Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يونس 10:28 – يونس 10:49
المحتويات
يونس 10:28
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها.
قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى.
والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ.
وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً.
وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ.
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ.
﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ:
؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ.
ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ
وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ.
وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها.
﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً.
قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ.
وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ.
وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ.
قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ.
وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ.
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ.
قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها.
﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) .
والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها.
قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ.
والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ.
واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» .
وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» .
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ.
وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .
يونس 10:29
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها.
قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى.
والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ.
وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً.
وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ.
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ.
﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ:
؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ.
ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ
وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ.
وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها.
﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً.
قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ.
وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ.
وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ.
قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ.
وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ.
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ.
قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها.
﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) .
والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها.
قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ.
والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ.
واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» .
وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» .
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ.
وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .
يونس 10:30
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن مَتاعِ الدُّنْيا جاءَ بِكَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ يَضْمَنُ بَيانَ حالِها وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، وأنَّها تَعُودُ بَعْدَ أنْ تَمْلَأ الأعْيُنَ بِرَوْنَقِها، وتَجْتَلِبَ النُّفُوسَ بِبَهْجَتِها، وتَحْمِلَ أهْلَها عَلى أنْ يَسْفِكُوا دِماءَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ويَهْتِكُوا حُرَمَهَمْ حُبًّا لَها وعِشْقًا لِجَمالِها الظّاهِرِيِّ، وتَكالُبًا عَلى التَّمَتُّعِ بِها، وتَهافُتًا عَلى نَيْلِ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
والمَعْنى: أنَّ مَثَلَها في سُرْعَةِ الذَّهابِ والِاتِّصافِ بِوَصْفٍ يُضادُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ ويُبايِنُهُ، مَثَلَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِهِ، وذَهابِ بَهْجَتِهِ، وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ غَضًّا مُخْضَرًّا طَرِيًّا، قَدْ تَعانَقَتْ أغْصانُهُ المُتَمايِلَةُ، وزَهَتْ أوْراقُهُ المُتَصافِحَةُ، وتَلَأْلَأتْ أنْوارُ نُورِهِ، وحاكَتِ الزَّهْرُ أنْواعَ زَهْرِهِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ هو ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، والباءُ في ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فاخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ نَباتُ الأرْضِ بِأنِ اشْتَبَكَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتّى بَلَغَ إلى حَدِّ الكَمالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ النَّباتَ كانَ في أوَّلِ بُرُوزِهِ، ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، غَيْرَ مُهْتَزٍّ ولا مُتَرَعْرِعٍ، فَإذا نَزَلَ الماءُ عَلَيْهِ اهْتَزَّ ورَبا حَتّى اخْتَلَطَ بَعْضُ الأنْواعِ بِبَعْضٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والكَلَأِ والتِّبْنِ وأخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها.
قالَ في الصِّحاحِ الزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ كُلُّ مُمَوَّهٍ مُزَوَّرٍ انْتَهى.
والمَعْنى: أنَّ الأرْضَ أخَذَتْ لَوْنَها الحَسَنَ المُشابِهَ بَعْضُهُ لِلَوْنِ الذَّهَبِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الفِضَّةِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الياقُوتِ، وبَعْضُهُ لِلَوْنِ الزُّمُرُّدِ.
وأصْلُ ازَّيَّنَتْ: تَزَيَّنَتْ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وجِيءَ بِألِفِ الوَصْلِ لِأنَّ الحَرْفَ المُدْغَمَ مَقامُ حَرْفَيْنِ أوَّلُهُما ساكِنٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " وتَزَيَّنَتْ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو العالِيَةِ " وأزْيَنَتْ " عَلى وزْنِ أفْعَلَتْ: أيْ أزْيَنَتِ الزِّينَةَ الَّتِي عَلَيْها، شَبَّهَها بِالعَرُوسِ الَّتِي تَلْبَسُ الثِّيابَ الجَيِّدَةَ المُتَلَوِّنَةَ ألْوانًا كَثِيرَةً.
وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: قَرَأ أشْياخُنا " وازْيانَّتْ " عَلى وزْنِ اسْوادَّتْ، وفي رِوايَةِ المُقَدَّمِيِّ " وازّايَنَتْ " والأصْلُ فِيهِ تَزايَنَتْ عَلى وزْنِ تَفاعَلَتْ.
وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، " ازْيَنَّتْ " ومَعْنى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها هو ما ذَكَرْنا ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أوْ تَيَقَّنُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى حَصادِها والِانْتِفاعِ بِها، والضَّمِيرُ في ( عَلَيْها ) لِلْأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ الَّذِي هو عَلَيْها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ إذا، أيْ جاءَها أمْرُنا بِإهْلاكِها واسْتِئْصالِها وضَرْبِها بِبَعْضِ العاهاتِ ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ جَعَلْنا زَرْعَها شَبِيهًا بِالمَحْصُودِ في قَطْعِهِ مِن أُصُولِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ.
﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعُها مَوْجُودًا فِيها بِالأمْسِ مُخَضَرًّا طَرِيًّا، مِن غَنِيَ بِالمَكانِ بِالكَسْرِ يَغْنى بِالفَتْحِ إذا أقامَ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْسِ الوَقْتُ القَرِيبُ، والمَغانِي في اللُّغَةِ المَنازِلُ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ، قالَ لَبِيدٌ:
؎غَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
وقَرَأ قَتادَةُ، " كَأنْ لَمْ يُغْنِ " بِالتَّحْتِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ (p-٦٢٠)إلى الزُّخْرُفِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ تُغْنِ بِالفَوْقِيَّةِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى الأرْضِ كَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ لَمّا نَفَّرَ عِبادَهُ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ المَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الدّارِ الآخِرَةِ بِإخْبارِهِمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إلى دارِ السَّلامِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامَةِ.
ومَعْنى السَّلامِ والسَّلامَةِ واحِدٌ كالرَّضاعِ والرَّضاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمَّ بَكْرٍ ∗∗∗ وهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِن سَلامِ
وقِيلَ: أرادَ دارَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، لِأنَّ أهْلَها يَنالُونَ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]، وقِيلَ: السَّلامُ اسْمٌ لِأحَدِ الجِنانِ السَّبْعِ: أحَدُها: دارُ السَّلامِ، والثّانِيَةُ: دارُ الجَلالِ، والثّالِثَةُ: جَنَّةُ عَدْنٍ، والرّابِعَةُ: جَنَّةُ المَأْوى، والخامِسَةُ: جَنَّةُ الخُلْدِ، والسّادِسَةُ: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، والسّابِعَةُ: جَنَّةُ النَّعِيمِ.
وقِيلَ: المُرادُ دارُ السَّلامِ الواقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ هي الجَنَّةُ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّسْمِيَةِ بِدارِ السَّلامِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَعَلَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إلى دارِ السَّلامِ عامَّةً، والهِدايَةَ خاصَّةً بِمَن يَشاءُ أنْ يَهْدِيَهُ تَكْمِيلًا لِلْحُجَّةِ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ سُبْحانَهُ أهْلَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ، وبَيَّنَ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالقِيامِ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأعْمالِ، والكَفِّ عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِنَ المَعاصِي، والمُرادُ بِالحُسْنى المَثُوبَةُ الحُسْنى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الخَصْلَةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ تُرِكَ مَوْصُوفُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ، وأمّا الزِّيادَةُ فَقِيلَ: المُرادُ بِها: ما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ مِنَ التَّفَضُّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: هي أنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا مِن فَضْلِهِ ما لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ما هو الحَقُّ في آخِرِ البَحْثِ ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ مَعْنى يَرْهَقُ يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ: غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ، وقِيلَ: يَعْلُو، وقِيلَ: يُغْشى، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا
وقَرَأ الحَسَنُ " قَتْرٌ " بِإسْكانِ المُثَنّاةِ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَهُ النَّحّاسُ، وواحِدُ القَتَرِ قَتَرَةٌ، والذِّلَّةُ: ما يَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ مِنَ الخُضُوعِ والِانْكِسارِ والهَوانِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَعْلُو وُجُوهَهم غَبَرَةٌ ولا يَظْهَرُ فِيها هَوانٌ، وقِيلَ: القَتَرُ الكَآبَةُ، وقِيلَ: سَوادُ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو دُخانُ النّارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ الإشارَةُ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ هم أصْحابُ الجَنَّةِ الخالِدُونَ فِيها المُتَنَعِّمُونَ بِأنْواعِ نَعِيمِها.
﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ هَذا الفَرِيقُ الثّانِي مِن أهْلِ الدَّعْوَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، أوْ يُقَدَّرُ: وجَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: أيْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ واحِدَةٍ لا يُزادُ عَلَيْها، وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ إمّا الشِّرْكُ أوِ المَعاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِشِرْكٍ، وهي ما يَتَلَبَّسُ بِهِ العُصاةُ مِنَ المَعاصِي، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: الباءُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، وقِيلَ: الباءُ مَعَ ما بَعْدَها الخَبَرُ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ قامَتْ مَقامَهُ، والمَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ كائِنٌ بِمِثْلِها كَقَوْلِكَ إنَّما أنا بِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( جَزاءُ ) والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها كائِنٌ فَحُذِفَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ فَلَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ ثابِتٌ بِمِثْلِها، أوْ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً أوْ زائِدَةً.
قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ يَغْشاهم هَوانٌ وخِزْيٌ.
وقُرِئَ " يَرْهَقُهم " بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ لا يَعْصِمُهم أحَدٌ - كائِنًا مَن كانَ - مِن سَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، أوْ ما لَهم مِن جِهَةِ اللَّهِ ومِن عِنْدِهِ مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ مُظْلِمًا مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالَةِ ظُلْمَتِهِ.
وقَدْ قَرَأ بِالجَمْعِ جُمْهُورُ القُرّاءِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ " قِطْعًا " بِإسْكانِ الطّاءِ، فَيَكُونُ ( مُظْلِمًا ) عَلى هَذا صِفَةً لِ ( قِطْعًا )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: القِطْعُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وإطْلاقُ الخُلُودِ هُنا مُقَيَّدٌ بِما تَواتَرَ في السُّنَّةِ مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الحَشْرُ الجَمْعُ، وجَمِيعًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُهم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ لِسُؤالِهِمْ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ في حالَةِ الحَشْرِ ووَقْتِ الجَمْعِ تَقْرِيعًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وتَوْبِيخًا لَهم مِن حُضُورِ مَن يُشارِكُهم في العِبادَةِ، وحُضُورِ مَعْبُوداتِهِمْ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم واثْبُتُوا فِيهِ وقِفُوا في مَوْضِعِكم ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَلى أنَّ (p-٦٢١)الواوَ واوُ مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم﴾: أيْ فَرَّقْنا وقَطَّعْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصُلِ في الدُّنْيا: يُقالُ زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ: أيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، والمُزايَلَةُ المُفارَقَةُ، يُقالُ: زايَلَهُ مُزايَلَةً وزِيالًا إذا فارَقَهُ، والتَّزايُلُ التَّبايُنُ.
قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم " فَزايَلْنا " والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ هُنا: المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: الأصْنامُ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها في هَذا الوَقْتِ.
وقِيلَ: المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَعْبُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ كائِنًا ما كانَ، وجُمْلَةُ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، والمَعْنى: وقَدْ قالَ شُرَكاؤُهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم وجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ )، وإنَّما عَبَدْتُمْ هَواكم وضَلالَكم وشَياطِينَكُمُ الَّذِينَ أغْوَوْكم، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ، فَهم شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في هَذا الخِطابِ، وهَذا الجَحْدُ مِنَ الشُّرَكاءِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما قَدْ وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن عِبادَتِهِمْ، فَمَعْناهُ إنْكارُ عِبادَتِهِمْ إيّاهم عَنْ أمْرِهِمْ لَهم بِالعِبادَةِ.
﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ إنْ كُنّا أمَرْنا بِعِبادَتِنا أوْ رَضِينا ذَلِكَ مِنكم ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والقائِلُ لِهَذا الكَلامِ هُمُ المَعْبُودُونَ.
قالُوا لِمَن عَبَدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ: إنّا كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَنا لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا: عَدَمُ الرِّضا بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ العِبادَةِ لَهم، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ غَيْرُ الشَّياطِينِ لِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ بِما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِن عِبادَتِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّياطِينِ، ويُحْمَلُ هَذا الجَحْدُ مِنهم عَلى أنَّهم لَمْ يُجْبِرُوهم عَلى عِبادَتِهِمْ ولا أكْرَهُوهم عَلَيْها.
﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ المَوْقِفِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ الزَّمانِ لِلْمَكانِ، تَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ وتُخْتَبَرُ جَزاءَ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَمَعْنى تَبْلُو تَذُوقُ وتُخْتَبَرُ، وقِيلَ: تَعْلَمُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَبْلُو بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى كُلِّ نَفْسٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " نَبْلُو " بِالنُّونِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي كُلَّ نَفْسٍ ويَخْتَبِرُها، ويَكُونُ ( ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ ) بَدَلًا مِن ( ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ ) .
والمَعْنى: أنَّهُ يُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُها ويَتَفَقَّدُ أحْوالَها.
قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( زَيَّلْنا )، والضَّمِيرُ في ( رُدُّوا ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ رُدُّوا إلى جَزائِهِ، وما أعَدَّ لَهم مِن عِقابِهِ، ومَوْلاهم: رَبُّهم، و( الحَقِّ ) صِفَةٌ لَهُ: أيِ الصّادِقُ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ، وقُرِئَ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ وبَطَلَ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي لَهم حَقِيقَةٌ بِالعِبادَةِ، لِتَشْفَعَ لَهم إلى اللَّهِ وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ.
والحاصِلُ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ في ذَلِكَ المَقامِ إلى الحَقِّ، ويَعْتَرِفُونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويُقِرُّونَ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ إلَهًا، ولَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ قالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالماءِ كُلُّ لَوْنٍ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، وسائِرِ حُبُوبِ الأرْضِ والبُقُولِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ والبَهائِمُ مِنَ الحَشِيشِ والمَراعِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قالَ: أنْبَتَتْ وحَسُنَتْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ: كَأنْ لَمْ تَعِشْ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، أنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها )، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا في سُورَةِ يُونُسَ إلى حَيْثُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ إلى يَتَفَكَّرُونَ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ، فَمُحِيَتْ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدِّمْياطِيُّ في مُعْجَمِهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَقُولُ: يَدْعُو إلى عَمَلِ الجَنَّةِ.
واللَّهُ: السَّلامُ، والجَنَّةُ: دارُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ لِلْمَخْرَجِ مِنَ الشُّبُهاتِ والفِتَنِ والضَّلالاتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ: يا أيُّها النّاسُ هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، ولا آبَتْ شَمْسُهُ إلّا وُكِّلَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ نِداءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وتَلا: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي جابِرٌ قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا فَقالَ: «إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي، ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِي، يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيها مَأْدُبَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ، ومِنهم مَن تَرَكَ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والدّارُ (p-٦٢٢)الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَن أجابَكَ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِنها» .
وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ اتَّقِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ قالَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وغَيْرُهم عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وما هو ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا، ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ، ويُزَحْزِحَنا عَنِ النّارِ؛ قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُنادِيًا يُنادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أوَّلُهم وآخِرُهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمُ الحُسْنى وزِيادَةً» فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ» .
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: «﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: الَّذِينَ أحْسَنُوا: أهْلُ التَّوْحِيدِ، والحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ في الآيَةِ قالَ: الزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، واللّالَكائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ غُرَفُها وأبْوابُها مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وزِيادَةٌ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ.
