Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — التوبة 9:98 – التوبة 9:126

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. التوبة 9:98
  2. التوبة 9:99
  3. التوبة 9:100
  4. التوبة 9:101
  5. التوبة 9:102
  6. التوبة 9:103
  7. التوبة 9:104
  8. التوبة 9:105
  9. التوبة 9:106
  10. التوبة 9:107
  11. التوبة 9:108
  12. التوبة 9:109
  13. التوبة 9:110
  14. التوبة 9:111
  15. التوبة 9:112
  16. التوبة 9:113
  17. التوبة 9:114
  18. التوبة 9:115
  19. التوبة 9:116
  20. التوبة 9:117
  21. التوبة 9:118
  22. التوبة 9:119
  23. التوبة 9:120
  24. التوبة 9:121
  25. التوبة 9:122
  26. التوبة 9:123
  27. التوبة 9:124
  28. التوبة 9:125
  29. التوبة 9:126

التوبة 9:98

قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا. قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ . وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ. والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ. وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ. قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى. وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ. والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ. والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ. قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ. قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ. والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ». وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

التوبة 9:99

قَوْلُهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنِ المُنافِقِينَ المُتَعَذِّرِينَ بِالباطِلِ بِأنَّهم يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ إذا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوِ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وإنَّما قالَ: إلَيْهِمْ أيْ إلى المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ ولَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ، لِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، ورُبَّما يَقَعُ الِاعْتِذارُ عِنْدَ المُلاقاةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما يُجِيبُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: (p-٥٩٣)﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنِ الِاعْتِذارِ بِالباطِلِ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ لَنْ نُصَدِّقَكم، كَأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم صادِقُونَ في اعْتِذارِهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ لا يُصَدَّقُ تَرَكَ الِاعْتِذارَ، وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَها: أيْ لا يَقَعُ مِنّا تَصْدِيقٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِالوَحْيِ ما هو مُنافٍ لِصِدْقِ اعْتِذارِكم، وإنَّما خَصَّ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجَوابِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ مَعَ أنَّ الِاعْتِذارَ مِنهم كائِنٌ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأْسُهم، والمُتَوَلِّي لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الغَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: إلَيْكم هو الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ في مِثْلِ هَذا. قَوْلُهُ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ ما سَتَفْعَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما بَعْدُ هَلْ تُقْلِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الشَّرِّ أمْ تَبْقُونَ عَلَيْهِ ؟ . وقَوْلُهُ: ورَسُولِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، ووَسَّطَ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ إيذانًا، بِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما سَيَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها الإثابَةُ أوِ العُقُوبَةُ، وفي جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ﴾ إلى آخِرِها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، لِما هي مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، ولا سِيَّما ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِإشْعارِ ذَلِكَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنهم مِمّا يَكْتُمُونَهُ ويَتَظاهَرُونَ بِهِ، وإخْبارِهِ لَهم بِهِ ومُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ سَيُؤَكِّدُونَ ما جاءُوا بِهِ مِنَ الأعْذارِ الباطِلَةِ بِالحَلِفِ عِنْدَ رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، وغَرَضُهم مِن هَذا التَّأْكِيدِ هو أنْ يُعْرِضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم فَلا يُوَبِّخُونَهم ولا يُؤاخِذُونَهم بِالتَّخَلُّفِ ويُظْهِرُونَ الرِّضا عَنْهم كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ الرِّضا مِن بَعْدُ، وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو اعْتِذارُهُمُ الباطِلُ، وأمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمُ المُرادُ بِهِ تَرْكُهم والمُهاجَرَةُ لَهم، لا الرِّضا عَنْهم والصَّفْحُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، كَما تُفِيدُهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ الواقِعَةُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ. والمَعْنى: أنَّهم في أنْفُسِهِمْ رِجْسٌ لِكَوْنِ جَمِيعِ أعْمالِهِمْ نَجِسَةٌ، فَكَأنَّها قَدْ صَيَّرَتْ ذَواتِهِمْ رِجْسًا، أوْ أنَّهم ذَوُو رِجْسٍ: أيْ ذَوُو أعْمالٍ قَبِيحَةٍ، ومِثْلُهُ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهَؤُلاءِ لَمّا كانُوا هَكَذا كانُوا غَيْرَ مُتَأهِّلِينَ لِقَبُولِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، فَلَيْسَ لَهم إلّا التَّرْكُ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النّارِ لا يُجْدِي فِيهِ الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، والمَأْوى كُلُّ مَكانٍ يَأْوِي إلَيْهِ الشَّيْءُ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقَدْ أوى فُلانٌ إلى مَنزِلِهِ يَأْوِي أُوِيًّا وإيواءً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا تَقَدَّمَ. وحُذِفَ هُنا المَحْلُوفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَقْصِدَهم بِهَذا الحَلِفِ هو رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُفِيدُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرِّضا عَنْ هَؤُلاءِ المُعْتَذِرِينَ بِالباطِلِ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كَما هو مَطْلُوبُهم مُساعَدَةً لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وإذا كانَ هَذا هو ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عَدَمِ الرِّضا عَلى هَؤُلاءِ الفَسَقَةِ العُصاةِ، فَيَنْبَغِي لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ لا تَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ لا تَرْضَوْا عَنْهم عَلى أنَّ رِضاكم عَنْهم لَوْ وقَعَ لَكانَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مُفِيدٍ لَهم، والمَقْصُودُ مِن إخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ رِضاهُ عَنْهم نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ الرِّضا عَلى مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَلَيْهِ مِمّا لا يَفْعَلُهُ مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ، ذَكَرَ حالَ مَن كانَ خارِجًا عَنْها مِنَ الأعْرابِ، وبَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ مِن كُفْرِ غَيْرِهِمْ ومِن نِفاقِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم أقْسى قَلْبًا وأغْلَظُ طَبْعًا وأجْفى قَوْلًا، وأبْعَدُ عَنْ سَماعِ كُتُبِ اللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، والأعْرابُ: هم مَن سَكَنَ البَوادِيَ بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّهُ عامٌّ لِهَذا النَّوْعِ مِن بَنِي آدَمَ سَواءٌ سَكَنُوا البَوادِيَ أوِ القُرى، هَكَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الأعْرابَ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِصِيغَةِ جَمْعٍ العَرَبُ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ إذا كانَ نَسَبُهُ إلى العَرَبِ ثابِتًا، وجَمْعُهُ عَرَبٌ، كالمَجُوسِيِّ والمَجُوسِ، واليَهُودِيِّ واليَهُودِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا عَرَبِيُّ فَرِحَ، وإذا قِيلَ لِلْعَرَبِيِّ: يا أعْرابِيُّ غَضِبَ، وذَلِكَ أنَّ مَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهو عَرَبِيٌّ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهو أعْرابِيٌّ، ولِهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، وإنَّما هم عَرَبٌ. قالَ: قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبًا لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَئُوا بِالعَرَبِ، وهي مِن تِهامَةَ فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم، وقِيلَ: لِأنَّ ألْسُنَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولِما في لِسانِهِمْ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ انْتَهى. وأجْدَرُ مَعْطُوفٌ عَلى ( أشَدُّ )، ومَعْناهُ أخْلَقُ، يُقالُ: فُلانٌ جَدِيرٌ بِكَذا: أيْ خَلِيقٌ بِهِ، وأنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا، والجَمْعُ جُدُرٌ أوْ جَدِيرُونَ، وأصْلُهُ مِن جَدْرِ الحائِطِ، وهو رَفْعُهُ بِالبِناءِ. والمَعْنى: أنَّهم أحَقُّ وأخْلَقُ بِـ ﴿ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَواطِنِ الأنْبِياءِ ودِيارِ التَّنْزِيلِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ مِنهم حَكِيمُ فِيما يُجازِيهِمْ بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هَذا تَنْوِيعٌ لِجِنْسٍ أوْ نَوْعَيْنِ، الأوَّلُ هَؤُلاءِ، والثّانِي ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ والمَغْرَمُ الغَرامَةُ والخُسْرانُ، وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامَةِ: ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ بِلازِمٍ لَهُ في اعْتِقادِهِ ولَكِنَّهُ يُنْفِقُهُ لِلرِّياءِ والتَّقِيَّةِ، وقِيلَ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ كَأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأمْرٍ خارِجٍ لا تَنْبَعِثُ لَهُ النَّفْسُ. والدَّوائِرَ جُمَعُ دائِرَةٍ، وهي الحالَةُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ النِّعْمَةِ إلى البَلِيَّةِ، وأصْلُها ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، ودَوائِرُ الزَّمانِ: نُوَبُهُ وتَصارِيفُهُ ودُوَلُهُ، وكَأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ، ثُمَّ دَعا سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وجَعَلَ ما دَعا بِهِ عَلَيْهِمْ مُماثِلًا لِما (p-٥٩٤)أرادُوهُ بِالمُسْلِمِينَ، والسَّوْءُ بِالفَتْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ القُرّاءِ مَصْدَرٌ أُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ السِّينِ، وهو المَكْرُوهُ. قالَ الأخْفَشُ: أيْ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والشَّرِّ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذابُ والبَلاءُ. قالَ: والسَّوْءُ بِالفَتْحِ مَصْدَرُ سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً، وبِالضَّمِّ اسْمٌ لا مَصْدَرَ، وهو كَقَوْلِكَ دائِرَةُ البَلاءِ والمَكْرُوهِ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الأعْرابِ كَما تَقَدَّمَ: أيْ يُصَدِّقُ بِهِما ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ قُرُباتٍ وهي جَمْعُ قُرْبَةٍ، وهي: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَقُولُ مِنهُ قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبانًا، والجَمْعُ قُرَبٌ وقُرُباتٌ. والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ ما يُنْفِقُهُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ وسَبَبًا لِ صَلَواتِ الرَّسُولِ أيْ لِدَعَواتِ الرَّسُولِ لَهم، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومِنهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِأنَّ ما يُنْفِقُهُ هَذا النَّوْعُ مِنَ الأعْرابِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَقْبُولٌ واقِعٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أرادُوهُ فَقالَ: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ بِقَبُولِها خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأِسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، وفي هَذا مِنَ التَّطْيِيبِ لِخَواطِرِهِمْ والتَّطْمِينِ لِقُلُوبِهِمْ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ النَّعْيِ عَلى مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا، والتَّوْبِيخِ لَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ، والضَّمِيرُ في إنَّها راجِعٌ إلى ما في ما يُنْفِقُ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ. وقَرَأ نافِعٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ " قُرُبَةٌ " بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ القُرْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ والسِّينُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم، فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ». وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ: لِتُجاوِزُوا عَنْهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ، وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ» وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. قالَ في التَّقْرِيبِ: وأبُو مُوسى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَجْهُولٌ مِنَ السّادِسَةِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْرائِيلُ بْنُ مُوسى، وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَدا جَفا ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وما ازْدادَ أحَدٌ مِن سُلْطانِهِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي مَن يُعْطِي مِنَ الصَّدَقاتِ كَرْهًا ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهِلْكاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .

التوبة 9:100

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:101

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:102

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:103

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:104

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:105

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:106

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْنافَ الأعْرابِ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ السّابِقِينَ إلى الهِجْرَةِ، وأنَّ مِنهُمُ التّابِعِينَ لَهم. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ " والأنْصارُ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " والسّابِقُونَ " وقَرَأ سائِرُ القُرّاءِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم بِالجَرِّ. قالَ الأخْفَشُ: الخَفْضُ في الأنْصارِ الوَجْهُ، لِأنَّ السّابِقِينَ مِنهم يَدْخُلُونَ في قَوْلِهِ: والسّابِقُونَ وفي الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وطائِفَةٍ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الحُدَيْبِيَةِ في قَوْلِ الشَّعْبِيِّ،، أوْ أهْلُ بَدْرٍ في قَوْلِ (p-٥٩٥)مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، قالَ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ: أصْحابُنا مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أفْضَلَهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ، ثُمَّ البَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهم " مَحْذُوفَ الواوِ وصْفًا لِلْأنْصارِ عَلى قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأنْصارِ، فَراجَعَهُ في ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ عُمَرُ عَنِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ كَما رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَعْنى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهُمُ المُتَأخِّرُونَ عَنْهم مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ التّابِعِينَ اصْطِلاحًا، وهم كُلُّ مَن أدْرَكَ الصَّحابَةَ ولَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، بَلْ هم مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ، فَتَكُونُ " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْبَيانِ، فَيَتَناوَلُ المَدْحُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتّابِعِينَ مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: بِإحْسانٍ قَيْدٌ لِلتّابِعِينَ: أيْ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مُتَلَبِّسِينَ بِإحْسانٍ في الأفْعالِ والأقْوالِ اقْتِداءً مِنهم بِالسّابِقِينَ الأوَّلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَعْنى رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم: أنَّهُ قَبِلَ طاعاتِهِمْ وتَجاوَزَ عَنْهم ولَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أعْطاهم مِن فَضْلِهِ، ومَعَ رِضاهُ عَنْهم فَقَدْ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ " بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها والنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ الجَنّاتِ وتَفْسِيرُ الخُلُودِ والفَوْزِ. قَوْلُهُ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مَن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن يَقْرُبُ مِنها مِنَ الأعْرابِ، ( ومِمَّنْ حَوْلَكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مِنَ الأعْرابِ ) بَيانٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومُنافِقُونَ هو المُبْتَدَأُ، قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ هم: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وغِفارُ، وجُمْلَةُ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وقِيلَ: إنَّ ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا: أيْ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ولِكَوْنِ جُمْلَةِ ( مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ) مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، وأصْلُ " مَرَدَ وتَمَرَّدَ " اللِّينُ والمَلاسَةُ والتَّجَرُّدُ، فَكَأنَّهم تَجَرَّدُوا لِلنِّفاقِ، ومِنهُ غُصْنٌ أمَرَدُ: لا ورَقَ عَلَيْهِ، وفَرَسٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ فِيهِ، وغُلامٌ أمَرَدُ: لا شَعْرَ بِوَجْهِهِ، وأرْضٌ مَرْداءُ: لا نَباتَ فِيها، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ: مُجَرَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّهم أقامُوا عَلى النِّفاقِ وثَبَتُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَنْثَنُوا عَنْهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لَجُّوا فِيهِ وأتَوْا غَيْرَهُ، وجُمْلَةُ لا تَعْلَمُهم مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وهي مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ: أيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ ثُبُوتًا شَدِيدًا، ومَهَرُوا فِيهِ حَتّى خَفِيَ أمْرُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ سائِرُ المُؤْمِنِينَ ؟ والمُرادُ عَدَمُ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْيانِهِمْ لا مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ، فَإنَّ لِلْمُنافِقِ دَلائِلَ لا تَخْفى عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وجُمْلَةُ نَحْنُ نَعْلَمُهم مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَخْفى عَلى البَشَرِ، ولا يَظْهَرُ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِلْمِهِ بِما يَخْفى، وما تُجِنُّهُ الضَّمائِرُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرائِرُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ: عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الفَضِيحَةُ بِانْكِشافِ نِفاقِهِمْ، والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَصائِبُ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، وعَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِعَيْنِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ المُكَرَّرَ هو في الدُّنْيا بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَذابِ، وأنَّهم يُعَذِّبُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ ومَن قالَ: إنَّ العَذابَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ هو عَذابُ الآخِرَةِ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أنَّهم يَرُدُّونَ بَعْدَ عَذابِهِمْ في النّارِ كَسائِرِ الكُفّارِ إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها، أوْ أنَّهم يُعَذِّبُونَ في النّارِ عَذابًا خاصًّا بِهِمْ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى العَذابِ الشّامِلِ لَهم ولِسائِرِ الكُفّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُمُ المُخَلِّطُونَ في دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ( مُنافِقُونَ ) أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( آخَرُونَ ) مُبْتَدَأً، و( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) صِفَتَهُ، و( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ) خَبَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلتَّخَلُّفِ ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الكاذِبَةِ كَما اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ، بَلْ تابُوا واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ ورَجَوْا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ: ما تَقَدَّمَ مِن إسْلامِهِمْ، وقِيامِهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، وخُرُوجِهِمْ إلى الجِهادِ في سائِرِ المَواطِنِ. والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ: هو تَخَلُّفُهم عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وقَدْ أتْبَعُوا هَذا العَمَلَ السَّيِّئَ عَمَلًا صالِحًا، وهو الِاعْتِرافُ بِهِ والتَّوْبَةُ عَنْهُ. وأصْلُ الِاعْتِرافِ الإقْرارُ بِالشَّيْءِ، ومُجَرَّدُ الإقْرارِ لا يَكُونُ تَوْبَةً إلّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما يُفِيدُ هَذا كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَعْنى الخَلْطِ: أنَّهم خَلَطُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ الشّاةَ شاةً ودِرْهَمًا: أيْ بِدِرْهَمٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم مَعَ الِاعْتِرافِ ما يُفِيدُ التَّوْبَةَ، أوْ أنَّ مُقَدِّمَةَ التَّوْبَةِ وهي الِاعْتِرافُ قامَتْ مَقامَ التَّوْبَةِ، وحَرْفُ التَّرَجِّي وهو عَسى هو في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ، لِأنَّ الإطْماعَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيجابٌ لِكَوْنِهِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٩٦)أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الصَّدَقَةِ المَأْمُورِ بِها، فَقِيلَ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ، وقِيلَ: هي مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الطّائِفَةِ المُعْتَرِفَةِ بِذُنُوبِها، لِأنَّهم بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ عَرَضُوا أمْوالَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، والآيَةُ مُطْلَقَةٌ مُبِيَّنَةٌ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، والصَّدَقَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصِّدْقِ، إذْ هي دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ مُخْرِجِها في إيمانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ الضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِما تَأْخُذُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( تُطَهِّرُهم ) لِلصَّدَقَةِ: أيْ تُطَهِّرُهم هَذِهِ الصَّدَقَةُ المَأْخُوذَةُ مِنهم، والضَّمِيرُ في ( تُزَكِّيهِمْ ) لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: تُزَكِّيهِمْ يا مُحَمَّدُ بِالصَّدَقَةِ المَأْخُوذَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما في الثّانِي مِنَ الِاخْتِلافِ في الضَّمِيرَيْنِ في الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ فالفِعْلانِ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، وعَلى الثّانِي فالفِعْلُ الأوَّلُ صِفَةٌ لِ ( صَدَقَةً ) والثّانِي حالٌ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . ومَعْنى التَّطْهِيرِ: إذْهابُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِن أثَرِ الذُّنُوبِ، ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: المُبالَغَةُ في التَّطْهِيرِ. قالَ الزَّجّاجُ: والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: فَإنَّكَ يامُحَمَّدُ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ الجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى: أنْ تَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم. وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ بِجَزْمِ " تُطَهِّرُهم "، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَيَكُونُ " وتُزَكِّيهِمْ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها. قَوْلُهُ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ ادْعُ لَهم بَعْدَ أخْذِكَ لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْناهُ أنَّ الصَّلاةَ في كَلامِ العَرَبِ الدُّعاءُ، ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ أمْرَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّلاةِ عَلى مَن يَأْخُذُ مِنهُ الصَّدَقَةَ فَقالَ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . قَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةٌ والكِسائِيُّ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ. والسَّكَنُ ما تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وتَطْمَئِنُّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ لَمّا تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ غَيْرُ التّائِبِينَ، أوِ التّائِبُونَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَقْبَلَ صَدَقاتِهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ طاعَةِ المُطِيعِينَ، وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِمَعْصِيَةِ العاصِينَ. وقُرِئَ " ألَمْ تَعْلَمُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وهو إمّا خِطابٌ لِلتّائِبِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ومَعْنى ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: أيْ يَتَقَبَّلُها مِنهم، وفي إسْنادِ الأخْذِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أمْرِهِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأخْذِها تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ ولِمَن فَعَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَأْكِيدِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: أيْ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ. وفِي صِيغَةِ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ وفي الرَّحِيمِ مَعَ تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ والتَّأْكِيدِ مِنَ التَّبْشِيرِ لِعِبادِهِ والتَّرْغِيبِ لَهم ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ ولا عَلى رَسُولِهِ ولا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَسارِعُوا إلى أعْمالِ الخَيْرِ وأخْلِصُوا أعْمالَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أيْضًا تَرْغِيبٌ وتَنْشِيطٌ، فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ عَمَلَهُ لا يَخْفى سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا رَغِبَ إلى أعْمالِ الخَيْرِ، وتَجَنَّبَ أعْمالَ الشَّرِّ، وما أحْسَنَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنَّ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمُ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ وسَتَرُدُّونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَهُ وما تُعْلِنُونَهُ وما تُخْفُونَهُ وما تُبْدُونَهُ، وفي تَقْدِيمِ الغَيْبِ عَلى الشَّهادَةِ إشْعارٌ بِسِعَةِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَسْتَوِي عِنْدَهُ كُلُّ مَعْلُومٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما سَيَكُونُ عَقِبَ رَدِّهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: فَيُنَبِّئُكم أيْ يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ في المُتَخَلِّفِينَ: الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، والثّانِي: التّائِبُونَ المُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ، الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقِيَ أمْرُهم مَوْقُوفًا في تِلْكَ الحالِ، وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ، مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ: إذا أخَّرْتُهُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وحَفَصٌ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بِالواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الجِيمِ. والمَعْنى: أنَّهم مُؤَخَّرُونَ في تِلْكَ الحالِ لا يُقْطَعُ لَهم بِالتَّوْبَةِ ولا بِعَدَمِها، بَلْ هم عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً وأخْلَصُوا إخْلاصًا تامًّا والجُمْلَةُ فِيُ مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ، إمّا مُعَذَّبِينَ، وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وسَلْمانُ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: هم مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: التّابِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ (p-٥٩٧)كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ ؟ قالَ: ألا تَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، وأوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْرُطْهُ فِيهِمْ، قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ، يَقُولُ: يَقْتَدُونَ بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُونَ بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لِكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ ابْنُ كَعْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُونَ «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سُخْطٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَشْهَدُ تِلْكَ الجُمْعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمْعَةَ، وظَنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ. فَهو العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ هَذا في تَعْيِينِ العَذابَيْنِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: كانُوا عَشْرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم ؟ قالُوا: هَذا أبُو لَبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى تُطْلِقَهم وتَعْذِرَهم، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم﴾ يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم، فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهم، وكانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَنَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ قالَ: غَزْوُهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفُهم عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كانُوا أصابُوها ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرْجَأ أمْرَهم ثُمَّ (p-٥٩٨)نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .

التوبة 9:107

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أصْنافَ المُنافِقِينَ، وبَيَّنَ طَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ، عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مِنهُمُ المَحْذُوفُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ " الَّذِينَ اتَّخَذُوا " بِغَيْرِ واوٍ، فَتَكُونُ قِصَّةً مُسْتَقِلَّةً، المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لا تَقُمْ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ الخَبَرَ هو ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يُعَذَّبُونَ، وسَيَأْتِي بَيانُ هَؤُلاءِ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرارِ، وضِرارًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ ﴿وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ضِرارًا. فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: الضِّرارُ لِغَيْرِهِمْ، وهو المُضارَرَةُ. الثّانِي: الكُفْرُ بِاللَّهِ والمُباهاةُ لِأهْلِ الإسْلامِ، لِأنَّهم أرادُوا بِبِنائِهِ تَقْوِيَةَ أهْلِ النِّفاقِ. الثّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم أرادُوا أنْ لا يَحْضُرُوا مَسْجِدَ قُباءٍ فَتَقِلُّ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وفي ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وبُطْلانِ الأُلْفَةِ ما لا يَخْفى. الرّابِعُ: الإرْصادُ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أيِ: الإعْدادُ لِأجْلِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: هو الإعْدادُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، يُقالُ: أرْصَدْتُ لِكَذا: إذا أعْدَدْتُهُ مُرْتَقِبًا لَهُ بِهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَصَدَتْهُ وأرْصَدْتُهُ في الخَيْرِ، وأرْصَدْتُ لَهُ في الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا يُقالُ إلّا أرْصَدْتُ، ومَعْناهُ ارْتَقَبْتُ، والمُرادُ بِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ: المُنافِقُونَ، ومِنهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: أيْ أعَدُّوهُ لِهَؤُلاءِ وارْتَقَبُوا بِهِ وُصُولَهم وانْتَظَرُوهم لِيُصَلُّوا فِيهِ حَتّى يُباهُوا بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: مِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( اتَّخَذُوا ) أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ ويَبْنُوا مَسْجِدَ الضِّرارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( حارَبَ ) أيْ: لِمَن وقَعَ مِنهُ الحَرْبُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ ما أرَدْنا إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَقالَ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والنَّهْيُ عَنِ القِيامِ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِيامِ، يُقالُ فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ: أيْ يُصَلِّي، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا بِهِ واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» . ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ القِيامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ واللّامُ في لَمَسْجِدٌ لامُ القَسَمِ، وقِيلَ: لامُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وتَأْسِيسُ البِناءِ: تَثْبِيتُهُ ورَفْعُهُ، ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى: تَأْسِيسُهُ عَلى الخِصالِ الَّتِي تَتَّقِي بِها العُقُوبَةَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ: أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. و﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُسِّسَ ): أيْ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ. قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ مِن هُنا بِمَعْنى مُنْذُ: أيْ مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ ابْتُدِئَ بِبِنائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ القِيامُ في غَيْرِهِ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى بِقِيامِكَ فِيهِ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، ولِكَوْنِ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أحَقِّيَّةِ قِيامِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: أيْ كَما أنَّ هَذا المَسْجِدَ أوْلى مِن جِهَةِ المَحَلِّ فَهو أوْلى مِن جِهَةِ الحالِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِ ( مَسْجِدٌ ) . ومَعْنى مَحَبَّتِهِمْ لِلتَّطَهُّرِ: أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُرُوضِ مُوجِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُحِبُّونَ التَّطَهُّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُطَهِّرَةِ مِنَ الذُّنُوبِ فَحُمُّوا جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمُ الرِّضا عَنْهم، والإحْسانُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ بِمَحْبُوبِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالعُمْرانِ، وأُرِيدَ بِهِ المَبْنِيُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. والمَعْنى: أنَّ مَن أسَّسَ بِناءَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ، وهي تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ، خَيْرٌ مِمَّنْ أسَّسَ دِينَهُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهو الباطِلُ والنِّفاقُ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( خَيْرٌ )، وقُرِئَ ﴿أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( بُنْيانَهُ )، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ " أساسُ بُنْيانِهِ " بِإضافَةِ ( أساسُ ) إلى ( بُنْيانِهِ )، وقُرِئَ " أُسُّ بُنْيانِهِ " والمُرادُ: أُصُولُ البِناءِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ، قِراءَةً أُخْرى، وهي " آساسُ بُنْيانِهِ " عَلى الجَمْعِ، ومِنهُ: ؎أصْبَحَ المُلْكُ ثابِتَ الآساسِ بِالبَهالِيلِ مِن بَنِي العَبّاسِ والشَّفا: الشَّفِيرُ، والجُرُفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ، وهي الجَوانِبُ الَّتِي تَنْجَرِفُ بِالماءِ، والِاجْتِرافُ: اقْتِلاعُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ مِن جَرَفَ وبِإسْكانِها. والهارُ: (p-٥٩٩)السّاقِطُ، يُقالُ هارِ البِناءِ: إذا سَقَطَ، وأصْلُهُ هائِرٌ كَما قالُوا: شاكِ السِّلاحِ وشائِكُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ،: إنَّ أصْلَهُ هاوِرٌ. قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: الجُرُفُ ما جَرَفَ السَّيْلُ أصْلَهُ، وأشْرَفَ أعْلاهُ فَإنِ انْصَدَعَ أعْلاهُ فَهو الهارُ اهـ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا مَثَلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ دِينَهُمُ الباطِلَ المُضْمَحِلَّ بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ وفاعِلُ فانْهارَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الجُرُفِ: أيْ فانْهارَ الجُرُفُ بِالبُنْيانِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى مَن، وهو البانِي. والمَعْنى: أنَّهُ طاحَ الباطِلُ بِالبَنّاءِ، أوِ البانِي في نارِ جَهَنَّمَ، وجاءَ بِالِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرُفِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وسُبْحانَ اللَّهِ ما أبْلَغَ هَذا الكَلامَ، وأقْوى تَراكِيبَهُ، وأوْقَعَ مَعْناهُ، وأفْصَحَ مَبْناهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بُنْيانَهم هَذا مُوجِبٌ لِمَزِيدِ رَيْبِهِمْ، واسْتِمْرارِ تَرَدُّدِهِمْ وشَكِّهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا في قُلُوبِهِمْ ونِفاقًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وقِيلَ: مَعْنى الرَّيْبِ: الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بُنْيانِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ حَرارَةً وغَيْظًا. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ مُنافِقِينَ شاكِّينَ في دِينِهِمْ، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا بِهَدْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِفاقًا وتَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ، ومَقْتًا لِلْإسْلامِ، لِما أصابَهم مِنَ الغَيْظِ الشَّدِيدِ والغَضَبِ العَظِيمِ بِهَدْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الرِّيبَةِ ودَوامِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ لا يَزالُ هَذا إلّا أنْ تَتَقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتَتَفَرَّقَ أجْزاءً: إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالسَّيْفِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ دائِمَةٌ لَهم ما دامُوا أحْياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّقَطُّعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِّيبَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفَصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها. ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " تَقْطَعَ " بِالتَّخْفِيفِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ إلّا أنْ تَقْطَعَ يا مُحَمَّدُ قُلُوبَهم. وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم " . وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ، " إلى أنْ تُقْطَعَ " عَلى الغايَةَ، أيْ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقالَ لَهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: ابْنُوا مَسْجِدَكم واسْتَمِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا فَيَجِبُ أنْ تَصِلِي فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: «لَمّا بَنى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَسْجِدَ قُباءٍ خَرَجَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِنهم بَجْدَحٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفاقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَجْدَحٍ: ويْلَكَ يا بَجَدْحُ ما أرَدْتَ إلى ما أرى ؟ ! فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأرادَ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو عامِرٍ كانَ مُحارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكانَ قَدِ انْطَلَقَ إلى هِرَقْلَ، وكانُوا يَرْصُدُونَ إذا قَدِمَ أبُو عامِرٍ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ بِنارٍ مِن أهْلِي، فَدَخَلَ عَلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفاتٍ مِن نارٍ ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتّى دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَقُوهُ وهَدَمُوهُ، وخَرَجَ أهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ولَعَلَّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ حَذْفًا بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا رَسُولُ اللَّهِ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي رُهْمٍ كُلْثُومِ بْنِ الحُصَيْنِ الغِفارِيِّ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، وكانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِّرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بَنِينا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، قالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أوانٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وأخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَنِي العَجْلانِ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وهم رَهْطُ مالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِمَعْنٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ، فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ خَرَجا يَشْتَدّانِ، وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَّقاهُ وهَدَّماهُ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ، ونَزَلَ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾» إلى آخِرِ القِصَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، إنَّ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وذَكَرا أسْماءَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ، وفي لَفْظٍ: تَمارَيْتُ أنا ورَجُلٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ العُمَرِيُّ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ (p-٦٠٠)كَثِيرٌ، يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكارٍ في أخْبارِ المَدِينَةِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى قالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ عُرْوَةُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنهُ، إنَّما أُنْزِلَتْ في مَسْجِدِ قُباءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ المَذْكُورانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ عَيَّنَ هَذا المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وجَزَمَ بِأنَّهُ مَسْجِدُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلا يُقاوِمُ ذَلِكَ قَوْلُ فَرْدٍ مِنَ الصَّحابَةِ ولا جَماعَةٍ مِنهم ولا غَيْرِهِمْ ولا يَصِحُّ لِإيرادِهِ في مُقابَلَةِ ما قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولا فائِدَةَ في إيرادِ ما ورَدَ في فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، عَلى أنَّ ما ورَدَ في فَضائِلِ مَسْجِدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أكْثَرُ مِمّا ورَدَ في فَضْلِ مَسْجِدِ قُباءٍ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ تَعُمُّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءٍ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ: وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ» الآيَةُ، وفي إسْنادِهِ يُونُسُ بْنُ الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَقالَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكم ؟، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما خَرَجَ مِنّا رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ فَرْجَهُ، أوْ قالَ: مَقْعَدَتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هو هَذا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم، فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَتَطَهَّرُونَ بِهِ ؟، قالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا»، رَواهُ أحْمَدُ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنا أبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنا شُرَحْبِيلُ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَذَكَرَهُ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الجارُودِ في المُنْتَقى، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أيُّوبَ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا ؟، قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ؟، قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، قالَ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوَيُّ في مُعْجَمِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أتى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدَ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ خَيْرًا أفَلا تُخْبِرُونِي ؟ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لِنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنا في التَّوْراةِ الِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، ونَحْنُ نَفْعَلُهُ اليَوْمَ» . وإسْنادُ أحْمَدَ، في هَذا الحَدِيثِ هَكَذا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنِي مالِكٌ يَعْنِي ابْنِ مِغْوَلٍ سَمِعْتُ سَيّارًا أبا الحاكِمِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوُ هَذا. ولا يَخْفاكَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحادِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ مَسْجِدِ قُباءٍ وأهْلِهِ، وبَعْضَها ضَعِيفٌ، وبَعْضَها لا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ قُباءٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا تُقاوِمُ تِلْكَ الأحادِيثَ المُصَرِّحَةَ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في صِحَّتِها وصَراحَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: يَعْنِي قَواعِدَهُ في نارِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حَيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الشَّكَّ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي المَوْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلى أنْ يَمُوتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم﴾ قالَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا.

