Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الكهف 18:81 – الكهف 18:105

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الكهف 18:81
  2. الكهف 18:82
  3. الكهف 18:83
  4. الكهف 18:84
  5. الكهف 18:85
  6. الكهف 18:86
  7. الكهف 18:87
  8. الكهف 18:88
  9. الكهف 18:89
  10. الكهف 18:90
  11. الكهف 18:91
  12. الكهف 18:92
  13. الكهف 18:93
  14. الكهف 18:94
  15. الكهف 18:95
  16. الكهف 18:96
  17. الكهف 18:97
  18. الكهف 18:98
  19. الكهف 18:99
  20. الكهف 18:100
  21. الكهف 18:101
  22. الكهف 18:102
  23. الكهف 18:103
  24. الكهف 18:104
  25. الكهف 18:105

الكهف 18:81

. قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ: ؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ. قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ. ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ. وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ. قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ. قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ. ( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي. قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ. قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ. وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ. ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ: ؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ. وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) . قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ. ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ. ( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ. وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ. والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا. ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ. ( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ. وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ. ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ. ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ. وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم. وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ. قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.

الكهف 18:82

. قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ: ؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ. قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ. وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ. ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ. وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ. قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ. قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ. ( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي. قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ. قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو. قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ. وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ. ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ: ؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: ؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ. وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) . قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ. ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ. ( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ. وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ. والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا. ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ. ( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ. وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ. ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ. ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ. وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم. وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ. قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.

