتَعَدِّيَةُ لِلظّالِمِ إلى غَيْرِهِ مُخْتَصَّةً بِمَن تَرَكَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الظُّلْمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم﴾ قالَ: لِلْحَقِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ: قالَ: هو هَذا القُرْآنُ فِيهِ الحَياةُ والثِّقَةُ والنَّجاةُ والعِصْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكم بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكم بِها مِنَ العَذابِ بَعْدَ القَهْرِ مِنهم لَكم، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾» الحَدِيثَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ دُعاءٍ مِنَ اللَّهِ أوْ مِن رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ، ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: عِلْمُهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: في القُرْبِ مِنهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ،، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ضَيَّعْتُمُ الخَلِيفَةَ حَتّى قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ، قالَ الزُّبَيْرُ: إنّا قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ولَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ أنّا أهْلُها حَتّى وقَعَتْ فِينا حَيْثُ وقَعَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَرَأ الزُّبَيْرُ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: البَلاءُ والأمْرُ الَّذِي هو كائِنٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ فاقْتَتَلُوا، فَكانَ مِنَ المَقْتُولِينَ طَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ وهُما مِن أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: تُصِيبُ الظّالِمَ والصّالِحَ عامَّةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هي مِثْلُ ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ.
الأنفال 8:26
(p-٥٣٥)
الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.
والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَآواكم قالَ: إلى الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ ما هَذا الأمْرُ ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ.
قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ وكانَ حَلِيفًا لَهم، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ ونَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في " بَراءَةٌ " ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٠٢ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَنِهِ وارْتِكابِ مَعْصِيَتِهِ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تُنْقِصُوها، والأمانَةُ: الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِها قَتْلَ عُثْمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في الآيَةِ قالَ: هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ اخْتَبَرَهم، وقَرَأ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ( الأنْبِياءِ: ٣٥ ) .
الأنفال 8:27
(p-٥٣٥)
الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.
والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَآواكم قالَ: إلى الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ ما هَذا الأمْرُ ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ.
قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ وكانَ حَلِيفًا لَهم، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ ونَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في " بَراءَةٌ " ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٠٢ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَنِهِ وارْتِكابِ مَعْصِيَتِهِ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تُنْقِصُوها، والأمانَةُ: الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِها قَتْلَ عُثْمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في الآيَةِ قالَ: هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ اخْتَبَرَهم، وقَرَأ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ( الأنْبِياءِ: ٣٥ ) .
الأنفال 8:28
(p-٥٣٥)
الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.
والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَآواكم قالَ: إلى الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ ما هَذا الأمْرُ ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ.
قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ وكانَ حَلِيفًا لَهم، فَأوْمَأ بِيَدِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ ونَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في " بَراءَةٌ " ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٠٢ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَنِهِ وارْتِكابِ مَعْصِيَتِهِ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تُنْقِصُوها، والأمانَةُ: الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِها قَتْلَ عُثْمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في الآيَةِ قالَ: هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ اخْتَبَرَهم، وقَرَأ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ( الأنْبِياءِ: ٣٥ ) .
الأنفال 8:29
جَعَلَ - سُبْحانَهُ - التَّقْوى شَرْطًا في الجَعْلِ المَذْكُورِ مَعَ سَبْقِ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَتَّقُونَ أوْ لا يَتَّقُونَ جَرْيًا عَلى ما يُخاطِبُ بِهِ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا، والتَّقْوى: اتِّقاءُ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ والوُقُوعِ في مَناهِيهِ، والفُرْقانُ ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، (p-٥٣٦)والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ لَهم مِن ثَباتِ القُلُوبِ، وثُقُوبِ البَصائِرِ، وحُسْنِ الهِدايَةِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَهُما عِنْدَ الِالتِباسِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ المَخْرَجُ مِنَ الشُّبَهاتِ، والنَّجاةُ مِن كُلِّ ما يَخافُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎وكَيْفَ أُرَجّى الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ
وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ بِالفُرْقانِ الفَتْحُ والنَّصْرُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفُرْقانُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبِمَثَلِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ،: الفُرْقانُ النَّجاةُ.
ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرُ الفُرْقانِ بِالمَخْرَجِ والنَّجاةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ( الطَّلاقِ: ٢ ) وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ.
﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ يَسْتُرُها حَتّى تَكُونَ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ﴿ويَغْفِرْ لَكم﴾ ما اقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئاتِ: الصَّغائِرُ، وبِالذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ: الكَبائِرُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَهو المُتَفَضِّلُ عَلى عِبادِهِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: هو المَخْرَجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو النَّجاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو النَّصْرُ.
الأنفال 8:30
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ مَكْرِ الكافِرِينَ بِكَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، وهي نَجاتُهُ مِن مَكْرِ الكافِرِينَ وكَيْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يُثْبِتُوكَ بِالجِراحاتِ كَما قالَ ثَعْلَبُ وأبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكم ما في صَحِيفَتِكم قالُوا الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعًا
وقِيلَ: المَعْنى لِيَحْبِسُوكَ، يُقالُ أثْبَتَهُ: إذا حَبَسَهُ؛ وقِيلَ: لِيُوثِقُوكَ، ومِنهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) .
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ،: " لِيُبَيِّتُوكَ " مِنَ البَياتِ وقُرِئَ " لِيُثبِّتُوكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ الَّتِي هي بَلَدُكَ وبَلَدُ أهْلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَكْرُ: التَّدْبِيرُ في الأمْرِ في خُفْيَةٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُخْفُونَ ما يُعِدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَكايِدِ فَيُجازِيهِمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَرِدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ، وسُمِّيَ ما يَقَعُ مِنهُ - تَعالى - مَكْرًا مُشاكَلَةً كَما في نَظائِرِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيِ المُجازِينَ لِمَكْرِ الماكِرِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ؛ فَهو يُعَذِّبُهم عَلى مَكْرِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وأعْظَمَ بَلاءً مِن مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِها وتَتْلُوها عَلَيْهِمْ قالُوا تَعَنُّتًا وتَمَرُّدًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما تَتْلُوهُ عَلَيْنا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الَّذِي تَلَوْتَهُ عَلَيْنا، قِيلَ: إنَّهم قالُوا هَذا تَوَهُّمًا مِنهم أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رامُوا أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ عَجَزُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا عِنادًا وتَمَرُّدًا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما يَسْتَطِرُهُ الوَرّاقُونَ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى.
﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ بِنَصْبِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها.
ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والمَعْنى إنْ كانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ هو الحَقُّ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ قالُوا: هَذِهِ المَقالَةُ مُبالَغَةٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أمْطَرَ في العَذابِ ومَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وقالَ في الكَشّافِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ.
﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سَألُوا أنْ يُعَذَّبُوا بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ أوْ بِغَيْرِها مِن أنْواعِ العَذابِ الشَّدِيدِ.
فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ مَوْجُودٌ فَإنَّكَ ما دُمْتَ فِيهِمْ فَهم في مُهْلَةٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الطَّوافِ غُفْرانَكَ: أيْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم في حالِ كَوْنِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُهُ لَمْ يُعَذِّبْهم، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْفارَ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: أيْ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَذَّبَهم بِيَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقالَ بَعْضُهم: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوِثاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ اقْتُلُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أخْرِجُوهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَباتَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى لَحِقَ بِالغارِ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ، فَلَمّا رَأوْهُ عَلِيًّا رَدَّ اللَّهِ مَكْرَهم فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ هَذا ؟ فَقالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا في الجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا عَلى بابِهِ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلَ هُنا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ (p-٥٣٧)والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِأطْوَلَ مِمّا هُنا، وفِيها ذِكْرُ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ: أيْ إبْلِيسَ ومَشُورَتِهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ لِلْمُشاوَرَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أبا جَهْلٍ أشارَ بِأنْ يَأْخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ غُلامًا ويُعْطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَإذا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذا واللَّهِ هو الرَّأْيُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتُوهُ أوْ يَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ، قالَ لَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ: هَلْ تَدْرِي ما ائْتَمَرُوا بِكَ ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ وهَذا لا يَصِحُّ، فَقَدْ كانَ أبُو طالِبٍ ماتَ قَبْلَ وقْتِ الهِجْرَةِ بِسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَعْنِي لِيُوثِقُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ،، وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ،، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وكانَ المِقْدادُ أسَرَ النَّضْرَ، فَلَمّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قالَ المِقْدادُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسِيرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ ما يَقُولُ، قالَ: وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ: غُفْرانُكَ غُفْرانُكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، كانَ فِيهِمْ أمانانِ: النَّبِيُّ ﷺ، والِاسْتِغْفارُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، والأحادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُطْلَقِ الِاسْتِغْفارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الأنفال 8:31
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ مَكْرِ الكافِرِينَ بِكَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، وهي نَجاتُهُ مِن مَكْرِ الكافِرِينَ وكَيْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يُثْبِتُوكَ بِالجِراحاتِ كَما قالَ ثَعْلَبُ وأبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكم ما في صَحِيفَتِكم قالُوا الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعًا
وقِيلَ: المَعْنى لِيَحْبِسُوكَ، يُقالُ أثْبَتَهُ: إذا حَبَسَهُ؛ وقِيلَ: لِيُوثِقُوكَ، ومِنهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) .
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ،: " لِيُبَيِّتُوكَ " مِنَ البَياتِ وقُرِئَ " لِيُثبِّتُوكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ الَّتِي هي بَلَدُكَ وبَلَدُ أهْلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَكْرُ: التَّدْبِيرُ في الأمْرِ في خُفْيَةٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُخْفُونَ ما يُعِدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَكايِدِ فَيُجازِيهِمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَرِدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ، وسُمِّيَ ما يَقَعُ مِنهُ - تَعالى - مَكْرًا مُشاكَلَةً كَما في نَظائِرِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيِ المُجازِينَ لِمَكْرِ الماكِرِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ؛ فَهو يُعَذِّبُهم عَلى مَكْرِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وأعْظَمَ بَلاءً مِن مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِها وتَتْلُوها عَلَيْهِمْ قالُوا تَعَنُّتًا وتَمَرُّدًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما تَتْلُوهُ عَلَيْنا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الَّذِي تَلَوْتَهُ عَلَيْنا، قِيلَ: إنَّهم قالُوا هَذا تَوَهُّمًا مِنهم أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رامُوا أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ عَجَزُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا عِنادًا وتَمَرُّدًا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما يَسْتَطِرُهُ الوَرّاقُونَ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى.
﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ بِنَصْبِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها.
ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والمَعْنى إنْ كانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ هو الحَقُّ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ قالُوا: هَذِهِ المَقالَةُ مُبالَغَةٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أمْطَرَ في العَذابِ ومَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وقالَ في الكَشّافِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ.
﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سَألُوا أنْ يُعَذَّبُوا بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ أوْ بِغَيْرِها مِن أنْواعِ العَذابِ الشَّدِيدِ.
فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ مَوْجُودٌ فَإنَّكَ ما دُمْتَ فِيهِمْ فَهم في مُهْلَةٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الطَّوافِ غُفْرانَكَ: أيْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم في حالِ كَوْنِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُهُ لَمْ يُعَذِّبْهم، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْفارَ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: أيْ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَذَّبَهم بِيَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقالَ بَعْضُهم: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوِثاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ اقْتُلُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أخْرِجُوهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَباتَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى لَحِقَ بِالغارِ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ، فَلَمّا رَأوْهُ عَلِيًّا رَدَّ اللَّهِ مَكْرَهم فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ هَذا ؟ فَقالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا في الجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا عَلى بابِهِ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلَ هُنا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ (p-٥٣٧)والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِأطْوَلَ مِمّا هُنا، وفِيها ذِكْرُ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ: أيْ إبْلِيسَ ومَشُورَتِهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ لِلْمُشاوَرَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أبا جَهْلٍ أشارَ بِأنْ يَأْخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ غُلامًا ويُعْطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَإذا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذا واللَّهِ هو الرَّأْيُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتُوهُ أوْ يَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ، قالَ لَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ: هَلْ تَدْرِي ما ائْتَمَرُوا بِكَ ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ وهَذا لا يَصِحُّ، فَقَدْ كانَ أبُو طالِبٍ ماتَ قَبْلَ وقْتِ الهِجْرَةِ بِسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَعْنِي لِيُوثِقُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ،، وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ،، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وكانَ المِقْدادُ أسَرَ النَّضْرَ، فَلَمّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قالَ المِقْدادُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسِيرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ ما يَقُولُ، قالَ: وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ: غُفْرانُكَ غُفْرانُكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، كانَ فِيهِمْ أمانانِ: النَّبِيُّ ﷺ، والِاسْتِغْفارُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، والأحادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُطْلَقِ الِاسْتِغْفارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الأنفال 8:32
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ مَكْرِ الكافِرِينَ بِكَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، وهي نَجاتُهُ مِن مَكْرِ الكافِرِينَ وكَيْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يُثْبِتُوكَ بِالجِراحاتِ كَما قالَ ثَعْلَبُ وأبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكم ما في صَحِيفَتِكم قالُوا الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعًا
وقِيلَ: المَعْنى لِيَحْبِسُوكَ، يُقالُ أثْبَتَهُ: إذا حَبَسَهُ؛ وقِيلَ: لِيُوثِقُوكَ، ومِنهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) .
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ،: " لِيُبَيِّتُوكَ " مِنَ البَياتِ وقُرِئَ " لِيُثبِّتُوكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ الَّتِي هي بَلَدُكَ وبَلَدُ أهْلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَكْرُ: التَّدْبِيرُ في الأمْرِ في خُفْيَةٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُخْفُونَ ما يُعِدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَكايِدِ فَيُجازِيهِمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَرِدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ، وسُمِّيَ ما يَقَعُ مِنهُ - تَعالى - مَكْرًا مُشاكَلَةً كَما في نَظائِرِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيِ المُجازِينَ لِمَكْرِ الماكِرِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ؛ فَهو يُعَذِّبُهم عَلى مَكْرِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وأعْظَمَ بَلاءً مِن مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِها وتَتْلُوها عَلَيْهِمْ قالُوا تَعَنُّتًا وتَمَرُّدًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما تَتْلُوهُ عَلَيْنا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الَّذِي تَلَوْتَهُ عَلَيْنا، قِيلَ: إنَّهم قالُوا هَذا تَوَهُّمًا مِنهم أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رامُوا أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ عَجَزُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا عِنادًا وتَمَرُّدًا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما يَسْتَطِرُهُ الوَرّاقُونَ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى.
﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ بِنَصْبِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها.
ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والمَعْنى إنْ كانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ هو الحَقُّ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ قالُوا: هَذِهِ المَقالَةُ مُبالَغَةٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أمْطَرَ في العَذابِ ومَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وقالَ في الكَشّافِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ.
﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سَألُوا أنْ يُعَذَّبُوا بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ أوْ بِغَيْرِها مِن أنْواعِ العَذابِ الشَّدِيدِ.
فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ مَوْجُودٌ فَإنَّكَ ما دُمْتَ فِيهِمْ فَهم في مُهْلَةٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الطَّوافِ غُفْرانَكَ: أيْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم في حالِ كَوْنِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُهُ لَمْ يُعَذِّبْهم، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْفارَ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: أيْ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَذَّبَهم بِيَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقالَ بَعْضُهم: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوِثاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ اقْتُلُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أخْرِجُوهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَباتَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى لَحِقَ بِالغارِ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ، فَلَمّا رَأوْهُ عَلِيًّا رَدَّ اللَّهِ مَكْرَهم فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ هَذا ؟ فَقالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا في الجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا عَلى بابِهِ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلَ هُنا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ (p-٥٣٧)والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِأطْوَلَ مِمّا هُنا، وفِيها ذِكْرُ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ: أيْ إبْلِيسَ ومَشُورَتِهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ لِلْمُشاوَرَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أبا جَهْلٍ أشارَ بِأنْ يَأْخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ غُلامًا ويُعْطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَإذا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذا واللَّهِ هو الرَّأْيُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتُوهُ أوْ يَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ، قالَ لَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ: هَلْ تَدْرِي ما ائْتَمَرُوا بِكَ ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ وهَذا لا يَصِحُّ، فَقَدْ كانَ أبُو طالِبٍ ماتَ قَبْلَ وقْتِ الهِجْرَةِ بِسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَعْنِي لِيُوثِقُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ،، وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ،، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وكانَ المِقْدادُ أسَرَ النَّضْرَ، فَلَمّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قالَ المِقْدادُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسِيرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ ما يَقُولُ، قالَ: وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ: غُفْرانُكَ غُفْرانُكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، كانَ فِيهِمْ أمانانِ: النَّبِيُّ ﷺ، والِاسْتِغْفارُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، والأحادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُطْلَقِ الِاسْتِغْفارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الأنفال 8:33
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ مَكْرِ الكافِرِينَ بِكَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، وهي نَجاتُهُ مِن مَكْرِ الكافِرِينَ وكَيْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يُثْبِتُوكَ بِالجِراحاتِ كَما قالَ ثَعْلَبُ وأبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ ويْحَكم ما في صَحِيفَتِكم قالُوا الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعًا
وقِيلَ: المَعْنى لِيَحْبِسُوكَ، يُقالُ أثْبَتَهُ: إذا حَبَسَهُ؛ وقِيلَ: لِيُوثِقُوكَ، ومِنهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) .
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ،: " لِيُبَيِّتُوكَ " مِنَ البَياتِ وقُرِئَ " لِيُثبِّتُوكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ الَّتِي هي بَلَدُكَ وبَلَدُ أهْلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَكْرُ: التَّدْبِيرُ في الأمْرِ في خُفْيَةٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُخْفُونَ ما يُعِدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَكايِدِ فَيُجازِيهِمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَرِدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ، وسُمِّيَ ما يَقَعُ مِنهُ - تَعالى - مَكْرًا مُشاكَلَةً كَما في نَظائِرِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيِ المُجازِينَ لِمَكْرِ الماكِرِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ؛ فَهو يُعَذِّبُهم عَلى مَكْرِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وأعْظَمَ بَلاءً مِن مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِها وتَتْلُوها عَلَيْهِمْ قالُوا تَعَنُّتًا وتَمَرُّدًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما تَتْلُوهُ عَلَيْنا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الَّذِي تَلَوْتَهُ عَلَيْنا، قِيلَ: إنَّهم قالُوا هَذا تَوَهُّمًا مِنهم أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رامُوا أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ عَجَزُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا عِنادًا وتَمَرُّدًا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما يَسْتَطِرُهُ الوَرّاقُونَ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى.
﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ بِنَصْبِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها.
ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والمَعْنى إنْ كانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ هو الحَقُّ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ قالُوا: هَذِهِ المَقالَةُ مُبالَغَةٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أمْطَرَ في العَذابِ ومَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وقالَ في الكَشّافِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ.
﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سَألُوا أنْ يُعَذَّبُوا بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ أوْ بِغَيْرِها مِن أنْواعِ العَذابِ الشَّدِيدِ.
فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ مَوْجُودٌ فَإنَّكَ ما دُمْتَ فِيهِمْ فَهم في مُهْلَةٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الطَّوافِ غُفْرانَكَ: أيْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم في حالِ كَوْنِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُهُ لَمْ يُعَذِّبْهم، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْفارَ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: أيْ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَذَّبَهم بِيَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقالَ بَعْضُهم: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوِثاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ اقْتُلُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أخْرِجُوهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَباتَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى لَحِقَ بِالغارِ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ، فَلَمّا رَأوْهُ عَلِيًّا رَدَّ اللَّهِ مَكْرَهم فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ هَذا ؟ فَقالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا في الجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا عَلى بابِهِ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلَ هُنا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ (p-٥٣٧)والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِأطْوَلَ مِمّا هُنا، وفِيها ذِكْرُ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ: أيْ إبْلِيسَ ومَشُورَتِهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في دارِ النَّدْوَةِ لِلْمُشاوَرَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أبا جَهْلٍ أشارَ بِأنْ يَأْخُذُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ غُلامًا ويُعْطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَإذا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذا واللَّهِ هو الرَّأْيُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتُوهُ أوْ يَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ، قالَ لَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ: هَلْ تَدْرِي ما ائْتَمَرُوا بِكَ ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ وهَذا لا يَصِحُّ، فَقَدْ كانَ أبُو طالِبٍ ماتَ قَبْلَ وقْتِ الهِجْرَةِ بِسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَعْنِي لِيُوثِقُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ،، وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ،، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وكانَ المِقْدادُ أسَرَ النَّضْرَ، فَلَمّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قالَ المِقْدادُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسِيرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ ما يَقُولُ، قالَ: وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ: غُفْرانُكَ غُفْرانُكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، كانَ فِيهِمْ أمانانِ: النَّبِيُّ ﷺ، والِاسْتِغْفارُ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا، والأحادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُطْلَقِ الِاسْتِغْفارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الأنفال 8:34
قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانِهِ - أنَّ المانِعَ مِن تَعْذِيبِهِمْ هو الأمْرانِ المُتَقَدِّمانِ: وُجُودُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظُهُورِهِمْ، ووُقُوعُ الِاسْتِغْفارِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، أعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ مُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَهم يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ قالَ الأخْفَشُ: إنَّ " أنْ " زائِدَةٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ " يُعَذِّبَهم "، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وما يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَما وقَعَ مِنهم عامُ الحُدَيْبِيَةِ مِن مَنعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ مِنَ البَيْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَصُدُّونَ﴾، وهَذا كالرَّدِّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّهم وُلاةُ البَيْتِ، وأنَّ أمْرَهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا لِمَن لَهُ ذَلِكَ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ أيْ ما أوْلِياؤُهُ إلّا مَن كانَ في عِدادِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، والحُكْمُ عَلى الأكْثَرِينَ بِالجَهْلِ يُفِيدُ أنَّ الأقَلِّينَ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهم يُعانِدُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ المُكاءُ: الصَّفِيرُ مِن مَكا يَمْكُو مُكاءً، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وخَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
أيْ تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَتِ اسْتُ الدّابَّةِ: إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ، قِيلَ: المُكاءُ: هو الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المُكّاءُ في غَيْرِ دَوْحَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ الشّاءِ والحُمُراتِ
والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، يُقالُ: صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً: إذا صَفَّقَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ الإطْنابَةِ:
؎وظَلُّوا جَمِيِعًا لَهم ضَجَّةٌ ∗∗∗ مُكاءٌ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ
أيْ بِالتَّصْفِيقِ، وقِيلَ: المُكاءُ: الضَّرْبُ بِالأيْدِي، والتَّصْدِيَةُ: (p-٥٣٨)الصِّياحُ، وقِيلَ: المُكاءُ: إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ: الصَّفِيرُ، وقِيلَ: التَّصْدِيَةُ: صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، قِيلَ: والأصْلُ عَلى هَذا تَصْدِدَةٌ فَأُبْدِلُ مِن إحْدى الدّالَيْنِ ياءٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ عِنْدَ البَيْتِ الَّذِي هو مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَوَضَعُوا ذَلِكَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ قاصِدِينَ بِهِ أنْ يَشْغَلُوا المُصَلِّينَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ " صَلاتَهم " عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ، وما بَعْدَهُ اسْمُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا التِفاتٌ إلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ تَهْدِيدًا لَهم ومُبالَغَةً في إدْخالِ الرَّوْعَةِ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: عَذابُ الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ وعَذابُ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، أتْبَعَها شَرْحَ أحْوالِهِمْ في الطّاعاتِ المالِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في إنْفاقِ أمْوالِهِمْ هو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِمُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَمْعِ الجُيُوشِ لِذَلِكَ، وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ عَلَيْها وذَلِكَ كَما وقَعَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، فَإنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى الجَيْشِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الإعْجازِ فَقالَ: " فَسَيُنْفِقُونَها " أيْ سَيَقَعُ مِنهم هَذا الإنْفاقُ ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْفاقُهم حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وكَأنَّ ذاتَ الأمْوالِ تَنْقَلِبُ حَسْرَةً تَصِيرُ نَدَمًا، ثُمَّ آخِرُ الأُمُورِ يُغْلَبُونَ كَما وعَدَ اللَّهُ بِهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢١ ) .
ومَعْنى " ثُمَّ " في المَوْضِعَيْنِ إمّا التَّراخِي في الزَّمانِ لِما بَيْنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ وبَيْنَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الإسْلامِ مِنَ الِامْتِدادِ، وإمّا التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما بَيْنَ بَذْلِ المالِ وعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ المُبايَنَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ سابِقًا مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، أيْ يُساقُونَ إلَيْها لا إلى غَيْرِها.
ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها فَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْعَلَ فَرِيقَ الكُفّارِ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ والضَّمِّ: أيْ يَجْمَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ويَضُمَّ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، يُقالُ: رَكَمَ الشَّيْءَ يَرْكُمُهُ: إذا جَمَعَهُ وألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الفَرِيقِ الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: صِفَةٌ لِلْمالِ، والتَّقْدِيرُ: يَمِيزَ المالَ الخَبِيثَ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الَّذِي أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ، فَيَضُمَّ تِلْكَ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيُلْقِيَها في جَهَنَّمَ ويُعَذِّبَهم بِها، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٥ ) .
قالَ في الكَشّافِ: واللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، وعَلى الأوَّلِ بِـ " يُحْشَرُونَ "، وأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا انْتَهى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو حاتِمٍ،، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ، أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ: أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ، ويَسْتَهْزِئُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ عُراةً تُصَفِّرُ وتُصَفِّقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: والمُكاءُ الصَّفِيرُ، إنَّما شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ.
" وتَصْدِيَةً ": التَّصْفِيقُ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ ( الأعْرافِ: ٣٢ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: قالَ: المُكاءُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، يَخْلِطُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،: قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى نَحْوِ طَيْرٍ أبْيَضَ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ يَكُونُ بِأرْضِ الحِجازِ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: " إلّا مُكّاءً " قالَ: كانُوا يُشَبِّكُونَ أصابِعَهم ويُصَفِّرُونَ فِيهِنَّ، " وتَصْدِيَةً " قالَ: صَدُّهُمُ النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَلى الشِّمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ فالمُكاءُ مِثْلُ نَفْخِ البُوقِ، والتَّصْدِيَةُ طَوافُهم عَلى الشِّمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي أهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالقَتْلِ والأسْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٩)إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ: قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ،، والحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ،، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، في رِجالٍ مَن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وكانَتِ الوُقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مَن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:35
قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانِهِ - أنَّ المانِعَ مِن تَعْذِيبِهِمْ هو الأمْرانِ المُتَقَدِّمانِ: وُجُودُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظُهُورِهِمْ، ووُقُوعُ الِاسْتِغْفارِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، أعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ مُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَهم يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ قالَ الأخْفَشُ: إنَّ " أنْ " زائِدَةٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ " يُعَذِّبَهم "، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وما يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَما وقَعَ مِنهم عامُ الحُدَيْبِيَةِ مِن مَنعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ مِنَ البَيْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَصُدُّونَ﴾، وهَذا كالرَّدِّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّهم وُلاةُ البَيْتِ، وأنَّ أمْرَهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا لِمَن لَهُ ذَلِكَ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ أيْ ما أوْلِياؤُهُ إلّا مَن كانَ في عِدادِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، والحُكْمُ عَلى الأكْثَرِينَ بِالجَهْلِ يُفِيدُ أنَّ الأقَلِّينَ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهم يُعانِدُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ المُكاءُ: الصَّفِيرُ مِن مَكا يَمْكُو مُكاءً، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وخَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
أيْ تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَتِ اسْتُ الدّابَّةِ: إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ، قِيلَ: المُكاءُ: هو الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المُكّاءُ في غَيْرِ دَوْحَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ الشّاءِ والحُمُراتِ
والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، يُقالُ: صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً: إذا صَفَّقَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ الإطْنابَةِ:
؎وظَلُّوا جَمِيِعًا لَهم ضَجَّةٌ ∗∗∗ مُكاءٌ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ
أيْ بِالتَّصْفِيقِ، وقِيلَ: المُكاءُ: الضَّرْبُ بِالأيْدِي، والتَّصْدِيَةُ: (p-٥٣٨)الصِّياحُ، وقِيلَ: المُكاءُ: إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ: الصَّفِيرُ، وقِيلَ: التَّصْدِيَةُ: صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، قِيلَ: والأصْلُ عَلى هَذا تَصْدِدَةٌ فَأُبْدِلُ مِن إحْدى الدّالَيْنِ ياءٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ عِنْدَ البَيْتِ الَّذِي هو مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَوَضَعُوا ذَلِكَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ قاصِدِينَ بِهِ أنْ يَشْغَلُوا المُصَلِّينَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ " صَلاتَهم " عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ، وما بَعْدَهُ اسْمُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا التِفاتٌ إلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ تَهْدِيدًا لَهم ومُبالَغَةً في إدْخالِ الرَّوْعَةِ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: عَذابُ الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ وعَذابُ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، أتْبَعَها شَرْحَ أحْوالِهِمْ في الطّاعاتِ المالِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في إنْفاقِ أمْوالِهِمْ هو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِمُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَمْعِ الجُيُوشِ لِذَلِكَ، وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ عَلَيْها وذَلِكَ كَما وقَعَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، فَإنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى الجَيْشِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الإعْجازِ فَقالَ: " فَسَيُنْفِقُونَها " أيْ سَيَقَعُ مِنهم هَذا الإنْفاقُ ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْفاقُهم حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وكَأنَّ ذاتَ الأمْوالِ تَنْقَلِبُ حَسْرَةً تَصِيرُ نَدَمًا، ثُمَّ آخِرُ الأُمُورِ يُغْلَبُونَ كَما وعَدَ اللَّهُ بِهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢١ ) .
ومَعْنى " ثُمَّ " في المَوْضِعَيْنِ إمّا التَّراخِي في الزَّمانِ لِما بَيْنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ وبَيْنَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الإسْلامِ مِنَ الِامْتِدادِ، وإمّا التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما بَيْنَ بَذْلِ المالِ وعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ المُبايَنَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ سابِقًا مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، أيْ يُساقُونَ إلَيْها لا إلى غَيْرِها.
ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها فَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْعَلَ فَرِيقَ الكُفّارِ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ والضَّمِّ: أيْ يَجْمَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ويَضُمَّ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، يُقالُ: رَكَمَ الشَّيْءَ يَرْكُمُهُ: إذا جَمَعَهُ وألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الفَرِيقِ الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: صِفَةٌ لِلْمالِ، والتَّقْدِيرُ: يَمِيزَ المالَ الخَبِيثَ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الَّذِي أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ، فَيَضُمَّ تِلْكَ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيُلْقِيَها في جَهَنَّمَ ويُعَذِّبَهم بِها، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٥ ) .
قالَ في الكَشّافِ: واللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، وعَلى الأوَّلِ بِـ " يُحْشَرُونَ "، وأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا انْتَهى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو حاتِمٍ،، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ، أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ: أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ، ويَسْتَهْزِئُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ عُراةً تُصَفِّرُ وتُصَفِّقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: والمُكاءُ الصَّفِيرُ، إنَّما شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ.
" وتَصْدِيَةً ": التَّصْفِيقُ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ ( الأعْرافِ: ٣٢ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: قالَ: المُكاءُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، يَخْلِطُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،: قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى نَحْوِ طَيْرٍ أبْيَضَ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ يَكُونُ بِأرْضِ الحِجازِ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: " إلّا مُكّاءً " قالَ: كانُوا يُشَبِّكُونَ أصابِعَهم ويُصَفِّرُونَ فِيهِنَّ، " وتَصْدِيَةً " قالَ: صَدُّهُمُ النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَلى الشِّمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ فالمُكاءُ مِثْلُ نَفْخِ البُوقِ، والتَّصْدِيَةُ طَوافُهم عَلى الشِّمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي أهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالقَتْلِ والأسْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٩)إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ: قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ،، والحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ،، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، في رِجالٍ مَن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وكانَتِ الوُقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مَن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:36
قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانِهِ - أنَّ المانِعَ مِن تَعْذِيبِهِمْ هو الأمْرانِ المُتَقَدِّمانِ: وُجُودُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظُهُورِهِمْ، ووُقُوعُ الِاسْتِغْفارِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، أعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ مُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَهم يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ قالَ الأخْفَشُ: إنَّ " أنْ " زائِدَةٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ " يُعَذِّبَهم "، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وما يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَما وقَعَ مِنهم عامُ الحُدَيْبِيَةِ مِن مَنعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ مِنَ البَيْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَصُدُّونَ﴾، وهَذا كالرَّدِّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّهم وُلاةُ البَيْتِ، وأنَّ أمْرَهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا لِمَن لَهُ ذَلِكَ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ أيْ ما أوْلِياؤُهُ إلّا مَن كانَ في عِدادِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، والحُكْمُ عَلى الأكْثَرِينَ بِالجَهْلِ يُفِيدُ أنَّ الأقَلِّينَ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهم يُعانِدُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ المُكاءُ: الصَّفِيرُ مِن مَكا يَمْكُو مُكاءً، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وخَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
أيْ تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَتِ اسْتُ الدّابَّةِ: إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ، قِيلَ: المُكاءُ: هو الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المُكّاءُ في غَيْرِ دَوْحَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ الشّاءِ والحُمُراتِ
والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، يُقالُ: صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً: إذا صَفَّقَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ الإطْنابَةِ:
؎وظَلُّوا جَمِيِعًا لَهم ضَجَّةٌ ∗∗∗ مُكاءٌ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ
أيْ بِالتَّصْفِيقِ، وقِيلَ: المُكاءُ: الضَّرْبُ بِالأيْدِي، والتَّصْدِيَةُ: (p-٥٣٨)الصِّياحُ، وقِيلَ: المُكاءُ: إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ: الصَّفِيرُ، وقِيلَ: التَّصْدِيَةُ: صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، قِيلَ: والأصْلُ عَلى هَذا تَصْدِدَةٌ فَأُبْدِلُ مِن إحْدى الدّالَيْنِ ياءٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ عِنْدَ البَيْتِ الَّذِي هو مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَوَضَعُوا ذَلِكَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ قاصِدِينَ بِهِ أنْ يَشْغَلُوا المُصَلِّينَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ " صَلاتَهم " عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ، وما بَعْدَهُ اسْمُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا التِفاتٌ إلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ تَهْدِيدًا لَهم ومُبالَغَةً في إدْخالِ الرَّوْعَةِ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: عَذابُ الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ وعَذابُ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، أتْبَعَها شَرْحَ أحْوالِهِمْ في الطّاعاتِ المالِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في إنْفاقِ أمْوالِهِمْ هو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِمُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَمْعِ الجُيُوشِ لِذَلِكَ، وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ عَلَيْها وذَلِكَ كَما وقَعَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، فَإنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى الجَيْشِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الإعْجازِ فَقالَ: " فَسَيُنْفِقُونَها " أيْ سَيَقَعُ مِنهم هَذا الإنْفاقُ ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْفاقُهم حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وكَأنَّ ذاتَ الأمْوالِ تَنْقَلِبُ حَسْرَةً تَصِيرُ نَدَمًا، ثُمَّ آخِرُ الأُمُورِ يُغْلَبُونَ كَما وعَدَ اللَّهُ بِهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢١ ) .
ومَعْنى " ثُمَّ " في المَوْضِعَيْنِ إمّا التَّراخِي في الزَّمانِ لِما بَيْنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ وبَيْنَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الإسْلامِ مِنَ الِامْتِدادِ، وإمّا التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما بَيْنَ بَذْلِ المالِ وعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ المُبايَنَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ سابِقًا مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، أيْ يُساقُونَ إلَيْها لا إلى غَيْرِها.
ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها فَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْعَلَ فَرِيقَ الكُفّارِ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ والضَّمِّ: أيْ يَجْمَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ويَضُمَّ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، يُقالُ: رَكَمَ الشَّيْءَ يَرْكُمُهُ: إذا جَمَعَهُ وألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الفَرِيقِ الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: صِفَةٌ لِلْمالِ، والتَّقْدِيرُ: يَمِيزَ المالَ الخَبِيثَ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الَّذِي أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ، فَيَضُمَّ تِلْكَ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيُلْقِيَها في جَهَنَّمَ ويُعَذِّبَهم بِها، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٥ ) .
قالَ في الكَشّافِ: واللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، وعَلى الأوَّلِ بِـ " يُحْشَرُونَ "، وأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا انْتَهى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو حاتِمٍ،، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ، أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ: أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ، ويَسْتَهْزِئُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ عُراةً تُصَفِّرُ وتُصَفِّقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: والمُكاءُ الصَّفِيرُ، إنَّما شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ.
" وتَصْدِيَةً ": التَّصْفِيقُ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ ( الأعْرافِ: ٣٢ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: قالَ: المُكاءُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، يَخْلِطُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،: قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى نَحْوِ طَيْرٍ أبْيَضَ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ يَكُونُ بِأرْضِ الحِجازِ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: " إلّا مُكّاءً " قالَ: كانُوا يُشَبِّكُونَ أصابِعَهم ويُصَفِّرُونَ فِيهِنَّ، " وتَصْدِيَةً " قالَ: صَدُّهُمُ النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَلى الشِّمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ فالمُكاءُ مِثْلُ نَفْخِ البُوقِ، والتَّصْدِيَةُ طَوافُهم عَلى الشِّمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي أهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالقَتْلِ والأسْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٩)إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ: قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ،، والحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ،، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، في رِجالٍ مَن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وكانَتِ الوُقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مَن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:37
قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانِهِ - أنَّ المانِعَ مِن تَعْذِيبِهِمْ هو الأمْرانِ المُتَقَدِّمانِ: وُجُودُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظُهُورِهِمْ، ووُقُوعُ الِاسْتِغْفارِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، أعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ مُسْتَحِقُّونَ لِعَذابِ اللَّهِ لِما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَهم يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ قالَ الأخْفَشُ: إنَّ " أنْ " زائِدَةٌ.
قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ " يُعَذِّبَهم "، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وما يَمْنَعُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَما وقَعَ مِنهم عامُ الحُدَيْبِيَةِ مِن مَنعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ مِنَ البَيْتِ، وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَصُدُّونَ﴾، وهَذا كالرَّدِّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّهم وُلاةُ البَيْتِ، وأنَّ أمْرَهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا لِمَن لَهُ ذَلِكَ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ أيْ ما أوْلِياؤُهُ إلّا مَن كانَ في عِدادِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، والحُكْمُ عَلى الأكْثَرِينَ بِالجَهْلِ يُفِيدُ أنَّ الأقَلِّينَ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهم يُعانِدُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ المُكاءُ: الصَّفِيرُ مِن مَكا يَمْكُو مُكاءً، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وخَلِيلِ غانِيَّةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
أيْ تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَتِ اسْتُ الدّابَّةِ: إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ، قِيلَ: المُكاءُ: هو الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا غَرَّدَ المُكّاءُ في غَيْرِ دَوْحَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ الشّاءِ والحُمُراتِ
والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، يُقالُ: صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً: إذا صَفَّقَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ الإطْنابَةِ:
؎وظَلُّوا جَمِيِعًا لَهم ضَجَّةٌ ∗∗∗ مُكاءٌ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ
أيْ بِالتَّصْفِيقِ، وقِيلَ: المُكاءُ: الضَّرْبُ بِالأيْدِي، والتَّصْدِيَةُ: (p-٥٣٨)الصِّياحُ، وقِيلَ: المُكاءُ: إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ: الصَّفِيرُ، وقِيلَ: التَّصْدِيَةُ: صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، قِيلَ: والأصْلُ عَلى هَذا تَصْدِدَةٌ فَأُبْدِلُ مِن إحْدى الدّالَيْنِ ياءٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ عِنْدَ البَيْتِ الَّذِي هو مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَوَضَعُوا ذَلِكَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ قاصِدِينَ بِهِ أنْ يَشْغَلُوا المُصَلِّينَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ " صَلاتَهم " عَلى أنَّها خَبَرُ كانَ، وما بَعْدَهُ اسْمُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا التِفاتٌ إلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ تَهْدِيدًا لَهم ومُبالَغَةً في إدْخالِ الرَّوْعَةِ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: عَذابُ الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ وعَذابُ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، أتْبَعَها شَرْحَ أحْوالِهِمْ في الطّاعاتِ المالِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ غَرَضَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في إنْفاقِ أمْوالِهِمْ هو الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِمُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَمْعِ الجُيُوشِ لِذَلِكَ، وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ عَلَيْها وذَلِكَ كَما وقَعَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، فَإنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى الجَيْشِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الإعْجازِ فَقالَ: " فَسَيُنْفِقُونَها " أيْ سَيَقَعُ مِنهم هَذا الإنْفاقُ ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْفاقُهم حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وكَأنَّ ذاتَ الأمْوالِ تَنْقَلِبُ حَسْرَةً تَصِيرُ نَدَمًا، ثُمَّ آخِرُ الأُمُورِ يُغْلَبُونَ كَما وعَدَ اللَّهُ بِهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢١ ) .
ومَعْنى " ثُمَّ " في المَوْضِعَيْنِ إمّا التَّراخِي في الزَّمانِ لِما بَيْنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ وبَيْنَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الإسْلامِ مِنَ الِامْتِدادِ، وإمّا التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما بَيْنَ بَذْلِ المالِ وعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ المُبايَنَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ سابِقًا مَن أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، أيْ يُساقُونَ إلَيْها لا إلى غَيْرِها.
ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها فَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَهُ فَقالَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ﴾ أيِ: الفَرِيقَ الخَبِيثَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْعَلَ فَرِيقَ الكُفّارِ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ والضَّمِّ: أيْ يَجْمَعَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ويَضُمَّ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، يُقالُ: رَكَمَ الشَّيْءَ يَرْكُمُهُ: إذا جَمَعَهُ وألْقى بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الفَرِيقِ الخَبِيثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: صِفَةٌ لِلْمالِ، والتَّقْدِيرُ: يَمِيزَ المالَ الخَبِيثَ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المالِ الطَّيِّبِ الَّذِي أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ، فَيَضُمَّ تِلْكَ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيُلْقِيَها في جَهَنَّمَ ويُعَذِّبَهم بِها، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٥ ) .
قالَ في الكَشّافِ: واللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾، وعَلى الأوَّلِ بِـ " يُحْشَرُونَ "، وأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا انْتَهى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو حاتِمٍ،، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ، أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ: أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ، ويَسْتَهْزِئُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ عُراةً تُصَفِّرُ وتُصَفِّقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: والمُكاءُ الصَّفِيرُ، إنَّما شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ.
" وتَصْدِيَةً ": التَّصْفِيقُ وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ ( الأعْرافِ: ٣٢ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: قالَ: المُكاءُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، يَخْلِطُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،: قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى نَحْوِ طَيْرٍ أبْيَضَ يُقالُ لَهُ المُكّاءُ يَكُونُ بِأرْضِ الحِجازِ، والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: " إلّا مُكّاءً " قالَ: كانُوا يُشَبِّكُونَ أصابِعَهم ويُصَفِّرُونَ فِيهِنَّ، " وتَصْدِيَةً " قالَ: صَدُّهُمُ النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَلى الشِّمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ فالمُكاءُ مِثْلُ نَفْخِ البُوقِ، والتَّصْدِيَةُ طَوافُهم عَلى الشِّمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي أهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالقَتْلِ والأسْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٥٣٩)إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ: قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ،، والحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ،، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، في رِجالٍ مَن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وكانَتِ الوُقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مَن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:38
أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى، وسَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أوْ غَيْرِها.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ كَما قالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ تَنْتَهُوا ) يَعْنِي بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ لِما تَأدَّتِ الرِّسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها.
وقالَ في الكَشّافِ: أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ هَذا القَوْلَ، وهو ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى خاطِبْهم لَقِيلَ: " إنْ تَنْتَهُوا يَغْفِرُ لَكم "، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَحْوُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ( الأحْقافِ: ١١ ) خاطَبُوا بِهِ غَيْرَهم لِأجْلِهِمْ لِيَسْمَعُوهُ: أيْ إنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِتالِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَهم مِنَ العَداوَةِ انْتَهى، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَّرْطِ بِـ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى القِتالِ والعَداوَةِ أوْ إلى الكُفْرِ الَّذِي هم عَلَيْهِ ويَكُونُ العَوْدُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرارِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ هَذِهِ العِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعِيدِ، والتَّهْدِيدِ والتَّمْثِيلِ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَّهْرِ بِعَذابِ اللَّهِ: أيْ قَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِيمَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ أنْ يُصِيبَهُ بِعَذابٍ، فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ كُفْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَمّا ذُكِرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ ناصِرُكم عَلَيْهِمْ ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَمَن والاهُ فازَ ومِن نَصَرَهُ غَلَبَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: في قُرَيْشٍ وغَيْرِها يَوْمَ بَدْرٍ، والأُمَمُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ «عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدَيْ، قالَ: ما لَكَ ؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا ؟ قُلْتُ: أنْ تَسْتَغْفِرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ ؟» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ، ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها» وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ بِما مَضى في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ مِن عَذابِ مَن قاتَلَ الأنْبِياءَ وصَمَّمَ عَلى الكُفْرِ.
وقالَ السُّدِّيُّ،، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: المُرادُ بِالآيَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفَسَّرَ جُمْهُورُ السَّلَفِ الفِتْنَةَ المَذْكُورَةَ هُنا بِالكُفْرِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: بَلَغَنِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حَتّى لا يُفْتَنُ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ.
الأنفال 8:39
أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى، وسَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أوْ غَيْرِها.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ كَما قالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ تَنْتَهُوا ) يَعْنِي بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ لِما تَأدَّتِ الرِّسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها.
وقالَ في الكَشّافِ: أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ هَذا القَوْلَ، وهو ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى خاطِبْهم لَقِيلَ: " إنْ تَنْتَهُوا يَغْفِرُ لَكم "، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَحْوُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ( الأحْقافِ: ١١ ) خاطَبُوا بِهِ غَيْرَهم لِأجْلِهِمْ لِيَسْمَعُوهُ: أيْ إنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِتالِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَهم مِنَ العَداوَةِ انْتَهى، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَّرْطِ بِـ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى القِتالِ والعَداوَةِ أوْ إلى الكُفْرِ الَّذِي هم عَلَيْهِ ويَكُونُ العَوْدُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرارِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ هَذِهِ العِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعِيدِ، والتَّهْدِيدِ والتَّمْثِيلِ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَّهْرِ بِعَذابِ اللَّهِ: أيْ قَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِيمَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ أنْ يُصِيبَهُ بِعَذابٍ، فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ كُفْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَمّا ذُكِرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ ناصِرُكم عَلَيْهِمْ ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَمَن والاهُ فازَ ومِن نَصَرَهُ غَلَبَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: في قُرَيْشٍ وغَيْرِها يَوْمَ بَدْرٍ، والأُمَمُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ «عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدَيْ، قالَ: ما لَكَ ؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا ؟ قُلْتُ: أنْ تَسْتَغْفِرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ ؟» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ، ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها» وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ بِما مَضى في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ مِن عَذابِ مَن قاتَلَ الأنْبِياءَ وصَمَّمَ عَلى الكُفْرِ.