التوبة 9:108

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أصْنافَ المُنافِقِينَ، وبَيَّنَ طَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ، عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مِنهُمُ المَحْذُوفُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ " الَّذِينَ اتَّخَذُوا " بِغَيْرِ واوٍ، فَتَكُونُ قِصَّةً مُسْتَقِلَّةً، المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لا تَقُمْ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ الخَبَرَ هو ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يُعَذَّبُونَ، وسَيَأْتِي بَيانُ هَؤُلاءِ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرارِ، وضِرارًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ ﴿وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ضِرارًا. فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: الضِّرارُ لِغَيْرِهِمْ، وهو المُضارَرَةُ. الثّانِي: الكُفْرُ بِاللَّهِ والمُباهاةُ لِأهْلِ الإسْلامِ، لِأنَّهم أرادُوا بِبِنائِهِ تَقْوِيَةَ أهْلِ النِّفاقِ. الثّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم أرادُوا أنْ لا يَحْضُرُوا مَسْجِدَ قُباءٍ فَتَقِلُّ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وفي ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وبُطْلانِ الأُلْفَةِ ما لا يَخْفى. الرّابِعُ: الإرْصادُ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أيِ: الإعْدادُ لِأجْلِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: هو الإعْدادُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، يُقالُ: أرْصَدْتُ لِكَذا: إذا أعْدَدْتُهُ مُرْتَقِبًا لَهُ بِهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَصَدَتْهُ وأرْصَدْتُهُ في الخَيْرِ، وأرْصَدْتُ لَهُ في الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا يُقالُ إلّا أرْصَدْتُ، ومَعْناهُ ارْتَقَبْتُ، والمُرادُ بِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ: المُنافِقُونَ، ومِنهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: أيْ أعَدُّوهُ لِهَؤُلاءِ وارْتَقَبُوا بِهِ وُصُولَهم وانْتَظَرُوهم لِيُصَلُّوا فِيهِ حَتّى يُباهُوا بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: مِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( اتَّخَذُوا ) أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ ويَبْنُوا مَسْجِدَ الضِّرارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( حارَبَ ) أيْ: لِمَن وقَعَ مِنهُ الحَرْبُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ ما أرَدْنا إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَقالَ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والنَّهْيُ عَنِ القِيامِ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِيامِ، يُقالُ فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ: أيْ يُصَلِّي، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا بِهِ واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» . ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ القِيامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ واللّامُ في لَمَسْجِدٌ لامُ القَسَمِ، وقِيلَ: لامُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وتَأْسِيسُ البِناءِ: تَثْبِيتُهُ ورَفْعُهُ، ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى: تَأْسِيسُهُ عَلى الخِصالِ الَّتِي تَتَّقِي بِها العُقُوبَةَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ: أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. و﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُسِّسَ ): أيْ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ. قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ مِن هُنا بِمَعْنى مُنْذُ: أيْ مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ ابْتُدِئَ بِبِنائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ القِيامُ في غَيْرِهِ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى بِقِيامِكَ فِيهِ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، ولِكَوْنِ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أحَقِّيَّةِ قِيامِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: أيْ كَما أنَّ هَذا المَسْجِدَ أوْلى مِن جِهَةِ المَحَلِّ فَهو أوْلى مِن جِهَةِ الحالِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِ ( مَسْجِدٌ ) . ومَعْنى مَحَبَّتِهِمْ لِلتَّطَهُّرِ: أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُرُوضِ مُوجِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُحِبُّونَ التَّطَهُّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُطَهِّرَةِ مِنَ الذُّنُوبِ فَحُمُّوا جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمُ الرِّضا عَنْهم، والإحْسانُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ بِمَحْبُوبِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالعُمْرانِ، وأُرِيدَ بِهِ المَبْنِيُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. والمَعْنى: أنَّ مَن أسَّسَ بِناءَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ، وهي تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ، خَيْرٌ مِمَّنْ أسَّسَ دِينَهُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهو الباطِلُ والنِّفاقُ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( خَيْرٌ )، وقُرِئَ ﴿أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( بُنْيانَهُ )، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ " أساسُ بُنْيانِهِ " بِإضافَةِ ( أساسُ ) إلى ( بُنْيانِهِ )، وقُرِئَ " أُسُّ بُنْيانِهِ " والمُرادُ: أُصُولُ البِناءِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ، قِراءَةً أُخْرى، وهي " آساسُ بُنْيانِهِ " عَلى الجَمْعِ، ومِنهُ: ؎أصْبَحَ المُلْكُ ثابِتَ الآساسِ بِالبَهالِيلِ مِن بَنِي العَبّاسِ والشَّفا: الشَّفِيرُ، والجُرُفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ، وهي الجَوانِبُ الَّتِي تَنْجَرِفُ بِالماءِ، والِاجْتِرافُ: اقْتِلاعُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ مِن جَرَفَ وبِإسْكانِها. والهارُ: (p-٥٩٩)السّاقِطُ، يُقالُ هارِ البِناءِ: إذا سَقَطَ، وأصْلُهُ هائِرٌ كَما قالُوا: شاكِ السِّلاحِ وشائِكُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ،: إنَّ أصْلَهُ هاوِرٌ. قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: الجُرُفُ ما جَرَفَ السَّيْلُ أصْلَهُ، وأشْرَفَ أعْلاهُ فَإنِ انْصَدَعَ أعْلاهُ فَهو الهارُ اهـ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا مَثَلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ دِينَهُمُ الباطِلَ المُضْمَحِلَّ بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ وفاعِلُ فانْهارَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الجُرُفِ: أيْ فانْهارَ الجُرُفُ بِالبُنْيانِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى مَن، وهو البانِي. والمَعْنى: أنَّهُ طاحَ الباطِلُ بِالبَنّاءِ، أوِ البانِي في نارِ جَهَنَّمَ، وجاءَ بِالِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرُفِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وسُبْحانَ اللَّهِ ما أبْلَغَ هَذا الكَلامَ، وأقْوى تَراكِيبَهُ، وأوْقَعَ مَعْناهُ، وأفْصَحَ مَبْناهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بُنْيانَهم هَذا مُوجِبٌ لِمَزِيدِ رَيْبِهِمْ، واسْتِمْرارِ تَرَدُّدِهِمْ وشَكِّهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا في قُلُوبِهِمْ ونِفاقًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وقِيلَ: مَعْنى الرَّيْبِ: الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بُنْيانِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ حَرارَةً وغَيْظًا. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ مُنافِقِينَ شاكِّينَ في دِينِهِمْ، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا بِهَدْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِفاقًا وتَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ، ومَقْتًا لِلْإسْلامِ، لِما أصابَهم مِنَ الغَيْظِ الشَّدِيدِ والغَضَبِ العَظِيمِ بِهَدْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الرِّيبَةِ ودَوامِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ لا يَزالُ هَذا إلّا أنْ تَتَقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتَتَفَرَّقَ أجْزاءً: إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالسَّيْفِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ دائِمَةٌ لَهم ما دامُوا أحْياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّقَطُّعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِّيبَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفَصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها. ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " تَقْطَعَ " بِالتَّخْفِيفِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ إلّا أنْ تَقْطَعَ يا مُحَمَّدُ قُلُوبَهم. وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم " . وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ، " إلى أنْ تُقْطَعَ " عَلى الغايَةَ، أيْ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقالَ لَهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: ابْنُوا مَسْجِدَكم واسْتَمِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا فَيَجِبُ أنْ تَصِلِي فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: «لَمّا بَنى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَسْجِدَ قُباءٍ خَرَجَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِنهم بَجْدَحٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفاقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَجْدَحٍ: ويْلَكَ يا بَجَدْحُ ما أرَدْتَ إلى ما أرى ؟ ! فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأرادَ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو عامِرٍ كانَ مُحارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكانَ قَدِ انْطَلَقَ إلى هِرَقْلَ، وكانُوا يَرْصُدُونَ إذا قَدِمَ أبُو عامِرٍ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ بِنارٍ مِن أهْلِي، فَدَخَلَ عَلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفاتٍ مِن نارٍ ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتّى دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَقُوهُ وهَدَمُوهُ، وخَرَجَ أهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ولَعَلَّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ حَذْفًا بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا رَسُولُ اللَّهِ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي رُهْمٍ كُلْثُومِ بْنِ الحُصَيْنِ الغِفارِيِّ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، وكانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِّرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بَنِينا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، قالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أوانٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وأخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَنِي العَجْلانِ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وهم رَهْطُ مالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِمَعْنٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ، فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ خَرَجا يَشْتَدّانِ، وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَّقاهُ وهَدَّماهُ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ، ونَزَلَ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾» إلى آخِرِ القِصَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، إنَّ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وذَكَرا أسْماءَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ، وفي لَفْظٍ: تَمارَيْتُ أنا ورَجُلٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ العُمَرِيُّ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ (p-٦٠٠)كَثِيرٌ، يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكارٍ في أخْبارِ المَدِينَةِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى قالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ عُرْوَةُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنهُ، إنَّما أُنْزِلَتْ في مَسْجِدِ قُباءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ المَذْكُورانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ عَيَّنَ هَذا المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وجَزَمَ بِأنَّهُ مَسْجِدُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلا يُقاوِمُ ذَلِكَ قَوْلُ فَرْدٍ مِنَ الصَّحابَةِ ولا جَماعَةٍ مِنهم ولا غَيْرِهِمْ ولا يَصِحُّ لِإيرادِهِ في مُقابَلَةِ ما قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولا فائِدَةَ في إيرادِ ما ورَدَ في فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، عَلى أنَّ ما ورَدَ في فَضائِلِ مَسْجِدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أكْثَرُ مِمّا ورَدَ في فَضْلِ مَسْجِدِ قُباءٍ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ تَعُمُّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءٍ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ: وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ» الآيَةُ، وفي إسْنادِهِ يُونُسُ بْنُ الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَقالَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكم ؟، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما خَرَجَ مِنّا رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ فَرْجَهُ، أوْ قالَ: مَقْعَدَتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هو هَذا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم، فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَتَطَهَّرُونَ بِهِ ؟، قالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا»، رَواهُ أحْمَدُ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنا أبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنا شُرَحْبِيلُ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَذَكَرَهُ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الجارُودِ في المُنْتَقى، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أيُّوبَ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا ؟، قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ؟، قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، قالَ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوَيُّ في مُعْجَمِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أتى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدَ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ خَيْرًا أفَلا تُخْبِرُونِي ؟ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لِنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنا في التَّوْراةِ الِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، ونَحْنُ نَفْعَلُهُ اليَوْمَ» . وإسْنادُ أحْمَدَ، في هَذا الحَدِيثِ هَكَذا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنِي مالِكٌ يَعْنِي ابْنِ مِغْوَلٍ سَمِعْتُ سَيّارًا أبا الحاكِمِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوُ هَذا. ولا يَخْفاكَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحادِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ مَسْجِدِ قُباءٍ وأهْلِهِ، وبَعْضَها ضَعِيفٌ، وبَعْضَها لا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ قُباءٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا تُقاوِمُ تِلْكَ الأحادِيثَ المُصَرِّحَةَ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في صِحَّتِها وصَراحَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: يَعْنِي قَواعِدَهُ في نارِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حَيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الشَّكَّ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي المَوْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلى أنْ يَمُوتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم﴾ قالَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا.

