Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — التوبة 9:127 – يونس 10:27

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. التوبة 9:127
  2. التوبة 9:128
  3. التوبة 9:129
  4. يونس 10:1
  5. يونس 10:2
  6. يونس 10:3
  7. يونس 10:4
  8. يونس 10:5
  9. يونس 10:6
  10. يونس 10:7
  11. يونس 10:8
  12. يونس 10:9
  13. يونس 10:10
  14. يونس 10:11
  15. يونس 10:12
  16. يونس 10:13
  17. يونس 10:14
  18. يونس 10:15
  19. يونس 10:16
  20. يونس 10:17
  21. يونس 10:18
  22. يونس 10:19
  23. يونس 10:20
  24. يونس 10:21
  25. يونس 10:22
  26. يونس 10:23
  27. يونس 10:24
  28. يونس 10:25
  29. يونس 10:26
  30. يونس 10:27

التوبة 9:127

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.

التوبة 9:128

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.

التوبة 9:129

. قَوْلُهُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ حِكايَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِبَقِيَّةِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ: أيْ إذا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُورَةً مِن كِتابِهِ العَزِيزِ فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ لِإخْوانِهِ مِنهم أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ النّازِلَةُ إيمانًا يَقُولُونَ هَذا اسْتِهْزاءً بِالمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قاصِدِينَ بِذَلِكَ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ وتَزْهِيدَهم فِيهِ، و( أيُّكم ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ( زادَتْهُ ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى السُّورَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، والحالُ أنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مَعَ هَذِهِ الزِّيادَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ فَزادَتْهُمُ السُّورَةُ المُنَزَّلَةُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ أيْ خُبْثًا إلى خُبْثِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ، وإظْهارِ غَيْرِ ما يُضْمِرُونَهُ وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا كُفّارًا مُنافِقِينَ، والمُرادُ بِالمَرَضِ هُنا الشَّكُّ والنِّفاقُ، وقِيلَ: المَعْنى: زادَتْهم إثْمًا إلى إثْمِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ ( يَرَوْنَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " أوَلَمْ يَرَوْا " . وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " أوَلا تَرى " خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. ومَعْنى ( يُفْتَنُونَ ) يُخْتَبَرُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ أوْ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَحْطِ والشِّدَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالأمْراضِ والأوْجاعِ. وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِالغَزْوِ والجِهادِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَرَوْنَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ و( ثُمَّ ) لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ( يَرَوْنَ )، والهَمْزَةُ في ( أوَلا يَرَوْنَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ: أيْ لا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن حالِ المُنافِقِينَ وتَصَلُّبِهِمْ في النِّفاقِ وإهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ، فَقالَ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ نَظَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ إلى البَعْضِ الآخَرِ قائِلِينَ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِنَنْصَرِفَ عَنِ المَقامِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الوَحْيُ، فَإنَّهُ لا صَبْرَ لَنا عَلى اسْتِماعِهِ، ولِنَتَكَلَّمَ بِما نُرِيدُ مِنَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والضَّحِكِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أنْزَلَتْ سُورَةٌ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها فَضائِحَ المُنافِقِينَ ومُخازَيَهم، قالَ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ لِلْبَعْضِ الآخَرِ مِنهم: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: ( نَظَرَ ) في هَذِهِ الآيَةِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ " قالَ "، أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ. قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى (p-٦٠٨)مَنازِلِهِمْ، أوْ عَنْ ما يَقْتَضِي الهِدايَةَ والإيمانَ إلى ما يَقْتَضِي الكُفْرَ والنِّفاقَ، ثُمَّ دَعا اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صَرَفَها عَنِ الخَيْرِ وما فِيهِ الرُّشْدُ لَهم والهِدايَةُ، وهو سُبْحانَهُ مُصَرِّفُ القُلُوبِ ومُقَلِّبُها، وقِيلَ المَعْنى: أنَّهُ خَذَلَهم عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ، وقِيلَ: هو دُعاءٌ لا يُرادُ بِهِ وُقُوعُ مَضْمُونِهِ كَقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ انْصَرَفُوا عَنْ مَوْطِنِ الهِدايَةِ، أوِ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما يَسْمَعُونَهُ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ وإنْصافِهِمْ. ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُهَوِّنُ عِنْدَهُ بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَقالَ: لَقَدْ جاءَكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ رَسُولٌ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ ( مِن أنْفُسِكم ) مِن جِنْسِكم في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وإلى كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ خِطابًا لِلْعَرَبِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي خِطابٌ لِجَمِيعِ العالَمِ. والمَعْنى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن﴾ جِنْسِكم في البَشَرِيَّةِ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: شاقٌّ عَلَيْهِ عَنَتُكم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِكم، ومَبْعُوثًا لِهِدايَتِكم، والعَنَتُ: التَّعَبُ لَهم والمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِعَذابِ الآخِرَةِ بِالنّارِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ شَحِيحٌ عَلَيْكم بِأنْ تَدْخُلُوا النّارَ، أوْ حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما: أيْ هَذا الرَّسُولُ ( بِالمُؤْمِنِينَ ) مِنكم أيُّها العَرَبُ أوِ النّاسُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ومُسَلِّيًا لَهُ، ومُرْشِدًا لَهُ إلى ما يَقُولُهُ عِنْدَ أنْ يُعْصى ( فَإنْ تَوَلَّوْا ) أيْ أعْرَضُوا عَنْكَ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما جِئْتَ بِهِ ولا قَبِلُوهُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ ( حَسْبِيَ اللَّهُ ) أيْ كافِيَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) أيْ فَوَّضْتُ جَمِيعَ أُمُورِي ( وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ) وصَفَهُ بِالعِظَمِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَرْشٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ ( رَبُّ ) . وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا نَزَلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُقْتَلُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وقالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بِالعَدُوِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ كِذْبَةٌ أوْ كِذْبَتانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، ولَكِنْ قُولُوا قَضَيْنا الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. وأقُولُ: الِانْصِرافُ يَكُونُ عَنِ الخَيْرِ كَما يَكُونُ عَنِ الشَّرِّ، ولَيْسَ في إطْلاقِهِ هُنا عَلى رُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ الخَيْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وإلّا لَزِمَ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ في الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ في حِكايَةِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ عَنْ أهْلِ الخَيْرِ، كالرُّجُوعِ والذَّهابِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والقِيامِ والقُعُودِ. واللّازِمُ باطِلٌ بِالإجْماعِ، فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ لا يَخْفى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُضَرِيُّها ورَبِيعُها ويَمانِيُّها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مِن أنْفُسِكم قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ، وهَذا فِيهِ انْقِطاعٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ وصَلَهُ الحافِظُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كِتابِهِ الفاصِلِ بَيْنَ الرّاوِي والواعِي، فَقالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ، يُوسُفُ بْنُ هارُونَ بْنِ زِيادٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: أشْهَدُ عَلى أبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ «قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى مِن أنْفُسِكم ؟ قالَ: نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا، لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ، كُلُّنا نِكاحٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْهُ نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ الأوَّلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وفِي البابِ أحادِيثُ بِمَعْناهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، (p-٦٠٩)واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَّقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وفي لَفْظٍ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ نَحْوُهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ المَسْنَدِ، وابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، والخَطِيبُ في تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا ؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم )» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في صِفَةِ العَرْشِ وماهِيَّتِهِ وقَدْرِهِ. وإلى هُنا انْتَهى الثُّلُثُ الأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ المُسَمّى فَتْحَ القَدِيرِ الجامِعَ بَيْنَ فَنَّيِ الرِّوايَةِ والدِّرايَةِ مِن عِلْمِ التَّفْسِيرِ بِقَلَمِ مُؤَلِّفِهِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُما. وكانَ تَمامُ هَذا الثُّلُثِ في نَهارِ يَوْمِ الثُّلاثاءِ لَعَلَّهُ يَوْمُ عِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ١٢٢٧ ه. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. الحَمْدُ لَهُ: انْتَهى سَماعًا عَلى مُؤَلِّفِهِ - أطالَ اللَّهُ مُدَّتَهُ - في شَهْرِ جُمادى الأُولى مِن عامِ ١٢٣٥ ه. يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما آمِينَ.

يونس 10:1

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ إلى آخِرِهِنَّ [يونس: ٩٤ - ٩٦]، هَكَذا رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وحُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] فَإنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، أنَّها مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ بَعْدَ السّابِعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي الرّائِيّاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنِ الأحْنَفِ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ غَداةً فَقَرَأ يُونُسَ وهُودَ وغَيْرَهُما. * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ( الر ) قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، فَفِيهِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَدْ قَرَأ بِالإمالَةِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وخَلَفٌ وغَيْرُهم. وقَرَأ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ( الر ) أنا اللَّهُ أرى. قالَ النَّحّاسُ: ورَأيْتُ أبا إسْحاقَ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكى مِثْلَهُ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ: ؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا أيْ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ( الر ) قَسَمٌ، وقالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، ( الر ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَكَلُّفٌ لِعِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى أنَّ ( الر ) لَيْسَ بِآيَةٍ، وعَلى أنَّ طه آيَةٌ، وفي مُقْنِعِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّ العادِّينَ لِطه آيَةً هُمُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، قِيلَ: ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّ ( الر ) لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ، والتَّبْعِيدُ لِلتَّعْظِيمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقالَ (p-٦١٠)مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وسائِرَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ: أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهو القُرْآنُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وأنَّ الحَكِيمَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ لا مِن صِفاتِ غَيْرِهِ، والحَكِيمُ المُحْكَمُ بِالحَلالِ والحَرامِ والحُدُودِ والأحْكامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ مَعْناهُ الحاكِمُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى المَحْكُومِ فِيهِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ العَجَبِ مَعَ ما يُفِيدُهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ كانَ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وخَبَرُها ( عَجَبًا ) أيْ أكانَ إيحاؤُنا عَجَبًا لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " عَجَبٌ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ( عَجَبٌ ) . وقُرِئَ بِإسْكانِ الجِيمِ مِن " رَجُلٍ " في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ ولَيْسَ في هَذا الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِن جِنْسِهِمْ ما يَقْتَضِي العَجَبَ فَإنَّهُ لا يُلابِسُ الجِنْسَ ويُرْشِدُهُ ويُخْبِرُهُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا مَن كانَ مِن جِنْسِهِ، ولَوْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ لَكانَ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ، ويَتَعَذَّرُ المَقْصُودُ حِينَئِذٍ مِنَ الإرْسالِ، لِأنَّهم لا يَأْنَسُونَ إلَيْهِ ولا يُشاهِدُونَهُ، ولَوْ فَرَضْنا تَشَكُّلَهُ لَهم وظُهُورَهُ، فَإمّا أنْ يَظْهَرَ في غَيْرِ شَكْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ أوْحَشُ لِقُلُوبِهِمْ وأبْعَدُ مِن أُنْسِهِمْ، أوْ في الشَّكْلِ الإنْسانِيِّ فَلا بُدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ غَيْرَ إنْسانٍ، هَذا إنْ كانَ العَجَبُ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِمْ، وإنْ كانَ لِكَوْنِهِ يَتِيمًا أوْ فَقِيرًا، فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَن كانَ كَذَلِكَ جامِعًا مِن خِصالِ الخَيْرِ والشَّرَفِ ما لا يَجْمَعُهُ غَيْرُهُ وبالِغًا في كَمالِ الصِّفاتِ إلى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ مَن كانَ غَنِيًّا، أوْ كانَ غَيْرَ يَتِيمٍ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ أنْ يَصْطَفِيَهُ اللَّهُ بِإرْسالِهِ مِن خِصالِ الكَمالِ عِنْدَ قُرَيْشٍ ما هو أشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأظْهَرُ مِنَ النَّهارِ، حَتّى كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِأنْ أنْذِرِ النّاسَ، وقِيلَ: هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ مَنزِلَ صِدْقٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَتْ عَلى البَحْرِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَدَمُ المُتَقَدِّمُ في الشَّرَفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو عِنْدَ العَرَبِ قَدَمٌ؛ يُقالُ: لِفُلانٍ قَدَمٌ في الإسْلامِ، ولَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ، وقَدَمُ خَيْرٍ، وقَدَمُ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎زَلَّ بَنُو العَوّامِ عَنْ آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمُلْكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ، وقالَ قَتادَةُ: سَلَفُ صِدْقٍ، وقالَ الرَّبِيعُ: ثَوابُ صِدْقٍ، وقالَ الحَسَنُ: هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،: قَدَمُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَقامِ المَحْمُودِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أعْمالًا قَدَّمُوها، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَضّاحِ: ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ الخِصامِ والزَّلَلِ وقِيلَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِإيرادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ " لَساحِرٌ " عَلى أنَّهم أرادُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَرَأ الباقُونَ لَسِحْرٌ عَلى أنَّهم أرادُوا القُرْآنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ؛ وقالَ القَفّالُ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِكَلامٍ يُبْطِلُ بِهِ العَجَبَ الَّذِي حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ مَن كانَ لَهُ هَذا الِاقْتِدارُ العَظِيمُ الَّذِي تَضِيقُ العُقُولُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ إرْسالُهُ لِرَسُولٍ إلى النّاسِ مِن جِنْسِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ مَعَ كَوْنِ الكُفّارِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّسالَةِ بِهَذا الرَّسُولِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فَلا نُعِيدُهُ هُنا، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ فَقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ وتَرَكَ العاطِفَ، لِأنَّ جُمْلَةَ ( يُدَبِّرُ ) كالتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ اسْتَوى، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ وحْدَهُ، وقِيلَ: يَبْعَثُ الأمْرَ، وقِيلَ: يُنَزِّلُ الأمْرَ، وقِيلَ: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدُّبُرِ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، وهو أحْوالُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ وسائِرِ الخَلْقِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ إلَيْهِ في شَيْءٍ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ، لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ في البَقَرَةِ، وفي هَذا بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ بِالأُمُورِ في كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ: أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ اللَّهُ رَبُّكم، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: الِاسْمُ الشَّرِيفُ، ورَبُّكم بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقِيقُ بِها دُونَ غَيْرِهِ لِبَدِيعِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ اقْتِدارِهِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ الجَماداتِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ؟ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( أفَلا تَذَكَّرُونَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ أدْنى تَذَكُّرٍ، وأقَلُّ اعْتِبارٍ يَعْلَمُ بِهَذا ولا يَخْفى عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ آخِرَ (p-٦١١)أمْرِهِمْ بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى، وانْتِصابُ ( وعْدَ اللَّهِ ) عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ مَعْنى الوَعْدِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والمُرادُ بِالمَرْجِعِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ أوْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا فَهو تَأْكِيدٌ لِتَأْكِيدٍ فَيَكُونُ في الكَلامِ مِنَ الوِكادَةِ ما هو الغايَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " وعْدُ اللَّهِ حَقٌّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ، يَبْتَدِئُ خَلْقَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، أوْ مَعْنى الإعادَةِ الجَزاءُ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ لِلْبَعْثِ؛ وقِيلَ: يُنْشِئُهُ مِنَ الماءِ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: " أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما نُصِبَ بِهِ ( وعْدَ اللَّهِ ): أيْ وعَدَكم أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ( أنَّ ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَتَكُونَ اسْمًا. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ ثَعْلَبٍ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: حَقًّا إبْداؤُهُ الخَلْقَ، ثُمَّ ذَكَرَ غايَةَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإعادَةِ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الآخَرُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ: أيْ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ هي وما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ وعَذابٌ ألِيمٌ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا حالَ كَوْنِهِمْ لَهم هَذا الشَّرابُ وهَذا العَذابُ، ولَكِنْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذا الشَّرابَ وهَذا العَذابَ الألِيمَ هُما مِنَ الجَزاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَوْصُولَ في والَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، فَلا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَعْطُوفِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، وكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ العَرَبِ، فَهو حَمِيمٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ( الر ) قالَ: فَواتِحُ أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: الر أنا اللَّهُ أرى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: يَعْنِي هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم، فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ الآيَةَ يُؤْمِنُونَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] الآيَةَ، فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا، فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَقُولُ: أشْرَفِ مِن مُحَمَّدٍ، يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، ومَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ مِنَ الطّائِفِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أجْرًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: القَدَمُ هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمُوا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والآثارُ مَمْشاهم. قالَ: مَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ مِن مَسْجِدِهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا أثَرٌ مَكْتُوبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْفَعُ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَلَفُ صِدْقٍ. والرِّواياتُ عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ في هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أكْثَرَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قالَ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

