Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — التوبة 9:22 – التوبة 9:56

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. التوبة 9:22
  2. التوبة 9:23
  3. التوبة 9:24
  4. التوبة 9:25
  5. التوبة 9:26
  6. التوبة 9:27
  7. التوبة 9:28
  8. التوبة 9:29
  9. التوبة 9:30
  10. التوبة 9:31
  11. التوبة 9:32
  12. التوبة 9:33
  13. التوبة 9:34
  14. التوبة 9:35
  15. التوبة 9:36
  16. التوبة 9:37
  17. التوبة 9:38
  18. التوبة 9:39
  19. التوبة 9:40
  20. التوبة 9:41
  21. التوبة 9:42
  22. التوبة 9:43
  23. التوبة 9:44
  24. التوبة 9:45
  25. التوبة 9:46
  26. التوبة 9:47
  27. التوبة 9:48
  28. التوبة 9:49
  29. التوبة 9:50
  30. التوبة 9:51
  31. التوبة 9:52
  32. التوبة 9:53
  33. التوبة 9:54
  34. التوبة 9:55
  35. التوبة 9:56

التوبة 9:22

قَرَأ الجُمْهُورُ " يَعْمُرُوا " بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ مِن عَمَرَ يَعْمُرُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أعْمَرَ يُعْمِرُ: أيْ يَجْعَلُونَ لَها مَن يَعْمُرُها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ،، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَهْمٌ ويَعْقُوبُ " مَسْجِدَ اللَّهِ " بِالإفْرادِ. وقَرَأ الباقُونَ " مَساجِدَ " بِالجَمْعِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: لِأنَّها أعَمُّ، والخاصُّ يَدْخُلُ تَحْتَ العامِّ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالجَمْعِ المَسْجِدُ الحَرامُ خاصَّةً، وهَذا جائِزٌ فِيما كانَ مِن أسْماءِ الأجْناسِ كَما يُقالُ " فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ: وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا قالَ: وقَدْ أجْمَعُوا عَلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ " مَساجِدَ " والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تَضَعُ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وبِالعَكْسِ كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ ولَعَلَّهُ لَمْ يُجالِسْ إلّا مَلِكًا واحِدًا، والمُرادُ بِالعِمارَةِ إمّا المَعْنى الحَقِيقِيُّ أوِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو مُلازَمَتُهُ والتَّعَبُّدُ فِيهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المِنَّةَ عَلى المُسْلِمِينَ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِمْ، وأمّا الثّانِي: فَلِكَوْنِ الكُفّارِ لا عِبادَةَ لَهم مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ قُرْبانِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، و﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ حالٌ، أيْ ما كانَ لَهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ بِإظْهارٍ ما هو كُفْرٌ مِن نَصْبِ الأوْثانِ والعِبادَةِ لَها وجَعْلِها آلِهَةً، فَإنَّ هَذا شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ: عِمارَةُ المَساجِدِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ، والشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن شَأْنِ مَن يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِعِمارَةِ مَساجِدِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلُهم في طَوافِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ: إنَّ اليَهُودِيَّ يَقُولُ: هو يَهُودِيٌّ، والنَّصْرانِيُّ يَقُولُ: هو نَصْرانِيٌّ، والصّابِئُ يَقُولُ: هو صابِئٌ، والمُشْرِكُ يَقُولُ هو مُشْرِكٌ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها ويَظُنُّونَ أنَّها مِن أعْمالِ الخَيْرِ: أيْ بَطَلَتْ ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِالخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها. ثُمَّ بَيْنَ - سُبْحانِهِ - مَن هو حَقِيقٌ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ فَقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفَعَلَ ما هو مِن لَوازِمِ الإيمانِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ولَمْ يَخْشَ أحَدًا إلّا اللَّهَ فَمَن كانَ جامِعًا بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ فَهو الحَقِيقُ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، لا مَن كانَ خالِيًا مِنها أوْ مِن بَعْضِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَشْيَةِ تَنْبِيهًا بِما هو مِن أعْظَمِ أُمُورِ الدِّينِ عَلى ما عَداهُ مِمّا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمَ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ جَمْعِ المَساجِدِ وفي بَيانِ ماهِيَّةِ العِمارَةِ، ومَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ العِمارَةَ هُنا عَلَيْهِما، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِ الكُفّارِ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ، فَإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إذا كانَ اهْتِداؤُهم مَرْجُوًّا فَقَطْ، فَكَيْفَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ (p-٥٦٢)مِن تِلْكَ الصِّفاتِ، وقِيلَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى خَلِيقٍ: أيْ فَخَلِيقٌ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِلْإنْكارِ، والسِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ كالسِّعايَةِ والحِمايَةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ أصْحابَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ، أوْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ حَتّى يَتَّفِقَ المَوْضُوعُ والمَحْمُولَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الخَبَرِ: أيْ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَعَمَلِ مَن آمَنَ أوْ كَإيمانِ مَن آمَنَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيُّ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، " أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، جَمْعُ ساقٍ وعامِرٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ ما كانَ تَعْمَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي صَوَّرَتْها صُورَةُ الخَيْرِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وبَيْنَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ وجِهادِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَفْتَخِرُونَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ ويُفَضِّلُونَهُما عَلى عَمَلِ المُسْلِمِينَ، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَّحَ - سُبْحانَهُ - بِالمُفاضَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وتَفاوُتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُساوِي تِلْكَ الطّائِفَةُ الكافِرَةُ السّاقِيَةُ لِلْحَجِيجِ العامِرَةُ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ هَذِهِ الطّائِفَةُ المُؤْمِنَةُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ المُجاهِدَةُ في سَبِيلِهِ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْيِ الِاسْتِواءِ عَلى نَفْيِ الفَضِيلَةِ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ: أيْ إذا لَمْ تَبْلُغْ أعْمالُ الكُفّارِ إلى أنْ تَكُونَ مُساوِيَةً لِأعْمالِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ فاضِلَةً عَلَيْها كَما يَزْعُمُونَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لا يَسْتَحِقُّونَ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وفي هَذا إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالفَرِيقِ الفاضِلِ فَقالَ: الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأحَقُّ بِما لَدَيْهِ مِنَ الخَيْرِ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المُشْرِكَةِ المُفْتَخِرَةِ بِأعْمالِها المُحْبَطَةِ الباطِلَةِ، وفي قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ هُمُ الفائِزُونَ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ فَسَّرَ الفَوْزَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ والتَّنْكِيرُ في الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ والجَنّاتِ لِلتَّعْظِيمِ، والمَعْنى أنَّها فَوْقَ وصْفِ الواصِفِينَ وتَصَوُّرِ المُتَصَوِّرِينَ. والنَّعِيمُ المُقِيمُ: الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ الَّذِي لا يُفارِقُ صاحِبَهُ. وذِكْرُ الأبَدِ بَعْدَ الخُلُودِ تَأْكِيدٌ لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَضَمُّنِها لِلتَّعْلِيلِ: أيْ أعْطاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ لِكَوْنِ الأجْرِ الَّذِي عِنْدَهُ عَظِيمٌ يَهَبُ مِنهُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن وحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ: وأقامَ الصَّلاةَ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، " فَعَسى أُولَئِكَ " يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ( الإسْراءِ: ٧٩ ) يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ عَسى في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمَيُّ،، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» . قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في اسْتِحْبابِ مُلازِمَةِ المَساجِدِ وعِمارَتِها والتَّرَدُّدِ إلَيْها لِلطّاعاتِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ،، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلْ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعَمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهم، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ٦٧، ٦٦ ) يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ " بِهِ سامِرًا ": كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ عَلى عِمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ ولَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهم عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ فَسَمّاهم ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا في (p-٥٦٣)الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وشَيْبَةُ، في السِّقايَةِ والحِجابَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.

التوبة 9:23

الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهو حُكْمٌ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلى قَطْعِ الوِلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، نُهُوا أنْ يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى البِلادِ والكَفْرِ. " إنِ اسْتَحَبُّوا ": أيْ أحَبُّوا، كَما يُقالُ: اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، وهو في الأصْلِ طَلَبُ المَحَبَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ المَقامِ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥١ ) ثُمَّ حَكَمَ عَلى مَن يَتَوَلّى مَنِ اسْتَحَبَّ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ مِنَ الآباءِ والإخْوانِ بِالظُّلْمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَوَلِّيَ مَن كانَ كَذَلِكَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ وأشَدِّها. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، والعَشِيرَةُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ واحِدٍ، وعَشِيرَةُ الرَّجُلِ: قَرابَتُهُ الأدْنَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ وهي اسْمُ جَمْعٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وحَمّادٌ " عَشِيراتُكم " بِالجَمْعِ. قالَ الأخْفَشُ لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشِيراتٍ، وإنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ. وقَرَأ الحَسَنُ " عَشائِرَكم " وقَرَأ الباقُونَ " عَشِيرَتَكم " . والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُورُ عَلى الدُّنُوِّ، والكاسِبُ يُدْنِي الشَّيْءَ مِن نَفْسِهِ ويُدْخِلُهُ تَحْتَ مُلْكِهِ، والتِّجارَةُ: الأمْتِعَةُ الَّتِي يَشْتَرُونَها لِيَرْبَحُوا فِيها، والكَسادُ: عَدَمُ النَّفاقِ لِفَواتِ وقْتِ بَيْعِها بِالهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الأوْطانِ. ومِن غَرائِبِ التَّفْسِيرِ ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ في هَذِهِ الآيَةِ البَناتُ والأخَواتُ، إذا كَسَدْنَ في البَيْتِ لا يَجِدْنَ لَهُنَّ خاطِبًا، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَسَدْنَ مِنَ الفَقْرِ في قَوْمِهِنَّ وقَدْ زادَهُنَّ مَقامِي كَسادًا وهَذا البَيْتُ وإنْ كانَ فِيهِ إطْلاقُ الكَسادِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الخاطِبِ لَهُنَّ فَلَيْسَ فِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ التِّجارَةِ عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ بِالمَساكِنِ الَّتِي يَرْضَوْنَها: المَنازِلُ الَّتِي تُعْجِبُهم، وتَمِيلُ إلَيْها أنْفُسُهم ويَرَوْنَ الإقامَةَ فِيها أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ المُهاجَرَةِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، و" أحَبَّ " خَبَرُ كانَ: أيْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ومِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ انْتَظِرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ فِيكم وما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ مِن عُقُوبَتِكم، وقِيلَ: المُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: القِتالُ، وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ وفِيهِ بُعْدٌ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ. وفِي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ويُؤَكِّدُهُ إبْهامُ الأمْرِ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِتَذْهَبَ أنْفُسَهم كُلَّ مَذْهَبٍ وتَتَرَدَّدَ بَيْنَ أنْواعِ العُقُوباتِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ، النّافِرِينَ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ فَقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ فَلا نُهاجِرُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي الهِجْرَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ اقْتَرَفْتُمُوها قالَ: أصَبْتُمُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قالَ: بِالفَتْحِ في أمْرِهِ بِالهِجْرَةِ، هَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ أبُو أبِي، عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَنْعَتُ لَهُ الآلِهَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمّا أكْثَرَ الجَرّاحُ قَصَدَهُ ابْنُهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢٢ ) الآيَةَ، وهي تُؤَكِّدُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حُكْمِ الهِجْرَةِ في سُورَةِ النِّساءِ.

التوبة 9:24

الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهو حُكْمٌ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلى قَطْعِ الوِلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، نُهُوا أنْ يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى البِلادِ والكَفْرِ. " إنِ اسْتَحَبُّوا ": أيْ أحَبُّوا، كَما يُقالُ: اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، وهو في الأصْلِ طَلَبُ المَحَبَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ المَقامِ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥١ ) ثُمَّ حَكَمَ عَلى مَن يَتَوَلّى مَنِ اسْتَحَبَّ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ مِنَ الآباءِ والإخْوانِ بِالظُّلْمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَوَلِّيَ مَن كانَ كَذَلِكَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ وأشَدِّها. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، والعَشِيرَةُ: الجَماعَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ واحِدٍ، وعَشِيرَةُ الرَّجُلِ: قَرابَتُهُ الأدْنَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ وهي اسْمُ جَمْعٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وحَمّادٌ " عَشِيراتُكم " بِالجَمْعِ. قالَ الأخْفَشُ لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشِيراتٍ، وإنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ. وقَرَأ الحَسَنُ " عَشائِرَكم " وقَرَأ الباقُونَ " عَشِيرَتَكم " . والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُورُ عَلى الدُّنُوِّ، والكاسِبُ يُدْنِي الشَّيْءَ مِن نَفْسِهِ ويُدْخِلُهُ تَحْتَ مُلْكِهِ، والتِّجارَةُ: الأمْتِعَةُ الَّتِي يَشْتَرُونَها لِيَرْبَحُوا فِيها، والكَسادُ: عَدَمُ النَّفاقِ لِفَواتِ وقْتِ بَيْعِها بِالهِجْرَةِ ومُفارَقَةِ الأوْطانِ. ومِن غَرائِبِ التَّفْسِيرِ ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ في هَذِهِ الآيَةِ البَناتُ والأخَواتُ، إذا كَسَدْنَ في البَيْتِ لا يَجِدْنَ لَهُنَّ خاطِبًا، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَسَدْنَ مِنَ الفَقْرِ في قَوْمِهِنَّ وقَدْ زادَهُنَّ مَقامِي كَسادًا وهَذا البَيْتُ وإنْ كانَ فِيهِ إطْلاقُ الكَسادِ عَلى عَدَمِ وُجُودِ الخاطِبِ لَهُنَّ فَلَيْسَ فِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ التِّجارَةِ عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ بِالمَساكِنِ الَّتِي يَرْضَوْنَها: المَنازِلُ الَّتِي تُعْجِبُهم، وتَمِيلُ إلَيْها أنْفُسُهم ويَرَوْنَ الإقامَةَ فِيها أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ المُهاجَرَةِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، و" أحَبَّ " خَبَرُ كانَ: أيْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ومِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ انْتَظِرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ فِيكم وما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ مِن عُقُوبَتِكم، وقِيلَ: المُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: القِتالُ، وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ وفِيهِ بُعْدٌ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ. وفِي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ ويُؤَكِّدُهُ إبْهامُ الأمْرِ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِتَذْهَبَ أنْفُسَهم كُلَّ مَذْهَبٍ وتَتَرَدَّدَ بَيْنَ أنْواعِ العُقُوباتِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ، النّافِرِينَ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ فَقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ فَلا نُهاجِرُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي الهِجْرَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ اقْتَرَفْتُمُوها قالَ: أصَبْتُمُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قالَ: بِالفَتْحِ في أمْرِهِ بِالهِجْرَةِ، هَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ أبُو أبِي، عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَنْعَتُ لَهُ الآلِهَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمّا أكْثَرَ الجَرّاحُ قَصَدَهُ ابْنُهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( المُجادَلَةِ: ٢٢ ) الآيَةَ، وهي تُؤَكِّدُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حُكْمِ الهِجْرَةِ في سُورَةِ النِّساءِ.

التوبة 9:25

المَواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، ومَواطِنُ الحَرْبِ: مَقاماتُها، والمَواطِنُ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها هي يَوْمُ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المَواطِنِ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ فِيها قَبْلَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُواطِنَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: إمّا في الأوَّلِ وتَقْدِيرُهُ في أيّامِ مُواطِنَ، أوْ في الثّانِي وتَقْدِيرُهُ ومَوْطِنِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، لِئَلّا يَعْطِفُ الزَّمانُ عَلى المَكانِ. ورَدَّ بِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ في عَطْفِ الزَّمانِ عَلى المَكانِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ؛ وقِيلَ: إنَّ " يَوْمَ حُنَيْنٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " نَصَرَكم " أيْ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، ورَجَّحَ هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، قالَ: ومُوجِبُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: " إذْ أعْجَبَتْكم " بَدَلٌ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ " فَلَوْ جُعِلَتْ ناصِبَةً هَذا الظّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ كَثْرَتَهم لَمْ تُعْجِبْهم في جَمِيعِ تِلْكَ المَواطِنِ، ولَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا في جَمِيعِها. ورَدَّ بِأنَّ العَطْفَ لا يَجِبُ فِيهِ تَشارُكُ المُتَعاطِفِينَ في جَمِيعِ ما ثَبَتَ لِلْمَعْطُوفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي (p-٥٦٤)زَيْدٌ وعَمْرٌو مَعَ قَوْمِهِ، أوْ في ثِيابِهِ أوْ عَلى فَرَسِهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَدَلٍ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ "، بَلْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرُوا إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم، وحُنَيْنٌ: وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وانْصَرَفَ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَمْنَعُهُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ وإنَّما أعْجَبَ مَن أُعْجِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَتِهِمْ لِأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، فَقالَ بَعْضُهم: " لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَوُكِلُوا إلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُغْنِ الكَثْرَةُ شَيْئًا عَنْهم، بَلِ انْهَزَمُوا وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وثَبَتَ مَعَهُ طائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنهم عَمُّهُ العَبّاسُ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، ثُمَّ تَراجَعَ المُسْلِمُونَ فَكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ. والإغْناءُ: إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ: أيْ لَمْ تُعْطِكُمُ الكَثْرَةُ شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم ولَمْ تُفِدْكم. قَوْلُهُ: " بِما رَحُبَتِ " الرُّحْبُ بِضَمِّ الرّاءِ: السِّعَةُ، والرَّحْبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَكانُ الواسِعُ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ مَعَ كَوْنِها واسِعَةَ الأطْرافِ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى: أيْ عَلى رُحْبِها ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أيِ انْهَزَمْتُمْ حالَ كَوْنِكم مُدْبِرِينَ: أيْ مُوَلِّينَ أدْبارَكم جاعِلِينَ لَها إلى جِهَةِ عَدُوِّكم. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقِيلَ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، والظّاهِرُ جَمِيعُ مَن حَضَرَ مِنهم لِأنَّهم ثَبَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ وقاتَلُوا وانْتَصَرُوا. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ هُمُ المَلائِكَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى أقْوالٍ: قِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا لا يُعْرَفُ إلّا مِن طَرِيقِ النُّبُوَّةِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ في هَذا اليَوْمِ أمْ لا ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تُقاتِلْ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّهم إنَّما حَضَرُوا في غَيْرِ بَدْرٍ لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإدْخالِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وأخْذِ الأمْوالِ وسَبِّي الذُّرِّيَّةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " وذَلِكَ " إلى التَّعْذِيبِ المَفْهُومِ مِن " عَذَّبَ "، وسُمِّيَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في هَذا اليَوْمِ جَزاءً مَعَ أنَّهُ غَيْرُ كافٍ بَلْ لا بُدَّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ مُبالَغَةً في وصْفِ ما وقَعَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمًا لَهُ. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذا التَّعْذِيبِ عَلى مَن يَشاءُ مِمَّنْ هَداهُ مِنهم إلى الإسْلامِ. " واللَّهُ غَفُورٌ " يَغْفِرُ لِمَن أذْنَبَ فَتابَ. " رَحِيمٌ " بِعِبادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ لِما اقْتَرَفُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ما بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ هَوازِنَ وثَقِيفًا، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفٍ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا حَتّى ما يَقُومُ أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ، فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَتّى أعْرى مَوْضِعُهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: يا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، فَجَثَوْا يَبْكُونَ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ، فَنَكَّسُوا رُؤُوسَهم يَبْكُونَ وقَدَّمُوا أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشْرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مِن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُولَّهُمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ، فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا، ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم»، ووَقْعَةُ حُنَيْنٍ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ بِطُولِها وتَفاصِيلِها فَلا نُطَوِّلُ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمئِذَ سَمّى اللَّهُ الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ قالَ: فَأنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ، والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ النِّجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ، لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ، ولَمْ تَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ.