التوبة 9:109

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أصْنافَ المُنافِقِينَ، وبَيَّنَ طَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ، عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مِنهُمُ المَحْذُوفُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ " الَّذِينَ اتَّخَذُوا " بِغَيْرِ واوٍ، فَتَكُونُ قِصَّةً مُسْتَقِلَّةً، المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لا تَقُمْ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ الخَبَرَ هو ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يُعَذَّبُونَ، وسَيَأْتِي بَيانُ هَؤُلاءِ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرارِ، وضِرارًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ ﴿وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ضِرارًا. فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: الضِّرارُ لِغَيْرِهِمْ، وهو المُضارَرَةُ. الثّانِي: الكُفْرُ بِاللَّهِ والمُباهاةُ لِأهْلِ الإسْلامِ، لِأنَّهم أرادُوا بِبِنائِهِ تَقْوِيَةَ أهْلِ النِّفاقِ. الثّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم أرادُوا أنْ لا يَحْضُرُوا مَسْجِدَ قُباءٍ فَتَقِلُّ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وفي ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وبُطْلانِ الأُلْفَةِ ما لا يَخْفى. الرّابِعُ: الإرْصادُ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أيِ: الإعْدادُ لِأجْلِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: هو الإعْدادُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، يُقالُ: أرْصَدْتُ لِكَذا: إذا أعْدَدْتُهُ مُرْتَقِبًا لَهُ بِهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَصَدَتْهُ وأرْصَدْتُهُ في الخَيْرِ، وأرْصَدْتُ لَهُ في الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا يُقالُ إلّا أرْصَدْتُ، ومَعْناهُ ارْتَقَبْتُ، والمُرادُ بِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ: المُنافِقُونَ، ومِنهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: أيْ أعَدُّوهُ لِهَؤُلاءِ وارْتَقَبُوا بِهِ وُصُولَهم وانْتَظَرُوهم لِيُصَلُّوا فِيهِ حَتّى يُباهُوا بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: مِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( اتَّخَذُوا ) أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ ويَبْنُوا مَسْجِدَ الضِّرارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( حارَبَ ) أيْ: لِمَن وقَعَ مِنهُ الحَرْبُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ ما أرَدْنا إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَقالَ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والنَّهْيُ عَنِ القِيامِ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِيامِ، يُقالُ فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ: أيْ يُصَلِّي، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا بِهِ واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» . ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ القِيامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ واللّامُ في لَمَسْجِدٌ لامُ القَسَمِ، وقِيلَ: لامُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وتَأْسِيسُ البِناءِ: تَثْبِيتُهُ ورَفْعُهُ، ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى: تَأْسِيسُهُ عَلى الخِصالِ الَّتِي تَتَّقِي بِها العُقُوبَةَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ: أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. و﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُسِّسَ ): أيْ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ. قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ مِن هُنا بِمَعْنى مُنْذُ: أيْ مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ ابْتُدِئَ بِبِنائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ القِيامُ في غَيْرِهِ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى بِقِيامِكَ فِيهِ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، ولِكَوْنِ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أحَقِّيَّةِ قِيامِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: أيْ كَما أنَّ هَذا المَسْجِدَ أوْلى مِن جِهَةِ المَحَلِّ فَهو أوْلى مِن جِهَةِ الحالِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِ ( مَسْجِدٌ ) . ومَعْنى مَحَبَّتِهِمْ لِلتَّطَهُّرِ: أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُرُوضِ مُوجِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُحِبُّونَ التَّطَهُّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُطَهِّرَةِ مِنَ الذُّنُوبِ فَحُمُّوا جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمُ الرِّضا عَنْهم، والإحْسانُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ بِمَحْبُوبِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالعُمْرانِ، وأُرِيدَ بِهِ المَبْنِيُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. والمَعْنى: أنَّ مَن أسَّسَ بِناءَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ، وهي تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ، خَيْرٌ مِمَّنْ أسَّسَ دِينَهُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهو الباطِلُ والنِّفاقُ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( خَيْرٌ )، وقُرِئَ ﴿أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( بُنْيانَهُ )، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ " أساسُ بُنْيانِهِ " بِإضافَةِ ( أساسُ ) إلى ( بُنْيانِهِ )، وقُرِئَ " أُسُّ بُنْيانِهِ " والمُرادُ: أُصُولُ البِناءِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ، قِراءَةً أُخْرى، وهي " آساسُ بُنْيانِهِ " عَلى الجَمْعِ، ومِنهُ: ؎أصْبَحَ المُلْكُ ثابِتَ الآساسِ بِالبَهالِيلِ مِن بَنِي العَبّاسِ والشَّفا: الشَّفِيرُ، والجُرُفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ، وهي الجَوانِبُ الَّتِي تَنْجَرِفُ بِالماءِ، والِاجْتِرافُ: اقْتِلاعُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ مِن جَرَفَ وبِإسْكانِها. والهارُ: (p-٥٩٩)السّاقِطُ، يُقالُ هارِ البِناءِ: إذا سَقَطَ، وأصْلُهُ هائِرٌ كَما قالُوا: شاكِ السِّلاحِ وشائِكُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ،: إنَّ أصْلَهُ هاوِرٌ. قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: الجُرُفُ ما جَرَفَ السَّيْلُ أصْلَهُ، وأشْرَفَ أعْلاهُ فَإنِ انْصَدَعَ أعْلاهُ فَهو الهارُ اهـ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا مَثَلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ دِينَهُمُ الباطِلَ المُضْمَحِلَّ بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ وفاعِلُ فانْهارَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الجُرُفِ: أيْ فانْهارَ الجُرُفُ بِالبُنْيانِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى مَن، وهو البانِي. والمَعْنى: أنَّهُ طاحَ الباطِلُ بِالبَنّاءِ، أوِ البانِي في نارِ جَهَنَّمَ، وجاءَ بِالِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرُفِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وسُبْحانَ اللَّهِ ما أبْلَغَ هَذا الكَلامَ، وأقْوى تَراكِيبَهُ، وأوْقَعَ مَعْناهُ، وأفْصَحَ مَبْناهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بُنْيانَهم هَذا مُوجِبٌ لِمَزِيدِ رَيْبِهِمْ، واسْتِمْرارِ تَرَدُّدِهِمْ وشَكِّهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا في قُلُوبِهِمْ ونِفاقًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وقِيلَ: مَعْنى الرَّيْبِ: الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بُنْيانِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ حَرارَةً وغَيْظًا. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ مُنافِقِينَ شاكِّينَ في دِينِهِمْ، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا بِهَدْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِفاقًا وتَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ، ومَقْتًا لِلْإسْلامِ، لِما أصابَهم مِنَ الغَيْظِ الشَّدِيدِ والغَضَبِ العَظِيمِ بِهَدْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الرِّيبَةِ ودَوامِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ لا يَزالُ هَذا إلّا أنْ تَتَقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتَتَفَرَّقَ أجْزاءً: إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالسَّيْفِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ دائِمَةٌ لَهم ما دامُوا أحْياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّقَطُّعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِّيبَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفَصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها. ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " تَقْطَعَ " بِالتَّخْفِيفِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ إلّا أنْ تَقْطَعَ يا مُحَمَّدُ قُلُوبَهم. وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم " . وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ، " إلى أنْ تُقْطَعَ " عَلى الغايَةَ، أيْ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقالَ لَهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: ابْنُوا مَسْجِدَكم واسْتَمِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا فَيَجِبُ أنْ تَصِلِي فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: «لَمّا بَنى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَسْجِدَ قُباءٍ خَرَجَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِنهم بَجْدَحٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفاقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَجْدَحٍ: ويْلَكَ يا بَجَدْحُ ما أرَدْتَ إلى ما أرى ؟ ! فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأرادَ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو عامِرٍ كانَ مُحارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكانَ قَدِ انْطَلَقَ إلى هِرَقْلَ، وكانُوا يَرْصُدُونَ إذا قَدِمَ أبُو عامِرٍ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ بِنارٍ مِن أهْلِي، فَدَخَلَ عَلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفاتٍ مِن نارٍ ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتّى دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَقُوهُ وهَدَمُوهُ، وخَرَجَ أهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ولَعَلَّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ حَذْفًا بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا رَسُولُ اللَّهِ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي رُهْمٍ كُلْثُومِ بْنِ الحُصَيْنِ الغِفارِيِّ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، وكانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِّرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بَنِينا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، قالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أوانٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وأخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَنِي العَجْلانِ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وهم رَهْطُ مالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِمَعْنٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ، فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ خَرَجا يَشْتَدّانِ، وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَّقاهُ وهَدَّماهُ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ، ونَزَلَ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾» إلى آخِرِ القِصَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، إنَّ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وذَكَرا أسْماءَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ، وفي لَفْظٍ: تَمارَيْتُ أنا ورَجُلٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ العُمَرِيُّ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ (p-٦٠٠)كَثِيرٌ، يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكارٍ في أخْبارِ المَدِينَةِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى قالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ عُرْوَةُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنهُ، إنَّما أُنْزِلَتْ في مَسْجِدِ قُباءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ المَذْكُورانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ عَيَّنَ هَذا المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وجَزَمَ بِأنَّهُ مَسْجِدُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلا يُقاوِمُ ذَلِكَ قَوْلُ فَرْدٍ مِنَ الصَّحابَةِ ولا جَماعَةٍ مِنهم ولا غَيْرِهِمْ ولا يَصِحُّ لِإيرادِهِ في مُقابَلَةِ ما قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولا فائِدَةَ في إيرادِ ما ورَدَ في فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، عَلى أنَّ ما ورَدَ في فَضائِلِ مَسْجِدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أكْثَرُ مِمّا ورَدَ في فَضْلِ مَسْجِدِ قُباءٍ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ تَعُمُّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءٍ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ: وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ» الآيَةُ، وفي إسْنادِهِ يُونُسُ بْنُ الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَقالَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكم ؟، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما خَرَجَ مِنّا رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ فَرْجَهُ، أوْ قالَ: مَقْعَدَتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هو هَذا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم، فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَتَطَهَّرُونَ بِهِ ؟، قالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا»، رَواهُ أحْمَدُ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنا أبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنا شُرَحْبِيلُ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَذَكَرَهُ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الجارُودِ في المُنْتَقى، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أيُّوبَ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا ؟، قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ؟، قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، قالَ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوَيُّ في مُعْجَمِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أتى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدَ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ خَيْرًا أفَلا تُخْبِرُونِي ؟ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لِنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنا في التَّوْراةِ الِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، ونَحْنُ نَفْعَلُهُ اليَوْمَ» . وإسْنادُ أحْمَدَ، في هَذا الحَدِيثِ هَكَذا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنِي مالِكٌ يَعْنِي ابْنِ مِغْوَلٍ سَمِعْتُ سَيّارًا أبا الحاكِمِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوُ هَذا. ولا يَخْفاكَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحادِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ مَسْجِدِ قُباءٍ وأهْلِهِ، وبَعْضَها ضَعِيفٌ، وبَعْضَها لا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ قُباءٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا تُقاوِمُ تِلْكَ الأحادِيثَ المُصَرِّحَةَ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في صِحَّتِها وصَراحَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: يَعْنِي قَواعِدَهُ في نارِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حَيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الشَّكَّ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي المَوْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلى أنْ يَمُوتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم﴾ قالَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا.

التوبة 9:110

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أصْنافَ المُنافِقِينَ، وبَيَّنَ طَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ، عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مِنهُمُ المَحْذُوفُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ " الَّذِينَ اتَّخَذُوا " بِغَيْرِ واوٍ، فَتَكُونُ قِصَّةً مُسْتَقِلَّةً، المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ لا تَقُمْ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ الخَبَرَ هو ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يُعَذَّبُونَ، وسَيَأْتِي بَيانُ هَؤُلاءِ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِّرارِ، وضِرارًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ ﴿وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ضِرارًا. فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: الضِّرارُ لِغَيْرِهِمْ، وهو المُضارَرَةُ. الثّانِي: الكُفْرُ بِاللَّهِ والمُباهاةُ لِأهْلِ الإسْلامِ، لِأنَّهم أرادُوا بِبِنائِهِ تَقْوِيَةَ أهْلِ النِّفاقِ. الثّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم أرادُوا أنْ لا يَحْضُرُوا مَسْجِدَ قُباءٍ فَتَقِلُّ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وفي ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وبُطْلانِ الأُلْفَةِ ما لا يَخْفى. الرّابِعُ: الإرْصادُ لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أيِ: الإعْدادُ لِأجْلِ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: هو الإعْدادُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، يُقالُ: أرْصَدْتُ لِكَذا: إذا أعْدَدْتُهُ مُرْتَقِبًا لَهُ بِهِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَصَدَتْهُ وأرْصَدْتُهُ في الخَيْرِ، وأرْصَدْتُ لَهُ في الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا يُقالُ إلّا أرْصَدْتُ، ومَعْناهُ ارْتَقَبْتُ، والمُرادُ بِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ: المُنافِقُونَ، ومِنهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: أيْ أعَدُّوهُ لِهَؤُلاءِ وارْتَقَبُوا بِهِ وُصُولَهم وانْتَظَرُوهم لِيُصَلُّوا فِيهِ حَتّى يُباهُوا بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: مِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( اتَّخَذُوا ) أيِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا مِن قَبْلِ أنْ يُنافِقَ هَؤُلاءِ ويَبْنُوا مَسْجِدَ الضِّرارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( حارَبَ ) أيْ: لِمَن وقَعَ مِنهُ الحَرْبُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ ما أرَدْنا إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما حَلَفُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَقالَ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والنَّهْيُ عَنِ القِيامِ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ. وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِيامِ، يُقالُ فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ: أيْ يُصَلِّي، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا بِهِ واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» . ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ القِيامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ واللّامُ في لَمَسْجِدٌ لامُ القَسَمِ، وقِيلَ: لامُ الِابْتِداءِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وتَأْسِيسُ البِناءِ: تَثْبِيتُهُ ورَفْعُهُ، ومَعْنى تَأْسِيسِهِ عَلى التَّقْوى: تَأْسِيسُهُ عَلى الخِصالِ الَّتِي تَتَّقِي بِها العُقُوبَةَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ: أرْجَحُ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. و﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أُسِّسَ ): أيْ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ. قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ مِن هُنا بِمَعْنى مُنْذُ: أيْ مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ ابْتُدِئَ بِبِنائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. والمَعْنى: لَوْ كانَ القِيامُ في غَيْرِهِ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى بِقِيامِكَ فِيهِ لِلصَّلاةِ ولِذِكْرِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، ولِكَوْنِ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أحَقِّيَّةِ قِيامِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: أيْ كَما أنَّ هَذا المَسْجِدَ أوْلى مِن جِهَةِ المَحَلِّ فَهو أوْلى مِن جِهَةِ الحالِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِ ( مَسْجِدٌ ) . ومَعْنى مَحَبَّتِهِمْ لِلتَّطَهُّرِ: أنَّهم يُؤْثِرُونَهُ ويَحْرِصُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُرُوضِ مُوجِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُحِبُّونَ التَّطَهُّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، والأوَّلُ أوْلى. وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُطَهِّرَةِ مِنَ الذُّنُوبِ فَحُمُّوا جَمِيعًا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمُ الرِّضا عَنْهم، والإحْسانُ إلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ بِمَحْبُوبِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّقْرِيرِيِّ، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ كالعُمْرانِ، وأُرِيدَ بِهِ المَبْنِيُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. والمَعْنى: أنَّ مَن أسَّسَ بِناءَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ، وهي تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ، خَيْرٌ مِمَّنْ أسَّسَ دِينَهُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهو الباطِلُ والنِّفاقُ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( خَيْرٌ )، وقُرِئَ ﴿أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( بُنْيانَهُ )، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ " أساسُ بُنْيانِهِ " بِإضافَةِ ( أساسُ ) إلى ( بُنْيانِهِ )، وقُرِئَ " أُسُّ بُنْيانِهِ " والمُرادُ: أُصُولُ البِناءِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ، قِراءَةً أُخْرى، وهي " آساسُ بُنْيانِهِ " عَلى الجَمْعِ، ومِنهُ: ؎أصْبَحَ المُلْكُ ثابِتَ الآساسِ بِالبَهالِيلِ مِن بَنِي العَبّاسِ والشَّفا: الشَّفِيرُ، والجُرُفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ، وهي الجَوانِبُ الَّتِي تَنْجَرِفُ بِالماءِ، والِاجْتِرافُ: اقْتِلاعُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ مِن جَرَفَ وبِإسْكانِها. والهارُ: (p-٥٩٩)السّاقِطُ، يُقالُ هارِ البِناءِ: إذا سَقَطَ، وأصْلُهُ هائِرٌ كَما قالُوا: شاكِ السِّلاحِ وشائِكُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ،: إنَّ أصْلَهُ هاوِرٌ. قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: الجُرُفُ ما جَرَفَ السَّيْلُ أصْلَهُ، وأشْرَفَ أعْلاهُ فَإنِ انْصَدَعَ أعْلاهُ فَهو الهارُ اهـ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا مَثَلًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ دِينَهُمُ الباطِلَ المُضْمَحِلَّ بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ وفاعِلُ فانْهارَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الجُرُفِ: أيْ فانْهارَ الجُرُفُ بِالبُنْيانِ في النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى مَن، وهو البانِي. والمَعْنى: أنَّهُ طاحَ الباطِلُ بِالبَنّاءِ، أوِ البانِي في نارِ جَهَنَّمَ، وجاءَ بِالِانْهِيارِ الَّذِي هو لِلْجُرُفِ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وسُبْحانَ اللَّهِ ما أبْلَغَ هَذا الكَلامَ، وأقْوى تَراكِيبَهُ، وأوْقَعَ مَعْناهُ، وأفْصَحَ مَبْناهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ بُنْيانَهم هَذا مُوجِبٌ لِمَزِيدِ رَيْبِهِمْ، واسْتِمْرارِ تَرَدُّدِهِمْ وشَكِّهِمْ فَقالَ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ شَكًّا في قُلُوبِهِمْ ونِفاقًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وقِيلَ: مَعْنى الرَّيْبِ: الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بُنْيانِهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ حَرارَةً وغَيْظًا. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وقَدْ كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ مُنافِقِينَ شاكِّينَ في دِينِهِمْ، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا بِهَدْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نِفاقًا وتَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ، ومَقْتًا لِلْإسْلامِ، لِما أصابَهم مِنَ الغَيْظِ الشَّدِيدِ والغَضَبِ العَظِيمِ بِهَدْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الرِّيبَةِ ودَوامِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ لا يَزالُ هَذا إلّا أنْ تَتَقَطَّعَ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتَتَفَرَّقَ أجْزاءً: إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالسَّيْفِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ دائِمَةٌ لَهم ما دامُوا أحْياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّقَطُّعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِّيبَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفَصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّها. ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " تَقْطَعَ " بِالتَّخْفِيفِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيْ إلّا أنْ تَقْطَعَ يا مُحَمَّدُ قُلُوبَهم. وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " ولَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم " . وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ، " إلى أنْ تُقْطَعَ " عَلى الغايَةَ، أيْ لا يَزالُونَ كَذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقالَ لَهم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ: ابْنُوا مَسْجِدَكم واسْتَمِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا فَيَجِبُ أنْ تَصِلِي فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: «لَمّا بَنى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَسْجِدَ قُباءٍ خَرَجَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِنهم بَجْدَحٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفاقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَجْدَحٍ: ويْلَكَ يا بَجَدْحُ ما أرَدْتَ إلى ما أرى ؟ ! فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأرادَ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو عامِرٍ كانَ مُحارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكانَ قَدِ انْطَلَقَ إلى هِرَقْلَ، وكانُوا يَرْصُدُونَ إذا قَدِمَ أبُو عامِرٍ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ بِنارٍ مِن أهْلِي، فَدَخَلَ عَلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفاتٍ مِن نارٍ ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتّى دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَقُوهُ وهَدَمُوهُ، وخَرَجَ أهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ولَعَلَّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ حَذْفًا بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا رَسُولُ اللَّهِ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقالَ مالِكٌ لِعاصِمٍ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي رُهْمٍ كُلْثُومِ بْنِ الحُصَيْنِ الغِفارِيِّ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ بَلَدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةً مِن نَهارٍ، وكانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِّرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بَنِينا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، قالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أوانٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وأخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَنِي العَجْلانِ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وهم رَهْطُ مالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِمَعْنٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ، فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ خَرَجا يَشْتَدّانِ، وفِيهِ أهْلُهُ فَحَرَّقاهُ وهَدَّماهُ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ، ونَزَلَ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾» إلى آخِرِ القِصَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، إنَّ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وذَكَرا أسْماءَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ، وفي لَفْظٍ: تَمارَيْتُ أنا ورَجُلٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ العُمَرِيُّ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ (p-٦٠٠)كَثِيرٌ، يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكارٍ في أخْبارِ المَدِينَةِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في الكُنى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى قالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ عُرْوَةُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنهُ، إنَّما أُنْزِلَتْ في مَسْجِدِ قُباءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ المَذْكُورانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ مَسْجِدُ قُباءٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. ولا يَخْفاكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ عَيَّنَ هَذا المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وجَزَمَ بِأنَّهُ مَسْجِدُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَلا يُقاوِمُ ذَلِكَ قَوْلُ فَرْدٍ مِنَ الصَّحابَةِ ولا جَماعَةٍ مِنهم ولا غَيْرِهِمْ ولا يَصِحُّ لِإيرادِهِ في مُقابَلَةِ ما قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولا فائِدَةَ في إيرادِ ما ورَدَ في فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، عَلى أنَّ ما ورَدَ في فَضائِلِ مَسْجِدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أكْثَرُ مِمّا ورَدَ في فَضْلِ مَسْجِدِ قُباءٍ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ تَعُمُّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءٍ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ: وكانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ» الآيَةُ، وفي إسْنادِهِ يُونُسُ بْنُ الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَقالَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكم ؟، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما خَرَجَ مِنّا رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ فَرْجَهُ، أوْ قالَ: مَقْعَدَتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هو هَذا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم، فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَتَطَهَّرُونَ بِهِ ؟، قالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا»، رَواهُ أحْمَدُ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنا أبُو أُوَيْسٍ حَدَّثَنا شُرَحْبِيلُ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَذَكَرَهُ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الجارُودِ في المُنْتَقى، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أيُّوبَ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ فَما طُهُورُكم هَذا ؟، قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ؟، قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ، قالَ: هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوَيُّ في مُعْجَمِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أتى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدَ قُباءٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ خَيْرًا أفَلا تُخْبِرُونِي ؟ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لِنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنا في التَّوْراةِ الِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، ونَحْنُ نَفْعَلُهُ اليَوْمَ» . وإسْنادُ أحْمَدَ، في هَذا الحَدِيثِ هَكَذا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنِي مالِكٌ يَعْنِي ابْنِ مِغْوَلٍ سَمِعْتُ سَيّارًا أبا الحاكِمِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ نَحْوُ هَذا. ولا يَخْفاكَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحادِيثِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ مَسْجِدِ قُباءٍ وأهْلِهِ، وبَعْضَها ضَعِيفٌ، وبَعْضَها لا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ قُباءٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا تُقاوِمُ تِلْكَ الأحادِيثَ المُصَرِّحَةَ بِأنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في صِحَّتِها وصَراحَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: يَعْنِي قَواعِدَهُ في نارِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ حَيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الشَّكَّ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي المَوْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلى أنْ يَمُوتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم﴾ قالَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا.

التوبة 9:111

(p-٦٠١)لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ المُنافِقِينَ وقَبائِحَهم بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ مِنها ما هو لائِقٌ بِهِ عادَ عَلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وذِكْرُ الشِّراءِ تَمْثِيلٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] مَثَّلَ سُبْحانَهُ إثابَةَ المُجاهِدِينَ بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِالشِّراءِ، وأصْلُ الشِّراءِ بَيْنَ العِبادِ هو إخْراجُ الشَّيْءِ عَنِ المِلْكِ بِشَيْءٍ آخَرَ مِثْلِهِ أوْ دُونِهِ أوْ أنْفَعَ مِنهُ، فَهَؤُلاءِ المُجاهِدُونَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ الَّتِي أعَدَّها لِلْمُؤْمِنِينَ: أيْ بِأنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، ومِمَّنْ يَسْكُنُها فَقَدْ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ، وهي أنْفَسُ الأعْلاقِ، والجُودُ بِها غايَةُ الجُودِ: ؎يَجُودُ بِالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَبانُ بِها والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ وجادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهي أعْظَمُ ما يَطْلُبُهُ العِبادُ، ويَتَوَسَّلُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ، والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا: أنْفُسُ المُجاهِدِينَ، وبِالأمْوالِ: ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ. قَوْلُهُ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ المُقاتَلَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قَتْلِ الكُفّارِ في الحَرْبِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلُوا فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإبْلاءِ في الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلْمَوْتِ بِالإقْدامِ عَلى الكُفّارِ. قَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّ فَرِيضَةَ الجِهادِ واسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ بِها قَدْ ثَبَتَ الوَعْدُ بِها مِنَ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَما وقَعَ في القُرْآنِ، وانْتِصابُ ( وعْدًا ) و( حَقًّا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الثّانِي: نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، و( في التَّوْراةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا ثابِتًا فِيها. قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ في هَذا مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ لِلْمُجاهِدِينَ في الجِهادِ والتَّنْشِيطِ لَهم عَلى بَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ ما لا يَخْفى فَإنَّهُ أوَّلًا أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وجاءَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفَخِيمَةِ، وهي كَوْنُ الجَنَّةِ قَدْ صارَتْ مِلْكًا لَهم، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِأنَّهُ قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الصّادِقِ لا بُدَّ مِن حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ فَإنَّهُ لا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثُمَّ زادَهم سُرُورًا وحُبُورًا، فَقالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أظْهِرُوا السُّرُورَ بِذَلِكَ، والبِشارَةُ هي إظْهارُ السُّرُورِ، وظُهُورُهُ يَكُونُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، ولِذا يُقالُ: أسارِيرُ الوَجْهِ: أيِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها السُّرُورُ. وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ هَذا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِبْشارِ عَلى ما قَبْلَهُ. والمَعْنى: أظْهِرُوا السُّرُورَ بِهَذا البَيْعِ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ رَبِحْتُمْ فِيهِ رِبْحًا لَمْ يَرْبَحْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِكم، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى نَفْسِ البَيْعِ الَّذِي رَبِحُوا فِيهِ الجَنَّةَ، ووَصْفُ الفَوْزِ - وهو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ - بِالعِظَمِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَوْزٌ لا فَوْزَ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: ﴿التّائِبُونَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هُمُ التّائِبُونَ، يَعْنِي المُؤْمِنُونَ، والتّائِبُ الرّاجِعُ: أيْ هُمُ الرّاجِعُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنِ الحالَةِ المُخالِفَةِ لِلطّاعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ: أيِ التّائِبُونَ ومَن بَعْدَهم إلى آخِرِ الآيَةِ لَهُمُ الجَنَّةُ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا. قالَ: وهَذا أحْسَنُ، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ أوْصافًا لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَكانَ الوَعْدُ خاصًّا بِمُجاهِدِينَ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ مِن أنَّ هَذا الكَلامَ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ راجِعَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ الأُولى، وأنَّها عَلى جِهَةِ الشَّرْطِ: أيْ لا يَسْتَحِقُّ الجَنَّةَ بِتِلْكَ المُبايَعَةِ إلّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " التّائِبِينَ العابِدِينَ " إلى آخِرِها. وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوْصافٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ. وقِيلَ: إنَّ ارْتِفاعَ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ ( يُقاتِلُونَ )، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ( التّائِبُونَ ) مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( العابِدُونَ )، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ كَذَلِكَ: أيِ التّائِبُونَ مِنَ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى، والعابِدُونَ: القائِمُونَ بِما أُمِرُوا بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ مَعَ الإخْلاصِ، و﴿الحامِدُونَ﴾ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، و﴿السّائِحُونَ﴾ قِيلَ: هُمُ الصّائِمُونَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] وإنَّما قِيلَ: لِلصّائِمِ سائِحٌ، لِأنَّهُ يَتْرُكُ اللَّذّاتِ كَما يَتْرُكُها السّائِحُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎وبِالسّائِحِينَ لا يَذُوقُونَ فِطْرَةً ∗∗∗ لِرَبِّهِمُ والرّاكِداتُ العَوامِلُ وقالَ آخَرُ: ؎تَراهُ يُصَلِّي لَيْلَهُ ونَهارَهُ ∗∗∗ يَظَلُّ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ سائِحا قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ الحَسَنِ أنَّ السّائِحِينَ هاهُنا هُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ الفَرْضَ، وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ. وقالَ عَطاءٌ: السّائِحُونَ: المُجاهِدُونَ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: السّائِحُونَ: المُهاجِرُونَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الَّذِينَ يُسافِرُونَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ والعِلْمِ. وقِيلَ: هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ ومَلَكُوتِهِ وما خَلَقَ مِنَ العِبَرِ. والسِّياحَةُ في اللُّغَةِ: أصْلُها الذَّهابُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَسِيحُ الماءُ، وهي مِمّا يُعِينُ العَبْدَ عَلى الطّاعَةِ لِانْقِطاعِهِ عَنِ الخَلْقِ، ولِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الِاعْتِبارِ بِالتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، و﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ مَعْناهُ المُصَلُّونَ، و﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ القائِمُونَ بِأمْرِ النّاسِ بِما هو مَعْرُوفٌ (p-٦٠٢)فِي الشَّرِيعَةِ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ القائِمُونَ بِالإنْكارِ عَلى مَن فَعَلَ مُنْكَرًا أيْ: شَيْئًا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ القائِمُونَ بِحِفْظِ شَرائِعِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ، وإنَّما أدْخَلَ الواوَ في الوَصْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، وهُما ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ( الحافِظُونَ ) بِالواوِ لِقُرْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ في الصِّفاتِ يَجِيءُ بِالواوِ وبِغَيْرِها كَقَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] وقِيلَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، وقِيلَ: هي واوُ الثَّمانِيَةِ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النُّحاةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلِه: ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم﴾ [الكهف: ٢٢]، وقَدْ أنْكَرَ واوَ الثَّمانِيَةِ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ وناظَرَهُ في ذَلِكَ ابْنُ خالَوَيْهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وغَيْرِهِ قالُوا: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، قالَ: أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكم، قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَما لَنا ؟ قالَ: الجَنَّةُ، قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في المَسْجِدِ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم﴾ فَكَبَّرَ النّاسُ في المَسْجِدِ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَيْ رِدائِهِ عَلى عاتِقِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اشْتَرَطَ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ عَلى مَن بايَعَهُ مِنَ الأنْصارِ: أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، والسَّمْعَ والطّاعَةَ، ولا يُنازِعُوا في الأمْرِ أهْلَهُ، ويَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، قالُوا: نَعَمْ، قالَ قائِلُ الأنْصارِ: نَعَمْ، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا ؟ قالَ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، ولَيْسَ في قِصَّةِ العَقَبَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَن ماتَ عَلى هَذِهِ التِّسْعِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ التِّسْعُ الخِصالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: العابِدُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ السّائِحِينَ فَقالَ: هُمُ الصّائِمُونَ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وهو أصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ مِن طَرِيقِهِ، وحَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلٌ، وقَدْ أسْنَدَهُ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ. وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِثْلُ هَذا: مِنهم عائِشَةُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيِّ، وأبِي الشَّيْخِ، ومِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ، ورَوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في السِّياحَةِ فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتَيِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» وصَحَّحَهُ عَبْدُ الحَقِّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَذِهِ أعْمالٌ قالَ فِيها أصْحابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَضى عَلى نَفْسِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ مَن قُتِلَ مِنهم عَلى هَذِهِ الأعْمالِ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَهِيدًا، ومَن ماتَ مِنهم عَلَيْها فَقَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الشَّهِيدُ مَن لَوْ ماتَ عَلى فِراشِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، مَن ماتَ وفِيهِ تِسْعٌ فَهو شَهِيدٌ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿التّائِبُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: القائِمُونَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وهو شَرْطٌ اشْتَرَطَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجِهادِ، وإذا وفَّوْا لِلَّهِ بِشَرْطِهِ وفّى لَهم بِشَرْطِهِمْ.

التوبة 9:112

(p-٦٠١)لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ المُنافِقِينَ وقَبائِحَهم بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ مِنها ما هو لائِقٌ بِهِ عادَ عَلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وذِكْرُ الشِّراءِ تَمْثِيلٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] مَثَّلَ سُبْحانَهُ إثابَةَ المُجاهِدِينَ بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِالشِّراءِ، وأصْلُ الشِّراءِ بَيْنَ العِبادِ هو إخْراجُ الشَّيْءِ عَنِ المِلْكِ بِشَيْءٍ آخَرَ مِثْلِهِ أوْ دُونِهِ أوْ أنْفَعَ مِنهُ، فَهَؤُلاءِ المُجاهِدُونَ باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ الَّتِي أعَدَّها لِلْمُؤْمِنِينَ: أيْ بِأنْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، ومِمَّنْ يَسْكُنُها فَقَدْ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ، وهي أنْفَسُ الأعْلاقِ، والجُودُ بِها غايَةُ الجُودِ: ؎يَجُودُ بِالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَبانُ بِها والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ وجادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهي أعْظَمُ ما يَطْلُبُهُ العِبادُ، ويَتَوَسَّلُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ، والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا: أنْفُسُ المُجاهِدِينَ، وبِالأمْوالِ: ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ. قَوْلُهُ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ المُقاتَلَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قَتْلِ الكُفّارِ في الحَرْبِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في ذَلِكَ، فَإنْ فَعَلُوا فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَقَعِ القَتْلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإبْلاءِ في الجِهادِ والتَّعَرُّضِ لِلْمَوْتِ بِالإقْدامِ عَلى الكُفّارِ. قَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ عَلى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّ فَرِيضَةَ الجِهادِ واسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ بِها قَدْ ثَبَتَ الوَعْدُ بِها مِنَ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَما وقَعَ في القُرْآنِ، وانْتِصابُ ( وعْدًا ) و( حَقًّا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الثّانِي: نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، و( في التَّوْراةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا ثابِتًا فِيها. قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ في هَذا مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ لِلْمُجاهِدِينَ في الجِهادِ والتَّنْشِيطِ لَهم عَلى بَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ ما لا يَخْفى فَإنَّهُ أوَّلًا أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدِ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وجاءَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفَخِيمَةِ، وهي كَوْنُ الجَنَّةِ قَدْ صارَتْ مِلْكًا لَهم، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِأنَّهُ قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الصّادِقِ لا بُدَّ مِن حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ فَإنَّهُ لا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو صادِقُ الوَعْدِ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثُمَّ زادَهم سُرُورًا وحُبُورًا، فَقالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أظْهِرُوا السُّرُورَ بِذَلِكَ، والبِشارَةُ هي إظْهارُ السُّرُورِ، وظُهُورُهُ يَكُونُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، ولِذا يُقالُ: أسارِيرُ الوَجْهِ: أيِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها السُّرُورُ. وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ هَذا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِبْشارِ عَلى ما قَبْلَهُ. والمَعْنى: أظْهِرُوا السُّرُورَ بِهَذا البَيْعِ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ رَبِحْتُمْ فِيهِ رِبْحًا لَمْ يَرْبَحْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِكم، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى نَفْسِ البَيْعِ الَّذِي رَبِحُوا فِيهِ الجَنَّةَ، ووَصْفُ الفَوْزِ - وهو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ - بِالعِظَمِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَوْزٌ لا فَوْزَ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: ﴿التّائِبُونَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هُمُ التّائِبُونَ، يَعْنِي المُؤْمِنُونَ، والتّائِبُ الرّاجِعُ: أيْ هُمُ الرّاجِعُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ عَنِ الحالَةِ المُخالِفَةِ لِلطّاعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ: أيِ التّائِبُونَ ومَن بَعْدَهم إلى آخِرِ الآيَةِ لَهُمُ الجَنَّةُ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا. قالَ: وهَذا أحْسَنُ، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ أوْصافًا لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَكانَ الوَعْدُ خاصًّا بِمُجاهِدِينَ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ مِن أنَّ هَذا الكَلامَ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ راجِعَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ الأُولى، وأنَّها عَلى جِهَةِ الشَّرْطِ: أيْ لا يَسْتَحِقُّ الجَنَّةَ بِتِلْكَ المُبايَعَةِ إلّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ. وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " التّائِبِينَ العابِدِينَ " إلى آخِرِها. وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوْصافٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ. وقِيلَ: إنَّ ارْتِفاعَ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ ( يُقاتِلُونَ )، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ( التّائِبُونَ ) مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ( العابِدُونَ )، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ كَذَلِكَ: أيِ التّائِبُونَ مِنَ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى، والعابِدُونَ: القائِمُونَ بِما أُمِرُوا بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ مَعَ الإخْلاصِ، و﴿الحامِدُونَ﴾ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، و﴿السّائِحُونَ﴾ قِيلَ: هُمُ الصّائِمُونَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] وإنَّما قِيلَ: لِلصّائِمِ سائِحٌ، لِأنَّهُ يَتْرُكُ اللَّذّاتِ كَما يَتْرُكُها السّائِحُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ؎وبِالسّائِحِينَ لا يَذُوقُونَ فِطْرَةً ∗∗∗ لِرَبِّهِمُ والرّاكِداتُ العَوامِلُ وقالَ آخَرُ: ؎تَراهُ يُصَلِّي لَيْلَهُ ونَهارَهُ ∗∗∗ يَظَلُّ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ سائِحا قالَ الزَّجّاجُ: ومَذْهَبُ الحَسَنِ أنَّ السّائِحِينَ هاهُنا هُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ الفَرْضَ، وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ. وقالَ عَطاءٌ: السّائِحُونَ: المُجاهِدُونَ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: السّائِحُونَ: المُهاجِرُونَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الَّذِينَ يُسافِرُونَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ والعِلْمِ. وقِيلَ: هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ ومَلَكُوتِهِ وما خَلَقَ مِنَ العِبَرِ. والسِّياحَةُ في اللُّغَةِ: أصْلُها الذَّهابُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَسِيحُ الماءُ، وهي مِمّا يُعِينُ العَبْدَ عَلى الطّاعَةِ لِانْقِطاعِهِ عَنِ الخَلْقِ، ولِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الِاعْتِبارِ بِالتَّفَكُّرِ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، و﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ مَعْناهُ المُصَلُّونَ، و﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ القائِمُونَ بِأمْرِ النّاسِ بِما هو مَعْرُوفٌ (p-٦٠٢)فِي الشَّرِيعَةِ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ القائِمُونَ بِالإنْكارِ عَلى مَن فَعَلَ مُنْكَرًا أيْ: شَيْئًا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ القائِمُونَ بِحِفْظِ شَرائِعِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ، وإنَّما أدْخَلَ الواوَ في الوَصْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، وهُما ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ( الحافِظُونَ ) بِالواوِ لِقُرْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ في الصِّفاتِ يَجِيءُ بِالواوِ وبِغَيْرِها كَقَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] وقِيلَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، وقِيلَ: هي واوُ الثَّمانِيَةِ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النُّحاةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلِه: ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم﴾ [الكهف: ٢٢]، وقَدْ أنْكَرَ واوَ الثَّمانِيَةِ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ وناظَرَهُ في ذَلِكَ ابْنُ خالَوَيْهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وغَيْرِهِ قالُوا: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، قالَ: أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكم، قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَما لَنا ؟ قالَ: الجَنَّةُ، قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في المَسْجِدِ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم﴾ فَكَبَّرَ النّاسُ في المَسْجِدِ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَيْ رِدائِهِ عَلى عاتِقِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اشْتَرَطَ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ عَلى مَن بايَعَهُ مِنَ الأنْصارِ: أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، والسَّمْعَ والطّاعَةَ، ولا يُنازِعُوا في الأمْرِ أهْلَهُ، ويَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، قالُوا: نَعَمْ، قالَ قائِلُ الأنْصارِ: نَعَمْ، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا ؟ قالَ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، ولَيْسَ في قِصَّةِ العَقَبَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَن ماتَ عَلى هَذِهِ التِّسْعِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ التِّسْعُ الخِصالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: العابِدُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ السّائِحِينَ فَقالَ: هُمُ الصّائِمُونَ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وهو أصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ مِن طَرِيقِهِ، وحَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلٌ، وقَدْ أسْنَدَهُ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ. وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِثْلُ هَذا: مِنهم عائِشَةُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيِّ، وأبِي الشَّيْخِ، ومِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ، ورَوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في السِّياحَةِ فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتَيِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» وصَحَّحَهُ عَبْدُ الحَقِّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَذِهِ أعْمالٌ قالَ فِيها أصْحابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ قَضى عَلى نَفْسِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ مَن قُتِلَ مِنهم عَلى هَذِهِ الأعْمالِ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَهِيدًا، ومَن ماتَ مِنهم عَلَيْها فَقَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الشَّهِيدُ مَن لَوْ ماتَ عَلى فِراشِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، مَن ماتَ وفِيهِ تِسْعٌ فَهو شَهِيدٌ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿التّائِبُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: القائِمُونَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وهو شَرْطٌ اشْتَرَطَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الجِهادِ، وإذا وفَّوْا لِلَّهِ بِشَرْطِهِ وفّى لَهم بِشَرْطِهِمْ.

التوبة 9:113

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وما بَعْدَهُ أنَّ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واجِبَةٌ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ هُنا ما يَزِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ، ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وأنَّ القَرابَةَ في مِثْلِ هَذا الحُكْمِ لا تَأْثِيرَ لَها. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ " ما كانَ " في القُرْآنِ يَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: عَلى النَّفْيِ نَحْوِ ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] . والآخَرُ: عَلى مَعْنى النَّهْيِ نَحْوِ ما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِلْكَفّارِ، وتَحْرِيمِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، والدُّعاءِ بِما لا يَجُوزُ لِمَن كانَ كافِرًا، ولا يُنافِي هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ (p-٦٠٣)المُشْرِكُونَ رَباعِيَتَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ قَدْ كانَ بَلَغَهُ كَما يُفِيدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ أُحُدٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وسَيَأْتِي، فَصُدُورُ هَذا الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِقَوْمِهِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . وفِي البُخارِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ. والمَعْنى: أنَّ هَذا التَّبَيُّنَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِمَن كانَ هَكَذا، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالقَرابَةِ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الشِّرْكِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم في حُكْمِ المُخالَفَةِ لِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ الآيَةَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّبَبَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ أنَّهُ كانَ لِأجْلِ وعْدٍ تَقَدَّمَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلِاسْتِغْفارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما وعَدَهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، ومِن أعْداءِ اللَّهِ، فَلا حاجَةَ إلى السُّؤالِ الَّذِي يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى إبْراهِيمَ، فَإنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وماتَ عَلَيْهِ، وهو لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ العَداوَةِ تَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، وكَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذا حُكْمٌ إنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ لا بِالعَقْلِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنِ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ دُعاؤُهُ إلى الإسْلامِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ في هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى جَنائِزِ الكُفّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ولا حاجَةَ إلى تَفْسِيرِ الِاسْتِغْفارِ بِالصَّلاةِ ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالثَّناءِ العَظِيمِ عَلى إبْراهِيمَ، فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ﴾ وهو كَثِيرُ التَّأوُّهِ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صِيغَةُ المُبالَغَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى الأوّاهِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ الدُّعاءَ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الرَّحِيمُ بِعِبادِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ المُؤْمِنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ في الأرْضِ القَفْرِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، وقِيلَ: الَّذِي يُكْثِرُ الذِّكْرَ لِلَّهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ. وقِيلَ: هو الَّذِي يُكْثِرُ التِّلاوَةَ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ الفَقِيهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ. وقِيلَ: المُتَضَرِّعُ الخاضِعُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ. وقِيلَ: هو الَّذِي إذا ذَكَرَ خَطاياهُ اسْتَغْفَرَ لَها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي أيُّوبَ. وقِيلَ: هو الشَّفِيقُ قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى. وقالَ: إنَّهُ المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ. وقِيلَ: إنَّهُ الرّاجِعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ، قالَهُ عَطاءٌ. والمُطابِقُ لِمَعْنى الأوّاهِ لُغَةً أنْ يُقالَ إنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ مِن ذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ مَثَلًا: آهٍ مِن ذُنُوبِي آهٍ مِمّا أُعاقَبُ بِهِ بِسَبَبِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي ذَرٍّ، ومَعْنى التَّأوُّهِ هو أنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِن تَنَفُّسِ الصُّعَداءِ. قالَ في الصِّحاحِ: وقَدْ أوَّهَ الرَّجُلُ تَأْوِيهًا، وتَأوَّهَ تَأوُّهًا إذا قالَ أوْهِ، والِاسْمُ مِنهُ آهَةٌ بِالمَدِّ، قالَ: ؎إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ و( حَلِيمٌ ) الكَثِيرُ الحِلْمِ كَما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ، وهو الَّذِي يَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى الأذى، وقِيلَ: الَّذِي لا يُعاقِبُ أحَدًا قَطُّ إلّا في اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتِ الوَفاةُ أبا طالِبٍ دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَعْرِضُها عَلَيْهِ وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يُعانِدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: أوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «أخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَبَكى، فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفِّنْهُ ووارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ورَحِمَهُ، فَفَعَلْتُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ» . وقَدْ رُوِيَ كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأبِي طالِبٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: مِنها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عِنْدَ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، وأبِي الشَّيْخِ، وهو مُرْسَلٌ. ومِنها عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. ومِنها عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. ومِنها عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وأبِي الشَّيْخِ وابْنِ عَساكِرَ. ومِنها عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ عَساكِرَ، وهو مُرْسَلٌ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ زِيارَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَقَبْرِ أُمِّهِ واسْتِغْفارِهِ لَها، مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمِ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ، وعَنْ (p-٦٠٤)بُرَيْدَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وما في الصَّحِيحَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلى ما لَمْ يَكُنْ فِيهِما عَلى فَرْضِ أنَّهُ صَحِيحٌ، فَكَيْفَ وهو ضَعِيفٌ غالِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ لَهُ حِينَ ماتَ وعَلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في فَوائِدِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمْ يَزَلْ إبْراهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ، فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ فَتَبَرَّأ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَجُلًا كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقالَ رَجُلٌ: لَوْ أنَّ هَذا خَفَضَ صَوْتَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دَعْهُ فَإنَّهُ أوّاهٌ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ ذُو النِّجادَيْنِ: إنَّهُ أوّاهٌ»، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ بِالقُرْآنِ والدُّعاءِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الأوّاهُ ؟ قالَ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ الدَّعّاءُ» . وهَذا إنْ ثَبَتَ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ وتَقْدِيمُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى الأوّاهِ، وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، هَكَذا: حَدَّثَنِي المُثَنّى، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَهْرامَ، حَدَّثَنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ: كانَ مِن حِلْمِهِ أنَّهُ كانَ إذا أذاهُ الرَّجُلُ مِن قَوْمِهِ قالَ لَهُ: هَداكَ اللَّهُ.

التوبة 9:114

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وما بَعْدَهُ أنَّ البَراءَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واجِبَةٌ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ هُنا ما يَزِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ، ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وأنَّ القَرابَةَ في مِثْلِ هَذا الحُكْمِ لا تَأْثِيرَ لَها. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ " ما كانَ " في القُرْآنِ يَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: عَلى النَّفْيِ نَحْوِ ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] . والآخَرُ: عَلى مَعْنى النَّهْيِ نَحْوِ ما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِلْكَفّارِ، وتَحْرِيمِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، والدُّعاءِ بِما لا يَجُوزُ لِمَن كانَ كافِرًا، ولا يُنافِي هَذا ما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الصَّحِيحِ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ (p-٦٠٣)المُشْرِكُونَ رَباعِيَتَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»، لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَلى فَرْضِ أنَّهُ قَدْ كانَ بَلَغَهُ كَما يُفِيدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ أُحُدٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وسَيَأْتِي، فَصُدُورُ هَذا الِاسْتِغْفارِ مِنهُ لِقَوْمِهِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . وفِي البُخارِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ. والمَعْنى: أنَّ هَذا التَّبَيُّنَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ المُوالاةِ لِمَن كانَ هَكَذا، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالقَرابَةِ لِأنَّهم ماتُوا عَلى الشِّرْكِ. وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم في حُكْمِ المُخالَفَةِ لِوَعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ الآيَةَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّبَبَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ أنَّهُ كانَ لِأجْلِ وعْدٍ تَقَدَّمَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلِاسْتِغْفارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما وعَدَهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، ومِن أعْداءِ اللَّهِ، فَلا حاجَةَ إلى السُّؤالِ الَّذِي يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى إبْراهِيمَ، فَإنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفارِ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وماتَ عَلَيْهِ، وهو لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ العَداوَةِ تَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، وكَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذا حُكْمٌ إنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ لا بِالعَقْلِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنِ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ دُعاؤُهُ إلى الإسْلامِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ في هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى جَنائِزِ الكُفّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ولا حاجَةَ إلى تَفْسِيرِ الِاسْتِغْفارِ بِالصَّلاةِ ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالثَّناءِ العَظِيمِ عَلى إبْراهِيمَ، فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ﴾ وهو كَثِيرُ التَّأوُّهِ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صِيغَةُ المُبالَغَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى الأوّاهِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ الدُّعاءَ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّهُ الرَّحِيمُ بِعِبادِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ المُؤْمِنُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ في الأرْضِ القَفْرِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، وقِيلَ: الَّذِي يُكْثِرُ الذِّكْرَ لِلَّهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ. وقِيلَ: هو الَّذِي يُكْثِرُ التِّلاوَةَ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ الفَقِيهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ. وقِيلَ: المُتَضَرِّعُ الخاضِعُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ. وقِيلَ: هو الَّذِي إذا ذَكَرَ خَطاياهُ اسْتَغْفَرَ لَها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي أيُّوبَ. وقِيلَ: هو الشَّفِيقُ قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى. وقالَ: إنَّهُ المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ. وقِيلَ: إنَّهُ الرّاجِعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ، قالَهُ عَطاءٌ. والمُطابِقُ لِمَعْنى الأوّاهِ لُغَةً أنْ يُقالَ إنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ مِن ذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ مَثَلًا: آهٍ مِن ذُنُوبِي آهٍ مِمّا أُعاقَبُ بِهِ بِسَبَبِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي ذَرٍّ، ومَعْنى التَّأوُّهِ هو أنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِن تَنَفُّسِ الصُّعَداءِ. قالَ في الصِّحاحِ: وقَدْ أوَّهَ الرَّجُلُ تَأْوِيهًا، وتَأوَّهَ تَأوُّهًا إذا قالَ أوْهِ، والِاسْمُ مِنهُ آهَةٌ بِالمَدِّ، قالَ: ؎إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ و( حَلِيمٌ ) الكَثِيرُ الحِلْمِ كَما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ، وهو الَّذِي يَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى الأذى، وقِيلَ: الَّذِي لا يُعاقِبُ أحَدًا قَطُّ إلّا في اللَّهِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتِ الوَفاةُ أبا طالِبٍ دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَعْرِضُها عَلَيْهِ وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يُعانِدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: أوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «أخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَبَكى، فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفِّنْهُ ووارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ورَحِمَهُ، فَفَعَلْتُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآيَةَ» . وقَدْ رُوِيَ كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأبِي طالِبٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: مِنها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عِنْدَ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، وأبِي الشَّيْخِ، وهو مُرْسَلٌ. ومِنها عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. ومِنها عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. ومِنها عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وأبِي الشَّيْخِ وابْنِ عَساكِرَ. ومِنها عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ عَساكِرَ، وهو مُرْسَلٌ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ زِيارَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَقَبْرِ أُمِّهِ واسْتِغْفارِهِ لَها، مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمِ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ، وعَنْ (p-٦٠٤)بُرَيْدَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وما في الصَّحِيحَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلى ما لَمْ يَكُنْ فِيهِما عَلى فَرْضِ أنَّهُ صَحِيحٌ، فَكَيْفَ وهو ضَعِيفٌ غالِبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ لَهُ حِينَ ماتَ وعَلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في فَوائِدِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمْ يَزَلْ إبْراهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ، فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ فَتَبَرَّأ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَجُلًا كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقالَ رَجُلٌ: لَوْ أنَّ هَذا خَفَضَ صَوْتَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: دَعْهُ فَإنَّهُ أوّاهٌ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ ذُو النِّجادَيْنِ: إنَّهُ أوّاهٌ»، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ بِالقُرْآنِ والدُّعاءِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا أحْمَدُ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الأوّاهُ ؟ قالَ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ الدَّعّاءُ» . وهَذا إنْ ثَبَتَ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ وتَقْدِيمُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى الأوّاهِ، وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، هَكَذا: حَدَّثَنِي المُثَنّى، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَهْرامَ، حَدَّثَنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ: كانَ مِن حِلْمِهِ أنَّهُ كانَ إذا أذاهُ الرَّجُلُ مِن قَوْمِهِ قالَ لَهُ: هَداكَ اللَّهُ.