يونس 10:2

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ إلى آخِرِهِنَّ [يونس: ٩٤ - ٩٦]، هَكَذا رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وحُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] فَإنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، أنَّها مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ بَعْدَ السّابِعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي الرّائِيّاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنِ الأحْنَفِ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ غَداةً فَقَرَأ يُونُسَ وهُودَ وغَيْرَهُما. * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ( الر ) قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، فَفِيهِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَدْ قَرَأ بِالإمالَةِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وخَلَفٌ وغَيْرُهم. وقَرَأ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ( الر ) أنا اللَّهُ أرى. قالَ النَّحّاسُ: ورَأيْتُ أبا إسْحاقَ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكى مِثْلَهُ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ: ؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا أيْ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ( الر ) قَسَمٌ، وقالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، ( الر ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَكَلُّفٌ لِعِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى أنَّ ( الر ) لَيْسَ بِآيَةٍ، وعَلى أنَّ طه آيَةٌ، وفي مُقْنِعِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّ العادِّينَ لِطه آيَةً هُمُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، قِيلَ: ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّ ( الر ) لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ، والتَّبْعِيدُ لِلتَّعْظِيمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقالَ (p-٦١٠)مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وسائِرَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ: أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهو القُرْآنُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وأنَّ الحَكِيمَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ لا مِن صِفاتِ غَيْرِهِ، والحَكِيمُ المُحْكَمُ بِالحَلالِ والحَرامِ والحُدُودِ والأحْكامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ مَعْناهُ الحاكِمُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى المَحْكُومِ فِيهِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ العَجَبِ مَعَ ما يُفِيدُهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ كانَ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وخَبَرُها ( عَجَبًا ) أيْ أكانَ إيحاؤُنا عَجَبًا لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " عَجَبٌ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ( عَجَبٌ ) . وقُرِئَ بِإسْكانِ الجِيمِ مِن " رَجُلٍ " في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ ولَيْسَ في هَذا الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِن جِنْسِهِمْ ما يَقْتَضِي العَجَبَ فَإنَّهُ لا يُلابِسُ الجِنْسَ ويُرْشِدُهُ ويُخْبِرُهُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا مَن كانَ مِن جِنْسِهِ، ولَوْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ لَكانَ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ، ويَتَعَذَّرُ المَقْصُودُ حِينَئِذٍ مِنَ الإرْسالِ، لِأنَّهم لا يَأْنَسُونَ إلَيْهِ ولا يُشاهِدُونَهُ، ولَوْ فَرَضْنا تَشَكُّلَهُ لَهم وظُهُورَهُ، فَإمّا أنْ يَظْهَرَ في غَيْرِ شَكْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ أوْحَشُ لِقُلُوبِهِمْ وأبْعَدُ مِن أُنْسِهِمْ، أوْ في الشَّكْلِ الإنْسانِيِّ فَلا بُدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ غَيْرَ إنْسانٍ، هَذا إنْ كانَ العَجَبُ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِمْ، وإنْ كانَ لِكَوْنِهِ يَتِيمًا أوْ فَقِيرًا، فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَن كانَ كَذَلِكَ جامِعًا مِن خِصالِ الخَيْرِ والشَّرَفِ ما لا يَجْمَعُهُ غَيْرُهُ وبالِغًا في كَمالِ الصِّفاتِ إلى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ مَن كانَ غَنِيًّا، أوْ كانَ غَيْرَ يَتِيمٍ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ أنْ يَصْطَفِيَهُ اللَّهُ بِإرْسالِهِ مِن خِصالِ الكَمالِ عِنْدَ قُرَيْشٍ ما هو أشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأظْهَرُ مِنَ النَّهارِ، حَتّى كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِأنْ أنْذِرِ النّاسَ، وقِيلَ: هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ مَنزِلَ صِدْقٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَتْ عَلى البَحْرِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَدَمُ المُتَقَدِّمُ في الشَّرَفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو عِنْدَ العَرَبِ قَدَمٌ؛ يُقالُ: لِفُلانٍ قَدَمٌ في الإسْلامِ، ولَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ، وقَدَمُ خَيْرٍ، وقَدَمُ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎زَلَّ بَنُو العَوّامِ عَنْ آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمُلْكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ، وقالَ قَتادَةُ: سَلَفُ صِدْقٍ، وقالَ الرَّبِيعُ: ثَوابُ صِدْقٍ، وقالَ الحَسَنُ: هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،: قَدَمُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَقامِ المَحْمُودِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أعْمالًا قَدَّمُوها، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَضّاحِ: ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ الخِصامِ والزَّلَلِ وقِيلَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِإيرادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ " لَساحِرٌ " عَلى أنَّهم أرادُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَرَأ الباقُونَ لَسِحْرٌ عَلى أنَّهم أرادُوا القُرْآنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ؛ وقالَ القَفّالُ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِكَلامٍ يُبْطِلُ بِهِ العَجَبَ الَّذِي حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ مَن كانَ لَهُ هَذا الِاقْتِدارُ العَظِيمُ الَّذِي تَضِيقُ العُقُولُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ إرْسالُهُ لِرَسُولٍ إلى النّاسِ مِن جِنْسِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ مَعَ كَوْنِ الكُفّارِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّسالَةِ بِهَذا الرَّسُولِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فَلا نُعِيدُهُ هُنا، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ فَقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ وتَرَكَ العاطِفَ، لِأنَّ جُمْلَةَ ( يُدَبِّرُ ) كالتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ اسْتَوى، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ وحْدَهُ، وقِيلَ: يَبْعَثُ الأمْرَ، وقِيلَ: يُنَزِّلُ الأمْرَ، وقِيلَ: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدُّبُرِ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، وهو أحْوالُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ وسائِرِ الخَلْقِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ إلَيْهِ في شَيْءٍ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ، لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ في البَقَرَةِ، وفي هَذا بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ بِالأُمُورِ في كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ: أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ اللَّهُ رَبُّكم، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: الِاسْمُ الشَّرِيفُ، ورَبُّكم بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقِيقُ بِها دُونَ غَيْرِهِ لِبَدِيعِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ اقْتِدارِهِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ الجَماداتِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ؟ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( أفَلا تَذَكَّرُونَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ أدْنى تَذَكُّرٍ، وأقَلُّ اعْتِبارٍ يَعْلَمُ بِهَذا ولا يَخْفى عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ آخِرَ (p-٦١١)أمْرِهِمْ بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى، وانْتِصابُ ( وعْدَ اللَّهِ ) عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ مَعْنى الوَعْدِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والمُرادُ بِالمَرْجِعِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ أوْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا فَهو تَأْكِيدٌ لِتَأْكِيدٍ فَيَكُونُ في الكَلامِ مِنَ الوِكادَةِ ما هو الغايَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " وعْدُ اللَّهِ حَقٌّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ، يَبْتَدِئُ خَلْقَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، أوْ مَعْنى الإعادَةِ الجَزاءُ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ لِلْبَعْثِ؛ وقِيلَ: يُنْشِئُهُ مِنَ الماءِ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: " أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما نُصِبَ بِهِ ( وعْدَ اللَّهِ ): أيْ وعَدَكم أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ( أنَّ ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَتَكُونَ اسْمًا. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ ثَعْلَبٍ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: حَقًّا إبْداؤُهُ الخَلْقَ، ثُمَّ ذَكَرَ غايَةَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإعادَةِ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الآخَرُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ: أيْ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ هي وما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ وعَذابٌ ألِيمٌ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا حالَ كَوْنِهِمْ لَهم هَذا الشَّرابُ وهَذا العَذابُ، ولَكِنْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذا الشَّرابَ وهَذا العَذابَ الألِيمَ هُما مِنَ الجَزاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَوْصُولَ في والَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، فَلا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَعْطُوفِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، وكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ العَرَبِ، فَهو حَمِيمٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ( الر ) قالَ: فَواتِحُ أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: الر أنا اللَّهُ أرى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: يَعْنِي هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم، فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ الآيَةَ يُؤْمِنُونَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] الآيَةَ، فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا، فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَقُولُ: أشْرَفِ مِن مُحَمَّدٍ، يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، ومَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ مِنَ الطّائِفِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أجْرًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: القَدَمُ هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمُوا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والآثارُ مَمْشاهم. قالَ: مَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ مِن مَسْجِدِهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا أثَرٌ مَكْتُوبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْفَعُ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَلَفُ صِدْقٍ. والرِّواياتُ عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ في هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أكْثَرَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قالَ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

يونس 10:3

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ إلى آخِرِهِنَّ [يونس: ٩٤ - ٩٦]، هَكَذا رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وحُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] فَإنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، أنَّها مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ بَعْدَ السّابِعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي الرّائِيّاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنِ الأحْنَفِ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ غَداةً فَقَرَأ يُونُسَ وهُودَ وغَيْرَهُما. * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ( الر ) قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، فَفِيهِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَدْ قَرَأ بِالإمالَةِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وخَلَفٌ وغَيْرُهم. وقَرَأ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ( الر ) أنا اللَّهُ أرى. قالَ النَّحّاسُ: ورَأيْتُ أبا إسْحاقَ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكى مِثْلَهُ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ: ؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا أيْ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ( الر ) قَسَمٌ، وقالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، ( الر ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَكَلُّفٌ لِعِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى أنَّ ( الر ) لَيْسَ بِآيَةٍ، وعَلى أنَّ طه آيَةٌ، وفي مُقْنِعِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّ العادِّينَ لِطه آيَةً هُمُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، قِيلَ: ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّ ( الر ) لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ، والتَّبْعِيدُ لِلتَّعْظِيمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقالَ (p-٦١٠)مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وسائِرَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ: أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهو القُرْآنُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وأنَّ الحَكِيمَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ لا مِن صِفاتِ غَيْرِهِ، والحَكِيمُ المُحْكَمُ بِالحَلالِ والحَرامِ والحُدُودِ والأحْكامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ مَعْناهُ الحاكِمُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى المَحْكُومِ فِيهِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ العَجَبِ مَعَ ما يُفِيدُهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ كانَ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وخَبَرُها ( عَجَبًا ) أيْ أكانَ إيحاؤُنا عَجَبًا لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " عَجَبٌ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ( عَجَبٌ ) . وقُرِئَ بِإسْكانِ الجِيمِ مِن " رَجُلٍ " في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ ولَيْسَ في هَذا الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِن جِنْسِهِمْ ما يَقْتَضِي العَجَبَ فَإنَّهُ لا يُلابِسُ الجِنْسَ ويُرْشِدُهُ ويُخْبِرُهُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا مَن كانَ مِن جِنْسِهِ، ولَوْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ لَكانَ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ، ويَتَعَذَّرُ المَقْصُودُ حِينَئِذٍ مِنَ الإرْسالِ، لِأنَّهم لا يَأْنَسُونَ إلَيْهِ ولا يُشاهِدُونَهُ، ولَوْ فَرَضْنا تَشَكُّلَهُ لَهم وظُهُورَهُ، فَإمّا أنْ يَظْهَرَ في غَيْرِ شَكْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ أوْحَشُ لِقُلُوبِهِمْ وأبْعَدُ مِن أُنْسِهِمْ، أوْ في الشَّكْلِ الإنْسانِيِّ فَلا بُدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ غَيْرَ إنْسانٍ، هَذا إنْ كانَ العَجَبُ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِمْ، وإنْ كانَ لِكَوْنِهِ يَتِيمًا أوْ فَقِيرًا، فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَن كانَ كَذَلِكَ جامِعًا مِن خِصالِ الخَيْرِ والشَّرَفِ ما لا يَجْمَعُهُ غَيْرُهُ وبالِغًا في كَمالِ الصِّفاتِ إلى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ مَن كانَ غَنِيًّا، أوْ كانَ غَيْرَ يَتِيمٍ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ أنْ يَصْطَفِيَهُ اللَّهُ بِإرْسالِهِ مِن خِصالِ الكَمالِ عِنْدَ قُرَيْشٍ ما هو أشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأظْهَرُ مِنَ النَّهارِ، حَتّى كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِأنْ أنْذِرِ النّاسَ، وقِيلَ: هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ مَنزِلَ صِدْقٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَتْ عَلى البَحْرِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَدَمُ المُتَقَدِّمُ في الشَّرَفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو عِنْدَ العَرَبِ قَدَمٌ؛ يُقالُ: لِفُلانٍ قَدَمٌ في الإسْلامِ، ولَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ، وقَدَمُ خَيْرٍ، وقَدَمُ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎زَلَّ بَنُو العَوّامِ عَنْ آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمُلْكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ، وقالَ قَتادَةُ: سَلَفُ صِدْقٍ، وقالَ الرَّبِيعُ: ثَوابُ صِدْقٍ، وقالَ الحَسَنُ: هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،: قَدَمُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَقامِ المَحْمُودِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أعْمالًا قَدَّمُوها، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَضّاحِ: ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ الخِصامِ والزَّلَلِ وقِيلَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِإيرادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ " لَساحِرٌ " عَلى أنَّهم أرادُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَرَأ الباقُونَ لَسِحْرٌ عَلى أنَّهم أرادُوا القُرْآنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ؛ وقالَ القَفّالُ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِكَلامٍ يُبْطِلُ بِهِ العَجَبَ الَّذِي حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ مَن كانَ لَهُ هَذا الِاقْتِدارُ العَظِيمُ الَّذِي تَضِيقُ العُقُولُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ إرْسالُهُ لِرَسُولٍ إلى النّاسِ مِن جِنْسِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ مَعَ كَوْنِ الكُفّارِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّسالَةِ بِهَذا الرَّسُولِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فَلا نُعِيدُهُ هُنا، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ فَقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ وتَرَكَ العاطِفَ، لِأنَّ جُمْلَةَ ( يُدَبِّرُ ) كالتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ اسْتَوى، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ وحْدَهُ، وقِيلَ: يَبْعَثُ الأمْرَ، وقِيلَ: يُنَزِّلُ الأمْرَ، وقِيلَ: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدُّبُرِ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، وهو أحْوالُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ وسائِرِ الخَلْقِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ إلَيْهِ في شَيْءٍ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ، لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ في البَقَرَةِ، وفي هَذا بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ بِالأُمُورِ في كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ: أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ اللَّهُ رَبُّكم، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: الِاسْمُ الشَّرِيفُ، ورَبُّكم بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقِيقُ بِها دُونَ غَيْرِهِ لِبَدِيعِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ اقْتِدارِهِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ الجَماداتِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ؟ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( أفَلا تَذَكَّرُونَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ أدْنى تَذَكُّرٍ، وأقَلُّ اعْتِبارٍ يَعْلَمُ بِهَذا ولا يَخْفى عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ آخِرَ (p-٦١١)أمْرِهِمْ بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى، وانْتِصابُ ( وعْدَ اللَّهِ ) عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ مَعْنى الوَعْدِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والمُرادُ بِالمَرْجِعِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ أوْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا فَهو تَأْكِيدٌ لِتَأْكِيدٍ فَيَكُونُ في الكَلامِ مِنَ الوِكادَةِ ما هو الغايَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " وعْدُ اللَّهِ حَقٌّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ، يَبْتَدِئُ خَلْقَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، أوْ مَعْنى الإعادَةِ الجَزاءُ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ لِلْبَعْثِ؛ وقِيلَ: يُنْشِئُهُ مِنَ الماءِ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: " أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما نُصِبَ بِهِ ( وعْدَ اللَّهِ ): أيْ وعَدَكم أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ( أنَّ ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَتَكُونَ اسْمًا. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ ثَعْلَبٍ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: حَقًّا إبْداؤُهُ الخَلْقَ، ثُمَّ ذَكَرَ غايَةَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإعادَةِ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الآخَرُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ: أيْ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ هي وما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ وعَذابٌ ألِيمٌ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا حالَ كَوْنِهِمْ لَهم هَذا الشَّرابُ وهَذا العَذابُ، ولَكِنْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذا الشَّرابَ وهَذا العَذابَ الألِيمَ هُما مِنَ الجَزاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَوْصُولَ في والَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، فَلا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَعْطُوفِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، وكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ العَرَبِ، فَهو حَمِيمٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ( الر ) قالَ: فَواتِحُ أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: الر أنا اللَّهُ أرى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: يَعْنِي هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم، فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ الآيَةَ يُؤْمِنُونَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] الآيَةَ، فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا، فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَقُولُ: أشْرَفِ مِن مُحَمَّدٍ، يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، ومَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ مِنَ الطّائِفِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أجْرًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: القَدَمُ هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمُوا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والآثارُ مَمْشاهم. قالَ: مَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ مِن مَسْجِدِهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا أثَرٌ مَكْتُوبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْفَعُ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَلَفُ صِدْقٍ. والرِّواياتُ عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ في هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أكْثَرَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قالَ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