وقالَ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم رِواياتٌ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ غالِبُها أنَّها النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ لِقائِلٍ مَقالٌ، ولا التِفاتٌ إلى المُجادَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ المُتَمَذْهِبَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مِنَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَيانِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ قالَ: لا يَغْشاهم ﴿قَتَرٌ﴾ قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: القَتَرُ سَوادُ الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: خِزْيٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ قالَ: بَعْدَ نَظَرِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ: الَّذِينَ عَمِلُوا الكَبائِرَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ قالَ: النّارُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ القِطَعُ: السَّوادُ، نَسَخَتْها الآيَةُ في البَقَرَةِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ قالَ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ يَقُولُ: مِن مانَعٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قالَ: الحَشْرُ المَوْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: فَرَّقْنا بَيْنَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُنْصَبُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: واللَّهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نُبْصِرُ ولا نَعْقِلُ ولا نَعْلَمُ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنا، فَيَقُولُونَ: بَلى واللَّهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُمَثَّلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتْبَعُونَهم حَتّى يُورِدُوهُمُ النّارَ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ يَقُولُ تَتْبَعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَبْلُو تُخْتَبَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَبْلُو قالَ: تُعايِنُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ ما عَمِلَتْ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٦٢٣)﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم﴾ [محمد: ١١] .
يونس 10:31
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:32
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:33
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:34
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:35
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:36
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:37
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:38
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:39
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:40
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:41
لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ المُشْرِكِينَ أتْبَعَها بِإيرادِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ مِن أحْوالِ الرِّزْقِ، والحَواسِّ، والمَوْتِ، والحَياةِ، والِابْتِداءِ، والإعادَةِ، والإرْشادِ، والهُدى، وبَنى سُبْحانَهُ الحُجَجَ عَلى الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المُسْئُولِينَ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في إلْزامِ الحُجَّةِ وأوْقَعَ في النُّفُوسِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ احْتِجاجًا لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِنَ السَّماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ والمَعادِنِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا فَلا بُدَّ أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهُما ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وفي هَذا انْتِقالٌ مِن سُؤالٍ إلى سُؤالٍ، وخُصِّ السَّمْعُ والبَصَرُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ العَظِيمَةِ أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ مَلْكَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ والخِلْقَةِ الغَرِيبَةِ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِهِما هَذا الِانْتِفاعَ العَظِيمَ، ويْحَصِّلُونَ بِهِما مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الحاصِرِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ ثالِثَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، والنَّباتَ مِنَ الحَبَّةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ عَمَّنْ يُحْيِي ويُمِيتُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ رابِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ، وهَذا مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّهُ قَدْ عَمَّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: سَيَكُونُ قَوْلُهم في جَوابِ هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأُمُورِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إنْ أنْصَفُوا وعَمِلُوا عَلى ما يُوجِبُهُ الفِكْرُ الصَّحِيحُ والعَقْلُ السَّلِيمُ، وارْتِفاعُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يُجِيبُوا بِهَذا الجَوابِ أنْ يَقُولَ لَهم: أفَلا تَتَّقُونَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أفَلا تَتَّقُونَ، وتَفْعَلُونَ ما يُوجِبُهُ هَذا العِلْمُ مِن تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: فَذَلِكُمُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ هو رَبُّكُمُ المُتَّصِفُ بِأنَّهُ الحَقُّ لا ما جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، إنْ كانَتْ ما اسْتِفْهامِيَّةً، لا إنْ كانَتْ نافِيَةً كَما يَحْتَمِلُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، فَإنَّ ثُبُوتَ رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ حَقٌّ بِإقْرارِهِمْ فَكانَ غَيْرُهُ باطِلًا؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ الظّاهِرِ وتَقَعُونَ في الضَّلالِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما ؟ فَمَن تَخَطّى أحَدَهُما وقَعَ في الآخَرِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَما حَقَّ وثَبَتَ أنَّ الحَقَّ بَعْدَ الضَّلالِ أوْ كَما حَقَّ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ: حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ ( عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أيْ: خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ عِنادًا ومُكابَرَةً، وجُمْلَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وهي عَدَمُ إيمانِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ اللّامِ: أيْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يَجُوزُ: إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتِ رَبِّي " بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أوْرَدَ سُبْحانَهُ في هَذا حُجَّةً خامِسَةً عَلى المُشْرِكِينَ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَها لَهم، وهم وإنْ كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالمَعادِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ أمْرًا ظاهِرًا بَيِّنًا، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى صُورَةٍ لا يُمْكِنُ دَفْعُها عِنْدَ مَن أنْصَفَ ولَمْ يُكابِرْ، كانَ كالمُسَلَّمِ عِنْدَهُمُ الَّذِي لا جَحْدَ لَهُ ولا إنْكارَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ هو الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ هو نِيابَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ في الجَوابِ، إمّا عَلى طَرِيقِ التَّلْقِينِ لَهم وتَعْرِيفِهِمْ كَيْفَ يُجِيبُونَ، وإرْشادِهِمْ إلى ما يَقُولُونَ، وإمّا لِكَوْنِ هَذا المَعْنى قَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى غايَةٍ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى إقْرارِ الخَصْمِ ومَعْرِفَةِ ما لَدَيْهِ، وإمّا لِكَوْنِ المُشْرِكِينَ لا يَنْطِقُونَ بِما هو الصَّوابُ في هَذا الجَوابِ، فِرارًا مِنهم عَنْ أنْ تَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ أوْ أنْ يُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ إنْ حادُوا عَنِ الحَقِّ.