الكهف 18:83

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:84

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:85

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:86

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:87

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:88

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:89

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:90

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:91

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:92

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:93

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:94

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:95

. لَمّا أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ سُؤالَيْنِ مِن سُؤالاتِ اليَهُودِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى حَيْثُ انْتَهى، شَرْعَ سُبْحانَهُ في السُّؤالِ الثّالِثِ والجَوابِ عَنْهُ، فالمُرادُ بِالسّائِلِينَ هُنا هُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلْقُوسَ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِأسْرِها اليُونانِيُّ بانِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مِرْزَبَةَ اليُونانِيُّ، مِن ولَدِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ. وقِيلَ: هو مَلِكٌ اسْمُهُ هُرْمُسُ، وقِيلَ: مَلِكٌ اسْمُهُ هَرْدِيسُ، وقِيلَ: شابٌ مِنَ الرُّومِ، وقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مِن أوْلادِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ. وحَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ السُّهَيْلِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الظّاهِرَ مِن عِلْمِ الأخْبارِ أنَّهُما اثْنانِ: أحَدُهُما كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ كانَ قَرِيبًا مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هو أبُو كَرِبٍ الحِمْيَرِيُّ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ورَجَّحَ الرّازِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، قالَ: لِأنَّ مَن بَلَغَ مُلْكُهُ مِنَ السِّعَةِ والقُوَّةِ إلى الغايَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها التَّنْزِيلُ إنَّما هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ كَما (p-٨٧٣)تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التّارِيخِ، قالَ: فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ، قالَ: وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ كانَ تِلْمِيذًا لِأرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ باطِلًا فَلَعَلَّهُ أخَذَ مِنهم ما صَفا وتَرَكَ ما كَدُرَ واللَّهُ أعْلَمُ. ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أنَّهُما اثْنانِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأوَّلَ طافَ بِالبَيْتِ مَعَ إبْراهِيمَ أوَّلَ ما بَناهُ وآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وكانَ وزِيرَهُ الخَضِرُ. وأمّا الثّانِي: فَهو الإسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ اليُونانِيُّ، وكانَ وزِيرَهُ الفَيْلَسُوفُ المَشْهُورُ أرِسْطاطالِيسُ، وكانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. فَأمّا الأوَّلُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ فَكانَ في زَمَنِ الخَلِيلِ، هَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ راوِيًا لَهُ عَنِ الأزْرَقِيِّ وغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا في أخْبارِهِ في كِتابِ البِدايَةِ والنِّهايَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وحَكى أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قالَ: وإنَّما بَيَّنّا هَذا - يَعْنِي أنَّهُما اثْنانِ - لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَعْتَقِدُ أنَّهُما واحِدٌ، وأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو هَذا المُتَأخِّرُ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وفَسادٌ كَثِيرٌ، كَيْفَ لا، والأوَّلُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مُؤْمِنًا، ومَلِكًا عادِلًا، ووَزِيرُهُ الخَضِرُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا. وأمّا الثّانِي فَقَدْ كانَ كافِرًا، ووَزِيرُهُ أرِسْطاطالِيسُ الفَيْلَسُوفُ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أكْثَرَ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ، فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ انْتَهى. قُلْتُ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ هَذا في الكِتابِ الَّذِي ذَكَرَهُ سابِقًا، وسَمّاهُ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، والَّذِي يُسْتَفادُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ هو أنَّهُما اثْنانِ كَما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ والأزْرَقِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهم لا كَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وادَّعى أنَّهُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ، وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا ؟ وسَيَأْتِي ما يُسْتَفادُ مِنهُ المَطْلُوبُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهُ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها، وقَرْنَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِن شَعَرٍ، والضَّفائِرُ تُسَمّى قُرُونًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ والحَشْرَجُ ماءٌ مِن مِياهِ العَرَبِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى في أوَّلِ مُلْكِهِ كَأنَّهُ قابِضٌ عَلى قَرْنَيِ الشَّمْسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجَّهُ قَوْمُهُ عَلى قَرْنِهِ، ثُمَّ دَعا إلى اللَّهِ فَشَجُّوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتِ شَرَفٍ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيُّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ إذا قاتَلَ قاتَلَ بِيَدَيْهِ ورِكابَيْهِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ فارِسَ والرُّومَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ والتُّرْكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: سَأتْلُو عَلَيْكم أيُّها السّائِلُونَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ خَبَرًا، وذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ المَتْلُوِّ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ ما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم مِن أنَّهُ سَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنهُ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: أقْدَرْناهُ بِما مَهَّدْنا لَهُ مِنَ الأسْبابِ، فَجَعَلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وسَهَّلَ عَلَيْهِ المَسِيرَ في مَواضِعِها، وذَلَّلَ لَهُ طُرُقَها حَتّى تَمَكَّنَ مِنها أيْنَ شاءَ وكَيْفَ شاءَ. ومِن جُمْلَةِ تَمْكِينِهِ فِيها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ سَواءً في الإضاءَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَطْلُوبِهِ ( سَبَبًا ) أيْ: طَرِيقًا يَتَوَصَّلُ بِها إلى ما يُرِيدُهُ. ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِن تِلْكَ الأسْبابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى طَرِيقًا تُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ أُوتِيَ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ مِن تِلْكَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ سَبَبًا في المَسِيرِ إلى المَغْرِبِ، وقِيلَ: أتْبَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ، وقِيلَ: بَلاغًا إلى حَيْثُ أرادَ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ، وقِيلَ: مِن كُلِّ شَيْءٍ تَسْتَعِينُ بِهِ المُلُوكُ مِن فَتْحِ المَدائِنِ وقَهْرِ الأعْداءِ. وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو بِوَصْلِها. قالَ الأخْفَشُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ بِمَعْنًى، مِثْلُ رَدَفْتُهُ وأرْدَفْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قالَ: النَّحّاسُ: واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: لِأنَّها مِنَ السَّيْرِ. وحَكى هو والأصْمَعِيُّ أنَّهُ يُقالُ: تَبِعْتُهُ وأتْبَعْتُهُ: إذا سارَ ولَمْ يَلْحَقْهُ، وأتْبَعَهُ: إذا لَحِقَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِثْلُهُ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِنَ الفَرْقِ وإنْ كانَ الأصْمَعِيُّ قَدْ حَكاهُ فَلا يُقْبَلُ إلّا بِعِلْمٍ أوْ دَلِيلٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] لَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهم لَحِقُوهم، وإنَّما الحَدِيثُ: لَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ مِنَ البَحْرِ وحَصَلَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ في البَحْرِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. والحَقُّ في هَذا أنْ تَبِعَ واتَّبَعَ وأتْبَعَ لُغاتٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو بِمَعْنى السَّيْرِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيْ: نِهايَةَ الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ؛ لِأنَّ مِن وراءِ هَذِهِ النِّهايَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فِيهِ ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ )، أيْ: حارَّةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( حَمِئَةٍ ) أيْ: كَثِيرَةِ الحَمْأةِ، وهي الطِّينَةُ السَّوْداءُ، تَقُولُ: حَمَأْتُ البِئْرَ حَمْأً بِالتَّسْكِينِ: إذا نَزَعْتَ حَمْأتَها، وحَمَأتِ البِئْرُ حَمَأتَها بِالتَّحْرِيكِ: كَثُرَتْ حَمْأتُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حامِيَةً مِنَ الحَمْأةِ، فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وقُلِبَتْ ياءً، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ فَيُقالُ: كانَتْ حارَّةً وذاتَ حَمْأةٍ. قِيلَ: ولَعَلَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ساحِلَ البَحْرِ المُحِيطِ رَآها كَذَلِكَ في نَظَرِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُمَكِّنَهُ اللَّهُ مِن عُبُورِ البَحْرِ المُحِيطِ حَتّى يَصِلَ إلى تِلْكَ العَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيها الشَّمْسُ، وما المانِعُ مِن هَذا بَعْدَ أنْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، والبَحْرُ مِن جُمْلَتِها، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُوجِبُ حَمْلَ (p-٨٧٤)القُرْآنِ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في ( عِنْدَها ) إمّا لِلْعَيْنِ أوْ لِلشَّمْسِ. قِيلَ: هم قَوْمٌ لِباسُهم جُلُودُ الوَحْشِ، وكانُوا كُفّارًا، فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم وبَيْنَ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أيْ: إمّا أنْ تُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ أمْرًا ذا حُسْنٍ أوْ أمْرًا حُسْنًا مُبالَغَةً بِجَعْلِ المَصْدَرِ صِفَةً لِلْأمْرِ، والمُرادُ دَعْوَتُهم إلى الحَقِّ وتَعْلِيمُهُمُ الشَّرائِعَ. ( قالَ ) ذُو القَرْنَيْنِ مُخْتارًا لِلدَّعْوَةِ الَّتِي هي الشِّقُّ الأخِيرُ مِنَ التَّرْدِيدِ ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ ولَمْ يَقْبَلْ دَعْوَتِي ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بِالقَتْلِ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ في الآخِرَةِ ( فَيُعَذِّبُهُ ) فِيها ( عَذابًا نُكْرًا ) أيْ: مُنْكَرًا فَظِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ: خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ورَدَّ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ فَيُخاطَبُ بِهَذا، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ﴾ وكَيْفَ يَقُولُ: ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) فَيُخاطِبُهُ بِالنُّونِ، قالَ: والتَّقْدِيرُ قُلْنا: يا مُحَمَّدُ قالُوا: يا ذا القَرْنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَلْزَمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَهُ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِهِ، وكَأنَّ ذا القَرْنَيْنِ خاطَبَ أُولَئِكَ القَوْمَ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُخاطِبًا لِلنَّبِيِّ الَّذِي خاطَبَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ، أوْ خاطَبَ قَوْمَهُ الَّذِينَ وصَلَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولَوْ رُفِعَتْ لَكانَ صَوابًا بِمَعْنى فَأمّا هو، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَسِيرُوا فَإمّا حاجَةٌ تَقْضِيانِها ∗∗∗ وإمّا مَقِيلٌ صالِحٌ وصَدِيقُ ﴿وأمّا مَن آمَنَ﴾ بِاللَّهِ وصَدَّقَ دَعْوَتِي ( وعَمِلَ ) عَمَلًا ( صالِحًا ) مِمّا يَقْتَضِيهِ الإيمانُ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( فَلَهُ جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: جَزاءٌ الخَصْلَةُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ، أوِ الفَعْلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ. قالَهُ الفَرّاءُ. وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الحُسْنى الَّتِي هي الجَنَّةُ كَإضافَةِ حَقِّ اليَقِينِ ودارِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الجَزاءُ مِن ذِي القَرْنَيْنِ أيْ: أُعْطِيهِ وأتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ: ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ ( جَزاءً ) وتَنْوِينِهِ. قالَ الفَرّاءُ: انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَجْزِيًّا بِها جَزاءً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ بِنَصْبِ ( جَزاءَ ) مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا عِنْدَ غَيْرِهِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ حَذْفِ تَنْوِينٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَزاءٌ ) مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والحُسْنى بَدَلٌ مِنهُ، والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ قَوْلًا ذا يُسْرٍ لَيْسَ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ، أوْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً. ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأُولى وهي الَّتِي رَجَعَ بِها مِنَ المَغْرِبِ وسارَ فِيها إلى المَشْرِقِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوَّلًا مِن مَعْمُورِ الأرْضِ، أوْ مَكانَ طُلُوعِها لِعَدَمِ المانِعِ شَرْعًا ولا عَقْلًا مِن وُصُولِهِ إلَيْهِ كَما أوْضَحْناهُ فِيما سَبَقَ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ يَسْتُرُهم، لا مِنَ البُيُوتِ ولا مِنَ اللِّباسِ، بَلْ هم حُفاةٌ عُراةٌ لا يَأْوُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ العِمارَةِ. قِيلَ: لِأنَّهم بِأرْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها البِناءُ. ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ، وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهم سِتْرًا مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنا لَكم مِنَ الأبْنِيَةِ والثِّيابِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ مِثْلَ ما بَلَغَ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: المَعْنى: كَذَلِكَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِمْ، فَقَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ الإحاطَةِ بِما لَدَيْهِ في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ كَما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ، إنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا، فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ، قالَ: ومَن هو ؟ قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ، قالَ: ما بَلَغَنِي عَنْهُ شَيْءٌ، فَخَرَجُوا فَرِحِينَ قَدْ غَلَبُوا في أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا بابَ البَيْتِ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا ؟» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هو ؟ قالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: هو عَبْدٌ ناصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا ؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ، ونَصَحَ لِلَّهِ فَنَصَحَهُ اللَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَماتَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ فَماتَ. فَأحْياهُ اللَّهُ لِجِهادِهِمْ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وإنَّ فِيكم مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأخْرَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: هو مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ بِالأسْبابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ الكُلاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ (p-٨٧٥)الخَطّابِ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ فَما بالُكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ ؟ وفي البابِ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ مِمّا يُغْنِي عَنْهُ ما قَدْ أوْرَدْناهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأخْبَرَهم بِما جاءُوا لَهُ ابْتِداءً، وكانَ فِيما أخْبَرَهم بِهِ أنَّهُ كانَ شابًّا مِنَ الرُّومِ، وأنَّهُ بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وأنَّهُ عَلا بِهِ مَلَكٌ في السَّماءِ، وذَهَبَ بِهِ إلى السَّدِّ،» وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ، وأكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهُ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ. ذَكَرَ مَعْنى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وعَزاهُ إلى ابْنِ جَرِيرٍ والأُمَوِيِّ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: والعَجَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ الدّارِيَّ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ساقَهُ بِتَمامِهِ في كِتابِهِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. انْتَهى. وقَدْ ساقَهُ بِتَمامِهِ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وساقَ أيْضًا خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وعَزاهُ إلى ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والشِّيرازِيِّ في الألْقابِ وأبِي الشَّيْخِ، وفِيهِ أشْياءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا، وكَذَلِكَ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأخْبارَ ونَحْوَها مَنقُولَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أُمِرْنا بِأنْ لا نُصَدِّقَهم ولا نُكَذِّبَهم فِيما يَنْقُلُونَهُ إلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالَ: عِلْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: أنْتَ تَقُولُ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ يَرْبِطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيّا، قالَ لَهُ كَعْبٌ: إنْ كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاصِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الكَهْفِ ( تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ ما نَقْرَأُها إلّا ( حَمِئَةٍ ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَؤُها ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَما قَرَأْتَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ، فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ، فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ ؟ فَقالَ لَهُ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَرَبِيَّةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ. قالَ ابْنُ أبِي حاصَرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تَزْدادُ بِهِ بَصِيرَةً في حَمِئَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هو ؟ قُلْتُ: فِيما نَأْثِرُ قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذَكَرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلَفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ: ؎قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ عُمَرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ مَلِكًا تَذِلُّ لَهُ المُلُوكُ وتُحْشَدُ ؎فَأتى المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنٍ ذِي خَلَبٍ وثاطٍ خَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلَبُ ؟ قُلْتُ: الطِّينُ بِكَلامِهِمْ، قالَ: فَما الثّاطُ ؟ قُلْتُ: الحَمْأةُ. قالَ: فَما الخَرْمَدُ ؟ قُلْتُ: الأسْوَدُ، فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ ( في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

الكهف 18:96

. ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ سَفَرَ ذِي القَرْنَيْنِ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، وهي ناحِيَةُ القُطْرِ الشَّمالِيِّ بَعْدَ تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى اليَزِيدِيُّ وأبُو زَيْدٍ، عَنِ المُفَضَّلِ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: السَّدُّ إنْ كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَهو بِضَمِّ السِّينِ حَتّى يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ العِبادِ فَهو بِالفَتْحِ حَتّى يَكُونَ حَدَثًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ فَهو سَدٌّ وسُدُّ، نَحْوُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ، والفَقْرِ والفُقْرِ، والسَّدّانِ هُما جَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وانْتِصابُ ( بَيْنَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما ارْتَفَعَ بِالفاعِلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقِيلَ: مَوْضِعُ بَيْنَ السَّدَّيْنِ هو مُنْقَطَعُ أرْضِ التُّرْكِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ لا جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا مِن ناحِيَةِ الجُزُرِ فَشاهَدَهُ، ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ وثِيقٌ مَنِيعٌ، و﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن ورائِهِما مَجازًا عَنْهُما، وقِيلَ: أمامَهُما ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ مِن أفْقَهَ: إذا أبانَ أيْ: لا يُبَيِّنُونَ لِغَيْرِهِمْ كَلامًا، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ أيْ: لا يَفْهَمُونَ كَلامَ غَيْرِهِمْ، والقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ، ومَعْناهُما لا يَفْهَمُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ ولا يُفْهِمُونَ غَيْرَهم؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ. ( قالُوا ) أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ لا يُفْهِمُونَ قَوْلًا، قِيلَ: إنَّ فَهْمَ ذِي القَرْنَيْنِ لِكَلامِهِمْ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِتُرْجُمانِهِمْ، فَقالَ لِذِي القَرْنَيْنِ بِما قالُوا لَهُ ﴿ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ عَجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ صَرْفِهِما، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ. وقِيلَ: مُشْتَقّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ: إذا هَرْوَلَ، وتَأجَّجَتِ النّارُ: إذا تَلَهَّبَتْ، قَرَأهُما الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (p-٨٧٦)وجْهُ هَمْزِهِما وإنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أصْلٌ أنَّ العَرَبَ قَدْ هَمَزَتْ حُرُوفًا لا يُعْرَفُ لِلْهَمْزِ فِيها أصْلٌ كَقَوْلِهِمْ: كَبْأثَ ورَثَأتْ واسْتَشْأتْ الرِّيحُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا عَرَبِيَّيْنِ، فَمَن هَمَزَ فَهو عَلى وزْنِ يَفْعُولٍ مِثْلَ يَرْبُوعٍ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ فَقَلَبَها ألِفًا مِثْلَ: راسٍ. وأمّا مَأْجُوجُ، فَهو مَفْعُولُ مِن أجَّ، والكَلِمَتانِ مَن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. قالَ: وتُرِكَ الصَّرْفُ فِيهِما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ كَأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ. واخْتُلِفَ في نَسَبِهِمْ، فَقِيلَ هم مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ والدَّيْلَمِ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: احْتَلَمَ آدَمُ فاخْتَلَطَ ماؤُهُ بِالتُّرابِ فَخُلِقُوا مِن ذَلِكَ الماءِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُونَ، وإنَّما هم مِن ولَدِ يافِثَ، كَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في صِفَتِهِمْ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَصِفُهم بِصِغَرِ الجُثَثِ وقِصَرِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَصِفُهم بِكِبَرِ الجُثَثِ وطُولِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ لَهم مَخالِبُ كَمَخالِبِ السِّباعِ، وإنَّ مِنهم صِنْفًا يَفْتَرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولِأهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم أخْبارٌ مُخْتَلِفَةٌ في صِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ. واخْتُلِفَ في إفْسادِهِمْ في الأرْضِ، فَقِيلَ: هو أكْلُ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو الظُّلْمُ والغَشْمُ والقَتْلُ وسائِرُ وُجُوهِ الإفْسادِ، وقِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ إلى أرْضِ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ شَكَوْهم إلى ذِي القَرْنَيْنِ في أيّامِ الرَّبِيعِ فَلا يَدَعُونَ فِيها شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِن بابِ حُسْنِ الأدَبِ مَعَ ذِي القَرْنَيْنِ. وقُرِئَ ( خَراجًا ) . قالَ الأزْهَرِيُّ: الخَراجُ يَقَعُ عَلى الضَّرِيبَةِ ويَقَعُ عَلى مالِ الفَيْءِ، ويَقَعُ عَلى الجِزْيَةِ وعَلى الغَلَّةِ. والخَراجُ أيْضًا اسْمٌ لِما يَخْرُجُ مِنَ الفَرائِضِ في الأمْوالِ، والخَرْجُ المَصْدَرُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ والخَراجُ في الأرْضِ، وقِيلَ: الخَرْجُ ما يُخْرِجُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن مالِهِ، والخَراجُ ما يَجْبِيهِ السُّلْطانُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: رَدْمًا حاجِزًا بَيْنَنا وبَيْنَهم. وقُرِئَ ( سَدًّا ) بِفَتْحِ السِّينِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الضَّمُّ هو الِاسْمُ، والفَتْحُ المَصْدَرُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الفَتْحُ والضَّمُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ما رَأتْهُ عَيْناكَ فَهو سُدٌّ بِالضَّمِّ، وما لا تَرى فَهو سَدٌّ بِالفَتْحِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ مَن قَرَأ بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ في السَّدَّيْنِ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ أيْ: قالَ لَهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بَسَطَهُ اللَّهُ لِي مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِن خَرْجِكم، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ المُعاوَنَةَ لَهُ فَقالَ: ( فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أيْ: بِرِجالٍ مِنكم يَعْمَلُونَ بِأيْدِيهِمْ، أوْ أعِينُونِي بِآلاتِ البِناءِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: بِعَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ مَعِي. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ ( ما مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، والرَّدْمُ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ حَتّى يَتَّصِلَ. قالَ الهَرَوِيُّ: يُقالُ رَدَمْتُ الثُّلْمَةَ أرْدِمُها بِالكَسْرِ رَدْمًا أيْ: سَدَدْتُها، والرَّدْمُ أيْضًا الِاسْمُ، وهو السَّدُّ، وقِيلَ: الرَّدْمُ أبْلَغُ مِنَ السَّدِّ، إذِ السَّدُّ كُلُّ ما يُسَدُّ بِهِ، والرَّدْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مِن حِجارَةٍ أوْ تُرابٍ أوْ نَحْوِهِما حَتّى يَقُومَ مِن ذَلِكَ حِجابٌ مَنِيعٌ، ومِنهُ رَدَمَ ثَوْبَهُ: إذا رَقَعَهُ بِرِقاعٍ مُتَكاثِفَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدِّمِ أيْ: مِن قَوْلٍ يَرْكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: أعْطُوْنِي وناوِلُونِي، و( زُبَرَ الحَدِيدِ ) جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ. قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ ائْتُونِي بِها. فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفًا، وعَلى هَذا فانْتِصابُ ( زُبُرَ ) بِنَزْعِ الخافِضِ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ والصَّدَفانِ: جانِبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ صَدَفانِ إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما أيْ: تَلاقِيهِما، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والهَرَوِيُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎كِلا الصَّدَفَيْنِ يَنْفِدُهُ سِناها ∗∗∗ تُوقِدُ مِثْلَ مِصْباحِ الظَّلامِ وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ صَدَفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( الصَّدَفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ واليَزِيدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ الماجِشُونَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ لِأنَّها أشْهَرُ اللُّغاتِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أعْطَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ، فَجَعَلَ يَبْنِي بِها بَيْنَ الجَبَلَيْنِ حَتّى ساواهُما ( قالَ انْفُخُوا ) أيْ: قالَ لِلْعَمَلَةِ: انْفُخُوا عَلى هَذِهِ الزُّبَرِ بِالكِيرانِ ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ المَنفُوخَ فِيهِ - وهو الزُّبَرُ - نارًا أيْ: كالنّارِ في حَرِّها. وإسْنادُ الجَعْلِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِالنَّفْخِ. قِيلَ: كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُّبَرِ والحِجارَةِ ثُمَّ يُوقِدُ عَلَيْها الحَطَبَ والفَحْمَ بِالمَنافِخِ حَتّى تُحْمى، والحَدِيدُ إذا أُوقِدَ عَلَيْهِ صارَ كالنّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُّحاسِ المُذابِ فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطّاقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: القِطْرُ النُّحاسُ الذّائِبُ، والإفْراغُ: الصَّبُّ، وكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: القِطْرُ الحَدِيدُ المُذابُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الرَّصاصُ المُذابُ. ( فَما اسْطاعُوا ) أصْلُهُ اسْتَطاعُوا، فَلَمّا اجْتَمَعَ المُتَقارِبانِ، وهُما التّاءُ والطّاءُ خُفِّفُوا بِالحَذْفِ. قالَ ابْنُ السِّكِيتِ: يُقالُ: ما أسْتَطِيعُ، وما أسْطِيعُ، وما أسْتِيعُ. وبِالتَّخْفِيفِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ( فَما اسَطّاعُوا ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ كَأنَّهُ أرادَ ( اسْتَطاعُوا ) فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) عَلى الأصْلِ، ومَعْنى ( أنْ يَظْهَرُوهُ ) أنْ يَعْلُوهُ أيْ: فَما اسْتَطاعَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أنْ يَعْلُوا عَلى ذَلِكَ الرَّدْمِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يُقالُ: نَقَبْتُ الحائِطَ؛ إذا خَرَقْتَ فِيهِ خَرْقًا (p-٨٧٧)فَخَلَصَ إلى ما وراءَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِ لِارْتِفاعِهِ وانْمِلاسِهِ، وما اسْتَطاعُوا أنْ يَنْقُبُوهُ مِن أسْفَلِهِ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ أيْ: قالَ ذُو القَرْنَيْنِ مُشِيرًا إلى السَّدِّ: هَذا السَّدُّ رَحْمَةٌ مِن رَبِّي أيْ: أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ المُتَجاوِزِينَ لِلسَّدِّ ولِمَن خَلْفَهم مِمَّنْ يَخْشى عَلَيْهِمْ مَعَرَّتَهم لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السَّدُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ مِن بِنائِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: أجَلُ رَبِّي أنْ يَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ( جَعَلَهُ دَكّاءً ) أيْ: مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ومِنهُ قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] . قالَ التِّرْمِذِيُّ، أيْ: مُسْتَوِيًا، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءٌ: إذا ذَهَبَ سَنامُها. وقالَ القُتَيْبِيُّ أيْ: جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مُلْصَقًا بِالأرْضِ. وقالَ الحَلِيمِيُّ: قِطَعًا مُتَكَسِّرًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎هَلْ غَيْرُ غارٍ دَكَّ غارًا فانْهَدَمَ قالَ الأزْهَرِيُّ: دَكَكْتُهُ أيْ: دَقَقْتَهُ. ومَن قَرَأ ( دَكّاءً ) بِالمَدِّ وهو عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ أرادَ التَّشْبِيهَ بِالنّاقَةِ الدَّكّاءِ، وهي الَّتِي لا سَنامَ لَها أيْ: مِثْلُ دَكّاءٍ؛ لِأنَّ السَّدَّ مُذَكَّرٌ فَلا يُوصَفُ بِدَكّاءٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( دَكًّا ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحالِ أيْ: مَدْكُوكًا ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: وعْدُهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، أوِ الوَعْدُ المَعْهُودُ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ، وهَذا آخِرُ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ: الجَبَلَيْنِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قالَ: التُّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ شِبْرٌ وشِبْرانِ وأطْوَلُهم ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وهم مِن ولَدِ آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ ولَوْ أُرْسِلُوا لَأفْسَدُوا عَلى النّاسِ مَعايِشَهم، ولا يَمُوتُ مِنهم رَجُلٌ إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا، وإنَّ مِن ورائِهِمْ ثَلاثَ أُمَمٍ: تاوِيلُ، وتارِيسُ، ومَنسَكُ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا «أنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَه وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ أشَدَّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم وأرادَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ حَفَرُوا، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِياهَ، ويَتَحَصَّنُ النّاسُ مِنهم في حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهامِهِمْ إلى السَّماءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّماءِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنا مَن في الأرْضِ وعَلَوْنا مَن في السَّماءِ قَسْرًا وعُلُوًّا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا في أقْفائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ دَوابَّ الأرْضِ لَتَسْمَنُ وتَبْطَرُ وتَشْكُرُ شُكْرًا مِن لُحُومِهِمْ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قالَتِ: «اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن نَوْمِهِ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ وهو يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، وأخْرَجا نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قالَ: أجْرًا عَظِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: رَدْمًا قالَ: هو كَأشَدِّ الحِجابِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( زُبَرَ الحَدِيدَ ) قالَ: قِطَعُ الحَدِيدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ( بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) . قالَ: الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: رُءُوسُ الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قِطْرًا ) قالَ النُّحاسُ: وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قالَ: أنْ يَرْتَقُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أنْ يَعْلُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( جَعَلَهُ دَكّاءَ ) قالَ: لا أدْرِي الجَبَلَيْنِ يَعْنِي بِهِ أمْ بَيْنَهُما.