وقالَ السُّدِّيُّ،، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: المُرادُ بِالآيَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفَسَّرَ جُمْهُورُ السَّلَفِ الفِتْنَةَ المَذْكُورَةَ هُنا بِالكُفْرِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: بَلَغَنِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حَتّى لا يُفْتَنُ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ.
الأنفال 8:40
أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى، وسَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أوْ غَيْرِها.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ كَما قالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ تَنْتَهُوا ) يَعْنِي بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ لِما تَأدَّتِ الرِّسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها.
وقالَ في الكَشّافِ: أيْ قُلْ لِأجْلِهِمْ هَذا القَوْلَ، وهو ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى خاطِبْهم لَقِيلَ: " إنْ تَنْتَهُوا يَغْفِرُ لَكم "، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَحْوُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ( الأحْقافِ: ١١ ) خاطَبُوا بِهِ غَيْرَهم لِأجْلِهِمْ لِيَسْمَعُوهُ: أيْ إنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِتالِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَهم مِنَ العَداوَةِ انْتَهى، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَّرْطِ بِـ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى القِتالِ والعَداوَةِ أوْ إلى الكُفْرِ الَّذِي هم عَلَيْهِ ويَكُونُ العَوْدُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرارِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ هَذِهِ العِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعِيدِ، والتَّهْدِيدِ والتَّمْثِيلِ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَّهْرِ بِعَذابِ اللَّهِ: أيْ قَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِيمَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ أنْ يُصِيبَهُ بِعَذابٍ، فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ كُفْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَمّا ذُكِرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الِانْتِهاءِ ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ ناصِرُكم عَلَيْهِمْ ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَمَن والاهُ فازَ ومِن نَصَرَهُ غَلَبَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: في قُرَيْشٍ وغَيْرِها يَوْمَ بَدْرٍ، والأُمَمُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ «عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدَيْ، قالَ: ما لَكَ ؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا ؟ قُلْتُ: أنْ تَسْتَغْفِرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ ؟» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ، ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها» وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ بِما مَضى في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ مِن عَذابِ مَن قاتَلَ الأنْبِياءَ وصَمَّمَ عَلى الكُفْرِ.
وقالَ السُّدِّيُّ،، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: المُرادُ بِالآيَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وفَسَّرَ جُمْهُورُ السَّلَفِ الفِتْنَةَ المَذْكُورَةَ هُنا بِالكُفْرِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: بَلَغَنِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حَتّى لا يُفْتَنُ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ.
الأنفال 8:41
لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٩ ) وكانَتِ المُقاتَلَةُ مَظَنَّةَ حُصُولِ الغَنِيمَةِ، ذَكَرَ حُكْمَ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَها إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ ما يُصابُ مِنهم وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُنالُ بِسَعْيٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎(p-٥٤٠)وقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَومَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّه، والمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وأمّا مَعْنى الغَنِيمَةِ في الشَّرْعِ، فَحَكى القُرْطُبِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مالِ الكُفّارِ إذا ظَفَرَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ عَلى وجْهِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ.
قالَ: ولا تَقْتَضِي اللُّغَةُ هَذا التَّخْصِيصَ، ولَكِنْ عُرْفَ الشَّرْعِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِهَذا النَّوْعِ.
وقَدِ ادَّعى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ ( الأنْفالِ: ١ ) وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلى الغانِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ نَزَلَتْ حِينَ تَشاجَرَ أهْلُ بَدْرٍ في غَنائِمِ بَدْرٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ، وقِيلَ: إنَّها - أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ - مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ الغَنِيمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَتْ مَقْسُومَةً بَيْنَ الغانِمِينَ وكَذَلِكَ لِمَن بَعْدَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، قالُوا: ولِلْإمامِ أنْ يُخْرِجَها عَنْهم، واحْتَجُّوا بِفَتْحِ مَكَّةَ وقِصَّةِ حُنَيْنٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَسِّمْها ولَمْ يَجْعَلْها فَيْئًا، وقَدْ حَكى الإجْماعَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغانِمِينَ، ومِمَّنْ حَكى ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ،، والدّاوُدِيُّ،، والمازِرِيُّ،، والقاضِي عِياضٌ،، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ بَيْنَ الغانِمِينَ وكَيْفِيَّتِها كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، بَلْ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ناسِخٌ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيفُ ولا التَّبْدِيلُ لِكِتابِ اللَّهِ.
وأمّا قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ فَلا حُجَّةَ فِيها لِاخْتِلافِ العُلَماءِ في فَتْحِها، قالَ: وأمّا قِصَّةُ حُنَيْنٍ فَقَدْ عَوَّضَ الأنْصارَ لَمّا قالُوا تُعْطِي الغَنائِمَ قُرَيْشًا وتَتْرُكُنا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ نَفْسِهِ، فَقالَ لَهم: أمّا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النّاسُ بِالدُّنْيا وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بُيُوتِكم كَما في مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ، بَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الغَنِيمَةِ و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما المَوْصُولَةِ، وقَدْ خَصَّصَ الإجْماعُ مِن عُمُومِ الآيَةِ الأُسارى، فَإنَّ الخِيَرَةَ فِيها إلى الإمامِ بِلا خِلافٍ، وكَذَلِكَ سَلَبُ المَقْتُولِ إذا نادى بِهِ الإمامُ، وقِيلَ: كَذَلِكَ الأرْضُ المَغْنُومَةُ، ورَدَ بِأنَّهُ لا إجْماعَ عَلى الأرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قَرَأ النَّخَعِيُّ: " فَإنَّ لِلَّهِ " بِكَسْرِ " أنَّ " .
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى أنَّ " أنَّ " وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَقٌّ أوْ فَواجِبٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الخُمُسِ عَلى أقْوالٍ سِتَّةٍ: الأوَّلُ: قالَتْ طائِفَةٌ: يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى سِتَّةٍ فَيُجْعَلُ السُّدُسُ لِلْكَعْبَةِ، وهو الَّذِي لِلَّهِ، والثّانِي: لِرَسُولِ اللَّهِ، والثّالِثُ: لِذَوِي القُرْبى، والرّابِعُ: لِلْيَتامى، والخامِسُ: لِلْمَساكِينِ، والسّادِسُ: لِابْنِ السَّبِيلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ: إنَّها تُقَسَّمُ الغَنِيمَةَ عَلى خَمْسَةٍ، فَيُعْزَلُ مِنها سَهْمٌ واحِدٌ، ويُقَسَّمُ أرْبَعَةٌ عَلى الغانِمِينَ، ثُمَّ يَضْرِبُ يَدَهُ في السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ، فَما قَبَضَهُ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ عَلى خَسْمَةٍ؛ لِلرَّسُولِ ومَن بَعْدَهُ لِلْآيَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: رُوِيَ، عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الخُمُسَ لَنا، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَقالَ: يَتامانا ومَساكِينِنا وأبْناءِ سَبِيلِنا.
القَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةٍ، وإنَّ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ رَسُولِهِ واحِدٌ يُصْرَفُ في مَصالِحِ المُؤْمِنِينَ، والأرْبَعَةُ الأخْماسُ عَلى الأرْبَعَةِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
القَوْلُ الخامِسُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى ثَلاثَةٍ: اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ، وقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ قَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِهِ كَما ارْتَفَعَ حُكْمُ سَهْمِهِ.
قالَ: ويَبْدَأُ مِنَ الخُمُسِ بِإصْلاحِ القَناطِرِ وبِناءِ المَساجِدِ وأرْزاقِ القُضاةِ والجُنْدِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا، عَنِ الشّافِعِيِّ.
القَوْلُ السّادِسُ: قَوْلُ مالِكٍ: إنَّهُ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ الإمامِ واجْتِهادِهِ، فَيَأْخُذُ مِنهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُعْطِي مِنهُ الغُزاةَ بِاجْتِهادٍ، ويَصْرِفُ الباقِيَ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وبِهِ قالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وبِهِ عَمِلُوا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ: «ما لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» فَإنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْهُ أخْماسًا ولا أثْلاثًا، وإنَّما ذَكَرَ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِهِ عَلى وجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ مُحْتَجًّا لِهَذا القَوْلِ: قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢١٥ ) وجائِزٌ بِإجْماعٍ أنْ يُنْفَقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ إذا رَأى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ قِيلَ: إعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى دُونَ مِن بَعْدِهِمْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في القُرْبى عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، واسْتُدِلَّ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَمّا صَعِدَ الصَّفّا جَعَلَ يَهْتِفُ بِبُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّها قائِلًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ،، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ: هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» وهو في الصَّحِيحِ وقِيلَ: هم بَنُو هاشِمٍ خاصَّةً، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ وغَيْرُهم، وهو مَرْوِيٌّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ عَنْ فِرْقَةٍ: إنِ المَعْنى فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: إنَّ إنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ لِأنَّ قَوْلَهُ: واعْلَمُوا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ، فَعَلَّقَ " إنْ " بِقَوْلِهِ: واعْلَمُوا عَلى هَذا المَعْنى: أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فانْقادُوا وسَلِّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ، فِيما (p-٥٤١)أعْلَمَكم بِهِ مِن حالِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ واعْلَمُوا بِمَعْنى إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّ الخُمُسَ مِنَ الغَنِيمَةِ يَجِبُ التَّقَرُّبُ بِهِ، فاقْطَعُوا عَنْهُ أطْماعَكم، واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِلْمِ المُجَرَّدَ، ولَكِنَّ العِلْمَ المُتَضَمِّنَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ المُجَرَّدَ يَسْتَوِي فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ انْتَهى.
قَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلْنا، و﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وأهْلِ الباطِلِ، ﴿الجَمْعانِ﴾ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ نَصْرُ الفَرِيقِ الأقَلِّ عَلى الفَرِيقِ الأكْثَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ العَيْنِ في " العُدْوَةِ " في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ فِيها، وإذْ بَدَلٌ مِن " ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مَحْذُوفًا: أيْ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ.
والعُدْوَةُ: جانِبُ الوادِي، والدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى: والقُصْوى: تَأْنِيثُ الأقْصى، مَن دَنا يَدْنُو، وقَصا يَقْصُو، ويُقالُ: القُصْيا، والأصْلُ الواوُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والعُدْوَةُ الدُّنْيا كانَتْ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، والقُصْوى كانَتْ مِمّا يَلِي مَكَّةَ.
والمَعْنى: وقْتَ نُزُولِكم بِالجانِبِ الأدْنى مِنَ الوادِي إلى جِهَةِ المَدِينَةِ، وعَدُوُّكم بِالجانِبِ الأقْصى مِنهُ مِمّا يَلِي مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وانْتِصابُ ﴿أسْفَلَ﴾ عَلى الظَّرْفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ: أيْ والحالُ أنَّ الرَّكْبَ في مَكانٍ أسْفَلَ مِنَ المَكانِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ.
وأجازَ الأخْفَشُ، والكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَفْعَ أسْفَلَ عَلى مَعْنى أشَدَّ سُفْلًا مِنكم، والرَّكْبُ: جَمْعُ راكِبٍ، ولا تَقُولُ العَرَبُ رَكْبٌ إلّا لِلْجَماعَةِ الرّاكِبِي الإبِلِ، ولا يُقالُ لِمَن كانَ عَلى فَرَسٍ وغَيْرِها رَكْبٌ، وكَذا قالَ ابْنُ فارِسٍ، وحَكاهُ ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ.
والمُرادُ بِالرَّكْبِ هاهُنا رَكْبُ أبِي سُفْيانَ، وهي المُرادُ بِالعِيرِ، فَإنَّهم كانُوا في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهم مِمّا يَلِي ساحِلَ البَحْرِ.
قِيلَ: وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وعَدُوُّهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى، والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنهُمُ الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ شَأْنِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُدْوَةَ القُصْوى الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ كانَ فِيها الماءُ، وكانَتْ أرْضًا لا يابِسَ بِها، وأمّا العُدْوَةُ الدُّنْيا فَكانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأقْدامُ ولا ماءَ بِها، وكانَتِ العِيرُ وراءَ ظَهْرِ العَدُوِّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِنُصْرَتِهِمْ عَلَيْهِمْ والحالُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى أنْ تَلْتَقُوا في هَذا المَوْضِعِ لِلْقِتالِ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَهابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَكم في هَذا المَوْطِنِ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ حَقِيقًا بِأنْ يَفْعَلَ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإذْلالِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَ المُسْلِمِينَ لِأخْذِ العِيرِ وغَنِيمَتِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وأخْرَجَ الكافِرِينَ لِلْمُدافِعَةِ عَنْها، ولَمْ يَكُنْ في حِسابِ الطّائِفَتَيْنِ أنْ يَقَعَ هَذا الِاتِّفاقُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: جَمَعَهم لِيَقْضِيَ.
وجُمْلَةُ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَعِيشَ عَنْ بَيِّنَةٍ لِئَلّا يَبْقى لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، وقِيلَ: الهَلاكُ والحَياةُ مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، أيْ لِيَصْدُرَ إسْلامُ مَن أسْلَمَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ ويَقِينٍ بِأنَّهُ دِينُ الحَقِّ، ويَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ لا عَنْ مُخالَجَةِ شُبْهَةٍ.
قَرَأ نافِعٌ، وخَلَفٌ، وسَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، والبَزِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ " مَن حَيِيَ " بِياءَيْنِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِياءٍ واحِدَةٍ عَلى الإدْغامِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ لِأنَّها كَذَلِكَ وقَعَتْ في المُصْحَفِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ بِكُفْرِ الكافِرِينَ عَلِيمٌ بِهِ، وسَمِيعٌ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ عَلِيمٌ بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ثُمَّ وضَعَ مَقاسِمَ الفَيْءِ، فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَعْدَ الَّذِي كانَ مَضى مِن بَدْرٍ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ الجَدَلِيِّ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: هَذا مِفْتاحُ كَلامٍ، لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، قالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، وقالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ مِن بَعْدِهِ، واجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا، خَمَّسَ الغَنِيمَةَ، فَضَرَبَ ذَلِكَ في خُمُسِهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ»، قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ، لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سَهْمَ اللَّهِ والرَّسُولِ واحِدًا ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ فَجَعَلَ هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ قُوَّةً في الخَيْلِ والسِّلاحِ، وجَعْلَ سَهْمَ اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ لا يُعْطِيهِ غَيْرَهم، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأسْهُمَ الباقِيَةَ لِلْفَرَسِ سَهْمًا ولِراكِبِهِ سَهْمًا ولِلرّاجِلِ سَهْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ الغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أخْماسٍ: فَأرْبَعَةٌ مِنها بَيْنَ مَن قاتَلَ عَلَيْها، وخُمُسٌ واحِدٌ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أخْماسٍ، فَرُبُعٌ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَةِ، يَعْنِي قَرابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ فَهو لِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، والرُّبُعُ الثّانِي لِلْيَتامى، والرُّبُع الثّالِثُ (p-٥٤٢)لِلْمَساكِينِ، والرُّبْعُ الرّابِعُ لِابْنِ السَّبِيلِ، وهو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَتُوضَعُ، فَيُقَسِّمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيَعْزِلُ سَهْمًا مِنها ويُقَسِّمُ أرْبَعَةَ أسْهُمٍ بَيْنَ النّاسِ، يَعْنِي لِمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ، ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ في جَمِيعِ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ، فَما قَبَضَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، فَهو الَّذِي سَمّى اللَّهُ لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا فَإنَّ لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إلى بَقِيَّةِ السَّهْمِ فَيُقَسِّمُهُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ سَهْمَ اللَّهِ في السِّلاحِ والكُراعِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وفي كُسْوَةِ الكَعْبَةِ وطِيبِها وما تَحْتاجُ إلَيْهِ الكَعْبَةُ، ويَجْعَلُ سَهْمَ الرَّسُولِ في الكُراعِ والسِّلاحِ ونَفَقَةِ أهْلِهِ، وسَهْمَ ذِي القُرْبى لِقَرابَتِهِ، يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ مَعَ سَهْمِهِمْ مَعَ النّاسِ، ولِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ يَضَعُها رَسُولُ اللَّهِ فِيمَن شاءَ حَيْثُ شاءَ، لَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ المَطْلَبِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأسْهُمِ ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمٌ مِن سِهامِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فَقالَ: الَّذِي لِلَّهِ لِنَبِيِّهِ والَّذِي لِلرَّسُولِ لِأزْواجِهِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنّا كُنّا نَرى أنّا هم فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ: وقالُوا قُرَيْشٌ كُلُّها تَفَرَّدَ بِها أبُو مَعْشَرٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورَيَّ أرْسَلَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي القُرْبى، ويَقُولُ: لِمَن تَراهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِقُرْبى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَسَمَهُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ كانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ عَرْضًا رَأيْناهُ دُونَ حَقِّنا فَرَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ وأبَيْنا أنْ نَقْبَلَهُ، وكانَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعِينَ ناكِحَهم وأنْ يَقْضِيَ عَنْ غارِمِهِمْ وأنْ يُعْطِيَ فَقِيرَهم وأبى أنْ يَزِيدَهم عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَغِبْتُ لَكم عَنْ غُسالَةِ الأيْدِي؛ لِأنَّ لَكم في خُمُسِ الخُمُسِ ما يَكْفِيكم أوْ يُغْنِيكم.
رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمِ بْنِ مَهْدِيٍّ المِصِّيصِيِّ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنُ الإسْنادِ، وإبْراهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذا وثَّقَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: يَأْتِي بِمَناكِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، قالَ: فَمَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَتّى دَخَلْنا عَلَيْهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ إخْوانُكَ مِن بَنِي هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مَن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم دُونَنا فَإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ في النَّسَبِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ» .
وقَدْ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أُعْطُوا الخُمُسَ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ العَبّاسِ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقِيلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ واحِدٌ مِنَ المَغْنَمِ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ، إمّا خادِمٌ وإمّا فَرَسٌ، ثُمَّ يُصِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ألا ولَّيْتَنِي ما خَصَّنا اللَّهُ بِهِ مِنَ الخُمُسِ ؟ فَوَلّانِيهِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ قالَ: «ولّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَواضِعَهُ حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وبَدْرٌ ما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كانَتْ لَيْلَةُ الفُرْقانِ لَيْلَةَ التَقى الجَمْعانِ في صَبِيحَتِها لَيْلَةُ الجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: العُدْوَةِ الدُّنْيا شاطِئُ الوادِي ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العُدْوَةُ الدُّنْيا شَفِيرُ الوادِي الأدْنى، والعُدْوَةُ القُصْوى شَفِيرُ الوادِي الأقْصى.
الأنفال 8:42
لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٩ ) وكانَتِ المُقاتَلَةُ مَظَنَّةَ حُصُولِ الغَنِيمَةِ، ذَكَرَ حُكْمَ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَها إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ ما يُصابُ مِنهم وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُنالُ بِسَعْيٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎(p-٥٤٠)وقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَومَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّه، والمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وأمّا مَعْنى الغَنِيمَةِ في الشَّرْعِ، فَحَكى القُرْطُبِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مالِ الكُفّارِ إذا ظَفَرَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ عَلى وجْهِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ.
قالَ: ولا تَقْتَضِي اللُّغَةُ هَذا التَّخْصِيصَ، ولَكِنْ عُرْفَ الشَّرْعِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِهَذا النَّوْعِ.
وقَدِ ادَّعى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ ( الأنْفالِ: ١ ) وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلى الغانِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ نَزَلَتْ حِينَ تَشاجَرَ أهْلُ بَدْرٍ في غَنائِمِ بَدْرٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ، وقِيلَ: إنَّها - أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ - مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ الغَنِيمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَتْ مَقْسُومَةً بَيْنَ الغانِمِينَ وكَذَلِكَ لِمَن بَعْدَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، قالُوا: ولِلْإمامِ أنْ يُخْرِجَها عَنْهم، واحْتَجُّوا بِفَتْحِ مَكَّةَ وقِصَّةِ حُنَيْنٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَسِّمْها ولَمْ يَجْعَلْها فَيْئًا، وقَدْ حَكى الإجْماعَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغانِمِينَ، ومِمَّنْ حَكى ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ،، والدّاوُدِيُّ،، والمازِرِيُّ،، والقاضِي عِياضٌ،، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ بَيْنَ الغانِمِينَ وكَيْفِيَّتِها كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، بَلْ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ناسِخٌ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيفُ ولا التَّبْدِيلُ لِكِتابِ اللَّهِ.
وأمّا قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ فَلا حُجَّةَ فِيها لِاخْتِلافِ العُلَماءِ في فَتْحِها، قالَ: وأمّا قِصَّةُ حُنَيْنٍ فَقَدْ عَوَّضَ الأنْصارَ لَمّا قالُوا تُعْطِي الغَنائِمَ قُرَيْشًا وتَتْرُكُنا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ نَفْسِهِ، فَقالَ لَهم: أمّا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النّاسُ بِالدُّنْيا وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بُيُوتِكم كَما في مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ، بَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الغَنِيمَةِ و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما المَوْصُولَةِ، وقَدْ خَصَّصَ الإجْماعُ مِن عُمُومِ الآيَةِ الأُسارى، فَإنَّ الخِيَرَةَ فِيها إلى الإمامِ بِلا خِلافٍ، وكَذَلِكَ سَلَبُ المَقْتُولِ إذا نادى بِهِ الإمامُ، وقِيلَ: كَذَلِكَ الأرْضُ المَغْنُومَةُ، ورَدَ بِأنَّهُ لا إجْماعَ عَلى الأرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قَرَأ النَّخَعِيُّ: " فَإنَّ لِلَّهِ " بِكَسْرِ " أنَّ " .
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى أنَّ " أنَّ " وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَقٌّ أوْ فَواجِبٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الخُمُسِ عَلى أقْوالٍ سِتَّةٍ: الأوَّلُ: قالَتْ طائِفَةٌ: يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى سِتَّةٍ فَيُجْعَلُ السُّدُسُ لِلْكَعْبَةِ، وهو الَّذِي لِلَّهِ، والثّانِي: لِرَسُولِ اللَّهِ، والثّالِثُ: لِذَوِي القُرْبى، والرّابِعُ: لِلْيَتامى، والخامِسُ: لِلْمَساكِينِ، والسّادِسُ: لِابْنِ السَّبِيلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ: إنَّها تُقَسَّمُ الغَنِيمَةَ عَلى خَمْسَةٍ، فَيُعْزَلُ مِنها سَهْمٌ واحِدٌ، ويُقَسَّمُ أرْبَعَةٌ عَلى الغانِمِينَ، ثُمَّ يَضْرِبُ يَدَهُ في السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ، فَما قَبَضَهُ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ عَلى خَسْمَةٍ؛ لِلرَّسُولِ ومَن بَعْدَهُ لِلْآيَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: رُوِيَ، عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الخُمُسَ لَنا، فَقِيلَ: لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَقالَ: يَتامانا ومَساكِينِنا وأبْناءِ سَبِيلِنا.
القَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةٍ، وإنَّ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ رَسُولِهِ واحِدٌ يُصْرَفُ في مَصالِحِ المُؤْمِنِينَ، والأرْبَعَةُ الأخْماسُ عَلى الأرْبَعَةِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
القَوْلُ الخامِسُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى ثَلاثَةٍ: اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ، وقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ قَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِهِ كَما ارْتَفَعَ حُكْمُ سَهْمِهِ.
قالَ: ويَبْدَأُ مِنَ الخُمُسِ بِإصْلاحِ القَناطِرِ وبِناءِ المَساجِدِ وأرْزاقِ القُضاةِ والجُنْدِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا، عَنِ الشّافِعِيِّ.
القَوْلُ السّادِسُ: قَوْلُ مالِكٍ: إنَّهُ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ الإمامِ واجْتِهادِهِ، فَيَأْخُذُ مِنهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُعْطِي مِنهُ الغُزاةَ بِاجْتِهادٍ، ويَصْرِفُ الباقِيَ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وبِهِ قالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وبِهِ عَمِلُوا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ: «ما لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» فَإنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْهُ أخْماسًا ولا أثْلاثًا، وإنَّما ذَكَرَ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِهِ عَلى وجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ مُحْتَجًّا لِهَذا القَوْلِ: قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢١٥ ) وجائِزٌ بِإجْماعٍ أنْ يُنْفَقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ إذا رَأى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ قِيلَ: إعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى دُونَ مِن بَعْدِهِمْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في القُرْبى عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، واسْتُدِلَّ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَمّا صَعِدَ الصَّفّا جَعَلَ يَهْتِفُ بِبُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّها قائِلًا: يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ» .
وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ،، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ: هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» وهو في الصَّحِيحِ وقِيلَ: هم بَنُو هاشِمٍ خاصَّةً، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ وغَيْرُهم، وهو مَرْوِيٌّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ عَنْ فِرْقَةٍ: إنِ المَعْنى فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: إنَّ إنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ لِأنَّ قَوْلَهُ: واعْلَمُوا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ، فَعَلَّقَ " إنْ " بِقَوْلِهِ: واعْلَمُوا عَلى هَذا المَعْنى: أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فانْقادُوا وسَلِّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ في الغَنائِمِ، فِيما (p-٥٤١)أعْلَمَكم بِهِ مِن حالِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ واعْلَمُوا بِمَعْنى إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّ الخُمُسَ مِنَ الغَنِيمَةِ يَجِبُ التَّقَرُّبُ بِهِ، فاقْطَعُوا عَنْهُ أطْماعَكم، واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِلْمِ المُجَرَّدَ، ولَكِنَّ العِلْمَ المُتَضَمِّنَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ المُجَرَّدَ يَسْتَوِي فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ انْتَهى.
قَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلْنا، و﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ وأهْلِ الباطِلِ، ﴿الجَمْعانِ﴾ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ نَصْرُ الفَرِيقِ الأقَلِّ عَلى الفَرِيقِ الأكْثَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ العَيْنِ في " العُدْوَةِ " في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ فِيها، وإذْ بَدَلٌ مِن " ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مَحْذُوفًا: أيْ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ.
والعُدْوَةُ: جانِبُ الوادِي، والدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى: والقُصْوى: تَأْنِيثُ الأقْصى، مَن دَنا يَدْنُو، وقَصا يَقْصُو، ويُقالُ: القُصْيا، والأصْلُ الواوُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والعُدْوَةُ الدُّنْيا كانَتْ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، والقُصْوى كانَتْ مِمّا يَلِي مَكَّةَ.
والمَعْنى: وقْتَ نُزُولِكم بِالجانِبِ الأدْنى مِنَ الوادِي إلى جِهَةِ المَدِينَةِ، وعَدُوُّكم بِالجانِبِ الأقْصى مِنهُ مِمّا يَلِي مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وانْتِصابُ ﴿أسْفَلَ﴾ عَلى الظَّرْفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ: أيْ والحالُ أنَّ الرَّكْبَ في مَكانٍ أسْفَلَ مِنَ المَكانِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ.
وأجازَ الأخْفَشُ، والكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَفْعَ أسْفَلَ عَلى مَعْنى أشَدَّ سُفْلًا مِنكم، والرَّكْبُ: جَمْعُ راكِبٍ، ولا تَقُولُ العَرَبُ رَكْبٌ إلّا لِلْجَماعَةِ الرّاكِبِي الإبِلِ، ولا يُقالُ لِمَن كانَ عَلى فَرَسٍ وغَيْرِها رَكْبٌ، وكَذا قالَ ابْنُ فارِسٍ، وحَكاهُ ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ.
والمُرادُ بِالرَّكْبِ هاهُنا رَكْبُ أبِي سُفْيانَ، وهي المُرادُ بِالعِيرِ، فَإنَّهم كانُوا في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهم مِمّا يَلِي ساحِلَ البَحْرِ.
قِيلَ: وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وعَدُوُّهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى، والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنهُمُ الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ شَأْنِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُدْوَةَ القُصْوى الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ كانَ فِيها الماءُ، وكانَتْ أرْضًا لا يابِسَ بِها، وأمّا العُدْوَةُ الدُّنْيا فَكانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأقْدامُ ولا ماءَ بِها، وكانَتِ العِيرُ وراءَ ظَهْرِ العَدُوِّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِنُصْرَتِهِمْ عَلَيْهِمْ والحالُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى أنْ تَلْتَقُوا في هَذا المَوْضِعِ لِلْقِتالِ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَهابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَكم في هَذا المَوْطِنِ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ حَقِيقًا بِأنْ يَفْعَلَ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإذْلالِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَ المُسْلِمِينَ لِأخْذِ العِيرِ وغَنِيمَتِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وأخْرَجَ الكافِرِينَ لِلْمُدافِعَةِ عَنْها، ولَمْ يَكُنْ في حِسابِ الطّائِفَتَيْنِ أنْ يَقَعَ هَذا الِاتِّفاقُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: جَمَعَهم لِيَقْضِيَ.
وجُمْلَةُ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَعِيشَ عَنْ بَيِّنَةٍ لِئَلّا يَبْقى لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، وقِيلَ: الهَلاكُ والحَياةُ مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، أيْ لِيَصْدُرَ إسْلامُ مَن أسْلَمَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ ويَقِينٍ بِأنَّهُ دِينُ الحَقِّ، ويَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ لا عَنْ مُخالَجَةِ شُبْهَةٍ.
قَرَأ نافِعٌ، وخَلَفٌ، وسَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، والبَزِّيُّ، وأبُو بَكْرٍ " مَن حَيِيَ " بِياءَيْنِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِياءٍ واحِدَةٍ عَلى الإدْغامِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ لِأنَّها كَذَلِكَ وقَعَتْ في المُصْحَفِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ بِكُفْرِ الكافِرِينَ عَلِيمٌ بِهِ، وسَمِيعٌ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ عَلِيمٌ بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ثُمَّ وضَعَ مَقاسِمَ الفَيْءِ، فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَعْدَ الَّذِي كانَ مَضى مِن بَدْرٍ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ الجَدَلِيِّ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: هَذا مِفْتاحُ كَلامٍ، لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، قالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، وقالَ قائِلٌ مِنهم: سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ مِن بَعْدِهِ، واجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا، خَمَّسَ الغَنِيمَةَ، فَضَرَبَ ذَلِكَ في خُمُسِهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ»، قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ، لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سَهْمَ اللَّهِ والرَّسُولِ واحِدًا ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ فَجَعَلَ هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ قُوَّةً في الخَيْلِ والسِّلاحِ، وجَعْلَ سَهْمَ اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ لا يُعْطِيهِ غَيْرَهم، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأسْهُمَ الباقِيَةَ لِلْفَرَسِ سَهْمًا ولِراكِبِهِ سَهْمًا ولِلرّاجِلِ سَهْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ الغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أخْماسٍ: فَأرْبَعَةٌ مِنها بَيْنَ مَن قاتَلَ عَلَيْها، وخُمُسٌ واحِدٌ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أخْماسٍ، فَرُبُعٌ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَةِ، يَعْنِي قَرابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ فَهو لِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، والرُّبُعُ الثّانِي لِلْيَتامى، والرُّبُع الثّالِثُ (p-٥٤٢)لِلْمَساكِينِ، والرُّبْعُ الرّابِعُ لِابْنِ السَّبِيلِ، وهو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ قالَ: «كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَتُوضَعُ، فَيُقَسِّمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيَعْزِلُ سَهْمًا مِنها ويُقَسِّمُ أرْبَعَةَ أسْهُمٍ بَيْنَ النّاسِ، يَعْنِي لِمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ، ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ في جَمِيعِ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ، فَما قَبَضَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ، فَهو الَّذِي سَمّى اللَّهُ لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا فَإنَّ لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إلى بَقِيَّةِ السَّهْمِ فَيُقَسِّمُهُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ سَهْمَ اللَّهِ في السِّلاحِ والكُراعِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وفي كُسْوَةِ الكَعْبَةِ وطِيبِها وما تَحْتاجُ إلَيْهِ الكَعْبَةُ، ويَجْعَلُ سَهْمَ الرَّسُولِ في الكُراعِ والسِّلاحِ ونَفَقَةِ أهْلِهِ، وسَهْمَ ذِي القُرْبى لِقَرابَتِهِ، يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ مَعَ سَهْمِهِمْ مَعَ النّاسِ، ولِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ يَضَعُها رَسُولُ اللَّهِ فِيمَن شاءَ حَيْثُ شاءَ، لَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ المَطْلَبِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأسْهُمِ ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمٌ مِن سِهامِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فَقالَ: الَّذِي لِلَّهِ لِنَبِيِّهِ والَّذِي لِلرَّسُولِ لِأزْواجِهِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنّا كُنّا نَرى أنّا هم فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ: وقالُوا قُرَيْشٌ كُلُّها تَفَرَّدَ بِها أبُو مَعْشَرٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورَيَّ أرْسَلَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي القُرْبى، ويَقُولُ: لِمَن تَراهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِقُرْبى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَسَمَهُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ كانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ عَرْضًا رَأيْناهُ دُونَ حَقِّنا فَرَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ وأبَيْنا أنْ نَقْبَلَهُ، وكانَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعِينَ ناكِحَهم وأنْ يَقْضِيَ عَنْ غارِمِهِمْ وأنْ يُعْطِيَ فَقِيرَهم وأبى أنْ يَزِيدَهم عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَغِبْتُ لَكم عَنْ غُسالَةِ الأيْدِي؛ لِأنَّ لَكم في خُمُسِ الخُمُسِ ما يَكْفِيكم أوْ يُغْنِيكم.
رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمِ بْنِ مَهْدِيٍّ المِصِّيصِيِّ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنُ الإسْنادِ، وإبْراهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذا وثَّقَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: يَأْتِي بِمَناكِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، قالَ: فَمَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَتّى دَخَلْنا عَلَيْهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ إخْوانُكَ مِن بَنِي هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مَن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم دُونَنا فَإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ في النَّسَبِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ» .
وقَدْ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أُعْطُوا الخُمُسَ: آلُ عَلِيٍّ، وآلُ العَبّاسِ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقِيلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ واحِدٌ مِنَ المَغْنَمِ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ، إمّا خادِمٌ وإمّا فَرَسٌ، ثُمَّ يُصِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ألا ولَّيْتَنِي ما خَصَّنا اللَّهُ بِهِ مِنَ الخُمُسِ ؟ فَوَلّانِيهِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ قالَ: «ولّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَواضِعَهُ حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وبَدْرٌ ما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كانَتْ لَيْلَةُ الفُرْقانِ لَيْلَةَ التَقى الجَمْعانِ في صَبِيحَتِها لَيْلَةُ الجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: العُدْوَةِ الدُّنْيا شاطِئُ الوادِي ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العُدْوَةُ الدُّنْيا شَفِيرُ الوادِي الأدْنى، والعُدْوَةُ القُصْوى شَفِيرُ الوادِي الأقْصى.