يونس 10:4

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ إلى آخِرِهِنَّ [يونس: ٩٤ - ٩٦]، هَكَذا رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وحُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] فَإنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وحُكِيَ عَنِ الحَسَنَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، أنَّها مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ بَعْدَ السّابِعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي الرّائِيّاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنِ الأحْنَفِ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ غَداةً فَقَرَأ يُونُسَ وهُودَ وغَيْرَهُما. * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ( الر ) قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، فَفِيهِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَدْ قَرَأ بِالإمالَةِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وخَلَفٌ وغَيْرُهم. وقَرَأ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ( الر ) أنا اللَّهُ أرى. قالَ النَّحّاسُ: ورَأيْتُ أبا إسْحاقَ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكى مِثْلَهُ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ: ؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا أيْ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ( الر ) قَسَمٌ، وقالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، ( الر ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَكَلُّفٌ لِعِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى أنَّ ( الر ) لَيْسَ بِآيَةٍ، وعَلى أنَّ طه آيَةٌ، وفي مُقْنِعِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّ العادِّينَ لِطه آيَةً هُمُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، قِيلَ: ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّ ( الر ) لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ، والتَّبْعِيدُ لِلتَّعْظِيمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقالَ (p-٦١٠)مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وسائِرَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ: أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهو القُرْآنُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وأنَّ الحَكِيمَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ لا مِن صِفاتِ غَيْرِهِ، والحَكِيمُ المُحْكَمُ بِالحَلالِ والحَرامِ والحُدُودِ والأحْكامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ مَعْناهُ الحاكِمُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى المَحْكُومِ فِيهِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ العَجَبِ مَعَ ما يُفِيدُهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ كانَ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وخَبَرُها ( عَجَبًا ) أيْ أكانَ إيحاؤُنا عَجَبًا لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " عَجَبٌ " عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ بَدَلٌ مِن ( عَجَبٌ ) . وقُرِئَ بِإسْكانِ الجِيمِ مِن " رَجُلٍ " في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ ولَيْسَ في هَذا الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِن جِنْسِهِمْ ما يَقْتَضِي العَجَبَ فَإنَّهُ لا يُلابِسُ الجِنْسَ ويُرْشِدُهُ ويُخْبِرُهُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا مَن كانَ مِن جِنْسِهِ، ولَوْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ لَكانَ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ، ويَتَعَذَّرُ المَقْصُودُ حِينَئِذٍ مِنَ الإرْسالِ، لِأنَّهم لا يَأْنَسُونَ إلَيْهِ ولا يُشاهِدُونَهُ، ولَوْ فَرَضْنا تَشَكُّلَهُ لَهم وظُهُورَهُ، فَإمّا أنْ يَظْهَرَ في غَيْرِ شَكْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ أوْحَشُ لِقُلُوبِهِمْ وأبْعَدُ مِن أُنْسِهِمْ، أوْ في الشَّكْلِ الإنْسانِيِّ فَلا بُدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ غَيْرَ إنْسانٍ، هَذا إنْ كانَ العَجَبُ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِمْ، وإنْ كانَ لِكَوْنِهِ يَتِيمًا أوْ فَقِيرًا، فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَن كانَ كَذَلِكَ جامِعًا مِن خِصالِ الخَيْرِ والشَّرَفِ ما لا يَجْمَعُهُ غَيْرُهُ وبالِغًا في كَمالِ الصِّفاتِ إلى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ مَن كانَ غَنِيًّا، أوْ كانَ غَيْرَ يَتِيمٍ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ أنْ يَصْطَفِيَهُ اللَّهُ بِإرْسالِهِ مِن خِصالِ الكَمالِ عِنْدَ قُرَيْشٍ ما هو أشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأظْهَرُ مِنَ النَّهارِ، حَتّى كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِأنْ أنْذِرِ النّاسَ، وقِيلَ: هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ مَنزِلَ صِدْقٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَتْ عَلى البَحْرِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَدَمُ المُتَقَدِّمُ في الشَّرَفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو عِنْدَ العَرَبِ قَدَمٌ؛ يُقالُ: لِفُلانٍ قَدَمٌ في الإسْلامِ، ولَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ، وقَدَمُ خَيْرٍ، وقَدَمُ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎زَلَّ بَنُو العَوّامِ عَنْ آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمُلْكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ ثَعْلَبٌ: القَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَدَمُ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ، وقالَ قَتادَةُ: سَلَفُ صِدْقٍ، وقالَ الرَّبِيعُ: ثَوابُ صِدْقٍ، وقالَ الحَسَنُ: هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ،: قَدَمُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَقامِ المَحْمُودِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أعْمالًا قَدَّمُوها، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَضّاحِ: ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ الخِصامِ والزَّلَلِ وقِيلَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِإيرادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ " لَساحِرٌ " عَلى أنَّهم أرادُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَرَأ الباقُونَ لَسِحْرٌ عَلى أنَّهم أرادُوا القُرْآنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ في البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ؛ وقالَ القَفّالُ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا أنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جاءَ بِكَلامٍ يُبْطِلُ بِهِ العَجَبَ الَّذِي حَصَلَ لِلْكُفّارِ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ مَن كانَ لَهُ هَذا الِاقْتِدارُ العَظِيمُ الَّذِي تَضِيقُ العُقُولُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ إرْسالُهُ لِرَسُولٍ إلى النّاسِ مِن جِنْسِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ مَعَ كَوْنِ الكُفّارِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّسالَةِ بِهَذا الرَّسُولِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فَلا نُعِيدُهُ هُنا، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ فَقالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ وتَرَكَ العاطِفَ، لِأنَّ جُمْلَةَ ( يُدَبِّرُ ) كالتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ اسْتَوى، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ وحْدَهُ، وقِيلَ: يَبْعَثُ الأمْرَ، وقِيلَ: يُنَزِّلُ الأمْرَ، وقِيلَ: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الدُّبُرِ، والأمْرُ: الشَّأْنُ، وهو أحْوالُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ وسائِرِ الخَلْقِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ إلَيْهِ في شَيْءٍ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ، لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ في البَقَرَةِ، وفي هَذا بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ بِالأُمُورِ في كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ: أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ اللَّهُ رَبُّكم، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: الِاسْمُ الشَّرِيفُ، ورَبُّكم بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقِيقُ بِها دُونَ غَيْرِهِ لِبَدِيعِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ اقْتِدارِهِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ الجَماداتِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ؟ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( أفَلا تَذَكَّرُونَ ) لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ أدْنى تَذَكُّرٍ، وأقَلُّ اعْتِبارٍ يَعْلَمُ بِهَذا ولا يَخْفى عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ آخِرَ (p-٦١١)أمْرِهِمْ بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لا يَخْفى، وانْتِصابُ ( وعْدَ اللَّهِ ) عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ مَعْنى الوَعْدِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والمُرادُ بِالمَرْجِعِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إمّا بِالمَوْتِ أوْ بِالبَعْثِ أوْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا فَهو تَأْكِيدٌ لِتَأْكِيدٍ فَيَكُونُ في الكَلامِ مِنَ الوِكادَةِ ما هو الغايَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " وعْدُ اللَّهِ حَقٌّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ. ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: إنَّ هَذا شَأْنُهُ، يَبْتَدِئُ خَلْقَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، أوْ مَعْنى الإعادَةِ الجَزاءُ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ مُجاهِدٌ: يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ لِلْبَعْثِ؛ وقِيلَ: يُنْشِئُهُ مِنَ الماءِ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: " أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما نُصِبَ بِهِ ( وعْدَ اللَّهِ ): أيْ وعَدَكم أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ( أنَّ ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَتَكُونَ اسْمًا. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى بْنِ ثَعْلَبٍ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: حَقًّا إبْداؤُهُ الخَلْقَ، ثُمَّ ذَكَرَ غايَةَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإعادَةِ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الآخَرُ مَعْطُوفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ: أيْ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ هي وما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ وعَذابٌ ألِيمٌ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا حالَ كَوْنِهِمْ لَهم هَذا الشَّرابُ وهَذا العَذابُ، ولَكِنْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذا الشَّرابَ وهَذا العَذابَ الألِيمَ هُما مِنَ الجَزاءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَوْصُولَ في والَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، فَلا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَعْطُوفِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، وكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ العَرَبِ، فَهو حَمِيمٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ( الر ) قالَ: فَواتِحُ أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: الر أنا اللَّهُ أرى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: يَعْنِي هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قالَ: الكُتُبُ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم، فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ الآيَةَ يُؤْمِنُونَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] الآيَةَ، فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا، فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ، ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يَقُولُ: أشْرَفِ مِن مُحَمَّدٍ، يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن مَكَّةَ، ومَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ مِنَ الطّائِفِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أجْرًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: القَدَمُ هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمُوا. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والآثارُ مَمْشاهم. قالَ: مَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ مِن مَسْجِدِهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا أثَرٌ مَكْتُوبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَشْفَعُ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَلَفُ صِدْقٍ. والرِّواياتُ عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ في هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أكْثَرَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قالَ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالَ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

يونس 10:5

ذَكَرَ هاهُنا بَعْضَ نِعَمِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ، وهي ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وُجُودِهِ، ووَحْدَتِهِ، وقُدْرَتِهِ، وعِلْمِهِ، وحِكْمَتِهِ بِإتْقانِ صُنْعِهِ في هَذَيْنِ النَّيِّرَيْنِ المُتَعاقِبَيْنِ عَلى الدَّوامِ بَعْدَما ذَكَرَ قَبْلَ هَذا إبْداعَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، واسْتِواءَهُ عَلى العَرْشِ وغَيْرَ ذَلِكَ. والضِّياءُ قِيلَ: جَمْعُ ضَوْءٍ كالسِّياطِ والحِياضِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ " ضِئاءً " بِجَعْلِ الياءِ هَمْزَةً مَعَ الهَمْزَةِ، ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّ ياءَهُ كانَتْ واوًا مَفْتُوحَةً، وأصْلُهُ ضِواءً فَقُلِبَتْ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها. قالَ المَهْدَوِيُّ: ومَن قَرَأ ضِئاءً بِالهَمْزَةِ فَهو مَقْلُوبٌ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الألِفِ، فَصارَتْ قَبْلَ الألِفِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً، والأوْلى أنْ يَكُونَ ( ضِياءً ) مَصْدَرًا لا جَمْعًا، مِثْلَ قامَ يَقُومُ قِيامًا، وصامَ يَصُومُ صِيامًا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ والقَمَرَ ذا نُورٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُما جُعِلا نَفْسَ الضِّياءِ والنُّورِ. قِيلَ: الضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ، وقِيلَ: الضِّياءُ هو ما كانَ بِالذّاتِ، والنُّورُ ما كانَ بِالعَرَضِ، ومِن هُنا قالَ الحُكَماءُ: إنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أيْ قَدَّرَ مَسِيرَهُ في مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَمَرِ، ومَنازِلُ القَمَرِ: (p-٦١٢)هِيَ المَسافَةُ الَّتِي يَقْطَعُها في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بِحَرَكَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وجُمْلَتُها ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وهي مَعْرُوفَةٌ، يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنها مَنزِلًا لا يَتَخَطّاهُ، فَيَبْدُو صَغِيرًا في أوَّلِ مَنازِلِهِ، ثُمَّ يَكْبُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى يَبْدُوَ كامِلًا، وإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ رَقَّ واسْتَقْوَسَ، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ إذا كانَ الشَّهْرُ كامِلًا، أوْ لَيْلَةً إذا كانَ ناقِصًا، والكَلامُ في هَذا يَطُولُ. وقَدْ جَمَعْنا فِيهِ رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ أوْرَدَهُ عَلَيْنا بَعْضُ الأعْلامِ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] . وفِي قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا فِيما سَبَقَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ، والأوْلى: رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى القَمَرِ وحْدَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ المَنافِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا التَّقْدِيرِ، فَقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ فَإنَّ في العِلْمِ بِعَدَدِ السِّنِينَ مِنَ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما لا يُحْصى، وفي العِلْمِ بِحِسابِ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي مِن ذَلِكَ ما لا يَخْفى، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، لَمْ يَعْلَمِ النّاسُ بِذَلِكَ، ولا عَرَفُوا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ. والسَّنَةُ تَتَحَصَّلُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، والشَّهْرُ يَتَحَصَّلُ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا إنْ كانَ كامِلًا، واليَوْمُ يَتَحَصَّلُ مِن ساعاتٍ مَعْلُومَةٍ هي أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً لِلَّيْلِ والنَّهارِ، قَدْ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً في أيّامِ الِاسْتِواءِ، ويَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في أيّامِ الزِّيادَةِ وأيّامِ النُّقْصانِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ ما خَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ واخْتِلافَ تِلْكَ الأحْوالِ إلّا بِالحَقِّ والصَّوابِ دُونَ الباطِلِ والعَبَثِ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ تَبْيِينُها، والمُرادُ بِالآياتِ: التَّكْوِينِيَّةُ أوِ التَّنْزِيلِيَّةُ أوْ مَجْمُوعُهُما، وتَدْخُلُ هَذِهِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ المَذْكُورَةُ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا في ذَلِكَ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ يُفَصِّلُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " تُفَصَّلُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ، القِراءَةَ الأُولى، ولَعَلَّ وجْهَ هَذا الِاخْتِيارِ أنَّ قَبْلَ هَذا الفِعْلِ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ وبَعْدَهُ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المَنافِعَ الحاصِلَةَ مِنِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما خَلَقَ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، فَقالَ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيَهُ، وخَصَّهم بِهَذِهِ الآياتِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْعِنُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، حَذَرًا مِنهم عَنِ الوُقُوعِ في شَيْءٍ مِمّا يُخالِفُ مُرادَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ونَظَرًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وما يُصْلِحُهم في مَعادِهِمْ. قالَ القَفّالُ: مَن تَدَبَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمَ أنَّ الدُّنْيا مَخْلُوقَةٌ لِبَقاءِ النّاسِ فِيها، وأنَّ خالِقَها وخالِقَهم ما أهْمَلَهم بَلْ جَعَلَها لَهم دارَ عَمَلٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ قالَ: لَمْ يَجْعَلِ الشَّمْسَ كَهَيْئَةِ القَمَرِ لِكَيْ يُعْرَفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: وُجُوهُهُما إلى السَّماواتِ، وأقْفِيَتُهُما إلى الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ خَلِيفَةَ العَبْدِيِّ قالَ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُعْبَدْ إلّا عَنْ رُؤْيَةٍ، ما عَبَدَهُ أحَدٌ، ولَكِنِ المُؤْمِنُونَ تَفَكَّرُوا في مَجِيءِ هَذا اللَّيْلِ إذا جاءَ فَمَلَأ كُلَّ شَيْءٍ، وغَطّى كُلَّ شَيْءٍ، وفي مَجِيءِ سُلْطانِ النَّهارِ إذا جاءَ فَمَحا سُلْطانَ اللَّيْلِ، وفي السَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وفي النُّجُومِ، وفي الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَواللَّهِ ما زالَ المُؤْمِنُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيما خَلَقَ رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى حَتّى أيْقَنَتْ قُلُوبُهم بِرَبِّهِمْ.

يونس 10:6

ذَكَرَ هاهُنا بَعْضَ نِعَمِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ، وهي ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وُجُودِهِ، ووَحْدَتِهِ، وقُدْرَتِهِ، وعِلْمِهِ، وحِكْمَتِهِ بِإتْقانِ صُنْعِهِ في هَذَيْنِ النَّيِّرَيْنِ المُتَعاقِبَيْنِ عَلى الدَّوامِ بَعْدَما ذَكَرَ قَبْلَ هَذا إبْداعَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، واسْتِواءَهُ عَلى العَرْشِ وغَيْرَ ذَلِكَ. والضِّياءُ قِيلَ: جَمْعُ ضَوْءٍ كالسِّياطِ والحِياضِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ " ضِئاءً " بِجَعْلِ الياءِ هَمْزَةً مَعَ الهَمْزَةِ، ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّ ياءَهُ كانَتْ واوًا مَفْتُوحَةً، وأصْلُهُ ضِواءً فَقُلِبَتْ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها. قالَ المَهْدَوِيُّ: ومَن قَرَأ ضِئاءً بِالهَمْزَةِ فَهو مَقْلُوبٌ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الألِفِ، فَصارَتْ قَبْلَ الألِفِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً، والأوْلى أنْ يَكُونَ ( ضِياءً ) مَصْدَرًا لا جَمْعًا، مِثْلَ قامَ يَقُومُ قِيامًا، وصامَ يَصُومُ صِيامًا، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ والقَمَرَ ذا نُورٍ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُما جُعِلا نَفْسَ الضِّياءِ والنُّورِ. قِيلَ: الضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ، وقِيلَ: الضِّياءُ هو ما كانَ بِالذّاتِ، والنُّورُ ما كانَ بِالعَرَضِ، ومِن هُنا قالَ الحُكَماءُ: إنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أيْ قَدَّرَ مَسِيرَهُ في مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَمَرِ، ومَنازِلُ القَمَرِ: (p-٦١٢)هِيَ المَسافَةُ الَّتِي يَقْطَعُها في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بِحَرَكَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، وجُمْلَتُها ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وهي مَعْرُوفَةٌ، يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنها مَنزِلًا لا يَتَخَطّاهُ، فَيَبْدُو صَغِيرًا في أوَّلِ مَنازِلِهِ، ثُمَّ يَكْبُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى يَبْدُوَ كامِلًا، وإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ رَقَّ واسْتَقْوَسَ، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ إذا كانَ الشَّهْرُ كامِلًا، أوْ لَيْلَةً إذا كانَ ناقِصًا، والكَلامُ في هَذا يَطُولُ. وقَدْ جَمَعْنا فِيهِ رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ أوْرَدَهُ عَلَيْنا بَعْضُ الأعْلامِ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] . وفِي قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا فِيما سَبَقَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ، والأوْلى: رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى القَمَرِ وحْدَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ المَنافِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا التَّقْدِيرِ، فَقالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ فَإنَّ في العِلْمِ بِعَدَدِ السِّنِينَ مِنَ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما لا يُحْصى، وفي العِلْمِ بِحِسابِ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي مِن ذَلِكَ ما لا يَخْفى، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، لَمْ يَعْلَمِ النّاسُ بِذَلِكَ، ولا عَرَفُوا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ. والسَّنَةُ تَتَحَصَّلُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، والشَّهْرُ يَتَحَصَّلُ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا إنْ كانَ كامِلًا، واليَوْمُ يَتَحَصَّلُ مِن ساعاتٍ مَعْلُومَةٍ هي أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً لِلَّيْلِ والنَّهارِ، قَدْ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً في أيّامِ الِاسْتِواءِ، ويَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في أيّامِ الزِّيادَةِ وأيّامِ النُّقْصانِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ مَعْرُوفٌ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ ما خَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ واخْتِلافَ تِلْكَ الأحْوالِ إلّا بِالحَقِّ والصَّوابِ دُونَ الباطِلِ والعَبَثِ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ تَبْيِينُها، والمُرادُ بِالآياتِ: التَّكْوِينِيَّةُ أوِ التَّنْزِيلِيَّةُ أوْ مَجْمُوعُهُما، وتَدْخُلُ هَذِهِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ المَذْكُورَةُ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا في ذَلِكَ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ يُفَصِّلُ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " تُفَصَّلُ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ، القِراءَةَ الأُولى، ولَعَلَّ وجْهَ هَذا الِاخْتِيارِ أنَّ قَبْلَ هَذا الفِعْلِ ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ وبَعْدَهُ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ المَنافِعَ الحاصِلَةَ مِنِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما خَلَقَ في السَّماواتِ والأرْضِ مِن تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، فَقالَ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، ويَجْتَنِبُونَ مَعاصِيَهُ، وخَصَّهم بِهَذِهِ الآياتِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْعِنُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، حَذَرًا مِنهم عَنِ الوُقُوعِ في شَيْءٍ مِمّا يُخالِفُ مُرادَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ونَظَرًا لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وما يُصْلِحُهم في مَعادِهِمْ. قالَ القَفّالُ: مَن تَدَبَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمَ أنَّ الدُّنْيا مَخْلُوقَةٌ لِبَقاءِ النّاسِ فِيها، وأنَّ خالِقَها وخالِقَهم ما أهْمَلَهم بَلْ جَعَلَها لَهم دارَ عَمَلٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ قالَ: لَمْ يَجْعَلِ الشَّمْسَ كَهَيْئَةِ القَمَرِ لِكَيْ يُعْرَفَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: وُجُوهُهُما إلى السَّماواتِ، وأقْفِيَتُهُما إلى الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ خَلِيفَةَ العَبْدِيِّ قالَ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُعْبَدْ إلّا عَنْ رُؤْيَةٍ، ما عَبَدَهُ أحَدٌ، ولَكِنِ المُؤْمِنُونَ تَفَكَّرُوا في مَجِيءِ هَذا اللَّيْلِ إذا جاءَ فَمَلَأ كُلَّ شَيْءٍ، وغَطّى كُلَّ شَيْءٍ، وفي مَجِيءِ سُلْطانِ النَّهارِ إذا جاءَ فَمَحا سُلْطانَ اللَّيْلِ، وفي السَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وفي النُّجُومِ، وفي الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَواللَّهِ ما زالَ المُؤْمِنُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيما خَلَقَ رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى حَتّى أيْقَنَتْ قُلُوبُهم بِرَبِّهِمْ.

يونس 10:7

شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، ومَن يُؤْمِنُ بِهِ، وقَدَّمَ الطّائِفَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْمِن، لِأنَّ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْجَبُونَ مِمّا لا عَجَبَ فِيهِ، ويُهْمِلُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ فِيما لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ، مِمّا هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ حَيٍّ طَوالَ حَياتِهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إهْمالِ النَّظَرِ، والتَّفَكُّرِ الصّادِقِ: عَدَمُ الإيمانِ بِالمَعادِ، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلِ وقِيلَ: يَرْجُونَ: يَطْمَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ لا يَخافُونَ عِقابًا، وعَلى الثّانِي لا يَطْمَعُونَ في ثَوابٍ، إذا لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِاللِّقاءِ حَقِيقَتَهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَتَهُ كانَ المَعْنى: لا يَخافُونَ رُؤْيَتَنا أوْ لا يَطْمَعُونَ في رُؤْيَتِنا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ هُنا التَّوَقُّعُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الخَوْفُ والطَّمَعُ، فَيَكُونُ المَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَنا فَهم لا يَخافُونَهُ ولا يَطْمَعُونَ فِيهِ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ رَضُوا بِها عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ، فَعَمِلُوا لَها ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ سَكَنَتْ أنْفُسُهم إلَيْها وفَرِحُوا بِها ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ بِها ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيها. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَثْواهم، ومَكانُ إقامَتِهِمُ النّارُ، والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن عَدَمِ الرَّجاءِ، وحُصُولِ الرِّضا والِاطْمِئْنانِ، والغَفْلَةِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما (p-٦١٣)كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالمَعادِ فَهَذا حالُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ. وأمّا حالُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَعَلُوا الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي يَقْتَضِيها الإيمانُ، وهي ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَرْزُقُهُمُ الهِدايَةَ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ فَيَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ومَعْنى مِن تَحْتِهِمْ مِن تَحْتِ بَساتِينِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ لِأنَّهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَجْرِي ) أوْ بِـ ( يَهْدِيهِمْ ) أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِنَ ( الأنْهارُ ) . قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم ونِداؤُهم، وقِيلَ: الدُّعاءُ العِبادَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وقِيلَ: مَعْنى دَعْواهم هُنا الِادِّعاءُ الكائِنُ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدَّعُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعايِبِ والإقْرارَ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ القَفّالُ: أصْلُهُ مِنَ الدُّعاءِ، لِأنَّ الخَصْمَ يَدْعُو خَصْمَهُ إلى مَن يَحْكُمُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ: طَرِيقَتُهم وسِيرَتُهم، وذَلِكَ أنَّ المُدَّعِي لِلشَّيْءِ مُواظِبٌ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الدَّعْوى كِنايَةً عَنِ المُلازَمَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ دَعْوى ولا دُعاءٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمَنِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وكَأنَّ تَمَنِّيَهم في الجَنَّةِ لَيْسَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، وفِيها أيْ في الجَنَّةِ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ دُعاءَهُمُ الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ هو تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، والمَعْنى: نُسَبِّحُكَ يا اللَّهُ تَسْبِيحًا. قَوْلُهُ: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهم، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ، قَوْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمُ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ويَجُوزُ أنْ تُعْمِلَها خَفِيفَةً عَمَلَها ثَقِيلَةً، والرَّفْعُ أقْيَسُ، ولَمْ يَحْكِ أبُو عُبَيْدٍ إلّا التَّخْفِيفَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِتَشْدِيدِ " أنَّ " ونَصْبِ الحَمْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: يَكُونُ لَهم نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ ورِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ صِدْقٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وقائِدًا إلى الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ فَإذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ سَوْءٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الهُذَيْلِ قالَ: الحَمْدُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُ الكَلامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يونس 10:8

شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، ومَن يُؤْمِنُ بِهِ، وقَدَّمَ الطّائِفَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْمِن، لِأنَّ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْجَبُونَ مِمّا لا عَجَبَ فِيهِ، ويُهْمِلُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ فِيما لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ، مِمّا هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ حَيٍّ طَوالَ حَياتِهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إهْمالِ النَّظَرِ، والتَّفَكُّرِ الصّادِقِ: عَدَمُ الإيمانِ بِالمَعادِ، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلِ وقِيلَ: يَرْجُونَ: يَطْمَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ لا يَخافُونَ عِقابًا، وعَلى الثّانِي لا يَطْمَعُونَ في ثَوابٍ، إذا لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِاللِّقاءِ حَقِيقَتَهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَتَهُ كانَ المَعْنى: لا يَخافُونَ رُؤْيَتَنا أوْ لا يَطْمَعُونَ في رُؤْيَتِنا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ هُنا التَّوَقُّعُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الخَوْفُ والطَّمَعُ، فَيَكُونُ المَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَنا فَهم لا يَخافُونَهُ ولا يَطْمَعُونَ فِيهِ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ رَضُوا بِها عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ، فَعَمِلُوا لَها ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ سَكَنَتْ أنْفُسُهم إلَيْها وفَرِحُوا بِها ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ بِها ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيها. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَثْواهم، ومَكانُ إقامَتِهِمُ النّارُ، والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن عَدَمِ الرَّجاءِ، وحُصُولِ الرِّضا والِاطْمِئْنانِ، والغَفْلَةِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما (p-٦١٣)كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالمَعادِ فَهَذا حالُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ. وأمّا حالُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَعَلُوا الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي يَقْتَضِيها الإيمانُ، وهي ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَرْزُقُهُمُ الهِدايَةَ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ فَيَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ومَعْنى مِن تَحْتِهِمْ مِن تَحْتِ بَساتِينِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ لِأنَّهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَجْرِي ) أوْ بِـ ( يَهْدِيهِمْ ) أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِنَ ( الأنْهارُ ) . قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم ونِداؤُهم، وقِيلَ: الدُّعاءُ العِبادَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وقِيلَ: مَعْنى دَعْواهم هُنا الِادِّعاءُ الكائِنُ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدَّعُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعايِبِ والإقْرارَ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ القَفّالُ: أصْلُهُ مِنَ الدُّعاءِ، لِأنَّ الخَصْمَ يَدْعُو خَصْمَهُ إلى مَن يَحْكُمُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ: طَرِيقَتُهم وسِيرَتُهم، وذَلِكَ أنَّ المُدَّعِي لِلشَّيْءِ مُواظِبٌ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الدَّعْوى كِنايَةً عَنِ المُلازَمَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ دَعْوى ولا دُعاءٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمَنِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وكَأنَّ تَمَنِّيَهم في الجَنَّةِ لَيْسَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، وفِيها أيْ في الجَنَّةِ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ دُعاءَهُمُ الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ هو تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، والمَعْنى: نُسَبِّحُكَ يا اللَّهُ تَسْبِيحًا. قَوْلُهُ: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهم، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ، قَوْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمُ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ويَجُوزُ أنْ تُعْمِلَها خَفِيفَةً عَمَلَها ثَقِيلَةً، والرَّفْعُ أقْيَسُ، ولَمْ يَحْكِ أبُو عُبَيْدٍ إلّا التَّخْفِيفَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِتَشْدِيدِ " أنَّ " ونَصْبِ الحَمْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: يَكُونُ لَهم نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ ورِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ صِدْقٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وقائِدًا إلى الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ فَإذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ سَوْءٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الهُذَيْلِ قالَ: الحَمْدُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُ الكَلامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يونس 10:9

شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، ومَن يُؤْمِنُ بِهِ، وقَدَّمَ الطّائِفَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْمِن، لِأنَّ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْجَبُونَ مِمّا لا عَجَبَ فِيهِ، ويُهْمِلُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ فِيما لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ، مِمّا هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ حَيٍّ طَوالَ حَياتِهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إهْمالِ النَّظَرِ، والتَّفَكُّرِ الصّادِقِ: عَدَمُ الإيمانِ بِالمَعادِ، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلِ وقِيلَ: يَرْجُونَ: يَطْمَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ لا يَخافُونَ عِقابًا، وعَلى الثّانِي لا يَطْمَعُونَ في ثَوابٍ، إذا لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِاللِّقاءِ حَقِيقَتَهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَتَهُ كانَ المَعْنى: لا يَخافُونَ رُؤْيَتَنا أوْ لا يَطْمَعُونَ في رُؤْيَتِنا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ هُنا التَّوَقُّعُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الخَوْفُ والطَّمَعُ، فَيَكُونُ المَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَنا فَهم لا يَخافُونَهُ ولا يَطْمَعُونَ فِيهِ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ رَضُوا بِها عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ، فَعَمِلُوا لَها ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ سَكَنَتْ أنْفُسُهم إلَيْها وفَرِحُوا بِها ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ بِها ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيها. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَثْواهم، ومَكانُ إقامَتِهِمُ النّارُ، والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن عَدَمِ الرَّجاءِ، وحُصُولِ الرِّضا والِاطْمِئْنانِ، والغَفْلَةِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما (p-٦١٣)كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالمَعادِ فَهَذا حالُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ. وأمّا حالُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَعَلُوا الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي يَقْتَضِيها الإيمانُ، وهي ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَرْزُقُهُمُ الهِدايَةَ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ فَيَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ومَعْنى مِن تَحْتِهِمْ مِن تَحْتِ بَساتِينِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ لِأنَّهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَجْرِي ) أوْ بِـ ( يَهْدِيهِمْ ) أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِنَ ( الأنْهارُ ) . قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم ونِداؤُهم، وقِيلَ: الدُّعاءُ العِبادَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وقِيلَ: مَعْنى دَعْواهم هُنا الِادِّعاءُ الكائِنُ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدَّعُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعايِبِ والإقْرارَ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ القَفّالُ: أصْلُهُ مِنَ الدُّعاءِ، لِأنَّ الخَصْمَ يَدْعُو خَصْمَهُ إلى مَن يَحْكُمُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ: طَرِيقَتُهم وسِيرَتُهم، وذَلِكَ أنَّ المُدَّعِي لِلشَّيْءِ مُواظِبٌ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الدَّعْوى كِنايَةً عَنِ المُلازَمَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ دَعْوى ولا دُعاءٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمَنِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وكَأنَّ تَمَنِّيَهم في الجَنَّةِ لَيْسَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، وفِيها أيْ في الجَنَّةِ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ دُعاءَهُمُ الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ هو تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، والمَعْنى: نُسَبِّحُكَ يا اللَّهُ تَسْبِيحًا. قَوْلُهُ: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهم، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ، قَوْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمُ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ويَجُوزُ أنْ تُعْمِلَها خَفِيفَةً عَمَلَها ثَقِيلَةً، والرَّفْعُ أقْيَسُ، ولَمْ يَحْكِ أبُو عُبَيْدٍ إلّا التَّخْفِيفَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِتَشْدِيدِ " أنَّ " ونَصْبِ الحَمْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: يَكُونُ لَهم نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ ورِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ صِدْقٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وقائِدًا إلى الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ فَإذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ سَوْءٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الهُذَيْلِ قالَ: الحَمْدُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُ الكَلامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يونس 10:10

شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في شَرْحِ أحْوالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، ومَن يُؤْمِنُ بِهِ، وقَدَّمَ الطّائِفَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْمِن، لِأنَّ الكَلامَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْجَبُونَ مِمّا لا عَجَبَ فِيهِ، ويُهْمِلُونَ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ فِيما لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ، مِمّا هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ حَيٍّ طَوالَ حَياتِهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إهْمالِ النَّظَرِ، والتَّفَكُّرِ الصّادِقِ: عَدَمُ الإيمانِ بِالمَعادِ، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلِ وقِيلَ: يَرْجُونَ: يَطْمَعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ لا يَخافُونَ عِقابًا، وعَلى الثّانِي لا يَطْمَعُونَ في ثَوابٍ، إذا لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِاللِّقاءِ حَقِيقَتَهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَتَهُ كانَ المَعْنى: لا يَخافُونَ رُؤْيَتَنا أوْ لا يَطْمَعُونَ في رُؤْيَتِنا، وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ هُنا التَّوَقُّعُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الخَوْفُ والطَّمَعُ، فَيَكُونُ المَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَنا فَهم لا يَخافُونَهُ ولا يَطْمَعُونَ فِيهِ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ رَضُوا بِها عِوَضًا عَنِ الآخِرَةِ، فَعَمِلُوا لَها ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ سَكَنَتْ أنْفُسُهم إلَيْها وفَرِحُوا بِها ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَعْتَبِرُونَ بِها ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيها. ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَثْواهم، ومَكانُ إقامَتِهِمُ النّارُ، والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن عَدَمِ الرَّجاءِ، وحُصُولِ الرِّضا والِاطْمِئْنانِ، والغَفْلَةِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما (p-٦١٣)كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالمَعادِ فَهَذا حالُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ. وأمّا حالُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَعَلُوا الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي يَقْتَضِيها الإيمانُ، وهي ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَرْزُقُهُمُ الهِدايَةَ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ فَيَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ومَعْنى مِن تَحْتِهِمْ مِن تَحْتِ بَساتِينِهِمْ أوْ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ لِأنَّهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَجْرِي ) أوْ بِـ ( يَهْدِيهِمْ ) أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِنَ ( الأنْهارُ ) . قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم ونِداؤُهم، وقِيلَ: الدُّعاءُ العِبادَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] وقِيلَ: مَعْنى دَعْواهم هُنا الِادِّعاءُ الكائِنُ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدَّعُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ المَعايِبِ والإقْرارَ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ القَفّالُ: أصْلُهُ مِنَ الدُّعاءِ، لِأنَّ الخَصْمَ يَدْعُو خَصْمَهُ إلى مَن يَحْكُمُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ: طَرِيقَتُهم وسِيرَتُهم، وذَلِكَ أنَّ المُدَّعِي لِلشَّيْءِ مُواظِبٌ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الدَّعْوى كِنايَةً عَنِ المُلازَمَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ دَعْوى ولا دُعاءٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَمَنِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وكَأنَّ تَمَنِّيَهم في الجَنَّةِ لَيْسَ إلّا تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، وفِيها أيْ في الجَنَّةِ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ دُعاءَهُمُ الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ هو تَسْبِيحُ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ، والمَعْنى: نُسَبِّحُكَ يا اللَّهُ تَسْبِيحًا. قَوْلُهُ: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهم، فَيَكُونُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ، قَوْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمُ الَّذِي هو التَّسْبِيحُ أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ويَجُوزُ أنْ تُعْمِلَها خَفِيفَةً عَمَلَها ثَقِيلَةً، والرَّفْعُ أقْيَسُ، ولَمْ يَحْكِ أبُو عُبَيْدٍ إلّا التَّخْفِيفَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِتَشْدِيدِ " أنَّ " ونَصْبِ الحَمْدِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: يَكُونُ لَهم نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ ورِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ صِدْقٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وقائِدًا إلى الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ فَإذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ: ما أنْتَ ؟ فَواللَّهِ إنِّي لَأراكَ عَيْنَ امْرِئِ سَوْءٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أنا عَمَلُكَ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أتاهم ما اشْتَهَوْا مِنَ الجَنَّةِ مِن رَبِّهِمْ» . وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الهُذَيْلِ قالَ: الحَمْدُ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُ الكَلامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

يونس 10:11

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:12

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:13

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:14

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:15

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:16

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ (p-٦١٤)حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى: أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وكَأنَّهُ قالَ: دَعانا في جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وخَصَّ المَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الغالِبُ عَلى الإنْسانِ، وما عَداها نادِرٌ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ حالَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِيامِ، وقائِمًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى المَشْيِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ تَعْدِيدَ أحْوالِ الدُّعاءِ أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ أحْوالِ المَضَرَّةِ، لِأنَّهُ إذا كانَ داعِيًا عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ نَسِيَ في وقْتِ الرَّخاءِ كانَ أعْجَبَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ الَّذِي مَسَّهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُ الضُّرُّ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَضى عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا عِنْدَ أنْ مَسَّهُ الضُّرُّ إلى كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ. وقِيلَ: مَعْنى مَرَّ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَشْكُرْ ولَمْ يَتَّعِظْ. قالَ الأخْفَشُ: ( أنْ ) في ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: كَأنَّهُ. انْتَهى. والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وهَذِهِ الحالَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلدّاعِي لا تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكُفْرِ، بَلْ تَتَّفِقُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَلِينُ ألْسُنُهم بِالدُّعاءِ، وقُلُوبُهم بِالخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ عِنْدَ نُزُولِ ما يَكْرَهُونَ بِهِمْ، فَإذا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم غَفَلُوا عَنِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وذَهَلُوا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَلْ بِهِمْ مِنَ الضُّرِّ، ودَفْعِ ما أصابَهم مِنَ المَكْرُوهِ. وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ المُسْلِمَ والكافِرَ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ ( لِلنّاسِ ) ولَفْظُ ( الإنْسانَ ) . اللَّهُمَّ أوْزِعْنا شُكْرَ نِعَمِكَ، وأذْكِرْنا الأحْوالَ الَّتِي مَنَنْتَ عَلَيْنا فِيها بِإجابَةِ الدُّعاءِ، حَتّى نَسْتَكْثِرَ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي لا نُطِيقُ سِواهُ، ولا نَقْدِرُ عَلى غَيْرِهِ، وما أغْناكَ عَنْهُ وأحْوَجَنا إلَيْهِ و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم. والمُسْرِفُ في اللُّغَةِ: هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَحَلُّ ( كَذَلِكَ ) النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. والتَّزْيِينُ هو إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ التَّحْلِيَةِ وعَدَمِ اللُّطْفِ بِهِمْ، أوْ مِن طَرِيقِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، أوْ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ. والمَعْنى: أنَّهُ زَيَّنَ لَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الدُّعاءِ والغَفْلَةَ عَنِ الشُّكْرِ والِاشْتِغالَ بِالشَّهَواتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الرَّدْعِ والزَّجْرِ عَمّا صَنَعَهُ هَؤُلاءِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الماضِيَةَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْ أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكم، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، ولَمّا ظَرْفٌ لِأهْلَكْنا، أيْ أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ، والتَّجارِي عَلى الرُّسُلِ، والتَّطاوُلِ في المَعاصِي مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِإهْلاكِهِمْ كَما أخَّرْنا إهْلاكَكم، والواوُ في ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ: أيْ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمُ الَّذِينَ أرْسَلْناهم إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا والأوَّلُ أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا هو الشِّرْكُ، والواوُ في ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ظَلَمُوا، أوِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ: أيْ وما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ أنْ يُؤْمِنُوا لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ، وسَلْبِ الألْطافِ عَنْهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ، وهو الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كانَ في عَصْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، أوْ لِكُفّارِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ. ثُمَّ خاطَبَ سُبْحانَهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتَنْظُرُونَ آثارَها، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، واللّامُ في ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ نَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: أيْ لِنَنْظُرَ أيُّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ: أيْ عَلى أيِّ حالَةٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا ثالِثًا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَلاعُبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم، والمُرادُ بِالآياتِ، الآياتُ الَّتِي في الكِتابِ العَزِيزِ: أيْ وإذا تَلا (p-٦١٥)التّالِي عَلَيْهِمْ آياتِنا الدّالَّةَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ: أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا: أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَمِعُوا ما غاظَهم فِيما تَلاهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن عَبَدَها أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الإتْيانَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مَعَ بَقاءِ هَذا القُرْآنِ عَلى حالِهِ، وإمّا تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ بِنَسْخِ بَعْضِ آياتِهِ أوْ كُلِّها، ووَضْعِ أُخْرى مَكانَها مِمّا يُطابِقُ إرادَتَهم ويُلائِمُ غَرَضَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ في جَوابِهِمْ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ ما يَنْبَغِي لِي ولا يَحِلُّ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ أحَدَ القِسْمَيْنِ، وهو التَّبْدِيلُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا، بِخِلافِ القِسْمِ الآخَرِ وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَفى عَنْ نَفْسِهِ أسْهَلَ القِسْمَيْنِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ أصْعَبِهِما بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهَذا مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ مُجاراةِ السُّفَهاءِ، إذْ لا يَصْدُرُ مِثْلُ هَذا الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ وبِما يَدْفَعُ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الطَّلَباتِ السّاقِطَةِ والسُّؤالاتِ البارِدَةِ، وتِلْقاءَ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، مِن قِبَلِ نَفْسِي. قالَ الزَّجّاجُ: سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما فِيهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يُحَوِّلَ الوَعْدَ وعِيدًا، والحَرامَ حَلالًا والحَلالَ حَرامًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُؤَكِّدَ ما أجابَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ ما صَحَّ لَهُ ولا اسْتَقامَ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما يُوحى إلَيَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْوِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ ولا تَصْحِيفٍ، فَقَصَرَ حالَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ، ورُبَّما كانَ مَقْصِدُ الكُفّارِ بِهَذا السُّؤالِ التَّعْرِيضَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِغَيْرِهِ والتَّبْدِيلِ لَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: تَكْمِيلًا لِلْجَوابِ عَلَيْهِمْ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَدَّمَهُ مِنَ الجَوابِ قَبْلَها، واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ: أيْ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِفِعْلِ ما تَطْلُبُونَ - عَلى تَقْدِيرِ إمْكانِهِ - ( عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ ) . ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّما يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ مِنهُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أنَّ هَذا القُرْآنَ المَتْلُوَّ عَلَيْكم هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ عَلَيْكم ولا أُبَلِّغَكم إيّاهُ ما تَلَوْتُهُ، فالأمْرُ كُلُّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِي في ذَلِكَ شَيْءٌ، قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما ( تَلَوْتُهُ )، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أدْراكم بِالقُرْآنِ: أيْ ما أعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِي يُقالُ: دَرَيْتُ الشَّيْءَ وأدْرانِي اللَّهُ بِهِ. هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِالألِفِ مِن أدْراهُ يُدْرِيهِ أعْلَمَهُ يُعْلِمُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ولَأدْراكم بِهِ " بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنِ اللّامِ والهَمْزَةِ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ أنْ أتْلُوَهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ أفْعَلَ. وقَدْ قُرِئَ " أدْرَؤُكم " بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الألِفِ؛ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن دَرَأْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ، وأدْرَأْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ دارِيًا. والمَعْنى: لَأجْعَلَكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " ولا أدْراتُكم بِهِ " قالَ أبُو حاتِمٍ،: أصْلُهُ ولا أدْرَيْتُكم بِهِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا غَلَطٌ. والرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ " ولا أدْرَأْتُكم " بِالهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا التَّبْلِيغُ: أيْ قَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ: أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ القُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ ولا مِمَّنْ يَكْتُبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ أفَلا تَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ مِن عَدَمِ تَكْذِيبِي لِما عَرَفْتُمْ مِنَ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وعَدَمِ قِراءَتِي لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وتَعَلُّمِي لِما عِنْدَ أهْلِها مِنَ العِلْمِ، ولا طَلَبِي لِشَيْءٍ مِن هَذا الشَّأْنِ ولا حِرْصِي عَلَيْهِ، ثُمَّ جِئْتُكم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ، وقَصَّرْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وأنْتُمُ العَرَبُ المَشْهُودُ لَهم بِكَمالِ الفَصاحَةِ المُعْتَرَفُ لَهم بِأنَّهُمُ البالِغُونَ فِيها إلى مَبْلَغٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُكم ؟ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْهِمْ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ والعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ قالَ: لَأهْلَكَ مَن دَعا عَلَيْهِ وأماتَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في الآيَةِ قالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ اخْزِهِ، وهو يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، ومُقاتِلٍ في الآيَةِ قالا: هو قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَلَوْ عَجَّلَ لَهم هَذا لَهَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ قالَ: مُضْطَجِعًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ قالَ: عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ادْعُ اللَّهَ يَوْمَ سَرّائِكَ يُسْتَجابُ لَكَ يَوْمَ ضَرّائِكَ. وأقُولُ أنا: أكْثِرْ مِن شُكْرِ اللَّهِ عَلى السَّرّاءِ، يَدْفَعْ عَنْكَ الضَّرّاءَ، فَإنَّ وعْدَهُ لِلشّاكِرِينَ بِزِيادَةِ النِّعَمِ مُؤْذِنٌ بِدَفْعِهِ عَنْهُمُ النِّقَمَ؛ لِذَهابِ حَلاوَةِ النِّعْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَرارَةِ النِّقْمَةِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَنا بَيْنَ جَلْبِ النِّعَمِ وسَلْبِ النِّقَمِ، فَإنّا نَشْكُرُكَ عَدَدَ ما شَكَرَكَ الشّاكِرُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ، ونَحْمَدُكَ عَدَدَ ما (p-٦١٦)حَمْدَكَ الحامِدُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: صَدَقَ رَبُّنا ما جَعَلَنا خَلائِفَ في الأرْضِ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ خَيْرَ أعْمالِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ لِأمَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أعْلَمَكم بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أشْعَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( ولا أنْذَرْتُكم بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ: لَمْ أتْلُ عَلَيْكم ولَمْ أذْكُرْ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ورَأى الرُّؤْيا سَنَتَيْنِ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ، وعَشْرًا بِالمَدِينَةِ، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ اثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ فَهاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً.

