Fath Al-Qadir Al-Shawkani — التوبة 9:57 – التوبة 9:97
المحتويات
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
- التوبة 9:89
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
التوبة 9:57
(p-٥٧٧)قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيُّ حَسَنَةٍ كانَتْ بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ، كَما يُفِيدُهُ وُقُوعُها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُصِيبَةِ، وتَدْخُلُ الحَسَنَةُ والمُصِيبَةُ الكائِنَةُ في القِتالِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَمِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ: الغَنِيمَةُ والظَّفَرُ، ومِن جُمْلَةِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ المُصِيبَةُ الخَيْبَةُ والِانْهِزامُ، وهَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن خُبْثِ ضَمائِرِ المُنافِقِينَ وسُوءِ أفْعالِهِمْ، والإخْبارِ بِعَظِيمِ عَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ المُساءَةَ بِالحَسَنَةِ، والفَرَحَ بِالمُصِيبَةِ مِن أعْظَمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم في العَداوَةِ قَدْ بَلَغُوا إلى الغايَةِ، ومَعْنى ( يَتَوَلَّوْا ) رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ عَنْ مَقاماتِ الِاجْتِماعِ ومُواطِنِ التَّحَدُّثِ حالَ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ أيِ احْتَطْنا لِأنْفُسِنا وأخَذْنا بِالحَزْمِ، فَلَمْ نَخْرُجْ إلى القِتالِ كَما خَرَجَ المُؤْمِنُونَ حَتّى نالَهم ما نالَهم مِنَ المُصِيبَةِ.
ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْنا، وفائِدَةُ هَذا الجَوابِ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، وأنَّ كُلَّ ما نالَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إنَّما هو بِقَدَرِ اللَّهِ وقَضائِهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، ولَمْ يَجِدْ مَرارَةَ شَماتَةِ الأعْداءِ وتَشَفِّي الحَسَدَةِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ ناصِرُنا وجاعِلُ العاقِبَةِ لَنا ومُظْهِرٌ دِينَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ أنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهم مُخْتَصًّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى غَيْرِهِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يُصَيِّبَنا " بِتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ أعْيَنُ قاضِي الرَّيِّ " يُصِيبَنّا " بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وهو لَحْنٌ لِأنَّ الخَبَرَ لا يُؤَكَّدُ، ورُدَّ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يُصِيبُنا إلّا ما اخْتَصَّنا اللَّهُ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكم أوِ الشَّهادَةِ.
وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ تَكْرِيرًا لِغَرَضِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ أوْلى حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجَوابَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهِما مُفِيدًا لِفائِدَةٍ غَيْرِ فائِدَةِ الآخَرِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ هَلْ تَنْتَظِرُونَ بِنا إلّا إحْدى الخَصْلَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ: إمّا النُّصْرَةُ أوِ الشَّهادَةُ، وكِلاهُما مِمّا يَحْسُنُ لَدَيْنا، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى المَساءَتَيْنِ لَكم: إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ قارِعَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ فَيُسْحِتَكم بِعَذابِهِ، أوْ بِعَذابٍ لَكم بِأيْدِينا أيْ بِإظْهارِ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ.
والفاءُ في ( فَتَرَبَّصُوا ) فَصِيحَةٌ، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ تَرَبَّصُوا بِنا ما ذَكَرْنا مِن عاقِبَتِنا فَنَحْنُ مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَسَتَنْظُرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ما يَسُرُّنا ويَسُوءُكم.
وقَرَأ البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ " هَلْ تَرَبَّصُونَ " بِإظْهارِ اللّامِ وتَشْدِيدِ التّاءِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التّاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾ هَذا الأمْرُ مَعْناهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَأْمُرُهم بِما لا يَتَقَبَّلُهُ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، وقِيلَ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ: أيْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفِيهِ الإشْعارُ بِتَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ. وانْتِصابُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى الحالِ فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْقِعِ المُشْتَقَّيْنِ: أيْ أنْفِقُوا طائِعِينَ في غَيْرِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ مُكْرَهِينَ بِأمْرٍ مِنهُما.
وسُمِّيَ الأمْرُ مِنهُما إكْراهًا لِأنَّهم مُنافِقُونَ لا يَأْتَمِرُونَ بِالأمْرِ، فَكانُوا بِأمْرِهِمُ الَّذِي لا يَأْتَمِرُونَ بِهِ كالمُكْرَهِينَ عَلى الإنْفاقِ، أوْ طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم أوْ مُكْرَهِينَ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ قَبُولِ إنْفاقِهِمْ.
والفِسْقُ: التَّمَرُّدُ والعُتُوُّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ لُغَةً وشَرْعًا.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ المانِعَ مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ أيْ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ جَعَلَ المانِعَ مِنَ القَبُولِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الكُفْرُ، الثّانِي: أنَّهم لا يُصَلُّونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَسَلِ والتَّثاقُلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، فَصَلاتُهم لَيْسَتْ إلّا رِياءً لِلنّاسِ وتَظاهُرًا بِالإسْلامِ الَّذِي يُبْطِنُونَ خِلافَهُ، والثّالِثُ: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم إلّا وهم كارِهُونَ، ولا يُنْفِقُونَها طَوْعًا لِأنَّهم يَعُدُّونَ إنْفاقَها وضْعًا لَها في مَضْيَعَةٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم﴾ الإعْجابُ بِالشَّيْءِ: أنْ يُسَرَّ بِهِ سُرُورًا راضٍ بِهِ، مُتَعَجِّبٌ مِن حُسْنِهِ، قِيلَ: مَعَ نَوْعٍ مِنَ الِافْتِخارِ واعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، والمَعْنى: لا تَسْتَحْسِنْ ما مَعَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يَحْصُلُ مَعَهم مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ عِنْدَ أنْ يَغْنَمَها المُسْلِمُونَ، (p-٥٧٨)ويَأْخُذُوها قَسْرًا مِن أيْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِها زِينَةَ حَياتِهِمْ وقُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، وكَذا في الآخِرَةِ يُعَذِّبُهم بِعَذابِ النّارِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي أعْطاهم ذَلِكَ، وتَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكاةِ فِيها، والتَّصَدُّقِ بِما يَحِقُّ التَّصَدُّقُ بِهِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَهم يُنْفِقُونَ كارِهِينَ فَيُعَذَّبُونَ بِما يُنْفِقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ الزُّهُوقُ: الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ تَزْهَقَ أنْفُسُهم وتَخْرُجَ أرْواحُهم حالَ كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم في دِينِ الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ إلّا بِمُجَرَّدِ ظَواهِرِهِمْ دُونَ بَواطِنِهِمْ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلْ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ تَقِيَّةً مِنهم لا عَنْ حَقِيقَةٍ.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ويَحْفَظُونَ نُفُوسَهم فِيهِ مِنكم مِن حِصْنٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ جَمْعُ مَغارَةٍ، مِن غارَ يَغِيرُ.
قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ يُغِيرُ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ والسَّرادِيبُ، وهي المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَتِرُ فِيها، ومِنهُ غارَ الماءُ وغارَتِ العَيْنُ، والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا أمْكِنَةً يُغَيِّبُونَ فِيها أشْخاصَهم هَرَبًا مِنكم ﴿أوْ مُدَّخَلًا﴾ مِنَ الدُّخُولِ: أيْ مَكانًا يَدْخُلُونَ فِيهِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَغاراتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: الأصْلُ فِيهِ مُتْدَخَلٌ قُلِبَتِ التّاءُ دالًا، وقِيلَ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " مُتَدَخَّلًا " ورَوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " مُنْدَخَلًا " بِالنُّونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أوْ مَدْخَلًا " بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويُقْرَأُ " أوْ مُدْخَلًا " بِضَمِّ المِيمِ وإسْكانِ الدّالِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ لالتَجَئُوا إلَيْهِ وأدْخَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ والحالُ أنَّ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِن جَمَحَ الفَرَسُ: إذا لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَبُوحٌ جَمُوحٌ وإحْضارُها كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ
والمَعْنى: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ لَوَلَّوْا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ هَرَبًا مِنَ المُسْلِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أخْبارَ السَّوْءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جُهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا، فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم﴾ يَقُولُ: إنْ يُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذِهِ الغَزْوَةَ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم، قالَ: الجَدُّ وأصْحابُهُ، يَعْنِي الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلُ بِالسُّيُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم﴾ قالَ: هَذِهِ مِن تَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغُرَّنَّكَ وتَزْهَقَ قالَ: تَخْرُجُ أنْفُسُهم، قالَ في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.
التوبة 9:58
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ هَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، يُقالُ: يَلْمِزُهُ: إذا عابَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّمْزُ العَيْبُ، وأصْلُهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ ونَحْوِها، وقَدْ لَمَزَهُ يَلْمَزُهُ ويَلْمِزُهُ، ورَجُلٌ لَمّازٌ، ولُمَزَةٌ: أيْ عَيّابٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ وألْمُزُهُ، بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها: إذا عِبْتُهُ، وكَذا هَمَزْتُهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: ومِنَ المُنافِقِينَ مَن يَعِيبُكَ في الصَّدَقاتِ: أيْ في تَفْرِيقِها وقِسْمَتِها.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿يَلْمِزُكَ﴾ يَرْزَؤُكَ ويَسْألُكَ، والقَوْلُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ هو الأوَّلُ كَما قالَ النَّحّاسُ.
وقُرَئَ " يَلْمُزُكَ " بِضَمِّ المِيمِ، " ويُلَمِّزُكَ " بِكَسْرِها مَعَ التَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها مُخَفَّفَةً ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ بِقَدْرِ ما يُرِيدُونَ رَضُوا بِما وقَعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعِيبُوهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا مَقْصِدَ لَهم إلّا حُطامُ الدُّنْيا، ولَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ ما يُرِيدُونَهُ ويَطْلُبُونَهُ ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يُعْطَوْا فاجَئُوا السُّخْطَ، وفائِدَةُ إذا الفُجائِيَّةِ أنَّ الشَّرْطَ (p-٥٧٩)مُفاجِئٌ لِلْجَزاءِ وهاجِمٌ عَلَيْهِ.
وقَدْ نابَتْ إذا الفُجائِيَّةُ مَنابَ فاءِ الجَزاءِ.
﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ ما فَرَضَهُ اللَّهُ لَهم وما أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقاتِ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ: أيْ لَكانَ خَيْرًا لَهم فَإنَّ فِيما أعْطاهُمُ الخَيْرَ العاجِلَ والآجِلَ ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هو لَهم: أيْ كَفانا اللَّهُ، سَيُعْطِينا مِن فَضْلِهِ ويُعْطِينا رَسُولُهُ بَعْدَ هَذا ما نَرْجُوهُ ونُؤَمِّلُهُ ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُعْطِيَنا مِن فَضْلِهِ ما نَرْجُوهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ لَمّا لَمَزَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قِسْمَةِ الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ اللَّهُ لَهم مَصْرِفَها دَفْعًا لِطَعْنِهِمْ وقَطْعًا لِشَغَبِهِمْ، و( إنَّما ) مِن صِيَغِ القَصْرِ، وتَعْرِيفُ الصَّدَقاتِ لِلْجِنْسِ: أيْ جِنْسُ هَذِهِ الصَّدَقاتِ مَقْصُورٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لا يَتَجاوَزُها، بَلْ هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ يَجِبُ تَقْسِيطُ الصَّدَقاتِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، أوْ يَجُوزُ صَرْفُها إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ الإمامُ أوْ صاحِبُ الصَّدَقَةِ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ: احْتَجَّ الأوَّلُونَ بِما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ وبِحَدِيثِ زِيادِ بْنِ الحارِثِ الصُّدائِيِّ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والدّارَقُطْنِيِّ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَبايَعْتُهُ، فَأتى رَجُلٌ فَقالَ: أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ حَتّى حَكَمَ فِيها هو فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أصْنافٍ، فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ» .
وأجابَ الآخَرُونَ بِأنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ إنَّما هو لِبَيانِ الصَّرْفِ والمَصْرِفِ، لا لِوُجُوبِ اسْتِيعابِ الأصْنافِ، وبِأنَّ في إسْنادِ الحَدِيثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيادِ بْنِ أنْعُمَ الإفْرِيقِيَّ وهو ضَعِيفٌ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الآخَرُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم﴾ [البقرة: ٢٧١] والصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الواجِبَةِ كَما تُطْلَقُ عَلى المَندُوبَةِ.
وصَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم» .
وقَدِ ادَّعى مالِكٌ الإجْماعَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: يُرِيدُ إجْماعَ الصَّحابَةِ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ لَهُ مُخالِفًا مِنهم.
قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ قَدَّمَهم لِأنَّهم أحْوَجُ مِنَ البَقِيَّةِ عَلى المَشْهُورِ لِشِدَّةِ فاقَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الفَرْقِ بَيْنَ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى أقْوالٍ: فَقالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ والقُتَيْبِيُّ ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الفَقِيرَ أحْسَنُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، قالُوا: لِأنَّ الفَقِيرَ هو الَّذِي لَهُ بَعْضُ ما يَكْفِيهِ ويُقِيمُهُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وذَهَبَ إلى هَذا قَوْمٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ.
وقالَ آخَرُونَ بِالعَكْسِ، فَجَعَلُوا المِسْكِينَ أحْسَنَ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فَأخْبَرَ أنَّ لَهم سَفِينَةً مِن سُفُنِ البَحْرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُمْلَةً مِنَ المالِ، ويُؤَيِّدُهُ تَعَوُّذُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الفَقْرِ مَعَ قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا» وإلى هَذا ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وحَكاهُ الطَّحاوِيُّ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ وأكْثَرِ أصْحابِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الفَقِيرَ والمِسْكِينَ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ القاسِمِ وسائِرُ أصْحابِ مالِكٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ.
وقالَ قَوْمٌ: الفَقِيرُ المُحْتاجُ المُتَعَفِّفُ، والمِسْكِينُ السّائِلُ.
قالَهُ الأزْهَرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ شَعْبانَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ مِمّا لا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِنهُ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
والأوْلى في بَيانِ ماهِيَّةِ المِسْكِينِ ما ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، قالُوا: فَما المِسْكِينُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، ولا يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا» .
قَوْلُهُ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ السُّعاةِ والجُباةِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الإمامُ لِتَحْصِيلِ الزَّكاةِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنها قِسْطًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في القَدْرِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنها، فَقِيلَ: الثُّمُنُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والشّافِعِيِّ.
وقِيلَ: عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
وقِيلَ: يُعْطَوْنَ مِن بَيْتِ المالِ قَدْرَ أُجْرَتِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ، ولا وجْهَ لِهَذا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ لَهم نَصِيبًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ يُمْنَعُونَ مِنها ويُعْطَوْنَ مِن غَيْرِها ؟ واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ هاشِمِيًّا أمْ لا ؟ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وأجازَهُ آخَرُونَ، قالُوا: ويُعْطى مِن غَيْرِ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم قَوْمٌ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ، فَقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم لِيُسْلِمُوا، وكانُوا لا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ بِالقَهْرِ والسَّيْفِ، بَلْ بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْسُنْ إسْلامُهم، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن عُظَماءِ المُشْرِكِينَ لَهم أتْباعٌ أعْطاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِيَتَألَّفُوا أتْباعَهم عَلى الإسْلامِ.
وقَدْ أعْطى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَماعَةً مِمَّنْ أسْلَمَ ظاهِرًا كَأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِائَةً مِنَ الإبِلِ تَألَّفَهم بِذَلِكَ، وأعْطى آخَرِينَ دُونَهم.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم باقٍ بَعْدِ ظُهُورِ الإسْلامِ أمْ لا ؟ فَقالَ عُمَرُ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ،: قَدِ انْقَطَعَ هَذا الصِّنْفُ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورٌ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الصَّحابَةَ أجْمَعَتْ عَلى ذَلِكَ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَهْمُهم باقٍ لِأنَّ الإمامَ رُبَّما احْتاجَ أنْ يَتَألَّفَ عَلى الإسْلامِ، وإنَّما قَطَعَهم عُمَرُ لَمّا رَأى مِن إعْزازِ الدِّينِ.
قالَ يُونُسُ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْهم فَقالَ: لا أعْلَمُ نَسْخَ ذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (p-٥٨٠)يَرْجِعُ سَهْمُهم لِسائِرِ الأصْنافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يَشْتَرِيَ رِقابًا ثُمَّ يُعْتِقَها.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ وأبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُمُ المُكاتَبُونَ يُعانُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى مالِ الكِتابَةِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا لِصِدْقِ الرِّقابِ عَلى شِراءِ العَبْدِ وإعْتاقِهِ، وعَلى إعانَةِ المُكاتَبِ عَلى مالِ الكِتابَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والغارِمِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ رَكِبَتْهُمُ الدُّيُونُ ولا وفاءَ عِنْدِهِمْ بِها، ولا خِلافَ في ذَلِكَ إلّا مَن لَزِمَهُ دَيْنٌ في سَفاهَةٍ فَإنَّهُ لا يُعْطى مِنها ولا مِن غَيْرِها إلّا أنْ يَتُوبَ.
وقَدْ أعانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقَةِ مَن تَحَمَّلَ حَمالَةً وأرْشَدَ إلى إعانَتِهِ مِنها.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هُمُ الغُزاةُ والمُرابِطُونَ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ ما يُنْفِقُونَ في غَزْوِهِمْ ومُرابَطَتِهِمْ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هُمُ الحُجّاجُ والعُمّارُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، وإسْحاقَ أنَّهُما جَعَلا الحَجَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ: لا يُعْطى الغازِي إلّا إذا كانَ فَقِيرًا مُنْقَطَعًا بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ، والسَّبِيلِ الطَّرِيقُ، ونُسِبَ إلَيْها المُسافِرُ لِمُلازَمَتِهِ إيّاها، والمُرادُ الَّذِي انْقَطَعَتْ بِهِ الأسْبابُ في سَفَرِهِ عَنْ بَلَدِهِ ومُسْتَقَرِّهِ فَإنَّهُ يُعْطى مِنها وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وإنْ وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ.
وقالَ مالِكٌ: إذا وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ فَلا يُعْطى.
قَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ مَعْناهُ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لَهم.
والمَعْنى: أنَّ كَوْنَ الصَّدَقاتِ مَقْصُورَةً عَلى هَذِهِ الأصْنافِ هو حُكْمٌ لازِمٌ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ ونَهاهم عَنْ مُجاوَزَتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيضَةً مُنْتَصِبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرِيضَةً.
قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ لِمَ عَدَلَ عَنِ اللّامِ إلى ( في ) في الأرْبَعَةِ الآخِرَةِ ؟ قُلْتُ: لِلْإيذانِ بِأنَّها أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في العُدُولِ أنَّ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ الأُوَلَ يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَصَرَّفُوا بِهِ كَما شاءُوا، وفي الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ لا يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ، بَلْ يُصْرَفُ إلى جِهاتِ الحاجاتِ المُعْتَبَرَةِ في الصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الزَّكاةِ، كَذا قِيلَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقْسِمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّيْمِيُّ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ويْحَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ائْذَنْ لِي فَأضْرِبَ عُنُقَهُ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ الحَدِيثَ حَتّى قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ قالَ: يَرْزَؤُكَ يَسْألُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَنائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ لَقَسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها اللَّهُ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ»، ونَزَلَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها في صِنْفٍ واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ أوْ صِنْفَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي العالِيَةِ والحَسَنِ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ الطَّوّافُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ المُحْتاجُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ زَمانَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ قالَ: هم زَمْنى أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ قالَ: السُّعاةُ أصْحابُ الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم﴾ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ أسْلَمُوا، وكانَ يَرْضَخُ لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإذا أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ فَأصابُوا مِنها خَيْرًا قالُوا: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ عابُوهُ وتَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنَ اليَمَنِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذُهَيْبَةٍ فِيها تُرْبَتُها، فَقَسَمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ مِنَ المُؤَلَّفَةِ: الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِرِيِّ، وعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزارِيِّ، وزَيْدِ الخَيْلِ الطّائِيِّ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ والأنْصارُ: يَقْسِمُ بَيْنَ صَنادِيدِ أهْلِ نَجْدٍ ويَدَعُنا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّما أتَألَّفُهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم قالَ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، قُلْتُ: وإنْ كانَ مُوسِرًا ؟ قالَ: وإنْ كانَ مُوسِرًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ: هُمُ المُكاتَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ.
أخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ: نَصِفٌ لِكُلِّ مَكاتَبٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ، والنِّصْفُ الآخَرُ يَشْتَرِي بِهِ رِقابًا مِمَّنْ صَلّى وصامَ، وقَدَّمَ إسْلامَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى يَعْتِقُونَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا (p-٥٨١)أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكاتِهِ في الحَجِّ وأنْ يُعْتِقَ مِنها رَقَبَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الغارِمِينَ قالَ: أصْحابُ الدَّيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَسْألُ في دَمٍ أوْ جائِحَةٍ تُصِيبُهُ ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ المُجاهِدُونَ ﴿واِبْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُنْقَطِعُ بِهِ يُعْطى قَدْرَ ما يُبَلِّغُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ: العامِلِ عَلَيْها، أوِ الرَّجُلِ اشْتَراها بِمالِهِ، أوْ غارِمٍ، أوْ غازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ مِسْكِينٍ تُصَدِّقَ عَلَيْهِ فَأهْدى مِنها لِغَنِيٍّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي هِلالٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: «أخْبَرَنِي رَجُلانِ أنَّهُما أتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَألاهُ مِنها، فَرَفَعَ فِينا البَصَرَ وخَفَضَهُ فَرَآنا جَلْدَيْنِ، فَقالَ: إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما ولا حَظَّ فِيها لِغَنِيٍّ ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
التوبة 9:59
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ هَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، يُقالُ: يَلْمِزُهُ: إذا عابَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّمْزُ العَيْبُ، وأصْلُهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ ونَحْوِها، وقَدْ لَمَزَهُ يَلْمَزُهُ ويَلْمِزُهُ، ورَجُلٌ لَمّازٌ، ولُمَزَةٌ: أيْ عَيّابٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ وألْمُزُهُ، بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها: إذا عِبْتُهُ، وكَذا هَمَزْتُهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: ومِنَ المُنافِقِينَ مَن يَعِيبُكَ في الصَّدَقاتِ: أيْ في تَفْرِيقِها وقِسْمَتِها.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿يَلْمِزُكَ﴾ يَرْزَؤُكَ ويَسْألُكَ، والقَوْلُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ هو الأوَّلُ كَما قالَ النَّحّاسُ.
وقُرَئَ " يَلْمُزُكَ " بِضَمِّ المِيمِ، " ويُلَمِّزُكَ " بِكَسْرِها مَعَ التَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها مُخَفَّفَةً ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ بِقَدْرِ ما يُرِيدُونَ رَضُوا بِما وقَعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعِيبُوهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا مَقْصِدَ لَهم إلّا حُطامُ الدُّنْيا، ولَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ ما يُرِيدُونَهُ ويَطْلُبُونَهُ ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يُعْطَوْا فاجَئُوا السُّخْطَ، وفائِدَةُ إذا الفُجائِيَّةِ أنَّ الشَّرْطَ (p-٥٧٩)مُفاجِئٌ لِلْجَزاءِ وهاجِمٌ عَلَيْهِ.
وقَدْ نابَتْ إذا الفُجائِيَّةُ مَنابَ فاءِ الجَزاءِ.
﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ ما فَرَضَهُ اللَّهُ لَهم وما أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقاتِ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ: أيْ لَكانَ خَيْرًا لَهم فَإنَّ فِيما أعْطاهُمُ الخَيْرَ العاجِلَ والآجِلَ ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هو لَهم: أيْ كَفانا اللَّهُ، سَيُعْطِينا مِن فَضْلِهِ ويُعْطِينا رَسُولُهُ بَعْدَ هَذا ما نَرْجُوهُ ونُؤَمِّلُهُ ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُعْطِيَنا مِن فَضْلِهِ ما نَرْجُوهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ لَمّا لَمَزَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قِسْمَةِ الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ اللَّهُ لَهم مَصْرِفَها دَفْعًا لِطَعْنِهِمْ وقَطْعًا لِشَغَبِهِمْ، و( إنَّما ) مِن صِيَغِ القَصْرِ، وتَعْرِيفُ الصَّدَقاتِ لِلْجِنْسِ: أيْ جِنْسُ هَذِهِ الصَّدَقاتِ مَقْصُورٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لا يَتَجاوَزُها، بَلْ هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ يَجِبُ تَقْسِيطُ الصَّدَقاتِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، أوْ يَجُوزُ صَرْفُها إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ الإمامُ أوْ صاحِبُ الصَّدَقَةِ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ: احْتَجَّ الأوَّلُونَ بِما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ وبِحَدِيثِ زِيادِ بْنِ الحارِثِ الصُّدائِيِّ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والدّارَقُطْنِيِّ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَبايَعْتُهُ، فَأتى رَجُلٌ فَقالَ: أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ حَتّى حَكَمَ فِيها هو فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أصْنافٍ، فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ» .
وأجابَ الآخَرُونَ بِأنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ إنَّما هو لِبَيانِ الصَّرْفِ والمَصْرِفِ، لا لِوُجُوبِ اسْتِيعابِ الأصْنافِ، وبِأنَّ في إسْنادِ الحَدِيثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيادِ بْنِ أنْعُمَ الإفْرِيقِيَّ وهو ضَعِيفٌ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الآخَرُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم﴾ [البقرة: ٢٧١] والصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الواجِبَةِ كَما تُطْلَقُ عَلى المَندُوبَةِ.
وصَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم» .
وقَدِ ادَّعى مالِكٌ الإجْماعَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: يُرِيدُ إجْماعَ الصَّحابَةِ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ لَهُ مُخالِفًا مِنهم.
قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ قَدَّمَهم لِأنَّهم أحْوَجُ مِنَ البَقِيَّةِ عَلى المَشْهُورِ لِشِدَّةِ فاقَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الفَرْقِ بَيْنَ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى أقْوالٍ: فَقالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ والقُتَيْبِيُّ ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الفَقِيرَ أحْسَنُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، قالُوا: لِأنَّ الفَقِيرَ هو الَّذِي لَهُ بَعْضُ ما يَكْفِيهِ ويُقِيمُهُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وذَهَبَ إلى هَذا قَوْمٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ.
وقالَ آخَرُونَ بِالعَكْسِ، فَجَعَلُوا المِسْكِينَ أحْسَنَ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فَأخْبَرَ أنَّ لَهم سَفِينَةً مِن سُفُنِ البَحْرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُمْلَةً مِنَ المالِ، ويُؤَيِّدُهُ تَعَوُّذُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الفَقْرِ مَعَ قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا» وإلى هَذا ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وحَكاهُ الطَّحاوِيُّ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ وأكْثَرِ أصْحابِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الفَقِيرَ والمِسْكِينَ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ القاسِمِ وسائِرُ أصْحابِ مالِكٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ.
وقالَ قَوْمٌ: الفَقِيرُ المُحْتاجُ المُتَعَفِّفُ، والمِسْكِينُ السّائِلُ.
قالَهُ الأزْهَرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ شَعْبانَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ مِمّا لا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِنهُ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
والأوْلى في بَيانِ ماهِيَّةِ المِسْكِينِ ما ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، قالُوا: فَما المِسْكِينُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، ولا يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا» .
قَوْلُهُ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ السُّعاةِ والجُباةِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الإمامُ لِتَحْصِيلِ الزَّكاةِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنها قِسْطًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في القَدْرِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنها، فَقِيلَ: الثُّمُنُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والشّافِعِيِّ.
وقِيلَ: عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
وقِيلَ: يُعْطَوْنَ مِن بَيْتِ المالِ قَدْرَ أُجْرَتِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ، ولا وجْهَ لِهَذا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ لَهم نَصِيبًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ يُمْنَعُونَ مِنها ويُعْطَوْنَ مِن غَيْرِها ؟ واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ هاشِمِيًّا أمْ لا ؟ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وأجازَهُ آخَرُونَ، قالُوا: ويُعْطى مِن غَيْرِ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم قَوْمٌ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ، فَقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم لِيُسْلِمُوا، وكانُوا لا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ بِالقَهْرِ والسَّيْفِ، بَلْ بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْسُنْ إسْلامُهم، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن عُظَماءِ المُشْرِكِينَ لَهم أتْباعٌ أعْطاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِيَتَألَّفُوا أتْباعَهم عَلى الإسْلامِ.
وقَدْ أعْطى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَماعَةً مِمَّنْ أسْلَمَ ظاهِرًا كَأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِائَةً مِنَ الإبِلِ تَألَّفَهم بِذَلِكَ، وأعْطى آخَرِينَ دُونَهم.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم باقٍ بَعْدِ ظُهُورِ الإسْلامِ أمْ لا ؟ فَقالَ عُمَرُ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ،: قَدِ انْقَطَعَ هَذا الصِّنْفُ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورٌ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الصَّحابَةَ أجْمَعَتْ عَلى ذَلِكَ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَهْمُهم باقٍ لِأنَّ الإمامَ رُبَّما احْتاجَ أنْ يَتَألَّفَ عَلى الإسْلامِ، وإنَّما قَطَعَهم عُمَرُ لَمّا رَأى مِن إعْزازِ الدِّينِ.
قالَ يُونُسُ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْهم فَقالَ: لا أعْلَمُ نَسْخَ ذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (p-٥٨٠)يَرْجِعُ سَهْمُهم لِسائِرِ الأصْنافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يَشْتَرِيَ رِقابًا ثُمَّ يُعْتِقَها.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ وأبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُمُ المُكاتَبُونَ يُعانُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى مالِ الكِتابَةِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا لِصِدْقِ الرِّقابِ عَلى شِراءِ العَبْدِ وإعْتاقِهِ، وعَلى إعانَةِ المُكاتَبِ عَلى مالِ الكِتابَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والغارِمِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ رَكِبَتْهُمُ الدُّيُونُ ولا وفاءَ عِنْدِهِمْ بِها، ولا خِلافَ في ذَلِكَ إلّا مَن لَزِمَهُ دَيْنٌ في سَفاهَةٍ فَإنَّهُ لا يُعْطى مِنها ولا مِن غَيْرِها إلّا أنْ يَتُوبَ.
وقَدْ أعانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقَةِ مَن تَحَمَّلَ حَمالَةً وأرْشَدَ إلى إعانَتِهِ مِنها.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هُمُ الغُزاةُ والمُرابِطُونَ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ ما يُنْفِقُونَ في غَزْوِهِمْ ومُرابَطَتِهِمْ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هُمُ الحُجّاجُ والعُمّارُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، وإسْحاقَ أنَّهُما جَعَلا الحَجَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ: لا يُعْطى الغازِي إلّا إذا كانَ فَقِيرًا مُنْقَطَعًا بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ، والسَّبِيلِ الطَّرِيقُ، ونُسِبَ إلَيْها المُسافِرُ لِمُلازَمَتِهِ إيّاها، والمُرادُ الَّذِي انْقَطَعَتْ بِهِ الأسْبابُ في سَفَرِهِ عَنْ بَلَدِهِ ومُسْتَقَرِّهِ فَإنَّهُ يُعْطى مِنها وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وإنْ وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ.
وقالَ مالِكٌ: إذا وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ فَلا يُعْطى.
قَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ مَعْناهُ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لَهم.
والمَعْنى: أنَّ كَوْنَ الصَّدَقاتِ مَقْصُورَةً عَلى هَذِهِ الأصْنافِ هو حُكْمٌ لازِمٌ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ ونَهاهم عَنْ مُجاوَزَتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيضَةً مُنْتَصِبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرِيضَةً.
قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ لِمَ عَدَلَ عَنِ اللّامِ إلى ( في ) في الأرْبَعَةِ الآخِرَةِ ؟ قُلْتُ: لِلْإيذانِ بِأنَّها أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في العُدُولِ أنَّ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ الأُوَلَ يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَصَرَّفُوا بِهِ كَما شاءُوا، وفي الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ لا يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ، بَلْ يُصْرَفُ إلى جِهاتِ الحاجاتِ المُعْتَبَرَةِ في الصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الزَّكاةِ، كَذا قِيلَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقْسِمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّيْمِيُّ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ويْحَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ائْذَنْ لِي فَأضْرِبَ عُنُقَهُ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ الحَدِيثَ حَتّى قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ قالَ: يَرْزَؤُكَ يَسْألُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَنائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ لَقَسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها اللَّهُ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ»، ونَزَلَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها في صِنْفٍ واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ أوْ صِنْفَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي العالِيَةِ والحَسَنِ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ الطَّوّافُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ المُحْتاجُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ زَمانَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ قالَ: هم زَمْنى أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ قالَ: السُّعاةُ أصْحابُ الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم﴾ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ أسْلَمُوا، وكانَ يَرْضَخُ لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإذا أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ فَأصابُوا مِنها خَيْرًا قالُوا: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ عابُوهُ وتَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنَ اليَمَنِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذُهَيْبَةٍ فِيها تُرْبَتُها، فَقَسَمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ مِنَ المُؤَلَّفَةِ: الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِرِيِّ، وعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزارِيِّ، وزَيْدِ الخَيْلِ الطّائِيِّ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ والأنْصارُ: يَقْسِمُ بَيْنَ صَنادِيدِ أهْلِ نَجْدٍ ويَدَعُنا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّما أتَألَّفُهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم قالَ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، قُلْتُ: وإنْ كانَ مُوسِرًا ؟ قالَ: وإنْ كانَ مُوسِرًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ: هُمُ المُكاتَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ.
أخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ: نَصِفٌ لِكُلِّ مَكاتَبٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ، والنِّصْفُ الآخَرُ يَشْتَرِي بِهِ رِقابًا مِمَّنْ صَلّى وصامَ، وقَدَّمَ إسْلامَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى يَعْتِقُونَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا (p-٥٨١)أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكاتِهِ في الحَجِّ وأنْ يُعْتِقَ مِنها رَقَبَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الغارِمِينَ قالَ: أصْحابُ الدَّيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَسْألُ في دَمٍ أوْ جائِحَةٍ تُصِيبُهُ ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ المُجاهِدُونَ ﴿واِبْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُنْقَطِعُ بِهِ يُعْطى قَدْرَ ما يُبَلِّغُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ: العامِلِ عَلَيْها، أوِ الرَّجُلِ اشْتَراها بِمالِهِ، أوْ غارِمٍ، أوْ غازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ مِسْكِينٍ تُصَدِّقَ عَلَيْهِ فَأهْدى مِنها لِغَنِيٍّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي هِلالٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: «أخْبَرَنِي رَجُلانِ أنَّهُما أتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَألاهُ مِنها، فَرَفَعَ فِينا البَصَرَ وخَفَضَهُ فَرَآنا جَلْدَيْنِ، فَقالَ: إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما ولا حَظَّ فِيها لِغَنِيٍّ ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
التوبة 9:60
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ هَذا ذِكْرُ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، يُقالُ: يَلْمِزُهُ: إذا عابَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّمْزُ العَيْبُ، وأصْلُهُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ ونَحْوِها، وقَدْ لَمَزَهُ يَلْمَزُهُ ويَلْمِزُهُ، ورَجُلٌ لَمّازٌ، ولُمَزَةٌ: أيْ عَيّابٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ وألْمُزُهُ، بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها: إذا عِبْتُهُ، وكَذا هَمَزْتُهُ.
ومَعْنى الآيَةِ: ومِنَ المُنافِقِينَ مَن يَعِيبُكَ في الصَّدَقاتِ: أيْ في تَفْرِيقِها وقِسْمَتِها.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿يَلْمِزُكَ﴾ يَرْزَؤُكَ ويَسْألُكَ، والقَوْلُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ هو الأوَّلُ كَما قالَ النَّحّاسُ.
وقُرَئَ " يَلْمُزُكَ " بِضَمِّ المِيمِ، " ويُلَمِّزُكَ " بِكَسْرِها مَعَ التَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها مُخَفَّفَةً ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ بِقَدْرِ ما يُرِيدُونَ رَضُوا بِما وقَعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَعِيبُوهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا مَقْصِدَ لَهم إلّا حُطامُ الدُّنْيا، ولَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ أيْ مِنَ الصَّدَقاتِ ما يُرِيدُونَهُ ويَطْلُبُونَهُ ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يُعْطَوْا فاجَئُوا السُّخْطَ، وفائِدَةُ إذا الفُجائِيَّةِ أنَّ الشَّرْطَ (p-٥٧٩)مُفاجِئٌ لِلْجَزاءِ وهاجِمٌ عَلَيْهِ.
وقَدْ نابَتْ إذا الفُجائِيَّةُ مَنابَ فاءِ الجَزاءِ.
﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ ما فَرَضَهُ اللَّهُ لَهم وما أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقاتِ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ: أيْ لَكانَ خَيْرًا لَهم فَإنَّ فِيما أعْطاهُمُ الخَيْرَ العاجِلَ والآجِلَ ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما هو لَهم: أيْ كَفانا اللَّهُ، سَيُعْطِينا مِن فَضْلِهِ ويُعْطِينا رَسُولُهُ بَعْدَ هَذا ما نَرْجُوهُ ونُؤَمِّلُهُ ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُعْطِيَنا مِن فَضْلِهِ ما نَرْجُوهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ لَمّا لَمَزَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قِسْمَةِ الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ اللَّهُ لَهم مَصْرِفَها دَفْعًا لِطَعْنِهِمْ وقَطْعًا لِشَغَبِهِمْ، و( إنَّما ) مِن صِيَغِ القَصْرِ، وتَعْرِيفُ الصَّدَقاتِ لِلْجِنْسِ: أيْ جِنْسُ هَذِهِ الصَّدَقاتِ مَقْصُورٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لا يَتَجاوَزُها، بَلْ هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ يَجِبُ تَقْسِيطُ الصَّدَقاتِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، أوْ يَجُوزُ صَرْفُها إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ عَلى حَسَبِ ما يَراهُ الإمامُ أوْ صاحِبُ الصَّدَقَةِ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ: احْتَجَّ الأوَّلُونَ بِما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ وبِحَدِيثِ زِيادِ بْنِ الحارِثِ الصُّدائِيِّ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والدّارَقُطْنِيِّ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَبايَعْتُهُ، فَأتى رَجُلٌ فَقالَ: أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ حَتّى حَكَمَ فِيها هو فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أصْنافٍ، فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ» .
وأجابَ الآخَرُونَ بِأنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القَصْرِ إنَّما هو لِبَيانِ الصَّرْفِ والمَصْرِفِ، لا لِوُجُوبِ اسْتِيعابِ الأصْنافِ، وبِأنَّ في إسْنادِ الحَدِيثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيادِ بْنِ أنْعُمَ الإفْرِيقِيَّ وهو ضَعِيفٌ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الآخَرُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم﴾ [البقرة: ٢٧١] والصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الواجِبَةِ كَما تُطْلَقُ عَلى المَندُوبَةِ.
وصَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم» .
وقَدِ ادَّعى مالِكٌ الإجْماعَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: يُرِيدُ إجْماعَ الصَّحابَةِ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ لَهُ مُخالِفًا مِنهم.
قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ قَدَّمَهم لِأنَّهم أحْوَجُ مِنَ البَقِيَّةِ عَلى المَشْهُورِ لِشِدَّةِ فاقَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الفَرْقِ بَيْنَ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى أقْوالٍ: فَقالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ والقُتَيْبِيُّ ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الفَقِيرَ أحْسَنُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، قالُوا: لِأنَّ الفَقِيرَ هو الَّذِي لَهُ بَعْضُ ما يَكْفِيهِ ويُقِيمُهُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وذَهَبَ إلى هَذا قَوْمٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ.
وقالَ آخَرُونَ بِالعَكْسِ، فَجَعَلُوا المِسْكِينَ أحْسَنَ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فَأخْبَرَ أنَّ لَهم سَفِينَةً مِن سُفُنِ البَحْرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُمْلَةً مِنَ المالِ، ويُؤَيِّدُهُ تَعَوُّذُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الفَقْرِ مَعَ قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا وأمِتْنِي مِسْكِينًا» وإلى هَذا ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وحَكاهُ الطَّحاوِيُّ عَنِ الكُوفِيِّينَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ وأكْثَرِ أصْحابِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الفَقِيرَ والمِسْكِينَ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ القاسِمِ وسائِرُ أصْحابِ مالِكٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ.
وقالَ قَوْمٌ: الفَقِيرُ المُحْتاجُ المُتَعَفِّفُ، والمِسْكِينُ السّائِلُ.
قالَهُ الأزْهَرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ شَعْبانَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ مِمّا لا يَأْتِي الِاسْتِكْثارُ مِنهُ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها.
والأوْلى في بَيانِ ماهِيَّةِ المِسْكِينِ ما ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، قالُوا: فَما المِسْكِينُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، ولا يَسْألُ النّاسَ شَيْئًا» .
قَوْلُهُ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ السُّعاةِ والجُباةِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الإمامُ لِتَحْصِيلِ الزَّكاةِ فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنها قِسْطًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في القَدْرِ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنها، فَقِيلَ: الثُّمُنُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والشّافِعِيِّ.
وقِيلَ: عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.
وقِيلَ: يُعْطَوْنَ مِن بَيْتِ المالِ قَدْرَ أُجْرَتِهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ، ولا وجْهَ لِهَذا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ لَهم نَصِيبًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ يُمْنَعُونَ مِنها ويُعْطَوْنَ مِن غَيْرِها ؟ واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ هاشِمِيًّا أمْ لا ؟ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وأجازَهُ آخَرُونَ، قالُوا: ويُعْطى مِن غَيْرِ الصَّدَقَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم قَوْمٌ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ، فَقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم لِيُسْلِمُوا، وكانُوا لا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ بِالقَهْرِ والسَّيْفِ، بَلْ بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْسُنْ إسْلامُهم، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَألَّفُهم بِالعَطاءِ، وقِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن عُظَماءِ المُشْرِكِينَ لَهم أتْباعٌ أعْطاهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِيَتَألَّفُوا أتْباعَهم عَلى الإسْلامِ.
وقَدْ أعْطى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَماعَةً مِمَّنْ أسْلَمَ ظاهِرًا كَأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِائَةً مِنَ الإبِلِ تَألَّفَهم بِذَلِكَ، وأعْطى آخَرِينَ دُونَهم.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ سَهْمُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم باقٍ بَعْدِ ظُهُورِ الإسْلامِ أمْ لا ؟ فَقالَ عُمَرُ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ،: قَدِ انْقَطَعَ هَذا الصِّنْفُ بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورٌ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الصَّحابَةَ أجْمَعَتْ عَلى ذَلِكَ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَهْمُهم باقٍ لِأنَّ الإمامَ رُبَّما احْتاجَ أنْ يَتَألَّفَ عَلى الإسْلامِ، وإنَّما قَطَعَهم عُمَرُ لَمّا رَأى مِن إعْزازِ الدِّينِ.
قالَ يُونُسُ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْهم فَقالَ: لا أعْلَمُ نَسْخَ ذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (p-٥٨٠)يَرْجِعُ سَهْمُهم لِسائِرِ الأصْنافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ في فَكِّ الرِّقابِ بِأنْ يَشْتَرِيَ رِقابًا ثُمَّ يُعْتِقَها.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ وأبُو عُبَيْدٍ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُمُ المُكاتَبُونَ يُعانُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى مالِ الكِتابَةِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا لِصِدْقِ الرِّقابِ عَلى شِراءِ العَبْدِ وإعْتاقِهِ، وعَلى إعانَةِ المُكاتَبِ عَلى مالِ الكِتابَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿والغارِمِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ رَكِبَتْهُمُ الدُّيُونُ ولا وفاءَ عِنْدِهِمْ بِها، ولا خِلافَ في ذَلِكَ إلّا مَن لَزِمَهُ دَيْنٌ في سَفاهَةٍ فَإنَّهُ لا يُعْطى مِنها ولا مِن غَيْرِها إلّا أنْ يَتُوبَ.
وقَدْ أعانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّدَقَةِ مَن تَحَمَّلَ حَمالَةً وأرْشَدَ إلى إعانَتِهِ مِنها.
قَوْلُهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هُمُ الغُزاةُ والمُرابِطُونَ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ ما يُنْفِقُونَ في غَزْوِهِمْ ومُرابَطَتِهِمْ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هُمُ الحُجّاجُ والعُمّارُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ، وإسْحاقَ أنَّهُما جَعَلا الحَجَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ: لا يُعْطى الغازِي إلّا إذا كانَ فَقِيرًا مُنْقَطَعًا بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ، والسَّبِيلِ الطَّرِيقُ، ونُسِبَ إلَيْها المُسافِرُ لِمُلازَمَتِهِ إيّاها، والمُرادُ الَّذِي انْقَطَعَتْ بِهِ الأسْبابُ في سَفَرِهِ عَنْ بَلَدِهِ ومُسْتَقَرِّهِ فَإنَّهُ يُعْطى مِنها وإنْ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ، وإنْ وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ.
وقالَ مالِكٌ: إذا وجَدَ مَن يُسْلِفُهُ فَلا يُعْطى.
قَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ مَعْناهُ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لَهم.
والمَعْنى: أنَّ كَوْنَ الصَّدَقاتِ مَقْصُورَةً عَلى هَذِهِ الأصْنافِ هو حُكْمٌ لازِمٌ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ ونَهاهم عَنْ مُجاوَزَتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيضَةً مُنْتَصِبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرِيضَةً.
قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ لِمَ عَدَلَ عَنِ اللّامِ إلى ( في ) في الأرْبَعَةِ الآخِرَةِ ؟ قُلْتُ: لِلْإيذانِ بِأنَّها أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في العُدُولِ أنَّ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ الأُوَلَ يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَصَرَّفُوا بِهِ كَما شاءُوا، وفي الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ لا يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ، بَلْ يُصْرَفُ إلى جِهاتِ الحاجاتِ المُعْتَبَرَةِ في الصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الزَّكاةِ، كَذا قِيلَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقْسِمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّيْمِيُّ فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ويْحَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ائْذَنْ لِي فَأضْرِبَ عُنُقَهُ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ الحَدِيثَ حَتّى قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ قالَ: يَرْزَؤُكَ يَسْألُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَنائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ لَقَسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها اللَّهُ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ»، ونَزَلَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها في صِنْفٍ واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ أوْ صِنْفَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي العالِيَةِ والحَسَنِ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ، والمَساكِينُ الطَّوّافُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ المُحْتاجُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ زَمانَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ قالَ: هم زَمْنى أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ قالَ: السُّعاةُ أصْحابُ الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم﴾ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ أسْلَمُوا، وكانَ يَرْضَخُ لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإذا أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ فَأصابُوا مِنها خَيْرًا قالُوا: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ عابُوهُ وتَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنَ اليَمَنِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذُهَيْبَةٍ فِيها تُرْبَتُها، فَقَسَمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ مِنَ المُؤَلَّفَةِ: الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِرِيِّ، وعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزارِيِّ، وزَيْدِ الخَيْلِ الطّائِيِّ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ والأنْصارُ: يَقْسِمُ بَيْنَ صَنادِيدِ أهْلِ نَجْدٍ ويَدَعُنا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّما أتَألَّفُهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم قالَ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، قُلْتُ: وإنْ كانَ مُوسِرًا ؟ قالَ: وإنْ كانَ مُوسِرًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ قُلُوبُهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ: هُمُ المُكاتَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ.
أخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ: نَصِفٌ لِكُلِّ مَكاتَبٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ، والنِّصْفُ الآخَرُ يَشْتَرِي بِهِ رِقابًا مِمَّنْ صَلّى وصامَ، وقَدَّمَ إسْلامَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى يَعْتِقُونَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا (p-٥٨١)أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكاتِهِ في الحَجِّ وأنْ يُعْتِقَ مِنها رَقَبَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الغارِمِينَ قالَ: أصْحابُ الدَّيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَسْألُ في دَمٍ أوْ جائِحَةٍ تُصِيبُهُ ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ المُجاهِدُونَ ﴿واِبْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُنْقَطِعُ بِهِ يُعْطى قَدْرَ ما يُبَلِّغُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ: العامِلِ عَلَيْها، أوِ الرَّجُلِ اشْتَراها بِمالِهِ، أوْ غارِمٍ، أوْ غازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ مِسْكِينٍ تُصَدِّقَ عَلَيْهِ فَأهْدى مِنها لِغَنِيٍّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي هِلالٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: «أخْبَرَنِي رَجُلانِ أنَّهُما أتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَألاهُ مِنها، فَرَفَعَ فِينا البَصَرَ وخَفَضَهُ فَرَآنا جَلْدَيْنِ، فَقالَ: إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما ولا حَظَّ فِيها لِغَنِيٍّ ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
التوبة 9:61
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:62
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:63
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:64
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:65
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:66
قَوْلُهُ: ومِنهم هَذا نَوْعٌ آخَرُ بِما حَكاهُ اللَّهُ مِن فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ هو أُذُنٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ رَجُلٌ أُذُنٌ: إذا كانَ يَسْمَعُ مَقالَ كُلِّ أحَدٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. ومُرادُهم - أقْمَأهُمُ اللَّهُ - أنَّهم إذا آذَوُا النَّبِيَّ وبَسَطُوا فِيهِ ألْسُنَهم، وبَلَغَهُ ذَلِكَ اعْتَذَرُوا لَهُ وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ، وإنَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ عَلى مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ فَيُصَدِّقُهُ أنَّهُ أُذُنٌ مُبالَغَةً، لِأنَّهم سَمَّوْهُ بِالجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّماعِ، حَتّى كَأنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وإيذاؤُهم لَهُ هو قَوْلُهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ يُصَدِّقُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والباطِلِ اغْتِرارًا مِنهم بِحِلْمِهِ عَنْهم وصَفْحِهِ عَنْ جِناياتِهِمْ كَرَمًا وحِلْمًا وتَغاضِيًا، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، فَقالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالتَّنْوِينِ، وكَذا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ هو لِكَوْنِهِ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلُ صِدْقٍ، يُرِيدُونَ الجَوْدَةَ والصَّلاحَ.
والمَعْنى أنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ولا يَسْمَعُ الشَّرَّ.
وقُرِئَ " أُذْنُ " بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّها، ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِن خُلُوصِ الإيمانِ فَتَكُونُ اللّامُ في لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّقْوِيَةِ، كَما قالَ الكُوفِيُّونَ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، كَما قالَ المُبَرِّدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ورَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ( أُذُنُ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ( خَيْرٍ ) .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: هو أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأنَّهُ هو رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وأُذُنُ رَحْمَةٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ بِعِيدٌ، يَعْنِي قِراءَةَ الجَرِّ لِأنَّهُ قَدْ تَباعَدَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وهَذا يَقْبُحُ في المَخْفُوضِ.
والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أُذُنُ خَيْرٍ لِلْمُنافِقِينَ ورَحْمَةٌ لَهم حَيْثُ لَمْ يَكْشِفْ أسْرارَهم ولا فَضَحَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ لَكِنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم لا أُذُنَ سُوءٍ، فَسَلَّمَ لَهم قَوْلَهم فِيهِ إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ وثَناءٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ المَذَمَّةَ والتَّقْصِيرَ بِفِطْنَتِهِ، ومَعْنى ( لِلَّذِينِ آمَنُوا مِنكم ) أيِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: هو أُذُنٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أذِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ لَكم.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في خِلْواتِهِمْ يَطْعَنُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ وعَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ المُنافِقُونَ فَحَلَفُوا عَلى أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ما بُلِّغَ عَنْهم قاصِدِينَ بِهَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ أنْ يُرْضُوا رَسُولَ اللَّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَنَعى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، وقالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ هُما أحَقُّ بِذَلِكَ مِن إرْضاءِ المُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَإنَّهم لَوِ اتَّقَوُا اللَّهَ وآمَنُوا بِهِ وتَرَكُوا النِّفاقَ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى لَهم، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في يُرْضُوهُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ لِلْجَنابِ الإلَهِيِّ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ أوْ لِكَوْنِهِ لا فَرْقَ بَيْنَ إرْضاءِ اللَّهِ وإرْضاءِ رَسُولِهِ، فَإرْضاءُ اللَّهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، أوِ المُرادُ: اللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ورَجَّحَهُ النَّحّاسُ، أوْ لِأنَّ الضَّمِيرَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، أوِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو يَصْدُقُ عَلَيْهِما.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، واللَّهُ افْتِتاحُ كَلامٍ كَما تَقُولُ ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، (p-٥٨٢)وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجَوابُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
والمُحادَدَةُ وُقُوعُ هَذا في حَدٍّ، وذَلِكَ في حَدٍّ كالمُشاقَقَةِ: يُقالُ حادَّ فُلانٌ فُلانًا: أيْ صارَ في حَدِّ غَيْرِهِ حَدُّهُ ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ فَحُقَّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ ( أنَّ ) الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الأُولى، وزَعَمَ المُبَرِّدُ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما قالَ الجَرْمِيُّ: أنَّ الثّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى فَوُجُوبُ النّارِ لَهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وقالَ: هَذا خَطَأٌ مِن أجْلِ أنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ المُشَدَّدَةَ لا يُبْتَدَأُ بِها ويُضْمَرُ الخَبَرُ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ، وهي قِراءَةٌ جَيِّدَةٌ، وأنْشَدَ:
؎وإنِّي إذا مَلَّتْ رِكابِي مُناخَها فَإنِّي عَلى حَظِّي مِنَ الأمْرِ جامِحُ
وانْتِصابُ ( خالِدًا ) عَلى الحالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ الخِزْيُ البالِغُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يَبْلُغُ إلَيْها غَيْرُهُ، وهو الذُّلُّ والهَوانُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ قِيلَ: هو خَبَرٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لِيَحْذَرِ.
فالمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ نُزُولَ القُرْآنِ فِيهِمْ، وعَلى الثّانِي: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَحْذَرُوا ذَلِكَ، وأنْ تُنَزَّلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ مِن أنْ تُنَزَّلَ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِ مِن وإعْمالِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولَيْنِ.
وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ حَذَرْتُ زَيْدًا، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
ومَنَعَ مِنَ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُبَرِّدُ.
ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى المُؤْمِنِينَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ: أيْ في شَأْنِهِمْ ( تُنَبِّئُهم ) أيِ المُنافِقِينَ ﴿بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِمّا يُسِرُّونَهُ فَضُلًا عَمّا يُظْهِرُونَهُ، وهم وإنْ كانُوا عالِمِينَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فالمُرادُ مِن إنْباءِ السُّورَةِ لَهم إطْلاعُهم عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا بِما في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ هو أمْرُ تَهْدِيدٍ: أيِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ مِن ظُهُورِهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، إمّا بِإنْزالِ سُورَةٍ، أوْ بِإخْبارِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَمّا قالُوهُ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ وثَلْبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَبْلُغَ إلَيْكَ ذَلِكَ ويُطْلِعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ولَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا أمْرِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأثْبَتَ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يَعْبَأْ بِإنْكارِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ في الإنْكارِ، بَلْ جَعَلَهم كالمُعْتَرِفِينَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ المُسْتَهْزَأ بِهِ، والباءَ لِحَرْفِ النَّفْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ نَهْيًا لَهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالِاعْتِذاراتِ الباطِلَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهم.
وقَدْ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى الِاعْتِذارِ مَحْوُ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعُهُ، مِن قَوْلِهِمُ اعْتَذَرَ المَنزِلُ إذا دَرَسَ، واعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِما وقَعَ مِنكم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المَذْكُورِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ بَعْدِ إظْهارِكُمُ الإيمانَ مَعَ كَوْنِكم تُبْطِنُونَ الكُفْرَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ وهم مَن أخْلَصَ الإيمانَ وتَرَكَ النِّفاقَ وتابَ عَنْهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ بِسَبَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ لَمْ يَتُوبُوا مِنهُ، قُرِئَ " نُعَذِّبْ " بِالنُّونِ، وبِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وبِالتَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ خِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يُبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَيُسارُّهُ حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ، وقالَ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فَأُنْزِلَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ (p-٥٨٣)إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ، وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا هَذا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ وقادَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةً، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في رِوايَةِ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوِهِ إلى تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ وحُصُونُها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: احْبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ، فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» .
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ.
التوبة 9:67
قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ هاهُنا جُمْلَةَ أحْوالِ المُنافِقِينَ، وأنَّ ذُكُورَهم في ذَلِكَ كَإناثِهِمْ، وأنَّهم مُتَناهَوْنَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ المُجْمَلَ بِبَيانِ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ وهو كُلُّ قَبِيحٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ حَسَنٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم﴾ [التوبة: ٥٦] أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: أيْ مُتَشابِهُونَ في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَشِحُّونَ فِيما يَنْبَغِي إخْراجُهُ مِنَ المالِ في الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والجِهادِ، فالقَبْضُ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، كَما أنَّ البَسْطَ كِنايَةٌ عَنِ الكَرَمِ.
والنِّسْيانُ التَّرْكُ: أيْ تَرَكُوا ما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ المَعْرُوفَةِ في عِلْمِ البَيانِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ: أيِ الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعاصِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ حالِ أهْلِ النِّفاقِ والكُفْرِ بِأنَّهُ نارُ جَهَنَّمَ، و( خالِدِينَ فِيها ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( وعَدَ ) يُقالُ في الشَّرِّ كَما يُقالُ في الخَيْرِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كافِيَتُهم لا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ عَلى عَذابِها، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أيْ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ( ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ) أيْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ دائِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والكافُ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوْ مَحَلُّها نَصْبٌ: أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وعَدَ اللَّهُ الكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ وعْدًا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَحُذِفَ المُضافُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وبَيَّنَ وجْهَ تَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِهِمْ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِن مَلاذِّ الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ (p-٥٨٤)أيْ نَصِيبِكُمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ كَما انْتَفَعُوا بِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ ذَمُّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِسَبَبِ مُشابِهَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ في الِاسْتِمْتاعِ بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
وقَدْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ تَكْرِيرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا عادَ فَشَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ كالَّذِينِ فَحُذِفَتِ النُّونُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ( الَّذِي ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مِثْلَ مَن وما، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ: خُضْتُ الماءَ أخُوضُهُ خَوْضًا وخِياضًا، والمَوْضِعُ مَخاضَةٌ، وهو ما جازَ النّاسُ فِيهِ مُشاةً ورُكْبانًا، وجَمْعُها المَخاضُ والمَخاوِضُ، ويُقالُ: مِنهُ خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ، وتَخاوَضُوا فِيهِ أيْ: تَفاوَضُوا فِيهِ، والمَعْنى: خُضْتُمْ في أسْبابِ الدُّنْيا واللَّهْوِ اللَّعِبِ، وقِيلَ: في أمْرِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّكْذِيبِ: أيْ دَخَلْتُمْ في ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ المُشَبَّهِينَ، والمُشَبَّهِ بِهِمْ حَبِطَتْ أعْمالُهم أيْ بَطَلَتْ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما عَمِلُوهُ مِمّا هو في صُورَةِ طاعَةٍ، لا هَذِهِ الأعْمالُ المَذْكُورَةُ هُنا فَإنَّها مِنَ المَعاصِي، ومَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّها باطِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: أمّا بُطْلانُها في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها لا يَحْصُلُ لَهم بَلْ يَصِيرُ ما يَرْجُونَهُ مِنَ الغِنى فَقْرًا، ومِنَ العِزِّ ذُلًّا، ومِنَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى عَذابِ النّارِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَظُنُّونَها طاعَةً وقُرْبَةً ( ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ) أيِ المُتَمَكِّنُونَ في الخُسْرانِ الكامِلُونَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
( ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ) أيِ المُنافِقِينَ ( ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ) أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوهُ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمّا شَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ فِيما سَلَفَ عَنِ الإجْمالِ في المُشَبَّهِ بِهِمْ ذَكَرَ مِنهم هاهُنا سِتَّ طَوائِفَ قَدْ سَمِعَ العَرَبُ أخْبارَهم، لِأنَّ بِلادَهم وهي الشّامُ قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالإغْراقِ، وثانِيهِمْ: قَوْمُ عادٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وثالِثُهم: قَوْمُ ثَمُودَ وقَدْ أُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ، ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ وقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَعُوضَ، وخامِسُهم: أصْحابُ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وسادِسُهم: أصْحابُ المُؤْتَفِكاتِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، وسُمِّيَتْ مُؤْتَفِكاتٍ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ حَتّى صارَ عالِيها سافِلَها، والِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ رُسُلُ هَذِهِ الطَّوائِفِ السِّتِّ، وقِيلَ: رُسُلُ أصْحابِ المُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ رَسُولَهم لُوطٌ وقَدْ بَعَثَ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ مِن قُراهم رَسُولًا، والفاءُ في ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ فَأنْذَرُوهم وحَذَّرُوهم ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُلْمَهم لِأنْفُسِهِمْ كانَ مُسْتَمِرًّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَتَّبِعَنَّهم حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ الخَلاقُ: الدِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أرْضُهم، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.
التوبة 9:68
قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ هاهُنا جُمْلَةَ أحْوالِ المُنافِقِينَ، وأنَّ ذُكُورَهم في ذَلِكَ كَإناثِهِمْ، وأنَّهم مُتَناهَوْنَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ المُجْمَلَ بِبَيانِ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ وهو كُلُّ قَبِيحٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ حَسَنٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم﴾ [التوبة: ٥٦] أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: أيْ مُتَشابِهُونَ في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَشِحُّونَ فِيما يَنْبَغِي إخْراجُهُ مِنَ المالِ في الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والجِهادِ، فالقَبْضُ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، كَما أنَّ البَسْطَ كِنايَةٌ عَنِ الكَرَمِ.
والنِّسْيانُ التَّرْكُ: أيْ تَرَكُوا ما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ المَعْرُوفَةِ في عِلْمِ البَيانِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ: أيِ الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعاصِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ حالِ أهْلِ النِّفاقِ والكُفْرِ بِأنَّهُ نارُ جَهَنَّمَ، و( خالِدِينَ فِيها ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( وعَدَ ) يُقالُ في الشَّرِّ كَما يُقالُ في الخَيْرِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كافِيَتُهم لا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ عَلى عَذابِها، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أيْ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ( ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ) أيْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ دائِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والكافُ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوْ مَحَلُّها نَصْبٌ: أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وعَدَ اللَّهُ الكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ وعْدًا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَحُذِفَ المُضافُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وبَيَّنَ وجْهَ تَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِهِمْ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِن مَلاذِّ الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ (p-٥٨٤)أيْ نَصِيبِكُمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ كَما انْتَفَعُوا بِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ ذَمُّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِسَبَبِ مُشابِهَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ في الِاسْتِمْتاعِ بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
وقَدْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ تَكْرِيرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا عادَ فَشَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ كالَّذِينِ فَحُذِفَتِ النُّونُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ( الَّذِي ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مِثْلَ مَن وما، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ: خُضْتُ الماءَ أخُوضُهُ خَوْضًا وخِياضًا، والمَوْضِعُ مَخاضَةٌ، وهو ما جازَ النّاسُ فِيهِ مُشاةً ورُكْبانًا، وجَمْعُها المَخاضُ والمَخاوِضُ، ويُقالُ: مِنهُ خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ، وتَخاوَضُوا فِيهِ أيْ: تَفاوَضُوا فِيهِ، والمَعْنى: خُضْتُمْ في أسْبابِ الدُّنْيا واللَّهْوِ اللَّعِبِ، وقِيلَ: في أمْرِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّكْذِيبِ: أيْ دَخَلْتُمْ في ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ المُشَبَّهِينَ، والمُشَبَّهِ بِهِمْ حَبِطَتْ أعْمالُهم أيْ بَطَلَتْ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما عَمِلُوهُ مِمّا هو في صُورَةِ طاعَةٍ، لا هَذِهِ الأعْمالُ المَذْكُورَةُ هُنا فَإنَّها مِنَ المَعاصِي، ومَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّها باطِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: أمّا بُطْلانُها في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها لا يَحْصُلُ لَهم بَلْ يَصِيرُ ما يَرْجُونَهُ مِنَ الغِنى فَقْرًا، ومِنَ العِزِّ ذُلًّا، ومِنَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى عَذابِ النّارِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَظُنُّونَها طاعَةً وقُرْبَةً ( ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ) أيِ المُتَمَكِّنُونَ في الخُسْرانِ الكامِلُونَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
( ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ) أيِ المُنافِقِينَ ( ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ) أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوهُ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمّا شَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ فِيما سَلَفَ عَنِ الإجْمالِ في المُشَبَّهِ بِهِمْ ذَكَرَ مِنهم هاهُنا سِتَّ طَوائِفَ قَدْ سَمِعَ العَرَبُ أخْبارَهم، لِأنَّ بِلادَهم وهي الشّامُ قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالإغْراقِ، وثانِيهِمْ: قَوْمُ عادٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وثالِثُهم: قَوْمُ ثَمُودَ وقَدْ أُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ، ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ وقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَعُوضَ، وخامِسُهم: أصْحابُ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وسادِسُهم: أصْحابُ المُؤْتَفِكاتِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، وسُمِّيَتْ مُؤْتَفِكاتٍ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ حَتّى صارَ عالِيها سافِلَها، والِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ رُسُلُ هَذِهِ الطَّوائِفِ السِّتِّ، وقِيلَ: رُسُلُ أصْحابِ المُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ رَسُولَهم لُوطٌ وقَدْ بَعَثَ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ مِن قُراهم رَسُولًا، والفاءُ في ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ فَأنْذَرُوهم وحَذَّرُوهم ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُلْمَهم لِأنْفُسِهِمْ كانَ مُسْتَمِرًّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَتَّبِعَنَّهم حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ الخَلاقُ: الدِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أرْضُهم، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.
التوبة 9:69
قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ هاهُنا جُمْلَةَ أحْوالِ المُنافِقِينَ، وأنَّ ذُكُورَهم في ذَلِكَ كَإناثِهِمْ، وأنَّهم مُتَناهَوْنَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ المُجْمَلَ بِبَيانِ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ وهو كُلُّ قَبِيحٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ حَسَنٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم﴾ [التوبة: ٥٦] أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: أيْ مُتَشابِهُونَ في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَشِحُّونَ فِيما يَنْبَغِي إخْراجُهُ مِنَ المالِ في الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والجِهادِ، فالقَبْضُ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، كَما أنَّ البَسْطَ كِنايَةٌ عَنِ الكَرَمِ.
والنِّسْيانُ التَّرْكُ: أيْ تَرَكُوا ما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ المَعْرُوفَةِ في عِلْمِ البَيانِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ: أيِ الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعاصِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ حالِ أهْلِ النِّفاقِ والكُفْرِ بِأنَّهُ نارُ جَهَنَّمَ، و( خالِدِينَ فِيها ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( وعَدَ ) يُقالُ في الشَّرِّ كَما يُقالُ في الخَيْرِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كافِيَتُهم لا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ عَلى عَذابِها، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أيْ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ( ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ) أيْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ دائِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والكافُ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوْ مَحَلُّها نَصْبٌ: أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وعَدَ اللَّهُ الكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ وعْدًا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَحُذِفَ المُضافُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وبَيَّنَ وجْهَ تَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِهِمْ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِن مَلاذِّ الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ (p-٥٨٤)أيْ نَصِيبِكُمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ كَما انْتَفَعُوا بِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ ذَمُّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِسَبَبِ مُشابِهَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ في الِاسْتِمْتاعِ بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
وقَدْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ تَكْرِيرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا عادَ فَشَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ كالَّذِينِ فَحُذِفَتِ النُّونُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ( الَّذِي ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مِثْلَ مَن وما، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ: خُضْتُ الماءَ أخُوضُهُ خَوْضًا وخِياضًا، والمَوْضِعُ مَخاضَةٌ، وهو ما جازَ النّاسُ فِيهِ مُشاةً ورُكْبانًا، وجَمْعُها المَخاضُ والمَخاوِضُ، ويُقالُ: مِنهُ خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ، وتَخاوَضُوا فِيهِ أيْ: تَفاوَضُوا فِيهِ، والمَعْنى: خُضْتُمْ في أسْبابِ الدُّنْيا واللَّهْوِ اللَّعِبِ، وقِيلَ: في أمْرِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّكْذِيبِ: أيْ دَخَلْتُمْ في ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ المُشَبَّهِينَ، والمُشَبَّهِ بِهِمْ حَبِطَتْ أعْمالُهم أيْ بَطَلَتْ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما عَمِلُوهُ مِمّا هو في صُورَةِ طاعَةٍ، لا هَذِهِ الأعْمالُ المَذْكُورَةُ هُنا فَإنَّها مِنَ المَعاصِي، ومَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّها باطِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: أمّا بُطْلانُها في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها لا يَحْصُلُ لَهم بَلْ يَصِيرُ ما يَرْجُونَهُ مِنَ الغِنى فَقْرًا، ومِنَ العِزِّ ذُلًّا، ومِنَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى عَذابِ النّارِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَظُنُّونَها طاعَةً وقُرْبَةً ( ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ) أيِ المُتَمَكِّنُونَ في الخُسْرانِ الكامِلُونَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
( ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ) أيِ المُنافِقِينَ ( ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ) أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوهُ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمّا شَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ فِيما سَلَفَ عَنِ الإجْمالِ في المُشَبَّهِ بِهِمْ ذَكَرَ مِنهم هاهُنا سِتَّ طَوائِفَ قَدْ سَمِعَ العَرَبُ أخْبارَهم، لِأنَّ بِلادَهم وهي الشّامُ قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالإغْراقِ، وثانِيهِمْ: قَوْمُ عادٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وثالِثُهم: قَوْمُ ثَمُودَ وقَدْ أُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ، ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ وقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَعُوضَ، وخامِسُهم: أصْحابُ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وسادِسُهم: أصْحابُ المُؤْتَفِكاتِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، وسُمِّيَتْ مُؤْتَفِكاتٍ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ حَتّى صارَ عالِيها سافِلَها، والِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ رُسُلُ هَذِهِ الطَّوائِفِ السِّتِّ، وقِيلَ: رُسُلُ أصْحابِ المُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ رَسُولَهم لُوطٌ وقَدْ بَعَثَ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ مِن قُراهم رَسُولًا، والفاءُ في ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ فَأنْذَرُوهم وحَذَّرُوهم ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُلْمَهم لِأنْفُسِهِمْ كانَ مُسْتَمِرًّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَتَّبِعَنَّهم حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ الخَلاقُ: الدِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أرْضُهم، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.
التوبة 9:70
قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ هاهُنا جُمْلَةَ أحْوالِ المُنافِقِينَ، وأنَّ ذُكُورَهم في ذَلِكَ كَإناثِهِمْ، وأنَّهم مُتَناهَوْنَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ المُجْمَلَ بِبَيانِ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ وهو كُلُّ قَبِيحٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ حَسَنٍ عَقْلًا أوْ شَرْعًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم﴾ [التوبة: ٥٦] أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: أيْ مُتَشابِهُونَ في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ يَشِحُّونَ فِيما يَنْبَغِي إخْراجُهُ مِنَ المالِ في الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والجِهادِ، فالقَبْضُ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، كَما أنَّ البَسْطَ كِنايَةٌ عَنِ الكَرَمِ.
والنِّسْيانُ التَّرْكُ: أيْ تَرَكُوا ما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الحَقِيقِيَّ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ المَعْرُوفَةِ في عِلْمِ البَيانِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ: أيِ الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعاصِيهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ أنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ حالِ أهْلِ النِّفاقِ والكُفْرِ بِأنَّهُ نارُ جَهَنَّمَ، و( خالِدِينَ فِيها ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ: أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( وعَدَ ) يُقالُ في الشَّرِّ كَما يُقالُ في الخَيْرِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ كافِيَتُهم لا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ عَلى عَذابِها، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أيْ طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ( ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ) أيْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ دائِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهم.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ مُلْتَفِتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والكافُ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوْ مَحَلُّها نَصْبٌ: أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ وعَدَ اللَّهُ الكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ وعْدًا كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَحُذِفَ المُضافُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ أُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وبَيَّنَ وجْهَ تَشْبِيهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِهِمْ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا﴾ أيْ تَمَتَّعُوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِن مَلاذِّ الدُّنْيا ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أنْتُمْ ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ (p-٥٨٤)أيْ نَصِيبِكُمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ انْتَفَعْتُمْ بِهِ كَما انْتَفَعُوا بِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ ذَمُّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِسَبَبِ مُشابِهَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ في الِاسْتِمْتاعِ بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
وقَدْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ تَكْرِيرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟ وأُجِيبَ: بِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا عادَ فَشَبَّهَ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: أصْلُهُ كالَّذِينِ فَحُذِفَتِ النُّونُ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ( الَّذِي ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مِثْلَ مَن وما، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ: خُضْتُ الماءَ أخُوضُهُ خَوْضًا وخِياضًا، والمَوْضِعُ مَخاضَةٌ، وهو ما جازَ النّاسُ فِيهِ مُشاةً ورُكْبانًا، وجَمْعُها المَخاضُ والمَخاوِضُ، ويُقالُ: مِنهُ خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ، وتَخاوَضُوا فِيهِ أيْ: تَفاوَضُوا فِيهِ، والمَعْنى: خُضْتُمْ في أسْبابِ الدُّنْيا واللَّهْوِ اللَّعِبِ، وقِيلَ: في أمْرِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّكْذِيبِ: أيْ دَخَلْتُمْ في ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ المُشَبَّهِينَ، والمُشَبَّهِ بِهِمْ حَبِطَتْ أعْمالُهم أيْ بَطَلَتْ، والمُرادُ بِالأعْمالِ ما عَمِلُوهُ مِمّا هو في صُورَةِ طاعَةٍ، لا هَذِهِ الأعْمالُ المَذْكُورَةُ هُنا فَإنَّها مِنَ المَعاصِي، ومَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّها باطِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: أمّا بُطْلانُها في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها لا يَحْصُلُ لَهم بَلْ يَصِيرُ ما يَرْجُونَهُ مِنَ الغِنى فَقْرًا، ومِنَ العِزِّ ذُلًّا، ومِنَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى عَذابِ النّارِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَظُنُّونَها طاعَةً وقُرْبَةً ( ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ) أيِ المُتَمَكِّنُونَ في الخُسْرانِ الكامِلُونَ فِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
( ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ ) أيِ المُنافِقِينَ ( ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ) أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوهُ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمّا شَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ فِيما سَلَفَ عَنِ الإجْمالِ في المُشَبَّهِ بِهِمْ ذَكَرَ مِنهم هاهُنا سِتَّ طَوائِفَ قَدْ سَمِعَ العَرَبُ أخْبارَهم، لِأنَّ بِلادَهم وهي الشّامُ قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالإغْراقِ، وثانِيهِمْ: قَوْمُ عادٍ وقَدْ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وثالِثُهم: قَوْمُ ثَمُودَ وقَدْ أُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ، ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ وقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَعُوضَ، وخامِسُهم: أصْحابُ مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وسادِسُهم: أصْحابُ المُؤْتَفِكاتِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِجارَةِ، وسُمِّيَتْ مُؤْتَفِكاتٍ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ حَتّى صارَ عالِيها سافِلَها، والِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ رُسُلُ هَذِهِ الطَّوائِفِ السِّتِّ، وقِيلَ: رُسُلُ أصْحابِ المُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ رَسُولَهم لُوطٌ وقَدْ بَعَثَ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ مِن قُراهم رَسُولًا، والفاءُ في ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ فَأنْذَرُوهم وحَذَّرُوهم ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الِانْقِيادِ لِأنْبِيائِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُلْمَهم لِأنْفُسِهِمْ كانَ مُسْتَمِرًّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهم، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَتَّبِعَنَّهم حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ الخَلاقُ: الدِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أرْضُهم، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.
التوبة 9:71
قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ قُلُوبُهم مُتَّحِدَةٌ في التَّوادُدِ، والتَّحابُبِ، والتَّعاطُفِ بِسَبَبِ ما جَمَعَهم مِن أمْرِ الدِّينِ وضَمَّهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أوْصافَهُمُ الحَمِيدَةَ كَما بَيَّنَ أوْصافَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ومِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ عَمّا هو مُنْكَرٌ في الدِّينِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وخَصَّصَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مِن جُمْلَةِ العِباداتِ؛ لِكَوْنِهِما الرُّكْنَيْنِ العَظِيمَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ (p-٥٨٥)والأمْوالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ في صُنْعِ ما أمَرَهم بِفِعْلِهِ أوْ نَهاهم عَنْ تَرْكِهِ، والإشارَةُ بِـ ( أُولَئِكَ ) إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، والسِّينُ في ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في إنْجازِ الوَعْدِ ( إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا يُغالَبُ ( حَكِيمٌ ) في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الرَّحْمَةِ إجْمالًا بِاعْتِبارِ الرَّحْمَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ومَعْنى جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ أنَّها تَجْرِي تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ مَنازِلَ يَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الدُّرِّ والياقُوتِ، و( جَنّاتِ عَدْنٍ ) يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ، ومِنهُ المَعْدِنُ، قِيلَ: هي أعْلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: أوْسَطُها، وقِيلَ: قُصُورٌ مِن ذَهَبٍ لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وصَفَ الجَنَّةَ بِأوْصافٍ: الأوَّلُ: جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، والثّانِي: أنَّهم فِيها خالِدُونَ، والثّالِثُ: طِيبُ مَساكِنِها، والرّابِعُ: أنَّها دارُ عَدْنٍ: أيْ إقامَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ، هَذا عَلى ما هو مَعْنى عَدْنٍ لُغَةً، وقِيلَ: هو عَلَمٌ، والتَّنْكِيرُ في ( رِضْوانٌ ) لِلتَّحْقِيرِ: أيْ ورِضْوانٌ حَقِيرٌ يُسْتَرُ ( مِنَ ) رِضْوانِ ( اللَّهِ أكْبَرُ ) مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي أعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ النِّعَمِ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ يُماثِلُ رِضْوانَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ أدْنى رِضْوانٍ مِنهُ لا يُساوِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وإنْ كانَتْ عَلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا رِضًا لا يَشُوبُهُ سَخَطٌ، ولا يُكَدِّرُهُ نَكَدٌ، يا مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ دِقُّهُ وجِلُّهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ( هو الفَوْزُ العَظِيمُ ) دُونَ كُلِّ فَوْزٍ مِمّا يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: يَدْعُونَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والنَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما كانَ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةٌ مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كَتَبَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: إخاؤُهم في اللَّهِ يَتَحابُّونَ بِجَلالِ اللَّهِ والوِلايَةِ لِلَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأحادِيثِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: قَصْرٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ في الجَنَّةِ، في ذَلِكَ القَصْرِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا مِن كُلِّ لَوْنٍ، عَلى كُلِّ فِراشٍ امْرَأةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، في كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِن كُلِّ طَعامٍ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصِيفًا ووَصِيفَةً، فَيُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في كُلِّ غَداةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ: مَعْدِنُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: مَعْدِنُهم فِيها أبَدًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَعْنِي: إذا أُخْبِرُوا أنَّ اللَّهَ عَنْهم راضٍ، فَهو أكْبَرُ عِنْدَهم مِنَ التُّحَفِ والتَّسْنِيمِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» .
التوبة 9:72
قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ قُلُوبُهم مُتَّحِدَةٌ في التَّوادُدِ، والتَّحابُبِ، والتَّعاطُفِ بِسَبَبِ ما جَمَعَهم مِن أمْرِ الدِّينِ وضَمَّهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أوْصافَهُمُ الحَمِيدَةَ كَما بَيَّنَ أوْصافَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ في الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ومِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ عَمّا هو مُنْكَرٌ في الدِّينِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وخَصَّصَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ مِن جُمْلَةِ العِباداتِ؛ لِكَوْنِهِما الرُّكْنَيْنِ العَظِيمَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأبْدانِ (p-٥٨٥)والأمْوالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى هَذا ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ في صُنْعِ ما أمَرَهم بِفِعْلِهِ أوْ نَهاهم عَنْ تَرْكِهِ، والإشارَةُ بِـ ( أُولَئِكَ ) إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ، والسِّينُ في ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في إنْجازِ الوَعْدِ ( إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا يُغالَبُ ( حَكِيمٌ ) في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَفْصِيلَ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الرَّحْمَةِ إجْمالًا بِاعْتِبارِ الرَّحْمَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ومَعْنى جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ أنَّها تَجْرِي تَحْتَ أشْجارِها وغُرَفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ مَنازِلَ يَسْكُنُونَ فِيها مِنَ الدُّرِّ والياقُوتِ، و( جَنّاتِ عَدْنٍ ) يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ، ومِنهُ المَعْدِنُ، قِيلَ: هي أعْلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: أوْسَطُها، وقِيلَ: قُصُورٌ مِن ذَهَبٍ لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ. وصَفَ الجَنَّةَ بِأوْصافٍ: الأوَّلُ: جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، والثّانِي: أنَّهم فِيها خالِدُونَ، والثّالِثُ: طِيبُ مَساكِنِها، والرّابِعُ: أنَّها دارُ عَدْنٍ: أيْ إقامَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ، هَذا عَلى ما هو مَعْنى عَدْنٍ لُغَةً، وقِيلَ: هو عَلَمٌ، والتَّنْكِيرُ في ( رِضْوانٌ ) لِلتَّحْقِيرِ: أيْ ورِضْوانٌ حَقِيرٌ يُسْتَرُ ( مِنَ ) رِضْوانِ ( اللَّهِ أكْبَرُ ) مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي أعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ النِّعَمِ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ يُماثِلُ رِضْوانَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ أدْنى رِضْوانٍ مِنهُ لا يُساوِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وإنْ كانَتْ عَلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا رِضًا لا يَشُوبُهُ سَخَطٌ، ولا يُكَدِّرُهُ نَكَدٌ، يا مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ دِقُّهُ وجِلُّهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ( هو الفَوْزُ العَظِيمُ ) دُونَ كُلِّ فَوْزٍ مِمّا يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: يَدْعُونَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والنَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما كانَ مِن طاعَةِ اللَّهِ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةٌ مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كَتَبَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: إخاؤُهم في اللَّهِ يَتَحابُّونَ بِجَلالِ اللَّهِ والوِلايَةِ لِلَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأحادِيثِ ما هو مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عَنْها رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: قَصْرٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ في الجَنَّةِ، في ذَلِكَ القَصْرِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا مِن كُلِّ لَوْنٍ، عَلى كُلِّ فِراشٍ امْرَأةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، في كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِن كُلِّ طَعامٍ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصِيفًا ووَصِيفَةً، فَيُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في كُلِّ غَداةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ: مَعْدِنُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: مَعْدِنُهم فِيها أبَدًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَعْنِي: إذا أُخْبِرُوا أنَّ اللَّهَ عَنْهم راضٍ، فَهو أكْبَرُ عِنْدَهم مِنَ التُّحَفِ والتَّسْنِيمِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» .
التوبة 9:73
الأمْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِهَذا الجِهادِ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وجِهادُ الكُفّارِ يَكُونُ بِمُقاتَلَتِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا، وجِهادُ المُنافِقِينَ يَكُونُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا عَنْهُ ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، واخْتارَهُ قَتادَةُ، .
قِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا أكْثَرَ مَن يَفْعَلُ مُوجِباتِ الحُدُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ دائِمًا لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ تَشْهَدُ بِسِياقَتِها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلَظُ: نَقِيضُ الرَّأْفَةِ، وهو شِدَّةُ القَلْبِ وخُشُونَةُ الجانِبِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصُّلْحِ والصَّفْحِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِن خِصالِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ووَدِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كَثُرَ نُزُولُ القُرْآنِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، فَقالا: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا عَلى إخْوانِنا الَّذِينَ هم ساداتُنا وخِيارُنا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ لَهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ مُصَدَّقٌ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِنَ الحِمارِ، وأخْبَرَ عامِرٌ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجاءَ الجُلاسُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ إنَّ عامِرًا لَكاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ لَقَدْ قالَ، وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى نَبِيِّكَ شَيْئًا فَنَزَلَتْ.
وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَمِعَ ذَلِكَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وقِيلَ: حُذَيْفَةُ، وقِيلَ: بَلْ سَمِعَهُ ولَدُ امْرَأتِهِ: أيِ امْرَأةِ الجُلاسِ، واسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَهَمَّ الجُلاسُ بِقَتْلِهِ لِئَلّا يُخْبِرَ بِخَبَرِهِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٥٨٦)رَأْسِ المُنافِقِينَ لَمّا قالَ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ المُنافِقِينَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ القائِلَ واحِدٌ أوِ اثْنانِ فَنِسْبَةُ القَوْلِ إلى جَمِيعِهِمْ هي بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ مَن لَمْ يَقُلْ ولَمْ يَحْلِفْ مِنَ المُنافِقِينَ لِمَن قَدْ قالَ وحَلَفَ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ وكَذَّبَهم وبَيَّنَ أنَّهم حَلَفُوا كَذِبًا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ السّابِقَةِ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ إظْهارِهِمْ لِلْإسْلامِ، وإنْ كانُوا كُفّارًا في الباطِنِ.
والمَعْنى: أنَّهم فَعَلُوا ما يُوجِبُ كُفْرَهم عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إسْلامِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قِيلَ: هو هَمُّهم بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقِيلَ: هَمُّوا بِعَقْدِ التّاجِ عَلى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو هَمُّ الجُلاسِ بِقَتْلِ مَن سَمِعَهُ يَقُولُ تِلْكَ المَقالَةَ، فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ وما عابُوا وأنْكَرُوا إلّا ما هو حَقِيقٌ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، وهو إغْناءُ اللَّهِ لَهم مِن فَضْلِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وهو مِن بابِ قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ومِن بابِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
فَهُوَ مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ.
وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في ضِيقٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ اتَّسَعَتْ مَعِيشَتُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ تَحْصُلْ مِنهُمُ التَّوْبَةُ والرُّجُوعُ إلى الحَقِّ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ خَيْرًا لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا.
وقَدْ تابَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، وحَسُنَ إسْلامُهُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ المُنافِقِ والكافِرِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَبُولِها مِنَ الزِّنْدِيقِ، فَمَنَعَ مِن قَبُولِها مالِكٌ وأتْباعُهُ، لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ إذْ هو في كُلِّ حِينٍ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ والإسْلامَ ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ يُعْرِضُوا عَنِ التَّوْبَةِ والإيمانِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ وفي الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيهِمْ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَنْصُرُهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ، قالَ الجُلاسُ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ، ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكَنِّي، ولَإحْداهُما أشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى، فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ ولَكِنْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَخْطُبُ: إنْ كانَ هَذا صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، قالَ زَيْدٌ: هو واللَّهِ صادِقٌ وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَحَدَ القائِلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَكم فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ ! فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا حَتّى تَجاوَزَ عَنْهم، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارٍ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ: انْصُرُوا أخاكم، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وفي البابِ أحادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمَّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ» .
التوبة 9:74
الأمْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِهَذا الجِهادِ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وجِهادُ الكُفّارِ يَكُونُ بِمُقاتَلَتِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا، وجِهادُ المُنافِقِينَ يَكُونُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا عَنْهُ ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ جِهادَ المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، واخْتارَهُ قَتادَةُ، .
قِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا أكْثَرَ مَن يَفْعَلُ مُوجِباتِ الحُدُودِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ دائِمًا لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ تَشْهَدُ بِسِياقَتِها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلَظُ: نَقِيضُ الرَّأْفَةِ، وهو شِدَّةُ القَلْبِ وخُشُونَةُ الجانِبِ، قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصُّلْحِ والصَّفْحِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِن خِصالِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: نَزَلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ووَدِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كَثُرَ نُزُولُ القُرْآنِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ وذَمِّهِمْ، فَقالا: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا عَلى إخْوانِنا الَّذِينَ هم ساداتُنا وخِيارُنا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ لَهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ مُصَدَّقٌ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِنَ الحِمارِ، وأخْبَرَ عامِرٌ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجاءَ الجُلاسُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ إنَّ عامِرًا لَكاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ لَقَدْ قالَ، وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى نَبِيِّكَ شَيْئًا فَنَزَلَتْ.
وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَمِعَ ذَلِكَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وقِيلَ: حُذَيْفَةُ، وقِيلَ: بَلْ سَمِعَهُ ولَدُ امْرَأتِهِ: أيِ امْرَأةِ الجُلاسِ، واسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَهَمَّ الجُلاسُ بِقَتْلِهِ لِئَلّا يُخْبِرَ بِخَبَرِهِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٥٨٦)رَأْسِ المُنافِقِينَ لَمّا قالَ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ المُنافِقِينَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ القائِلَ واحِدٌ أوِ اثْنانِ فَنِسْبَةُ القَوْلِ إلى جَمِيعِهِمْ هي بِاعْتِبارِ مُوافَقَةِ مَن لَمْ يَقُلْ ولَمْ يَحْلِفْ مِنَ المُنافِقِينَ لِمَن قَدْ قالَ وحَلَفَ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ وكَذَّبَهم وبَيَّنَ أنَّهم حَلَفُوا كَذِبًا، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ السّابِقَةِ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ كَفَرُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ إظْهارِهِمْ لِلْإسْلامِ، وإنْ كانُوا كُفّارًا في الباطِنِ.
والمَعْنى: أنَّهم فَعَلُوا ما يُوجِبُ كُفْرَهم عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إسْلامِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قِيلَ: هو هَمُّهم بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقِيلَ: هَمُّوا بِعَقْدِ التّاجِ عَلى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو هَمُّ الجُلاسِ بِقَتْلِ مَن سَمِعَهُ يَقُولُ تِلْكَ المَقالَةَ، فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ وما عابُوا وأنْكَرُوا إلّا ما هو حَقِيقٌ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، وهو إغْناءُ اللَّهِ لَهم مِن فَضْلِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وهو مِن بابِ قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ومِن بابِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
فَهُوَ مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ.
وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في ضِيقٍ مِنَ العَيْشِ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ اتَّسَعَتْ مَعِيشَتُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ تَحْصُلْ مِنهُمُ التَّوْبَةُ والرُّجُوعُ إلى الحَقِّ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ خَيْرًا لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا.
وقَدْ تابَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، وحَسُنَ إسْلامُهُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ المُنافِقِ والكافِرِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَبُولِها مِنَ الزِّنْدِيقِ، فَمَنَعَ مِن قَبُولِها مالِكٌ وأتْباعُهُ، لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ إذْ هو في كُلِّ حِينٍ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ والإسْلامَ ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ يُعْرِضُوا عَنِ التَّوْبَةِ والإيمانِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ الأمْوالِ وفي الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ يُوالِيهِمْ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ يَنْصُرُهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ، قالَ الجُلاسُ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ، ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكَنِّي، ولَإحْداهُما أشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى، فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ ولَكِنْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَخْطُبُ: إنْ كانَ هَذا صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، قالَ زَيْدٌ: هو واللَّهِ صادِقٌ وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَحَدَ القائِلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَكم فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ ! فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا حَتّى تَجاوَزَ عَنْهم، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارٍ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ: انْصُرُوا أخاكم، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وفي البابِ أحادِيثُ مُخْتَلِفَةٌ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمَّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ» .
التوبة 9:75
اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ (p-٥٨٧)والشَّرْطِ.
ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقُرِئَ " جَهْدَهم " بِفَتْحِ الجِيمِ، والجُهْدُ بِالضَّمِّ: الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ: المَشَقَّةُ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِما فَضَلَ عَنْ كِفايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَلْمِزُونَ: أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ لِحَقارَةِ ما يُخْرِجُونَهُ في الصَّدَقَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَهْدَ المُقِلِّ، وغايَةَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ جازاهم عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَسَخِرَ اللَّهُ مِنهم بِأنْ أهانَهم وأذَلَّهم وعَذَّبَهم. والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْخَرَ اللَّهُ بِهِمْ كَما سَخِرُوا بِالمُسْلِمِينَ، ( ولَهم عَذابٌ ) ألِيمٌ أيْ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والعَسْكَرِيُّ في الأمْثالِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَندَهْ، والبارُودِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويْلَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ: أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِيَ ذَهَبًا لَسارَتْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، قالَ: فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى بِها، فَكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ، إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِها مَكانُهُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَ عَنْهُ، فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا، وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها ووُجُوهَها، وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألا الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضُ أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ: (p-٥٨٨)اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأقْبَلُها ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، قالَ: ويُثْقِلُ عَلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا ؟ فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ ! فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ، فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾» قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو مَرْوِيٌّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ رَفاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ مِنهُ لِلْقَرابَةِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ بِذَلِكَ نِفاقًا في قَلْبِهِ إلى أنْ يَلْقاهُ، قالَ ذَلِكَ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُراءٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ: بِنِصْفِ صاعٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
التوبة 9:76
اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ (p-٥٨٧)والشَّرْطِ.
ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقُرِئَ " جَهْدَهم " بِفَتْحِ الجِيمِ، والجُهْدُ بِالضَّمِّ: الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ: المَشَقَّةُ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِما فَضَلَ عَنْ كِفايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَلْمِزُونَ: أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ لِحَقارَةِ ما يُخْرِجُونَهُ في الصَّدَقَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَهْدَ المُقِلِّ، وغايَةَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ جازاهم عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَسَخِرَ اللَّهُ مِنهم بِأنْ أهانَهم وأذَلَّهم وعَذَّبَهم. والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْخَرَ اللَّهُ بِهِمْ كَما سَخِرُوا بِالمُسْلِمِينَ، ( ولَهم عَذابٌ ) ألِيمٌ أيْ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والعَسْكَرِيُّ في الأمْثالِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَندَهْ، والبارُودِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويْلَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ: أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِيَ ذَهَبًا لَسارَتْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، قالَ: فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى بِها، فَكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ، إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِها مَكانُهُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَ عَنْهُ، فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا، وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها ووُجُوهَها، وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألا الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضُ أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ: (p-٥٨٨)اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأقْبَلُها ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، قالَ: ويُثْقِلُ عَلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا ؟ فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ ! فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ، فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾» قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو مَرْوِيٌّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ رَفاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ مِنهُ لِلْقَرابَةِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ بِذَلِكَ نِفاقًا في قَلْبِهِ إلى أنْ يَلْقاهُ، قالَ ذَلِكَ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُراءٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ: بِنِصْفِ صاعٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
التوبة 9:77
اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ (p-٥٨٧)والشَّرْطِ.
ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقُرِئَ " جَهْدَهم " بِفَتْحِ الجِيمِ، والجُهْدُ بِالضَّمِّ: الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ: المَشَقَّةُ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِما فَضَلَ عَنْ كِفايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَلْمِزُونَ: أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ لِحَقارَةِ ما يُخْرِجُونَهُ في الصَّدَقَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَهْدَ المُقِلِّ، وغايَةَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ جازاهم عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَسَخِرَ اللَّهُ مِنهم بِأنْ أهانَهم وأذَلَّهم وعَذَّبَهم. والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْخَرَ اللَّهُ بِهِمْ كَما سَخِرُوا بِالمُسْلِمِينَ، ( ولَهم عَذابٌ ) ألِيمٌ أيْ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والعَسْكَرِيُّ في الأمْثالِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَندَهْ، والبارُودِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويْلَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ: أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِيَ ذَهَبًا لَسارَتْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، قالَ: فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى بِها، فَكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ، إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِها مَكانُهُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَ عَنْهُ، فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا، وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها ووُجُوهَها، وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألا الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضُ أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ: (p-٥٨٨)اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأقْبَلُها ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، قالَ: ويُثْقِلُ عَلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا ؟ فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ ! فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ، فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾» قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو مَرْوِيٌّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ رَفاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ مِنهُ لِلْقَرابَةِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ بِذَلِكَ نِفاقًا في قَلْبِهِ إلى أنْ يَلْقاهُ، قالَ ذَلِكَ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُراءٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ: بِنِصْفِ صاعٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
التوبة 9:78
اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ (p-٥٨٧)والشَّرْطِ.
ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقُرِئَ " جَهْدَهم " بِفَتْحِ الجِيمِ، والجُهْدُ بِالضَّمِّ: الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ: المَشَقَّةُ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِما فَضَلَ عَنْ كِفايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَلْمِزُونَ: أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ لِحَقارَةِ ما يُخْرِجُونَهُ في الصَّدَقَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَهْدَ المُقِلِّ، وغايَةَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ جازاهم عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَسَخِرَ اللَّهُ مِنهم بِأنْ أهانَهم وأذَلَّهم وعَذَّبَهم. والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْخَرَ اللَّهُ بِهِمْ كَما سَخِرُوا بِالمُسْلِمِينَ، ( ولَهم عَذابٌ ) ألِيمٌ أيْ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والعَسْكَرِيُّ في الأمْثالِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَندَهْ، والبارُودِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويْلَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ: أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِيَ ذَهَبًا لَسارَتْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، قالَ: فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى بِها، فَكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ، إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِها مَكانُهُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَ عَنْهُ، فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا، وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها ووُجُوهَها، وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألا الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضُ أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ: (p-٥٨٨)اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأقْبَلُها ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، قالَ: ويُثْقِلُ عَلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا ؟ فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ ! فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ، فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾» قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو مَرْوِيٌّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ رَفاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ مِنهُ لِلْقَرابَةِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ بِذَلِكَ نِفاقًا في قَلْبِهِ إلى أنْ يَلْقاهُ، قالَ ذَلِكَ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُراءٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ: بِنِصْفِ صاعٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
التوبة 9:79
اللّامُ الأُولى، وهي ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ لامُ القَسَمِ، واللّامُ الثّانِيَةُ، وهي ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لامُ الجَوابِ لِلْقِسْمِ (p-٥٨٧)والشَّرْطِ.
ومَعْنى ( لَنَصَّدَّقَنَّ ) لَنُخْرِجُ الصَّدَقَةَ، وهي أعَمُّ مِنَ المَفْرُوضَةِ وغَيْرِها ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الصَّلاحِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ القائِمِينَ بِواجِباتِ الدِّينِ التّارِكِينَ لِمُحَرَّماتِهِ.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لَمّا أعْطاهم ما طَلَبُوا مِنَ الرِّزْقِ بَخِلُوا بِهِ: أيْ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ مِنهُ كَما حَلَفُوا بِهِ، ( وتَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وإخْراجِ صَدَقاتِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، والحالُ أنَّ ( وهم مُعْرِضُونَ ) في جَمِيعِ الأوْقاتِ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ ما أعْطاهم مِنَ الرِّزْقِ وبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الفاعِلُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ البُخْلِ الَّذِي وقَعَ مِنهم والإعْراضِ نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ، مُتَمَكِّنًا مِنها، مُسْتَمِرًّا فِيها إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى البُخْلِ: أيْ فَأعْقَبَهُمُ البُخْلُ بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، نِفاقًا كائِنًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ بُخْلَهم: أيْ جَزاءَ بُخْلِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ النِّفاقَ المُتَمَكِّنَ في قُلُوبِهِمْ إلى تِلْكَ الغايَةِ عاقِبَةَ ما وقَعَ مِنهم مِنَ البُخْلِ، والباءُ في ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ لِما وعَدُوهُ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ، وكَذَلِكَ الباءُ في ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ وبِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ النِّفاقِ وجَمِيعَ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم، مِنَ الطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى أصْحابِهِ، وعَلى دِينِ الإسْلامِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المَغِيبَةِ كائِنًا ما كانَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَصْدُرُ عَنِ المُنافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ المَوْصُولُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الذَّمِّ، أوِ الجَرُّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( سِرَّهم ونَجْواهم )، ومَعْنى ﴿يَلْمِزُونَ﴾ يَعِيبُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، و( المُطَّوِّعِينَ ): أيِ المُتَطَوِّعِينَ، والتَّطَوُّعُ: التَّبَرُّعُ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ المُسْلِمِينَ إذا تَطَوَّعُوا بِشَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ وأخْرَجُوهُ لِلصَّدَقَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ: ما أغْنى اللَّهَ عَنْ هَذا ! ويَقُولُونَ: ما فَعَلُوا هَذا إلّا رِياءً، ولَمْ يَكُنْ لِلَّهِ خالِصًا، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَلْمِزُونَ ): أيْ يَعِيبُونَهم في شَأْنِها.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ، ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى المُؤْمِنِينَ: أيْ يَلْمِزُونَ المُتَطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم، وقُرِئَ " جَهْدَهم " بِفَتْحِ الجِيمِ، والجُهْدُ بِالضَّمِّ: الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ: المَشَقَّةُ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِما فَضَلَ عَنْ كِفايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَلْمِزُونَ: أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ لِحَقارَةِ ما يُخْرِجُونَهُ في الصَّدَقَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَهْدَ المُقِلِّ، وغايَةَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ جازاهم عَلى ما فَعَلُوهُ مِنَ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَسَخِرَ اللَّهُ مِنهم بِأنْ أهانَهم وأذَلَّهم وعَذَّبَهم. والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما في غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْخَرَ اللَّهُ بِهِمْ كَما سَخِرُوا بِالمُسْلِمِينَ، ( ولَهم عَذابٌ ) ألِيمٌ أيْ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ شَدِيدُ الألَمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والعَسْكَرِيُّ في الأمْثالِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَندَهْ، والبارُودِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويْلَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ: أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي، فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِيَ ذَهَبًا لَسارَتْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعْثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، قالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، قالَ: فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَتَنَحّى بِها، فَكانَ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ، إلّا مِن جُمْعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ نَمَتْ كَما تَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِها مَكانُهُ، فَتَنَحّى بِها فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمْعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَ عَنْهُ، فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا، وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ، وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ يَأْخُذانِ الصَّدَقاتِ، وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها ووُجُوهَها، وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألا الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرَيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ، فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الثَّلاثَ الآياتِ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضُ أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويَحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ: (p-٥٨٨)اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأقْبَلُها ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي، قالَ: ويُثْقِلُ عَلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا ؟ فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ ! فَلَمْ يَقْبَلْها مِنهُ، فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾» قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو مَرْوِيٌّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ رَفاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ مِنهُ لِلْقَرابَةِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ بِذَلِكَ نِفاقًا في قَلْبِهِ إلى أنْ يَلْقاهُ، قالَ ذَلِكَ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُراءٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ: بِنِصْفِ صاعٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
التوبة 9:80
أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.
فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .
وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.
وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.
وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.
ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .
قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ الَّتِي يَقْصِدُها الإنْسانُ تُخالِفُها جِهَةُ الخَلْفِ.
وقالَ قُطْرُبٌ والزَّجّاجُ: مَعْنى ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُخالَفَةَ الرَّسُولِ حِينَ سارَ وأقامُوا، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: قَعَدُوا لِأجْلِ المُخالَفَةِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلِ وأرْسَلَها العِراكَ: أيْ مُخالِفِينَ لَهُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ " خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ " .
قَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ ذَلِكَ الشُّحُّ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وعَدَمُ وُجُودِ باعِثِ الإيمانِ وداعِي الإخْلاصِ ووُجُودُ الصّارِفِ عَنْ ذَلِكَ، وهو ما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الباذِلِينَ لِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ لِوُجُودِ الدّاعِي مَعَهم وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْهم ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ المُنافِقُونَ لِإخْوانِهِمْ: هَذِهِ المَقالَةَ تَثْبِيطًا لَهم وكَسْرًا لِنَشاطِهِمْ وتَواصِيًا بَيْنَهم (p-٥٨٩)بِالمُخالَفَةِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم أيُّها المُنافِقُونَ كَيْفَ تَفِرُّونَ مِن هَذا الحَرِّ اليَسِيرِ، ونارُ جَهَنَّمَ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها خالِدِينَ فِيها أبَدًا أشَدُّ حَرًّا مِمّا فَرَرْتُمْ مِنهُ، فَإنَّكم إنَّما فَرَرْتُمْ مِن حَرٍّ يَسِيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، ووَقَعْتُمْ في حَرٍّ كَثِيرٍ في زَمَنٍ كَبِيرٍ، بَلْ غَيْرِ مُتَناهٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينِ.
؎فَكُنْتَ كالسّاعِي إلى مَثْعَبٍ مَوائِلَ مِن سُبُلِ الرّاعِدِ
وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ مُقَدَّرٌ: أيْ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ هَذانِ الأمْرانِ مَعْناهُما الخَبَرُ، والمَعْنى: فَسَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا ويَبْكُونَ كَثِيرًا، وإنَّما جِيءَ بِهِما عَلى لَفْظِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَحْتُومٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، و( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ: أيْ ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي، وانْتِصابُ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ الرَّجْعُ مُتَعَدٍّ كالرَّدِّ، والرُّجُوعُ لازِمٌ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وإنَّما قالَ ﴿إلى طائِفَةٍ﴾ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ فِيهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أعْذارٌ صَحِيحَةٌ، وفِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، ثُمَّ عَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كالثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّما قالَ: إلى طائِفَةٍ، لِأنَّ مِنهم مَن تابَ عَنِ النِّفاقِ ونَدِمَ عَلى التَّخَلُّفِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ في غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ فَقُلْ لَهم ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهم، ولِما في اسْتِصْحابِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ .
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " مَعِيَ " في المَوْضِعَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها فِيهِما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ولَنْ تُقاتِلُوا لِأنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ والتَّخَلُّفِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ، والفاءُ في ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( الخالِفِينَ ) جَمْعُ خالِفٍ كَأنَّهم خَلَفُوا الخارِجِينَ، والمُرادُ بِهِمْ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاقْعُدُوا مَعَ الفاسِدِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خالَفَ أهْلَ بَيْتِهِ إذا كانَ فاسِدًا فِيهِمْ، مِن قَوْلِكَ خَلَفَ اللَّبَنُ: أيْ فَسَدَ بِطُولِ المُكْثِ في السِّقاءِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الأصْمَعِيُّ.
وقُرِئَ " فاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ المُخالِفِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [المنافقون: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا ؟ ! أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ، قَدْ قِيلَ: لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُنافِقٍ بَعْدُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَرُّ شَدِيدٌ ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ فَلا تَنْفِرُوا في الحَرِّ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدُّنْيا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.
التوبة 9:81
أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.
فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .
وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.
وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.
وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.
ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .
قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ الَّتِي يَقْصِدُها الإنْسانُ تُخالِفُها جِهَةُ الخَلْفِ.
وقالَ قُطْرُبٌ والزَّجّاجُ: مَعْنى ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُخالَفَةَ الرَّسُولِ حِينَ سارَ وأقامُوا، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: قَعَدُوا لِأجْلِ المُخالَفَةِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلِ وأرْسَلَها العِراكَ: أيْ مُخالِفِينَ لَهُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ " خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ " .
قَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ ذَلِكَ الشُّحُّ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وعَدَمُ وُجُودِ باعِثِ الإيمانِ وداعِي الإخْلاصِ ووُجُودُ الصّارِفِ عَنْ ذَلِكَ، وهو ما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الباذِلِينَ لِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ لِوُجُودِ الدّاعِي مَعَهم وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْهم ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ المُنافِقُونَ لِإخْوانِهِمْ: هَذِهِ المَقالَةَ تَثْبِيطًا لَهم وكَسْرًا لِنَشاطِهِمْ وتَواصِيًا بَيْنَهم (p-٥٨٩)بِالمُخالَفَةِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم أيُّها المُنافِقُونَ كَيْفَ تَفِرُّونَ مِن هَذا الحَرِّ اليَسِيرِ، ونارُ جَهَنَّمَ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها خالِدِينَ فِيها أبَدًا أشَدُّ حَرًّا مِمّا فَرَرْتُمْ مِنهُ، فَإنَّكم إنَّما فَرَرْتُمْ مِن حَرٍّ يَسِيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، ووَقَعْتُمْ في حَرٍّ كَثِيرٍ في زَمَنٍ كَبِيرٍ، بَلْ غَيْرِ مُتَناهٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينِ.
؎فَكُنْتَ كالسّاعِي إلى مَثْعَبٍ مَوائِلَ مِن سُبُلِ الرّاعِدِ
وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ مُقَدَّرٌ: أيْ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ هَذانِ الأمْرانِ مَعْناهُما الخَبَرُ، والمَعْنى: فَسَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا ويَبْكُونَ كَثِيرًا، وإنَّما جِيءَ بِهِما عَلى لَفْظِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَحْتُومٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، و( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ: أيْ ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي، وانْتِصابُ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ الرَّجْعُ مُتَعَدٍّ كالرَّدِّ، والرُّجُوعُ لازِمٌ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وإنَّما قالَ ﴿إلى طائِفَةٍ﴾ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ فِيهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أعْذارٌ صَحِيحَةٌ، وفِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، ثُمَّ عَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كالثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّما قالَ: إلى طائِفَةٍ، لِأنَّ مِنهم مَن تابَ عَنِ النِّفاقِ ونَدِمَ عَلى التَّخَلُّفِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ في غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ فَقُلْ لَهم ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهم، ولِما في اسْتِصْحابِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ .
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " مَعِيَ " في المَوْضِعَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها فِيهِما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ولَنْ تُقاتِلُوا لِأنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ والتَّخَلُّفِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ، والفاءُ في ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( الخالِفِينَ ) جَمْعُ خالِفٍ كَأنَّهم خَلَفُوا الخارِجِينَ، والمُرادُ بِهِمْ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاقْعُدُوا مَعَ الفاسِدِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خالَفَ أهْلَ بَيْتِهِ إذا كانَ فاسِدًا فِيهِمْ، مِن قَوْلِكَ خَلَفَ اللَّبَنُ: أيْ فَسَدَ بِطُولِ المُكْثِ في السِّقاءِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الأصْمَعِيُّ.
وقُرِئَ " فاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ المُخالِفِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [المنافقون: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا ؟ ! أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ، قَدْ قِيلَ: لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُنافِقٍ بَعْدُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَرُّ شَدِيدٌ ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ فَلا تَنْفِرُوا في الحَرِّ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدُّنْيا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.
التوبة 9:82
أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.
فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .
وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.
وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.
وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.
ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .
قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ الَّتِي يَقْصِدُها الإنْسانُ تُخالِفُها جِهَةُ الخَلْفِ.
وقالَ قُطْرُبٌ والزَّجّاجُ: مَعْنى ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُخالَفَةَ الرَّسُولِ حِينَ سارَ وأقامُوا، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: قَعَدُوا لِأجْلِ المُخالَفَةِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلِ وأرْسَلَها العِراكَ: أيْ مُخالِفِينَ لَهُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ " خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ " .
قَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ ذَلِكَ الشُّحُّ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وعَدَمُ وُجُودِ باعِثِ الإيمانِ وداعِي الإخْلاصِ ووُجُودُ الصّارِفِ عَنْ ذَلِكَ، وهو ما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الباذِلِينَ لِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ لِوُجُودِ الدّاعِي مَعَهم وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْهم ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ المُنافِقُونَ لِإخْوانِهِمْ: هَذِهِ المَقالَةَ تَثْبِيطًا لَهم وكَسْرًا لِنَشاطِهِمْ وتَواصِيًا بَيْنَهم (p-٥٨٩)بِالمُخالَفَةِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم أيُّها المُنافِقُونَ كَيْفَ تَفِرُّونَ مِن هَذا الحَرِّ اليَسِيرِ، ونارُ جَهَنَّمَ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها خالِدِينَ فِيها أبَدًا أشَدُّ حَرًّا مِمّا فَرَرْتُمْ مِنهُ، فَإنَّكم إنَّما فَرَرْتُمْ مِن حَرٍّ يَسِيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، ووَقَعْتُمْ في حَرٍّ كَثِيرٍ في زَمَنٍ كَبِيرٍ، بَلْ غَيْرِ مُتَناهٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينِ.
؎فَكُنْتَ كالسّاعِي إلى مَثْعَبٍ مَوائِلَ مِن سُبُلِ الرّاعِدِ
وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ مُقَدَّرٌ: أيْ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ هَذانِ الأمْرانِ مَعْناهُما الخَبَرُ، والمَعْنى: فَسَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا ويَبْكُونَ كَثِيرًا، وإنَّما جِيءَ بِهِما عَلى لَفْظِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَحْتُومٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، و( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ: أيْ ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي، وانْتِصابُ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ الرَّجْعُ مُتَعَدٍّ كالرَّدِّ، والرُّجُوعُ لازِمٌ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وإنَّما قالَ ﴿إلى طائِفَةٍ﴾ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ فِيهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أعْذارٌ صَحِيحَةٌ، وفِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، ثُمَّ عَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كالثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّما قالَ: إلى طائِفَةٍ، لِأنَّ مِنهم مَن تابَ عَنِ النِّفاقِ ونَدِمَ عَلى التَّخَلُّفِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ في غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ فَقُلْ لَهم ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهم، ولِما في اسْتِصْحابِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ .
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " مَعِيَ " في المَوْضِعَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها فِيهِما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ولَنْ تُقاتِلُوا لِأنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ والتَّخَلُّفِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ، والفاءُ في ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( الخالِفِينَ ) جَمْعُ خالِفٍ كَأنَّهم خَلَفُوا الخارِجِينَ، والمُرادُ بِهِمْ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاقْعُدُوا مَعَ الفاسِدِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خالَفَ أهْلَ بَيْتِهِ إذا كانَ فاسِدًا فِيهِمْ، مِن قَوْلِكَ خَلَفَ اللَّبَنُ: أيْ فَسَدَ بِطُولِ المُكْثِ في السِّقاءِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الأصْمَعِيُّ.
وقُرِئَ " فاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ المُخالِفِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [المنافقون: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا ؟ ! أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ، قَدْ قِيلَ: لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُنافِقٍ بَعْدُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَرُّ شَدِيدٌ ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ فَلا تَنْفِرُوا في الحَرِّ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدُّنْيا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.
التوبة 9:83
أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ صُدُورَ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِلْمُنافِقِينَ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِاسْتِغْفارِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا لِلْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ وفِيهِ بَيانٌ لِعَدَمِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُنافِقِينَ وإنْ أكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ لَكانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا كَما في سائِرِ مَفاهِيمِ الأعْدادِ، بَلِ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةُ في عَدَمِ القَبُولِ.
فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُجْرِي ذَلِكَ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِها عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم وإنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ اسْتُغْفارًا بالِغًا في الكَثْرَةِ غايَةَ المُبالِغِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِهَذا العَدَدِ المَخْصُوصِ يُفِيدُ قَبُولَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما سَيَأْتِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» .
وذَكَرَ بَعْضُهم لِتَخْصِيصِ السَّبْعِينَ وجْهًا فَقالَ: إنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ شَرِيفٌ، لِأنَّها عَدَدُ السَّماواتِ والأرَضِينَ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ والأعْضاءِ وأيّامِ الأُسْبُوعِ، فَصَيَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ إلى عَشَرَةٍ، لِأنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها.
وقِيلَ: خُصَّتِ السَّبْعُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلى عَمِّهِ الحَمْزَةِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً بِإزاءِ تَكْبِيراتِكَ عَلى حَمْزَةَ.
وانْتِصابُ سَبْعِينَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.
ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ المَغْفِرَةِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ ذَلِكَ الِامْتِناعُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ المُتَمَرِّدِينَ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِها، والمُرادُ هُنا الهِدايَةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ، لا الهِدايَةُ الَّتِي بِمَعْنى الدَّلالَةِ وإراءَةِ الطَّرِيقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ المَتْرُوكُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ وثَبَّطَهم، أوِ الشَّيْطانُ، أوْ كَسَّلَهم، أوِ المُؤْمِنُونَ، ومَعْنى ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ بِقُعُودِهِمْ يُقالُ: قَعَدَ قُعُودًا ومَقْعَدًا: أيْ جَلَسَ، وأقْعَدَهُ غَيْرُهُ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( فَرِحَ ): أيْ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِقُعُودِهِمْ، و( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ ( مَقْعَدِهِمْ ) .
قالَ الأخْفَشُ ويُونُسُ: الخِلافُ بِمَعْنى الخَلْفِ: أيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وذَلِكَ أنَّ جِهَةَ الأمامِ الَّتِي يَقْصِدُها الإنْسانُ تُخالِفُها جِهَةُ الخَلْفِ.
وقالَ قُطْرُبٌ والزَّجّاجُ: مَعْنى ( خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ) مُخالَفَةَ الرَّسُولِ حِينَ سارَ وأقامُوا، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: قَعَدُوا لِأجْلِ المُخالَفَةِ، أوْ عَلى الحالِ مِثْلِ وأرْسَلَها العِراكَ: أيْ مُخالِفِينَ لَهُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ " خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ " .
قَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ ذَلِكَ الشُّحُّ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وعَدَمُ وُجُودِ باعِثِ الإيمانِ وداعِي الإخْلاصِ ووُجُودُ الصّارِفِ عَنْ ذَلِكَ، وهو ما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ الباذِلِينَ لِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ لِوُجُودِ الدّاعِي مَعَهم وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْهم ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ قالَ المُنافِقُونَ لِإخْوانِهِمْ: هَذِهِ المَقالَةَ تَثْبِيطًا لَهم وكَسْرًا لِنَشاطِهِمْ وتَواصِيًا بَيْنَهم (p-٥٨٩)بِالمُخالَفَةِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم أيُّها المُنافِقُونَ كَيْفَ تَفِرُّونَ مِن هَذا الحَرِّ اليَسِيرِ، ونارُ جَهَنَّمَ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها خالِدِينَ فِيها أبَدًا أشَدُّ حَرًّا مِمّا فَرَرْتُمْ مِنهُ، فَإنَّكم إنَّما فَرَرْتُمْ مِن حَرٍّ يَسِيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، ووَقَعْتُمْ في حَرٍّ كَثِيرٍ في زَمَنٍ كَبِيرٍ، بَلْ غَيْرِ مُتَناهٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينِ.
؎فَكُنْتَ كالسّاعِي إلى مَثْعَبٍ مَوائِلَ مِن سُبُلِ الرّاعِدِ
وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ مُقَدَّرٌ: أيْ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ هَذانِ الأمْرانِ مَعْناهُما الخَبَرُ، والمَعْنى: فَسَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا ويَبْكُونَ كَثِيرًا، وإنَّما جِيءَ بِهِما عَلى لَفْظِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَحْتُومٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، و( قَلِيلًا ) و( كَثِيرًا ) مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ: أيْ ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي، وانْتِصابُ ( جَزاءً ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ الرَّجْعُ مُتَعَدٍّ كالرَّدِّ، والرُّجُوعُ لازِمٌ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وإنَّما قالَ ﴿إلى طائِفَةٍ﴾ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ فِيهِمْ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أعْذارٌ صَحِيحَةٌ، وفِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، ثُمَّ عَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كالثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّما قالَ: إلى طائِفَةٍ، لِأنَّ مِنهم مَن تابَ عَنِ النِّفاقِ ونَدِمَ عَلى التَّخَلُّفِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ في غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ فَقُلْ لَهم ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهم، ولِما في اسْتِصْحابِهِمْ مِنَ المَفاسِدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ .
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن " مَعِيَ " في المَوْضِعَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها فِيهِما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ ولَنْ تُقاتِلُوا لِأنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ والتَّخَلُّفِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ، والفاءُ في ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، و( الخالِفِينَ ) جَمْعُ خالِفٍ كَأنَّهم خَلَفُوا الخارِجِينَ، والمُرادُ بِهِمْ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاقْعُدُوا مَعَ الفاسِدِينَ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خالَفَ أهْلَ بَيْتِهِ إذا كانَ فاسِدًا فِيهِمْ، مِن قَوْلِكَ خَلَفَ اللَّبَنُ: أيْ فَسَدَ بِطُولِ المُكْثِ في السِّقاءِ، ذَكَرَ مَعْناهُ الأصْمَعِيُّ.
وقُرِئَ " فاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ المُخالِفِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [المنافقون: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا ؟ ! أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ، قَدْ قِيلَ: لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُنافِقٍ بَعْدُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَرُّ شَدِيدٌ ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ فَلا تَنْفِرُوا في الحَرِّ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدُّنْيا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.
التوبة 9:84
قَوْلُهُ: ( ماتَ ) صِفَةٌ لِأحَدٍ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أنَّ رَسُولَ (p-٥٩٠)اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ فَمُنِعَ هاهُنا مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقُمْ بِمُهِمّاتِ إصْلاحِ قَبْرِهِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وإنَّما وصَفَهم بِالفِسْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والجُبْنُ والخُبْثُ مُسْتَقْبَحَةٌ في كُلِّ دِينٍ.
﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَهى رَسُولَهُ عَنْ أنْ تُعْجِبَهُ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْمٍ، وهَذِهِ في آخَرِينَ، وقِيلَ: هَذِهِ في اليَهُودِ، والأُولى في المُنافِقِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ عادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْضُ السُّورَةِ، وأنْ يُرادَ تَمامُها، وقِيلَ: هي هَذِهِ السُّورَةُ: أيْ سُورَةُ بَراءَةٍ، و" أنْ " في ( أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ: أيْ بِأنْ آمِنُوا، وإنَّما قُدِّمَ الأمْرُ بِالإيمانِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ لا يُفِيدُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ، مِن طالَ عَلَيْهِ طَوْلًا، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقالَ الأصَمُّ: الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ، إذْ لا عُذْرَ لَهم في القُعُودِ ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ اتْرُكْنا ﴿نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المَعْذُورِينَ كالضُّعَفاءِ والزَّمْنى.
والخَوالِفُ: النِّساءُ اللّاتِي يَخْلُفْنَ الرِّجالَ في القُعُودِ في البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعَ خالَفٍ، وهو مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا مِمّا فِيهِ نَفْعُهم وضُرُّهم، بَلْ هم كالأنْعامِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ، فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ، فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ، فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الخَوالِفُ النِّساءُ.
التوبة 9:85
قَوْلُهُ: ( ماتَ ) صِفَةٌ لِأحَدٍ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أنَّ رَسُولَ (p-٥٩٠)اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ فَمُنِعَ هاهُنا مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقُمْ بِمُهِمّاتِ إصْلاحِ قَبْرِهِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وإنَّما وصَفَهم بِالفِسْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والجُبْنُ والخُبْثُ مُسْتَقْبَحَةٌ في كُلِّ دِينٍ.
﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَهى رَسُولَهُ عَنْ أنْ تُعْجِبَهُ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْمٍ، وهَذِهِ في آخَرِينَ، وقِيلَ: هَذِهِ في اليَهُودِ، والأُولى في المُنافِقِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ عادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْضُ السُّورَةِ، وأنْ يُرادَ تَمامُها، وقِيلَ: هي هَذِهِ السُّورَةُ: أيْ سُورَةُ بَراءَةٍ، و" أنْ " في ( أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ: أيْ بِأنْ آمِنُوا، وإنَّما قُدِّمَ الأمْرُ بِالإيمانِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ لا يُفِيدُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ، مِن طالَ عَلَيْهِ طَوْلًا، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقالَ الأصَمُّ: الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ، إذْ لا عُذْرَ لَهم في القُعُودِ ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ اتْرُكْنا ﴿نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المَعْذُورِينَ كالضُّعَفاءِ والزَّمْنى.
والخَوالِفُ: النِّساءُ اللّاتِي يَخْلُفْنَ الرِّجالَ في القُعُودِ في البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعَ خالَفٍ، وهو مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا مِمّا فِيهِ نَفْعُهم وضُرُّهم، بَلْ هم كالأنْعامِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ، فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ، فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ، فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الخَوالِفُ النِّساءُ.
التوبة 9:86
قَوْلُهُ: ( ماتَ ) صِفَةٌ لِأحَدٍ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أنَّ رَسُولَ (p-٥٩٠)اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ فَمُنِعَ هاهُنا مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقُمْ بِمُهِمّاتِ إصْلاحِ قَبْرِهِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وإنَّما وصَفَهم بِالفِسْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والجُبْنُ والخُبْثُ مُسْتَقْبَحَةٌ في كُلِّ دِينٍ.
﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَهى رَسُولَهُ عَنْ أنْ تُعْجِبَهُ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْمٍ، وهَذِهِ في آخَرِينَ، وقِيلَ: هَذِهِ في اليَهُودِ، والأُولى في المُنافِقِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ عادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْضُ السُّورَةِ، وأنْ يُرادَ تَمامُها، وقِيلَ: هي هَذِهِ السُّورَةُ: أيْ سُورَةُ بَراءَةٍ، و" أنْ " في ( أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ: أيْ بِأنْ آمِنُوا، وإنَّما قُدِّمَ الأمْرُ بِالإيمانِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ لا يُفِيدُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ، مِن طالَ عَلَيْهِ طَوْلًا، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقالَ الأصَمُّ: الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ، إذْ لا عُذْرَ لَهم في القُعُودِ ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ اتْرُكْنا ﴿نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المَعْذُورِينَ كالضُّعَفاءِ والزَّمْنى.
والخَوالِفُ: النِّساءُ اللّاتِي يَخْلُفْنَ الرِّجالَ في القُعُودِ في البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعَ خالَفٍ، وهو مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا مِمّا فِيهِ نَفْعُهم وضُرُّهم، بَلْ هم كالأنْعامِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ، فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ، فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ، فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الخَوالِفُ النِّساءُ.
التوبة 9:87
قَوْلُهُ: ( ماتَ ) صِفَةٌ لِأحَدٍ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أنَّ رَسُولَ (p-٥٩٠)اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ فَمُنِعَ هاهُنا مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَقُمْ بِمُهِمّاتِ إصْلاحِ قَبْرِهِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم كَفَرُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وإنَّما وصَفَهم بِالفِسْقِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والجُبْنُ والخُبْثُ مُسْتَقْبَحَةٌ في كُلِّ دِينٍ.
﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ثُمَّ نَهى رَسُولَهُ عَنْ أنْ تُعْجِبَهُ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وهو تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْمٍ، وهَذِهِ في آخَرِينَ، وقِيلَ: هَذِهِ في اليَهُودِ، والأُولى في المُنافِقِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ عادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى تَوْبِيخِ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْضُ السُّورَةِ، وأنْ يُرادَ تَمامُها، وقِيلَ: هي هَذِهِ السُّورَةُ: أيْ سُورَةُ بَراءَةٍ، و" أنْ " في ( أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ: أيْ بِأنْ آمِنُوا، وإنَّما قُدِّمَ الأمْرُ بِالإيمانِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ لا يُفِيدُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ ذَوُو الفَضْلِ والسِّعَةِ، مِن طالَ عَلَيْهِ طَوْلًا، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقالَ الأصَمُّ: الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ الذَّمَّ لَهم ألْزَمُ، إذْ لا عُذْرَ لَهم في القُعُودِ ﴿وقالُوا ذَرْنا﴾ أيِ اتْرُكْنا ﴿نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المَعْذُورِينَ كالضُّعَفاءِ والزَّمْنى.
والخَوالِفُ: النِّساءُ اللّاتِي يَخْلُفْنَ الرِّجالَ في القُعُودِ في البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعَ خالَفٍ، وهو مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ شَيْئًا مِمّا فِيهِ نَفْعُهم وضُرُّهم، بَلْ هم كالأنْعامِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ، فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، فَصَلّى عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ، فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ، فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الخَوالِفُ النِّساءُ.
التوبة 9:88
المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ إلى آخِرِهِ الإشْعارُ بِأنَّ تَخَلُّفَ هَؤُلاءِ غَيْرُ ضائِرٍ، فَإنَّهُ قَدْ قامَ بِفَرِيضَةِ الجِهادِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وأخْلَصُ نِيَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنافِعَ الجِهادِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرٍ فَيَشْمَلُ مَنافِعَ الدُّنْيا والدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: النِّساءُ الحِسانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ومُفْرَدُهُ خَيِّرَةٌ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ خُفِّفَتْ مِثْلُ هَيِّنَةٍ وهَيْنَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الفَلاحِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ، وتَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ وتَعْظِيمِ أمْرِهِمْ.
والجَنّاتُ: البَساتِينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، وبَيانُ الخُلُودِ والفَوْزِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَيْراتِ والفَلاحِ، وإعْدادُ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ووَصْفُ الفَوْزِ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أنْواعِ الفَوْزِ.
وقَدْ أخْرَجَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الخَيْراتُ: هُنَّ النِّساءُ الحِسانُ.
التوبة 9:89
المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ إلى آخِرِهِ الإشْعارُ بِأنَّ تَخَلُّفَ هَؤُلاءِ غَيْرُ ضائِرٍ، فَإنَّهُ قَدْ قامَ بِفَرِيضَةِ الجِهادِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وأخْلَصُ نِيَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ .
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الجِهادِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنافِعَ الجِهادِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرٍ فَيَشْمَلُ مَنافِعَ الدُّنْيا والدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: النِّساءُ الحِسانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ومُفْرَدُهُ خَيِّرَةٌ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ خُفِّفَتْ مِثْلُ هَيِّنَةٍ وهَيْنَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الفَلاحِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ، وتَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ وتَعْظِيمِ أمْرِهِمْ.
والجَنّاتُ: البَساتِينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها، وبَيانُ الخُلُودِ والفَوْزِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَيْراتِ والفَلاحِ، وإعْدادُ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ووَصْفُ الفَوْزِ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أنْواعِ الفَوْزِ.
وقَدْ أخْرَجَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الخَيْراتُ: هُنَّ النِّساءُ الحِسانُ.
التوبة 9:90
قَرَأ الأعْرَجُ والضَّحّاكُ، " المُعْذِرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ، مِن أعْذَرَ، ورَواها أبُو كُرَيْبٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَواها أصْحابُ القِراءاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الصِّحاحِ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: " وجاءَ المُعْذِرُونَ " مُخَفَّفَةً مِن أعْذَرَ، ويَقُولُ: واللَّهِ هَكَذا أُنْزِلَتْ.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ مَدارَها عَلى الكَلْبِيِّ،، وهي مِن أعْذَرَ: إذا بالَغَ في العُذْرِ، ومِنهُ: مَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ أيْ بالَغَ في العُذْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ أصْلُهُ المُعْتَذِرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وهُمُ الَّذِينَ لَهم عُذْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
فالمُعَذِّرُونَ عَلى هَذا: هُمُ المُحِقُّونَ في اعْتِذارِهِمْ.
وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: هو مِن عَذَّرَ، وهو الَّذِي يَعْتَذِرُ ولا عُذْرَ لَهُ، يُقالُ عَذَّرَ في الأمْرِ: إذا قَصَّرَ واعْتَذَرَ بِما لَيْسَ بِعُذْرٍ، ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، فالمُعَذِّرُونَ عَلى هَذا: هُمُ المُبْطِلُونَ، لِأنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ باطِلَةٍ لا أصْلَ لَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ، والفَرّاءِ، وأبِي حاتِمٍ، وأبِي (p-٥٩١)عُبَيْدَةَ، أنَّهُ يَجُوزُ كَسْرُ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمِّها لِلْإتْباعِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جاءَ هَؤُلاءِ مِنَ الأعْرابِ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ لِأجْلِ أنْ يَأْذَنَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، وطائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يَعْتَذِرُوا، بَلْ قَعَدُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا صَدَقُوا، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأعْرابِ، وهُمُ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ، والَّذِينَ لَمْ يَعْتَذِرُوا، بَلْ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الألَمِ، فَيَصْدُقُ عَلى عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ أهْلُ العُذْرِ مِنهم.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ ويَقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، كَأنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ أنَّ المُعَذِّرَ بِالتَّشْدِيدِ: هو المُظْهِرُ لِلْعُذْرِ اعْتِلالًا مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لِي أنَّهم نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ جاءُوا فاعْتَذَرُوا، مِنهم خُفافُ بْنُ إيماءَ؛ وقِيلَ لَهم: رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ قالُوا: إنْ غَزْوَنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابٌ طَيِّئٍ عَلى أهالِينا ومَواشِينا.
التوبة 9:91
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُعَذِّرِينَ، ذَكَرَ بَعْدَهم أهْلَ الأعْذارِ الصَّحِيحَةِ المُسْقِطَةِ لِلْغَزْوِ، وبَدَأ بِالعُذْرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ وهم أرْبابُ الزَّمانَةِ والهَرَمِ والعَمى والعَرَجِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ العارِضَ فَقالَ: ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ والمُرادُ بِالمَرَضِ: كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ لُغَةً أوْ شَرْعًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في المَرَضِ الأعْمى والأعْرَجِ ونَحْوُهُما.
ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ الرّاجِعَ إلى المالِ لا إلى البَدَنِ فَقالَ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ لَيْسَتْ لَهم أمْوالٌ يُنْفِقُونَها فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ التَّجَهُّزِ لِلْجِهادِ، فَنَفى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ الحَرَجَ، وأبانَ أنَّ الجِهادَ مَعَ هَذِهِ الأعْذارِ ساقِطٌ عَنْهم غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وأصْلُ النُّصْحِ إخْلاصُ العَمَلِ مِنَ الغِشِّ، ومِنهُ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ.
قالَ نَفْطَوَيْهِ: نَصَحَ الشَّيْءُ: إذا خَلُصَ، ونَصَحَ لَهُ القَوْلَ: أيْ أخْلَصَهُ لَهُ، والنُّصْحُ لِلَّهِ: الإيمانُ بِهِ والعَمَلُ بِشَرِيعَتِهِ، وتَرْكُ ما يُخالِفُها كائِنًا ما كانَ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْحُ عِبادِهِ، ومَحَبَّةُ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، وبَذْلُ النَّصِيحَةِ لَهم في أمْرِ الجِهادِ، وتَرْكُ المُعاوَنَةِ لِأعْدائِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَصِيحَةُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ وبِما جاءَ بِهِ، وطاعَتُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ أوْ يَنْهى عَنْهُ، ومُوالاةُ مَن والاهُ، ومُعاداةُ مَن عاداهُ، ومَحَبَّتُهُ وتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ، وإحْياؤُها بَعْدَ مَوْتِهِ بِما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.
وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثًا قالُوا: لِمَن ؟ قالَ: لِلَّهِ، ولِكِتابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وعامَّتِهِمْ» وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ: أيْ لَيْسَ عَلى المَعْذُورِينَ النّاصِحِينَ مِن سَبِيلٍ: أيْ طَرِيقِ عِقابٍ ومُؤاخَذَةٍ، و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ لَفْظُ المُحْسِنِينَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَذْكُورِينَ سابِقًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ: ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا مِن جُمْلَتِهِمْ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلِيَّةً، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وإسْقاطُ التَّكْلِيفِ عَنْ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ ثُبُوتِ ثَوابِ الغَزْوِ لَهُمُ الَّذِي عَذَرَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ رَغْبَتِهِمْ إلَيْهِ لَوْلا حَبَسَهُمُ العُذْرُ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وأحْمَدَ، وأصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْدَكم قَوْمًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ، ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، إلّا وهم مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ ؟ فَقالَ: حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ مَن تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ والعَطْفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ مِن سَبِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى الضُّعَفاءِ: أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ حَرَجٌ.
والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم عَلى ما يَرْكَبُونَ عَلَيْهِ في الغَزْوِ فَلَمْ تَجِدْ ذَلِكَ الَّذِي طَلَبُوهُ مِنكَ.
قِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ في أتَوْكَ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ إذا ما أتَوْكَ قائِلًا: لا أجِدُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن أتَوْكَ، وقِيلَ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: تُوَلُّوا جَوابُ " إذا "، وجُمْلَةُ ﴿وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ تَوَلَّوْا عَنْكَ لَمّا قُلْتَ لَهم: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ، وحَزَنًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ، وألّا يَجِدُوا مَفْعُولٌ لَهُ، وناصِبُهُ حَزَنًا.
وقالَ الفَرّاءُ: " أنْ لا " بِمَعْنى لَيْسَ: أيْ حَزَنًا أنْ لَيْسَ يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا عَلى أنْ لا يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا أنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ لا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ولا عِنْدَكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ طَرِيقُ العُقُوبَةِ (p-٥٩٢)والمُؤاخَذَةِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، والحالُ أنَّهم أغْنِياءُ أيْ يَجِدُونَ ما يَحْمِلُهم وما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، وجُمْلَةُ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَوالِفِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى رَضُوا أيْ سَبَبُ الِاسْتِئْذانِ مَعَ الغِنى أمْرانِ: أحَدُهُما: الرِّضا بِالصَّفْقَةِ الخاسِرَةِ، وهي أنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ، والثّانِي: الطَّبْعُ مِنَ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم بِسَبَبِ هَذا الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ الرِّبْحُ لَهم حَتّى يَخْتارُوهُ عَلى ما فِيهِ الخُسْرُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، في الأفْرادِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كُنْتُ أكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ بَراءَةٌ، فَكُنْتُ أكْتُبُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَإنِّي لَواضِعٌ القَلَمَ عَنْ أُذُنِي إذْ أُمِرْنا بِالقِتالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ إذْ جاءَ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عابِدِ بْنِ عُمَرَ المُزَنِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ: ما عَلى هَؤُلاءِ مِن سَبِيلٍ بِأنَّهم نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يُطِيقُوا الجِهادَ، فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَ لَهم مِنَ الأجْرِ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ، ألَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فَجَعَلَ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَذَرَ مِنَ الضُّعَفاءِ، وأُولِي الضَّرَرِ، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَنْبَعِثُوا غازِينَ مَعَهُ، فَجاءَتْ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنا، فَقالَ: واللَّهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ، فَتُوَلُّوا ولَهم بُكاءٌ، وعَزِيزٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْلِسُوا عَنِ الجِهادِ ولا يَجِدُونَ نَفَقَةً ولا مَحْمَلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: إنِّي لا أجِدُ الرَّهْطَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: هم سَبْعَةُ نَفَرٍ؛ مِن بَنِي عُمَرَ بْنِ عَوْفٍ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِن بَنِي واقِفٍ: حَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ يُكْنى أبا لَيْلى، ومِن بَنِي المُعَلّى: سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ومِن بَنِي حارِثَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أبُو عَبْلَةَ، ومِن بَنِي سَلَمَةَ: عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقَدِ اتَّفَقَ الرُّواةُ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ السَّبْعَةِ، واخْتَلَفُوا في البَعْضِ ولا يَأْتِي التَّطْوِيلُ في ذَلِكَ بِكَثِيرِ فائِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرُوا أسْماءَهم، وفِيهِ فاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ، قالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ مِنَ البَكّائِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ قالَ: الماءُ والزّادُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِن جُهَيْنَةَ قالُوا: أدْرَكْنا الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الحِمْلانَ، فَقالُوا: ما سَألْناهُ إلّا الحِمْلانَ عَلى النِّعالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ قالَ: ما سَألُوهُ الدَّوابَّ ما سَألُوهُ إلّا النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في الآيَةِ قالَ: اسْتَحْمَلُوهُ النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] في المُنافِقِينَ.
التوبة 9:92
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُعَذِّرِينَ، ذَكَرَ بَعْدَهم أهْلَ الأعْذارِ الصَّحِيحَةِ المُسْقِطَةِ لِلْغَزْوِ، وبَدَأ بِالعُذْرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ وهم أرْبابُ الزَّمانَةِ والهَرَمِ والعَمى والعَرَجِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ العارِضَ فَقالَ: ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ والمُرادُ بِالمَرَضِ: كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ لُغَةً أوْ شَرْعًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في المَرَضِ الأعْمى والأعْرَجِ ونَحْوُهُما.
ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ الرّاجِعَ إلى المالِ لا إلى البَدَنِ فَقالَ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ لَيْسَتْ لَهم أمْوالٌ يُنْفِقُونَها فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ التَّجَهُّزِ لِلْجِهادِ، فَنَفى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ الحَرَجَ، وأبانَ أنَّ الجِهادَ مَعَ هَذِهِ الأعْذارِ ساقِطٌ عَنْهم غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وأصْلُ النُّصْحِ إخْلاصُ العَمَلِ مِنَ الغِشِّ، ومِنهُ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ.
قالَ نَفْطَوَيْهِ: نَصَحَ الشَّيْءُ: إذا خَلُصَ، ونَصَحَ لَهُ القَوْلَ: أيْ أخْلَصَهُ لَهُ، والنُّصْحُ لِلَّهِ: الإيمانُ بِهِ والعَمَلُ بِشَرِيعَتِهِ، وتَرْكُ ما يُخالِفُها كائِنًا ما كانَ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْحُ عِبادِهِ، ومَحَبَّةُ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، وبَذْلُ النَّصِيحَةِ لَهم في أمْرِ الجِهادِ، وتَرْكُ المُعاوَنَةِ لِأعْدائِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَصِيحَةُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ وبِما جاءَ بِهِ، وطاعَتُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ أوْ يَنْهى عَنْهُ، ومُوالاةُ مَن والاهُ، ومُعاداةُ مَن عاداهُ، ومَحَبَّتُهُ وتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ، وإحْياؤُها بَعْدَ مَوْتِهِ بِما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.
وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثًا قالُوا: لِمَن ؟ قالَ: لِلَّهِ، ولِكِتابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وعامَّتِهِمْ» وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ: أيْ لَيْسَ عَلى المَعْذُورِينَ النّاصِحِينَ مِن سَبِيلٍ: أيْ طَرِيقِ عِقابٍ ومُؤاخَذَةٍ، و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ لَفْظُ المُحْسِنِينَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَذْكُورِينَ سابِقًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ: ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا مِن جُمْلَتِهِمْ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلِيَّةً، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وإسْقاطُ التَّكْلِيفِ عَنْ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ ثُبُوتِ ثَوابِ الغَزْوِ لَهُمُ الَّذِي عَذَرَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ رَغْبَتِهِمْ إلَيْهِ لَوْلا حَبَسَهُمُ العُذْرُ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وأحْمَدَ، وأصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْدَكم قَوْمًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ، ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، إلّا وهم مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ ؟ فَقالَ: حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ مَن تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ والعَطْفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ مِن سَبِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى الضُّعَفاءِ: أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ حَرَجٌ.
والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم عَلى ما يَرْكَبُونَ عَلَيْهِ في الغَزْوِ فَلَمْ تَجِدْ ذَلِكَ الَّذِي طَلَبُوهُ مِنكَ.
قِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ في أتَوْكَ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ إذا ما أتَوْكَ قائِلًا: لا أجِدُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن أتَوْكَ، وقِيلَ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: تُوَلُّوا جَوابُ " إذا "، وجُمْلَةُ ﴿وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ تَوَلَّوْا عَنْكَ لَمّا قُلْتَ لَهم: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ، وحَزَنًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ، وألّا يَجِدُوا مَفْعُولٌ لَهُ، وناصِبُهُ حَزَنًا.
وقالَ الفَرّاءُ: " أنْ لا " بِمَعْنى لَيْسَ: أيْ حَزَنًا أنْ لَيْسَ يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا عَلى أنْ لا يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا أنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ لا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ولا عِنْدَكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ طَرِيقُ العُقُوبَةِ (p-٥٩٢)والمُؤاخَذَةِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، والحالُ أنَّهم أغْنِياءُ أيْ يَجِدُونَ ما يَحْمِلُهم وما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، وجُمْلَةُ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَوالِفِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى رَضُوا أيْ سَبَبُ الِاسْتِئْذانِ مَعَ الغِنى أمْرانِ: أحَدُهُما: الرِّضا بِالصَّفْقَةِ الخاسِرَةِ، وهي أنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ، والثّانِي: الطَّبْعُ مِنَ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم بِسَبَبِ هَذا الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ الرِّبْحُ لَهم حَتّى يَخْتارُوهُ عَلى ما فِيهِ الخُسْرُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، في الأفْرادِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كُنْتُ أكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ بَراءَةٌ، فَكُنْتُ أكْتُبُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَإنِّي لَواضِعٌ القَلَمَ عَنْ أُذُنِي إذْ أُمِرْنا بِالقِتالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ إذْ جاءَ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عابِدِ بْنِ عُمَرَ المُزَنِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ: ما عَلى هَؤُلاءِ مِن سَبِيلٍ بِأنَّهم نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يُطِيقُوا الجِهادَ، فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَ لَهم مِنَ الأجْرِ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ، ألَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فَجَعَلَ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَذَرَ مِنَ الضُّعَفاءِ، وأُولِي الضَّرَرِ، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَنْبَعِثُوا غازِينَ مَعَهُ، فَجاءَتْ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنا، فَقالَ: واللَّهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ، فَتُوَلُّوا ولَهم بُكاءٌ، وعَزِيزٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْلِسُوا عَنِ الجِهادِ ولا يَجِدُونَ نَفَقَةً ولا مَحْمَلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: إنِّي لا أجِدُ الرَّهْطَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: هم سَبْعَةُ نَفَرٍ؛ مِن بَنِي عُمَرَ بْنِ عَوْفٍ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِن بَنِي واقِفٍ: حَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ يُكْنى أبا لَيْلى، ومِن بَنِي المُعَلّى: سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ومِن بَنِي حارِثَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أبُو عَبْلَةَ، ومِن بَنِي سَلَمَةَ: عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقَدِ اتَّفَقَ الرُّواةُ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ السَّبْعَةِ، واخْتَلَفُوا في البَعْضِ ولا يَأْتِي التَّطْوِيلُ في ذَلِكَ بِكَثِيرِ فائِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرُوا أسْماءَهم، وفِيهِ فاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ، قالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ مِنَ البَكّائِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ قالَ: الماءُ والزّادُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِن جُهَيْنَةَ قالُوا: أدْرَكْنا الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الحِمْلانَ، فَقالُوا: ما سَألْناهُ إلّا الحِمْلانَ عَلى النِّعالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ قالَ: ما سَألُوهُ الدَّوابَّ ما سَألُوهُ إلّا النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في الآيَةِ قالَ: اسْتَحْمَلُوهُ النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] في المُنافِقِينَ.
التوبة 9:93
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ المُعَذِّرِينَ، ذَكَرَ بَعْدَهم أهْلَ الأعْذارِ الصَّحِيحَةِ المُسْقِطَةِ لِلْغَزْوِ، وبَدَأ بِالعُذْرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ وهم أرْبابُ الزَّمانَةِ والهَرَمِ والعَمى والعَرَجِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ العارِضَ فَقالَ: ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ والمُرادُ بِالمَرَضِ: كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ لُغَةً أوْ شَرْعًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في المَرَضِ الأعْمى والأعْرَجِ ونَحْوُهُما.
ثُمَّ ذَكَرَ العُذْرَ الرّاجِعَ إلى المالِ لا إلى البَدَنِ فَقالَ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ لَيْسَتْ لَهم أمْوالٌ يُنْفِقُونَها فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ التَّجَهُّزِ لِلْجِهادِ، فَنَفى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ الحَرَجَ، وأبانَ أنَّ الجِهادَ مَعَ هَذِهِ الأعْذارِ ساقِطٌ عَنْهم غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وأصْلُ النُّصْحِ إخْلاصُ العَمَلِ مِنَ الغِشِّ، ومِنهُ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ.
قالَ نَفْطَوَيْهِ: نَصَحَ الشَّيْءُ: إذا خَلُصَ، ونَصَحَ لَهُ القَوْلَ: أيْ أخْلَصَهُ لَهُ، والنُّصْحُ لِلَّهِ: الإيمانُ بِهِ والعَمَلُ بِشَرِيعَتِهِ، وتَرْكُ ما يُخالِفُها كائِنًا ما كانَ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْحُ عِبادِهِ، ومَحَبَّةُ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، وبَذْلُ النَّصِيحَةِ لَهم في أمْرِ الجِهادِ، وتَرْكُ المُعاوَنَةِ لِأعْدائِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَصِيحَةُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ وبِما جاءَ بِهِ، وطاعَتُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ أوْ يَنْهى عَنْهُ، ومُوالاةُ مَن والاهُ، ومُعاداةُ مَن عاداهُ، ومَحَبَّتُهُ وتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ، وإحْياؤُها بَعْدَ مَوْتِهِ بِما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.
وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثًا قالُوا: لِمَن ؟ قالَ: لِلَّهِ، ولِكِتابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وعامَّتِهِمْ» وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ: أيْ لَيْسَ عَلى المَعْذُورِينَ النّاصِحِينَ مِن سَبِيلٍ: أيْ طَرِيقِ عِقابٍ ومُؤاخَذَةٍ، و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ لَفْظُ المُحْسِنِينَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَذْكُورِينَ سابِقًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ: ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا مِن جُمْلَتِهِمْ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلِيَّةً، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وإسْقاطُ التَّكْلِيفِ عَنْ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ ثُبُوتِ ثَوابِ الغَزْوِ لَهُمُ الَّذِي عَذَرَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ رَغْبَتِهِمْ إلَيْهِ لَوْلا حَبَسَهُمُ العُذْرُ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وأحْمَدَ، وأصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْدَكم قَوْمًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ، ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، إلّا وهم مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ ؟ فَقالَ: حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ مَن تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ والعَطْفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ مِن سَبِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى الضُّعَفاءِ: أيْ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ إلى آخِرِهِ حَرَجٌ.
والمَعْنى: أنَّ مِن جُمْلَةِ المَعْذُورِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم عَلى ما يَرْكَبُونَ عَلَيْهِ في الغَزْوِ فَلَمْ تَجِدْ ذَلِكَ الَّذِي طَلَبُوهُ مِنكَ.
قِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ في أتَوْكَ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ إذا ما أتَوْكَ قائِلًا: لا أجِدُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن أتَوْكَ، وقِيلَ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: تُوَلُّوا جَوابُ " إذا "، وجُمْلَةُ ﴿وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ تَوَلَّوْا عَنْكَ لَمّا قُلْتَ لَهم: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ، وحَزَنًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ، وألّا يَجِدُوا مَفْعُولٌ لَهُ، وناصِبُهُ حَزَنًا.
وقالَ الفَرّاءُ: " أنْ لا " بِمَعْنى لَيْسَ: أيْ حَزَنًا أنْ لَيْسَ يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا عَلى أنْ لا يَجِدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: حَزَنًا أنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ لا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ولا عِنْدَكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَن عَلَيْهِ السَّبِيلُ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ طَرِيقُ العُقُوبَةِ (p-٥٩٢)والمُؤاخَذَةِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، والحالُ أنَّهم أغْنِياءُ أيْ يَجِدُونَ ما يَحْمِلُهم وما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، وجُمْلَةُ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَوالِفِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى رَضُوا أيْ سَبَبُ الِاسْتِئْذانِ مَعَ الغِنى أمْرانِ: أحَدُهُما: الرِّضا بِالصَّفْقَةِ الخاسِرَةِ، وهي أنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ، والثّانِي: الطَّبْعُ مِنَ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم بِسَبَبِ هَذا الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ الرِّبْحُ لَهم حَتّى يَخْتارُوهُ عَلى ما فِيهِ الخُسْرُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، في الأفْرادِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كُنْتُ أكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ بَراءَةٌ، فَكُنْتُ أكْتُبُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَإنِّي لَواضِعٌ القَلَمَ عَنْ أُذُنِي إذْ أُمِرْنا بِالقِتالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ إذْ جاءَ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عابِدِ بْنِ عُمَرَ المُزَنِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ: ما عَلى هَؤُلاءِ مِن سَبِيلٍ بِأنَّهم نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يُطِيقُوا الجِهادَ، فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَ لَهم مِنَ الأجْرِ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ، ألَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فَجَعَلَ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَذَرَ مِنَ الضُّعَفاءِ، وأُولِي الضَّرَرِ، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَنْبَعِثُوا غازِينَ مَعَهُ، فَجاءَتْ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنا، فَقالَ: واللَّهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ، فَتُوَلُّوا ولَهم بُكاءٌ، وعَزِيزٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْلِسُوا عَنِ الجِهادِ ولا يَجِدُونَ نَفَقَةً ولا مَحْمَلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: إنِّي لا أجِدُ الرَّهْطَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: هم سَبْعَةُ نَفَرٍ؛ مِن بَنِي عُمَرَ بْنِ عَوْفٍ: سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِن بَنِي واقِفٍ: حَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ يُكْنى أبا لَيْلى، ومِن بَنِي المُعَلّى: سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ومِن بَنِي حارِثَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أبُو عَبْلَةَ، ومِن بَنِي سَلَمَةَ: عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، وقَدِ اتَّفَقَ الرُّواةُ عَلى بَعْضِ هَؤُلاءِ السَّبْعَةِ، واخْتَلَفُوا في البَعْضِ ولا يَأْتِي التَّطْوِيلُ في ذَلِكَ بِكَثِيرِ فائِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرُوا أسْماءَهم، وفِيهِ فاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ، قالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ مِنَ البَكّائِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ قالَ: الماءُ والزّادُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِن جُهَيْنَةَ قالُوا: أدْرَكْنا الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الحِمْلانَ، فَقالُوا: ما سَألْناهُ إلّا الحِمْلانَ عَلى النِّعالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ قالَ: ما سَألُوهُ الدَّوابَّ ما سَألُوهُ إلّا النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في الآيَةِ قالَ: اسْتَحْمَلُوهُ النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] في المُنافِقِينَ.
التوبة 9:94
قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ .
وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا.
وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ.
قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى.
وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ.
والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ.
والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ.
قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ.
وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ.
قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
التوبة 9:95
قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ .
وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا.
وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ.
قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى.
وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ.
والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ.
والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ.
قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ.
وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ.
قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
التوبة 9:96
قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ .
وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا.
وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ.
قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى.
وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ.
والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ.
والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ.
قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ.
وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ.
قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
التوبة 9:97
قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ .
وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.
والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا.
وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ.
قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى.
وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ.
والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ.
والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ.
قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ.
وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ.
قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .