Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنفال 8:51 – التوبة 9:21

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأنفال 8:51
  2. الأنفال 8:52
  3. الأنفال 8:53
  4. الأنفال 8:54
  5. الأنفال 8:55
  6. الأنفال 8:56
  7. الأنفال 8:57
  8. الأنفال 8:58
  9. الأنفال 8:59
  10. الأنفال 8:60
  11. الأنفال 8:61
  12. الأنفال 8:62
  13. الأنفال 8:63
  14. الأنفال 8:64
  15. الأنفال 8:65
  16. الأنفال 8:66
  17. الأنفال 8:67
  18. الأنفال 8:68
  19. الأنفال 8:69
  20. الأنفال 8:70
  21. الأنفال 8:71
  22. الأنفال 8:72
  23. الأنفال 8:73
  24. الأنفال 8:74
  25. الأنفال 8:75
  26. التوبة 9:1
  27. التوبة 9:2
  28. التوبة 9:3
  29. التوبة 9:4
  30. التوبة 9:5
  31. التوبة 9:6
  32. التوبة 9:7
  33. التوبة 9:8
  34. التوبة 9:9
  35. التوبة 9:10
  36. التوبة 9:11
  37. التوبة 9:12
  38. التوبة 9:13
  39. التوبة 9:14
  40. التوبة 9:15
  41. التوبة 9:16
  42. التوبة 9:17
  43. التوبة 9:18
  44. التوبة 9:19
  45. التوبة 9:20
  46. التوبة 9:21

الأنفال 8:51

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) . قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ والأخْلاقِ بِكُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ وغَمْطِ إحْسانِهِ وإهْمالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ كَما كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، ومِن قُرَيْشٍ ومَن يُماثِلُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ فَتَحَ لَهم أبْوابَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقابَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالكُفْرِ فاسْتَحَقُّوا تَغْيِيرَ النِّعَمِ كَما غَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ سُلُوكُهُ والعَمَلُ بِهِ مِن شُكْرِها وقَبُولِها، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخِلَةٌ مَعَها في التَّعْلِيلِ: أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَهُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مَعَ زِيادَةِ أنَّهُ كالبَيانِ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ بِأنَّهُ كانَ بِالإغْراقِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ ما فَعَلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ومَن شُبِّهَ بِهِمْ، والثّانِي بِاعْتِبارٍ ما فُعِلَ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ كُفْرُهم بِاللَّهِ، وبِالثّانِي تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، والكَلامُ في أهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ كالكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " أهْلَكْناهم " عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِفَظاعَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أشَدِّ أنْواعِ الإهْلاكِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ومِن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ، بِما تَسَبَّبُوا بِهِ لِعَذابِ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورُسُلِهِ وبِالظُّلْمِ لِغَيْرِهِمْ، كَما كانَ يَجْرِي مِنهم في مُعامَلاتِهِمْ لِلنّاسِ بِأنْواعِ الظُّلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ (p-٥٤٦)رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأيْتُ بِظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشَّوْكِ قالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ» وهَذا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم، ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.

الأنفال 8:52

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) . قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ والأخْلاقِ بِكُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ وغَمْطِ إحْسانِهِ وإهْمالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ كَما كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، ومِن قُرَيْشٍ ومَن يُماثِلُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ فَتَحَ لَهم أبْوابَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقابَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالكُفْرِ فاسْتَحَقُّوا تَغْيِيرَ النِّعَمِ كَما غَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ سُلُوكُهُ والعَمَلُ بِهِ مِن شُكْرِها وقَبُولِها، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخِلَةٌ مَعَها في التَّعْلِيلِ: أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَهُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مَعَ زِيادَةِ أنَّهُ كالبَيانِ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ بِأنَّهُ كانَ بِالإغْراقِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ ما فَعَلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ومَن شُبِّهَ بِهِمْ، والثّانِي بِاعْتِبارٍ ما فُعِلَ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ كُفْرُهم بِاللَّهِ، وبِالثّانِي تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، والكَلامُ في أهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ كالكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " أهْلَكْناهم " عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِفَظاعَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أشَدِّ أنْواعِ الإهْلاكِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ومِن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ، بِما تَسَبَّبُوا بِهِ لِعَذابِ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورُسُلِهِ وبِالظُّلْمِ لِغَيْرِهِمْ، كَما كانَ يَجْرِي مِنهم في مُعامَلاتِهِمْ لِلنّاسِ بِأنْواعِ الظُّلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ (p-٥٤٦)رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأيْتُ بِظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشَّوْكِ قالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ» وهَذا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم، ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.

الأنفال 8:53

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) . قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ والأخْلاقِ بِكُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ وغَمْطِ إحْسانِهِ وإهْمالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ كَما كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، ومِن قُرَيْشٍ ومَن يُماثِلُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ فَتَحَ لَهم أبْوابَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقابَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالكُفْرِ فاسْتَحَقُّوا تَغْيِيرَ النِّعَمِ كَما غَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ سُلُوكُهُ والعَمَلُ بِهِ مِن شُكْرِها وقَبُولِها، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخِلَةٌ مَعَها في التَّعْلِيلِ: أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَهُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مَعَ زِيادَةِ أنَّهُ كالبَيانِ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ بِأنَّهُ كانَ بِالإغْراقِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ ما فَعَلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ومَن شُبِّهَ بِهِمْ، والثّانِي بِاعْتِبارٍ ما فُعِلَ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ كُفْرُهم بِاللَّهِ، وبِالثّانِي تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، والكَلامُ في أهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ كالكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " أهْلَكْناهم " عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِفَظاعَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أشَدِّ أنْواعِ الإهْلاكِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ومِن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ، بِما تَسَبَّبُوا بِهِ لِعَذابِ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورُسُلِهِ وبِالظُّلْمِ لِغَيْرِهِمْ، كَما كانَ يَجْرِي مِنهم في مُعامَلاتِهِمْ لِلنّاسِ بِأنْواعِ الظُّلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ (p-٥٤٦)رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأيْتُ بِظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشَّوْكِ قالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ» وهَذا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم، ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.

الأنفال 8:54

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) . قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُ بِها عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأحْوالِ والأخْلاقِ بِكُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ وغَمْطِ إحْسانِهِ وإهْمالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ كَما كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، ومِن قُرَيْشٍ ومَن يُماثِلُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ فَتَحَ لَهم أبْوابَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، فَقابَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالكُفْرِ فاسْتَحَقُّوا تَغْيِيرَ النِّعَمِ كَما غَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ سُلُوكُهُ والعَمَلُ بِهِ مِن شُكْرِها وقَبُولِها، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخِلَةٌ مَعَها في التَّعْلِيلِ: أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ، وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَهُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مَعَ زِيادَةِ أنَّهُ كالبَيانِ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ بِأنَّهُ كانَ بِالإغْراقِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ ما فَعَلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ومَن شُبِّهَ بِهِمْ، والثّانِي بِاعْتِبارٍ ما فُعِلَ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ كُفْرُهم بِاللَّهِ، وبِالثّانِي تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ، والكَلامُ في أهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ كالكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " أهْلَكْناهم " عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِفَظاعَتِهِ وكَوْنِهِ مِن أشَدِّ أنْواعِ الإهْلاكِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ومِن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ، بِما تَسَبَّبُوا بِهِ لِعَذابِ اللَّهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورُسُلِهِ وبِالظُّلْمِ لِغَيْرِهِمْ، كَما كانَ يَجْرِي مِنهم في مُعامَلاتِهِمْ لِلنّاسِ بِأنْواعِ الظُّلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ (p-٥٤٦)رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأيْتُ بِظَهْرِ أبِي جَهْلٍ مِثْلَ الشَّوْكِ قالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ المَلائِكَةِ» وهَذا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم، ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الأنْصارِ.

الأنفال 8:55

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:56

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:57

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:58

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:59

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:60

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمادُّونَ في الضَّلالِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، ولا يَرْجِعُونَ عَنِ الغَوايَةِ أصْلًا، وجَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ إيماءً إلى انْسِلاخِهِمْ عَنِ الإنْسانِيَّةِ ودُخُولِهِمْ في جِنْسٍ غَيْرِ النّاسِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ لِما فِيهِ رَشادُهم. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم: أيْ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم ثُمَّ هم ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الَّذِي عاهَدْتُمْ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، والحالُ أنّ " هم لا يَتَّقُونَ " النَّقْضَ ولا يَخافُونَ عاقِبَتَهُ ولا يَتَجَنَّبُونَ أسْبابَهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " في قَوْلِهِ: " مِنهم " لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولُ عاهَدْتَ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم، وهم بَعْضُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ: يَعْنِي الأشْرافَ مِنهم، وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو " ثُمَّ يَنْقُضُونَ " عَلى الماضِي، وهو " عاهَدْتَ " لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّقْضِ مِنهم، وهَؤُلاءِ هم قُرَيْظَةُ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يُعِينُوا الكُفّارَ فَلَمْ يَفُوا بِذَلِكَ كَما سَيَأْتِي. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ أيْ فَإمّا تُصادِفْنَّهم في ثِقافٍ وتَلْقاهم في حالَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيها وتَتَمَكَّنُ مِن غَلَبِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ فَفَرِّقْ بِقَتْلِهِمْ، والتَّنْكِيلِ بِهِمْ مَن خَلْفَهم مِنَ المُحارِبِينَ لَكَ مَن أهْلِ الشِّرْكِ؛ حَتّى يَهابُوا جانِبَكَ، ويَكُفُّوا عَنْ حَرْبِكَ مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِهَؤُلاءِ. والثِّقافُ في أصْلِ اللُّغَةِ: ما يُشَدُّ بِهِ القَناةُ أوْ نَحْوُها ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎تَدْعُو قُعَيْبًا وقَدْ غَصَّ الحَدِيدُ بِها غَصَّ الثِّقافِ عَلى ضَمِّ الأنابِيبِ يُقالُ: ثَقَفْتُهُ: وجَدْتُهُ، وفُلانٌ ثَقِفٌ: سَرِيعُ الوُجُودِ لِما يُحاوِلُهُ، والتَّشْرِيدُ: التَّفْرِيقُ مَعَ الِاضْطِرابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ سَمِّعْ بِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم، يُقالُ: شَرَّدْتُ بَنِي فُلانٍ: قَلَعْتُهم عَنْ مَواضِعِهِمْ وطَرَدْتُهم عَنْها حَتّى فارَقُوها. قالَ الشّاعِرُ: ؎أطُوفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَنِي حَكِيمٌ ومِنهُ شَرَدَ البَعِيرُ: إذا فارَقَ صاحِبَهُ، ورُوِيَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ( فَشَرِّذْ بِهِمْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: التَّشْرِيذُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ هو التَّنْكِيلُ، وبِالمُهْمَلَةِ هو التَّفْرِيقُ. وقالَ المَهْدِيُّ: الذّالُ المُعْجَمَةُ لا وجْهَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الدّالِ المُهْمَلَةِ لِتَقارُبِهِما. قالَ: ولا يُعْرَفُ " فَشَرِّدْ " في اللُّغَةِ، وقُرِئَ " مِن خَلْفِهِمْ " بِكَسْرِ المِيمِ والفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أيْ غِشًّا ونَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنَ القَوْمِ المُعاهِدِينَ ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم عَلى سَواءٍ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوِيَةٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخْبِرُهم إخْبارًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ ولا يُناجِزُهُمُ الحَرْبَ بَغْتَةً، وقِيلَ: مَعْنى عَلى سَواءٍ عَلى وجْهٍ يَسْتَوِي في العِلْمِ بِالنَّقْضِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ تَسْتَوِي أنْتَ وهم فِيهِ، قالَ الكِسائِيُّ: السَّواءُ العَدْلُ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوَسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ( الصّافّاتِ: ٥٥ )، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدَّرِ الأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى سَواءِ وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ عَلى جَهْرٍ لا عَلى سِرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مُعاهِدٍ يُخافُ مِن وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ أنَّ أمْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُهُ بِما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَن يَخافُ مِنهُ خِيانَةً، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُناجَزَةِ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى القَوْمِ الَّذِينَ تُخافُ مِنهُمُ الخِيانَةُ. قَوْلُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ، وحَفْصٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ مِن فَوْقُ. فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى يَكُونُ " الَّذِينَ كَفَّرُوا " فاعِلَ الحُسْبانِ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا: أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم، ومَفْعُولُهُ الثّانِي " سَبَقُوا " ومَعْناهُ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ. وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ " الَّذِينَ كَفَرُوا "، والثّانِي " سَبَقُوا "، وقُرِئَ " إنَّهم سَبَقُوا " وقُرِئَ " يَحْسِبَنَّ " بِكَسْرِ السِّينِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، أيْ إنَّهم لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أنَّهم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ (p-٥٤٧)تَعْلِيلِيَّةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أفْلَتَ مِن وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم وإنْ أفْلَتُوا مِن هَذِهِ الوَقْعَةِ ونَجَوْا فَإنَّهم لا يُعْجِزُونَ، بَلْ هم واقِعُونَ في عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ. وقَدْ زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم أبُو حاتِمٍ، أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ " يَحْسَبَنَّ " بِالتَّحْتِيَّةِ لَحْنٌ، لا تَحِلُّ القِراءَةَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ " لِ " يَحْسَبَنَّ " بِمَفْعُولٍ، وهو يَحْتاجُ إلى مَفْعُولَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا تَحامُلٌ شَدِيدٌ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: ولا يَحْسَبَنَّ مَن خَلْفِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ القِراءَةَ بِالتّاءِ أبْيَنُ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: يَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلًا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا. قالَ مَكِّيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ مَعَ سَبَقُوا " أنْ " فَتَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، فَهو مِثْلُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ٢ ) في سَدِّ " أنْ " مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. ثُمَّ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْدادِ القُوَّةِ لِلْأعْداءِ، والقُوَّةُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ، ومِن ذَلِكَ السِّلاحُ والقِسِيُّ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وقِيلَ: هي الحُصُونُ، والمَصِيرُ إلى التَّفْسِيرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيْوَةَ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَكُتُبٍ: جَمْعِ كِتابٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: الرِّباطُ مِنَ الخَيْلِ الخَمْسُ فَما فَوْقَها، وهي الخَيْلُ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِإزاءِ العَدُوِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ∗∗∗ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفَّقِ قالَ في الكَشّافِ: والرِّباطُ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تَرْبُطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِالرِّباطِ الَّذِي هو بِمَعْنى المُرابَطَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ انْتَهى. ومَن فَسَّرَ القُوَّةَ بِكُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ جَعْلَ عَطْفَ الخَيْلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّرْهِيبُ: التَّخْوِيفُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى ما في ما اسْتَطَعْتُمْ أوْ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿وأعِدُّوا﴾ وهو الإعْدادُ. والمُرادُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وعَدُوِّهِمْ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ "، ومَعْنى مِن دُونِهِمْ: مِن غَيْرِهِمْ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، وقِيلَ: الجِنُّ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآخَرِينَ مَن غَيْرِهِمْ كُلُّ مَن لا تُعْرَفُ عَداوَتُهُ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ. وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ خاصَّةً، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأوْلى الوَقْفُ في تَعْيِينِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في الجِهادِ وإنْ كانَ يَسِيرًا حَقًّا ﴿يُوَفَّ إلَيْكم﴾ جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ كَما قَرَّرْناهُ سابِقًا ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ النَّفَقَةِ الَّتِي تُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ: أيْ مِن ثَوابِها بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلَيْكم وافِيًا وافِرًا كامِلًا: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ ) ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) . وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ فِيهِمُ ابْنُ تابُوتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْداءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أخِفْهم بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُونَ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ، وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قالَ: لا يَفُوتُونا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ الإناثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: القُوَّةُ الحُصُونُ، و﴿مِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم. وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ الرَّمْيِ وما فِيهِ مِنَ الأجْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وكَذَلِكَ ورَدَ في اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ الخَيْلِ وإعْدادِها وكَثْرَةِ ثَوابِ صاحِبِها أحادِيثُ لا يَتَّسِعُ المَقامُ لِبَسْطِها. وقَدْ أفْرَدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِمُصَنَّفاتٍ.

الأنفال 8:61

(p-٥٤٨)الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ. قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) . وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى أنَّ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ والعَداوَةِ قَدْ بَلَغَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولَوْ أنْفَقَ الطّالِبُ لَهُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ، لَمْ يَتِمَّ لَهُ ما طَلَبَهُ مِنَ التَّأْلِيفِ؛ لِأنَّ أمْرَهم في ذَلِكَ قَدْ تَفاقَمَ جِدًّا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ إنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، ولا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ حَكِيمٌ في تَدْبِيرِهِ ونُفُوذِ نَهْيِهِ وأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ نَسَخَتْها ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السَّلْمُ الطّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ رَضُوا فارْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: إنْ أرادُوا الصُّلْحَ فَأرِدْهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٢٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: بِالأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أنا اللَّهُ وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، ومُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي أيَّدْتُهُ بِعِلْمِي، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَرابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ، ومِنَّةُ المُنْعِمِ تُكْفَرُ، ولَمْ نَرَ مِثْلَ تَقارُبِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ، ولَيْسَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ مَعَ أنَّ الواقِعَ قَبْلَها ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ والواقِعَ بَعْدَها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٤ ) (p-٥٤٩)ومَعَ كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّأْلِيفَ المَذْكُورَ هو بَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ .

الأنفال 8:62

(p-٥٤٨)الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ. قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) . وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى أنَّ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ والعَداوَةِ قَدْ بَلَغَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولَوْ أنْفَقَ الطّالِبُ لَهُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ، لَمْ يَتِمَّ لَهُ ما طَلَبَهُ مِنَ التَّأْلِيفِ؛ لِأنَّ أمْرَهم في ذَلِكَ قَدْ تَفاقَمَ جِدًّا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ إنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، ولا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ حَكِيمٌ في تَدْبِيرِهِ ونُفُوذِ نَهْيِهِ وأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ نَسَخَتْها ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السَّلْمُ الطّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ رَضُوا فارْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: إنْ أرادُوا الصُّلْحَ فَأرِدْهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٢٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: بِالأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أنا اللَّهُ وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، ومُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي أيَّدْتُهُ بِعِلْمِي، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَرابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ، ومِنَّةُ المُنْعِمِ تُكْفَرُ، ولَمْ نَرَ مِثْلَ تَقارُبِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ، ولَيْسَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ مَعَ أنَّ الواقِعَ قَبْلَها ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ والواقِعَ بَعْدَها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٤ ) (p-٥٤٩)ومَعَ كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّأْلِيفَ المَذْكُورَ هو بَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ .

الأنفال 8:63

(p-٥٤٨)الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ. قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها. وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) . وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ. ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى أنَّ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ والعَداوَةِ قَدْ بَلَغَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولَوْ أنْفَقَ الطّالِبُ لَهُ جَمِيعَ ما في الأرْضِ، لَمْ يَتِمَّ لَهُ ما طَلَبَهُ مِنَ التَّأْلِيفِ؛ لِأنَّ أمْرَهم في ذَلِكَ قَدْ تَفاقَمَ جِدًّا ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ إنَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ، ولا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ حَكِيمٌ في تَدْبِيرِهِ ونُفُوذِ نَهْيِهِ وأمْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ نَسَخَتْها ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السَّلْمُ الطّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ رَضُوا فارْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: إنْ أرادُوا الصُّلْحَ فَأرِدْهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٢٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: بِالأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أنا اللَّهُ وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، ومُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي أيَّدْتُهُ بِعِلْمِي، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَرابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ، ومِنَّةُ المُنْعِمِ تُكْفَرُ، ولَمْ نَرَ مِثْلَ تَقارُبِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ، ولَيْسَ في هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، ولَكِنَّ الشَّأْنَ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ مَعَ أنَّ الواقِعَ قَبْلَها ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ والواقِعَ بَعْدَها ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٤ ) (p-٥٤٩)ومَعَ كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّأْلِيفَ المَذْكُورَ هو بَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ .

الأنفال 8:64

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ. قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ. قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا﴾ أيْ إنَّ هَذا الغَلَبَ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ فِقْهِهِمْ، وأنَّهم يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو مَغْلُوبٌ في الغالِبِ. وقَدْ قِيلَ: في نُكْتَةِ التَّنْصِيصِ عَلى غَلَبِ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ، والمِائَةِ لِلْألْفِ أنَّ سَراياهُ الَّتِي كانَ بَعَثَها ﷺ كانَ لا يَنْقُصُ عَدَدُها عَنِ العِشْرِينَ ولا يُجاوِزُ المِائَةَ، وقِيلَ: في التَّنْصِيصِ فِيما بَعْدُ ذَلِكَ عَلى غَلَبِ المِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ والألِفِ لِلْألْفَيْنِ عَلى أنَّهُ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ عَساكِرَ الإسْلامِ سَيُجاوِزُ عَدَدُها العَشَراتِ والمِئاتِ إلى الأُلُوفِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الغَلَبَ هو بِإذْنِ اللَّهِ وتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ لا بِقُوَّتِهِمْ وجَلادَتِهِمْ، ثُمَّ بَشَّرَهم بِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ إلى الصَّبْرِ، والتَّأْكِيدُ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِهِ والتَّوْصِيَةِ بِهِ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ النَّجاحِ والفَلاحِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لِأحَدٍ أنْ يَغْلِبَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذا التَّخْفِيفُ نَسْخٌ أمْ لا ؟ ولا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ القَوْمُ مِنّا اليَوْمَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وامْرَأةٌ، ثُمَّ إنْ عُمَرَ أسْلَمَ صارُوا أرْبَعِينَ فَنَزَلَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ وسِتُّ نِسْوَةٍ ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، وأنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ قالَ سُفْيانُ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا، (p-٥٥٠)إنْ كانا رَجُلَيْنِ أمَرَهُما وإنْ كانُوا ثَلاثَةً فَهو في سِعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.

الأنفال 8:65

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ. قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ. قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا﴾ أيْ إنَّ هَذا الغَلَبَ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ فِقْهِهِمْ، وأنَّهم يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو مَغْلُوبٌ في الغالِبِ. وقَدْ قِيلَ: في نُكْتَةِ التَّنْصِيصِ عَلى غَلَبِ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ، والمِائَةِ لِلْألْفِ أنَّ سَراياهُ الَّتِي كانَ بَعَثَها ﷺ كانَ لا يَنْقُصُ عَدَدُها عَنِ العِشْرِينَ ولا يُجاوِزُ المِائَةَ، وقِيلَ: في التَّنْصِيصِ فِيما بَعْدُ ذَلِكَ عَلى غَلَبِ المِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ والألِفِ لِلْألْفَيْنِ عَلى أنَّهُ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ عَساكِرَ الإسْلامِ سَيُجاوِزُ عَدَدُها العَشَراتِ والمِئاتِ إلى الأُلُوفِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الغَلَبَ هو بِإذْنِ اللَّهِ وتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ لا بِقُوَّتِهِمْ وجَلادَتِهِمْ، ثُمَّ بَشَّرَهم بِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ إلى الصَّبْرِ، والتَّأْكِيدُ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِهِ والتَّوْصِيَةِ بِهِ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ النَّجاحِ والفَلاحِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لِأحَدٍ أنْ يَغْلِبَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذا التَّخْفِيفُ نَسْخٌ أمْ لا ؟ ولا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ القَوْمُ مِنّا اليَوْمَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وامْرَأةٌ، ثُمَّ إنْ عُمَرَ أسْلَمَ صارُوا أرْبَعِينَ فَنَزَلَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ وسِتُّ نِسْوَةٍ ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، وأنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ قالَ سُفْيانُ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا، (p-٥٥٠)إنْ كانا رَجُلَيْنِ أمَرَهُما وإنْ كانُوا ثَلاثَةً فَهو في سِعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.

الأنفال 8:66

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ. قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ. قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا﴾ أيْ إنَّ هَذا الغَلَبَ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ فِقْهِهِمْ، وأنَّهم يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو مَغْلُوبٌ في الغالِبِ. وقَدْ قِيلَ: في نُكْتَةِ التَّنْصِيصِ عَلى غَلَبِ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ، والمِائَةِ لِلْألْفِ أنَّ سَراياهُ الَّتِي كانَ بَعَثَها ﷺ كانَ لا يَنْقُصُ عَدَدُها عَنِ العِشْرِينَ ولا يُجاوِزُ المِائَةَ، وقِيلَ: في التَّنْصِيصِ فِيما بَعْدُ ذَلِكَ عَلى غَلَبِ المِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ والألِفِ لِلْألْفَيْنِ عَلى أنَّهُ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ عَساكِرَ الإسْلامِ سَيُجاوِزُ عَدَدُها العَشَراتِ والمِئاتِ إلى الأُلُوفِ. ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الغَلَبَ هو بِإذْنِ اللَّهِ وتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ لا بِقُوَّتِهِمْ وجَلادَتِهِمْ، ثُمَّ بَشَّرَهم بِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ إلى الصَّبْرِ، والتَّأْكِيدُ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِهِ والتَّوْصِيَةِ بِهِ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ النَّجاحِ والفَلاحِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لِأحَدٍ أنْ يَغْلِبَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذا التَّخْفِيفُ نَسْخٌ أمْ لا ؟ ولا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ القَوْمُ مِنّا اليَوْمَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وامْرَأةٌ، ثُمَّ إنْ عُمَرَ أسْلَمَ صارُوا أرْبَعِينَ فَنَزَلَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ وسِتُّ نِسْوَةٍ ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، وأنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ قالَ سُفْيانُ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا، (p-٥٥٠)إنْ كانا رَجُلَيْنِ أمَرَهُما وإنْ كانُوا ثَلاثَةً فَهو في سِعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.

الأنفال 8:67

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ. ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ. ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى: ؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا. والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ. فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ. أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ. وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم. القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) . القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا. القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ. وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اتْرُكُوا الفِداءَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ مِن غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الفِداءِ، أيْ كُلُوا مِنَ الفِداءِ الَّذِي غَنِمْتُمْ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَكم وحَلالًا طَيِّبًا مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ أوْ صِفَةِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ أكْلًا حَلالًا طَيِّبًا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ فَلا تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَكم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنكم رَحِيمٌ بِكم؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في أخْذِ الفِداءِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنِ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهم، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَعَفا عَنْهم وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى وفِيهِمُ العَبّاسُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وأهْلُكَ فاسْتَبْقِهم لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا، فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ قَوْمٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( إبْراهِيمَ: ٣٦ ) (p-٥٥١)ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ( المائِدَةِ: ١١٨ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ( نُوحٍ: ٢٦ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ( يُونُسَ: ٨٨ ) أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ أحَدٌ مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ، واسْتَشْهَدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ، فَكانَ آخِرُ السَبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ اسْتَشْهَدَ بِاليَمامَةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في مُصَنَّفِهِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُبَيْدَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أسَرَهُ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ، وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ فَقالَ: أرْسِلُوا العَبّاسَ، فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا ؟، قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ، فَأخَذَهُ عُمَرُ، فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ أسْلِمْ، فَواللَّهِ إنْ تُسْلِمْ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لَمّا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ، قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم، فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ حَتّى يَظْهَرُوا عَلى الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ، إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: الخَراجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَّقَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ السَّعادَةِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.

الأنفال 8:68

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ. ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ. ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى: ؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا. والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ. فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ. أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ. وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم. القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) . القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا. القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ. وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اتْرُكُوا الفِداءَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ مِن غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الفِداءِ، أيْ كُلُوا مِنَ الفِداءِ الَّذِي غَنِمْتُمْ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَكم وحَلالًا طَيِّبًا مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ أوْ صِفَةِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ أكْلًا حَلالًا طَيِّبًا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ فَلا تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَكم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنكم رَحِيمٌ بِكم؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في أخْذِ الفِداءِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنِ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهم، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَعَفا عَنْهم وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى وفِيهِمُ العَبّاسُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وأهْلُكَ فاسْتَبْقِهم لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا، فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ قَوْمٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( إبْراهِيمَ: ٣٦ ) (p-٥٥١)ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ( المائِدَةِ: ١١٨ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ( نُوحٍ: ٢٦ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ( يُونُسَ: ٨٨ ) أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ أحَدٌ مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ، واسْتَشْهَدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ، فَكانَ آخِرُ السَبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ اسْتَشْهَدَ بِاليَمامَةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في مُصَنَّفِهِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُبَيْدَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أسَرَهُ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ، وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ فَقالَ: أرْسِلُوا العَبّاسَ، فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا ؟، قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ، فَأخَذَهُ عُمَرُ، فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ أسْلِمْ، فَواللَّهِ إنْ تُسْلِمْ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لَمّا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ، قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم، فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ حَتّى يَظْهَرُوا عَلى الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ، إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: الخَراجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَّقَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ السَّعادَةِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.

الأنفال 8:69

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ. ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ. ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى: ؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا. والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ. فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ. أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ. وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم. القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) . القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا. القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ. وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اتْرُكُوا الفِداءَ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ مِن غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الفِداءِ، أيْ كُلُوا مِنَ الفِداءِ الَّذِي غَنِمْتُمْ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَكم وحَلالًا طَيِّبًا مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ أوْ صِفَةِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ أكْلًا حَلالًا طَيِّبًا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ فَلا تُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَكم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنكم رَحِيمٌ بِكم؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في أخْذِ الفِداءِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنِ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهم، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَعَفا عَنْهم وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى وفِيهِمُ العَبّاسُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وأهْلُكَ فاسْتَبْقِهم لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا، فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ قَوْمٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( إبْراهِيمَ: ٣٦ ) (p-٥٥١)ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ( المائِدَةِ: ١١٨ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ( نُوحٍ: ٢٦ )، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ( يُونُسَ: ٨٨ ) أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ أحَدٌ مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ، واسْتَشْهَدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ، فَكانَ آخِرُ السَبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ اسْتَشْهَدَ بِاليَمامَةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في مُصَنَّفِهِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُبَيْدَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أسَرَهُ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ، وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ فَقالَ: أرْسِلُوا العَبّاسَ، فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا ؟، قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ، فَأخَذَهُ عُمَرُ، فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ أسْلِمْ، فَواللَّهِ إنْ تُسْلِمْ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لَمّا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ، قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم، فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ حَتّى يَظْهَرُوا عَلى الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ، إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: الخَراجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَّقَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ السَّعادَةِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.

الأنفال 8:70

اخْتِلافُ القُرّاءِ في أسْرى والأُسارى هو هُنا كَما سَبَقَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، خاطَبَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا: أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ الأسْرى الَّذِينَ هم في أيْدِيكم أسَرْتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ وأخَذْتُمْ مِنهُمُ الفِداءَ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ مِن حُسْنِ إيمانٍ، وصَلاحِ نِيَّةٍ، وخُلُوصِ طَوِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ: أيْ يُعَوِّضْكم في هَذِهِ الدُّنْيا رِزْقًا خَيْرًا مِنهُ، وأنْفَعَ لَكم، أوْ في الآخِرَةِ بِما يَكْتُبُهُ لَكم مِنَ المَثُوبَةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَأْنُهُ المَغْفِرَةُ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةُ لَهم. ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ مِنَ العِوَضِ لِمَن عَلِمَ في قَلْبِهِ خَيْرًا ذَكَرَ مَن هو عَلى ضِدِّ ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بِما قالُوهُ لَكَ بِألْسِنَتِهِمْ مِن أنَّهم قَدْ آمَنُوا بِكَ وصَدَّقُوكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم عَنْ عَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ، بَلْ هو مُماكَرَةٌ ومُخادَعَةٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنهم فَإنَّهم قَدْ فَعَلُوا ما هو أعْظَمُ مِنهُ، وهو أنَّهم خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلِ أنْ تَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَفَرُوا بِهِ وقاتَلُوا رَسُولَهُ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ بِأنْ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ فَقَتَلْتَ مِنهم مَن قَتَلْتَ وأسَرْتَ مَن أسَرْتَ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ بِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ» في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في فِداءِ أبِي العاصِ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ رِقَّةً مُباشَرَةً وقالَ: إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها، وقالَ العَبّاسُ: إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ تَكُنْ كَما تَقُولُ فاللَّهُ يَجْزِيكَ، فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ ؟ فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ فَهَذا المالُ لَبَنِيَّ ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ غَيْرِي وغَيْرُها، فاحْسِبْ لِي ما أصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي، قالَ: لا أفْعَلُ، فَفَدى نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآيَةَ، فَأعْطانِي مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةِ في الإسْلامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلَّهم في يَدِهِ مالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى «أنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ (p-٥٥٢)ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرِينِ ثَمانِينَ ألْفًا، فَما أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالٌ أكْثَرُ مِنهُ، فَنُشِرَ عَلى حَصِيرٍ، وجاءَ النّاسُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِمْ، وما كانَ يَوْمَئِذٍ عَدَدٌ ولا وزْنٌ، فَجاءَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْطَيْتُ فِدائِي وفِداءَ عَقِيلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أعْطِنِي مِن هَذا المالِ، فَقالَ: خُذْ، فَحَثا في خُمَيْصَتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ارْفَعْ عَلَيَّ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَهَبَ وهو يَقُولُ: أمّا أحَدُ اللَّذَيْنِ وعَدَ اللَّهُ فَقَدْ أنْجَزَنا، وما نَدْرِي ما يَصْنَعُ في الأُخْرى ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم﴾ فَهَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي ولا أدْرِي ما يُصْنَعُ في المَغْفِرَةِ» . والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ إنْ كانَ قَوْلُهم كَذِبًا ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ فَقَدْ كَفَرُوا وقاتَلُوكَ فَأمْكَنَكَ اللَّهُ مِنهم.

الأنفال 8:71

اخْتِلافُ القُرّاءِ في أسْرى والأُسارى هو هُنا كَما سَبَقَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، خاطَبَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا: أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ الأسْرى الَّذِينَ هم في أيْدِيكم أسَرْتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ وأخَذْتُمْ مِنهُمُ الفِداءَ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ مِن حُسْنِ إيمانٍ، وصَلاحِ نِيَّةٍ، وخُلُوصِ طَوِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ: أيْ يُعَوِّضْكم في هَذِهِ الدُّنْيا رِزْقًا خَيْرًا مِنهُ، وأنْفَعَ لَكم، أوْ في الآخِرَةِ بِما يَكْتُبُهُ لَكم مِنَ المَثُوبَةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَأْنُهُ المَغْفِرَةُ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةُ لَهم. ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ مِنَ العِوَضِ لِمَن عَلِمَ في قَلْبِهِ خَيْرًا ذَكَرَ مَن هو عَلى ضِدِّ ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بِما قالُوهُ لَكَ بِألْسِنَتِهِمْ مِن أنَّهم قَدْ آمَنُوا بِكَ وصَدَّقُوكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم عَنْ عَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ، بَلْ هو مُماكَرَةٌ ومُخادَعَةٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنهم فَإنَّهم قَدْ فَعَلُوا ما هو أعْظَمُ مِنهُ، وهو أنَّهم خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلِ أنْ تَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَفَرُوا بِهِ وقاتَلُوا رَسُولَهُ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ بِأنْ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ فَقَتَلْتَ مِنهم مَن قَتَلْتَ وأسَرْتَ مَن أسَرْتَ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ بِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ» في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في فِداءِ أبِي العاصِ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ رِقَّةً مُباشَرَةً وقالَ: إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها، وقالَ العَبّاسُ: إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ تَكُنْ كَما تَقُولُ فاللَّهُ يَجْزِيكَ، فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ ؟ فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ فَهَذا المالُ لَبَنِيَّ ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ غَيْرِي وغَيْرُها، فاحْسِبْ لِي ما أصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي، قالَ: لا أفْعَلُ، فَفَدى نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآيَةَ، فَأعْطانِي مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةِ في الإسْلامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلَّهم في يَدِهِ مالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى «أنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ (p-٥٥٢)ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرِينِ ثَمانِينَ ألْفًا، فَما أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالٌ أكْثَرُ مِنهُ، فَنُشِرَ عَلى حَصِيرٍ، وجاءَ النّاسُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِمْ، وما كانَ يَوْمَئِذٍ عَدَدٌ ولا وزْنٌ، فَجاءَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْطَيْتُ فِدائِي وفِداءَ عَقِيلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أعْطِنِي مِن هَذا المالِ، فَقالَ: خُذْ، فَحَثا في خُمَيْصَتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ارْفَعْ عَلَيَّ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَهَبَ وهو يَقُولُ: أمّا أحَدُ اللَّذَيْنِ وعَدَ اللَّهُ فَقَدْ أنْجَزَنا، وما نَدْرِي ما يَصْنَعُ في الأُخْرى ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم﴾ فَهَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي ولا أدْرِي ما يُصْنَعُ في المَغْفِرَةِ» . والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ إنْ كانَ قَوْلُهم كَذِبًا ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ فَقَدْ كَفَرُوا وقاتَلُوكَ فَأمْكَنَكَ اللَّهُ مِنهم.

الأنفال 8:72

خَتَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ المُوالاةِ لِيَعْلَمَ كُلُّ فَرِيقٍ ولَيَّهُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، وسَمّى - سُبْحانَهُ - المُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهم هَجَرُوا أوْطانَهم وفارَقُوها طَلَبًا لِما عِنْدَ اللَّهِ، وإجابَةً لِداعِيهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ والآخِرِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والخَبَرُ ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ. وقَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ . قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ " مِن وِلايَتِهِمْ " بِكَسْرِ الواوِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها: أيْ ما لَكَمَ مِن نُصْرَتِهِمْ وإعانَتِهِمْ، أوْ مِن مِيراثِهِمْ، ولَوْ كانُوا مِن قَراباتِكم لِعَدَمِ وُقُوعِ الهِجْرَةِ مِنهم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ فَيَكُونُ لَهم ما كانَ لِلطّائِفَةِ الأُولى الجامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ، ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا إذا طَلَبُوا مِنكُمُ النُّصْرَةَ لَهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم ﴿عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَلا تَنْصُرُوهم ولا تَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَ أُولَئِكَ القَوْمِ حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ " فَعَلَيْكُمُ النَّصْرَ " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يَنْصُرُ بَعْضًا ويَتَوَلّاهُ في أُمُورِهِ، أوْ يَرِثُهُ إذا ماتَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يُناصِرُونَ الكُفّارَ ولا يَتَوَلَّوْنَهم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما أُمِرُوا بِهِ قَبْلَ هَذا مِن مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُناصَرَتِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، وتَرْكِ مُوالاةِ الكافِرِينَ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ تَقَعْ فِتْنَةٌ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حُكْمًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ونَصَرُوهم وهُمُ الأنْصارُ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الإيمانِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ وارِدٌ في الثَّناءِ عَلى هَؤُلاءِ، والأوَّلُ وارِدٌ في إيجابِ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهم مِنهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ في الآخِرَةِ ولَهم في الدُّنْيا رِزْقٌ كَرِيمٌ خالِصٌ عَنِ الكَدَرِ طَيِّبٌ مُسْتَلِذٌّ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مَن هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ وجاهَدَ مَعَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ فَهو مَن جُمْلَتِهِمْ، أي: مِن جُمْلَةِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ في اسْتِحْقاقِ ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ المُوالاةِ والمُناصَرَةِ وكَمالِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَحِمٌ في المِيراثِ، والمُرادُ بِهِمُ القَراباتُ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ قَرابَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُنا العَصَباتُ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ قَرابَةَ الأُمِّ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ قُتَيْلَةُ: ؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحاَمٌ هُناكَ تَشَقُّقُ ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا ما يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِ العَصَباتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ مِيراثَ ذَوِي الأرْحامِ، وهم مِن لَيْسَ بِعَصَبَةٍ ولا ذِي سَهْمٍ عَلى حَسَبِ اصْطِلاحِ أهْلِ عِلْمِ المَوارِيثِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلْمِيراثِ بِالمُوالاةِ والنُّصْرَةِ عِنْدَ مَن فَسَّرَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وما بَعْدَهُ بِالتَّوارُثِ، وأمّا مَن فَسَّرَها بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ القَراباتِ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ المِيراثُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِوُجُودِ سَبَبِهِ، أعْنِي القَرابَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ. (p-٥٥٣)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوِلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَرَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوِلايَةُ الَّتِي قالَ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ كانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَلا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: يَعْنِي في المِيراثِ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ما لَكَمَ مِن مِيراثِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ يَعْنِي إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدْوٍ لَهم، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهم إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآياتِ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنُوَرِّثَنَّ ذَوِي القُرْبى مِنّا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُهاجِرُونَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والطُّلَقاءُ مِن قُرَيْشٍ، والعُتَقاءُ مِن ثَقِيفٍ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا، ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ أنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا، فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ، فَواخَيْناهم ووارَثْناهم فَآخُونا، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وآخى عُمَرُ فُلانًا، وآخى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَجُلًا مِن بَنِي زُرَيْقِ بْنِ أسْعَدَ الزُّرَقِيِّ، قالَ الزُّبَيْرُ: وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ووارَثُونا ووارَثْناهم فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قِيلَ: لِي: قَدْ قُتِلَ أخُوكَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَجِئْتُهُ فانْتَقَلْتُهُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ ثَقَلَهُ فِيما يُرى، فَواللَّهِ يا بُنَيَّ لَوْ ماتَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الدُّنْيا ما ورِثَهُ غَيْرِي، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِينا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ ووَرِثَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ» .

الأنفال 8:73

خَتَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ المُوالاةِ لِيَعْلَمَ كُلُّ فَرِيقٍ ولَيَّهُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، وسَمّى - سُبْحانَهُ - المُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهم هَجَرُوا أوْطانَهم وفارَقُوها طَلَبًا لِما عِنْدَ اللَّهِ، وإجابَةً لِداعِيهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ والآخِرِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والخَبَرُ ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ. وقَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ . قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ " مِن وِلايَتِهِمْ " بِكَسْرِ الواوِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها: أيْ ما لَكَمَ مِن نُصْرَتِهِمْ وإعانَتِهِمْ، أوْ مِن مِيراثِهِمْ، ولَوْ كانُوا مِن قَراباتِكم لِعَدَمِ وُقُوعِ الهِجْرَةِ مِنهم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ فَيَكُونُ لَهم ما كانَ لِلطّائِفَةِ الأُولى الجامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ، ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا إذا طَلَبُوا مِنكُمُ النُّصْرَةَ لَهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم ﴿عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَلا تَنْصُرُوهم ولا تَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَ أُولَئِكَ القَوْمِ حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ " فَعَلَيْكُمُ النَّصْرَ " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يَنْصُرُ بَعْضًا ويَتَوَلّاهُ في أُمُورِهِ، أوْ يَرِثُهُ إذا ماتَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يُناصِرُونَ الكُفّارَ ولا يَتَوَلَّوْنَهم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما أُمِرُوا بِهِ قَبْلَ هَذا مِن مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُناصَرَتِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، وتَرْكِ مُوالاةِ الكافِرِينَ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ تَقَعْ فِتْنَةٌ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حُكْمًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ونَصَرُوهم وهُمُ الأنْصارُ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الإيمانِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ وارِدٌ في الثَّناءِ عَلى هَؤُلاءِ، والأوَّلُ وارِدٌ في إيجابِ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهم مِنهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ في الآخِرَةِ ولَهم في الدُّنْيا رِزْقٌ كَرِيمٌ خالِصٌ عَنِ الكَدَرِ طَيِّبٌ مُسْتَلِذٌّ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مَن هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ وجاهَدَ مَعَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ فَهو مَن جُمْلَتِهِمْ، أي: مِن جُمْلَةِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ في اسْتِحْقاقِ ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ المُوالاةِ والمُناصَرَةِ وكَمالِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَحِمٌ في المِيراثِ، والمُرادُ بِهِمُ القَراباتُ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ قَرابَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُنا العَصَباتُ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ قَرابَةَ الأُمِّ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ قُتَيْلَةُ: ؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحاَمٌ هُناكَ تَشَقُّقُ ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا ما يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِ العَصَباتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ مِيراثَ ذَوِي الأرْحامِ، وهم مِن لَيْسَ بِعَصَبَةٍ ولا ذِي سَهْمٍ عَلى حَسَبِ اصْطِلاحِ أهْلِ عِلْمِ المَوارِيثِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلْمِيراثِ بِالمُوالاةِ والنُّصْرَةِ عِنْدَ مَن فَسَّرَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وما بَعْدَهُ بِالتَّوارُثِ، وأمّا مَن فَسَّرَها بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ القَراباتِ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ المِيراثُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِوُجُودِ سَبَبِهِ، أعْنِي القَرابَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ. (p-٥٥٣)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوِلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَرَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوِلايَةُ الَّتِي قالَ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ كانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَلا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: يَعْنِي في المِيراثِ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ما لَكَمَ مِن مِيراثِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ يَعْنِي إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدْوٍ لَهم، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهم إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآياتِ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنُوَرِّثَنَّ ذَوِي القُرْبى مِنّا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُهاجِرُونَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والطُّلَقاءُ مِن قُرَيْشٍ، والعُتَقاءُ مِن ثَقِيفٍ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا، ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ أنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا، فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ، فَواخَيْناهم ووارَثْناهم فَآخُونا، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وآخى عُمَرُ فُلانًا، وآخى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَجُلًا مِن بَنِي زُرَيْقِ بْنِ أسْعَدَ الزُّرَقِيِّ، قالَ الزُّبَيْرُ: وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ووارَثُونا ووارَثْناهم فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قِيلَ: لِي: قَدْ قُتِلَ أخُوكَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَجِئْتُهُ فانْتَقَلْتُهُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ ثَقَلَهُ فِيما يُرى، فَواللَّهِ يا بُنَيَّ لَوْ ماتَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الدُّنْيا ما ورِثَهُ غَيْرِي، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِينا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ ووَرِثَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ» .

الأنفال 8:74

خَتَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ المُوالاةِ لِيَعْلَمَ كُلُّ فَرِيقٍ ولَيَّهُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، وسَمّى - سُبْحانَهُ - المُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهم هَجَرُوا أوْطانَهم وفارَقُوها طَلَبًا لِما عِنْدَ اللَّهِ، وإجابَةً لِداعِيهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ والآخِرِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والخَبَرُ ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ. وقَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ . قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ " مِن وِلايَتِهِمْ " بِكَسْرِ الواوِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها: أيْ ما لَكَمَ مِن نُصْرَتِهِمْ وإعانَتِهِمْ، أوْ مِن مِيراثِهِمْ، ولَوْ كانُوا مِن قَراباتِكم لِعَدَمِ وُقُوعِ الهِجْرَةِ مِنهم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ فَيَكُونُ لَهم ما كانَ لِلطّائِفَةِ الأُولى الجامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ، ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا إذا طَلَبُوا مِنكُمُ النُّصْرَةَ لَهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم ﴿عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَلا تَنْصُرُوهم ولا تَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَ أُولَئِكَ القَوْمِ حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ " فَعَلَيْكُمُ النَّصْرَ " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يَنْصُرُ بَعْضًا ويَتَوَلّاهُ في أُمُورِهِ، أوْ يَرِثُهُ إذا ماتَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يُناصِرُونَ الكُفّارَ ولا يَتَوَلَّوْنَهم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما أُمِرُوا بِهِ قَبْلَ هَذا مِن مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُناصَرَتِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، وتَرْكِ مُوالاةِ الكافِرِينَ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ تَقَعْ فِتْنَةٌ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حُكْمًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ونَصَرُوهم وهُمُ الأنْصارُ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الإيمانِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ وارِدٌ في الثَّناءِ عَلى هَؤُلاءِ، والأوَّلُ وارِدٌ في إيجابِ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهم مِنهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ في الآخِرَةِ ولَهم في الدُّنْيا رِزْقٌ كَرِيمٌ خالِصٌ عَنِ الكَدَرِ طَيِّبٌ مُسْتَلِذٌّ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مَن هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ وجاهَدَ مَعَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ فَهو مَن جُمْلَتِهِمْ، أي: مِن جُمْلَةِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ في اسْتِحْقاقِ ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ المُوالاةِ والمُناصَرَةِ وكَمالِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَحِمٌ في المِيراثِ، والمُرادُ بِهِمُ القَراباتُ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ قَرابَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُنا العَصَباتُ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ قَرابَةَ الأُمِّ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ قُتَيْلَةُ: ؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحاَمٌ هُناكَ تَشَقُّقُ ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا ما يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِ العَصَباتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ مِيراثَ ذَوِي الأرْحامِ، وهم مِن لَيْسَ بِعَصَبَةٍ ولا ذِي سَهْمٍ عَلى حَسَبِ اصْطِلاحِ أهْلِ عِلْمِ المَوارِيثِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلْمِيراثِ بِالمُوالاةِ والنُّصْرَةِ عِنْدَ مَن فَسَّرَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وما بَعْدَهُ بِالتَّوارُثِ، وأمّا مَن فَسَّرَها بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ القَراباتِ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ المِيراثُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِوُجُودِ سَبَبِهِ، أعْنِي القَرابَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ. (p-٥٥٣)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوِلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَرَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوِلايَةُ الَّتِي قالَ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ كانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَلا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: يَعْنِي في المِيراثِ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ما لَكَمَ مِن مِيراثِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ يَعْنِي إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدْوٍ لَهم، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهم إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآياتِ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنُوَرِّثَنَّ ذَوِي القُرْبى مِنّا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُهاجِرُونَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والطُّلَقاءُ مِن قُرَيْشٍ، والعُتَقاءُ مِن ثَقِيفٍ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا، ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ أنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا، فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ، فَواخَيْناهم ووارَثْناهم فَآخُونا، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وآخى عُمَرُ فُلانًا، وآخى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَجُلًا مِن بَنِي زُرَيْقِ بْنِ أسْعَدَ الزُّرَقِيِّ، قالَ الزُّبَيْرُ: وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ووارَثُونا ووارَثْناهم فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قِيلَ: لِي: قَدْ قُتِلَ أخُوكَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَجِئْتُهُ فانْتَقَلْتُهُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ ثَقَلَهُ فِيما يُرى، فَواللَّهِ يا بُنَيَّ لَوْ ماتَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الدُّنْيا ما ورِثَهُ غَيْرِي، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِينا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ ووَرِثَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ» .

الأنفال 8:75

خَتَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ المُوالاةِ لِيَعْلَمَ كُلُّ فَرِيقٍ ولَيَّهُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، وسَمّى - سُبْحانَهُ - المُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهم هَجَرُوا أوْطانَهم وفارَقُوها طَلَبًا لِما عِنْدَ اللَّهِ، وإجابَةً لِداعِيهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ والآخِرِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والخَبَرُ ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ. وقَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ . قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ " مِن وِلايَتِهِمْ " بِكَسْرِ الواوِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها: أيْ ما لَكَمَ مِن نُصْرَتِهِمْ وإعانَتِهِمْ، أوْ مِن مِيراثِهِمْ، ولَوْ كانُوا مِن قَراباتِكم لِعَدَمِ وُقُوعِ الهِجْرَةِ مِنهم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ فَيَكُونُ لَهم ما كانَ لِلطّائِفَةِ الأُولى الجامِعِينَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ، ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا إذا طَلَبُوا مِنكُمُ النُّصْرَةَ لَهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم ﴿عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَلا تَنْصُرُوهم ولا تَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَ أُولَئِكَ القَوْمِ حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ " فَعَلَيْكُمُ النَّصْرَ " بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُهم يَنْصُرُ بَعْضًا ويَتَوَلّاهُ في أُمُورِهِ، أوْ يَرِثُهُ إذا ماتَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يُناصِرُونَ الكُفّارَ ولا يَتَوَلَّوْنَهم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما أُمِرُوا بِهِ قَبْلَ هَذا مِن مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُناصَرَتِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، وتَرْكِ مُوالاةِ الكافِرِينَ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ تَقَعْ فِتْنَةٌ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ﴿وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حُكْمًا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ونَصَرُوهم وهُمُ الأنْصارُ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الإيمانِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ فَإنَّهُ وارِدٌ في الثَّناءِ عَلى هَؤُلاءِ، والأوَّلُ وارِدٌ في إيجابِ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لَهم مِنهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ في الآخِرَةِ ولَهم في الدُّنْيا رِزْقٌ كَرِيمٌ خالِصٌ عَنِ الكَدَرِ طَيِّبٌ مُسْتَلِذٌّ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ مَن هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ وجاهَدَ مَعَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ فَهو مَن جُمْلَتِهِمْ، أي: مِن جُمْلَةِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ في اسْتِحْقاقِ ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ المُوالاةِ والمُناصَرَةِ وكَمالِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضَهم أوْلى بِبَعْضٍ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَحِمٌ في المِيراثِ، والمُرادُ بِهِمُ القَراباتُ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ قَرابَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُنا العَصَباتُ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ قَرابَةَ الأُمِّ. قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ قُتَيْلَةُ: ؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحاَمٌ هُناكَ تَشَقُّقُ ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا ما يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِ العَصَباتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن أثْبَتَ مِيراثَ ذَوِي الأرْحامِ، وهم مِن لَيْسَ بِعَصَبَةٍ ولا ذِي سَهْمٍ عَلى حَسَبِ اصْطِلاحِ أهْلِ عِلْمِ المَوارِيثِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلْمِيراثِ بِالمُوالاةِ والنُّصْرَةِ عِنْدَ مَن فَسَّرَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وما بَعْدَهُ بِالتَّوارُثِ، وأمّا مَن فَسَّرَها بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ القَراباتِ ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ في القُرْآنِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ المِيراثُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِوُجُودِ سَبَبِهِ، أعْنِي القَرابَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ. (p-٥٥٣)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ، مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوِلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَرَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوِلايَةُ الَّتِي قالَ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ كانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَلا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: يَعْنِي في المِيراثِ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ما لَكَمَ مِن مِيراثِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ يَعْنِي إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدْوٍ لَهم، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهم إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآياتِ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنُوَرِّثَنَّ ذَوِي القُرْبى مِنّا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُهاجِرُونَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والطُّلَقاءُ مِن قُرَيْشٍ، والعُتَقاءُ مِن ثَقِيفٍ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا، ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ أنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا، فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ، فَواخَيْناهم ووارَثْناهم فَآخُونا، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وآخى عُمَرُ فُلانًا، وآخى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَجُلًا مِن بَنِي زُرَيْقِ بْنِ أسْعَدَ الزُّرَقِيِّ، قالَ الزُّبَيْرُ: وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ووارَثُونا ووارَثْناهم فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قِيلَ: لِي: قَدْ قُتِلَ أخُوكَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَجِئْتُهُ فانْتَقَلْتُهُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ ثَقَلَهُ فِيما يُرى، فَواللَّهِ يا بُنَيَّ لَوْ ماتَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الدُّنْيا ما ورِثَهُ غَيْرِي، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِينا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ ووَرِثَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ» .

التوبة 9:1

هي مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، ولَها أسْماءٌ: مِنها سُورَةُ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ لِأنَّهُ ما زالَ يَنْزِلُ فِيها: ومِنهم، ومِنهم حَتّى كادَتْ أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وتُسَمّى البَحُوثَ لِأنَّها تَبْحَثُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتُسَمّى المُبَعْثِرَةَ، والبَعْثَرَةُ البَحْثُ، وتُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ أُخَرَ كالمُقَشْقِشَةِ، لِكَوْنِها تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ: أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، والمُخْزِيَةِ لِكَوْنِها أخْزَتِ المُنافِقِينَ، والمُثِيرَةِ لِكَوْنِها تُثِيرُ أسْرارَهم، والحافِرَةِ لِكَوْنِها تَحْفِرُ عَنْها، والمُنَكِّلَةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيلِ لَهم، والمُدَمْدِمَةِ لِأنَّها تُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ " بَراءَةٌ " بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٦ ) وآخَرُ سُورَةٍ تامَّةٍ " بَراءَةٌ " . وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ مِن أوَّلِها عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: عَنِ المُبَرِّدِ وغَيْرِهِ: أنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَإذا أرادُوا نَقْضَهُ كَتَبُوا إلَيْهِمْ كِتابًا ولَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ بَسْمَلَةً، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِنَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والمُشْرِكِينَ، بَعَثَ بِها النَّبِيُّ ﷺ (p-٥٥٤)عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُبَسْمِلْ في ذَلِكَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لِمَ لا تَكْتُبُ في " بَراءَةٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ: لِأنَّ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أمانٌ، و" بَراءَةٌ " نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: «ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، وإلى " بَراءَةٌ " وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ " بَراءَةٌ " مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي رَجاءٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنِ الأنْفالِ و" بَراءَةٌ " أسُورَتانِ أوْ سُورَةٌ ؟ قالَ: سُورَتانِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةَ التَّوْبَةِ، وهي سُورَةُ العَذابِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: هي الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ، ومِنهم حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا ذُكِرَ فِيها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سُورَةَ التَّوْبَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ التَّوْبَةِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هي ؟ ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُسَمُّونَها سُورَةَ التَّوْبَةِ، وإنَّها لَسُورَةُ عَذابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: كانَتْ " بَراءَةٌ " تُسَمّى في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْدَهُ المُبَعْثِرَةَ؛ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ " بَراءَةٌ " تُسَمّى المُنَقِّرَةَ نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمَدانِيِّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ " بَراءَةٌ " وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ. ومِن جُمْلَةِ الأقْوالِ في حَذْفِ البَسْمَلَةِ أنَّها كانَتْ تَعْدُلُ سُورَةَ البَقَرَةِ أوْ قَرِيبًا مِنها، وأنَّهُ لَمّا سَقَطَ أوَّلُها سَقَطَتِ البَسْمَلَةُ، رُوِيَ هَذا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وابْنِ عَجْلانِ. ومِن جُمْلَةِ الأقْوالِ في سُقُوطِ البَسْمَلَةِ أنَّهم لَمّا كَتَبُوا المُصْحَفَ في خِلافَةِ عُثْمانَ اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ فَقالَ بَعْضُهم: " بَراءَةٌ " والأنْفالُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: هُما سُورَتانِ، فَتُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ لِقَوْلِ مَن قالَ هُما سُورَتانِ، وتُرِكَتْ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لِقَوْلِ مَن قالَ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، فَرَضِيَ الفَرِيقانِ، قالَهُ خارِجَةُ وأبُو عِصْمَةَ وغَيْرُهُما. وقَوْلُ مَن جَعَلَهُما سُورَةً واحِدَةً أظْهَرُ، لِأنَّهُما جَمِيعًا في القِتالِ، وتُعَدّانِ جَمِيعًا سابِعَةَ السَّبْعِ الطِّوالِ.

التوبة 9:2

هي مِائَةٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، ولَها أسْماءٌ: مِنها سُورَةُ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتُسَمّى الفاضِحَةَ لِأنَّهُ ما زالَ يَنْزِلُ فِيها: ومِنهم، ومِنهم حَتّى كادَتْ أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وتُسَمّى البَحُوثَ لِأنَّها تَبْحَثُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتُسَمّى المُبَعْثِرَةَ، والبَعْثَرَةُ البَحْثُ، وتُسَمّى أيْضًا بِأسْماءٍ أُخَرَ كالمُقَشْقِشَةِ، لِكَوْنِها تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ: أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، والمُخْزِيَةِ لِكَوْنِها أخْزَتِ المُنافِقِينَ، والمُثِيرَةِ لِكَوْنِها تُثِيرُ أسْرارَهم، والحافِرَةِ لِكَوْنِها تَحْفِرُ عَنْها، والمُنَكِّلَةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيلِ لَهم، والمُدَمْدِمَةِ لِأنَّها تُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ " بَراءَةٌ " بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٦ ) وآخَرُ سُورَةٍ تامَّةٍ " بَراءَةٌ " . وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ مِن أوَّلِها عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: عَنِ المُبَرِّدِ وغَيْرِهِ: أنَّهُ كانَ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَإذا أرادُوا نَقْضَهُ كَتَبُوا إلَيْهِمْ كِتابًا ولَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ بَسْمَلَةً، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِنَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والمُشْرِكِينَ، بَعَثَ بِها النَّبِيُّ ﷺ (p-٥٥٤)عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُبَسْمِلْ في ذَلِكَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لِمَ لا تَكْتُبُ في " بَراءَةٌ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ: لِأنَّ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " أمانٌ، و" بَراءَةٌ " نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: «ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، وإلى " بَراءَةٌ " وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ " بَراءَةٌ " مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ووَضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي رَجاءٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنِ الأنْفالِ و" بَراءَةٌ " أسُورَتانِ أوْ سُورَةٌ ؟ قالَ: سُورَتانِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةَ التَّوْبَةِ، وهي سُورَةُ العَذابِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: هي الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ، ومِنهم حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا ذُكِرَ فِيها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سُورَةَ التَّوْبَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ التَّوْبَةِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هي ؟ ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُسَمُّونَها سُورَةَ التَّوْبَةِ، وإنَّها لَسُورَةُ عَذابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: كانَتْ " بَراءَةٌ " تُسَمّى في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْدَهُ المُبَعْثِرَةَ؛ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ " بَراءَةٌ " تُسَمّى المُنَقِّرَةَ نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمَدانِيِّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ " بَراءَةٌ " وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ. ومِن جُمْلَةِ الأقْوالِ في حَذْفِ البَسْمَلَةِ أنَّها كانَتْ تَعْدُلُ سُورَةَ البَقَرَةِ أوْ قَرِيبًا مِنها، وأنَّهُ لَمّا سَقَطَ أوَّلُها سَقَطَتِ البَسْمَلَةُ، رُوِيَ هَذا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وابْنِ عَجْلانِ. ومِن جُمْلَةِ الأقْوالِ في سُقُوطِ البَسْمَلَةِ أنَّهم لَمّا كَتَبُوا المُصْحَفَ في خِلافَةِ عُثْمانَ اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ فَقالَ بَعْضُهم: " بَراءَةٌ " والأنْفالُ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وقالَ بَعْضُهم: هُما سُورَتانِ، فَتُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ لِقَوْلِ مَن قالَ هُما سُورَتانِ، وتُرِكَتْ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لِقَوْلِ مَن قالَ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، فَرَضِيَ الفَرِيقانِ، قالَهُ خارِجَةُ وأبُو عِصْمَةَ وغَيْرُهُما. وقَوْلُ مَن جَعَلَهُما سُورَةً واحِدَةً أظْهَرُ، لِأنَّهُما جَمِيعًا في القِتالِ، وتُعَدّانِ جَمِيعًا سابِعَةَ السَّبْعِ الطِّوالِ.

التوبة 9:3

قَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أبْرَأُ بَراءَةً، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ: إذا أزَلْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ وقَطَعْتَ سَبَبَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، وبَراءَةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بَراءَةً " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ " اسْمَعُوا بَراءَةً "، أوْ عَلى تَقْدِيرِ " التَزِمُوا بَراءَةً "؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى الإغْراءِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً: أيْ: واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. وقَرَأ رَوْحٌ وزَيْدٌ بِنَصْبِ " رَسُولِهِ "، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. والعَهْدُ: العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ. والخِطابُ في عاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقَدْ كانُوا عاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرَهم بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والمَعْنى: الإخْبارُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِن تِلْكَ المُعاهَدَةِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ النَّقْضِ، فَصارَ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِعَهْدِهِمْ واجِبًا عَلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: وُقُوعُ الإذْنِ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبْذِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَهْدِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهم، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ البَراءَةِ والتَّهْوِيلِ لَها والتَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ والهَوانِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ هَذا أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالسِّياحَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِتِلْكَ البَراءَةِ، والسِّياحَةُ: السَّيْرُ، يُقالُ: ساحَ فُلانٌ في الأرْضِ يَسِيحُ سِياحَةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيَحَ الماءُ في الأرْضِ وسَيَحَ الخَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: ؎لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ أذِنَ بِالنَّبْذِ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أباحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ في الأرْضِ والذَّهابَ إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ والِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ تَكْلِيفَهم بِها. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ المُشْرِكِينَ صِنْفانِ: صِنْفٌ كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِمْ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَأُمْهِلَ تَمامَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآخَرُ كانَتْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَقَصَرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَرْتادَ لِنَفْسِهِ، وهو حَرِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ يُقْتلُ حَيْثُ يُوجَدُ، وابْتِداءُ هَذا الأجَلِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ وانْقِضاؤُهُ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، فَأمّا مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإنَّما أجْلُهُ انْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْما: عِشْرُونَ مِن ذِي (p-٥٥٥)الحِجَّةِ وشَهْرُ مُحَرَّمٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤ ) ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ مِنَ الرِّوايَةِ ما يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيِ اعْلَمُوا أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ لِيَتُوبَ مَن تابَ، وفي ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّهْدِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلُوا في هَذِهِ المُدَّةِ كُلَّ ما أمْكَنَكم مِن إعْدادِ الآلاتِ والأدَواتِ، فَإنَّكم لا تَفُوتُونَ اللَّهَ وهو مُخْزِيكم: أيْ مُذِلُّكم ومُهِينُكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشارَةٌ إلى أنَّ سَبَبَ هَذا الإخْزاءِ هو الكُفْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَ الكافِرِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًا. قَوْلُهُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ ارْتِفاعُ " أذانٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ في ارْتِفاعِ " بَراءَةٌ "، والجُمْلَةُ هَذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: وأذانٌ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ " بَراءَةٌ " . واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أذانًا مُخْبَرًا عَنْهُ بِالخَبَرِ الأوَّلِ، وهو ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الخَبَرُ هو إلى النّاسِ والأذانُ بِمَعْنى الإيذانِ وهو الإعْلامُ كَما أنَّ الأمانَ والعَطاءَ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: إلى النّاسِ التَّعْمِيمُ في هَذا: أيْ أنَّهُ إيذانٌ مِنَ اللَّهِ إلى كافَّةِ النّاسِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ بِوُجُوبِ الإعْلامِ لِجَمِيعِ النّاسِ، والجُمْلَةُ الأوْلى مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ بِالبَراءَةِ إلى المُعاهِدِينَ خاصَّةً، ويَوْمَ الحَجِّ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ وأذانٌ، ووَصَفَهُ بِالأكْبَرِ لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ النّاسُ، أوْ لِكَوْنِ مُعْظَمِ أفْعالِ الحَجِّ فِيهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ هَذا اليَوْمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي أوْفى والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ومُجاهِدٌ أنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، . وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ أنَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ. والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن بَعَثَهُ لِإبْلاغِ هَذا إلى المُشْرِكِينَ أنْ يُبْلِغَهم يَوْمَ النَّحْرِ. قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحُذِفَتِ الباءُ تَخْفِيفًا. وقُرِئَ بِكَسْرِها؛ لِأنَّ في الإيذانِ مَعْنى القَوْلِ، وارْتِفاعُ " رَسُولُهُ " عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ " أنَّ "، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في " بَرِيءٌ "، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ " ورَسُولَهُ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ اسْمِ " أنَّ " . وقُرِئَ " ورَسُولِهِ " بِالجَرِّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، إذْ لا مَعْنى لِلْقَسَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هاهُنا مَعَ ما ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى الجِوارِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، قِيلَ: وفائِدَةُ هَذا الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَهو راجِعٌ إلى التَّوْبَةِ المَفْهُومَةِ مَن تُبْتُمْ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ وبَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرُ فائِتِينَ عَلَيْهِ، بَلْ هو مُدْرِكُكم فَمُجازِيكم بِأعْمالِكم. قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلى أهْلِ العَهْدِ خُزاعَةَ ومُدْلِجٍ ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حِينَ فَرَغَ مِنها فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ قالَ: «إنَّهُ يَحْضُرُ البَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُراةً فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ، فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا فَطافا في النّاسِ بِذِي المَجازِ، وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَبِيعُونَ بِها، أوْ بِالمَوْسِمِ كُلِّهِ، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ أنْ يَأْمَنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ، عِشْرُونَ مِن آخَرِ ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ تَخْلُو مِن رَبِيعِ الآخَرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهم وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ إلى أنْ يَمُوتُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَشْرُ آياتٍ مِن " بَراءَةٌ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دَعا أبا بَكْرٍ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ مَكَّةَ»، ثُمَّ دَعانِي فَقالَ لِي: أدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُما لَقِيتَهُ فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ فاقْرَأْهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَلَحِقْتُهُ فَأخَذْتُ الكِتابَ مِنهُ، ورَجَعَ أبُو بَكْرٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، قالَ: لا، ولَكِنَّ جِبْرِيلَ جاءَنِي فَقالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ مَكَّةَ» بِـ " بَراءَةٌ "، فَكُنّا نُنادِي أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَإنَّ أجْلَهُ وأمَدَهُ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَإنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، ولا يَحُجُّ هَذا البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحَجَّةِ في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهم يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ثُمَّ أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ " بَراءَةٌ " فَأذَّنَ عَلِيٌّ في يَوْمِ النَّحْرِ بِـ " بَراءَةٌ ": أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ وأمْرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ (p-٥٥٦)الكَلِماتِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فانْطَلَقا فَحَجّا، فَقامَ عَلِيٌّ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى: إنِ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، فَكانَ عَلِيٌّ يُنادِي، فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ يُنادِي بِها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ تُبَيْعٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا بِأيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ مَعَ أبِي بَكْرٍ في الحَجِّ ؟ قالَ: بُعِثْتُ بِأرْبَعٍ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ قالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عاهَدُوا رَسُولَهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها حَيْثُ شاءُوا، وحَدَّ أجْلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلاخَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ أمْرَهُ أنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَن عاهَدَ إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ونَقَضَ ما سُمِّيَ لَهم مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، وأذْهَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٧ ) يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ نَحْوَ هَذا، وقالَ: ولَمْ يُعاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا أحَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في شَوّالٍ فَهي الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ: شَوّالٌ، ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ: هو إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعْظَمُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ أبِي أوْفى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَوْمُ الأضْحى هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، تَعْلِيقًا وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَراتِ في الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقالَ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟، قالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ فِيمَن يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: يَوْمُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأكْبَرُ: الحَجُّ، وإنَّما قِيلَ: الأكْبَرُ مِن أجْلِ قَوْلِ النّاسِ: الحَجُّ الأصْغَرُ، فَنَبَذَ أبُو بَكْرٍ إلى النّاسِ في ذَلِكَ العامِ فَلَمْ يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ الَّتِي حَجَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ في العامِ الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ إلى المُشْرِكِينَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٢٨ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ زَمَنَ الفَتْحِ: إنَّ هَذا عامُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، قالَ: «اجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ وحَجُّ المُشْرِكِينَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، واجْتَمَعَ النَّصارى واليَهُودُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، فاجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والنَّصارى واليَهُودُ في سِتَّةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، ولَمْ يُجْتَمَعْ مُنْذُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَذَلِكَ قَبْلَ العامِ، ولا يُجْتَمَعُ بَعْدَ العامِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: ما لَكم ولِلْحَجِّ الأكْبَرِ ؟ ذاكَ عامٌ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ، اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَجَّ بِالنّاسِ، واجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الحَجَّ الأكْبَرَ، ووافَقَ عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ اليَوْمُ الثّانِي مِن يَوْمِ النَّحْرِ، ألَمْ تَرَ أنَّ الإمامَ يَخْطُبُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي الصَّهْباءِ البِكْرِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في كَوْنِ يَوْمِ النَّحْرِ هو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ هي ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِمْ مِن طُرُقٍ، فَلا تَقْوى لِمُعارَضَتِها هَذِهِ الرِّواياتُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ: هَذا الحَجُّ الأكْبَرُ، فَما الحَجُّ الأصْغَرُ ؟ قالَ: عُمْرَةٌ في رَمَضانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدّادٍ عَنِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمَ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ البِشارَةِ تَكُونُ في المَكْرُوهِ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

التوبة 9:4

قَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أبْرَأُ بَراءَةً، وأنا مِنهُ بَرِيءٌ: إذا أزَلْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ وقَطَعْتَ سَبَبَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، وبَراءَةٌ مُرْتَفِعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " بَراءَةً " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ " اسْمَعُوا بَراءَةً "، أوْ عَلى تَقْدِيرِ " التَزِمُوا بَراءَةً "؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى الإغْراءِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً: أيْ: واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. وقَرَأ رَوْحٌ وزَيْدٌ بِنَصْبِ " رَسُولِهِ "، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. والعَهْدُ: العَقْدُ المُوَثَّقُ بِاليَمِينِ. والخِطابُ في عاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقَدْ كانُوا عاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرَهم بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والمَعْنى: الإخْبارُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِن تِلْكَ المُعاهَدَةِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ النَّقْضِ، فَصارَ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِعَهْدِهِمْ واجِبًا عَلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: وُقُوعُ الإذْنِ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبْذِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَهْدِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهم، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ البَراءَةِ والتَّهْوِيلِ لَها والتَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ والهَوانِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ هَذا أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالسِّياحَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِتِلْكَ البَراءَةِ، والسِّياحَةُ: السَّيْرُ، يُقالُ: ساحَ فُلانٌ في الأرْضِ يَسِيحُ سِياحَةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيَحَ الماءُ في الأرْضِ وسَيَحَ الخَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: ؎لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ أذِنَ بِالنَّبْذِ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أباحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ في الأرْضِ والذَّهابَ إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ والِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ تَكْلِيفَهم بِها. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ المُشْرِكِينَ صِنْفانِ: صِنْفٌ كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِمْ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَأُمْهِلَ تَمامَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآخَرُ كانَتْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَقَصَرَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَرْتادَ لِنَفْسِهِ، وهو حَرِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ يُقْتلُ حَيْثُ يُوجَدُ، وابْتِداءُ هَذا الأجَلِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ وانْقِضاؤُهُ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، فَأمّا مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإنَّما أجْلُهُ انْسِلاخُ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْما: عِشْرُونَ مِن ذِي (p-٥٥٥)الحِجَّةِ وشَهْرُ مُحَرَّمٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ لِمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن كانَ عَهْدُهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُتِمَّ لَهُ عَهْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤ ) ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ مِنَ الرِّوايَةِ ما يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيِ اعْلَمُوا أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ لِيَتُوبَ مَن تابَ، وفي ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّهْدِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلُوا في هَذِهِ المُدَّةِ كُلَّ ما أمْكَنَكم مِن إعْدادِ الآلاتِ والأدَواتِ، فَإنَّكم لا تَفُوتُونَ اللَّهَ وهو مُخْزِيكم: أيْ مُذِلُّكم ومُهِينُكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشارَةٌ إلى أنَّ سَبَبَ هَذا الإخْزاءِ هو الكُفْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَ الكافِرِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًا. قَوْلُهُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ ارْتِفاعُ " أذانٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ في ارْتِفاعِ " بَراءَةٌ "، والجُمْلَةُ هَذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: وأذانٌ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ " بَراءَةٌ " . واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أذانًا مُخْبَرًا عَنْهُ بِالخَبَرِ الأوَّلِ، وهو ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، بَلِ الخَبَرُ هو إلى النّاسِ والأذانُ بِمَعْنى الإيذانِ وهو الإعْلامُ كَما أنَّ الأمانَ والعَطاءَ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: إلى النّاسِ التَّعْمِيمُ في هَذا: أيْ أنَّهُ إيذانٌ مِنَ اللَّهِ إلى كافَّةِ النّاسِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ بِوُجُوبِ الإعْلامِ لِجَمِيعِ النّاسِ، والجُمْلَةُ الأوْلى مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ بِالبَراءَةِ إلى المُعاهِدِينَ خاصَّةً، ويَوْمَ الحَجِّ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ وأذانٌ، ووَصَفَهُ بِالأكْبَرِ لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ النّاسُ، أوْ لِكَوْنِ مُعْظَمِ أفْعالِ الحَجِّ فِيهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ هَذا اليَوْمِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي أوْفى والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ومُجاهِدٌ أنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، . وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ أنَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ. والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مَن بَعَثَهُ لِإبْلاغِ هَذا إلى المُشْرِكِينَ أنْ يُبْلِغَهم يَوْمَ النَّحْرِ. قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ: بِأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحُذِفَتِ الباءُ تَخْفِيفًا. وقُرِئَ بِكَسْرِها؛ لِأنَّ في الإيذانِ مَعْنى القَوْلِ، وارْتِفاعُ " رَسُولُهُ " عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ " أنَّ "، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في " بَرِيءٌ "، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنهم، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ " ورَسُولَهُ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ اسْمِ " أنَّ " . وقُرِئَ " ورَسُولِهِ " بِالجَرِّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، إذْ لا مَعْنى لِلْقَسَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هاهُنا مَعَ ما ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى الجِوارِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، قِيلَ: وفائِدَةُ هَذا الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَهو راجِعٌ إلى التَّوْبَةِ المَفْهُومَةِ مَن تُبْتُمْ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ وبَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرُ فائِتِينَ عَلَيْهِ، بَلْ هو مُدْرِكُكم فَمُجازِيكم بِأعْمالِكم. قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلى أهْلِ العَهْدِ خُزاعَةَ ومُدْلِجٍ ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حِينَ فَرَغَ مِنها فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ قالَ: «إنَّهُ يَحْضُرُ البَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُراةً فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ، فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا فَطافا في النّاسِ بِذِي المَجازِ، وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَبِيعُونَ بِها، أوْ بِالمَوْسِمِ كُلِّهِ، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ أنْ يَأْمَنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ، عِشْرُونَ مِن آخَرِ ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ تَخْلُو مِن رَبِيعِ الآخَرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهم وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ إلى أنْ يَمُوتُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَشْرُ آياتٍ مِن " بَراءَةٌ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دَعا أبا بَكْرٍ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ مَكَّةَ»، ثُمَّ دَعانِي فَقالَ لِي: أدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُما لَقِيتَهُ فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ فاقْرَأْهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَلَحِقْتُهُ فَأخَذْتُ الكِتابَ مِنهُ، ورَجَعَ أبُو بَكْرٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، قالَ: لا، ولَكِنَّ جِبْرِيلَ جاءَنِي فَقالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ مَكَّةَ» بِـ " بَراءَةٌ "، فَكُنّا نُنادِي أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَإنَّ أجْلَهُ وأمَدَهُ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَإنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، ولا يَحُجُّ هَذا البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحَجَّةِ في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهم يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ثُمَّ أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ " بَراءَةٌ " فَأذَّنَ عَلِيٌّ في يَوْمِ النَّحْرِ بِـ " بَراءَةٌ ": أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ وأمْرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ (p-٥٥٦)الكَلِماتِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فانْطَلَقا فَحَجّا، فَقامَ عَلِيٌّ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى: إنِ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، فَكانَ عَلِيٌّ يُنادِي، فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ يُنادِي بِها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ تُبَيْعٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا بِأيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ مَعَ أبِي بَكْرٍ في الحَجِّ ؟ قالَ: بُعِثْتُ بِأرْبَعٍ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ قالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عاهَدُوا رَسُولَهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها حَيْثُ شاءُوا، وحَدَّ أجْلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلاخَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ أمْرَهُ أنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَن عاهَدَ إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ونَقَضَ ما سُمِّيَ لَهم مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، وأذْهَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٧ ) يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ نَحْوَ هَذا، وقالَ: ولَمْ يُعاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا أحَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في شَوّالٍ فَهي الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ: شَوّالٌ، ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ: هو إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ مِن قَوْلِهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعْظَمُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ أبِي أوْفى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَوْمُ الأضْحى هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، تَعْلِيقًا وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَراتِ في الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقالَ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟، قالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ فِيمَن يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: يَوْمُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأكْبَرُ: الحَجُّ، وإنَّما قِيلَ: الأكْبَرُ مِن أجْلِ قَوْلِ النّاسِ: الحَجُّ الأصْغَرُ، فَنَبَذَ أبُو بَكْرٍ إلى النّاسِ في ذَلِكَ العامِ فَلَمْ يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ الَّتِي حَجَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ في العامِ الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ إلى المُشْرِكِينَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٢٨ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ زَمَنَ الفَتْحِ: إنَّ هَذا عامُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، قالَ: «اجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ وحَجُّ المُشْرِكِينَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، واجْتَمَعَ النَّصارى واليَهُودُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، فاجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والنَّصارى واليَهُودُ في سِتَّةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، ولَمْ يُجْتَمَعْ مُنْذُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَذَلِكَ قَبْلَ العامِ، ولا يُجْتَمَعُ بَعْدَ العامِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: ما لَكم ولِلْحَجِّ الأكْبَرِ ؟ ذاكَ عامٌ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ، اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَجَّ بِالنّاسِ، واجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الحَجَّ الأكْبَرَ، ووافَقَ عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ اليَوْمُ الثّانِي مِن يَوْمِ النَّحْرِ، ألَمْ تَرَ أنَّ الإمامَ يَخْطُبُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي الصَّهْباءِ البِكْرِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في كَوْنِ يَوْمِ النَّحْرِ هو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ هي ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِمْ مِن طُرُقٍ، فَلا تَقْوى لِمُعارَضَتِها هَذِهِ الرِّواياتُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ: هَذا الحَجُّ الأكْبَرُ، فَما الحَجُّ الأصْغَرُ ؟ قالَ: عُمْرَةٌ في رَمَضانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدّادٍ عَنِ الحَجِّ الأكْبَرِ فَقالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمَ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ البِشارَةِ تَكُونُ في المَكْرُوهِ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

التوبة 9:5

(p-٥٥٧)الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ يَعُودُ إلى قَوْلِهِ: بَراءَةٌ والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى المُعاهَدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ مِنهم. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: فَسِيحُوا والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهم فَسِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. قالَ: والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ، ولَكِنِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهُ. وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ الفاصِلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ وهو ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلَخْ. . . وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وهو ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ " أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهم أيُّ نَقْصٍ وإنْ كانَ يَسْيرًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ " يَنْقُضُوكم " بِالضّادِ المُعْجَمَةِ: أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مِن أهْلِ العَهْدِ مَن خاسَ بِعَهْدِهِ، ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ ﷺ بِنَقْضِ عَهِدِ مَن نَقَضَ، وبِالوَفاءِ لِمَن لَمْ يَنْقُضْ إلى مُدَّتِهِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ المُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ: أيْ لَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم أحَدًا مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم تامًّا غَيْرَ ناقِصٍ ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ الَّتِي عاهَدْتُمُوهم إلَيْها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا تُعامِلُوهم مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ مِنَ القِتالِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا، وهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوْ خَمْسُونَ يَوْمًا عَلى الخِلافِ السّابِقِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . انْسِلاخُ الشَّهْرِ: تَكامُلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا إلى أنْ يَنْقَضِيَ كانْسِلاخِ الجِلْدِ عَمّا يَحْوِيهِ، شَبَّهَ خُرُوجَ المُتَزَمِّنُ عَنْ زَمانِهِ بِانْفِصالِ المُتَمَكِّنِ عَنْ مَكانِهِ، وأصْلُهُ الِانْسِلاخُ الواقِعُ بَيْنَ الحَيَوانِ وجَلْدِهِ، فاسْتُعِيرَ لِانْقِضاءِ الأشْهُرِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الشَّهْرَ تَسْلُخُهُ سَلْخًا وسُلُوخًا بِمَعْنى خَرَجْتُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهَلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سِلْخِي الشُّهُورِ وإهْلالِي ويُقالُ: سَلَخَتِ المَرْأةُ دِرْعَها: نَزَعَتْهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ( يس: ٣٧ ) . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، فَقِيلَ: هي الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ الَّتِي هي ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا وُجُوبُ الإمْساكِ عَنْ قِتالِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ. وقَدْ وقَعَ النِّداءُ والنَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ الباقِي مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي هي الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ خَمْسِينَ يَوْمًا تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الضَّحّاكُ، والباقِرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِها شُهُورُ العَهْدِ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ وسُمِّيَتْ حُرُمًا لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - حَرَّمَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها دِماءَ المُشْرِكِينَ والتَّعَرُّضَ لَهم، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ زَيْدٍ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هي الأشْهُرُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ . وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجَماعَةٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَكاهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وسَيَأْتِي بَيانُ حُكْمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ الدّائِرَةِ في كُلِّ سَنَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في أيِّ مَكانٍ وجَدْتُمُوهم مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. ومَعْنى خُذُوهم الأُسَرُ، فَإنَّ الأخِيذَ هو الأسِيرُ. ومَعْنى الحَصْرِ مَنعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في بِلادِ المُسْلِمِينَ إلّا بِإذْنٍ مِنهم، والمَرْصَدُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ العَدُوُّ، يُقالُ: رَصَدْتُ فُلانًا أرْصُدُهُ: أيْ رَقَبْتُهُ، أيِ اقْعُدُوا لَهم في المَواضِعِ الَّتِي تَرْتَقِبُونَهم فِيها، قالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ولَقَدْ عَلِمْتُ وما إخالُكَ عالِمًا ∗∗∗ أنَّ المَنِيَّةَ لِلْفَتى بِالمَرْصَدِ وقالَ النّابِغَةُ: ؎أعاذِلَ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ و" كُلَّ " في ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ في كُلِّ مَرْصَدٍ، وخَطَّأ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الزَّجّاجَ في جَعْلِهِ ظَرْفًا. وهَذِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ عامَّةٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ لا يَخْرُجُ عَنْها إلّا مَن خَصَّتْهُ السُّنَّةُ، وهو المَرْأةُ والصَّبِيُّ والعاجِزُ الَّذِي لا يُقاتِلُ وكَذَلِكَ يُخَصَّصُ مِنها أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَلى فَرْضِ تَناوُلِ لَفْظِ المُشْرِكِينَ لَهم، وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِيها ذِكْرُ الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ والصَّبْرِ عَلى أذاهم. وقالَ الضَّحّاكُ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ،: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) وأنَّ الأسِيرَ لا يُقْتَلُ صَبْرًا بَلْ يُمَنُّ عَلَيْهِ أوْ يُفادى. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: بَلْ هي ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأُسارى مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا القَتْلُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآيَتانِ مُحْكَمَتانِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي الصَّحِيحُ لِأنَّ المَنَّ والقَتْلَ والفِداءَ لَمْ تَزَلْ مِن حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ مَن أوَّلِ حَرْبٍ جاءَ بِهِمْ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو سَبَبُ القَتْلِ، وحَقَّقُوا التَّوْبَةَ بِفِعْلِ ما هو مِن أعْظَمِ أرْكانِ الإسْلامِ، وهو إقامَةُ الصَّلاةِ، وهَذا الرُّكْنُ اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ مِنَ العِباداتِ لِكَوْنِهِ رَأْسَها، واكْتَفى بِالرُّكْنِ الآخَرِ المالِيِّ، وهو إيتاءُ الزَّكاةِ عَنْ كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالأمْوالِ مِنَ العِباداتِ لِأنَّهُ أعْظَمَها ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أيِ اتْرُكُوهم وشَأْنَهم فَلا تَأْسِرُوهم ولا تَحْصُرُوهم ولا تَقْتُلُوهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾، يُقالُ: اسْتَجَرْتُ فُلانًا: أيْ طَلَبْتُ أنْ يَكُونَ جارًا أيْ: مُحامِيًا (p-٥٥٨)ومُحافِظًا مِن أنْ يَظْلِمَنِي ظالِمٌ، أوْ يَتَعَرَّضَ لِي مُتَعَرِّضٌ، وأحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ: أيْ وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ اسْتَجارَكَ، وكَرِهُوا الجَمْعَ بَيْنَ المُفَسَّرِ والمُفَسِّرِ، والمَعْنى: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْتَ بِقِتالِهِمْ فَأجِرْهُ: أيْ كُنْ جارًا لَهُ مُؤْمِنًا مُحامِيًا ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ مِنكَ ويَتَدَبَّرُهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، ويَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أيْ إلى الدّارِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ قاتِلْهُ فَقَدْ خَرَجَ مِن جِوارِكَ ورَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ دَمِهِ، ووُجُوبِ قَتْلِهِ حَيْثُ يُوجَدُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإجارَةِ وما بَعْدَهُ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فُقْدانِهِمْ لِلْعِلْمِ النّافِعِ المُمَيِّزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ في الحالِ والمَآلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ: هم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، قالَ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهم نَبِيُّ اللَّهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ بَقِيَ مِن مُدَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ أنَّ يُوفِيَ بِعَهْدِهِمْ هَذا إلى مُدَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ قالَ: كانَ بَقِيَ لَبَنِي مَذْحِجٍ وخُزاعَةَ عَهْدٌ، فَهو الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ بَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو مُدْلِجٍ مِن بَنِي كِنانَةَ كانُوا حُلَفاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ العَشِيرَةِ مِن بَطْنِ يَنْبُعَ ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوا عَهْدَكم بِغَدْرٍ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ قالَ: لَمْ يُظاهِرُوا عَدُوَّكم عَلَيْكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ يَقُولُ: أجْلُهُمُ الَّذِي شَرَطْتُمْ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَقُولُ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَيُوفُونَ بِالعَهْدِ. قالَ: فَلَمْ يُعاهِدِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ هَؤُلاءِ الآياتِ أحَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ قالَ: هي الأرْبَعَةُ: عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، وصَفَرٌ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ. قُلْتُ: مُرادُ السُّدِّيِّ، أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ تُسَمّى حُرُمًا لِكَوْنِ تَأْمِينِ المُعاهَدِينَ فِيها يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ القِتالِ، لا أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: هي عَشْرٌ مِن ذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ، سَبْعُونَ لَيْلَةً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ الَّتِي قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَ قَوْلِ السُّدِّيِّ السّابِقِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم﴾، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ يَقُولُ: مَن جاءَكَ واسْتَمَعَ ما تَقُولُ، واسْتَمَعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، فَهو آمَنٌ حِينَ يَأْتِيكِ فَيَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِن حَيْثُ جاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قالَ: إنْ لَمْ يُوافِقْهُ ما يُقَصُّ عَلَيْهِ ويُخْبَرُ بِهِ فَأبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، وهَذا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيْ كِتابَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إذا سَمِعَ كِتابَ اللَّهِ وأقَرَّ بِهِ وأسْلَمَ فَذاكَ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ، وإنْ أنْكَرَ ولَمْ يُقِرَّ بِهِ، رُدَّ مَأْمَنَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .

التوبة 9:6

(p-٥٥٧)الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ يَعُودُ إلى قَوْلِهِ: بَراءَةٌ والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى المُعاهَدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ مِنهم. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مُسْتَثْنى مِن قَوْلِهِ: فَسِيحُوا والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهم فَسِيحُوا، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. قالَ: والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في النّاكِثِينَ، ولَكِنِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْراهُ. وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ الفاصِلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ وهو ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلَخْ. . . وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا وهو ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ " أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهم أيُّ نَقْصٍ وإنْ كانَ يَسْيرًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ " يَنْقُضُوكم " بِالضّادِ المُعْجَمَةِ: أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مِن أهْلِ العَهْدِ مَن خاسَ بِعَهْدِهِ، ومِنهم مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَبِيِّهِ ﷺ بِنَقْضِ عَهِدِ مَن نَقَضَ، وبِالوَفاءِ لِمَن لَمْ يَنْقُضْ إلى مُدَّتِهِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ المُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ: أيْ لَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم أحَدًا مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم تامًّا غَيْرَ ناقِصٍ ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ الَّتِي عاهَدْتُمُوهم إلَيْها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا تُعامِلُوهم مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ مِنَ القِتالِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا، وهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوْ خَمْسُونَ يَوْمًا عَلى الخِلافِ السّابِقِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . انْسِلاخُ الشَّهْرِ: تَكامُلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا إلى أنْ يَنْقَضِيَ كانْسِلاخِ الجِلْدِ عَمّا يَحْوِيهِ، شَبَّهَ خُرُوجَ المُتَزَمِّنُ عَنْ زَمانِهِ بِانْفِصالِ المُتَمَكِّنِ عَنْ مَكانِهِ، وأصْلُهُ الِانْسِلاخُ الواقِعُ بَيْنَ الحَيَوانِ وجَلْدِهِ، فاسْتُعِيرَ لِانْقِضاءِ الأشْهُرِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الشَّهْرَ تَسْلُخُهُ سَلْخًا وسُلُوخًا بِمَعْنى خَرَجْتُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهَلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سِلْخِي الشُّهُورِ وإهْلالِي ويُقالُ: سَلَخَتِ المَرْأةُ دِرْعَها: نَزَعَتْهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ( يس: ٣٧ ) . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ هاهُنا، فَقِيلَ: هي الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ الَّتِي هي ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا وُجُوبُ الإمْساكِ عَنْ قِتالِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ. وقَدْ وقَعَ النِّداءُ والنَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ الباقِي مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي هي الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ خَمْسِينَ يَوْمًا تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوجَدُونَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الضَّحّاكُ، والباقِرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِها شُهُورُ العَهْدِ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ وسُمِّيَتْ حُرُمًا لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - حَرَّمَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها دِماءَ المُشْرِكِينَ والتَّعَرُّضَ لَهم، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ زَيْدٍ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هي الأشْهُرُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ . وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجَماعَةٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَكاهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وسَيَأْتِي بَيانُ حُكْمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ الدّائِرَةِ في كُلِّ سَنَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في أيِّ مَكانٍ وجَدْتُمُوهم مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. ومَعْنى خُذُوهم الأُسَرُ، فَإنَّ الأخِيذَ هو الأسِيرُ. ومَعْنى الحَصْرِ مَنعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في بِلادِ المُسْلِمِينَ إلّا بِإذْنٍ مِنهم، والمَرْصَدُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ العَدُوُّ، يُقالُ: رَصَدْتُ فُلانًا أرْصُدُهُ: أيْ رَقَبْتُهُ، أيِ اقْعُدُوا لَهم في المَواضِعِ الَّتِي تَرْتَقِبُونَهم فِيها، قالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ولَقَدْ عَلِمْتُ وما إخالُكَ عالِمًا ∗∗∗ أنَّ المَنِيَّةَ لِلْفَتى بِالمَرْصَدِ وقالَ النّابِغَةُ: ؎أعاذِلَ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ و" كُلَّ " في ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ في كُلِّ مَرْصَدٍ، وخَطَّأ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الزَّجّاجَ في جَعْلِهِ ظَرْفًا. وهَذِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْأمْرِ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ عامَّةٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ لا يَخْرُجُ عَنْها إلّا مَن خَصَّتْهُ السُّنَّةُ، وهو المَرْأةُ والصَّبِيُّ والعاجِزُ الَّذِي لا يُقاتِلُ وكَذَلِكَ يُخَصَّصُ مِنها أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَلى فَرْضِ تَناوُلِ لَفْظِ المُشْرِكِينَ لَهم، وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِيها ذِكْرُ الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ والصَّبْرِ عَلى أذاهم. وقالَ الضَّحّاكُ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ،: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) وأنَّ الأسِيرَ لا يُقْتَلُ صَبْرًا بَلْ يُمَنُّ عَلَيْهِ أوْ يُفادى. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: بَلْ هي ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأُسارى مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا القَتْلُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآيَتانِ مُحْكَمَتانِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي الصَّحِيحُ لِأنَّ المَنَّ والقَتْلَ والفِداءَ لَمْ تَزَلْ مِن حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ مَن أوَّلِ حَرْبٍ جاءَ بِهِمْ وهو يَوْمُ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو سَبَبُ القَتْلِ، وحَقَّقُوا التَّوْبَةَ بِفِعْلِ ما هو مِن أعْظَمِ أرْكانِ الإسْلامِ، وهو إقامَةُ الصَّلاةِ، وهَذا الرُّكْنُ اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ مِنَ العِباداتِ لِكَوْنِهِ رَأْسَها، واكْتَفى بِالرُّكْنِ الآخَرِ المالِيِّ، وهو إيتاءُ الزَّكاةِ عَنْ كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالأمْوالِ مِنَ العِباداتِ لِأنَّهُ أعْظَمَها ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أيِ اتْرُكُوهم وشَأْنَهم فَلا تَأْسِرُوهم ولا تَحْصُرُوهم ولا تَقْتُلُوهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾، يُقالُ: اسْتَجَرْتُ فُلانًا: أيْ طَلَبْتُ أنْ يَكُونَ جارًا أيْ: مُحامِيًا (p-٥٥٨)ومُحافِظًا مِن أنْ يَظْلِمَنِي ظالِمٌ، أوْ يَتَعَرَّضَ لِي مُتَعَرِّضٌ، وأحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ: أيْ وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ اسْتَجارَكَ، وكَرِهُوا الجَمْعَ بَيْنَ المُفَسَّرِ والمُفَسِّرِ، والمَعْنى: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْتَ بِقِتالِهِمْ فَأجِرْهُ: أيْ كُنْ جارًا لَهُ مُؤْمِنًا مُحامِيًا ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ مِنكَ ويَتَدَبَّرُهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، ويَقِفَ عَلى حَقِيقَةِ ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أيْ إلى الدّارِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ قاتِلْهُ فَقَدْ خَرَجَ مِن جِوارِكَ ورَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ دَمِهِ، ووُجُوبِ قَتْلِهِ حَيْثُ يُوجَدُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالإجارَةِ وما بَعْدَهُ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فُقْدانِهِمْ لِلْعِلْمِ النّافِعِ المُمَيِّزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ في الحالِ والمَآلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ: هم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، قالَ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهم نَبِيُّ اللَّهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ بَقِيَ مِن مُدَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ أنَّ يُوفِيَ بِعَهْدِهِمْ هَذا إلى مُدَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ قالَ: كانَ بَقِيَ لَبَنِي مَذْحِجٍ وخُزاعَةَ عَهْدٌ، فَهو الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ بَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو مُدْلِجٍ مِن بَنِي كِنانَةَ كانُوا حُلَفاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ العَشِيرَةِ مِن بَطْنِ يَنْبُعَ ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوا عَهْدَكم بِغَدْرٍ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ قالَ: لَمْ يُظاهِرُوا عَدُوَّكم عَلَيْكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ يَقُولُ: أجْلُهُمُ الَّذِي شَرَطْتُمْ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَقُولُ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَيُوفُونَ بِالعَهْدِ. قالَ: فَلَمْ يُعاهِدِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ هَؤُلاءِ الآياتِ أحَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ قالَ: هي الأرْبَعَةُ: عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، وصَفَرٌ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ. قُلْتُ: مُرادُ السُّدِّيِّ، أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ تُسَمّى حُرُمًا لِكَوْنِ تَأْمِينِ المُعاهَدِينَ فِيها يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ القِتالِ، لا أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ المَعْرُوفَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: هي عَشْرٌ مِن ذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ، سَبْعُونَ لَيْلَةً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ الَّتِي قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَ قَوْلِ السُّدِّيِّ السّابِقِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم﴾، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ يَقُولُ: مَن جاءَكَ واسْتَمَعَ ما تَقُولُ، واسْتَمَعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، فَهو آمَنٌ حِينَ يَأْتِيكِ فَيَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِن حَيْثُ جاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قالَ: إنْ لَمْ يُوافِقْهُ ما يُقَصُّ عَلَيْهِ ويُخْبَرُ بِهِ فَأبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، وهَذا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيْ كِتابَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إذا سَمِعَ كِتابَ اللَّهِ وأقَرَّ بِهِ وأسْلَمَ فَذاكَ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ، وإنْ أنْكَرَ ولَمْ يُقِرَّ بِهِ، رُدَّ مَأْمَنَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .

التوبة 9:7

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ. والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " . (p-٥٥٩)قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ: ؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ: ؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» . ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا، وهو ما آثَرُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ فَعَدَلُوا وأعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .، قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَ لِلْيَهُودِ خاصَّةً. والدَّلِيلُ عَلى هَذا ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، وقِيلَ: هَذا فِيهِ مُراعاةٌ لِحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ، وفي الأوَّلِ المُراعاةُ لِحُقُوقِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ المُجاوَزُونَ لِلْحَلالِ إلى الحَرامِ بِنَقْضِ العَهْدِ، أوِ البالِغُونَ في الشَّرِّ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ القُصْوى. فَإنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانكم أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ أيْ في دِينِ الإسْلامِ " ونُفَصِّلُ الآياتِ " أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ ويَفْهَمُونَهُ، وخَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والمُرادُ بِالآياتِ ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم﴾ يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإخْوانَكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ.

التوبة 9:8

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ. والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " . (p-٥٥٩)قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ: ؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ: ؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» . ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا، وهو ما آثَرُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ فَعَدَلُوا وأعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .، قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَ لِلْيَهُودِ خاصَّةً. والدَّلِيلُ عَلى هَذا ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، وقِيلَ: هَذا فِيهِ مُراعاةٌ لِحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ، وفي الأوَّلِ المُراعاةُ لِحُقُوقِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ المُجاوَزُونَ لِلْحَلالِ إلى الحَرامِ بِنَقْضِ العَهْدِ، أوِ البالِغُونَ في الشَّرِّ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ القُصْوى. فَإنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانكم أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ أيْ في دِينِ الإسْلامِ " ونُفَصِّلُ الآياتِ " أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ ويَفْهَمُونَهُ، وخَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والمُرادُ بِالآياتِ ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم﴾ يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإخْوانَكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ.

التوبة 9:9

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ. والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " . (p-٥٥٩)قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ: ؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ: ؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» . ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا، وهو ما آثَرُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ فَعَدَلُوا وأعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .، قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَ لِلْيَهُودِ خاصَّةً. والدَّلِيلُ عَلى هَذا ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، وقِيلَ: هَذا فِيهِ مُراعاةٌ لِحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ، وفي الأوَّلِ المُراعاةُ لِحُقُوقِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ المُجاوَزُونَ لِلْحَلالِ إلى الحَرامِ بِنَقْضِ العَهْدِ، أوِ البالِغُونَ في الشَّرِّ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ القُصْوى. فَإنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانكم أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ أيْ في دِينِ الإسْلامِ " ونُفَصِّلُ الآياتِ " أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ ويَفْهَمُونَهُ، وخَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والمُرادُ بِالآياتِ ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم﴾ يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإخْوانَكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ.

التوبة 9:10

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ. والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " . (p-٥٥٩)قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ: ؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ: ؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» . ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا، وهو ما آثَرُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ فَعَدَلُوا وأعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .، قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَ لِلْيَهُودِ خاصَّةً. والدَّلِيلُ عَلى هَذا ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، وقِيلَ: هَذا فِيهِ مُراعاةٌ لِحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ، وفي الأوَّلِ المُراعاةُ لِحُقُوقِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ المُجاوَزُونَ لِلْحَلالِ إلى الحَرامِ بِنَقْضِ العَهْدِ، أوِ البالِغُونَ في الشَّرِّ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ القُصْوى. فَإنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانكم أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ أيْ في دِينِ الإسْلامِ " ونُفَصِّلُ الآياتِ " أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ ويَفْهَمُونَهُ، وخَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والمُرادُ بِالآياتِ ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم﴾ يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإخْوانَكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ.

التوبة 9:11

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّعَجُّبِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ، " وعَهْدٌ " اسْمُ يَكُونُ، وفي خَبَرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كَيْفَ، وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ، والثّانِي: لِلْمُشْرِكِينَ، و" عِنْدَ " عَلى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أوْ لِ " يَكُونُ "، أوْ صِفَةٌ لِلْعَهْدِ، والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ، وفي الآيَةِ إضْمارٌ. والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ يَأْمَنُونَ بِهِ مِن عَذابِهِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: مُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ وهم أضْدادٌ لَكم مُضْمِرُونَ لِلْغَدْرِ فَلا يَطْمَعُوا في ذَلِكَ ولا يُحَدِّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ، فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمْ يَنْقَضُوا ولَمْ يَنْكُثُوا فَلا تُقاتِلُوهم، فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَكم عَلى العَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم فاسْتَقِيمُوا لَهم قِيلَ: هم بَنُو بَكْرٍ، وقِيلَ: بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ، وفي " ما " وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ، والثّانِي: أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والِاسْتِقامَةَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أعادَ الِاسْتِفْهامَ التَّعَجِيبِيَّ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ والحالُ أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بِالغَلَبَةِ لَكم لا يَرْقُبُوا أيْ لا يُراعُوا فِيكم " إلًّا " أيْ عَهْدًا " ولا ذِمَّةً " . (p-٥٥٩)قالَ في الصِّحاحِ: الإلُّ العَهْدُ والقَرابَةُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانُ: ؎لَعَمْرُكَ أنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رِئْلِ النَّعامِ قالَ الزَّجّاجُ: الإلُّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ يَدُورُ عَلى مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ الإلَّةُ لِلْحَرْبَةِ، ومِنهُ أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ: أيْ مُحَدَّدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرْفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ أُذُنَيْ ناقَتِهِ بِالحِدَّةِ والِانْتِصابِ: ؎مُؤَلَّلَتانِ يُعْرَفُ العُنُقُ مِنهُما ∗∗∗ كَسامِعَتَيْ شاةٍ بَحَوْمَلٍ مُفْرَدِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإلُّ العَهْدُ، والذِّمَّةُ والنَّدِيمُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اسْمٌ لِلَّهِ بِالعِبْرانِيَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ الألِيلِ، وهو البَرِيقُ، يُقالُ: ألَّ لَوْنُهُ يَؤُلُّ إلًّا: أيْ صَفا ولَمَعَ، والذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ، فَمَن فَسَّرَ الإلَّ بِالعَهْدِ كانَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذِّمَّةُ التَّذَمُّمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: الذِّمَّةُ الأمانُ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» . ورُوِيَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّ الذِّمَّةَ ما يُتَذَمَّمُ بِهِ: أيْ ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ. قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما فِيهِ مُجامَلَةٌ ومُحاسَنَةٌ لَكم طَلَبًا لِمَرْضاتِكم وتَطْيِيبَ قُلُوبِكم، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ وتُخالِفُهُ وتَوَدُّ ما فِيهِ مَساءَتُكم ومَضَرَّتُكم، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ النِّفاقِ وذَوُو الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، وهو التَّمَرُّدُ والتَّجَرِّي، والخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ، وعَدَمِ مُراعاتِهِمْ لِلْعُقُودِ. ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيِ اسْتَبْدَلُوا بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالعُهُودِ ثَمَنًا قَلِيلًا حَقِيرًا، وهو ما آثَرُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ فَعَدَلُوا وأعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .، قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، والثّانِيَ لِلْيَهُودِ خاصَّةً. والدَّلِيلُ عَلى هَذا ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، وقِيلَ: هَذا فِيهِ مُراعاةٌ لِحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ، وفي الأوَّلِ المُراعاةُ لِحُقُوقِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ المُجاوَزُونَ لِلْحَلالِ إلى الحَرامِ بِنَقْضِ العَهْدِ، أوِ البالِغُونَ في الشَّرِّ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ القُصْوى. فَإنْ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والتَزَمُوا أحْكامَ الإسْلامِ فَإخْوانكم أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ أيْ في دِينِ الإسْلامِ " ونُفَصِّلُ الآياتِ " أيْ نُبَيِّنُها ونُوَضِّحُها " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ ويَفْهَمُونَهُ، وخَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، والمُرادُ بِالآياتِ ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم﴾ يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإخْوانَكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ.

التوبة 9:12

قَوْلُهُ: " وإنْ نَكَثُوا " مَعْطُوفٌ عَلى فَإنْ تابُوا، والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصْلُهُ نَقْضُ الخَيْطِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْضٍ، ومِنهُ نَقْضُ الأيْمانِ والعُهُودِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى " مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ " أيْ مِن بَعْدِ أنْ عاهَدُوكم. والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ إنْ نَكَثُوا العُهُودَ الَّتِي عاهَدُوا بِها المُسْلِمِينَ ووَثَّقُوا لَهم بِها، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ الطَّعْنَ في دِينِ الإسْلامِ، والقَدْحَ فِيهِ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ قِتالُهم، وأئِمَّةُ الكُفْرِ: جَمَعَ إمامٍ، والمُرادُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الرِّئاسَةِ فِيهِمْ عَلى العُمُومِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أإمَةَ ) . وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَحْنٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ: أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وقُرِئَ بِإخْلاصِ الياءِ وهو لَحْنٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لا إيمانَ لَهم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أنَّ أيْمانَ الكافِرِينَ وإنْ كانَتْ في الصُّورَةِ يَمِينًا فَهي في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ النّاكِثِينَ لِلْأيْمانِ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ (p-٥٦٠)لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا العِصْمَةَ لِدِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِتالُهم واجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: " لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ " أيْ عَنْ كُفْرِهِمْ ونَكْثِهِمْ وطَعْنِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ قِتالَهم يَكُونُ إلى الغايَةِ هي الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ لا يُقْتَلُ حَتّى يَنْكُثَ العَهْدَ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْضُ العَهْدَ، والثّانِي: الطَّعْنُ في الدِّينِ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، إلى أنَّهُ إذا طَعَنَ في الدِّينِ قُتِلَ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قالُوا: وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِن دُونِ طَعْنٍ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ ما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ التَّحْضِيضِ عَلى القِتالِ والمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِ هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ العَهْدِ وإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ والبَداءَةِ بِالقِتالِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ لا يُتْرَكَ قِتالُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ في ذَلِكَ، ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ فَقالَ " أتَخْشَوْنَهم " فَإنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ تَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتالَهم لِهَذِهِ الخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ هو أحَقُّ بِالخَشْيَةِ مِنكم، فَإنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ بِالحَقِيقَةِ، ومِن خَشْيَتِكم لَهُ أنْ تُقاتِلُوا مَن أمَرَكم بِقِتالِهِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكم. ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقالَ " قاتِلُوهم " ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ فَوائِدَ: الأُولى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالقَتْلِ والأسْرِ. والثّانِيَةُ: إخْزاؤُهم، قِيلَ: بِالأسْرِ، وقِيلَ: بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ. والثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وغَلَبَتُهم لَهم. والرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالقِتالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ ولا حَضَرَهُ، والخامِسَةُ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُذْهِبُ بِالقِتالِ غَيْظَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي نالَهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأُمُورِ الجالِبَةِ لِلْغَيْظِ وحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ: شِفاءُ الصُّدُورِ وإذْهابُ غَيْظِ القُلُوبِ كِلاهُما بِمَعْنًى فَيَكُونُ تِكْرارًا، قِيلَ: في الجَوابِ: إنَّ القَلْبَ أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ، ولا رَيْبَ أنَّ الِانْتِظارَ لِنَجازِ الوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِما شِفاءٌ لِلصَّدْرِ، وأنَّ إذْهابَ غَيْظِ القُلُوبِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ الفَتْحِ، وقَدْ وقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلَّهِ الحَمْدُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِما سَيَكُونُ، وهو أنَّ بَعْضَ الكافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ كَما وقَعَ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنَّهم أسْلَمُوا وحَسُنَ إسْلامُهم، وهَذا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في " يَتُوبُ "، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ: وقُرِئَ بِنَصْبِ " يَتُوبَ " بِإضْمارِ " أنْ "، ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، والأعْرَجُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقَعُ التَّوْبَةُ جَزاءً لِلْمُقاتِلَةِ ؟ وأُجِيبَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَها إذا كانَتْ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وأمّا إذا كانَتْ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ والتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وحَرْفُ الإضْرابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ. والمَعْنى: كَيْفَ يَقَعُ الحُسْبانُ مِنكم بِأنْ تُتْرَكُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: " أنْ تُتْرَكُوا " في مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الحُسْبانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ حُذِفَ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ والعِقابَ، وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيِ المَعْلُومِ، والمَعْنى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ ولَمّا يَتَبَيَّنِ المُخْلِصُ مِنكم في جِهادِهِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ، وجُمْلَةُ " ولَمْ يَتَّخِذُوا " مَعْطُوفَةٌ عَلى " جاهَدُوا " داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ النَّفْيِ، واقِعَةٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والوَلِيجَةُ مِنَ الوُلُوجِ: وهو الدُّخُولُ، ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا: إذا دَخَلَ: فالوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ. قالَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: ؎فَبِئْسَ الوَلِيجَةُ لِلْهارِبِي نَ والمُعْتَدِينَ وأهْلِ الرَّيْبِ وقالَ الفَرّاءُ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى واحِدٌ: أيْ كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً أوْ بِطانَةً مِنَ المُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إلَيْهِمْ بِأسْرارِكم وتُعْلِمُونَهم أُمُورَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهم إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ " أئِمَّةَ الكُفْرِ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهِلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ،، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ، فَقالَ أعْرابِيُّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنا لا نَدْرِي فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنا ويَسْتَرِقُونَ أعْلاقَنا، قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ، أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. والأوْلى: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ رُؤَساءِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ (p-٥٦١)بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أوْ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلى النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رُؤُوسُهم، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمّارٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ. زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ في العامِ التّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ، فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ ساقَ القِصَّةَ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ، وأوْرَدَ فِيها النَّظْمَ الَّذِي أرْسَلَتْهُ خُزاعَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوَّلُهُ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشَدٌ مُحَمَّدًا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا وأخْرَجَ القِصَّةَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الوَلِيجَةُ: البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ولِيجَةٌ أيْ خِيانَةٌ.

التوبة 9:13

قَوْلُهُ: " وإنْ نَكَثُوا " مَعْطُوفٌ عَلى فَإنْ تابُوا، والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصْلُهُ نَقْضُ الخَيْطِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْضٍ، ومِنهُ نَقْضُ الأيْمانِ والعُهُودِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى " مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ " أيْ مِن بَعْدِ أنْ عاهَدُوكم. والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ إنْ نَكَثُوا العُهُودَ الَّتِي عاهَدُوا بِها المُسْلِمِينَ ووَثَّقُوا لَهم بِها، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ الطَّعْنَ في دِينِ الإسْلامِ، والقَدْحَ فِيهِ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ قِتالُهم، وأئِمَّةُ الكُفْرِ: جَمَعَ إمامٍ، والمُرادُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الرِّئاسَةِ فِيهِمْ عَلى العُمُومِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أإمَةَ ) . وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَحْنٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ: أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وقُرِئَ بِإخْلاصِ الياءِ وهو لَحْنٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لا إيمانَ لَهم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أنَّ أيْمانَ الكافِرِينَ وإنْ كانَتْ في الصُّورَةِ يَمِينًا فَهي في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ النّاكِثِينَ لِلْأيْمانِ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ (p-٥٦٠)لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا العِصْمَةَ لِدِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِتالُهم واجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: " لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ " أيْ عَنْ كُفْرِهِمْ ونَكْثِهِمْ وطَعْنِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ قِتالَهم يَكُونُ إلى الغايَةِ هي الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ لا يُقْتَلُ حَتّى يَنْكُثَ العَهْدَ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْضُ العَهْدَ، والثّانِي: الطَّعْنُ في الدِّينِ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، إلى أنَّهُ إذا طَعَنَ في الدِّينِ قُتِلَ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قالُوا: وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِن دُونِ طَعْنٍ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ ما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ التَّحْضِيضِ عَلى القِتالِ والمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِ هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ العَهْدِ وإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ والبَداءَةِ بِالقِتالِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ لا يُتْرَكَ قِتالُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ في ذَلِكَ، ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ فَقالَ " أتَخْشَوْنَهم " فَإنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ تَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتالَهم لِهَذِهِ الخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ هو أحَقُّ بِالخَشْيَةِ مِنكم، فَإنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ بِالحَقِيقَةِ، ومِن خَشْيَتِكم لَهُ أنْ تُقاتِلُوا مَن أمَرَكم بِقِتالِهِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكم. ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقالَ " قاتِلُوهم " ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ فَوائِدَ: الأُولى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالقَتْلِ والأسْرِ. والثّانِيَةُ: إخْزاؤُهم، قِيلَ: بِالأسْرِ، وقِيلَ: بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ. والثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وغَلَبَتُهم لَهم. والرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالقِتالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ ولا حَضَرَهُ، والخامِسَةُ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُذْهِبُ بِالقِتالِ غَيْظَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي نالَهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأُمُورِ الجالِبَةِ لِلْغَيْظِ وحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ: شِفاءُ الصُّدُورِ وإذْهابُ غَيْظِ القُلُوبِ كِلاهُما بِمَعْنًى فَيَكُونُ تِكْرارًا، قِيلَ: في الجَوابِ: إنَّ القَلْبَ أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ، ولا رَيْبَ أنَّ الِانْتِظارَ لِنَجازِ الوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِما شِفاءٌ لِلصَّدْرِ، وأنَّ إذْهابَ غَيْظِ القُلُوبِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ الفَتْحِ، وقَدْ وقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلَّهِ الحَمْدُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِما سَيَكُونُ، وهو أنَّ بَعْضَ الكافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ كَما وقَعَ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنَّهم أسْلَمُوا وحَسُنَ إسْلامُهم، وهَذا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في " يَتُوبُ "، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ: وقُرِئَ بِنَصْبِ " يَتُوبَ " بِإضْمارِ " أنْ "، ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، والأعْرَجُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقَعُ التَّوْبَةُ جَزاءً لِلْمُقاتِلَةِ ؟ وأُجِيبَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَها إذا كانَتْ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وأمّا إذا كانَتْ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ والتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وحَرْفُ الإضْرابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ. والمَعْنى: كَيْفَ يَقَعُ الحُسْبانُ مِنكم بِأنْ تُتْرَكُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: " أنْ تُتْرَكُوا " في مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الحُسْبانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ حُذِفَ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ والعِقابَ، وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيِ المَعْلُومِ، والمَعْنى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ ولَمّا يَتَبَيَّنِ المُخْلِصُ مِنكم في جِهادِهِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ، وجُمْلَةُ " ولَمْ يَتَّخِذُوا " مَعْطُوفَةٌ عَلى " جاهَدُوا " داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ النَّفْيِ، واقِعَةٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والوَلِيجَةُ مِنَ الوُلُوجِ: وهو الدُّخُولُ، ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا: إذا دَخَلَ: فالوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ. قالَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: ؎فَبِئْسَ الوَلِيجَةُ لِلْهارِبِي نَ والمُعْتَدِينَ وأهْلِ الرَّيْبِ وقالَ الفَرّاءُ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى واحِدٌ: أيْ كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً أوْ بِطانَةً مِنَ المُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إلَيْهِمْ بِأسْرارِكم وتُعْلِمُونَهم أُمُورَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهم إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ " أئِمَّةَ الكُفْرِ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهِلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ،، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ، فَقالَ أعْرابِيُّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنا لا نَدْرِي فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنا ويَسْتَرِقُونَ أعْلاقَنا، قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ، أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. والأوْلى: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ رُؤَساءِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ (p-٥٦١)بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أوْ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلى النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رُؤُوسُهم، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمّارٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ. زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ في العامِ التّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ، فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ ساقَ القِصَّةَ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ، وأوْرَدَ فِيها النَّظْمَ الَّذِي أرْسَلَتْهُ خُزاعَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوَّلُهُ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشَدٌ مُحَمَّدًا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا وأخْرَجَ القِصَّةَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الوَلِيجَةُ: البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ولِيجَةٌ أيْ خِيانَةٌ.

التوبة 9:14

قَوْلُهُ: " وإنْ نَكَثُوا " مَعْطُوفٌ عَلى فَإنْ تابُوا، والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصْلُهُ نَقْضُ الخَيْطِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْضٍ، ومِنهُ نَقْضُ الأيْمانِ والعُهُودِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى " مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ " أيْ مِن بَعْدِ أنْ عاهَدُوكم. والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ إنْ نَكَثُوا العُهُودَ الَّتِي عاهَدُوا بِها المُسْلِمِينَ ووَثَّقُوا لَهم بِها، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ الطَّعْنَ في دِينِ الإسْلامِ، والقَدْحَ فِيهِ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ قِتالُهم، وأئِمَّةُ الكُفْرِ: جَمَعَ إمامٍ، والمُرادُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الرِّئاسَةِ فِيهِمْ عَلى العُمُومِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أإمَةَ ) . وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَحْنٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ: أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وقُرِئَ بِإخْلاصِ الياءِ وهو لَحْنٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لا إيمانَ لَهم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أنَّ أيْمانَ الكافِرِينَ وإنْ كانَتْ في الصُّورَةِ يَمِينًا فَهي في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ النّاكِثِينَ لِلْأيْمانِ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ (p-٥٦٠)لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا العِصْمَةَ لِدِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِتالُهم واجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: " لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ " أيْ عَنْ كُفْرِهِمْ ونَكْثِهِمْ وطَعْنِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ قِتالَهم يَكُونُ إلى الغايَةِ هي الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ لا يُقْتَلُ حَتّى يَنْكُثَ العَهْدَ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْضُ العَهْدَ، والثّانِي: الطَّعْنُ في الدِّينِ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، إلى أنَّهُ إذا طَعَنَ في الدِّينِ قُتِلَ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قالُوا: وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِن دُونِ طَعْنٍ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ ما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ التَّحْضِيضِ عَلى القِتالِ والمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِ هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ العَهْدِ وإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ والبَداءَةِ بِالقِتالِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ لا يُتْرَكَ قِتالُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ في ذَلِكَ، ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ فَقالَ " أتَخْشَوْنَهم " فَإنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ تَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتالَهم لِهَذِهِ الخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ هو أحَقُّ بِالخَشْيَةِ مِنكم، فَإنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ بِالحَقِيقَةِ، ومِن خَشْيَتِكم لَهُ أنْ تُقاتِلُوا مَن أمَرَكم بِقِتالِهِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكم. ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقالَ " قاتِلُوهم " ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ فَوائِدَ: الأُولى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالقَتْلِ والأسْرِ. والثّانِيَةُ: إخْزاؤُهم، قِيلَ: بِالأسْرِ، وقِيلَ: بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ. والثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وغَلَبَتُهم لَهم. والرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالقِتالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ ولا حَضَرَهُ، والخامِسَةُ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُذْهِبُ بِالقِتالِ غَيْظَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي نالَهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأُمُورِ الجالِبَةِ لِلْغَيْظِ وحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ: شِفاءُ الصُّدُورِ وإذْهابُ غَيْظِ القُلُوبِ كِلاهُما بِمَعْنًى فَيَكُونُ تِكْرارًا، قِيلَ: في الجَوابِ: إنَّ القَلْبَ أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ، ولا رَيْبَ أنَّ الِانْتِظارَ لِنَجازِ الوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِما شِفاءٌ لِلصَّدْرِ، وأنَّ إذْهابَ غَيْظِ القُلُوبِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ الفَتْحِ، وقَدْ وقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلَّهِ الحَمْدُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِما سَيَكُونُ، وهو أنَّ بَعْضَ الكافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ كَما وقَعَ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنَّهم أسْلَمُوا وحَسُنَ إسْلامُهم، وهَذا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في " يَتُوبُ "، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ: وقُرِئَ بِنَصْبِ " يَتُوبَ " بِإضْمارِ " أنْ "، ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، والأعْرَجُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقَعُ التَّوْبَةُ جَزاءً لِلْمُقاتِلَةِ ؟ وأُجِيبَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَها إذا كانَتْ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وأمّا إذا كانَتْ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ والتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وحَرْفُ الإضْرابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ. والمَعْنى: كَيْفَ يَقَعُ الحُسْبانُ مِنكم بِأنْ تُتْرَكُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: " أنْ تُتْرَكُوا " في مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الحُسْبانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ حُذِفَ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ والعِقابَ، وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيِ المَعْلُومِ، والمَعْنى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ ولَمّا يَتَبَيَّنِ المُخْلِصُ مِنكم في جِهادِهِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ، وجُمْلَةُ " ولَمْ يَتَّخِذُوا " مَعْطُوفَةٌ عَلى " جاهَدُوا " داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ النَّفْيِ، واقِعَةٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والوَلِيجَةُ مِنَ الوُلُوجِ: وهو الدُّخُولُ، ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا: إذا دَخَلَ: فالوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ. قالَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: ؎فَبِئْسَ الوَلِيجَةُ لِلْهارِبِي نَ والمُعْتَدِينَ وأهْلِ الرَّيْبِ وقالَ الفَرّاءُ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى واحِدٌ: أيْ كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً أوْ بِطانَةً مِنَ المُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إلَيْهِمْ بِأسْرارِكم وتُعْلِمُونَهم أُمُورَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهم إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ " أئِمَّةَ الكُفْرِ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهِلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ،، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ، فَقالَ أعْرابِيُّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنا لا نَدْرِي فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنا ويَسْتَرِقُونَ أعْلاقَنا، قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ، أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. والأوْلى: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ رُؤَساءِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ (p-٥٦١)بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أوْ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلى النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رُؤُوسُهم، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمّارٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ. زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ في العامِ التّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ، فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ ساقَ القِصَّةَ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ، وأوْرَدَ فِيها النَّظْمَ الَّذِي أرْسَلَتْهُ خُزاعَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوَّلُهُ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشَدٌ مُحَمَّدًا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا وأخْرَجَ القِصَّةَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الوَلِيجَةُ: البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ولِيجَةٌ أيْ خِيانَةٌ.

التوبة 9:15

قَوْلُهُ: " وإنْ نَكَثُوا " مَعْطُوفٌ عَلى فَإنْ تابُوا، والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصْلُهُ نَقْضُ الخَيْطِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْضٍ، ومِنهُ نَقْضُ الأيْمانِ والعُهُودِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى " مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ " أيْ مِن بَعْدِ أنْ عاهَدُوكم. والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ إنْ نَكَثُوا العُهُودَ الَّتِي عاهَدُوا بِها المُسْلِمِينَ ووَثَّقُوا لَهم بِها، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ الطَّعْنَ في دِينِ الإسْلامِ، والقَدْحَ فِيهِ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ قِتالُهم، وأئِمَّةُ الكُفْرِ: جَمَعَ إمامٍ، والمُرادُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الرِّئاسَةِ فِيهِمْ عَلى العُمُومِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أإمَةَ ) . وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَحْنٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ: أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وقُرِئَ بِإخْلاصِ الياءِ وهو لَحْنٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لا إيمانَ لَهم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أنَّ أيْمانَ الكافِرِينَ وإنْ كانَتْ في الصُّورَةِ يَمِينًا فَهي في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ النّاكِثِينَ لِلْأيْمانِ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ (p-٥٦٠)لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا العِصْمَةَ لِدِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِتالُهم واجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: " لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ " أيْ عَنْ كُفْرِهِمْ ونَكْثِهِمْ وطَعْنِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ قِتالَهم يَكُونُ إلى الغايَةِ هي الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ لا يُقْتَلُ حَتّى يَنْكُثَ العَهْدَ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْضُ العَهْدَ، والثّانِي: الطَّعْنُ في الدِّينِ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، إلى أنَّهُ إذا طَعَنَ في الدِّينِ قُتِلَ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قالُوا: وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِن دُونِ طَعْنٍ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ ما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ التَّحْضِيضِ عَلى القِتالِ والمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِ هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ العَهْدِ وإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ والبَداءَةِ بِالقِتالِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ لا يُتْرَكَ قِتالُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ في ذَلِكَ، ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ فَقالَ " أتَخْشَوْنَهم " فَإنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ تَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتالَهم لِهَذِهِ الخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ هو أحَقُّ بِالخَشْيَةِ مِنكم، فَإنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ بِالحَقِيقَةِ، ومِن خَشْيَتِكم لَهُ أنْ تُقاتِلُوا مَن أمَرَكم بِقِتالِهِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكم. ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقالَ " قاتِلُوهم " ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ فَوائِدَ: الأُولى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالقَتْلِ والأسْرِ. والثّانِيَةُ: إخْزاؤُهم، قِيلَ: بِالأسْرِ، وقِيلَ: بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ. والثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وغَلَبَتُهم لَهم. والرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالقِتالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ ولا حَضَرَهُ، والخامِسَةُ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُذْهِبُ بِالقِتالِ غَيْظَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي نالَهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأُمُورِ الجالِبَةِ لِلْغَيْظِ وحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ: شِفاءُ الصُّدُورِ وإذْهابُ غَيْظِ القُلُوبِ كِلاهُما بِمَعْنًى فَيَكُونُ تِكْرارًا، قِيلَ: في الجَوابِ: إنَّ القَلْبَ أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ، ولا رَيْبَ أنَّ الِانْتِظارَ لِنَجازِ الوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِما شِفاءٌ لِلصَّدْرِ، وأنَّ إذْهابَ غَيْظِ القُلُوبِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ الفَتْحِ، وقَدْ وقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلَّهِ الحَمْدُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِما سَيَكُونُ، وهو أنَّ بَعْضَ الكافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ كَما وقَعَ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنَّهم أسْلَمُوا وحَسُنَ إسْلامُهم، وهَذا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في " يَتُوبُ "، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ: وقُرِئَ بِنَصْبِ " يَتُوبَ " بِإضْمارِ " أنْ "، ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، والأعْرَجُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقَعُ التَّوْبَةُ جَزاءً لِلْمُقاتِلَةِ ؟ وأُجِيبَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَها إذا كانَتْ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وأمّا إذا كانَتْ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ والتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وحَرْفُ الإضْرابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ. والمَعْنى: كَيْفَ يَقَعُ الحُسْبانُ مِنكم بِأنْ تُتْرَكُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: " أنْ تُتْرَكُوا " في مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الحُسْبانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ حُذِفَ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ والعِقابَ، وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيِ المَعْلُومِ، والمَعْنى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ ولَمّا يَتَبَيَّنِ المُخْلِصُ مِنكم في جِهادِهِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ، وجُمْلَةُ " ولَمْ يَتَّخِذُوا " مَعْطُوفَةٌ عَلى " جاهَدُوا " داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ النَّفْيِ، واقِعَةٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والوَلِيجَةُ مِنَ الوُلُوجِ: وهو الدُّخُولُ، ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا: إذا دَخَلَ: فالوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ. قالَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: ؎فَبِئْسَ الوَلِيجَةُ لِلْهارِبِي نَ والمُعْتَدِينَ وأهْلِ الرَّيْبِ وقالَ الفَرّاءُ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى واحِدٌ: أيْ كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً أوْ بِطانَةً مِنَ المُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إلَيْهِمْ بِأسْرارِكم وتُعْلِمُونَهم أُمُورَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهم إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ " أئِمَّةَ الكُفْرِ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهِلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ،، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ، فَقالَ أعْرابِيُّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنا لا نَدْرِي فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنا ويَسْتَرِقُونَ أعْلاقَنا، قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ، أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. والأوْلى: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ رُؤَساءِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ (p-٥٦١)بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أوْ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلى النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رُؤُوسُهم، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمّارٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ. زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ في العامِ التّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ، فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ ساقَ القِصَّةَ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ، وأوْرَدَ فِيها النَّظْمَ الَّذِي أرْسَلَتْهُ خُزاعَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوَّلُهُ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشَدٌ مُحَمَّدًا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا وأخْرَجَ القِصَّةَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الوَلِيجَةُ: البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ولِيجَةٌ أيْ خِيانَةٌ.

التوبة 9:16

قَوْلُهُ: " وإنْ نَكَثُوا " مَعْطُوفٌ عَلى فَإنْ تابُوا، والنَّكْثُ: النَّقْضُ، وأصْلُهُ نَقْضُ الخَيْطِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْضٍ، ومِنهُ نَقْضُ الأيْمانِ والعُهُودِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى " مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ " أيْ مِن بَعْدِ أنْ عاهَدُوكم. والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ إنْ نَكَثُوا العُهُودَ الَّتِي عاهَدُوا بِها المُسْلِمِينَ ووَثَّقُوا لَهم بِها، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ الطَّعْنَ في دِينِ الإسْلامِ، والقَدْحَ فِيهِ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ قِتالُهم، وأئِمَّةُ الكُفْرِ: جَمَعَ إمامٍ، والمُرادُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الرِّئاسَةِ فِيهِمْ عَلى العُمُومِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أإمَةَ ) . وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَحْنٌ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنٍ: أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. وقُرِئَ بِإخْلاصِ الياءِ وهو لَحْنٌ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: والأيْمانُ: جَمْعُ يَمِينٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لا إيمانَ لَهم " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أنَّ أيْمانَ الكافِرِينَ وإنْ كانَتْ في الصُّورَةِ يَمِينًا فَهي في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ النّاكِثِينَ لِلْأيْمانِ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ (p-٥٦٠)لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا العِصْمَةَ لِدِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِتالُهم واجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: " لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ " أيْ عَنْ كُفْرِهِمْ ونَكْثِهِمْ وطَعْنِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ قِتالَهم يَكُونُ إلى الغايَةِ هي الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الدِّينِ لا يُقْتَلُ حَتّى يَنْكُثَ العَهْدَ كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْضُ العَهْدَ، والثّانِي: الطَّعْنُ في الدِّينِ، وذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما، إلى أنَّهُ إذا طَعَنَ في الدِّينِ قُتِلَ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدَهُ بِذَلِكَ، قالُوا: وكَذَلِكَ إذا حَصَلَ مِنَ الذِّمِّيِّ مُجَرَّدُ النَّكْثِ فَقَطْ مِن دُونِ طَعْنٍ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ. قَوْلُهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ ما يُسْتَفادُ مِنها مِنَ التَّحْضِيضِ عَلى القِتالِ والمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِ هَؤُلاءِ مِن نَقْضِ العَهْدِ وإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ والبَداءَةِ بِالقِتالِ، فَهو حَقِيقٌ بِأنْ لا يُتْرَكَ قِتالُهُ، وأنْ يُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ في ذَلِكَ، ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ فَقالَ " أتَخْشَوْنَهم " فَإنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ تَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ فَتَتْرُكُونَ قِتالَهم لِهَذِهِ الخَشْيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ هو أحَقُّ بِالخَشْيَةِ مِنكم، فَإنَّهُ الضّارُّ النّافِعُ بِالحَقِيقَةِ، ومِن خَشْيَتِكم لَهُ أنْ تُقاتِلُوا مَن أمَرَكم بِقِتالِهِ، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْكم. ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقالَ " قاتِلُوهم " ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ فَوائِدَ: الأُولى: تَعْذِيبُ اللَّهِ لِلْكَفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالقَتْلِ والأسْرِ. والثّانِيَةُ: إخْزاؤُهم، قِيلَ: بِالأسْرِ، وقِيلَ: بِما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ. والثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وغَلَبَتُهم لَهم. والرّابِعَةُ: أنَّ اللَّهَ يَشْفِي بِالقِتالِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ ولا حَضَرَهُ، والخامِسَةُ: أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُذْهِبُ بِالقِتالِ غَيْظَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي نالَهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الأُمُورِ الجالِبَةِ لِلْغَيْظِ وحَرَجِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ: شِفاءُ الصُّدُورِ وإذْهابُ غَيْظِ القُلُوبِ كِلاهُما بِمَعْنًى فَيَكُونُ تِكْرارًا، قِيلَ: في الجَوابِ: إنَّ القَلْبَ أخَصُّ مِنَ الصَّدْرِ، وقِيلَ: إنَّ شِفاءَ الصَّدْرِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ، ولا رَيْبَ أنَّ الِانْتِظارَ لِنَجازِ الوَعْدِ مَعَ الثِّقَةِ بِهِ فِيهِما شِفاءٌ لِلصَّدْرِ، وأنَّ إذْهابَ غَيْظِ القُلُوبِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ الفَتْحِ، وقَدْ وقَعَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلَّهِ الحَمْدُ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ بِما سَيَكُونُ، وهو أنَّ بَعْضَ الكافِرِينَ يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ كَما وقَعَ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَإنَّهم أسْلَمُوا وحَسُنَ إسْلامُهم، وهَذا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ في " يَتُوبُ "، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ: وقُرِئَ بِنَصْبِ " يَتُوبَ " بِإضْمارِ " أنْ "، ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ مِن طَرِيقِ المَعْنى. قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ، والأعْرَجُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقَعُ التَّوْبَةُ جَزاءً لِلْمُقاتِلَةِ ؟ وأُجِيبَ أنَّ القِتالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَها إذا كانَتْ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وأمّا إذا كانَتْ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ فَوَجْهُهُ أنَّ النَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جِهَةِ اللَّهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخُلُوصِ النِّيَّةِ والتَّوْبَةِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ، وحَرْفُ الإضْرابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى آخَرَ. والمَعْنى: كَيْفَ يَقَعُ الحُسْبانُ مِنكم بِأنْ تُتْرَكُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: " أنْ تُتْرَكُوا " في مَوْضِعِ مَفْعُولَيِ الحُسْبانَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ حُذِفَ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا مِن غَيْرِ أنْ تُبْتَلَوْا بِما يَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ الظُّهُورَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ والعِقابَ، وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيِ المَعْلُومِ، والمَعْنى كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنَّكم تُتْرَكُونَ ولَمّا يَتَبَيَّنِ المُخْلِصُ مِنكم في جِهادِهِ مِن غَيْرِ المُخْلِصِ، وجُمْلَةُ " ولَمْ يَتَّخِذُوا " مَعْطُوفَةٌ عَلى " جاهَدُوا " داخِلَةٌ مَعَهُ في حُكْمِ النَّفْيِ، واقِعَةٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والوَلِيجَةُ مِنَ الوُلُوجِ: وهو الدُّخُولُ، ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا: إذا دَخَلَ: فالوَلِيجَةُ: الدَّخِيلَةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ. قالَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: ؎فَبِئْسَ الوَلِيجَةُ لِلْهارِبِي نَ والمُعْتَدِينَ وأهْلِ الرَّيْبِ وقالَ الفَرّاءُ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى واحِدٌ: أيْ كَيْفَ تَتَّخِذُونَ دَخِيلَةً أوْ بِطانَةً مِنَ المُشْرِكِينَ تُفْشُونَ إلَيْهِمْ بِأسْرارِكم وتُعْلِمُونَهم أُمُورَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ أعْمالِكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهم إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ " أئِمَّةَ الكُفْرِ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهِلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ مِن مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ،، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما بَقِيَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ، فَقالَ أعْرابِيُّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنا لا نَدْرِي فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنا ويَسْتَرِقُونَ أعْلاقَنا، قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ، أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. والأوْلى: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ رُؤَساءِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ (p-٥٦١)بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أوْ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظُ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِمّا يُفِيدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلى النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُجَوَّفَةً رُؤُوسُهم، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمّارٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم﴾ قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ. زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ في العامِ التّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ، فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وقَدْ ساقَ القِصَّةَ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ، وأوْرَدَ فِيها النَّظْمَ الَّذِي أرْسَلَتْهُ خُزاعَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوَّلُهُ: ؎يا رَبِّ إنِّي ناشَدٌ مُحَمَّدًا ∗∗∗ حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا وأخْرَجَ القِصَّةَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الوَلِيجَةُ: البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ولِيجَةٌ أيْ خِيانَةٌ.

التوبة 9:17

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.

التوبة 9:18

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.

التوبة 9:19

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.

التوبة 9:20

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.

التوبة 9:21

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.