الكهف 18:97

. ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ سَفَرَ ذِي القَرْنَيْنِ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، وهي ناحِيَةُ القُطْرِ الشَّمالِيِّ بَعْدَ تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى اليَزِيدِيُّ وأبُو زَيْدٍ، عَنِ المُفَضَّلِ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: السَّدُّ إنْ كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَهو بِضَمِّ السِّينِ حَتّى يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ العِبادِ فَهو بِالفَتْحِ حَتّى يَكُونَ حَدَثًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ فَهو سَدٌّ وسُدُّ، نَحْوُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ، والفَقْرِ والفُقْرِ، والسَّدّانِ هُما جَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وانْتِصابُ ( بَيْنَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما ارْتَفَعَ بِالفاعِلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقِيلَ: مَوْضِعُ بَيْنَ السَّدَّيْنِ هو مُنْقَطَعُ أرْضِ التُّرْكِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ لا جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا مِن ناحِيَةِ الجُزُرِ فَشاهَدَهُ، ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ وثِيقٌ مَنِيعٌ، و﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن ورائِهِما مَجازًا عَنْهُما، وقِيلَ: أمامَهُما ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ مِن أفْقَهَ: إذا أبانَ أيْ: لا يُبَيِّنُونَ لِغَيْرِهِمْ كَلامًا، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ أيْ: لا يَفْهَمُونَ كَلامَ غَيْرِهِمْ، والقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ، ومَعْناهُما لا يَفْهَمُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ ولا يُفْهِمُونَ غَيْرَهم؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ. ( قالُوا ) أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ لا يُفْهِمُونَ قَوْلًا، قِيلَ: إنَّ فَهْمَ ذِي القَرْنَيْنِ لِكَلامِهِمْ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِتُرْجُمانِهِمْ، فَقالَ لِذِي القَرْنَيْنِ بِما قالُوا لَهُ ﴿ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ عَجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ صَرْفِهِما، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ. وقِيلَ: مُشْتَقّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ: إذا هَرْوَلَ، وتَأجَّجَتِ النّارُ: إذا تَلَهَّبَتْ، قَرَأهُما الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (p-٨٧٦)وجْهُ هَمْزِهِما وإنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أصْلٌ أنَّ العَرَبَ قَدْ هَمَزَتْ حُرُوفًا لا يُعْرَفُ لِلْهَمْزِ فِيها أصْلٌ كَقَوْلِهِمْ: كَبْأثَ ورَثَأتْ واسْتَشْأتْ الرِّيحُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا عَرَبِيَّيْنِ، فَمَن هَمَزَ فَهو عَلى وزْنِ يَفْعُولٍ مِثْلَ يَرْبُوعٍ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ فَقَلَبَها ألِفًا مِثْلَ: راسٍ. وأمّا مَأْجُوجُ، فَهو مَفْعُولُ مِن أجَّ، والكَلِمَتانِ مَن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. قالَ: وتُرِكَ الصَّرْفُ فِيهِما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ كَأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ. واخْتُلِفَ في نَسَبِهِمْ، فَقِيلَ هم مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ والدَّيْلَمِ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: احْتَلَمَ آدَمُ فاخْتَلَطَ ماؤُهُ بِالتُّرابِ فَخُلِقُوا مِن ذَلِكَ الماءِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُونَ، وإنَّما هم مِن ولَدِ يافِثَ، كَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في صِفَتِهِمْ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَصِفُهم بِصِغَرِ الجُثَثِ وقِصَرِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَصِفُهم بِكِبَرِ الجُثَثِ وطُولِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ لَهم مَخالِبُ كَمَخالِبِ السِّباعِ، وإنَّ مِنهم صِنْفًا يَفْتَرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولِأهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم أخْبارٌ مُخْتَلِفَةٌ في صِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ. واخْتُلِفَ في إفْسادِهِمْ في الأرْضِ، فَقِيلَ: هو أكْلُ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو الظُّلْمُ والغَشْمُ والقَتْلُ وسائِرُ وُجُوهِ الإفْسادِ، وقِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ إلى أرْضِ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ شَكَوْهم إلى ذِي القَرْنَيْنِ في أيّامِ الرَّبِيعِ فَلا يَدَعُونَ فِيها شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِن بابِ حُسْنِ الأدَبِ مَعَ ذِي القَرْنَيْنِ. وقُرِئَ ( خَراجًا ) . قالَ الأزْهَرِيُّ: الخَراجُ يَقَعُ عَلى الضَّرِيبَةِ ويَقَعُ عَلى مالِ الفَيْءِ، ويَقَعُ عَلى الجِزْيَةِ وعَلى الغَلَّةِ. والخَراجُ أيْضًا اسْمٌ لِما يَخْرُجُ مِنَ الفَرائِضِ في الأمْوالِ، والخَرْجُ المَصْدَرُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ والخَراجُ في الأرْضِ، وقِيلَ: الخَرْجُ ما يُخْرِجُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن مالِهِ، والخَراجُ ما يَجْبِيهِ السُّلْطانُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: رَدْمًا حاجِزًا بَيْنَنا وبَيْنَهم. وقُرِئَ ( سَدًّا ) بِفَتْحِ السِّينِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الضَّمُّ هو الِاسْمُ، والفَتْحُ المَصْدَرُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الفَتْحُ والضَّمُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ما رَأتْهُ عَيْناكَ فَهو سُدٌّ بِالضَّمِّ، وما لا تَرى فَهو سَدٌّ بِالفَتْحِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ مَن قَرَأ بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ في السَّدَّيْنِ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ أيْ: قالَ لَهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بَسَطَهُ اللَّهُ لِي مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِن خَرْجِكم، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ المُعاوَنَةَ لَهُ فَقالَ: ( فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أيْ: بِرِجالٍ مِنكم يَعْمَلُونَ بِأيْدِيهِمْ، أوْ أعِينُونِي بِآلاتِ البِناءِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: بِعَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ مَعِي. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ ( ما مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، والرَّدْمُ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ حَتّى يَتَّصِلَ. قالَ الهَرَوِيُّ: يُقالُ رَدَمْتُ الثُّلْمَةَ أرْدِمُها بِالكَسْرِ رَدْمًا أيْ: سَدَدْتُها، والرَّدْمُ أيْضًا الِاسْمُ، وهو السَّدُّ، وقِيلَ: الرَّدْمُ أبْلَغُ مِنَ السَّدِّ، إذِ السَّدُّ كُلُّ ما يُسَدُّ بِهِ، والرَّدْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مِن حِجارَةٍ أوْ تُرابٍ أوْ نَحْوِهِما حَتّى يَقُومَ مِن ذَلِكَ حِجابٌ مَنِيعٌ، ومِنهُ رَدَمَ ثَوْبَهُ: إذا رَقَعَهُ بِرِقاعٍ مُتَكاثِفَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدِّمِ أيْ: مِن قَوْلٍ يَرْكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: أعْطُوْنِي وناوِلُونِي، و( زُبَرَ الحَدِيدِ ) جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ. قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ ائْتُونِي بِها. فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفًا، وعَلى هَذا فانْتِصابُ ( زُبُرَ ) بِنَزْعِ الخافِضِ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ والصَّدَفانِ: جانِبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ صَدَفانِ إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما أيْ: تَلاقِيهِما، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والهَرَوِيُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎كِلا الصَّدَفَيْنِ يَنْفِدُهُ سِناها ∗∗∗ تُوقِدُ مِثْلَ مِصْباحِ الظَّلامِ وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ صَدَفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( الصَّدَفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ واليَزِيدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ الماجِشُونَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ لِأنَّها أشْهَرُ اللُّغاتِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أعْطَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ، فَجَعَلَ يَبْنِي بِها بَيْنَ الجَبَلَيْنِ حَتّى ساواهُما ( قالَ انْفُخُوا ) أيْ: قالَ لِلْعَمَلَةِ: انْفُخُوا عَلى هَذِهِ الزُّبَرِ بِالكِيرانِ ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ المَنفُوخَ فِيهِ - وهو الزُّبَرُ - نارًا أيْ: كالنّارِ في حَرِّها. وإسْنادُ الجَعْلِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِالنَّفْخِ. قِيلَ: كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُّبَرِ والحِجارَةِ ثُمَّ يُوقِدُ عَلَيْها الحَطَبَ والفَحْمَ بِالمَنافِخِ حَتّى تُحْمى، والحَدِيدُ إذا أُوقِدَ عَلَيْهِ صارَ كالنّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُّحاسِ المُذابِ فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطّاقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: القِطْرُ النُّحاسُ الذّائِبُ، والإفْراغُ: الصَّبُّ، وكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: القِطْرُ الحَدِيدُ المُذابُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الرَّصاصُ المُذابُ. ( فَما اسْطاعُوا ) أصْلُهُ اسْتَطاعُوا، فَلَمّا اجْتَمَعَ المُتَقارِبانِ، وهُما التّاءُ والطّاءُ خُفِّفُوا بِالحَذْفِ. قالَ ابْنُ السِّكِيتِ: يُقالُ: ما أسْتَطِيعُ، وما أسْطِيعُ، وما أسْتِيعُ. وبِالتَّخْفِيفِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ( فَما اسَطّاعُوا ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ كَأنَّهُ أرادَ ( اسْتَطاعُوا ) فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) عَلى الأصْلِ، ومَعْنى ( أنْ يَظْهَرُوهُ ) أنْ يَعْلُوهُ أيْ: فَما اسْتَطاعَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أنْ يَعْلُوا عَلى ذَلِكَ الرَّدْمِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يُقالُ: نَقَبْتُ الحائِطَ؛ إذا خَرَقْتَ فِيهِ خَرْقًا (p-٨٧٧)فَخَلَصَ إلى ما وراءَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِ لِارْتِفاعِهِ وانْمِلاسِهِ، وما اسْتَطاعُوا أنْ يَنْقُبُوهُ مِن أسْفَلِهِ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ أيْ: قالَ ذُو القَرْنَيْنِ مُشِيرًا إلى السَّدِّ: هَذا السَّدُّ رَحْمَةٌ مِن رَبِّي أيْ: أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ المُتَجاوِزِينَ لِلسَّدِّ ولِمَن خَلْفَهم مِمَّنْ يَخْشى عَلَيْهِمْ مَعَرَّتَهم لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السَّدُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ مِن بِنائِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: أجَلُ رَبِّي أنْ يَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ( جَعَلَهُ دَكّاءً ) أيْ: مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ومِنهُ قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] . قالَ التِّرْمِذِيُّ، أيْ: مُسْتَوِيًا، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءٌ: إذا ذَهَبَ سَنامُها. وقالَ القُتَيْبِيُّ أيْ: جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مُلْصَقًا بِالأرْضِ. وقالَ الحَلِيمِيُّ: قِطَعًا مُتَكَسِّرًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎هَلْ غَيْرُ غارٍ دَكَّ غارًا فانْهَدَمَ قالَ الأزْهَرِيُّ: دَكَكْتُهُ أيْ: دَقَقْتَهُ. ومَن قَرَأ ( دَكّاءً ) بِالمَدِّ وهو عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ أرادَ التَّشْبِيهَ بِالنّاقَةِ الدَّكّاءِ، وهي الَّتِي لا سَنامَ لَها أيْ: مِثْلُ دَكّاءٍ؛ لِأنَّ السَّدَّ مُذَكَّرٌ فَلا يُوصَفُ بِدَكّاءٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( دَكًّا ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحالِ أيْ: مَدْكُوكًا ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: وعْدُهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، أوِ الوَعْدُ المَعْهُودُ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ، وهَذا آخِرُ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ: الجَبَلَيْنِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قالَ: التُّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ شِبْرٌ وشِبْرانِ وأطْوَلُهم ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وهم مِن ولَدِ آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ ولَوْ أُرْسِلُوا لَأفْسَدُوا عَلى النّاسِ مَعايِشَهم، ولا يَمُوتُ مِنهم رَجُلٌ إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا، وإنَّ مِن ورائِهِمْ ثَلاثَ أُمَمٍ: تاوِيلُ، وتارِيسُ، ومَنسَكُ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا «أنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَه وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ أشَدَّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم وأرادَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ حَفَرُوا، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِياهَ، ويَتَحَصَّنُ النّاسُ مِنهم في حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهامِهِمْ إلى السَّماءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّماءِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنا مَن في الأرْضِ وعَلَوْنا مَن في السَّماءِ قَسْرًا وعُلُوًّا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا في أقْفائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ دَوابَّ الأرْضِ لَتَسْمَنُ وتَبْطَرُ وتَشْكُرُ شُكْرًا مِن لُحُومِهِمْ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قالَتِ: «اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن نَوْمِهِ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ وهو يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، وأخْرَجا نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قالَ: أجْرًا عَظِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: رَدْمًا قالَ: هو كَأشَدِّ الحِجابِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( زُبَرَ الحَدِيدَ ) قالَ: قِطَعُ الحَدِيدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ( بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) . قالَ: الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: رُءُوسُ الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قِطْرًا ) قالَ النُّحاسُ: وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قالَ: أنْ يَرْتَقُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أنْ يَعْلُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( جَعَلَهُ دَكّاءَ ) قالَ: لا أدْرِي الجَبَلَيْنِ يَعْنِي بِهِ أمْ بَيْنَهُما.

الكهف 18:98

. ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ سَفَرَ ذِي القَرْنَيْنِ إلى ناحِيَةٍ أُخْرى، وهي ناحِيَةُ القُطْرِ الشَّمالِيِّ بَعْدَ تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى اليَزِيدِيُّ وأبُو زَيْدٍ، عَنِ المُفَضَّلِ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: السَّدُّ إنْ كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَهو بِضَمِّ السِّينِ حَتّى يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ العِبادِ فَهو بِالفَتْحِ حَتّى يَكُونَ حَدَثًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ فَهو سَدٌّ وسُدُّ، نَحْوُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ، والفَقْرِ والفُقْرِ، والسَّدّانِ هُما جَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وانْتِصابُ ( بَيْنَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما ارْتَفَعَ بِالفاعِلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقِيلَ: مَوْضِعُ بَيْنَ السَّدَّيْنِ هو مُنْقَطَعُ أرْضِ التُّرْكِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ لا جَبَلا أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا مِن ناحِيَةِ الجُزُرِ فَشاهَدَهُ، ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ وثِيقٌ مَنِيعٌ، و﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيْ: مِن ورائِهِما مَجازًا عَنْهُما، وقِيلَ: أمامَهُما ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ مِن أفْقَهَ: إذا أبانَ أيْ: لا يُبَيِّنُونَ لِغَيْرِهِمْ كَلامًا، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ أيْ: لا يَفْهَمُونَ كَلامَ غَيْرِهِمْ، والقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ، ومَعْناهُما لا يَفْهَمُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ ولا يُفْهِمُونَ غَيْرَهم؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ. ( قالُوا ) أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ لا يُفْهِمُونَ قَوْلًا، قِيلَ: إنَّ فَهْمَ ذِي القَرْنَيْنِ لِكَلامِهِمْ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ الَّتِي أعْطاهُ اللَّهُ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِتُرْجُمانِهِمْ، فَقالَ لِذِي القَرْنَيْنِ بِما قالُوا لَهُ ﴿ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ اسْمانِ عَجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ صَرْفِهِما، وبِهِ قالَ الأكْثَرُ. وقِيلَ: مُشْتَقّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ: إذا هَرْوَلَ، وتَأجَّجَتِ النّارُ: إذا تَلَهَّبَتْ، قَرَأهُما الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (p-٨٧٦)وجْهُ هَمْزِهِما وإنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أصْلٌ أنَّ العَرَبَ قَدْ هَمَزَتْ حُرُوفًا لا يُعْرَفُ لِلْهَمْزِ فِيها أصْلٌ كَقَوْلِهِمْ: كَبْأثَ ورَثَأتْ واسْتَشْأتْ الرِّيحُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا عَرَبِيَّيْنِ، فَمَن هَمَزَ فَهو عَلى وزْنِ يَفْعُولٍ مِثْلَ يَرْبُوعٍ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ فَقَلَبَها ألِفًا مِثْلَ: راسٍ. وأمّا مَأْجُوجُ، فَهو مَفْعُولُ مِن أجَّ، والكَلِمَتانِ مَن أصْلٍ واحِدٍ في الِاشْتِقاقِ. قالَ: وتُرِكَ الصَّرْفُ فِيهِما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ لِلتَّأْنِيثِ والتَّعْرِيفِ كَأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ. واخْتُلِفَ في نَسَبِهِمْ، فَقِيلَ هم مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجَبَلِ والدَّيْلَمِ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: احْتَلَمَ آدَمُ فاخْتَلَطَ ماؤُهُ بِالتُّرابِ فَخُلِقُوا مِن ذَلِكَ الماءِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُونَ، وإنَّما هم مِن ولَدِ يافِثَ، كَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ. وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في صِفَتِهِمْ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَصِفُهم بِصِغَرِ الجُثَثِ وقِصَرِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَصِفُهم بِكِبَرِ الجُثَثِ وطُولِ القامَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ لَهم مَخالِبُ كَمَخالِبِ السِّباعِ، وإنَّ مِنهم صِنْفًا يَفْتَرِشُ إحْدى أُذُنَيْهِ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولِأهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم أخْبارٌ مُخْتَلِفَةٌ في صِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ. واخْتُلِفَ في إفْسادِهِمْ في الأرْضِ، فَقِيلَ: هو أكْلُ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو الظُّلْمُ والغَشْمُ والقَتْلُ وسائِرُ وُجُوهِ الإفْسادِ، وقِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ إلى أرْضِ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ شَكَوْهم إلى ذِي القَرْنَيْنِ في أيّامِ الرَّبِيعِ فَلا يَدَعُونَ فِيها شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِن بابِ حُسْنِ الأدَبِ مَعَ ذِي القَرْنَيْنِ. وقُرِئَ ( خَراجًا ) . قالَ الأزْهَرِيُّ: الخَراجُ يَقَعُ عَلى الضَّرِيبَةِ ويَقَعُ عَلى مالِ الفَيْءِ، ويَقَعُ عَلى الجِزْيَةِ وعَلى الغَلَّةِ. والخَراجُ أيْضًا اسْمٌ لِما يَخْرُجُ مِنَ الفَرائِضِ في الأمْوالِ، والخَرْجُ المَصْدَرُ. وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ والخَراجُ في الأرْضِ، وقِيلَ: الخَرْجُ ما يُخْرِجُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن مالِهِ، والخَراجُ ما يَجْبِيهِ السُّلْطانُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ أيْ: رَدْمًا حاجِزًا بَيْنَنا وبَيْنَهم. وقُرِئَ ( سَدًّا ) بِفَتْحِ السِّينِ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الضَّمُّ هو الِاسْمُ، والفَتْحُ المَصْدَرُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الفَتْحُ والضَّمُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: ما رَأتْهُ عَيْناكَ فَهو سُدٌّ بِالضَّمِّ، وما لا تَرى فَهو سَدٌّ بِالفَتْحِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ مَن قَرَأ بِالفَتْحِ وبِالضَّمِّ في السَّدَّيْنِ. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ أيْ: قالَ لَهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بَسَطَهُ اللَّهُ لِي مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِن خَرْجِكم، ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ المُعاوَنَةَ لَهُ فَقالَ: ( فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أيْ: بِرِجالٍ مِنكم يَعْمَلُونَ بِأيْدِيهِمْ، أوْ أعِينُونِي بِآلاتِ البِناءِ، أوْ بِمَجْمُوعِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: بِعَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ مَعِي. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ ( ما مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، والرَّدْمُ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ حَتّى يَتَّصِلَ. قالَ الهَرَوِيُّ: يُقالُ رَدَمْتُ الثُّلْمَةَ أرْدِمُها بِالكَسْرِ رَدْمًا أيْ: سَدَدْتُها، والرَّدْمُ أيْضًا الِاسْمُ، وهو السَّدُّ، وقِيلَ: الرَّدْمُ أبْلَغُ مِنَ السَّدِّ، إذِ السَّدُّ كُلُّ ما يُسَدُّ بِهِ، والرَّدْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مِن حِجارَةٍ أوْ تُرابٍ أوْ نَحْوِهِما حَتّى يَقُومَ مِن ذَلِكَ حِجابٌ مَنِيعٌ، ومِنهُ رَدَمَ ثَوْبَهُ: إذا رَقَعَهُ بِرِقاعٍ مُتَكاثِفَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدِّمِ أيْ: مِن قَوْلٍ يَرْكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ: أعْطُوْنِي وناوِلُونِي، و( زُبَرَ الحَدِيدِ ) جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ. قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ ائْتُونِي بِها. فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفًا، وعَلى هَذا فانْتِصابُ ( زُبُرَ ) بِنَزْعِ الخافِضِ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ والصَّدَفانِ: جانِبا الجَبَلِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ صَدَفانِ إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما أيْ: تَلاقِيهِما، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والهَرَوِيُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎كِلا الصَّدَفَيْنِ يَنْفِدُهُ سِناها ∗∗∗ تُوقِدُ مِثْلَ مِصْباحِ الظَّلامِ وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ صَدَفٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( الصَّدَفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ واليَزِيدِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ الماجِشُونَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ لِأنَّها أشْهَرُ اللُّغاتِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أعْطَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ، فَجَعَلَ يَبْنِي بِها بَيْنَ الجَبَلَيْنِ حَتّى ساواهُما ( قالَ انْفُخُوا ) أيْ: قالَ لِلْعَمَلَةِ: انْفُخُوا عَلى هَذِهِ الزُّبَرِ بِالكِيرانِ ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ المَنفُوخَ فِيهِ - وهو الزُّبَرُ - نارًا أيْ: كالنّارِ في حَرِّها. وإسْنادُ الجَعْلِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِالنَّفْخِ. قِيلَ: كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُّبَرِ والحِجارَةِ ثُمَّ يُوقِدُ عَلَيْها الحَطَبَ والفَحْمَ بِالمَنافِخِ حَتّى تُحْمى، والحَدِيدُ إذا أُوقِدَ عَلَيْهِ صارَ كالنّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُّحاسِ المُذابِ فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطّاقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: القِطْرُ النُّحاسُ الذّائِبُ، والإفْراغُ: الصَّبُّ، وكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: القِطْرُ الحَدِيدُ المُذابُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الرَّصاصُ المُذابُ. ( فَما اسْطاعُوا ) أصْلُهُ اسْتَطاعُوا، فَلَمّا اجْتَمَعَ المُتَقارِبانِ، وهُما التّاءُ والطّاءُ خُفِّفُوا بِالحَذْفِ. قالَ ابْنُ السِّكِيتِ: يُقالُ: ما أسْتَطِيعُ، وما أسْطِيعُ، وما أسْتِيعُ. وبِالتَّخْفِيفِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ( فَما اسَطّاعُوا ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ كَأنَّهُ أرادَ ( اسْتَطاعُوا ) فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) عَلى الأصْلِ، ومَعْنى ( أنْ يَظْهَرُوهُ ) أنْ يَعْلُوهُ أيْ: فَما اسْتَطاعَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أنْ يَعْلُوا عَلى ذَلِكَ الرَّدْمِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يُقالُ: نَقَبْتُ الحائِطَ؛ إذا خَرَقْتَ فِيهِ خَرْقًا (p-٨٧٧)فَخَلَصَ إلى ما وراءَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِ لِارْتِفاعِهِ وانْمِلاسِهِ، وما اسْتَطاعُوا أنْ يَنْقُبُوهُ مِن أسْفَلِهِ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ أيْ: قالَ ذُو القَرْنَيْنِ مُشِيرًا إلى السَّدِّ: هَذا السَّدُّ رَحْمَةٌ مِن رَبِّي أيْ: أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ المُتَجاوِزِينَ لِلسَّدِّ ولِمَن خَلْفَهم مِمَّنْ يَخْشى عَلَيْهِمْ مَعَرَّتَهم لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السَّدُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ مِن بِنائِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: أجَلُ رَبِّي أنْ يَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ( جَعَلَهُ دَكّاءً ) أيْ: مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ومِنهُ قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] . قالَ التِّرْمِذِيُّ، أيْ: مُسْتَوِيًا، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءٌ: إذا ذَهَبَ سَنامُها. وقالَ القُتَيْبِيُّ أيْ: جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مُلْصَقًا بِالأرْضِ. وقالَ الحَلِيمِيُّ: قِطَعًا مُتَكَسِّرًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎هَلْ غَيْرُ غارٍ دَكَّ غارًا فانْهَدَمَ قالَ الأزْهَرِيُّ: دَكَكْتُهُ أيْ: دَقَقْتَهُ. ومَن قَرَأ ( دَكّاءً ) بِالمَدِّ وهو عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ أرادَ التَّشْبِيهَ بِالنّاقَةِ الدَّكّاءِ، وهي الَّتِي لا سَنامَ لَها أيْ: مِثْلُ دَكّاءٍ؛ لِأنَّ السَّدَّ مُذَكَّرٌ فَلا يُوصَفُ بِدَكّاءٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( دَكًّا ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحالِ أيْ: مَدْكُوكًا ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: وعْدُهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، أوِ الوَعْدُ المَعْهُودُ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ، وهَذا آخِرُ قَوْلِ ذِي القَرْنَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قالَ: الجَبَلَيْنِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قالَ: التُّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ شِبْرٌ وشِبْرانِ وأطْوَلُهم ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وهم مِن ولَدِ آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ ولَوْ أُرْسِلُوا لَأفْسَدُوا عَلى النّاسِ مَعايِشَهم، ولا يَمُوتُ مِنهم رَجُلٌ إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا، وإنَّ مِن ورائِهِمْ ثَلاثَ أُمَمٍ: تاوِيلُ، وتارِيسُ، ومَنسَكُ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا «أنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم إلّا تَرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصاعِدًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَه وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ أشَدَّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهم وأرادَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ حَفَرُوا، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَفْتَحُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِياهَ، ويَتَحَصَّنُ النّاسُ مِنهم في حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهامِهِمْ إلى السَّماءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّماءِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنا مَن في الأرْضِ وعَلَوْنا مَن في السَّماءِ قَسْرًا وعُلُوًّا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا في أقْفائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ دَوابَّ الأرْضِ لَتَسْمَنُ وتَبْطَرُ وتَشْكُرُ شُكْرًا مِن لُحُومِهِمْ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قالَتِ: «اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن نَوْمِهِ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ وهو يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، وأخْرَجا نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قالَ: أجْرًا عَظِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: رَدْمًا قالَ: هو كَأشَدِّ الحِجابِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ( زُبَرَ الحَدِيدَ ) قالَ: قِطَعُ الحَدِيدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ( بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) . قالَ: الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: رُءُوسُ الجَبَلَيْنِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( قِطْرًا ) قالَ النُّحاسُ: وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قالَ: أنْ يَرْتَقُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أنْ يَعْلُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( جَعَلَهُ دَكّاءَ ) قالَ: لا أدْرِي الجَبَلَيْنِ يَعْنِي بِهِ أمْ بَيْنَهُما.

الكهف 18:99

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:100

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:101

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:102

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:103

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:104

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:105

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.