يونس 10:17

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا. ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ . قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ. والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ. والمَعْنى: أنَّ النّاسَ ما كانُوا جَمِيعًا إلّا أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنَةً بِهِ، فَصارَ البَعْضُ كافِرًا وبَقِيَ البَعْضُ الآخَرُ مُؤْمِنًا، فَخالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ العَرَبُ كانُوا عَلى الشِّرْكِ. وقالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فاخْتَلَفُوا عِنْدَ البُلُوغِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ أحْدَثَتْ مِلَّةً مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِلْأُخْرى، بَلِ المُرادُ كَفَرَ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ عَلى التَّوْحِيدِ كَما قَدَّمْنا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فِيما هم ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَكِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإقامَةِ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَفُرِغَ مِن هَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ إنَّ اللَّهَ أمْهَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَلا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الكَلِمَةُ أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ، وهي إرْسالُ الرُّسُلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " لَقَضى " بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. (p-٦١٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا عَلى هُدًى. ورُوِيَ أنَّهُ قَرَأ هَكَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمَ وحْدَهُ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ: حِينَ قَتْلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: كانَ النّاسُ أهْلَ دِينٍ واحِدٍ عَلى دِينِ آدَمَ فَكَفَرُوا، فَلَوْلا أنَّ رَبَّكَ أجَّلَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم.

يونس 10:18

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا. ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ . قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ. والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ. والمَعْنى: أنَّ النّاسَ ما كانُوا جَمِيعًا إلّا أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنَةً بِهِ، فَصارَ البَعْضُ كافِرًا وبَقِيَ البَعْضُ الآخَرُ مُؤْمِنًا، فَخالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ العَرَبُ كانُوا عَلى الشِّرْكِ. وقالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فاخْتَلَفُوا عِنْدَ البُلُوغِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ أحْدَثَتْ مِلَّةً مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِلْأُخْرى، بَلِ المُرادُ كَفَرَ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ عَلى التَّوْحِيدِ كَما قَدَّمْنا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فِيما هم ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَكِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإقامَةِ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَفُرِغَ مِن هَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ إنَّ اللَّهَ أمْهَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَلا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الكَلِمَةُ أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ، وهي إرْسالُ الرُّسُلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " لَقَضى " بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. (p-٦١٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا عَلى هُدًى. ورُوِيَ أنَّهُ قَرَأ هَكَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمَ وحْدَهُ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ: حِينَ قَتْلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: كانَ النّاسُ أهْلَ دِينٍ واحِدٍ عَلى دِينِ آدَمَ فَكَفَرُوا، فَلَوْلا أنَّ رَبَّكَ أجَّلَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم.

يونس 10:19

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا. ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ . قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ. والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ. والمَعْنى: أنَّ النّاسَ ما كانُوا جَمِيعًا إلّا أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنَةً بِهِ، فَصارَ البَعْضُ كافِرًا وبَقِيَ البَعْضُ الآخَرُ مُؤْمِنًا، فَخالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ العَرَبُ كانُوا عَلى الشِّرْكِ. وقالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فاخْتَلَفُوا عِنْدَ البُلُوغِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ أحْدَثَتْ مِلَّةً مِن مِلَلِ الكُفْرِ مُخالَفَةً لِلْأُخْرى، بَلِ المُرادُ كَفَرَ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ عَلى التَّوْحِيدِ كَما قَدَّمْنا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا فِيما هم ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَكِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ ذَلِكَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي لا تَتَخَلَّفُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإقامَةِ السّاعَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَفُرِغَ مِن هَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ إنَّ اللَّهَ أمْهَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَلا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الكَلِمَةُ أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بِحُجَّةٍ، وهي إرْسالُ الرُّسُلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " لَقَضى " بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ مَن عَداهُ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. (p-٦١٧)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا عَلى هُدًى. ورُوِيَ أنَّهُ قَرَأ هَكَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: آدَمَ وحْدَهُ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ قالَ: حِينَ قَتْلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: كانَ النّاسُ أهْلَ دِينٍ واحِدٍ عَلى دِينِ آدَمَ فَكَفَرُوا، فَلَوْلا أنَّ رَبَّكَ أجَّلَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم.

يونس 10:20

قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ. قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها. وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ. وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ . قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ، بَلْ يَطْلُبُونَ الغَوائِلَ لِآياتِ اللَّهِ بِما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ المَكْرِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ضَرَبَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا حَتّى يَنْكَشِفَ المُرادُ انْكِشافًا تامًّا، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ أنَّهم يَمْشُونَ عَلى أقْدامِهِمُ الَّتِي خَلَقَها لَهم لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويَرْكَبُونَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لِرُكُوبِهِمْ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَحْرِ: أنَّهُ ألْهَمَهم لِعَمَلِ السَّفائِنِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيها في لُجَجِ البَحْرِ ويَسَّرَ ذَلِكَ لَهم ودَفَعَ عَنْهم أسْبابَ الهَلاكِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " وهو الَّذِي يَنْشُرُكم في البَحْرِ " بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ يَنْشُرُهم سُبْحانَهُ في البَحْرِ فَيُنَجِّي مَن يَشاءُ ويُغْرِقُ مَن يَشاءُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الفُلْكُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وجَرَيْنَ أيِ السُّفُنَ ( بِهِمْ ): أيْ بِالرّاكِبِينَ عَلَيْها، و( حَتّى ) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها، فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكَوْنُ في الفُلْكِ، والثّانِي: جَرْيُها بِهِمْ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعاصِفَةٍ، وثالِثُها: فَرَحُهم. والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ جاءَتْها أيْ لَجاءَتِ الفُلْكَ رِيحٌ عاصِفٌ أوْ جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ: أيْ تَلَقَّتْها رِيحٌ عاصِفٌ، والعُصُوفُ شِدَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ، والثّانِي ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لِلْفُلْكِ، والمُرادُ جاءَ الرّاكِبِينَ فِيها، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ، والثّالِثُ ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمُ الهَلاكُ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِقَوْمٍ أوْ بِبَلَدٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الإحاطَةَ مَثَلًا في الهَلاكِ وإنْ كانَ بِغَيْرِ العَدُوِّ كَما هُنا، وجَوابُ إذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ (p-٦١٨)قَوْلُهُ: جاءَتْها إلى آخِرِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلًا مِن ( ظَنُّوا ) لِكَوْنِ هَذا الدُّعاءِ الواقِعِ مِنهم إنَّما كانَ عِنْدَ ظَنِّ الهَلاكِ وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، فَكانَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ( دَعَوُا ) مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، جَعَلَ الفائِدَةَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ المُبالَغَةَ. وقالَ الرّازِيُّ: الِانْتِقالُ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ في هَذا المَقامِ دَلِيلُ المَقْتِ والتَّبْعِيدِ، كَما أنَّ عَكْسَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] دَلِيلُ الرِّضا والتَّقْرِيبِ، وانْتِصابُ ( مُخْلِصِينَ ) عَلى الحالِ: أيْ لَمْ يَشُوبُوا دُعاءَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوائِبِ، كَما جَرَتْ عادَتُهم في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ أنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم في الدُّعاءِ، ولَيْسَ هَذا لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، بَلْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهم مِمّا شارَفُوهُ مِنَ الهَلاكِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ، وأنَّ المُضْطَرَّ يُجابُ دُعاؤُهُ، وإنْ كانَ كافِرًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَلْتَفِتُونَ إلى أصْنامِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ وما يُشابِهُها، فَيا عَجَبًا لِما حَدَثَ في الإسْلامِ مِن طَوائِفَ يَعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ، إذا عَرَضَتْ لَهم في البَحْرِ مِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ دَعَوُا الأمْواتَ، ولَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ كَما تَواتَرَ ذَلِكَ إلَيْنا تَواتُرًا يَحْصُلُ بِهِ القَطْعُ، فانْظُرْ - هَداكَ اللَّهُ - ما فَعَلَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الشَّيْطانِيَّةُ، وأيْنَ وصَلَ بِها أهْلُها، وإلى أيْنَ رَمى بِهِمُ الشَّيْطانُ، وكَيْفَ اقْتادَهم وتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ؟ حَتّى انْقادُوا لَهُ انْقِيادًا ما كانَ يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ولا في بَعْضِهِ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللّامُ في ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ هي اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: مِن هَذِهِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِن مُشارَفَةِ الهَلاكِ في البَحْرِ، واللّامُ في لَنَكُونَنَّ جَوابُ القِسْمِ: أيْ لَنَكُونَنَّ في كُلِّ حالٍ مِمَّنْ يَشْكُرُ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا، مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ سُؤالِكَ أنْ تُفَرِّجَها عَنّا وتُنْجِيَنا مِنها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ ( دَعَوُا ) . فَلَمّا نَجّاهم اللَّهُ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ الَّتِي وقَعُوا فِيها، وأجابَ دُعاءَهم، لَمْ يَفُوا بِما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاحِدِينَ لا فِعْلَ الشّاكِرِينَ، وجَعَلُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ مَكانَ الشُّكْرِ. وإذا في ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، والبَغْيُ: هو الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ ( في الأرْضِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فَسادَهم هَذا شامِلٌ لِأقْطارِ الأرْضِ، والبَغْيُ وإنْ كانَ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا بِالباطِلِ، لَكِنْ زِيادَةُ ( بِغَيْرِ الحَقِّ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شُبْهَةِ عِنْدَهم، بَلْ تَمَرُّدًا وعِنادًا، لِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُونَها مَعَ كَوْنِها باطِلَةً. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ذَكَرَ عاقِبَةَ البَغْيِ وسُوءَ مَغَبَّتِهِ. قَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ بِنَصْبِ مَتاعَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ما قَبْلَهُ جُمْلَةً تامَّةً: أيْ بَغْيُكم وبالٌ عَلى أنْفُسِكم، فَيَكُونُ بَغْيُكم مُبْتَدَأً و( عَلى أنْفُسِكم ) خَبَرَهُ، ويَكُونُ ( مَتاعَ ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ المَصْدَرُ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ اسْتِئْنافًا، وقِيلَ: إنَّ مَتاعَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ مَقْدَمِ الحاجِّ: أيْ زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ كَمَتاعِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مُمَتَّعِينَ، وقَدْ نُوقِشَ غالِبُ هَذِهِ الأقْوالِ في تَوْجِيهِ النَّصْبِ. وأمّا مَن قَرَأ بِرَفْعِ " مَتاعُ " فَجَعَلَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيْ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُهم جِنْسُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ومَنفَعَتُها الَّتِي لا بَقاءَ لَها، فَيَكُونُ المُرادُ بِأنْفُسِكم عَلى هَذا الوَجْهِ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِما يُدْرِكُهُ الجِنْسُ عَلى جِنْسِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُ مَتاعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو مَتاعٌ. قالَ النَّحّاسُ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ ( بَغْيُكم ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ( ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ )، وعَلى أنْفُسِكم مَفْعُولُ البَغْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) ويُضْمَرُ مُبْتَدَأٌ: أيْ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا انْتَهى. وقَدْ نُوقِشَ أيْضًا بَعْضُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ بِما يَطُولُ بِهِ البَحْثُ في غَيْرِ طائِلٍ. والحاصِلُ أنَّهُ إذا جُعِلَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ )، فالمَعْنى: أنَّ ما يَقَعُ مِنَ البَغْيِ عَلى الغَيْرِ هو بَغْيٌ عَلى نَفْسِ الباغِي بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهُ مُجازاةً عَلى بَغْيِهِ، وإنْ جُعِلَ الخَبَرُ ( مَتاعُ )، فالمُرادُ أنَّ بَغْيَ هَذا الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى بَعْضِهِ بَعْضًا هو سَرِيعُ الزَّوالِ قَرِيبُ الِاضْمِحْلالِ، كَسائِرِ أمْتِعَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها ذاهِبَةٌ عَنْ قُرْبٍ، مُتَلاشِيَةٌ بِسُرْعَةٍ، لَيْسَ لِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ ولا عَظِيمُ جَدْوى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ البَغْيِ مِنَ المُجازاةِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ وعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ومَتاعِها تُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ، فَيُجازِي المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحْسِنَ بِإحْسانِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا: أيْ فَنُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والمُرادُ بِذَلِكَ المُجازاةُ كَما تَقُولُ لِمَن أساءَ: سَأُخْبِرُكَ بِما صَنَعْتَ، وفِيهِ أشَدُّ وعِيدٍ وأفْظَعُ تَهْدِيدٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ وعُقُوبَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ قالَ: اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ (p-٦١٩)جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ: هَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ما حاصِلُهُ: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أهْدَرَ يَوْمَ الفَتْحِ دَمَ جَماعَةٍ، مِنهم عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، هَرَبَ مِن مَكَّةَ ورَكِبَ البَحْرَ فَأصابَهم عاصِفٌ، فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ الإخْلاصُ، ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ، أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِيَ في يَدِهِ، فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ فَأسْلَمَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها: المَكْرُ، والنَّكْثُ، والبَغْيُ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم﴾، ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾» [الحج: ١٠] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغِيًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: المَكْرُ، والبَغْيُ، والنَّكْثُ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . أقُولُ أنا: ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ الَّتِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها تَعُودُ عَلى فاعِلِها: الخَدْعُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ [البقرة: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