التوبة 9:26

المَواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، ومَواطِنُ الحَرْبِ: مَقاماتُها، والمَواطِنُ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها هي يَوْمُ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المَواطِنِ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ فِيها قَبْلَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُواطِنَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: إمّا في الأوَّلِ وتَقْدِيرُهُ في أيّامِ مُواطِنَ، أوْ في الثّانِي وتَقْدِيرُهُ ومَوْطِنِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، لِئَلّا يَعْطِفُ الزَّمانُ عَلى المَكانِ. ورَدَّ بِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ في عَطْفِ الزَّمانِ عَلى المَكانِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ؛ وقِيلَ: إنَّ " يَوْمَ حُنَيْنٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " نَصَرَكم " أيْ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، ورَجَّحَ هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، قالَ: ومُوجِبُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: " إذْ أعْجَبَتْكم " بَدَلٌ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ " فَلَوْ جُعِلَتْ ناصِبَةً هَذا الظّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ كَثْرَتَهم لَمْ تُعْجِبْهم في جَمِيعِ تِلْكَ المَواطِنِ، ولَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا في جَمِيعِها. ورَدَّ بِأنَّ العَطْفَ لا يَجِبُ فِيهِ تَشارُكُ المُتَعاطِفِينَ في جَمِيعِ ما ثَبَتَ لِلْمَعْطُوفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي (p-٥٦٤)زَيْدٌ وعَمْرٌو مَعَ قَوْمِهِ، أوْ في ثِيابِهِ أوْ عَلى فَرَسِهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَدَلٍ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ "، بَلْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرُوا إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم، وحُنَيْنٌ: وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وانْصَرَفَ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَمْنَعُهُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ وإنَّما أعْجَبَ مَن أُعْجِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَتِهِمْ لِأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، فَقالَ بَعْضُهم: " لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَوُكِلُوا إلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُغْنِ الكَثْرَةُ شَيْئًا عَنْهم، بَلِ انْهَزَمُوا وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وثَبَتَ مَعَهُ طائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنهم عَمُّهُ العَبّاسُ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، ثُمَّ تَراجَعَ المُسْلِمُونَ فَكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ. والإغْناءُ: إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ: أيْ لَمْ تُعْطِكُمُ الكَثْرَةُ شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم ولَمْ تُفِدْكم. قَوْلُهُ: " بِما رَحُبَتِ " الرُّحْبُ بِضَمِّ الرّاءِ: السِّعَةُ، والرَّحْبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَكانُ الواسِعُ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ مَعَ كَوْنِها واسِعَةَ الأطْرافِ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى: أيْ عَلى رُحْبِها ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أيِ انْهَزَمْتُمْ حالَ كَوْنِكم مُدْبِرِينَ: أيْ مُوَلِّينَ أدْبارَكم جاعِلِينَ لَها إلى جِهَةِ عَدُوِّكم. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقِيلَ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، والظّاهِرُ جَمِيعُ مَن حَضَرَ مِنهم لِأنَّهم ثَبَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ وقاتَلُوا وانْتَصَرُوا. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ هُمُ المَلائِكَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى أقْوالٍ: قِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا لا يُعْرَفُ إلّا مِن طَرِيقِ النُّبُوَّةِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ في هَذا اليَوْمِ أمْ لا ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تُقاتِلْ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّهم إنَّما حَضَرُوا في غَيْرِ بَدْرٍ لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإدْخالِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وأخْذِ الأمْوالِ وسَبِّي الذُّرِّيَّةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " وذَلِكَ " إلى التَّعْذِيبِ المَفْهُومِ مِن " عَذَّبَ "، وسُمِّيَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في هَذا اليَوْمِ جَزاءً مَعَ أنَّهُ غَيْرُ كافٍ بَلْ لا بُدَّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ مُبالَغَةً في وصْفِ ما وقَعَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمًا لَهُ. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذا التَّعْذِيبِ عَلى مَن يَشاءُ مِمَّنْ هَداهُ مِنهم إلى الإسْلامِ. " واللَّهُ غَفُورٌ " يَغْفِرُ لِمَن أذْنَبَ فَتابَ. " رَحِيمٌ " بِعِبادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ لِما اقْتَرَفُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ما بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ هَوازِنَ وثَقِيفًا، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفٍ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا حَتّى ما يَقُومُ أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ، فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَتّى أعْرى مَوْضِعُهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: يا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، فَجَثَوْا يَبْكُونَ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ، فَنَكَّسُوا رُؤُوسَهم يَبْكُونَ وقَدَّمُوا أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشْرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مِن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُولَّهُمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ، فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا، ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم»، ووَقْعَةُ حُنَيْنٍ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ بِطُولِها وتَفاصِيلِها فَلا نُطَوِّلُ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمئِذَ سَمّى اللَّهُ الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ قالَ: فَأنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ، والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ النِّجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ، لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ، ولَمْ تَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ.

التوبة 9:27

المَواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، ومَواطِنُ الحَرْبِ: مَقاماتُها، والمَواطِنُ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها هي يَوْمُ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المَواطِنِ الَّتِي نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ فِيها قَبْلَ يَوْمِ حُنَيْنٍ، ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُواطِنَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: إمّا في الأوَّلِ وتَقْدِيرُهُ في أيّامِ مُواطِنَ، أوْ في الثّانِي وتَقْدِيرُهُ ومَوْطِنِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، لِئَلّا يَعْطِفُ الزَّمانُ عَلى المَكانِ. ورَدَّ بِأنَّهُ لا اسْتِبْعادَ في عَطْفِ الزَّمانِ عَلى المَكانِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ؛ وقِيلَ: إنَّ " يَوْمَ حُنَيْنٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " نَصَرَكم " أيْ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ، ورَجَّحَ هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، قالَ: ومُوجِبُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: " إذْ أعْجَبَتْكم " بَدَلٌ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ " فَلَوْ جُعِلَتْ ناصِبَةً هَذا الظّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ كَثْرَتَهم لَمْ تُعْجِبْهم في جَمِيعِ تِلْكَ المَواطِنِ، ولَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا في جَمِيعِها. ورَدَّ بِأنَّ العَطْفَ لا يَجِبُ فِيهِ تَشارُكُ المُتَعاطِفِينَ في جَمِيعِ ما ثَبَتَ لِلْمَعْطُوفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي (p-٥٦٤)زَيْدٌ وعَمْرٌو مَعَ قَوْمِهِ، أوْ في ثِيابِهِ أوْ عَلى فَرَسِهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ لَيْسَ بِبَدَلٍ مِن " يَوْمَ حُنَيْنٍ "، بَلْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرُوا إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم، وحُنَيْنٌ: وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وانْصَرَفَ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَمْنَعُهُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكَلَ الأبْطالُ وإنَّما أعْجَبَ مَن أُعْجِبَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَتِهِمْ لِأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، فَقالَ بَعْضُهم: " لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَوُكِلُوا إلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُغْنِ الكَثْرَةُ شَيْئًا عَنْهم، بَلِ انْهَزَمُوا وثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وثَبَتَ مَعَهُ طائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنهم عَمُّهُ العَبّاسُ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، ثُمَّ تَراجَعَ المُسْلِمُونَ فَكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ. والإغْناءُ: إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ: أيْ لَمْ تُعْطِكُمُ الكَثْرَةُ شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم ولَمْ تُفِدْكم. قَوْلُهُ: " بِما رَحُبَتِ " الرُّحْبُ بِضَمِّ الرّاءِ: السِّعَةُ، والرَّحْبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَكانُ الواسِعُ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ مَعَ كَوْنِها واسِعَةَ الأطْرافِ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى: أيْ عَلى رُحْبِها ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أيِ انْهَزَمْتُمْ حالَ كَوْنِكم مُدْبِرِينَ: أيْ مُوَلِّينَ أدْبارَكم جاعِلِينَ لَها إلى جِهَةِ عَدُوِّكم. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقِيلَ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، والظّاهِرُ جَمِيعُ مَن حَضَرَ مِنهم لِأنَّهم ثَبَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ وقاتَلُوا وانْتَصَرُوا. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ هُمُ المَلائِكَةُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى أقْوالٍ: قِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا لا يُعْرَفُ إلّا مِن طَرِيقِ النُّبُوَّةِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ في هَذا اليَوْمِ أمْ لا ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تُقاتِلْ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّهم إنَّما حَضَرُوا في غَيْرِ بَدْرٍ لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإدْخالِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وأخْذِ الأمْوالِ وسَبِّي الذُّرِّيَّةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " وذَلِكَ " إلى التَّعْذِيبِ المَفْهُومِ مِن " عَذَّبَ "، وسُمِّيَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في هَذا اليَوْمِ جَزاءً مَعَ أنَّهُ غَيْرُ كافٍ بَلْ لا بُدَّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ مُبالَغَةً في وصْفِ ما وقَعَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمًا لَهُ. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَذا التَّعْذِيبِ عَلى مَن يَشاءُ مِمَّنْ هَداهُ مِنهم إلى الإسْلامِ. " واللَّهُ غَفُورٌ " يَغْفِرُ لِمَن أذْنَبَ فَتابَ. " رَحِيمٌ " بِعِبادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ لِما اقْتَرَفُوهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ما بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ هَوازِنَ وثَقِيفًا، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفٍ عَبْدُ يالِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا حَتّى ما يَقُومُ أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ، فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَتّى أعْرى مَوْضِعُهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: يا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، فَجَثَوْا يَبْكُونَ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ، فَنَكَّسُوا رُؤُوسَهم يَبْكُونَ وقَدَّمُوا أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الرَّبِيعِ «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشْرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مِن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُولَّهُمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ، فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا، ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم»، ووَقْعَةُ حُنَيْنٍ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ بِطُولِها وتَفاصِيلِها فَلا نُطَوِّلُ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمئِذَ سَمّى اللَّهُ الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ قالَ: فَأنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ، والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ النِّجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ، لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ، ولَمْ تَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ.

التوبة 9:28

النَّجَسُ: مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، يُقالُ: رَجُلٌ نَجَسٌ، وامْرَأةٌ نَجَسٌ، ورَجُلانِ نَجَسٌ، وامْرَأتانِ نَجَسٌ، ورِجالٌ نَجَسٌ، ونِساءٌ نَجِسٌ، ويُقالُ: نَجِسٌ ونَجُسٌ بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّها؛ ويُقالُ: نِجْسٌ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو تَخْفِيفٌ مِن (p-٥٦٥)المُحَرَّكِ، قِيلَ: لا تُسْتَعْمَلُ إلّا إذا قِيلَ: مَعَهُ رِجْسٌ، وقِيلَ: ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ. والمُشْرِكُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَصْدَرُ مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ ذَوُو نَجَسٍ؛ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ وهو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ. وقالَ قَتادَةُ،، ومَعْمَرٌ وغَيْرُهُما،: إنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَتَجَنَّبُونَ النَّجاساتِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِأنَّ المُشْرِكَ نَجَسُ الذّاتِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ والزَّيْدِيَّةِ، ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وهو مَحْكِيٌّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ ومِنهم أهْلُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ إلى أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِنَجَسِ الذّاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أحَلَّ طَعامَهم، وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ وقَوْلِهِ ما يُفِيدُ عَدَمَ نَجاسَةِ ذَواتِهِمْ، فَأكَلَ في آنِيَتِهِمْ، وشَرِبَ مِنها، وتَوَضَّأ فِيها، وأنْزَلَهم في مَسْجِدِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، فَعَدَمُ قُرْبانِهِمْ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ مُتَفَرِّعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ جَمِيعُ الحَرَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنْ عَطاءٍ، فَيُمْنَعُونَ عِنْدَهُ مِن جَمِيعِ الحَرَمِ، وذَهَبَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ نَفْسُهُ فَلا يُمْنَعُ المُشْرِكُ مِن دُخُولِ سائِرِ الحَرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ المُشْرِكِ غَيْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المَساجِدِ، فَذَهَبَ أهْلُ المَدِينَةِ إلى مَنعِ كُلِّ مُشْرِكٍ عَنْ كُلِّ مَسْجِدٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ في سائِرِ المُشْرِكِينَ، خاصَّةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ غَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا جُمُودٌ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ بِالشِّرْكِ والنَّجاسَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذا القِياسَ مَرْدُودٌ بِرَبْطِهِ ﷺ لِثُمامَةَ بْنِ أثالٍ في مَسْجِدِهِ، وإنْزالِ وفْدِ ثَقِيفٍ فِيهِ. ورُوِيَ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وزادَ أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الذِّمِّيِّ سائِرَ المَساجِدِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وقَيَّدَهُ الشّافِعِيُّ بِالحاجَةِ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلذِّمِّيِّ دُونَ المُشْرِكِ. ورُوِيَ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ لَهم دُخُولُ الحَرَمِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ. ونَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ هو نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يُمَكِّنُوهم مِن ذَلِكَ، فَهو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وهي الَّتِي حَجَّ فِيها أبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ. الثّانِي: أنَّهُ سَنَةُ عَشْرٍ قالَهُ قَتادَةُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو الصَّحِيحُ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضى اللَّفْظِ، ومِنَ العَجَبِ أنْ يُقالَ إنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وهو العامُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأذانُ، ولَوْ دَخْلَ غُلامُ رَجُلٍ دارَهُ يَوْمًا فَقالَ لَهُ مَوْلاهُ: لا تَدْخُلْ هَذِهِ الدّارَ بَعْدَ يَوْمِكَ لَمْ يَكُنِ المُرادُ اليَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. انْتَهى. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضى اللَّفْظِ هو خِلافُ ما زَعَمَهُ، فَإنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ إلى العامِ المَذْكُورِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو عامُ النِّداءِ، وهَكَذا في المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ، المُرادُ النَّهْيُ عَنْ دُخُولِها بَعْدَ يَوْمِ الدُّخُولِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِطابُ، والأمْرُ ظاهِرٌ لا يَخْفى، ولَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ ما بَعْدَ المُضافِ إلى عامِهِمْ ولا شَكَّ أنَّهُ عامُ عَشْرٍ، وأمّا تَفْسِيرُ العامِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، فَلا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّهُ عامُ تِسْعٍ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُ قَتادَةَ، . وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِينَ دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ بِهَذا القَيْدِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ قائِلًا إنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَهم مَمْنُوعُونَ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَقَطْ لا عَنْ مُطْلَقِ الدُّخُولِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ ظاهِرَ النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ بَعْدَ هَذا العامِ يُفِيدُ المَنعَ مِنَ القُرْبانِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الكائِنَةِ بَعْدَهُ، وتَخْصِيصُ بَعْضِها بِالجَوازِ يَحْتاجُ إلى مُخَصِّصٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ العَيْلَةُ الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ: إذا افْتَقَرَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ " عايِلَةً " وهو مَصْدَرٌ كالقايِلَةِ والعافِيَةِ والعاقِبَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَصْلَةٌ شاقَّةٌ، يُقالُ: عالَنِي الأمْرُ يَعُولُنِي: أيْ شَقَّ عَلَيَّ واشْتَدَّ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ أنَّهُ يُقالُ عالَ يَعُولُ: إذا افْتَقَرَ، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمّا مَنَعُوا المُشْرِكِينَ مِنَ المَوْسِمِ وهم كانُوا يَجْلِبُونَ إلَيْهِ الأطْعِمَةَ والتِّجاراتِ، قَذَفَ الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ وقالُوا: مَن أيْنَ نَعِيشُ ؟ فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ. قالَ الضَّحّاكُ،: فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابَ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ والنَّباتِ وخَصْبِ الأرْضِ، وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَحَمَلُوا إلى مَكَّةَ ما أغْناهُمُ اللَّهُ بِهِ. وقِيلَ: أغْناهم بِالفَيْءِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالمَشِيئَةِ التَّعْلِيمُ لِلْعِبادِ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ، ولِئَلّا يَفْتُرُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأحْوالِكم حَكِيمٌ في إعْطائِهِ ومَنعِهِ، ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. قَوْلُهُ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، فِيهِ الأمْرُ بِقِتالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ. قالَ أبُو الوَفاءِ بْنُ عَقِيلٍ: إنَّ قَوْلَهُ " قاتِلُوا " أمْرٌ بِالعُقُوبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ الذَّنْبَ الَّذِي تُوجِبُهُ العُقُوبَةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَأكَّدَ الذَّنْبَ في جانِبِ الِاعْتِقادِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فِيهِ زِيادَةٌ لِلذَّنْبِ في مُخالَفَةِ الأعْمالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَأْكِيدِ المَعْصِيَةِ بِالِانْحِرافِ والمُعانَدَةِ والأنَفَةِ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ فَبَيَّنَ الغايَةَ الَّتِي تَمْتَدُّ إلَيْها العُقُوبَةُ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ مَعَ ما في حَيِّزِهِ وهم أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ الجِزْيَةُ وزْنُها فِعْلَةٌ مَن جَزى يَجْزِي: إذا كافَأ عَمّا أُسْدِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءً عَمّا مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ جِزْيَةً لِأنَّها طائِفَةٌ مِمّا عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ أنْ يَجْزُوهُ: أيْ يَقْضُوهُ، (p-٥٦٦)وهِيَ في الشَّرْعِ ما يُعْطِيهِ المُعاهِدُ عَلى عَهْدِهِ، و" عَنْ يَدٍ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. والمَعْنى: عَنْ يَدٍ مُواتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعْطُونَها بِأيْدِيهِمْ غَيْرُ مُسْتَنِيبِينَ فِيها أحَدًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَقْدٍ غَيْرِ نَسِيئَةٍ، وقِيلَ: عَنْ قَهْرٍ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: عَنْ إنْعامٍ مِنكم عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَها مِنهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مَذْمُومُونَ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ،، وأحْمَدُ،، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ،، وأبُو ثَوْرٍ، إلى أنَّها لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ: إنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ أجْناسِ الكَفَرَةِ كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ في أهْلِ الكِتابِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ المَجُوسُ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الجِزْيَةِ، فَقالَ عَطاءٌ: لا مِقْدارَ لَها، وإنَّما تُؤْخَذُ عَلى ما صُولِحُوا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ إلّا أنَّهُ قالَ: أقَلُّها دِينارٌ وأكْثَرُها لا حَدَّ لَهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: دِينارٌ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ مِنَ الأحْرارِ البالِغِينَ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ. قالَ الشّافِعِيُّ: وإنْ صُولِحُوا عَلى أكْثَرِ مِن دِينارٍ جازَ، وإذا زادُوا وطابَتْ بِذَلِكَ أنْفُسُهم قُبِلَ مِنهم. وقالَ مالِكٌ: إنَّها أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلِ الوَرِقِ، الغَنِيُّ والفَقِيرُ سَواءٌ، ولَوْ كانَ مَجُوسِيًّا لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: اثْنا عَشَرَ، وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ. والكَلامُ في الجِزْيَةِ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، والحَقُّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَدْ قَرَّرْناهُ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى وغَيْرِهِ مِن مُؤَلَّفاتِنا. قَوْلُهُ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والصَّغارُ الذُّلُّ. والمَعْنى: إنَّ الذِّمِّيَّ يُعْطِي الجِزْيَةَ حالَ كَوْنِهِ صاغِرًا، قِيلَ: وهو أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ ويُسَلِّمَها وهو قائِمٌ، والمُتَسَلِّمُ قاعِدٌ. وبِالجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْقابِضِ لِلْجِزْيَةِ أنْ يَجْعَلَ المُسَلِّمَ لَها حالَ قَبْضِها صاغِرًا ذَلِيلًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآيَةَ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ عَبْدًا أوْ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِن وجْهٍ آخَرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ مَسْجِدَنا هَذا بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ إلّا أهْلُ العَهْدِ وخَدَمُكم» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، مَرْفُوعًا، والمَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ إلى البَيْتِ ويَجِيئُونَ مَعَهم بِالطَّعامِ يَتَّجِرُونَ بِهِ، فَلَمّا نُهُوا عَنْ أنْ يَأْتُوا البَيْتَ، قالَ المُسْلِمُونَ: فَمَن أيْنَ لَنا الطَّعامُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وكَثُرَ خَيْرُهم حَيْثُ ذَهَبَ المُشْرِكُونَ عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: فَأغْناهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وأمَرَهم بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ قالَ: الفاقَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قالَ: قَذَرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وأُنْزِلَتْ في أهْلِ الكِتابِ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ فَكانَ أوَّلُ مَن أعْطى الجِزْيَةَ أهْلُ نَجْرانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ والحَرِيرَ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾، يَعْنِي: دِينَ الإسْلامِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُذَلَّلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: عَنْ قَهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: مِن يَدِهِ ولا يَبْعَثُ بِها غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: عَنْ قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ قالَ: يَمْشُونَ بِها مُتَلْتَلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: يُلْكَزُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ في الآيَةِ قالَ: غَيْرُ مَحْمُودَيْنِ.