ومَعْنى فَأنّى تُؤْفَكُونَ فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ: أيْ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وتَنْقَلِبُونَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً سادِسَةً فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ (p-٦٢٤)والِاسْتِفْهامُ هاهُنا كالِاسْتِفْهاماتِ السّابِقَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِالهِدايَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ وقَعَ كَثِيرًا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢، ٣] وفِعْلُ الهِدايَةِ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِاللّامِ وإلى، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ.
والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يُرْشِدُ إلى دِينِ الإسْلامِ ويَدْعُو النّاسَ إلى الحَقِّ ؟ فَإذا قالُوا لا، فَقُلْ لَهم: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ دُونَ غَيْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِهَذا، وهِدايَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ إلى الحَقِّ هي بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الآياتِ في المَخْلُوقاتِ، وإرْسالِهِ لِلرُّسُلِ وإنْزالِهِ لِلْكُتُبِ، وخَلْقِهِ لِما يَتَوَصَّلُ بِهِ العِبادُ إلى ذَلِكَ مِنَ العُقُولِ والأفْهامِ والأسْماعِ والأبْصارِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لِلتَّقْرِيرِ وإلْزامِ الحُجَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لا يَهِدِّي " فَقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ إلّا نافِعًا ( يَهْدِّي ) بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فَجَمَعُوا في قِراءَتِهِمْ هَذِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ.
قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لا بُدَّ لِمَن رامَ مِثْلَ هَذا أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً إلى الكَسْرِ، وسِيبَوَيْهَ يُسَمِّي هَذا اخْتِلاسًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ في رِوايَةٍ بَيْنَ الفَتْحِ والإسْكانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ القِراءَةُ بَيِّنَةٌ في العَرَبِيَّةِ، والأصْلُ فِيها يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وقُلِبَتْ حَرَكَتُها إلى الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ والأعْمَشُ مِثْلَ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الهاءَ، قالُوا: لِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ عِنْدَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وذَلِكَ لِلْإتْباعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن هَدى يَهْدِي.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ لَها وجْهانِ في العَرَبِيَّةِ، وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً: الأوَّلُ: أنَّ الكِسائِيَّ، والفَرّاءَ قالا: إنَّ يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي.
الثّانِي: أنَّ أبا العَبّاسِ قالَ: إنَّ التَّقْدِيرَ أمْ مَن لا يَهْدِي غَيْرَهُ، ثُمَّ تَمَّ الكَلامُ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إلّا أنْ يُهْدى﴾ أيْ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُهْدى، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُ إلّا أنْ يَسْمَعَ أيْ: لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يَسْمَعَ.
والمَعْنى عَلى القِراءاتِ المُتَقَدِّمَةِ: أفَمَن يَهْدِي النّاسَ إلى الحَقِّ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ، أمِ الأحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ ويُقْتَدى بِهِ مَن لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ ؟ والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بِاسْتِفْهامَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِاتِّخاذِ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( تَحْكُمُونَ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما هَؤُلاءِ عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ، وعَلى أيِّ شَيْءٍ بَنَوْهُ، وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّبَعُوا هَذا الدِّينَ الباطِلَ، وهو الشِّرْكُ فَقالَ: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في الأوامِرِ السّابِقَةِ.
والمَعْنى: ما يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وجَعْلِهِمْ لَهُ أنْدادًا إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ والحَدْسِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ، بَلْ ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن سَلَفِهِمْ أنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ هَذا لِمُسْتَنَدٍ قَطُّ، بَلْ مُجَرَّدُ خَيالٍ مُخْتَلٍّ وحَدْسٍ باطِلٍ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ الظَّنِّ هُنا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا لا يَسْتَنِدُ إلى ما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ سائِرُ الظُّنُونِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ: إنَّهُ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِهِ إلّا ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، لِأنَّ أمْرَ الدِّينِ إنَّما يُبْنى عَلى العِلْمِ، وبِهِ يَتَّضِحُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والظَّنُّ لا يَقُومُ مَقامَ العِلْمِ، ولا يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ، ولا يُغْنِي عَنِ الحَقِّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، و( مِنَ الحَقِّ ) حالٌ مِنهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ لا عَنْ بُرْهانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وحُجَجِهِ، شَرَعَ في تَثْبِيتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُجَجِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ يُفْتَرى مِنَ الخَلْقِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، وقَدْ عَجَزَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِنهُ القَوْمُ الَّذِينَ هم أفْصَحُ العَرَبِ لِسانًا وأدَقُّهم أذْهانًا ولَكِنْ كانَ هَذا القُرْآنَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ونَفْسُ هَذا التَّصْدِيقِ مُعْجِزَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِأنَّ أقاصِيصَهُ مُوافِقَةٌ لِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلى ذَلِكَ ولا تَعَلَّمَهُ ولا سَألَ عَنْهُ ولا اتَّصَلَ بِمَن لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، وانْتِصابُ ( تَصْدِيقَ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ ( لَكِنْ )، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى العَلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ، وما يَنْبَغِي لِهَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقِيلَ: إنَّ أنْ بِمَعْنى اللّامَ: أيْ وما كانَ هَذا القُرْآنُ لِيُفْتَرى، وقِيلَ: بِمَعْنى لا: أيْ لا يُفْتَرى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ، ويَجُوزُ عِنْدَهُما الرَّفْعُ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنِ القُرْآنُ تَصْدِيقُ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ: أيْ أنَّها قَدْ بَشَّرَتْ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَجاءَ مُصَدِّقًا لَها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَكِنْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهم شاهَدُوهُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (p-٦٢٥)فَيَجِيءُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في ( تَصْدِيقَ )، والتَّفْضِيلُ: التَّبْيِينُ، أيْ يُبَيِّنُ ما في كُتُبِ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ ما بُيِّنَ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وهو داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً لا مَحَلَّ لَها، و﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ: أيْ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، أوْ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تَصْدِيقَ ) و( تَفْصِيلَ )، وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْرِيرَ ثُبُوتَ الحُجَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةُ: أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمْ بِمَعْنى الواوِ: أيْ ويَقُولُونَ افْتَراهُ، وقِيلَ: المِيمُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَحَدّاهم حَتّى يَظْهَرَ عَجْزُهم ويَتَبَيَّنَ ضَعْفُهم فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ مُحَمَّدًا افْتَراهُ فَأْتُوا أنْتُمْ عَلى جِهَةِ الِافْتِراءِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وجَوْدَةِ الصِّناعَةِ، فَأنْتُمْ مِثْلُهُ في مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ وفَصاحَةِ الألْسُنِ وبَلاغَةِ الكَلامِ وادْعُوا بِمُظاهِرِيكم ومُعاوِنِيكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ومِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ادْعُوا ): أيِ ادْعُوا مَن سِوى اللَّهِ مِن خَلْقِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مُفْتَرًى.
وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أقْوى هَذِهِ الحُجَّةَ وأوْضَحَها وأظْهَرَها لِلْعُقُولِ، فَإنَّهم لَمّا نَسَبُوا الِافْتِراءَ إلى واحِدٍ مِنهم في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، قالَ لَهم: هَذا الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وأنا واحِدٌ مِنكم، لَيْسَ عَلَيْكم إلّا أنْ تَأْتُوا وأنْتُمُ الجَمْعُ الجَمُّ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِسُورَةٍ مَن سُوَرِهِ، واسْتَعِينُوا بِمَن شِئْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللِّسانِ العَرَبِيَّةِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَبايُنِ مَساكِنِهِمْ، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، أوْ مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ الأصْنامِ، فَإنْ فَعَلْتُمْ هَذا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَأنْتُمْ صادِقُونَ فِيما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ وألْصَقْتُمُوهُ بِي، فَلَمْ يَأْتُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ المُنْصِفِ والتَّنَزُّلِ البالِغِ، بِكَلِمَةٍ ولا نَطَقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ كاعُوا عَنِ الجَوابِ، وتَشَبَّثُوا بِأذْيالِ العِنادِ البارِدِ، والمُكابَرَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحُجَّةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَعْجِزُ عَنْهُ مُبْطِلٌ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عَقِبَ هَذا التَّحَدِّي البالِغِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِ القُرْآنِ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ ويَفْهَمُوا مَعانِيَهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وهَكَذا صَنَعَ مَن تَصَلَّبَ في التَّقْلِيدِ ولَمْ يُبالِ بِما جاءَ بِهِ مَن دَعا إلى الحَقِّ وتَمَسَّكَ بِذُيُولِ الإنْصافِ، بَلْ يَرُدُّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يُوافِقْ هَواهُ، ولا جاءَ عَلى طَبَقِ دَعْواهُ، قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ مَعْناهُ ويَعْلَمَ مَبْناهُ، كَما تَراهُ عَيانًا وتَعْلَمُهُ وُجْدانًا.
والحاصِلُ أنَّ مَن كَذَّبَ بِالحُجَّةِ النَّيِّرَةِ، والبُرْهانِ الواضِحِ، قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ، فَهو لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ في هَذا التَّكْذِيبِ، إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ جاهِلًا لِما كَذَّبَ بِهِ غَيْرُ عالِمٍ بِهِ، فَكانَ بِهَذا التَّكْذِيبِ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ بِأعْلى صَوْتٍ، ومُسَجِّلًا بِقُصُورِهِ عَنْ تَعَقُّلِ الحُجَجِ بِأبْلَغِ تَسْجِيلٍ، ولَيْسَ عَلى الحُجَّةِ ولا عَلى مَن جاءَ بِها مِن تَكْذِيبِهِ شَيْءٌ:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وبِما لَمْ يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِهِ حالَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا تَأْوِيلَ ما كَذَّبُوا بِهِ ولا بَلَغَتْهُ عُقُولُهم.
والمَعْنى: أنَّ التَّكْذِيبَ مِنهم وقَعَ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَعْرِفُوا ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن صِدْقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ، والأُمَمِ السّابِقِينَ، ومِن حِكاياتِ ما سَيَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي أخْبَرَ عَنْها قَبْلَ كَوْنِها، أوْ قَبْلَ أنْ يَفْهَمُوهُ حَقَّ الفَهْمِ وتَتَعَقَّلَهُ عُقُولُهم، فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ كُلِّيَّةَ التَّدَبُّرِ لَفَهِمُوهُ كَما يَنْبَغِي، وعَرَفُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ أبْلَغَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى تَأْوِيلِهِ: ما يَئُولُ إلَيْهِ لِمَن تَدَبَّرَهُ مِنَ المَعانِي الرَّشِيقَةِ، واللَّطائِفِ الأنِيقَةِ، وكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ أظْهَرُ في المَعْنى الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عِنْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم تَأْوِيلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ كَما حَكى ذَلِكَ القُرْآنُ عَنْهم، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ في نَفْسِهِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ صِدْقٌ وحَقٌّ، ولَكِنَّهُ كَذَّبَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقِيلَ: المُرادُ: ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كَذَّبَ بِهِ في الحالِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " مِنهم " ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يُصَدِّقُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ كَذَّبَ بِهِ جَهْلًا كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى عَلى جُحُودِهِ وإصْرارِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّقْسِيمَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ: المُصِرُّونَ المُعانِدُونَ، أوْ بِكِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهِ جَهْلًا، أوِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ لَهم إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ: ﴿لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم، فَقَدْ أبْلَغْتُ إلَيْكم ما أُمِرْتُ بِإبْلاغِهِ، ولَيْسَ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٦٢٦)﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي، ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: صَدَقَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ قالَ: الأوْثانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ.
يونس 10:42
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:43
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:44
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:45
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:46
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:47
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:48
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
يونس 10:49
قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ.
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذا أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالُهُ في النُّفْرَةِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وهي أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا قَرَأ القُرْآنَ وعَلَّمَ الشَّرائِعَ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ في الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أثَرِ السَّماعِ، وهو حُصُولُ القَبُولِ والعَمَلِ بِما يَسْمَعُونَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ وإنِ اسْتَمَعُوا في الظّاهِرِ فَهم صُمٌّ، والصَّمَمُ مانِعٌ مِن سَماعِهِمْ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ مِنهم بِذَلِكَ مَعَ حُصُولِ المانِعِ، وهو الصَّمَمُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، فَإنَّ مَن كانَ أصَمَّ غَيْرَ عاقِلٍ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ولا يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في يَسْتَمِعُونَ حَمْلًا عَلى مَعْنى ( مَن )، وأفْرَدَهُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ حَمْلًا عَلى لَفْظِهِ.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ: كَثْرَةُ المُسْتَمِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاظِرِينَ، لِأنَّ الِاسْتِماعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقاتَلَةِ وانْتِفاءِ الحائِلِ وانْفِصالِ الشُّعاعِ، والنُّورِ المُوافِقِ لِنُورِ البَصَرِ.
والتَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ، ومِنهم بَعْضٌ يَنْظُرُ، والهَمْزَتانِ في ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي﴾ لِلْإنْكارِ، والفاءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم ؟ أيَنْظُرُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَهْدِيهِمْ ؟ والكَلامُ في ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كالكَلامِ في ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ العَمى مانِعٌ فَكَيْفَ يُطْمَعُ مِن صاحِبِهِ في النَّظَرِ.
وقَدِ انْضَمَّ إلى فَقْدِ البَصَرِ فَقَدُ البَصِيرَةِ، لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ لَهُ مِنَ الحَدْسِ الصَّحِيحِ ما يَفْهَمُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَهْمًا يَقُومُ مَقامَ النَّظَرِ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ العاقِلُ قَدْ يَتَحَدَّسُ تَحَدُّسًا يُفِيدُهُ بَعْضَ فائِدَةٍ، بِخِلافِ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ عَمى البَصَرِ والبَصِيرَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإدْراكُ.
وكَذا مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّمَمِ وذَهابِ العَقْلِ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِ بابُ الهُدى، وجَوابُ " لَوْ " في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِما ما قَبْلَهُما، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ الطَّبِيبَ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أصْلًا أعْرَضَ عَنْهُ واسْتَراحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ذِكْرُ هَذا عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ بِالأسْماعِ والأبْصارِ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ نَقْصٍ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ، بَلْ لِأجْلِ ما صارَ في طَبائِعِهِمْ مِنَ التَّعَصُّبِ والمُكابَرَةِ لِلْحَقِّ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَلْ خَلَقَهم وجَعَلَ لَهم مِنَ المَشاعِرِ ما يُدْرِكُونَ بِهِ أكْمَلَ إدْراكٍ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الحَواسِّ ما يَصِلُونَ بِهِ إلى ما يُرِيدُونَ، ووَفَّرَ مَصالِحَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَيْهِمْ، وخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَعَلى نَفْسِها بِراقِشُ تَجْنِي.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " ولَكِنِ النّاسُ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ النّاسِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها ونَصْبِ النّاسِ.
قالَ النَّحّاسُ: زَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ، أنَّ العَرَبَ إذا قالَتْ ولَكِنَّ بِالواوِ شَدَّدُوا النُّونَ، وإذا حَذَفُوا الواوَ خَفَّفُوها.
قِيلَ: والنُّكْتَةُ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ زِيادَةُ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أوْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُشْبِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ ﴿إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، والمُرادُ بِاللُّبْثِ هو اللُّبْثُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: في القُبُورِ، اسْتَقَلُّوا المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ إمّا لِأنَّهم ضَيَّعُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا، فَجَعَلُوا وجُودَها كالعَدَمِ، أوِ اسْتَقْصَرُوها لِلدَّهَشِ والحَيْرَةِ، أوْ لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في المَحْشَرِ، أوْ لِشِدَّةَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهم: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وجُمْلَةُ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَعْنى: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ التَّعارِيفُ بَيْنَهم لِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُدْهِشَةِ لِلْعُقُولِ المُذْهِلَةِ لِلْأفْهامِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعارُفَ هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي، لا تَعارُفَ شَفَقَةٍ ورَأْفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فَيُجْمَعُ (p-٦٢٧)بِأنَّ المُرادَ بِالتَّعارُفِ، هو تَعارُفُ التَّوْبِيخِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الآياتِ المُخْتَلِفَةِ في مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ، بِأنَّ المَواقِفَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ المَواقِفِ ما لا يَكُونُ في الآخَرِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ هَذا تَسْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ الحِسابِ والجَزاءِ، ونَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا مِن جِنْسِ المُهْتَدِينَ لِجَهْلِهِمْ وعَدَمِ طَلَبِهِمْ لِما يُنْجِيهِمْ ويَنْفَعُهم.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ وزِيدَتْ نُونُ التَّأْكِيدِ، والمَعْنى: إنْ حَصَلَتْ مِنّا الإراءَةُ لَكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِكَ في حَياتِكَ بِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَتَراهُ، أوْ فَذاكَ، وجُمْلَةُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: أوْ لا نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ في حَياتِكَ بَلْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فَنُرِيكَ عَذابَهم فِيها، وجَوابُ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ الإراءَةِ فَنَحْنُ نُرِيكَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ هو قَوْلُهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم لِدَلالَتِهِ عَلى ما هو المُرادُ مِن إراءَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: العُدُولُ إلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في المَوْضِعَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والأصْلُ أرَيْناكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ إراءَتَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ ما وعَدَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَذابِ لَمْ تَكُنْ قَدْ وقَعَتْ كالوَفاةِ.
وحاصِلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنْ لَمْ نَنْتَقِمْ مِنهم عاجِلًا انْتَقَمْنا مِنهم آجِلًا.
وقَدْ أراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَتْلَهم وأسْرَهم، وذُلَّهم، وذَهابَ عِزِّهِمْ، وانْكِسارَ سَوْرَةِ كِبْرِهِمْ، بِما أصابَهم بِهِ في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِنَ المُواطِنِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ جاءَ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيدِ مَعَ كَوْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شَهِيدًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ في الدّارَيْنِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأفْعالِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ، أوْ ما يَحْصُلُ مِن إنْطاقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ رَسُولٌ يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ويُبَيِّنُ لَهم ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْكامِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ وبَلَّغَهم ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَذَّبُوهُ جَمِيعًا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنِ الأُمَّةِ ورَسُولِها بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ فَنَجا الرَّسُولُ وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ لَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِيرِ في ( بَيْنَهم ) الأُمَّةُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ كَذَّبَهُ بَعْضُهم، وصَدَّقَهُ البَعْضُ الآخَرُ، فَيَهْلَكُ المُكَذِّبُونَ ويَنْجُو المُصَدِّقُونَ وهم لا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ القَضاءِ فَلا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُؤاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم﴾ [الزمر: ٦٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] والمُرادُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ والنَّصَفَةُ بَيْنَ العِبادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مِن شُبَهِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ كانُوا يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ والِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ولِلْقَدْحِ في النُّبُوَّةِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خِطابًا مِنهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ جَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِما يَحْسِمُ مادَّةَ الشُّبْهَةِ ويَقْطَعُ اللَّجاجَ فَقالَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَها ولا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ ذَلِكَ لِغَيْرِي، وقَدَّمَ الضُّرَّ، لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْ حُضُورِ الوَعْدِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَبْعَدُوهُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُنْقَطِعٌ كَما ذَكَرَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ: أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كانَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ عَلى أنْ أمْلِكَ لِنَفْسِي ضَرًّا أوْ نَفْعًا.
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنْ لِكُلِّ طائِفَةٍ حَدًّا مَحْدُودًا لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَلا وجْهَ لِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أنْجَزَ وعْدَهُ وجازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ، أوْ بَيْنَ بَعْضِهِمُ البَعْضِ أجَلًا مُعَيَّنًا، ووَقْتًا خاصًّا، يَحِلُّ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم عِنْدَ حُلُولِهِ ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ أُمَّةٍ ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ المُعَيَّنِ ساعَةً أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ( لا يَسْتَقْدِمُونَ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( لا يَسْتَأْخِرُونَ )، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] والكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هُنا قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ الأعْرافِ فَلا نُعِيدُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم﴾ قالَ: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سُوءَ العَذابِ في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.