التوبة 9:115

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: مَن قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ القُلُوبَ بِكادَ. قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جائِزٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ، ومَعْنى " تَزِيغُ " تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والمَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتَتْرُكُ المُناصَرَةَ والمُمانَعَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَهُمُّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مِن بَعْدِ ما زاغَتْ " وهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي تَكْرِيرِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ تَأْكِيدٌ ظاهِرٌ واعْتِناءٌ بِشَأْنِها، هَذا إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَنْهم، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ إلى الفَرِيقِ فَلا تَكْرارَ. قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أيْ أُخِّرُوا، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم في الحالِ كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى خُلِّفُوا (p-٦٠٥)تُرِكُوا، يُقالُ: خَلَّفْتُ فُلانًا فارَقْتُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ " خُلِفُوا " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أقامُوا بَعْدَ نُهُوضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إلى الغَزْوِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " خالَفُوا " وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أوِ ابْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( خُلِّفُوا ) فَسَدُوا، مَأْخُوذٌ مِن خُلُوفِ الفَمِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم أُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، وهي وقْتُ أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِرَحْبِها، لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُكالَمَتِهِمْ مِن كُلِّ أحَدٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى النّاسَ أنْ يُكالِمُوهم، والرَّحْبُ: الواسِعُ، يُقالُ: مَنزِلٌ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورِحابٌ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ هِجْرانِ أهْلِ المَعاصِي تَأْدِيبًا لَهم لِيَنْزَجِرُوا عَنِ المَعاصِي. ومَعْنى ضِيقِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ: أنَّها ضاقَتْ صُدُورُهم بِما نالَهم مِنَ الوَحْشَةِ وبِما حَصَلَ لَهم مِنَ الجَفْوَةِ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ عَنِ العِلْمِ: أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ قَطُّ إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ، وأنْزَلَ في القُرْآنِ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ لِيَسْتَقِيمُوا أوْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ لِيَتُوبُوا عَنْها ويَرْجِعُوا إلى اللَّهِ فِيها ويَنْدَمُوا عَلى ما وقَعَ مِنهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ أيِ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَن طَلَبَها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ حَصَلَ لَهم بِالصِّدْقِ ما حَصَلَ مِن تَوْبَةِ اللَّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ لِلْعِبادِ عَلى العُمُومِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم، ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَنْقَطِعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا فادْعُ لَنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهم ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» . وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَ الرُّواةِ أنَّ ساعَةَ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ مِنها في النّاسِ وأشْهَرَ»، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ الطَّوِيلَةَ المَشْهُورَةَ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، وهي مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: يَعْنِي خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ لَمْ يُتَبْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، قِيلَ: لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:116

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: مَن قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ القُلُوبَ بِكادَ. قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جائِزٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ، ومَعْنى " تَزِيغُ " تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والمَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتَتْرُكُ المُناصَرَةَ والمُمانَعَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَهُمُّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مِن بَعْدِ ما زاغَتْ " وهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي تَكْرِيرِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ تَأْكِيدٌ ظاهِرٌ واعْتِناءٌ بِشَأْنِها، هَذا إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَنْهم، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ إلى الفَرِيقِ فَلا تَكْرارَ. قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أيْ أُخِّرُوا، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم في الحالِ كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى خُلِّفُوا (p-٦٠٥)تُرِكُوا، يُقالُ: خَلَّفْتُ فُلانًا فارَقْتُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ " خُلِفُوا " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أقامُوا بَعْدَ نُهُوضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إلى الغَزْوِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " خالَفُوا " وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أوِ ابْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( خُلِّفُوا ) فَسَدُوا، مَأْخُوذٌ مِن خُلُوفِ الفَمِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم أُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، وهي وقْتُ أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِرَحْبِها، لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُكالَمَتِهِمْ مِن كُلِّ أحَدٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى النّاسَ أنْ يُكالِمُوهم، والرَّحْبُ: الواسِعُ، يُقالُ: مَنزِلٌ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورِحابٌ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ هِجْرانِ أهْلِ المَعاصِي تَأْدِيبًا لَهم لِيَنْزَجِرُوا عَنِ المَعاصِي. ومَعْنى ضِيقِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ: أنَّها ضاقَتْ صُدُورُهم بِما نالَهم مِنَ الوَحْشَةِ وبِما حَصَلَ لَهم مِنَ الجَفْوَةِ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ عَنِ العِلْمِ: أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ قَطُّ إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ، وأنْزَلَ في القُرْآنِ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ لِيَسْتَقِيمُوا أوْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ لِيَتُوبُوا عَنْها ويَرْجِعُوا إلى اللَّهِ فِيها ويَنْدَمُوا عَلى ما وقَعَ مِنهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ أيِ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَن طَلَبَها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ حَصَلَ لَهم بِالصِّدْقِ ما حَصَلَ مِن تَوْبَةِ اللَّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ لِلْعِبادِ عَلى العُمُومِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم، ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَنْقَطِعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا فادْعُ لَنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهم ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» . وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَ الرُّواةِ أنَّ ساعَةَ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ مِنها في النّاسِ وأشْهَرَ»، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ الطَّوِيلَةَ المَشْهُورَةَ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، وهي مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: يَعْنِي خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ لَمْ يُتَبْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، قِيلَ: لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:117

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: مَن قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ القُلُوبَ بِكادَ. قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جائِزٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ، ومَعْنى " تَزِيغُ " تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والمَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتَتْرُكُ المُناصَرَةَ والمُمانَعَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَهُمُّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مِن بَعْدِ ما زاغَتْ " وهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي تَكْرِيرِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ تَأْكِيدٌ ظاهِرٌ واعْتِناءٌ بِشَأْنِها، هَذا إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَنْهم، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ إلى الفَرِيقِ فَلا تَكْرارَ. قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أيْ أُخِّرُوا، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم في الحالِ كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى خُلِّفُوا (p-٦٠٥)تُرِكُوا، يُقالُ: خَلَّفْتُ فُلانًا فارَقْتُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ " خُلِفُوا " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أقامُوا بَعْدَ نُهُوضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إلى الغَزْوِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " خالَفُوا " وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أوِ ابْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( خُلِّفُوا ) فَسَدُوا، مَأْخُوذٌ مِن خُلُوفِ الفَمِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم أُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، وهي وقْتُ أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِرَحْبِها، لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُكالَمَتِهِمْ مِن كُلِّ أحَدٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى النّاسَ أنْ يُكالِمُوهم، والرَّحْبُ: الواسِعُ، يُقالُ: مَنزِلٌ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورِحابٌ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ هِجْرانِ أهْلِ المَعاصِي تَأْدِيبًا لَهم لِيَنْزَجِرُوا عَنِ المَعاصِي. ومَعْنى ضِيقِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ: أنَّها ضاقَتْ صُدُورُهم بِما نالَهم مِنَ الوَحْشَةِ وبِما حَصَلَ لَهم مِنَ الجَفْوَةِ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ عَنِ العِلْمِ: أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ قَطُّ إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ، وأنْزَلَ في القُرْآنِ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ لِيَسْتَقِيمُوا أوْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ لِيَتُوبُوا عَنْها ويَرْجِعُوا إلى اللَّهِ فِيها ويَنْدَمُوا عَلى ما وقَعَ مِنهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ أيِ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَن طَلَبَها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ حَصَلَ لَهم بِالصِّدْقِ ما حَصَلَ مِن تَوْبَةِ اللَّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ لِلْعِبادِ عَلى العُمُومِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم، ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَنْقَطِعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا فادْعُ لَنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهم ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» . وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَ الرُّواةِ أنَّ ساعَةَ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ مِنها في النّاسِ وأشْهَرَ»، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ الطَّوِيلَةَ المَشْهُورَةَ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، وهي مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: يَعْنِي خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ لَمْ يُتَبْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، قِيلَ: لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:118

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: مَن قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ القُلُوبَ بِكادَ. قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جائِزٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ، ومَعْنى " تَزِيغُ " تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والمَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتَتْرُكُ المُناصَرَةَ والمُمانَعَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَهُمُّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مِن بَعْدِ ما زاغَتْ " وهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي تَكْرِيرِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ تَأْكِيدٌ ظاهِرٌ واعْتِناءٌ بِشَأْنِها، هَذا إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَنْهم، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ إلى الفَرِيقِ فَلا تَكْرارَ. قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أيْ أُخِّرُوا، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم في الحالِ كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى خُلِّفُوا (p-٦٠٥)تُرِكُوا، يُقالُ: خَلَّفْتُ فُلانًا فارَقْتُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ " خُلِفُوا " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أقامُوا بَعْدَ نُهُوضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إلى الغَزْوِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " خالَفُوا " وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أوِ ابْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( خُلِّفُوا ) فَسَدُوا، مَأْخُوذٌ مِن خُلُوفِ الفَمِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم أُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، وهي وقْتُ أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِرَحْبِها، لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُكالَمَتِهِمْ مِن كُلِّ أحَدٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى النّاسَ أنْ يُكالِمُوهم، والرَّحْبُ: الواسِعُ، يُقالُ: مَنزِلٌ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورِحابٌ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ هِجْرانِ أهْلِ المَعاصِي تَأْدِيبًا لَهم لِيَنْزَجِرُوا عَنِ المَعاصِي. ومَعْنى ضِيقِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ: أنَّها ضاقَتْ صُدُورُهم بِما نالَهم مِنَ الوَحْشَةِ وبِما حَصَلَ لَهم مِنَ الجَفْوَةِ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ عَنِ العِلْمِ: أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ قَطُّ إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ، وأنْزَلَ في القُرْآنِ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ لِيَسْتَقِيمُوا أوْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ لِيَتُوبُوا عَنْها ويَرْجِعُوا إلى اللَّهِ فِيها ويَنْدَمُوا عَلى ما وقَعَ مِنهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ أيِ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَن طَلَبَها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ حَصَلَ لَهم بِالصِّدْقِ ما حَصَلَ مِن تَوْبَةِ اللَّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ لِلْعِبادِ عَلى العُمُومِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم، ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَنْقَطِعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا فادْعُ لَنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهم ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» . وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَ الرُّواةِ أنَّ ساعَةَ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ مِنها في النّاسِ وأشْهَرَ»، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ الطَّوِيلَةَ المَشْهُورَةَ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، وهي مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: يَعْنِي خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ لَمْ يُتَبْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، قِيلَ: لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:119

لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، خافَ جَماعَةٌ مِمَّنْ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ إلَخْ: أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوقِعُ الضَّلالَ عَلى قَوْمٍ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا بَعْدَ أنْ هَداهم إلى الإسْلامِ، والقِيامِ بِشَرائِعِهِ ما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ، وأمّا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِمْ ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، ومَعْنى ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مُحَرَّماتِ الشَّرْعِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِمّا يَحِلُّ لِعِبادِهِ ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، ومِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي خَلَقَها. ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ مُشارِكٌ، ولا يُنازِعُهُ مُنازِعٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ بِما شاءَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُحْيِي مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإحْيائِهِ، ويُمِيتُ مَن قَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِإماتَتِهِ، وما لِعِبادِهِ مَن دُونِهِ مَن ولِيٍّ يُوالِيهِمْ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُهم، فَلا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، فَإنَّ القَرابَةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تُؤَثِّرُ أثَرًا، بَلِ التَّصَرُّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ فِيما وقَعَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الإذْنِ في التَّخَلُّفِ، أوْ فِيما وقَعَ مِنهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَيْسَ مِن لازِمِ التَّوْبَةِ أنْ يَسْبِقَ الذَّنْبُ مِمَّنْ وقَعَتْ مِنهُ أوْ لَهُ، لِأنَّ كُلَّ العِبادِ مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مِنهُ تَعالى عَلى النَّبِيِّ مِن بابِ أنَّهُ تَرَكَ ما هو الأوْلى والألْيَقُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأجْلِ التَّعْرِيفِ لِلْمُذْنِبِينَ بِأنْ يَتَجَنَّبُوا الذُّنُوبَ ويَتُوبُوا عَمّا قَدْ لابَسُوهُ مِنها، وكَذَلِكَ تابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فِيما قَدِ اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم»، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وساعَةُ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَإنَّهم كانُوا في عُسْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فالمُرادُ بِالسّاعَةِ جَمِيعُ أوْقاتِ تِلْكَ الغَزاةِ، ولَمْ يُرِدْ ساعَةً بِعَيْنِها، والعَسِرَةُ صُعُوبَةُ الأمْرِ. قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم﴾ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و( قُلُوبُ ) مَرْفُوعٌ بِـ ( تَزِيغُ ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقِيلَ: هي مَرْفُوعَةٌ بِـ " كادَ "، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ( يَزِيغُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: مَن قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ القُلُوبَ بِكادَ. قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي لَمْ يُجِزْهُ جائِزٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ، ومَعْنى " تَزِيغُ " تَتْلَفُ بِالجَهْدِ والمَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتَتْرُكُ المُناصَرَةَ والمُمانَعَةَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَهُمُّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مِن بَعْدِ ما زاغَتْ " وهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي تَكْرِيرِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ تَأْكِيدٌ ظاهِرٌ واعْتِناءٌ بِشَأْنِها، هَذا إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْبَةِ عَنْهم، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ إلى الفَرِيقِ فَلا تَكْرارَ. قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: أيْ أُخِّرُوا، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم في الحالِ كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى خُلِّفُوا (p-٦٠٥)تُرِكُوا، يُقالُ: خَلَّفْتُ فُلانًا فارَقْتُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ " خُلِفُوا " بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أقامُوا بَعْدَ نُهُوضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ إلى الغَزْوِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " خالَفُوا " وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ أوِ ابْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَعْنى ( خُلِّفُوا ) فَسَدُوا، مَأْخُوذٌ مِن خُلُوفِ الفَمِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم أُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، وهي وقْتُ أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِرَحْبِها، لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وعَدَمِ مُكالَمَتِهِمْ مِن كُلِّ أحَدٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى النّاسَ أنْ يُكالِمُوهم، والرَّحْبُ: الواسِعُ، يُقالُ: مَنزِلٌ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورِحابٌ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ هِجْرانِ أهْلِ المَعاصِي تَأْدِيبًا لَهم لِيَنْزَجِرُوا عَنِ المَعاصِي. ومَعْنى ضِيقِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ: أنَّها ضاقَتْ صُدُورُهم بِما نالَهم مِنَ الوَحْشَةِ وبِما حَصَلَ لَهم مِنَ الجَفْوَةِ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ عَنِ العِلْمِ: أيْ عَلِمُوا أنْ لا مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ قَطُّ إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ، وأنْزَلَ في القُرْآنِ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ لِيَسْتَقِيمُوا أوْ وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ لِيَتُوبُوا عَنْها ويَرْجِعُوا إلى اللَّهِ فِيها ويَنْدَمُوا عَلى ما وقَعَ مِنهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ أيِ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَن طَلَبَها مِن عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ حَصَلَ لَهم بِالصِّدْقِ ما حَصَلَ مِن تَوْبَةِ اللَّهِ، وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ لِلْعِبادِ عَلى العُمُومِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم، ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَنْقَطِعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا فادْعُ لَنا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهم ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» . وقَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَ الرُّواةِ أنَّ ساعَةَ العُسْرَةِ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما، «عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ مِنها في النّاسِ وأشْهَرَ»، ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ الطَّوِيلَةَ المَشْهُورَةَ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، وهي مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: يَعْنِي خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ لَمْ يُتَبْ عَلَيْهِمْ حِينَ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، قِيلَ: لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ، في الآيَةِ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

التوبة 9:120

في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلَخْ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُجُوبِ الغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَحْرِيمِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ﴿ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وإنَّما (p-٦٠٦)خَصَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم قَدِ اسْتُنْفِرُوا فَلَمْ يَنْفِرُوا، بِخِلافِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا مَعَ كَوْنِ هَؤُلاءِ لِقُرْبِهِمْ وجِوارِهِمْ أحَقُّ بِالنُّصْرَةِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ وما كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَيَشِحُّونَ بِها ويَصُونُونَها، ولا يَشِحُّونَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ويَصُونُونَها كَما شَحُّوا بِأنْفُسِهِمْ وصانُوها، يُقالُ: رَغِبْتُ عَنْ كَذا: أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ المَشاقَّ، ويُجاهِدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أهْلَ الشِّقاقِ، ويَبْذُلُوا أنْفُسَهم دُونَ نَفْسِهِ، وفي هَذا الإخْبارِ مَعْنى الأمْرِ لَهم مَعَ ما يُفِيدُهُ إيرادُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْيِيجِ لَهم، والإزْراءِ عَلَيْهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ( ذَلِكَ ) إلى ما يُفِيدُهُ السِّياقُ مِن وُجُوبِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: ذَلِكَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم مُثابُونَ عَلى أنْواعِ المَتاعِبِ وأصْنافِ الشَّدائِدِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، والمَخْمَصَةُ: المَجاعَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَظْهَرُ عِنْدَها ضُمُورُ البَطْنِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " ظَماءٌ " بِالمَدِّ. وقَرَأ غَيْرُهُ بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ خَطَأٍ وخَطاءٍ. و" لا " في هَذِهِ المَواضِعِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومَعْنى في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ لا يَدُوسُونَ مَكانًا مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ بِأقْدامِهِمْ أوْ بِحَوافِرِ خُيُولِهِمْ أوْ بِأخْفافِ رَواحِلِهِمْ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الغَيْظُ لِلْكُفّارِ. والمَوْطِئُ: اسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ يُصِيبُونَ مَن عَدُوِّهِمْ قَتْلًا أوْ أسْرًا أوْ هَزِيمَةً أوْ غَنِيمَةً، وأصْلُهُ مِن: نِلْتُ الشَّيْءَ أنالُ: أيْ أُصِيبُ. قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمْ أمْرٌ مَنِيلٌ مِنهُ، ولَيْسَ هو مِنَ التَّناوُلِ، إنَّما التَّناوُلُ مِن نُلْتُهُ بِالعَطِيَّةِ. قالَ غَيْرُهُ: نُلْتُ أنُولُ مِنَ العَطِيَّةِ، ونِلْتُهُ أنالُهُ: أدْرَكْتُهُ. والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: الحَسَنَةُ المَقْبُولَةُ: أيْ إلّا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم حَسَنَةً مَقْبُولَةً يُجازِيهِمْ بِها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ مَعَ كَوْنِهِ يَشْمَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَصْدُقُ عَلى المَذْكُورِينَ هُنا صِدْقًا أوَّلِيًّا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ ولا يَقَعُ مِنهُمُ الإنْفاقُ في الحَرْبِ وإنْ كانَ شَيْئًا صَغِيرًا يَسِيرًا ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ، والعَرَبُ تَقُولُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ فِيما عَلِمْتُ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ. ﴿إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ كُتِبَ لَهم ذَلِكَ الَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ النَّفَقَةِ والسَّفَرِ في الجِهادِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ أحْسَنَ جَزاءِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى ( عَمَلٌ صالِحٌ ) . وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها وهي قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فَإنَّها تَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّخَلُّفِ مِنَ البَعْضِ مَعَ القِيامِ بِالجِهادِ مِنَ البَعْضِ، وسَيَأْتِي. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مالِكٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْلا ضُعَفاءُ النّاسِ ما كانَتْ سَرِيَّةٌ إلّا كُنْتُ فِيها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ قالَ: هَذا حِينَ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَلَمّا كَثُرَ الإسْلامُ وفَشا قالَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ، وإبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَزارِيِّ، وعِيسى بْنِ يُونُسَ السَّبِيعِيِّ، أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.

التوبة 9:121

في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلَخْ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُجُوبِ الغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَحْرِيمِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ: أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ﴿ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وإنَّما (p-٦٠٦)خَصَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم قَدِ اسْتُنْفِرُوا فَلَمْ يَنْفِرُوا، بِخِلافِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم لَمْ يُسْتَنْفَرُوا مَعَ كَوْنِ هَؤُلاءِ لِقُرْبِهِمْ وجِوارِهِمْ أحَقُّ بِالنُّصْرَةِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ وما كانَ لَهم أنْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَيَشِحُّونَ بِها ويَصُونُونَها، ولا يَشِحُّونَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ويَصُونُونَها كَما شَحُّوا بِأنْفُسِهِمْ وصانُوها، يُقالُ: رَغِبْتُ عَنْ كَذا: أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ، بَلْ واجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ المَشاقَّ، ويُجاهِدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أهْلَ الشِّقاقِ، ويَبْذُلُوا أنْفُسَهم دُونَ نَفْسِهِ، وفي هَذا الإخْبارِ مَعْنى الأمْرِ لَهم مَعَ ما يُفِيدُهُ إيرادُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ لَهم والتَّقْرِيعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْيِيجِ لَهم، والإزْراءِ عَلَيْهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ( ذَلِكَ ) إلى ما يُفِيدُهُ السِّياقُ مِن وُجُوبِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: ذَلِكَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم مُثابُونَ عَلى أنْواعِ المَتاعِبِ وأصْنافِ الشَّدائِدِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، والمَخْمَصَةُ: المَجاعَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَظْهَرُ عِنْدَها ضُمُورُ البَطْنِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ " ظَماءٌ " بِالمَدِّ. وقَرَأ غَيْرُهُ بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ خَطَأٍ وخَطاءٍ. و" لا " في هَذِهِ المَواضِعِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومَعْنى في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ لا يَدُوسُونَ مَكانًا مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ بِأقْدامِهِمْ أوْ بِحَوافِرِ خُيُولِهِمْ أوْ بِأخْفافِ رَواحِلِهِمْ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الغَيْظُ لِلْكُفّارِ. والمَوْطِئُ: اسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ يُصِيبُونَ مَن عَدُوِّهِمْ قَتْلًا أوْ أسْرًا أوْ هَزِيمَةً أوْ غَنِيمَةً، وأصْلُهُ مِن: نِلْتُ الشَّيْءَ أنالُ: أيْ أُصِيبُ. قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمْ أمْرٌ مَنِيلٌ مِنهُ، ولَيْسَ هو مِنَ التَّناوُلِ، إنَّما التَّناوُلُ مِن نُلْتُهُ بِالعَطِيَّةِ. قالَ غَيْرُهُ: نُلْتُ أنُولُ مِنَ العَطِيَّةِ، ونِلْتُهُ أنالُهُ: أدْرَكْتُهُ. والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والعَمَلُ الصّالِحُ: الحَسَنَةُ المَقْبُولَةُ: أيْ إلّا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم حَسَنَةً مَقْبُولَةً يُجازِيهِمْ بِها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ مَعَ كَوْنِهِ يَشْمَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَصْدُقُ عَلى المَذْكُورِينَ هُنا صِدْقًا أوَّلِيًّا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ ولا يَقَعُ مِنهُمُ الإنْفاقُ في الحَرْبِ وإنْ كانَ شَيْئًا صَغِيرًا يَسِيرًا ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ، والعَرَبُ تَقُولُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ فِيما عَلِمْتُ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ. ﴿إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ كُتِبَ لَهم ذَلِكَ الَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ النَّفَقَةِ والسَّفَرِ في الجِهادِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ أحْسَنَ جَزاءِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى ( عَمَلٌ صالِحٌ ) . وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها وهي قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فَإنَّها تَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّخَلُّفِ مِنَ البَعْضِ مَعَ القِيامِ بِالجِهادِ مِنَ البَعْضِ، وسَيَأْتِي. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مالِكٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْلا ضُعَفاءُ النّاسِ ما كانَتْ سَرِيَّةٌ إلّا كُنْتُ فِيها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ قالَ: هَذا حِينَ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَلَمّا كَثُرَ الإسْلامُ وفَشا قالَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ، وإبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَزارِيِّ، وعِيسى بْنِ يُونُسَ السَّبِيعِيِّ، أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.

التوبة 9:122

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في الأمْرِ بِالجِهادِ والِانْتِدابِ إلى الغَزْوِ كانَ المُسْلِمُونَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَرِيَّةً مِنَ الكُفّارِ يَنْفِرُونَ جَمِيعًا ويَتْرُكُونَ المَدِينَةَ خالِيَةً، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ما كانَ لَهم ذَلِكَ أيْ: ما صَحَّ لَهم ولا اسْتَقامَ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا، بَلْ يَنْفِرُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ ويَبْقى مَن عَدا هَذِهِ الطّائِفَةِ النّافِرَةِ. قالُوا: ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لِيَتَفَقَّهُوا عائِدًا إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ. والمَعْنى: أنَّ الطّائِفَةَ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ تَخْرُجُ إلى الغَزْوِ، ومَن بَقِيَ مِنَ الفِرْقَةِ يَقِفُونَ لِطَلَبِ العِلْمِ، ويُعَلِّمُونَ الغُزاةَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، أوْ يَذْهَبُونَ في طَلَبِهِ إلى المَكانِ الَّذِي يَجِدُونَ فِيهِ مَن يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ الفِقْهَ في الدِّينِ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم وقْتَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، وهي حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِلًا بِما دَلَّ عَلى إيجابِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ نَوْعَيْنِ: الأوَّلُ: سَفَرُ الجِهادِ، والثّانِي: السَّفَرُ لِطَلَبِ العِلْمِ، ولا شَكَّ أنَّ وُجُوبَ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَجِدِ الطّالِبُ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ. والفِقْهُ: هو العِلْمُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وبِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ بِها مِن لُغَةٍ ونَحْوٍ وصَرْفٍ وبَيانٍ وأُصُولٍ. ومَعْنى ( فَلَوْلا نَفَرَ ) فَهَلّا نَفَرَ، والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الغَرَضَ مِن هَذا هو التَّفَقُّهَ في الدِّينِ، وإنْذارَ مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ، فَجَمَعَ بَيْنَ المَقْصِدَيْنِ الصّالِحَيْنِ والمَطْلَبَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وهُما تَعَلُّمُ العِلْمِ وتَعْلِيمُهُ، فَمَن كانَ غَرَضُهُ بِطَلَبِ العِلْمِ غَيْرَ هَذَيْنِ، فَهو طالِبٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ، فَهو كَما قُلْتُ: ؎(p-٦٠٧)وطالِبُ الدُّنْيا بِعِلْمِ الدِّينِ أيُّ بائِسٍ كَمَن غَدا لِنَعْلِهِ يَمْسَحُ بِالقَلانِسِ ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ التَّرَجِّي لِوُقُوعِ الحَذَرِ مِنهم عَنِ التَّفْرِيطِ فِيما يَجِبُ فِعْلُهُ فَيُتْرَكُ، أوْ فِيما يَجِبُ تَرْكُهُ فَيُفْعَلُ. ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْتَهِدُوا في مُقاتَلَةِ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَأْخُذُوا في حَرْبِهِمْ بِالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ، والجِهادُ واجِبٌ لِكُلِّ الكُفّارِ، وإنْ كانَ الِابْتِداءُ بِمَن يَلِي المُجاهِدِينَ مِنهم أهَمَّ وأقْدَمَ، ثُمَّ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِما يُقَوِّي عَزائِمَهم ويُثَبِّتُ أقْدامَهم فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ لَهم وتَأْيِيدِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] و﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ يَقُولُ: لِتَنْفِرْ طائِفَةٌ وتَمْكُثْ طائِفَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالماكِثُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ ويُنْذِرُونَ إخْوانَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، ولَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ما نَزَلْ مِن بَعْدِهِمْ مِن قَضاءِ اللَّهِ في كِتابِهِ وحُدُودِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِسِياقٍ أتَمَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجِهادِ، ولَكِنْ لَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُضَرَ بِالسِّنِينَ أجْدَبَتْ بِلادُهم، فَكانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم تُقْبِلُ بِأسْرِها حَتّى يَخْلُوا بِالمَدِينَةِ مِنَ الجَهْدِ ويَقْبَلُوا بِالإسْلامِ وهم كاذِبُونَ، فَضَيَّقُوا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأجْهَدُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُخْبِرُ رَسُولَهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَرَدَّهم إلى عَشائِرِهِمْ وحَذَّرَ قَوْمَهم أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ وفي البابِ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الأدْنى، فالأدْنى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَزْوِ الدَّيْلَمِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الرُّومُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ قالَ: شِدَّةً.

التوبة 9:123

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في الأمْرِ بِالجِهادِ والِانْتِدابِ إلى الغَزْوِ كانَ المُسْلِمُونَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سَرِيَّةً مِنَ الكُفّارِ يَنْفِرُونَ جَمِيعًا ويَتْرُكُونَ المَدِينَةَ خالِيَةً، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ما كانَ لَهم ذَلِكَ أيْ: ما صَحَّ لَهم ولا اسْتَقامَ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا، بَلْ يَنْفِرُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِن تِلْكَ الفِرْقَةِ ويَبْقى مَن عَدا هَذِهِ الطّائِفَةِ النّافِرَةِ. قالُوا: ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لِيَتَفَقَّهُوا عائِدًا إلى الفِرْقَةِ الباقِيَةِ. والمَعْنى: أنَّ الطّائِفَةَ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ تَخْرُجُ إلى الغَزْوِ، ومَن بَقِيَ مِنَ الفِرْقَةِ يَقِفُونَ لِطَلَبِ العِلْمِ، ويُعَلِّمُونَ الغُزاةَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، أوْ يَذْهَبُونَ في طَلَبِهِ إلى المَكانِ الَّذِي يَجِدُونَ فِيهِ مَن يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ الفِقْهَ في الدِّينِ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم وقْتَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، وهي حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِلًا بِما دَلَّ عَلى إيجابِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ نَوْعَيْنِ: الأوَّلُ: سَفَرُ الجِهادِ، والثّانِي: السَّفَرُ لِطَلَبِ العِلْمِ، ولا شَكَّ أنَّ وُجُوبَ الخُرُوجِ لِطَلَبِ العِلْمِ إنَّما يَكُونُ إذا لَمْ يَجِدِ الطّالِبُ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ في الحَضَرِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ. والفِقْهُ: هو العِلْمُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وبِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ بِها مِن لُغَةٍ ونَحْوٍ وصَرْفٍ وبَيانٍ وأُصُولٍ. ومَعْنى ( فَلَوْلا نَفَرَ ) فَهَلّا نَفَرَ، والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ الجَماعَةُ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الغَرَضَ مِن هَذا هو التَّفَقُّهَ في الدِّينِ، وإنْذارَ مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ، فَجَمَعَ بَيْنَ المَقْصِدَيْنِ الصّالِحَيْنِ والمَطْلَبَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وهُما تَعَلُّمُ العِلْمِ وتَعْلِيمُهُ، فَمَن كانَ غَرَضُهُ بِطَلَبِ العِلْمِ غَيْرَ هَذَيْنِ، فَهو طالِبٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ، فَهو كَما قُلْتُ: ؎(p-٦٠٧)وطالِبُ الدُّنْيا بِعِلْمِ الدِّينِ أيُّ بائِسٍ كَمَن غَدا لِنَعْلِهِ يَمْسَحُ بِالقَلانِسِ ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ التَّرَجِّي لِوُقُوعِ الحَذَرِ مِنهم عَنِ التَّفْرِيطِ فِيما يَجِبُ فِعْلُهُ فَيُتْرَكُ، أوْ فِيما يَجِبُ تَرْكُهُ فَيُفْعَلُ. ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْتَهِدُوا في مُقاتَلَةِ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَأْخُذُوا في حَرْبِهِمْ بِالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ، والجِهادُ واجِبٌ لِكُلِّ الكُفّارِ، وإنْ كانَ الِابْتِداءُ بِمَن يَلِي المُجاهِدِينَ مِنهم أهَمَّ وأقْدَمَ، ثُمَّ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِما يُقَوِّي عَزائِمَهم ويُثَبِّتُ أقْدامَهم فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالنُّصْرَةِ لَهم وتَأْيِيدِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] و﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ يَقُولُ: لِتَنْفِرْ طائِفَةٌ وتَمْكُثْ طائِفَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالماكِثُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ ويُنْذِرُونَ إخْوانَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزْوِ، ولَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ما نَزَلْ مِن بَعْدِهِمْ مِن قَضاءِ اللَّهِ في كِتابِهِ وحُدُودِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى بِسِياقٍ أتَمَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجِهادِ، ولَكِنْ لَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى مُضَرَ بِالسِّنِينَ أجْدَبَتْ بِلادُهم، فَكانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم تُقْبِلُ بِأسْرِها حَتّى يَخْلُوا بِالمَدِينَةِ مِنَ الجَهْدِ ويَقْبَلُوا بِالإسْلامِ وهم كاذِبُونَ، فَضَيَّقُوا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأجْهَدُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُخْبِرُ رَسُولَهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَرَدَّهم إلى عَشائِرِهِمْ وحَذَّرَ قَوْمَهم أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ وفي البابِ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الأدْنى، فالأدْنى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَزْوِ الدَّيْلَمِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الرُّومُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ قالَ: شِدَّةً.

التوبة 9:124

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.

التوبة 9:125

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.

التوبة 9:126

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.