التوبة 9:29

النَّجَسُ: مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، يُقالُ: رَجُلٌ نَجَسٌ، وامْرَأةٌ نَجَسٌ، ورَجُلانِ نَجَسٌ، وامْرَأتانِ نَجَسٌ، ورِجالٌ نَجَسٌ، ونِساءٌ نَجِسٌ، ويُقالُ: نَجِسٌ ونَجُسٌ بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّها؛ ويُقالُ: نِجْسٌ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو تَخْفِيفٌ مِن (p-٥٦٥)المُحَرَّكِ، قِيلَ: لا تُسْتَعْمَلُ إلّا إذا قِيلَ: مَعَهُ رِجْسٌ، وقِيلَ: ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ. والمُشْرِكُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَصْدَرُ مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ ذَوُو نَجَسٍ؛ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ وهو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ. وقالَ قَتادَةُ،، ومَعْمَرٌ وغَيْرُهُما،: إنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَتَجَنَّبُونَ النَّجاساتِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِأنَّ المُشْرِكَ نَجَسُ الذّاتِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ والزَّيْدِيَّةِ، ورُوِيَ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وهو مَحْكِيٌّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ ومِنهم أهْلُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ إلى أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِنَجَسِ الذّاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أحَلَّ طَعامَهم، وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ وقَوْلِهِ ما يُفِيدُ عَدَمَ نَجاسَةِ ذَواتِهِمْ، فَأكَلَ في آنِيَتِهِمْ، وشَرِبَ مِنها، وتَوَضَّأ فِيها، وأنْزَلَهم في مَسْجِدِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، فَعَدَمُ قُرْبانِهِمْ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ مُتَفَرِّعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ جَمِيعُ الحَرَمِ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنْ عَطاءٍ، فَيُمْنَعُونَ عِنْدَهُ مِن جَمِيعِ الحَرَمِ، وذَهَبَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ نَفْسُهُ فَلا يُمْنَعُ المُشْرِكُ مِن دُخُولِ سائِرِ الحَرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ المُشْرِكِ غَيْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المَساجِدِ، فَذَهَبَ أهْلُ المَدِينَةِ إلى مَنعِ كُلِّ مُشْرِكٍ عَنْ كُلِّ مَسْجِدٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ في سائِرِ المُشْرِكِينَ، خاصَّةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ غَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا جُمُودٌ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ بِالشِّرْكِ والنَّجاسَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذا القِياسَ مَرْدُودٌ بِرَبْطِهِ ﷺ لِثُمامَةَ بْنِ أثالٍ في مَسْجِدِهِ، وإنْزالِ وفْدِ ثَقِيفٍ فِيهِ. ورُوِيَ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وزادَ أنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الذِّمِّيِّ سائِرَ المَساجِدِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وقَيَّدَهُ الشّافِعِيُّ بِالحاجَةِ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلذِّمِّيِّ دُونَ المُشْرِكِ. ورُوِيَ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ لَهم دُخُولُ الحَرَمِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ. ونَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ هو نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يُمَكِّنُوهم مِن ذَلِكَ، فَهو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وهي الَّتِي حَجَّ فِيها أبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ. الثّانِي: أنَّهُ سَنَةُ عَشْرٍ قالَهُ قَتادَةُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو الصَّحِيحُ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضى اللَّفْظِ، ومِنَ العَجَبِ أنْ يُقالَ إنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ، وهو العامُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأذانُ، ولَوْ دَخْلَ غُلامُ رَجُلٍ دارَهُ يَوْمًا فَقالَ لَهُ مَوْلاهُ: لا تَدْخُلْ هَذِهِ الدّارَ بَعْدَ يَوْمِكَ لَمْ يَكُنِ المُرادُ اليَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. انْتَهى. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضى اللَّفْظِ هو خِلافُ ما زَعَمَهُ، فَإنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ إلى العامِ المَذْكُورِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو عامُ النِّداءِ، وهَكَذا في المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ، المُرادُ النَّهْيُ عَنْ دُخُولِها بَعْدَ يَوْمِ الدُّخُولِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِطابُ، والأمْرُ ظاهِرٌ لا يَخْفى، ولَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ ما بَعْدَ المُضافِ إلى عامِهِمْ ولا شَكَّ أنَّهُ عامُ عَشْرٍ، وأمّا تَفْسِيرُ العامِ المُشارِ إلَيْهِ بِهَذا، فَلا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّهُ عامُ تِسْعٍ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُ قَتادَةَ، . وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِينَ دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ بِهَذا القَيْدِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ قائِلًا إنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَهم مَمْنُوعُونَ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَقَطْ لا عَنْ مُطْلَقِ الدُّخُولِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ ظاهِرَ النَّهْيِ عَنِ القُرْبانِ بَعْدَ هَذا العامِ يُفِيدُ المَنعَ مِنَ القُرْبانِ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الكائِنَةِ بَعْدَهُ، وتَخْصِيصُ بَعْضِها بِالجَوازِ يَحْتاجُ إلى مُخَصِّصٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ العَيْلَةُ الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ: إذا افْتَقَرَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ " عايِلَةً " وهو مَصْدَرٌ كالقايِلَةِ والعافِيَةِ والعاقِبَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَصْلَةٌ شاقَّةٌ، يُقالُ: عالَنِي الأمْرُ يَعُولُنِي: أيْ شَقَّ عَلَيَّ واشْتَدَّ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ أنَّهُ يُقالُ عالَ يَعُولُ: إذا افْتَقَرَ، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمّا مَنَعُوا المُشْرِكِينَ مِنَ المَوْسِمِ وهم كانُوا يَجْلِبُونَ إلَيْهِ الأطْعِمَةَ والتِّجاراتِ، قَذَفَ الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ وقالُوا: مَن أيْنَ نَعِيشُ ؟ فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ. قالَ الضَّحّاكُ،: فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابَ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أغْناهم بِإدْرارِ المَطَرِ والنَّباتِ وخَصْبِ الأرْضِ، وأسْلَمَتِ العَرَبُ فَحَمَلُوا إلى مَكَّةَ ما أغْناهُمُ اللَّهُ بِهِ. وقِيلَ: أغْناهم بِالفَيْءِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالمَشِيئَةِ التَّعْلِيمُ لِلْعِبادِ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ، ولِئَلّا يَفْتُرُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأحْوالِكم حَكِيمٌ في إعْطائِهِ ومَنعِهِ، ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. قَوْلُهُ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، فِيهِ الأمْرُ بِقِتالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْصافِ. قالَ أبُو الوَفاءِ بْنُ عَقِيلٍ: إنَّ قَوْلَهُ " قاتِلُوا " أمْرٌ بِالعُقُوبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ الذَّنْبَ الَّذِي تُوجِبُهُ العُقُوبَةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَأكَّدَ الذَّنْبَ في جانِبِ الِاعْتِقادِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ فِيهِ زِيادَةٌ لِلذَّنْبِ في مُخالَفَةِ الأعْمالِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَأْكِيدِ المَعْصِيَةِ بِالِانْحِرافِ والمُعانَدَةِ والأنَفَةِ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ فَبَيَّنَ الغايَةَ الَّتِي تَمْتَدُّ إلَيْها العُقُوبَةُ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ مَعَ ما في حَيِّزِهِ وهم أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ الجِزْيَةُ وزْنُها فِعْلَةٌ مَن جَزى يَجْزِي: إذا كافَأ عَمّا أُسْدِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوْها جَزاءً عَمّا مُنِحُوا مِنَ الأمْنِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ جِزْيَةً لِأنَّها طائِفَةٌ مِمّا عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ أنْ يَجْزُوهُ: أيْ يَقْضُوهُ، (p-٥٦٦)وهِيَ في الشَّرْعِ ما يُعْطِيهِ المُعاهِدُ عَلى عَهْدِهِ، و" عَنْ يَدٍ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. والمَعْنى: عَنْ يَدٍ مُواتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعْطُونَها بِأيْدِيهِمْ غَيْرُ مُسْتَنِيبِينَ فِيها أحَدًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَقْدٍ غَيْرِ نَسِيئَةٍ، وقِيلَ: عَنْ قَهْرٍ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: عَنْ إنْعامٍ مِنكم عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَها مِنهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مَذْمُومُونَ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ،، وأحْمَدُ،، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ،، وأبُو ثَوْرٍ، إلى أنَّها لا تُقْبَلُ الجِزْيَةُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ: إنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ أجْناسِ الكَفَرَةِ كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ في أهْلِ الكِتابِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ المَجُوسُ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الجِزْيَةِ، فَقالَ عَطاءٌ: لا مِقْدارَ لَها، وإنَّما تُؤْخَذُ عَلى ما صُولِحُوا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ إلّا أنَّهُ قالَ: أقَلُّها دِينارٌ وأكْثَرُها لا حَدَّ لَهُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: دِينارٌ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ مِنَ الأحْرارِ البالِغِينَ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ. قالَ الشّافِعِيُّ: وإنْ صُولِحُوا عَلى أكْثَرِ مِن دِينارٍ جازَ، وإذا زادُوا وطابَتْ بِذَلِكَ أنْفُسُهم قُبِلَ مِنهم. وقالَ مالِكٌ: إنَّها أرْبَعَةُ دَنانِيرَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ، وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلى أهْلِ الوَرِقِ، الغَنِيُّ والفَقِيرُ سَواءٌ، ولَوْ كانَ مَجُوسِيًّا لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: اثْنا عَشَرَ، وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ. والكَلامُ في الجِزْيَةِ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ، والحَقُّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَدْ قَرَّرْناهُ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى وغَيْرِهِ مِن مُؤَلَّفاتِنا. قَوْلُهُ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والصَّغارُ الذُّلُّ. والمَعْنى: إنَّ الذِّمِّيَّ يُعْطِي الجِزْيَةَ حالَ كَوْنِهِ صاغِرًا، قِيلَ: وهو أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ ويُسَلِّمَها وهو قائِمٌ، والمُتَسَلِّمُ قاعِدٌ. وبِالجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْقابِضِ لِلْجِزْيَةِ أنْ يَجْعَلَ المُسَلِّمَ لَها حالَ قَبْضِها صاغِرًا ذَلِيلًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآيَةَ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ عَبْدًا أوْ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِن وجْهٍ آخَرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ مَسْجِدَنا هَذا بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ إلّا أهْلُ العَهْدِ وخَدَمُكم» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، مَرْفُوعًا، والمَوْقُوفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ إلى البَيْتِ ويَجِيئُونَ مَعَهم بِالطَّعامِ يَتَّجِرُونَ بِهِ، فَلَمّا نُهُوا عَنْ أنْ يَأْتُوا البَيْتَ، قالَ المُسْلِمُونَ: فَمَن أيْنَ لَنا الطَّعامُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وكَثُرَ خَيْرُهم حَيْثُ ذَهَبَ المُشْرِكُونَ عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: فَأغْناهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وأمَرَهم بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ قالَ: الفاقَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قالَ: قَذَرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وأُنْزِلَتْ في أهْلِ الكِتابِ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ فَكانَ أوَّلُ مَن أعْطى الجِزْيَةَ أهْلُ نَجْرانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ والحَرِيرَ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾، يَعْنِي: دِينَ الإسْلامِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُذَلَّلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: عَنْ قَهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: مِن يَدِهِ ولا يَبْعَثُ بِها غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ في قَوْلِهِ: عَنْ يَدٍ قالَ: عَنْ قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ قالَ: يَمْشُونَ بِها مُتَلْتَلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: يُلْكَزُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ في الآيَةِ قالَ: غَيْرُ مَحْمُودَيْنِ.

التوبة 9:30

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ (p-٥٦٧)التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ. ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ: ؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا ؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ. والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ. ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) . قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ في ضاهَأ أصْلِيَّةٌ، وفي ضَهْياءَ زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وأصْلُهُ يُضاهِئُونَ وامْرَأةٌ ضَهْياءُ. ومَعْنى مُضاهاتِهِمْ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ العِلْمِ: الأوَّلُ: أنَّهم شابَهُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ عَبَدَةَ الأوْثانِ في قَوْلِهِمْ واللّاتِ والعُزّى ومَناةَ ( بَناتُ اللَّهِ ) . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم شابَهُوا قَوْلَ مَن يَقُولُ مِنَ الكافِرِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهم شابَهُوا أسْلافَهُمُ القائِلِينَ بِأنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ وأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، وقِيلَ: هو تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى قاتَلَهُمُ اللَّهُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبانِ بْنِ ثَعْلَبٍ: ؎قاتَلَها اللَّهُ تَلْحانِي وقَدْ عَلِمَتْ ∗∗∗ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي وحَكى النِّقاشُ أنَّ أصْلَ ( قاتَلَ اللَّهُ ): الدُّعاءُ، ثُمَّ كَثُرَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى قالُوهُ عَلى التَّعَجُّبِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهم لا يُرِيدُونَ الدُّعاءَ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎يا قاتَلَ اللَّهُ لَيْلى كَيْفَ تُعْجِبُنِي ∗∗∗ وأُخْبِرُ النّاسَ أنِّي لا أُبالِيها ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأحْبارُ: جَمَعَ حَبْرٌ، وهو الَّذِي يُحْسِنُ القَوْلَ، ومِنهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، وقِيلَ: جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الحاءِ. قالَ يُونُسُ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ العالَمُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ العالِمُ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ، وهم عُلَماءُ النَّصارى كَما أنَّ الأحْبارَ عُلَماءُ اليَهُودِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوهم فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ، ويَنْهَوْنَهم عَنْهُ، كانُوا بِمَنزِلَةِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا لِأنَّهم أطاعُوهم كَما تُطاعُ الأرْبابُ. قَوْلُهُ: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " رُهْبانَهم ": أيِ اتَّخَذَهُ النَّصارى رَبًّا مَعْبُودًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَتَّخِذُوا عُزَيْرًا رَبًّا مَعْبُودًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ عَنِ التَّقْلِيدِ في دِينِ اللَّهِ، وتَأْثِيرُ ما يَقُولُهُ الأسْلافُ عَلى ما في الكِتابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَإنَّ طاعَةَ المُتَمَذْهِبِ لِمَن يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ ويَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما جاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وقامَتْ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ وأنْبِياؤُهُ، هو كاتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم بَلْ أطاعُوهم وحَرَّمُوا ما حَرَّمُوا وحَلَّلُوا ما حَلَّلُوا، وهَذا هو صَنِيعُ المُقَلِّدِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهو أشْبَهُ بِهِ مِن شَبَهِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ، والتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، والماءِ بِالماءِ، فَيا عِبادَ اللَّهِ ويا أتْباعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما بالُكم تَرَكْتُمُ الكِتابَ والسُّنَّةَ جانِبًا، وعَمَدْتُمْ إلى رِجالٍ هم مِثْلُكم في تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهم بِهِما وطَلَبِهِ مِنهم لِلْعَمَلِ بِما دَلّا عَلَيْهِ وأفادَهُ، فَعَلْتُمْ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الآراءِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّدْ بِعِمادِ الحَقِّ، ولَمْ تُعَضَّدْ بِعَضُدِ الدِّينِ ونُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، تُنادِي بِأبْلَغِ نِداءٍ وتُصَوِّتُ بِأعْلى صَوْتٍ بِما يُخالِفُ ذَلِكَ ويُبايِنُهُ، فَأعَرْتُمُوهُما آذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا، وأفْهامًا مَرِيضَةً، وعُقُولًا مَهِيضَةً، وأذْهانًا كَلَيْلَةً، وخَواطِرَ عَلِيلَةً، وأنْشَدْتُمْ بِلِسانِ الحالِ: ؎وما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشَدُ فَدَعُوا - أرْشَدَكُمُ اللَّهُ وإيّايَ - كُتُبًا كَتَبَها لَكُمُ الأمْواتُ مِن أسْلافِكم، واسْتَبْدِلُوا بِها كِتابَ اللَّهِ خالِقِهم وخالِقِكم ومُتَعَبَّدِهِمْ ومُتَعَبَّدِكم، ومَعْبُودِهِمْ ومَعْبُودِكم، واسْتَبْدَلُوا بِأقْوالِ مَن تَدْعُونَهم بِأئِمَّتِكم وما جاءُوكم بِهِ مِنَ الرَّأْيِ بِأقْوالِ إمامِكم وإمامِهِمْ وقُدْوَتِكم وقُدْوَتِهِمْ، وهو الإمامُ الأوَّلُ: (p-٥٦٨)مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ . ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آبِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ اللَّهُمَّ هادِيَ الضّالِّ، مُرْشِدَ التّائِهِ، مُوَضَّحَ السَّبِيلِ، اهْدِنا إلى الحَقِّ وأرْشِدْنا إلى الصَّوابِ، وأوْضِحْ لَنا مَنهَجِ الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيِ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا، والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِما أهَّلُوهم لَهُ مِنَ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا. قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ إلَهًا ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الإشْراكِ في طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ هَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ ضَلالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وهو ما رامُوهُ مِن إبْطالِ الحَقِّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هي مُجَرَّدُ كَلِماتٍ ساذَجَةٍ ومُجادَلاتٍ زائِفَةٍ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ إبْطالِ دِينِ الحَقِّ ونُبُوَّةِ نَبِيِّ الصِّدْقِ، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ قَدْ أنارَتْ بِهِ الدُّنْيا وانْقَشَعَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ لِيُطْفِئَهُ ويُذْهِبَ أضْواءَهُ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ دِينَهُ القَوِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَتْ " إلّا " الِاسْتِثْنائِيَّةُ عَلى " يَأْبى "، ولا يَجُوزُ كَرِهْتُ أوْ بَغَضْتُ إلّا زَيْدًا. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلْتُ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَحْذِفُ مَعَ أبى، والتَّقْدِيرُ ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّما جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّها مَنعٌ أوِ امْتِناعٌ فَضارَعَتِ النَّفْيَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها ∗∗∗ أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنا وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ " أبى " قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى لَمْ يُرِدْ: أيْ ولا يُريدُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ مُقَدَّرَةٍ: أيْ أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتَمَّ نُورَهُ، ولَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ذَلِكَ ولَوْ كَرِهُوا. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ بِما يَهْدِي بِهِ النّاسَ مِنَ البَراهِينِ والمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، " ودِينِ الحَقِّ " وهو الإسْلامُ " لِيُظْهِرَهُ " أيْ لِيُظْهِرَ رَسُولَهُ، أوْ دِينَ الحَقِّ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ. ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ونُعْمانُ بْنُ أوْفى وأبُو أنَسٍ وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: كُنَّ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَجْتَمِعْنَ بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّينَ ويَعْتَزِلْنَ ويَذْكُرُونَ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أعْطاهم، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَرَّ خَلْقِهِ بُخَتُنَصَّرَ، فَحَرَقَ التَّوْراةَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَقالَ عُزَيْرٌ: أوَكانَ هَذا ؟ فَلَحِقَ بِالجِبالِ والوَحْشِ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيها، وجَعْلَ لا يُخالِطُ النّاسَ، فَإذا هو ذاتُ يَوْمٍ بِامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، قالَ: يا أُمَّهْ، اتَّقِي اللَّهَ واحْتَسِبِي واصْبِرِي أمّا تَعْلَمِينَ أنَّ سَبِيلَ النّاسِ إلى المَوْتِ ؟ فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ أتَنْهانِي أنْ أبْكِيَ وأنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَحِقْتَ بِالجِبالِ والوَحْشِ ؟ ثُمَّ قالَتْ: إنِّي لَسْتُ بِامْرَأةٍ ولَكِنِّي الدُّنْيا، وإنَّهُ سَيَنْبُعُ في مُصَلّاكَ عَيْنٌ وتَنْبُتُ شَجَرَةٌ، فاشْرَبْ مِن ماءِ العَيْنِ وكُلْ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ، فَإنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكانِ فاتْرُكْهُما يَصْنَعانِ ما أرادا، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ نَبَعَتِ العَيْنُ ونَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِن ماءِ العَيْنِ، وأكَلَ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وجاءَ مَلَكانِ ومَعَهُما قارُورَةٌ فِيها نُورٌ فَأوْجَراهُ ما فِيها فَألْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، فَجاءَ فَأمْلاهُ عَلى النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا فَذَكَرَ قِصَّةً وفِيها: أنْ عُزَيْرًا سَألَ اللَّهَ بَعْدَ ما أنْسى بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، أنْ يَرُدَّ الَّذِي نَسَخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمُ قَدْ آتانِي اللَّهُ التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: دُعاءُ عُزَيْرٍ رَبَّهُ أنْ يُلْقِيَ التَّوْراةَ كَما أنْزَلَ عَلى مُوسى في قَلْبِهِ، فَأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ثَلاثٌ أشُكُّ فِيهِنَّ: فَلا أدْرِي عُزَيْرٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ ولا أدْرِي ألُعِنَ تُبَّعٌ أمْ لا ؟ قالَ: ونَسِيتُ الثّالِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يُضاهِئُونَ: قالَ: يُشْبِهُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " قاتَلُهُمُ اللَّهُ " قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ قَتْلٌ فَهو لَعْنٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ ]، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: أمّا إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» . وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ،، وابْنُ جَرِيرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي البَحْتَرِيِّ قالَ: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهم ؟ قالَ: لا ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: أحْبارُهم قُرّاؤُهم، ورُهْبانُهم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: الأحْبارُ العُلَماءُ، والرُّهْبانُ العُبّادُ. (p-٥٦٩)وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا الإسْلامَ بِأقْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ والقُرْآنِ

التوبة 9:31

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ (p-٥٦٧)التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ. ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ: ؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا ؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ. والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ. ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) . قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ في ضاهَأ أصْلِيَّةٌ، وفي ضَهْياءَ زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وأصْلُهُ يُضاهِئُونَ وامْرَأةٌ ضَهْياءُ. ومَعْنى مُضاهاتِهِمْ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ العِلْمِ: الأوَّلُ: أنَّهم شابَهُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ عَبَدَةَ الأوْثانِ في قَوْلِهِمْ واللّاتِ والعُزّى ومَناةَ ( بَناتُ اللَّهِ ) . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم شابَهُوا قَوْلَ مَن يَقُولُ مِنَ الكافِرِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهم شابَهُوا أسْلافَهُمُ القائِلِينَ بِأنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ وأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، وقِيلَ: هو تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى قاتَلَهُمُ اللَّهُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبانِ بْنِ ثَعْلَبٍ: ؎قاتَلَها اللَّهُ تَلْحانِي وقَدْ عَلِمَتْ ∗∗∗ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي وحَكى النِّقاشُ أنَّ أصْلَ ( قاتَلَ اللَّهُ ): الدُّعاءُ، ثُمَّ كَثُرَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى قالُوهُ عَلى التَّعَجُّبِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهم لا يُرِيدُونَ الدُّعاءَ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎يا قاتَلَ اللَّهُ لَيْلى كَيْفَ تُعْجِبُنِي ∗∗∗ وأُخْبِرُ النّاسَ أنِّي لا أُبالِيها ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأحْبارُ: جَمَعَ حَبْرٌ، وهو الَّذِي يُحْسِنُ القَوْلَ، ومِنهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، وقِيلَ: جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الحاءِ. قالَ يُونُسُ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ العالَمُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ العالِمُ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ، وهم عُلَماءُ النَّصارى كَما أنَّ الأحْبارَ عُلَماءُ اليَهُودِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوهم فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ، ويَنْهَوْنَهم عَنْهُ، كانُوا بِمَنزِلَةِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا لِأنَّهم أطاعُوهم كَما تُطاعُ الأرْبابُ. قَوْلُهُ: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " رُهْبانَهم ": أيِ اتَّخَذَهُ النَّصارى رَبًّا مَعْبُودًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَتَّخِذُوا عُزَيْرًا رَبًّا مَعْبُودًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ عَنِ التَّقْلِيدِ في دِينِ اللَّهِ، وتَأْثِيرُ ما يَقُولُهُ الأسْلافُ عَلى ما في الكِتابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَإنَّ طاعَةَ المُتَمَذْهِبِ لِمَن يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ ويَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما جاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وقامَتْ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ وأنْبِياؤُهُ، هو كاتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم بَلْ أطاعُوهم وحَرَّمُوا ما حَرَّمُوا وحَلَّلُوا ما حَلَّلُوا، وهَذا هو صَنِيعُ المُقَلِّدِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهو أشْبَهُ بِهِ مِن شَبَهِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ، والتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، والماءِ بِالماءِ، فَيا عِبادَ اللَّهِ ويا أتْباعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما بالُكم تَرَكْتُمُ الكِتابَ والسُّنَّةَ جانِبًا، وعَمَدْتُمْ إلى رِجالٍ هم مِثْلُكم في تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهم بِهِما وطَلَبِهِ مِنهم لِلْعَمَلِ بِما دَلّا عَلَيْهِ وأفادَهُ، فَعَلْتُمْ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الآراءِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّدْ بِعِمادِ الحَقِّ، ولَمْ تُعَضَّدْ بِعَضُدِ الدِّينِ ونُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، تُنادِي بِأبْلَغِ نِداءٍ وتُصَوِّتُ بِأعْلى صَوْتٍ بِما يُخالِفُ ذَلِكَ ويُبايِنُهُ، فَأعَرْتُمُوهُما آذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا، وأفْهامًا مَرِيضَةً، وعُقُولًا مَهِيضَةً، وأذْهانًا كَلَيْلَةً، وخَواطِرَ عَلِيلَةً، وأنْشَدْتُمْ بِلِسانِ الحالِ: ؎وما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشَدُ فَدَعُوا - أرْشَدَكُمُ اللَّهُ وإيّايَ - كُتُبًا كَتَبَها لَكُمُ الأمْواتُ مِن أسْلافِكم، واسْتَبْدِلُوا بِها كِتابَ اللَّهِ خالِقِهم وخالِقِكم ومُتَعَبَّدِهِمْ ومُتَعَبَّدِكم، ومَعْبُودِهِمْ ومَعْبُودِكم، واسْتَبْدَلُوا بِأقْوالِ مَن تَدْعُونَهم بِأئِمَّتِكم وما جاءُوكم بِهِ مِنَ الرَّأْيِ بِأقْوالِ إمامِكم وإمامِهِمْ وقُدْوَتِكم وقُدْوَتِهِمْ، وهو الإمامُ الأوَّلُ: (p-٥٦٨)مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ . ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آبِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ اللَّهُمَّ هادِيَ الضّالِّ، مُرْشِدَ التّائِهِ، مُوَضَّحَ السَّبِيلِ، اهْدِنا إلى الحَقِّ وأرْشِدْنا إلى الصَّوابِ، وأوْضِحْ لَنا مَنهَجِ الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيِ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا، والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِما أهَّلُوهم لَهُ مِنَ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا. قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ إلَهًا ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الإشْراكِ في طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ هَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ ضَلالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وهو ما رامُوهُ مِن إبْطالِ الحَقِّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هي مُجَرَّدُ كَلِماتٍ ساذَجَةٍ ومُجادَلاتٍ زائِفَةٍ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ إبْطالِ دِينِ الحَقِّ ونُبُوَّةِ نَبِيِّ الصِّدْقِ، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ قَدْ أنارَتْ بِهِ الدُّنْيا وانْقَشَعَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ لِيُطْفِئَهُ ويُذْهِبَ أضْواءَهُ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ دِينَهُ القَوِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَتْ " إلّا " الِاسْتِثْنائِيَّةُ عَلى " يَأْبى "، ولا يَجُوزُ كَرِهْتُ أوْ بَغَضْتُ إلّا زَيْدًا. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلْتُ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَحْذِفُ مَعَ أبى، والتَّقْدِيرُ ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّما جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّها مَنعٌ أوِ امْتِناعٌ فَضارَعَتِ النَّفْيَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها ∗∗∗ أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنا وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ " أبى " قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى لَمْ يُرِدْ: أيْ ولا يُريدُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ مُقَدَّرَةٍ: أيْ أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتَمَّ نُورَهُ، ولَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ذَلِكَ ولَوْ كَرِهُوا. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ بِما يَهْدِي بِهِ النّاسَ مِنَ البَراهِينِ والمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، " ودِينِ الحَقِّ " وهو الإسْلامُ " لِيُظْهِرَهُ " أيْ لِيُظْهِرَ رَسُولَهُ، أوْ دِينَ الحَقِّ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ. ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ونُعْمانُ بْنُ أوْفى وأبُو أنَسٍ وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: كُنَّ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَجْتَمِعْنَ بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّينَ ويَعْتَزِلْنَ ويَذْكُرُونَ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أعْطاهم، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَرَّ خَلْقِهِ بُخَتُنَصَّرَ، فَحَرَقَ التَّوْراةَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَقالَ عُزَيْرٌ: أوَكانَ هَذا ؟ فَلَحِقَ بِالجِبالِ والوَحْشِ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيها، وجَعْلَ لا يُخالِطُ النّاسَ، فَإذا هو ذاتُ يَوْمٍ بِامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، قالَ: يا أُمَّهْ، اتَّقِي اللَّهَ واحْتَسِبِي واصْبِرِي أمّا تَعْلَمِينَ أنَّ سَبِيلَ النّاسِ إلى المَوْتِ ؟ فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ أتَنْهانِي أنْ أبْكِيَ وأنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَحِقْتَ بِالجِبالِ والوَحْشِ ؟ ثُمَّ قالَتْ: إنِّي لَسْتُ بِامْرَأةٍ ولَكِنِّي الدُّنْيا، وإنَّهُ سَيَنْبُعُ في مُصَلّاكَ عَيْنٌ وتَنْبُتُ شَجَرَةٌ، فاشْرَبْ مِن ماءِ العَيْنِ وكُلْ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ، فَإنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكانِ فاتْرُكْهُما يَصْنَعانِ ما أرادا، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ نَبَعَتِ العَيْنُ ونَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِن ماءِ العَيْنِ، وأكَلَ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وجاءَ مَلَكانِ ومَعَهُما قارُورَةٌ فِيها نُورٌ فَأوْجَراهُ ما فِيها فَألْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، فَجاءَ فَأمْلاهُ عَلى النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا فَذَكَرَ قِصَّةً وفِيها: أنْ عُزَيْرًا سَألَ اللَّهَ بَعْدَ ما أنْسى بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، أنْ يَرُدَّ الَّذِي نَسَخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمُ قَدْ آتانِي اللَّهُ التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: دُعاءُ عُزَيْرٍ رَبَّهُ أنْ يُلْقِيَ التَّوْراةَ كَما أنْزَلَ عَلى مُوسى في قَلْبِهِ، فَأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ثَلاثٌ أشُكُّ فِيهِنَّ: فَلا أدْرِي عُزَيْرٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ ولا أدْرِي ألُعِنَ تُبَّعٌ أمْ لا ؟ قالَ: ونَسِيتُ الثّالِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يُضاهِئُونَ: قالَ: يُشْبِهُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " قاتَلُهُمُ اللَّهُ " قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ قَتْلٌ فَهو لَعْنٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ ]، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: أمّا إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» . وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ،، وابْنُ جَرِيرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي البَحْتَرِيِّ قالَ: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهم ؟ قالَ: لا ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: أحْبارُهم قُرّاؤُهم، ورُهْبانُهم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: الأحْبارُ العُلَماءُ، والرُّهْبانُ العُبّادُ. (p-٥٦٩)وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا الإسْلامَ بِأقْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ والقُرْآنِ

التوبة 9:32

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ (p-٥٦٧)التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ. ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ: ؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا ؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ. والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ. ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) . قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ في ضاهَأ أصْلِيَّةٌ، وفي ضَهْياءَ زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وأصْلُهُ يُضاهِئُونَ وامْرَأةٌ ضَهْياءُ. ومَعْنى مُضاهاتِهِمْ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ العِلْمِ: الأوَّلُ: أنَّهم شابَهُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ عَبَدَةَ الأوْثانِ في قَوْلِهِمْ واللّاتِ والعُزّى ومَناةَ ( بَناتُ اللَّهِ ) . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم شابَهُوا قَوْلَ مَن يَقُولُ مِنَ الكافِرِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهم شابَهُوا أسْلافَهُمُ القائِلِينَ بِأنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ وأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، وقِيلَ: هو تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى قاتَلَهُمُ اللَّهُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبانِ بْنِ ثَعْلَبٍ: ؎قاتَلَها اللَّهُ تَلْحانِي وقَدْ عَلِمَتْ ∗∗∗ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي وحَكى النِّقاشُ أنَّ أصْلَ ( قاتَلَ اللَّهُ ): الدُّعاءُ، ثُمَّ كَثُرَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى قالُوهُ عَلى التَّعَجُّبِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهم لا يُرِيدُونَ الدُّعاءَ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎يا قاتَلَ اللَّهُ لَيْلى كَيْفَ تُعْجِبُنِي ∗∗∗ وأُخْبِرُ النّاسَ أنِّي لا أُبالِيها ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأحْبارُ: جَمَعَ حَبْرٌ، وهو الَّذِي يُحْسِنُ القَوْلَ، ومِنهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، وقِيلَ: جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الحاءِ. قالَ يُونُسُ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ العالَمُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ العالِمُ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ، وهم عُلَماءُ النَّصارى كَما أنَّ الأحْبارَ عُلَماءُ اليَهُودِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوهم فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ، ويَنْهَوْنَهم عَنْهُ، كانُوا بِمَنزِلَةِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا لِأنَّهم أطاعُوهم كَما تُطاعُ الأرْبابُ. قَوْلُهُ: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " رُهْبانَهم ": أيِ اتَّخَذَهُ النَّصارى رَبًّا مَعْبُودًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَتَّخِذُوا عُزَيْرًا رَبًّا مَعْبُودًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ عَنِ التَّقْلِيدِ في دِينِ اللَّهِ، وتَأْثِيرُ ما يَقُولُهُ الأسْلافُ عَلى ما في الكِتابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَإنَّ طاعَةَ المُتَمَذْهِبِ لِمَن يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ ويَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما جاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وقامَتْ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ وأنْبِياؤُهُ، هو كاتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم بَلْ أطاعُوهم وحَرَّمُوا ما حَرَّمُوا وحَلَّلُوا ما حَلَّلُوا، وهَذا هو صَنِيعُ المُقَلِّدِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهو أشْبَهُ بِهِ مِن شَبَهِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ، والتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، والماءِ بِالماءِ، فَيا عِبادَ اللَّهِ ويا أتْباعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما بالُكم تَرَكْتُمُ الكِتابَ والسُّنَّةَ جانِبًا، وعَمَدْتُمْ إلى رِجالٍ هم مِثْلُكم في تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهم بِهِما وطَلَبِهِ مِنهم لِلْعَمَلِ بِما دَلّا عَلَيْهِ وأفادَهُ، فَعَلْتُمْ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الآراءِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّدْ بِعِمادِ الحَقِّ، ولَمْ تُعَضَّدْ بِعَضُدِ الدِّينِ ونُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، تُنادِي بِأبْلَغِ نِداءٍ وتُصَوِّتُ بِأعْلى صَوْتٍ بِما يُخالِفُ ذَلِكَ ويُبايِنُهُ، فَأعَرْتُمُوهُما آذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا، وأفْهامًا مَرِيضَةً، وعُقُولًا مَهِيضَةً، وأذْهانًا كَلَيْلَةً، وخَواطِرَ عَلِيلَةً، وأنْشَدْتُمْ بِلِسانِ الحالِ: ؎وما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشَدُ فَدَعُوا - أرْشَدَكُمُ اللَّهُ وإيّايَ - كُتُبًا كَتَبَها لَكُمُ الأمْواتُ مِن أسْلافِكم، واسْتَبْدِلُوا بِها كِتابَ اللَّهِ خالِقِهم وخالِقِكم ومُتَعَبَّدِهِمْ ومُتَعَبَّدِكم، ومَعْبُودِهِمْ ومَعْبُودِكم، واسْتَبْدَلُوا بِأقْوالِ مَن تَدْعُونَهم بِأئِمَّتِكم وما جاءُوكم بِهِ مِنَ الرَّأْيِ بِأقْوالِ إمامِكم وإمامِهِمْ وقُدْوَتِكم وقُدْوَتِهِمْ، وهو الإمامُ الأوَّلُ: (p-٥٦٨)مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ . ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آبِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ اللَّهُمَّ هادِيَ الضّالِّ، مُرْشِدَ التّائِهِ، مُوَضَّحَ السَّبِيلِ، اهْدِنا إلى الحَقِّ وأرْشِدْنا إلى الصَّوابِ، وأوْضِحْ لَنا مَنهَجِ الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيِ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا، والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِما أهَّلُوهم لَهُ مِنَ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا. قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ إلَهًا ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الإشْراكِ في طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ هَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ ضَلالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وهو ما رامُوهُ مِن إبْطالِ الحَقِّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هي مُجَرَّدُ كَلِماتٍ ساذَجَةٍ ومُجادَلاتٍ زائِفَةٍ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ إبْطالِ دِينِ الحَقِّ ونُبُوَّةِ نَبِيِّ الصِّدْقِ، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ قَدْ أنارَتْ بِهِ الدُّنْيا وانْقَشَعَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ لِيُطْفِئَهُ ويُذْهِبَ أضْواءَهُ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ دِينَهُ القَوِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَتْ " إلّا " الِاسْتِثْنائِيَّةُ عَلى " يَأْبى "، ولا يَجُوزُ كَرِهْتُ أوْ بَغَضْتُ إلّا زَيْدًا. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلْتُ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَحْذِفُ مَعَ أبى، والتَّقْدِيرُ ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّما جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّها مَنعٌ أوِ امْتِناعٌ فَضارَعَتِ النَّفْيَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها ∗∗∗ أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنا وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ " أبى " قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى لَمْ يُرِدْ: أيْ ولا يُريدُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ مُقَدَّرَةٍ: أيْ أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتَمَّ نُورَهُ، ولَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ذَلِكَ ولَوْ كَرِهُوا. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ بِما يَهْدِي بِهِ النّاسَ مِنَ البَراهِينِ والمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، " ودِينِ الحَقِّ " وهو الإسْلامُ " لِيُظْهِرَهُ " أيْ لِيُظْهِرَ رَسُولَهُ، أوْ دِينَ الحَقِّ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ. ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ونُعْمانُ بْنُ أوْفى وأبُو أنَسٍ وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: كُنَّ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَجْتَمِعْنَ بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّينَ ويَعْتَزِلْنَ ويَذْكُرُونَ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أعْطاهم، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَرَّ خَلْقِهِ بُخَتُنَصَّرَ، فَحَرَقَ التَّوْراةَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَقالَ عُزَيْرٌ: أوَكانَ هَذا ؟ فَلَحِقَ بِالجِبالِ والوَحْشِ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيها، وجَعْلَ لا يُخالِطُ النّاسَ، فَإذا هو ذاتُ يَوْمٍ بِامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، قالَ: يا أُمَّهْ، اتَّقِي اللَّهَ واحْتَسِبِي واصْبِرِي أمّا تَعْلَمِينَ أنَّ سَبِيلَ النّاسِ إلى المَوْتِ ؟ فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ أتَنْهانِي أنْ أبْكِيَ وأنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَحِقْتَ بِالجِبالِ والوَحْشِ ؟ ثُمَّ قالَتْ: إنِّي لَسْتُ بِامْرَأةٍ ولَكِنِّي الدُّنْيا، وإنَّهُ سَيَنْبُعُ في مُصَلّاكَ عَيْنٌ وتَنْبُتُ شَجَرَةٌ، فاشْرَبْ مِن ماءِ العَيْنِ وكُلْ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ، فَإنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكانِ فاتْرُكْهُما يَصْنَعانِ ما أرادا، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ نَبَعَتِ العَيْنُ ونَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِن ماءِ العَيْنِ، وأكَلَ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وجاءَ مَلَكانِ ومَعَهُما قارُورَةٌ فِيها نُورٌ فَأوْجَراهُ ما فِيها فَألْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، فَجاءَ فَأمْلاهُ عَلى النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا فَذَكَرَ قِصَّةً وفِيها: أنْ عُزَيْرًا سَألَ اللَّهَ بَعْدَ ما أنْسى بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، أنْ يَرُدَّ الَّذِي نَسَخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمُ قَدْ آتانِي اللَّهُ التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: دُعاءُ عُزَيْرٍ رَبَّهُ أنْ يُلْقِيَ التَّوْراةَ كَما أنْزَلَ عَلى مُوسى في قَلْبِهِ، فَأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ثَلاثٌ أشُكُّ فِيهِنَّ: فَلا أدْرِي عُزَيْرٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ ولا أدْرِي ألُعِنَ تُبَّعٌ أمْ لا ؟ قالَ: ونَسِيتُ الثّالِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يُضاهِئُونَ: قالَ: يُشْبِهُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " قاتَلُهُمُ اللَّهُ " قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ قَتْلٌ فَهو لَعْنٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ ]، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: أمّا إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» . وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ،، وابْنُ جَرِيرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي البَحْتَرِيِّ قالَ: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهم ؟ قالَ: لا ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: أحْبارُهم قُرّاؤُهم، ورُهْبانُهم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: الأحْبارُ العُلَماءُ، والرُّهْبانُ العُبّادُ. (p-٥٦٩)وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا الإسْلامَ بِأقْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ والقُرْآنِ

التوبة 9:33

قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ شِرْكِ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وعُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وابْنُ اللَّهِ خَبَرُهُ، وقَدْ قَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَرْكِ (p-٥٦٧)التَّنْوِينِ لِاجْتِماعِ العُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ فِيهِ. ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّ سُقُوطَ التَّنْوِينِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، بَلْ لِاجْتِماعِ السّاكِنِينَ، ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ( الإخْلاصِ: ١ - ٢ ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وأنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ: ؎لِتَجِدنِي بِالأمِيرِ بَرًّا وبِالقَناةِ لَآمِرًا مِكَرًّا ؎إذا غُطَيْفٌ السُّلَمِيُّ فَرّا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وقِيلَ: هو لَفْظٌ خَرَجَ عَلى العُمُومِ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا البَعْضُ مِنهم. وقالَ النَّقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها ؟ بَلْ قَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِحِكايَةِ ذَلِكَ عَنِ اليَهُودِ، لِأنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لازِمٌ لِجَمِيعِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالُوا هَذا لَمّا رَأوْا مِن إحْيائِهِ المَوْتى مَعَ كَوْنِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَذِهِ المَقالَةِ. والأُولى: أنْ يُقالَ: إنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِكَوْنِ في الإنْجِيلِ وصْفُهُ تارَةً بِابْنِ اللَّهِ وتارَةً بِابْنِ الإنْسانِ، كَما رَأيْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الإنْجِيلِ، ولَمْ يَفْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، أوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ سَلَفِهِمْ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ؛ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي لِبَعْضِ النَّصارى لا لِكُلِّهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الإشارَةُ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِن هَذِهِ المَقالَةِ الباطِلَةِ. ووَجْهُ قَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، بِأنَّ هَذا القَوْلَ لَمّا كانَ ساذَجًا لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا عَضَّدَهُ بِرِهانٌ كانَ مُجَرَّدَ دَعْوى، لا مَعْنى تَحْتَها، فارِغَةٍ صادِرَةٍ عَنْهم صُدُورَ المُهْمَلاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها إلّا كَوْنُها خارِجَةً مِنَ الأفْواهِ، غَيْرَ مُفِيدَةٍ لِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في " كَتَبْتُ بِيَدِي ومَشَيْتُ بِرِجْلِي "، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) وقَوْلُهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ ( الأنْعامِ: ٣٨ ) . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وكانَ قَوْلًا زُورًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٦٧ ) وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ( الكَهْفِ: ٥ ) وقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ ( الفَتْحِ: ١١ ) . قَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُضاهاةُ: المُشابِهَةُ، قِيلَ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ " امْرَأةٌ ضَهْياءُ "، وهي الَّتِي لا تَحِيضُ لِأنَّها شابَهَتِ الرِّجالَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ يُضاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ في ضاهَأ أصْلِيَّةٌ، وفي ضَهْياءَ زائِدَةٌ كَحَمْراءَ، وأصْلُهُ يُضاهِئُونَ وامْرَأةٌ ضَهْياءُ. ومَعْنى مُضاهاتِهِمْ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِيهِ أقْوالٌ لِأهْلِ العِلْمِ: الأوَّلُ: أنَّهم شابَهُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ عَبَدَةَ الأوْثانِ في قَوْلِهِمْ واللّاتِ والعُزّى ومَناةَ ( بَناتُ اللَّهِ ) . القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم شابَهُوا قَوْلَ مَن يَقُولُ مِنَ الكافِرِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهم شابَهُوا أسْلافَهُمُ القائِلِينَ بِأنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ وأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، وقِيلَ: هو تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى قاتَلَهُمُ اللَّهُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبانِ بْنِ ثَعْلَبٍ: ؎قاتَلَها اللَّهُ تَلْحانِي وقَدْ عَلِمَتْ ∗∗∗ أنِّي لِنَفْسِي إفْسادِي وإصْلاحِي وحَكى النِّقاشُ أنَّ أصْلَ ( قاتَلَ اللَّهُ ): الدُّعاءُ، ثُمَّ كَثُرَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى قالُوهُ عَلى التَّعَجُّبِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهم لا يُرِيدُونَ الدُّعاءَ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: ؎يا قاتَلَ اللَّهُ لَيْلى كَيْفَ تُعْجِبُنِي ∗∗∗ وأُخْبِرُ النّاسَ أنِّي لا أُبالِيها ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأحْبارُ: جَمَعَ حَبْرٌ، وهو الَّذِي يُحْسِنُ القَوْلَ، ومِنهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ، وقِيلَ: جَمْعُ حِبْرٍ بِكَسْرِ الحاءِ. قالَ يُونُسُ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: الفَتْحُ والكَسْرُ لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ العالَمُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ العالِمُ. والرُّهْبانُ جَمْعُ راهِبٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّهْبَةِ، وهم عُلَماءُ النَّصارى كَما أنَّ الأحْبارَ عُلَماءُ اليَهُودِ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوهم فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ، ويَنْهَوْنَهم عَنْهُ، كانُوا بِمَنزِلَةِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا لِأنَّهم أطاعُوهم كَما تُطاعُ الأرْبابُ. قَوْلُهُ: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " رُهْبانَهم ": أيِ اتَّخَذَهُ النَّصارى رَبًّا مَعْبُودًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَتَّخِذُوا عُزَيْرًا رَبًّا مَعْبُودًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يَزْجُرُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ عَنِ التَّقْلِيدِ في دِينِ اللَّهِ، وتَأْثِيرُ ما يَقُولُهُ الأسْلافُ عَلى ما في الكِتابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَإنَّ طاعَةَ المُتَمَذْهِبِ لِمَن يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ ويَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما جاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وقامَتْ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ وأنْبِياؤُهُ، هو كاتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم بَلْ أطاعُوهم وحَرَّمُوا ما حَرَّمُوا وحَلَّلُوا ما حَلَّلُوا، وهَذا هو صَنِيعُ المُقَلِّدِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وهو أشْبَهُ بِهِ مِن شَبَهِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ، والتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ، والماءِ بِالماءِ، فَيا عِبادَ اللَّهِ ويا أتْباعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما بالُكم تَرَكْتُمُ الكِتابَ والسُّنَّةَ جانِبًا، وعَمَدْتُمْ إلى رِجالٍ هم مِثْلُكم في تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهم بِهِما وطَلَبِهِ مِنهم لِلْعَمَلِ بِما دَلّا عَلَيْهِ وأفادَهُ، فَعَلْتُمْ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الآراءِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّدْ بِعِمادِ الحَقِّ، ولَمْ تُعَضَّدْ بِعَضُدِ الدِّينِ ونُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، تُنادِي بِأبْلَغِ نِداءٍ وتُصَوِّتُ بِأعْلى صَوْتٍ بِما يُخالِفُ ذَلِكَ ويُبايِنُهُ، فَأعَرْتُمُوهُما آذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا، وأفْهامًا مَرِيضَةً، وعُقُولًا مَهِيضَةً، وأذْهانًا كَلَيْلَةً، وخَواطِرَ عَلِيلَةً، وأنْشَدْتُمْ بِلِسانِ الحالِ: ؎وما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ∗∗∗ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشَدُ فَدَعُوا - أرْشَدَكُمُ اللَّهُ وإيّايَ - كُتُبًا كَتَبَها لَكُمُ الأمْواتُ مِن أسْلافِكم، واسْتَبْدِلُوا بِها كِتابَ اللَّهِ خالِقِهم وخالِقِكم ومُتَعَبَّدِهِمْ ومُتَعَبَّدِكم، ومَعْبُودِهِمْ ومَعْبُودِكم، واسْتَبْدَلُوا بِأقْوالِ مَن تَدْعُونَهم بِأئِمَّتِكم وما جاءُوكم بِهِ مِنَ الرَّأْيِ بِأقْوالِ إمامِكم وإمامِهِمْ وقُدْوَتِكم وقُدْوَتِهِمْ، وهو الإمامُ الأوَّلُ: (p-٥٦٨)مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ . ؎دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آبِنٌ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ اللَّهُمَّ هادِيَ الضّالِّ، مُرْشِدَ التّائِهِ، مُوَضَّحَ السَّبِيلِ، اهْدِنا إلى الحَقِّ وأرْشِدْنا إلى الصَّوابِ، وأوْضِحْ لَنا مَنهَجِ الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيِ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا، والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِما أهَّلُوهم لَهُ مِنَ اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا. قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ إلَهًا ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الإشْراكِ في طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ هَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ ضَلالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وهو ما رامُوهُ مِن إبْطالِ الحَقِّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي هي مُجَرَّدُ كَلِماتٍ ساذَجَةٍ ومُجادَلاتٍ زائِفَةٍ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ إبْطالِ دِينِ الحَقِّ ونُبُوَّةِ نَبِيِّ الصِّدْقِ، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ قَدْ أنارَتْ بِهِ الدُّنْيا وانْقَشَعَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ لِيُطْفِئَهُ ويُذْهِبَ أضْواءَهُ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ دِينَهُ القَوِيمَ، وقَدْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَتْ " إلّا " الِاسْتِثْنائِيَّةُ عَلى " يَأْبى "، ولا يَجُوزُ كَرِهْتُ أوْ بَغَضْتُ إلّا زَيْدًا. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلْتُ لِأنَّ في الكَلامِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَرَبَ تَحْذِفُ مَعَ أبى، والتَّقْدِيرُ ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّما جازَ هَذا في أبى؛ لِأنَّها مَنعٌ أوِ امْتِناعٌ فَضارَعَتِ النَّفْيَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها ∗∗∗ أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنا وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ " أبى " قَدْ أُجْرِيَ مَجْرى لَمْ يُرِدْ: أيْ ولا يُريدُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَهُ مُقَدَّرَةٍ: أيْ أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتَمَّ نُورَهُ، ولَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ذَلِكَ ولَوْ كَرِهُوا. ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيْ بِما يَهْدِي بِهِ النّاسَ مِنَ البَراهِينِ والمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، " ودِينِ الحَقِّ " وهو الإسْلامُ " لِيُظْهِرَهُ " أيْ لِيُظْهِرَ رَسُولَهُ، أوْ دِينَ الحَقِّ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ ولِلَّهِ الحَمْدُ. ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ونُعْمانُ بْنُ أوْفى وأبُو أنَسٍ وشاسُ بْنُ قَيْسٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: كُنَّ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَجْتَمِعْنَ بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّينَ ويَعْتَزِلْنَ ويَذْكُرُونَ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أعْطاهم، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَرَّ خَلْقِهِ بُخَتُنَصَّرَ، فَحَرَقَ التَّوْراةَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَقالَ عُزَيْرٌ: أوَكانَ هَذا ؟ فَلَحِقَ بِالجِبالِ والوَحْشِ فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيها، وجَعْلَ لا يُخالِطُ النّاسَ، فَإذا هو ذاتُ يَوْمٍ بِامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي، قالَ: يا أُمَّهْ، اتَّقِي اللَّهَ واحْتَسِبِي واصْبِرِي أمّا تَعْلَمِينَ أنَّ سَبِيلَ النّاسِ إلى المَوْتِ ؟ فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ أتَنْهانِي أنْ أبْكِيَ وأنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَحِقْتَ بِالجِبالِ والوَحْشِ ؟ ثُمَّ قالَتْ: إنِّي لَسْتُ بِامْرَأةٍ ولَكِنِّي الدُّنْيا، وإنَّهُ سَيَنْبُعُ في مُصَلّاكَ عَيْنٌ وتَنْبُتُ شَجَرَةٌ، فاشْرَبْ مِن ماءِ العَيْنِ وكُلْ مِن ثَمَرِ الشَّجَرَةِ، فَإنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكانِ فاتْرُكْهُما يَصْنَعانِ ما أرادا، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ نَبَعَتِ العَيْنُ ونَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِن ماءِ العَيْنِ، وأكَلَ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وجاءَ مَلَكانِ ومَعَهُما قارُورَةٌ فِيها نُورٌ فَأوْجَراهُ ما فِيها فَألْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، فَجاءَ فَأمْلاهُ عَلى النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا فَذَكَرَ قِصَّةً وفِيها: أنْ عُزَيْرًا سَألَ اللَّهَ بَعْدَ ما أنْسى بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، أنْ يَرُدَّ الَّذِي نَسَخَ مِن صَدْرِهِ، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمُ قَدْ آتانِي اللَّهُ التَّوْراةَ ورَدَّها إلَيَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: دُعاءُ عُزَيْرٍ رَبَّهُ أنْ يُلْقِيَ التَّوْراةَ كَما أنْزَلَ عَلى مُوسى في قَلْبِهِ، فَأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ثَلاثٌ أشُكُّ فِيهِنَّ: فَلا أدْرِي عُزَيْرٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ ولا أدْرِي ألُعِنَ تُبَّعٌ أمْ لا ؟ قالَ: ونَسِيتُ الثّالِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يُضاهِئُونَ: قالَ: يُشْبِهُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " قاتَلُهُمُ اللَّهُ " قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ قَتْلٌ فَهو لَعْنٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ ]، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: أمّا إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» . وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ،، وابْنُ جَرِيرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ أبِي البَحْتَرِيِّ قالَ: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهم ؟ قالَ: لا ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: أحْبارُهم قُرّاؤُهم، ورُهْبانُهم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: الأحْبارُ العُلَماءُ، والرُّهْبانُ العُبّادُ. (p-٥٦٩)وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا الإسْلامَ بِأقْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ والقُرْآنِ

التوبة 9:34

لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ حالِ أتْباعِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا ذَكَرَ حالَ المَتْبُوعِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ إلى آخِرِهِ، ومَعْنى أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ أنَّهم يَأْخُذُونَها بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ كالرِّشْوَةِ، وأثْبَتَ هَذا لِلْكَثِيرِ مِنهم؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِذَلِكَ، بَلْ بَقِيَ عَلى ما يُوجِبُهُ دِينُهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ ولا مَيْلٍ إلى حُطامِ الدُّنْيا، ولَقَدِ اقْتَدى بِهَؤُلاءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ مَن لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ في كُلِّ زَمانٍ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ. ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ، أوْ عَنْ ما كانَ حَقًّا في شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ نَسْخِها بِسَبَبِ أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وإنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ، وقِيلَ: هم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ فَهو أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ في بَطْنِ الأرْضِ كانَ أوْ عَلى ظَهْرِها، انْتَهى. ومِنهُ ناقَةٌ كِنازٌ: أيْ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ، واكْتَنَزَ الشَّيْءُ: اجْتَمَعَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المالِ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ هَلْ يُسَمّى كَنْزًا أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو كَنْزٌ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ. ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أبُو ذَرٍّ، وقَيَّدَهُ بِما فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الثّانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ،، وجابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهم، وهو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ ما أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . اخْتَلَفَ في وجْهِ إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ شَيْئَيْنِ، هَمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ قَصْدٌ إلى الأعَمِّ الأغْلَبِ وهو الفِضَّةُ قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ ( البَقَرَةِ: ٤٥ ) رَدَّ الكِنايَةَ إلى الصَّلاةِ لِأنَّها أعَمُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أعادَ الضَّمِيرَ إلى التِّجارَةِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والعَرَبُ تُؤَنِّثُ الذَّهَبَ وتُذَكِّرُهُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكُنُوزِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: يَكْنِزُونَ، وقِيلَ: إلى الأمْوالِ، وقِيلَ: لِلزَّكاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِضَمِيرِ أحَدِهِما عَنْ ضَمِيرِ الآخَرِ مَعَ فَهْمِ المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ولَمْ يَقُلْ راضُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيًّا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي ولَمْ يَقِلْ بَرِيَّيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاضْ كانَ جُنُونًا ولَمْ يَقُلْ يُعاضا، وقِيلَ: إنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ مِن بابِ الذَّهابِ إلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ جُمْلَةٌ وافِيَةٌ، وعِدَّةٌ كَثِيرَةٌ، ودَنانِيرُ ودَراهِمُ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ( الحُجُراتِ: ٩ ) وإنَّما خُصَّ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الأمْوالِ لِكَوْنِهِما أثْمانَ الأشْياءِ، وغالِبَ ما يُكْنَزُ وإنْ كانَ غَيْرُهُما لَهُ حُكْمُهُما في تَحْرِيمِ الكَنْزِ. قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو خَبَرُ المَوْصُولِ، وهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ؎تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقِيلَ: إنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَهُ لَوْنُ البَشَرَةِ لِتَأْثِيرِهِ في القَلْبِ، سَواءٌ كانَ في الفَرَحِ أوْ في الغَمِّ. ومَعْنى ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أنَّ النّارَ تُوقَدُ عَلَيْها وهي ذاتُ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ، ولَوْ قالَ " يَوْمَ تُحْمى: أيِ الكُنُوزُ لَمْ يُعْطِ هَذا المَعْنى، فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً، ثُمَّ حَذَفَ النّارَ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجارِّ، كَما تَقُولُ رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ، فَإنْ لَمْ تَذْكُرِ القِصَّةَ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تُحْمى " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " فَيُكْوى " بِالتَّحْتِيَّةِ. وخَصَّ الجِباهَ والجَنُوبَ والظُّهُورَ لِكَوْنِ التَّألُّمِ بِكَيِّها أشَدَّ لِما في داخِلِها مِنَ الأعْضاءِ الشَّرِيفَةِ، وقِيلَ: لِيَكُونَ الكَيُّ في الجِهاتِ الأرْبَعِ: مِن قُدّامٍ، وخَلْفٍ، وعَنْ يَمِينٍ، وعَنْ يَسارٍ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ في الوَجْهِ، والقُوَّةَ في الظَّهْرِ والجَنْبَيْنِ، والإنْسانُ إنَّما يَطْلُبُ المالَ لِلْجَمالِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ. قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ يُقالُ لَهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم: أيْ كَنَزْتُمُوهُ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ فَهَذا نَفْعُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ والتَّوْبِيخِ ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ ذُوقُوا وبالَهُ، وسُوءَ عاقِبَتِهِ، وقُبْحَ مَغَبَّتِهِ، وشُؤْمَ فائِدَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ والباطِلُ: كُتُبٌ كَتَبُوها لَمْ يُنْزِلْها اللَّهُ فَأكَلُوا بِها أمْوالَ النّاسِ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في (p-٥٧٠)قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الزَّكاةَ مِن أمْوالِهِمْ، وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها فَهو كَنْزٌ، وكُلُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها. وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والخَطِيبُ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أيْضًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الزَّكاةُ جَعَلَها اللَّهُ طُهْرَةً لِلْأمْوالِ، ثُمَّ قالَ: ما أُبالِي لَوْ كانَ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أعْلَمُ عَدَدَهُ وأُزَكِّيهِ وأعْمَلُ فِيهِ بِطاعاتِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ ما أُدِّيَ زَكاتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ، وأبُو يَعْلى،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: ما يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنّا لِوَلَدِهِ ما لا يَبْقى بَعْدَهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكم، فانْطَلَقَ عُمَرُ واتَّبَعَهُ ثَوْبانُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم، وإنَّما فَرَضَ المَوارِيثَ مِن أمْوالٍ تَبْقى بَعْدَكم، فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ ما يَكْنِزُ المَرْءُ ؟ المَرْأةُ الصّالِحَةُ الَّتِي إذا نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإذا أمَرَها أطاعَتْهُ، وإذا غابَ عَنْها حَفِظْتُهُ» . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، عَنْ ثَوْبانَ. وحَكى البُخارِيُّ، أنَّ سالِمًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِن ثَوْبانَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ، وقالَ: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دُوْنَها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حِلْيَةُ السُّيُوفِ مِنَ الكُنُوزِ ما أُحَدِّثُكم إلّا ما سَمِعْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ إنَّها نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ التَّوْبَةِ: ١٠٣ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَها، إلّا جُعِلَ لَها يَوْمَ القِيامَةِ صَفائِحُ، ثُمَّ أحَمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُكْوى بِها جَنْباهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ فَيَرى سَبِيلَهُ، إمّا إلى الجَنَّةِ، وإمّا إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ بِالزُّبْدَةِ فَقُلْتُ: ما أنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأرْضِ ؟ فَقالَ: كُنّا بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: ما هَذِهِ فِينا، ما هَذِهِ إلّا في أهْلِ الكِتابِ، قُلْتُ: إنَّها لَفِينا وفِيهِمْ.

التوبة 9:35

لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ حالِ أتْباعِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَّخِذِينَ لَهم أرْبابًا ذَكَرَ حالَ المَتْبُوعِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ إلى آخِرِهِ، ومَعْنى أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ أنَّهم يَأْخُذُونَها بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ كالرِّشْوَةِ، وأثْبَتَ هَذا لِلْكَثِيرِ مِنهم؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِذَلِكَ، بَلْ بَقِيَ عَلى ما يُوجِبُهُ دِينُهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ ولا مَيْلٍ إلى حُطامِ الدُّنْيا، ولَقَدِ اقْتَدى بِهَؤُلاءِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ مَن لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ في كُلِّ زَمانٍ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ. ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ، أوْ عَنْ ما كانَ حَقًّا في شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ نَسْخِها بِسَبَبِ أكْلِهِمْ لِأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وإنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ، وقِيلَ: هم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ فَهو أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ الكَنْزِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، ولا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الكَنْزُ كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ في بَطْنِ الأرْضِ كانَ أوْ عَلى ظَهْرِها، انْتَهى. ومِنهُ ناقَةٌ كِنازٌ: أيْ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ، واكْتَنَزَ الشَّيْءُ: اجْتَمَعَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المالِ الَّذِي أُدِّيَتْ زَكاتُهُ هَلْ يُسَمّى كَنْزًا أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو كَنْزٌ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ. ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أبُو ذَرٍّ، وقَيَّدَهُ بِما فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ. ومِنَ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الثّانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ،، وجابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهم، وهو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ ما أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . اخْتَلَفَ في وجْهِ إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ شَيْئَيْنِ، هَمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ قَصْدٌ إلى الأعَمِّ الأغْلَبِ وهو الفِضَّةُ قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ ( البَقَرَةِ: ٤٥ ) رَدَّ الكِنايَةَ إلى الصَّلاةِ لِأنَّها أعَمُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أعادَ الضَّمِيرَ إلى التِّجارَةِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، والعَرَبُ تُؤَنِّثُ الذَّهَبَ وتُذَكِّرُهُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الكُنُوزِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: يَكْنِزُونَ، وقِيلَ: إلى الأمْوالِ، وقِيلَ: لِلزَّكاةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِضَمِيرِ أحَدِهِما عَنْ ضَمِيرِ الآخَرِ مَعَ فَهْمِ المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ولَمْ يَقُلْ راضُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيًّا ومِن أجْلِ الطَّوى رَمانِي ولَمْ يَقِلْ بَرِيَّيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاضْ كانَ جُنُونًا ولَمْ يَقُلْ يُعاضا، وقِيلَ: إنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ مِن بابِ الذَّهابِ إلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ جُمْلَةٌ وافِيَةٌ، وعِدَّةٌ كَثِيرَةٌ، ودَنانِيرُ ودَراهِمُ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ( الحُجُراتِ: ٩ ) وإنَّما خُصَّ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الأمْوالِ لِكَوْنِهِما أثْمانَ الأشْياءِ، وغالِبَ ما يُكْنَزُ وإنْ كانَ غَيْرُهُما لَهُ حُكْمُهُما في تَحْرِيمِ الكَنْزِ. قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو خَبَرُ المَوْصُولِ، وهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ؎تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقِيلَ: إنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَهُ لَوْنُ البَشَرَةِ لِتَأْثِيرِهِ في القَلْبِ، سَواءٌ كانَ في الفَرَحِ أوْ في الغَمِّ. ومَعْنى ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أنَّ النّارَ تُوقَدُ عَلَيْها وهي ذاتُ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ، ولَوْ قالَ " يَوْمَ تُحْمى: أيِ الكُنُوزُ لَمْ يُعْطِ هَذا المَعْنى، فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً، ثُمَّ حَذَفَ النّارَ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجارِّ، كَما تَقُولُ رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ، فَإنْ لَمْ تَذْكُرِ القِصَّةَ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تُحْمى " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " فَيُكْوى " بِالتَّحْتِيَّةِ. وخَصَّ الجِباهَ والجَنُوبَ والظُّهُورَ لِكَوْنِ التَّألُّمِ بِكَيِّها أشَدَّ لِما في داخِلِها مِنَ الأعْضاءِ الشَّرِيفَةِ، وقِيلَ: لِيَكُونَ الكَيُّ في الجِهاتِ الأرْبَعِ: مِن قُدّامٍ، وخَلْفٍ، وعَنْ يَمِينٍ، وعَنْ يَسارٍ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ في الوَجْهِ، والقُوَّةَ في الظَّهْرِ والجَنْبَيْنِ، والإنْسانُ إنَّما يَطْلُبُ المالَ لِلْجَمالِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ. قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ يُقالُ لَهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم: أيْ كَنَزْتُمُوهُ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ فَهَذا نَفْعُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ والتَّوْبِيخِ ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ ذُوقُوا وبالَهُ، وسُوءَ عاقِبَتِهِ، وقُبْحَ مَغَبَّتِهِ، وشُؤْمَ فائِدَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ والباطِلُ: كُتُبٌ كَتَبُوها لَمْ يُنْزِلْها اللَّهُ فَأكَلُوا بِها أمْوالَ النّاسِ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ( البَقَرَةِ: ٧٩ ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في (p-٥٧٠)قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الزَّكاةَ مِن أمْوالِهِمْ، وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها فَهو كَنْزٌ، وكُلُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها. وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والخَطِيبُ، عَنْ جابِرٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أيْضًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ ماجَهْ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الزَّكاةُ جَعَلَها اللَّهُ طُهْرَةً لِلْأمْوالِ، ثُمَّ قالَ: ما أُبالِي لَوْ كانَ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أعْلَمُ عَدَدَهُ وأُزَكِّيهِ وأعْمَلُ فِيهِ بِطاعاتِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ ما أُدِّيَ زَكاتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ، وأبُو يَعْلى،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: ما يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنّا لِوَلَدِهِ ما لا يَبْقى بَعْدَهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكم، فانْطَلَقَ عُمَرُ واتَّبَعَهُ ثَوْبانُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم، وإنَّما فَرَضَ المَوارِيثَ مِن أمْوالٍ تَبْقى بَعْدَكم، فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ ما يَكْنِزُ المَرْءُ ؟ المَرْأةُ الصّالِحَةُ الَّتِي إذا نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإذا أمَرَها أطاعَتْهُ، وإذا غابَ عَنْها حَفِظْتُهُ» . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ،، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، عَنْ ثَوْبانَ. وحَكى البُخارِيُّ، أنَّ سالِمًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِن ثَوْبانَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ، وقالَ: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دُوْنَها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حِلْيَةُ السُّيُوفِ مِنَ الكُنُوزِ ما أُحَدِّثُكم إلّا ما سَمِعْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ إنَّها نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ التَّوْبَةِ: ١٠٣ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ،، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَها، إلّا جُعِلَ لَها يَوْمَ القِيامَةِ صَفائِحُ، ثُمَّ أحَمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُكْوى بِها جَنْباهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ فَيَرى سَبِيلَهُ، إمّا إلى الجَنَّةِ، وإمّا إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ بِالزُّبْدَةِ فَقُلْتُ: ما أنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأرْضِ ؟ فَقالَ: كُنّا بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: ما هَذِهِ فِينا، ما هَذِهِ إلّا في أهْلِ الكِتابِ، قُلْتُ: إنَّها لَفِينا وفِيهِمْ.

التوبة 9:36

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ الكُفّارِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ غَيَّرُوا تِلْكَ الأوْقاتَ بِالنَّسِيءِ والكَبِيسَةِ، فَأخْبَرَنا اللَّهُ بِما هو حُكْمُهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ وحِكْمَتِهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما أثْبَتَهُ في كِتابِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لا يَجُوزُ أنْ يُتَعَلَّقَ في كِتابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: " عِدَّةَ الشُّهُورِ " لِلْفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ: أعْنِي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، فَقَوْلُهُ: في كِتابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: " يَوْمَ خَلَقَ " بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفائِدَةُ الإبْدالَيْنِ تَقْرِيرُ الكَلامِ في الأذْهانِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ واجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ، وثابِتٌ في عِلْمِهِ في أوَّلِ ما خَلْقَ اللَّهُ العالَمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في كِتابِ اللَّهِ صِفَةُ " اثْنا عَشَرَ ": أيِ اثْنا عَشَرَ مُثْبَتَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وسَمّاها بِأسْمائِها عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ هَذا هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِما عِنْدَ العَجَمِ والرُّومِ والقِبْطِ مِنَ الشُّهُورِ الَّتِي يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَجْعَلُونَ بَعْضَها ثَلاثِينَ يَوْمًا، وبَعْضَها أكْثَرَ، وبَعْضَها أقَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ؛ كَما ورَدَ بَيانُ ذَلِكَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ: كَوْنُ هَذِهِ الشُّهُورِ كَذَلِكَ، ومِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ، والحِسابُ الصَّحِيحُ، والعَدَدُ المُسْتَوْفى. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإيقاعِ القِتالِ فِيها والهَتْكِ لِحُرْمَتِها، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الشُّهُورِ كُلِّها الحُرُمِ وغَيْرِها، وإنَّ اللَّهَ نَهى عَنِ الظُّلْمِ فِيها، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ (p-٥٧١)فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢ ) ولِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) الآيَةَ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ ومُقاتَلَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، فَتَكُونُ سائِرُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ مُقَيَّدَةً بِما ورَدَ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما هي مُقَيَّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ في الحَرَمِ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وأمّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ أهْلَ الطّائِفِ في شَهْرٍ حَرامٍ وهو ذُو القِعْدَةِ» كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَبْتَدِ مُحاصَرَتَهم في ذِي القِعْدَةِ بَلْ في شَوّالٍ، والمُحَرَّمُ إنَّما هو ابْتِداءُ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ لا إتْمامُهُ وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ. قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِثْلُ هَذا مِنَ المَصادِرِ كَعامَّةٍ وخاصَّةٍ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ﴿كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ قِتالِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ فُرْضٌ عَلى الأعْيانِ إنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ البَعْضُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ يَنْصُرُهم ويُثَبِّتُهم، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَهُ العاقِبَةُ والغَلَبَةُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ . قَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ عَنْهُ " النَّسِيُّ " بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِياءٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: ولَمْ يَرْوِ أحَدٌ، عَنْ نافِعٍ هَذِهِ القِراءَةَ إلّا ورْشٌ وحْدَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن نَسَأهُ وأنْسَأهُ: إذا أخَّرَهُ، حَكى ذَلِكَ الكِسائِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن قَوْلِكَ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ فَهو مَنسُوءٌ: إذا أخَّرْتَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَنسُوءٌ إلى نَسِيءٍ كَما تَحَوَّلَ مَقْتُولٌ إلى قَتِيلٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في النَّسِيءِ بِالهَمْزَةِ مَعْنى الزِّيادَةِ يُقالُ: نَسَأ يَنْسَأُ: إذا زادَ، قالَ: ولا يَكُونُ بِتَرْكِ الهَمْزَةِ إلّا مِنَ النِّسْيانِ كَما قالَ - تَعالى -: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ورَدَّ عَلى نافِعٍ قِراءَتَهُ. وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ، فَإذا احْتاجُوا إلى القِتالِ فِيها قاتَلُوا فِيها وحَرَّمُوا غَيْرَها، فَإذا قاتَلُوا في المُحَرَّمِ حَرَّمُوا بَدَلَهُ شَهْرَ صَفَرٍ، وهَكَذا في غَيْرِهِ، وكانَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا أنَّ كَثِيرًا مِنهم إنَّما كانُوا يَعِيشُونَ بِالغارَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضِ، ونَهْبِ ما يُمْكِنُهم نَهْبُهُ مِن أمْوالِ مَن يُغِيرُونَ عَلَيْهِ، ويَقَعُ بَيْنَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ القِتالُ، وكانَتِ الأشْهُرُ الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ يَضُرُّ بِهِمْ تَوالِيها وتَشْتَدُّ حاجَتُهم وتَعْظُمُ فاقَتُهم، فَيُحَلِّلُونَ بَعْضَها ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ بِقَدْرِهِ مِن غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَهَذا هو مَعْنى النَّسِيءِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في أوَّلِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِيَ كِنانَةَ يُقالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ عَتِيدٍ، ويُلَقَّبُ القَلَمَّسَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ الكُمَيْتُ بِقَوْلِهِ: ؎ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا وفِيهِ يَقُولُ قائِلُهم: ؎ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسُ وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وقِيلَ: هو نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِن بَنِي كِنانَةَ، وسَمّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - النَّسِيءَ زِيادَةً في الكُفْرِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، ومَعْصِيَةٌ مِن مَعاصِيهِمُ المُنْضَمَّةِ إلى كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " يَضِلُّ " عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ يَضِلُّونَ بِما يَفْعَلُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، أنَّ الَّذِي سَنَّ لَهم ذَلِكَ يَجْعَلُهم ضالِّينَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ السَّيِّئَةِ، وقَدِ اخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةِ أبُو عُبَيْدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَعْقُوبُ " يُضِلُّ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ومَفْعُولُهُ المَوْصُولَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَّ يَضَلُّ. وقُرِئَ نَضِلُّ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النَّسِيءِ: أيْ يُحِلُّونَ النَّسِيءَ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا، أوْ إلى الشَّهْرِ الَّذِي يُؤَخِّرُونَهُ ويُقاتِلُونَ فِيهِ: أيْ يُحِلُّونَهُ عامًا بِإبْدالِهِ بِشَهْرٍ آخَرَ مِن شُهُورِ الحِلِّ، " يُحَرِّمُونَهُ عامًا ": أيْ يُحافِظُونَ عَلَيْهِ فَلا يُحِلُّونَ فِيهِ القِتالَ، بَلْ يُبْقُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ لِكَيْ يُواطِئُوا، والمُواطَأةُ المُوافَقَةُ، يُقالُ: تَواطَأ القَوْمُ عَلى كَذا: أيْ تَوافَقُوا عَلَيْهِ واجْتَمَعُوا. والمَعْنى: إنَّهم لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا إلّا حَرَّمُوا شَهْرًا لِتَبْقى الأشْهُرُ الحُرُمُ أرْبَعَةً. قالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ عَمَدُوا إلى صَفَرٍ فَزادُوهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وقَرَنُوهُ بِالمُحَرَّمِ في التَّحْرِيمِ، وكَذا قالَ الطَّبَرَيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي أبْدَلُوها بِغَيْرِها ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ أيْ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي يَعْمَلُونَها، ومِن جُمْلَتِها النَّسِيءُ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمُ، المُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ فَلا يَهْدِيهِمْ هِدايَةً تَوَصِّلُهم إلى المَطْلُوبِ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ فَقَدْ نَصَبَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِجَمِيعِ عِبادِهِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ،، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ في حَجَّتِهِ فَقالَ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَزّارُ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَهُ أحْمَدُ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي حُرَّةَ الرَّقاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ (p-٥٧٢)وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فَقالَ: المُحَرَّمُ، ورَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّما سُمِّينَ حُرُمًا لِئَلّا يَكُونَ فِيهِنَّ حَرْبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ اخْتَصَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهِنَّ، وجَعَلَ الدِّينَ فِيهِنَّ أعْظَمَ، والعَمَلَ الصّالِحَ والأجْرَ أعْظَمَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: في كُلِّهِنَّ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ يَقُولُ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ آيَةٍ فِيها رُخْصَةٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَتِ العَرَبُ يُحِلُّونَ عامًا شَهْرًا وعامًا شَهْرَيْنِ، ولا يُصِيبُونَ الحَجَّ إلّا في كُلِّ سَنَةٍ، وعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً، وهي النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَلَمّا كانَ عامُ حَجِّ أبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ، وافَقَ ذَلِكَ العامُ، فَسَمّاهُ اللَّهُ الحَجُّ الأكْبَرُ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، واسْتَقْبَلَ النّاسُ الأهِلَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالعَقَبَةِ فَقالَ: إنَّما النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطانِ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا فَكانُوا يُحَرِّمُونَ المُحْرَّمَ عامًا ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرًا، ويُحَرِّمُونَ صَفَرًا عامًا ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ، وهي النَّسِيءُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ يُوافِي المَوْسِمَ كُلَّ عامٍ، وكانَ يُكْنى أبا ثُمامَةَ، فَيُنادِي ألا إنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُخابُ ولا يُعابُ، ألّا وإنَّ صَفَرَ الأوَّلَ العامَ حَلالٌ، فَيُحِلُّهُ لِلنّاسِ، فَيُحَرِّمُ صَفَرًا عامًا، ويُحَرِّمُ المُحَرَّمَ عامًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: المُحَرَّمُ كانُوا يُسَمُّونَهُ صَفَرًا، وصَفَرٌ يَقُولُونَ صَفَرانِ الأوَّلُ والآخِرُ، يُحِلُّ لَهم مَرَّةً الأوَّلَ، ومَرَّةً الآخِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: كانَتِ النَّسّاءَةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكٍ مِن كِنانَةَ مِن بَنِيَ فُقَيْمٍ، فَكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ القَلَمَّسَ، وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ.

التوبة 9:37

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ الكُفّارِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ غَيَّرُوا تِلْكَ الأوْقاتَ بِالنَّسِيءِ والكَبِيسَةِ، فَأخْبَرَنا اللَّهُ بِما هو حُكْمُهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ وحِكْمَتِهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا. قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ فِيما أثْبَتَهُ في كِتابِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لا يَجُوزُ أنْ يُتَعَلَّقَ في كِتابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: " عِدَّةَ الشُّهُورِ " لِلْفَصْلِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ: أعْنِي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، فَقَوْلُهُ: في كِتابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: " يَوْمَ خَلَقَ " بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفائِدَةُ الإبْدالَيْنِ تَقْرِيرُ الكَلامِ في الأذْهانِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ واجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ، وثابِتٌ في عِلْمِهِ في أوَّلِ ما خَلْقَ اللَّهُ العالَمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في كِتابِ اللَّهِ صِفَةُ " اثْنا عَشَرَ ": أيِ اثْنا عَشَرَ مُثْبَتَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - وضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وسَمّاها بِأسْمائِها عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ هَذا هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِما عِنْدَ العَجَمِ والرُّومِ والقِبْطِ مِنَ الشُّهُورِ الَّتِي يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَجْعَلُونَ بَعْضَها ثَلاثِينَ يَوْمًا، وبَعْضَها أكْثَرَ، وبَعْضَها أقَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ؛ كَما ورَدَ بَيانُ ذَلِكَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ: كَوْنُ هَذِهِ الشُّهُورِ كَذَلِكَ، ومِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ، والحِسابُ الصَّحِيحُ، والعَدَدُ المُسْتَوْفى. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ في هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِإيقاعِ القِتالِ فِيها والهَتْكِ لِحُرْمَتِها، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الشُّهُورِ كُلِّها الحُرُمِ وغَيْرِها، وإنَّ اللَّهَ نَهى عَنِ الظُّلْمِ فِيها، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ (p-٥٧١)فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ ( المائِدَةِ: ٢ ) ولِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥ ) الآيَةَ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ ومُقاتَلَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، فَتَكُونُ سائِرُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ مُقَيَّدَةً بِما ورَدَ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما هي مُقَيَّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ في الحَرَمِ لِلْأدِلَّةِ الوارِدَةِ في تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وأمّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ أهْلَ الطّائِفِ في شَهْرٍ حَرامٍ وهو ذُو القِعْدَةِ» كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَبْتَدِ مُحاصَرَتَهم في ذِي القِعْدَةِ بَلْ في شَوّالٍ، والمُحَرَّمُ إنَّما هو ابْتِداءُ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ لا إتْمامُهُ وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ. قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِثْلُ هَذا مِنَ المَصادِرِ كَعامَّةٍ وخاصَّةٍ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ﴿كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ قِتالِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ فُرْضٌ عَلى الأعْيانِ إنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ البَعْضُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ يَنْصُرُهم ويُثَبِّتُهم، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، ولَهُ العاقِبَةُ والغَلَبَةُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ . قَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ عَنْهُ " النَّسِيُّ " بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِياءٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: ولَمْ يَرْوِ أحَدٌ، عَنْ نافِعٍ هَذِهِ القِراءَةَ إلّا ورْشٌ وحْدَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن نَسَأهُ وأنْسَأهُ: إذا أخَّرَهُ، حَكى ذَلِكَ الكِسائِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن قَوْلِكَ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ فَهو مَنسُوءٌ: إذا أخَّرْتَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَنسُوءٌ إلى نَسِيءٍ كَما تَحَوَّلَ مَقْتُولٌ إلى قَتِيلٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في النَّسِيءِ بِالهَمْزَةِ مَعْنى الزِّيادَةِ يُقالُ: نَسَأ يَنْسَأُ: إذا زادَ، قالَ: ولا يَكُونُ بِتَرْكِ الهَمْزَةِ إلّا مِنَ النِّسْيانِ كَما قالَ - تَعالى -: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ورَدَّ عَلى نافِعٍ قِراءَتَهُ. وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ المَذْكُورَةِ، فَإذا احْتاجُوا إلى القِتالِ فِيها قاتَلُوا فِيها وحَرَّمُوا غَيْرَها، فَإذا قاتَلُوا في المُحَرَّمِ حَرَّمُوا بَدَلَهُ شَهْرَ صَفَرٍ، وهَكَذا في غَيْرِهِ، وكانَ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى هَذا أنَّ كَثِيرًا مِنهم إنَّما كانُوا يَعِيشُونَ بِالغارَةِ عَلى بَعْضِهِمُ البَعْضِ، ونَهْبِ ما يُمْكِنُهم نَهْبُهُ مِن أمْوالِ مَن يُغِيرُونَ عَلَيْهِ، ويَقَعُ بَيْنَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ القِتالُ، وكانَتِ الأشْهُرُ الثَّلاثَةُ المَسْرُودَةُ يَضُرُّ بِهِمْ تَوالِيها وتَشْتَدُّ حاجَتُهم وتَعْظُمُ فاقَتُهم، فَيُحَلِّلُونَ بَعْضَها ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ بِقَدْرِهِ مِن غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَهَذا هو مَعْنى النَّسِيءِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في أوَّلِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِيَ كِنانَةَ يُقالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ عَتِيدٍ، ويُلَقَّبُ القَلَمَّسَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ الكُمَيْتُ بِقَوْلِهِ: ؎ألَسْنا النّاسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا وفِيهِ يَقُولُ قائِلُهم: ؎ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسُ وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وقِيلَ: هو نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِن بَنِي كِنانَةَ، وسَمّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - النَّسِيءَ زِيادَةً في الكُفْرِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، ومَعْصِيَةٌ مِن مَعاصِيهِمُ المُنْضَمَّةِ إلى كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " يَضِلُّ " عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ يَضِلُّونَ بِما يَفْعَلُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، أنَّ الَّذِي سَنَّ لَهم ذَلِكَ يَجْعَلُهم ضالِّينَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ السَّيِّئَةِ، وقَدِ اخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو حاتِمٍ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةِ أبُو عُبَيْدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَعْقُوبُ " يُضِلُّ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ المَوْصُولُ، ومَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ومَفْعُولُهُ المَوْصُولَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَّ يَضَلُّ. وقُرِئَ نَضِلُّ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النَّسِيءِ: أيْ يُحِلُّونَ النَّسِيءَ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا، أوْ إلى الشَّهْرِ الَّذِي يُؤَخِّرُونَهُ ويُقاتِلُونَ فِيهِ: أيْ يُحِلُّونَهُ عامًا بِإبْدالِهِ بِشَهْرٍ آخَرَ مِن شُهُورِ الحِلِّ، " يُحَرِّمُونَهُ عامًا ": أيْ يُحافِظُونَ عَلَيْهِ فَلا يُحِلُّونَ فِيهِ القِتالَ، بَلْ يُبْقُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ لِكَيْ يُواطِئُوا، والمُواطَأةُ المُوافَقَةُ، يُقالُ: تَواطَأ القَوْمُ عَلى كَذا: أيْ تَوافَقُوا عَلَيْهِ واجْتَمَعُوا. والمَعْنى: إنَّهم لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا إلّا حَرَّمُوا شَهْرًا لِتَبْقى الأشْهُرُ الحُرُمُ أرْبَعَةً. قالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ عَمَدُوا إلى صَفَرٍ فَزادُوهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وقَرَنُوهُ بِالمُحَرَّمِ في التَّحْرِيمِ، وكَذا قالَ الطَّبَرَيُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّتِي أبْدَلُوها بِغَيْرِها ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ أيْ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي يَعْمَلُونَها، ومِن جُمْلَتِها النَّسِيءُ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمُ، المُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ فَلا يَهْدِيهِمْ هِدايَةً تَوَصِّلُهم إلى المَطْلُوبِ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ فَقَدْ نَصَبَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِجَمِيعِ عِبادِهِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ،، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ في حَجَّتِهِ فَقالَ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَزّارُ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَهُ أحْمَدُ،، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي حُرَّةَ الرَّقاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ (p-٥٧٢)وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فَقالَ: المُحَرَّمُ، ورَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّما سُمِّينَ حُرُمًا لِئَلّا يَكُونَ فِيهِنَّ حَرْبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ اخْتَصَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهِنَّ، وجَعَلَ الدِّينَ فِيهِنَّ أعْظَمَ، والعَمَلَ الصّالِحَ والأجْرَ أعْظَمَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: في كُلِّهِنَّ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ يَقُولُ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ آيَةٍ فِيها رُخْصَةٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَتِ العَرَبُ يُحِلُّونَ عامًا شَهْرًا وعامًا شَهْرَيْنِ، ولا يُصِيبُونَ الحَجَّ إلّا في كُلِّ سَنَةٍ، وعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً، وهي النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَلَمّا كانَ عامُ حَجِّ أبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ، وافَقَ ذَلِكَ العامُ، فَسَمّاهُ اللَّهُ الحَجُّ الأكْبَرُ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، واسْتَقْبَلَ النّاسُ الأهِلَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالعَقَبَةِ فَقالَ: إنَّما النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطانِ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا فَكانُوا يُحَرِّمُونَ المُحْرَّمَ عامًا ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرًا، ويُحَرِّمُونَ صَفَرًا عامًا ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ، وهي النَّسِيءُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ يُوافِي المَوْسِمَ كُلَّ عامٍ، وكانَ يُكْنى أبا ثُمامَةَ، فَيُنادِي ألا إنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُخابُ ولا يُعابُ، ألّا وإنَّ صَفَرَ الأوَّلَ العامَ حَلالٌ، فَيُحِلُّهُ لِلنّاسِ، فَيُحَرِّمُ صَفَرًا عامًا، ويُحَرِّمُ المُحَرَّمَ عامًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: المُحَرَّمُ كانُوا يُسَمُّونَهُ صَفَرًا، وصَفَرٌ يَقُولُونَ صَفَرانِ الأوَّلُ والآخِرُ، يُحِلُّ لَهم مَرَّةً الأوَّلَ، ومَرَّةً الآخِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: كانَتِ النَّسّاءَةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكٍ مِن كِنانَةَ مِن بَنِيَ فُقَيْمٍ، فَكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ القَلَمَّسَ، وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ.

التوبة 9:38

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ. قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ (p-٥٧٣)تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ في مَواطِنِ القِلَّةِ، وأظْهَرَهُ عَلى عَدُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، أوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ وقْتَ إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ، وهُما: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي:: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ووَجْهُها أنْ تُسَكَّنَ الياءُ تَشْبِيهًا بِالألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهي كَقِراءَةِ الحَسَنِ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٨ )، وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَهُ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ أخْرَجَهُ " بَدَلُ بَعْضٍ، والغارُ: ثُقْبٌ في الجَبَلِ المُسَمّى ثَوْرًا، وهو المَشْهُورُ بِغارِ ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، وقِصَّةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، هو وأبُو بَكْرٍ ودُخُولِهِما الغارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: دَعِ الحُزْنَ، فَإنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ وتَأْيِيدِهِ مَعَنا، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، ومَن لا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أنْ لا يَحْزَنَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وتَأْمِينُهُ حَتّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّكِينَةِ النّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الخَوْفِ لَهُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في " عَلَيْهِ " لِلنَّبِيِّ ﷺ الضَّمِيرُ في ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فَإنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ المُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الجُنُودِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لا مَحْذُورَ في رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِن " عَلَيْهِ " إلى أبِي بَكْرٍ ومِن " وأيَّدَهُ " إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهي: دَعْوَتُهم إلَيْهِ ونِداؤُهم لِلْأصْنامِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . قَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلى " جَعَلَ "، وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ ضَعَّفَ قِراءَةَ النَّصْبِ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ - أعْنِي هي - تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ في العُلُوِّ، وأنَّها المُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِها، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ وصَوابٌ. ثُمَّ لَمّا تَوَّعَدَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ذَكَرَهُ، عَقَّبَهُ بِالأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم خِفافًا وثِقالًا، قِيلَ: المُرادُ مُنْفَرِدِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقِيلَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، وقِيلَ: فُقَراءَ وأغْنِياءَ، وقِيلَ: شَبابًا وشُيُوخًا، وقِيلَ: رِجالًا وفِرْسانًا، وقِيلَ: مَن لا عِيالَ لَهُ ومَن لَهُ عِيالٌ، وقِيلَ: مَن يَسْبِقُ إلى الحَرْبِ كالطَّلائِعِ، ومَن يَتَأخَّرُ كالجَيْشِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ أوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ )، وقِيلَ: النّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) الآيَةَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ويَكُونُ إخْراجُ الأعْمى والأعْرَجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ( النُّورِ: ٦١ ) وإخْراجُ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) مِن بابِ التَّخْصِيصِ، لا مِن بابِ النَّسْخِ عَلى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافًا وثِقالًا والظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ العُمُومِ. قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالجِهادِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ وإيجابُهُ عَلى العِبادِ، فالفُقَراءُ يُجاهِدُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. والجِهادُ مِن آكَدِ الفَرائِضِ وأعْظَمِها، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ مَهْما كانَ البَعْضُ يَقُومُ بِجِهادِ العَدُوِّ وبِدَفْعِهِ، فَإنْ كانَ لا يَقُومُ بِالعَدُوِّ إلّا جَمِيعُ المُسْلِمِينَ في قُطْرٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ أقْطارٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكم " إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالنَّفِيرِ والأمْرِ بِالجِهادِ. " خَيْرٌ لَكم " أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، وخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وتَعْرِفُونَ الأشْياءَ الفاضِلَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ المَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. والمَعْنى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ، وكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَهو قاصِدٌ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ مِنهُ شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا: السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، والمُرادُ بِهَذا غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإنَّها كانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شاقَّةً. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ " بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. " وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حالَ كَوْنِكم قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم﴾ أيْ: لَوْ قَدَرْنا عَلى الخُرُوجِ ووَجَدْنا ما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِيهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لَخَرَجْنا مَعَكم. هَذِهِ الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ مَن حَلَفَ كاذِبًا فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ. أوْ يَكُونُ حالًا، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم مُوقِعِينَ لَها مَوْقِعَ الهَلاكِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ، وحِينَ أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، وحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرُ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهم، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي وقالُوا هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِي اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وعُرْوَةَ: «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُمُ الحِمْلَ العَظِيمَ، وأتَوْا عَلى ثَوْرٍ، الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ، والَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: هو الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ حِراءٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ ﷺ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ، فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن " بَراءَةٌ " ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في الآيَةِ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ، وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا، وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى، فَنَزَلَتْ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾» ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُو بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما، فَلَمّا انْطَلَقْنا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ بَعْضُ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المَناةِ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٣ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٥ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩٥ )» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:39

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ. قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ (p-٥٧٣)تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ في مَواطِنِ القِلَّةِ، وأظْهَرَهُ عَلى عَدُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، أوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ وقْتَ إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ، وهُما: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي:: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ووَجْهُها أنْ تُسَكَّنَ الياءُ تَشْبِيهًا بِالألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهي كَقِراءَةِ الحَسَنِ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٨ )، وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَهُ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ أخْرَجَهُ " بَدَلُ بَعْضٍ، والغارُ: ثُقْبٌ في الجَبَلِ المُسَمّى ثَوْرًا، وهو المَشْهُورُ بِغارِ ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، وقِصَّةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، هو وأبُو بَكْرٍ ودُخُولِهِما الغارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: دَعِ الحُزْنَ، فَإنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ وتَأْيِيدِهِ مَعَنا، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، ومَن لا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أنْ لا يَحْزَنَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وتَأْمِينُهُ حَتّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّكِينَةِ النّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الخَوْفِ لَهُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في " عَلَيْهِ " لِلنَّبِيِّ ﷺ الضَّمِيرُ في ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فَإنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ المُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الجُنُودِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لا مَحْذُورَ في رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِن " عَلَيْهِ " إلى أبِي بَكْرٍ ومِن " وأيَّدَهُ " إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهي: دَعْوَتُهم إلَيْهِ ونِداؤُهم لِلْأصْنامِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . قَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلى " جَعَلَ "، وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ ضَعَّفَ قِراءَةَ النَّصْبِ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ - أعْنِي هي - تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ في العُلُوِّ، وأنَّها المُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِها، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ وصَوابٌ. ثُمَّ لَمّا تَوَّعَدَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ذَكَرَهُ، عَقَّبَهُ بِالأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم خِفافًا وثِقالًا، قِيلَ: المُرادُ مُنْفَرِدِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقِيلَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، وقِيلَ: فُقَراءَ وأغْنِياءَ، وقِيلَ: شَبابًا وشُيُوخًا، وقِيلَ: رِجالًا وفِرْسانًا، وقِيلَ: مَن لا عِيالَ لَهُ ومَن لَهُ عِيالٌ، وقِيلَ: مَن يَسْبِقُ إلى الحَرْبِ كالطَّلائِعِ، ومَن يَتَأخَّرُ كالجَيْشِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ أوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ )، وقِيلَ: النّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) الآيَةَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ويَكُونُ إخْراجُ الأعْمى والأعْرَجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ( النُّورِ: ٦١ ) وإخْراجُ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) مِن بابِ التَّخْصِيصِ، لا مِن بابِ النَّسْخِ عَلى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافًا وثِقالًا والظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ العُمُومِ. قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالجِهادِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ وإيجابُهُ عَلى العِبادِ، فالفُقَراءُ يُجاهِدُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. والجِهادُ مِن آكَدِ الفَرائِضِ وأعْظَمِها، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ مَهْما كانَ البَعْضُ يَقُومُ بِجِهادِ العَدُوِّ وبِدَفْعِهِ، فَإنْ كانَ لا يَقُومُ بِالعَدُوِّ إلّا جَمِيعُ المُسْلِمِينَ في قُطْرٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ أقْطارٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكم " إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالنَّفِيرِ والأمْرِ بِالجِهادِ. " خَيْرٌ لَكم " أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، وخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وتَعْرِفُونَ الأشْياءَ الفاضِلَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ المَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. والمَعْنى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ، وكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَهو قاصِدٌ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ مِنهُ شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا: السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، والمُرادُ بِهَذا غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإنَّها كانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شاقَّةً. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ " بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. " وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حالَ كَوْنِكم قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم﴾ أيْ: لَوْ قَدَرْنا عَلى الخُرُوجِ ووَجَدْنا ما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِيهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لَخَرَجْنا مَعَكم. هَذِهِ الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ مَن حَلَفَ كاذِبًا فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ. أوْ يَكُونُ حالًا، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم مُوقِعِينَ لَها مَوْقِعَ الهَلاكِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ، وحِينَ أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، وحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرُ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهم، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي وقالُوا هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِي اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وعُرْوَةَ: «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُمُ الحِمْلَ العَظِيمَ، وأتَوْا عَلى ثَوْرٍ، الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ، والَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: هو الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ حِراءٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ ﷺ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ، فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن " بَراءَةٌ " ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في الآيَةِ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ، وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا، وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى، فَنَزَلَتْ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾» ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُو بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما، فَلَمّا انْطَلَقْنا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ بَعْضُ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المَناةِ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٣ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٥ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩٥ )» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:40

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ. قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ (p-٥٧٣)تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ في مَواطِنِ القِلَّةِ، وأظْهَرَهُ عَلى عَدُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، أوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ وقْتَ إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ، وهُما: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي:: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ووَجْهُها أنْ تُسَكَّنَ الياءُ تَشْبِيهًا بِالألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهي كَقِراءَةِ الحَسَنِ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٨ )، وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَهُ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ أخْرَجَهُ " بَدَلُ بَعْضٍ، والغارُ: ثُقْبٌ في الجَبَلِ المُسَمّى ثَوْرًا، وهو المَشْهُورُ بِغارِ ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، وقِصَّةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، هو وأبُو بَكْرٍ ودُخُولِهِما الغارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: دَعِ الحُزْنَ، فَإنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ وتَأْيِيدِهِ مَعَنا، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، ومَن لا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أنْ لا يَحْزَنَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وتَأْمِينُهُ حَتّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّكِينَةِ النّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الخَوْفِ لَهُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في " عَلَيْهِ " لِلنَّبِيِّ ﷺ الضَّمِيرُ في ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فَإنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ المُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الجُنُودِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لا مَحْذُورَ في رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِن " عَلَيْهِ " إلى أبِي بَكْرٍ ومِن " وأيَّدَهُ " إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهي: دَعْوَتُهم إلَيْهِ ونِداؤُهم لِلْأصْنامِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . قَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلى " جَعَلَ "، وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ ضَعَّفَ قِراءَةَ النَّصْبِ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ - أعْنِي هي - تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ في العُلُوِّ، وأنَّها المُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِها، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ وصَوابٌ. ثُمَّ لَمّا تَوَّعَدَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ذَكَرَهُ، عَقَّبَهُ بِالأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم خِفافًا وثِقالًا، قِيلَ: المُرادُ مُنْفَرِدِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقِيلَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، وقِيلَ: فُقَراءَ وأغْنِياءَ، وقِيلَ: شَبابًا وشُيُوخًا، وقِيلَ: رِجالًا وفِرْسانًا، وقِيلَ: مَن لا عِيالَ لَهُ ومَن لَهُ عِيالٌ، وقِيلَ: مَن يَسْبِقُ إلى الحَرْبِ كالطَّلائِعِ، ومَن يَتَأخَّرُ كالجَيْشِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ أوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ )، وقِيلَ: النّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) الآيَةَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ويَكُونُ إخْراجُ الأعْمى والأعْرَجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ( النُّورِ: ٦١ ) وإخْراجُ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) مِن بابِ التَّخْصِيصِ، لا مِن بابِ النَّسْخِ عَلى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافًا وثِقالًا والظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ العُمُومِ. قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالجِهادِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ وإيجابُهُ عَلى العِبادِ، فالفُقَراءُ يُجاهِدُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. والجِهادُ مِن آكَدِ الفَرائِضِ وأعْظَمِها، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ مَهْما كانَ البَعْضُ يَقُومُ بِجِهادِ العَدُوِّ وبِدَفْعِهِ، فَإنْ كانَ لا يَقُومُ بِالعَدُوِّ إلّا جَمِيعُ المُسْلِمِينَ في قُطْرٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ أقْطارٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكم " إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالنَّفِيرِ والأمْرِ بِالجِهادِ. " خَيْرٌ لَكم " أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، وخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وتَعْرِفُونَ الأشْياءَ الفاضِلَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ المَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. والمَعْنى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ، وكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَهو قاصِدٌ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ مِنهُ شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا: السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، والمُرادُ بِهَذا غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإنَّها كانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شاقَّةً. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ " بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. " وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حالَ كَوْنِكم قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم﴾ أيْ: لَوْ قَدَرْنا عَلى الخُرُوجِ ووَجَدْنا ما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِيهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لَخَرَجْنا مَعَكم. هَذِهِ الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ مَن حَلَفَ كاذِبًا فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ. أوْ يَكُونُ حالًا، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم مُوقِعِينَ لَها مَوْقِعَ الهَلاكِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ، وحِينَ أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، وحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرُ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهم، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي وقالُوا هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِي اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وعُرْوَةَ: «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُمُ الحِمْلَ العَظِيمَ، وأتَوْا عَلى ثَوْرٍ، الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ، والَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: هو الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ حِراءٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ ﷺ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ، فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن " بَراءَةٌ " ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في الآيَةِ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ، وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا، وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى، فَنَزَلَتْ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾» ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُو بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما، فَلَمّا انْطَلَقْنا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ بَعْضُ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المَناةِ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٣ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٥ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩٥ )» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:41

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ. قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ (p-٥٧٣)تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ في مَواطِنِ القِلَّةِ، وأظْهَرَهُ عَلى عَدُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، أوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ وقْتَ إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ، وهُما: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي:: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ووَجْهُها أنْ تُسَكَّنَ الياءُ تَشْبِيهًا بِالألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهي كَقِراءَةِ الحَسَنِ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٨ )، وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَهُ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ أخْرَجَهُ " بَدَلُ بَعْضٍ، والغارُ: ثُقْبٌ في الجَبَلِ المُسَمّى ثَوْرًا، وهو المَشْهُورُ بِغارِ ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، وقِصَّةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، هو وأبُو بَكْرٍ ودُخُولِهِما الغارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: دَعِ الحُزْنَ، فَإنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ وتَأْيِيدِهِ مَعَنا، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، ومَن لا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أنْ لا يَحْزَنَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وتَأْمِينُهُ حَتّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّكِينَةِ النّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الخَوْفِ لَهُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في " عَلَيْهِ " لِلنَّبِيِّ ﷺ الضَّمِيرُ في ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فَإنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ المُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الجُنُودِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لا مَحْذُورَ في رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِن " عَلَيْهِ " إلى أبِي بَكْرٍ ومِن " وأيَّدَهُ " إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهي: دَعْوَتُهم إلَيْهِ ونِداؤُهم لِلْأصْنامِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . قَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلى " جَعَلَ "، وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ ضَعَّفَ قِراءَةَ النَّصْبِ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ - أعْنِي هي - تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ في العُلُوِّ، وأنَّها المُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِها، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ وصَوابٌ. ثُمَّ لَمّا تَوَّعَدَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ذَكَرَهُ، عَقَّبَهُ بِالأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم خِفافًا وثِقالًا، قِيلَ: المُرادُ مُنْفَرِدِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقِيلَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، وقِيلَ: فُقَراءَ وأغْنِياءَ، وقِيلَ: شَبابًا وشُيُوخًا، وقِيلَ: رِجالًا وفِرْسانًا، وقِيلَ: مَن لا عِيالَ لَهُ ومَن لَهُ عِيالٌ، وقِيلَ: مَن يَسْبِقُ إلى الحَرْبِ كالطَّلائِعِ، ومَن يَتَأخَّرُ كالجَيْشِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ أوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ )، وقِيلَ: النّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) الآيَةَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ويَكُونُ إخْراجُ الأعْمى والأعْرَجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ( النُّورِ: ٦١ ) وإخْراجُ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) مِن بابِ التَّخْصِيصِ، لا مِن بابِ النَّسْخِ عَلى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافًا وثِقالًا والظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ العُمُومِ. قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالجِهادِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ وإيجابُهُ عَلى العِبادِ، فالفُقَراءُ يُجاهِدُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. والجِهادُ مِن آكَدِ الفَرائِضِ وأعْظَمِها، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ مَهْما كانَ البَعْضُ يَقُومُ بِجِهادِ العَدُوِّ وبِدَفْعِهِ، فَإنْ كانَ لا يَقُومُ بِالعَدُوِّ إلّا جَمِيعُ المُسْلِمِينَ في قُطْرٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ أقْطارٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكم " إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالنَّفِيرِ والأمْرِ بِالجِهادِ. " خَيْرٌ لَكم " أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، وخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وتَعْرِفُونَ الأشْياءَ الفاضِلَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ المَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. والمَعْنى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ، وكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَهو قاصِدٌ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ مِنهُ شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا: السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، والمُرادُ بِهَذا غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإنَّها كانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شاقَّةً. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ " بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. " وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حالَ كَوْنِكم قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم﴾ أيْ: لَوْ قَدَرْنا عَلى الخُرُوجِ ووَجَدْنا ما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِيهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لَخَرَجْنا مَعَكم. هَذِهِ الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ مَن حَلَفَ كاذِبًا فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ. أوْ يَكُونُ حالًا، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم مُوقِعِينَ لَها مَوْقِعَ الهَلاكِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ، وحِينَ أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، وحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرُ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهم، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي وقالُوا هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِي اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وعُرْوَةَ: «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُمُ الحِمْلَ العَظِيمَ، وأتَوْا عَلى ثَوْرٍ، الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ، والَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: هو الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ حِراءٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ ﷺ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ، فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن " بَراءَةٌ " ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في الآيَةِ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ، وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا، وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى، فَنَزَلَتْ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾» ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُو بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما، فَلَمّا انْطَلَقْنا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ بَعْضُ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المَناةِ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٣ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٥ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩٥ )» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:42

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ عادَ إلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ، والِاسْتِفْهامِ في: ما لَكم ؟ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا لِمَن تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، والنَّفْرُ: هو الِانْتِقالُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ. قَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الثّاءِ لِقُرْبِها مِنها، وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، ومِثْلُهُ: ادّارَكُوا، واطَّيَّرْتُمْ، واطَّيَّرُوا، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ: ؎تَوالى الضَّجِيعُ إذا ما اشْتاقَها حَضَرا عَذْبُ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ وقَرَأ الأعْمَشُ: " تَثاقَلْتُمْ " عَلى الأصْلِ، ومَعْناهُ تَباطَأْتُمْ، وعُدِّيَ بِـ " إلى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم والبَقاءِ فِيها، وقُرِئَ: " آثاقَلْتُمْ " عَلى الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، والعامِلُ في الظَّرْفِ " ما " في: " ما لَكم " مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَمْنَعُكم، أوْ ما تَصْنَعُونَ إذا قِيلَ لَكم ؟ و" إلى الأرْضِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " اثّاقَلْتُمْ " وكَما مَرَّ. قَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِنَعِيمِها بَدَلًا مِنَ الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٦٠ ) أيْ بَدَلًا مِنكم، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَلَبَتْ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ∗∗∗ مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ. والطَّهَيانُ: عُودٌ يُنْصَبُ في ناحِيَةِ الدّارِ لِلْهَواءِ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَبْرُدَ، ومَعْنى " في الآخِرَةِ " أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ، وفي مُقابِلِها. " إلّا قَلِيلٌ " أيْ: إلّا مَتاعٌ حَقِيرٌ لا يُعْبَأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ العَدَمُ، إذْ لا نِسْبَةَ لِلْمُتَناهِي الزّائِلِ إلى غَيْرِ المُتَناهِي الباقِي، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّثاقُلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنَ الكُلِّ، إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُطْبِقُوا جَمِيعًا عَلى التَّباطُؤِ والتَّثاقُلِ، وإنَّما هو مِن بابِ نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ شائِعٌ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ لِمَن تَرَكَ النَّفِيرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُؤْلِمٍ، قِيلَ: في الدُّنْيا فَقَطْ، وقِيلَ: هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْهُ لِرُسُلِهِ بَدَلًا مِنكم، مِمَّنْ لا يَتَباطَأُ عِنْدَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ. واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: أهْلُ فارِسَ، ولا وجْهَ لِلتَّعْيِينِ بِدُونِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " يَسْتَبْدِلْ " والضَّمِيرُ، قِيلَ: لِلَّهِ، وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ امْتِثالِ أمْرِهِ بِالنَّفِيرِ شَيْئًا، أوْ لا تَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ بِتَرْكِ نَصْرِهِ والنَّفِيرِ مَعَهُ شَيْئًا: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ (p-٥٧٣)تَعْذِيبُكم والِاسْتِبْدالُ بِكم. قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، فَقَدْ نَصَرَهُ في مَواطِنِ القِلَّةِ، وأظْهَرَهُ عَلى عَدُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، أوْ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ وقْتَ إخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ حالَ كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ، وهُما: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي:: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ووَجْهُها أنْ تُسَكَّنَ الياءُ تَشْبِيهًا بِالألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهي كَقِراءَةِ الحَسَنِ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٨ )، وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَهُ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن " إذْ أخْرَجَهُ " بَدَلُ بَعْضٍ، والغارُ: ثُقْبٌ في الجَبَلِ المُسَمّى ثَوْرًا، وهو المَشْهُورُ بِغارِ ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، وقِصَّةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، هو وأبُو بَكْرٍ ودُخُولِهِما الغارَ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والحَدِيثِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: دَعِ الحُزْنَ، فَإنَّ اللَّهَ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ وتَأْيِيدِهِ مَعَنا، ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ، ومَن لا يُغْلَبُ فَيَحِقُّ لَهُ أنْ لا يَحْزَنَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السَّكِينَةُ: تَسْكِينُ جَأْشِهِ وتَأْمِينُهُ حَتّى ذَهَبَ رَوْعُهُ وحَصَلَ لَهُ الأمْنُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وقِيلَ: هو لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّكِينَةِ النّازِلَةِ عَلَيْهِ: عِصْمَتَهُ عَنْ حُصُولِ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الخَوْفِ لَهُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في " عَلَيْهِ " لِلنَّبِيِّ ﷺ الضَّمِيرُ في ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فَإنَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ المُؤَيَّدُ بِهَذِهِ الجُنُودِ الَّتِي هي المَلائِكَةُ كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لا مَحْذُورَ في رُجُوعِ الضَّمِيرِ مِن " عَلَيْهِ " إلى أبِي بَكْرٍ ومِن " وأيَّدَهُ " إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهي: دَعْوَتُهم إلَيْهِ ونِداؤُهم لِلْأصْنامِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ . قَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ كَلِمَةٍ حَمْلًا عَلى " جَعَلَ "، وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ ضَعَّفَ قِراءَةَ النَّصْبِ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ - أعْنِي هي - تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ كَلِمَتِهِ في العُلُوِّ، وأنَّها المُخْتَصَّةُ بِهِ دُونَ غَيْرِها، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ وصَوابٌ. ثُمَّ لَمّا تَوَّعَدَ مَن لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما ذَكَرَهُ، عَقَّبَهُ بِالأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم خِفافًا وثِقالًا، قِيلَ: المُرادُ مُنْفَرِدِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقِيلَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، وقِيلَ: فُقَراءَ وأغْنِياءَ، وقِيلَ: شَبابًا وشُيُوخًا، وقِيلَ: رِجالًا وفِرْسانًا، وقِيلَ: مَن لا عِيالَ لَهُ ومَن لَهُ عِيالٌ، وقِيلَ: مَن يَسْبِقُ إلى الحَرْبِ كالطَّلائِعِ، ومَن يَتَأخَّرُ كالجَيْشِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: انْفِرُوا خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ أوْ ثَقُلَتْ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ )، وقِيلَ: النّاسِخُ لَها قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) الآيَةَ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، ويَكُونُ إخْراجُ الأعْمى والأعْرَجِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ( النُّورِ: ٦١ ) وإخْراجُ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) مِن بابِ التَّخْصِيصِ، لا مِن بابِ النَّسْخِ عَلى فَرْضِ دُخُولِ هَؤُلاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ: خِفافًا وثِقالًا والظّاهِرُ عَدَمُ دُخُولِهِمْ تَحْتَ العُمُومِ. قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالجِهادِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ وإيجابُهُ عَلى العِبادِ، فالفُقَراءُ يُجاهِدُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. والجِهادُ مِن آكَدِ الفَرائِضِ وأعْظَمِها، وهو فَرْضُ كِفايَةٍ مَهْما كانَ البَعْضُ يَقُومُ بِجِهادِ العَدُوِّ وبِدَفْعِهِ، فَإنْ كانَ لا يَقُومُ بِالعَدُوِّ إلّا جَمِيعُ المُسْلِمِينَ في قُطْرٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ أقْطارٍ وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وُجُوبَ عَيْنٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكم " إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالنَّفِيرِ والأمْرِ بِالجِهادِ. " خَيْرٌ لَكم " أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، وخَيْرٌ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وتَعْرِفُونَ الأشْياءَ الفاضِلَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ المَفْضُولَةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا. والمَعْنى: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ: سَفَرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ، وكُلُّ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَهو قاصِدٌ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ الشُّقَّةَ السَّفَرُ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ مِنهُ شُقَّةٌ شاقَّةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشُّقَّةُ بِالضَّمِّ مِنَ الثِّيابِ، والشُّقَّةُ أيْضًا: السَّفَرُ البَعِيدُ، ورُبَّما قالُوهُ بِالكَسْرِ، والمُرادُ بِهَذا غَزْوَةُ تَبُوكَ فَإنَّها كانَتْ سَفْرَةً بَعِيدَةً شاقَّةً. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: " بَعِدَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقَّةُ " بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ. " وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ " أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حالَ كَوْنِكم قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم﴾ أيْ: لَوْ قَدَرْنا عَلى الخُرُوجِ ووَجَدْنا ما نَحْتاجُ إلَيْهِ فِيهِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لَخَرَجْنا مَعَكم. هَذِهِ الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ. قَوْلُهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: سَيَحْلِفُونَ لِأنَّ مَن حَلَفَ كاذِبًا فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ. أوْ يَكُونُ حالًا، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم مُوقِعِينَ لَها مَوْقِعَ الهَلاكِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمُ الَّذِي سَيَحْلِفُونَ بِهِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ، وحِينَ أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ، وحِينَ خَرَفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرُ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ أُناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهم، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي وقالُوا هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ ( التَّوْبَةِ: ١٢٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِي اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وعُرْوَةَ: «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُمُ الحِمْلَ العَظِيمَ، وأتَوْا عَلى ثَوْرٍ، الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ، والَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: هو الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ حِراءٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ ﷺ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ، فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن " بَراءَةٌ " ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في الآيَةِ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ، وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا، وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى، فَنَزَلَتْ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾» ( التَّوْبَةِ: ٩١ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُو بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فَأْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما، فَلَمّا انْطَلَقْنا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ بَعْضُ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المَناةِ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٣ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٤٥ ) ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٩٥ )» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:43

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:44

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:45

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:46

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:47

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:48

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:49

(p-٥٧٥)الِاسْتِفْهامُ في ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم﴾ لِلْإنْكارِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ وقَعَ مِنهُ إذْنٌ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في القُعُودِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ مَن هو صادِقٌ مِنهم في عُذْرِهِ الَّذِي أبْداهُ، ومَن هو كاذِبٌ فِيهِ. وفِي ذِكْرِ العَفْوِ عَنْهُ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإذْنَ الصّادِرَ مِنهُ كانَ خِلافَ الأوْلى، وفي هَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُ ﷺ في إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لا في إذْنِهِ لَهم بِالقُعُودِ عَنِ الخُرُوجِ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ رَخَّصَ لَهُ - سُبْحانَهُ - في سُورَةِ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ العِتابَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الإذْنِ قَبْلَ الِاسْتِثْباتِ حَتّى يَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والإذْنَ هُنالِكَ مُتَوَجِّهٌ إلى الإذْنِ بَعْدَ الِاسْتِثْباتِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ هي افْتِتاحُ كَلامٍ. كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ ورَحِمَكَ كَيْفَ فَعَلْتَ كَذا، وكَذا حَكاهُ مَكِّيٌّ، والنَّحّاسُ،، والمَهْدَوِيُّ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ هو المُطابِقُ لِما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عَلى حَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِهِ عَنْ مَعْناهُ العَرَبِيِّ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ مِنهُ ﷺ، والمَسْألَةُ مُدَوَّنَةٌ في الأُصُولِ، وفِيها أيْضًا دَلالَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ والِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وحَتّى في ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ لِلْغايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِما سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم، وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صِدْقُ مَن هو صادِقٌ مِنهم في العُذْرِ الَّذِي أبْداهُ، وكَذِبُ مَن هو كاذِبٌ مِنهم في ذَلِكَ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، بَلْ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّهُ ﷺ إذا أذِنَ لِواحِدٍ مِنهم بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ وهَذا عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ لا يُجاهِدُوا عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الِاسْتِئْذانِ في الشَّيْءِ الكَراهَةُ لَهُ، وأمّا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فالمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ بَلْ دَأْبُهم أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا ارْتِقابٍ مِنهم لِوُقُوعِ الإذْنِ مِنكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنْ يُجاهِدُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ في: أيْ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا. إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، والتَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهُمُ: المُنافِقُونَ، وذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِاليَوْمِ الآخِرِ ثانِيًا في المَوْضِعَيْنِ، لِأنَّهُما الباعِثانِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: " وارْتابَتْ قُلُوبُهم " عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " . وجاءَ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ في قُلُوبِهِمْ، وهو الشَّكُّ. قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: في شَكِّهِمُ الَّذِي حَلَّ بِقُلُوبِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، والتَّرَدُّدُ التَّحَيُّرُ. والمَعْنى: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بَلْ مُرْتابِينَ حائِرِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، ولا يَعْرِفُونَ الحَقَّ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما يَدَّعُونَهُ ويُخْبِرُونَكَ بِهِ مِن أنَّهم يُرِيدُونَ الجِهادَ مَعَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ العُدَّةِ لِلْجِهادِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَما تَرَكُوا إعْدادَ العُدَّةِ وتَحْصِيلَها قَبْلَ وقْتِ الجِهادِ كَما يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ أصْلًا ولا اسْتَعَدُّوا لِلْغَزْوِ. والعُدَّةُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُجاهِدُ مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ خُرُوجَهم فَتَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا؛ لِأنَّ كَراهَةَ اللَّهِ انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، والِانْبِعاثُ الخُرُوجُ، أيْ: حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ وخَذَلَهم؛ لِأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنا في الجُلُوسِ أفْسَدْنا وحَرَّضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِكَراهَةِ اللَّهِ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ قِيلَ: القائِلُ لَهم هو الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ الخِذْلانِ: أيْ أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ القُعُودَ خِذْلانًا لَهم. ومَعْنى مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ أُولِي الضَّرَرِ مِنَ العُمْيانِ والمَرْضى والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وفِيهِ مِنَ الذَّمِّ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّنَقُّصِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُنافِقِينَ. والخَبالُ: الفَسادُ والنَّمِيمَةُ وإيقاعُ الِاخْتِلافِ والأراجِيفِ. قِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ما زادُوكم قُوَّةً، ولَكِنْ طَلَبُوا الخَبالَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَزِيدُونَكم فِيما تَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنَ الرَّأْيِ إلّا خَبالًا فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العامِّ، أيْ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن قِسْمِ المُتَّصِلِ؛ لِأنَّ الخَبالَ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الإيضاعُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ يُقالُ: أوْضَعَ البَعِيرُ: إذا أسْرَعَ السَّيْرَ، وقِيلَ: الإيضاعُ سَيْرُ الخَبَبِ، والخَلَلُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والجَمْعُ الخِلالُ: أيِ الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الصُّفُوفِ. والمَعْنى: لَسَعَوْا بَيْنَكم بِالإفْسادِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الإرْجافِ والنَّمائِمِ المُوجِبَةِ لِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُقالُ: بَغَيْتُهُ كَذا: طَلَبْتُهُ لَهُ، وأبْغَيْتُهُ كَذا: أعَنْتُهُ عَلى طَلَبِهِ. والمَعْنى: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ في ذاتِ بَيْنِكم بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ التَّحْرِيشِ والإفْسادِ، وقِيلَ: الفِتْنَةُ هُنا الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ﴾ لَهم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى (p-٥٧٦)الحالِ: أيْ والحالُ أنَّ فِيكم مَن يَسْتَمِعُ ما يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ فَيَنْقُلُهُ إلَيْكم فَيَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَكم، والفَسادُ لِإخْوانِكم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَحْدُثُ مِنهم لَوْ خَرَجُوا مَعَكم، فَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ أنْ لا يَخْرُجُوا مَعَكم، وكَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَكم، ولا يُنافِي حالُهم هَذا لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن عِتابِهِ عَلى الإذْنِ لَهم في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهُ سارَعَ إلى الإذْنِ لَهم، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ مِن أحْوالِهِمْ لَوْ خَرَجُوا أنَّهم يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ، فَعُوتِبَ ﷺ عَلى تَسَرُّعِهِ إلى الإذْنِ لَهم قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقَ مِنهم في عُذْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ ( التَّوْبَةِ: ٨٣ ) الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ ( الفَتْحِ: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ لَقَدْ طَلَبُوا الإفْسادَ والخَبالَ وتَفْرِيقَ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ وتَشْتِيتَ شَمْلِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْكَ فِيها كَما وقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . قَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيْ: صَرَفُوها مِن أمْرٍ إلى أمْرٍ، ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكائِدَ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ( حُوَّلٌ قُلَّبٌ ) إذا كانَ دائِرًا حَوْلَ المَكائِدِ والحِيَلِ يُدِيرُ الرَّأْيَ فِيها ويَتَدَبَّرُهُ. وقُرِئَ " وقَلَبُوا " بِالتَّخْفِيفِ حَتّى جاءَ الحَقُّ أيْ: إلى غايَةٍ هي مَجِيءُ الحَقِّ، وهو النَّصْرُ لَكَ والتَّأْيِيدُ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ بِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلامِ شَرْعِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ وهم كارِهُونَ أيْ: والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِمَجِيءِ الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ عَلى رُغْمٍ مِنهم. " ومِنهم " أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " ائْذَنْ لِي " في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ " ولا تَفْتِنِّي " أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ أيِ: الإثْمِ إذا لَمْ تَأْذَنْ لِي فَتَخَلَّفْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُوقِعْنِي في الهَلَكَةِ بِالخُرُوجِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في نَفْسِ الفِتْنَةِ سَقَطُوا، وهي فِتْنَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، والِاعْتِذارِ الباطِلِ. والمَعْنى: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم بِالخُرُوجِ أوْ بِتَرْكِ الإذْنِ لَهم يَقَعُونَ في الفِتْنَةِ، وهم بِهَذا التَّخَلُّفِ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها وُقُوعَ مَن يَهْوِي مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وذَلِكَ أشَدُّ مِن مُجَرَّدِ الدُّخُولِ في الفِتْنَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لا يَجِدُونَ عَنْها مَخْلَصًا، ولا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتِبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا ؟ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: نَسَخَها ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَسْتَأْذِنُكَ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ( النُّورِ: ٦٢ ) فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ، مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: فَثَبَّطَهم قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ " قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم﴾ قالَ: لَأرْفَضُوا " ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ " يُبَطِّئُونَكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ،، ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتَ،، وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ مُحَدِّثُونَ لَهم بِأحادِيثِكم غَيْرُ مُنافِقِينَ، وهم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ، ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ، فَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الخُرُوجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾، قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ، وقِصَّةُ تَبُوكَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.

التوبة 9:50

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:51

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:52

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:53

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:54

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:55

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:56

(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ. والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم. وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما. وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ. والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ. قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.