الأنفال 8:43
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:44
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:45
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:46
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:47
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:48
إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ (p-٥٤٣)إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ لِيَلُفَّ بَيْنَهُمُ الحَرْبَ لِلنِّقْمَةِ مِمَّنْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهُ، والإنْعامِ عَلى مَن أرادَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ مَن أهْلِ وِلايَتِهِ.
الأنفال 8:49
قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ اللِّقاءُ الحَرْبُ، والفِئَةُ الجَماعَةُ، أيْ إذا حارَبْتُمْ جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ فاثْبُتُوا لَهم ولا تَجْبُنُوا عَنْهم، وهَذا لا يُنافِي الرُّخْصَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ ( الأنْفالِ: ١٦ ) فَإنَّ الأمْرَ بِالثَّباتِ هو في حال السِّعَةِ، والرُّخْصَةُ هي في حالِ الضَّرُورَةِ.
وقَدْ لا يَحْصُلُ الثَّباتُ إلّا بِالتَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ جَزَعِ قُلُوبِكم فَإنَّ ذِكْرَهُ يُعِينُ عَلى الثَّباتِ في الشَّدائِدِ، وقِيلَ: المَعْنى: اثْبُتُوا بِقُلُوبِكم واذْكُرُوا بِألْسِنَتِكم فَإنَّ القَلْبَ قَدْ يَسْكُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ ويَضْطَرِبُ اللِّسانُ، فَأمَرَهم بِالذِّكْرِ حَتّى يَجْتَمِعَ ثَباتُ القَلْبِ واللِّسانِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ في هَذِهِ الحالَةِ بِما قالَهُ أصْحابُ طالُوتَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٥٠ ) .
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الذِّكْرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، حَتّى في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تَرْجُفُ فِيها القُلُوبُ وتَزِيغُ عِنْدَها البَصائِرُ.
ثُمَّ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فِيما يُرْشِدُهم إلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّنازُعِ وهو الِاخْتِلافُ في الرَّأْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الفَشَلُ، وهو الجُبْنُ في الحَرْبِ.
والفاءُ جَوابُ النَّهْي، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ " أنْ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَعْطُوفًا عَلى تَنازَعُوا مَجْزُومًا بِجازِمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قُرِئَ بِنَصْبِ الفِعْلِ، وجَزْمِهِ عَطْفًا عَلى تَفْشَلُوا عَلى الوَجْهَيْنِ، والرِّيحُ: القُوَّةُ والنَّصْرُ، كَما يُقالُ: الرِّيحُ لِفُلانٍ إذا كانَ غالِبًا في الأمْرِ، وقِيلَ: الرِّيحُ الدَّوْلَةُ شُبِّهَتْ في نُفُوذِ أمْرِها بِالرِّيحِ في هُبُوبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنَمَها فَعُقْبى كُلِّ خافِقَةٍ سُكُونُ
وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيحِ رِيحُ الصَّبا؛ لِأنَّ بِها كانَ يَنْصُرُ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ في كُلِّ أمْرٍ يَنْبَغِي الصَّبْرُ فِيهِ، ويا حَبَّذا هَذِهِ المَعِيَّةُ الَّتِي لا يَغْلِبُ مَن رُزِقَها غالِبٌ، ولا يُؤْتى صاحِبُها مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً.
ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ تَكُونَ حالَتُهم كَحالَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِيَحْفَظُوا العِيرَ الَّتِي مَعَ أبِي سُفْيانَ ومَعَهُمُ القِيانُ والمَعازِفُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجُحْفَةَ بَلَغَهم أنَّ العِيرَ قَدْ نَجَتْ وسَلِمَتْ، فَلَمْ يَرْجِعُوا بَلْ قالُوا: لا بُدَّ لَهم مِنَ الوُصُولِ إلى بَدْرٍ؛ لِيَشْرَبُوا الخَمْرَ، وتُغْنِيَ لَهُمُ القِيانُ، وتَسْمَعَ العَرَبُ بِمَخْرَجِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهم بَطَرًا وأشَرًا وطَلَبًا لِلثَّناءِ مِنَ النّاسِ، ولِلتَّمَدُّحِ إلَيْهِمْ والفَخْرِ عِنْدَهم، وهو الرِّياءُ، قِيلَ: والبَطَرُ في اللُّغَةِ: التَّقَوِّي بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ خَرَجُوا بَطِرِينَ مُرائِينَ وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ وكَذا " رِياءً ": أيْ خَرَجُوا لِلْبَطَرِ والرِّياءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَطَرًا "، والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ: أيْ خَرَجُوا بَطِرِينَ مُرائِينَ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أوْ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والصَّدُّ: إضْلالُ النّاسِ والحَيْلُولَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ طُرُقِ الهِدايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ويَصُدُّونَ مَعْطُوفًا عَلى يَخْرُجُونَ، والمَعْنى: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الخُرُوجِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ والصَّدِّ ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ (p-٥٤٤)مِن أعْمالِهِمْ خافِيَةٌ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْها.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم، والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الشَّيْطانَ تَمَثَّلَ لَهم وقالَ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ وهي: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم﴾ أيْ مُجِيرٌ لَكم مَن كُلِّ عَدُوٍّ أوْ مَن بَنِي كِنانَةَ، ومَعْنى الجارِ هُنا: الدّافِعُ عَنْ صاحِبِهِ أنْواعَ الضَّرَرِ كَما يَدْفَعُ الجارُ عَنِ الجارِ، وكانَ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ، وهو مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَخافُ مِن بَنِي بَكْرٍ أنْ يَأْتُوهم مِن ورائِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ ألْقى في رُوعِهِمْ هَذِهِ المَقالَةَ، وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ فِئَةُ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ رَجَعَ القَهْقَرى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَيْسَ النُّكُوصُ عَلى الأعْقابِ مُكْرُمَةً ∗∗∗ إنَّ المَكارِمَ إقْدامٌ عَلى الأمَلِ
وقَوْلُ الآخَرُ:
؎وما نَفَعَ المُسْتَأْخِرِينَ نُكُوصُهم ∗∗∗ ولا ضَرَّ أهْلَ السّابِقاتِ التَّقَدُّمُ
وقِيلَ: مَعْنى نَكَصَ هاهُنا: بَطَلَ كَيْدُهُ وذَهَبَ ما خَيَّلَهُ ﴿وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ تَبَرَّأ مِنهم لَمّا رَأى أماراتِ النَّصْرِ مَعَ المُسْلِمِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ لَهم بِالمَلائِكَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، ثُمَّ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ قِيلَ: خافَ أنْ يُصابَ بِمَكْرُوهٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا الوَقْعَةَ، وقِيلَ: إنَّ دَعْوى الخَوْفِ كَذِبٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ رَأى أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهُ ولا لِلْمُشْرِكِينَ فاعْتَلَّ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " نَكَصَ " أوْ بِـ " زَيَّنَ " أوْ بِـ " شَدِيدُ العِقابِ "، قِيلَ: المُنافِقُونَ هُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وأبْطَنُوا الكُفْرَ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ الشّاكُّونَ مِن غَيْرِ نِفاقٍ بَلْ لِكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ فَوافَقُوا المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ المَقالَةِ، أعْنِي ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ أي المُسْلِمِينَ ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَكَلَّفُوا ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ مِن قِتالِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُشْرِكُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ السّاكِنُونَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها، وأنَّهم هم والمُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ خُرُوجِ المُسْلِمِينَ إلى بَدْرٍ لَمّا رَأوْهم في قِلَّةٍ مِنَ العَدَدِ وضَعْفٍ مِنَ العُدَدِ، فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، ولا يُذِلُّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ حَكِيمٌ لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي تَقْصُرُ عِنْدَها العُقُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ قالَ: افْتَرَضَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ أشْغَلِ ما يَكُونُونَ: عِنْدَ الضِّرابِ بِالسُّيُوفِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثِنْتانِ لا يُرَدّانِ: الدُّعاءُ عِنْدَ النِّداءِ وعِنْدَ البَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَكْرَهُ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتالِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم﴾ يَقُولُ: لا تَخْتَلِفُوا فَتَجْبُنُوا ويَذْهَبُ نَصْرُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قالَ: نَصْرُكم، وقَدْ ذَهَبَ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ حِينَ نازَعُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَمّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ خَرَجُوا بِالقِيانِ والدُّفُوفِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ قاتَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجُوا ولَهم بَغْيٌ وفَخْرٌ، وقَدْ قِيلَ: لَهم يَوْمَئِذٍ ارْجِعُوا فَقَدِ انْطَلَقَتْ عِيرُكم وقَدْ ظَفِرْتُمْ فَقالُوا: لا واللَّهِ حَتّى يَتَحَدَّثَ أهْلُ الحِجازِ» بِمَسِيرِنا وعَدَدِنا، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها لِتُجادِلَ رَسُولَكَ وذُكِرَ لَنا أنَّهُ قالَ يَوْمَئِذٍ: «جاءَتْ مِن مَكَّةَ أفْلاذُها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: جاءَ إبْلِيسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ ومَعَهُ رايَةٌ في صُورَةِ رِجالٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، والشَّيْطانُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ فَقالَ الشَّيْطانُ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم﴾ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلى إبْلِيسَ فَلَمّا رَآهُ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَزَعَ إبْلِيسُ يَدَهُ ووَلّى مُدْبِرًا وشِيعَتُهُ فَقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةُ إنَّكَ جارٌ لَنا فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وذَلِكَ حِينَ رَأى المَلائِكَةَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾، قالَ ولَمّا دَنا القَوْمُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ قَلَّلَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ وقَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ فَقالَ المُشْرِكُونَ: وما هَؤُلاءِ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مِن قِلَّتِهِمْ في أعْيُنِهِمْ وظَنُّوا أنَّهم سَيَهْزِمُونَهم لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الأنْصارِيِّ قالَ: لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هاشِمٍ وهو يَظُنُّ أنَّهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارِثِ فَألْقاهُ ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظِرَتَكَ إيّايَ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ تَنْزِلُ مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ أنَّهُ لا يَدانِ لَهُ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ ما بِهِ (p-٥٤٥)مَخافَةُ اللَّهِ، ولَكِنْ عَلِمَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِ ولا مَنَعَةَ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: ذَكَرُوا أنَّهم أقْبَلُوا عَلى سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ قالَ: وهم يَوْمَئِذٍ في المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا القِتالَ يَوْمَ بَدْرٍ فَسُمُّوا مُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا أقَرُّوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوُا المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، نَحْوَهُ.
الأنفال 8:50
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) .
قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ والأخْلاقِ بِكُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ وغَمْطِ إحْسانِهِ وإهْمالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ كَما كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، ومِن قُرَيْشٍ ومَن يُماثِلُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ فَتَحَ لَهم أبْوابَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقابَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالكُفْرِ فاسْتَحَقُّوا تَغْيِيرَ النِّعَمِ كَما غَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ سُلُوكُهُ والعَمَلُ بِهِ مِن شُكْرِها وقَبُولِها، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخِلَةٌ مَعَها في التَّعْلِيلِ: أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَهُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مَعَ زِيادَةِ أنَّهُ كالبَيانِ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ بِأنَّهُ كانَ بِالإغْراقِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ ما فَعَلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ومَن شُبِّهَ بِهِمْ، والثّانِي بِاعْتِبارٍ ما فُعِلَ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ كُفْرُهم بِاللَّهِ، وبِالثّانِي تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، والكَلامُ في أهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ كالكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " أهْلَكْناهم " عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِفَظاعَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أشَدِّ أنْواعِ الإهْلاكِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ومِن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ، بِما تَسَبَّبُوا بِهِ لِعَذابِ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورُسُلِهِ وبِالظُّلْمِ لِغَيْرِهِمْ، كَما كانَ يَجْرِي مِنهم في مُعامَلاتِهِمْ لِلنّاسِ بِأنْواعِ الظُّلْمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ (p-٥٤٦)رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأيْتُ بِظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشَّوْكِ قالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم، ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.