يونس 10:21

قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ. قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها. وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ. وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ . قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ، بَلْ يَطْلُبُونَ الغَوائِلَ لِآياتِ اللَّهِ بِما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ المَكْرِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ضَرَبَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا حَتّى يَنْكَشِفَ المُرادُ انْكِشافًا تامًّا، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ أنَّهم يَمْشُونَ عَلى أقْدامِهِمُ الَّتِي خَلَقَها لَهم لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويَرْكَبُونَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لِرُكُوبِهِمْ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَحْرِ: أنَّهُ ألْهَمَهم لِعَمَلِ السَّفائِنِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيها في لُجَجِ البَحْرِ ويَسَّرَ ذَلِكَ لَهم ودَفَعَ عَنْهم أسْبابَ الهَلاكِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " وهو الَّذِي يَنْشُرُكم في البَحْرِ " بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ يَنْشُرُهم سُبْحانَهُ في البَحْرِ فَيُنَجِّي مَن يَشاءُ ويُغْرِقُ مَن يَشاءُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الفُلْكُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وجَرَيْنَ أيِ السُّفُنَ ( بِهِمْ ): أيْ بِالرّاكِبِينَ عَلَيْها، و( حَتّى ) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها، فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكَوْنُ في الفُلْكِ، والثّانِي: جَرْيُها بِهِمْ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعاصِفَةٍ، وثالِثُها: فَرَحُهم. والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ جاءَتْها أيْ لَجاءَتِ الفُلْكَ رِيحٌ عاصِفٌ أوْ جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ: أيْ تَلَقَّتْها رِيحٌ عاصِفٌ، والعُصُوفُ شِدَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ، والثّانِي ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لِلْفُلْكِ، والمُرادُ جاءَ الرّاكِبِينَ فِيها، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ، والثّالِثُ ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمُ الهَلاكُ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِقَوْمٍ أوْ بِبَلَدٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الإحاطَةَ مَثَلًا في الهَلاكِ وإنْ كانَ بِغَيْرِ العَدُوِّ كَما هُنا، وجَوابُ إذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ (p-٦١٨)قَوْلُهُ: جاءَتْها إلى آخِرِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلًا مِن ( ظَنُّوا ) لِكَوْنِ هَذا الدُّعاءِ الواقِعِ مِنهم إنَّما كانَ عِنْدَ ظَنِّ الهَلاكِ وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، فَكانَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ( دَعَوُا ) مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، جَعَلَ الفائِدَةَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ المُبالَغَةَ. وقالَ الرّازِيُّ: الِانْتِقالُ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ في هَذا المَقامِ دَلِيلُ المَقْتِ والتَّبْعِيدِ، كَما أنَّ عَكْسَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] دَلِيلُ الرِّضا والتَّقْرِيبِ، وانْتِصابُ ( مُخْلِصِينَ ) عَلى الحالِ: أيْ لَمْ يَشُوبُوا دُعاءَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوائِبِ، كَما جَرَتْ عادَتُهم في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ أنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم في الدُّعاءِ، ولَيْسَ هَذا لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، بَلْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهم مِمّا شارَفُوهُ مِنَ الهَلاكِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ، وأنَّ المُضْطَرَّ يُجابُ دُعاؤُهُ، وإنْ كانَ كافِرًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَلْتَفِتُونَ إلى أصْنامِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ وما يُشابِهُها، فَيا عَجَبًا لِما حَدَثَ في الإسْلامِ مِن طَوائِفَ يَعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ، إذا عَرَضَتْ لَهم في البَحْرِ مِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ دَعَوُا الأمْواتَ، ولَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ كَما تَواتَرَ ذَلِكَ إلَيْنا تَواتُرًا يَحْصُلُ بِهِ القَطْعُ، فانْظُرْ - هَداكَ اللَّهُ - ما فَعَلَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الشَّيْطانِيَّةُ، وأيْنَ وصَلَ بِها أهْلُها، وإلى أيْنَ رَمى بِهِمُ الشَّيْطانُ، وكَيْفَ اقْتادَهم وتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ؟ حَتّى انْقادُوا لَهُ انْقِيادًا ما كانَ يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ولا في بَعْضِهِ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللّامُ في ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ هي اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: مِن هَذِهِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِن مُشارَفَةِ الهَلاكِ في البَحْرِ، واللّامُ في لَنَكُونَنَّ جَوابُ القِسْمِ: أيْ لَنَكُونَنَّ في كُلِّ حالٍ مِمَّنْ يَشْكُرُ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا، مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ سُؤالِكَ أنْ تُفَرِّجَها عَنّا وتُنْجِيَنا مِنها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ ( دَعَوُا ) . فَلَمّا نَجّاهم اللَّهُ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ الَّتِي وقَعُوا فِيها، وأجابَ دُعاءَهم، لَمْ يَفُوا بِما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاحِدِينَ لا فِعْلَ الشّاكِرِينَ، وجَعَلُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ مَكانَ الشُّكْرِ. وإذا في ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، والبَغْيُ: هو الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ ( في الأرْضِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فَسادَهم هَذا شامِلٌ لِأقْطارِ الأرْضِ، والبَغْيُ وإنْ كانَ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا بِالباطِلِ، لَكِنْ زِيادَةُ ( بِغَيْرِ الحَقِّ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شُبْهَةِ عِنْدَهم، بَلْ تَمَرُّدًا وعِنادًا، لِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُونَها مَعَ كَوْنِها باطِلَةً. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ذَكَرَ عاقِبَةَ البَغْيِ وسُوءَ مَغَبَّتِهِ. قَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ بِنَصْبِ مَتاعَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ما قَبْلَهُ جُمْلَةً تامَّةً: أيْ بَغْيُكم وبالٌ عَلى أنْفُسِكم، فَيَكُونُ بَغْيُكم مُبْتَدَأً و( عَلى أنْفُسِكم ) خَبَرَهُ، ويَكُونُ ( مَتاعَ ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ المَصْدَرُ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ اسْتِئْنافًا، وقِيلَ: إنَّ مَتاعَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ مَقْدَمِ الحاجِّ: أيْ زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ كَمَتاعِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مُمَتَّعِينَ، وقَدْ نُوقِشَ غالِبُ هَذِهِ الأقْوالِ في تَوْجِيهِ النَّصْبِ. وأمّا مَن قَرَأ بِرَفْعِ " مَتاعُ " فَجَعَلَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيْ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُهم جِنْسُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ومَنفَعَتُها الَّتِي لا بَقاءَ لَها، فَيَكُونُ المُرادُ بِأنْفُسِكم عَلى هَذا الوَجْهِ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِما يُدْرِكُهُ الجِنْسُ عَلى جِنْسِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُ مَتاعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو مَتاعٌ. قالَ النَّحّاسُ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ ( بَغْيُكم ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ( ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ )، وعَلى أنْفُسِكم مَفْعُولُ البَغْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) ويُضْمَرُ مُبْتَدَأٌ: أيْ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا انْتَهى. وقَدْ نُوقِشَ أيْضًا بَعْضُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ بِما يَطُولُ بِهِ البَحْثُ في غَيْرِ طائِلٍ. والحاصِلُ أنَّهُ إذا جُعِلَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ )، فالمَعْنى: أنَّ ما يَقَعُ مِنَ البَغْيِ عَلى الغَيْرِ هو بَغْيٌ عَلى نَفْسِ الباغِي بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهُ مُجازاةً عَلى بَغْيِهِ، وإنْ جُعِلَ الخَبَرُ ( مَتاعُ )، فالمُرادُ أنَّ بَغْيَ هَذا الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى بَعْضِهِ بَعْضًا هو سَرِيعُ الزَّوالِ قَرِيبُ الِاضْمِحْلالِ، كَسائِرِ أمْتِعَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها ذاهِبَةٌ عَنْ قُرْبٍ، مُتَلاشِيَةٌ بِسُرْعَةٍ، لَيْسَ لِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ ولا عَظِيمُ جَدْوى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ البَغْيِ مِنَ المُجازاةِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ وعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ومَتاعِها تُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ، فَيُجازِي المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحْسِنَ بِإحْسانِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا: أيْ فَنُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والمُرادُ بِذَلِكَ المُجازاةُ كَما تَقُولُ لِمَن أساءَ: سَأُخْبِرُكَ بِما صَنَعْتَ، وفِيهِ أشَدُّ وعِيدٍ وأفْظَعُ تَهْدِيدٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ وعُقُوبَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ قالَ: اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ (p-٦١٩)جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ: هَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ما حاصِلُهُ: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أهْدَرَ يَوْمَ الفَتْحِ دَمَ جَماعَةٍ، مِنهم عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، هَرَبَ مِن مَكَّةَ ورَكِبَ البَحْرَ فَأصابَهم عاصِفٌ، فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ الإخْلاصُ، ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ، أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِيَ في يَدِهِ، فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ فَأسْلَمَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها: المَكْرُ، والنَّكْثُ، والبَغْيُ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم﴾، ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾» [الحج: ١٠] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغِيًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: المَكْرُ، والبَغْيُ، والنَّكْثُ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . أقُولُ أنا: ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ الَّتِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها تَعُودُ عَلى فاعِلِها: الخَدْعُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ [البقرة: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

يونس 10:22

قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ. قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها. وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ. وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ . قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ، بَلْ يَطْلُبُونَ الغَوائِلَ لِآياتِ اللَّهِ بِما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ المَكْرِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ضَرَبَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا حَتّى يَنْكَشِفَ المُرادُ انْكِشافًا تامًّا، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ أنَّهم يَمْشُونَ عَلى أقْدامِهِمُ الَّتِي خَلَقَها لَهم لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويَرْكَبُونَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لِرُكُوبِهِمْ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَحْرِ: أنَّهُ ألْهَمَهم لِعَمَلِ السَّفائِنِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيها في لُجَجِ البَحْرِ ويَسَّرَ ذَلِكَ لَهم ودَفَعَ عَنْهم أسْبابَ الهَلاكِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " وهو الَّذِي يَنْشُرُكم في البَحْرِ " بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ يَنْشُرُهم سُبْحانَهُ في البَحْرِ فَيُنَجِّي مَن يَشاءُ ويُغْرِقُ مَن يَشاءُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الفُلْكُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وجَرَيْنَ أيِ السُّفُنَ ( بِهِمْ ): أيْ بِالرّاكِبِينَ عَلَيْها، و( حَتّى ) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها، فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكَوْنُ في الفُلْكِ، والثّانِي: جَرْيُها بِهِمْ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعاصِفَةٍ، وثالِثُها: فَرَحُهم. والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ جاءَتْها أيْ لَجاءَتِ الفُلْكَ رِيحٌ عاصِفٌ أوْ جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ: أيْ تَلَقَّتْها رِيحٌ عاصِفٌ، والعُصُوفُ شِدَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ، والثّانِي ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لِلْفُلْكِ، والمُرادُ جاءَ الرّاكِبِينَ فِيها، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ، والثّالِثُ ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمُ الهَلاكُ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِقَوْمٍ أوْ بِبَلَدٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الإحاطَةَ مَثَلًا في الهَلاكِ وإنْ كانَ بِغَيْرِ العَدُوِّ كَما هُنا، وجَوابُ إذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ (p-٦١٨)قَوْلُهُ: جاءَتْها إلى آخِرِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلًا مِن ( ظَنُّوا ) لِكَوْنِ هَذا الدُّعاءِ الواقِعِ مِنهم إنَّما كانَ عِنْدَ ظَنِّ الهَلاكِ وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، فَكانَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ( دَعَوُا ) مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، جَعَلَ الفائِدَةَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ المُبالَغَةَ. وقالَ الرّازِيُّ: الِانْتِقالُ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ في هَذا المَقامِ دَلِيلُ المَقْتِ والتَّبْعِيدِ، كَما أنَّ عَكْسَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] دَلِيلُ الرِّضا والتَّقْرِيبِ، وانْتِصابُ ( مُخْلِصِينَ ) عَلى الحالِ: أيْ لَمْ يَشُوبُوا دُعاءَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوائِبِ، كَما جَرَتْ عادَتُهم في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ أنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم في الدُّعاءِ، ولَيْسَ هَذا لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، بَلْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهم مِمّا شارَفُوهُ مِنَ الهَلاكِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ، وأنَّ المُضْطَرَّ يُجابُ دُعاؤُهُ، وإنْ كانَ كافِرًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَلْتَفِتُونَ إلى أصْنامِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ وما يُشابِهُها، فَيا عَجَبًا لِما حَدَثَ في الإسْلامِ مِن طَوائِفَ يَعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ، إذا عَرَضَتْ لَهم في البَحْرِ مِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ دَعَوُا الأمْواتَ، ولَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ كَما تَواتَرَ ذَلِكَ إلَيْنا تَواتُرًا يَحْصُلُ بِهِ القَطْعُ، فانْظُرْ - هَداكَ اللَّهُ - ما فَعَلَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الشَّيْطانِيَّةُ، وأيْنَ وصَلَ بِها أهْلُها، وإلى أيْنَ رَمى بِهِمُ الشَّيْطانُ، وكَيْفَ اقْتادَهم وتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ؟ حَتّى انْقادُوا لَهُ انْقِيادًا ما كانَ يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ولا في بَعْضِهِ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللّامُ في ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ هي اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: مِن هَذِهِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِن مُشارَفَةِ الهَلاكِ في البَحْرِ، واللّامُ في لَنَكُونَنَّ جَوابُ القِسْمِ: أيْ لَنَكُونَنَّ في كُلِّ حالٍ مِمَّنْ يَشْكُرُ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا، مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ سُؤالِكَ أنْ تُفَرِّجَها عَنّا وتُنْجِيَنا مِنها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ ( دَعَوُا ) . فَلَمّا نَجّاهم اللَّهُ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ الَّتِي وقَعُوا فِيها، وأجابَ دُعاءَهم، لَمْ يَفُوا بِما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاحِدِينَ لا فِعْلَ الشّاكِرِينَ، وجَعَلُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ مَكانَ الشُّكْرِ. وإذا في ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، والبَغْيُ: هو الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ ( في الأرْضِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فَسادَهم هَذا شامِلٌ لِأقْطارِ الأرْضِ، والبَغْيُ وإنْ كانَ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا بِالباطِلِ، لَكِنْ زِيادَةُ ( بِغَيْرِ الحَقِّ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شُبْهَةِ عِنْدَهم، بَلْ تَمَرُّدًا وعِنادًا، لِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُونَها مَعَ كَوْنِها باطِلَةً. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ذَكَرَ عاقِبَةَ البَغْيِ وسُوءَ مَغَبَّتِهِ. قَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ بِنَصْبِ مَتاعَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ما قَبْلَهُ جُمْلَةً تامَّةً: أيْ بَغْيُكم وبالٌ عَلى أنْفُسِكم، فَيَكُونُ بَغْيُكم مُبْتَدَأً و( عَلى أنْفُسِكم ) خَبَرَهُ، ويَكُونُ ( مَتاعَ ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ المَصْدَرُ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ اسْتِئْنافًا، وقِيلَ: إنَّ مَتاعَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ مَقْدَمِ الحاجِّ: أيْ زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ كَمَتاعِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مُمَتَّعِينَ، وقَدْ نُوقِشَ غالِبُ هَذِهِ الأقْوالِ في تَوْجِيهِ النَّصْبِ. وأمّا مَن قَرَأ بِرَفْعِ " مَتاعُ " فَجَعَلَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيْ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُهم جِنْسُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ومَنفَعَتُها الَّتِي لا بَقاءَ لَها، فَيَكُونُ المُرادُ بِأنْفُسِكم عَلى هَذا الوَجْهِ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِما يُدْرِكُهُ الجِنْسُ عَلى جِنْسِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُ مَتاعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو مَتاعٌ. قالَ النَّحّاسُ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ ( بَغْيُكم ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ( ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ )، وعَلى أنْفُسِكم مَفْعُولُ البَغْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) ويُضْمَرُ مُبْتَدَأٌ: أيْ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا انْتَهى. وقَدْ نُوقِشَ أيْضًا بَعْضُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ بِما يَطُولُ بِهِ البَحْثُ في غَيْرِ طائِلٍ. والحاصِلُ أنَّهُ إذا جُعِلَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ )، فالمَعْنى: أنَّ ما يَقَعُ مِنَ البَغْيِ عَلى الغَيْرِ هو بَغْيٌ عَلى نَفْسِ الباغِي بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهُ مُجازاةً عَلى بَغْيِهِ، وإنْ جُعِلَ الخَبَرُ ( مَتاعُ )، فالمُرادُ أنَّ بَغْيَ هَذا الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى بَعْضِهِ بَعْضًا هو سَرِيعُ الزَّوالِ قَرِيبُ الِاضْمِحْلالِ، كَسائِرِ أمْتِعَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها ذاهِبَةٌ عَنْ قُرْبٍ، مُتَلاشِيَةٌ بِسُرْعَةٍ، لَيْسَ لِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ ولا عَظِيمُ جَدْوى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ البَغْيِ مِنَ المُجازاةِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ وعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ومَتاعِها تُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ، فَيُجازِي المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحْسِنَ بِإحْسانِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا: أيْ فَنُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والمُرادُ بِذَلِكَ المُجازاةُ كَما تَقُولُ لِمَن أساءَ: سَأُخْبِرُكَ بِما صَنَعْتَ، وفِيهِ أشَدُّ وعِيدٍ وأفْظَعُ تَهْدِيدٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ وعُقُوبَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ قالَ: اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ (p-٦١٩)جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ: هَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ما حاصِلُهُ: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أهْدَرَ يَوْمَ الفَتْحِ دَمَ جَماعَةٍ، مِنهم عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، هَرَبَ مِن مَكَّةَ ورَكِبَ البَحْرَ فَأصابَهم عاصِفٌ، فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ الإخْلاصُ، ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ، أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِيَ في يَدِهِ، فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ فَأسْلَمَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها: المَكْرُ، والنَّكْثُ، والبَغْيُ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم﴾، ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾» [الحج: ١٠] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغِيًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: المَكْرُ، والبَغْيُ، والنَّكْثُ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . أقُولُ أنا: ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ الَّتِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها تَعُودُ عَلى فاعِلِها: الخَدْعُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ [البقرة: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

يونس 10:23

قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ. قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها. وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ. وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ . قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ، بَلْ يَطْلُبُونَ الغَوائِلَ لِآياتِ اللَّهِ بِما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ المَكْرِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ضَرَبَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا حَتّى يَنْكَشِفَ المُرادُ انْكِشافًا تامًّا، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ أنَّهم يَمْشُونَ عَلى أقْدامِهِمُ الَّتِي خَلَقَها لَهم لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويَرْكَبُونَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لِرُكُوبِهِمْ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى تَسْيِيرِهِمْ في البَحْرِ: أنَّهُ ألْهَمَهم لِعَمَلِ السَّفائِنِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيها في لُجَجِ البَحْرِ ويَسَّرَ ذَلِكَ لَهم ودَفَعَ عَنْهم أسْبابَ الهَلاكِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " وهو الَّذِي يَنْشُرُكم في البَحْرِ " بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ يَنْشُرُهم سُبْحانَهُ في البَحْرِ فَيُنَجِّي مَن يَشاءُ ويُغْرِقُ مَن يَشاءُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الفُلْكُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ وجَرَيْنَ أيِ السُّفُنَ ( بِهِمْ ): أيْ بِالرّاكِبِينَ عَلَيْها، و( حَتّى ) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها، فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكَوْنُ في الفُلْكِ، والثّانِي: جَرْيُها بِهِمْ بِالرِّيحِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعاصِفَةٍ، وثالِثُها: فَرَحُهم. والقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الجَزاءِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ جاءَتْها أيْ لَجاءَتِ الفُلْكَ رِيحٌ عاصِفٌ أوْ جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ: أيْ تَلَقَّتْها رِيحٌ عاصِفٌ، والعُصُوفُ شِدَّةُ هُبُوبِ الرِّيحِ، والثّانِي ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ لِلْفُلْكِ، والمُرادُ جاءَ الرّاكِبِينَ فِيها، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ فَوْقَ البَحْرِ، والثّالِثُ ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمُ الهَلاكُ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِقَوْمٍ أوْ بِبَلَدٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الإحاطَةَ مَثَلًا في الهَلاكِ وإنْ كانَ بِغَيْرِ العَدُوِّ كَما هُنا، وجَوابُ إذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ (p-٦١٨)قَوْلُهُ: جاءَتْها إلى آخِرِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلًا مِن ( ظَنُّوا ) لِكَوْنِ هَذا الدُّعاءِ الواقِعِ مِنهم إنَّما كانَ عِنْدَ ظَنِّ الهَلاكِ وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، فَكانَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ( دَعَوُا ) مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، جَعَلَ الفائِدَةَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ المُبالَغَةَ. وقالَ الرّازِيُّ: الِانْتِقالُ مِن مَقامِ الخِطابِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ في هَذا المَقامِ دَلِيلُ المَقْتِ والتَّبْعِيدِ، كَما أنَّ عَكْسَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] دَلِيلُ الرِّضا والتَّقْرِيبِ، وانْتِصابُ ( مُخْلِصِينَ ) عَلى الحالِ: أيْ لَمْ يَشُوبُوا دُعاءَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوائِبِ، كَما جَرَتْ عادَتُهم في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ أنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم في الدُّعاءِ، ولَيْسَ هَذا لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، بَلْ لِأجْلِ أنْ يُنْجِيَهم مِمّا شارَفُوهُ مِنَ الهَلاكِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ جُبِلُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ، وأنَّ المُضْطَرَّ يُجابُ دُعاؤُهُ، وإنْ كانَ كافِرًا. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَلْتَفِتُونَ إلى أصْنامِهِمْ في هَذِهِ الحالَةِ وما يُشابِهُها، فَيا عَجَبًا لِما حَدَثَ في الإسْلامِ مِن طَوائِفَ يَعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ، إذا عَرَضَتْ لَهم في البَحْرِ مِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ دَعَوُا الأمْواتَ، ولَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ كَما تَواتَرَ ذَلِكَ إلَيْنا تَواتُرًا يَحْصُلُ بِهِ القَطْعُ، فانْظُرْ - هَداكَ اللَّهُ - ما فَعَلَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الشَّيْطانِيَّةُ، وأيْنَ وصَلَ بِها أهْلُها، وإلى أيْنَ رَمى بِهِمُ الشَّيْطانُ، وكَيْفَ اقْتادَهم وتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ؟ حَتّى انْقادُوا لَهُ انْقِيادًا ما كانَ يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ولا في بَعْضِهِ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللّامُ في ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ هي اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: مِن هَذِهِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِن مُشارَفَةِ الهَلاكِ في البَحْرِ، واللّامُ في لَنَكُونَنَّ جَوابُ القِسْمِ: أيْ لَنَكُونَنَّ في كُلِّ حالٍ مِمَّنْ يَشْكُرُ نِعَمَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ بِها عَلَيْنا، مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ سُؤالِكَ أنْ تُفَرِّجَها عَنّا وتُنْجِيَنا مِنها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ ( دَعَوُا ) . فَلَمّا نَجّاهم اللَّهُ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ الَّتِي وقَعُوا فِيها، وأجابَ دُعاءَهم، لَمْ يَفُوا بِما وعَدُوا مِن أنْفُسِهِمْ، بَلْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاحِدِينَ لا فِعْلَ الشّاكِرِينَ، وجَعَلُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ مَكانَ الشُّكْرِ. وإذا في ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا البَغْيَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، والبَغْيُ: هو الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ ( في الأرْضِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فَسادَهم هَذا شامِلٌ لِأقْطارِ الأرْضِ، والبَغْيُ وإنْ كانَ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا بِالباطِلِ، لَكِنْ زِيادَةُ ( بِغَيْرِ الحَقِّ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ شُبْهَةِ عِنْدَهم، بَلْ تَمَرُّدًا وعِنادًا، لِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُونَها مَعَ كَوْنِها باطِلَةً. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ذَكَرَ عاقِبَةَ البَغْيِ وسُوءَ مَغَبَّتِهِ. قَرَأ ابْنُ إسْحاقَ، وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ بِنَصْبِ مَتاعَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ما قَبْلَهُ جُمْلَةً تامَّةً: أيْ بَغْيُكم وبالٌ عَلى أنْفُسِكم، فَيَكُونُ بَغْيُكم مُبْتَدَأً و( عَلى أنْفُسِكم ) خَبَرَهُ، ويَكُونُ ( مَتاعَ ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ المَصْدَرُ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ اسْتِئْنافًا، وقِيلَ: إنَّ مَتاعَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ مَقْدَمِ الحاجِّ: أيْ زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ كَمَتاعِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مُمَتَّعِينَ، وقَدْ نُوقِشَ غالِبُ هَذِهِ الأقْوالِ في تَوْجِيهِ النَّصْبِ. وأمّا مَن قَرَأ بِرَفْعِ " مَتاعُ " فَجَعَلَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ: أيْ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُهم جِنْسُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ومَنفَعَتُها الَّتِي لا بَقاءَ لَها، فَيَكُونُ المُرادُ بِأنْفُسِكم عَلى هَذا الوَجْهِ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِما يُدْرِكُهُ الجِنْسُ عَلى جِنْسِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، وقِيلَ: ارْتِفاعُ مَتاعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو مَتاعٌ. قالَ النَّحّاسُ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ ( بَغْيُكم ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ( ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ )، وعَلى أنْفُسِكم مَفْعُولُ البَغْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ) ويُضْمَرُ مُبْتَدَأٌ: أيْ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا انْتَهى. وقَدْ نُوقِشَ أيْضًا بَعْضُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ بِما يَطُولُ بِهِ البَحْثُ في غَيْرِ طائِلٍ. والحاصِلُ أنَّهُ إذا جُعِلَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ )، فالمَعْنى: أنَّ ما يَقَعُ مِنَ البَغْيِ عَلى الغَيْرِ هو بَغْيٌ عَلى نَفْسِ الباغِي بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهُ مُجازاةً عَلى بَغْيِهِ، وإنْ جُعِلَ الخَبَرُ ( مَتاعُ )، فالمُرادُ أنَّ بَغْيَ هَذا الجِنْسِ الإنْسانِيِّ عَلى بَعْضِهِ بَعْضًا هو سَرِيعُ الزَّوالِ قَرِيبُ الِاضْمِحْلالِ، كَسائِرِ أمْتِعَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها ذاهِبَةٌ عَنْ قُرْبٍ، مُتَلاشِيَةٌ بِسُرْعَةٍ، لَيْسَ لِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ ولا عَظِيمُ جَدْوى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ البَغْيِ مِنَ المُجازاةِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ وعِيدٍ شَدِيدٍ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ومَتاعِها تُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ، فَيُجازِي المُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحْسِنَ بِإحْسانِهِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا: أيْ فَنُخْبِرُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والمُرادُ بِذَلِكَ المُجازاةُ كَما تَقُولُ لِمَن أساءَ: سَأُخْبِرُكَ بِما صَنَعْتَ، وفِيهِ أشَدُّ وعِيدٍ وأفْظَعُ تَهْدِيدٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، في قَوْلِهِ: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ وعُقُوبَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ قالَ: اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ (p-٦١٩)جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ قالَ: هَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ما حاصِلُهُ: أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا أهْدَرَ يَوْمَ الفَتْحِ دَمَ جَماعَةٍ، مِنهم عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، هَرَبَ مِن مَكَّةَ ورَكِبَ البَحْرَ فَأصابَهم عاصِفٌ، فَقالَ أصْحابُ السَّفِينَةِ لِأهْلِ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ الإخْلاصُ، ما يُنْجِينِي في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ، أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتّى أضَعَ يَدِيَ في يَدِهِ، فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ فَأسْلَمَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها: المَكْرُ، والنَّكْثُ، والبَغْيُ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم﴾، ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾» [الحج: ١٠] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغِيًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: المَكْرُ، والبَغْيُ، والنَّكْثُ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . أقُولُ أنا: ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ الَّتِي دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها تَعُودُ عَلى فاعِلِها: الخَدْعُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ [البقرة: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.

يونس 10:24

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها. قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ. وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً. وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ. وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ: ؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ. وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ. ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ. وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ. وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ. وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ. قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ. قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ. ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ. قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) . والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها. قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ. والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ. واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» . وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» . وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ. وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .

يونس 10:25

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها. قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ. وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً. وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ. وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ: ؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ. وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ. ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ. وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ. وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ. وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ. قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ. قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ. ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ. قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) . والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها. قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ. والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ. واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» . وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» . وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ. وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .

يونس 10:26

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها. قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ. وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً. وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ. وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ: ؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ. وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ. ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ. وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ. وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ. وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ. قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ. قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ. ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ. قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) . والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها. قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ. والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ. واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» . وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» . وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ. وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .

يونس 10:27

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها. قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى. والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ. وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً. وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ. وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ: ؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ. وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ. ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ. وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها. ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ. وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ. وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ. قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ. قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ. قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ. ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ. قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها. ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) . والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها. قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ. والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ. واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» . وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» . وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ. وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] . وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .